harthe maadنشأ والدي وترعرع في كنفِ أسرة تحفظ القران أباً عن جد في عام 1946 وقد أطلق لقب الملا على آبائنا لاختصاصهم في تدريس الفقه واللغة والعروض، فتلقى والدي رحمه الله في سن مبكرة أولى الدروس في اللغة على يد جده الكبير الملا حمدون الذي كان يحفظ ألفية ابن مالك عن ظهر قلب فاتحا أمامه أبواب اللغة والعروض وعوالم ستفتح ذراعيها له فيما بعد.

وكان جدي أحمد الملا حمدون موظفاً في جوازات ربيعة في الثلاثينيات من القرن الماضي وهو أحد أعضاء جمعية الأدباء 1921 ولكنه مرض حيث أصيب بحالة نفسية أدت إلى اختلال ذاكرته وأبي لم يولد بعد وقالت النسوة حينذاك لجدتي رحمها الله : نسال الله أن تنجبي منه ولدا يرعى أخواته الأربع من بعده ..

حين ولد أبي صحا جدي أحمد وكأنه لم يمرض من قبل مانحا أبي أسمه "معد" وقد سألوه لماذا هذا الاسم بالذات؟ فقال: "معد تعني العرب وجدنا هو معد ابن كرب الزبيدي"

وهكذا تربى والدي في أسرة فقيرة في بيت جدي الكبير هناك تنتصب في وسطه شجرة التوت الباسقة لتكون منهل شعر له فيما بعد ورمزا من رموز قصائده ترعرع في محلة القنطرة في منطقة باب الجديد.

فوق بلاط الاسمنت المختلط ببقع الزيت اثر التقادم بين خشونة الحيطان الجصية المالحة ورائحة المرمر الرطب، السراديب الموصلية الهادئة تقبع خلف شبابيك حديدية متشابكة كالأيدي يتناغم معها برقصة ساخرة حفيف أشجار التوت الشامخ المخضوضر وسط تفجر لحاكيا الأجداد ذوي الوجوه المجعدة ناصعة البياض بأفواه خالية من الأضراس تلفها فانتازيا صامتة، لقد أتاح النسيم لبعض الجرار أن تتعرق فوق أسطح خشنة الملمس خضعت لمعارك الأمطار الموسمية الغزيرة وثمة مستطيل النجوم المقبل على وجوه غافية مستسلمة لعناق منتصف الليل ففي زاوية يقطر إيقاع الزير مانحا مساحة للشمس كي تهبه لمعانا باهتا.

muoed aljaboriهاهي سنادين الورد الصبار براعم النرجس أوراق الكروم المتدلية من بين اسيجة حديدٍ حلزونية الشكل تنشد رونقا يفضي إلى غرف مكتظة تشمخ بأقواسها الزخرفية وسقوفها المقعرة عاشقة الصدى، يسري إلى إذنه صفير بلبل اتخذ من قفصهِ عرشا يطلُ من شرفة خشبية لها عدة شبابيك على زقاق معوج أشبه بجدول وهو نائم في أزقة تضج بالحركة، ستائر تُفتح على مشهد الصباح الأول مارة شتى زقزقة عصافير فوضى الخطوات تزيح الستار عن إفاقة النائمين، قناطر كالأفواه تنفثُ النسيم الرطب في وجوهِ أمهات الزقاق وهن يلتحفن بعباءات سوداء .

من هنا خرج "معد الجبوري" وأنا ابنه كذلك فيما بعد وكانت جدتي أم أبي التي تربيتُ في أحضانها الدافئة تهمس في أذني قائلة: "والدك وحيد وليس لديه أخ فأنت أخوه" هكذا حملت هذه التوصية طيلة حياتي فكنت له ولداً وأخا وصديقاً بارا وكانت جدتي تتطلع إلى أن تجعل من والدي رجلاً تفتخر به فدعمته وأرشدتهُ بخبرتها الرصينة وحثته لإكمال دراسته في كلية الشريعة جامعة بغداد وتخرج منها عام 1968 بدعم مادي من عمتي الكبيرة التي كانت هي الأخرى مدرسة باختصاص مادة التاريخ وهناك جمعته أجواء العاصمة بأدباء وشعراء من بغداد والموصل والمحافظات الأخرى فكتب القصيدة العمودية قبل أن ينهي دراسته وهو يسعى للتفرد وكتابة ما هو مغاير ومثير فكان يميل لكتابة الشعر الحر متأثرا بهذا النمط الأدبي الجديد وقد نشر قصائده في الملحق الأدبي لجريدة الجمهورية ومجلة الأقلام وصحف أخرى بين الأعوام 1965.. 1967 ولم يتخل عن القصيدة العمودية فاشترك في احتفالات الكلية بنصوص جميلة.

وحين عودته للموصل وكان لأول نص نشره في مجلة الآداب التي تصدر في بيروت بالعام 1970اثر كبير في مسيرته الأدبية فقد كان ذلك بمثابة شهادة أدبية مهمة لأي مبدع آنذاك وتوالى النشر في عشرات المجلات والصحف العراقية والعربية لتتبعه نصوص أخرى في العام نفسه.

وقال حينها: "ها أنا ادخل منزل الشعر العراقي من نوافذه " ثم أصدر كتابه الشعري الأول اعترافات المتهم الغائب عام 1971 الذي أثار ضجة في الوسط الأدبي وفي العام نفسه كان يطرق أبوابا مغايرة فوضع تجربته أمام جنس جديد من الكتابة هو المسرح الشعري ففي أواخر ذاك العام كتب مسرحيته الشعرية (آدابا) والتي ترجمت عام 1972 إلى الاسبانية في مجلة المنارة التي تصدر في مدريد ثم ترجمت بعدة لغات منها الألمانية والكردية وقدمت أكثر من مرة على مسارح العراق ..

بعدها فتحتُ عيني وأنا معهُ في عمر الرابعة إلى الخامسة في عام 1977 في الصومال موفدا من قبل الحكومة العراقية ليكون مدرساً للغة العربية هناك وقد سجلنا في مدرسة صومالية لمدة ستة أشهر اذكر إننا تعلمنا العد من الواحد حتى العشرة وبعض الكلمات الصومالية أنا وأخي رائد وأختي الكبرى هديل تلك كانت أولى سنواتي وأنا أراه يضع أقدامه على طريق الطموح والنجاح

وتوالت الأحداث بعروض مسرحياته الشهيرة آنذاك على مسارح العراق وبالأخص في مدينة الموصل اذكر منها مسرحية آدابا ..ومسرحية شموكين اللتان عرضتا عدة مرات.

 كان هو الطائر المحلق المفعم بروح الشموخ والكبرياء أينما حل تحيط به نخبة من مثقفي المدينة والعراق ينظرون إليه نظرة إعجاب وتقدير ومحبة عالية وأذكر من أصدقائه الذين جايلوه في الساحة الثقافية :

 " الشاعر عبد الوهاب إسماعيل، الشاعر امجد محمد سعيد، المخرج المسرحي شفاء العمري القاص والروائي امجد توفيق، الشاعر ارشد توفيق، الكاتب القاص محمد عطا الله، الفنان الشهير عبد الواحد إسماعيل، الشاعر سالم الخباز، الروائي نجمان ياسين، الفنان صبحي صبري، المخرج محمد فوزي طبو، الشاعر حيدر محمود عبد الرزاق، الشاعرة بشرى البستاني، الشاعر ذو النون الاطرقجي، الشاعر غانم يونس سعيد، أستاذ اللغة العربية ورفيق سفره ورحلاته يوسف البارودي، القاص طلال حسن، الفنان حازم الاطرقجي"

 وأنا في سن صغير كان يحاول أن يريني تألقه وإبداعه مشيرا إلى انجازاته أمامي محدثا أياي كأنني احد أصحابه: "يا ابني علك تصبح يوما ما شاعرا أو مسرحيا أو كاتبا افتخر به"

من هنا بات يزرع فينا نحن أولاده روح الإبداع وتقديم الإنسان من خلال الأعمال الإبداعية المتميزة عن باقي الناس واذكر أنني في عمر العاشرة اصطحبني إلى سينما سمير أميس الكائنة في منطقة الجمهورية في مدينة الموصل قائلا: "لا تخف سترى الفارس وهو ينقذ الحسناء من القرد الضخم ! " كان ذلك أول فلما أشاهده بعنوان "كنك كونك" والذي تأثرت به جداً وفي عمر الثانية عشر شجعني لقراءة كتاب ألف ليلة وليلة ليصبح كل ذلك طريقا لي إلى عوالم مشاهدة الأفلام وقراءة الروايات والقصص والشعر .

كان رحمه الله يكتب الشعر معظم الأحيان في المنزل ظهراً مستلقيا على بطنه كالسائح فوق رمل البحر أو متربعا وأوراقه فوق الوسادة في غرفته في جو هادئ له خصوصيته بعدما يطلب من والدتي قدحا من الشاي وسيجارته متقدة طيلة فترة الكتابة وأصابعه تبرم شاربيه من اليسار إلى اليمين وكان يحدثنا أحيانا عن أسفاره وما اكتنزه من معرفة تاريخية عن الشعر وغيره

 والحقيقة تقال كان الشعر يقاسمنا أبوته مانحا وقته الكبير للكتابة وإدارة المناصب التي شغلها بإخلاص كبير.

لم يكن أبي بخيلاً ولم يكن مسرفاً أيضا ولكنه كان يحرص على ألا تنفذ النقود من جيبه خشية ألا يحتاج لأحد كونه تربى في بيئة فقيرة أنهكها العوز كان يعتز بأشيائه المحيطة به مهما كانت صغيرة أو قديمة يعتبرها حسب قوله "روحا تتنفس وتتكلم" ومن الصعب أن يستبدل تلك المقتنيات بسهولة وكانت الكتب في بيتنا في كل مكان هنا وهناك ولكن بطريقة منظمه هو من ينظم ذلك ويقول كل كتاب هو شخص يتحدث معك دون أن يتحرك أو عالم بأكمله تدخله متى تشاء ..

وفي بداية سنواته الوظيفية عمل مدرسا للغة العربية في قرقوش (بغديدا) استطاع أن يستنهض حركة مسرحية وشعرية أدت إلى بروز مواهب كثيرة وأسماء معروفة الآن بالوسط الثقافي والفني

اذكر منها: الفنان ريكاردوس يوسف، الشاعر والكاتب شاكر مجيد سيفو، القاص هيثم بردى الشاعر زهير بردى، الشاعر الدكتور بهنام عطا الله، رمزي هرمز ياكو، والأستاذ إبراهيم يوسف حنو، الأديب نمرود قاشا، وعد الله إيليا، بهنام حنا عجم، متي عبو، نجيب خضر هدايا، حنا نيسان، كريم إينا، سعد الله بهنام قاشا، الفنان ثابت ميخائيل، الفنان سمير بهنام جحولة والعديد من المدرسين والفنانين .

وعندما عمل مديرا للنشاط المدرسي وشغل منصب نقيب الفنانين آنذاك أدار تلك المناصب بما حقق خدمة صادقة للمدينة والحركة الثقافة والفنية فيها من خلال كتابته للاوبريت باللهجة الموصلية الذي يعكس هوية المدينة وجذور الفلكلور بما يشمل الحِرف الشعبية والأزياء الفلكلورية والأغاني الشعبية الخاصة بالمناسبات الاجتماعية كالزواج وختان الأطفال والحصاد وحركة الأسواق الشعبية واذكر مهرجان الربيع الذي كان يقام في مدينة الموصل سنويا في أواسط نيسان حيث تشترك كافة مدارس المحافظة وجامعة الوصل ودوائر المحافظة لتسير مواكب تعبر عن الاحتفال بالربيع وبهجته وكان والدي عضوا باللجنة العليا المشرفة على نشاطات المهرجان بما في ذلك استقدام المطربين الكبار من العراقيين والعرب لإحياء حفلات غنائية تتسم بالبهجة والفرح في مختلف المناطق التاريخية مثل الحضر والنمرود مما أتاح لفناني المحافظة الفرصة لإبراز قدراتهم الفنية وعطائهم الجميل والاحتكاك بفنانين عراقيين وعرب مما أثرى قدراتهم الفنية والأدبية.

 وعلى صعيد الغناءِ والموسيقى والتمثيل ومعارض الرسم ومعارض الزهور حيث كان كل ذلك تظاهرة ثقافية ضخمة بجهود كبيرة منه ومن بقية المهتمين بتلك النشاطات وقد كانت قاعة الربيع بمسرحها وقاعة ابن الأثير مثابات أنطلق منها شعاع الثقافة الموصلية العريقة حيث أقيمت مهرجانات شعرية وعرضت أعمال مسرحية عديدة كان منها مسرحية آدابا من إخراج الفنان محمد نوري طبو وأخرجها مرة ثانية بعد أكثر من خمسة عشر عاما الدكتور الراحل جلال جميل وأما مسرحية شموكين فقد أخرجها المخرج المسرحي الراحل شفاء العمري والاوبريتات المشتركة والمسرحيات الغنائية مع الشاعر الكبير عبد الوهاب إسماعيل والذي كان اقرب أصدقاء والدي في مسيرته الإبداعية .

أما عن مشاركاته فهي لا تعد ولا تحصى فقد شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والأيام الثقافية أذكر منها :

مهرجان أبي تمام الدولي الذي أقيم بمدينة الموصل في كانون الأول عام 1971والذي حضره نخبة مرموقة من الشعراء العرب والعراقيين، الأيام الثقافية في المغرب عام 1984، مؤتمر الأدباء والكتاب العرب 1986، الأسبوع الثقافي العراقي الأول في اليمن 1987والثاني 1989 مهرجان الشعر الآسيوي في دكا بنغلاديش 1989’مهرجان بغداد للمسرح العربي الأول والثاني والثالث في التسعينيات، الاحتفالية الثقافية الفنية في دار الأوبرا بالقاهرة 1997، مؤتمر الأدباء والكتاب العرب 2001، مهرجان أبي العلاء المعري الحادي عشر في سوريا 2007 ومهرجانات المربد الشعرية منذ دوراتها الأولى حتى عام 2002، ثم مهرجان أبي تمام عام 2012 في الموصل .

وكان له حضور شعري في مدن عديدة حل فيها عبر اللقاءات والقراءات الشعرية منها دمشق، القاهرة، الرباط، تونس، صنعاء، عمان، مقديشو، طنجة، جدة، ومراكش، الدار البيضاء، اصيلة، سوسة، المنستير، تعز، عدن، حجة، حلب، دير الزور، الحسكة، معرة النعمان، مكة المكرمة، اسطنبول أنقرة، صوفيا بودابست، بوخارست، بلغراد، براغ، لندن، دكا بانكوك

وفي العام 1989انتقل من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الثقافة والإعلام حيث عُين في ذلك التاريخ مديرا للمجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى وشغل هذا المنصب لمدة تتجاوز الثلاثة عشر عاما وفي علاقاته الطيبة مع دائرة الإذاعة والتلفزيون في بغداد استطاع والدي أن يكسب نصف ساعة أسبوعية من البث المركزي في بغداد لتقديم أخبار وتراث المدينة في شتى المجالات ومن هنا انبثقت جريدة أم الربيعين الشهيرة العالقة في ذاكرة أبناء الموصل والعراق إلى يومنا هذا، وجاء العدوان الأمريكي على العراق عام 1990وتعرضت أبنية الدولة آنذاك للقصف ولم يسلم حينها المجمع الكائن في الجانب الأيسر للمدينة في منطقة الفيصلية من الأضرار واضطرت الكثير من الدوائر لإيجاد أماكن بديلة ومنها المجمع حيث أصبح مكانه البديل جزءا من المتحف الحضاري الكائن في منطقة الجمهورية، وتتالت منجزاته من خلال تلك الجريدة في رحلتها الجميلة مع بداية الحصار على العراق .

 وبالرغم من هذه الظروف الصعبة إلا أن الوالد كان لا يتوقف عن العطاء فكنت أراه في المجمع المدير الفني المنتج والمخرج والمُعد لا يولد شيء من رحم تلك الجريدة إلا وهو يشرف عليه وبجهود حثيثة من الموظفين المخلصين، للعمل في تلك السنين واذكر هنا بعض الأسماء

 المخرج طارق فاضل، المخرج خليل إبراهيم، المذيع التلفزيوني إبراهيم الحلو، المذيعة فرقد ملكو، المصور صباح إبراهيم، المصور محمد المهدي، المونتير امجد كريم وهناك فقرة بارزة في الجريدة وهي (اللقطة) التي شارك في أدائها مجموعة خيرة من فناني المدينة لعلي اذكر منهم الراحل حسن فاشل، الدكتور نجم الدين عبد الله، الفنان الكوميدي عبد الواحد إسماعيل، الفنان صبحي صبري، الفنان مثنى إبراهيم، الفنان الشاب رائد معد، الفنان محمد الزهيري، الفنان واثق الأمين، الفنان احمد الماجد، جمال أبو عذاب وفنانون آخرون وليعذرني من لم تسعفني ذاكرتي لذكر اسمه، وكان يقول لنا في البيت في كل جمعة : " تعالوا لنشاهد ما قدمه والدكم للمدينة " فكنا نجتمع جالسين في هدوء تام كي نرى ذلك الانجاز بشغف ونتابع بلهفة فأصبح للقطة شعبية هائلة حيث كانت تعالج سلبيات المجتمع بطريقة كوميدية وأذكر انه زجنا أنا وأخي رائد في التصوير والتمثيل في اللقطة الشهيرة آنذاك لا أترك أنا هذا المجال بعدها ويتحول أخي رائد إلى منتج ومصور وممثل في غضون فترة قصيرة، ومما يجول في ذاكرتي أن طرحا قدمه الروائي المعروف نجمان ياسين الذي كان يشغل رئيس اتحاد أدباء العراق آنذاك ومعه الوالد حول إقامة مهرجان يضم جميع العروض الفنية والثقافية والتراثية والفلكلورية إلى بغداد فجاءت الموافقة وأقيم المهرجان في ناحية الحضر عام 1994 وشارك فيه العديد من فناني ومثقفي المدينة في شتى العروض فكانت التغطية الكبرى تقع على عاتق تلفزيون نينوى بإشراف والدي وظل ذلك العطاء متدفقا طيلة تلك السنوات وصولا إلى عام 2003 عام سقوط العراق بيد أمريكا وحلفائها

ومن هنا بدا التحول في كل أركان الحياة وصار الزحام على المناصب فاتخذ والدي موقف المترفع عن التهافت على الفرص التي تزاحم عليها المتسلقون وآثر أن لا يلوث نفسهُ بذلك المستنقع الآسن الذي تمثل بسلطة الاحتلال حيثُ رفض العروض العديدة من قبل الاحتلال مباشرة واذكر أن جنرالا أمريكيا كبيراً استدعاه وعرض عليه منصبا إداريا في مجال الإعلام وبملغ كبير جدا فأجابه والدي حينها اعمل بأي منصب في بلدي العراق ولكن حين خروجكم، وبهذا أحال نفسه على التقاعد قبل بلوغه السن القانونية في عام 2006 ليتفرغ لكتابة الشعر كما قال : " حتى يتوقف النبض"

 وفي عام 2008جمع أعماله في منجز تحت عنوان ديوان معد الجبوري الإعمال الشعرية الكاملة 1971ـ 2008 الذي طبع في مصر مطبعة دار شمس ليواصل عطاءه الإبداعي في أربع مجاميع شعرية جديدة وهي على التوالي مخطوط موصلي والذي طبع في دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع دمشق 2010 لا ستار .. لا غبار (عشرون قصيدة عمودية) مكتب العلا الموصل 2013، وقت لحرائق الكلمات مطبعة الديار الموصل 4 201، والحديث عن الديوان الأخير عزلة في الرماد والذي كتبه مابين عامي ـ2014ـ2016، سيأتي آنفا فضاء بين جمرتين (أربع مسرحيات شعرية) دار السياب، وكتاب المذكرات من أوراق الضفة الثالثة (لقطات من الذاكرة) جامعة الموصل– دار ابن الأثير للطباعة والنشر– الموصل 2013. وفي أيار 2013 صدر كتاب الدكتورة إخلاص محمود عبد الله بعنوان (العنوان في شعر معد الجبوري _ دراسة سيميائية) وهو بالأصل أطروحة دكتوراه حصلت بها الباحثة على شهادة الدكتوراه من كلية الآداب جامعة الموصل وقد سبقتها رسالة الماجستير للباحثة سجى سالم بعنوان (الشخصيات الأسطورية والتاريخية في شعر معد الجبوري المسرحي) ورسالة ماجستير أخرى للباحث قاسم محمود الجريسي بعنوان (بنية الإيقاع في شعر معد الجبوري) في العام 2007، وعودة إلى انشغال والدي بالكتابة فقد بدأ ينشر ما يجول في ذاكرته من مواضيع جميلة تخص المدينة أو حياته الشعرية في مواقع عديدة ومن أهمها :

 موقع بيت الموصل الذي كان يشرف عليه نخبة من كتاب موصليون أصلاء واذكر منهم الدكتور سمير بشير حديد، الدكتور احمد عبد الله الحسو، المهندس سالم عبد الله الحسو واستمرت حالة النشر هذه مدة ليست بقليلة حتى عام 2013 حينما نشر قصيدته الشعبية الشهيرة باللهجة الموصلية (بوسي وشمي) والتي أهداها إلى مشتاق الدليمي المعروف بعشقه لمدينة الموصل ولهجتها الحضرية المميزة .

 وأثناء المحنة التي عاشتها الموصل بداية من 10 ــ 6 ــ 2014 كنت أُلازمهُ في كل تفاصيل الحياة آنذاك وكان يأبى الخروج من المدينة إطلاقاً ومن البيت كذلك مما اضطرني إلى البقاء معه ومتابعة حالته الصحية الصعبة، ثم بدا بكتابة مجوعته الشعرية الأخيرة (عزلة في الرماد) وهو محاط بحزن عميق على ما يجري من أحداث مؤلمة قي مدينته التي أحبها وخلدها في شعره وقال في حرقة: " مهما حدث وسيحدث فان الموصل مدينة لا تموت وستنهض من رمادها كما العنقاء" . وصولا إلى العام 2017 حيث اشتد به المرض وأصيب بجلطة دماغية ولكنه ظل محتفظا بتركيزه وإيمانه بالله ومواظبا على صلاتهِ بالرغم من وضعه الصحيّ ثم أرسل بطلبي ليطلعني على بعض الوصايا ومنها أن انشر له قصيدته الأولى من المجموعة الجديدة وبالفعل كان ذلك ومن ثم ابلغني أن مجموعته عزلة في الرماد مهداة إلى صديق عمره عبد الوهاب إسماعيل وخصني بإهدائه القصيدة الثالثة من المجموعة لي كما خص الشاعر سيف جميل الذي كان ملازما له طيلة الفترة الصعبة بالقصيدة الأخيرة من المجموعة وكان هذا الحديث قبل وفاته ببضعة أيام .

 ثم فارق الحياة يوم 1-4-2017 في الساعة الثانية فجراً تاركاً إرثاً ثقافياً كبيرا ومحبة عميقة في قلوب أهله ومحبيه وصوتا شعريا مدويا ستسمعه الأجيال تلو الأجيال رحمه الله

 لن أنسى أنك من أدخلني عالم الشعر الجميل وأنك معلمي وقدوتي وأبي الحنون

 

وجهك زهرةُ بيبون / حارث معد

 

أشهدُ أنَ أسمكَ سيبقى،

محفوراً في الصخرِ.

اشهدُ أنك في ذاكرةِ الغدِ تجيء،

وأنكَ في بحرٍ الشعر،

قبطانٌ أبدي

تبحرُ وتبحر .

في هداةِ المغيبِ،

ها أنا اتكئُ منفرداً ...

أمام كتبكَ المغبرة الصامتة،

وفي حنجرتي.. غصةُ الذكرى .

ونظري يتحولُ إليك،

وأنت ترمقني

منْ صورك القديمة المعلقة،

على الجدران،

تهمسُ في أذني

إجلسْ في الأمامِ،

كي تراني ..

بجناحينِ منبسطينِ

أحلقُ في أعالي البوحِ

وأمدهما،

في قلبِ العاصفة

أجعلها قبضة ريح .

ها أنا في غرفتك !

معي تراتيل وتعاويذ

تمنحني الدخول،

لمعبدِ شعرك

ممنوعٌ أن تلمس أهداب ورقي

كلمات تحرق يدك

مسلاتي .. رقُمي

طيني الممزوج بدمي !

ممنوعٌ أن تفرك مصباحي

ماردي متهمٌ في " اعترافات الغائب"

ممنوع أن تعبث بأشيائي

أو تتنكر للأرض أو تتقمصني

شكلي أرضُ النهرين

وجهي زهر "بيبون" وربيعين

مسرحي صوتٌ

يصرخ في القاعات

(أنا آخر الأحجار في

قلعةِ باشطابيا)

صمتي، همسي

قلقي، قلمي

قرطاسي،

 فأنا ملحمة

 مملكة

بحارٌ تفور..

مفاوز لا تتكرر

عاصفة وبروق

زلازلٌ من كلماتٍ

فما زال شموكين يحرسُ أشيائي

وترقي آدابا وجهي

أنا السندبادُ المبحرُ في الرمل

علاء الدين

محلق من غير بساط

افتح يا سمسم،

فـ (هذا رهاني) أن تفتح

عن جواهري وكنوزي

عن لآلئ نصوصي

عن وردتي المسافرة

عن وجه أمي

فها هي (أوراقُ الماء)

في كهوف تعكسها مرآة

أوراق بين كفي دجلة

تعانقُ لجته وخريره

افتح يا سمسم

عن شرفاتٍ وزقاق

عن ثرثرة العصافير

في بيتِ الجد

تحتَ شجرةِ التوت

عن أدوارِ المسرح روح وشرارة

عن أهازيجٍ وهتاف (سيف وطبل)

من أول عتبة في الإيوان

لآخر قنطرةٍ خلف الباب

جزعاً أسرعُ في خطاي

أروحُ أجيءُ كضوءٍ المنارة

وحدي تفتك بي أحزاني

تفرُ من ورقي العبارة

قد يكونُ (آخر الكلام)

لعلها (آخر الشظايا)

ربما تجيءُ ذاتَ مغيبٍ

بطرديةٍ جديدةٍ

فيها شعلة آشور

وعشبةُ كلكامش

ولا مواسٍ

ولا خلٍ

يمسحُ عنْ أصابعك دمع الحروف

مِن خد المعاني

كيف الطريقُ وأنت لست به ؟

منْ يضيءُ القصائد ؟

منْ يصوغ ذهب الحروف ؟

منْ يحبس الكواكب في السطور

ويعدو بالقوافي نحو الشمس ؟

بعدكَ عتمة ولا شيء يرى

لا النجمُ لا النهرُ لا الثواني

ها أنا في ساعةِ الوداعِ

يغمرني الذهول

عند قبرك يا أبي

أصابعي مشبكةٌ على رقبتي

وراسي بينَ ركبتي

قلبي يرفضُ الوداع

وصمتي حزين

حزينٌ يا أبي

لا وقتَ للقصيدةِ

كانت هي الأخيرة

في التاريخِ محفورة

ليست صفحة أخيرة

**

 

 

abdulelah alsauqقال الشاعر العربي الكبير احمد الصافي النجفي  مقطوعة في الدكتور علي الصافي حملت رؤية استباقية لمجد علي الصافي الذي نكتب فيه:

أيا ابن اخي ياعلي الرتب      وياخير فخر لعمٍ وأب

لأنت نسيبي روحاً وخلقاً     وتلك لعمري أعلى الرتب

فكنت صديقي مذ كنت طفلا      ومركز آمالي المرتقب

تفرست فيك وانت ابن شهرين مجداً      وإذْ بالفراسة ذي لم تخب

جمعت المفاخر من كل نوع      ويكفيك انك صافي النسب

اكتب عن رجل بسيط وعميق معا ! حفر مجده بأظافره ! فبات مفخرة العراق والعرب معا ! ومن عجب ان لايلتفت اليه المؤرخون في الماضي والحاضر بما هو اهل له وها اني اكتب فيه لاضمه الى اعلام موسوعة الصائغ الثقافية باب الأعلام:

 العلم الساطع علي الصافي جاء الدنيا سنة 1320 هجرية والتاريخ الهجري ضيع علينا التاريخ الميلادي الذي يعرفه العالم جميعا بينما التاريخ الهجري مجهول لدى اكثر المسلمين ابصر النور في مدينة النجف وابوه علم كذلك هو السيد محمد رضا الصافي وكان ابوه قد هيأه للدرس الديني الحوزوي فتنقل بين جوامع الصحن الشريف والطوسي والهندي واضعا على راسه عمة سوداء ! فدرس النحو والصرف والعروض والأجرومية والقراءات ثم انتفض الرائد فيه فترك الجمل وما حمل وغادر دراساته الحوزوية فدخل المدرسة الابتدائية المدنية ومنها الى المدرسة  المتوسطة التي تخرج فيها عام 1930 وتعالوا نحسبها = دخل الابتدائية عمره 6 سنوات تخرج منها عمره 12  سنة  ودخل المتوسطة وهو ابن 13  سنة فرضا وامضى فيها ثلاث سنوات وتخرج وهو ابن 16  سنة فاذا كان عمره 16  سنة 1930 اي انه مولود سنة 1914  وكان على اسرته عمل هذه المقابلة ثم ارسلته الحكومة الى مصر القاهرة ليدرس  الفنون التطبيقية اي بما يعادل الاعدادية اليوم ومن هناك ترشح الى المانيا باقتراح كريم من وزارة المعارف العراقية وتحقق سفره الى المانيا عام 1933  وكان عليه دراسة اللغة الالمانية وهذا الطقس مازال في الجامعات المحترمة حين يدرس فيها من لايفقه لغة بلد تلك الجامعة فاذا اتقن الالمانية بوقت قياسي دخل الجامعة الالمانية الهندسية واختار اختصاص الهندسة الميكانيكة وفي السنة 1939 بدات الحرب العالمية المشؤومة الثانية سعيرها ولم تسمح له الحكومة العراقية وقتها ليؤدي امتحان التخرج فاستدرجته الى العراق وحين وصل العراق مكبودا حزينا مع صفوة من العراقيين النجباءغيرت الحكومة رايها فارسلت الطالب علي محمد رضا الصافي الى سويسرا بدلا من المانيا ولكن عقله هداه إلى ان يغادر سويسرا دون علم الحكومة العراقية وسافر الى برلين وادى الامتحان الجامعي النهائي وكان له ما اراد فحصل على   AMA هندسة ميكانيكية سنة 1941   وحين شب ضرام انقلاب رشيد عالي الكيلاني بمساندة العقداء الخمسة قرر علي الصافي البقاء في برلين وانهمك في تخصص العلوم السياسية والاقتصادية ونال الدكتوراه 1944 بدرجة جيد جدا عال وهناك تفرغ للعمل السياسي فشكل جمعية الطلبة العرب ولكن ذلك لم يرض طموحه فاسس محلها النادي العربي وبعد ذلك اسس الجمعية العربية ومن خلال الاقتراع فاز بمنصب السكرتير العام طوال مكثه ودراسته سنة 1938  وقرر ان يقوم بجولة ميدانية فزار جل بلدان اوربا ومنطقة شمال افريقيا وبسبب من شخصيته المحبوبة وافكاره التويرية العروبية فقد عقدت له صداقات مهمة مع شخصيات وزعماء بارزين وبعد خيبة المانيا في الحرب غادر الى باريس ليصل ما انقطع مع بعض الشخصيات العربية البارزة ومن فرنسا عبر الحدود صوب المانيا وحصل على وثائقه الدراسية وصدقها من فضلا عن المانيا الخاسرة  صدقها من سفارات سوريا ولبنان هناك فهو رجل منذ بواكير سنه يعرف ما يريد وبدوافع انسانية نشط جدا في اعادة السوريين واللبنانين وبعض العرب العالقين في المانيا الى بلدانهم الاصلية مما سلط عليه الانظار فتحسست منه الحكومات المنتصرة ففرضت عليه الاقامة الاجبارية في مدينة هايد لبرك واجريت معه تحقيقات امنية مرهقة استمر بعضها الى ساعات الصباح ولبثت التحقيقات الى 1948 فسمحت له الحكومة الامريكية بالعودة الى العراق وفي بلده عين مدرسا على ملاك كلية الهندسة ثم صدر امر رفيع ليشغل منصب مراقب التعليم الصناعي العام ثم نقلت وظيفته من وزارة المعرف الى وزارة الأشغال والمواصلات وعين مديرا عاما وكالة للبريد والبرق العام سنة 1950 ثم استعيرت خدماته الى شركة الجلود الوطنية وكانت الجلود تصدر الى خارج العراق وتدر المبالغ الطائلة وبات مديرا عاما لهذه الشركة المنتجة المربحة وكان خلالها موضع اعجاب رؤسائه ومرؤوسيه وحين شكل السيد ارشد العمري اختارالدكتور علي الصافي وزيرا للاقتصاد فاستلم حقيبته الوزارية في 29 ابريل 1954  فضلا عن انتخابه نائبا عن مدينة النجف في جون من 1954 نفسه وبعد خلافات بين الحكومة والبلاط استقال المغفور له ارشد العمري من الوزارة وحل المجلس النيابي ! فلم يندب الدكتور الشاب الناهض حظه فترك العمل الوظيفي لكي يزاول الاعمال الحرة (ويبدو ان بيت الصافي لهم ميول فطرية وذكاءات تجارية لمزاولة الاعمال الحرة لذلك لم تلو المناصب اذرعهم) ! كان الدكتور علي الصافي سراجا وهاجا من الشعورين الوطني والقومي فمثل قدوة لمعظم اصدقائه ومريديه فقد اسهم في تأسيس من النوادي العربية ويتذكر مجايلوه ان الدكتور الصافي مثل الجامعة العربية ضمن وفد الى المانيا لمنهضة ومكافحة مشروع التعويضات الالمانية لاسرائيل وخلال وفادته الى المانيا اتصل  بعدد من الزعماء والثائرين العرب ومن جملة هؤلاء اللواء المصري محمد نجيب كما عرف عنه مجايلوه شغفه بالمغامرات وطموحه غير المحدود في ان يصنع شيئا ان يكون شيئا ان يقدم للناس شيئا ولعله لقف ذلك عن ابيه وهو الى هذا شخصية مطبوعة على الحب والظرف وروح النكتة فضلا عن حفظه قصائد لشعراء مجددين من كل عصور الادب العربي بل كتب شعرا من نظمه يكون عدة دواوين (ولكن ...) ولكن اين قبيلته اين اسرته اين محبوه اين الغيارى على الادب ! بل اين النجفيون من طبع شعر وسيرة حياة الدكتور علي محمد رضا الصافي ! كتب مرثية في انسان كان انيس غربتهم ومنشط ثقتهم بانفسهم وهو اي المرثي فكه ظريف لاتفارق البسمة شفتيه رغم الغربة واحزانها ! اسم المرثي هو بهاء الطباع فكتب الدكتور علي الصافي مرثية فيه جاء فيها:

جادت قريحته وجاد الخاطر      وسمت عواطفه فنعم الشاعر

أبهاء انت سنادنا وسرورنا       وأنيس مجلسنا وأنت السامر

لولاك ما كانت هموم تنقضي    كلا ولا كانت هناك خواطر

وقد شطرت القصيدة وخمست من لدو شعراء كبار !!

وقال علي الصافي:

ألا ان لي في الصمت ابلغ وصمةٍ       اجيبُ بها خصمي إذا سامني طعنا

وكم في سكوتي عن اسافل معشر   دقيق معان إن همو أدركوا المعنى

فشطرها ثم خمسها الشاعر  السيد جواد الصافي وللسيد جواد الصافي منزلة مرموقة في حومة الادب .

وأقفُ عند الشاعر والمؤرخ الكبير المرحوم الشيخ علي البازي الذي شطر ابيات علي الصافي بقوله:

ألا ان لي في الصمت أبلغ وصمة    تعبر عن فكري وعمن به اعنى

وعندي برغم الحاسدين مواهب    أجيب بها خصمي إذا سامني طعنا

وكم في سكوتي عن اسافل معشر   كلام لمن في روعه الوعي اورعنا

وفي ضمنه وافي بيان منظم     دقيق معانٍ إن همو ادركوا المعنى

1276 sayeq

قال الاستاذ السيد محمود نجل السيد محمد رضا الصافي ضمن كتابه الوافي في احوال آل السيد الصافي الطبعة الاولى ص 154 وبعدها) وكان والد مؤلف الكتاب واحدا من قادة الثورة العراقية الكبرى سنة 1920  يقول المؤلف في صاحب الترجمة الدكتور علي الصافي:

والصافي الدكتور علي شاعر بالفطرة فقد نظم الكثير من الشعر في المناسبات التي عبر عنها بــ (الليليات والليالي) ولكنه لم يحتفظ بما نظم الا بما يختزنه ذهنه وقد حاولت ان اقف على مجموعته الشعرية غير انه اقسم لي بأنه لايحتفظ بشيء من شعره سوى ما يحفظه وقد روى لي شيئا منه فكتبته في جلسة خاصة فكان منه ما نقرأه وبه تقف على شاعريته المحفوفة بالبداهة وقوة الارتجال ! اورد قوله من ابيات شفعت بهدية عيد وهي صليب ذهب يعلق في الصدر قالها عام 1935:

إن الهلال ليهدي  الى الصليب صليبا

والقلب فيه  مذاب  يشكو جواً ولهيبا

ما القلب الا تهان    جاءت تحيي الحبيبا

تقبليه بلطف    يفوح نشراً وطيبا

وأنتٍ للعيد عيد    وفيكِ اجلو الكروبا

ويضيف المؤلف السيد محمود الصافي قائلا: وله في ليلة اخرى وقدم لها هدية العيد سنة 1934:

انا لا اعرف عيدا    كل ايامي عيد

ليس عندي ذاك إن لم  أكُ في العيد سعيد

وانا في كل يوم  من رضاك في مزيد

ذاك بشري وسروي   وهنائي في الوجود

شهد الله بحبي  جل ربي من شهيد

فلذا يهديك قلبي   منحة الصب الودود

فهي رمز للتهاني  وهي عنوان السعود

عجب امري هذا  وعجيب ما اريد

انت قلبي كيف قلبي  لك يهدي ويجود

ظرف الدكتور علي الصافي

علي الصافي فكه بطبعه يستثقل دماء الادعياء وذوي المظاهر الخدعة ! فكانوا ميدان وخزاته شعرا او نثرا ! وهو ظريف يعشق النكتة التي يقولها حال حضورها في راسه حتى مع اصدقائه المحترمين والوجهاء المقدرين ولقد تكلمنا في ذلك من خلال مباحثنا في الاخوانيات وفي موسوعتنا عن النجف فذكرنا مختصين في النكتة مثل حسين قسام وصادق القندرجي والحاج زبالة الحممجي الكوفي وذكرنا امثلة في ناس اعلام كبار عرفوا بالورع والدين والنضال ضد الاجنبي والخرافة مثل الشيخ علي الشرقي والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ محمد علي اليعقوبي والسيد الدكتور مصطفى جمال الدين والاستاذ محمد صادق القاموسي والدكتور صالح الظالمي والاستاذ جميل حيدر- سقجخي المولد نجفي الهوى -  ومحمد حسين المحتصر وحين كتبنا في الزعيم العراقي سعد صالح جريو (وزير ونائب ومصلح) ذكرنا شغفه بالنكته حتى في اقتم المواقف ويمكن للمستزيد الرجوع الى فرزاتنا في عدد من المواقع والصحف التي انشر فيها http://www.alnoor.se/article.asp?id=51522

للمثال قارن مانشرناه عن الزعيم الوزير الشاعر الظريف سعد صالح جريو (اللنك اعلاه) قلت ما نصه:

يأنس للنكتة رغم مكابداته

يامن رأى زعيما عراقيا وطنيا كمثل سعد صالح !  متواضعا ومترفعا معا ! حزينا ومشرقا في الآن ذاته ! كئيبا محبا للنكتة واحيانا يبتدعها!

هذه واحدة من ظرفه فحين اخبر الخدم سعد صالح ان شرطيا من الشعبة السرية  الخاصة يحوم حول بيته متفرسا بوجه الداخل والخارج متجسسا متحسسا ! فقال للخدم امسكوا الجاسوس وادخلوه الى سرداب البيت وشدوا الحبل حول قدميه واضربوه بفلقة العصا فكان سعد يفلق الجاسوس بنفسه ويغمز للخدم فيصرخون حسب الاتفاق صلوات على محمد وال محمد ! ثم اطلق سراح الشرطي السري فما عاد احد قادرا على مراقبته بعدها !

والثانية !! استأذنت شركة الدخان الوطنية سعد صالح كي تضع صورته على علبة السجاير وحين زاره السيد جواد الحيدري وهو ضعيف البصر فقال حين قدم سعد بنفسه علبة سجاير نصر: هؤلاء ذوق سز يعني مالقوا غير هذا الوجه المنحوس ! فداعبه سعد وقال له بالعكس الصورة جميلة فصرخ الحيدري كل من قال لك ان هذا (البجم) ينفع لاتصدق فضحك الجميع وسهر الحيدري ومضى الى بيته وهو لايدري انها صورة صديقه سعد صالح .

والثالثة حين كان متصرفا للواء المنتفك وبينما كان يهم بدخول المبنى استوقفه قروي وقال له افندي وين المتصرفية ؟ فقال له سعد واشار بيده هذه هي ! فقال له القروي تعرف المتصرف ؟ فاجابه سعد نعم وهو صديقي فقال له القروي هل تستطيع ادخالي عليه ؟ فقال له سعد انه لايقابل احدا مالم يدفع الرشوة له ! فقال القروي ليس عندي سوى دينار فهل هذا يكفي ؟ فقال سعد ان هذا المبلغ لايرضي الفراش فكيف المتصرف فغضب القروي وقال: الله ايصخم وجهه واخذا يشتم المتصرف بأقذع الشتائم فامسك سعد بيد القروي وتابع معاملته بنفسه مع الموظفين وحين علم القروي انه تورط مع المتصرف خجل و اعتذر فقال كل الشتايم سهلة بس صخام الوجه صعب عليَّ !

والرابعة قال لصديقه السيد حسين كمال الدين وكان مصرا على تسمية اولاده وبناته باسماء تنتهي بألف وميم  مثل سهام عصام وئام وهمام وسلام فقال له سعد كل ما اخشاه هو نفاد هذه القافية فتضطر الى اسماء مثل صخام ولطام !

وكان سعد يضحك بكل جوارحه للنكتة الجميلة ويردد  كلمة دون غيرها وهي (جابها) اي استطاع حبك النكتة بحيث ضحكنا حقا ! انتهى المثال ....

وها اني افتح كتاب الصديق والناشط الكبير السيد محمود الصافي الذي اهداه لي (مفاكهات ادبية واخوانيات نجفية وفي ص 7 قال: النكتة والظرف طبيعة عند النجفيين والمرح متغلغل في اعماق نفوسهم خاصة عند الشعراء والادباء بل وحتى بعض مراجع الدين والعلماء العرب . والنجفي محب للفكاهة حتى اذا كان  نفسه مادتها وكم صفق نجفي لنكتة او مقلب احكمت حلقاته عليه فاذا حضرت النكتة احدهم رواها وان كان في اشد حالات الحزن ومثال ذلك ما نقل عن المحامي الظريف علي الخليلي انه سئل اثناء تشييع جنازة والده من قبل احد المشيعين عن سبب وفاة والده؟ فحضرته النكتة في تلك الساعة الحزينة واجابه: ياشيخنا لقد نسي المرحوم الوالد ان يتنفس فمات . وحكاية اخرى وذلك ما حصل في مجلس الدكتور علي الصافي النجفي وكان مجلسه من المجالس المكتظة باهل العلم والسياسة والادب وصادف من جملة الحاضرين المرحوم سلمان الصفواني صاحب جيدة اليقظة والعلامة الشيخ عبد المنعم الكاظمي الذي كان كثير الاحاديث في الدين والعلم والادب وقد شوهد الصفواني يتطلع الى وجه الشيخ عبد المنعم بتأمل وقد لفت نظره ما كان عليه شعر لحية الشيخ من بياض على عكس سواد شعر راسه فسأل الشيخ عن هذا التباين وقبل ان يجيبه الشيخ اجابه الدكتور علي الصافي بقوله: هذا يعني ان الشيخ ملغوث – ثرثار – ولا مخ له ! وهنا ضحكالجميع بما فيهم الكاظمي بعدها بان على الشيخ التاثر فقام الدكتور علي الصافي وقصده وقبله في جبينه وقال له معذرة ياخالي فقد حضرتني النكتة ولم استطع حبسها

أعماله المطبوعة

الفن والحضارة عند العرب مترجم من الالمانية الى العربية

اطروحة دكتوراه في الاقتصاد السياسي

اطروحة في الهندسة الميكانيكية

 وبعد ....

ال الصافي من البيوتات المنجبة

بيت الصافي بيت نجفي عراقي ! لعل اول من دخل النجف مهاجرا في طلب العلم هو  العلامة السيد عبد الحسين الجبيبلي سنة 1090 للهجرة وجبيلي نسبة الى قصبة بصرية هاجر اليها قبلا  عشيرته الاقربون قادمين من موطنهم الاول المدينة المنورة ولعل اول من هاجر الى جبيلة من المدينة المنورة هو جده السيد ثابت بن السيد موسى ! ومن هذه العائلة ثمة من قطن عربستان وعاصر امارة خزعل الكعبي وحين دخل الانجليز المنطقة بحجة تحرير المنطقة من ربقة الدولة العثمانية كانت للشيخ خزعل مشكلات مع العثمانين ومصالح مع الانجليز  وقد طالبه السيدجابر السيد مشعل (من اجداد ال الصافي) وهو من وجهاء عربستان طالب خزعل بالتخندق مع زحف المقاتلين الذي قاده الحجة السيد محمد سعيد الحبوبي نحو الشعيبة لكن الشيخ الثائر السيد محمد رضا الصافي 1879- 1942 وهو عالم فقيه عرف بمقارعة العثمانيين والانجليز معا وهو عميد اسرة الصافي في النجف وناضل من اجل عراق عربي مستقل ديموقراطي وهو السيد محمد رضا بن السيد علي بن السيد الصافي بن السيد جاسم ويمر النسب الكريم عبر الامام موسى الكاظم وفي بيت الصافي يجتمع العلماء الثائرون على النير الايراني والعثماني و السيد محمد رضا له اشقاء  الاول هو شاعر العرب الاشهر السيد احمد الصافي النجفي والثاني عالم زاهد السيد محمد امين الصافي والثالث عالم زاهد ايضا هو السيد هادي الصافي وهما ضمن الفريق الثائر من العلماء والزعماء مثل عبد الواحد ال سكر ومحمد العبطان والسيد علوان الياسري وكان بيت الصافي حاضنة الثوار على المحتلين على اختلاف مشاربهم والتهيئة لثورة العشرين وقد انجب العلامة الثائر السيد محمد رضا الصافي كلا من الدكتور علي الصافي والمحامي السيد حسين الصافي والمحامي عبد العزيز الصافي والمحامي فاتك الصافي والسيد محمود الصافي وللصديق الشاعر محمد نجل الشيخ المؤرخ الشاعر علي البازي الكوفي ارجوزة طويلة عنوانها المنهل الصافي في نسب السادة ال الصافي:

علي الصافي الفتى العريق  صنو رضا المجد له شقيق

هو الحقوقي الادييب العزيز   راوية التاريخ غبد العزيز

وللفتى علينا اخوان    ثلاثة كلهمو وجدان

اولهم حبيبنا الحسين    بحر فسيح دره مكنون

وفاتك اخو علي كامل  شهم عزوم حازم مناضل

وللعلي ذي الحجا محمود   اخ لكل ميزة محمود

...

اما ابو احمد عبد العزيز   اكرمه الرب الجليل العزيز

بقصة يعرفها كل السلف   احداثها قد وقعت قرب النجف

جاء العزيز طالبا للعلم   من (الجبيلة) بأعلى عزم

وكان يقضي كل ليل  جمعه   في جامع السهلة يرجو الشفعه

ثم يصلي فجرها في الكوفه  بجامع افضال معروفه

وذات فجر بينما يسير     رأى حجارا ماله نظير

وبعد ان رآه اهل المعرفه    قالوا له ذا حجر سامي الصفه

وبعد ان باعه للتجار   اصبح ذا مال وذا عقار

شيد   جامعا عظيما  في النجف   من ماله اهدى له  اغلى التحف

هندسه مقاول ذو جهد         جاء الينا من بلاد الهند

والناس من عفو ودون قصد    قد وصفوه جامعا  للهندي

وفي الحقيقة العزيز الباني  والهندي ذا كمشرف المباني

مقالة سابقة كتبها عبد الاله الصائغ في المحامي الوزير الناشط السيد حسين محمد رضا الصافي .

 http://www.alnoor.se/article.asp?id=267306

بيت الصافي عائلة منجبة وكانت لها ريادة في العلم والادب والنضال والاعمال الحرة  والفنون وفي مقالة لنا سابقة عن السيد حسين الصافي منشورة انظر اللنك اعلاه كانت لها ريادة في الفن المسرحي فثمة عدد من فتيان النجف مثلوا رواية في سبيل التاج مثلت لصالح الرابطة الادبية والصورة المنشورة للممثلين يتوسطهم معتمد الرابطة الادبية السيد عبد الوهاب الصافي !! تخيلوا النجف الأشرف خلال ثلاثينات القرن العشرين كانت تمتلك عددا من المسارح وفرقة تمثيلية وفي الصورة فرقة النجف المسرحية وهي تحظى برعاية رجل دين بوزن سماحة السيد عبد الوهاب الصافي الذي كان عميدا لجامعة الرابطة الادبية بل وان المسرحيين نجحوا في تمثل رواية في سبيل التاج للشاعر والروائي الفرنسي فرانسوا كوبيه  وفي الرواية ثمة البطل قسطنطين العاشق الفارس وفي الرواية حب وكراهية عشق وخيانة ! الرواية التي صاغها ومصّرها  مصطفى لطفي المنفلوطي باسلوبه الادبي الجذاب ! بينا في زماننا هذا بعد 2003 وفي بغداد وقف رجل معتم على احد المسارح ليلقي كلمة تكريمية بعد عرض احدى المسرحيات فقال لجمهور المسرح انني اخاطبكم من هذا المكان النجس ويقصد المسرح ! فكم سبق العلامة عبد الوهاب الصافي زمان المتنجس من المسرح والمسرحيين وفي الصورة اسماء من مثلوا في سبيل التاج منشورة بكل فخر والممثلون فخورون ان عملهم اشرف عليه العلامة عبد الوهاب الصافي فهل كثيرا اذا قلنا ان بيت الصافي كانوا نسمة الربيع في مناخ ثلاثينات القرن العشرين يوم كانت النجف تتخلص من ريح السموم بوساطة السراديب

http://www.alnoor.se/article.asp?id=267306#sthash.5BMrObal.dpuf

 احد ابرز الثوار الذين حاربوا المحتلين: العثمانيين والانجليز هو العلامة السيد محمد رضا الصافي 1881 - 1942

http://www.alnoor.se/article.asp?id=267306#sthash.AVKZgidG.dpuf

  واخر قولنا ان الحمد لله رب العالمين .

 

عبد الاله الصائغ استاذ علم تحليل النص رئيس موسوعة الصائغ الثقافية

مشيغن المحروسة  الاحد 21مايس 2017

 

 

abduljabar alrifaiبيئةُ النجف الأشرف مشبعة بعبق الرسالة ونكهة التاريخ، لا يتوقف ميراثُها الرمزي عند ضريح أمير المؤمنين (ع)، بل يرحلُ زمانياً في أعماق الماضي، ليستوعبَ حياةً روحيةً وأرشيفات تاريخية رابضة في عشرات الأديرة وبيوت العبادة واللاهوت.

 وبموازاة ذلك تكتنز النجفُ مدرسةً دينيةً عريقةً للتشيع، تتسع للحديث والتفسير والكلام والفقه وأصوله، وفي فترات ضمورها لا تعدم حضورَ التصوف والحياة الروحية. وطالما اقترنتْ هذه المعارفُ بالأدب، حتى أضحى الشعرُ وعاءً يستوعب الفقهَ والمنطق والفلسفة، والنحوَ وعلوم اللغة، وآدابَ الدارس والمدرس. 

حين يولد شخصٌ موهوب في هذه البيئة الشديدة الثراء والتنوع، يمتلك قدرات وطاقات اضافية، تهبه النجاحَ و التميز، بينما يفتقر الى تلك القدرات والطاقات أولئك الذين يولدون في بيئة فقيرة روحياً ورمزياً ومادياً، كما أنا، فقد وُلدت في قرية بأرض يباب، على تخوم صحراء ليس فيها سوى تلال حضارة سومر الموحشة اليوم.

ولد ابراهيم العاتي ونشأ وتعلم في مدارس النجف، ولبث فيها حتى أكمل المرحلةَ الثانوية، فتشبع بمناخات التراث، وشرب من منابع الأدب والشعر، فقد كانت النجفُ حتى وقت قريب من أهم الحواضر التي لم تنطفئ فيها جذوةُ المتنبي الأدبية، ولم تجف ينابيعُ حكمته الشعرية، إذ تجلت بأبلغ وأكثف صورها مع متنبي العصر محمد مهدي الجواهري. 

 لم يشأ العاتي أن يعتمرَ العمامةَ، أو ينخرطَ في الحوزة ليرثَ أباه، بل طفقت روحُه تبحث عن النور في آفاق جديدة. لم يرتهن عقلُه بالتراث الذي تشبعت به بيئةُ النجف، ولم تغرقه شاعريتُه في إغواءِ شاعرية الجواهري، وإرثِ مدرسة المتنبي، مثلما غرق في اغوائها كثيرٌ من الموهوبين، ولم يغادر مداراتِها حتى استهلكت مواهبَه وسرقت حياتَه.

1272 any

مع د. ابراهيم العاتي، ود. جودت القزويني، في قم ١٣-٣-٢٠٠٥

كان عقلُ العاتي المولع بالنور، وروحُه المتيمة بإيقاظ الضوء في العالم، وقلبُه الذي ينبض بموسيقى الجمال، كلها تهتف به أنْ يتوطنَ الفلسفةَ والعلومَ الانسانية الجديدة، والتي كانت ميعاداً لولادته الثانية في جامعة دمشق، في الفلسفة اكتشف ابراهيمُ أنهاراً بلا ضفاف، وآفاقاً بلا نهايات، وتفكيراً بلا حدود، وعقلاً بلا قيود.

 لكن العاتي لم يهجر ميراثَه أو يهجوه أو يقف منه مواقف موتورة، وانما حمل معه ما اصطفاه من جمائل النجف وألقها ونكهة منتدياتها الأدبية. وتخصبت ذاكرةُ النجف بلقاء العاتي الشاعر الرؤيوي أحمد الصافي النجفي، الذي أصبح تلميذَه سنوات إقامته في الشام، وهو شاعر وحكيم ذو فرادة، وشخصية غرائبية، يستفيق فيها عمرُ الخيام في تأمله الفلسفي وأسئلته المشاغبة، وتتفجر فيها شاعريةُ الشعراء الملهمين لحكمة العالم، والبارعين برسم الصور المجهولة في كهوف الحياة والسجون. وتحضر في شخصية الصافي النجفي قوةُ إرادة الرهبان والمتصوفة، وكفافُهم في العيش، وزهدُهم بكل متع الحياة ولذاتها الحسية ومباهجها المادية.

لم يكن الصافي النجفي شاعراً يكرّر سواه في أدبه أو عيشه، بل كان فريداً فرادة القديسين في تجاربهم الروحية، والملهمين الكبار للعبقرية. يحسبه البعض صعلوكاً لكنه لم يكن صعلوكاً، ويحسبه آخر متصوفاً لكنه لم يكن متصوفاً، ويحسبه ثالث حكيم لكنه لم يكن حكيماً، ويحسبه رابع متمرد لكنه لم يكن متمرداً، ويحسبه خامس ثائراً لكنه لم يكن ثائراً، ويحسبه سادس وسابع وثامن... كلٌّ حسب البعد الذي كان يتجلى له في عينيه، والعدسة التي كان يراه من خلالها. لقد كان الصافي النجفي كلَّ هذه الصفات المؤتلفة والمختلفة معاً، تتناغم كلُّها في إيقاع تتشكل فيه كملحمة اغريقية. وشخصيات استثنائية كهذه نادرة الوجود في الأرض، وهي تمتلك طاقةً سحرية ملهمة، تشعّ على كل من يدنو منها ويتعرف عليها، فكيف بمن يصاحبها ويدمن معاشرتَها ويتلمذ عليها عدة سنوات.

ظفر العاتي بصحبة الصافي النجفي والتلمذة عليه في سنواته الشامية، وعايشه بثقة وهدوء وتأمل، كثقة الصافي النجفي الراسخة بنفسه وهدوئه وتأمله العميق، وكتب العاتي أماليَه وشجونَ أيامه وسكراتها ومراراتها في كتاب مهم أصدره قبل سنوات.

في القاهرة كانت الولادةُ الثالثة للعاتي، حيث كان ميعادُه مع الدرس الفلسفي المصري، يوم كانت الفلسفةُ الغربية تتحدث عربيةً فصيحة فلسفياً في جامعات القاهرة والأسكندرية وعين شمس، وشدّته جذورُه الغاطسة في التراث إلى أن يستفيقَ في ضميره منجزُ الفلاسفة المسلمين في مرحلتي الماجستير والدكتوره، ولعلي لو كنت مكانه وقتئذ لذهبت مع فلسفة الغرب الحديثة والمعاصرة، وتعلمت طرائقَ تفكيرهم الذي نسخ معظم القديم وعبره، وحررهم من سجون الماضي، لأكتشفَ أثرَ الفلسفة في تشكُّل العقل الغربي الحديث، وإخراج الغرب من دروب التيه، كما فعل عبدالرحمن بدوي الذي تعرفنا عبر مجموعته عن كانط على منجز فيلسوف التنوير، وفؤاد زكريا الذي تعلمنا منه كيف تُكتب الفلسفةُ بلغة الصحافة، من دون أن تفقد عمقَها ودقتَها، وزكي نجيب محمود الذي صاغ خرائطَ أدبية للفلسفة، ربما تحاكي ما كتبه ميخائيل نعيمة الذي يستخلص فلسفتَه من دروس الحياة، وخبرته الروحية من الطبيعة الفاتنة في بلدته الجميلة في سهول جبال الأرز.

لكن مغامرةَ العاتي في العودة للتراث الفلسفي تستحق التبجيلَ والثناء، لأنه أصرّ على الحراثة في أرض لم يحرثها أحدٌ قبله، فاختارَ أن يلتقط لنا شذراتِ "الزمان" من منجم التراث الفلسفي الواسع، ويصوغها على شكل قلادة، كأنّ شذراتِها أحجارُ ياقوت مضيئة، وكأن ابراهيمَ عثر لنا على "حجر الفلاسفة"، الذي شغفوا به، وما لبثوا يفتشون عنه قروناً طويلة دون أن يعثروا عليه. كما اكتشف العاتي الإنسانَ الغائب في مدونة المتكلمين والفقهاء، فوجده بكامل ملامحه وصفاته في فلسفة الفارابي.

من يختص بالفلسفة في بلادنا ربما يغامر بمصيره ومستقبل عائلته المعيشي، فكل سلطة تقلقها الفلسفة والعلوم الانسانية، بوصفها علوماً للفهم، تنشد التوغل في العوالم المجهولة للطبيعة البشرية، والتعرف على تضاريس العلاقات الاجتماعية، والحفر العميق في بنية مختلف أشكال السلطة، والكشف عن صلتها العضوية بالأنماط المتنوعة للمعرفة. فإذا كانت هذه مهمة الفلسفة والعلوم الانسانية ستعاديها كل سلطة، لأن السلطة تمقت من يوقظ الناس ويفضح زيفها.

 السلام على الصديق الاستاذ الدكتور ابراهيم العاتي، الذي أولده الميراثُ الرمزي والثقافي والأدبي للنجف للمرة الأولى، وأولدته دمشقُ للمرة الثانية، بوصفها أعرق مدينة في التاريخ، وأغتنت شخصيته بأطياف الصافي النجفي وشخصيتُه الغرائبية التي تقترب في تجاربها وملامحها من أبطال الملاحم والأساطير، وأولدته قاهرةُ الفاطميين للمرة الثالثة، في الأيام الأخيرة لحضور وهج الدرس الفلسفي فيها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...................

شهادة في الاحتفالية التي أقامتها مؤسسة الحوار الانساني في لندن للدكتور ابراهيم العاتي، يوم الأربعاء 17-5-2017.

 

 

salim alhasani2بصمت، بصبر، بألم مكتوم على مدى سنوات، رحل رجل الشهامة والنبل، قيس الشامي (أبو اخلاص).

يتناقل أهل الشامية حكاياته، عن شبابه المشاكس، أيام كان أحد فتّوات (شقاوات) الشامية، والذي ذاع صيته خارجها حتى وصل بغداد وشقاواتها في الستينات وشطر من السبعينات.

كان أكثر الشقاوات بطشاً وسطوة، يحذرون قيس الشامي، لقوته وشجاعته، وقد كان يستخدم قوة الجسم وصلابة القلب في حماية أهل مدينته، بقيمه التي ورثها من عائلته، قيم الجنوب أيام زمان.

حين التحق بالخدمة العسكرية، قرر ان يتطوع جندياً، فتم تصنيفه ضمن القوات الخاصة لما يتمتع به من لياقات بدنية عالية.

وذات يوم كان يروي لي ونحن نسير في أحد شوارع لندن، عن ذكرياته، بأن أجمل لحظاته كانت عندما يهبط بالمظلة، فيرى الحقول والانهار والشوارع من السماء وهو يقترب منها ببطء، وكيف كان بعد فترة من الترقيات، يقوم بتدريب المظليين، وتشجيعهم في تجارب القفز الأولى.

...

في بدايات المواجهة مع النظام الصدامي، كان حزب الدعوة قد دخل مرحلة العمل العسكري، ولم يكن أبو اخلاص في هذا الجو ولا في هذا المجال، كانت له حياته الشعبية الخاصة في مقاهي بغداد قرب ساحة الرصافي. وأحياناً كان يزور شقيقه السيد حسين الشامي أحد قادة العمل الجهادي المقيم في النجف الاشرف.

في لقاء خاص في منزل السيد حسين الشامي مع الداعية الفذ والشهيد الكبير الشيخ حسين معن، يخططون لشؤون العمل في عام ١٩٧٩، لاحظ الشيخ الشهيد، وجود (أبو اخلاص) وبفراسة المؤمن، أدرك انه ينطوي على سريرة صافية، وعلى قوة متفجرة في داخله، وانه يحتاج الى توجيه، لكن توجيه قيس الشامي لم يكن سهلاً، وهو العنيد المتشدد برأيه الذي لا يرغب في الحوار والنقاش، ويميل الى اختصار الكلام بشكل حاسم سريع.

خرج الشهيد حسين معن، مع قيس الشامي، يسيران خارج المنزل، ثم عادا سوية، وكان (أبو اخلاص)، قد انقلب الى شخص آخر، حوار واحد من الشيخ حسين معن، غيّر كل كيانه، وصاغه في قالب جديد.

 

alaa allamiكان لبغداد شارعها الرئيسي ويدعونه الشارع الأعظم، وتأتي بعده عدة سكك تصطف الدور على جانبيها، ثم الدروب فالأزقة. وكان عرض الشارع خمسين ذراعا والدرب ستة عشر  ذراعا. وكان ثمة فسحة أمام قصر الخليفة  الكبير، وأمر المنصور بإخراج الأسواق إلى الكرخ وتوسيع الشوارع بعد ثورة أهل الأسواق سنة 157 هـ بقيادة المحتسب يحيى بن زكريا. ولم يكن يسمح في البداية بالتجول راكبا في بغداد  إلا للمهدي ثم أبيح ذلك للجميع. أما شوارع سامراء المعتصم، العاصمة اللاحقة، فكانت أوسع من شوارع بغداد. وكان عرض درب الزعفران في الكرخ والذي ينزله أهل العطور والبز " الأقمشة" ثمانية أمتار. ويقدر اليعقوبي عدد الشوارع والسكك والدروب بستة آلاف درب وسكة. وعُني بنظافة المدينة في البداية فكانت الرحاب تكنس كل يوم ولكن الأوساخ تكاثرت وتراكمت لاحقا. وتدخل المحتسب فمنع إخراج  جدار الدار أو الدكان الى الممرات ومنع جلوس السوقة وإخراج المصاطب وربط الدواب ورمي الكناسة في الشوارع . وكان الناس يستحرمون الشراء من الباعة الذين يضايقون المارة. ولكن أوامر المحتسب لم تكن تحترم دائما فكان باعة الباقلاء يبيعونها في الشارع. وفرَّق الفقهاء بين الشارع والزقاق، فالزقاق هو سكة غير نافذة، وهو ملكية عامة للمتجاورين فيه، وعرَّفوا الفناء بانه (المساحة الحرة أمام البناء) وكان الحق في المرور في الدروب والساحات لجميع الناس ودولابهم مضمونا لا يجوز احتكاره ولا حفر بئر فيه.

أما الفنادق الخانات فهي منشآت سكنية وتجارية ينزلها التجار من وطنيين وأجانب وقد خصص الطابق الأرضي منها للمتاجر والاسطبلات أما حجرات الإقامة والنوم فكانت في الطابق العلوي. وكانت الخانات تستخدم السطوح لينام عليها المسافرون وتخصص لكل عائلة زاوية معينة – بقيت هذه العادة في النوم على السطوح في بغداد وغيرها من مدن العراق حتى أواخر القرن الماضي وربما لا تزال قائمة في بعض مناطقها حتى الآن - وكانت تعقد حلقات التدريس وجلسات السمر في الخانات أيضا.

وبنيت الحمامات بطلب من المنصور، ولكن الفقهاء ورجال الدين المتشددين كانوا يتحرجون من دخولها في البداية. ولكنها أصبحت شائعة لا حرج فيها بحكم العادة السائدة لاحقا، وكانت تبنى بجانب الجوامع غالبا. وألَّف إبراهيم الحربي الزاهد كتابا في الحمامات وآدابها. وبلغ عدد الحمامات في بغداد أعدادا قد لا نصدقها اليوم فكانت في عهد المقتدر عشرة آلاف حمام وبلغت في عهد معز الدولة سبعة عشر ألف حماما. وأعجب ابن بطوطة بحمامات بغداد فقال (حتى يظن الرائي أن القار التي تطلى به رخاما أسود). ويكون لكل زبون في الحماء حوض يصب فيه انبوبان للماء البارد وآخر للحار. وبنى علي بن أفلح حماما في قصره (ضم بيت مستراح فيه بيشون "حنفية" إن فركه الإنسان يمينا خرج الماء حارا وإن فركه شمالا خرج باردا). وكانت الحمامات تزين بالصور وتزدحم أيام الجمع وكان العيارون يأوون إليها وينامون فيها. ولاقى دخول المرأة الحمام في أيام خاصة بها التشجيع وكانت المرأة تتفنن في تبرجها في الحمام. وكان بعض الناس يدخلون الحمام دون مآزر أو يتمرغون على أرض الحمام الرخامية أو يضطجعون داخل حوض الماء،  وفي سنة 467 أمر المحتسب بمنع الناس من دخول الحمامات من دون ميازر. ونشأت عصابات سرقة متخصصة في الحمامات كما نشأت الكثير من الخرافات المتعلقة بالجن والشياطين حولها. يتبع.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

mohamad sayfalmoftiاستوقفتني بعض المقالات والتحقيقات التي تناولت حياة النساء الاجنبيات الواتي سافرن الى أرض الخلافة. كيف عاشت النساء الاجنبيات في الرقة، عين من الداخل؟ أنقل لكم بعض ما قرأته في النرويج وخصوصا في الجريدة الرسمية آفتن بوستن.

قبل حوالي ثلاثة سنوات وقفت راوث يوهانسن وقد التصق ابنها ذو الاعوام الثلاثة بها، تنظر من شباك غرفتها في مستشفى قذر ومتهالك، تتأمل طائرا يقف على غصن شجرة أمامها، طيران الطائر وحسرتها أعادتها الى الواقع " الرقة".

ابنة النرويج جاءت الى الرقة بصحبة اطفالها الخمسة وزوجها السوري،  التفتت ونظرت الى ابنتها الملقاة على السريرو تفحصت جدائلها السوداء، كانت شاحبة شحوب الموت، بسبب الجفاف وسوء التغذية والاسهال المستمر، وشعرت ان ابنتها لن تحتفل بعيد ميلادها الثاني، والقت نظرة سريعة لعل الطائر قد عاد الى السطح.

مضى على اقامتها في الرقة عدة أسابيع وتسكن في بيت يحيطه الحراس من كل الجوانب، يغيب زوجها لأيام وأيام في كل مرة عندما تسأل عنه يقول لها رجل أجش الصوت (تدريب على القتال مع الدولة الاسلامية) ويترجم لها بعض النسوة التي يشاركنها السكن. لم تتمكن راوث أن تنسى كيف خدعها زوجها عندما قال لها أنهم في زيارة الى تركيا للقاء أمه التي لم تأت الى تركيا فقرر هو زيارتها  والبنات تجملوا للقاء الجدة وركبوا السيارة وبعد رحلة تصفها بأنها لم تكن طويلة ظهرت أعلام سوداء وعلمت أنها دخلت أرض الدولة الاسلامية في سوريا.

1261 mofti

مضت الايام وأدركت راوث أنها في ورطة حقيقية وأيقنت أنها لن تتمكن من الهرب من الرقة بقدراتها الشخصية، وأخيرا بعدما تمرضت ابنتها سمح لها بمرافقتها الى المستشفى مع ابنها، وبقية الاطفال بقوا في البيت تحت حراسة مشددة ونساء يتحدثن الانجليزية تعرفت عليهن في (الحرملك).

بينما كانت ابنتها تغط في نوم عميق أخذت ابنها الى الشباك ثانية، وحاولت مواساته بمنظر الطائر الذي يمارس طقوس حياته بطريقة اعتيادية، وقطع صفاء اللحظة انفجار شديد.

نادرا ما دخلت إمرأة غربية الى المنطقة وخرجت منها، تقول راوث للمرأة دور جوهري في نظام الدولة الاسلامية، هن المساندات للمجاهدين، وهن كذلك معمل تفريخ الجهاديين الجدد، والدولة الاسلامية حريصة على تدريبهم منذ نعومة اضفارهم على كره الغير وتكفير الغير ووجوب قتل من لا يعترف بهم خليفة الله على الارض.

كان مع راوث امرأتين جاءتا الى سوريا بارادتهن، تصف احداهن وتسمي نفسها صوفيا هذا ليس اسمها الحقيقي، وهي ام وموظفة اجتماعية.

- لو يوجد فعليا شيء أسمه الجحيم، فمن المؤكد يشبه ما تعرضنا له في الرقة. وحشية الدولة الاسلامية عصية على الفهم. كنت خائفة حد الموت من أن يأخذوا مني ابني الوحيد، أو أن أضطر للهرب من سوريا بدون أن اصحبه معي.

قالت عشت تجربة قاسية بعد أن رحلت أمي، وكنت أعمل في مركز للحالات الصعبة وهناك تعرفت على ثلاثة شباب أقنعوني بالاسلام فاعتنقته، وبدأت ابحث عن معنى أعمق للحياة وكنت أريد تحقيق القيم الانسانية السامية. رحل الشباب الثلاثة الى سوريا واستمروا بالتواصل معي وشرحوا روعة الحياة والقيم الحقيقية للبشر. حملت حقائبي وأخذت ابني وتركت زوجي الطيب في حيرة من أمره ورحلت الى الدولة الاسلامية بعد أن أقنعوني بمدى الحاجة الكبيرة لممرضة في قسم النسائية في المستشفى,

في شباط 2015 اتخذت صوفيا اخطر قرار في حياتها وأخبرت زوجها وعائلتها أنها ستعمل في دار ايتام في اسطنبول، ورحلت لتحقيق الاهداف السامية في الحياة.

بمجرد وصولها علمت ان البيت غنيمة حرب، ولاحظت سلوكيات المقاتلين الاجانب وكيف يأخذون البضاعة من المحلات بدون دفع اثمانها ولا ينتظرون في الطابور بل يدفعون الناس بلا احترام ليقفوا في بداية الطابور. هذه الملاحظات أدخلت الريبة والشك في نفسها.

تصف صوفيا سلوك زملائها " بعد أيام قلائل بدئوا يتحدثون بطريقة قبيحة عن المواطنين السوريين، يرفضون خروجي من البيت ويتحدثون معي بصفاقة. لحسن الحظ أن ابني صغير وإلا لأجبروني على أخذه للتدريب على القتال.

تصف تجربتها في يوم العمل الأول لها في المستشفى، قالت لزملائها أنا جئت الى هنا لكي أعمل فقرروا اصطحابها الى المستشفى.

- لم اصدق ما شاهدته عيناي في المفرخة، كل العمليات قيصرية، الدماء قد لوثت السجاد والقيء مسكوب في كل مكان، والذباب وحده يتراقص في كل مكان مرتاح لهذه الاجواء. هنا أيقنت أن أصدقائي قد اصبحوا اعدائي، وأنني أسيرة عندهم.

- كم شعرت بالغضب من غبائي، وكيف سمحت لنفسي بجلب ابني معي، وكم كنت أشعر بالغضب على من خدعني ووصف لي المكان بالجنة.

تقول راوث قرررت الدولة الاسلامية نقلنا الى مضافة قيل أنها كانت بيتا لأحد الوزراء، وعندما وصلنا وجدت أن البيت ذو الطوابق الثلاثة قذر للغاية ومليء بالنساء والمسبح فارغ وقد تحول الى وعاء كبير للزبالة. يسرح النمل في ثلاجة الدار بينما الاعلام السوداء ترفرف في كل مكان. كان طعامنا البطاطة والطماطم والبيض ولو كان لدينا نقود لتمكنا من شراء المشروبات الغازية ورقائق البطاطس من مسؤول البيت وزوجته. الحقيقة المهمة بالنسبة لي كانت هي أنني لن أتمكن من الهرب من هذا السكن المراقب على مدار الساعة.

تقول صوفيا كنا ثلاثين امرأة وحوالي عشرين طفلا، في حياتي لم أرى أطفالا بهذا المستوى من العدائية، لعبهم الضرب والرفس والعض.

بالاضافة الى ذلك كان في البيت رقيب هي إمراة فرنسية ضخمة تحمل معها مفاتيح البيت وكلبشات، وتراقب صلاة النساء والواجبات اليومية. 

تصف راوث تلك الايام "بدأ زوجي يغيب عني لأيام وأيام، ولم يكن بإمكاني أن أفعل شيئا أكثر من مراعاة اطفالي اللتي تمرضوا واحدا تلو الآخر، عملي أصبح تنظيف الاسهال ومسح القيء من المرتبة وقلبها على الوجه الآخر".

أصعب ما بالوضع هو الشعور بعدم الامآن على مدار الساعة، وصوت الطائرات القاصفة بين الحين والحين.

عندما سمعت صوت الانفجار أمام شباك غرفة ابنتها في المستشفى،  نظرت الى جهة الدخان وكان باتجاه البيت الذي بقي فيه اولاده، كانت محظوظة ولم يتعرض اطفالها للأذى، لكن الصواريخ اصابت البيت المجاور وحدثها اطفالها لاحقا كيف مات ابن جارهم الصغير.

في ذلك اليوم ركضت الى البيت ساحبة ورائي ابنتي المريضة وابني وانتظرت عودة زوجي، كنت أقول لنفسي في الليل سأنام ان استيقظت استيقظت، وإن لم استيقظ ليكن ذلك. هذه الحادثة كانت نقطة تحول في حياتي وعندما عاد زوجي أعلمته بالأمر وأعتقد انه أدرك مدى جدية الامر بالنسبة لي. فقدم على طلب موافقة سفر من أحد قادة الدولة الاسلامية لخروجي من سوريا، وتقول أنني انسانة محظوظة  رغم كل شئ,، جاءت عائلة معها طفل عمره ثمانية سنوات، لم يكن يرغب بالذهاب الى التدريب في ساحات التندريب العسكرية وكان ملتصقا بأمه كجزء منها، لكنه اختفى في أحد الايام وتركت الأم لحسراتها الحارة التي لم تبرد تبرد يوما.

ومن الامور التي لا تنسى، يطرق الباب الخارجي ويعلن ان  المجاهد فلان قد جاء ليأخذ زوجة فيصاب البيت بالهرج والمرج، فرحين بمأساة انسانة.

تمكنت صوفيا من الاتصال بزوجها وتعاقد زوجها مع مهرب قام بتهريبها الى الحدود التركية مع ابنها على عجلة نارية، وأخيرا وصلت الى باريس لتأخذ حكما بالسجن لمدة اربعة اشهر لسفرها لمنطقة مسيطر عليها من قبل الدولة الاسلامية. صرحت للصحافة بعد اصدار الحكم.

"أكاد أختنق بأسم الدين، أنا لست مسلمة، حياتي الآن أفضل مما كانت قبل سفري وأشكر الله أنني متماسكة الآن أكثر مما كنت عليه سابقا، أما بخصوص اصدقائيفقد فرقهم الموت  اثنان لقوا حتفهم والثالث قد اختفى، رجال الدولة الاسلامية  خطرين يحملون حقا وحبا للثأر، أتمنى أن لا يعود احدهم الى فرنسا"

بعد أن عادت روث الى مدينتها استقبلها فريق طبي لمتابعة حالتها وحالة الاطفال، وتقول أن حياتي بدأت تعود الى مسارها الصحيح، بعض الاسابيع مشرقة وبعض الاسابيع سوداء.

سألها صحفي كيف يمكن للإنسان أن يكون بهذا المستوى من السذاجة؟

رغم كل شيء هو زوجي ولدينا خمسة اطفال، وخلال حياتنا الزوجية لم يؤذ أحدنا يوما، رجل لطيف وطيب وأثق به. لكنني لاحظت قبل سفرنا أنه يكثر من الجلوس أمام الحاسوب لساعات وساعات  ويستمر بالتواصل على الفيسبوك ويكثر من مشاهدة افلام داعش والقاعدة، وبالمناسبة قبل سفرنا طلبت منه أن يقسم على القرآن بأنه لن يخدعني.

" اليوم هو في السجن وأخيرا  ترك أطفالي رسم صور ولا يمكن بأي شكل من الاشكال أن يرسمها طفل نرويجي. ابوهم اليوم في السجن متهم بقضية ارهاب وممنوع من الاتصال بي وبهم".

قضية روث حركت الرأي العام وحركت الحكومة لمتابعة مثل هذه القضايا.. تمت

 

محمد سيف المفتي   

 

ryadibrahim addilamiلو نظرنا الى لوحات (وداد الأورفه لي) التشكيلية العراقية فأنها تكرر أشيائها المجسمة في أعمالها الفنية من (مدن وأضرحة وأهلة وقبب وزخارف وأنهار)، ان هذا التكرار هنا قصداني وعفوي بذات الوقت يولد ايقاعا، وكأنها تلعب (بسلالم البيانو) فهي تداعب الألوان وموجوداتها على سطح اللوحة بسرعة وتكرار لينتج نغما ومدنا حالمة، نحن ندرك أن التكرار بالنوتة أو اللفظ كفيل أن يصنع ايقاعا ولحنا، فهي تلف مدنها بسلاسل وأساور من بيوت بغدادية وحدائق وأضرحة وجوامع ونخيل منمنمة أي بأشكال صغيرة تحيط بها بحيرة أو نهرا وكأن الماء هنا هو امتدادا لشرودها وغيابها عن العالم اللحظي المعاش الى عالم افتراضي تخلقه هي وكما تتمنى أن تعيشه بخيالها وأحلامها .

أعتقد أن التكرار في لوحاتها وموضوعاتها من ناحية الرموز والدلالات التي توظفها في لوحاتها أنما تمثل طبيعة العراق ومدنها وموروثها المحلي والموروث الاسلامي أي بمثابة تعميق الدلالة الانتمائية والهوياتية للوطن والثقافة الاسلامية، معبرة عن مخاوفها من ضياع هويتها وانتمائها وكأنها تدرك أن خطراً محدقا يكتنف الهوية والانتماء والثقافة .. وقد تكون هذه المخاوف نعزوها لأسباب سياسية وخاصة لما جرى على العراق من تطورات وأحداث سياسية منذ نهاية الخمسينيات وهي تسير بشكل دراماتيكي سريع وتبدلات في جوهر الأنظمة السياسية فيه فتحوله من نظام ملكي الى نظام عسكري الى نظام قومي ... الخ .

وقد يفسر أن التحول بالذائقة الفنية للفنان العراقي والمتلقي بدأت تأخذ منحا آخرا نتيجة الانفتاح على ثقافة الآخر ودخول مدارس ومذاهب فنية كثيرة بعد عودة التشكيلين العراقيين الذين أنهوا دراستهم في مختلف الدول الأوربية، مما جعل الفنان التشكيلي العراقي يتأثر بالمدارس الجديدة ومحاولته تقليد هذه المدارس من (تجريدية وتكعيبية ورمزية وتعبيرية وسريالية) فغيرت من تكنيكاتهم وأدائهم من جهة وعلى البيئة الثقافية المحلية من ناحية الذائقة الجمالية من جهة أخرى.

1260 widad

(ووداد الاورفه لي) لم تكن بعيدة عن هذا المشهد وهذه الأجواء التقليدية لتجربة الآخر، وخاصة في بداية مشوارها الفني فقد رسمت وقلدت أغلب المدارس الفنية، لكن بعد تمكنها من أدواتها واكمال دراستها وانفتاحها بشكل كبير على الفنون الأوربية والاسلامية في الأندلس واقامتها للعديد من معارضها الفنية في (بون ولندن ونيويورك وعمان) واختلاطها بمختلف الفنانين ومشاهدتها للمتاحف والأديرة والنصب الأوربية والآثار الاسلامية في الأندلس وتونس والسودان ومصر وبيروت ودول أوربا الشرقية ودراستها لبعض الفنون الحرفية في باريس، كذلك اطلاعها على الكم الهائل من المعارض والتحف الفنية المعروضة في أشهر متاحف أوربا بالإضافة للموروث الرافديني والاسلامي، تمخض عن هذه التجربة الغنية والدراسة والاختلاط والوعي أن تتخذ لها خطا فنيا وفلسفيا و وفكريا، وذائقة تعبر عن ثقافتها الأم وتوازي طموحاتها بعد أن أعلنت القطيعة مع المدارس الغربية لتخلق لها مدرسة جديدة ألا وهي (المدرسة الأورفه لية) - ان جاز التعبير - والمنبثقة من روح الفن الرافديني والاسلامي، لتلبي حاجاتها النفسية والفكرية والذوقية والانتمائية .

لوحات (وداد الاورفه لي) لاتشبه الا (وداد) نفسها الإنسانة والفنانة والمثقفة بانتمائها العراقي المتجذر في وجدانها، لذا جاءت لوحات (الأورفه لي) لتشكل قطعا موسيقية وألحانا أندلسية وبغدادية، فيها روح الشعر والسرد المتمرد بخيالها الخصب وجنون لحظاتها، فحين تمسك فرشاتها فهي تغيب وتنقطع بشكل تام عن الواقع المؤلم - هذا الواقع الذي لا يمثل أحلامها - فتمردت عليه باللون والفنتازيا والاخيلة، لا حدود لأحلامها ونهاية لأنهارها، وفضاءها مطلقا، ونخيلها الفارع مشاكسا للغمام، وقبابها المخملية تستفز غسق الشمس بسحر ألوانها، وأهلتها قد علت مدنها وحجبت ضياء القمر عنها، لقد سوّرت الفنانة مدنها بالبنفسج وحشود عصافيرها وحمامها، وطوقت شواطئ دجلة بقلائد وأساور عروس النهر التي تظهر غروبا بعد استراحة النهر لتحضن حبيبها تحت أشجار الصفصاف، تؤكله الرطب وحبات السدر، تحاول غواية (أبي نؤاس) الغائب في دجى النهر يقرأ شعرا على أنغام زرياب وينثر قوافيه على خصر جواريه، فتنفض غيرة عروس دجلة وتصدح حنجرتها (جلجل علي الرمان نومي فزعلي ... هل الليلة حلوة ... حلوة وجميلة ..... اااااه .... جميلة) مما أثارت فضول وعطش (أبي نؤاس) لجمال صوتها وكلما دنت من حفلة سمره أنارت الشواطئ بترف بياضها وزهر خدودها، فشبت نيران جنونه .

لقد ألبست (وداد) عرائسها وجنياتها قلائد جمان وفصلت فساتينها من قداح المشمش وزهر الليمون، وكحلت عيونها من سواد أرض الرافدين، ولونت شفاهها بحمرة الرمان، فكان ما كان فناً راقياً فيه ترفا وذائقة وسحرا قل نظيرهما، تاركة خلفها ألف لوحة مذ أول لوحة رسمتها في بداية عام 1950 (امرأة برداء ابيض) الى عام 2011 (لوحة البنفسج) .

 

د. رياض الدليمي

ali mohamadalyousifاوصلتنا سيارة البيكب الى العبارة بصحبة السائق وضابط شرطة برتبة ملازم اول يحمل جوازاتنا نحن العراقيين الاربعة مختومة بختم التسفيرمن العقبة، وضعنا حقائبنا في مخزن حفظ الامتعة اسفل العبارة، وصعدنا على ظهر العبّارة برفقة الضابط الاردني، اعطى جوازاتنا الى شخص مصري بملابس مدنية مخابرات،جلس الضابط الاردني في السيارة ينتظر مغادرة العبّارة، بعد ان دق جرس بدء المغادرة تحرك سليل الاراذل الضابط الاردني بعد تسليمنا نحن الاربعة للمخابرات المصرية .

العبارة تستوعب (800) راكبا تحتوي صالات جلوس ومطعم وصالة سينما واكثر من تلفزيون واحد، على سطح العبارة اكشاك متفرقة، وصلنا ميناء ينيبع المصري مساءا احتجزونا في صالة واسعة واخذوا جوازاتنا من امن العبارة، وبقينا ثلاثة ايام بانتظار شركة النقل الذي ستقلنا الى القاهرة من سيناء ومن ثم الى ليبيا .

أمرنا الصول بالصعود الى باص الشركة، كنا بحدود اربعين راكبا جميعنا عراقيين متوجهين الى بنغازي في ليبيا، بيننا عوائل اساتذة عراقيين وطالبي عمل في ليبيا هربا من ظلم صدام وظروف الحصار الامريكي في التسعينات بعد اخراج الجيش العراقي من الكويت .

وقف حضرة (الصول) تسمية نائب الضابط المصري حاملا جوازات سفر جميع ركاب الباص ونحن نغادر الميناء بأتجاه القاهرة قائلا لنا : افهموا حقيقتين الاولى ليس مسموحا لعراقي ان يبقى على الاراضي المصرية لاي سبب كان اكثر من (48) ساعة هي مدة وصولنا مع ليلة زيادة نقضيها في الطريق الى الحدود المصرية – الليبية . الحقيقة الثانية اني ويقصد نفسه ارافقكم وجوازات سفركم معي تستلمونها بعد عبوركم الحدود المصرية في منفذ (السلّوم) ووصولكم نقطة حدود (مساعد) الليبية.

بعد ساعات طويلة بالباص وصلنا مدينة القاهرة ... بعدها دخل الباص الى (كراج) وقوف وصيانة، قال لنا الصول انزلوا الى شوارع القاهرة ليس لاكثر من ساعة فقط بدون جوازات . لم اجد في قاهرة المعز كما نراه في الافلام المصرية ولا في مسلسلات مثل (هوانم جاردن ستي) . وجدت حسب تجربتي لساعة فقط، المصريين بالنسبة للعراقيين نوعين احدهما بعض من الشعب المصري، خمسة مليون مصري عملوا في العراق منذ بداية السبعينات وابان الحرب العراقية – الايرانية وحتى اخراج جيش صدام من الكويت عام (1991) .

من بين هولاء اقاربهم او معارفهم صادفت بعضهم لم اجد منهم غير المحبة والتقدير والاحترام للعراقيين . والصنف الثاني مصريون يؤمنون بالعروية على طريقة السادات ومن جاء بعده .

اخذنا الباص من القاهرة باتجاه منفذ السلوم المصري المحادد لليبيا، مررنا بالجانب البري الخارجي بعد ان قطعنا ساعات طويلة في اراضي صحراوية في طريقنا نحوالاسكندرية . بعد (14) ساعة وصلنا مدينة (مرسى مطروح) مدينة ساحلية على البحر جميلة ونظيفة، مكتفية ذاتيا بكل الخدمات تقريبا، في مركز المدينة تتوزع الاسواق والمقاهي والمحلات وعيادات الاطباء والصيدليات ومحلات الصيرفة، شوارعها وساحاتها منظمة نظيفة .

كنت مرهق جدا وفي وضع نفسي وجسدي سيء للغاية، دخلت الجامع، وعدت اتناول بعض الطعام الخفيف جبن وشاي في احدى المقاهي . تذكرت اغنية قديمة للفنانة ليلى مراد من فلم (شاطىء الغرام) الذي شاهدته وشاركها البطولة فيه الفنان حسين صدقي، تذكرت ليلى مراد جالسة على صخرة تغني مناجية امواج البحر، ويقال سميت تلك الصخرة باسمها، ارتاحت نفسي قليلا .

بعد عبورنا منفذ السلوم المصري وصلنا نقطة حدود ليبيا في (مساعد) هناك سّلم حضرة الصول جوازاتنا بعد ختمها مصريا بايدينا، وبعد اتمام ختم جوازاتنا في مساعد صعدنا الى باص الشركة وسرنا باتجاه مدينة بنغازي الليبية، امضينا اكثر من ثلاثين ساعة في الطريق نأكل وننام في الباص، واحيانا كنا نتوقف لاقل من ساعة في مطعم او مقهى على الطريق، والسائقان واكثر يتناوبان على قيادة الباص، صادفتني متاعب في الطريق اعجز عن تفصيلها منها على سبيل المثال اني استيقظت في الرابعة صباحا لأجد السيارة تذهب يمينا وشمالا من دون سيطرة السائق عليها الذي كان نائما وقد تناول (الحشيشة) المخدرات وهو يسوق باص يحمل اكثر من اربعين راكبا، فأخذت اصيح بالباص وايقظت الجميع واتخذنا اللازم من كارثة كانت تودي بحياتنا جميعا .

اخيرا وصلنا بنغازي بعد ان قطعنا اكثرمن (1700) كيلو متر، تفرق الركاب من الباص واخذت تاكسي اوصلني الى فندق (مرحبا) وبقيت اربعة ايام فقط كي استريح من التعب واشتري ادوية احتاجها . حجزت بعدها بالطائرة من بنغازي –طرابلس تذكرة بسعر (28) دينارا ليبيا لقطع مسافة (1200) كيلو متر على الارض، وصلت الطائرة العاصمة طرابلس بعد اقل من ساعتين من اقلاعها في العاشرة ليلا. ومن المطار الى مركز المدينة طرابلس بالتاكسي، نزلت في اقرب فندق اوصلني اليه السائق . نمت ليلة واحدة، ظهرا ذهبت مع حقيبتي الى مجمع النقليات وسط طرابلس داخل وخارج ليبيا، استقليت سيارة اجرة الى مدينة (الزاوية) تبعد (30) كيلو مترا عن طرابلس يعمل بها ابن اخي مهندسا في مجال النفط .... نزلت في بيته وعائلته اسبوعا، وطلبت العودة بعد ان اخبرته بما جرى معي في الاردن، زودّني ببعض النقود وسافرت بالسيارة من طرابلس عائدا الى بنغازي قاطعا مسافة (1200) كيلو مترا امضيت يومين في الطريق، واسترحت يوما واحدا في مدينة بنغازي . حجزت بعدها في شركة نقليات مصرية (بنغازي –عمان) بضمنها اجرة العبارة من ميناء ينيبع في مصر الى ميناء العقبة في الاردن . كان ذلك في يوم (17 – 12 -1998) تاريخ وصولي ميناء ينيبع، ومن هناك اخذت العبارة المتجهة الى العقبة .

كانت العبارة تغص بالمصريين نساءا ورجالا يزيدون على احتمال العبارة اكثرمن (800) راكبا لا يوجد من مجموعهم اكثر من اربعين عراقيا عائدين لعمان او العراق بينما غالبية المصريين في العبارة ذاهبين لاداء (العمرة) . من الجدير بالذكر ان طريق العودة الى العراق لايتم الا عبرالاردن بّرا، بسبب الحصار الذي كان مفروضا على العراق وعلى ليبيا ايضا ذلك الوقت .

تعرفت على ظهر العبارة شخصا بحدود الستين عاما عراقيا تاجرا من اهالي محافظة الانبار – دليمي، كان الرجل شريفا اصيلا عراقيا بصدق وعفوية، تبادلت معه الحديث عن قضايا عامة بعد ان عرفني من اهل الموصل .

على ظهر العبارة نودي على المصريين لتأشير جوازاتهم من قبل ضابط اردني مع شرطيين يعملان في الطابق الارضي من العبارة .... بعد ذلك نودي بمكبرات الصوت على جميع العراقيين النزول والحضور في الطابق الارضي لتأشير جوازات سفرهم ... كان يقف خلف منضدة الضابط الاردني ويجلس الى جانبه كما ذكرت اثنان من الشرطة يقارنان محتويات الجواز وتدقيقها مع قائمة اسماء لديهم .... سلم احد الشرطة جوازي للضابط لختمه وتوقيعه – كما موضح في المصورات الملحقة عندي هي – وبعد ختم وتوقيع جوازي، اخذ يقلب اوراق الجواز واذا به يعثر على فقرة ترحيلي من قبل دائرة الاقامة في عمان . شطب على الختم والتوقيع وكتب ملغي واحتفظ بالجواز، ووبخ الشرطيان على عدم تدقيقهما جيدا، والتفت الّي مخاطبا انت تستلم جوازك في العقبة . عبثا حاولت اقناعه بان هذا الطريق هو الوحيد لعودتي الى العراق .

بعد نزولنا من العبارة في العقبة نقلنا حقائبنا الى باص الشركة الذي كان ينتظر العراقيين لنقلهم من العقبة الى العاصمة عمان . وقف الباص امام مبنى الجوازات في العقبة، انزلونا جميعا مع حقائبنا للتفتيش وتدقيق الجوازات حتى الاطفال، فتشوا جميع الحقائب، وأدخلوا الجميع وانا معهم صالة كبيرة تتوزع فيها كابينات يعمل عليها ضباط شرطة وامامهم اجهزة كمبيوتر . جمعوا الجوازات من الاخرين وجوازي محجوزا لدى الضابط في العبّارة، دققوا جميع الجوازات للمرة الثانية، سلموها اصحابها الذين اعادوا حقائبهم للباص وغادر بهم نحو العاصمة . بأستثنائي انا حيث اقتادني ضابط العبارة وبيده جوازي وادخلني غرفة حقيرة مقطوعة من الخشب يتوسطها ضابط اردني جالسا خلف منضدة، اعطاه الضابط جوازي واخذا يتهامسان انهما امسكا ضالتهما المنشودة ! صيد ثمين ولا شك يهدد امن الاردن شعبا وحكومة وملكا . سألني الضابط لماذا عدت الى الاردن ولم يمض على ابعادك اسبوعان؟ قلت له استاذ لم اجد عملا في ليبيا واريد العودة لبلدي العراق، ولا يوجد طريق اخر اصل به الا عبر الاردن، فاتني اذكر ان العبارة وصلت ميناء العقبة الساعة السادسة مساءا وان هذا الحديث مع الضابط الاردني جرى في حدود السابعة . قال لي انت ممنوع من دخول الاردن بتاتا، قلت له راجيا الست عربيا وانا ضيف في بلادكم، اشهد الله انكم مخطئون بحقي ولست الشخص المعني بالمنع .... اخذ يهزأ مني ويسخر، كلمة واحدة لو كنت اتلفظ بها خطأ يتناولوني الشرطة ولا يتركوني الا مغشيا علي . اعدت عليه نفس الكلام اني لم اطأ في حياتي شبرا من ارض الاردن غير هذه المرة، واضفت ارجوك انا كبير ومريض وقطعت بالسيارة من ليبيا الى هنا ثلاثة ايام بلياليها ونحن في (21) من كانون اول (1998) ولا احتمل هذا البرد الشديد، ولم اسىء للاردن بشيء استحق عليه كل هذه البهدلة . اجابني بغضب لن نعيدك الى العراق بل سأعيدك ثانية الى ليبيا هذا المساء . قلت له ارجوك احجزوني وارسلوني مخفورا واقذفوني على الحدود في طريبيل العراقية واتركوني وجميع المصاريف ادفعها لكم .... أسالك بالله هل يوجد طريق اخر غير عبر الاردن حاليا استطيع الوصول به للعراق؟ فكيف تعيدني الى ليبيا وانا رجل مريض ولم يبق معي مصاريف العودة؟

نادى على الشرطي قائلا خذه الى النضّارة (اي التوقيف) .. قادني الشرطي بلا حقيبتي اذ بقيت متروكة في صالة انتظار ختم الجوازات، ادخلني غرفة من خشب بلا سقف صغيرة جدا للوقوف او الجلوس فقط ... قلت للشرطي حقيبتي بقيت في الصالة ... لم يرد علي بكلمة وصفق الباب ورائي واغلقه بالمفتاح ... جلست على الارض اكلم نفسي حتى كتبي وملابسي ضاعت ... اسأل فقط لو كنت يهوديا من اسرائيل هل كان تجرأ الاردن الشقيق معاملته بمثل ما عاملوني به احفاد قوم لوط !؟

بعد ساعة تقريبا سمعت صوتا يناديني من خارج غرفة التوقيف ابوعمر ..ابوعمر، تسلقت جدار الغرفة الخشبي، وكانت بلا سقف، واذا بي اجد الرجل العراقي الدليمي الذي تعرفت به على سطح العبارة، قال لي لاتهتم ابو عمر اعرف هؤلاء الاردنيين كم هم اراذل وأنذال .... واضاف لم اسافر بالباص الى عمان مع العراقيين بسببك حين علمت خبر توقيفك، وحقيبتك جلبتها لك تجدها في الممر حين خروجك، سامضي ليلتي وابيت في العقبة وغدا صباحا اجيء اليك مع اصدقاء اردنيين من اهل العقبة، نخرجك ان شاء الله بأية طريقة ونعود انا وانت الى العراق . لم تسعفني الفرحة والكلمات للتعبير لهذا الرجل النبيل الذي لم اجلس معه اكثر من ساعات معدودات على سطح العبارة . وّدعني وذهب .

في تمام الساعة التاسعة الا ربعا ليلا فتح الغرفة علّي احد اراذل ضباط الاردن وبيده جواز سفري مع شرطي سائق، بادرني الضابط قائلا احمل حقيبتك واتبعنا، حقيبة كبيرة وعندي  انزلاق العمود الفقري، كان الجو باردا جدا الى حد التجمّد، والرياح زمهرير، مشيت اتبعهما نحو سيارة بيكب مكشوفة، قال لي ضع حقيبتك في السيارة واصعد معها، حاولت رفع الحقيبة فسقطت من يدي من شدة التعب والزمهرير، حاولت ثانية رفع الحقيبة وسقطت ايضا، اخيرا صعدت مع حقيبتي على ظهر السيارة المكشوف، وجلس الضابط ابن الزانية الى جانب السائق، وتحركت بنا السيارة، الشخص الذي كان يقف ربع ساعة في ذلك الزمهرير يتجمد في مكانه، فكيف كانت بي الحال وانا على ظهر السيارة تسير مسرعة لأيصالي العبارة قبل موعد انطلاقها في التاسعة ليلا .

سلمني الضابط الاردني الى احد افراد الامن او المخابرات المصريين العاملين في العبارة وسلمه جوازي، وتحركت العبارة باتجاه ميناء ينيبع المصري لاقطع ثانية بعد توقيفي في الميناء لمدة ثلاثة ايام . بقيت محصورا في ليبيا في مدينة الزاوية خمسة اشهر لا استطيع العودة الى العراق لان المنفذ الوحيد كان عن طريق الاردن البري، وكان على ليبيا ذلك الوقت حضر جوي مع الخارج .

لم يمهلني ضابط الشرطة الاردني الوضيع المبيت الى الصباح في التوقيف في العقبة لئلا يأتي ذلك الرجل التاجر العراقي ويكفلني . وانا في العبارة من كثرة المي وحزني وما احس به من تعب لم اعد اعرف ماذا افعل . تجولت في صالات العبارة لعلي اجد عراقيا واحدا اتعرف عليه، تمددت على مقعد فارغ ووضعت رأسي بين يدي من الصداع، انتبهت الى شخص يصيح بي استاذ ...استاذ رفعت رأسي شاب في العشرينات من عمره يقف امامي .... سلم علّي بحرارة، يتكلم اللهجة البغدادية العراقية وقال لي تعرف انك من بين جميع الموجودين في الصالة والمطعم عرفتك عراقيا، وانا في خدمتك واعمل في المطعم ... سألني تفضل معي الى المطعم لاقدم لك العشاء ... قلت له والله لا اشتهي شيئا، اكون شاكرا جميلك لو جلبت لي كوب ماء مع قهوة، اجابني حاضر وانصرف، بعد دقائق وضع ما طلبته امامي، كانت نفسيتي مضطربة وجسمي متعب بحيث اني لو تهيأ لي النوم فلا يكفيني لايام، في رحلتي كنت فقط ولأيام اخذ اغفاءات متقطعة فقط، بعد اقل من ساعة عاد الي الشاب العراقي سألني استاذ ماذا تريد تاكل على حسابي ... اجبته اشكر لطفك لكن لا استطيع آكل شيئا، اخرجت من جيبي نقودا مصرية – يوجد محل صيرفة على ظهر العبارة تتعامل بمختلف العملات الاجنبية – رفضها واقسم .

وصلت العبارة ميناء ينيبع بعد الثانية عشر ليلا ... بعد اكثر من ساعة انتظر في العراء امام مبنى امن الدولة في الميناء ... بعدها قادني رجل امن الى غرفة في باب الدائرة قال ادخل فوجدت خمسة موقوفين مصريين، اربعة من بينهم كانوايعملون في العراق وهم الان موقوفون سياسيا ينتمون الى تنظيمات اسلامية محظورة كان يجري التحقيق معهم، وكانوا يتلقون ماذا يقولون في التحقيق من شاب ملتحي يسمعون كلامه، وكان كل ساعة في الليل ينادون على احدهم للتحقيق معه ويعود الى. الغرفة فيها مساطب خشبية قديمة، وارضية الغرفة تراب لم تكنس او تنظف من اشهر عديدة، بعد الثالثة ليلا خرج المحققون واقفل باب الدائرة . تمددت على احدى المساطب، ومع اذان الله اكبر صباحا هزّني احدهم، انهض حجي للصلاة، قلت ونعم بالله ونهضت ... سألتهم كيف اتوضأ والغرفة مقفلة، اجابني الشاب صاحب اللحية (تيمم) مثلنا، ضربوا ايديهم بتراب الغرفة الذي تطأه احذيتنا ومسحوا بايديهم وجوههم . فعلت مثلهم وصليت الصبح معهم على الارض جماعة . لم يحقق احدا معي ولم يسالني حرفا، في الصباح تم تسفير الموقوفين المصريين كلا الى حسب مسقط راسه، وبقيت وحدي في الغرفة، بدأ الدوام الصباحي ناديت العريف قلت له خذني الى دائرة الجوازات الملاصقة لدائرة امن الميناء، رجع الي قائلا تعال احمل حقيبتك واتبعني، وضعت حقيبتي في مدخل البناية بجانب درج وصعدت الى غرفة فيها ثلاثة نواب ضباط، جوازي عندهم الميناء كبير جدا محاط باسلاك ونقط سيطرة وتفتيش، لا يستطيع جرذي الهرب منه، واذا تمكن احد من الهرب وهو بلا جواز اولا تستقبله الصحراء بمياهها العذبة والحفاوة والزغاريد ثانيا !!

سلمت عليهم وردوا علي بادب واحترام .... بادرني احدهم مشيرا الى كرسي اجلس ياحاج، وصاح على شرطي هات له شاي، لم يسألني احدا منهم حرفا، قلت لاكبرهم سنا يا اخي اريد الاستعجال بتسفيري الى ليبيا، اجابني وهو كذلك فقط يوم او يومان، اثناء كلامي دخل الغرفة شاب لا يتجاوز عمره خمسة وعشرين عاما يرتدي قميص خفيف وبنطلون قديم وينتعل بقدميه نعال اسفنج، كان الجو باردا بعض الشيء، قال بلهجة عراقية مخاطبا الصول المسؤول الاول في الغرفة، انسان طيب جدا في عمر ستين عاما، لماذا لاتسفّرونا الى بنغازي امضينا اسبوعا على هذه الحال .... اجابه الصول بهدوء بعد غد أن شاء الله، وسأله هل دبرتما انت وصديقك مصاريف السفر؟ اجابه الشاب بلهجة تنم عن تجربة في مثل هذه المواقف، نحن موقوفون لديكم وانتم ملزمون بتسفيرنا وليس معنا مصاريف اكل، واستدار خارجا من الغرفة، نهضت ولحقت به قلت له انت عراقي؟ اجابني نعم، سألته مع من تنام واين؟ قال مع صديق عراقي في تلك الصالة، قلت له انا عراقي مثلكما واريد النوم معكما، تركني قائلا لحظة ودخل الى غرفة الصول قائلا : سناخذ الاستاذ لينام معنا، اجابه الصول لابأس خذه . ساعدني الشاب في حمل حقيبتي مسافة (300) متر تقريبا، ادخلني صالة انتظار واسعة يتجمع فيها المصريون الذين يركبون العبارة الى العقبة ومن ثم السعودية لاداء العمرة . وجاء بي الى ركن منعزل فيها، وجدت انهما يفترشان الارض ويضعان تحتهما كارتونات تحجب برودة الارض ولديهما بطانيتان ملكهما، يتناوب على حراستهما شرطيان يحتفظان بجوازي سفرهما، واصبحا اصدقاء معهما . عرفني الشاب بصديق عمره بالثلاثينات متزوج وله اولاد وقد ترك عائلته في (خانقين) في محافظة ديالى بالعراق ينامان سوية ويتبادلان النكات وكانهما مع عوائلهما، فرحا بي اكثر مما فرحت بهما، اخذا يطوفان بي داخل الصالة التي فيها مرافق صحية عديدة وحمامات كما تتوزع داخلها اكشاك لبيع السندويشات والمرطبات والحلويات،كانت الصالة لانتظار ركاب العبارة المتوجهين الى اداء العمرة.

سألتهما لماذا يمتنعان عن دفع اجورالشركة لنقلهما الى بنغازي؟ اجاباني وهما صادقين انهما مفلسان، فتحوا حقائبهم فيها مسجلات اثنين وعدة اكروصات سكائر اشتروها من ليبيا ولما ارادا وصول عمان ليبيعاها، اعادوهما السلطات الاردنية الى مصر كما جرى معي، سألتهما كيف تأكلان؟ قالا اهل الخير يطعموننا، كما يوجد ناقلات تجارية ترسو في ميناء ينيبع لافراغ حمولتها من الفاكهة وهم سوريون ولبنانيون يعطوننا حين يعرفون اننا عراقيون موقوفون .

قلت لهم منذ الان فصاعدا لاتهتموا بشأن اكلكما وما أكله تأكلان منه معي فشكراني خجلين، قالا لي استاذ يبدو انك غشيم وهذه اول مرة تمر في مثل هذه التجربة وفي مقابل معروفك معنا ننبهك الى الامور التالية :

اولا – لاتدفع مهما حاولوا معك ثمن تذكرة السفر بالباص للشركة المصرية من ينيبع الى بنغازي، ثمانون جنيه مصري وقل لهم مثلنا ما عندي نقود .

ثانيا – هم الجانب المصري يريدون تسفيرنا والخلاص منا ونحن موقوفون فامتنع عن السفر من غير صحبتنا معك .

عملا لي جولة حرة في الميناء والشرطي الحرس مطمئن فجوازات السفر عنده، هناك اكشاك عديدة تبيع الاطعمة والمشروبات كما توجد مطاعم صغيرة ايضا لوجبتي الغداء والعشاء .امضيت معهما اربعة ايام انستني معظم احزاني . في اليوم الخامس سافرت بصحبتهما في باص الشركة المصرية (مجانا ثلاثتنا) من ينيبع مرورا بالقاهرة، استراحة ساعة ثم تابعنا سيرنا نحو الحدود المصرية الليبية يرافقنا اكثر من اربعين عراقيا عوائل واشخاص، بعد يومين وصلنا بنغازي، انا في بنغازي اعتدت انزل في فندق (مرحبا) توسلا بي قائلين استاذ ابو عمر انزل معنا في فندق العراقي الكبير، وانت تعرف ليس معنا مصاريف والفندق رخيص اربعة دنانير الليلة الواحدة . دفعت لصاحب الفندق (12) دينارا ليبيا عن ثلاثتنا واخذ جوازاتنا، سلمنا مفتاح الغرفة ولايوجد مصعد فحملا عني حقيبتي، فتحنا الغرفة فماذا اجد؟ غرفة بلا نافذة مظلمة رائحتها عفنة الاسرة مهلهلة تؤذي اصلب عمود فقري، رجعت بي مخيلتي الى غرفة سجن العاصمة في عمان لامرافق ولا مغسل ولا حمام،قلت لهما مبروك عليكما الغرفة وكل ما اريده منكما توصيلي مع حقيبتي الى الشارع، لن ابقى خمس دقائق لو يعطيني صاحب الفندق (فلوس) .انزلاني مع حقيبتي الكبيرة والصغيرة بيدي الى الطابق السفلي تقدمت من صاحب الفندق جالسا في الاستعلامات قلت له اخي اعد لي اربعة دنانير مع جوازي والغرفة تبقى لاصدقائي هذين، اعطاني جواز سفري المباع عندنا لايرجع المهم انت رأيت الغرفة، تركته واخذت تاكسي الى فندق (مرحبا) وقلت لهما ازوركما غدا قالا غدا سوف لاتجدنا في الفندق تعال غدا الينا في مقهى العراقيين التي تقع خلف بناية هذا الفندق . اعطيت كل واحد منهما عشرة دنانير ليبية وتحرك بي التاكسي .

نزلت في غرفة لوحدي في الفندق الذي اعتدت عليه، الليلة ب(12) دينارا ليبيا، فتحت حقيبتي رتبت ملابسي في الدولاب، دخلت الحمام واغتسلت جيدا بالماء الحار وطلبت عشاءا بالغرفة، استلقيت على ظهري لاكثر من ساعة على منام نظيف بعد ان اقفلت الباب، رغم الامان المتوفر في الفندق . نزلت الى صالة الجلوس اشاهد التلفزيون، معظم نزلاء الفندق نساء وفتيات بلا رجال، تونسيات مغربيات، افريقيات لوحدهن او بصحبة شبان . امضيت ثلاث ليالي في بنغازي، زرت اصدقائي في مقهى العراقيين يديره مغاربة ومصريين، رأيت بؤس وتشرد العراقيين الذي يدمي القلب والنفس .

في اليوم الرابع توجهت بالسيارة من بنغازي الى طرابلس للمرة الثانية، ومن طرابلس الى مدينة الزاوية عند عائلة ابن اخي المهندس . وبقيت خمسة اشهر محصورا في ليبيا لااتمكن العودة الى العراق الا عبر منفذ الاردن الخبيث .

بعد يومين كتبت كل شيء على الورق مع جواز سفري، واعلموني مقر السفارة العراقية في ليبيا، قابلت القنصل العراقي كان رجلا من اهل الجنوب مؤدب وصاحب معاملة جيدة يريد مساعدة العراقيين لكن كما يقول المثل العين بصيرة واليد قصيرة، راجعته اكثرمن مرة واعطيته نسخة مصورة من الاوراق وجواز السفر لم يستطع فعل شيء لي . قلت له ارجوك رتب لي موعدا لمقابلة السفير (انور مولود ذيبان) ضحك القنصل بمرارة قائلا يوجد من امثال قضيتك بالعشرات من العراقيين واكثر، ثم ان السفير مشغول حاليا بامور اخرى اهم . قلت له انا اعرف السفير العراقي جيدا، لكن اذا كنتم سفارة وسفير لاتتمكنوا من مساعدة عراقي بمثل وضعي في مجرد اعادته لبلده فماذا يعني وجودكم هنا في ليبيا !؟

تغافل القنصل عن كلامي المشوب بالعصبية . السفير العراقي انور مولود ذيبان بعد ان عجز من النضال البعثي كرئيس للاتحاد العام لطلبة وشباب العراق، ولأنه من منطقة تكريت تم تعيينه سفيرا للعراق في موريتانيا، هناك اراد اللعب بذيله والتأمر على بلد مثل موريتانيا مشّبع بالتقاليد الفرنسية، وينشط فيه النفوذ الاسرائيلي، على اثر ذلك تم طرده من نواكشوط خلال (48) ساعة لتقبله ليبيا سفيرا للعراق لديها،ليراقب من موقعه اوضاع موريتانيا وتونس والمغرب والجزائر ويبّشر بحكم البعث وصولا لمصر!؟

أخر مقابلة لي مع القنصل – أنا أشرت سابقا أني قدمت نسخة من هذه الرسالة الى السفارة العراقية في طرابلس، وعلى الارجح أهملت أو أتلفت أو تم ارسالها لمن كان يهمه الامر في بغداد – قال لي شوف أخي نحن لانستطيع ان نعيدك الى العراق عن طريق الاردن لا بّرا ولا جوا، المنفذ الوحيد لعودة العراقيين لابالمعروف ولابالقوة مع حكومة الاردن.(قارنوا حكومة الاردن مع المزعطة التي تحكم من

العراقيين اليوم).

اطرقت براسي نحو الارض مرددا مع نفسي صدقت لانكم حكومة (قشامر) يستطيع بطل الامة صدام ان يعطي النفط العراقي للاردن مجانا او باسعار رمزية ولحد يومنا هذا والاردن لايزال يعامل العراقيين بالقوندرة بالحذاء . وكان من اسباب اجتياح جيش صدام للكويت ان سعد العبدالله نائب امير الكويت في حينها قال سأجعل من جسد المرأة العراقية بعشرة دنانير .

رفعت رأسي مخاطبا القنصل العراقي ليبيا عليها حضر جوي خارجي، ولا املك تأشيرة ترانزيت لاي قطر عربي او اجنبي فكيف تجد الحل في عودتي للعراق العظيم!؟

نظرالي وخاطبني بجدية واضحة، يوجد طريقان لاعادتك للعراق،الاول ان نحصل لك بسهولة تأشيرة من تشاد وتأخذ الطائرة من (انجامينا) الى طهران التي لاتمانع في منحك تأشيرة، لتدخل العراق عن طريق المنفذ الحدودي البري بين البلدين (المنذرية) . تأملوا أية عبقرية ! سألته والطريق الثاني؟ اجابني تسافر الى الخرطوم ومن هناك تأخذ الطائرة الى طهران لان العراق تحت الحظر الجوي، وبذلك أكتملت معادلة انشتاين .

سأل لي أبن اخي على سبيل المزحة وليس الجدية، كم يستغرق السفر البري بالسيارة من طرابلس الى السودان، لان ليبيا ايضا في وقتها معاقبة بالحظر الجوي الخارجي بسبب جريمة القذافي في (لوكربي) . اجابوه اصحاب الدراية من 8 – 10ايام بالباص الخشبي في الصحراء بلا توقف، يطبخون بالباص ويأكلون بالباص و(......) بالباص !، وننصح عمك الكهل عمره ستون عاما ان يأخذ معه بضعة امتار للكفن فالحياة والموت بيد الله، ولا تعرف نفس ماذا تكسب غدا ولا تعرف باي ارض تموت . وكانوا صادقين وجادين في نصيحتهم .

قدمت شرحا كاملا على شكل التماس عن طريق سفارةالاردن في طرابلس الخبيثة للداخلية الاردنية الاخبث، اجابوني ياتي الجواب بالموافقة او الرفض على طلب عودتك للعراق عبر الاردن بعد شهر من الان، انتظرت شهرا وراجعتهم فأخبروني جاء الرفض لطلبك .

ذهبت الى السفارة التونسية في طرابلس، ملاءت استمارة خاصة بالمعلومات اطلب تأشيرة مرور ترانزيت من (جربه) في تونس الخضراء، وقفت بالدور – ترتيب المراجعين بالسرة مع المراجعين والمراجعات من عراة (الجينز) وحين وصلت الموظف المسطول بالجمال الانثوي،سألني بعد ان اخذ جواز سفري مع استمارة المعلومات انت عراقي؟ كدت اقول له (يهودي !!)كما مثبت في الجواز امامك، سلمني الجواز والاستمارة قائلا مراجعة العراقيين بعد الواحدة ظهرا !! اردت أسأله لماذا؟ استلم اوراق الذي بعدي .

انتظرت مع عراقيين آخرين يريدون تاشيرة تحت ظل حائط مجاور السفارة قبل الواحدة صادف ان جاء مسؤول ليبي، اثرت بنفسه وضعيتنا سألنا انتم عراقيين؟ ولماذا لاتدخلون السفارة التونسية؟ قلنا له العراقيين دورهم بعد الواحدة ظهرا ! اخذ يسب ويشتم بالتونسيين وقال ادخلوا معي،غاب عن انظارنا حوالي ربع ساعة وخرج الينا قائلا خذوا دوركم امام الشباك فشكرناه على نبيل صنعه . تقدمت نحو الموظف التونسي (المتفرنس)، بعد ان دقق جوازي واستمارة المعلومات مع الكمبيوتر، اعطاني الجواز قائلا تاخذ النتيجة بعد ثلاثة اسابيع من تأريخ اليوم، علمت بحدس تخميني ان طلبي مرفوض، فأخذت اهذي مع نفسي من شدة المي وحزني، هل نظام تونس السياحي المفتوح يشبه عراق صدام،عراق الكفاح المسلح وتوزيع اموال البلد وثرواته لكل نظام عربي او اجنبي مرتزقة يهتفون نفاقا ورياءا بحياة صدام كاستروا العراق الذي يعرف الحياة هي حمل الكلاشنكوف الروسي الذي يستعمله الفلسطيينين واللبنانيين والسوريين والاردنيين في مناسبات العرس وتحرير الاراضي العربية من اسرائيل !!

بعد ان ضمنت انسانية وعروبة تونس الخضراء انها سترفض طلبي في اخذ الطائرة من (جربة) قلت مع نفسي المملكة الاردنية الهاشمية لها معي ثارات مثل داحس والغبراء والذي اعادني مرة ومرتين من عبور الاردن يعملها معي عشرات المرات، اذا لايوجد امامي فيما اذا حصلت معجزة واعطتني السفارة التونسية تأشيرة ترانزيت سوى ان انزل في لبنان بلد الشحرورة صباح ومن هناك اتدبر امري في دخول سوريا برا ومنها الى العراق .

توكلت على الله بعد ان هداني الى هذا الخيال وسألت أين السفارة اللبنانية في طرابلس، قالوا تجدها في المكان الفلاني قرب سفارة الكويت . اعطيت جوازي مع استمارت المعلومات من الشباك لموظف السفارة، فتح الجواز واذا به – والله على ما اقول شهيد – يرميه بوجهي قائلا (متسولين عراقيين) لايسمح لهم الدخول الى لبنان، قلت له اخي انتم كرماء بعرق زحلة واستضافة الغريب السائح على الطريقة الفرنسية، العراقيون ليسوا متسوليين نحن نملك ثاني نفطي في العالم، ونوزعه على وفق مبدأ (نفط العرب للعرب) فمثلا الممثل محمد صبحي بطل مسلسل (فارس بلا جواد) الذي حررنا به ثلاثة ارباع فلسطين، استلم ونحن في حصار من بيع النفط كوبون نفط، واجد هنا ان مخرج المسلسل غبي حين لم يسمه (جواد بلا فارس) وكذا الحال مع (رغدة) ورمزي كلارك، وجورج كلوي وأخرين .

اضاف الموظف اللبناني انه ممنوع على العراقيين دخول لبنان حتى لو كان طلب جمع الشمل العائلي العراقي –اللبناني حتى وان استدعته زوجته اللبنانية لقضاء الحاجة الجنسية .

خرجت اجر اذيال الخيبة وأتعثر باقدامي، وصادفت مقر السفارة المصرية في طرابلس وقلت والله لا اعتقد المصريين يجحدون خير العراقيين عليهم، اذ أن نظام صدام طلب ومنذ بداية السبعينات واثناء الحرب العراقية الايرانية وحتى نهاية طرد جيش صدام من الكويت، جاء ستة ملايين مصري ليعمروا العراق، لان العراقي الاب والابن والزوج يقاتل مع ايران ثمان سنوات، فجاءنا الطبيب المصري والمهندس المعماري من الدرجة الممتازة والمثقف المرتزقة والمزارعين، والمحكومين بالاعدام وبائعي وتجار الحشيشة والمخدرات، وعلموا العراقيين كل رذيلة وصولا الى هز البطن والكوادة . كان تحويلهم بالدولار الامريكي الى مصر اكثر من عشرين مليون دولار . تطوعة بعض المصريين في الحرب الى جانب العراقيين ضد ايران بعضهم سلم نفسه راضيا عن طيب خاطر اسيرا قائلا :(الف مرة اسير ولا مرة واحدة قتيل)،وهؤلاء فك اسرهم فيما بعد حسني مبارك وتقاضوا بالدولار اضرار اسرهم بعد طرد صدام من الكويت،يروى ان بعض من تطوعة للقتال ولم يؤسر رجعوا مهرولين هاربين من الجبهة،سألوهم فرق الاعدامات التي كانت تتمركز بالخطوط الخلفية وتنفذ حكم الاعدام باي مقاتل يتراجع ويترك موقع الموت الحتمي في الجبهة .. لماذا تراجعتم اجابوهم باللهجة المصرية (هكموا الجبنى) اي هجموا الجبناء !! يقصدون الايرانيين .

قدمت للسفارة المصرية في طرابلس طلب تأشيرة مرور للاسكندرية لاخذ الطائرة من هناك الى سورية بعد ان شرحت لهم الحال من طقطق للسلام عليكم، اخذوا الطلب وصورة الجواز، وقالوا يصير خير .... بعد عشرين يوما جاء الرفض .

بعد ان استلمت رفض السفارة التونسية مات الامل في نفسي تقريبا، وفي حالة يأس قصدت السفارة السورية في طرابلس، اعطيت جوازي من الشباك لموظف يعمل على الكومبيوتر، بعد ان نظر الجواز سألني لماذا تريد الذهاب الى سورية، قلت له اريد العبور عن طريق اليعربية السوري الى مدينتي (الموصل) كما لدي مخطوطتي كتابين لعلي استطيع طبعهما في احدى دور النشر في دمشق، قال لي ولكن العلاقات بين سورية والعراق مقطوعة والعبور ممنوع بين البلدين، قلت له ارجوك ساعدني في المحاولة، سلمني الجواز قائلا اخرج واكتب طلبا تحريريا موضحا فيه الاسباب التي ذكرتها لي مع صورة لجوازك، قمت بالمطلوب وسلمته صورة الجواز والطلب، قال لي بعد ان ثبت على الكومبيوتر بعض المعلومات وتراجعنا بعد ثلاثة اسابيع تجد اسمك معلقا على الجدار ضمن قائمتي اسماء المقبول طلبه او المرفوض . بعد ثلاثة اسابيع راجعت السفارة السورية واذا بي ينعقد لساني من الدهشة حين وجدت اسمي ضمن قائمة المسموح لهم بالتأشيرة، لم اصدق نفسي خرجت من السفارة وعدت ثانية بعد ربع ساعة ادقق القائمة فتأكدت من الاسم، انا المعني حسب مصطلح المملكة الاردنية الهاشمية العتيدة . اعطيت الجواز بعد ان طلب مني تسجيل رقم قائمة الموافقة وتسلسل اسمي فيها، عدت له واعطيته الجواز فقال لي تعال في الساعة الواحدة خذ جوازك والفيزا .

رجعت لابن اخي وانا اطير من الفرحة وقلت له اعطوني تأشيرة سورية نافذة لمدة ثلاثة اشهر، لكن كيف لي ان اصل سورية وليبيا عليها حظر جوي خارجي كما ذكرت سابقا، اذا مطلوب لي فيزا دولة ثانية .

نصح بعض معارف ابن اخي انه لايوجد امامي غير (مالطا) لأخذ الطائرة من هناك الى دمشق بعد ان اعبر البحر الى مالطا بباخرة من ليبيا . تقدمت للحصول على فيزا بشكل اصولي من السفارة المالطية في طرابلس فجاءني الجواب بالرفض . مدة نفاد التأشيرة السورية كما اشرت هي ثلاثة اشهر، مضى اكثر من شهر ولم اوفق بالحصول على فيزا من غير سورية .

في احد الايام كنت اتجول صباحا في مركز مدينة الزاوية لا اعرف ماذا افعل، واذا بي يستوقفني عنوان مكتب سفر وسياحة ..... دخلته وجدت موظفة سودانية مع موظف ليبي اخر، همست في اذن الموظفة السودانية هل تستطيعين الحصول لي على تأشيرة ترانزيت مالطية؟ اجابتني نعم، قلت امتأكدة مما تقولين؟ نعم بالتأكيد اعطني جوازك مع ثلاثمئة دولار تجدها بعد اقل من اسبوع، قلت اتفقنا أتيك عصرا . بعد تعقيدات استمرت اسبوعين غادرت ليبيا من ميناء طرابلس البحري متوجها الى مالطا بتأريخ 26 -3 -1999، اول ايام عيد الاضحى المبارك، كابينة النوم تسع اربعة مسافرين، سريران متقابلان في الاسفل يعلوهما سريرين متقابلين في الاعلى، شغلت احد الاسرة في الاسفل وشغل السرير الاخر المقابل لي شخص سودانيا متوجه الى احدى دول الخليج كموظف هناك، وشغل السريران العلويان شابين ليبيين يقصدان السياحة في مالطا، يحملان كروصات سكائر اربعة يريدان بيعها في مالطا، وضعا كل كروصين عندي وعند السوداني، يستلموهما في مالطا تحسبا من الكمارك ان تصادرهما . وصلنا صباحا جزيرة مالطا، الليبيون يدخلون مالطا ويخرجون منها بدون تأشيرة كما هو الحال مع دول الاتحاد المغاربي على ما اعتقد . بعد نزولنا من الباخرة احتجزوني والشخص السوداني مع اثنين شباب سوريين، اما الشابان الليبيان فقد عبرا دائرة الجوازات ولم يستلما سكائرهما لعدم استطاعتهما اللقاء بنا .

بعد اكثر من ساعتين اصبح مجموع المحتجزين سبعة، اقتادوني انا والسوداني والشابين السوريين نحو سيارة بيكب مكشوفة بانتظارنا، قلت لهما ان تأشيرتي نافذة لمدة (48)ساعة، اجابني احد الشرطة بالانكليزية ستقضي مدة اليومين في المطار وليس في فندق، واجور الحجز بالفندق ستعاد لك .

اصعدونا نحن الاربعة على ظهر السيارة مع حقائبنا، وصلنا المطار بعد اقل من نصف ساعة،فتشوا الحقائب واخذوا الكبيرة منها الى مخزن حفظ الامتعة وتركوا معنا الحقائب الصغيرة، ادخلونا صالة الانتظار بعد التفتيش، من ارقى الصالات من ناحية التنظيم والخدمات والنظافة، اكثر من مطعم، حوانيت، حمامات ومغاسل، سوق حرة مشروبات وعطور ... الخ . مقاعد مريحة للجلوس والنوم، فقط ضيقوا علينا عدم ترك حقائبنا الصغيرة التي معنا في حال التجوال في الصالة مطلقا، خوفا من اعمال الارهاب والتخريب .

كانت مدارج المطار صغيرة، لكن حركة اقلاع وهبوط الطائرات لاتقل عن مطار (هيثرو) في بريطانيا، طلبت من شرطية برتبة ملازم السماح لي بألاستحمام وتغيير ملابسي لان هذا اليوم عندنا نحن المسلمين عيد الاضحى، فوافقت على طلبي واصتحبتني الى مخزن الحقائب لاجلب معي ملابس جديدة، وكانت لها مشكلة في تلبيتها طلبي وحصلت مشادة كلامية بينها وضابط برتبة نقيب اراد توبيخها . المهم حصلت على حمام ساخن وملابس نظيفة .

لفت انتباهي الغلاء الفاحش في المطار، المسافرون من مختلف جنسيات العالم معظمهم سياح لايكترثون بغلاء الاسعار . كان معي بعض المعلبات تكفينا نحن الاربعة، اذ كان يتعذر علينا شراء كوب شاي بدولارين . الشاب السوداني اخذ الطائرة وغادر سارقا كروصي سكائر الشابين الليبيين المساكين، اما انا فلا ادخن فتحت كروصا واعطيت منه اربع باكيتات للشابين السوريين، واحتفظت بالباقي الذي اصبح فيما بعد من نصيب عامل فندق في دمشق .

خلال (48) ساعة التي امضيتها في صالة المطار تعرفت على فتاة بائعة تعمل في متجر داخل الصالة لبيع المنسوجات الجلدية المحلية الصنع، قلت لها اني غير مسموح لي البقاء في (مالطا) وانتظر موعد طائرتي الى دمشق، ارادت مساعدتي، واهتمت بامري كثيرا واستدعت والدتها ووالدها لهذا الغرض . لكن خجلي وصغر عمرها بالنسبة لي اضاع فرصة كانت لو تحققت لتغيرت حياتي . كنت في حالة نفسية متعبة، وان ابن اخي في ليبيا صرف علي ما يقارب الف دولار ويريدني العودة الى الموصل .

صباح ثاني ايام عيد الاضحى (29 -3 -1999) الساعة الرابعة فجرا صعدنا طائرة صغيرة (مالطا – دمشق) ضّيفونا بافطاربسيط، وأطفأن المضيفات الانوار، لم يكن يتجاوز عددنا (13)راكبا، انفرد شاب مع شابة في المقعد الخلفي ورائي ومارسا الجنس مرتين قبل وصولهما الى بيروت حيث توقفت الطائرة ونزلا مع بعض الركاب،بعد ساعة وصلت الطائرة مطار دمشق . امام مكتب ختم الجوازات في المطار انصرف ركاب الطائرة بعد ختم جوازاتهم في اقل من نصف ساعة بضمنهم الشابين السوريين اللذين تركاني . كان هناك في مكتب الجوازات ما يقارب سبعة افراد يعملون . قلت لاحدهم ارجوك اخي لماذا لم تختموا جوازي وتحتجزوني وانا عندي تأشيرة دخول اصولية من السفارة السورية في ليبيا . اجابني اليوم عطلة بمناسبة العيد والدوائر الحكومية لم تفتح بعد لنتأكد من تدقيق اسمك والفيزا !!؟

اقتادوني مع حقيبتي الكبيرة والاخرى الصغيرة بيدي الى مبنى مهجور داخل المطار، ادخلوني صالة مليئة بالاثاث المتروك، وضعت حقيبتي الى جانبي وجلست على الارض متكئا على الحائط .... نظرت الى جانبي وجدت امرأة باكستانية مريضة مستلقية على الارض، وبجانب رأسها يجلس رجل كهل بيده القرأن الكريم يقرأ على رأسها لايعرف غير السلام عليكم . في زاوية من الصالة وجدت شخصا راقدا على الارض وقد رفع الغطاء على رأسه .

تقدم مني شخص في هذه الصالة المهجورة، شاب سوداني لم يبلغ العشرين من عمره، حياني باسم حجي وجلس الى جانبي، سألته عن الشخص النائم وما هي قصته؟ قال انه عراقي موقوف منذ ايام يستيقظ لقضاء حاجته، او يأكل شيئا ويرجع ينام . سألته وانت؟ اجابني انا جئت بالطائرة قبل ايام من روسيا بدون تأشيرة دخول الى سورية، وحجزوني هنا ومضى على وجودي اكثر من اسبوعين . ثم سألني عن سبب احتجازي .... قلت له لتدقيق الاسم، قال هل معك فيزا اصولية، قلت نعم، قال حجي انهم يكذبون عليك ويريدون منك رشوة ويطلقون سراحك . قلت امتأكد مما تقول؟ أجابني قبل الساعة السادسة مساءا اذا ما أعطيتهم نقودا يختمون جوازك ويطلقونك، لان دخولك سورية مشروع وقد منحوك هم الفيزا، دعني اتكفل انا بالامر فانا معهم منذ اكثر من اسبوعين واعرف ماذا يفعلون . قلت تصرف ولن انسى تعبك معي ...... كانوا كل ربع ساعة يأتي واحد او اثنان، حادثهم الصبي السوداني وأخبرهم اني ادفع رشوة، وعاد الي قائلا بعد ساعة يطلقون سراحك، قلت له اشكرك جدا (ابني) خذ هذه عشرين دولار ولو عندي وباستطاعتي لاعطيتك اكثر . امتنع اول الامر عن اخذها خجلا، قلت له يجب ان تأخذها فأخذها مني . بعد اقل من ساعة استدعاني شرطي قائلا اجلب حقيبتك وتعال معي وفي الممر قال لي اين (المصاري)؟، اعطيته ما معي من فراطة دولارات ودنانير ليبية وجنيهات مصرية كانت معي .

امام نائب ضابط عسكري ختم جوازي قائلا تأكدنا من الاسم من وزارة الداخلية وحصلت الموافقة وتأخيرك كان بسبب عطلة العيد، وهو يكذب طبعا والقضية هي فقط الرشوة، التزمت الصمت وقلت شكرا على جميلكم !!

خرجت من المطار بعد ان صرفت ورقة مئة دولار دفعت منها لصاحب التاكسي (400)ليرة سورية اجرة توصيلي لمنطقة (المرجة) وسط دمشق، نزلت في فندق بيروت غرفة صغيرة فيها سرير واحد فقط، كان عامل الفندق كردي من اهالي القامشلي قدم لي بعض الخدمات لقاء بخشيش سوري مع ما تبقى من كروص السكاير العائد للشاب الليبي . اصطحبني الى سوق الحميدية واشتريت بعض الهدايا.

بجوار غرفتي في الفندق كان هناك غرفة كبيرة اربعة اسرة تنزلن بها اربع فتيات لبنانيات جئن يقضين عطلة العيد في دمشق، كنت اشعر بهن يتهامسن حين يرونني داخل غرفتي او خارجا منها او التقيهن وانا خارج او داخل الى الفندق، كان خجلي اكبر من ابادرهن الحديث، رابع ايام العيد كنت مستلقيا على سريري قبل الظهر، تهادى الى سمعي عامل الفندق الكردي يضع حقائبهن امام باب الغرفة لنقلها الى التاكسي في الشارع، غالبت خجلي المزمن وخرجت من غرفتي وبيدي مخطوطتي كتابي احدهما سسيولوجيا الاغتراب يقع في (300) صفحة من الحجم المتوسط، طبع طبعتين لاحقا في بغداد وبيروت، ومخطوطة الكتاب الثاني مجموعة نصوص شعرية في الغزل والمرأة بعنوان (توهج العشق ... احتضار الكلمات) قلت لهن بخجل من فضلكن لدي استفسار ...هذان كتابان من تأليفي الا يمكنكن مساعدتي في طبعهن في لبنان، لديكم دور نشر عديدة .... انفجرن ضاحكات وكأني القيت على مسامعهن (نكتة) لم يسمعنها من قبل . استغربت ضحكهن وأردت ان اعرف السبب، قالت احداهن استاذ بألتأكيد تريد معرفة سبب ضحكنا، قلت نعم، اجابتني كل ما رأيناك تدخل او تخرج من غرفتك،اوجالسا احيانا في الاستقبال كنا نتراهن فيما بيننا على انك كاتب وشاعر عراقي بأستثناء واحدة منا قالت يبدوا لي تاجرا عراقيا، والان ونحن ذاهبات الى لبنان تأكدنا مما كنا نتراهن عليه ! وحبذا لو تم تعارفنا قبل يومين معك، بعد ان تداولن تصفح الكتابين قالت احداهن استاذ كتابك عن الاغتراب كتاب فلسفي جيد، لو توفر عليه ناشر يعرف قيمته ربما في حالة طبعه يقر تدريسه على طلبة كليات في الجامعة، ولا مانع لدينا من اخذهما لكن اوضاع دور النشر في لبنان ليس كما تتصور،ودعتهن باسف وهن يغادرن الفندق .

بعد انتهاء العيد راجعت الجوازات في دمشق، قال لي احدهم عسكري برتبة كبيرة، سفر العراقيين من سوريا تتم تكملة معاملاتهم ومغادرتهم سورية بموافقة دائرة المخابرات، يوجد فرع خاص ب(المزّة) راجع هناك . راجعت بعد انتهاء العيد تلك الدائرة روتين قاتل وأنتظار ممل ودفع مصاري رشوة بلا حساب فقط للحصول على اذن بمغادرة سورية .

اخيرا تمت الموافقة على مغادرتي سورية ليس عن طريق اليعربية المسدود بل عن طريق معبر الوليد الحدودي مع القائم في العراق وذلك بتأريخ 3-4 -1999، ودخلت العراق يوم 4- 4 -1999 ورجعت الى مدينة الموصل بعد هذه الرحلة المضنية، وكان اهل الضمير والوطنية ازلام صدام بأنتظاري في مراقبة البيت وفي تعقب اثري اينما ذهبت .

طبيعي جدا كما ذكرت في المقدمة اني لم ارفع كل ما سردته للقائد الضرورة صدام، الا بأستثناء رؤوس اقلام فقط مما جرى معي وأعتقد جازما أن مخابرات صدام كانت على علم مسبق بغالبية التفاصيل التي ذكرتها قبل ان اقوم برفعها الى مكتب استعلامات المجلس الوطني ببغداد الذي كان يديره الشقيق الاكبر لابن عم صدام شقيق علي حسن المجيد الاكبر.

خاتمة

– في ختام هذه التجربة الاليمة اود تسجيل الملاحظات التالية :

- الى كل عراقي شريف وعربي اصيل أن يعلم من خلال نموذج تجربتي وتجربة مئات الالوف من العراقيين اننا كنا ولا زلنا ضحايا اكبر أكذوبة عرفتها وعاشتها الاقطار العربية لاكثر من قرن من تأريخها، هو ما يسمى بالقومية العربية ووحدة المصير والتأريخ المشترك وغير ذلك من مفردات معيبة استغفلت الناس واخذت من دماء ابنائهم وتضحياتهم من اجل ان يبقى اراذل الحكام العرب المستبدين عقودا طويلة على كراسي الحكم، ويتوارثون الحكم ابا عن جد، وشعوبهم يفتك بها الجوع والمرض والتخلف والحاجة ومستلزمات ابسط حقوق الانسان في العالم .

- اتحدى الاردن حكومة وشعبا ووزراء الداخلية، وجميع الجهات الامنية الاردنية ان يستطيعوا اثبات ولحد يومنا هذا وحتى قيام الساعة،أني زرت الاردن في حياتي غير تلك الزيارة التي تحدثت عن تفاصيل مهزلتها الاليمة معي، كما اتحداهم ان يثبتوا عليّ اي نوع من أساءة او ادانة او مخالفة قانونية او غير قانونية بدرت مني كي استحق كل تلك البهذلة والتوقيف والاهانات التي مررت بها من قبل السلطات الاردنية، وانا كنت في عمر ستين عاما، وكل ما جرى معي بحجة الاشتباه بالاسم، فاية مهزلة ارتكبها الاردنيين الاراذل بحق شخص بريء اعزل !!.

- أؤكد ما ذهبت له سابقا بان خبث وحقارة الجهازين الامنيين في العراق والاردن كانا متعاونان كلا لستر عورات ومخازي الاخر في ملاحقة ومطاردة كل عراقي وطني شريف اراد الخلاص من ظلم ودكتاتورية صدام او ظلم ودكتاتورية الاردن الخبيث .

- أثبت هنا ولاجيال من العراقيين ان الاحزاب القومية السياسية العربية في منظورها وتطبيقاتها السياسية في الحكم وخارج الحكم، كانت اكبر استغفال ودجل لايمت للاخلاق والمباديءالسياسية بصلة، فبأي معنى ومبدأ كان صدم، يزود الاردن بأكثر من (600) الف برميل نفط باليوم نصفها مجانا ونصفها الاخر باسعار رمزية، ولمدة تزيد على خمسة وعشرين عاما من حكمه، في وقت مرت على عوائل عراقية بالالاف عانت الجوع والفقر والعوز والحاجة،مما جعل الحفاظ على شرفها الاخلاقي بطولة ومبدئية يركع لها شرفاء العالم . الشعب العراقي الذي اذله صدام هو شعب الحضارة التي تمتد00(6) آلاف عام قبل التأريخ، المطّلع على بعض مصائب الشعب العراقي وما عاناه من ظلم صدام وكوارث حروبه لايعجب حين ينصفه شرفاء العالم . ولماذا يستمر الحال في زمن الحكومة الديمقراطية الان.؟

- أسأل كما يسأل غيري لماذا صمت واستمر صدام بنفس سياسته المشبوهة مع الاردن رغم اطلاعه وعلمه بمآسي مئات العوائل العراقية التي سلبت اموالها وانتهكت اعراضها في الاردن، وزج بأبنائها في السجون بعد هزيمة صدام المشينة وخروجه من الكويت . في رسالة جوابية من صدام لحسني مبارك بعد دخول الجيش العراقي للكويت، اذ كان حسني مبارك نصح صدام الانسحاب من الكويت، ومن رسالة صدام الجوابية له قال :(أن من واجبنا كقادة عرب ان نصون شرف وجسد وعرض المرأة العربية) و ألم تدعي اجهزة نظام صدام ان سعد العبدالله نائب امير الكويت في مباحثاته مع الوفد العراقي الذي كان يرأسه عزت الدوري، انه قال :(سأجعل المبيت مع المرأة العراقية بسعر عشرة دنانير) وكان رد فعل صدام غزو الكويت بعدها بساعات فقط !؟

- بعد اكثر من خمسة اشهر امضيتها في ليبيا لا استطيع العودة الى العراق، وبعد مغادرتي ليبيا الى مالطا عبر البحر بالباخرة وجدت الشعب الليبي شعب عريق يعتز بقوميته ودينه، براجماتي بالتعامل، شعب يعمل بجد وديناميكية، كثير التذمر وسريع الغضب .

- استلمت مني الدار الجماهيرية للطباعة والنشر مخطوطة كتابي (مفاهيم ثقافية معلقة) بتأريخ 31 -1- 1999، بموجب وصل استلام ولم يشعروني بمصير مخطوطة الكتاب، الذي طبعته بعنوان اخر .

- قابلت الدكتور علي خشيم مسؤول الثقافة في عهد القائد الضرورة القذافي،  وجدته على غير ما يجب ان يكون عليه تعامل وتصرف مثقف، متعجرف ومتكبر، كبير سن ينسى بعد خمس دقائق ما سبق وقاله، يجد نفسه وحيد زمانه في الثقافة العربية، في زيارته الى بغداد لم يكن صادقا بحرف واحد مما يدعيه وقاله .سكرتيرته خلاسية نادرة بجمالها ولا اعتقد يستطيع(.....؟).

 

علي محمد يوسف اليوسف –العراق- الموصل

jawdat hoshyarالقاريء العادي لا يتفاعل أو لا يستوعب غالباً الأعمال الأدبية الجادة، ويفضّل قراءة أدب التسلية العابرة،أو أدب اللذة، الذي قد لا ينطوي على أي قيمة فكرية أو فنية، وقد وصفه الزيات بأنه " كل أدب يلذ ولا يفيد ويسوغ ولا يغذي ويشغل ولا ينبه". في حين لا يأخذ الكاتب المبدع، مثل هذا الأدب مأخذ الجد، ويفضل قراءة الأعمال الأدبية المتميزة. ولكن ثمة أعمال أدبية رائعة لكتاب مجيدين تحظى بمقروئية عالية لدى القاريء العادي والكاتب الجاد في آن واحد، وهي الروائع الأدبية الكلاسيكية، التي اجنازت إمتحان الزمن، ومنها نتاجات اسحاق بابل (1894 – 1940)، .

بابل عرف الشهرة المدوية اثر نشر مجموعته القصصية الأولى الرائدة " الفرسان الحمر " في منتصف العشرينات من القرن العشرين .وقد ايقن الجميع كتابا ونقاداً بأن أدبا جديداً قد ولد، ولا يشبه الأدب الروسي الكلاسيكي (أدب بوشكين وغوغول وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف) .وسرعان ما ترجمت المجموعة الى أكثر من عشرين لغة أجنبية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وقال أحد النقاد الأمريكيين: " ما كان يكتبه تولستوي في 24 ساعة، يكتبه بابل في ساعتين فقط " وكان ذلك خير وصف لأسلوب بابل الكثيف والجميل، الذي سحر كبار الكتّاب الأميركيين .

في عام 1930 وجهت مجلة " نوفي مير " الروسية - التي كانت وما تزال أشهر وأرقى مجلة أدبية روسية - سؤالا واحدا ومحددا الى عدد من الكتاب الغربيين: "من هو في رأيكم أهم كاتب روسي معاصر ؟ . ولم تكن اجاباتهم مفاجأة لأحد: فقد تصدر اسم " إسحاق بابل "عن جدارة قائمة الكتاب المفضلين لدى تلك النخبة المختارة من خيرة كتاب ذلك العصر .

قال ارنست همنجواي في رسالة مؤرخة 12 كانون الثاني 1936 الى مترجم أعماله الى اللغة الروسية ايفان كاشكين (1899 – 1963):" عرفت بابل منذ ان قرأت الترجمة الفرنسية لمجموعته القصصية " الفرسان الحمر " . تعجبني أعماله جدا . عنده مادة قصصية مدهشة، ويصوغها على نحو ممتاز ".قصص بابل مضغوطة اكثر من قصصي ومضامينها ثرية. وهذا دليل على قدراته الفنية ."

وعندما إلتقى إرنست همنجواي مع ايليا اهرنبورغ في مدينة مدريد المحاصرة عام 1937 قال همنجواي معبراً عن إعجابه بفن بابل: " يلومونني لأنني أكتب بإيجاز، ولكنني وجدت أن بابل يكتب بشكل جيد وعلى نحو أكثر كثافة من كتاباتي . ولم اكن اعرف ان للسرد القصصي علاقة بعلم الحساب . أي أنه من الممكن أن يكتب المرء بكثافة أكثر، مثل الجبن الذي تم عصره بشدة ليخرج منه الماء تماما ".

أما الكاتب الأميركي ريموند كارفر (1925 – 2015)، والذي يعد من أشهر كتاب القصة القصيرة في النصف الثاني من القرن العشرين – فإنه كان مبهوراً بفن بابل القصصي واسلوبه الى درجة انه يحفظ بعض قصص هذا الكاتب الروسي عن ظهر قلب. وقال أنه تأثر ببابل وتشيخوف أكثر من غيرهما .

واعترف كاتب أميركي بارز آخر وهو جيمس سولتر (ولد عام 1959) بأنه تأثر بأدب بابل، وذلك خلال محاضرة له في احدى الجامعات الأميركية ونصح تلاميذه بدراسة قصص بابل واسلوبه الساحر، لأنهم سيتعلمون منه الشيء الكثير . وقال ان بابل اكثر الكتاب الروس تفردا وغنى، وأكثرهم إثارة وجدة .

المكانة الرفيعة التي احتلها بابل لدىالكتّاب الغربيين تجلت بأوضح صورة عند إنعقاد مؤتمر باريس للدفاع عن الثقافة سنة 1935، وذلك عندما اكتشف منظمو المؤتمر أن الوفد السوفييتي لا يضم إسحاق بابل مؤلف " الفرسان الحمر "، ولا الشاعر الكبير بوريس باسترناك، وقرروا على الفور مطالبة السفارة السوفيتية في باريس بضم هذين الأديبين الى الوفد السوفييتي . أبرقت السفارة الى القيادة السوفيتية حول ضرورة ايفاد بابل وباسترناك الى باريس على وجه السرعة. كان باسترناك مريضا في ذلك الوقت . كما ان كلاهما (بابل وباسترناك) لم يكونا يملكان بدلات مناسبة للظهور امام مثل هذا الحشد الثقافي العالمي، فتم على الفور خياطة بدلتين جديدتين لهما لدى أشهر خياطي موسكو، واصدار جواز سفر بأسميهما. ونقلوهما الى باريس بطائرة خاصة . كان باسترناك يشكو لبابل ولطاقم الطائرة طوال الرحلة بأنه مريض ودرجة حرارته مرتفعة، ولكن لا أحد كان يصغي اليه، فأوامر ستالين كانت تنفذ دون نقاش . وصلا باريس في اليوم الثالث للمؤتمر.

 ألقى بابل كلمة باللغة الفرنسية – التي كان يتقنها وكتب بها اولى قصصه في بداية حياته الأدبية - استغرقت 15 دقيقة، وكما يذكر ايليا أهرنبورغ في مذكراته الشهيرة " الناس، والأعوام، والحياة "، فان كلمة بابل تضمنت عبارات ساخرة أثارت موجات من التصفيق والضحك . سحر بابل الحضور بلغته الفرنسية الجميلة،، واسلوبه المرح، وأفكاره المعمقة حول دور الكاتب في الدفاع عن القيم الإنسانية . .

في عام 1954 كتب الناقد الأميركي الكبير ليونيل تريلينغ (1905 – 1975) مقدمة لمجموعة قصص بابل " الفرسان الحمر " يقول فيها أنه دهش لأسلوب بابل الكثيف والتهكمي الساخر، المشحون بما يمكن تأويله على أكثر من وجه.

ولعل أبلغ دليل على استمرار تأثير بابل في الكتاب الأميركيين هو المقال الذي نشره الكاتب الأميركي المعاصر (بين نادلير) تحت عنوان:(قصص نحبها " مكافأتي الأولى " لإسحاق بابل) في احد الاعداد الاخيرة لمجلة " فيكشن رايترز ريفيو " .

 يقول نادلير: في اغسطس الماضي قررت السفر الى تبليسي عاصمة جمهورية جورجيا مع صديقتي (أوكسانا) . سألني أصدقائي:لماذا نحن- أنا و صديقتي – نريد قضاء عطلتنا السنوية الوحيدة في غرفة علوية ضيقة في درجة حرارة تبلغ مائة فهرنهايت في مدينة صغيرة من مدن الاتحاد السوفييتي السابق . قلت لهم اشياء كثيرة :

 رحلة لا تكلف كثيرا، واريد أن أشرب النبيذ الجورجي الحلو زجاجة تلو زجاجة، وأن جورجيا هي أجمل بلد في العالم، وأن (أوكسانا) تريد زيارة المدينة التي عاش فيها جدها، بطل الحرب العالمية الثانية، وزيارة ضريحه في المقبرة الروسية المهملة . كانت كل هذه الأسباب الثانوية صحيحة، ولكن السبب الحقيقي لسفري الى تبليسي يكمن في الفقرة الأولى من قصة اسحاق بابل " مكافأتي الأولى ":

"إن كنت تعيش في تبليسي في فصل الربيع، وأنت في العشرين من عمرك، ولم تكن محبوبا، فتلك مصيبة .. مثل هذه المصيبة حدثت معي" .

 ويضيف نادلير:

 " كانت لهذه القصة أعمق الأثر في كتاباتي السردية، وأردت أن اعيش في اجواءها، ولو لأيام معدودة . لقد استفدت من هذه القصة أكثر من ورش الإبداع العديدة التي حضرتها في بداية حياتي الأدبية"

القصة التي أشار اليها نادلير كتبها بابل عام 1822 ورفضت الرقابة السوفيتية المتزمتة نشرها بدعوى أنها ايروتيكية، ولا تمت الى الواقع السوفيتي بصلة، و ان الأدب يجب أن يخدم الأهداف التربوية للنظام البلشفي . اعاد بابل صياغة هذه القصة من جديد سنة 1928، وحذف منها ما اعترضت عليه الرقابة، ومع ذلك لم تقبل اي مجلة روسية نشرها داخل الإتحاد السوفيتي باللغة التي كتبت بها وهي الروسية، وبعد أكثر من اربعة عشر عاما أي في عام 1936، نشرت الصيغة المعدلة للقصة في مجلة " الأدب السوفيتي " الصادرة باللغة الأنجليزية والموجهة للخارج لأغراض دعائية .

 وعندما القي القبض على بابل في 15 أيار 1939 صادرت المخابرات السوفيتية كل أعماله الأدبية المخطوطة . ومن حسن الحظ أن قصة " مكافأتي الأولى " نجت بإعجوبة من المصادرة، فقد كان من عادة بابل أن يقرأ أي نتاج جديد له، على مسامع أصدقائه المقربين، قبل نشره، قائلاً أنه يريد معرفة رأيهم فيه . ولكن الحقيقة هي أنه كان مهدداً بالإعتقال في أي لحظة . لذا كان يتعمد قبل أن يغادر المكان أن يترك نسخة من القصة هناك . وبعد اعتقاله احرق معظم أصدقائه والمقربون منه أعمال بابل التي بحوزتهم، بإستثناء البعض منهم . فقد منع النظام البلشفي منعا باتا الإحتفاظ بالأعمال الأدبية أو الفكرية لـ(أعداء الشعب)، وكان المخالف يعرض نفسه لعقوبات صارمة عند اكتشاف (فعلته) .وكان الوشاة في كل مكان، ولم يكن أحد يثق بأحد ولو كان من أقرب المقربين اليه. لذا فإن الإحتفاظ بعمل أدبي لكاتب من (أعداء الشعب) يمكن إعتباره بطولة حقيقية في ذلك العهد المرعب .

تعرض بابل في السجن الى تعذيب وحشي، وحكم عليه بالإعدام بعد محاكمة صورية جرت يوم 26 كانون الثاني 1940 واستغرقت أقل من عشرين دقيقة، واعدم رميا بالرصاص في فجر اليوم التالي. ولقد تبين لاحقاً من خلال الوثائق التي نشرت في فترة (البريسترويكا) زيف وبطلان كل التهم المفبركة الموجهة اليه . وكانت آخر كلماته قبل اعدامه: "دعوني اكمل عملي" . وتشير تلك الوثائق الى أن ستالين قد وقع على أمر اعدام بابل قبل عدة اسابيع من انعقاد المحكمة.

 نشرت الترجمة الإنجليزية الكاملة للصيغة الأولى (1922) لقصة " مكافأتي الأولى " في الولايات المتحدة عام 1963، والنص الروسي في الإتحاد السوفيتي عام 1967 بعد 13 عاماً من رد الإعتبار الى بابل عام 1954 . وكان بذلك أول كاتب يعاد اليه الإعتبار بعد موت الطاغية ستالين بفضل متابعة أرملته المهندسة العبقرية " انطونينا بيريزكوفا "، مصممة العديد من أجمل محطات المترو في موسكو، ومنها محطة " ماياكوفسكايا " التي تعد تحفة هندسية في غاية الفخامة والجمال .

قصة "مكافأتي الأولى"

راوي القصة شاب غرير، في مقتبل العمر، يمارس عملاً بيروقراطيا مملاً كمدقق لغوي في مطبعة عسكرية محلية . ويسكن في غرفة علوية اسـتأجرها من زوجين شابين تزوجا حديثاً . الزوج يعمل جزاراً في السوق الشرقية في مدينة تبليسي . ومن خلال الحاجز الفاصل بينهما كانت تصل اليه آهات الحب، كما لو كانت أصوات اسماك كبيرة محصورة في حوض زجاجي .ذيول هذه الأسماك التي فقدت ذاكرتها كانت تصطدم بالحاجز. وفي الليل كانت الاصوات تختفي ويحل صمت مطبق يخترق قلبه. لم يبق أمام الشاب سوى البحث عن الحب، والذي وجده سريعا، ولكن لسؤ أو لحسن حظه كانت بائعة هوى اسمها (فيرا) . إمرأة مديدة القامة، بيضاء الوجه، في الثلاثين من عمرها . وفي مساء كل يوم كان الشاب يتبعها في الشارع الذي تمر به دون ان يجرؤعلى مكالمتها ..لأنه لم يكن يملك المال ولا يعرف كلمات الحب الرخيصة .

 ومنذ يفاعته كانت كل طاقته مكرسة لتأليف القصص والمسرحيات في الخيال دون ان يدونها على الورق . نسج ألف قصة كانت تقبع على قلبه مثل سلحفاة على حجارة . لم يكن يريد ان يكتبها على الورق لأنه كان يعتقد إن من العبث أن يكتب المرء على نحو أقل جودة من ليف تولستوي . كان يختلق القصص الخيالية لتكون سلواه وتنسيه ما يعانيه من حزن . كان يخجل أن يبكي، ولا يتقن فن السعادة . وذات مساء استجمع شجاعته وكلّم (فيرا) و اضطر ان يدفع لـها مقدماً عشرة روبلات ذهبية من راتبه الشحيح.

. وقبل أن ينام معها، اضطر الى مرافقتها في جولة وسط تبليسي، فقد كانت فيرا امرأة عملية، ولديها مشاغل لا تنتهي، و معروفة لدى كثير من رواد الملاهي والمطاعم . ولم يصلا الى الفندق الذي تعيش وتعمل فيه الا في منتصف الليل . وتركته ينتظرها في الغرفة، وذهبت الى بهو الفندق لتودع زميلة عجوز مسافرة الى البلدة التي يعيش فيها ابنها . كانت الغرفة كئيبة يحوم فيها الذباب، ثم يسقط في اناء الحليب ويموت .

..ويقول الراوي: " لقد تعبت من الجولة الطويلة في المدينة الى درجة بدا لي حبي عدوا لدودا لصق بي . ومن الممر كانت تأتيني ضحكات صاخبة لحياة أخرى غريبة . وأخيرا جاءت فيرا وقالت: " هل تعبت من الإنتظار ؟ لا بأس، انتظر قليلا ."

 كانت تحضيراتها أشبه بتحضيرات طبيب يتهيأ لأجراء عملية جراحية .أشعلت موقد الكيروسين ووضعت عليه وعاءاً مملؤا بالماء . وعلقت منشفة على ظهر الفراش .

قالت:

- تعال جنبي الى ان يغلي الماء .

ولكن الشاب لم يتحرك من مكانه . واضافت:

- لعلك تتحسر على نقودك !

- أنا لا أتحسر على نقودي

- ولم لا تتحسّر، لا بد انك لص أو تخالط اللصوص؟

- لست لصاً . أنا ولد

- ارى انك ولد وليس بقرة !

 استلقت على الفراش وسحبته الى جانبها .وأخذت تعبث به

إشمئز الشاب مما يراه وأصابه اليأس والإحباط وقال لنفسه: " لم استبدلت وحدتي بهذه الغرفة البائسة الكئيبة. ما اعظم الفرق بين هذا الحب المصطنع المزعج وبين آهات الحب اللاهب الصادرة من غرفة مضيفي ."

 ومن اجل التخلص من الموقف الحرج الذي وضع نفسه فيه،اخترع الشاب قصة ملفقة عن حياته وشذوذه يزعم فيها أنه كان حبيب رجل ارمني في باكو، وتنظر فيرا اليه كأنه زميل مهنة . وعندما كان الشاب بلاحظ فتور اهتمام فيرا بما يسرده، كان يعدّل مسار القصة لإثارة اهتمامها. ويقول الراوي " لو كنت كاتبا كسولاً، وأقل اهتماما بالمستوى الفني لقصتي لسردت عليها حكاية مبتذلة عن طرد رجل ثري مستبد لابنه من البيت وعن ام مسكينة معذبة، ولكنني لم أرتكب هذا الخطأ ."

ويقول الراوي: " خمس سنوات من عمري – من الخامسة عشر الى العشرين – قضيتها في اختلاق القصص الخيالية .. وحدتي حركت واحدة منها ووقعت على الأرض . ويبدو أن القدر جعلت من مومس تبليسية أول قارئة لي .قضينا الليل وهي تعلمني اسرار مهنتها التي لن تعرفوها، وجربت فنون الحب التي لن تجربوها ابدا ".

 وفي الصباح تقوم (فيرا) بارجاع القطع الذهبية العشر اليه، لأنها لا تعتبره زبونا، وتخاطبه بصيغة (اختي) . ويعتبر الشاب هذه الروبلات العشرة أول مكافأة له عن القصة التي اخترعها وكانت (فيرا) اول قارئة لها .

وفي صباح اليوم التالي يجلسان في مقهى تركي قريب ويحتسيان الشاي (القرمزي) الحار الشبيه بالدم المسفوك توّاً.

ويختم الراوي قصته بالقول: " لقد مرت سنوات عديدة منذ ذلك الحين . وخلال هذه المدة تلقيت مرات عديدة مكافئات من رؤساء التحرير، ومن دورالنشر . لقاء انتصارات كانت هزائم، ولقاء هزائم اصبحت انتصارات، من اجل الحياة، ومن اجل الموت . دفعوا لي مبالغ تافهة، أقل بكثير مما استلمته في شبابي من قارئتي الأولى ولكنني لا أشعر بالغضب وأعرف أنني لن أموت قبل أن انتزع من أيدي الحب مكافأة ذهبية أخرى، وستكون المكافأة الأخيرة."

درس بليغ لكتّاب القصة القصيرة

استخدم بابل في سرد هذه القصة، كما العديد من قصصه القصيرة الأخرى ضمير المتكلم . وقد يظن القاريء انها قصة تستند الى تجربة الكاتب الحياتية، ولكن الحقيقة هي انها قصة خيالية، ولا صلة مباشرة لها بوقائع حياته . وقد سئل بابل عن سبب استخدامه الضمير الاول، فقال ان السرد بهذه الصيغة يعفيه من وصف البطل وكل ما يتعلق به، من اجل تكثيف النص. فالقصة في رأي بابل يجب ان تكون مكثفة ومقتضبة مثل أمر عسكري أو شيك مصرفي .

يقول الراوي في مطلع الصيغة الأولى لهذه القصة:"ان الحب هو الذي جعل منه كاتبا. وهذه مفارقة غريبة، لأن محبوبته كانت بائعة هوى غير جميلة وتكبره بعشر سنوات، وإمرأة غير رومانسية على الإطلاق، بل عملية جدا. وتبدو القصة وكأنها استفزاز للذائقة الأدبية السائدة، وتتعارض تماما مع كل صور بائعات الهوى في الأدب الكلاسيكي الروسي . ومنها قصص " شارع نيفسكي " لغوغول، و " رسائل من تحت الأرض " لدوستويفسكي " والبعث " لتولستوي، و"النوبة" لتشيخوف، وغيرها كثير. في كل هذه القصص ثمة مثقف عاطفي يلتقي ببائعة هوى، ويحاول انقاذها من الحضيض الذي وصلت اليه، حتى انه على استعداد أحياناً للإقتران بها .وهو يرى فيها ليس بائعة هوى بل ضحية . وكل بطل من أبطال هذه القصص يحاول حل المأزق النفسي الذي يواجهه بطريقته الخاصة .

بطل قصة غوغول بيسكاريوف - المرفوض من بائعة هوى، لا تريد تغيير نمط حياتها، يقتله الإدمان على المخدرات . بطل دوستويفسكي يتصور نفسه رجلا شهما، ولكنه في الواقع يهين المومس (ليزا) حين يجعل منها متنفسا لأزمته الروحية . ولكن ليزا تنتمي الى نمط قوي من النساء الروسيات، وهي التي تترك البطل، وترفض أخذ النقود.

اما فيرا في قصة بابل " مكافأتي الأولى " فإنها ليست بحاجة الى انقاذ، وليست متلهفة للقاء عميل جديد " وهي التي تبادر الى سؤال الشاب عن حياته – وفي العادة فأن العميل المثقف هو الذي يهتم ويسأل المومس كيف وصلت الى هذه الحالة. بطل قصة بابل يصاب بخيبة أمل، ويشعر بالتقزز، ولا يحس قط أنه مستعد للقيام بما جاء من اجله. " وردا على استفسارات فيرا يبدأ البطل بإختلاق قصة مثيرة عن حياته، ويضفي عليها تفاصيل مثيرة. وعندما يلاحظ فتور اهتمام (فيرا) بقصته يبدأ بتعديلها. فيرا تقتنع تماما بالقصة وتعتقد بإنها حقيقية . القصة كانت متقنة الى درجة ان الشاب نفسه أخذ يصدّقها وكأنها قصة حياته،ويشعر بالشفقة على نفسه ويعتصر قلبه ألماً . وبذلك ينتزع اعترافها به ككاتب .

في هذه القصة النجاح اللفظي يفضي الى الجنس . وتجري مقايضة متكافئة بين فن الكلمة والجنس. القصة بأسرها – تمجيد لفن الكلمة، وقدرته على التأثير في الحياة . البطل يحول أمرأة مترهلة في الثلاثين من عمرها الى حبيبة عاطفية، ويشحن نفسه بالحماس للجنس . العلاقة بين االعميل والمومس، تأخذ شكل العلاقة بين عاشقين متكافئين .

وليست هذه هي القصة الوحيدة لبابل التي تتم فيها مثل هذه المقايضة . ففي قصته المشهورة "جي دي موباسان" التي كتبت عام 1937، وتعد من أفضل وأجمل قصص بابل، وإحدى روائع الأدب العالمي، نجد البطل يقوم بمساعدة سيدة ارستقراطية في ترجمة قصص موباسان الى اللغة الروسية . كانت السيدة قد ترجمت نصوص موباسان ترجمة أمينة من دون أي أخطاء لغوية، ولكن البطل وجد أن هذه الترجمة ميتة، وليس فيها روح موباسان واسلوبه الأنيق المتميز، فيقوم باعادة صياغة تلك القصص على نحو لا تقل روعة عن الأصل الفرنسي . وتصاب السيدة بالدهشة، وتنبهر بموهبة البطل في الصياغة الأدبية الرفيعة . الإعجاب المتبادل يفضي الى علاقة حميمة بينهما . أي إننا مرة أخرى أمام مقايضة من النوع نفسه: فن الكلمة مقابل الجنس .

قال بابل عام 1915، في بداية حياته الأدبية، في مقال له بعنوان "أوديسا"، أنه يحلم بالكتابة على نحو مختلف عن الكلاسيكيين الروس (غوغول، تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف) . وهذا ما فعله في " مكافأتي الأولى " وفي " جي دي موباسان " حيث قلب راساً على عقب كل ما كتب عن العلاقة بين المثقف والمومس ..البطلة ليست بحاجة الى انقاذ، ولكتها بحاجة الى الغزو الأدبي مثل قارئة ساذجة. وشرب الشاي بدلا من النبيذ وصفة تقليدية لمنقذي المومسات في الأدب الروسي . ولكن الشاي في هذه القصة قرمزي وحار كالدم المسكوب . فيرا على غير العادة لا تأخذ النقود، ليس بسبب التعالي، بل بسبب الحب .

 

جودت هوشيار 

 

 

ali mohamadalyousifتمهيد: عمدت الى تلخيص بعض النقاط الهامة من مضمون هذة الرسالة وتركت التفاصيل ورفعتها في حينها الى مكتب صدام حسين نيسان 1999 اشرح فيها ماجرى معي في سفري الى الاردن عبر نقطة الحدود العراقية /الاردنية في طريبيل تاريخ 6/11/1998 المنفذ الحدودي الوحيد آنذاك لدخول وخروج العراقيين وفق جوازي المرقم ن 123680/3334 الصادرعن مديرية جوازات نينوى في 1/11/1998 ولغاية عودتي للعراق من ليبيا عن طريق سوريا عبرمعبرالوليد الحدودي بين البلدين العراق وسوريا .وسيتم توضيح ذلك في تفاصيل هذة التجربة لاحقا .

ان القاء القبض عليّ بالاردن واضاعة فرصتي بالالتحاق باحدى فصائل المقاومة في الخارج ضد نظام صدام، بحجة اني ممنوع من دخول الاردن، وايداعي السجن لمدة تزيدعلى عشرين يوما، جرى بعدها تسفيري بعد ان رفضت العودة الى العراق مخفورا الى مصرعبر ميناء العقبة ومن هناك جرى تسفيري الى ليبيا .

وكان ما وقع لي فخّا منصوبا اشتركت بتنفيذه المخابرات العراقية آنذاك في قطع الطريق امامي عام 1998 من الحصول على لجوء سياسي في المملكة المتحدة او السويد عبرسفارتيهما في عمان كما سيتضح من التفاصيل ادناه .

بعد ابعادي من الاردن الى مصر ثم ليبيا وبعد ان امضيت في ليبيا اكثر من خمسة اشهرمحصورا لا تسمح لي السلطات الاردنية العبورعبر اراضيها للعراق المنفذ الوحيد آنذاك .عدت الى العراق نيسان 1999 عبرمعبرالوليد مع سوريا. وبدأت اجهزة الامن الصدامية يراقبون بيتي وفي كل مكان اذهب اليه طيلة اكثرمن ثلاثة اشهر .وارسلوا لي تهديدا بالقتل في نصف مظروف رسمي (قد اعذرمن انذر).

كما اود الاشارة الى ان التفاصيل التي سأدرجها لواقع وحقيقة ماجرى معي في الاردن كنت ارسلت نسخة منها من ليبيا في حينها بيد شخص عراقي من اهل الانبار استاذ جامعة مؤتمن اوصلها لشقيقي المرحوم (نكتل محمد اليوسف) القيادي في حزب البعث الذي قام بدوره بتسليمها الى وكيل وزارة الخارجية العراقية آنذاك نبيل نجم . وتم سحبها اواتلافها من قبل المخابرات العراقية .وكذالك قاموا بسحب وأتلاف اضبارتي الشخصية في وزارة الخارجية .اذ كان سبق وعملت في السلك الدبلوماسي بعد اجتيازي اختبار معهد الخدمة الخارجية التابع لوزارة الخارجية العراقيةعام 1984 وتم ايفادي بعد سنتين بوظيفة سكرتير ثالث في السفارة العراقية في لندن بتاريخ 4/11/.1986. والنسخة الثانية سلمتها بيد القنصل العراقي بالسفارة العراقية في طرابلس - ليبيا وكان سفيرالعراق حينها (مولود ذيبان) المطرود من نواكشوط بعد الاشتباه به انه يقوم باعمال تمس امن وسيادة دولة موريتانيا . وايضا تم سحبها واتلافها من قبل المخابرات او ربما تم ارسالها الى بغداد دونما ادنى اهتمام. وكل هذة الجهود لم تسعفني في المساعدة وتثبيت حقي كمواطن عراقي تم توقيفي في الاردن لعشرين يوما بمهزلة قل نظيرها.

وحوصرت في ليبيا خمسة اشهرلا استطيع العودة الى العراق. ولاوجدت دولة تستقبلني كلاجئ اذ كان طالبي اللجوء ذلك الوقت بمئات الالوف من العراقيين في مختلف سفارات العالم ويبقى كل شخص هووعلاقاته وامتلاكه المال والتزام بعض الجهات تسهيل مهمته . وبلغ عدد الهاربين من العوائل العراقية والافراد باكثر من اربعة ملايين عراقي في الفترة التي اعقبت اخراج العراق من الكويت في عام 1991 .

تفاصيل توقيفي في سجون الاردن

في شهر تشرين ثان عام 1998 بعد ان بعت اثاث بيتي ما عدا لوازم المطبخ والمنام. ودفعت مبلغ (400000) اربعمائة الف دينار رسوم مغادرة العراق في عهد صدام. قصدت الاردن عصر يوم 4/11/1998 لاول مرة وآخرها في حياتي مغادرا مسقط رأسي الموصل. وصلت طريبيل صباح يوم 6/11/1998 ومن ثم عبرت الى نقطة الحدود الاردنية (الرويشد) كنت راكبا سيارة تاكسي (أجرة) ترافقني لوحدها في المقعد الخلفي امرأة مسيحية مريضة، كانت ذاهبة حسب ادعائها الى عمّان لتوديع ابنتها التي ستغادر الى ايطاليا. والسائق كان مسيحيا ايضاً ولاغيرنا في السيارة. كان معي (6) ستةُ اوراق دولار امريكي فئة (100$) .

عبرنا منفذ طريبيل العراقي اعتيادي دون تأخيركبير. في مكتب جوازات نقطة الحدود الاردنية سلمني السائق جوازه وجواز المرأة العجوز مع جوازي لتسليمها بيد مفوض الشرطة المسؤول عن اتمام ختم الجوازات ريثما يقوم السائق بانهاء تفتيش حقائبنا وسيارته. في مكتب جوازات الرويشد الاردنية جلست على مقعد خشبي مع المنتظرين.... بعد مدة انتظار اكثر من ساعة كانت الجوازات المختومة تخرج تباعاً.... خرج جواز السائق وجواز المرأة ولم استلم جوازي وكلما قمت بأتجاه شباك الكاونتر اسأل عن سبب تأخر ختم جوازي من هذا المفوض الاردني (الشريف جداً !!) يزجرني بغضب قائلا ارجع مكانك. استغربت الامر وراودتني الهواجس...اراد السائق المسيحي مع المرأة الذهاب لوحدهما وتركي في الحدود.. طلبت منه الصبر عليَّ.... بعد اكثر من ساعة صاح اسمي هذا المفوض الاردني وقادني الى ممر وادخلني غرفة يجلس فيها ثلاثة ضباط شرطة بزي عسكري رائد ونقيب وملازم أول امامهم جهاز (كومبيوتر) اخذ الرائد يقلب الجواز وينظر اليَّ ويضرب على لوحة الكومبيوتر.سألني عن اسمي الثلاثي واللقب، ماذا تشتغل في العراق؟ اجبته موظف متقاعد... واخذ يسألني اسئلة سخيفة ويتبادلون النظرات والابتسامات بينهم اكثر من نصف ساعة، تساءلت مع نفسي هل انا شخص مهم الى هذا الحد وانا لا اعلم بنفسي، اذا كان ختم جوازي لدخول عاصمة الشؤم عمان يستلزم معي كل هذا التحقيق ثلاثة ضباط مع كومبيوتر!! اخيراً بادرني الرائد والجواز بيده ماذا اتى بك الى الاردن!؟ قلت لماذا؟ قال الا تعرف انك ممنوع من دخول الاردن ثانية!! بعد ان تم ابعادك عن الاردن في آذار 1998... انعقد لساني من المفاجئة التي لم اكن اتوقعها.. اجبته استاذ، اخي انت (مشتبه) عليك (الاسم)، ويشهد الله اني لم أطأ بحياتي الاردن غير هذه المرة منذ خلقت . وثق اني صادق في كلامي.. وتوالت الاسئلة عليَّ وانا اقول لهم ثقوا انا لست الشخص المعني ويجوز تطابق بالاسم الثلاثي مع شخص آخر... وليس من المعقول اني مبعد من الاردن في اذار1998لاعود ادخل الاردن ثانية تشرين ثان 1998. ثم انا رجل متقاعد ولي مخطوطات كتب.

اجابني المحقق استبدلت جوازك القديم بهذا الجديد.....!! سألته استاذ افترض انا الشخص المعني هل استطيع اعرف ماذا فعلت واي اساءة او عمل قمت به للاردن وطردتموني من اجلها كما تقول ... يضحك ولا يرد على سؤالي . اذكر من جملة الاسئلة التي ازهقوني بها ... هو اين كنت في اذار 1998؟ اجبته كنت متقاعدا لا يكفيني راتبي التقاعدي انا وعائلتي لذا كنت اعمل بالموصل لدى تاجر يبيع اطارات السيارات في موصل الجديدة... اجابني بغضب هذا لا يكفي وانت الشخص المعني لاغيرك ... حاولت معه دون جدوى قائلا له : استاذ الا يوجد لديكم صورة للشخص الذي تدعون انا هو !؟ . الا يوجد عندكم مواليد الشخص ومسقط رأسه ومدينته، واضفت طابقوا اسم الام مع أسم ام الشخص الذي تتهمني انا هو!؟ سألني : لماذا تريد دخول الاردن؟ قلت عندي مخطوطتي كتابين احاول طبعهما في عمان وانا في طريقي الى ليبيا قاصدا أبن أخي مهندس يعمل في مجال النفط مقيم هناك في مدينة الزاوية !؟.لعّلي اجد عملا هناك.

رددت مع نفسي لاحول ولا قوة الا بالله ... هممت يشهد الله ان اخبره اني اريد دخول الاردن لاعمل انقلاب عسكري على الملك حسين المصاب بالسرطان، وهو ينازع الموت في مستشفى بامريكا ... قلت اعوذ بالله حتى تكون هذه كارثة ثمنها افقد حياتي، يدخلونني السجن واخيس فيه بتهمة ملفقة واموت ولا احد يعرف عني شيئا ... وزوجتي وبناتي يتوهمون أني وصلت بريطانيا او السويد !!.

قلت له استاذ انا بعمر والدك اعطني الجواز او اختمه ارجوك !! سألني اين تنزل في عمان او غير العاصمة ... اجبته بفندق !! قال ما اسم الفندق !؟ قلت والله لا اعرف اسم فندق واحد بالاردن كلها : ختم لي الجواز لمدة اسبوعين فقط اقامة، يتوجب علي مراجعة اقرب دائرة امن عند انتهاء المدة ... اوصلني السائق فندق (الدار البيضاء) مبيت الليلة غرفة سريرين سعرها سبعة دنانير اردني ولما وجدني صاحب الفندق والعاملين فيه حسن السيرة والسمعة والسلوك لمدة (10 ايام) قال لي سأحسب لك الليلة بخمسة دنانير اسوة بالنزلاء الطيبين من الاساتذة العراقيين شكرت الرجل على معروفه . كان رجال الامن الاردني يتناوبون على مراقبة اخطر رجل بالعالم ينزل في فندق الدار البيضاء في عمان.

صادف وجودي في عمان فترة الاحتفالات بعيد ميلاد الملك الحسين بن طلال، وقرب موعد عودته من امريكا بعد شفائه – بالحقيقة كان رجوعه لترتيب البيت الملكي الاردني وليودع ويصلي ركعتين على ارض المطار ويعزل اخيه الحسن من ولاية العهد ويوصي لابنه حسين الثاني ملكا على الاردن من بعده ولم يكن قد شفي من مرضه بعد وتوفي في امريكا بعد اسابيع من تلك الزيارة _ .

استمرت احتفالات التحضير لعودة الملك الحسين بن طلال معافى من مرضه اسبوعا واكثر من الاحتفالات المتقطعة والدبكات واعلام الزينة يقود الحملة اخوه الامير حسن قبل عزله . وهذا اضاع عليّ العديد من الايام بالعطل الرسمية ....أخذت في البداية مخطوطتا كتابين لي لقتل الوقت متنقلا عارضا اياهما على بعض دور نشر ولم اجد من يستقبل واحدا منهما او كليهما . بأستثناء ناشر واحد امين نصحني بتركهما بعد تصفحهما عنده، ليجد لي في امر طبعهما شيئا، حتى بدون وصل استلام !! شكرته على جميله النادر وصرفت النظر عن طبع الكتب .

بعد انتهاء الاحتفالات بعودة الملك ارتديت قاطا جيدا من بقايا ايام السعادة في عملي بالسفارة العراقية في لندن، منذ عام 1986 ولغاية 31 تموز 1990 . مع ربطة عنق تنسجم مع القاط واخذت التاكسي الى السفارة البريطانية في عمان، دخلت عمارة فيها القنصلية نظيفة مرتبة، اثاثها جديد على الطريقة الانكليزية الكلاسيكية . جاء دوري امام كاونتر يتوزعه ثلاثة موظفين كل واحد على شباك منعزل عن الاخر، اثنان اردنيان يتكلمان العربية والانكليزية بطلاقة، والثالث أمرأة انكليزية في الاربعين اشارت لي وقلت لها عندي قضية خاصة بالانكليزية.... اجابتني جميع هؤلاء قضاياهم خاصة، قلت اعرف ذلك لكن ارجوك دعيني اكلّم من له شأن البت في طلبي . قالت ادخل واشارت لي بيدها فدخلت قاعة طويلة يتوسطها مقاعد عديدة فقطعت رقم تسلسل وجلست مع مراجعين حاضرين ... بعد ساعة او اكثر جاء دوري قابلني شاب في الثلاثين من عمره وسألني ماذا تريد؟ اجبته اريد لجوءا سياسيا. وأخرجت له جوازا سفر احدهما دبلوماسي صادر عن السفارة العراقية مختوم بتأشيرة (reantery visa) مع جوازي العادي الجديد الصادر عن مديرية جوازات نينوى رقم ن – 123680 – 3334 بتاريخ 1-11- 1998 .

سألني الشاب الانكليزيlee عدة اسئلة ثم غاب عني قائلا اجلس انتظر، بعد ساعة ونصف تقريبا عاد وبيده الجوازين الاثنين، سلمني اياهما قائلا لي راجعني بعد اربعة ايام لا قبلها . اجبته شكرا وخرجت ....

في اليوم الثاني اعدت نفس العملية مع السفارة السويدية في عمان، كان يوم الاثنين من الاسبوع قطعت كوبون واخذت (سره) بالرقم ..جاء دوري تقدمت الى غرفة خشبية يجلسن بها ثلاث فتيات، من بينهن المسؤولة ويبدو من خلال تعاملها مع المراجعين انها المتنفذة .. تكلمت معها بجمل انكليزية بعد تسليمي لها الجوازين الدبلوماسي والعادي .. فأشارت لي الى غرفة جانبية دخلت هي من باب داخلي وانا دخلت لها من باب خارجي يفصل بيني وبينها حاجز خشبي يتوسطه شباك اعطيتها ورقة مكتوب عليها رؤوس اقلام تعريف بي .. قرأتها مبتسمة ثم قالت لي تكلم بالعربية قلت لها حبذا لو ساعدتيني في الحصول على لجوء بالسويد اعادت تصفح جوازي الدوبلوماسي والآخرالعادي والورقة، رأيت علامات الارتياح على وجهها بما افرحني .. وقالت فهمت كل شيىء خذ جوازاك والورقة، واضافت ان قنصل السفارة غير موجود اليوم وغدا الثلاثاء عطلة السفارة السويدية . راجعني يوم الاربعاء بعد غد واعتبر طلبك اللجوء للسويد فيه من الامل والنجاح، وساقوم بدوري انا باقناع القنصل في تسهيل امرك ... لكن اريدك الان ان تذهب الى مقر شؤون اللاجئين في بناية الامم المتحدة القريبة من السفارة (united nation) ومهما يقولون لك فهذا لايهم لكني احتاج توثيق مراجعتك لهم وسيعطونك موعدا تحريريا مكتوبا اجلبه مع الجوازات والورقة وموعدنا الاربعاء .

خرجت غير مصدق نفسي من الفرح، راجعت شؤون اللاجئين في الامم المتحدة وحصلت على الكتاب موعده مراجعة بعد سنة، كما ارادت وعدت الى الفندق .... هل صحيح يسرّها الله هذه المرّة معي انا الذي اذا قصدت النهر ينشف ماؤه بوجهي .

استيقظت صباح يوم الثلاثاء ولا اعرف ما يخبؤه القدر لي. لم يكن لدي ما افعله وانتهاء الاسبوعين اقامة التي منحوني اياها بالحدود باق على انتهائها ثلاثة ايام.

فقلت لصاحب الفندق لا يوجد ما اشغل نفسي به أريد أن تعطني ورقة تأييد اني احد نزلاء الفندق لاذهب امدد اقامتي، اعطاني الرجل الورقة موقعة من قبله وقال لي خد السرفيس باصات صغيرة للنقل أرخص عليك من التاكسي واطلب منه ان ينزلك امام مركز شرطة النصر .... انتظرت اكثر من ساعة ونصف بدأت المراجعات والدوام، اعطيت جوازي الجديد لضابط شرطة يتوسط منضدة وكرسي داخل غرفته برتبة نقيب شرطة، قلب الجواز، نظر ختم دخولي عبر الحدود الاردنية ختم الجواز تمديد ثلاثة اشهر – صورة التمديد في نهاية الرسالة مع المرفقات المصورة لجوازي احتفظ بهما عندي – نادى النقيب على احدهم قائلا خذ هذه ا لجوازات جوازي مع جوازين لعراقيين اخرين وادخلهم (كمبيوتر) تدقيق ويوقعهم المقدم ويعيد تسليمهم واعادتهم ... بعد اكثر من ربع ساعة تقريبا رجع الشرطي ومعه جوازين موقعين فقط ... و يقول الرائد ارسل لي صاحب الجواز (علي محمد يوسف) اصطحبني الشرطي الى غرفة ثانية يجلس بها ايضا مقدم شرطة مع ضابطين اخرين واقفين !! توجه اكبرهم رتبة سائلا انت علي؟ قلت نعم ... اضاف كيف دخلت الاردن؟ قلت عن طريق طريبيل – الرويشد، وادخلني في سين جيم لا يرحم .

وانا احاول اقناعه ان هذه المرة الاولى في حياتي ادخل فيها الاردن . لم يكن فقط لا يسمعون لكلامي وانما بدأ المزاح والتهكم بي، لم ادخر طريقة او حجة لاقناعهم ان قضيتي تشابه بالاسماء وربما يكون احدهم في سوق (مريدي) ببغداد انتحل اسمي لغاية ما وربما جهة اخرى ... لم يكن لكلامي اي صدى او فائدة . شطب المقدم على التمديد السهو بعلامة اكس وكتب كلمة ملغي من اربع جهات الختم (كل شيء اذكره موثق عندي بالجواز محتفظا به).

. قلت بعد ان ايقنت ان فرصتي باللجوء قد ضاعت: استاذ ارجوك اعيدوني الى الحدود واقذفوني هناك في منفذ طريبيل لاعود الى بلدي . اخذ يقهقه ويضحك مع من معه قائلا نحن سنوصلك الحدود بطريقتنا الخاصة !! شارف وقت الدوام على الانتهاء . ارسلوا بطلب عريف شرطة بدوي جلف (ثور معبأ ببنطلون) عريف اردني بدين من قوم لوط اخذ ينظر اليّ وكانما لم ير في حياته عراقيا ببدلة ورباط . واحتفظ المقدم بجوازي مع محضر تحقيق كتبوه كما يريدون ومن دون ان اضع توقيعي عليه . قال الضابط سليل الشرف خذه للتوقيف (النظارة) قلت له اسألك بالله ودينك وشرفك هل فعلت شيئا يستوجب توقيفي؟ هل تأكدتم اني الشخص المعني المطلوب؟ لم يرد عليّ وقادني العريف الشريف السجّان حاملا بيدي حقيبتي سامسونيت نحو ممرين في نهايتهما غرفتين واحدة لهذا العريف والاخرى بجانبها للتوقيف داخلها مرافق بلا ماء . كل ممر مقطوع بحاجز حديدي مشبّك يفتح بمفتاح خاص به. ادخلني غرفته كرسي ومنضدة فقط قال لي ضع حقيبتك هنا، انزع الرباط وحزام البنطلون، اخرج كل ما في جيوبك ... كان معي اربعة اوراق فئة مئة دولار موضوعة في بطانة جيب الجاكيت سحبت السحاب عليها فهي كل ما املك . فتح لي العريف باب غرفة مظلمة معتمة من حديد ودفعني قائلا ادخل واغلق الباب بالمفتاح واغلق باب غرفته وخرج . بعد اربع خطوات قطعتها بالغرفة في ظلام دامس تعثرت وتكومت فوق شخص نائم على الارض لم اره . استيقظ متذمرا بوجهي فاعتذرت منه . كان شابا في الثلاثين من عمره تقريبا لايوحي بالثقة او الاطمئنان، بعد أن جلست على الارض وجدت صبيا اخر ممددا على بطانية، كانت رائحة المراحيض المزعجة تضرب في الرأس .

بعد مرور ساعتين وانا واضع رأسي بين كفيّ مرددا مع نفسي اي ذنب جنيت لاجد نفسي في غرفة رائحة المراحيض تجعلك تفقد اعصابك . وضعت حذائي تحت رأسي وتمددت على الارض بملابسي ولم انم من الليل ولا دقيقة .

في الصباح عرفت احدهما الاكبر من مدينة الزرقاء (شقاوة) طعن اخر بسكين .. والاخر عمره لا يتجاوز (16) عاما ممسكا بيده القرآن الكريم يقرأ به طول الوقت لعل الله يفرّج عنه كربته ويخرج من التوقيف قبل أن يقع المحذور من قبل الآخر المجرم النائم معه ويعتدي عليه جنسيا اذ كان يراوده عن ذلك . وبقيت ثلاثة ايام في هذا التوقيف واستعنت في جلب الطعام لنا باولياء امور هذين الموقوفين معي وعلى حسابي لثلاثتنا . في اليوم الرابع بعد نهاية الدوام الرسمي استلمني ثلاثة من الشرطة ووضعوا القيد (الكلبجة) بيدي وقال احدهم خذ حقيبتك وتركت نظاراتي الطبية وادويتي التي استعملها مع الرباط والحزام ومضيت معهما وضعاني في المقعد الخلفي لسيارة لاندكروز صغيرة وجلس احدهم عن يميني والاخر عن شمالي واحدهم يحمل جوازي العادي – فاتني اذكر اني مزقت جواز سفري الدبلوماسي تحسبا من اتهامي اني اعمل في جهاز مخابرات صدام حسين وتتعقد اموري اكثر هكذا فسّرت الامر في لحظة يأس .- مع اوراق تحقيقية ومشت السيارة بي باتجاه ما يسمونه سجن العاصمة يقع في اطراف عمان وهو دائرة حكومية كبيرة للشرطة والامن – هذا السجن الذي تنعدم فيه ابسط حقوق الانسان السجن كاف لوحده لأدانة حكومة الاردن بجرائم خرق حقوق الانسان ويجرّم دوليا.-

اذكر طلبت من احد الشرطيين الجالسين الى جانبي من اليمين واليسار ان يشتروا لي شيئا من مصروفي الخاص اشربه اوآكله فانا منذ مساء البارحة لم اشرب او آكل شيئا ... اجابني نصف ساعة ونصل مديرية شرطة العاصمة وهناك يطلقون سراحك !! فلا حاجة لك من شراء شيئا . سلمّاني الشرطة الثلاثة الى سجن العاصمة وعادا بالسيارة، اخذوا مني الحقيبة في باب السجن ووضعوها مع حقائب موقوفين اخرين وفتحوا بابا حديديا وادخلوني قاعة كبيرة تتوزعها غرف صغيرة، غرفة للموقوفين العراقيين، ثانية للمصريين، ثالثة للسود من جنسيات افريقية وهكذا .... دخلت غرفة الموقوفين العراقيين .... لم اجد مكانا للجلوس فجلست في باب الغرفة بجوار شخص من اهل البصرة في مثل عمري اشيب لم أساله طيلة اكثر من اسبوع عن سبب توقيفه، بعدها كان يراوغني بالاجابة الحقيقية، ولديه جماعة خارج السجن يزوره احدهم احيانا، بدا لي فقير واصبحنا متعارفين، كنت الوحيد من اهل الموصل بينهم، والباقون من العاصمة بغداد ومحافظات الجنوب،

المحظوظ فيهم من يمتلك منشفة، لكل واحد فيهم مأساة معيشة وليس قضية سياسية من اي نوع، احدهم ألقوا القبض عليه يبيع سكاير، والآخركان يبيع (قماصل) جلدية بيديه على التصريف، واخر لم يراجع تمديد الاقامة الى اخر ذلك من السخافات، في ذلك الوقت كان وزير الداخلية من ارذل خلق الناس في كرهه للعراقيين والويل لمن يفتح فمه وهو تحت رحمة الشرطة يشبع ضرب بالايدي والارجل من الرأس حتى القدمين ويتركوه، بجانب هذا الموقف، يوجد سجن توقيف النساء، دعارة باسم النظام الاردني في انتهاك شرف واغتصاب اي واحدة تدخل ساعة واحدة هناك !! مساء احد الايام دخل الغرفة رجل من ابناء الاربعين بهندام نظيف سلم وجلس بيننا وتحلقّ الاخرون حوله .. كان يحمل بيده حقيبة صغيرة تحوي، اوراقا ونقودا، عرّف نفسه عراقي من اهل السماوة متجنس بالجنسية الامريكية، اخذ البعض يضحك منه امريكي ويوقفوك في هذه المراحيض !! اجابهم بكل برود ساقضي ساعتين معكم واودعكم فالسفارة الامريكية اصبح عندها علم بتوقيفي وسيخابرون على اطلاق سراحي فورا، سألوه عن سبب توقيفه قال لديّ صبية من اقاربي اردت ضمهّا معنا في الولايات المتحدة الامريكية ودفعت مبلغا من المال رشاوى لجماعة عراقيين ارسلوها باوراق مزورة على انها ابنتي وانكشفت الحقيقة، حقيقة تزوير الاوراق فالبنت قريبته حقا وهي في (عمان) جاء يستلمها وغدا يطيران الى الولايات المتحدة الامريكية . بعدها اخذ يوزع نقودا اردنية (وافراطات) من الدولارات الامريكية على الذين تحلقوا حوله .. سجّل اسماء محتاجين لمساعدتهم على عناوين زودوه بها .. قال لي ألا تحتاج مساعدة قلت فقط – اعلم – تلفونيا صاحب الفندق اني موقوف بسجن امانة العاصمة لعله يستطيع اطلاق سراحي بكفالة او اي طريقة وفعلا جاءني الى السجن صاحب الفندق الدار البيضاء في اليوم الثاني ولم يستطع فعل شيئ من اجلي .. غادر بعد اعتذاره من الشرطة الاردنية .. في اعقاب مكالمة تلفونية من السفارة الامريكية قبل المساء تم اطلاق سراح العراقي الامريكي فورا والاعتذار منه !! كان جميع نزلاء السجن من الموقوفين غالبيتهم عراقيين ثم مصريين ومن جنسيات افريقية اخرى بلا بطانية نوم واحدة وبلا اكل او شراب . المحظوظ بيننا من لديه معارف زودوه ببطانية يشاركه النوم عليها ثلاثة او اربعة بدلا من الارض، كما هو الحال معي حيث تعودت اتوسد الحذاء واتمدد على الارض بملابسي الجاكيت والبنطلون لاكثر من عشرة ايام كاملة ليلا ونهارا . بعد السابعة صباحا يأتي شخصان احدهما يحمل (قوري) قهوة مع خبز والاخر يحمل قوري شاي مع خبز، كوب شاي او قهوة مع رغيف خبز(معفن) نصف دينار اردني، وتعاد العملية ذاتها مساءا.

في تمام الساعة التاسعة صباح كل يوم يقرأون اسماءنا، ويضعونا في صفوف كل أثنين مقيدين سوية بكلبجة واحدة، والسباب والشتائم والركل بالارجل من قبل الشرطة لمن يتفوه بكلمة واحدة وهو واقف في الصف منتظرا الصعود الى سيارات خاصة بالمساجين، تذرع بنا الشوارع ويأخذوننا الى مقر الاقامة والاجانب في العاصمة، هناك يقرأون اسماء المحظوظين منا فقط الذين تكمل اوراق تسفيره الى الجنة الموعودة (سجن جويدة) .... في هذه الدائرة (مقر الاقامة) يدخلونا اكثر من مائتي موقوف داخل قاعة لا تتسع لوقوف اربعين شخصا .. كنت اتعب من الوقوف لساعات، لذا أعتدت يوميا الجلوس القرفصاء على الارض بجانب شخص موقوف من اهل البصرة، كان يعرف شابا يقدم خدمات للموقوفين لقاء نصف دينار اردني . كنت اكتب له او بالاحرى يجلب لنا قلم رصاص وورقة علبة سجائر لنكتب عليها احتياجاتنا من الالبان والاجبان المعلبة والخبز، هذا فقط الذين يمتلكون نقودا من الموقوفين الذين كانوا غاليبتهم مفلسين . بعد الثانية ظهرا ينتهي وقت دوام دائرة الاقامة فينقلولنا بالسيارات الخاصة مقيدي الايدي الى غرفنا في سجن العاصمة، لنجد طفح المرافق من القاذورات وصلت الى بعد متر واحد من غرفة نومنا !! ويعاد نفس الشيء معنا في اليوم الثاني في نقلنا الى سجن الاقامة واعادتنا بعد الظهر الى سجن العاصمة .

كان يزداد عدد الموقوفين يوميا ولا ينقص منا بالترحيل الى سجن جويدة خمسة كل يوم .... قلت لصديقي الموقوف معي اذا بقينا على هذا الحال فان دورنا بالتسفير لن يأتي بعد اكثر من شهر اجابني بالتاكيد . اصبت بمرض التهاب الكبد الفايروسي من التلوث بالقاذورات وقلة مياه التغسيل والشرب ولم اعد اشتهي شيئا ولا اقوى الوقوف على قدمي من الوهن والضعف، ولا يراني او يسمعني احد من الشرطة الذين نادرا ما كنا نراهم .

احد الايام في دائرة مقر الاقامة جالس مع صديقي البصراوي ورآني مريضا مصفّرا، قلت له اعطيك دينارا اردنيا واحدا في مقابل ان تسدي لي خدمة، اذهب واجلب لي ورقة وقلما ... اجابني حاضر، بعد اكثر من ربع ساعة كان القلم والورقة بيدي وكتبت : (السيد اللواء مدير الاقامة في عمان، اني الموقوف العراقي علي محمد اليوسف مريض جدا ومصاب بعجز في القلب، احملكم كامل المسؤولية في حالة وفاتي، ما لم تعجّلوا بنقلي الى مستشفى او ترحيلي لبلدي ووقعت الورقة).

اعطيت الورقة بيد الشاب صاحب تقديم الخدمات للموقوفين وقلت له سلم هذه الورقة من وراء النافذة الصغيرة على ممر حراستنا بيد احد اراذل الشرطة الاردنية وقل له اوصلها للضابط فيها امر هام ومستعجل، بعد مدة قصيرة عاد الي قائلا : اعطني الدينار اوصلت رسالتك . بعد اكثر من ساعة نادوا على اسمي فدفعت المتجمهرين الموقوفين من طريقي ووصلت باب الخروج من الموقف، سألني اوغاد الضباط الاردنيين وهو يقلب بيده اضبارة الاتهام ما اسمك؟ اشهد الله لا اعرف لحد هذه اللحظة لماذا القوا القبض عليّ، وماذا فعلت لاحفاد لوط في المملكة الاردنية الهاشمية !؟

حين عدت مع الموقوفين الى سجن العاصمة بعد ان امضيت اسبوعا كاملا فيه كانت توازي سبعة اشهر اشغال شاقه، انهالت علي التهاني وقالوا لي غدا ياخذوك الى مركز شرطة النصر المسؤول عن منطقة سكني في فندق الدار البيضاء وسط عمان

السجن الذي تم اعتقالي به وانا اجدد اقامتي، في اليوم التالي تم نقلي فعلا .

من مركز شرطة النصر اقتادوني بسيارة لندروفر صغيرة، يجلس في الامام مفوض شرطة يحمل اوراقي وانا جالس بالمقعد الخلفي مقيد اليدين والى جانبيّ يجلس شرطييان، متوجهين الى الفندق لأحزم حقائبي وحاجياتي، فتح صاحب الفندق باب غرفتي ودخل معي اثنان من اوغاد الشرطة، وضعت ملابسي وكتبي في حقيبة كبيرة، رجوتهما ان اخذ دوش (شاور) داخل الغرفة بعد مضي اسبوع علي نائما على الارض متوسدا الحذاء في البنطلون والجاكيت ... رفضا طلبي . اعادوني اجرّ حقيبتي معي مرة ثانية لسجن العاصمة لأبيت ليلتي الاخيرة في هذا السجن الذي اعجز عن وصف لاانسانيته ووضعه الصحي المزري .

بعد التاسعة صباحا اصعدوني مع حقيبتي مع ثلاثة عراقيين موقوفين وبعض المصريين مقيدين كل اثنين معا، الى سيارة خاصة بنقل المساجين . بعد حوالي ساعة او اكثر وصلنا سجن (جويدة) انزلونا وفكوا وثاقنا، صادفنا ضابط برتبة ملازم ثان ابن حلال، سألنا انتم عراقيين؟ قلنا نعم .. قال احملوا حقائبكم واتبعوني، وصلنا بناية صغيرة منعزلة، قال لنا ضعوا حقائبكم هنا واقفلوها جيدا، اقفل الباب خلفنا وسرنا نتبعه، خاطبنا هل تريدون السجن مع السجناء بينهم محكومين بجرائم وتهم شتى، وهناك يعاملونكم معاملة المحكومين بأرتداء ملابس السجن ويحلقون رؤوسكم، ام تختارون تلك الغرفة صحيح قذرة لكنها افضل من السجن و فيها مطارح اسفنج للنوم وفي داخلها مرافق ومغسل ... لم نعرف كيف نشكره، هذا مفتاحها نظفوها واغسلوها ... اخرجنا مطارح النوم الاسفنجية القذرة جدا وضعناها بالشمس، فبدأ القمل والبراغيث تدب على الارض مثل النمل . وجدنا الغرفة اربعة في اربعة جنّة .... يذهب واحد منا يجلب لنا طعام الظهر من مطعم السجن، اما وجبتي الفطور الصباحية ووجبة المساء فكان بعضنا يعطي نقودا يجمعها من الذين يرغبون شراء خبز وصمون وسكائر ومعلبات يجلبها لنا شرطي في مقابل البخشيش ... امام غرفتنا على بعد امتار كان يتردد على دائرة صغيرة ضابط شرطة برتبة عقيد، كان بعضنا يناديه سيدي ..سيدي، احيانا يقف يكلمنا من الشباك، نتوسل اليه ترحيلنا الى ميناء العقبة .... كان يعدنا بعد يومين ويكذب، والموقوفين من المصريين كانوا يتوافدون الى الغرفة، اصبح عددنا (18) سجينا، وبعد اسبوع اصبحنا (24) موقوفا ننام جميعا في غرفة (16) متر مربع كما ذكرت، ولا احد يحرك ساكنا حول ضرورة ترحيلنا الى ميناء العقبة . كنا عراقيين ومصريين وبيننا موقوف مسييحي سوري واحد فقط . كان بعضنا يقضي الليل نائما ممسكا بشباك الغرفة الوحيد، او جالسا على الارض ورأسه بين رجليه، رأس الواحد منا في بطن الاخر، واذرع وارجل البعض الاخر على اجساد الاخرين كيف ما اتفق . امضيت في هذه الغرفة في سجن جويدة عشرة ايام او يزيد ما عدا الايام التي امضيتها في سجن العاصمة ومركز شرطة النصر.

اذكر هذه الحادثة فقط للتدليل على خسة ونذالة الاردنيين شعبا وسلطة وحكومة، احدى المرّات جمعنا نقودا اعطيناها مع قائمة احتياجاتنا لاحد الشرطة كالعادة، جلب لنا ما اردنا واعاد الباقي من النقود ناقصا بعد ان حسم منها البخشيش له، على اثر تبادل الاتهامات بالسرقة، تشاجر احد العراقيين مع مصري يتهم كل منهما الاخر بالسرقة ... قمت نحو المصري رجل ضعيف البنية رث الملابس اعطيته النقود التي ارادها وصالحته مع العراقي وسكن الجميع . احد الشرطة كان مارا من امام الغرفة وسمع الصياح، واذا به بعد ربع ساعة يدخل اثنان من الشرطة كالثيران الهائجة، وبأيديهما احزمة عريضة يرتديها العسكريين والشرطة، سأل احدهما من كان يتعارك؟ اجابوه لا يوجد مشكلة سيدي تصالحا وانتهى كل شيىء... قال اريد اعرفهما فقط، وقف الاثنان العراقي والمصري واستلم كل واحد من الشرطة احدهما واوسعوهما ضربا وركلا حتى سقطا ارضا ووجهيهما ملطخين بالدماء ولا يقويان على الوقوف من شدة الضرب والركل بالاحزمة والارجل، واغمي على المصري الرجل الضعيف !! كان اي منا يتدخل لتخليصهما يكون مصيره مثلهما بل واكثر في تلفيق تهمة تمرد وشغب ويبقى في السجن اشهرا لا احد يسأل عنه .

بعد ان اصبح عددنا في الغرفة كبيرا لا يمكن ولا حتى لحيوان ان يحتمله، توسلنا ان يرحمونا بضرورة تسفير عدد منا .. بدءوا بعدها اجراء تحقيق ومقابلة مع العراقيين فقط كلا على انفراد، وبعد ان يشبعوه اهانات وشتائم وسخرية، يسألوه اين تريد (قذفك)على الحدود في طريبيل ام تريد السفر الى ليبيا؟ الذي لا يحمل ورقة مئة دولار امريكي ثمن تذكرة من العقبة الى مصر ثم الى بنغازي في ليبيا، كان مضطرا القبول بقذفه على الحدود العراقية لتستلمه دوائر الامن والمخابرات العراقية ويسّفر الى بغداد للتحقيق معه، دفعت ثمن البطاقة مئة دولار للسفر الى ليبيا. بعد يومين في حدود العاشرة صباحا نادوا اسماءنا، كنا اربعة عراقيين والباقين جميعهم من المصريين الذين يريدون العودة الى مصر عن طريق العقبة. اوقفونا كل اثنين في قيد واحد (كلبجة)، ثم اصعدونا في سيارة خاصة بنقل المسجونين يرافقنا اربعة افراد شرطة بينهم برتبة ملازم اول ضابط شرطة. بعد مسيرة اربع ساعات بسيارة المسجونين وصلنا ميناء العقبة الاردني، هناك عزلونا نحن العراقيين الاربعة عن باقي المصريين عددهم (22) رجلا عندها اصّر المصريون عدم توقيفهم في العقبة وتسفيرهم فورا الى مصر، وحدثت مشادة كلامية بين المصريين والشرطة . وذلك بنقلهم على ظهر (العبارة) من العقبة الاردني الى ميناء (ينيبع) عبر البحر الاحمر يبعد كيلو مترات عن (طابا) في سيناء على البحر . من الجدير بالذكر منعا للالتباس في الاسم انه يوجد ميناء (ينبع) السعودي على البحر الاحمر ايضا.

طالب الشرطة الاردنيين ان يدفع المصريين اجور النقل بالعبّارة، فامتنع المصريون عن الدفع وهددوا الشرطة الجبناء بالضرب قائلين نحن مبعدون عن الاردن بالقوة ولسنا مسافرين وعليكم واجب تسفيرنا . بعض الممتنعين عن دفع اجور العبارة كان موقفهم تحد وعناد واخرين فعلا كانوا لايملكون المبلغ .... تأملوا خسة الاردنيين ووضاعتهم حين ضربوا وشتموا بعض المصريين فتجمع عليهم المصريون وكان عددهم يفوق العشرين شخصا وتضاربوا معهم .... حين ذاك تنازل الجبناء الاراذل من الشرطة الاردنيين، والتفتوا نحونا العراقيين الاربعة قائلين لنا : تبرعوا لاخوانكم المصريين باجور العبارة، تبرعنا بالشيء القليل ومضينا نحمل حقائبنا خلف شرطي اردني قائلا : سأضعكم انتم العراقيين الاربعة للمبيت في غرفة نظيفة فيها مرافق داخلية ومغسل وسمح لنا ادخال مناشف وبعض معلبات كنا اشتريناها في طريقنا من سجن جويدة في عمان الى ميناء العقبة . رجوناه بحرارة ان لايبقينا اكثر من ليلة واحدة في التوقيف، والعبّارة المصرية لها سفرتين خلال اربع وعشرين ساعة، الاولى في الساعة الواحدة ظهرا والثانية في الساعة التاسعة ليلا من العقبة الى ميناء ينيبع في مصروبالعكس . اجابنا مؤكدا طلبنا وهو يكذب ويريد ابتزازنا ورشوة . بقينا اربعة ايام في تلك الغرفة، ونفد ما معنا من ماء وطعام، ولم يتذكرنا ابن زانية من الشرطة الاردنيين وعرفنا السبب انهم يريدون رشوة . جمعنا سبعين دينارا اردني واخذنا نصرخ ونصيح ونضرب الباب الحديدي بارجلنا، جاءنا الشرطي وجه الشؤم قلنا له سفّرنا هذا اليوم في العبّارة المغادرة في الواحدة ظهرا، وخذ سبعين دينارا اردنيا، اذكر كان يوم اربعاء . بعد اقل من ساعة كنا اربعتنا مع حقائبنا على ظهر سيارة مكشوفة (بيكب) توقفت بنا امام بناية ميناء العقبة الذي يحوي دوائر الامن والمخابرات . وعلى مسافة ربع ساعة او اكثر بقليل بالسيارة ترسو العبارة المتجهة الى ميناء ينيبع في مصر . بعد ساعتين اخذوا يدخلوننا واحدا بعد الاخر الى ضابط المخابرات الذي بيده جوازاتنا، سألني عدة اسئلة سخيفة اين تسكن ما هي وظيفتك؟ قلت له قبل ان اغادر الغرفة، لي طلب واحد فقط هل تستطيع جنابك ان تعلمني سبب اعتقالي لمدة تزيد على عشرين يوما؟ اجابني على كل حال لدينا اجراءات وان كنا اسأنا بحقك فنحن آسفين!؟ هكذا وبكل بساطة شخص مثلي في عمر ستين عاما  يمر بكل هذه المهزلة والتوقيف باكثر من عشرين يوما وينتهي كل شيىء بكلمة آسفين !!قلت له وانا خارجا، والله لو بقي من حياتي يوما واحدا سأفضحكم بكل وسيلة .. وها انذا انشر بعض الغسيل القذر لحكومة الاردن امام مطايا الحكومة العراقية التي لا تزال تزود الاردن باسباب المعيشة.

للمقال صلة وسانشرها كاملة ضمن كتابي القادم: للتاريخ .....فقط وهو كتاب مذكرات

 

علي محمد اليوسف /الموصل /العراق

 

khadom almosawiفي الاول من ايار دخلت السجن الرسمي

وسجلني الضباط الملكيون شيوعيا،

حوكمت – كما يلزم في تلك الايام -  وكان

قميصي اسود، ذا ربطة عنق صفراء،

خرجت من القاعة تتبعني صفعات

الحراس، وسخرية الحاكم، لي امراة

اعشقها وكتاب من ورق النخل، قرات

 به الاسماء الاولى، شاهدت مراكز توقيف

يملؤها القمل، واخرى يملؤها الرمل

واخرى فارغة الا من وجهي.

*

" يوم انتهينا الى السجن الذي ما انتهى

وصيت نفسي وقلت المشتهى ما انتهى

يا واصل الاهل خبرهم وقل ما انتهى

الليل بتنا هنا والصبح في بغداد"

. . .

سعدي يوسف

......................

مللت من الروتين اليومي والحياة الرتيبة في المقر، هناك مفارز كثيرة تمر على فصيلنا، وتتحرك باتجاه الداخل والمقرات الاخرى، رغبت فعلا بالنزول معها وزيارة الفصائل واللقاء مع الانصار مباشرة ومعرفة ظروفهم واحوالهم وجها لوجه. اخبرت الرفاق بذلك، وكالعادة لا يقرر احد منهم الا بعد ان تهزه كنخلة في الجبال، حضرت نفسي مع قافلة كبيرة، فيها معدات واسلحة ومواد تموينية وبريد حزبي، فاغتنمت الفرصة وانطلقت معها. الدليل فيها رفيق عربي اعرفه جيدا وكذلك بعض الانصار من حمايتها ايضا. وحين نمر ببعض المقرات، نستقبل بحفاوة ونتبادل كما هو معتاد بالضيافة اللازمة وهموم المكان واوجاع الانتظار او المكوث الطويل. ادرت في بعضها جلسات حوار مفتوح ونقاشا حرا، وسمعت اراءا وملاحظات كثيرة عن طبيعة العمل الانصاري وعن العلاقات الحزبية والانصارية والجبهوية، وتساؤلات غير قليلة عن مستقبل العمل والكفاح في اعالي الجبال وعلى الشريط الحدودي دون توجهات واضحة لما بعد. بعض بيانات المكتب العسكري تتحدث عن عمليات انصارية وقتالية وقتل جنود وغنم اسلحة ومعدات، ولكن بعد تجربة انتفاضة عام 1982 في مدن كردستان القريبة من الحدود وتحررها من اجهزة الدولة تقريبا وسيطرة سكانها وقوات البيشمركة والانصار على ممتلكات المؤسسات الحكومية لم يدم ذلك طويلا، ولم يسعد السكان بما انجزوه، فميزان القوى ليس بصالحهم في كل الاحوال.  سجلت معظم ما سمعت وما انتهى اليه السجال وحين عدت بعد اسابيع قدمت رسالة الى المكتب السياسي لخصت فيها "مشاهداتي الصحفية". شكرني عليها ولكن يبدو ان اغلب اعضائه لا يعرف عن مثل ما قمت به، وقد لا يرتاح له، أو يحسبه في افضل الحالات امرا غير مرض او تصرفا فرديا غير حزبي، فهم لا يقراون ما يجري الا عبر محاضر الهيئات الحزبية والرد عليها حزبيا بضرورة التريث والمعالجة المؤقتة وانتظار الفرج. انتهى شهر اذار في تلك الجولة " السياحية لي"،  ونسيت ذكر مشاركاتي في احتفالاتنا بعيد الحزب نهاية اذار، حيث كانت اغلب الفصائل تهيء ما يناسب من كلمات وفعاليات، وهيئة التحرير اتمت عددا خاصا من الجريدة وتوزعت بزيارات بين الفصائل والاحزاب والقرى، مناسبة وطنية ولابد من ابرازها بما يليق بها، وانجزناها بكل نجاح وقدرة معروفة عند الشيوعيين في هذه الحالات. وجاءنا نيسان، ومنذ اوله فكرنا بعيد العمال، وضرورة التحضير له مبكرا، والاهتمام به بما يميزنا ويربطنا به والطبقة العاملة والقوى السياسية المجاورة لنا والقريبة منا، وقد يكون وسيلة مشتركة ايضا.

صباح هذا اليوم كان المفروض ان اكون خفرا، ولكني لم اكن مستعدا نفسيا، لذلك، لم احضر الحطب اليابس ولم التق بالاداري لمعرفة العدد والكميات المطلوبة وكيفية تجهيزها، ورغم ذلك وجدت نفسي مسرعا لاداء الواجب، والصراع مع الزمن، فاكثر اعضاء الفصيل لا يقدر كثيرا التباطؤ والتكاسل في اعداد وجبات الطعام، وبشكل كامل دون نواقص في الكميات والاعداد ونظافة المكان والصحون وغيرا من المستلزمات الروتينية العادية لمثل هذا الواجب الدوري لكل الرفاق الموجودين في الفصيل، طبعا القادرين منهم، وغير المصابين بداء النقرس!!.

مساءا شعرت بتعب وخاصة في عيني التي شبعت من الدخان الذي لم يرحمهما ولم يساعدني في سرعة الطهي والانجاز، ولكن مساعدات بعض الرفاق والرفيقات في استكمال الاعمال اليومية للخفر سهل بعض الشيء ووفر الامور بشكل اعتيادي، كما هو كل يوم يمر، وكل خفارة لكل رفيق منا.

في الغرفة كالعادة تدور النقاشات حول الاعمال والبرامج والنشاطات الحزبية والاعلامية وحتى بعض الاخبار عن العمليات العسكرية وما يجري هناك. من بين ما اتفقنا عليه تشكيل لجنة مثل اللجنة التي اعدت لاحتفال عيد الحزب لاحتفالات عيد العمال ومشاركة كل الاطراف السياسية الاخرى المتواجدة بالقرب من مقراتنا ووضع خطوات لتعميمها لكل المواقع والمقرات لابراز الاحتفال بعيد الطبقة الحاملة، كما يلفظها بعض الاخوة من اكراد اربيل، حيث يغيرون حرف العين الى حاء، دون قصد طبعا. وهذا ما هو عليه الامر، تغيير بعض الحروف أو قلبها بما يغير من معانيها او يشوه لفظها، ويجعلها مفهومة لدى أصحابها فقط، عند سكان الجنوب العراقي وفي بلدان مجاورة وبعيدة ايضا، مثل السودان، كتغبير حرف القاف الى غين في كلمة الاستقلال مثلا.

بعد افطار اليوم التالي اجتمعت اللجنة، وانا عضو فيها، ووضعت مقترحاتها ووضع برنامج حافل، متنوع ومنوع، يشمل احتفالا سياسيا، خطبا سياسية، واحتفالا ثقافيا مصاحبا، قراءات شعرية ومشاهد مسرحية وفرقا فنية غنائية، وباللغتين العربية والكردية، وتحضير موقع الاحتفال وكيفية تزيينه بالشعارات واللافتات المناسبة، ومشاركة الفنانين التشكيليين في معرض لهم مع صور فوتغرافية لشهداء الطبقة العاملة العراقية. واخذت الامور تجري بسرعة بين الفصائل والتشكيلات المتنوعة، ووضع حسابات الاعداد وتكاليفها وتوفير المستلزمات لها ماديا ومعنويا، والعمل بكل الجهود لها من كل الرفاق والفصائل المشتركة في المقر وما جاوره، وهكذا التحركات تتسابق مع الزمن في مثل هذه المهمات.

(قال صاحبي: الاول من ايار في عواصم البلدان الاشتراكية خصوصا عيد اممي ووطني، ومهرجانات كبيرة وضخمة بكل المعاني، والتظاهرات والمسيرات تعمها اضافة الى صور الفرح والابتهاج التي تغطي الوجوه، والشوارع والساحات والمطاعم والبارات وحتى الحدائق والاسواق الكبيرة. فاليوم اضافة الى انه عطلة رسمية لكنه محفز لاعمال اكبر او اخرى لا تختلف عن غيرها بالنسبة للافراد والجماعات، وفي الساحات المركزية للاحتفالات تلتقي بوجوه قيادات الاحزاب والنقابات العمالية وتسمع اناشيدا واغان بروليتارية وامورا كثيرة تتناسب مع اليوم والعيد والاحتفال والعاصمة او المدينة التي تقوم بذلك. في احداها قرات قصيدة الشاعر سعدي يوسف في تلك الايام، عن الاول من ايار في احتفال حزبي وكانت القصيدة اهم ما فيه معنى واهتماما من الحضور بعد حلوى العيد).

 

كاظم الموسوي

......................

* فصل من كتابي "بشت آشان.. فصيل الاعلام، يوميات نصير في كردستان"، الصادر عن دار خطوات، دمشق، 2007

 

alaa allamiأمسى  اللصوص في العصر العباسي الثاني حركة، وظاهرة اجتماعية قوية، وهم يعودون إلى أصول اجتماعية فقيرة ومظلومة فالتطورات الاجتماعية التي عرفها المجتمع العراقي وقيام المدن الكبرى خلقت فئات اجتماعية عاجزة عن تحصيل معاشها، ناقمة ومتمردة. وقد ترك لنا الجاحظ البصري (159 هـ-255 هـ) فقرة تبين لنا اتساع هذه الفئة، فكتب على لسان أحد اللصوص وهو يتباهى مفاخرا: (خرجت قاطع طريق، و صرت للقوم عينا ولهم مجهرا. سَلْ عني صعاليك الجبل وزواقيل الشام "جمع زقل وهو اللص يرخي طرف عمامته كعلامة مميزة. ع ل" ورؤوس الأكراد ومردة العرب وفُتاك نهر بط ولصوص القَفْصِ (القَفْص أي النصب وهي مفردة لا أدري كيف انبعثت حية في العراق بعد الاحتلال الاميركي أو قبله بسنوات قليلة . ع ل) سل عني القيقانية ، والقطرية، وسل عني المتشبهة و ذباحي الجزيرة. سل عني الكتفية والخليدية و الخربية و البلالية (كلها أسماء عصابات لصوص وقطاع طرق. ع ل).

و يروي لنا التنوخي قصة لص الكرخ فيقول على لسان اللص (نشأت فلم أتعلم غير معالجة السلاح فجئت الى بغداد أطلب الديوان للجندية فما قبلني أحد فانضفت إلى هؤلاء الرجال وطلبت قطع الطريق  ولو كان السلطان انصفني و نزلني بحيث أستحق من الشجاعة وانتفع بخدمتي ما كنت أفعل هذا بنفسي). كان موقف اللصوص متعارضا مع الأوضاع السائدة ونظرتهم حاقدة إلى رجال السلطة والمال. قال أحد اللصوص (اللص أحسن حالا من الحاكم المرتشي والقاضي الذي يأكل أموال اليتامى). وانشد أحد اللصوص الشعراء :

وأني لأستحيي من اللهِ أنْ أُرى ... أطوفُ بحبلٍ ليس فيه بعيرُ

وأسألُ ذياكَ البخيلَ بعيرَهُ ...        وبعرانُ ربي في البلادِ كثيرُ.

وأوصى عثمان الخياط (لم يكن عثمان  خياطا بل سمي بذلك لأنه نقب دار ثري فسرقها ثم أعاد بنائها بما يشبه الخياطة فلم يشك أحد في أنها نقبت . ع ل) وهو شيخ الفتيان والعيارين والشطار البغادة، أوصى  تلامذته و فتيانه فقال (جسروا صبيانكم على المخارجات - شجعوهم على المعارك بالعصي. ع ل-  وعلموهم الثقافة، وأحضروهم ضرب الأمراء لأصحاب الجرائم لئلا يجزعوا إذا ابتلوا بذلك، وخذوهم برواية الأشعار من الفرسان، وحدثوهم بمناقب الفتيان وحال أهل السجون. وإياكم و شرب النبيذ فإنها تورث الكظة وتحدث الثقل، ولا بد لصاحب هذه الصناعة من جراءة " جرأة" وحركة وفطنة وطموح، وينبغي أن يخالط أهل الصلاح ولا يتزيا بغير زيه.) و وضع الخياط  ضوابط أخلاقية كثيرة لجماعته منها (ما سرقتُ جارا، وإنْ كان عدواً، ولا كريماً، ولا كافأت غادرا بغدره) ومن مظاهر فتوتهم الصدق والوفاء بالعهد والأمانة في المعاملة وعدم التعرض للفقراء والنساء.  يقول شيخهم عثمان الخياط (ما خنت ولا كذبت منذ تفتيت). أي منذ أصبحت فتىً. و قال أيضا لفتيانه اللصوص (أضمنوا لي ثلاثا أضمن لكم السلامة، لا تسرقوا الجيران، واتقوا الحرام، ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف) ويوضح اللص ابن حمدي  الذي عرف بظرفه و خفة دمه، المقصود بالمناصفة فيقول إنها خاصة بـ (أرباب البضائع اليسيرة، التي تكون دون الألف درهم، وإذا أخذت ممن حاله ضعيفة شيئا قاسمه فيه، و اترك شطر ماله في يديه). وقال عثمان الخياط (لم تزل الأمم يسبي بعضهم بعضا ويسمون ذلك غزوا وما يأخذونه غنيمة من أطيب الحلال. وأنتم – مخاطبا فتيانه من العيارين والشطار – في أخذ مال الغدرة والفجرة أعذر ، فسموا أنفسكم غزاة كما سمى الخوارج انفسهم شراة ثم انشدهم هذه الأبيات :

سأبغي الفتى إما جليسُ خليفةٍ ....... يقومُ سواءً أو مخيفُ سبيل

وأسرقُ مالَ اللهِ من كلِّ فاجرٍ .......   وذي أكلةٍ للطيباتِ أكول

وبرر ابن سيار حقده على التجار بقوله لأحد ضحاياه (أما قرأت ما ذكره الجاحظ قال: إن هؤلاء - الأغنياء -  خانوا أماناتهم و منعوا زكاة أموالهم فصارت مستهلكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم وإنْ كرهوا أخذها كان ذلك مباحا لهم لأن عين المال مستهلكة بالزكاة – غير المدفوعة – وهؤلاء يستحقون الزكاة بالفقر، شاء أرباب الأموال أم كرهوا).  و في القرن الرابع الهجري تواترت كبسات للصوص الليلية داخل العاصمة العباسية يجردون حملات متصلة على الدور ينقبونها ويسطون على ما فيها. وفي سنة 309 هـ كبس اللصوص منزل احد الصيارفة فأخذوا له ذهبا بقيمة 30 ألف دينار. وتروي بعض مصادر التراث أن  ابن شيرزاد أحد قواد أمير الأمراء الديلمي  توزون  خلع على أحد زعماء اللصوص  وضمَّنه بغداد على ان يدفع 15 ألف دينار مما يسرقه هو وأصحابه . و نظم اللصوص أنفسهم في عصابات وكان عدد بعض هذه العصابات يبلغ أحيانا المائة شخص مجهزين بالسفن والقسي والنشاب. أما الفتيان، من العيارين والشطار فنظموا أنفسهم في أخويات دقيقة ومنظمة وهرمية  و(احتل الرفيق ـ وهو العضو العادي في سلك الفتوة ـ سفح الهيكل التنظيمي لها، وانتسب ـ في العادة ـ إلى كبير وهو بمثابة الأب التنظيمي، يعلوه في المرتبة الجد) كما يخبرنا الباحث عمر الشبراوي، وكان لكل عصابة لصوص أو مجموعة فتية من العيارين أو الشطار رئيس وأعوان منهم العين "جامع المعلومات عن الهدف "والشاغل" من يشغل الناس عن صاحبه اللص والطراد " الذي يتدخل عند القبض على زميله فيضربه أمامهم ويوبخه ثم يطلقه" ...الخ،  كما كتب الجاحظ. يتبع.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ryadibrahim addilamiسنة واحدة (الشاعر عيسى حسن الياسري) وهجرة وطنه وبين أمسيته الاحتفالية التي ضيفه فيها منتدى المحاويل الثقافي عام 1997 وقد استعرض خلالها مسيرته الابداعية طيلة ثلاثة عقود ونيف .

هذه الامسية ربما كانت آخر أمسياته وندواته في العراق قبل هجرته الى منفاه الى (مونتريال في كندا) وقبلها احتضنته عمان عام 1998 وبعدها طلب اللجوء الانساني .

لقد جاء (الياسري) الى مدينة المحاويل من بغداد وكنا باستقباله وخشية منا على سلامته كنا قد رافقناه من بيته في العاصمة وحتى عودته اليها .

لقد احتفت به جماعة (الآن) وهم أعضاء المنتدى أبهى احتفاء وتكريم من خلال الوقوف على تجربته الرائعة واعتزاز جماعة (الآن) بمنجزه الشعري والروائي والصحافي، وتقديم الشهادات الثقافية بحق تجربته،والتي سلطت عليها الاضواء، وابتهج جميع الحضور بالشاعر (الياسري) بمحبة واعجاب واحترام وما تلاه من شعر وحديث شيق لسيرته الابداعية .

لقد بدأ الشاعر يسرد سيرته منذ ولادته في ميسان وكيف خطف الموت أخيه الاصغر الذي تعلق به ومناغاته وجلوسه الطويل قرب مهده، ولكن الموت الواقعة الاشد دون ان يعلم ماهيته وسر والنهايات، فعمدت أمه الى وضع يد (الجاون) أو (الميجنة) ولفتها بالقماش وارقدتها بدلا من أخيه المتوفي في المهد لتوهمه بان أخيه هو النائم . كان يحكي لنا الشاعر بشفاهية وبلغة شعرية شجية وشفيفة وبصور شعرية يقشعر لها البدن مما أبكى كل الحضور، كان يتحدث ودموعه تنهمر بغزارة، وأنا لم أر وأحضر أية امسية في حياتي كالتي حضرتها مع رفاقي بالمنتدى من خلال الجو المفعم بالشعر والبكاء والاحتفاء .

(عيسى الياسري) طاقة شعرية مهولة امتهن الحفر في لغة جذور القصب والبردي والاكواخ التي غادرت مياهها بفعل المدافع والصواريخ التي زلزلت الارض والحياة والاهوار معا ، لقد ساهمت الحرب الثمانينية وما لحقها من دمار لحضارة الاهوار وهجرت السومريين من وطنهم الذي سكنوه من آلاف السنين وحتى الحرب والحصار والتجويع، لقد استطرد (الياسري) في حديثه كثيرا في قص حكايته مع وطنه الام (الاهوار) ومأساة المعدان والفلاحين وأهل ميسان والبصرة والناصرية وما لحق بهم من ظلم تاريخي مأساوي جرد الجنوبين من فرحهم وطقوسهم الحياتية وتحولوا شتاتا في داخل الوطن وخارجه، وأصبحت مراعيه وأرضه الخصبة ومياهه الدافئة التي تعد - بيئة غنية بالطيور والاسماك والحيوانات - ومصدر عيشها الوحيد الى ارض جدب ويباب لا حياة فيها لأنسان ونبات وطائر وحيوان .

لقد قرأ (الياسري) في أمسيته الاخيرة وربما عشاءه الاخير في وطنه العراق أجمل قصائده من دواوينه الشعرية، وبعدها تداخل عدد من النقاد والادباء بنقدهم وشهاداتهم بحق تجربة الشاعر وأثره بالمشهد الشعري باعتباره واحدا من أهم المجددين بالفن الشعري العراقي والعربي على حد سواء .

الشاعر (الياسري) حضر الى المحاويل وكان المرض قد تمكن منه شيئا فشيئا فكان يتكأ على عكازته ويلبس نظارة سميكة وأخذت أطرافه ترتجف قليلا ونالت منه الجلطات والسكري وتركت لها مساحات في جسده الوهن، كان طويلا وممشوق القوام ، لقد اعددنا له وتكريما لمجيئه الينا رغم تعبه ومرضه مأدبة كبيرة لكنه اكتفى بكأس ماء وقدح شاي وترك كل أنواع الطعام بسبب حذره الشديد من تناول الاطعمة الدسمة التي قد تؤذيه .

لقد لاحظت على الشاعر (عيسى الياسري) دماثة خلقه وتواضعه واحترامه للآخر ومستمعا لحديثه بكل اصغاء وتهذيب .

ان للشاعر (الياسري) رؤيته وقناعاته بشان الاصالة في الشعر والحداثة فهو يقول في حوار أجرته (استبرق العزاوي لصحيفة المثقف) :

 (ان مشهد النتاج الشعري العراقي الشاسع فهو مشهد نستطيع أن نفخر به ..ونضعه بمصاف الأبداع العالمي .

الحداثة ..ومن ثم مصطلح " ما بعد الحداثة " أعتبرها بدعاً .. وحذلقات لا ترتبط بأي تقنية علمية أو ابداعية .. إنها من مبتكرات عصر " العولمة " ..هذه المبتكرات التي تحاول أن تلغي هوية الأبداع "المحلي " .. وتدمغه في ختمها .. لا يوجد إبداع لا يتسم بصفة حداثية منذ عهد " الأغريق " إلى يومنا هذا .. بل من عهد " شعرائنا السومريين " ..وكل أمة لها سمة حداثتها المميزة التي تحمل طابعها القومي والوطني .. وإذا ما عدت إلى تصفح شعرنا العربي الخالد في عصر " ما قبل الإسلام " لوجدت أنه يحتوي على مكون حداثي باهر .. ولو قارنت بين لوحات الفنان السوريالي العالمي " سلفادور دالي " وبين معلقة الشاعر العربي "امرئ القيس " لوجدت أن هذه المعلقة ..وفي معظم بنائها الفني والتشكيلي ماهي إلا لوحات سوريالية باهرة .. ولو كان "دالي "يجيد اللغة العربية لما توانينا عن اتهامه بتأثره في سورياليته بسوريالية " امرئ القيس " .. الحداثة سمة متوفرة في الأبداع من أقدم عصوره وحتى يومنا هذا .)*

ان شعر وسرد (الياسري) هما عبارة عن معزوفة وجع وحزن ومراثي يكتبها للوطن وللإنسان الذي لم يعرف ولم يذق طعم الحرية والاستقرار والعدل لذا جاءت تجربته الادبية متوائمة مع هذه الابجديات التي عاشها العراقيون بمعاناة حقيقية غير مبالغ بها وانما صارت أحزان العراق هي الهوية الجامعة لشعبه (الشعر والألم توأمان . المبدع كائن محكوم باللعنة والشاعر هو حامل أوجاع العالم في كل بقاعه، الشعراء السعداء لا يكتبون الشعر أبداً).

لقد رفض الشاعر تسمية شعراء الداخل والخارج لهذا تراه يقول: (اعتقد أن تجزيء الشعراء إلى داخل – خارج هو تجزيء لامنطقي ومفتعل ولا يتصف " بالبراءة " .. إن أدباء الخارج لا يقلون انشغالاً بهموم بلدهم واهلهم عن انشغال شعراء الداخل بهذه الهموم) .

لقد شعر الشاعر بغربة قاسية وهو في داخل وطنه رغم ساهم بشكل فاعل بالحياة الثقافية والعراقية وعمل بمراكز مرموقة في الحقل الاعلامي والثقافي لكن لم يعط المكانة التي توازي ابداعه واخلاصه ووفائه للوطن، لهذا عانى ما عاناه من الانتهازين والمحسوبين على الادباء حتى هجرته القسرية من وطنه فيعرج عن كيفية تشبث الانتهازيون على مقاليد الحركة الثقافية في العراق: (ان " لوقيانوس " يذكر فيها ما ينطبق عليهم " حيث يقول:

 " هؤلاء المهرجون والدجالون الجهلاء .. الذين خلقوا ليزحفوا على بطونهم .. وولدوا للذل .. وعاشوا للهوان .. وفطموا على المسكنة .. إذا استطاع هؤلاء أن يتخلصوا من هذا العمل المشين .. فلن يجدوا لأنفسهم أيّ عملٍ آخر .. لأنهم لن يصلحوا لسواه .. وبذلك يصبحون عاطلين مدى العمر ") .

جاءت الغربة لتضيف الى أوجاعه وجعا آخر فيصبح منشطرا ما بين وطنا جديدا احتواه كانسان ومبدع وحقق كرامته المهدورة في وطنه والى وطنه الام هذا الوطن الذي تنفس غباره ورطوبته وريحانه وشرب ماء فراته وسحن جلده بشمسه واستظل بظلال نخيله . ولم يتردد (الياسري) أن يفصح عن مدى ألمه وفرحه بذات الوقت وكيف أثر منفاه وبعده عن وطنه على شعره : (في "كندا " يضاف عامل جديد للتأثير على قصيدتي ..حيث بعد المكان الجديد الذي يختلف في تضاريسه .. وتشكيلاته الجمالية .. عن المكان الأول .. وهذا ما يمنح لغة الشاعر تنويعات مكانية جديدة .. ويغني قاموسه الأول الذي تأسس وفق ابنية لغوية مميزة .. وعلاقات عائلية واجتماعية مختلفة .. ولكن .. ليس بمقدور جماليات المكان الجديد .. والانبهار به في المواجهة الأولى معه أو حتى بعدها أن تلغي هرمية المكان الأول .. وعمق أسسه البنائية التي تبدأ من الطفولة لبنة الحياة الأولى .. نحن في أول مواجهة لنا مع المغترب ..او أسميه أنا المنفى ..لأن المغترب يتم بطريقة إرادية ..أما المنفى فهو قسري ..تفرضه ظروف وحشية ..أقول إن أول لقاء لنا مع المنفى علينا أن نعود أطفالاً نتعلم المشي .. إنه يحاول أن يقطع جذورنا مع المكان الأول أيضاً .. ويصهرنا في بوتقته .. ومن هنا يبدأ صراع نفسي بين الشاعر وبين مأزق المنفى .. قليلون هم أولئك الذين حافظوا على انتمائهم للحاضنة الأم .. وأقاموا تعادلية متوازنة .. تعطي المنفى من موروثها الضارب عميقا في منطقة الجذور .. وتأخذ منه ما تراه مفيدا لإغناء هذا الموروث .. وإثرائه .. وقد حاولت أن أوفق في قصيدتي ما بين ما أعطي المنفى ومأ آخذه منه) .

 

رياض الدليمي

....................

* (مقاطع وردت من الحوار الذي أجرته الاعلامية استبرق العزاوي مع الشاعر عيسى حسن الياسري والمنشور في صحيفة المثقف عام 2012)

esmat shahindusakiالمجتمع الكردی مجتمع مؤلف من جمالیات وتناقضات متغايرة مع وجود فوارق ثقافية عميقة بين منطقة واخرى بل وجود فوارق داخل المنطقة الواحدة نفسها وفي نفس الوقت وجهات ثقافية كثيرة .تعتبر من السمات المشتركة وهي نتاج تفاعل اجتماعي عرضة للتغيير بين وقت واخر بفعل نشاط سياسي وقد يكون المثقف الكردي يبحث عن الهوية الذاتية التي تسعى الى السمو والارتقاء في المجتمع وقد يبحث عن قاعدة جماهيرية تعينه على تغيير ما هو سلبي وترسيخ الاحساس بالمصير والوجود بشكل راقي وبينها تتجلى منافسة مريرة بين المفكرين والادباء الاصلاء الواقعيين الذين يحملون رسالة انسانية ومن خلالها بناء الارض والانسان وبين من يسخرون اقلامهم وشخصيتهم لفئة معينة للبقاء على الكرسي اطول فترة ممكنة واكثر ربحا. هذا الانقسام الفكري بعد ولادة طرية اجتماعية وثقافية تجعل التميز بينهما ظاهرا رغم وجود حجابات واغطية مرقعة . تتوفر بينهم تقديرات من الجانبين بدراية لكل ما يجري على الساحة الأدبية والثقافية، كل دولة بمفهومها العام لا ترتقي ولا تتقدم ولا تتطور الا بعلمائها ومفكريها وادبائها واي دولة تهمل أو تتخلى عنهم ستكون دولة ومجتمع ضعيف تتكالب عليه دول اخرى كون هذه المجتمعات لا تتمكن من ادارة نفسها بالصورة السليمة خاصة ان كانت دول ومجتمعات غنية بالثروات المختلفة، فلا بد من الاهتمام السياسي والثقافي لشريحة الادباء والمفكرين والعلماء كونهم واجهة انسانية لحضارة مدنية معاصرة .

في دهوك عروسة كوردستان عروسة الجبال والينابيع والبساتين عروسة الحب والجمال، كنت وحيدا أتأمل من الطابق العاشر لشقق دابين الأولى مناظر جبال دهوك الجميلة ومعالمها التي تقابل نظر عيني جبل سينا شندوخا وحي الملايين ومالطا وكرى باصى واذا برنة هاتف من الرحال المنسي في بلاده والمشهور في العالم الاديب المغترب في النمسا بدل رفو تواعدنا والتقينا في مقهى شعبي قديم، قد يكون من النادر أن تجد مكانا ترتاح فيه بعيدا عن الضوضاء والمظاهر الصاخبة في زمن اصبح بعض الناس يعتنق المظاهر كرباط العنق لبدلة جميلة وقلادة ذهب بعيدون عن الجوهر الراقي في الفكر والنفس الانسانية، اتجهنا أنا وبدل رفو الرحال في عصر كاد يرحل عنه الاصالة والقيمة الفكرية الا ما رحم ربي، ونسيان الانسان بين غرية وهجرة وخراب ودمار ونزوح وحروب فكرية وجسدية متراكمة بدلا من الارتقاء الانساني اصبح الظاهر تدمير الانسان فكريا ثم تتوالى الجوانب الاخرى،ومن اسواق دهوك الشبه خالية كانها مدينة من كوكب اخر حيث الصمت والهدوء اغلب المحلات والاسواق مقفلة، انه يوم نوروز يوم جديد الذي يجمع الناس في السفرات ومناطق اخرى ولكي نكون واضحين في فهم نوروز هو يوم جديد للحياة للإبداع للفكر لعمل شيء جديد لتطوير وخلق شيء جديد لتقديم شيء جديد حتى لو كان اضعف الايمان زراعة سنبلة شجرة وردة كلمة طيبة واكبرها ما هو عظيم للبلد والمجتمع وللانسانية عامة في مجال الصناعة المتطورة والانتاج الراقي في الاطر الانسانية يكون نوروز نوروزا حقيقيا، ومشينا نتذكر الماضي ونناقش الحاضر فكريا وادبيا واجتماعيا ومن حديث ذو شجون الى حديث اخر وصلنا الى كراج بروشكي للنقل الداخلي لنجده هو الاخر ساحة خالية لكن صدفة مرت سيارة نقل كوستر وبأسلوب بدل الجميل وافق السائق رغم عدم وجود اي شخص غيرنا وطول الطريق لوحدنا لا احد يصعد ولا أحد ينزل وصلنا الى صناعة بروشكي ونزلنا بعد أن قدمنا شكرنا وتقديرنا للسائق أشر لي بدل بيده الى موقع شقته في اعلى سفح الجبل ونحن في بروشكى السفلى، وبين السفلى والعليا صعود قوي وبدأت رحلة الصعود ولا أخفي عليكم في كل صعود تثقل خطواتنا فنقف لحظة كمحطة استراحة ونلتفت ورائنا لنرى ونتأمل مناظر دهوك الجميلة ثم نتابع السير الصعود الى أن وصلنا لشقة بدل رفو وكنت اظن كأي شقة كانت وفي نفس الوقت أتخيلها مميزة عن باقي الشقق السكنية وهكذا ادهشتني منذ بداية فتح باب الشقة رايت علم المكسيك الذي اهداه له فلاح مكسيكي اصطحب بدل رفو الى رحلة في كهوف الثورة المكسيكية والى كهف " زاباتا " الثائر في مدينة " تيبوسلان " الثائر المكسيكي الذي قاد الثورة المكسيكية ضد الظلم والجهل والفساد واشتهر " زاباتا " بعبارته المشهورة " الأرض لمن يزرعها " وفي الجانب الاخر من الجدار صورة " جيفارا " الثائر وهي مهداة من نجل جيفارا شخصيا " كاميلو " الذي التقى به بدل رفو ونشر تحقيقا حول لقائه حيث ابدى " كاميلو " استعداده لزيارة كوردستان مع بدل رفو نتيجة السرد الساحر الذي سرده بدل رفو لكاميلو، ورأيت تحف من المكسيك وكازاغستان والهند ومنها تمثال الفيل النادرالذي يمثل رمز للهندوس وتحف محفورة على الخشب ولفت نظري سجادة مزركشة بالوان عديدة مشرقة في وسطها شكل فيل بالاضافة الى تحفة فيل من السيراميك وتلفون قديم نادر من المرمر اهدته له صحفية نمساوية وهناك مسبحة بعناقيدها معلقة من اشهر روحانية نمساوية في علم الارواح ايضا وجود الات ناي خشبية جميلة الصنع بدقتها وشكلها الجميل وانتهينا من ممر الشقة الى جناح خاص من التحف الاثرية الصغيرة والكبيرة الحجم من مختلف دول العالم وجناح خاص للاقداح النمساوية النادرة حيث كل قدح يجسد قصة انسانية وعشقية كذلك مجموعة من الزجاجيات باشكال وانواع مختلفة من جزيرة "مورانو" في البحر المتوسط بقرب جزيرة البندقية التي اشتهرت بصناعة الزجاجيات في القرن الثاني عشر مع هدايا من كازاغستان وايطاليا والمانيا ومصر والمغرب ودول اخرى، وللشموع تأثير قوي على الاديب بدل رفو مجسدة باقداح ملونة مضيئة، وبما ان بدل رفو اشتهر بعدة القاب في مسيرة حياته ورحلاته في دول العالم ومنها صقر كوردستان وجدت تحفة لصقر مطلق الجناح، ولكونه من عمق تاريخ قرية شيخ حسن التي لا تخرج من خياله وواقعه الادبي والانساني كوطن صغير وجدت تحفة زير او ماء قديمة جدا وجدها ضمن التحف المنسية في القرية فاعتنى بها وجعل لها مكانا خاصا هكذا يهتم الادباء بجذورهم وتراثهم وتاريخهم وموروثهم مهما كان صغيرا أو كبيرا وعلى الجدران رايت صور جدارية ولوحات راقية لجزيرة " بورانو " في ايطاليا التي مشى في ازقتها وقرب بحارها ولن ينسى بدل رفو اصدقائه القدامى في باطن الكتب فجهز لها مكتبة جميلة جدا ببساطتها وضع على رفوفها مختلف الكتب الكردية والعربية والعالمية منذ نهاية السبعينات ولحد الان وبين يدي كان أول كتاب اقتناه من شارع النجفي في الموصل كتاب " مهاتما غاندي " الذي تاثر به وتاثر بشعراء الانسانية امثال "بابلو نيرودا – رسول حمزاتوف – لوركا " وغيرهم وكتب مهداة من مؤلفيها مثل الدكتورة حياة شرارة وجليل جمال الدين وجرجيس فتح الله وغيرهم من المفكرين والادباء بعد أن اطلعت عليها وجدتها مكتبة فكرية اجتماعية انسانية، حتى فيها مكان خاص لسيديهات موسيقى من انحاء العالم النمساوية والمكسيكية والايطالية والكازاغستانية والالمانية والمغربية والمصرية وغيرها كما اني وجدت تحفة فنية مصرية تجسد سوق الخليلي عبارة عن عملية الطرق على المعدن ولوحات فنية تشكيلية للفنان " لكوستان كليمنت " كما كانت بين يدي صخرة مرسوم عليها صورة الاديب بدل رفو من فنانة نمساوية، هكذا تمكن ان يجمع العالم في مكان صغير، قدر ان يكون سندباد كوردستان بدل رفو جسرا ثقافيا بين النمسا ودول اوربا والعالم وبين كوردستان، وحتى في لقاء رئيس الوزراء النمساوي " كيرت " قال له " يسعدني أن نعمل جميعا من اجل نمسا وكوردستان ونحن فخورون بوجودك معنا "وهذا يجسد اهتمام الدول المتقدمة كنمسا التي تحتضن بدل رفو ودول اخرى طلبت منه البقاء فيها عكس البلاد الاخرى القريبة منه التي أبى ان ينحني أو يركع لأي فئة أو شخص فهو يضع كوردستان فوق العناوين وظل وسيظل وفيا لكوردستان وفيا لقضيته لرسالته الادبية لشعبه وبلاده رغم شعوره بالاقصاء والتهميش كحال الكثيرين من العلماء والمفكرين والادباء، لايمكن أن نحصي المدن التي زارها بدل رفو حتى الطاولة التي اكتب عليها عليها مختلف الهدايا والتحفيات الصغيرة من المدن التي زارها وكتب عنها، ان شقته تعتبر تحفة فكرية فنية تجمع دول العالم ليس هذا فقط بل في كل دولة يحمل قضية شعبه وكوردستان وتعد المجموعات التحفية حالة نادرة في العصر الحديث وبهذا يعد اول رحال قدر ان يجلب العالم من خلال تحفه الى مدينة دهوك بجهده الخاص بلا دعم من اي مؤسسة رسمية او اهلية وقال لي بحصرة مؤلمة " الفترة التي امضيتها اكثر من ربع قرن في ترجمة الادب في المهجر ورحلاتي الثقافية اخذت مني كل عمري وجهدي وغربتي رغم الم التهميش والنسيان من البعض أنا سعيد " امضى بدل رفو اكثر من احدى عشر عاما في نقل مشاهداته عن دول العالم الى بلاده من خلال مجلة الصوت الاخر والتاخي والزمان وعدة صحف ومجلات عربية وعالمية واشير هنا ان مقهى " شدا " الثقافي في دهوك والذي يقيم امسيات ثقافية وادبية علقت صورة الاديب بدل رفو تكريما له من شباب دهوك بالرغم من تنكر الكثيرين لجهوده وكذلك اقيم لبدل رفو عام 2010 م أول مهرجان شعبي تكريمي اقامه واشرغ عليه الشعب لبمبدعيه في جامعة دهوك واتمنى ان تتكرر ويستمر التكريم الشعبي لكافة الادباء المبدعين في جميع المجالات فهي رؤية حضارية راقية جديرة بالاهتمام والتقدير مثل الرحال بدل رفو وغيره يجب ان تعتني بهم المؤسسات الثقافية بكافة صنوفها فما دور المؤسسة الثقافية في اي بلد ان لم تهتم بثقافة الانسان؟ وعلى جميع الجهات المسؤولة الاهتمام بالمفكرين والعلماء والادباء فهم منارات وشواهد مشرقة لأي بلد راقي، يبقون راسخون في عقول الاجيال المتعاقبة، نحو حضارة مدنية معاصرة تبقى متجددة بالفكر والعدل والحياة .     

 

عصمت شاهین دوسكی

 

diaa nafieوصل نصرت الاعظمي الى موسكو في العام الدراسي 1959/1960، وبعد دراسة اللغة الروسيّة لمدة سنة دراسيّة كاملة في الكليّة التحضيرية التحق في معهد بليخانوف الاقتصادي (اصبح هذا المعهد الان جامعة بليخانوف الروسيّة الاقتصادية)، وتخرج هناك وحصل على شهادة الماجستير في العلوم الاقتصادية، بعد خمس سنوات من الدراسة . كان نصرت يعرف ان العراق لا يعترف بشهادة الماجستير السوفيتية هذه آنذاك، ولهذا سافر الى انكلترا واستطاع ان يحصل هناك على وثيقة انكليزية تعادل شهادته بالماجستير، وهكذا عاد الى العراق وتم تعينه تدريسيّا في الجامعة المستنصرية . وتشاء الصدفة ان يكون سمير عبد الوهاب الشيخلي طالبا لديه في الكلية . كان نصرت الاعظمي انسانا مرحا ومحبا للنكتة، ومرّة، عندما كان يجري عملية تدقيق حضور الطلبة ونادى اسم سمير الشيخلي، أجاب الطالب سمير بكلمة – نعم كما هو معتاد، نظر نصرت اليه وقال مازحا – (انت شكل سمير؟ كان على اهلك ان يطلقوا عليك اسم عبود). ضحك الجميع طبعا على هذا التعليق، اذ ان شكل سمير الشيخلي كان ينسجم فعلا مع هذا التعليق القاسي (يجب القول هنا ان هذا التعليق غير تربوي وغير لائق من جانب اي تدريسي، وقد شعر نصرت رأسا بالخطأ الذي ارتكبه، ولكن سبق السيف العذل كما يقول المثل) .

مرّت الايام والاعوام، ورجع حزب البعث الى السلطة عام 1968 واصبح سمير الشيخلي كما هو معروف وزيرا للتعليم العالي في تلك الفترة، وحدث مرّة ان زار الجامعة المستنصرية، واستقبله بالطبع رئيس الجامعة والعمداء، واثناء هذه الزيارة سأل الشيخلي عن نصرت الاعظمي وهل لازال تدريسيا في الجامعة، وأجابوه – نعم هو موجود عندنا، فطلب ان يستدعوه للحضور امامه. لم يكن رئيس الجامعة او العمداء يعرفون بالطبع سبب هذا الاستدعاء، وظنوا ان الوزير ربما يعرفه، أما نصرت فقد فهم سبب الاستدعاء طبعا، و(مات من الخوف !) كما أخبرنا بعدئذ، اذ انه ظن ان الوزير سيحاسبه على ذلك الحدث حسابا عسيرا، ولكن لم يكن امامه الا ان يذهب الى رئاسة الجامعة حيث يجلس الوزير، اذ لم يكن هناك اي مخرج آخر. عندما دخل نصرت الى القاعة، ضحك الشيخلي رأسا وقال – هذا هو الشخص الوحيد الذي حدد بأني ابن الشعب، وحكى للجميع قصة نصرت حول اسمه عندما كان طالبا لديه وهو يضحك، وضحك الجميع طبعا، وتبدد خوف نصرت ورعبه وساهم بالضحك مع الآخرين . قال الشيخلي لنصرت – (انا الان وزير التعليم العالي فهل لديك اي طلب من الوزارة كي ارد لك ما قدمته لي من فضل ؟)، فقال له نصرت، متشجعا وسط هذه الاجواء الضاحكة – أتمنى أن أرجع الى موسكو ملحقا ثقافيّا للعراق، ففي موسكو قضيت مرحلة شبابي، فقال له الشيخلي – قدّم طلبا الى الوزارة بذلك وساوافق عليه حسب التعليمات المتبعة، اذ انك تمتلك المؤهلات المطلوبة فعلا لهذا المنصب الرفيع. 

وهكذا تقدّم نصرت الاعظمي بعريضة الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي يطلب فيها تعيينه ملحقا ثقافيا بموسكو، واحيلت تلك العريضة الى الوزير طبعا، ووافق عليها، وكان على نصرت ان يؤدي امتحانا - حسب التعليمات - في مادة اللغة الروسيّة بقسم اللغة الروسيّة بجامعة بغداد. استلم القسم الامر الاداري بذلك، وتم تأليف لجنة خاصة لاجراء الامتحان المذكور، وكنت أنا أحد أعضاء تلك اللجنة، ووضعنا الاسئلة حسب التعليمات دون ان نعرف اسم الشخص الممتحن ولا حتى موعد الامتحان، وعندما وصلت الاجابة، تبين ان الممتحن قد نسي تماما في الواقع معرفته السابقة للغة الروسيّة، وهكذا رسب في ذلك الامتحان.

 زارنا نصرت بعدئذ، وتذكرنا أيام الدراسة في روسيا، وكان من الواضح انه قد نسى اللغة الروسية لأنه ابتعد عنها سنوات طويلة وكثيرة وتركها واقعيا، وقلنا له ان القسم مستعد لتدريسه من جديد، فتقدم بطلب الى وزارة التعليم العالي للسماح له باداء الامتحان مرة اخرى، وقد تم كل ذلك فعلا، الا ان النتيجة كانت سلبية ايضا رغم كل عواطفنا معه، وقد ترك نصرت محاولة تعيينه بعد ذلك، لانه فهم ان اعادة دراسة اللغة بهذه المرحلة من العمر مسألة صعبة جدا، ولم يشأ ان يعود الى الوزير ويطلب استثناء منه لتعيينه بغض النظر عن نتيجة امتحان اللغة الروسيّة.

رحم الله نصرت الاعظمي، الذي انتقل للعمل في احدى جامعات كردستان العراق عندها وتوفي ودفن هناك.

من كتاب – (عراقيون مرّوا بموسكو)، الذي سيصدر قريبا في بغداد عن دار نوّار للنشر.

 

 أ.د. ضياء نافع

 

dawd alkabiتعرفت على الاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح في "جامعة الامام الباقر" واستمعت منه مباشرة الى عدة دروس فلسفية عام 2010 . وقد قرأت معظم ما كتب صالح، وانا اشد الاعجاب بأطروحاته وتحليلاته – النفسية والاجتماعية والسياسية- وتكونت لدي فكرة تأليف كتاب عنه اسلط فيه الضوء على كتاباته وآراءه، وعن محاضراته في العديد من الجامعات العراقية، وعن كونه ايضا صحفيا واعد بعض البرامج الاذاعية والتلفزيونية، وكتب المقالات السياسية والنفسية والاجتماعية في عدد من المجلات والصحف العراقية والعربية، وهو الى حين كتابة هذا المقال، يكتب وينشر معظم ما يكتبه في المواقع الالكترونية الرصينة.

وهنا لا أريد أن أعطي تعريفاً بالدكتور صالح، فهو: اولاً غني عن التعريف، وثانيا، اترك ذلك الى مقال آخر سوف انشره لا حقاً عنه.

والذي اثار انتباهي اكثر من سواه من كثرة الكتابات والتحليلات النفسية والسيكولوجية للدكتور صالح، مقال بعنوان: "الشعر الشعبي... مازوشيا ممتعة" وقد نشره في العشرين من تموز 2010 ، ويتحدث فيه عن الشعر الشعبي العراقي، وانه يحب هذا اللون من الادب، وانه كان ينظم القصيدة الشعبية والاغنية ايضاً، وذكر فيه انه قدم " في السبعينيات برنامجا إذاعيا عن الشعر الشعبي، وألّفت خمس أغان بأصوات مطربين معروفين".

وانا اعرف العديد من الادباء والاعلاميين ومن المفكرين العراقيين كانوا متأثرين بالشعر الشعبي بل كانوا شعراء شعبيين ولهم قصائد جميلة واغان لعدد من المطربين العراقيين، وقد تركوا هذا اللون من الادب، ولا اريد ان اذكر نموذج في هذا الصدد خوفاً أن اثير حساسية البعض، حتى ان صاحب هذا المقال قد كتب العديد من القصائد الشعبية والابوذيات والدارمي والموال الزهيري.

وقال الدكتور صالح في مقاله:" سنكتفي في هذه المقالة بالتقاط صفة مازوشية واحدة أشاعها الشعر الشعبي بين الناس فأقول: إنه لمن المعقول أن يتباهى الإنسان بما يملكه من مال أو أملاك أو أولاد أو جاه أو حظ ..أما أن نتباهى بأيّنا أكثر حزنا، فتلك بالتأكيد حالة مرضية".

والدكتور صالح في هذا المقال ينتقد اثارة الحزن اكثر مما يستوجب الحال، ويعتبر ذلك ما اسماه الحال المازوشية، وهو هنا يذمها على اعتبار انه من اساتذة علم النفس، وهم، اي اساتذة هذا العلم، لا يحمّلون الامور على علاتها بقدر ما فسرون الحالة النفسية الباطنية للإنسان، ومهما كان وضع وعلمية وحالة الانسان ومؤهلاته وعمله الحياتي، بل لهم نظرتهم الخاصة بما يتطلبه عملهم واختصاصهم.

وقد اختلف هنا مع الدكتور بذمه للحزن المفرط الذي يثيره الشاعر الشعبي، والسبب أن وضع الانسان العراقي مختلف جداً عن بقية المجتمعات العربية والاسلامية بسبب العامل السياسي. وقد اشار الدكتور هو نفسه في العديد من المقالات والتحليلات التي نشرها في بعض المواقع الالكترونية، خصوصا مقالته في حلقتين عن التاسع من نيسان 2003 ، وفي هتين المقالين تحليل علم النفس السياسي، وللحالة السياسية عامة لما مر به العراق من وضع مأساوي كانت ثماره ويلات وتدمير نفسية الانسان العراقي.

وكنت اتمنى على الدكتور صالح لو انه ذكر لنا اسماء تلك الاغنيات الخمسة التي الفها، واسماء من غناها من المطربين، لعلي ايضا متأثر بها وتثير الشجن والحزن لدي، لا الحزن الذي يفسره الدكتور صالح، بل اقصد الحزن الانساني الذي يثير المشاعر الجياشة.

 

داود سلمان الكعبي

 

mohamad alhashimفي الذكرى السنوية لرحيل الروائي والشاعروالانسان صبري هاشم في 11\4\2016م - 15/2/1952م من العام المنصرم .

ذكرى الفاجعة الاليمة الذي المت بنا من صباح ذلك اليوم المشؤوم حين كان وقتها ينازع انفاسه الاخير في ذلك الصباح وهو في منفاه الاخيرفي برلين حيث افنى حياته في المنافي من منفى الى اخر بين الحلي والترحال من نعومة اظفاره وهو ابن الخامسة والعشرين من العمر حين كان عسكريا في الخدمة المكلفية عام 1978م(خدمة العلم) في منطقة الشيخان في الموصل .

وعندما كان متمتعا في اجازتة الدورية ولمشيئة الله ولعدم وصول يومه الموعود كان له احد الاصدقاء من الشعب الكردي يسمى كاكا كريم من محافظة اربيل يعمل في قلم الوحدة اتى الى البصرة بعد ان طلب اجازة لمدة يوم واحد من الامر بحجة ان والدته كانت مريضة ويريد ان يطمئن عليها .

ليخبرصبري ان في البريد العسكري لهذا اليوم امر اعدامك في ساحة العرضات وعليك عدم العودة الى الوحدة العسكرية وهنا تدخلت مشيئة الله سبحانه وتعالى بأن لا ينفذ الامر .لان الله اختار له ان يموت في الغربة بعيدا عن الاهل والخلان وان هذا ليس يومه الموعود .

ثم استئاذننا للعودة الى الوحدة العسكرية كي يلتحق قبل انتهاء المدة الزمنية من اجازته .جزاه الله خير الجزاء

وودعناه انا واخي الراحل الى (الكراج الموحد) مرأب حافلات المسافرين في الساعة الثانية عشر ليلا ومن هنا بدأت حياة الراحل صبري هاشم في المنافي حيث قرر وعلى الفور ان لابقاء له في العراق وعليه ان يتصرف وبعجالة دون تأخير لكي لا ينال منه النظام البعثي .

وبعدها اتجه بعد عدة ايام من البصرة الى دولة الكويت مشيا على الاقدام ودون دليل ودون اية احتياطيات تذكر حيث قضى فيها بعضا من الاشهر ثم الى اليمن التعيس حيث تزوج هناك وبقي فيها حتى نهاية اليمن الجنوبي وسيطرة البعثيين جماعة علي عبد الله صالح الموالين للنظام العراقي انذاك ومنها الى سوريا الاسد وايضا نفس نظام الحكم المزعوم وبعدها الى هانوفر ثم الى برلين حيث استقر به المطاف هناك بعد ان لاقى ما لاقاه من تعسف واعتقالات وخصوصا في البلدان (العربية الشقيقة المسلمة المضيافه )

حيث انه تعرض لعدة اعتقالات في هذه الدول العربية، رغم انه تعلم على الاعتقال بعد ان اعتقل من قبل في الامن العامة في البصرة اكثر من مرة وكانت اخرها اعتقل لمدة 112يوما وكانت من اصعب الايام الذي مرت بنا في ذلك الوقت وذلك لكونه احد المناوئين لحزب البعث ولذلك كنت على خلاف دائم معه لذلك السبب وكنت اقول ان هؤلاء الذين تعتز بهم لا يستحقون التضحية وانهم لمجرد يصعدون على الاكتاف ليس الا لكنه لم يعر اهمية لكلامي والتحق مع الانصار وناضل نضالا مريرا معهم وبالتالي لم يحضى بتقديرهم له ولوبحضور احد من رفاقه او حتى من ممثليهم الى منصب عزاء الفاتحة على روحه الطاهرة وكان ضني بمحله عندما كنت اخبره بذلك .

بعد ان كان الدينمو الرئيس والذي ضحى بالغالي والنفيس من اجلهم بدراسته ومستقبله واهله وحبيبته من اجل اناس لا يستحقون هذه التضحيات للاسف الشديد .وانا هنا لا اريد ان اسرد قصة حياته لكن هذا كلام عرضي ولست بصدده الان .

هذا هو صبري الانسان الذي جعلت منه الغربة كاتبا من طراز خاص وشاعرا وروائي قل نضيره حيث جمع بين الشعر والرواية الشعرية كذلك جمع الماضي بالحاضر كتب العديد من الروايات تجاوزت الاثنا عشر رواية وثلاثة دواوين شعرية ناهيك عن القصائد الذي ملئت الصحف والمجلات وصفحات الفيس بوك وهنالك بعض من الروايات كانت معدة للطبع لكنها لن ترى النور لان يد القدر ارادة ان لايكون ذلك في حين اتحاد الادباء العراقي واتحاد ادباء البصرة بالذات لم يكن بالمستوى المطلوب لاحتضان الشعراء والكتاب وخصوصا من هم في المنافي وتقييمهم للنهوض وتشجيع الاخرين ليحذوا حذوهم .

ولكونهم متقوقعين على بعضهم البعض وكأنهم كتلة حزبية اغتنمت الاتحاد لنفسها لايهمها الاخرين مهما كان مستواهم او بالاحرى هي من يريد ابعادهم خوفا من التنافس على الشهرة التي لاتجدي نفعا سوى المتاعب .

واخيرا اقول لاخي الراحل ابا اصيل نم ايها المناضل والمجاهد الشجاع نم قرير العين لا نامت اعين الجبناء الذين حرموك من حضن العراق واحضان البصرة التي كنت تأن وتحن عليها وعلى شطها ونخلها وسمائها وانهارها على كازينواتها ومقاهيها ونواديها على صبخة العرب وشارع التنانير وعلى شناشيل البصرة ولاتندم عليها لقد اصبحت اليوم خرابا يباب و اصبحت اليوم هباءا منثورا .وكأنني اراها تبكيك وتناجيك دون جدوى .

سلاما لروحك سلاما لمثواك سلاما لحروفك الذي كتبت مقرؤتا او لم تقرأ.

وسلاما لكل من رثاك او نعاك اوذكرك وسلاما لكل من قرأ باسمك سورة الفاتحة سلاما ايها الانسان المنشد للسلام.

واشكر كل الاخوة الذين بذلوا جهدا اضافيا في الكتابة من اجل الراحل ابا اصيل ولهم مني كل الامتنان والتقدير .

واخص بالذكر منهم: الاستاذ فيصل الترك والاخ د. كمال ديب من لبنان والاخ د. حامد فضل الله من السودان والاخ قيس الزبيدي والاخ يحيى علوان والاخ عصام الياسري والاخ الشاعر سامي العامري والاخ مقداد مسعود وحسين رشيد وعبد السادة البصري وحسين علي وكل الذين شاركوا في الامسية التأبينية الذي اقيمت في قصر الثقافة والفنون في محافظة البصرة وللذين اقاموها وهيئوا لها والصحفيين والمشاركين بأي جهد او دون جهد كذلك الشكر موصول لكل من الاخوة شاكر كريدي والشاعرجميل حسين وطارق العبدالله والصدى نت وكل الذين ساهموا ولو بكلمه ولم اطول ان اقرأ ما كتبوافي كل المجلات والصحف الالكترونية تحياتي لهم جميعا متمنيا لهم العمر المديد والتألق والازدهارفي طريقهم انشاء الله

وعسى الله ان يمكننا ان نردها لهم بالافراح والمسرات .

 

محمد الهاشم

 

mahmod kawashرحل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور وبقي شعره

 غيب الموت يوم السبت الموافق الثامن من نيسان/أبريل 2017 الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور في مدينة رام الله عن عمر ناهز الحادية والسبعين عاما بعد معاناة طويلة مع المرض، إثر إصابته بالفشل الكلوي.

ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الراحل دحبور في بيان اعتبرت فيه رحيله خسارة كبيرة لفلسطين والفلسطينيين على المستويات الوطنية والثقافية الإبداعية والإنسانية. وشددت الوزارة في بيانها على أنه برحيل دحبور لم تفقد فلسطين واحداً من عمالقة الأدب والإبداع الفلسطيني فحسب، بل بوصلة كان مؤشرها يتوجه حتى اللحظات الأخيرة إلى فلسطين، وأيقونة لطالما كانت ملهمة للكثير من أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن إقاماتهم، وفي مختلف المفاصل التاريخية الوطنية، وهو الذي كان بكلماته الشعرية يعكس العنفوان والكبرياء الفلسطيني، خاصة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبقي كذلك حتى رحيله المفجع.

وقال بيان الوزارة أنه من الصعب بمكان سد الفراغ الذي سيتركه صاحب "حكاية الولد الفلسطيني"، وكاتب الأغنيات الخالدات "اشهد يا عالم" و"عوفر والمسكوبية" و"الله لازرعك بالدار" و"يا بنت قولي لامك" و"غزة والضفة" و"صبرا وشاتيلا" وغيرها الكثير الكثير من الأغنيات والقصائد التي كان الوطن والوطنية جوهرها، والتي سكنها النضال من أجل الحرية مع كل حرف من كلماتها وعباراتها وما أظهرته وأبطنته.

ويعد أحمد دحبور قامة ثقافية فلسطينية كبيرة، وملهما لجيل الشباب ومناضلا بكل حرف خطه وقصيدة كتبها من أجل الحرية والوطن الفلسطيني المسلوب.

ولد في مدينة حيفا عام 1946، ونشأ ودرس في مخيم حمص للاجئين الفلسطينيين في سورية، حيث استقرت عائلته بعد أن هاجرت إلى لبنان عقب نكبة عام 1948 ومن ثم انتقلت إليها بانتظار تحقيق حلم العودة.

لم تتح الظروف المادية الصعبة لدحبور أن يكمل تعليمه، لكنه كان قارئاً نهماً وتواقاً للمعرفة، فصقل موهبته الشعرية بقراءة عيون الشعر العربي قديمة وحديثة، وكرس حياته للتعبير عن التجربة الفلسطينية المريرة.

عمل مديرا لتحرير مجلة "لوتس" حتى عام 1988، ومديرا عاما لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضوا في اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين. واقام في تونس خلال تواجد منظمة التحرير الفلسطينية فيها بعد الخروج الكبير من لبنان عام 1982، وكان له عامود أسبوعي في جريدة "الصدى" وارتبط بعلاقات طيبة مع الشعراء والأدباء التونسيين والعرب في كل مكان من الوطن العربي.

حاز أحمد دحبور على جائزة توفيق زياد للشعر عام 1998، وكتب العديد من أشعار وأغاني "فرقة العاشقين" التي اشتهرت بتقديم الأغاني الشعبية الفلسطينية. وبعد عودته إلى غزة عمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وبقي فيها إلى ان انتقل منذ فترة قصيرة إلى مدينة رام الله حيث وافته المنية.

 كان الراحل شاعر الثورة الذي أشهد العالم "علينا وعلى بيروت"، وطائر الفينيق الذي نهض من رماد المنافي واللجوء والمرض، وحارس النهار الذي حفظ عود اللوز الأخضر وكتب عن جنسية الدمع والشهداء في أربعة عشر ديوانا، والمغامر الذي ذهب ليعيد النهار، ولم يعد.

ومن أهم أعماله الشعرية "الضواري وعيون الأطفال"، "حمص 1964"، "حكاية الولد الفلسطيني"، "بيروت 1971"، "طائر الوحدات"، "بيروت 1973، "بغير هذا جئت"، "بيروت 1977"، "اختلاط الليل والنهار"، "بيروت 1979"، "واحد وعشرون بحراً"، "بيروت 1981"، "شهادة بالأصابع الخمس"، "بيروت 1983"، "ديوان أحمد دحبور"، و"الكسور العشرية".

رحمه الله وأحر التعازي لأسرته الكريمة ولزملائه وأصدقائه ومحبيه.

1236 khawash

يُظهر أحمد دحبور في أغانيه وأشعاره بطاقة هوية انتمائه الطبقي والإنساني والحزبي، ويؤكد على احيازه وانتصاره للفقراء والجماهير الكادحة من أبناء شعبه، فيقول في إحداها:

يجيء المخيم في أول الليل أو آخر الليل

أين التقيتك منة قبل سيدتي

أين الأهل؟

فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين

والفقراء فلسطين

والأنبياء فلسطين

والمقبلون

وانفقت حزني على الذكريات فضاق المخيم

وسعت بقلبي فجاءت قوافل مسبية تترسم دربي

وأطلب يحيى

فيختلط الحزن بالبرق

أين التقيتك من قبل سيدتي

فضت عن حاجة الحزن

فاتسعت في الخلية عيناي

حزب محبي فلسطين والكرة البشرية

باللهجة العربية

هل كنت في ذلك العرس سيدتي؟

 ويقول في "الأحجية المكشوفة للمطر والنار":

أذكر، أن الجبل العظيم كان يمشي

والمطر الذي يروِّي القمح لا يبلل الأطفال

أذكر أن جارنا الحمّال

توجني بكعكة،

وقال لي: كن ملكاً في الحال

وهكذا وجدت نفسي ملكا..والذكريات جيشي

أذكر أن الجبل العظيم كان يمشي

من شفتيْ أبي إلى خيالي

وكانت الثمار في سلالي

كثيرة،

والنار مُلك دهشتي وطيشي

وعندما تجمع الأطفال والذباب حول بائع الحلاوهْ

ولم أجد في البيت نصف قرش

وعندما أمي بكتْ،

(تنكر حتى الآن أنها بكتْ)،

وعندما انسحبتُ من ملاعب الشقاوة

عرفت أن الجبل العظيم ليس يمشي

عرفت: كنتُ ميتا..والذكريات نعشي

ساعتها..وظفتُ ما أملكه من نار

ليحرق الذاكرة – الغشاوه

وقبل أسبوعين كان المطر المُنْسَح

يسوط وجه طفلة وهو يروِّي القمح

معذرة يا سادتي..فلست بالثرثار

إذا زعمت أنني حدثتكم عن فتح

ومن أبرز قصائد الشاعر الفلسطيني الفذ "حكاية الولد الفلسطيني" التي يقول فيها:

لأن الورد لا يجرح

قتلتُ الورد

لأن الهمسَ لا يفضح

سأعجنُ كل أسراري بلحم الرعد

أنا الولدُ الفلسطيني

أنا الولد المطل على سهول القش والطين

خَبَرْت غبارها، و دوارَها، والسهد

وفي المرآة ضحكني خيال رجالنا في المهد

وأبكاني الدم المهدورُ في غير الميادين

تحارب خيلنا في السِند

ووقت الشاي ... نحكي عن فلسطين

ويوم عجزت أن أفرح

كَبرْت، وغيرَت لي وجهها الأشياء

تساقطت الجراح ، على الربابة ، فانبرَت تَصْدَحْ

بلاد الله ضيقةٌ على الفقراء

بلاد الله واسعةٌ وقد تطفح

بقافلة من التجار والأوغاد والأوباء

أيأمر سيدي فنكب أهل الجوع والأعباء؟

أتقذفهم؟ ومن يبقى ليخدمننا؟

إذن تصفح

ويوم كَبرْتُ لم أصفح

حلفت بنومة الشهداء، بالجرح المشعشع فيَ: لن أصفح

*****

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم :رأيت النوق في وادي الغضا تذبح

رأيت الفارس العربي يسأل كسرة من خبز حطين ولا ينجح

فكيف، بربكم، أصفح؟؟

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم: عرفتُ السادة الفقراء

وأهلي السادة الفقراء

وكان الجوع يشحذ ألف سكينٍ

وألف شظيةٍ نهضت، من المنفى ، تناديني:

غريب وجهك العربي بين مخيمات الثلج والرمضاء

بعيدٌ وجهك الوضاء

فكيف يعودُ؟؟

بالجسد الفتيِ تعبد الهيجاء

سنرفع جرحنا وطناً ونسكنه

سنلغم دمعنا بالصبر بالبارود نشحنه

ولسنا نرهب التايخ ، لكنا نكونه

جياعٌ نحن

طاب الفتح ،إن الجوع يفتنه

جياع نحن؟؟ ماذا يخسر الفقراء؟؟

إعاشتهم؟؟

مخيمهم؟؟

أجبنا أنت ماذا يخسر الفقراء؟؟

أنخسر جوعنا والقيد؟؟

أتعلم أن هذا الكون لا يهتم بالشحاذ والبكاء؟

اتعلم أن هذا الكون بارك من يرد الكيد؟

علمت

إذن؟؟

ليغل وطيسنا المخزون في كل الميادين

لتغل مخيمات القش والطين

*****

أنا العربي الفلسطيني

أقول ، وقد بدلت لساني العاري بلحم الرعد

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد

حرقنا منذ هَلَ الضوء ثوب المهد

وألقمنا وحوش الغاب مما تنبت الصحرا رجالاً لحمهم مُرٌ، ورملاً عاصف الأنواء

ولما ليلةٌ جنت أضاء الوجد

وقد تعوي الثعالب وهي تدهن سمها بالشهد

ضغارٌ عظمهم هش بدون كساء

أيتحملون برد الليل ؟؟ هل نصر بهم يحرز ؟؟

أجل ونهارنا العربي مفتوح على الدنيا على الشرفاء

أجل ... ويضيء هذا النصر في الطرقات والأحياء

لأن الكف سوف تلاطم المخرز

ولن تعجز

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد ، إنَ الكف لن تعجز

*****

ومن الأغاني التي غنتها له "فرقة العاشقين":

(إشهد يا عالم علينا وعَ بيروت)

اشهد يا عالم علينا وعَ بيروت اشهد بالحرب الشعبية

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت أعمى بعيون أمريكية

بالطيارات أول غارة يا بيروت غارة برّية وبحرية

جبل الشمال وبالبحر يا بيروت صور الحرَّة والرشيدية

قلعة الشقيف اللى بتشهد يا بيروت عليهْ داسوا راس الحيّة

والشجر قاتل والحجر يا بيروت والواحد جابه دورية

جمل المحامل شعبنا في بيروت بعين الحلوة والنبطية

واحنا ردّينا الالية يا بيروت بحجارة صيدا والجيّة

تراب الدامور اللى بيشهد يا بيروت عالخسارة الصهيونية

بقلبي خلدنا الوحدة يا بيروت لبنانية فلسطينية

سدوا المنافذ علينا في بيروت منعوا المعونة الطبّية

سور الأشبال مع زهرات يا بيروت منه ما مرّت آلية

والطيارات غطوا السما يا بيروت والبحر جبهة حربية

كانوا غربان المنية يا بيروت واحنا تحدينا المنيّة

واشهد يا عالم علينا وعَ بيروت عَ صبرا والميّة وميّة

شاتيلا وبرج البراجنة يا بيروت بالمتحف شافوا المنيّة

ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت غير الهمة الاذاعية

بالصوت كانوا معانا يا بيروت والصورة ذابت بالميّة

لما طلعنا ودَّعناك يا بيروت وسلاحنا شارة حريّة

لا راية بيضا رفعنا يا بيروت ولا طلعنا بهامة محنية

والدرب صعبة وطويلة يا بيروت عليها أكدنا النيّة

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت اعمى بعيون امريكية

يقول "شاكر فريد حسن" في "ديوان العرب":

أحمد دحبور من ينابيع الشعر الفلسطيني المعاصر المقاوم وأحد أعمدة الحركة الثقافية الفلسطينية الراهنة، فهو شاعر وناقد وباحث وموسوعي وقارئ جاد وسياسي ومثقف واسع الاطلاع، وصاحب مواقف سياسية وفكرية تقدمية واضحة. وفي قصائده تمتزج الموسيقى الهادئة مع الألفاظ المنتقاة والمعاني العميقة والمنسابة:

آن للمخيم الهوان أن يغور

آن للأرض التي ضبتها تموت أن تدور

آن لي، وآن..

هكذا انتزعت بندقية من أسرها فانتزعتني من مخيم الهوان من رآني سيداً لغبطتي وقهري.

إن إبداع أحمد دحبور يعود إلى تجاربه الحياتية الغنية التي اتسمت بها شخصيته الأدبية، فحياة التشرد والغربة والبعد عن الوطن عمّقت تفاعله مع الحياة وأمدته بإحساس قوي ورؤية صادقة لها، وبنفس تواقة للصدق والمحبة العارمة والعشق الدائم للوطن ولحيفا وبحرها وللمخيم والإنسانية المعذبة.

والخلاصة أن أحمد دحبور هو شاعر أصيل ملتزم يتصف شعره بالصفاء والعذوبة والصدق وبالحب العميق للإنسان فوق كل أرض، وتمجيد الإرادة الفلسطينية الحقيقية والروح الوثابة الطموحة الباحثة عن الخبز والفرح والمتعطشة للحرية والمستقبل المشرق.

 

محمود كعوش

eljya ayshيكشف قائد الولاية الرابعة محمد الطاهر بوزران في مذكراته كيف قام الطاهر زبيري بتنظيم الإنقلاب ضد هواري بومدين بمساعدة السعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى قبل أن يغتال هو الآخر في مكتبه، إذ يقول: كنا ضد سياسة هواري بومدين، وقد اتفقت المجموعة المتكونة من حوالي 20 فردا على القيام بعملية تصفية حساباتها مع سياسة بومدين وهو القضاء عليه شخصيا بالموت، كلن الإتفاق هو تحديد يوم اجتماعه مع الوزراء بقصر الحكومة، وفور الإنتهاء من الإجتماع وأثناء عودته إلى مقر الرئاسة يقضى عليه من قبل أفراد هذه المجموعة، وحين تم الخروج تم إطلاق النار على بعض العناصر المرافقة للسيارة المقلة لهواري بومدين، إلا أن البندقية تعطلت بسبب قدم الذخيرة المستعملة مما عطل نابض البندقية الذي يدفع الخراطيش، وأسفرت نتائج هذه العملية على جرح هواري بومدين في شاربه الأعلى وقتل أحد حراسه.

قام بهذه العملية كل من الطاهر بورزان، لمبارك عقاقنة، ومعمر بشاح، وكان توقيت هذه العملية حوالي الساعة الواحدة ظهرا، بعدها انتقلت المجموعة إلى جبل تابلاط بالزي المدني كونهم كانوا في يوم راحة، انطلقوا من سور الغزلان، المسيلة ، بريكة ومنها إلى عين توتة حتى وصلوا إلى تابلاط، ومن عين توتة إلى الأربعاء ثم أريس، وفي أريس اتصلوا بمحمد عثامنة، الذي تبنى هذه العملية، كما قام هذا الأخير بسرقة مالية للفلاحة ، غير أن المجموعة رفضت ، وبعد فشلهم في تصفية هواري بومدين حاولوا الخروج إلى تونس، غير أن محمد عثامنة وعن طريق أبيه الذي اتصل بقسمة أريس والشركة ، تم منعهم من الخروج ، وتمت محاكمتهم في جوان 1969 وحكم على الجميع بالإعدام بما فيهم الطاهر زبيري الذي حكم عليه بالإعدام غيابيا، وكان معهم سليمان عميرات المتهم في قضية كريم بلقاسم، وقد صدر عن الذين حوكموا تخفيض الأحكام من الإعدام إلى المؤبد، وظلوا ينتقلون من سجن سيدي الهواري إلى سجون أخرى منها سجن البرواقية والأصنام وبعضهم إلى سجن تازولت بالأوراس ومنهم عمار ملاح وامبارك بتيرة.

يقول صاحب المذكرة أن سيناريو الخلاف بدأ في الذكرى الـ: 13 لإندلاع الثورة التحريرية، وأثناء إجراء الإستعراضات الوحدات العسكرية لمختلف الأسلحة في شارع جيش التحرير الوطني بالجزائر غاب الطاهر زبيري قائد الأركان العامة الذي كان من المفروض أن يشرف على الإستعراض، فكان القرار هو استبدال الطاهر زبيري بالعقيد عباس، وبعد انتهاء الحفل اتصل كل من الرائد السعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى ، والرائد محمد الصالح يحياوي والرائد عبد الرحمن بن سالم وبعض الشخصيات الوطنية بالعقيد الطاهر زبيري منهم العقيد خطيب والرائد الأخضر بورقعة وزغداني عبد العزيز والشيخ خليفة لعروسي وحتى عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية لمعرفة سبب غيابه المفاجئ وحل الإشكالية سياسيا غير أن جميعهم لم يفلحوا وباءت محاولتهم بالفشل، الملفت للإنتباه أن اسم الرائد محمد الصالح يحياوي لم يكن مذكور ضمن جماعة الإنقلاب حيث ذكر صاحب المذكرة أنه في يوم 14 ديسمبر 1969 قامت جماعة من الضباط بحركة ضد نظام بومدين وهم السادة المساندون لمحاولة الإنقلاب التي تزعمها العقيد الطاهر زبيري وهم على التوالي: (عمار ملاح، السعيد عبيد، والرائد سليمان، لخضر بورقعة، يوسف بولحروف النقيب بوعلي، العياشي حواسنية عبد السلام امباركية، حمودي بوزيدـ بوقطف العيد، محمد الهادي ارزايمية، محمد حابة واسماء عديدة ذكرت في الصفحة رقم 139)، غير ان الإنقلاب فشل لتضارب المواقف وعدم التنسيق بين قيادات الحركة الإنقلابية وانعدام النخطيط المحكم وما إلى ذلك..

و أدت محاولة الفشل الإنقلابية إلى التفكير في اغتيال الرئيس هواري بومدين وتصفيته جسديا، أعدت المجموعة خطة الإغتيال ، وشارك في إعدادها في بداية المرحلة كل من عمار ملاح، موسى زروال ، محمد الطاهر بورزان، ثم توسعت، والخطة كانت أثناء خروج الرئيس هواري بومدين من اجتماع مجلس الوزراء وعند مرور سيارته أمام مركز الأمن المكلف بالحراسة بادر الطاهر بورزان بإطلاق عليه عيارين من رشاشة من نوع ماط 49 matte غير أن نابضها تعطل، كان موسى زروال يطلق رشاشة على حراس الرئيس بومدين، لكن حراس الرئيس كان ردهم سريعا حيث سقط موسى زروال، أما الطاهر بورزان انسحب رفقة معمر بشاح وامبارك عقاقنة، وكانت نتيجة هذه العملية إصابة الرئيس بومدين في شاربه الأعلى، وهؤلاء هم الذين باعوا تاريخ الأوراس بالأمس القريب، ولاذوا بالفرار، وبعد وفاة الرئيس هواري بومدين أعيد الإتصال بهم من طرف العقيد عبد الله بلهوشات بعدما تقرر إطلاق سراحهم، وتبين أنهم لم يوضعوا داخل السجن بعد إلقاء القبض عليهم.

 

علجية عيش

 

abduljabar noriهل تعرفون الفنان الرسام الراحل "رشيد عباس العلي"؟. بالتأكيد أن الدولة تتناساه والكثير منا يتجاهلهُ، فهو كغيره في خبر كان نسياً منسيا من الدولة النفطية الريعية التي تكون قراراتها أنتقائية تخضع للمؤسسة الدينية الراديكالية الحاكمة لمن تشاء، ووزارة الثقافة مهمتها اليوم أدوار أستعراضية رمضانية بأقامة المهرجانات الثقافية بمدرائها العامين وديكورسكرتيراتهم الجميلات --- وهات يا بذخ وفساد مالي .

وسؤالي إلى الدولة ومؤسساتها الثقافية والجمهور هل أحدٍ منكم يعرف هذا الرسام الموهوب الذي فاز بجائزة الدولة العراقية في 1959 في حكومة الشهيد عبد الكريم قاسم لتصميمه الفني للشعار الجمهوري الذي أعتُمد شعاراً للنظام الجمهوري حتى أنقلاب البعث الفاشي الأسود في 1963 وهو الشعار الوطني المعبر الحقيقي عن الأطياف العراقية وحضارتها؟، وكانت أجابتهم عديدة ومتنوعة بعيدة عن شخصية هذا الرمز العراقي، فمنهم من قال أنه ربما يكون نائب في البرلمان العراقي!! وهنا تسكب العبرات حين يكون النائب الذي جاء في زمن الغفلة أشهر من الجواهري وأعظم من علي الوردي وأفهم من المتنبي وأكثر عراقية من نصير شمه .

ربما أعزو سبب هذا النسيان والتجاهل هو طغيان المد الديني بشقيه الراديكالي الحاكم والمتشدد السلفي الأصولي الذي غطى بعباءته السوداء أفق مستقبل الأجيال القادمة، فأصبحت الدولة العراقية وجمهورها غير معنيين بمعرفة هذا وذاك من أصحاب القلم الشريف والريشة الوطنية، واليد النظيفة وحتى أن تنخر أجسادهم المنافي – هذا هو مظفر النواب شاعر الكلمة الحرّة فاقداً للذاكرة في تونس أو لبنان لا أدري، والآخر البروفيسور شاكر خصباك في موت سريري في أمريكا – وأختاروا لأنفسهم مقبرة بعيدة عن الذين لا يريدونهم، سموها "مقبرة الغرباء" .

وللأسف أشعر بالأحباط وخواطر مرّة حين أسمع بالدولة والجمهور يحتفيان برموزنا وقاماتنا العلمية والأدبية والثقافية بعد مماته وغيابه الأبدي، لماذا بعد غيابه؟ أتستكثرون عليه أن يملأ غرورهُ بالفخر والأحساس بأنهُ قد حصل على أستحقاقه، فهو تجاهل بعينه ونكران جميل بشحمه ولحمه .

والذي دفعني للكتابة عن رسامنا المنسي الفنان الراحل " رشيد عباس العلي "  هو تبني الأعلامي والوطني الغيور الأستاذ " وجيه عباس " لحقلٍ خاص بهؤلاء الرموز الوطنية المنسية ببرنامجه المشهور (كلام وجيه)، لعله يسلط الضوء على مثل هذه الأهرامات العراقية الفذة .

وأخيرا: أرجو أن تمتلك الدولة ومؤسساتها الثقافية أستراتيجية واضحة أزاء المبدعين العراقيين ولتنظر إلى تجربة السويد عند أستبدال عملتها الورقية والمعدنية اليوم في 2017 وضعت في كل فئة ورقية أو معدنية صورة أديب أو شاعر أو عالم أو مؤرخ أو كاتب غائباً كان أو حياً  يرزق -----

 

كاتب وباحث عراقي مغترب

 

samey alamriحين يتعلق الأمر بالرحيل، بالموت

 (الموت أهم الأفكار إطلاقاً، هنري باربوس) فكل ما يبدو خلافاً 

وحتى استياءً أو غضباً يتبدد، يتطائر في العاصفة كثوب أفعى

...قلبي، قلبي الذي يتيه فيه الكون

الراحل حميد العقابي واحد من أصدقائي النادرين، تعرفت عليه إو إليه في شمالي طهران عام 1984 في مركز إيواء اللاجئين (أوردكاه كرج)  وكان عمري أربعة وعشرين عاماً والراحل حميد كان في الثامنة والعشرين غير أن تجربته الشعرية كانت وقتذاك مكتملة أما أنا ففي بداياتي تقريبا،

ذهبتُ إليه حاملاً بعض قصائدي البكر طعماً بأن يعطيني رأيه بها وكان ممدداً على سريره ويقضم تفاحة وبعد التحية قدمت نفسي له وعرضت عليه نصوصي تلك فجلس وقرأها باهتمام وبعدها التفت لي وشطر التفاحة بيديه إلى نصفين واعطاني النصف وهو يبتسم فابتسمت أنا ظاناً أن القصائد أعجبته غير أنه لم يكن إعجاباً وإنما رثاءٌ !

1233 hamidalikabiوبعد أن قرأ المقطع التالي من إحدى قصائدي وهو :

(تلاحقني الثواني،

أتَّقيها حاملاً آثارَ أقدامي على ظهري)

   ... صاح: هنا الشعر ولكن

ولكن ماذا يا حميد؟

فصاح: فجِّرْ شاكسْ غيِّرْ!

وفي لقاء ثانٍ وسط طهران شربنا شاياً كما أتذكر في زقاق يلتقي فيه العراقيون اسمه (كوجه مروي)

أثنى فيه على ما أسماه موهبتي ونصحني بالقراءة والتوسع في شعر التراث والشعر العالمي

ومرة ثالثة التقيته بشكل عاجل في غرفة الشاعر العراقي علي العقابي. 

ثم سافر الشاعر إلى الدانمارك صحبة صديق آخر شاعر هو جمال مصطفى

ولحقت بهما بعد شهور ولكن إلى ألمانيا الغربية سابقاً ومنذ ذاك الحين بقيت أتبادل الرسائل معه حول الشعر والأدب وأحياناً الحياة وأحتفظ له بأكثر من ستين رسالة ورقية من مجموع مئة رسالة تقريباً ضاعت 40 منها وأكثر في خضم  تنقلاتي وعيشي البوهيمي في تلك الفترة وأهداني أغلب دواوينه وروايتين وأهديته دواويني وبعض من كتبي الأخرى وأما مجموعته الشعرية الأولى التي تحمل عنوان (أقول: إحترس أيها الليلك) فقد حفظتها عن ظهر قلب كما حفظتُ مجموعة صديقنا جمال مصطفى (أمطار بلا سبب) عن ظهر قلب كذلك وكل هذا ولهاً بالشعر وتعبداً في محاريبه...

يا حميد لن أرثيك فمثلك من قاطفي ثمار الأبد

 

سامي العامري - برلين

نيسان ـ 2017 

       

abduljabar noriعذراً لأول مرة يقف القلم بيدي حائراً هامساً ..ماذا أكتب؟ ومن أين أبدأ؟ في حياة "سافره جميل حافظ" تلك المرأة العظيمة المناضلة الرابطية أم الأديبة والقاصة الروائية؟، وهل يمكن أختصار سيرتها الطويلة وحياتها الثرة والمفعمة بالمطبات السياسية وحضورها الدائم في الشارع العراقي؟ في مشاركة الجماهير الكادحة العراقية في تظاهراتها ضد الدكتاتوريات التي حكمت العراق، وكانت أيام الخمسينات مفعمة بالأمل والحياة كنت حينها طالبا في كلية التربية جامعة بغداد، وكنت عضو أرتباط بين الكلية والمنظمة النسوية "في بغداد الكراده، وهي مهمة حزبية كلُفتْ بها من قبل حزبي" الحزب الشيوعي العراقي"  وكان يتردد على الدوام أسم" سافره  --- سافره جميل حافظ " في منطقة الكرادة، وحينها أدركتُ أنها من القياديات والناشطات في المجال النسوي، وشخصية مهمة، وهي من جيل الرواد في الخمسينات وقد أطلق على هذا الجيل "الجيل الذهبي" فقد برز في الشعر كثيرون (السياب البياتي نازك الملائكه بلند الحيدري لميعه عباس عماره عاتكه الخزرجي وفيما بعد سعدي يوسف مظفر النواب رشدي العامل الفريد سمعان عبدالرزاق عبد الواحد، وفي القصة والرواية عبدالملك نوري فؤاد التكرلي وغائب طعمه فرمان .

سافره جميل حافظ شخصية متعددة المواهب والنشاطات

-قاصة وروائية : كانت بداياتها المبكرة الأولى في مجال القصة القصيرة في سنة 1954 وهي لاتزال طالبة في كلية الآداب (قصة أولاد المساحي) توضح فيها ذلك الصراع المعصرن الحداثوي بين العمل الرتيب القديم والتطور التكنولوجي الرقمي الذي أوصل العالم إلى الثورة الصناعية، ثم رواية (دمى والأطفال) 1956 التي فازت بجائزة الأخبار الأوربية وأستمر هذا العطاء الثر 2007 مجموعة قصصية بعنوان (14 قصة) وإلى 2009 وثلاثيتها الشهيرة (هم ونحن والقادمون) .

- تأريخها السياسي : فهو تأريخ حافل في مشاركة المرأة في التظاهرات والأعتصامات منها مشاركتها الفاعلة في تظاهرات وثبة كانون  ضد معاهدة بورت سموث البريطانية عام 1948، وأشتركت في التظاهرات الجماهيرية في وثبة تشرين 1952 في شوارع بغداد، وأعتقلت في 1956 في تظاهرات الأحتجاج على العدوان الثلاثي على مصر، كما أعتقلت في 1963 وأودعت سجن قصر النهاية السيء الصيت، وبعدها في 1964 قُدمتْ للمحاكمة العسكرية في معسكر الرشيد، وحُكم عليها بالأقامة الجبرية لمدة سنه ونصف والمنع من السفر وحجز الأموال المنقولة والغير منقولة، وهي عضوفي مجلس السلم العراقي، وأستمرهذا العطاء الثوري ديمومتهُ النضالية في المشاركة في تظاهرات (ساحة التحرير) الأصلاحية في مناسبتين الأولى في حقوق العمال والثانية في حقوق المرأة .

- وناشطة في مجال حقوق المرأة وشاركت في تأسيس رابطة المرأة العراقية في 10-3-1952 مع  رفيقاتها الرائدات (الدكتوره نزيهة الدلبيمي ومبجل بابان وبشرى برتو وباسمه الظاهروخانم زهدي) ومنذ 1956 أنخرطت في العمل السياسي كعضو في الحزب الشيوعي العراقي ومسؤولة في منظمة رابطة المرأة العراقية، وفي  2005 أنتخبت عضوا في المجلس المركزي للأتحاد العام لأدباء الكتاب في العراق .

- في مجال الصحافة والأعلام منذُ1956أشتغلت في جريدة (البلاد) في تحرير صفحة المرأة العراقية، وثم في جريدة (الأخبار) لصاحبها جبران ملكون ونشرت فيها قصتها المعروفة دمى والأطفال وضلت تعمل فيها حتى ثورة تموز 1958، وكان نهجها في الكتابة الأسلوب الواقعي الملتزم بتوليفة سوسيولوجية مجتمعية حاضرة الواقع الملموس في نشر معاناة الطبقات الكادحة وكانت تنحو الرمزية في فترة الخمسينات والعلنية بعد الثورة .

المجد كل المجد للناشطة والأديبة الرائدة "سافره جميل حافظ" وتحية لرفيقاتها المناضلات

 

* كاتب وباحث عراقي مغترب

.............................

الهوامش والمصادر

*الموقع الرسمي لرابطة المرأة العراقية * العراق – حنا بطاطو* تأريخ العراق السياسي – عبدالرزاق الحسني

thamer ameenمن غير الممكن تجاهل فضل المقاهي على مدن العراق وأبنائه، فقد لعبت على امتداد عقود من الزمن دوراًمؤثراً في إثراء الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وذلك من خلال وجودها وانتشارها الكبيرين في المدن والقصبات حيث لم يقتصر هذا الوجود على التواصل الاجتماعي وتزجية الوقت بالاحاديث واللعب بما كانت تقدمه المقاهي من العاب معروفة، انما تعدى ذلك الى دورها المؤثر في بلورة الوعي عند عدد كبير من الشباب عبر الحوارات التي كانت تدور في مجالسهاوبسبب ماتوفره من تجمعات ولقاءات لفعاليات اجتماعية وسياسية متنوعة، فهي ملتقى لرجالات الثقافة والسياسة والوجهاء والعامة . ولهذا تعد المقاهي ذاكرة لواقع المدينة الثقافي والاجتماعي والسياسي، وقد تحول البعض منها الى مراكز تحريض ضد الحكومات ومنبع للحركات الثورية مما جعل منها موضع خشية الحكومات وهدفا لعيون رجالات الامن وهجوماتهم المتكررة .

مدينة "الديوانية " عاشت وضعاً اجتماعياً كان الأبرز فيه بساطة العيش وإلفة الحياة بين مكوناتها، الأمرالذي جعل الحاجة طبيعية الى وجود مقهى في كل محلة لاجتماع ابنائها للمسامرة وتجاذب اطراف الحديث ويسمى بـ " مقهى الطرف " حيث يقتصرالحضور فيه على ابناء المحلة نفسها، ووفق هذه الحاجة فقد انتشرت مقاهي المحلات الشعبية مثل مقهى عبيد في حي الوحدة، مقهى حسين سعيد في الحي الجمهوري، مقهى طالب في شارع الأطباء وفي محلة الجديدة ظهر مقهى الضويري والكرفت وكازينو البلدية التي تميزت بحديقتها الرائعة الغنّاء، مقهى عواد في محلة أهل الشط، مقهى صنكر في محلة السراي، مقهى عليوي قرب مدخل الفرقة العسكرية التي عرفت بروادها من العسكريين، أما المقاهي التي ظهرت قريبة من الدوائر الرسمية فقد كانت محطات إنتظار واستراحة لمراجعي هذه الدوائر خصوصا للقادمين من خارج المدينة وأشهرها مقهى عبد داهي، مقهى الشبلاوي، مقهى قدوري، مقهى حاج اسماعيل ومقاهي اخرى تميزت بحدائقها اعتاد الديوانيون ارتيادها مساءً مثل، مقهى طارق،كازينو الطبقجلي، كازينو ليالي الربيع، كما ان سوق الديوانية الكبير بالرغم من صفته التجارية الا انه لم يخلُ من وجود عدد من المقاهي تخصص كل واحد برواده فمقهى " الحاج سعيد " كان ملتقى الأدباء والفنانين والمثقفين، شهد حواراتهم ومشاريعهم ومن أبرز رواده كزار حنتوش، زعيم الطائي، عبد الرحيم صالح الرحيم، سلام ابراهيم، ثامر الحاج امين، منير ياسين، رحيم ماجد، حمزه عبود وآخرون، وكذلك مقهى " سلمان الأعسم " الذي توسط السوق كان محطة لتجمع عمال البناء واسطواته وانفرد من بين المقاهي بتقديم الناركيلة، الاّ ان مقهى " اللواء " الكائن في الصوب الصغير من المدينةوصاحبه كريم عباس هندي والساقي فيه ناجي عفلوك يعد الأبرز من بين مقاهيها، فقد صار في ستينيات القرن الماضي واحدا من  المعالم البارزة فيها بسبب رواده الذين جلهم كان من المعلمين والمدرسين، وأيام كنا تلاميذ في المرحلة الابتدائية والمتوسطة كنالشدة احترامنا للمعلم ولفرط هيبته ومنزلته العالية في نفوسنا نتحاشى المرور في الجانب الذي يقع فيه المقهى عندمانروم عبور الجسر الى الضفة الاخرى من المدينة . أما مقهى "عواد" الذي يقع في التقاطع المؤدي الى منطقة أهل الشط المعروفة بولائها للشيوعيين والذي يعود الى عائلة " عواد كرّان " التي لها باع طويل في الحركة الوطنية وقدمت عددا من الشهداء ومايزال المتبقي من ابنائها رموزا وطنية مضيئة في حركة اليسار العراقي فقد اصبح هذا المقهى في مطلع السبعينات قبلة وملتقى للشيوعيين والوطنيين اليساريين وكان يتخذ من الارصفة المحيطة به أرضية لتوزيع تخوته التي شهدت أجمل الحوارات واللقاءات ومن أجيال متعددة وكانت الجلسات الصاخبة بالحواراتتمتد حتى ساعات الفجر، وكان هذا المقهىبحق مدرسة وطنية قدّم دروساً في حب الاوطان والبذل من أجل الحرية وتحقيق العدالةالاجتماعية، وليس بعيداً عن هذا المقهى فهناكمقهى آخر يقع في منطقة " الجديدة " كان هو الآخر ملتقى لرجالات الفكر والسياسة عرف بمقهى " عبد طامي " والمعروف ان المكان غالبا مايكتسب أهميته ومن ثم بقائه شاخصا في ذاكرة التاريخ بسبب مايتمتع به من موقع أو اطلالة او من خلال مشاركة غير منظورة في صنع حدث ما،الا ان هذا المقهى تربع على مساحة كبيرة من تاريخ مدينة الديوانية بالرغم من مساحته الصغيرة وقيامه في زقاق محلة عريقة عُرفت بإرثها الوطني والاجتماعي هي " محلة الجديدة " الأمر الذي يدعو للتأمل والبحث في اسرار وعالم هذا الكيان، كانوا يصفونه بالمقهى وكنت أستغرب في سري لهذا الوصف فهو أقرب للمنتدى منه الى المقهى، فالمقهى كما هو مألوف عالم يعج  بالجمهور والثرثرة وايقاعات النرد وقطع الدومينو في حين كان مقهى عبد طامي يخلو من كل ذلك، فلا وسائل لهو فيه ولامذياع يصدح بالاغاني ولاوجوه تتغير بين ساعة واخرى، كل مافيه تخوت قديمة تآكلت حصرانها ورواد لايتغيرون، متميزون بوجوهمالطافحة بالرجولة التي بانت على محياها هموم الوطن وآثار السنوات العجاف، معلمون، عمال، كسبة، مفصولون ألقت بهم عواصف السياسة على عتبات مقهى عبد طامي يتجاذبون الحديث والنقاش ويتبادلون الكتب بمحبة ظاهرة، حالمين بغد أفضلوبوطن ينعم بالحرية والكرامة، لم يتميز المقهى بشيء عن محلة الجديدة فقد تماهىمع شخصيتها وهويتها ومتداخلا مع بيوتاتها البسيطة وأزقتها الفقيرة .

في صباي كنت أتعمد تأخير خطواتي حينما أمر من أمام المقهى، فقد كان يشدني مشهد الصمت القابع في أركانه، رجال منكبين على الكتب والصحف، أما من غص بهم المقهى فقد اتخذوا من التخوت الموزعة في الساحة المقابلة له حلقة للحوارمع " عبدالله حلواص " الفيلسوف الفقير الحال، الغني بثقافته وكبريائه والاصغاء بحرص الى كل مايقوله ويشرحه، فقد قادته القراءة  التي تعلمها وهو في السجن الى الاطلاع على الاقتصاد والتاريخ والفلسفة وظل بعقاله وسترته " التاريخية " ودشداشته القديمة منارة المثقفين والسياسيين، ويذكرعنه القاضي زهير كاظم عبود (كنا نلتقي في مقهى عبد طامي في محلة الجديدة كشباب في مقتبل العمر نلتف حول شيخنا الجليل عبدالله حلواص كحلقة دراسية، ليحدثنا عن العمال والفلاحين والفقراء والمحرومين والعدالة الاجتماعية) والطريف ان النقاش كثيرا ماكان يحتدم بينه وبين رجل الدين الشيخ " عزيز الشيخ كاظم "  ـ أحد رواد المقهى ــ الا انه بعد ان تنتهي فورة النقاش يأخذ الشيخ بيد حلواص ليشاركه الغداء في بيته القريب من المقهى، كنت احيانا أتجاوز خجلي وأقف قليلا أتأمل المناضل الكبير " كيطان ساجت " بقامته الفارعة وشاربه الكث وهو يتوسط المقهى ملوحا للجالسين في أمر وكأنه ستالين يخطب في مجموعة من البلاشفة، كما لم تكن طارئة على ذلك المشهد شخصية " سيد بدر " بالجبة والعمّة السوداء بمرحه الظاهر وهو يشارك الاخرين نقاشهم وتعليقاتهم فهو ابن الجديدة وشخصية محبوبة وكان عاقداً وشاهدا على زواج الكثير من رواد المقهى، وحتى عكازة "عبدالله البصير" أو "ابو مهيدي" ــ كما كان يحلو لرواد المقهى بمناداته ــ هي الاخرى تآلفت مع المكان وصارت تهتدي اليه عند الظهيرة حيث يقضي عبدالله قيلولته في المقهى بعد صباح مرهق عند مقدمة الجسر بانتظار ماتجود به أكف المحسنين ولكن السياسة لم تتركه عند حاله فقد سرت اليه عدواها فراح يشارك تلك النخبة نقاشها وهمومها .

مقهى "عبد طامي" فضاء الاحلام الكبيرة شهد منذ الخمسينات حلقات نقاش جريئة دون خوف من أعين الرقباء وكان ساحة للأسرار ومركز تحريض ضد الحكومات الفاسدة كما شهد ولادة القصائد حيث وجد فيه الشعراء والأدباء ملاذاً هادئا فكُتبت تحت ضوء كوته القصائد والمقالات وانطلقت منه الافكار والرؤى والتظاهرات .

مقهى "عبد طامي" ومنذ زمن لم يعد قائما فقد أجهزت عليه معاول الاعمار في مطلع تسعينيات القرن الماضي في حملة لتحسين حال محلة الجديدة، أزيل المقهى ولكن الذكريات بقت تقاوم أسّنة المعاول وظلت تحوم حول المكان أرواح الراحلين من رواده الشيخ كاظم السمرمد، الشيخ عزيز كاظم، فيصل شعلان، ابو ياس، صباح كاظم، فاضل شوغه، كاظم ابو السّرة، ناصر عواد، احمد الرحيم، صباح رزوقي مثلما ظلت ترنو صوبه بعيون دامعة انظار الباقين فيصل حسين، هادي ابو ديه، عدنان المنسي وآخرين .

 

ثامر الحاج امين

 

Joanne Kyger (1934-2017(

قليلا ما نحلم بأنه سيأتي يوم يغادرونا فيه أعز الناس إلينا، حينها نجد أنفسنا نواجه الحقيقة المطلقة والوحيدة ألا وهي الموت الذي نتناوب في أداء تمثيلياته التراجيدية. في ذاك الحين نتحقق أنه لا شيء يستحق كل هذا القلق والصخب المتواصل في وجه الحياة. هذا الصباح، استيقظت على وقع بعض الأخبار المحزنة جدا: لقد توفيت صديقتي جوان كايغر، شاعرة منطقة خليج سان فرانسيسكو الرائدة، في بوليناس بكاليفورنيا عن عمر يناهز 82 عاما ولم يذكر أي سبب للوفاة. جوان، صديقتي العزيزة سنتذكرك طالما سمح للشعراء بأن يكتبوا ويتحدثوا عن ألامهم وآمالهم. سوف نتذكر حسك الفكاهي، ضحكتك المميزة، لطفك ودفئ شخصيتك الذي يشع كلما رحبت بزائر يطرق بابك. سنتذكر أعمالك ونناقشها، ويدرس جيل المستقبل من الكتاب والطلاب مؤلفاتك في كل الفصول الدراسية. كنت ثائرة وأثبتت أنه إن كان المرء يريد أن يعيش حياته الخاصة، فإنه يجب أن يكون ملتزما ومجدا في عمله: عليه أن ينظر إلى الأشياء خارج حدود ذاته ويحاول أن يفهمها بدل أن يتجاهل تأثيرها. أتذكر زيارتي إلى بيتك في بوليناس وكيف رحبت بحرارة بي وبرفاقي الأعزاء مايكل روثنبرغ وتيري كاريون في ذلك اليوم المشمس الجميل. أتينا من بعيد، من مدينة غرنيفيل بمقاطعة سانوما، إلا أن الرحلة كانت جميلة فقد أحببت المناظر الطبيعية الخلابة التي تلقفتها عيني خارج نوافذ السيارة. أخذت الكثير من الصور لغابات ريدوودز وجبال تامالبايس القابعة هناك في المدى. كانت أول رحلة لي إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولم أكن لأتحمل حزن الزيارة و الفراق دون أن ألتقي بك ولو للحظات قليلة. كنت سخية جدا لأنك منحتني من وقتك الثمين الكثير. تحدثنا عن كل شيء تقريبا: الشعر والسياسة والتغيير الاجتماعي، فترة الستينات والحركة المناهضة للثقافة وتأثير الموسيقى على الاختيارات السياسية أنداك، وكيفية المساهمة في التغيير الإيجابي في مجتمع اليوم. انبهرت عندما سمعت أغاني المغنية الجزائرية الأمازيغية سعاد ماسي تصدح في غرفة جلوسك. بدأت تسألنني عن معنى كلمات أغنيتها وطرحت العديد من الأسئلة حول الشعب الامازيغي وإرثه الثقافي. كان شريكك حياتك دونالد غورافيتش رجلا لطيفا ولمحت الدفء والرعاية في عينيه. كنا نمزح بينما كان يتفنن في التقاط الصور. اقترحت أن نذهب في جولة نحو البحر سيرا على الأقدام كي ندرك غروب الشمس. كان كل شيء جميلا في ذلك اليوم وكان غروب الشمس أكثر روعة على ضفاف المحيط الهادي. غادرنا منزلك لحظات قبل سقوط الظلام وكنت أرمق تلويحات يدكما تنعكس في مرآة السيارة. آمل أن يشع نورك في زاوية الشعراء أينما يمكن أن تكون. سنتذكرك على الأبد! سنفتقدك بعزة إلى الأبد!

جوان كايغر شاعرة أمريكية ولدت يوم 19 نوفمبر عام 1934 بمدينة فالييو بولاية كاليفورنيا ودرست الفلسفة والأدب بجامعة كاليفورنيا في مدينة سانتا باربرا، قبل أن تنتقل إلى سان فرانسيسكو عام 1957 حيث التحقت بالمشهد الشعري الذي تزعمه كل من جاك سبايسر وروبرت دنكن وكينيث ريكسروث. في عام 1958 التقت بغاري سنايدر، أحد مؤسسي حركة جيل البيت أو الجيل المهزوم، الذي اصطحبها في رحلة إلى اليابان حيث عقدا قرانهما وتزوجا في 28 فبراير فور وصولها. سافرا بعد ذلك إلى الهند مع ألين غينسبيرج وبيتر أورلوفسكي حيث التقوا بالدالاي لاما. عادت كايغر إلى الولايات المتحدة عام 1964 واستقرت في بوليناس منذ عام 1968 حيث قامت بتحرير الصحيفة المحلية.

بالإضافة إلى قربها من روبرت دنكن وشعراء نهضة سان فرانسيسكو، ربطت كايغر علاقات شخصية مع كتاب جيل البيت وشعراء الجبل الأسود بكارولينا الشمالية بالإضافة إلى تأثرها بشعراء مدرسة نيويورك، ولا سيما الجيل الثاني فقد عاصرت تيد بريغان الذي ولد بنفس السنة، وتعتبر إلى جانب جويس جونسن، لينور كانديل، هيتي جونس وديان دي بريما، احدى الأصوات النسوية التي أبانت عن قدرتها و مكانتها في الساحة الابداعية الأمريكية خلال الخمسينات والستينات.  ما يزال مسكنها  في مدينة بوليناس يشكل قبلة يقصدها الفنانين والكتاب والشعراء والطلبة من جهات مختلفة، ويرجع هذا الافتتان الدائم إلى الدور الذي لعبته مدينة بوليناس في الستينيات والسبعينات في الإسهام في الحركة الثقافية حيث كانت بلدة ينعم فيها الفنانين بالراحة وكانت توفر لهم ظروف ملائمة للإبداع نظرا لموقعها الرائع وطبيعة مناخها الملائم، فهي لم تكن تبعد عن مدينة سان فرانسيسكو سوى بساعة واحدة وتقع في منبسط ميسا بين بحيرة بوليناس والمحيط الهادئ، كما أنها كانت تشكل أركاديا مثالية للهبي لأنها وفرت ما يلزم من المخدرات، والرفقة الرائعة، وحياة إبداعية رائعة، ورحلات خلابة. كان حينها كل من جيم كارول، روبرت كريلي، محرر باريس ريفيو توم كلارك، دونالد ألين، ديفيد ملتزر، والعديد من الكتاب والموسيقيين والفنانين الآخرين يعيشون معا في هذه البقعة.  وعلى الرغم من أن أسعار العقارات في مقاطعة مارين قد حولت في السنوات الأخيرة العديد من الهبيين إلى يبيين، فإن بوليناس لا تزال تمثل نقطة استثنائية للفنانين والكتاب الذين شيدوا منازلهم على اليابسة التي كانت في السابق ملكا لهنود ميوك وسائر قبائل الساحل الشمالي.

 يكتشف قارئ شعر كايغر تأثرها الواضح بفلسفة زن Zen وممارستها لها، فهي دائما تركز على إبراز ما يحدث في الفضاء الذي تتواجد به، كما أنها تمزج الروحي بالسياسي في قالب سلس وفكاهي في بعض الأحيان وذلك من خلال لغة تستعمل أساليب متنوعة تستمدها من أوساط مختلفة تجمع بين مكونات المناظر الطبيعية، وملاحظات السفر، والنباتات والحيوانات في قالب إبداعي يستفز القارئ. في العديد من قصائدها تنتقد كايغر سياسة جورج بوش الذي "سقط من أريكته من تلقاء نفسه وهو يشاهد منافسات كرة القدم الأمريكية،" وفي سياق آخر تنتقد ديك تشيني باعتباره سياسيا لا يستحق الحب والإعجاب في أسلوب يجمع بين المضحك والمخيف في الآن نفسه.  بالإضافة الى مواضيع تصور تفاصيل الحياة في اليابان والمكسيك وبوليناس من خلال قصائد تتخذ شكل يوميات متصلة تختصر أحاسيس اللحظات العابرة بكلمات دقيقة تم اخيارها بعناية.

يعكس اهتمام كايغر باليومية كشكل شعري إرثا ابداعيا سبقها اليه كتاب من القرن التاسع عشر أمثال هنري ديفيد ثورو، ووالت ويتمان، غير أن جيل الكتاب الأمريكيين الجدد لفترة الخمسينات والستينات أضاف لهذا الشكل تقنيات سردية جديدة تعتمد على مراكمة الفرص، والأفكار، والتجارب الملتقطة التي تسجل في دفاتر اليوميات ومن أهم الأعمال التجريبية لهذه الفترة "كتاب اليوم" لروبرت كريلي، و"يوميات" بول بلاكبرن، و"يوميات ساحة كولومبيا" لويليام كوربيت. وهكذا تواص كايغر تعزيز هذه الطريقة الجديدة التي تعتمد اليوميات وتدخل في مواجهة مع ذاتها من خلال عملية المراقبة الدقيقة والاختيار وسرد الظواهر اليومية. وبالرغم من ذيع صيتها بين شعراء وفنانين كان لهم الفضل في تأسيس حركات أدبية معروفة فإن كايغر كانت تتفادى الرضوخ لهيمنة المؤسسات الأكاديمية بقوانينها المقيدة دون أن تتجهل تأثير الأجيال السابقة على كتاباتها. لقد كانت كايغر تفضل القيام بشغل يضمن قوت يومها ويسمح لها بممارسة فعل الكتابة باعتباره ضرورة وجودية وليس موردا ماديا يفرض عليها تقمص شخصية لا تم بصلة لمباديئها. ومن جهة أخرى يلاحظ القارئ أن قصائد كايغر، إلى جانب دراستها الجادة وممارستها لزن، تعكس عدم ارتياحها الخاص مع ذاتها، وبالتالي انفتاحها على الوجود المؤقت، وتمنع هذه السمة الشخصية عملها من الوصول إلى منابر الثقافة الرسمية التي تدعمها الدوريات الرئيسية، وإدارات الجامعة، ومنح المؤسسات.

نشرت كايغر أكثر من عشرين مؤلفا يجمع بين النثر والشعر ونذكر منها "نسيج وشبكة"(1965)، "مجرد فضاء "(1991)، "قمر كبير وغريب: المجلات اليابانية والهندية 1960-64" (1981، 2000)، "بعض الحياة" (2000)، "مرة أخرى: قصائد 1989-2000" (2001)، "الله لا يموت أبدا" (2004)، و"نظرة كئيبة" (2004). وبعد حصولها على جائزة منح الفنانين لعام 2006، حصلت كايغر على جائزة اعتراف بإنجازاتها مدى الحياة من مركز الفنون الأدبية، كما حصلت على الجائزة الوطنية للشعر لعام 1982 ل"مختاراتها الشعرية 1958-1980"، و جائزة أحسن الإنجازات لمدى الحياة من مركز الصحافة الأدبية الصغيرة للمرور الأدبية عام 2005، وحصلت أعمالها أيضا على منح من مجلس مارين الفنون عامي (1986، 2000). درست كايغر بكل من كلية ميل وسان فرانسيسكو كوليج للفنون كما اشتغلت مدرسة للشعر والكتابة الابداعية بمدرسة جاك كيرواك بجامعة ناروبا بولاية كولورادو. ماتت جوان كايغر يوم 22 مارس 2017 في بيتها ببوليناس عن عمر يناهز 82 عاما.

لا أؤمن

لا أؤمن بأي من

آلهتكم أو قواها

كل ذلك مجرد هراء

 

لا أؤمن حتى

بقواي أو آلهتي

 

كانت كلماتها الميتة

حافظ على نظافة البيت

*الحبيب الواعي: شاعر ومترجم من المغرب يشتغل مدرسا للغة الانجليزية. صدر له ديوان بعنونا "الان ستعلم السيدة جونس: قصائد ثائر يائس". حصل على العديد من الجوائز للمشاركة في ندوات ومؤتمرات تهتم بالكتابة الابداعية منها منحة فولبرايت للقيام ببحث حول جيل البيت بجامعة كارولينا الشمالية.  

 

الحبيب الواعي

 

منذ اعلان بلدية الناصرة برئاسة علي سىلام في آذار 2015  عن عيد البشارة عيدا رسميا في الناصرة،عمق القيمة الإنسانية والنصراوية الرائعة لهذا اليوم المميز في تاريخ الناصرة وجدد رونقه مؤكدا مكانة الناصرة على خارطة العرب في اسرائيل وعلى الخارطة الدولية قاطبة بكونها مصدر احد أكبر الديانات التي عرفها التاريخ البشري. ليس سرا ان هذا العيد ارتبط بذاكرة النصراويين  بقيمته الوحدوية النضالية التي جمعت كل طوائف المدينة عبر تاريخها المضيئ.

لفتة علي سلام هي لفتة انسانية هامة جدا، باقرار هذا اليوم الهام عيدا رسميا وعطلة مدفوعة الأجر لموظفي البلدية.

  عيد بشارة العذراء مريم بولادة ابنها المسيح هو عيد الناصرة الأهم عبر كل تاريخها، ودائما استعيد في هذا اليوم صفحة هامة من الذاكرة النصراوية التي اقوم بتسجيلها في "يوميات نصراوي" ، حفظا لأجمل ما في ذاكرة شعبنا من أيام تاريخية، وكيف كنا نحتفل بهذه الأعياد او بالمناسبات المختلفة الاجتماعية والسياسية والدينية والوطنية .

يا عدرا يا ام المسيح ارفعي عنا التصاريح*.

 

دائما اعتبرت الناصرة هذا العيد من أهم اعيادها وأكثره فرحا انسانيا وتكاملا اجتماعيا بين كل اهلها من جميع الطوائف. تاريخ الناصرة هو تاريخ البشارة اذا صح هذا التعبير. وكل خطوة تقوم فيها بلدية الناصرة لإضفاء صفة رسمية على عيد البشارة – عيد الناصرة المميز، هي خطوة مباركة وهامة.

تعالوا احدثكم عن قيمة يوم البشارة في حياة الناصرة وجميع اهلها من كل الطوائف.

من ذكرياتي عن عيد البشارة ..

الناصرة مدينة المسيح كما تعرف، لها عيد خاص بها تحتفل به بدون مشاركة العالم المسيحي، إنما بمشاركة مسيحييها ومسلميها، انههو عيد البشارة، "عيد الناصرة" كما يسمى... حين بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم انها ستلد ابن الله يسوع المسيح.

كان يجري الاحتفال البارز في مختلف كنائس الناصرة، وما اتذكره جيدا هو الاحتفال الذي يجري في كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس – قرب العين، حيث يحضر البطريرك الأورتوذكسي من القدس، عادة بعد الصلوات الرسمية يقام احتفال في ساحة الكنيسة الرحبة  يحضره  كل مواطني الناصرة من كل الطوائف، هذه هي ابرز قيم ذلك العيد وأعياد الناصرة التي لم تعرف التفرقة بين مسيحي ومسلم. أصلا من كان ينتبه إلى كون ذلك الشخص مسيحيا او مسلما؟ لاتينيا او كاثوليكيا او اورتوذكسيا؟ كنا أبناء وطن واحد منكوب ـ أعيادنا واحدة ، فرحنا واحد وألمنا واحد.. وأحلامنا واحدة !!

كانت تعقد دبكة يشارك بها المئات في ساحة كنيسة البشارة، في وسط الحلقة سيافان من عائلة مزاوي النصراوية العريقة يرقصان بشكل فني بالسيوف .. وتتوارد قناني العرق خاصة من طيب الذكر اسعد كردوش (ابو اسحق).تفتح القناني ويخلط  بعضها بالماء لتدور على الجميع، الجميع يشرب، واعني المسلمين والمسيحيين... والسحجة تصبح أكثر حماسية، السيافان يبدعان ب "القتال" الراقص .. والعرق يتدفق من كل النواحي.. ثم تبدا المسيرة من ساحة الكنيسة الى دير المطران (كنيسة القلاية) يتقدمها كشاف الروم الذي يضم شبابا مسيحيين ومسلمين  يسيرون أمام موكب المطران وضيفه البطريرك إلي دير الروم في مدخل سوق الروم ، المسيرة التي بدأت كاحتفال ديني  تتحول بدون مقدمات الى تظاهرة سياسية يطرح فيها المحتفلين هموم حياتهم ويعبرون عن غضبهم من الظلم والتمييز العنصري بأبشع صوره في تلك الأيام.. وخاصة القيود العسكرية التي تمنع التجول في وطننا بدون تصريح عسكري.

كانت تلك أيان الحكم العسكري الذي فُرض اساسا على المناطق العربية، تلك كانت أيام عصيبة قاسية، الحكم العسكري تصرف مع العرب بصلافة واستبداد، لا يختلف عما يواجهه اليوم أبناء شعبنا في المناطق الفلسطينية المحتلة.  لقمة الخبز كانت تحت قيودهم التعسفية، الوظائف لا تمنح الا لمن "مرضي عليهم"، المعلمون الوطنيون يطردون من جهاز التعليم، التصاريح تمنح بقيود واحيانا برفض دون تبيان الأسباب. ببساطة يمنعون ابناء شعبنا من الوصول لآماكن العمل في المناطق اليهودية (حيث ان البلدات العربية تفتقد لفرص العمل) حتى لو كانت تبعد 10 كيلومترات. كان

الاحتفال الديني الذي ينتهي بمسيرة الطبول والصلوات حتى ايصال البطرك والمطران الى كنيسة القلاية  سرعان كما يتحول الى مظاهرة سياسية ضد الحكم العسكري. اذ تبدأ الهتافات ضد الحكم العسكري.. وتنطلق الأهازيج الوطنية  ويطلق المتظاهرون اغاثة للعذراء مريم سيدة البشارة:

يا عدرا يا أم المسيح       ارفعي عنا التصاريح

ستي يا عدرا نجينا          من الحكم العسكري خلصينا

يا عدرا احمينا احمينا      احنا ليكي التجينا (أي التجأنا)

يا عدرا يا ام القدرة        زتي العسكر لبرا

 هذه بعض الأبيات التي أتذكرها. سالت كبار السن لعلهم يتذكرون، لكني لم اجد اكثر مما اعرف. وكانت مناسبة جمعتني مع السيدة نائلة عزام - لبس التي تهتم بالتراث الغنائي الفلسطيني ولها عدة اصدارات رائعة،  سألتها ان كانت تعرف اغاني تلك المناسبة، بعد ايام فاجأتني بهذه المقاطع : 

اول ما نبدا ونقول       بالصلاة على البتول

يا شباب دادي دادي     هاي العدرا بتنادي

يا عدرا احمينا احمينا    واحنا ليكي التجينا

يا عدرا عليكي السلام    وبعيدك يحلى الكلام

احمينا يا عدرا احمينا     للزفة احنا جينا

يا عدرا يا ام المسيح     شوفي شعبك عم بصيح

انت بنت بلادنا              ابدا ما بتهملينا

بشوارعنا مشى المسيح    وعلمنا الدين الصحيح

يا عدرا ليكي ليكي           واحنا التجينا ليكي

يا عدرا يا ام النور           ام الشامة والبخور

العدرا ام البشرية            شفيعة المسيحية

الك يا عدرا السلام        وبعيدك يحلى الكلام

مريم ام الطهارة            مريم ام النصارى

الك برفع ايديي             يا عدرا الناصرية

اسلام ومسيحية            الكل بقول احمينا

طبعا هناك ابيات اخرى آمل ان تكتمل!!

بعد ان تفرغ  قناني العرق، التي لا تخلو منها السحجة والتي لها حصتها في الغزل مثل:

"اللذة مش من اول كاس         اللذة بقاع القنينة"

 وغيرها من أغاني الغزل بالعرق يبقى الهم الوطني...

ما بقي ان أذكره ان الشرطة لا بد ان تعتقل مساء بعض المتظاهرين الذين بحت اصواتهم وهم يهتفون ضد الحكم العسكري ويناشدون ام المسيح ان ترفع عنهم التصاريح!!

 

نـبـيـــل عـــودة

المرأة دائماً، تتبع القمر وصفاً، والريشة والألوان رسماً، والشعر والخيال فكراً ووجداناً. ذلك المخلوق العجيب الذي يضفي علي الوجود رونقاً، وجمالاً، وسحراً. المانح للحياة حلاوة، وطراوة، ودفئا، وحناناً، ولطفاً، وحباً، وشوقاً. فإذا جمعت إلي جوار ذلك نبوغاً وعبقرية في مجالات بزَّت فيها عن الرجال بزَّاً، فتلك هي العبقرية الجميلة.

 ومس كوري عالمة بولندية. أول إمرأة تحصل علي جائزة نوبل، وهي الوحيدة التي حصلت عليها في مجالين مختلفين. فقد حصلت عليها مناصفة بينها وبين زوجها في الفيزياء. ثم حصلت عليها منفردة في الكيمياء. وهي أول إمرأة تحصل علي درجة الأستاذية في جامعة باريس. وضعت نظرية للنشاط الإشعاعي، وابتكرت تقنيات لفصل النظائر المشعة، واكتشفت عنصري البولونيوم والراديوم الكيميائيين، وأشرفت علي أول دراسة لمعالجة الأورام بالنظائر المشعة. توفيت بمرض فقر الدم اللاتنسجي، نتيجة تعرضها للإشعاع لعدة أعوام.

وسميرة موسي هي مس كوري المصرية، كما أطلق عليها المصريون. بنت القرية التي انتقل بها والدها الفلاح إلي القاهرة كي تتلقي تعليمها، فاشتري فندقاً متواضعاً في حي الحسين، وكان مستقبل أسرته بالكامل معلقاً علي هذا القرار. ثم بني لوكاندة وادي النيل بميدان العتبة. ونجح في إلحاق ابنته بمدرسة قصر الشوق الإبتدائية، ثم مدرسة بنات الأشراف الثانوية، وكانت تديرها نبوية موسي، رائدة التعليم في مصر، والناشطة السياسية.

تفوقت سميرة موسي، وكانت تحصل علي المركز الأول في جميع الإمتحانات التي دخلتها. بانت عبقريتها وهي في السادسة عشر من عمرها، حيث ألفت كتاباً في الجبر أسمته " الجبر الحديث "، طبعت منه ثلاثمائة نسخة علي نفقة والدها. فكرت في ترك مدرستها لعدم وجود معمل بها، فسارعت نبوية موسي ببناء معمل لها، قيضت له أفضل مدرسي العلوم.

التحقت سميرة بكلية العلوم، ودخلت معاملها، وفيها التقت بالأسطورة التي صاغت عبقريتها العلمية والإجتماعية، التقت بآينشتاين العرب / علي مشرفة. كانت الأولي علي دفعتها، وأول معيدة يعينها مشرفة ضمن هيئة التدريس، رغم احتجاجات الأجانب، وعلي رأسهم الأستاذ " آيرز " الإنجليزي.

سافرت سميرة إلي لندن للحصول علي الماجستيرفي التواصل الحراري للغازات، ثم في بعثة للحصول علي الدكتوراه في الأشعة السينية، إلي جانب دراسة الإشعاع النووي. أنجزت الرسالة في عامين، وفي العام الثالث واصلت أبحاثها، وتوصلت إلي معادلة تمكن من تفتيت المعادن الرخيصة، وصناعة القنبلة الذرية منها، إلا أن ذلك لم يلق قبولاً لدي الغرب حينذاك. وقد كانت عضواً في العديد من اللجان العلمية المتخصصة، وعملت علي انشاء هيئة الطاقة الذرية. كانت تقول : " أمنيتي أن يكون علاج السرطان بالذرة مثل الأسبرين ". وفي رسالة لوالدها : " لو كان في مصر معمل مثل المعامل الموجودة هنا كنت أستطيع أن أعمل حاجات كثيرة " وفي آخر رسالة له قالت : "  لقد استطعت أن أزور المعامل الذرية في أمريكا و عندما أعود إلى مصر سأقدم لبلادي خدمات جليلة في هذا الميدان و سأستطيع أن أخدم قضية السلام ".

استجابت سميرة إلي دعوة السفر إلي أمريكا في عام 1951م، وأتيح لها إجراء البحوث في معامل جامعة سان لويس بولاية ميسوري الأمريكية. تلقت عروضاً بالبقاء إلا أنها رفضت، وكان قد صدر بشأنها قراراً سرياً بألا تعود إلي مصر، وإن عادت فلتعد جثة هامدة. وقد كانت هناك شكوك حول أسباب موتها في حادث سيارة غامض. إلي أن ظهرت ريتا ديفيد توماس، حفيدة الممثلة المصرية راقية ابراهيم " راشيل ابراهام ليفي "، من زوجها اليهودي الأمريكي. وقد كشفت عن العلاقة الحميمة بين جدتها وعالمة الذرة المصرية من واقع مذكراتها التي كانت تخفيها، وأن جدتها ساهمت في تصفيتها، حيث أنها استطاعت سرقة مفتاح شقتها بطبعه علي صابونة، مما أتاح دخولها، وتصوير معملها الخاص وأبحاثها. وهي التي حملت عرض البقاء، والحصول علي الجنسية، والإقامة، والعمل. فلما رفضت، هددتها بالعواقب الوخيمة، مما دفعها إلي طردها. بعدها قرر الموساد تصفيتها.

في آخر بعثاتها لأمريكا، كان في استقبالها صديقة مشتركة، هي التي كانت تخبر راقية ابراهيم بتحركاتها. وقبل عودة سميرة بأيام، تلقت دعوة لزيارة معامل نووية في ضواحي كاليفونيا، وأرسلوا لها سيارة لاصطحابها. وفي الطريق اعترضتهم سيارة نقل فجأة، لتصطدمهما، وتهوي السيارة بسميرة إلي واد عميق، بعد أن قفز السائق المجهول المحترف من السيارة. وقد انكرت إدارة المعامل الدعوة، وأنكرت أمر السيارة، وقيدت القضية ضد مجهول.

كتب أحد اساتذتها في  جامعة بدفورد في تقريره عنها لجامعة القاهرة : " إن تجارب سميرة موسى قد تغير وجه الانسانية لو وجدت المعونة الكافية ". و قال المتحدث باسم السفارة المصرية في واشنطن ذلك اليوم: " إن الآنسة سميرة موسى علي، الطالبة المصرية التي تتلقى العلم في الولايات المتحدة، قُتلت في حادث سيارة،  بعد أن أتمت دراستها في جامعة أوكردج بولاية تنيسي الأمريكية ".

ماتت سميرة موسي " 3 مارس 1917 ـ 15 أغسطس 1952 " عن عمر يناهز 35 ربيعاً.

وقد سلمت مع جثتها نوتة صغير، كانت تسجل فيها خواطرها، وكان آخر ما خطته فيها: "ثم غربت الشمس".

 

حسن زايد

 

 

 

 

منذ ظهورها في مطلع القرن الماضي كواحدة من وسائل التعبير الفني، لم يقتصر دَور السينما على تقديم المتعة للجمهور فحسب، انما حملت على عاتقها مهمة التثقيف والتربية والتوعية وأسهمت بشكل فاعل في  نشر القيم الانسانية والتعريف برموزها، كما شكلت رافداً ثقافيا مهما، ومؤسسة اجتماعية لها رسالتها التي جمعت المعرفة والمتعة وجسدت قدرة الانسان على صناعة الجمال والابداع، وكانت بحق جسرا حقيقيا بين ثقافات الشعوب المختلفة، ولانغالي في وصفنا لها بـ " الامبراطورية " فهي قوة جبارة في تأثيرها وسيطرتها على قلوب أجيال عديدة حيث تحكمت في توجيه اراداتها وتهذيب ذائقتها وبلورة وعيها .

وبعد مرور قرن على بداية نضج السينما ومسيرتها الطويلة، ننظراليوم بأسى الى واقعنا الذي غابت عن سمائه هذه النجمة التي كنا نهتدي بضوئها في تلمس طريق الجمال وبناء الوعي .

السينما نافذة ثقافية

لقد تعرضت السينما لدينا في العقدين الأخيرين الى أشكال مختلفة من العداء وذلك نتيجة النظرة القاصرة للسلطات التي قامت على ادارة البلاد وعدم ادراكها لأهمية هذا الرافد المعرفي والثقافي لحياتنا عموماً، وهذا العداء في السابق اخذ طابعاً خفياً غير مباشر تمثل في تهميش دور العرض السينمائية وابعادها عن المساهمة في اثراء الحياة الثقافية، وكذلك من خلال تشجيعها على تقديم عروض هابطة تسيء الى الدور الحقيقي للسينما الهادف للنهوض بذائقة وثقافة المشاهد .

اما بعد التغيير عام 2003 فلم يصبح حالة السينما بأحسن من سابقه انما الحال ازداد سوءً وشراسة حيث أخذ العداء طابعاً صريحاً ومباشراً تمثل ذلك في الغلق التام لدور العرض السينمائية واضطرار اصحابها لتحويلها الى مخازن ومحلات لبيع الاثاث وغيرها بسبب التهديد المتواصل بالتصفية من قبل جهات متطرفة، وهذا الموقف قاسياً جداً لاتستحقها هذه النافذة الثقافية، فليس بمنصف من يتنكر لفضل السينما وتأثيرها على ثقافتنا وسلوكنا الاجتماعي، فقد اسهمت في خلق اجيال من المبدعين كان للسينما الفضل في تكوينهم الثقافي والابداعي وذلك من خلال دأبها المتواصل على تقديم روائع الادب العالمي عبر عقود طويلة من العمل والانتاج . كما ليس بخاف على الكثير دورها ومساهمتها الفاعلة في التعريف بالرسالات السماوية ورموزها وتأريخ الشعوب ونضالاتها ضد الظلم والطغيان .

لذا فمعاداة السينما ومحاربتها بذريعة الافساد امر يثير التساؤل والاستغراب، فالسينما فن راق يقدم مادته لجمهور واسع مجتمعاً في صالات خاصة لهذا الغرض لذا هذه الخصوصية تقلل من استغلال هذا الفن بالشكل الذي يخشاه البعض، واذا كان هناك من خشية ان يتحول دَور السينما سلبياً فلم تعد لهذه الخشية من مبرر بعد ما اصبحت التقنيات الحديثة والمتنوعة قادرة على توفير المحظور وايصاله الى غرف نومنا دون ان تكون هناك سلطة قادرة على منعها الا سلطة الوعي في حين تقدم السينما عروضها كما ذكرنا امام العلن وتحت رقابة الدولة والمجتمع

لذا بات من الضروري لمن ينظر لهذا الفن نظرة شك وارتياب ان يعيد النظر بواقعية ويقر بأهمية ان تأخذ السينما دورها في التنوير وانضاج الوعي وتهذيب الذائقة لتسهم الى جانب القنوات المعرفية والثقافية الاخرى في صناعة الجمال ونشر الثقافة ذات المضامين الجادة .

فخلال عقود طويلة من الفراغ الثقافي والترفيهي عاشتها مدينة الديوانية كانت السينما فيها مصدرا اساسيا لثقافة ابنائها حيث ظهرت في حياة المدينة عدد من دور العرض السينمائي للأسف  اندثر الكثير منها  وتحول الباقي الذي ظل قائما الى محال تجارية . 

بشرى بدء العرض بانطفاء الأضواء

وتعود بنا الذاكرة الى واقع السينما في المدينة خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي التي يمكن ان نطلق عليها سنوات الوعي ومارافقها من سلوكيات عرفت بها تلك الصالات ومنها عدد من التقاليد المتحضرة التي عكست حالة الوعي الذي ساد الحياة في تلك الفترة، ومنها  قيام الصالات وقبل عرض الفيلم بتقديم الأغاني ذات المفردات المهذبة والموسيقى الرائعة وأبرزها أغاني السيدة ام كلثوم وعبد الحليم حافظ وقد تميزت كل صالة بمطرب من المطربين الكبار يرافق ذلك مناداة الباعة ( حب، جكاير، علج )، ومنها ايضاً ادارات السينما التي كانت على درجة عالية من المصداقية والاحترام لوقت المشاهد من خلال الالتزام بأوقات العرض والحجز للعوائل قبل الموعد حيث تجد العوائل مكانها في مقدمة الطابق العلوي وبشكل يوفر لها الاستقلالية عن مقاعد الجمهور وتسمى بـ " اللوج " . وكانت بشرى بدء العرض تزفها انطفاء الاضواء وتعالي صفير الجمهور الذي عادة ما يأتي من المواقع الشعبية في السينما الذي يسمى " ابو اربعين " اشارة الى سعر بطاقة الدخول لهذا الموقع وهذا الجمهور يظل طيلة ساعات العرض حريصا على متابعة الفيلم ولايغفر لمشغل الفيلم اي سهو فهو سرعان ماينادي عليه بـ " اعور، اعور " في حالة اي قطع يرافق الفلم ولايعرف مصدر هذه الكنية ذلك انه لم يكن من بين المشغلين من تنطبق عليه المفردة المذكورة ويقال انها امتدت الى صالات العرض في دول عربية عديدة . 

"سينما فؤاد" اول دار عرض

في مدينة "الديوانية" يعتبر عقد الستينيات وماتلاه من سنوات هو العصرالذهبي للسينما، حيث شهدت وجود عدد ليس بالقليل من صالات العرض التي قدمت من على شاشاتها اروع الافلام ذات المضامين الانسانية وقبل هذا العقد  بكثير كانت اول دار سينما ظهرت في المدينة عام 1936 هي سينما فؤاد وتقع في الجانب الغربي من الديوانية في موضع مقابل لتمثال الجندي المجهول في مدخل الفرقة العسكرية وبقيت قائمة حتى السبعينيات ثم هدمت، وقد انشأها السيد عبد المجيد صالح الفؤادي وكان نائبا عن الديوانية في مجلس النواب أبان العهد الملكي ويشير الباحث حسين علي الحاج حسن انه (عند قدوم الوصي على عرش العراق الى الديوانية في شهر مايس من عام 1941 هارباً من مضايقات الكيلاني وضباطه المؤيدين له واتخذ من دار قائد الفرقة عبد الهادي الراوي مقرا له رفع السيد عبد المجيد لافتة كتب عليها بيت الشعر التالي:

    (رفعت أعلام بشرى     سينما آل فؤاد

    ياوصي العرش أهلا    بك في هذي البلاد) .

أسرة "البو جمعه" و نشر فن السينما

لأسرة "البو جمعه" الكريمة فضل كبير على الديوانية من خلال قيامها بانشاء عدد من السينمات فيها، ففي البدء كان لها دارين للعرض السينمائي هما سينما زهرة الفرات 1954التي تغير اسمها بعد ثورة تموز 1958 الى سينما الجمهورية الشتوي، واخرى صيفية بنفس الاسم تأسست في نهاية الخمسينيات تقع في الصوب الصغير من المدينة مقابل النهر، ويتذكر الديوانيون حادثا طريفا شهدته هذه السينما ذلك انها عندما كانت تعرض فيلما وفي احد مشاهده كان هناك مشهد حريق وقد صاحب المشهد تفاعل الجمهور باطلاق الاصوات مما دعا اهالي البيوت المجاورة للسينما الى تسلق السطوح ومشاهدة الحريق على الشاشة فسارعوا الى الاتصال بسيارات الاطفاء التي هرعت مسرعة الى السينما وهو موقف يعكس الطيبة والعفوية وبساطة الوعي عند مجتمع المدينة انذاك، ثم قامت هذه الاسرة في عام 1972بانشاء سينما ثالثة هي سينما الخيام وكان من ابرز العاملين في هذه السينمات هم "جهاد عباده" وهو وبسبب عضلاته المفتولة وشاربه المتدلي كان يكنى بـ "عنتر" الذي طغى على اسمه الحقيقي، وكذلك " خنياب " حارس بوابة السينما ـ جناح الفقراء ــ بوابة ابو اربعين وهو سعر بطاقة الدخول انذاك للرجل البالغ والذين دون السن المذكور يلجئون للمشاركة كل  اثنين ببطاقة واحدة وكان خنياب حارساً أميناً وصارماً في تعامله يذيق المشاركين ببطاقة واحدة المر والاذلال قبل السماح لهم بالدخول ويصف القاص زعيم الطائي في مقاله " عن نرجسة القلب الضائعة "  فراسة خنياب في تقديره لمن يستحق التمتع بامتياز النصف بطاقه بقوله (ثمة تغييرا لايدركه احد حتى انفسنا يراه خنياب بعينه الثاقبة من نظرة واحدة للزغب النامي فوق شفاهنا، فيمنع من وصل الى عمر المراهقة من الدخول الا ببطاقة رجل كامل الاحترام بأربعين فلسا لاتنقص ولا تزيد، ولكننا كنا نستغرب لبواب سينما مدةعشرين سنة لم ير لقطة واحدة من فيلم سينمائي طيلة عمره، ولا يقسم الا بروح رجل اسطوري اسمه الحاج جمعة صاحب السينما الأول)، ومن الشخصيات ايضا التي عملت في الترويج للسينما وللفيلم المرتقب عن طريق حمل اعلانها الجوال والمناداة (هاي الرواية باجر) هو "حمزه السليت" شخصية بسيطة تقضي نهارها تجوب الاسواق والطرقات حاملة دعاية الفيلم على اكتافها والصبية تجري لاهثة خلفه طمعا في الحصول على نسخة ورقية من دعاية الفيلم،واحيانا كان الاعلان عن الفيلم يتم بواسطة السيارة او العربات التي تجرها الخيول "الربل" حيث يرفع مانشيت الفيلم عليها وتجوب المدينة مع عزف موسيقى لإثارة الانتباه، للأسف اقتلعت هذه الصروح العالية من جذورها حيث تم تهديم الاولى والثانية فيما تحولت الثالثة الى ورش واسواق . وقد قدمت هذه السينما طيلة مسيرتها روائع الافلام الهندية ابرزها فيلم ام الهند، سنكام، وكذلك العربية ومنها فيلم الخطايا وعنتر وعبلة الذي استمر عرضه لأكثر من تسعين يوما وكذلك الحال مع فيلم مرحبا ايها الحب والافلام الايطالية ابرزها فيلم إمرأتان لصوفيا لورين والقائمة تطول .

سينما الحمراء تخوض غمار المنافسة

بعد غلق سينما فؤاد وكان اسمها الرسمي " الحمراء الصيفي "في أوائل ستينيات القرن الماضي  قام السيد ابراهيم ابو عميمه بشراء معداتها لينشيء على ارض داره الواسع المقابل لنهر الديوانية سينما شتوية حملت ذات الاسم وتم افتتاحها عام 1963 وكان أول فيلم عرضته هذه السينما هو الفيلم العربي " ارض السلام " لعبد السلام النابلسي ومازلت اتذكر يوم افتتاح هذه السينما حينها كنا صبية محلة الجديدة القريبة من السينما نلعب مساء وجاءنا من يبشرنا بافتتاح السينما والدخول اليها مجانا وهو تقليد سارت عليه السينمات ان يكون اول يوم الافتتاح والعرض مجانا هرعنا اليها ونحن مبهورين بعالمها العجيب، ولأسرة البو عميمه الكريمة فضلا في تنوير المجتمع من خلال تقديمها الجميل والانساني من الافلام الجادة حيث تخصصت بشهريات شركة مترو غولدن مايرو التي تعد اسطورة الانتاج السينمائي الامريكي وكان من ابرز اعمالها فيلم  ذهب مع الريح  ودكتور جيفاكو و بن هور وكلها جاءت بها سينما الحمراء وقدمتها لجمهور الديوانية .

سينما الثورة وذكرى "ابو جاسم لر"

في نهاية الستينيات ظهرت  سينما الثورة بعرضها الصيفي وقد انشأها السيد نجاح عبد الجليل أغا في شارع تجاري وحيوي مهم ولكنها في عام 1975 تحولت الى سينما شتوي جراء اقبال الجمهور على  صالات العرض وقد تخصصت هذه السينما بتقديم شهريات الافلام لشركة فوكس القرن العشرين حيث شاهدنا من على شاشة هذه السينماافلام الممثلة مارلين مونرو وجين مانسفيلد الى جانب افلام اخذت حيزا في الوسط الشعبي امثال الفيلم الايراني المدبلج ابو جاسم لر  وكذلك حجي بابا الاصفهاني، والسينما قائمة الى اليوم لكنها تحولت الى محال وورش خدمية .

 سينما غرناطة الشهاب الذي توهج وانطفا

في مطلع الستينيات وعلى ارض دارة الواسعة والواقعة في مركز المدينة انشأ السيد جليل الريس سينما غرناطة وبدأت صيفية تخصصت بعرض الافلام العربية لاسماعيل ياسين وفريد شوقي ومازال عالقا في ذاكرتي مانشيت الفيلم العربي رصيف نمره 5 لممثلته هدى سلطان وفريد شوقي وكذلك باب الحديد لممثله ومخرجه الفنان يوسف شاهين، وفيلم الفتوة وغزل البنات،  كما استغل مسرح هذه السينما لإقامة الحفلات خصوصا حفلات بنات الريف التي تضمنت عروضها الغناء الريفي والرقص، وقد شهدت ُعلى مسرحها غناء المطربة حمدية صالح وداخل حسن، الا ان هذه السينما لم تصمد طويلا فهي سرعان ما اغلقت ابوابها وتحولت الى مقهى ومحال تجارية فهي بذلك كالشهاب الذي توهج وانطفأ .

للأسف ان هذه الحياة الضاجة بالمتعة والمعرفة سرعان ما توقفت حيث بدأ انحسار تأثير السينما في الحياة الثقافية والاجتماعية بعد دخول العراق مسلسل الحروب في ثمانينيات القرن الماضي و بدأ التدهور يطال كل شيء، فبعد ان كانت السينما مركزا ثقافيا وتربويا، أخذت وفي ظل غياب الرقابة وانشغال المجتمع بمصيره المجهول تقوم بعرض الافلام الهابطة والمبتذلة مما اعطى ذريعة لقوى التخلف بأن تنادي بغلقها واعتبارها اماكن تشجع على الفجور وتمكنت من اطفاء ذلك النور الذي اضاء لنا الكثير من دروب الحياة المظلمة .

 

ثامر الحاج امين

 

 

 

 

 

قلنا من قبل أن علماء مصر، والعرب مستهدفون، ومعظمهم ـ إن لم يكن جميعهم ـ كانت نهاياتهم في ظروف يلفها الغموض، ويتواكب مع نهايتهم إختفاء  إنتاجهم العلمي المتميز. كما ترتبط نهاياتهم بقرارعودتهم إلي بلادهم . ويبدو أن الهدف لا يقتصر فقط علي التصفية الجسدية، والإغتيال المعنوي لهؤلاء العلماء، وإنما يمتد إلي اغتيال البلاد التي ينتمون إليها، بحرمانها من نتاج أفكار أبنائها، وعبقريتهم الفذة، حتي تبقي هذه البلدان تابعة لهم علي الدوام، عيلة عليهم . ومن بين هؤلاء العلماء الأفذاذ، عالم رياضيات وفيزياء مصري، نبغ في سن مبكرة، وكانت له نظريات جديدة كانت سبباً في شهرته عالمياً . حصل على الشهادة الإبتدائية عام 1907م، وكان ترتيبه الأول علي القطر المصري . ومن المفارقات العجيبة، وتدابير القدر، وفاة والده في نفس العام . وانتقل بذلك من كفالة الأب، إلي كفالة الرب . ليس هذا فحسب، وإنما وجد نفسه وهو لا يزال طفلاً، لم يجاوز ألإثني عشر ربيعاً، مسئولاً عن أمه، وإخوته الأربعة . والطريف أن حياته ترد علي من قال أن الإسلام سبباً للتخلف والجهل في حياة العرب والمسلمين، لأنه حفظ القرآن صغيراً، وكان يحفظ الصحيح من الأحاديث النبوية، مقيماً لشعائر دينه . وربما يذهب الخيال بالبعض إلي القول، بأن معظم من كان هذا حاله صغيراً، يخلع عن عقله تلك العباءة الثقيلة كبيراً، مع بزوغ عبقريته، ولكن صاحبنا طارد هذا الخيال المريض، ببزوغ عبقريته، مع ملازمته لمرجعيته الدينية، طوال حياته . وقد حصل صاحبنا علي شهادة البكالوريا، في ثلاث سنوات بدلاً من أربعة، وكان ترتيبه الثاني علي القطر المصري، وكان له من العمر 16 عاماً، وقد توفيت والدته بعد حصوله عليها . ورغم تفوقه، وخاصة في المواد العلمية، لم يهرول إلي كلية الطب أو كلية الهندسة، وإنما اختار الإلتحاق بمدرسة المعلمين العليا . تخرج بعد ثلاث سنوات فقط بالمرتبة الأولي، فاختارته وزارة المعارف العمومية إلي بعثة علمية علي نفقتها إلي بريطانيا . وأثناء وجوده بالخارج اندلعت ثورة 1919م، فكتب إلي أحد أصدقائه ـ دون أن ينشغل بذاته أو يتمحور حولها ـ برغبته في العودة للمشاركة في الثورة، فرد عليه صديقه : " نحن نحتاج إليك عالماً أكثر مما نحتاج إليك ثائراً، ويمكنك أن تخدم مصر في جامعات إنجلترا، أكثر مما تخدمها في شوارع مصر " . هذا الصديق هو محمود فهمي النقراشي، الوزير ورئيس الوزراء في العهد الملكي، الذي اغتالته يد الإرهاب الإخواني . لقد وافقت وزارة المعارف ـ انصياعاً لرغبة اساتذته ـ في متابعة صاحبنا دراسته في لندن، فالتحق بالكلية الملكية عام 1920م، وحصل علي الدكتوراه منها في فلسفة العلوم عام 1923م، تحت إشراف العالم الفيزيائي الشهير تشارلز توماس ويلسون، الحاصل علي جائزة نوبل في الفيزياء عام 1927م . وحصل صاحبنا علي الدكتوراه في العلوم عام 1924م، التي لم يتمكن من الحصول عليها سوي 11 عالماً علي مستوي العالم في ذلك الوقت، رغم أنه لا يتم التقدم إليها إلا بعد عامين من الحصول علي الدكتوراه في فلسفة العلوم، وقد كان مشرفاً عليها أستاذه السير ريتشاردسون أكبر علماء الطبيعة في عصره . عاد بالأمر إلي مصر، وعين مدرساً للرياضيات في كلية المعلمين العليا، فلما افتتحت جامعة القاهرة عام 1925م، عمل بها استاذاً مشاركاً في الرياضيات التطبيقية في كلية العلوم، وقد اعترض قانون الجامعة منحه درجة الأستاذية، التي حصل عليها عام 1926م، باعتباره دون سن الثلاثين، فقد كان عمره هو 28 عاماً . انتخب صاحبنا عميدا ًلكلية العلوم عام 1936م، فكان أول مصري يتولي عمادتها . منحه الملك فاروق لقب الباشاوية، وقد تتلمذ علي يده نخبة من أشهر علماء مصر . كرمته بريطانيا بإنشائها منحة تعليمية لدراسة الدكتوراه تحت اسمه واسم نيوتن . كان له أبحاث حول تطبيق فروض وقواعد ميكانيكا الكم، وهو أول من قام ببحث لإيجاد مقياس للفراغ، ووضع نظرية الإشعاع والسرعة، وهي السبب الرئيس في شهرته، وهو من وضع نظرية تفتت الذرة، ووضع نظرية تفسير الإشعاع الناتج عن الشمس . وكانت له مؤلفات عديدة في المجالين الرياضي والكيميائي . صاحبنا هو الدكتور / مصطفي مشرفة .. آينشتاين العرب، الذي نعته الإذاعه الأمريكية بقولها : " واحد من سبعة علماء في العالم يعرفون أسرار الذرة " . عندما علم البرت آينشتاين بخبر وفاته صرخ قائلاً : " كلا .. كلا، لا تقولوا أن مشرفة مات .. إنها خسارة جسيمة " . وقال عنه: " لقد كان الدكتور مشرفة موسوعة بشرية، حوت الكثير من النبوغ الذي قلَّ مشابهته في العالم بأسره " . وقد نعاه بقوله : " لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه لا يزال حياً من خلال أبحاثه " . توفي دكتور مشرفة في 15 يناير 1950 م عن عمر يناهز 52 عاماً، إثر إصابته بأزمة قلبية . وهناك شكوك حول وفاته، حيث يعتقد بأنه قد دس له السم . فقد ذهب البعض إلي اتهام الملك فاروق، استناداً إلي أن الدكتور مشرفة قد قام بتشكيل جماعة سرية، تضم عدداً من العلماء والمثقفين والطلاب تحت اسم " شباب مصر "، تهدف إلي قلب نظام الحكم، وقد انكشف أمر هذه الجماعة السرية، ووصلت إلي القصر الملكي، وقد كان ذلك سبباً كافياً لاغتياله . وذهب البعض الآخر إلي اتهام الصهيونية العالمية، استناداً إلي ما فعلته مع تلميذته الدكتورة سميرة موسي . بينما نفي شقيقه الروايتين قائلاً بأن الدكتور مشرفة مات علي فراشه . ولا تزال الظروف التي مات فيها الدكتور مشرفة غامضة  . رحم الله دكتور مشرفة رحمة واسعة لقاء ما قدم .

 

حسن زايد

 

هل أجاد الكاتب الصحافي عبد الله السناوي فيما كتبه عن الاستاذ الراحل، محمد حسنين هيكل؟، (٢٣ أيلول/ سبتمبر ١٩٢٣- ١٧ شباط/ فبراير ٢٠١٦) ، وهو الابن المضاف لافراد عائلة هيكل كما ذُكر  من خلال علاقته بالراحل وعائلته وصلته المهنية والثقة المتبادلة بينه واهتمامات الاستاذ. وماذا قدم بعد عام على الرحيل؟!. وهو  الحريص على الاسم والدلالة. وجهده في حسابه وغيره معلوم ومطلوب. كما تبيّن قد سجل ما عاشه وشاهده، وفيه من الرواية المعروفة كما فيه من الجديد الذي لولاه لما عرف، ولولاه لما بقي منسوبا له، للراحل ولمن قراه او استمع إليه من خارج دائرة محبيه وتلامذته ومريديه. الراحل باعتراف كثيرين من اصحاب المهنة او من الدارسين في بحور المعرفة، مدرسة فريدة، بكل ما تعنيه وما تعطيه. و هو ايضا حسب وصف سارميللا بوز، مديرة كلية الصحافة في «جامعة أوكسفورد»، وهي تقدمه لإلقاء أول محاضرة تذكارية في الكلية الوليدة، التي نشأت بالتوافق بين جامعة «أوكسفورد» ووكالة «رويترز»، «الأسطورة الحية». او ما اكده قبل أن يصعد على منصة «أوكسفورد» اللورد كريستوفر باتن، رئيس الجامعة، المفوض الأوروبي الأسبق، آخر الحكام البريطانيين لجزيرة هونغ كونغ، وأحد الأركان الوزارية في حكومة مارغريت تاتشر ب«أنه من عظماء الصحافة في نصف القرن الأخير»، ثم التفت إلى سارميللا بوز، قائلاً: «لم يسبق لأحد أن وصفني بالأسطورة الحية، رغم المناصب الكثيرة التي توليتها والأدوار التي قمت بها، لكنني الآن يمكنني أن أترك المنصة لأسطورة حية لتتحدث إليكم». وفق ما دونه السناوي في كتابه الجديد، "احاديث برقاش، هيكل بلا حواجز"، الذي أخذت صحف عربية بنشره قبل صدوره، في الحلقة الرابعة من العشرة التي نشرتها جريدة الاخبار اللبنانية. وهذه شهادة واستحقاق وتقدير، لشخص الراحل ودوره ومكانته. الإشارة لها أو التنويه ضروري لما تعنيه ولمن تعنيه ومن ذكرها وسجلها له. وهو المعروف بما هو عليه، من صفحات حياته، وعمله، واختياره لمهنة " الجورنالجي" صفة ووظيفة واجتهادا تجاوز به حدود العمل والانجاز والشهرة والنموذج الحي لأسطورة معاصرة.

أضاف السناوي في الحلقة ذاتها سجية أخرى للراحل، لا اقول تفرد بها، ولكن شهادة أخرى له ما تعنيه لديه ولمن خط بزمنه او بعده نبل الموقف ونصاعة السيرة. وهو كما يروي السناوي ويخصه به عبر مثال وخلال نص مؤثر ومعبر. "عندما حصد الروائي بهاء طاهر جائزة «البوكر» الدولية في أول إطلالة لها على الرواية العربية عام ٢٠٠٨، ولم يكن التقاه حتى ذلك الوقت، كتب رسالة خاصة إليه قال فيها: «أردت أن أحضر احتفال أصدقائك بك مع حصولك على جائرة البوكر، التي سعت إليك كما يسعى حق إلى صاحبه، وذلك شيء نادر في زمان فرض فيه على الحق أن يخلف موعده أغلب الأحيان».

يوضح السناوي: في تلك الرسالة الخاصة جملة لافتة تضيء جانباً من شخصيته والمنطق الذي يحكمه في النظر إلى معايير التكريم: «إن الدائرة الواسعة للقراء هي الجائزة الأهم والصحبة الأبقى لأي كاتب أعطى نفسه حرية الاختيار فمنحه قراؤه نعمة الرضا». وهذه الجملة تلخص موقفا واضحا ورؤية كبيرة والدراما بما يقوم به وما يعمل عليه وما يريده منه له والتاريخ الذي يستهدي به ويتامل فيه.

قبل سنة من تلك الجملة المنيرة جاءته رسالة موقعة من دافيد أرنولد، رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة، بتاريخ ١٩ شباط/ فبراير ٢٠٠٧، تبلغه بأن «مجلس الجامعة صوت بالإجماع على أن يقدم لكم درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية»... ف" إنجازاتكم طوال تاريخكم العملي تعكس مستوى عالياً من الأمانة والامتياز في توثيق تاريخ مصر السياسي، وإسهاماً له قيمته المؤثرة والمستمرة والحيوية في تطور الشرق الأوسط» ـ

 ويرد في ٥ آذار/ مارس التالي على تلك الرسالة:

«إنني شديد التأثر ـ راضٍ وممتن، لكن لدي مسألة أرى أهمية وضعها أمامكم، وتلك هي أنني التزمت أمام الرأي العام من بداية عملي على أن تكريم الصحافي من حق جمهور قرائه بحكم سلطتهم الأدبية والمعنوية عليه، ثم إنه مطالب طوال حياته المهنية بأن يلتزم بهذا الحق للرأي العام دون بديل أياً كان شكل تعبيره: وساماً أو لقباً أو تقديراً من أي جهة أو من أي نوع». «إنني حاولت مراعاة هذا المبدأ إزاء دول شاءت أن تهديني أوسمتها بما في ذلك وطني مصرـ كذلك راعيته إزاء هيئات تفضلت وأرادت أن تحتفي بي، بما في ذلك جامعات عربية وغير عربية رأت أن تهديني أرفع درجاتها العلمية».

ما هذه السجية وكيف يعرف اصحابها؟. وهل هناك بعد اكثر منها عرفا ورفعة وسموا. تضاف الى سجاياه الشخصية وتزيد في احترامه لنفسه ومهنته واختياره وخياراته في العمل والحياة والعلاقات العامة. كان ممكنا أن يوظفها او يستثمرها ولكن الكبير يظل كبيرا في كل الظروف والاحوال. رغم أنه عاش في زمن يتنافس فيه اقل شانا منه عليها ويتسابق كثر او قلة وراء اقل منها درجة او طمعا معنويا ويهرول أو يبيع ما عنده من أجل أن يدرج أسمه في لائحة مثلها او دونها. ويتفاخر البعض او يتباهى بأدنى منها وعقله يطمح او يلهث لغيرها او لمثلها اسما او رسما، ومنهم من عرض نفسه كسلعة في مزاد.

في الحلقات التالية يذكر السناوي سجايا اخرى، او صفات لا يتصف بها غيره، او من هو بمنزلته وموقعه وعمله ودوره، الإعلامي والسياسي والفكري وحتى القرار السياسي. وهو الكاتب الصحفي، الجورنالجي، في صراعاته مع الرؤساء الذين وصلوا السلطة بعد الرئيس جمال عبد الناصر، وفي سجالاته مع انداده او خصومه، او اساليب حواره وطرق تاليفه وصراحته في أحاديثه وكتاباته. وكذلك ما أخرجه وهو يذيع تجربة حياته على شاشات فضائية، مباشرة وامام المشاهدين له أو لها عبره، ويضع فيها كثيرا مما اراد ان يوصله ولم يكتبه فيما صدر له من كتب او مقالات. وهي اشارات ناطقة عن قدرة تواصل ومشاركة وتقديم رأي وموقف. وقد لا يعلم بان ليس كل ما أورده كان خاليا من تباينات او اخطاء في الزمان والمكان او الأشخاص احيانا، وهو ما كان الدكتور كمال خلف الطويل يصححها له ويراسله حولها ولم ينكرها او يختلف معه او ينفيها. وأشار السناوي مرة للدكتور الطويل في حدث منها. وبعد اكمال الحلقات العشر المنشورة في جريدة الأخبار اللبنانية، لم اطلع على دور كبير للاستاذ ومهمة جليلة كان يتهيا للقيام بها، من اعداد الطويل وتحفيز منه ومع جمع من القريبين منه ومن القضية المنشودة. وكان المفروض وهو القريب أن يشير اليها، لانها تضيف للراحل سجية او تؤكدها عنده. وهي بعد غرق المنطقة العربية بفوضى خلاقة وارتداد او جنون مدمر، أصبح لزاما على الاستاذ وأمثاله من الحكماء الباقين على قيد الحياة أن يمارسوا دورا لهم في مواجهة ما حصل، وتقويم ما حدث، وصناعة آفاق أخرى... تواصل وتبني، ترشد وتهدي، تكشف وتقوّم، لاسيما بعد استشراء استبداد وفساد وغياب عقل.

كتب الدكتور الطويل وثيقة بنقاط محددة لتسوية تاريخية (مؤرخة في 2011/8/8 ) وعرضها على نخبة واستشارات أن يقوم الاستاذ الراحل بإدارتها وقيادة العمل على انقاذ الشعب والوطن، في سورية، لما يعرفه بشخصيته وقدرته، ومكانته وخطوه، ولما يدركه من اهوال ما كان متوقعا أن يجري ومن هوس عارم لدى من كانوا ومازالوا سببا في كل الكارثة الجاثمة.

وافق الراحل وناقش المحتوى وهيا الصورة التي يمكن أن تسير عليها امورها. وصارت تحركات ونداءات وردود فعل مختلفة، لم تفتح السبل أمامها، كما كان مخططا او نُصب أمامها ما يوقفها ويؤجلها، لكن المهم أن الراحل تنكب لها، واستجاب. وهي سجية محمودة له مضافة او نابعة منه ومن شخصيته بلا حواجز او رهانات. وبرحيله وامثاله، طالت الليلة الظلماء وافتقد البدر او البدور فيها بعد. او كما كتب الطويل في عنوان نعيه له، يتم أمة.

 

كاظم الموسوي

 

 

إن يد المنافي الظالمة لعبت بالدكتور الأكاديمي ا.د. "شاكر خصباك" بالترحال من اليمن إلى الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً وقد أصيب بفقدان الذاكرة  -عن عمر 87 سنة – بعد وصوله إلى الأرض المشؤومة، هل سيرحل عنا خصباك وحيداً غريباً وبلا وداع ومن دون رعاية؟ وهذا ما نتوقعهُ للأسف في زمن الخراب العراقي (الناقد حسن سرمك) .

ا.د.شاكر خصباك من مواليد الحلة 1930، يعد واحد من أعلام العراق المعاصر، فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي ومترجم، وكاتب مذكرات ومقالات، وأنهُ أكاديمي كبير في علم الجغرافيا، وقد حصل على درجة الأستاذية عام 1974

في محور الحديث عن الدكتور "شاكر خصباك" هو ذلك العالم الجغرافي الكبير والأديب الثري العطاء، وأن شهرتهُ العلمية طغت على شهرته الأدبية، وأستحضار هذا الرمز العلمي والأدبي ما هو ألا أشارة في تقييم الكبار، والأعتراف بأستحقاقاتهم في سيولة أقلامهم وأياديهم البيضاء، وفضلهم على الأجيال المستقبلية المتلاحقة في رسم سيمياء اللغة والأدب والرواية، فخصباك هو ذلك المبدع في فن أبراز الجمال والحب والأنسنة التي تفوح بعبق عطاءاته الثرة، ظهر أديباً  في الأربعينيات حقق حضوراً متميّزاً بارزاً، ولمع نجمهُ في السبعينات من القرن الماضي كعالم في علم الجغرافيا، وتميّز مشروعهُ الفكري المناهض للأستبداد، برؤية واقعية في تبني مواقف المظلومين والمقهورين والتصدي لكل أشكال السلطة المستبدة، وهي تلك المواقف التي زجتهُ في المعتقل، وتسبب بعزلهِ من عملهِ الأكاديمي، مما أضطرهُ لمغادرة العراق محققاً نبوغاً في القصة والرواية والمسرح والنقد، ولهُ 15 رواية من أصل 35 عملاً أدبياً، ومثلها مؤلفات وتراجم في علم الجغرافيا ---- وهل في الليلة الظلماء يفتقد البدر؟

ثمة خاطرة مُرّةٍ تجيشُ في صدري وتؤرقني --- لماذا نحتفي بالفارس بعد ترجلهِ ؟ ورحيلهِ الأبدي ! وربما أستفز حكام ما بعدالأحتلال الذين يقبعون في بروجهم العاجية في فردوسهم المخملي الأخضر والمحاطين بوعاظ السلاطين من أمراء البذخ، وربما ثقيلٌ عليّ أن أقول كلمة وداعاً يا بروفيسورنا الذي أعطيت للوطن 60 عاما من عمرك وزمنك ولم تأخذ منهُ شيئاً، وعتابي كمواطن عراقي بتساؤل مشروع أين الحكومة ؟ ومؤسساتها الثقافية، وأتحاد الأدباء العراق، ونقابة الصحفيين، وأين الوطن ليستذكر هذه القامة العلمية والثقافية الموسوعية، وأين هم من شاكر خصباك العلامة الحيّة الميتة المبدعة ونتاجاته العلمية والثقافية والتي أتخم بها خزانة الذاكرة العراقية، واليوم قد شبع من الترحال، غاصاً من كأس عذابات المنافي والغربة، التي فيها موتاً مجانياً يومياّ عبر شهيق هوائها المزكوم في الوقت الضائع لتلك اللعبة الزمنية في محطة الشيخوخة اللعينة، وعطلاتها العديدة، وأن فارسنا قد ترجل، وها هو يمشي في طريق الرحيل الأبدي، وعندها نمجد الفارس عندما يكبوا حصانه ويترجل ليودعنا، وتقوم حينها قيامة أعلان الحداد، وأظهار الرياء والمسكنة على موت تلك القامة التي كان يوماً من رموز الثقافة الكبار، وأحد ركائز التراث العراقي شأنه شأن الرموز العلمية والثقافية والفنية، وليس بالضرورة لأحتياجاته المالية ربما لأنهُ يعيش من ريع مؤلفاته ونتاجاته الغزيرة الثرة، ولكنه بحاجة إلى التثمين والتقييم والتكريم والعرفان  .

ومن مفارقات القدرأن ينساهُ وطنه العراق وتحتفي به (صنعاء) اليمن - مشكورة - بمنجزات الدكتور شاكر خصباك في 10-6- 2008وعلى قاعة مركز الدراسات والبحوث اليمني بعنوان (مضامين تراثية ونقدية عن المنجز العلمي والأدبي للدكتور والأديب العراقي شاكر خصباك) أحتفاءاً بهِ وتقديراً لدوره الأبداعي العلمي، وبمناسبة صدور مؤلفاته الأدبية في ثمانية مجلدات، وقد شارك في الأحتفاء عدد كبير من الأدباء والنقاد وأصدقاء الأديب، وبعض ممن درس على يديه .  

حين تستعرض منجزات شاكر خصباك وأبداعاته الأكاديمية الموسوعية التي تبهر المتلقي العراقي والعربي والعالمي، وربما تعجز عن حصرها لسعتها وتعدد فروعها :

-مقالات مبكرة بين 1945- 1947 منها بحوث ثقافية وأدبية (دراسات أدبية، نجيب محفوظ، كتابات نقدية، القافلة الظالّة، مكانة المرأة في بلادنا، حديث عن الفن، كليباترا في خان الخليلي، الكاتب الروسي " أنطون تشيخوف " وعشرات المقالات في توضيح معالم أهتماماته الفكرية المبكرة في ميدان الكتابة الأدبية الأجتماعية .

- وهوقاص وكاتب مسرحي جسّد دور المسرح وأهميته في حياة البشر بالأطار الواقعي الملتزم بحواراتهِ المكثفة وبأسلوبٍ رشيق وبتجلياتها الدرامية والمفعمة بالأمل الذي جعله من أسس البناء الدرامي، ويصفهُ بأنهُ أكسير الحياة  أذ لولا الأمل لتعطلت ديناميكية الحياة عبر مسيرتها االطويلة والمملة مثل: (مسرحية القهقهة، الدردشة، وهو وهي، والشيء، وبيت الزوجية، الدكتاتور) .

- التخصص في علم الجغرافيا حصل على الليسانس من جامعة القاهرة عام 1951، وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه من أنكلترا في الجغرافيه البشرية عام 1958، وعُيّن في كلية الآداب في قسم الجغرافيا، وكنت حينها طالبا في كلية التربية قسم الجغرافيا، مع الأسف أنهُ لم يدرسني بل كنت من الطلاب المتابعين لبحوثه ومحاضراته في حقل الجغرافيا البشرية .

 وأخيراً / ليس من الضروري في هذا المقال كتابة تفصيلية عن الأستاذ الدكتور شاكر خصباك فهو يستحق أن نكتب عنهُ مجلدات وأطروحات لكن الهدف هو التذكير بهذا (العَلمْ) الذي خدم وطنهُ والأنسانية عبر فضائين واسعين هما:

الأبداع الأدبي في مجال القصة والرواية والمسرح.

الثاني: الدراسات الجغرافية بقسميها البشري والأجتماعي .

تحية أجلال وأكرام لأستاذي الجليل البروفيسور شاكر خصباك متمنياً له الصحة والعافية

 

عبد الجبار توري - كاتب عراقي مغترب

 

 

 

تخليدا لذكرى ولادته واعتزازا بدوره الكبير في ترسيخ الهوية الفنلندية سيما في مجالي الادب والاقتصاد يرفع العلم الفنلندي كلما حل الـ12 من ايار باعتباره يوما وطنيا لجميع الفنلنديين، انها ذكرى ولادة الاديب، السياسي والكاتب الفنلندي الشهير "Johan Vilhelm Snellman".

سنيلمان عاش في ذروة التحولات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية وحتى الثقافية لبلده الصغير الذي شهد صراع الحروب بين روسيا القيصرية والمملكة السويدية، هذه الاخيرة احتلت البلاد قرابة الستة قرون ابتداءا من القرن الثاني عشر وحتى العام 1809 حينما استحوذت روسيا على فنلندا وبقيت فيها حتى العام 1917. في تلك الفترة كانت تتصاعد بين الحين والاخر حركات ادبية وسياسية تدعو لترويج هوية فنلندية ناضجة مختلفة عن كل من السويد وفنلندا، سنيلمان كان احد ابطال تلك التكتلات، حينما كان ينشط في المؤسسات الاكاديمية اضافة الى دوره الكبير في التاسيس لتعليم اللغة الفنلندية والادب الفنلندي.

ولان ابيه ربان سفينة فقد ولد سنيلمان على متن احدى السفن الراسية في ميناء العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1806، درس في مدينة "اولو" الواقعة شمال فنلندا بعد ان اكمل جزءا من دراسته الاولية في مدينة "كوكولا"، ثم اكمل دراسته لاحقا في اكاديمية "توركو" التي تقع اقصى جنوب البلاد، درس هناك الالهيات، التاريخ والادب العالمي، في تلك المرحلة اخذت تنضج شخصية سنيلمان، خصوصا بعد ان احتك وشاهد التيارات الادبية والسياسية المختلفة التي تنشط في الجامعة. لكن الانخراط في توجهات تدعو لتمايز الهوية الفنلندية عن غيرها لا يخلو من ثمن، ولهذا حينما انتقل للعمل في جامعة هلسنكي محاضرا تعرض لمضايقات هناك واضطر للخروج من فنلندا.

بعد عودته بفترة وجيزة ذهب الى مدينة كوبيو الواقعة وسط البلاد في اقليم الصافو وفي العام 1843 اصبح مديرا لاعدادية لوسيو. نشط سنيلمان في مدينة كوبيو وبانت نشاطاته على مستوى فنلندا ايضا، اسس هناك صحفا ناطقة بالفنلندية والسويدية. تزوج سنيلمان في مدينة كوبيو. بعد العيش قرابة عقد من الزمن في كوبيو ترك المدينة وانتقل الى هلسنكي عام 1849.

في تشرين الاول من عام 1858 اسس سنيلمان اول مدرسة لتعليم اللغة الفنلندية، اعقبها بعد ذلك بمجموعة من المؤسسات التعليمية في اماكن مختلفة، مما ادى الى انتعاش اللغة الفنلندية.

استثمر سنيلمان رحابة صدر القيصر الروسي "الكسندر الثاني" الذي شهدت فترته منح الدوقيات مزيدا من الصلاحيات واستحصل منه في آب عام 1863 على موافقة خاصة بان تكون اللغة الفنلندية هي اللغة الرسمية للبلاد في مختلف المجالات خلال فترة ليست طويلة.

في الستينات من القرن التاسع عشر ايضا كان لسنيلمان بمعية "Fabian Langenskiöld" دور كبير في سك العملة الفنلندية الماركا، التي بدأ التداول فيها منذ العام 1860 واستمر حتى العام 2002. سنيلمان وصل الى مجلس الشيوخ عام 1863 واستمر حتى العام 1869. استمر سنيلمان في نشاطاته العلمية، السياسية والادبية على الصعيد الرسمي والشعبي واثمر بمساعدة ابناء جيله في الحفاظ على هوية هذا البلد الصغير، ثمار ذلك الحراك الكبير تجلى واضحا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وبعد مشوار طويل من المثابرة توفي سنيلمان في 4 تموز 1881. بعد وفاته ترك وراءه ارثا مهما، واسما لامعا تجلى في مظاهر مختلفة ليس اهمها بلا شك جملة من النصب شيدت له في عدة مدن من بينها كوبيو حيث يقف تمثاله الشهير في اجمل حدائق وسط المدينة.

 

هلسنكي- جمال الخرسان

 

في أواخر سنة 1969، كنت حينها أدرس في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو- الاتحاد السوفييتي آنذاك، وصل لعلمنا أن محمود درويش حصل أخيرا على جواز سفر مؤقت، لمدة سنة واحدة أو أقل قليلا.. لمغادرة إسرائيل إلى موسكو.. إلى معهدنا. (معهد الأحزاب الشيوعية كما كان يعرف واسمه الرسمي "معهد العلوم الاجتماعية").

كنت في بداياتي الأدبية... كاتبا مبتدئا تشده رومانتيكية الأدب، كان يومها محمود درويش نجمنا الأدبي الأعلى الذي لا تخلو مهرجاناتنا من قصائده.

كانت قصائد محمود درويش قد بدأت تتحول إلى محفوظات وطنية نرددها.. وما زلت أذكر مقاطع عديدة من قصائده التي ألهبت الجماهير في نضالها الشرس سياسات القمع ومصادرة الأرض وتضييق الخناق على القوى الوطنية وضد العزل العنصري وضد نظام الحكم العسكري البغيض المفروض على العرب وحسب قوانينه طبقت سياسات النفي والاقامات الجبرية وتحديد التنقل واثبات الوجود في مراكز الشرطة وهو ما عانى منه محمود درويش والعشرات من رفاقه لسنوات طويلة. انا ايضا قيدت حرية تنقلي ولم أكن قد تجاوزت سن العشرين،  المضحك اني وصلت بتصريح عسكري لمطار اللد (بن غوريون اليوم) وسجل تحت الهدف من الوصول للمطار "السفر للاتحاد السوفييتي فقط" وكأنهم يحددون مكان وجودي خارج إسرائيل أيضا، رغم إني سافرت أولا لقبرص... وقد سجل في التصرح الطريق التي يجب أن التزم بها للوصول إلى المطار مع ملاحظة تمنعني من الدخول للبلدات في الطريق، ما عدا لمحطات الوقود...

في مثل هذه الظروف نشط محمود درويش وكتب قصائد المقاومة، في مفهوم التحدي للسلطات العنصرية الغاشمة والدفاع عن الحقوق القومية للشعب الفلسطيني من داخل الوطن المنكوب. كانت القصيدة أهم من خطاب سياسي، القصيدة خطاب مجند للنضال.. من هنا أنا على قناعة تامة أن شعرنا المهرجاني الوطني لعب دورا تثقيفيا وسياسيا هاما لا يمكن مقارنته بأي شعر منصات آخر. لذلك حين تقييم هذا الشعر، يجب أن نفهم أن حديثنا عن الشعر الوطني أو المهرجاني التقليدي، له قيمة خاصة في الشعر الفلسطيني الذي كتبه الشعراء العرب الفلسطينيون في إسرائيل. قيمته تتجاوز فنيا أيضا، كل الشعر الشبيه الآخر الذي كان يغرق فيه الشعر العربي.

لم تكن معرفة سابقة شخصية بيني وبين محمود درويش، رغم إننا كنا من نفس الموقع السياسي، كان محررا للمجلة التي اعتبرت فخر ثقافتنا المحلية. مجلة "الجديد" التي تعتبر أيضا من أفضل المجلات الثقافية العربية على الإطلاق. لا ابالغ بالقول ان مجلة "الجديد" كانت جامعة ثقافية لعشرات المثقفين.. وما زلت أعتبر نفسي خريج هذه الجامعة الثقافية، التي لعبت دورا ثقافيا سياسيا هاما في كسر دائرة التجهيل بتراثنا العربي، كسر عزلنا عن الثقافة العربية.. وتنشأة جيل جديد من المثقفين بعد النكبة.

كنت أعرفه من المنصات ويعرفني من القصص التي أرسلها للنشر في الجديد... وقد شعرت بتوتر من لحظة اللقاء مع محمود درويش وانتظرتها قلقا من طول الدقائق...

وصل محمود درويش إلى موسكو، نقلوه كالعادة إلى "الداتشا" – قصر للنقاهة في الجبال.. حيث كانت تجرى الفحوصات الطبية لكل الوافدين للمدرسة الحزبية في موسكو.. قبل نقلهم إلى بيت الطلبة وبدء برامج التعليم في المعهد.

ذهبنا، نحن الطلاب ، الرفاق العرب من إسرائيل لزيارة محمود درويش ورفاقه في "الداتشا".. وكانت تلك أول مرة نلتقي وجها لوجه، نتعارف ونتبادل التصافح بالأيدي.

راقبت كل حركات محمود درويش لسبب لا أفهمه، ربما لأفهم العلاقة بين هذا الإنسان الهادئ الوديع، الذي اسمه محمود، له مظهر الإنسان الحالم... وبين شعره المتفجر بنار الغضب والثورة والجرأة. ربما توقعت ان أرى إنسانا حديديا رهيبا لكلماته فعل الرصاص... ولكني وجدت إنسانا حلو المعشر، حديثه عذب جذاب، يحب الحياة، يضحك بطلاقة، رقيق لأقصى ما تحمله الرقة والدماثة من معنى. له مظهر حالم كما قلت وربما حتى بعض الحياء.

هذا هو انطباعي الأول عنه.

سألت نفسي وقتها: ترى هل وراء هذا الإنسان الرقيق الهادئ، الذي يرعب دولة إسرائيل.. يختبئ أسد متوثب ومرعب؟!

هل حقا هذا هو محمود الذي سجن وعانى من الاضطهاد، من الحبس المنزلي وتقييد حرية التنقل لدرجة عدم السماح له بزيارة أهله على بعد نصف ساعة سفر من حيفا؟!

هل هو محمود نفسه، الرافع لراية شعبه، المعبر عن مآسيه، من النكبة حتى مجزرة كفر قاسم الرهيبة (50 ضحية) ومقتل الشباب العرب الخمسة والتنكيل بجثثهم بصورة وحشية وغيرها من مآسينا المتواصلة، مثل مصادرة أراضينا ومنعنا من العودة إلى قرانا المهجرة وتقييد حريتنا بالعمل ؟!

أعرف إن بعض ما أكتبه اليوم يبدو كتابة عن عالم آخر.. مساحة الحرية اليوم واسعة جدا.. القيود تحطمت.. رغم استمرار سياسات التمييز العنصري، إلا إننا أنجزنا بنضالنا مكاسب تبدو اليوم شيئا عاديا لا يحتاج إلى تفكير ونضال. لكن الويل لشعب ما زال مشردا في وطنه وخارج وطنه من الاطمئنان لمنجزاته واعتبارها أمرا لا عودة عنه، لأن القوى الفاشية ما زالت تتحين الفرصة للانقضاض على ما أنجزناه وما حققناه من قامة مرفوعة..

سألت نفسي أيضا: هل حقا هو محمود نفسه الذي أطلق عليه شعبنا لقب " شاعر النكبة "؟!

قلت كنت في بداياتي، كان محمود قد بدأ اسمه يسبقه أينما ذهب، كان العالم العربي منبهرا بشعره وشعر زملائه ، وكل ما ينشر تحت اسم الشعر عندنا حتى لو كان بلا معنى ولدرجة تجاوزت المنطق.. مما جعله يطلق صرخته الشهيرة وقتها، عبر مجلة الجديد: " أنقذونا من هذا الحب القاسي". كأنها كانت نبوءة لخطر العشق العربي بلا منطق لكل ما ينتجه أدبنا المحلي.

شعرت بالرهبة والارتباك وانا بالقرب منه، اسما مبتدئا لا يعرف لغة التودد ولا أعرف أن أبني علاقات على أساس المنفعة الذاتية، أو التعلق بسماجة بالآخرين.

بعد الفحوصات وانتهاء الترتيبات المختلفة، التحق محمود بمعهدنا.

لا أدري كيف ذاب الثلج بيننا، وكيف استقرت العلاقة الفريدة التي جمعتني به في المعهد. لكنها لم تستغرق غير أيام قليلة.. حتى استطعت التخلص من ارتباكي والحديث الحر معه..

سحرتني شخصيته بوداعته التي تبلغ حد الطفولة، مع ازدياد معرفتي به، كنت أكتشف أمامي معدنا صلبا نقيا، أنسانا حقيقيا لا  تتنازعه الميول الطارئة ولا يبني علاقاته إلا على أساس الاحترام.

قلت اني لا أذكر تماما كيف تطورت علاقتنا، لكن الواضح ان وجودنا في نفس بيت الطلبة، في نفس المعهد، في نفس طبقة بيت الطلبة وفي فرقة واحدة لا يتعدى أفرادها الثمانية... جعل المسافة بيننا تتقلص، اللقاء اليومي بدا يولد تفاهما في الذوق والميول وحب الحياة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني.. إلى جانب معرفتي الجيدة نسبيا باللغة الروسية وبالعاصمة موسكو ومطاعمها الجيدة وحدائقها الجميلة وشوارعها وسائر تفاصيلها... وقد اكتشفت ان هذا الإنسان الحالم لا يحفظ الشوارع بسهولة، لا يحب التقيد بنظام بيت الطلبة الذي يحدد ساعات بقائنا خارج المنزل حتى الحادية عشرة مثلا، حيث كان الحارس للمبنى يغلق الأبواب ومن يتأخر يواجه مشكلة الدخول، ثم تنبيها وانتقادا من إدارة المعهد.. ألخ. في أول سهراتنا بالخارج أخبرت محمودا بهذا التحديد.. فرفضه ضاحكا معبر عن أمنيته التي طالت بقضاء سهراته خارج غرفته لساعات الفجر. ففهمت انه يعني أن هذه فرصة العمر، فبعد سنة سيعود إلى حيفا والى الحبس المنزلي بعد غروب الشمس وحتى شروقها، حسب قانون الطوارئ الانتدابي الذي واصلت إسرائيل فرضه على ابرز المناضلين العرب ولتذهب كل التقييدات إلى الجحيم!!

حاولنا ان نحصل على إذن بالبقاء خارج المنزل لوقت أطول، فلم ننجح، فوجدنا طريقة لا يمكن أن تفشل، بإهداء بواب المبني، قنينة فودكا كلما شئنا أن لا نعود في الوقت المحدد... كنا نعلمه مسبقا.. وكان دائما على استعداد للتغاضي عن موعد عودتنا وهكذا نجحنا في التحرر من قيود النظام.

كان جليا أن متعته الكبرى أن لا يعود للمنزل قبل الفجر، كأنه يقهر شرطة إسرائيل بسهراته حتى الفجر هنا في موسكو.

في موسكو التقى محمود درويش بالناقد والمفكر اللبناني حسين مروة، الذي كان يعد رسالة الدكتوراة في نفس المعهد. والذي اعتبر في وقته (1969) محمود درويش كأبرز شاعر عربي معاصر في مداخلة قدمها في إطار المعهد إمام أساتذة وطلاب المعهد.

التقى محمود درويش في موسكو بعدد من أدباء العربية، بقي في ذهني منهم الكاتب السوري سعيد حورانية، الذي كان يحرر أسبوعية " إنباء موسكو " باللغة العربية، حيث كنت أنشر قصصا ونشر محمود احد قصائده الجديدة التي كتبها في موسكو، أظن انها كانت انتقادا لأنظمة عربية تعاملت معنا كعملاء للصهيونية. كذلك التقى مع الشاعر السوداني جيلي عبد الرحمن، مع الناشر اللبناني، من دار العودة، محمد سعيد محمدية، مع الأديب اللبناني د. سهيل إدريس صاحب الآداب اللبنانية، مع الكاتب اللبناني محمد دكروب، محرر مجلة "الطريق" اللبنانية وغيرهم تفوتني أسمائهم... وقد حضر بعضهم إلى موسكو بعد انتشار خبر وصول درويش إليها.

قضيت أكثر من نصف سنة مع محمود درويش، في لقاء يومي وأحاديث يومية، للأسف لم أسجل أيا منها، وبعضها كان يتعلق بأدبنا المحلي، مشاكله ومشاكل تطويره، التجديد في الشعر وقد بدأت ألمس من وقتها انطلاقة محمود درويش نحو ما بات يعرف في شعره اليوم بالفضاء الإنساني العالمي... خارجا من مرحلة الشعر الوطني التقليدي، قبلها شعره الغنائي الغزلي ثم الوطني ألمنبري ان صح التعبير وصولا للوطني الانساني...

بدأت ملامح الفكر الإنساني الشمولي تأخذ مساحة هامة في كتاباته الشعرية الجديدة.

صحيح إني أتحدث عن ذكريات بات عمرها اليوم خمسةعقود، وقد نشرت بعض تفاصيلها قبل عقدين من الزمن، وهي التي اعتمدتها في هذه المراجعة..

في ذكرياتي عن لقائي بمحمود درويش في موسكو تختلط أمور كثيرة.. هناك ما أعتبره من المسائل الذاتية جدا التي لا أحب الخوض فيها.

عندما سمعت، بعد عودتي بشهر أو أكثر محمود درويش يعلن عبر إذاعة القاهرة (1970) انتقاله لموقع آخر، حزنت وفرحت في نفس الوقت. حزنت لفقداننا هذا الركن الهام في شعرنا المحلي وفرحت لانطلاقة النسر من أسره. بنفس الوقت لم أتفاجأ من خطوته. ربما يصعب علي تفسير ذلك، ولن أحاول تفسير خطوته التي لم تفاجئني. لأنها قد تحمل الكثير من باب التأويل، هذا لا أحب التطرق إليه، لأني إذا لمست بعضه، فذلك بسبب قربي الشخصي من محمود في تلك الفترة. بلا شك ان وجود محمود درويش في نفس المعهد وما أثاره وصوله إلى موسكو في وقته من اهتمام واسع، حفزني على المزيد من الإبداع، من جعل الإبداع، الفكر والنشاط الثقافي عامة مبدأ ومنهجا لحياتي. كان الطلاب العرب يتساءلون عن مكان درويش في موسكو، وكثيرا ما عرفوه في الشوارع ونادوه باسمه ليحيوه بحب وتقدير ما رأيت مثله في حياتي.

الانعكاس الأساسي علي انه جعلني أفهم الأدب كالتزام واع بقضايا الناس وتطلعاتهم وان الوطني حقا هو إنساني بالمقام الأول أيضا.

اليوم حين أنظر لخارطة العالم الثقافية، ارى المكانة المرموقة لمحمود درويش، دوره الطليعي في خريطة الشعر العربي واسمه الذي صار عنوانا لقضية وطنية وإنسانية في نفس الوقت.

محمود درويش هو سنديانتا الشعرية.. حلمنا ونموذجنا الأعلى... أشعر كم سنبقى مقصرين، بحق الإنسان والشاعر.. المتألم لآلام شعبه، الذي ترك في نفس كل واحد منا شيئا من ذاته، شيئا من طهارته، شيئا من إنسانيته وشيئا من تحديه...

سيبقى محمود درويش علامة فاصلة لشعرنا، لثقافتنا، لإنسانيتنا ولقدرتنا على مواصلة الإبداع.. ومواصلة التحدي والنضال لتحقيق الحلم الكبير لمحمود ولشعب محمود، بإقامة دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة، بيتا دافئا للشعب الفلسطيني، يكفي فخرا لشعب فلسطين شاعرهم القومي الإنساني، الذي صار اسمه مرادفا لما هو جميل وراق في الأدب العربي والعالمي كله.

 

نبيل عودة

 

 

ترحل النجوم الى العالم الاخر كما تغيب في النهار وتظهر في الليل الدامس، هكذا تجلت قدرة الرب العظيم . ولكن هي نجوم ضوئها يراه من في الارض. وفي النهار تسكن السماء وتغذي الشمس ،ثم تسطع في الليل لتزين مسكنها ويكتحل منها من في الارض .

هكذا هو ديدن العلماء هم نجوم، يتوفاهم الاجل فتذهب اجسادهم وتبقى ارواحهم وعقولهم يرددها من استسقى من مناهل علومهم .

  لقد رحل من التقيته في الحرم المقدس البروفيسور فكتور الكك، ونعاه من عرفني به، ذلك سماحة العلامة الدكتور وليد البعاج قائلا: الكك استاذ جامعي ممتاز لديه ثلاث شهادات دكتاتوراه في ادأب اللغة العربية وفي اللغة الفارسية وفي الفلسفة باللغة الفرنسية يتقن عدة لغات (العربية، الفارسية، الانكليزية، الفرنسية) درس بهذه اللغات في جامعات فرنسا وامريكيا وكندا وايران ولبنان.

اضافة الى اللغات السامية القديمة والارية القديمة له اكثر من عشرين مؤلفا مطولا واكثر من مائة بحث طويل في موضوعات متنوعة (الادب، اللغة، الفلسفة، العرفان) وله الكثير من الترجمات من الفارسية والفرنسية والانكليزية الى العربية لغته الام .

ومن اهم واول كتبه التي اصدرها قبل خمس وخمسين سنة كتاب (فن المقامات في تراث بديع الزمان الهمذاني واثره في اللغات الفارسية والسريانية والعبرية) والكتاب الاخر (تاثير القرآن والحديث النبوي وفنون الشعر العربي وعروض العرب في الثقافة الايرانية) .

وأعود الى كتابات سماحة العلامة السيد وليد البعاج بعد هذه السطور ...

الفقيد استاذ جامعي وعالم مسيحي من لبنان من مواليد 1936 ــ جبل لبنان ــ عند رؤيتي له واللقاء به لعدة ايام في كربلاء المقدسة رأيته موسوعة علمية تتدفق منه الثقافات بغزارة ..

واندهشت عندما كنت احدثه عن واقعة الطف وتفصيل كل مكان ومعه زوجته الأستاذة كذلك،فكان يجيبني بتفاصيل ادق واوسع مما عندي .

اعود ايها القراء الاعزاء الى اول من نعاه واكتفي بما قاله العلامة البعاج : رحيل البروفيسور فكتور الكك خسارة بمعنى الكلمة :

فكتور الكك مسيحي اختارته أيران الجمهورية الاسلامية ان يكون المسيحي الوحيد من ضمن لجنة خبراء وأساتذة علماء مسلمين محدده لا تتجاوز الخمسة في هيئة ثقافية ودينية كبيرة في مشهد الإمام علي الرضا عليه السلام تكريما له. وعرفانا لفضله.

رجل موسوعة، فيلسوف، مفكر، أديب، شاعر، ولعه فاق حد التصور في الادب الفارسي فحفظ ظهرأ على قلب مقطوعات عديدة لسعدي وحافظ الشيرازي، وترجم قصائدهم الى اللغتين العربية والفرنسية، ترأس المجمع الثقافي العربي، وكانت لكتاباته عمق ورؤية لما فيها من التفاتات ونصوص نادرة ترجمها بنفسه، لا ازال اتذكر وهو يوصيني ان اراجع كتاب الغزالي المنقذ من الظلال ان الغزالي يرى ان المعتقد لديانة اخرى غير الاسلام عن حجة ودليل فهو لا يمكن ان يدخل النار، وقد قرأ الكك المعنى من بين السطور الذي غاب علينا ولم نقرأه او اصلا لم يكن يهمنا ان نقرأ هذا الكتاب المغمور للغزالي.

التقى بالسيد موسى الصدر وكانت له احاديث وذكريات كبيره وعدني انه سيحدثني بها لكن المرض لم يمهله. درست عنده الفلسفة العربية والحوار، وعرج بي الى فضاء التصوف الايراني، وكنت استغرب منه حين يغيب عن الشعور في حصة الدرس وهو يتلو الشعر الفارسي وهو يبدع إذ ينظمه شعرا عربيا فصيحا، حين يترجمه من اللغة الفارسية الى العربية. توطدت علاقتي به حتى اصبح صديقا حميما لي لا انقطع من التواصل معه في مكتبه او كان يصر ان يدعوني الى بيته حيث الكرم والضيافة التي كانت تقوم بها أم هادي زوجته الفاضلة والمحترمة ورفيقة دربه المخلصة.

ولم تكن جلسة الطعام تقتصر على المجاملات والتحايا،بل كانت مباحثة وحوار علمي نخرج وانا في غنى من خزين الكك الذي لا ينضب.

اتانا الى العراق وحل ضيفا في اروقة الامام الحسين واخيه ابي الفضل العباس في كربلاء وكانت فرحته كبيره حيث رأى حفاوة الاستقبال والاهتمام به وكان لبحثه صدى وقيمه وتحدثت معه في جلستي في حرم الحسين عن انطباعه فخرجت بمقال نشره موقع كتابات في الميزان.

فكان يعبر بكلمات تنبع من صميم قلبه، اغنت الحديث معه، ومن ثم اتانا الى النجف ليلقي محاضرة ارتجالية في مركز دراسات الكوفة لنعرج به في ضيافة سماحة العلامة السيد مهدي الخرسان دام عزه.

وكان يحثني على اكمال الدكتوراه بجامعة عالمية مهما كلفني ذلك، ومن ثم قال سأزودك بتوصية تعتبر شهادة مني في حق تلميذ درسته واصبح صديقا لي، وكانت ورقة بخطه من اعز ما لدي من كتابات من اساتذتي الكرام وكانت شهادة كبيرة اخجلني فيها.

رحمك الله يا أبا هادي أيها الاستاذ الفذ والبروفيسور الجهبذ، رحلت وتركت الما كبيرا في قلوب محبيك وعارفي فضلك.

 

بقلم: مجاهد منعثر منشد

 

 

من النعم التي يظل يفتخر بها المرء أن وفقه ربه للكتابة عن العظماء، والكتابة عن العالم محمد الغزالي رحمة الله عليه تندرج في سياق استحضار العظماء رضوان الله عليهم جميعا.

يعود الرجل لطفولته ويستحضر الأيام الأولى من الملتقى الفكر الإسلامي المقام بالجزائر حين كان الشيخ محمد الغزالي يهز القاعة بصوته الجهوري ويرد ويضيف.

وأتذكر جيدا حين ردّ بحزم وقوة على الأستاذ التونسي القادم من الولايات المتحدة الأمريكية يومها حين تطرق لعدد 19 باعتباره معجزة من معجزات القرآن الكريم، فأعاب عليه الشيخ الغزالي ذلك قائلا أن مشاكل الأمة أعظم وأجل من أن تشغلها أرقام. مع العلم كانت المجتمعات الإسلامية يومها معجبة إلى حد الافتتنان  بما ذكر صاحب رقم 19 باستثناء الشيخ الغزالي الذي عارضه بشدة، وأكدت الأيام ما ذهب إليه الشيخ حيث سلك صاحب رقم 19 مسلكا يتنافى مع القرآن الكريم، وليس هذا مجال التطرق للموضوع.

مازال الطفل يتذكر حنينه وهو يعانق المذياع ويتابع محاضرات الشيخ محمد الغزالي عبر الأثير. فقد رزق صوتا كله ثقة واطمئنان وهدوء يريح السامع، وتلك طبيعة المتمكنين العارفين المتيقنين مما يملكون من علم، وفقه، وأدب، وأخلاق.

وكنت أتابع باهتمام بالغ حصة "حديث الإثنين" التي يقدمها كل يوم الإثنين والتي كان يتابعها الجزائريون وينتظرونها بشغف بما فيهم الذين لا يتقنون اللغة العربية الفصحى، لما امتاز به الشيخ من طريقة عرض صافية نقية تعتمد على الفطرة السليمة في فهم الدين والمجتمع. وكانت كل دروسه حول هموم الأمة والمشاكل الثانوية التي شغلت بها الأمة عن ما خلقت له من مهام جليلة عظيمة. وقد جمعت أحاديثه في كتاب وأكرمني ربي أن قرأتها فيما بعد في كتاب: "حديث الإثنين"، للشيخ محمد الغزالي، رحمة الله عليه، إعداد الأستاذ: عبد القادر نور، الطبعة الأولى 2011، دار الوعي، الجزائر، من 259 صفحة، وعلّقت عليها في مقال أول بعنوان " مع الشيخ محمد الغزالي في حديث الاثنين"، ومقال ثاني بعنوان "حكم الشيخ محمد الغزالي من خلال حديث الاثنين"، خلال شهري فيفري وماي 2013 لمن أراد الرجوع إليها واستحضار الأيام الخالدة والمنافع التي لا تنقطع.

حضرت له  محاضرة وأنا طالب في الجامعة سنوات 1986-1990 بالعاصمة ولأول مرة أراه رأي العين وأنا الذي كنت من قبل أراه عبر المشهاد الجزائري يومها وأسمعه من وراء الأثير. واقتربت من المنصة بعد عناء شديد بسبب العدد الضخم جدا من الشباب الجزائري المتشوق لرؤية وسماع علماء الأمة. كان إلى القصر أقرب وما زال الطالب يحفظ عنه قوله: ورثت عن أبي قصر القامة لكني عرفت ربي عن علم ويقين. و كانت عباءته أقل جودة ولا تنم عن بذخ ولا ثراء مقارنة بالعلماء الأثرياء من دول عربية قدموا الجزائر ورأيتهم يومها رأي العين. وتخونني الان الذاكرة حول حضوري لدرس الجمعة بمسجد الأرقم بالعاصمة في نفس السنوات بحضور الشيخ أحمد سحنون رحمة الله عليهما.

أتذكر وأنا طالب في السنة الرابعة من الجامعة، آخر حوار أجرته يومها يومية "المساء" الجزائرية وهو يودع الجزائر، ومما علق بالذاكرة وأفتخر بكوني أردده الان قول الصحفي.. حين دخلت بيت الشيخ محمد الغزالي وجدته بملابس النوم فطلب مني أن لا ألتقط صورة له وهو بملابس النوم وينتظره حتى يغيّر ملابسه، وامتثل الصحفي الجزائري لنصيحة الشيخ والتقط له صورة بعباءته العادية التي عرف بها، وأضيفت الخصلة الحميدة لخصاله الكبيرة التي عرفت عنه من قبل.

قرأت له الكثير من الكتب وما زالت مكتبتي تزخر بكتبه ومن الكتب التي علقت بالذاكرة.. كتاب "فقه السيرة" لما امتاز به من بساطة في ذكر الأحداث وربطها بالواقع وكأنك ترى السيرة النبوية رأي العين.

وكتاب "فن الذكر والدعاء" الذي يربط بين الذكر وما يحيط به، فالقارىء يعيش الذكر والدعاء قبل أن يتلفظه، فقد استطاع أن يجعل من الذكر حياة يعيشها المرء طيلة اليوم وليس ترديد كلمات لا يعرف المرء معناها، ويعترف القارىء المتتبع أن طريقة عرض الشيخ محمد الغزالي لكتاب "فن الذكر والدعاء" لم يقرأها عند غيره وتلك ميزة تميّز بها الشيخ.

وكتاب "جدد حياتك" الذي حاول عبره الاستفادة من الحضارة الغربية بما يتناسب مع قيم وعادات المجتمع الاسلامي، وكان في كل مرة ينقل عن الأستاذ الأمريكي ديل كارنيجي قوله في مسألة ثم يعقب قائلا لكن ديني يأمرني بكذا وكذا ويفصل الأمر نهائيا بما تنص عليه الشريعة الإسلامية وفهمه السليم للدين.

وكتابه "قذائف الحق" الذي يتحدث فيه عن الخطط الغربية وبعض حكام العرب في هدم المجتمعات الإسلامية، وما حذّر منه الشيخ في كتابه ما زال معمولا به وإن كان الأسلوب تغيّر بعض الشيء، وفيما أتذكر فقد ذكر أنه ألف الكتاب وهو في الطائرة.

وكتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"، وهو يعد من أعظم الكتب التي ألفها الشيخ لأنه أكد على ما ذكره في سنوات سابقة وهو يعتمد على طول تجربته ورسوخه في العلم، ويعتبر الكتاب قاموسا في الفهم الصحيح للفقه والحديث وكيفية تطبيقه على المجتمع خاصة وأنه إعتمد على أقوال الأئمة الكبار وقارن بين المدارس وأضاف لها علمه وتجربته التي أنارت وأشعت.

وقرأت له أول كتاب كتبه سنة 1947 بعنوان "الإسلام والأوضاع الاقتصادية"، الذي تحدث فيه يومها عن ما يسىء للاقتصاد وما يرفعه، وأن الاستدمار الداخلي يمهد للاستدمار الخارجي، وقيمة العقل والدين".

وقرأت له كتاب "خلق المسلم"، وتطرق فيه "لأركان الإسلام ومبادىء الأخلاق، ودائرة الأخلاق تشمل الجميع، ثم لعيّنات رفيعة من الأخلاق كالحياء، والإخاء، والاتحاد، والعزة، والرحمة".

وكتاب "عقيدة المسلم"، الذي عرض فيه ما يجب على المسلم معرفته في مجال العقيدة، والابتعاد عن بعض مايسىء لعقيدة المسلم، فكان قمة في بساطة العرض وتقديم النقي من الأخلاق والعقيدة.

وكتابه "معركة المصحف في العالم الإسلامي" يتعرض فيه للهجمات التي يتعرض لها المصحف الشريف ويحذر منها بحرقة ودموع.

وقرأت له كتاب "ظلام من الغرب" ويتحدث فيه عن الثورة الجزائية ويدافع عنها بشدة ويلوم العرب والمسلمين عن تقاعسهم في نصرة الجزائر.

وكتاب "الحق المرّ" وتحدث فيه عن قضايا عامة تشغل الأمة، كقوله: "خطورة الخلافات الفرعية، ولماذا نلوم أعداءنا ولا نلوم أنفسنا؟، وتراثنا وكيف نستفيد منه؟، والويل لأمة تفقد ذاكرتها".

وكتاب "مشكلات في طريق الحياة الإسلامية" ، وتحدث عبره عن "الثقافة والتربية والأخلاق، والحاجة إلى إحياء الثقافة الذاتية، والخطورة التي تلاحق اللغة العربية، والمتاجرة بالخلاف تجارة عظمى، والتعاون في المتفق عليه، والعاملين بالإسلام لاينقصهم الحماس لكن ينقصهم عمق التجربة وحسن الفقه"، واشتريت الكتاب النفيس يومها بـ 7.98 دج.

وكتاب "كفاح دين"، وتحدث فيه عن "تحقير الإسلام في بلادنا، والمعنى الحقيقي لانتشار الإسلام، والموظف النموذجي، وتطرق للأسرة من خلال الأحوال الشخصية ومما يحاك ضدها".

وكتاب "كيف نفهم الإسلام"، وتطرق إلى بعض المساوىء التي ألحقت عمدا بالتعليم الديني، وأن من جهل الدنيا سقط فيها، وأن العقيدة صلة إلهية ومنهج إنساني، ونادى بضرورة الجماعة الإسلامية، والتجديد والاجتهاد.

وكتاب "الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر" بمناسبة مرور 15 قرنا من العام الهجري. وكتاب "الإسلام والإستبداد السياسي"، يتحدث فيه عن مساوىء الحكم المطلق، وقيمة الحرية، والتناصر في وجه الظلم.

وكتاب "ركائز الإيمان" ويركز فيه على "أن الإيمان روح وجسد، ودنيا وآخرة، وأن الإيمان ليس إيمانا بالوهم ولا إيذانا بالفوضى، وأن ثقافتنا التقليدية تحتاج إلى مراجعة".

وكتاب "هموم داعية" وتحدث فيه على أن "الدعوة علم وفن ورسالة وفهم"، وانه لا سنة من غير فقه، ثم تطرق كعادته لنماذج سيئة في فهم الإسلام أدت إلى تدهور الأمة.

وكتاب "كيف نتعامل مع القرآن"، تحدث فيه عن "حسن استثمار مرحلة الطفولة للحفظ وضرورة استمرار التواتر في المشافهة، والقرآن فتح النوافذ أمام النظر العقلي، وتدبر القرآن عاصم من السقوط الحضاري".

وكتابه "الطريق من هنا"، يتطرق فيه لقضية الأخلاق عندنا، وأن هناك خلائق مشبوهة انتشرت بين الناس دون مبالاة، والحكم الإسلامي لا ينطلق من فراغ، والأبعاد الإنسانية لخطاب الرسول في حجة الوداع".

وكتاب "علل وأدوية"، يتحدث فيه كعادته عن الأمراض الخلقية والسياسية التي أصابت المجتمعات الإسلامية وكيفية الخروج منها بفهم صادق وفقه عميق.  

السلام عليكم .. أكتب الان عن أيامي مع العالم محمد الغزالي كما استمعت وقرأت له.. وسأبوح لك الان بسر، لم أتعامل يوما مع الشيخ على أنه مصري وأظن كل الجزائريين يملكون هذه النظرة .. وحبي للشيخ الغزالي رحمة الله عليه يزداد مع الزمن ومذ كنت صبيا مولع بصوته وهدوئه.. تحياتي وغفر الله لمصر التي طردته.. سلامي للأهل والولد..

من حسنات الجزائر التي تظل تفتخر بها على الكون

إستضافتها للعالم محمد الغزالي رحمة الله عليه، ومعاملته بما يليق بالعظماء والعلماء

رحم الله الكبار ورحم الله من استضاف الكبار وعرف قدرهم.

 

معمر حبار

 

 

 

 

المقدمة: الطغاة كالأرقام القياسية، لابُدّ أن تتحطم في يومٍ من الأيام، لأنّ الحياة صراع أزلي بين الخير والشر، كان لابدّ من الطغاة والجبابرة كما وُجِدٌ الأخيار والمصلحين فيها، وهؤلاء أن أختلفت أهدافهم وأسباب فسادهم، ألا أنّهم لم يروا في البطش والدموية سوى الطريق الأمثل لتحقيق مآربهم السادية وأنحرافاتهم الشخصية والتي أبتليت بها البشرية  مثل :  الفرعون والحجاج وأبو العباس السفاح وعبدالله أبن زياد ونيرون وهيرتزل وهولاكو وهتلر وصدام،  ويظن الطغاة والمفسدون أن الشعب عبيدٌ لهم، وغاب عن بالهم أن هناك وراء الأفق أحرار وثوار جادوا بالنفس و " الجود بالنفس أقصى غاية الجودِ "  قد ضحوا بأرواحهم في سبيل الحرية الحمراء، وتحرير الأوطان، وأنهاء الأستبداد، وأن هؤلاء الثوار قد يتباينون منهم عاشوا وماتوا دون أن يتسلموا الحكم في بلادهم  أمثال : غندي وجيفارا وعبد الخالق محجوب وسلام عادل وعمر المختار، ومنهم من أستلم مقاليد الحكم في بلاده وطبق مباديء الخير وسلك مسلكاً حميداً مثل نهرو ومانديلا .

بعض ملامح شخصيّة سعيد أبن جبير / أعلمْ أنّ الكثير لايعرفونهُ، وبعضهم لا يريد أن يعرف، وسوف أكتب عن هذا الأنسان الثائر الذي وصفهُ المؤرخون بواحد من أروع الأمثلة على رقي الأنسان ونبله وهو واقفٌ كالطود الشامخ  ضد الباطل وحكام كم الأفواه من هواة لعبة السيف وسفك الدماء وعباد الكراسي والتحكم برقاب العباد تحت شعار تأليه صاحب ولي الأمر قُدس سره وهي تلك التهمة الجاهزة في قطع الأرزاق والأعناق بحججْ واهيةْ ومتهافتةٍ مشرعنة تحت ظل منطق القوّة بغياب قوّة المنطق والتي تمثلت بتلك الحقبة السوداء الدموية للحكم الأموي والتي دام ظلهُا الثقيل على العباد بسوداوية قاتمة أكثر من 170 سنة (من 41 هجري إلى 132)، بأستثناء حكم الخليفة العادل " عمر أبن عبدالعزيز " الذي لُقبَ بالفاروق الثاني ودام حكمهُ أربعين سنة، وللأسف هناك رجال أسود سرعان ما تلاشى ذكرهم عندما يموتون، وقد تموت معهم أنجازاتهم بسبب تلوث أقلام وعاظ السلاطين ببعض فايروسات الأنا، هو الثائر الشهيد  سعيد أبن جبير أبن هشام أبو محمد ويقال أبو عبدالله الأسدي الوالبي 46-95 هجري، تابعي، حبشي الأصل،عربي الولاء والأنتماء والمولد والنشأة، تقياً عالما بالدين وأحوال الناس وطبقات المجتمع وملماً بأخبار ملوك بني أمية بشمولية الفضاءات الجغرافية للدولة الأسلامية، درس العلوم عن حبر الأمة " عبدالله أبن عباس " وكذلك عبدالله أبن عمر بمكة وعن عائشة في المدينة المنورة، وعن جماعة من الصحابة منهم أبي سعيد الخدري وعدي أبن حاتم الطائي، وأبي موسى الأشعري  وعلوم النحو لمدرسة علي أبن أبي طالب في الكوفة، وسمي بجهبذ العلماء، ودرس الثورة الحسينية في كربلاء من جوانبها الأنسانية التحررية بشكلٍ دقيق وعميق، ونشر العلم في كل زمكنة ترحاله والتحريض على الرفض وأستهجان أستبداد الخليفة الأموي عبد الملك أبن مروان ومساعده الحجاج الذي هو أكثر ملكية من الملك كما يقال في التأريخ، فأشتهر أسمهُ وعلمهُ وشخصنتهُ، وفي فلسفته السياسية (أن الظلم لو دام دمّرْ، وأن الأمويين وجميع خلفائهم خارجين عن جادة الحق، مستعبدين العباد، ناكرين ما أنزل اللهُ من قيمٍ في كتابه " أن الأنسان خليفة الله محرّمٌ أسترقاقهُ وأستعبادُه، رافعاً شعار " لا تعثوا في الأرض فسادا "وهو ذلك التابعي الحبشي الذي علّم العرب والعجم، وهو الرحالة الذي نذر نفسهُ وحياتهُ لتهذيب طباع البشر، وتقليم أظافر الطغاة، وهو الثائر الحقيقي الذي قال (لا) لطاغية العصر والتأريخ "الحجاج أبن يوسف الثقفي"  وقد ذكرهُ المؤرخون بأن سعيد أبن جبير كان يحرض الناس وينصحهم بمخالفة الحجاج وفضح ظلمهِ وبطشهِ والوقوف في وجههِ حتى تفاعل بعض الناس معهُ .

وقرر الحجاج قتلهُ والتخلص من فتنتهِ، وقد عينهُ على نفقانت الجند حين بعثهُ مع " عبدالرحمن أبن الأشعث " لقتال ملك الترك، وثار أبن الأشعث وأعلن العصيان على الحجاج وخلع الخليفة عبدالملك أبن مروان وكان سعيد من المؤيدين والمبايعين لهذه الثورة  فهاجر متخفياً لعدة سنوات في الأمصار وكان آخرها مكة حيث شاءت الأقدار أن يُعينْ خالد القسري والياً على مكة وهو من أشد أعوان الحجاج فظفر به وأرسله مخفوراً مقيّداً إلى الحجاج في الكوفة، فأمر بقطع رقبته، ودُفن في واسط (قضاء الحي) اليوم .

من هو قاتلهُ؟ : قتله صبراً  أي أمر بضرب عنقهِ الحجاج أبن يوسف الثقفي 40- 95 هجري سنة 94 هجريه  وكان بعمر 49 سنة،وهو قائد أسىلامي في العهد الأموي في ظل حكم الخليفة عبدالملك ابن مروان، داهيه، سفاك، خطيب مفوّه، ولد ونشأ في الطائف، وأنتقل إلى الشام ليلحق في خدمة عبدالملك ابن مروان، أشتغل في ديوان الحسبة حتى رُقي إلى تقليد أمر العسكر قاتل عبدالله أبن الزبير وهدم الكعبة بالمنجنيق وصلب أبن الزبير، وأستباح المدينة وأشعل النار فيها ، وقمع ثورات الكوفة بأفراط شديد فكان سفاكاً سفاحاً للدماء، أرتبط أسمهُ بالبطش والقسوّة، وخاطب أهل العراق بخطبة سياسية نارية شديدة ومليئة بالقسوة والتهديد ليملآ قلوب الناس خوفاً ورعباً منها {أن أمير المؤمنين رمى كنانتهُ وأختار أصلب عودٍ منها ورماني بكم، وأيم الله لألحونّكم لحو العود، ولأقرعنكم قرع المروة، ولأضربنكم ضرب غرائب الأبل ---}، ومات الحجاج بعد سنة من غدر سعيد أبن جبير بلسعة حشرة صغيرة وهي كافية لتفاهة نهايات الجبابرة، التأريخ لايرحم من هو بطل الأمس فهو متهم اليوم، أما أحرار الأمس فهم أبطال اليوم مسجلين كأرقامٍ مضيئة في أرشيف الذاكرة الأممية وحاضرتها الأنسانية .

 

عبد الجبارنوري - كاتب وباحث عراقي مغترب 

.....................

الهوامش والمصادر

*السيوطي – طبقات المفسرين

*العسقلاني – الأصابة في معرفة الصحابة

* أبن كثير – البداية والنهاية ج9 

 

 

 

 

بعد تخرجي من كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة البصرة 82-83، كانت الحرب العراقية – الإيرانية في بدايتها، تم سوقنا للخدمة العسكرية كخريجين الى كلية الضباط الإحتياط، وفشلت في الفحص الأمني لأننا من عوائل المجرمين!! في مفهوم نظام البعث "لإعدام أخي الكبير الشهيد صبري شامخ من قبل النظام الصدامي"، فرجعت من بغداد بمكتوب رسمي أحالني الى مدرسة ضباط الصف في قضاء المحاويل – محافظة بابل، وسط العراق .

...............

في معسكر المحاويل يتلقى المتدرب دروسا في الحياة العسكرية الخشنة على كافة المستويات، ومنها طبعا مهارات استخدام السلاح الذي ينسّب إليه، فكان نصيبي الخدمة في سلاح المدفعية، وبعد الإنتهاء من فترة التدريب القصيرة، لابد من اجتياز الإمتحان النهائي في الرمي بالعتاد الحي- الذخيرة الحيّة-، وبعدها نذهب الى مرحلة تدعى " معين جبهة " أي أن نكون جاهزين للذهاب الى جبهات القتال الفعلية .

وكان من حسن حظي أن أكون في إجازة دورية تعرضت خلالها الى حادث دهس من قبل دراجة نارية تسبّب في كسر يدي اليمني، وأحالوني لمستشفى البصرة العسكري وتم تجبيس يدي ومنحي اجازة 30 يوما، وكان هذا حلماً بعيد المنال حقا في تلك الأيام العصيبة على الجنود العراقيين في التمتع ببضعة أيام في الشهر وربما في الشهرين وهم يرابطون على الثغور والموت زائرهم اليومي، سيما وانها تصادفت مع أعياد الميلاد في تلك السنة .

..............

بعد انتهاء إجازتي المديدة، التحقت بمعسكر المحاويل وصادف ان دورتي قد تخرجت وهي في طابور الانتظار للالتحاق بجبهات القتال أو ما يسمى في المصطلح المصطلح "معين جبهة "، ووفقا للقانون العسكري، علي ّأن أنتظم في دورة أخرى لأكمل متطلبات التدريب الكاملة، وكان لي هذا، ولعل هذا التأخير ساهم في اعطائي جرعة حياة مضافة لأن أبناء دورتي تناهبهم الموت والعوق والكآبة وغيرها من أمراض الحياة العراقية المشحونة بالحرب والموت .

وتم إلحاقي بدورة أخرى – حقا كان النظام قويا، دقيقا، عاتيا – حتى صرنا نبتكر العذر لأحلامنا من الهذيان للإنخراط في الحشد المساق الى محرقة الحرب.

.................

 في أيام الدورة الجديدة تعرفت على اصدقاء جدد، نلوك احلامنا في قاعات المنام بعد ارهاق وبطش ساحات التدريب ونزق العرفاء قبل الضباط

ولأني نزق وحالم أكثر، فقد خرجت من بيت الطاعة العسكرية وتغيبت يوما عن الفروض، فكان عقابي الحبس لمدة خمسة أيام وقطع راتب بدنانير معدودات، فساقنا رئيس عرفاء الوحدة كشياه للذبح وادخلونا في سجن لم أره قط في حياتي،وجوه بسحنات صفر واحلام صفراء، ورغبة في إمتلاك القادم الجديد، وربما لأن زملائي في الكلية انهوا دورة الضباط الإحتياط في بغداد والتحقوا بمعسكر المحاويل للذهاب للموت أيضا، فلا فرق بين ضابط وجندي، ومن حسن حظي ايضا ان زملائي الضباط الجدد كانوا يحيونني من خلف جدار السجن وهم يذهبون الى مدينة الحلة عصرا بعد انتهاء دوامهم،، فأطلق علي صاحب السجن "صديق الضباط المجندين"، وهذا لقب اضاف لي حصانة ما، إذ صرت أخرج من السجن صباحا كجندي شغل لرمي القمامة خارج المعسكر هناك، يا للهول . لقد رأيت نساءً ورجالاً وأطفالأً وهم يتسابقون الاستحواذ على قمامة المعسكر، ونحن بلد البترول والثروات والحروب بإمتياز !!!

................

وعند عودتي من غزوة القمامة، وجدت جنديا جديدا يقاربني مكانيا، اسمر البشرة، باسم الثغر، متفكرا مع حزن شفيف على محياه.

 كان الحوار سبقنا الينا، ونحن نشعر بالغربة في جو السجون والسجناء .

أنا وديع شامخ ..... مددت يدي اليه .

 أهلا وديع؟؟

أنا سعد صلاح خالص؟

 صلاح خالص؟؟

نعم وامك سعاد محمد خضير

.. بشرفي أنا، واخرجَ هوية الأحوال المدنية ليثبت صحه اقواله .

نسيت السجن والسجان، وانتميت لسعد .

...................

"الثقافة الجديدة" وصلاح خالص وتاريخ عراقي حافل بالسجون والتضحيات، كله مر أمامنا ونحن نجلس في حانة بغدادية - سعد وأنا –، وبعد انتهاء الضيافة اخرج سعد هديته لي " وتريات النواب "

يا الله .. مظفر النواب في جبتي .

لكن المأزق اننا نلتحق بوحدتنا في معسكر المحاويل بعد سهرتنا في بغداد، كيف لي أن ادخل " وتريات النواب" الى المعسكر ؟؟

لقد استنجدت بالاصدقاء كي يساهموا في حمل الاوراق، دون جدوى، لم أكن بطلا تماما، كنت ثملاً حقا، فدخلت النواب حول ضلوعي بطريقة ماكرة، لأن ُ الوتريات كانت عبارة عن كتاب باورق منسوخة، لم يجازف احد من اصدقائي على حمل جزء منها .

ونجحت بطريقة عجائبية بتخطي كل السيطرات واخطرها سيطرة باب النظام وتفتيشها الدقيق .

.................

ومثل الحمل السري، حملت "وتريات النواب" لأبشر بها يوم كان الوطن محض سجن .

وخرجت بها للنور متخطيا ملاعب الموت وعزلة الكائنات.

 ومن غريب الأمور انها وصلت للصديق ناصر هاشم" الآن هو الدكتور ناصر هاشم عميد كلية الفنون الجميلة في البصرة " ومنها للصديق كاظم عاشور " وهو مدرس في محافظة كربلاء "..

 لقد وعدنا كاظم بأن الوتريات في جب عميق لا يصله الجن الازرق آنذاك ..وها هو النواب ووترياته وكل الممنوع السابق رائج في الاسواق بعد زوال الديكتاتورية ووحشيتها . شكرا للشاعر مظفر النواب وهو الصارخ في وحشة الأيام السوداء، وشكرا لسعد صلاح خالص على هذا التذكار .

 

 

بتاريخ 23 جانفي 2017، تتصل بي المذيعة المصرية تهاني عليمي Tota Nada، وتطلب مني أن أجري معها حوارا حول بوضياف عبر إذاعة صوت القاهرة التي تعمل بها كمقدمة برامج بدرجة مدير عام، فاعتذرت بلطف وأدب واقترحت أستاذين جزائريين كما هو مذكور في صفحتها الصفحة الرسمية للاعلامية تهاني عليمي، https://www.facbook.com/tahanialami/?notif_t=page_user_activity&notif_id=1486762826594629&__mref=message_bubble.

أٌقول حينها " حديثك هذا سيدفعني إلى الكتابة عن أثر المذياع في طفولتي إلى اليوم، وسأخبرك أنه رغم تطور وسائل الاتصال إلا أن عشقي للمذياع لم ولن ينقطع"، فتعجب بالفكرة ما دفعها أن تذكّره من جديد وتقول له " أنا مازلت بانتظار حديثكم عن شجن الراديو". وبعد أن أنهيت قراءة بعض الكتب المبرمجة للقراءة، كان هذا الوعد وهذا الحنين للمذياع..

كان الطفل قبل زلزال الأصنام 10 أكتوبر 1980، يواظب وبشدة على متابعة الشيخ الحاج كتو رحمة الله عليه وهو يقدم حديث الصباح عبر الإذاعة الجزائرية على الساعة السادسة صباحا فيما أتذكر. أعانق المذياع لأسمع باهتمام بالغ للفطرة السليمة الصافية حين يتحدث عن الصدق، والوفاء، والأمانة، والإخلاص، وطاعة الوالدين، والتسامح، وصفاء الصدور، واحترام الجار، والتنافس في تقديم المعروف، واحترام الوقت، وحب النظافة. وما زال الطفل يفخر بكونه تربى على ذلك الصفاء والنقاء والطهر والعلو، خاصة وأن الشيخ كتو كان حلو اللسان وسهل البيان، وكان الطفل ينقل من حين لآخر للوالدين رحمة الله عليهما ما سمعه من الشيخ ، لأن لغته البسيطة الصافية تجعل الجميع يعجب ويتأثر بما يقول، ورحم الله الشيخ المربي الحاج كتو.

ودائما في مرحلة الطفولة حيث كان الشاعر الأديب محمد الأخضر السائحي رحمة الله عليه وعبر الإذاعة الجزائرية يقدم في منتصف النهار حصة في حدود 5 دقائق يعرض عبرها قصة مستوحاة عادة من التراث ويدعمها بآية أو حديث نبوي شريف أو بيت من الشعر وقد كان كثير الاستشهاد بالشعر، ثم يختم كلامه النفيس بحكمة نفيسة حول الصدق، والوفاء، والمروءة، والنخوة، والأخوة وغيرها من الفضائل السامية  العالية. ومما جعل لهذه الحصة رسوخا بالإضافة إلى فضائلها أن إخوتي الكبار كانوا يتابعونها لأنها تتزامن مع خروجهم من العمل وتناول وجبة الغداء، وكان الكل ينتظر نهاية القصة التي يوردها الأديب السائحي بأسلوب شيق فريد يجعل السامع يتابع باهتمام وينتظر النهاية بشوق، ورحم الله شاعر الجزائر وأديبها ومربي الأجيال محمد الأخضر السائحي.

والمقام يستوجب التذكير أن الأسرة الطويلة العريضة كانت تتقاسم مذياعا واحدا، ولعلّ هذه الندرة هي التي زادت من مكانة المذياع يومها.

وفي المرحلة المتوسطة والثانوية أصبح المذياع مصدر معلومات للتلميذ، خاصة فيما يتعلق بقضايا النفط، والمديونية، والدول العربية، وإحصاءات تخص مؤشرات الجزائر وغيرها من الدول، بالإضافة إلى الصحافة الجزائرية المنحصرة يومها في جريدتي "الشعب" و"EL-MOUDJAHID"، وقد استطاع التلميذ أن يكوّن رصيدا من المعلومات الجديدة حول قضايا وطنية ودولية كان يستعملها في الإجابة على بعض الأسئلة التي كانت تطرح في الاختبارات والمناقشة في القسم ، وعلى رأس هذه المواد مادة الجغرافيا التي تعتمد على الجديد، والتي كان يتقنها التلميذ جيدا، وأعجب به أساتذة التاريخ والجغرافيا أيما إعجاب.

ومما ظل عالقا بالذاكرة ويزداد رسوخا مع الأيام تلك اللحظات الجميلة التي سبقت إعلان نتائج شهادة البكالويا عبر المذياع في جوان 1986، حيث كانت النتائج تعلن يومها عبر المذياع، وكنت يومها منهمكا في إصلاح المذياع القديم إذ بالجيران يقتحمون البيت جماعات وزرافات يبشرونني ويبشرون أمي رحمة الله عليها بنجاحي في شهادة البكالوريا لأنهم سمعوا إسمي عبر المذياع.

وفي فترة الجامعة وقبل أحداث أكتوبر 1988، كان الطالب الجامعي يتابع حصة "A CŒUR OUVERT" أي القلب المفتوح، عبر الإذاعة الجزائرية الثالثة الناطقة باللغة الفرنسية، وكانت تقدمها الإعلامية القديرة نادية بوطالب، حيث كانت متمكنة جدا في استعمال اللغة الفرنسية، ومساعدة بعض المستمعين في تجاوز عقبة اللغة، والاستماع للجميع، وعدم مقاطعة أحد من المتدخلين، وكانت الحصة بحق تعبّر وبصدق عن مستوى الحرية الذي تميّزت به الجزائر قبل أحداث 1988، وتعتبر مقارنة بالأوضاع السياسية التي كانت تمر بها الجزائر عنيفة جدا. و كانت تبث الحصة ليلا، ولا داعي التذكير بأن سحر الليل عند الشاب لا يقاوم.

ومن الحصص التي كنت أتابعها عبر إذاعة وهران المحلية للأستاذ المؤرخ يحي بوعزيز رحمة الله عليه، حيث كان يستعرض تاريخ الجزائر بصوت جهوري  ينم عن حيوية ونشاط وصدق، وكنت أنتظر بلهفة شديدة حصته خاصة وأنها تقدم في حدود الثالثة صباحا فيما أتذكر، والحصة ثرية دسمة وتعد مرجعا للمهتم بالتاريخ بشكل عام وبالتاريخ الجزائري بشكل خاص، وكم أتمنى أن تنقل في كتاب يستفيد منها الجميع، ورحم الله الأستاذ المؤرخ يحي بوعزيز.

وأتذكر جيدا أن من الأعمال الأولى التي قمت بها حين دخلت الجامعة أني اشتريت مذياعا من سوق الحراش وكان قديما وأحمر اللون يناسب قدم الجيب وضعف اليد حينها، لكن ظلّ يؤنس وحدتي ليلا، ورفيقي في المراجعة، ومصدر معلوماتي في عدة مواضيع، ومخففا لآهات الطالب الأعزب.

كانت يومها حصة "سينراما" ، تبث من إذاعة قسنطينة ويقدمها إعلامي متمكن في عالم السينما والثقافة والأدب، وكان يستضيف شخصيات جزائرية وعربية، وما كان يشدني هو لغته البسيطة التي يفهما الجميع، وإتقانه لعالم الفن والمسرح والسينما، حيث كان يتفوق في المعلومة والأداء على الشخصيات التي كان يستضيفها جزائرية أو عربية أو غربية.

وطيلة الدراسة في الجامعة ظل الطالب مع المذياع يتخذه رفيقا ومؤنسا، ينتقل من  إذاعة إلى إذاعة، جزائرية كانت أو عربية أو أجنبية. فهذه إذاعة BBC بأخبارها العالمية وحصصها الثقافية المتنوعة وبأداء يجلب النفوس. وزاد عشقي وتشبثي بالمذياع بعدما زارنا ونحن طلبة في الجامعة مدير إذاعة  BBCوألقى محاضرة حول الإعلام بصوت مازال يدغدغ الأذن وأداء يلفت يأسر النفس رغم مرور ثلاثة عقود على الصوت الساحر والأداء، وضف لها إذاعة روسيا، وألمانيا ، وإذاعات من أروبا الشرقية يومها حيث كنت أتابع ما يجري في الشرق الأوربي، وبعض إذاعات أوربا الغربية يومها قبل سقوط جدار برلين، واستطاع السامع أن يسمع للجميع ويقارن بما يملك ويقدر. وما يجب ذكره في هذا المقام أن إذاعة روسيا وإذاعات أوربا الشرقية كانت لا تستعين بالمذيعين العرب بل يبذلون جهودا جبارة لتعلم اللغة العربية وينطقونها بسلاسة ويسر ويستعملونها في أحاديثهم اليومية وضمن مواضيع صعبة شائكة وطيلة مدة تتبعي لها التي وصلت الان إلى أربعة عقود لا أتذكر يوما أن المذيع الروسي ومذيع أوربا الشرقية إستعان بكلمة أجنبية محلية أو دولية للزيادة في الشرح والتوضيح.

ومن الإذاعات التي كان يتابعها المستمع هي الإذاعات الفرنسية المختلفة من حين لآخر لكنه كان يتابع باستمرار وباهتمام إذاعة فرنسا الدولية RFI، ليقف بنفسه وعلى المباشر على رأي وموقف فرنسا تجاه الجزائر. ومن الحصص التي ما زال يذكرها الشاب يومها حصة لعالم فرنسي متخصص جدا في التربية الجنسية، فقد كان يجيب على أسئلة المستمعين من نساء ورجال حول مشاكل تعتريهم ورغبات يسعون لتحقيقها، فيطمئن الجميع ويقدم نصائح علمية واقعية تسعد الزوج وزوجه. ومن الأمور التي مازلت أتذكرها وأنا الآن أب لأربعة أطفال، أن مشاكل العلاقات الزوجية بين الأزواج تعود لما عاشه الطفل في الصغر وتحل المشكلة بالرجوع إلى الطفولة ، لأنه من أخفى طفولته فقد ضاع وضيّع حقوق من معه، وقد قرأت فيما بعد للعالم المختص كتابه "La Sexualité Féminine".

وظهرت حينها إذاعة البحر الأبيض المتوسط MD1 وهي إذاعة مغربية موجهة خصيصا للجزائر وأنشئت لأجل الجزائر، وامتازت الإذاعة بصفاء الصوت ووضوحه، والتحدث عن كل صغيرة وكبيرة تقع في الجزائر، ومتابعة من طرف عدد كبير جدا من الجزائريين بمختلف مستوياتهم العلمية والاجتماعية، ناهيك عن التشابه الكبير بين المغرب والجزائر، خاصة وأن الإذاعة كانت تنقل أغاني مغربية أشتهرت في الجزائر فأحيت الإذاعة الحنين إلى ذلك النوع التقليدي الذي يجمع الشعبين والجارين، لكن عمر هذه الإذاعة لم يدم طويلا خاصة بعد دخول الجزائر عالم تعدد الصحف والمنابر الإعلامية، فنسيها الجميع لأن ما كانت تقدمه أصبحت وسائل الإعلام الجزائرية تعرضه بنفسها على مجتمعها.

ومن النوادر التي ظلت عالقة بالمذياع حادثة سرقة المذياع وأنا طالب في السنة الرابعة من الجامعة حين تعّرضت غرفتي بحي بن عكنون للسرقة فجرا وأنا عائد من صلاة الفجر، وكان المذياع  الثاني الذي إشتريته يحمل شريط تعلم اللغة الإنجليزية.

ومازال الحنين إلى المذياع رغم تطور وسائل الاتصال بشكل سريع وملفت، فهو يتابع الان المذياع عبر سيارته خاصة إذاعة الشلف المحلية وإذاعة غليزان التي يعتمد عليها كثيرا فيما يخص الفقهاء المتمكنين، والسيد الدرقاوي للدررالنادرة بشأن إستعمال الطريق، ونصائح الطبيب عياد، والمكلف بالتغذية، والقائم على الشعر الشعبي الملحون، وحصة الحكم الخاصة بالحكم الجزائرية الشعبية، والحصة الخاصة بأعلام الجزائر والمنطقة. أما إذاعة الشلف فما زلت أتابعها بمفردي أو رفقة الأهل والأولاد، وأتابع خاصة وباهتمام بالغ فتاوى الإمام الفقيه سي يوسف العجري والإمام الفقيه خلوفي من بوزغاية، وبعض الحصص العامة كالنصائح الخاصة بالطرقات وكذا الفلاحة، وأخبار المنطقة وما جاورها، لكن تبقى إذاعة غليزان أفضل بكثير من إذاعة الشلف وإذاعة العاصمة، ومرد ذلك أن إذاعة غليزان يدخلها المتمكن في اللغة والاختصاص، وتخاطب مستمعيها بلغة عربية سليمة بسيطة يفهما الجميع.

وأعترف وبفخر واعتزاز أن إخواننا الأعزاء من لبنان، وسورية، والعراق، وفلسطين، كان لهم الأثر في عشق المذياع بما يملكون من عذوبة الصوت وحسن الأداء، سواء تعلق الأمر بالتمثيليات التاريخية التي كانت تقدم بأداء ساحر، أو الأغاني العربية الأصيلة وتؤدى بصوت وأداء مميز، أو بعض الصحفيين الذين ملكوا الأنفس.

ولا أنسى في الأخير أن طفولتي كان على وقع متابعة الحصة التي كانت تقدم يوميا ومن الجزائر وعبر المذياع الجزائري من طرف صوت فلسطين، وكانوا بحق أصواتا من السماء تزلزل الأركان بما يقدمونه من أغاني ثورية نارية، وأشعار خالدة، وطريقة الإلقاء التي يتمنى المرء لو نقلها العرب من إخواننا الفلسطينيين، لكن الحصة التي دامت سنوات أظنها توقفت بعد إعلان الدولة الفلسطينية بالجزائر في أواخر الثمانينات فيما أتذكر.

وتحية تقدير لكل من دفع صاحب الأسطر لاستحضار ماضيه عبر أثير المذياع. 

معمر حبار

 

يبقى هاجس الكتابة عن المدن محفوفاً بالخوف والتردد والشعور بالتقصير أزاء ماقدمته من عطاء باذخ عبر سنوات نشأتها وبزوغها كوجود قائم، حيث لابد ان تعيش هذا الهاجس وانت تشرع بالكتابة عن مدينة مثل " الديوانية " المدينة الفراتية التي عرُفت بإرثها الثقافي والاجتماعي والوطني، حيث قدمت للحركة الوطنية ولمسيرة الابداع العراقي عبر أجيال متعددة أسماء مهمة ومؤثرة، وماتزال الى اليوم ترفد الساحة العراقية بعطائها المتميز في الحقول الانسانية والمعرفية.

وقد شاركني هاجس التردد في الكتابة عنها ابن المدينة القاص "زعيم الطائي" عندما كتب عنها واصفا اياها بـ " نرجسة القلب الضائعة " حيث يقول (أجلس الان بعد انتهاء نصف قرن مترددا ً في الكتابة عنها، يتملكني الشك في أن اتمكن من استعادة عبء تلك الحوادث والمشاهد والرؤى التي تقلبت في ذاكرتي مع عجلة سحق الأيام .. وسأكتشف لأول مرة ان الزمن لايجري وفق أية قاعدة، أو كأنني أطل على مدينتي من وراء الزمن، فهذه المدينة ليس لها واقع جغرافي حقيقي، بل ان واقعها الحقيقي ليس مهما البتة، فما يعتبر ممكنا هو نسبية وجودها في الممكن دون ان تكون لوجودها شواهد كثيرة او ارتباطات او دلالات على ذلك الوجود المنزلق نحو زاوية العدم والغياب)، كما ويذكر ابنها الآخر القاضي والكاتب زهير كاظم عبود ان اسباب اصدار كتابه (أوراق من ذاكرة مدينة الديوانية) تعود الى (ان احدا لم يلتفت الى روحها التي يعرفها من ذاق طعم أيامها، وملأ رئتيه بعبق أريجها وحرارة أيام قيظها وامتلأ صدره بترابها وعاش في أزقتها ومحلاتها الشعبية وتعايش مع شخصياتها) .

قد تكون طبيعة الحياة الاجتماعية التي عاشتها هذه المدينة في عقود مضت والقائمة على الطيبة والتسامح و التآخي التي سادت بين مكوناتها الاجتماعية والدينية والمذهبية هي وراء حالة الاستقرار الذي يعد عاملا اساسيا في انعاش مظاهرحياة المدن ثقافيا واجتماعيا ً.

لقد نالت الأمكنة في هذه المدينة اهتماماً ومساحة كبيرين في كتابات الباحثين والمؤرخين لما شكلته من اسهام واسع في الفاعلية الاجتماعية، ودلالة غائرة في إرث المدينة وذاكرتها، بعض هذه الأمكنة ظل حاضرا في الذاكرة الشعبية كيانا او مسرحا للغريب والعديد من القصص والبعض الآخر وبفعل تقادم الزمن ومتطلبات الحياة الجديدة لم يعد لها وجود الاّ في ذاكرة الشيوخ وأحاديث العجائز والقليل منها مازال يقاوم عوامل التغيير بقوى منهكة .

تقول ذاكرة الباحث المحامي " حسين علي الحاج حسن " (انه بين الأعوام 1802 ــ 1830 م برزت الديوانية كبلدة ذات سور يمتد من ضفة الفرات شمالا في موضع هو اليوم بناية مديرية التربية في الديوانية ليمتد شرقا في نصف دائرة تتوسطها بوابة هي باب الدغارة، في موضع هو الان في اخر سوق التجار الكبير ثم ينعطف نحوالجنوب الشرقي لينتهي عند النهر في موضع مستشفى الجمهوري القديم) ويذكر هذا الباحث بعض الحوادث المهمة في تاريخ المدينة فيقول (ان اول جسر انشيء فيها عام 1818 في عهد الوالي داود باشا على يد خادمه المسمى " صالح الكردي "  حيث نصب جسرا خشبيا في نفس الموضع الذي يقوم عليه الان الجسر القريب من بناية المحافظة وقد نصبه نجار من أهل الحلة يدعى " ادريس " وظل هذا الجسر يسمى باسمه حتى زواله في العشرينات حين أقام الميجر " ديلي " عام 1917جسرا جديدا مجاور مدرسة الرشدية هو الجسر الان المؤدي الان الى شارع الصيادلة وقد سمي باسم جسر ديلي) كما يؤرخ للتعليم في هذه المدينة فيثبت انها شهدت عام 1899م بناء أول مدرسة ابتدائية اسمها " الرشدية " التي ظلت بنايتها قائمة الى عام 1940(انشأها العثمانيون وموقعها على النهر وكان من مدرسيها السيد هاشم النبوي، ومن طلبتها الحاج احمد الاسدي وعبد الحميد الحاج حسن والحاج حسين العبدلله وناجي الصالح) . ويؤرخ الباحث لبداية حركة المدنية وظهور الصناعة والتكنولوجيا في هذه المدينة من خلال ظهور أول سيارة في شوارعها تلك التي حملت برنو باشا ــ قائد الجيش العثماني ــ الذي َقدِمَ الى الديوانية لتفقد الجيش العثماني فيها حيث  يذكر حادثة رافقت هذا الحدث التاريخي تؤرخ لواحدة من محاولات المدينة مقاومة ورفض وجود الاجنبي على أرضها (ولدى حضور القائد العثماني الحفل الذي أقيم لاستقباله من قبل الأهالي تقدم شخص يرتدي " زويني" ممزق بالغ الرثاثة وهو يحمل " بشتاوة " صّوبها نحو صدر القائد العثماني وهو يصيح لاحكم الا لله ثم اطلق النار عليه غير انه لم يصب بأذى وسيق الفاعل الى محكمة عسكرية شكلت فورا ً، غير ان المحكمة التي رأسها ضابط عثماني يدعى " عبدالله جدوع " برّأت ساحة المتهم لعدم مسؤوليته الجنائية بعد ثبوت جنونه)، للديوانية أيضا تاريخ في صناعة واستعمال الاختام التي كان يستخدمها الناس في التواقيع على العقود والوثائق فكان أقدم ختم صنعه المدعو " بشتي حسين" عام 1862 م إضافة الى اجادته الخط وكتابة الشعر حيث اتخذ له محلاً لصناعة الاختام عند مدخل السوق الكبير حاليا . كانت أيضا سباقة في دعمها وترويجها للفنون فقد شهدت عام 1936 انشاء أول دار للسينما هي سينما " فؤاد "  انشأها السيد عبد المجيد السيد صالح فؤاد في الجانب الغربي من المدينة قريب من مدخل الفرقة العسكرية وبقيت بنايتها قائمة حتى السبعينيات ومن الطريف يذكر الباحث الحاج حسن انه ( ند قدوم الوصي على عرش العراق في شهر مايس من عام 1941 الى الديوانية هارباً من مضايقات الكيلاني وضباطه المؤيدين له واتخذ من دار قائد الفرقة عبد الهادي الراوي مقرا له، رفعت سينما "فؤاد" لافتة كتب عليها بيت الشعر التالي:

      رفعت أعلام بشرى    سينما آل فؤاد

      ياوصي العرش أهلاً    بك في هذي البلاد)

وعن حياتها الاجتماعية، فقد ضربت المدينة مثالاً رائعا في التعايش والتآخي والتسامح وثقافة قبول الآخر بين مكوناتها المتعددة حيث عاشت في خمسينيات القرن الماضي حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي بسبب الإلفة التي سادت بين هذه المكونات دون تعصب حيث جمعتها قيم الايثار والعفو والاحسان دون تفريق بين دين او مذهب أو قومية وفي هذا الحقل يذكر القاضي زهير كاظم عبود في كتابه " أوراق ... " حادث وقع أيام حملة تهجير اليهود من العراق مطلع خمسينيات القرن الماضي يقول (عندما قام أحد يهود الديوانية بطرق باب جاره المسلم الفقير واخبره بأن كل ممتلكاته سيصادرها النظام الذي أمر بتهجيره ورجاه أن يأخذ منه وعن طيب خاطر أثمن مالديه من نفائس، راح المسلم يلطم على رأسه ويقول " إذا خسرتك شلي بالمال " ففضل الفقر النبيل على الثراء بنذالة) كما كان لليهود مكان للعبادة " التوراة " يقع في نهاية سوق التجار وكذلك مقبرة ظلا شاهدين على روح التسامح التي كانت عليه الديوانية الى ان تم هدمهما وازالتهما عام 1970، وشواهد كثيرة تكشف عن طيبة هذه المدينة التي عاشت في محلاتها العوائل من مختلف الديانات لحمة واحدة لم يفرقهم دين أو مذهب حيث يحدثنا الكبار ان جارتنا المندائية كانت تنادي وراء ولدها عند ذهابه لقضاء اعماله (محروس بالله وعلي بن ابي طالب) وترش الماء عند عتبة الدار مثلما تفعل جارتها المسلمة، كما تذكر الروائية " انعام كجه جي " في روايتها الاخيرة " طشاري " جانبا من واقع الديوانية الاجتماعي حيث أرخت في هذه الرواية لسنوات من حياة عمتها ابنة الموصل الدكتورة المسيحية الشهيرة " ماهي كجه جي " التي قدمت الى الديوانية في منتصف خمسينيات القرن الماضي ولم تصدق انها سوف تبقى فيها اكثر من ستة أشهر وذلك لشدة فقرها وشعبيتها ولكنها بمرور الزمن أحبت ناسها وشاركتهم افراحهم واتراحهم أحبتهم وأحبوها وعاشت هذه المسيحية في مجتمع مسلم معززة مكرمة، وكانت سنوات الدكتورة " ماهي " في الديوانية  هي عماد الرواية المذكورة . وشاهد آخر على تعايش ابنائها بمختلف مذاهبهم هو جامع " ابناء العامة " الذي مايزال قائما الى اليوم يشمخ بمنائره وسط محلة شعبية يمثل مجتمعها المذهب الآخر،بهذا الخلق وبهذه الروح النبيلة ردم الديوانيون الهوة بين مكونات المدينة وانقذوها من الأحقاد والصراعات والشد في العلاقات الاجتماعية .

بالتأكيد ان هذه السطور لايمكن لها ان تلم بكل ماشهدته المدينة من شخصيات وحوادث وأمكنة كان لها الاثر في بلورة هوية تميزت بالطيبة والعطاء والتسامح .

 

ثامر الحاج امين

 

 

لم يدع الصحافي والكاتب أحمد عبد المجيد اللّحظة تفلت من بين يديه إلاّ ويؤرّخها. هكذا فعل حين اقترب موعد الذكرى الأربعين لتأسيس "اتحاد الحقوقيين العرب"، أوَليس الصحافي مؤرخ اللحظة حسب تعبير ألبير كامو؟ لذلك بادر إلى تأليف كتاب ليقدّمه هديّة لشبيب المالكي بهذه المناسبة ومن خلاله للحقوقيين العرب، حيث كان بعضهم قد رافق مسيرة الاتحاد طيلة العقود الأربعة الماضية ومن بينهم رئيس الوزراء اليمني الأسبق محسن العيني والوزير المصري المخضرم مفيد شهاب، وكان الاتحاد قد تأسّس في العام 1975 في بغداد التي أصبحت مقرّاً له لغاية الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، حيث دوهمت مقرّاته وتم الاستيلاء على البناية التي يملكها، وبصفة مؤقتة انتقل مقرّ الاتحاد إلى الشام، وفيما بعد إلى عمّان لحين تسوية المتعلّقات التي تخصه وانعقاد مؤتمره العام.

الشهادة التي كتبها أحمد عبد المجيد هي ليست انطباعات شخصية عن أمينه العام شبيب المالكي، بل هي سيرة مرافقة لمنجزه الإداري والحقوقي، إضافة إلى منجز الاتحاد، حيث يبدأ معه منذ أن كان متصرّفاً (محافظاً) لكربلاء التي كانت تضم حينها النجف والكوفة، في حين كان أحمد عبد المجيد طالباً، ثم في بداية خطواته الأولى في الإعلام التي اجتازها بمثابرة وجهد وعناء وليس دون خسائر، ليصبح أحد الإعلاميين المتميّزين والبارزين.

- I -

ينحدر شبيب المالكي من البصرة ثغر العراق الباسم (المدينة التي لا تزال منكوبة منذ الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980 وإلى اليوم)، وكان قد جاء إلى الإدارة من خلفية سياسية وثقافية وبعد تجارب عديدة ومريرة، ليحتل منصباً إدارياً رفيعاً في محافظة ليس من السهل قيادها، خصوصاً وأن البيئة التي عمل فيها لم تكن صالحة، ناهيك عن ردود فعل سياسية بشأن الوضع الجديد (الانقلاب العسكري في 17/ تموز/ يوليو/ 1968)، فضلاً عن أن المدينة في جزء منها له طابع ديني شديد الحساسية، الأمر الذي يحتاج معه إلى مرونة وحكمة وبُعد نظر عند التعامل مع أهلها والقادمين إليها من الزوّار في مناسبات دينية مختلفة. ولعلّ الإصرار على النجاح وتحدّي الصعاب وتذليل العقبات هي التي كانت الشغل الشاغل للشاب البصري الأنيق كما يقول عبد المجيد.

ولكي يبعد عبد المجيد عن نفسه الانحياز في سردية المنجز الثقافي والإعلامي والتنموي، فإنه يحيل المسألة إلى أن الكثير من أبناء جيله الذين يشاطرونه مثل هذه الانطباعات التي هي ليست ملفاً شخصياً كما يقول في مقدمة الكراس الذي ألّفه والذي هو بعنوان: "شبيب المالكي - رحلة الكفاح والنجاح: شهادة صحفية عمرها أربعة عقود ونيّف" (إصدار شركة الأنس للطباعة، بغداد، 2016)، وإنما هي إقرار واعتراف يعدّ ضرورة في زمن الجحود والتنكّر والنّسيان.

- II -

بتواضع الإعلامي المجرّب يحاول أحمد عبد المجيد أن يقدّم الكتاب باستدراك ذكي بقوله: "وأعترف أن ما ورد في هذا الكتاب لم يكن ليصلح إلاّ للنشر في صحيفة، جريدة أو مجلة، لكني آثرت في نهاية المطاف أن أغامر فأصوغ المحتوى بين دفتي كتاب متواضع رأيت أن أفاجىء به المالكي (شبيب) وأصدقاءه وزملاء مهنته، تزامناً مع الذكرى الأربعين لتأسيس الاتحاد الذي انعقد خلاله وعلى هامشه اجتماع المكتب الدائم وذلك في بيروت للمدّة 7 - 8 تشرين الأول/أكتوبر: 2016".

ولكن لماذا يخشى أحمد عبد المجيد المغامرة؟ ربما لكونه مهجوساً بالماضي وهو يخشى بعض التفسيرات المغرضة، وكان قد فاتحني عشية إطلاق مبادرته، فقلت له: إن هذه المفاجأة ستكون سارة، ثم ألسنا نغامر حين نبحث عن الحقيقة؟ ولتكن مغامراتنا بدلاً من الحروب والعنف والتهميش والمؤامرات، تواصلاً إنسانياً ومودّة وعرفاناً بالجميل وتقديراً للجهد. وأي جهد هو بحاجة إلى تقويم، والتقويم لا يعني الانحياز، بقدر ما هو نقد إيجابي للوصول إلى ما هو أحسن وأصوب وأفضل.

وحين أُعطيَ عبد المجيد حق الكلام في الجلسة الختامية، قام بعرض مبادرته لتأليف الكتاب، والحديث عن سجايا الرجل وما قدّمه لمدينة كربلاء، إضافة إلى بعض مواقفه الشخصية، الأمر الذي أفسح في المجال لإضاءة جوانب من المسيرة الحقوقية واقتراح تكريم الرجل في احتفالية خاصة ستترافق مع مسيرة تجديد الاتحاد وتطويره وتعديل نظامه الأساسي وهيكلياته من أجل انطلاقة جديدة تفتح أفقاً جديداً لعمل الحقوقيين العرب، سواء على الصعيد الفكري أو على الصعيد المهني، في إطار تعزيز الثقافة الحقوقية والوعي الحقوقي ورفد قطاعات واسعة بحاجة إلى التربية على احترام الحقوق والحرّيات وإشاعة ثقافة السلام والتسامح واللاّعنف، وهو ما كنت قد عرضته في الجلسة ذاتها، ونال تأييد الجمع الحقوقي العربي.

- III -

تعرّفت على المالكي ونحن من إطارين سياسيين متوازيين، بل متصارعين في أغلب الأحيان، ومتقاربين في أحيان قليلة، وأشهد أنني كلّما اقتربت منه زادت قناعتي بحرصه على التواصل مع الآخر على الرغم من الاختلافات، وكان موقفه كما أعلم إيجابياً من التعاون الوطني بين البعثيين والشيوعيين، سواء خلال عمله في الإدارة الحكومية أو في المنظمات المهنية مثل جمعية الحقوقيين العراقيين ومجلس السلم والتضامن العراقي، فكانت علاقته متميّزة مع عزيز شريف الذي ربطته به علاقة متميّزة وعامر عبد الله الذي يكن له احتراماً خاصاً، ومع نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وآخرين، إضافة إلى علاقته مع المحامين اليساريين مثل هاشم صاحب وعبد الرزاق السعيدي ورؤوف ديبس وسالم المندلاوي وعدد آخر من الحقوقيين اليساريين.

وخلال السنوات الأخيرة قبل الاحتلال، وكان قد أبعد من الوزارة العام 1997 كنّا نلتقي في إطار فعاليات عامة عربية ودولية وفي مؤتمرات مختلفة، ونتبادل الآراء والهموم بشكل مباشر أحياناً فيما يتعلّق بالوضع العام وهي قليلة جداً بسبب الحذر، وفي أكثر الأحيان على نحو غير مباشر، وهو يعرف ملاحظاتي وتحفّظاتي على النظام السابق وما لحقني بسببها وكذلك ما لحق بالعائلة طيلة ما يزيد عن عقدين من الزمان، لكنه دائماً ما يشيد بمواقفي من الحرب العراقية - الإيرانية ومن الحصار الدولي ومن الاحتلال، وهو ما ذكره في كلمته حين تم تكريمي من اتحاد الحقوقيين العرب في عمان العام 2005، وتسليمي وسام الاتحاد لدفاعي عن الحقوق والحرّيات في العالم العربي.

وصادف أن التقيته في الطائرة القادمة من القاهرة بعد يومين من بدء حرب قوات التحالف على العراق العام 2003، وكان هو قادم من تونس، وكنت أنا أحضر حفل تكريم لي في القاهرة لنيل وسام "أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي"، ولم ينسَ على الرغم من قلقه من تهنئتي، وكنّا نتوجّه إلى دمشق، حيث كنت على موعد مع عبد الحليم خدّام وبالاتفاق مع الصديق صلاح عمر العلي الذي حضر من لندن، وكنّا قد التقينا بعدد من القيادات العربية وبأمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، إضافة إلى قوى وتيارات يسارية وقومية مختلفة، والهدف هو استطلاع آراء ومواقف القوى المختلفة من الاحتلال الذي عارضناه، سواء قبل حدوثه أو بعده، مثلما عارضنا التعويل على القوى الخارجية والمراهنة على الحلول البرّانية، وكان هذا موقفنا من الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق، وهي مواقف كان معنا فيها الشيخ جواد الخالصي والسيد أحمد الحسني البغدادي وفوزي الراوي وماجد السامرائي وحامد الجبوري وآخرين من التيار اليساري والعروبي.

قال لي شبيب المالكي ونحن بالطائرة وقد استأذنا المضيفة لنجلس قرب بعضنا: ماذا تعتقد إلى أين ستصل الأمور؟ قلت له: حسبما يبدو فإن الأمور منتهية والنظام سيطاح به وستحدث فوضى لا تُعرف حدودها، وسألني فيما إذا قرّر العودة إلى العراق في مثل تلك الظروف، فقلت له: أفضل لك أن ترتّب زيارة إلى اليمن أو إلى المغرب أو أي بلد آخر لحين انتهاء المعارك أو حتى يمكنك البقاء في سوريا. وعدنا والتقينا في الشام على الغداء وتبادلنا وجهات النظر، وكان الرأي ليكن الاتحاد بعيداً عن الإشكالات القائمة في الساحة السياسية وليحافظ على توجّهه المهني وربما هذه فرصة مناسبة لم تسنح قبل ذلك.

ولكن المالكي بحكم مسؤوليته وارتباطاته عاد إلى العراق خلال القصف الأمريكي وبقي فيه، ثم اضطرّ بعد ذلك للخروج، وقد أصرّ على دعوتي للانضمام إلى المكتب الدائم الذي انتخبت له في دورة دمشق.

ومع أنني أعتقد أن الكثير من المنظمات الحقوقية والمهنية ومؤسسات المجتمع المدني، هي امتدادات لقوى سياسية أيام الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي الدائر بين الشرق والغرب، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى المحلي، لكنها في الوقت نفسه كانت مجالاً حيوياً ومناسباً لتدريب وتأهيل قيادات عديدة وإكسابها خبرات ومؤهلات ومهارات إدارية مهمّة، لكن مثل هذا الأمر تغير كثيراً بسبب تغيير الظروف والأوضاع.

وقد آن الأوان لإعادة النظر بالكثير من المفاهيم والآراء المتعلّقة بعمل المنظمات والجمعيات والاتحادات ونشاطها وإدارتها وبرامجها ومرجعياتها، لأن بقاء أساليب عملها ونشاطها وتوجّهاتها وهياكلها على ما كانت عليه سيؤدي إلى ترهّلها وبالتالي عدم إمكانيتها لمواكبة التطوّر الحاصل في هذا الميدان، فضلاً عن تمثل روح العصر ومستجداته.

ولا بدّ من مراجعة انتقادية بهدف إيجابي لمؤسسات المجتمع المدني الأخرى، فهي تحتاج إلى إعادة نظر ونقد فيما يتعلّق بأدائها وإداراتها وتمويلها وأساليب عملها، فما كان صالحاً في الستينات أو السبعينات لم يعد صالحاً بعد عقود من الزمان وهو ما ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، وينطبق ذلك على الجميع بدون استثناء بما فيه: اتحاد المحامين العرب واتحادات الطلبة والشبيبة والمرأة واتحاد العمال والمعلمين والمهندسين والصحفيين ومجالس السلم والتضامن، خصوصاً وأن بعضها قد ضعف لحدود كبيرة وانحسر دورها لدرجة كبيرة، بل كاد يتلاشى، وبعضها الآخر ظل هياكل ومكاتب شبه فارغة أو أنها تقوم بفعاليات محدودة جداً وليست ذا تأثير وفي مناسبات محدّدة وتصدر بيانات لا يقرأها سوى قلّة قليلة من أعضائها ولا يعيرها الرأي العام الاهتمام المطلوب مثلما كانت سابقاً، فقد كان بإمكانها تعبئة الشارع وحتى الإطاحة بحكومات أو إجبارها على التخلي عن معاهدات وسياسات وتدابير اتخذتها.

ولعلّ هذه المقاربة التي كان اتحاد الحقوقيين العرب، قد توصّل إليها في اجتماع المكتب الدائم مؤخّراً تقوم على ضرورة إجراء تغييرات جوهرية من شأنها تعديل النظام الأساسي وعقد مؤتمر عام، إضافة إلى تكريم الأمين العام الذي يتحدّث كتاب أحمد عبد المجيد عن منجزه المهم، فقد كان الأمين العام شبيب المالكي ولسنوات هو من يقوم بتكريم المبرّزين من الحقوقيين، ولذلك جاء الوقت ليقوم الحقوقيون ممثلين باتحادهم بتكريمه وهو تكريم يستحقه.

- IV -

يقول عبد المجيد تقديراً للعلاقة التي ربطته بشبيب المالكي: "صادفتني في حياتي شخصيات عديدة تركت بصماتها في نفسي" ثم يضيف: "وتحت وقعها كنت أعزو كثيراً مما تحقق لي أو أنجزته عبر عقود من الكفاح والمثابرة والألم، إلى تلك المعارضات التي ظهرت أمامي أو في طريقي الطويل المترع بالأمل والقلق...".

وعبد المجيد مثل غيره من الصحفيين الذين عاشوا سنوات الشباب الأولى وتأثّر باليسار وفكره ومنجزه السياسي والثقافي وبقصائد مظفر النواب، لكن عمه طارق الخفاجي الذي اعتبر عميد الصحفيين في كربلاء وأخيه نوفل من الإعلاميين القريبين من شبيب المالكي، هما من قرباه إلى المالكي، ثم يتحدث عن مواهب المالكي وقدرته على استقطاب الناس وعلاقته بالإعلام، وبالمناسبة فالمالكي عمل في الإعلام أيضاً وأدار مجلة سياسية العام 1963 بالتعاون مع الصحافي لطفي الخياط.

ويقول عبد المجيد: إن المالكي ظل حامياً لأسرتهم ومدافعاً عنها ويردّ عنها السهام التي تأتيها من قنوات سرّية وأخرى علنية، خصوصاً التداخل ما بين الحزبي وما بين الإداري، وأحياناً يصل الأمر إلى التنافس غير المشروع المصحوب بالحسد والغيرة والغدر وغير ذلك.

ويذكر أن المالكي حين غادر كربلاء فإنه ترك أثراً طيباً ومواقف متميّزة. وحين كانت النجف (قضاءً) يتبع لكربلاء كان تحت إدارة المالكي أيضاً. وأعرف من بعض أفراد عائلتنا وأصدقائنا النجفيين مواقف المالكي وحرصه على تقديم أحسن الخدمات على الرغم من شحّ الإمكانات في حينها، وكما ذكر لي المالكي نفسه فإن ذلك كان يتم باتفاق وتوصية خاصة من الرئيس أحمد حسن البكر، وخصوصاً العلاقة مع السيد الخوئي كما كانت له علاقات مع بعض الأدباء والمثقفين ورجال الدين والوجهاء، ويروي السفير السابق عبد الحسين الرفيعي في كتابه "النجف الأشرف - ذكريات ورؤى وانطباعات ومشاهد" وكان مسؤولاً حزبياً كيف تمكّن المالكي من لعب دور إيجابي في نزع فتيل الأزمة التي لو استمرّت لكانت نتائجها غير محمودة العواقب، وذلك خلال رفع شعارات ضد الحكومة وردود الفعل المنفلتة إزاءها، حيث تم إطلاق النار في صحن الإمام علي وكان المشهد محتدماً.

يعدّد أحمد عبد المجيد منجزات المالكي وحسناً يفعل حين يذكّر بها، فعسى أن تنفع الذكرى المؤمنين وحتى غير المؤمنين، لا سيّما حين يسود الفساد الإداري والمالي اليوم وتضعف الحصانة ويقلّ الشعور بالمسؤولية إزاء هدر المال العام، ناهيك عن ارتفاع درجة المحسوبية والمنسوبية في ظل نظام يقوم على الغنائمية ويعتمد على الزبائنية التي أساسها الاصطفافات والمحاصصات الطائفية والإثنية.

ولا بدّ من إضاءة بعض المفاصل من منجز المالكي فيقول عبد المجيد: إنه عظّم عدد المدارس في مدينة كربلاء وشيّد مبان جديدة، وأنه أسّس مهرجان الأخيضر باستقدام عدد من الفنانين لإحياء معالم الحصن التاريخي بحيث أصبح تقليداً سنوياً، وكان المالكي قد أهدى لي صورته مع الجواهري خلال حضوره المهرجان، كما حضر يوسف العاني وسامي عبد الحميد وزينب وناهدة الرماح وجعفر علي، كما أقام مقهىً سياحياً وفيه كازينو عائمة على ساحل بحيرة الرزازة، وفتح مركزاً للشرطة لتأمين الحماية اللازمة وتولى عملية ترويج لزرع مساحات خضراء لحزام لكربلاء. وقد رعى شبيب المالكي العتبات المقدّسة وهناك كراس بعنوان "كربلاء بين الماضي والحاضر" وهو معزّز بالصور، ويذكر عبد المجيد أسماء بعض المحافظين الذين ظلّت كربلاء تتذكّرهم بعد المالكي منهم عبد الرزاق الحبوبي وآخرهم كان صابر الدوري الذي وقّع العديد من أهالي كربلاء مذكرة تطالب بإطلاق سراحه.

وبعين الصحافي النابه يرصد أحمد عبد المجيد جهود الحقوقيين ودعوتهم لصياغة ملف دفاع عن ضحايا الحصار الاقتصادي ليتسنى تقديمه إلى المحاكم الدولية، بوصفه عملاً لا شرعياً ولا أخلاقياً، ويمكنني إضافة ملف آخر اشتغلت عليه جهات عديدة بالتعاون مع منظمات دولية مرموقة ومناصرة للحقوق العربية يحتوي على معلومات توثيقية عن ضحايا الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وكذلك ملف آخر يتابع توثيق الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب العربي الفلسطيني بهدف مقاضاة مرتكبيها، وذلك في إطار دعم الحقوقيين العرب لكفاحهم العادل والمشروع من أجل حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ويذكر أحمد عبد المجيد عن المالكي وقوفه إلى جانبه في ثلاث مواقف:

الأول - في العام 1991 حين تناول في عموده الصحافي لجريدة القادسية نقداً إلى الشركة الوطنية للصناعات الكيماوية والبلاستيكية، وكان هذا قد استفز مدير التصنيع العسكري وكان المشرف على وزارتي الصناعة والنفط هو حسين كامل، فتم طرده من الجريدة واضطرّ إلى المكوث في المنزل وعدم مغادرته (ثلاثة أشهر).

وكما يقول المثل: "ربّ ضارّة نافعة" فقد ألّف عبد المجيد كتابه الرابع الموسوم : "خريف الجليد - 72 ساعة هزّت العالم". ولولا تلك العزلة الإجبارية لما كنّا قد قرأنا له هذا الكتاب، ولم يكتفِ حسين كامل (صهر الرئيس صدام حسين) بذلك، بل أقام دعوى قضائية ضدّه، لكن تدخّل المالكي بطريقته الخاصة أنقذه من حكم محقّق، علماً بأنه كان في قوام نقابة الصحافيين العراقيين (الرسمية) وهو نائب للرئيس.

الثاني - في أواخر التسعينات وكان يومها سعد البزاز رئيساً لتحرير جريدة الجمهورية، والأمر يتعلّق بالصحافي عيسى العيسى (الذي كان موظفاً في وكالة الأنباء العراقية) حيث تدخل المالكي بعد طلب من عبد المجيد الذي استعان به لإنصاف المتظلّم العيسى وهو مستأجر لشقة أريد إخلائها بالقوة.

الثالث - في العام 1994 حين انتقد أحمد عبد المجيد محافظ نينوى (الفريق الركن محمد عبد القادر) وذلك لتعويقه ترويج معاملات الصحافيين بالحصول على قطع أراضي سكنية في مساقط رؤوسهم، فأقام المحافظ دعوى قضائية ضده في الموصل وجرى تبليغه بالحضور، ويعتقد عبد المجيد أن حضوره كان فخاً له لإلقاء القبض عليه أو احتجازه، ولكن اتصاله بالمالكي وكتابه طلب تحريري بنقل الدعوى إلى محاكم بغداد بحسب الاختصاص المكاني للجريدة، هو ما ساعده على التخلّص مما كان يُضمر له. ويستنتج عبد المجيد أن قضايا النشر والإعلام في تلك الحقبة غالباً ما تخضع إلى متابعة مباشرة في قيادة الدولة وأن الاتصالات الهاتفية كانت أرضية تخضع للمراقبة الأمنية، وهو ما يسجل للمالكي بموقفه هذا إيماناً منه بحق التعبير وحق النقد، لا سيّما عبر منابر رسمية.

- V -

ولعلّي هنا أسجّل للمالكي موقفاً كنت قد اطّلعت عليه وتابعته في حينها هو تحفظه على حملة التسفيرات التي شملت أعداداً من العراقيين بحجة التبعية الإيرانية، علماً بأن غالبيتهم ولدوا في العراق وعاشوا فيه ولم يعرفوا وطناً سواه، وكنت قد استعدت هذا الموقف معه قبل عدّة سنوات، خصوصاً بعد صدور كتابي "من هو العراقي؟" العام 2002 والذي تحدثت فيه عن حملة التهجير، فعاد وأكّده لي وطلبت منه أن يوثقه فأرسله لي برسالة. والموقف لا يتعلّق بالمالكي وحده، بل بأحد أبرز القياديين البعثيين الذي أعدم بيد رفاقه العام 1979، في "مجزرة قاعة الخلد" بعد أن كان قد اعتقل بُعيد "مؤامرة ناظم كزار" الشهيرة العام 1973، وأعني به عبد الخالق السامرائي.

 

 

نص رسالة شبيب المالكي

مواقف وطنية وإنسانية.. قصة التسفيرات

 

عزيزي أبو ياسر

"عام 1971 شنّت الحكومة حملة تسفيرات ظالمة ضدّ المواطنين العراقيين من التبعية الإيرانية ممن أمضوا مئات السنيين في العراق، حتى أنها شملت بعض العراقيين من أصول عربية ومن غير التبعية الإيرانية.

وخلال هذه الفترة كنت أشغل منصب "محافظ لكربلاء" وكان النجف الأشرف أحد الأقضية التابعة للمحافظة في حينه، وقبل أن تصبح محافظه فيما بعد، وقد شملت هذه الحملة الجائرة أعداداً كبيرة من المواطنين في هذه المحافظة، فأبديت معارضتي الشديدة لهذه الحملة وتصدّيت لها بكل قوة وأوقفت بعضها ومنعت عدد كبير من المواطنين من شمولهم بالتسفير وبخاصة رجال الدين والمثقفين والفنانين.

ولعلّ هذا الأمر هو الذي أدى بالسلطات المركزية في بغداد إلى إبعادي بضمي إلى وفد برئاسة عضو مجلس قيادة الثورة المناضل عبد الخالق السامرائي لزيارة الصين علماً بأن مهمة الوفد ليس لها أية علاقة بعملي كمحافظ، وقد ضم الوفد عدداً من المختصين بالاقتصاد والسياسة الخارجية من بينهم المرحوم مرتضى الحديثي وزير الخارجية ود. فخري قدوري وزير الاقتصاد ومدلول ناجي المحنّة رئيس مؤسسة المبايعات الحكومية وعفيف الراوي وكيل وزارة الإصلاح الزراعي وغيرهم من المختصين.

ومن الجدير بالذكر وخلال تواجدنا في الصين وحول موضوع التسفيرات جرى حوار بيني وبين المناضل عبد الخالق السامرائي، وكانت تربطني به علاقة ودية قديمة وقد وجّه لي رحمه الله السؤال التالي ساخراً ومنتقداً: لماذا هذه الحملة الظالمة التي شملت تسفير المواطنين بحجة أنهم من التبعية الإيرانية؟ أيّهما أكثر عروبة واستوطن العراق موسى الكاظم، ويقصد بذلك الإمام موسى بن جعفر (ع) حتى يسفر من يحمل لقب "الموسوي" من ذريته أم من يحمل لقب "تكريتي" أو "عاني" ويبقى في العراق؟ أما أنا فقد تم نقلي إلى منصب "محافظ الموصل" بعد موقفي هذا من التسفيرات". (انتهى).

أخوك شبيب المالكي (أبو فارس)

وقد كنت أحتفظ بهذه الرسالة التاريخية حتى وإن كانت حديثة، لأقوم بضمّها إلى ملف آخر، لكن ما ذكره أحمد عبد المجيد، في الصفحة (34) من كتابه في إشارة إلى التسفيرات وحملة التهجير، فوجدتُ أن الوقت قد حان لنشرها، ولي حديث آخر حول عبد الخالق السامرائي، وكنت قد استمعت إلى أكثر من شهادة عنه من: شريف الربيعي ووليد جمعة وصلاح عمر العلي وحامد الجبوري ومعن بشور وجهاد كرم ورغيد الصلح وعبد الحسين الرفيعي ومن ابن عمه صالح السامرائي.

وأختتمُ باستنتاج من ذات الأرضية التي انطلق منها أحمد عبد المجيد حيث يقول: "وأكاد أجزم أن موقف المالكي إزاء قضيتي وسواها، وانحيازه إلى العاملين في الإعلام تسبّب له في إحراجات معروفة ليس أقلّها، كما أظن، إعفاءه من منصبه الوزاري"، وأقول مرة أخرى إن ذلك ما ينطبق عليه القول "رب ضارّة نافعة" فمن يدري ماذا ستكون نتائج غضبة منفلتة من عقالها؟ فقد كانت المواقف ذات الطابع الإنساني هي التي تغلب على علاقة شبيب المالكي بالآخرين بغض النظر عن توجّهاتهم، ومثل هذا السلوك في الأعراف الحزبية السائدة ذات المركزية الصارمة والأوامرية الشديدة والهوس الأمني المصحوب بالشك، تفسّر على أنها ضعف في "الحزم الثوري" وتهاون إزاء الأعداء أو الخصوم، وهذه بحد ذاتها نقطة استفهام كفيلة بأن لا تقصي المرء من موقعه وإنما قد تأخذ به إلى الهلاك!!.

 

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

كان الصناع العاملين في بناء بغداد يتقاضون يوميا من قيراط إلى خمس حبات (القيراط 12/1 من الدرهم ويساوي 4 حبات من الفضة) وطلب رئيس بنائين من الخليفة المنصور أجرا يوميا هو خمسة دراهم، ولكن المنصور ساومه وأعطاه أربعة دراهم فقط (كان المنصور شديد البخل فسماه البغداديون "أبو جعفر الدوانيقي" أي الفليساتي ! ع ل). فيما كان عامل الوشي (وشي المنسوجات) يتقاضى في عهد المهدي 400 درهم شهريا. والزّجّاج يتقاضى درهما ودانقين (الدرهم يساوي ستة دوانيق)، ومعلم النحو والحداد درهما، وكاتب الحسابات لدى البقال نصف درهم وطعاما وكسوة. وكان النساخ يشتري الكاغد "ورق سميك قليلا" بخمسة دراهم وبعد نسخه من كتاب يبيعه بمائتي درهم، وتقاضى الشيخ الكسائي سبعين دينارا عن تدريس كتاب سيبويه في النحو كاملا لأحدهم، أما أبو بكر العسكري فكان يطلب مائة دينار لقاء ذلك. وكان الملاح يتقاضى درهمين أجرة تعبير الراكب لنهر دجلة. ودفع تاجر يهودي لأحد الفقهاء أجره اليومي عن عمله في دكانه ثلاثة أرطال خبزا ودانقي فضة . أما رواتب الموظفين الصغار فكانت ضئيلة جدا مقارنة برواتب كبار الموظفين ففي حين كان راتب موظف صغير خمسين دينارا سنويا، كان راتب ابن مقلة - وهو كاتب لأحد الوزراء - خمسمائة دينارا شهريا! أما راتب رئيس المنجمين (فتاح فال، يعني؟ ع. ل) في قصر الخليفة المعتز مائة دينار ولم يوضح صاحب " نشوار المحاضرة" إن كان هذا الراتب شهريا أو سنويا وأرجح انه شهري ! وحين تولى علي بن عيسى الوزارة سنة 315 هـ حاول معالجة الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد في عهده، فأنقص عدد الرواتب في السنة من 12 راتبا إلى عشرة للعمال وثمانية أشهر فقط لأصحاب البريد والمنفقين "؟". أما رئيس الطائفة اليهودية وتدعى وظيفته " رأس الجالوت " فكان يتقاضى راتباً سنوياً هو 700 دينار ذهبي، ولكن ليس من أموال الدولة بل من الجزية التي يدفعها اليهود أنفسهم آنذاك وكانت بمثابة ضريبة حمائية شخصية . وكان محتسب بغداد " بمثابة أمين العاصمة في عصرنا" يتقاضى مائة دينار شهريا. وحين تولى القاضي محمد بن صالح الهاشمي قضاء بغداد اشترط ألا يتقاضى أجرا لنفسه، ولكنه نظم رواتب لموظفيه فقط. وكان الأطباء من المدللين والأثرياء فكان راتب الطبيب ماسويه 600 درهم وعلوفة دابتين ونزل للسكن وخمسة غلمان لخدمته، وحين أصبح الطبيب الخاص للرشيد ارتفع راتبه الى ألفي درهم إضافة الى معونة سنوية بلغت عشرين ألف درهم. وفي عهد المعتضد ارتفعت رواتب الأطباء كثيرا وصل راتب الطبيب والكحال " طبيب العيون ع ل" إلى 670 دينارا شهريا وليس سنويا، أما أطباء الفقراء فكانوا موجودين أيضا ويتقاضون أجور رمزية وقد لا يتقاضون شيئا من مرضاهم الفقراء، فهذا الحكيم ابن أبرونا يتقاضى على الفصاد " فصد الدم من المريض" دانقا ونصف! أما مرتب الجندي فكان يترواح بين عشرين وأربعين للراجلين " المشاة" أو الفرسان الخيالة. وفي عهد الأمين بلغ معدل الرواتب للجنود 80 درهما كانت تزاد في أوقات الحروب والاضطرابات أضعافا. وفي العهد البويهي (سلالة من الديلم حسب البعض ومن الساسانيين حسب آخرين ، ذات ميول مذهبية شيعية لم تحاول فرضها على المجتمع أو على الدولة، رغم كونهم الحكام الفعليين للدولة العباسية وفشلوا في كسب ثقة الأمراء الشيعة العراقيين مثل عمران بن شاهين وبنو مزيد من بني أسد وإمارتهم في الفرت الاوسط بين بغداد والكوفة وبنو حمدان في الموصل وحلب وانتهت تجربة البويهيين بتقسيم الدولة الى فرعين واحد في العراق وآخر في كرمان وقد أنهى السلاجقة الترك حكمهم سنة 1062 م بعد أن دام 113 سنة في عهود الخلفاء المستكفي (333ـ334هـ)، ثم المطيع (334ـ363هـ) فالطائع (363ـ381هـ) فالقادر (381ـ422هـ)، أخيراً القائم (422ـ467هـ). ع ل) . في عهد الحكام البويهيين تحولت الرواتب إلى إقطاعات ففي سنة 387 هـ أعطي 500 ديلمي صغير و300 فتى كردي إقطاعا بمبلغ مائة ألف دينار. أما القادة الكبار فقد أقطعهم الحاكم فخر الدولة إقطاعات تتراوح بين 20 و30 ألف درهم !

.نختم بهذه الطرفة الطبية التي تبرز أحد إنجازات الطب النفسي في القرن الرابع الهجري: روي أن مريضا كان يعتقد بأنه بقرة، وكان يطلب من ذويه بإلحاح أن يذبحوه، فانقطع عن الأكل لأنهم رفضوا أن يفعلوا ذلك، فضعف كثيرا وأقلق الأهل والجيران بصراخه، وطلب أهله أن يتولى ابن سينا أمره وعلاجه.فأرسل ابن سينا إلى المريض من يخبره بأنه قادم ليذبحه استجابة لطلبه، ولما حضر الطبيب وفي يده السكين، أمر بربط يدي المريض ورجليه، وطرحه على الأرض ليذبحه. ولما همّ ابن سينا بالذبح، جس عضلات المريض جسا دقيقا، ثم التفت إلى أهله وقال لهم بصوت جهوري: إن هذه البقرة ضعيفة جدا، ويجب تسمينها قبل ذبحها! وعندها أخذ المريض من تلك الساعة يأكل بشهية زائدة ليسمن، فقوي جسمه وترك وهمه وشفي من مرضه شفاء تاما.

 

بغداد_العباسية 6 : "الشبكة الاجتماعية" 4 دراهم شهريا للفقراء: وجد الفقر في بغداد منذ بنائها فقد شوهد الشحاذون المكادي والمعاقون يطلبون الصدقة على الجسر في عهد مؤسسها أبي جعفر، الذي كان يمر عليهم بنفسه ويفرق عليهم بعض المال ثم خصص واليا على " الأضراء" ولكن الوالي قطع عنهم الأرزاق - كما فعل قبل أيام وزير العمل والشؤون الاجتماعية في حكم المحاصصة الطائفية في عراق اليوم حين شطبوا الفقراء والمعوقين وذوي الحاجات الخاصة من شبكة الرعاية الاجتماعية. ع ل- فتوسط لهم أبو جعفر الرازي وشكاه الى الخليفة فعزله وأوكل لهم – للفقراء والأضراء – ان يختاروا ممن يحبون واليا. أمسى الفقر ظاهرة اجتماعية مستمرة في المجتمع البغدادي عالجها الأدباء فقال شاعر منهم هو الحمدوني :

مَنْ كانَ في الدنيا لهُ شارةٌ .... وَنحنُ مِنْ نظارةِ الدُّنيا

نرمقُها مِنْ كَثَبٍ حَسْرَةً     .... كأننا لفظٌ بلا مَعنى.

وترك لنا أبو حيان التوحيدي نثرا كثيرا عن الفقر والفقراء وهو نفسه كان فقيرا معدما كتب ذات مرة أنه اضطر إلى العيش على أكل الخضر والأعشاب في البيداء، وكان أبو سليمان المنطقي (الفيلسوف والأديب والشاعر والموسوعي في الطب) فقيرا عاجزا عن تدبير أجرة سكنه ووجبة طعامه. أما الفيلسوف أبو بكر القومسي فقد عانى من الضرِّ والفاقة وكابد الشدة حتى لبس الأطمار البالية كما يخبرنا صاحب " معجم البلدان"، ومثله كان المؤرخ والجغرافي العظيم وصاحب نظرية  " الانحراف الوراثي في الحمضيات" أبو الحسن المسعودي الذي لقب بهيرودتس العرب،  وهو صاحب الكتاب الجغرافي الشهير "مروج الذهب ومعادن الجوهر" متواضع الحال كثير الترحال - أمضى ربع قرن من حياته في الرحلات العلمية خارج العراق وكان كثير الحنين إلى بلده وهو من موليد بابل وقيل من بغداد أيضا - وقد  وصف لنا بيت زميله الأصمعي الفقير هو الآخر بالقول (كان فيه خب مكسور – أرجح أن يكون المقصود " حِبّ" بكسر الحاء ، وهو الوعاء الفخاري الكبير لتبريد وحفظ ماء الشرب وربما وقع تصحيف في الكلمة. ع ل) ومقعد وسخ وكان كل شيء في بيته رثا)  غير أن هذا لا يعني أن جميع العلماء والأدباء كانوا فقراء معدمين بل كان منهم الأغنياء وأصحاب الإقطاعيات والعقارات وكان بعضهم من خاصة ومدللي الدولة وندماء الخليفة والوزراء. وكان المُكدون (كلمة مُكدي وكُدية فصحى " كدية : استعطاء، حرفة الشحاذ ." وماتزال تلفظ بالجيم أو الجيم القاهرية في العراق وتعني الشحاذ والسائل وأرجح أن جذرها هو "ك د د"  ع ل) وهم يتخذون هيئة  وزيا خاصين للكدية تسمى " الهيئة الخراسانية". وكانت جراية الفقير (مخصصات إعانة) من الدولة في عهد الوزير ابن الفرات خمسة دراهم في الشهر. وكان طعام الفقراء يتألف من خبز الشعير وربيثة " أدام من صغار السمك المملح يشبه السمك الفسيخ في مصر ع ل" وبقل وكراث وخبز وقطعة من الجبن أو الباذنجان أو من الخس والكرفس والقنبيط " القرنابيط". وكان لحم البقر أسمى ما يطمح إليه الفقراء وكانوا يأكلون بطون البقر القاسية ويستهلكون الكثير من الحبوب من أرز وماش وعدس ولوبياء. ولم يكن الفقراء يعرفون الحلوى (عهد ذاك كان تقديم التحلية بعد الطعام يعد جزءا من وجبة الغذاء لدى الأغنياء، وذات مرة قدم الطعام لأحد الخلفاء وكان مسافرا على سفينة في دجلة ولم يقدموا له الحلوى بعد الطعام فتعجب وقال : هذه أول مرة أعلم فيها ان هناك من الناس من يتغدى دون تحلية !)  بل كانت حلوى الفقراء من عصيدة التمر وفاكهتهم من مشمش مقدد " قمر الدين" وزبيب أسود وسمسم مقلو وباقلاء منفوخة وقد جابه الفقراء واقعهم البائس باللجوء إلى اللصوصية والكدية والتطفيل والاحتيال والنصب ...الخ، كما كان من وسائلهم اللجوء الى التحرك الشعبي / ص  310 / العامة في بغداد.  

الصورة: وعاء عمودي "سفرطاس" من ثلاث طبقات مغلقة لحفظ الطعام ساخنا لفترة طويلة، وهو  من العهد الفاطمي أو المملوكي على الأرجح/ المتحف الإسلامي – القاهرة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي