shaker faredhasanالكتابة عن الكاتب والشاعر والباحث والمبدع والمفكر العراقي القدير والملهم والمضيء والاستثنائي ماجد الغرباوي هي مغامرة كبرى ..!

فحذار من الكتابة عنه والخوض في غماره، لأنك ستكون كمن يحاول القاء القبض على مجرة او سوق البحر الى السواقي، او رسم خريطة جامدة لتسونامي حي لا يهدأً ..!

اننا نحتمي بماجد الغرباوي، بفكره الراقي المتنور العقلاني، ورأيه السديد، وحضوره الكثيف بكتبه ومؤلفاته النفيسة، التي سنرفعها كالمتراس في وجهه المشرق لنحدق في وجهه الانساني والنقدي والبحثي والعلمي والفكري، وسنربض خلف عناوين منجزه الفكري والثقافي، لكن وجوهه الاخرى سوف تجتاحنا .

لا امتلك سوى الاعتراف بأن لا قدرة لي على اقتحام عالم ماجد الغرباوي والنفاذ الى كنوزه والواحه الماسية والذهبية، ولكن ساحاول قدر المستطاع .

ماجد الغرباوي رمز ونجم فكري وثقافي نقدي لامع يتجدد كل يوم في فضاءات العلم والثقافة والسياسة والمعرفة، ويقف ضمن طليعة المفكرين والمثقفين العرب المستنيربن والنقديين المشتغلين  على نقد الفكر الديني والحركات الاسلامية ومسائل النهضة والاصلاح والتجديد والمعاصرة والتنوير والعنف والتسامح بين الاديان والعقائد والمذاهب، وقضية المرأة ومسألة تحررها المرتبطة بتحرر المجتع كله .

انه يتمتع بموهبة أدبية ابداعية وخلاقة وآفاق علمية واسعة، ويتصف بالذكاء والفطنة والبصيرة الثاقبة وبعد النظر والرؤية الواضحة والوعي المتجدد المتوهج المتوقد .

وهو المفكر المتواضع الثري بالثقافة الاسلامية والفكر الانساني والوعي النقدي، والانسان العصامي، الصلب، المقاتل والمحارب بالكلمة والقلم، والثورة لديه فصل حب وعشق كوني شمولي .

majed algharbawi1ماجد الغرباوي المفكر المتمرس المتبحر في التراث الاسلامي، يملك الأسس العقلية المنفتحة والأدوات الفنية التي يعتمدها اسلوبه الكتابي النقدي ومقارباته الفكرية والثقافية، التي تعد اهم ركائز واوليات الاستنساخ للمثقف المبدع الخلاق المبتكر المجدد .

ماجد الغرباوي كاتب وباحث عميق وجاد، صاحب مشروع فكري نهضوي معاصر يسعى من خلاله الى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ومن خلال قراءة متجددة للنص الديني على اساس النقد والمراجعة المستمرة من اجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهوض  حضاري وعصري متقدم وجذري  يساهم في تأصيل قيم الحرية والتسامح والعدالة في اطار مجتمع مدني خال من العنف والتنابذ والاحتراب .

ماجد الغرباوي نخلة عراقية باسقة وشامخة في الفكر العربي الاسلامي، عانق نور الحياة في مدينة قلعة سكر، النائمة على نهر الغراف، وتتوشح بجمال طبيعتها وانسياب نهرها .

نشأ بين ازقتها وحواريها، وتعلم الابتدائية في مدارسها، ثم انتقل وهو صغير السن مع افراد أسرته الى العاصمة العراقية بغداد، وفيها اكمل دراسته في اعدادية الكاظمية ثم الثانوية، لكنه تعرض للسجن مع ثلة من رفاقه، وبعدها واصل دراسته خارج حدود وطنه بموضوع الشريعة والعلوم الاسلامية، واستقر به الحال والمطاف في سيدني باستراليا .

مارس ماجد الغرباوي التدريس بالمعاهد العلمية في اطار تخصصه لسنوات عدة، وشارك في العديد من الندوات والحوارات والمؤتمرات والحلقات والمواسم الفكرية والعلمية، واشغل رئيس تحرير مجلة " التوحيد "، واشرف على اصدار سلسلة رواد الاصلاح، وعمل على تأسيس صحيفة " المثقف " ومؤسسة المثقف العربي في سيدني باستراليا .

نال عدداً من الجوائز التقديرية عن اعماله الفكرية والعلمية البحثية .

له العديد من المنجزات في ميادين البحث والعقل والتنوير، بلغت حوالي ٢٥عملاً ومؤلفاً اضافة الى عدد كبير من الدراسات والبحوث والمقالات التي نشرها في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية المختلفة المتعددة، ومن اهم كتبه :

اشكاليات التجديد، التسامح ومنابع اللاتسامح، الضد النوعي للاستبداد، الحركة الدستورية، الحركات الاسلامية - قراءة نقدية في تجليات الوعي، جدلية السياسة والوعي - الشيخ مفيد وعلوم الحديث، المشروع الاصلاحي، المرأة والقرآن، اخفاقات الوعي الديني - حوار في تداعيات النكوص الحضاري، رهانات السلطة في العراق - حوار في ايديولوجيا التوظيف السياسي، مدارات عقائدية ساخنة وغيرها .

منذ عهده الاول بالحياة وتشكل وعيه، رسم ماجد الغرباوي خريطة المستقبل، وراح بصلابة المؤمنين وحبر الانسان ينحت في الصخر الحديد، وينهض بالبناء ضلعاً قاصراً حتى استوى على هذا الطراز من الاصالة والتجاوز، فلا عجب اذا اصبح المثال والنموذج الفكري الذي يضرب ويحتذى به بين حراس الثقافة وعشاق الابداع، عن تحديه العنيد لاقدار المرحلة وتمرد الشجاع على سلطانها الجائر . ورغم انه يعيش في الغربة الا ان روحه وقلبه وعقله مع وطنه بلاد الرافدين ودجلة والفرات، مع عراقاه وشعبه، مؤكداً حرصه الدائم وتمسكه بالسلم الاهلي والوطني والاجتماعي كخيار استراتيجي ومنطلق اساسي للتعايش السلمي بين كل اطراف واطياف وتشكيلات المجتمع العراقي .

 وهو يدعو في خطابه الى ترسيخ حس ثقافي وفكري تقدمي وعقلاني يهدف الى وعي ومصالحة شاملة بين مكونات المجتمع العراقي والعربي على حد سواء، ويرى ضرورة واهمية تقديم قراءة متأنية لاسس واصول التسامح السائدة في واقعنا العربي المزري، قراءة واعية وحقيقية مبنية على قاعدة متينة تشكل قفزة نوعية في اخراج المجتمع من محنه وازماته المتراكمة، وتقوده للخلاص من الجهل والتخلف والامية .

ماجد الغرباوي مثقف ومفكر مسكون بالأسئلة، يجيد علامات الاستفهام، ويبحث عن الحقيقة، ويطاردها في كل مكان، ويتوغل عميقاً في الجزر والمساحات المغلقة، رافضاً المسلمات، مؤكداً على ان كل شيء قابل للنقد والمراجعة، ولا فرق عنده بين المقدس واللا مقدس، يمارس النقد باوسع أبوابه، ولا يخشى دخول مساحات الممنوع والمحرم والمقدس المتستر عليه .

ماجد الغرباوي هو صاحب ومؤسس صحيفة " المثقف " التي ساهمت في نشر الوعي الثقافي والفكر الحر الديمقراطي  والليبرالي، وتركت صدى واسعاً، ولقيت تقديراً واحتراماً من الاوساط الادبية والثقافية والفكرية في مختلف اقطار العالم كونها منبراً حراً للكلمة والرأي والموقف، وبفضل ما تنشره من دراسات وأبحاث ومتابعات ومداخلات واضاءات أديية وفكرية واجتماعية وسياسية، وكتابات ابداعية، شعرية ونثرية، وهو ايضاً رئيس مؤسسة " المثقف " الرائدة في تكريم رجالات الفكر والأدب والأقلام الثقافية والرموز الادبية والفكرية، وتكريم كتاب وكاتبات " المثقف " ومنحهم الشهادات التقديرية، واسهامها في طباعة ونشر الكتب المتنوعة في جميع الألوان والأجناس الكتابية، وكل ذلك بفضل جهوده الطيبة المباركة .

ماجد الغرباوي، تلك الارادة الفذة القادرة على المجابهة والجدال والنقاش دفاعاً عن الحقيقة في سياق التخطي المستمر في تلك الحركة المجندة لتدمير اعمدة الهيكل الاجتماعي الثقافي الفكري الراهن، وانشاء تلك العمارة حلم البشرية جمعاء وغاية نضالاته المتواصلة عبر مسيرته الحياتية والثقافية .

وهو ذلك المتواضع النقي المستخفي الظل الذي لا يستمليه صخب الاضواء ولا تبهره الكاميرات ولا الميكروفونات ولا الفضائيات .انه النسر الجارح الآتي الناهض من ارض الرافدين، الذي تعاظم وجعه مع وجع العراق دون ان ينتابه الوهن او يصبه الفتور، ولم يستسلم لجبروت الراهن من الزمن العربي الرديء، حاشا، فاليقين لديه يتعزز بحتمية التغيير، ويغدو اكثر اطمئناناً كلما اوغلت قوى الثورة المضادة والجماعات التكفيرية المتأسلمة والقوى المتطرفة الوهابية في سفك الدماء والخرائب وتدمير التراث الحضاري العراقي والعربي واغتيال رموز الثقافة والفكر والادب بنهم وحشي .

ان مساهمات ماجد الغرباوي ومقارباته ومداخلاته الفكرية على جبهة الفكر النهضوي التنويري ليست من ذلك النوع المرحلي العابر، بل هي جذورية نفاذة ومستمرة في شعاع المراحل الراهنة واللاحقة، بمنهجية علمية واضحة،وتأتي لتصحيح النظرة الفكرية المعاصرة للتاريخ والتراث، مستمداً أدواته المعرفية من المنهج التاريخي المادي في تفسير التاريخ ومنهجه، وترشدنا عناوين اعماله من مؤلفات ومنجزات فكرية، الى مفاتيح أفكاره وتوجهاته، وتدل على مدى رغبته كمثقف عضوي مشاكس ومتنور ونقدي في التأسيس لفكر نهضوي حداثوي جديد، لا يساوم على الحقيقة، اذ انه منذ بداياته التفاكرية او التجادل الفكري قدم سجلاً جديداً للثقافة العربية والفكر الديني الاصلاحي قوامه نقد المحظور، لكنه لم يكن ولن يكون مفكراً للفرد، ولا يبحث في قضايا ومسائل من فوق المجتمع وخارجه، بل يستظل على مسائل فكرية تهم وتمس ثقافتنا وعقلانيتنا ووعينا الانساني .

ماجد الغرباوي علامة مضيئة كبيرة ومشرقة في الاجتهاد الفكري، وظاهرة مميزة ومتفردة في الشجاعة والجرأة الفكرية والتعفف الاخلاقي، تبدو غريبة في زمن الانحطاط والخواء والفقر الثقافي والتخلي عن الافكار والقناعات الايديولوجية .

انه مثقف طليعي ومفكر نظيف وعفيف قوي الروح، يشكل نموذجاً في الثبات على الموقف والمبدأ والطرح والاستعداد للتضحية، والتفاني لاجل ان تتصارع الأفكار، وتتحاور المواقف، وتتجادل وصولاً الى الحقيقة والاقناع واحترام الرأي الآخر .

 

شاكر فريد حسن – كاتب وناقد

.....................

العنوان الأصلي للمقال:

ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء

 

jafar almuhajirعبد الوهاب البياتي إسم كبيرعلى خارطة الشعر العربي المعاصر. ويعتبر من رواد الشعر الحديث واقترن أسمه بالشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة وقد كتب النقاد عن أول قصيدة معاصرة من شعر التفعيلة واختلفوا فيمن كتبها من الشعراء الثلاثه.

ولد الشاعر عبد الوهاب البياتي في بغداد عام 1926 في منطقة باب الشيخ وقضى طفولته في تلك المنطقة الزاخرة بالموروثات الشعبية العراقية،والعلاقات الإجتماعية الحميمة، وعرف أبناء تلك المنطقة بقوة شكيمتهم وصلابة صراعهم مع الحياة ، واعتزازهم بأنفسهم، وإحيائهم للممارسات الشعبية و(البستات) العراقية الأصيلة في حفلات الزواج وختان الأطفال واستقبال الحجيج القادمين من بيت الله الحرام والزيارات الجماعية والفردية المصحوبة بالضرب على الدفوف وإطلاق المدائح النبوية وذكر آل البيت الأطهار أثناء التوجه إلى ضريح الشيخ الصوفي عبد القادر الجيلاني القريب من المنطقة وخاصة في ذكرى مولد الرسول الكريم محمد ص وآل بيته الغر الميامين ع. وغيرها من الممارسات الدينية والإجتماعية . وجميع هذه الممارسات الإجتماعية كونت خزينا متراكما في ذهن الطفل عبد الوهاب البياتي الذي عايش تلك الشخصيات، وشاهدها عن كثب وتأثر بسلبياتها وايجابياتها وتناقضاتها وصراعاتها و(الإنسان أبن بيئته) كما يقال يتعلم منها ويتأثر بها سلبا أو إيجابا في مرحلة الطفولة خاصة حيث تجسدت تلك المشاهد والأحداث والشخصيات فيما بعد في أشعاره التي كتبها عن بغداد مدينة التقاليد الراسخة ، والحضارة العريقة وسحر ألف ليلة وليلة. هذه المدينة العنقاء التي تعرضت لعشرات الغزوات البربرية الهمجية وأبشعها الغزو المغولي عام 1258 بقيادة هولاكو حيث قتل فيها مليونين من البشر وأحرقت مكتباتها ، واصطبغ نهر دجلة بالدماء واختلطت تلك الدماء بآلاف الكتب القيمة والمخطوطات النفيسة التي لاتقدر بثمن . ودمرت معظم معالمها الحضارية لكنها نهضت من جديد تتحدى عواصف الزمن والأعداء بكل عنفوان وشموخ وإباء. وتلك الطبقات الشعبية التي ترعرعت بين أحضانها ولدت من رحم تلك  ألمعاناة وخاضت غمار الحياة بقوة وعزم فريدين. حيث تجمعت تلك الصور في ذهن الطفل وعبرعنها بصور شعرية فيما بعد حين استعاد ذهنه ذلك الشريط السينمائي الحي حيث يقول عن مدينة بغداد الخالدة في مقطع من إحدى قصائده:

ولدت من زبد البحر.

ومن نار الشموس الخالده.

كلما ماتت بعصر بُعثت.

قامت من الموت وعادت للظهورْ.

أنت عنقاء الحضاراتٍ.

وأنثى سارق النيرانْ.

على مر العصورْ .

إلتحق الشاعر عبد الوهاب البياتي بدار المعلمين العالية قسم اللغة العربية آنذاك عام 1944 ودرس خلالها على أيدي كبار علماء العراق في اللغة والأدب والشعر والنحو منهم الدكتور محمد مهدي البصير والمؤرخ اللغوي الكبير مصطفى جواد وغيرهم وتعرف خلالها إلى الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة والشاعر السوري سليمان العيسى . وتخرج منها عام 1950 وعمل مدرسا للغة العربية في بدايات تخرجه انتقل بعدها إلى العمل الصحفي واعتقل عدة مرات بسبب مواقفه الوطنية وانتقل إلى سوريا ثم بيروت فالقاهرة ثم سافر إلى الإتحاد السوفيتي السابق بين عامي 1959و 1964 واشتغل أستاذا في جامعة موسكو، وعاد إلى القاهرة عام 1964 وأقام فيها إلى عام1970 ورفض أن يكون تابعا ذليلا للنظام البعثي الفاشي الصدامي الذي استولى على السلطة من جديد عام 1968 وترك مهنته كملحق ثقافي في السفارة العراقية في المغرب مفضلا حياة الفقر على الإرتماء في حضن النظام العفلقي الإستبدادي الدموي . وسافر إلى إسبانيا ودرس الأدب الإسباني وأصبح معروفا على صعيد الوطن الإسباني وترجمت أشعاره إلى اللغة الإسبانية ثم عاد إلى دمشق وأقام فيها إلى يوم وفاته في الثالث من آب عام 1999 حيث نعته إذاعة دمشق في نهاية النشرة الإخبارية بعد أن أسقط النظام الصدامي الإجرامي الجنسية العراقية عنه كعادته المتبعة مع كل عراقي لايسير في ركابه ويتحول إلى بوق لمدحه وتعظيمه وهذا مافعله الطاغية مع شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي دفن في دمشق قرب مرقد السيدة زينب ع. وقد أوصى الشاعر عبد الوهاب البياتي أن يدفن قرب ضريح الشيخ محي الدين بن العربي على قمة جبل قاسيون (الذي يحمله في قلبه أينما حل) حيث يحتوي رفات الشيخ الذي عشقه وشيعه عدد قليل من محبيه إلى مثواه الأخير. بعد أن قضى الكثير من سني عمره في المنافي فقيرا مغتربا عن وطنه ولم يدنس كلماته الشعرية العالمية بمدح الطاغية صدام الذي كان يرغب رغبة جامحة أن يسمع قصيدة مدح منه في القصر الجمهوري كما سمع من غيره من المداحين الراقصين الذين باعوا شرفهم وكلماتهم بثمن بخس فسقطوا في الحضيض ونبذهم الشعب العراقي ولعنهم التأريخ. وكانت آخر مقابلة له في التلفزيون السوري قبل وفاته بأسابيع وقد بدا في تلك المقابلة مصرا على الكتابة رغم مالحق به من أذى في عينيه ، وإصابته بأمراض أخرى بدأت تدب إلى جسمه النحيل المتعب.

إن عالم عبد الوهاب البياتي الشعري عالم واسع مفعم بالصور الشعرية الحية المكثفة والثرة والغنية والتي كانت رسالة الشاعر المنتمية إلى قضايا البشر المضطهدين على مجمل مساحة الأرض وكان الشاعر يدرك أن حياته مرهونة بالشعر، وإن الشعر مرهون بالكلمة، وإن الكلمة العابقة بحب الأرض والفقراء باقية مابقي الناس.وقد تنازعت رغبتان في أعماقه المشحونة برفض الظلم والإضطهاد هما رغبة الصمت ورغبة الكلام . رغبة الصمت أمام الواقع المر والظلم الكبير الذي يعاني منه شعبه وهو يمتلك هذا الفيض الشعري الموغل في دمه المشتعل بحب الأرض والناس الفقراء، ورغبة في الكتابة بحثا عن المخبوء بين صفحات السنين وإطلاق تلك التجربة الشعرية الكبيرة والفذة والمحرضة الصارخة بالإحتجاج المشروع من عقالها محتجا فيها على أصنام الظلم والجريمة والقهر فاختار الرغبة الثانية بكل عنفوانها الحار وبكل ماتحمل من مرارة وحرمان وتشريد وتهميش من قبل السلطة الجائرة وأزلامها من مطايا الجهل والإنحراف والسقوط الذين كانوا يتمتعون بكل ملذات الحياة ويعتبرون الملايين من المحرومين قطيعا مهمته الوحيدة التسبيح باسم الحاكم والتصفيق له ردا على ظلمه وجبروته وسحقه لتلك الطبقات المحرومة التي حرمت من أبسط متطلبات وجودها. لأنه الطريق الجميل النقي المحتج على الظلام وخفافيشه من أعداء الحياة وهي رسالة الشاعر الإنسانية والأخلاقية التي تنبع من روحه النقية المفعمة بحب الخير والفضيلة والطهر رغم كل ماتعانيه من آلام وأوجاع من أعداء البشرية الأوغاد الذين لاهم لهم سوى التنكيل والغدر وفتح السجون لمن يرفض نهجهم الظلامي ولكن دائما وراء الغيوم هناك شمس مشرقة منطلقا من قصيدته (الفرح الحزين ) في فلسفته لصديقه الشاعر الإسباني (غارسيا لوركا) التي يقول فيها:

أكثر الأفراح حزنا.

أن تكون شاعرا.

كل الأحزان الأخرى.

لاقيمة لها حتى الموت.

وحين اختار البياتي أن يحمل همه الكبير بين ضلوعه ليكون شاعر المنفى والفقراء عرف إنه سيختار أكثر الأفراح حزنا حيث يقول:

ياأخوتي .!

حياتنا أغنية جميلة.

وأجمل الأشياء.  

آت ماوراء الليل من ضياء.

ومن مسرات ومن هناء.

وأجمل الغناء.

ماكان من قلوبكم ينبع.

فلتلعنوا الظلام.

وصانعي المأساة والآلام.

ولتمسحوا الدموعْ.

وتوقدوا الشموعْ.

لقد كتب العديد من النقاد الكبار والمتابعين لمسيرة الشاعر عبد الوهاب البياتي عن تلك التجربة الشعرية الكبيرة التي خاضها ونقل من خلالها صوره الشعرية الحية من خلال رموزه التأريخية التي وظفها بكثافة في شعره وهي: عشتار – عائشة – الحلاج –محي الدين بن عربي – عمر الخيام –أبو العلاء المعري – المتنبي – سيزيف –لوركا – ناظم حكمت – بوشكين - مصباح ديوجين وغيرها من الرموز والأساطير العالمية وحصل العديد من الدارسين شهادة الدكتوراه والماجستير في شعره وصنفه الإسبان في خانة الشعراء الكبار أمثال الشاعرغارسيا لوركا والشاعر رفائيل ألبيرتي والشاعر خافيير ماركوس .

لقد كتب الناقد صبري حافظ عن تجربة البياتي الشعرية قائلا:

(لقد عاش البياتي خصوبة شعراء القرن التاسع عشر ولكن بأسلوب القرن العشرين أمثال لوركا ونيرودا وأراجون وناظم حكمت . فعبد الوهاب البياتي لا يتعامل مع الكلمات باعتبارها ترفا أو إحدى أدوات الزينة ولكن باعتبارها سلاح حياته ، ومبرر وجوده .وإن الكلمات عنده أسلحة وكتابة القصائد أحد أشكال إستخدام هذه الأسلحة في معركة الوجود) .

وكتب الناقد مدني صالح:

(السياب والبياتي هما أصدق شاعرين منذ أن بنى أبو جعفر المنصور بغداد .) 

وكتب مجاهد عبد المنعم:

( لو لم يولد البياتي لكان على التأريخ أن ينجب بياتيا يحمل كل خصائص البياتي الحالية. )  

لقد كان البياتي شاعر المنافي بحق بعد أن لاقى الجحود والظلم والتعسف في وطنه وأينما كانت تحط قدمه في هذا العالم كان يحمل قلبه المتعب بهموم وطنه العراق . لقد طحنته السنين وصنعت منه عاشقا صوفيا معجونا بتربة العراق الذي تحول إلى غابة يسرح بها طاغية سفاح وعصابته القتلة من جلاوزة البعث الفاشي ومداحي السلطة الجائرة المتسكعين على موائد البلاط الصدامي وهباته وعطاياه المسروقة من دماء الملايين من المحرومين والمعدمين والمسحوقين في العراق والذين حول الطاغية عظامهم إلى وقود لحروبه الدموية المهلكة وتغنى بها شعراء البلاط الصدامي المعروفين الذين أتخمتهم تلك الموائد المحرمة وظلوا ينعبون وينعقون ببكائياتهم على العراق زورا وكذبا ودجلا بعد أن تجاهلوا كل تلك الدماء الطاهرة التي سفكها الطاغية واعتبروها فتحا باهرا ونصرا عظيما لمستقبل الأمة العربية المشرق ولم تكن إلا طامة كبرى للعراق وشعبه أرجعت العراق والأمة العربية إلى قرن من التأخر والضياع والتمزق والنكوص.

في منتصف الأربعينات تفتحت شاعرية الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي وكانت تلك القترة تعج بالظلم وكثرة الفقراء والمسحوقين الذين يصارعون الحياة من أجل لقمة العيش التي كانوا يحصلون عليها بصعوبة بالغة . حيث عاش البياتي في تلك الفترة منحدرا من تلك العائلة العمالية البسيطة وشاهد بني وطنه تفتك بهم الأمراض وتبرز عروق أجسادهم الناتئة في حر الصيف اللاهب ، وبرد الشتاء القارص وهم يزرعون أرضهم التي أحبوها والعمال الذين لفحتهم الشمس المحرقة وهم يقومون بأعمال يدوية شاقة أقوى من أجسادهم المتعبة بكثير من أجل جلب لقمة العيش لعوائلهم فأدان ذلك الواقع المرير ودعا إلى التمرد على ذلك الواقع المزري من خلال ديوانه الأول (ملائكة وشياطين) عام 1950 وازدحم ذلك الديوان بكلمات (الحرمان .. الموت .. الظلام .. القبور.. الدماء .) ففي قصيدته أغنية منتحر يقول: ليل أحس على فمي شفة.

صفراء  تصبغ  بالدماء  فمي.

وجناح خفاش يطيرعلى قبري

فيملأ بالرؤى حلمي.

وأرى يدا سوداء تصفعني.

وتشد شعري شد منتقم.

وأرى غطاء القبر منتفخا.

وجحافل الديدان كالظلم.

إنها أبيات تدين الواقع المر، وتحرض على الثورة عليه رغم الأيادي السوداء وجحافل الديدان من عملاء الحكام الذين امتصوا دماء الملايين وحولوهم إلى أشباح.

وفي قصيدته (حافة الشيطان) إدانة واضحة لذلك الواقع الفاسد والقيم المصطنعة الكاذبة التي يتمسك بها الظالمون من أجل أن يحتفظوا بمواقعهم:

قيمٌ يصوغ الكذب أحرفها

ويلوح من ألفاظها العفنُ

العار يأنف أن يصافحها

وتعافها  الديدان والدمنُ

أقزامها  أشباحُ   مهزلةٍ

غرى يعيد فصولها الزمنُ

والسوط والحرمان في يده

والخمر والأزهار  والكفن. ُ

وفي ديوانه (سفر الفقر والثورة) يختار شخصية الحلاج ذلك الإنسان الصوفي الثائر الذي صلب عام 309ه من قبل حكام الظلم والجور وكانت تهمة (الزندقة) جاهزة لكل من يناوئ السلطة العباسية الجائرة بعد أن جلد بالسياط وقطعت أوصاله ثم فصل رأسه عن جسده وأحرقت أشلاؤه ورميت بقاياها في نهر دجله فنراه يختار هذه الشخصية الصوفية التي ضحت بنفسها في سبيل القيم والمبادئ التي آمن بها بعد أن ذاب في العشق الإلهي حيث كتب البياتي قصيدة (المحاكمة) التي تجعل من الحلاج رمزا للشموخ والتحدي ضد أعداء الله والدين من حكام الإستبداد الذين نصبوا من أنفسهم أصناما تعبد من دون الله وإن رماد عظام هذا العاشق الصوفي ستزهر وتورق غابة من أشجار وإشعاعات نور للنفوس التي أطبق عليها الظلام حيث يقول في تلك القصيدة:

عشر ليال وأنا أكابد الأهوال

وأعتلي صهوة هذا الألم القتالْ.

أوصال جسمي قطعوها أحرقوها .

ونثروا رمادها  في الريحْ .

أوصال جسمي أصبحت سمادْ .

ستكبر الغابة يامعانقي وعاشقي.

ستكبر الأشجارْ.

سنلتقي بعد غد في هيكل الأنوارْ.

فالزيت في المصباح لن يجف.

وفي قصيدته (المتنبي) يتناول تلك القامة الشعرية العظيمة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وانتهت إلى قبر مجهول في دير العاقول حيث يتصدى له فاتك الأسدي  ويحاول المتنبي النجاة بنفسه فيرفع فاتك صوته نحوه ألست القائل:

الخيل   والليل   والبيداء   تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم؟

فيقفل المتنبي راجعا لمواجهة مصيره المحتوم وهو يقول: (قتلتني قتلك الله). وهي قمة الإلتزام بالكلمة من شاعر الخلود المتنبي فيقتل فاتك وجماعته المتنبي وغلامه وإبنه محسد . حيث يستغل البياتي هذا الموت الدرامي لذلك الشاعر الذي جاب الفيافي والقفار وهو ينشد شعرا متفردا فيكتب قصيدته: (موت المتنبي) في ديوانه النار والكلمات الذي أصدره عام 1964

عيونه الطينية السوداءْ.

تسبر غور الجرح في السماءْ.

حصانه يصهل في المساءْ.

على تخوم المدن الغبراءْ.

يورد نبع الماءْ.

حصانه عبر المراعي الخضر والتلالْ.

يوقظ في حافره النجوم والأطفال .

 

 جعفر المهاجر.

 

 

salim alhasani2تعرفتُ عليه عام ١٩٨٣ ولم تمض دقائق حتى أخذني بأخلاقه الرفيعة، وظرافته اللذيذة، وبريق معدنه الأصيل الذي يشع من وجهه. هو من صنف الرجال الذين يجود بهم الزمان في أوقات متباعدة، فيشكرون نعمة الله من خلال العمل الصالح ومساعدة الآخرين وغوث المستغيثين.

لا أدري كيف أضع ترتيب صفاته في تسلسل رقمي، الكرم أم الشهامة، ام الطيبة، أم الصدق أم عمل الخير أم الوفاء، فخصاله تنتظم في قائمة طويلة يتفق عليها كل من عرفه.

ينحدر من مدينة الرميثة، من عائلة كريمة لها وجاهتها ومكانتها الاجتماعية، وقد حفظ لها الحاج (مناحي/ أبو علي) مكانتها، بل زادها مكانة بجميل صنائعه، مع شقيقه المرحوم الشيخ (هاشم اليعقوبي) رحمه الله.

هاجر الى الكويت واستقر فيها عدة سنوات، وكان منزله مأوى المهاجرين العراقيين، يقصده طالب الحاجة فيخرج راضياً شاكراً، ويأتيه الباحث عن عمل فيأخذ بيده حتى يطمئن عليه بعمل شريف، ويهمس بأذنه آخرون، فيهمس بآذانهم بتلبية ما يريدون محافظاً على عزة أنفسهم.

لم يغلق باب بيته طوال إقامته في الكويت، تدخل الجموع وتخرج في أي وقت، ووجبات الطعام جاهزة من الصباح حتى المساء، ومن لا يجد مأوى ينام فيه، فمضافته مستقر لهم بدفئها أيام الشتاء وبرودتها أيام الصيف.

عند (الحاج مناحي) المال للآخرين وله، فهم شركاء فيه، وكان لهم في هذا الجانب خير شريك.

جازف بحياته في أيام المواجهة العصيبة ضد نظام البعث الصدامي، واقترب من الموت، واخترق حواجزه ثابتاً شجاعاً، وحين عاش في هجرته المتعددة الإقامات والمغيرة الأحوال، كان هو الثابت وسط المتغيرات، فلا الظرف ولا التقلبات تستطيع أن تنال من هذا الرجل الذي تمسك بالمبادئ الأخلاقية، والقيم الانسانية، وعض عليها بأسنانه لكي لا يفقد منه حبة واحدة، فكان الداعية بسلوكه وأخلاقه.

ذات مرة كنت أتبادل معه الحديث في منزل المرحوم الغالي (عبد الكريم الأنصاري) بطهران، فروى لي أن بعض الشبان دخلوا منزله مساء يوم من سنوات إقامته في الكويت، لم يكن يعرفهم، فاستضافهم كعادته، وقدم لهم العشاء، فامتنعوا عن الأكل، فسألهم إن كانوا يرغبون بطعام غيره، لكنهم أجابوه بأنهم لا يأكلون إلا بمفردهم، فتركهم حتى فرغوا من طعامهم. ثم هيأ لهم مكان المنام، وفي الصباح وحين همّوا بالمغادرة، سألهم عن حاجتهم ولباها لهم.

سألته: ألم تعرف السبب لماذا امتنعوا عن تناول العشاء بحضورك؟

أجابني: لم أسألهم، لأني لو سألتهم فقد يشعرون بالحرج، وقد تكون لهم حاجة يطلبونها، فيترددون عن طلبها.

أي نوع من الرجال أنت أيها العزيز الغالي (أبو علي)؟.

حين سقط نظام صدام، عاد الى العراق، وهمّه أن يخدم أبناء وطنه، وبحكم علاقاته العشائرية ووجاهته الاجتماعية، فقد كان مؤثراً في العديد من الأوساط على نهجه المعروف.

تولى وظيفة حكومية في العمل الاجتماعي، ونجح بها أيما نجاح، فهو الخبير بشؤون الناس وطباعهم وعاداتهم، وكان ذلك في الفترة الأولى من ولاية السيد نوري المالكي.

وكان متوقعاً لرجل مثله بهذه المكانة والخصال، أن يتولى منصباً أفضل، وأن يكون له دور أهم في النشاط الاجتماعي، لكن الذي حصل عكس ذلك تماماً، فلم يرق هذا الرجل الشهم صاحب التاريخ الطويل لـ (أحمد المالكي)، واقنع والده رئيس الوزراء بإعفائه من وظيفته، والمالكي لا يعصي لابنه أمراً، مع أنه يعرف (الحاج مناحي) تمام المعرفة من سنوات إقامته في سوريا.

عزيزي الحاج (أبو علي) حفظك الله ومنّ عليك بالعافية، فأنت الكبير وهم الصغار.

 

سليم الحسني

 

 

1368 khalilفي سنة 2002م أصدرت كتابي الموسوم (الشيخ علي عوض الحلي، حياته وأدبه)، وقد ذكرت على غلافه الخلفي أنه (كتاب أدبي يتضمن سيرة وآثار أديب مرموق من أدباء مدينة الحلة الفيحاء، وعلم بارز من أعلامها الكبار في القرن التاسع عشر الميلادي لم يُفرد من قبل في كتاب خاص به ؛ وإنما تناثرت أخباره وأشعاره ورسائله في المصادر النادرة، وكاد غبار الزمن أن يخفي ذكره ويطمس أثره، فجاء هذا الكتاب لينفض الغبار عنه ويجلو اسمه ويظهر تراثه العراقي العربي الأصيل بأصدق صورة مع جوانب جميلة ومشرقة من تأريخ وأدب مدينة الحلة الفيحاء عبر العصور)؛ كما جعلت إهدائي للكتاب (إلى مدينة الحلة الفيحاء .. وإلى أهلها الطيبين الكرام أهدي هذا الجهد المتواضع تحية ومحبة واعتزازا).

استقبل الكتاب – كما لمست وأخبرني المتابعون – استقبالا حسنا، وأحدث صدى طيبا بين من اطلع عليه أو سمع به، وعدّه البعض خير ما صدر ذلك العام في محافظة بابل، وهناك من رشحه ليكون رسالة لنيل شهادة الماجستير، لكن فرعا من آل عوض كان يدعى - تقربا للسلطة يومذاك - النسب العباسي، أقام الدنيا وأقعدها عليَ ؛ لأني أكدت في صفحة واحدة النسب الأسدي للشاعر الشيخ علي عوض الحلي، فثارت ثائرته، ورفع كبيره دعوى قضائية ضدي في محكمة بداءة الحلة، طلب فيها دعوتي للمرافعة وإصدار قرار يلزمني بالتعويض الأدبي الذي أصابه، وقدّره بمئة مليون دينار !! وكذلك التعويض المادي، وقدرّه بمئة مليون دينار أيضا (مع الاحتفاظ بالمطالبة بالزيادة للتعويضين الأدبي والمادي بدعوى منظمة أو مستقلة)، وتحميلي الرسوم كافة وأتعاب المحاماة، وقام المشتكي بدفع رسوم التعويضين !! وقد أوكل محاميا بمواصفات خاصة يعرفها زملاؤه !! وأبلغه أن مبلغ الغرامتين سيدفع له، وسيكون من نصيبه مع أجوره كاملة ومكافأة أخرى إضافية !! فاستقتل هذا المحامي واستعان بكل الوسائل من أجل خسارتي والإيقاع بي مستخدما شتى السبل والأساليب المشروعة وغير المشروعة !!

كنت واثقا من دقة معلوماتي ومطمئنا إلى صواب موقفي مما زادني تمسكا بصحة ما كتبت ونشرت، وقررت خوض المعركة بصدق وصبر وشجاعة إلى النهاية من دون أدنى تردد، ومهما كلفني الأمر خاصة وقد بلغني وقوف نخبة من الفضلاء في مدينة الحلة معي عندما علموا بالدعوى القضائية المقامة ضدي ممن لم أكن قد تعرفت إليهم بعد ؛ منهم السيد عبود الشلاه والسيد معز القزويني والسيد محمد علي النجار والمهندس شوقي جابر والمحامي خليل إسكندر والسيد حسام الشلاه وآخرون، وأفصحوا علانية عن مؤازرتهم التامة لي، وصار موضوع الكتاب وأمر الدعوى حديث المجالس في المدينة يومذاك .

حضرت الجلسة الأولى لهذه الدعوى في محكمة بداءة الحلة يوم السبت 21/9/2002م، ومعي وكيلي المحامي صلاح الجبوري، وقد طلبت منه قبل كل شيء نقلها إلى محكمة بداءة السدة (سدة الهندية)، فاستجابت المحكمة لهذا الطلب القانوني، وتم نقل الدعوى على الرغم من اعتراض الجهة المشتكية، ومحاولة وكليهم المستميتة في منع تلبية هذا الطلب وبقائها في الحلة، فكانت بداية رابحة وبشارة خير بالنسبة لي إذ كان يوجد في محكمة بداءة السدة أحد القضاة ممن لهم سمعة طيبة في القضاء العادل والأخلاق الحميدة كما نقل لي ؛ هو القاضي يعرب رشيد الراوي، وهناك مقولة متداولة محليا تقول (إن كل القضاة الذين عملوا في السدة امتازوا بالنزاهة والطيبة) .

حدد موعد مرافعة في محكمة بداءة السدة، فوصلتها حاملا معي كيسا ثقيلا مليئا بالمصادر القديمة والحديثة التي تؤكد النسب الأسدي للشاعر الشيخ علي عوض الحلي، وعندما بدأت المرافعة أخرجت تلك المصادر، ووضعتها فوق منضدة القاضي، فراح يقلبها واحدا تلو الآخر، ويقرأ ما ورد في صفحاتها، بينما لم يكن لدى وكيل الخصم الذي اعترض بشدة على ما قدمت وعدها كلها (كتبا تافهة!!) سوى مصدر حديث واحد محل خلاف ونزاع آل عوض عليه، وعليه اعتراضات كثيرة من العباسيين أنفسهم ؛ ومن مصادري التي عدّها تافهة : كتاب (البابليات) لليعقوبي، و(شعراء الحلة) للخاقاني، و(الأعيان) للسيد العاملي و(الذريعة) للطهراني، و(الطليعة) للسماوي، و(أدب الطف) للسيد شبر، و(معجم المؤلفين) لكحالة، و(تاريخ الحلة) لكركوش)، و(دراسات عن عشائر العراق) للساعدي، وغيرها من أمات الكتب القيمة، ولم استطع تحمل مقالته، فرددت عليه بشدة، ثم رأيت أن لا أحضر المرافعات القادمة كي لا أستفز بمثل هذه العبارات الفجة، وأوكلت بالحضور نيابة عني ابنتي المحامية التي واصلت المهمة إلى نهاية الشوط .

بعد عدة مرافعات تبادلنا فيها اللوائح واللوائح الجوابية قرر القاضي انتداب ثلاثة خبراء للاستعانة بهم في حسم الخلاف بشأن ما ورد في الكتاب، ورأى أن يكون الخبير الأول من هيأة الأنساب العربية العامة في اتحاد المؤرخين العرب ببغداد ؛ وقد رشحت الدكتور جواد مطر الموسوي، والخبير الثاني أديب من محافظة بابل، وكان رأي القاضي أن يكون الأديب قاسم عبد الأمير عجام، ولما علم بوجود معرفة وصداقة حميمة بيننا استبدله وطلب من جامعة بابل ترشيح أكاديمي متخصص بالأدب الحديث ومن الأعضاء في اتحاد الأدباء ؛ فرشحت رئاسة الجامعة الدكتور صباح نوري المرزوك، والخبير الثالث المحامي خليل إسكندر كخبير قضائي، وقد رشحه اتحاد الحقوقيين فرع بابل، وكان يشغل نائب رئيسه المحامين، وكان قاضيا سابقا عاد للمحاماة بعد إحالته على التقاعد .

حضر الخبراء الثلاثة إلى محكمة بداءة السدة في اليوم الذي حدد لهم، وسلمهم القاضي نسخة من الكتاب محل الدعوى، وطلب منهم دراسته، وتقديم رأيهم بما ورد فيه تحريريا بعد عشرة أيام، وقد أنجزوا التقرير بالفعل بعد عشرة أيام، وحضروا مرة ثانية إلى محكمة بداءة السدة في 28/11/2002م، ومعهم التقرير المطلوب، وسلموه للقاضي بعد قراءة مضمونه، وجاء في ديباجته :

(اطلعت لجنة الخبراء على الكتاب الموسوم (الشيخ علي عوض الحلي .. حياته وأدبه) تأليف جواد عبد الكاظم محسن، والمطبوع في مكتب (أحمد الدباغ) في باب المعظم – بغداد وبموافقة رسمية حسب رقم الإيداع (537) دار الكتب والوثائق – بغداد (2002م) ومفهرس ضمن المكتبة الوطنية الرسمية بالرقم (92801/ ج 924) وتوصلت اللجنة إلى ما يأتي ....)، وأدرجت سبع نقاط جوهرية ومفصلة، وختمت تقريرها بإيجاز قالت فيه إن الكتاب (صدر وطبع بصورة رسمية وعلنية، وهو من الكتب الأدبية، ومصادره حقيقية، ونقله للنصوص أمين، ولا يوجد في الكتاب ما يشير إلى الإساءة لشخصية (الشيخ علي عوض) ولا لأسرته (آل عوض) بل أبرز الجوانب الإيجابية ورفع من شأن الأسرة التي أكدت المصادر والمراجع والدراسة التي قدمها الدكتور خضير الجميلي إلى الأمانة العامة لهيأة كتاب تأريخ الأنساب العربية في إتحاد المؤرخين العرب نسبتها إلى (بني أسد) فضلا عن المتعارف عليه والمشهور عنها، ولما تقدم فإن الإدعاء بغير ذلك عن الكتاب ومؤلفه مردود، وإن المدعي لا يستحق التعويض المطالب به، ولا نجد وجها ولا حقا في الدعوى المعروضة أمام محكمتكم المحترمة، وقد جاء هذا القرار من قبلنا بالاتفاق، هذا ونقد لمحكمتكم المحترمة فائق الشكر والتقدير) .

وعلى ضوء هذا التقرير المنصف رد القاضي الدعوى في 16/12/2002م، وحمّل المدعي جميع الرسوم والمصاريف، وقد طعن وكيل المدعي بالقرار لدى رئاسة محكمة التمييز طالبا نقضه، فجاء قرارها مطابقا ومؤيدا لصحة قرار محكمة بداءة السدة، ورأته موافقا للقانون وصادقت عليه بالاتفاق في 15/2/2003م .

بقيت احتفظ لخليل إسكندر موقفه الشجاع في هذه القضية على الرغم من الضغوطات الكثيرة التي تعرض لها، ووددت لو ألتقيته، لأقدم له شكري وتقديري على موضوعيته وشجاعته وصموده، ولم يتحقق لقائي به حتى شهر مايس سنة 2006م عندما زرته في دائرته هيأة حل نزاع الملكية العقارية في الحلة بصحبة الصديق عبد الرضا عوض، فرحب بي كثيرا، وسرّ بزيارتي له، فاغتنمت الفرصة لأجري معه لقاءً مطولا نشرته على الصفحة الأخيرة في جريدتي (عروس الفرات) بعددها الخامس والعشرين الصادر في 28/5/2006م .

وفي هذا اللقاء أرخت أول ما أرخت لسيرته فأعلمني أنه خليل اسكندر إسماعيل محمد سعيد الجبوري، ولد في محلة الجباويين بالحلة سنة 1930م، ونشأ في أحضان أسرة معروفة بمواقفها الوطنية ووجاهتها الاجتماعية، وأكمل دراسته الأولية في مدينته، والتحق بكلية الحقوق سنة 1949م، وتخرج فيها سنة 1953م، ومارس المحاماة قبل تعيينه وتدرجه في الوظيفة، وقد بلغ منصب رئاسة محكمة جنايات بابل، وأحيل على التقاعد سنة 1982م (بناءً على مقتضيات المصلحة العامة!!) بإشارة من السلطات العليا من دون بلوغه السن القانوني، فعاد لممارسة مهنته الأولى المحاماة، وبعد سقوط النظام السابق أصدر مجلس القضاء الأعلى سنة 2004م أمرا بعودته إلى الوظيفة مرة ثانية وتعيينه رئيس اللجنة الأولى في هيأة حل النزاعات الملكية العقارية في محافظة بابل، وقد استمر في وظيفته إلى تقاعده الثاني سنة 2006م، وبلغني بعد سنوات خبر وفاته في الحلة سنة 2009م بعد حياة مليئة بالطيبة وحافلة بالعطاء والمواقف الشجاعة .

في ذلك اللقاء الوحيد الذي تم بيننا ؛ سألته عن ذكرياته في مدينة السدة، وقد استقر فيها قاضيا سنة 1976م، فقال إن السدة ناحية جميلة، ومصيف لطيف، وهواؤها عليل، تحيط بها الأنهار من جهاتها الأربع، وأروع ما تكون فيها الليالي، وأهل السدة طيبون ولطفاء المعشر، وقد عمل فيها لمدة سنتين، فاحتفظ له الناس بالمودة، وحمل هو ذكريات جميلة عنها .

ومن ذكرياته الطريفة فيها كما روى أن دعوى عرضت أمامه بين زوجين شابين عندهما ثلاثة أطفال، وطفل رابع في الطريق، وهي تطالب ببيت شرعي، وخرج بصفته قاضيا مع أعضاء من المحكمة للكشف عن البيت بصحبة الزوجين، وقالت الزوجة إن هناك نقصا في الأثاث، وحددت النقص بـ (لحاف وشحاطة) !! فاستفسر القاضي من الزوج عنهما، فقال إن اللحاف أعطاه لأخيه الذي نزل حديثا في الأقسام الداخلية للطلبة بعد قبوله بجامعة بغداد، وأما (الشحاطة) فلا علم له بها !! وهزّ موقف الزوجين وأطفالهما القاضي، فتدخل طالبا من الزوجة الرضا بقضية إعطاء (اللحاف) لحماها الطالب الجامعي إذ ستكسبه بذلك إلى جانبها، فاقتنعت بالأمر، وطلب من الزوج شراء (الشحاطة)، فوافق على أن يمنح مهلة إلى رأس الشهر واستلامه الراتب، فوافقت الزوجة شرط كفالته من قبل القاضي شخصيا !! فوافق القاضي على هذه الكفالة الغريبة !!

ومرت الأيام سراعا، حتى فوجئ القاضي خليل إسكندر في صباح أحد الأيام قبل بدء الدوام الرسمي بمن يطرق بابه، ففتح الباب، فوجد الزوجة صاحبة الدعوى، فسألته : هل حضرتك القاضي ؟ فأجابها : نعم .. فعادت للقول : لقد تكفلت زوجي بشراء (الشحاطة)، وقد حلّ رأس الشهر ومرّ أسبوع كامل بعده، ولم يشتر زوجي (الشحاطة) التي وعد بشرائها !! وأنت من كفله !! فطلب القاضي منها الذهاب إلى بناية المحكمة وانتظاره فيها، وطمأنها بأنه سيفي لها بكفالته !! فاستدعى فراش المحكمة وأعطاه مبلغا من المال، وطلب منها مرافقته إلى السوق لاختيار (الشحاطة) التي تناسبها وعلى ذوقها !!

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

abdulhusan shaabanلا أخال أحداً من الذين أدركهم الوعي من جيل ما بعد ثورة 14 تمّوز (يوليو) العام 1958، وخصوصاً من المثقّفين أو القريبين منهم، لم يسمع باسم "أبو گاطع" أو يردِّد "لازِمة" اشتهرت باسمه، وهي عنوان برنامجه الشهير، "إحجيه بصراحة يبوگاطع" (إحكيها)…

فالرجل احتلّ مكانة استثنائيّة ليس في الأدب والصحافة العراقيّة فحسب، بل وعلى الصعيد الشعبيّ، وانشغلت أوساطٌ واسعة من مختلف التيّارات (المُوالاة والمُعارَضة وما بينهما) بما يكتبه وما ينشره في عموده الصحافيّ، ولاسيّما في مطبوعات الحزب الشيوعي في السبعينيّات: مثل مجلّة الثقافة الجديدة، التي كان مدير تحريرها، وجريدة الفكر الجديد (الأسبوعيّة)، وجريدة طريق الشعب(اليوميّة)، وقبل ذلك في أواخر الخمسينيّات ومطلع الستينيّات، كَتَب في عددٍ من الصّحف اليساريّة العراقيّة، لكنّ برنامجه الإذاعي (من إذاعة بغداد) كان الأكثر شهرة، بل إنّ شهرته جاءت من برنامجه.

وارتفع رصيده ليس كصحافي فحسب، بل إنّ دخوله عالَم الرواية، وصدور رباعيّته كان قد وضعه في مكانة مرموقة بين الروائيّين الكبار أمثال "غائب طعمة فرمان"، و"فؤاد التكرلي"، و"محمّد خضير"، و"عبد الرحمن مجيد الربيعي"، وآخرين؛ لكنّ ما تميّز عنهم، هو قدرته في توظيف مخزونه الريفيّ وضخّه في الرواية التي هي في الغالِب مدينيّة، بحيث أصبحت حياة الريف مألوفة لدى قارئ الرواية وهو ابن المدينة في الأغلب الأعمّ.

وكان "أبو جبران" (وهو نجله الأكبر) يطمح أن يصبح روائّياً، وحين دسَّ مخطوطته (الرباعيّة) بيد غائب طعمة فرمان، طالباً منه قراءتها قبل طباعتها، همس بأذنه (أريد أن أكون منكم)، أي من كتّاب الرواية، فالرواية وما تحفل به ظلّت هاجسه حتّى حين يكتب عموده الصحافي، فقد كان يبحث عن حبكة درامية، ومتن وقفل بمثابة خاتمة ليجعل القارىء يفكِّر في نهايات مفتوحة.

كان صدور رباعيّته: الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، وفلوس حميّد، (العام 1973)، محطّة جديدة لا على مستوى الرواية العراقية فحسب، بل في تقديمٍ روائيٍّ ريفيٍّ يستطيع أن يؤثّر على المدينة ومثقّفيها، وليس كما كان العكس جارياً، فلم يعُد "أبو گاطع" في خطابه أو حكاياته وأقصوصاته، ولاسيّما رباعيّته، يقتصر على مُخاطَبة الفلّاحين والأوساط الشعبية، بل امتدّ ليشمل ما يكتبه عن المدينة بما تحتويه من تيّارات فكرية وثقافية واسعة، سواء من كان معه أم ضدّه، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول كتاباته لدرجة أنّها مُنعت فتمّت ملاحقته بتُهم أقلّها "الإعدام" على حدّ تعبيره الساخر، حيث اضطرّ إلى مغادرة العراق نحو المنفى (العام 1976)، مع ملابسات ما حصل له لاحقاً (في براغ)، وهناك قضى بحادث سير في 17 آب (أغسطس) العام 1981.

مرّ 36 عاماً على رحيل "أبو گاطع" "شمران يوسف الياسري"، (أبو جبران) الذي اشتهر بكنيَتِه، كما اشتهرت راويته الشخصيّة الأثيرة المعروفة باسم "خلف الدوّاح"، وهو اسم مستعار لشخص حقيقي، وليس وهميّاً. فاسمه هو "گعود الفرحان"، الذي كنت قد نشرت صورته لأوّل مرّة في كتابي "على ضفاف السخرية الحزينة"، وكان خلف الدوّاح مثل ظلّ "أبو گاطع"، مُلازماً له.

لقد أتقن "أبو گاطع" حرفته وأدرك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب،مبتكراً طُرقاً مباشرة وغير مباشرة للنقد والتّحريض والتّفكير، والهدف هو الوصول إلى القارئ، سواء بتفخيخ حكاياته وأقصوصاته وجُمله أم باستدراجه لدائرة الإيهام. وفي كلّ الأحوال دفعه للتّساؤل والشك،لما تستثيره نصوصه، فتارةً يستفزّ المتلقّي من البداية، وأخرى يرخي له المقدّمة ليوحي له بنهاية مستريحة، لكنّه سرعان ما يُفاجئه قبل الخاتمة بالعودة إلى دائرة السؤال، تلك هي حبكته الدراميّة المتميّزة.

وعلى الرّغم من كونه مثقّفاً أعزل وفرداً "نفراً" -على حدّ تعبيره- وبإمكانات محدودة وشحيحة، إلّا أنّ أسئلته المُشاغِبة كانت تتميّز بإثارة شكوك وارتيابات تفوق تأثيراتها ما تفعله هيئات أو مؤسّسات أحياناً، في ظلّ أساليب الدّعاية والحرب النفسيّة والصراع الإيديولوجي الذي كان سائداً على نحو حادّ في زمانه.

ودليلي على ذلك أنّه  اضطرّ لطباعة روايته "الرّباعية"على نفقته الخاصّة، بعد أن امتنعت الجهات الرسمية من طبعها، بزعم عدم استيفائها الشروط الفنّية، لكنّه باع عشرات، وربّما مئات النسخ، حتّى قبل صدورها لدفع ثمنها إلى المطبعة، وقد حجز العديد من الأصدقاء نسخهم قبل أن تُطبَع، ولا أعتقد أنّ كاتباً استطاع أن يفعل ذلك قبله أو بعده. إنّها طريقة "أبو گاطعيّة" بامتياز، له براءة اختراعها.

كان تأثير ما يكتب كبيراً على السلطة ومعارضتها، بل حتّى داخل الحزب الشيوعي نفسه، حيث يجري صراعٌ "مكتوم" بين قيادة "مُسترخِية" وقاعدة "مُستعصيَة"، فقد كان أقرب إلى "بارومتر" يقيس فيه الناس درجة حرارة الجوّ السياسي. وقد نجح في توظيف علوم عديدة لاختيار الوسيلة الأنجع واختبارها، وذلك من خلال عِلم النفس وعِلم الاجتماع وأساليب التغلغل الناعم والحكاية الشعبية ليصل إلى مراده، متحدّياً الجميع أحياناً، بمَن فيهم نفسه، حتّى وإن اقتضى الأمر المُغامرة، باحثاً في كلّ ذلك عن المُغايرة والتميّز والجديد والحقيقة البيضاء.

ولهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً، ناهيك بالقيَم الجماليّة التي حاول إظهارها، كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع، خالِقاً أبطالاً هدفهم إسعادنا، على الرّغم ممّا كان يعانيه من ألم، وكما قال غائب طعمة فرمان عنه: "إنّه إنسان ثابت في أرضه، يعرف كلّ شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافيّة روح، بشجاعة قلب، وحكمة نظرية ومُكتسَبة بما يمثِّل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف".

والقراءة لا ينبغي أن تكون من باب التمجيد والمُجامَلة، بقدر ما تكون قراءة نقدية منهجية وموضوعية، بما له وما عليه، فضلاً عن إمكانية إفادة القارىء من الأجيال الحالية والقادمة، بالأجواء السياسية والفكرية والثقافية التي كانت سائدة في عهده والتحدّيات والكوابح التي اعترضت طريقه، ودَوره المتميّز على الرّغم من ظروفه الحياتية والمعيشية الصعبة، فلم يتمكّن من إكماله دراسته، وهو ما يطرح أسئلة على الجيل الحالي والأجيال المستقبلية: ترى من أين جاءت موهبته؟ وكيف تمكّن من صقلها؟ ثمّ كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته؟ بحيث احتلّ هذه المكانة الاستثنائية ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقّلاً من عالَم الصحافة السريع والكثير الحركة إلى فضاء الرواية الذي يحتاج إلى التأمّل والدّقة.

لقد عرف العراق مع "أبو گاطع"  لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر الذي برز فيه صاحبه بنتاجه المتنوّع، سواء في حديثه الإذاعي الموجَّه إلى الفلّاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المَجالس والمَضايف والديوانيّات، ليجعله مادّة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته، وبخاصّة رباعيّته أو رواية "الحمزة الخلف".

لا أدري إلى أيّ حدٍّ – ونحن نستعيد "أبو گاطع" – يُمكن أن نستذكر الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز  صاحب رواية: "قصّة مدينتَين A Tale Of Two Cities"، فقد امتاز أسلوبه هو الآخر بالدعابة البارعة والسخرية اللّاذِعة، وصوَّر جانباً مهمّاً من حياة الفقراء وحظيَ بشعبيّة لم ينلها مجايلوه.

وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزانٌ كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبو گاطع" فيها بعض التخفيف من قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحكاً أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا على النقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.

لقد أدرك "أبو گاطع" أنّ الحزن معتّقٌ في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كلّ شيء، فحتّى فرح العراقيّين وغناؤهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلَّفة بالحزن الجميل.

إنّ سخريةً مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادّة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يُواجِه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشكلاته وهمومه بنَوعٍ من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تُعبِّر عن موقف مقابل لكلّ تلك الإشكاليّات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إنّي أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".

لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالَج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم. كما حاول الكشف عن حياة مطويَّة تقريباً، فصوَّر الواقع بكاميرا بانوراميّة، مُلتقطاً صُوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، ولاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته.

وصدق الروائي الروسي مكسيم غوركي حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرّخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبو گاطع – أبو جبران" هو مؤرِّخ الريف، حيث عكست رباعيّته حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحبّ المحرَّم والظُّلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدّين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهمّ من تاريخ الدولة العراقية، وللدقّة لضاعت إحدى الرؤى التي يُمكنها مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان عن الريف العراقي.

ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنيّاً، بل يمثّل جزءاً من حياتنا اليوميّة، فإنّه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هَيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيّات.

تلك هي معركة "أبو گاطع"، وهي معركة خارجية ضدّ الهَيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضدّ قوى الظلام والاستبداد، إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذّات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها ممّا علق بها من أدران وترهّات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كلّ كاتب حرّ وصاحب فكر مُنفتِح.

"أبو گاطع" الذي رحل قبل أكثر من  ثلاثة عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

 

khadom almosawiان تكتب عن الغياب والغربة والمنافي أمر محزن بعمومه، رغم كل ما حصل في هذه الاصقاع، وما نتج عنها، وما كسب بسببها، او تمت الاستفادة خلالها بامور غير قليلة وليست عابرة. فرغم المعاناة فيها لا يمكن إنكار الكثير من الفوائد منها وفيها. فضلا عن تعلم لغة جديدة، في أغلب الاحيان، وتتوفر الى المهاجر او اللاجئ او المنفي فرص لا تعوّض في التعلم والتطبيق والبحث عن عمل ملائم لاختصاصه او رغبته. هذا على الصعيد الفردي الخاص، اما العام، فالإنسان يشعر بأنه انسان فعلا، وعليه التزامات وواجبات مثلما له حقوق وامتيازات، لم يحصل عليها سابقا، وقد تكون لاكثرية المهاجرين السبب الرئيس للهجرة والتغرب. وهذه الخصلة مكسب كبير، استعادة الإنسانية التي فطر المرء عليها والمطالبة بالحقوق لغيره او الاحساس بها عمليا. وقد تكون هذه وحدها الأهم والاغنى في الحياة و معاناة الهجرة.

 طريفة تروى وتتناقل كثيرا بين الطلاب الاجانب، أنه في درس اللغة كتب طالب من وسط أوروبا، أنه يتمنى أن يعامل كالكلب في هذه البلاد، حيث توفر له كل مستلزماته ويرعى باكثر مما يحتاج او يتطلب، وثمة قواعد سارية بمراعاته حتى في الجلوس في مقاعد الحافلات في التسلسل قبل الرجال. حيث يتسلسل عرفا احترام الطفل والمرأة والكلب ومن ثم الرجل في الجلوس او الأدوار في الحافلات والمترو، او النقل العام عموما. وحين قراتها المعلمة تفاجات بهذه المشاعر والاحاسيس، وظلت تقرا النص وتطلب من كاتبه أن يعيده أمام الطلاب والزوار، متألمة من المعنى والدلالة وشاعرة بقسوة التشبيه وفظاعته، رغم احترامها الكبير للكلب ومعاملته. اذ ما كتبه هذا الإنسان هو تعبير عن الفقد والظلم والانتهاك، وسجل ما رآه وما حلم به في بلاده او اي مكان اخر. انها طريفة ولكنها واقع مؤلم وصورة أخرى عن المكابدة الإنسانية والصراع البشري والامل بالتغيير والبناء.

مثلما هناك ايجابيات كثيرة ثمة سلبيات كثيرة ايضا، قد تكون بالتوازي معها. ولابد من العقل والإرادة في الحكم والتحكم، في الدور والادارة، في العيش والحياة. فليس كل شيء كما يرغب المرء، كالشراع والسفن والرياح. ولابد من اختبار الوعي والجلد والصلابة والصبر، فكم أودت العجلة او التسرع في جهل المحنة او تعميقها او تضخيمها الى مآس وكوارث لا تحمد في كل الاحوال، كالانتحار الفردي أو الانقسام والانفصال العائلي وما شابه.

تبقى المنافي محطات، او خطوات كتبت علينا، ومن كتبت عليه خطى مشاها، كما قال قاؤلها، عبد العزيز الدريني. وبين الاستفادة من منافعها وما تقدمه على جميع الصعد والمستويات، فهي في كل الاحوال تسرع ولا تحس فيها بمرور الزمن، او العمر. ومن هنا فمهما اختلفت الصور ومهما تعددت المشاهد، تظل هي تجارب حياة ومعابر طريق، لها بدايات ونهائيات.. لها لحظات لا تنسى. كم مرة اشتقت الى استكان شاي في مقهى في شارع الرشيد او المتنبي او دعوة اصدقاء في مطعم ومشرب في الكرادة او المنصور او في المدن الاخرى، التي عشت فيها أو تنقلت حسب الظروف والتزامات الاهل والاقارب.

وكم مرة تحس بالرضا والهدوء الغريب وانت تشرب شايا في مقهى الروضة او الكمال او هافانا او غيرها من مقاهي الشام، دمشق الياسمين. وتتميز الروضة عن غيرها باللقاء بالسفير الدائم فيها ابي حالوب، واحسن الشاعر محمد مظلوم والمخرج الفنان باسم قهار في تارخة اللحظة مع الرجل ومقهاه في حلقة تلفزيونية بعنوان" سفير في مقهى"، وحين اهديته كتابا جديدا صدر لي هناك، سجلت فيه أيضا صفته هذه، لم اجد افضل منها، سفير المغتربين والمنفيين والمعذبين، الذي يلتقيك بابتسامته المتميزة وببساطته الجاذبة وروحه المرحة، التي تغطي غلالات القهر والظلم والعسف والانتظار المديد. حين تزوره كانك تدخل عبره الى بوابات الشام، فهو المساعد والمرشد والدليل، في كل حاجة او طلب، عنوانا او هاتفا او مكانا او مرجعا. تجد فيه دائرة استعلامات ناطقة، قبل نزول أجهزة الحاسوب والهاتف المحمول الذكي.

تتذكر المنفى والمقاهي والاصدقاء فتتذكر من سبق ومن كابد، من عاش بكرامته ومن اذلها، من صدق مع نفسه وحاسب ضميره ومن تنكر لموروثه واغتنم غير فرصته. ولخص المبدع يحيى علوان في ترجمة انيقة معاناة الشاعر الالماني برتولت بريشت في نص طويل، منه هذه الكلمات والنص الشعري الذي تداولناه وتوقفنا عنده ودمعت اعيننا دون رؤية ما حل وما صار بعده..

مثل العديد من اللاجئين انتظر بريشت (ولد في أوغسبورغ في 10 شباط/ فبراير 1898، ومات في برلين في 14 آب/أغسطس 1956، وهو شاعر وكاتب ومخرج مسرحي ومنظّر ألماني) يوم العودة إلى مرابعه الاولى. "يرصد أقل تغيير، ويُمطر بأسئلته كل قادم جديد. في البداية اعتقد أن سفره مؤقت، وهجرته لن تدوم طويلاً فكتب قصيدته الشهيرة:

"لا تدق مسماراً في الجدار

ارمِ بمعطفك فوق الكرسي!

لماذا تتموّن لأربعة أيام

وأنت عائد غداً؟.. إلخ"

وهكذا نراه يجهد دائماً للتحدث إلى مواطنيه، إلى المنفيين في الخارج و "المنفيين" في الداخل ليشد أزرهم للوقوف بوجه الفاشية. وكانت تلح عليه وتشغله فكرة الاتصال بهم في الداخل، عن طريق برامج إذاعية سرية! أو عن طريق بيانات ومنشورات تدخل إلى ألمانيا سراً! ونظراً لصعوبات إدخال تلك المنشورات إلى الوطن، ومن ثم توزيعها، كتب بريشت سلسلة من التعليمات عن الدعاية السرية تحت عنوان: "المصاعب الخمس إزاء كتابة الحقيقة" قال فيها:

"من الضروري التحلّي بشجاعة كتابة الحقيقة حيثما قُمعت، والتعرف عليها بدهاء مهما كان مخبؤها مستعصياً، وبفن تحويلها إلى سلاح، وباحتيال يُمكِّن من بثّها، وبالبصيرة الضرورية لاختيار أولئك الذين ستكون الحقيقة أكثر فاعلية بأيديهم"."

اجل، الشجاعة مطلب رئيس وكبير في المنفى، او حتى " الملفى" كما أطلق عليه بعض المنفيين. الشجاعة والقدرة على التحمل والصبر من مقومات الحياة، ومرتكزات الكينونة للبقاء والتحدي، وتحويلها إلى سلاح ضرورة ماسة، وتبقى في كل الاحوال، وفي المنافي خصوصا، تختصر بأنها حالة غير عادية وغير معتادة، يتكيف المرء معها وبها ويتعايش مع مرور السنوات، ولا يشعر بأن دولاب الزمن قد مر او دار، وان القطارات قد فاتت، ونحن من منفى الى منفى.. مُدنٌ بلا فجرٍ تنامْ، كما نادى الشاعر عبد الوهاب البياتي:

ناديتُ باسمكَ في شوارعِها، فجاوبني الظلام

وسألتُ عنكَ الريحَ وهي تَئِنّ في قلبِ السكون

ورأيتُ وجهَكَ في المرايا والعيون

وفي زجاجِ نوافذِ الفجرِ البعيدْ

وفي بطاقاتِ البريدْ

(****)

أهكذا تمضي السنون؟

ونحنُ مِنْ مَنْفَى إلى مَنْفَى ومن بابٍ لبابْ

نَذْوِي كَمَا تَذْوِي الزَّنَابِقُ في التُّرَابْ

فُقَرَاء، يا قَمَرِي، نَمُوت

وقطارُنا أبداً يَفُوت

بعد أن أختار صاحبي المقطعين من القصيدة، ردد ما روي عن الامام علي، أنه قال:

تَغَرَّبْ عَنِ الْأَوْطَانِ فِي طَلَبِ الْعُلَى .......

فَإِنْ قِيلَ في الاسْفَارِ ذُلٌّ وَ مِحْنَةٌ   وقَطْعُ الْفَيَافِي وَارْتِكَابُ الشَّدَائِدِ

فَمَوْتُ الْفَتَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَعَاشهِ     بدار هوَانٍ بَيْنَ وَاشٍ وَ حَاسِد "

 

كاظم الموسوي

 

 

تواردت الاخبار بعد ظهر يوم الاربعاء  31 / 5 / 2017 من مدينة اربيل حول وفاة عزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، عن عمر يناهز 93 عاما، وكعادة العراقيين بدأ تداول وانتقال الخبر بينهم عبر طرق التواصل المختلفة مع هالة من المديح والاطراء للراحل جعلت منه اقرب ما يكون الى الالهة والقديسين والانبياء، من خلال ذاكرة عراقية معطوبة ومشوهة بقصد او دون قصد، وبالتالي انهال علينا الطبالين والمزمرين والمداحين والمتملقين بعشرات التقارير والمقالات عن التاريخ النضالي والانجازات الوطنية والحزبية الفذة للراحل, واكمالا للصورة ادرج هنا بعض المحطات من حياته، وما خفي كان اعظم، ليطلع الجيل الصاعد من الشيوعيين واليساريين وغيرهم على الحقيقة وفقط الحقيقة، والتي يتجاهلها البعض لغرض في نفس يعقوب ولتحريف الوقائع تماشيا مع المصالح الشخصية وسوء النفس البشرية وازدواجية الشخصية العراقية .

عزيز وحركة الانصار

على اثر تردي علاقة الحزب الشيوعي مع النظام الحاكم وحزب البعث وهمجية الحملة التي شنها النظام على تنظيمات الحزب اضطر قسم من الشيوعيين في اواخر 1978، ولا سيما من منظمات اقليم كردستان والموصل وكركوك، حيث الهجمة كانت اشد واكثر عنفوانا، للجوء الى الجبال لحماية انفسهم، ولا سيما كان هنالك بوادر نواتاة لتشكيلات معارضة لنظام الحكم قد تواجدت في جبال كردستان من الاحزاب الكردية التقليدية واحزاب كردية اخرى منشقة منها او تشكلت حديثا في خارج الحدود وبدأت بالانتقال الى كردستان العراق، وهذا اللجوء للشيوعيين العراقيين كان بعضه باجتهاد شخصي والاخر بتوجيهات واجتهادات شخصية من بعض القادة، للدفع نحو تشكيل تجمعات او مفارز تحمل السلاح ضد نظام الحكم، وبدون اي قرارات او توجيهات حزبية مركزية، ومع الايام اخذت تلك التجمعات بالتوسع والتزايد والتوزع في اكثر من موقع وبظرف معيشية قاسية وبقطع قليلة جدا من السلاح، وبمساعدة من احزاب وتجمعات اخرى متواجدة في المنطقة وتقليدا لها، لتشكل اللبنات الاساسية لما يسمى بحركة الانصار الشيوعيين في كردستان العراق. لم تحظى تلك التجمعات بقرار حزبي بالكفاح المسلح ضد نظام البعث الا بعد حين، وبعد ان اصبحت واقع ملموس، بتردد واضح وصراع خفي ومعلن احيانا، بين شعار انهاء الدكتاتورية او اسقاط نظام الحكم، مع محاولات لم تتوقف للصلح مع النظام واعادة المياه الى مجاريها بين الطرفين، واستمرت تلك الحركة لغاية نهاية الحرب العراقية ــ الايرانية 1988 حيث تفرغ النظام لخصومه الداخليين موجها ضربة موجعة وقاسية وقذرة استخدم فيها السلاح الكيمياوي، لكل حملة السلاح في كردستان بسلسلة عمليات اطلق عليها اسم الانفال، لينهي بذلك اي تواجد مسلح في كردستان العراق خارج نطاق السلطة المركزية، ولتنتهي فعليا حركة الانصار الشيوعيين العراقيين في كردستان العراق بعد 10 سنوات من نشوئها. رغم انها عادت الى كردستان بعد حرب الخليج الثانية والاوضاع الجديدة بالعراق المحاصر. كتب الكثير من الدراسات والتحليلات والمذكرات حول تلك الحركة من المؤيدين لها والمناهضين ومن داخل التنظيم الحزبي وخارجه ومن الانصار انفسهم وغيرهم. وبالتالي ليس من السهل تقييم تلك التجربة، لاختلاف وجهات النظر بين قادة الحزب وكذلك الانصار، ولا سيما بعد جزع كل القوات المقاتلة ضد النظام في كردستان وغيرها من اسقاط النظام ووصولها الى حالة الاحباط التام، والتي دفعت بالجميع بالعمل ضمن اجندة التدخل الخارجي، والذي ولد الاحتلال الامريكي للعراق 2003 وحصل ما حصل في العراق من تشرذم طائفي وعرقي واقتتال داخلي وخرق من قبل منظمات ارهابية وضحايا بريئة لا تعد ولا تحصى وحتى يومنا هذا .

عموما فان حركة الانصار كانت بالنسبة الى عزيز محمد ورهطه محطة مهمة جدا للحفاظ على المراكز الحزبية، وتمرير وتفريغ الكثير من المعوقات والمشاكل في العمل الحزبي .

بعد الضربة الموجعة لنظام البعث للحزب الشيوعي العراقي في 78 ــ 79 تحول الى حزب مهاجر قيادة وقاعدة وما تبقى من تنظيمات ان وجدت فانها مخترقة او محطمة تماما وتعمل تحت كابوس الاعتقال والتصفية لشدة ورعب هجمة البعث، فوجد عزيز محمد ورهطه في حركة الانصار فرصة ذهبية للادعاء بان الحزب يعمل داخل الوطن بما فيها اجتماعات قيادته وانها محطة لارسال الرفاق الى الداخل .

واجه عزيز محمد ورهطه انتقادات واسعة ولاذعة من رفاق الحزب ولا سيما قواعده الدنيا لما حصل للحزب ونتائج العمل الجبهوي مع البعث، فعمل عزيز على جعل حركة الانصار محطة لتشتيت الرفاق واشغالهم بأقدس مهمة نضالية ضد النظام بجعل التوجه الى كردستان واجب اجباري او شبه اجباري، وبنفس الوقت التخلص من غير الراغبين في العمل الانصاري من خلال تجميدهم او طردهم من الحزب والتنكيل والتشهير بهم ووصفهم بمختلف النعوت. وحالات الطرد والتجميد تلك جاءت متوافقة مع رغبة عزيز في تقليص اعداد رفاق الحزب التي تضخمت وتضاعفت خلال فترة العمل الجبهوي ولكنها في الخارج تحولت الى عبئ ثقيل على القيادة من حيث السكن والعمل والوثائق الشخصية من جوازات وغيرها والتخصيصات المالية للكوادر والحالات الطارئة وخصوصا بعد ان تحول الغالبية الى رفاق متفرغين للعمل الحزبي. وادت عملية عسكرة الحزب تلك شبه الاجبارية الى الكثير من المشاكل في المنظمات الحزبية، وادت الى بعثرتها وتشرذمها، ولعل اصرخ مثال هو ما حصل في منظمة اليمن الديمقراطية، وكذلك تحولت كردستان الى منفى أو محطة للاقامة الاجبارية وحتى مقبرة للموت البطيء للرفاق المخالفين او غير المرغوب بهم، ولم تتم الموافقة على خروج البعض من كردستان رغم ما قدموا من طلبات وبمبررات معقولة ولكن دون جدوى، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما حصل للفقيد مهدي عبد الكريم ابو سنه (أبو كسرى ــ ابو عباس) عضو لجنة مركزية ومن عائلة شيوعية معروفة من مدينة كربلاء لها تاريخها النضالي المعروف، وشقيقه كاظم عبد الكريم ضابط شيوعي من شهداء انقلاب شباط الاسود 1963 ، وابن شقيقه جودت كاظم كذلك استشهد بعد انهيار الجبهة مع البعث. حضر ابو كسرى الى كردستان للمشاركة في المؤتمر الرابع (سيء الصيت) 1985 وهو يعاني من مشاكل صحية في القلب، وبعد انتهاء اعمال المؤتمر، ترك ابو كسرى في نفس المكان وبدون اي مهام او واجبات محددة وبحجج واهية منها صعوبة اخراجه من كردستان في الوضع الراهن، وبذلك توفى الفقيد ابو كسرى ودفن في نفس المكان على اثر ازمة صحية مفاجئة لن تمهله طويلا. في حين عزيز محمد ورهطه كان بامكانهم الدخول والخروج من كردستان وبطرق امنة ومضمونة وباسرع الاوقات. وكاد ان يحصل نفس الشيء للفقيد ثابت حبيب العاني (ابو حسان) حيث عزل وهمش وابعد عن القيادة، ودون اخباره عن السبب، بالاضافة الى حملة تشهير وتنكيل واسعة وشامله ومفتعلة باتهامه بالعمالة والتعاون مع النظام البعثي منذ اعتقاله وتعذيبه واطلاق سراحه في 1970، وجاء هذا الاتهام على اثر وشاية من قبل احد قادة البعث وصلت للحزب الشيوعي، وتم تفجيرها في الوقت والمكان المناسب، ورغم تراجع ناقلها بعد حين، ولكن دون جدوى حيث وجد عزيز ورهطه في تلك الوشاية فرصة للتخلص من رفيق الدرب غير المطابق لهم تماما في المواقف والآراء ولديه كثير من الملاحظات والتحفظات على مسيرة الحزب، ووصلت الامور، على اثر التحريض المكثف ضد ابو حسان، ان يطالب البعض بالتصفية الجسدية لابو حسان، في حين هنالك العديد من الوكلاء والمندسين الفعليين من المكشوفين او شبه ذلك، ومنهم من يتحرك بحرية بين كردستان والداخل تم التساهل معهم وغض النظر عنهم وحتى تزكيتهم، ليوجهوا ضربات قاتلة ومميتة للحزب ورفاقه راح ضحيتها الكثير خيرة الانصار والمناضلين في كردستان وكذلك في الداخل واشهرهم العملاء ممو وأبو هيمن وغيرهم، وهم لا يزالون احرار وطلقاء دون حساب او رقيب. بسبب مبدئية وخبرة المناضل ابو حسان وعلاقاته الانسانية مع الانصار وشعبيته الحزبية تمكن من تجاوز تلك الازمة المفتعلة بنفس وصبر طويلين، وانتقل الى خارج كردستان، وتراجع عزيز محمد ورهطه عن تلك التهمة الخسيسة على مضض، ولكن دون تقديم اعتذار تحريري للفقيد حتى وفاته في خارج العراق، وقضية ابو حسان معروفة وبالتفصيل في الوسط الحزبي وخارجه .

بالاضافة الى ما ذكر في اعلاه، تخللت مرحلة الانصار الكثير من الاخطاء والسلبيات جعلت منها مرحلة من الفشل والاحباط في تاريخ الحزب، حيث لم يتوقف نزيف الدم، فقد الحزب خلالها بحدود (1000) شهيد منهم من قتل اثناء الاشتباك مع قوات النظام النظامية او الجحوش والقصف المدفعي او ضربات الطائرات والكمائن، وهنالك المنتحر بسبب الاحباط واليأس وصرامة الاوامر الحزبية، ومنهم الغريق في الانهار والجداول او المنجرف مع السيول المرافقة للامطار والثلوج، او بسقوط صخرة من الجبل، ومنهم من مات متجمدا ، ومنهم من قتل بنيران صديقة على حد تعبير البروفيسور كاظم حبيب، والمقصود بهم من قتلوا على يد رفاق السلاح من القوات الاخرى في كردستان، وتسوية المشاكل والحسابات بالسلاح، واشهرها مجزرة بشت آشان المعروفة 1983 والتي راح ضحيتها بحدود (80) شهيدا من خيرة رفاق وكوادر الحزب والتي لا تخلوا من لمسات النظام بالتعاون والتواطؤ مع الاتحاد الوطني الكردستاني، ومنهم من قتل سهوا على يد رفاقه، ومنهم من اعدم باوامر حزبية لقتله عمدا لرفيق اخر، وهنالك من استدرج للداخل بفعل الخونة والمندسين، وهؤلاء المندسين بعضهم كان معروفا أو شبه مكشوفا ولكن هناك من تساهل معه تغفلا او بقصد وأفلت من العقاب، ومن المندسين المشتبه بهم من جرى معه التحقيق وأدين وتم اعدامه وبعضهم اعدم قبل اكمال التحقيق معه وبعض المندسين رمى أنصارا وقتلهم وهرب، وبالتأكيد هنالك من لم ينكشف ولا يزال ينخر في جسد الحزب، ان بقى شيئا من ذلك الحزب العتيد، حزب فهد وسلام عادل بعد انحدار قيادته نحو المستنقع الأنكلوأمريكي، وهنالك من الانصار من قتل على يد الجندرمة التركية في المناطق الحدودية، ومنهم من اعتقل داخل الاراضي التركية وتم تسليمه للحكومة العراقية، ومنهم من عذب على يد رفاقه بحجج واهية، وبأوامر صارمة من بعض العناصر القيادية، ومات تحت التعذيب كما حصل مع شهيد الغدر الرفاقي، الشهيد منتصر (مشتاق) وغيرها الكثير من الحالات الاخرى للموت الرخيص. ومما ساعد في تضخم نزيف الدم الشيوعي في كردستان، هو اسناد القيادة العسكرية للأنصار لاشخاص لا علاقة لهم من بعيد او قريب بالعمل العسكري والخبرة القتالية، وتم اسناد تلك المواقع لهم لمجرد مركزهم الحزبي المتقدم او ارضاءا لهذا او ذاك من الرفاق، وبالتالي جاءت الكثير من القرارات ذات البعد العسكري قاتلة ومميته، دفع ثمنها خيرة الرفاق، ولعل اشهرها قرار اختيار موقع بشت آشان كمقر لقيادة الحزب وحركة الانصار عموما، رغم كل الاصوات الرافضة لهذا الاختيار من اصحاب الخبرة في شؤون كردستان وشعابها، ولكن دون جدوى، ليسبب هذا الاختيار بكارثة بشت آشان. وساهم في هذه الفوضى الصراع والخلاف الخفي والمعلن احيانا بين المسؤول العسكري والحزبي والصراع على المناصب .

كل هذا لا يلغي الاشادة بالروح الوطنية والثورية للمئات من الشباب الانصار نساءا ورجالا وبعمر الورود ، الذين تركوا خلفهم الغالي والنفيس من الاهل والاحبة والدراسة والعمل والحياة المدنية داخل العراق او خارجه، بقضها وقضيضها، ليلتحقوا بالحركة، ليثبتوا ولائهم للهاجس الوطني ولحزبهم المقدام، بنفس صادق وروح ثورية جيفاروية، وليقضوا احلى ايام الشباب والعمر في اكثر مناطق كردستان وعورة وكربا، منهم من اكتشف اللعبة مبكرا وحاول الاصلاح، ولكن دون جدوى ودفع الثمن غاليا، ومنهم من اكتشفها بعد حين، ومنهم لا زال يكابر وباستغفال مقصود احيانا حفاضا على ما جنى من مكاسب وهبات من القيادة ورواتب انصارية، تلك الرواتب التي فقدت حتى قيمتها المعنوية بعد ان منحت لكل من هب ودب، وحتى لمن لم يرى كردستان في حياته ولأجل الكسب الحزبي الرخيص، في حين حرمت على انصار حقيقيين اخرين لحسابات حزبية وسياسية ضيقة ودنيئة، ورفضها البعض بإباء وشموخ .

وقبل الختام لا بد من التذكير، ان بندقية النصير والمقاتل  الشيوعي العراقي كانت يوما ما وفي السبعينات وفي عهد السكرتير المغوار عزيز محمد، قد وجهت نحو ( البيش مركة ) الكردي في الجبل او ما كان يسمى بالتمرد الكردي العميل من قبل حكومة البعث، وبالسلاح الحكومي وبأوامر حزبية شيوعية صارمة بالدفاع عن الوطن، ونصرة للجيش العراقي وحكومة البعث والجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وبعد اتفاقية الجزائر 1975 وانهيار ما يسمى بالثورة الكردية، أعيدت تلك الاسلحة الى حكومة البعث، وبعد اقل من (5) سنوات انتقلت البندقية الشيوعية من كتف الى كتف اخر، وغيرت اتجاهها بزاوية (180) درجة، لتقاتل نفس الجيش الذي ساندته قبل سنوات قليلة، وليقتل الجندي العراقي المكلف اخاه الذي اصبح نصيرا شيوعيا وبالعكس .

لعل استذكار بعض الاشعار الغنائية والنصوص القريبة من حياة الانصار، التي كتبها وغناها النصير ابو الصوف (صافي حسن العتابي)، ورددها معه بقية الانصار في السر والعلن، تعطي انطباعا عن مدى ما حصل من مهازل خلال حركة الانصار:

 يا (معم)* يابو البهذله         انته أساس المهزله

 بس كَلي شنهو الحققت        بسك تطمطم عارك

 بولي تدافع ابشرف            وإشقولكه جابت الهدف

 كاسكان تبقى للصبح          محد يعين أنصارها

 

خالد حسين سلطان

يتبع / بغداد

............

* معم: المكتب العسكري المركزي للحزب

 

khadom almosawiالتفكير بالكتابة والكتب ليس يسيرا، وليس عملا بسيطا. فإضافة الى ما فيه من جدية وجدوى، وما فيه من أهداف ومعنى، وما فيه من رسالة ومبنى، فهو ملكة توهب وخبرة تهذب ومعاناة تجرب. والأمثلة تذكر عنه أو بمعناه كثيرة، فليس كل من صبغ وجهه صار حدادا، مثلا، او اعطي الخبز لخبازته او خبازه، في مثال اخر وغيرها.. وكلها تؤكد ما بدأت به.

بالتاكيد هناك عوامل كثيرة مساعدة او مشجعة، تبدأ من البيت والأسرة ولا تنتهي بالمدارس والمعاهد والكليات، وتختتم بالصحبة والرفقة والمجالات المتاحة والمتقاربة. فتوفر مكتبة وكتب في الدار لها معنى ما، وميول في بعض أعضاء الأسرة تدفع إلى المشاركة والمتابعة والدرس والتعاون، وحين يكون المعلم فاهما ومبدعا وقادرا يعمل على صقل الموهبة وتحريض الابداع والأخذ باليد نحو آفاق جديدة وافضل مما عليه، كما أن الأجواء المحيطة تتحدى وتتحمس لمبدعها، خلاف ما يقال عن مطرب الحي.

اول كتابة لي نشرت كانت تحقيقا صحفيا قمت بإعداده، عن نقابة المحامين ومشكلة القضاء العراقي في أواخر الستينات من القرن الماضي، وحين وضعت الأسئلة وبدأت بالاتصال بعدد من المحامين اخترتهم بنظر الاعتبار لاتجاهاتهم السياسية أو ما يعرفون به من انتماءات حزبية، وحين اتصلت بالمحامي الاول شجعني بالاجابة الكاملة على اسئلتي ودعاني الى مكتبه وقام بنفسه بتحضير الشاي وصحن البسكويت، وتبادلنا الراي باسماء الاخرين، وتحركت للقاء على من حصلت على موافقة منهم، ونجحت في إعداد التقرير، إلا أن مشكلة أو عقدة حصلت وللفجاءة فيها انها نتجت من التواصل مع المحامي الذي توصيت به وقيل لي أنه من "جماعتنا"، واجهني بغلظة وعبوس وتردد في قبول ورقة الأسئلة وأخبرته باني حصلت على اسمه من الجهة الفلانية التي يُعرف بها في النقابة، فزاده غيظا وتعنتا، مما فاض في استغرابي ودهشتي، فالذين لم اتعرف عليهم من قبل، ولم أوص بهم استجابوا ودعموا مبادرتي وعملي الاول، دون معرفة منهم بي. وما أن أكملت المهمة الاولى من مهنة البحث عن المتاعب،  وعدت إلى مكتب الصحيفة الاسبوعية، الذي كان سكنا لصاحبها ورئيس التحرير، وصديقه سكرتير التحرير، وشاركتهم اياما، واذا برئيس التحرير غاضب مني وبصوت لم اعهده منه يقول لي ماذا فعلت؟!. اتصل المحامي واشتكاك، بأنك أسأت تعامله، ولا اعرف حينها لماذا غمرنتي ضحكة طويلة لم أتوقف عنها، وهو يحمر وجهه ويصفر ويضرب بيده على الطاولة، مؤكدا بغضب ليس هكذا تتم الأعمال والصحافة. ولما هدانا كلانا وضحت له الأمر فاسرع لمهاتفته وأخباره بأنه هو المسبب لما حصل واني لم اهنه او ازعجه، فظل الرجل يناقض نفسه، متهربا من الاعتراف بخطئه وتأكد بأن انكاره لم يصدق منا، ومرت اول تجربة لي بهذا الشكل وواصلت عملي بظروفي وحاجتي للعمل والدراسة والكتابة المختصة. وتوفرت لي فرصة المساهمة في برنامج اذاعي والحصول على مورد مالي منه معقول لا يتعارض مع جدولي العملي. ونشرت قصائد شعرية، في مجلتي الاقلام و"العاملون في النفط"، وهما مجلتان محترمتان ثقافيا بين الوسط الثقافي والاعلامي.. ارسلت القصيدة الاولى الى الاقلام عبر البريد، واطلعت عليها وانا اشتريها من بائع الصحف والمجلات قرب مقهى في شارع الرشيد. اما الثانية فقد ذهبت مع الصديق القاص، حينها، ناجح المعموري، الى مقر المجلة، للقاء المشرف عليها، الناقد والفنان والمترجم والروائي المعروف جبرا إبراهيم جبرا، واستقبلنا الرجل دون موعد سابق بحرارة، والقى نظرة على النصين اللذين سلمناهما له، نصي الشعري والقصة القصيرة لصديقي العزيز المعموري، وعلق مباشرة على نصي، مواجها لي بانكم يساريون ولا يعجبكم العجب، وضحكنا، وفي نهاية الشهر وصلتنا نسخ من المجلة وظرف اخر فيه مكافأة جزيلة حينها..

ودارت الايام...، وكانت تجربتي الاولى في إصدار كتاب، تكرر تلك الدائرة من المواجهات المحبطة. فليست لدي خبرة عريضة باصدار الكتب، ولا الطرق الملتوية لدور النشر، ولا فهلوة الناشرين واصحاب المطابع. كما أن معرفتي بالحاسوب ليست كبيرة، وخبرتي أولية في الطبع والتصميم والإخراج. ولكني غامرت كعادتي في كثير من المواقف. طلبت من الصديق المرادي استعارة جهاز الحاسوب فاقترح علي أن اتي الى بيته والعمل منه، لأنه وزوجته يخرجان من الصباح الى العمل والدراسة ويعودان مساء، فرحبت بالفكرة ونفذتها، وتفرغت كل يوم اطبع كتابي من الصباح حتى المساء الى الانتهاء منه، وسحبته بآلة طابعته العادية، بالحبر وليس الليزر، وحملت الكتاب إلى مطبعة شعبية عامة، استنسخ دائما عندها كتبا واوراقا وتعرفت على صاحبها، واتفقت معه على طبع الكتاب، ونفذ الأمر كما اردت، واختار لي الصديق الفنان النصير صورة عراقية قديمة من اعوام الاربعينيات بلون قهوائي/ بني فاتح، واحد، غلافا، معبرا عن القدم والتاريخ، وخلال أيام اصبح لدي اول كتاب مطبوع، بعنوان: العراق: صفحات من التاريخ السياسي. يضم خمس دراسات أكاديمية عن العراق، كانت جزء من البحث العلمي ومقدمة مطلوبة لإكمال الحصول على الدكتوراه. لكني رغم فرحي بإصداره وجدته ليس كما تمنيت، واخترته، فطباعتي لم تكن مهنية، واختيار الحرف لم يكن طباعيا، وسحبه بطابعة حبر عادي انعكس على طبعه فنيا، وبيّن سلبياته، وتصميمه وإخراجه.. و..و. المهم لم أكن راضيا عن نفسي فيه، ولكنه طبع ووزع، واعيدت طباعته ثلاث مرات، ولم يحظ فيها كلها بما يتوجب أن يكون فنيا وجماليا، فالناشر للطبعة الثانية خصم منه جزء من فصل مهم دون علمي وموافقتي، والثالث ضغطه إلى درجة يحتاج قارؤه الى نظارة طبية لقراءته.. وتلك صفحة من محنة الكاتب مع النشر والناشرين، لاسيما الذين دخلوا الصنعة للتجارة والمتاجرة وليس للعمل في المهنة وتقديم خدمة معرفية والعيش الشريف منها.

بعد تقدم التقنية وتمكني من الطباعة وتوفر الأجهزة اعدت طباعته او كتابته فنيا ونشرته الكترونيا، ووزعته عبر الانترنت، ورجوت أن يخدم الهدف منه وإن يستعيد قارؤه بعض ما أراد أن يسجله ويوثقه من تاريخ العراق. كما نشرت فصولا منه منفردة على مواقع إلكترونية معروفة لزيادة الاطلاع والفائدة المرجوة من الجهد والتعب والامال. وقدمه الإعلامي د. محمد قواص في حلقة من برنامجه الاسبوعي " علامات استفهام" على فضائية أي أن بي، التي كانت تبث من لندن، وتم ذلك، ومازال البرنامج مسجلا على اليوتيوب ويعرض في سجله وصفحاته.

كل مرة يناقشني صاحبي ويضع امامي ما يجول بخاطره، فذكر لي ما قاله الامام علي بن ابي طالب، مؤكدا: الصبر صبران.. صبر على ما تكره و صبر على ما تحب. وكذلك قوله: كل إناء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع.

 

 

salim alhasani2ذكاء وقاد تفضحه نظرات عينيه، وقدرة عجيبة على إستشراف المستقبل، يعرف الى أين ستؤول الأمور، ينظر للمقدمات بعين فاحصة، فيعطي تصوراته للمستقبل، وكانت تلك إحدى مشاكل السيد موسى جمال الخوئي مع عدد من أعضاء قيادة حزب الدعوة، يختلف معهم في رأي، ثم يتذكرون مقولاته بعد حين، وقد ثبت صحة رأيه.

كان يحرص كل الحرص على استيعاب الشباب الذين يتمتعون بالكفاءات ورعايتهم، يقف الى جانبهم حين يمرون بأزمة أو مشكلة في حياتهم وعملهم، وكان يتبنى تنمية الطاقات ويدعو الى فسح المجال أمامها، وأشهد له بالفضل فقد كانت له مواقف معي لا يمكن أن أنساها.

وكان يحرص كذلك على التواصل مع الدعاة الذين يختلفون مع الدعوة، كما حصل مع مجموعة تركت الدعوة بعد إنشقاق الشهيد عز الدين سليم، حيث قررت مجموعة من الدعاة ترك الدعوة بشقيها، فقد تواصل معهم لفترة طويلة، وكان يقول إنهم يبقون دعاة وإن تركوا التنظيم، فلا بد من الاهتمام بهم والتواصل معهم والوقوف الى جانبهم فيما يحتاجون.

يقضي الساعات الطوال مع الدعاة، يتحدث معهم ويتبادل شؤون العمل، يجيب على الإشكالات والتساؤلات، وكان هو القيادي الوحيد الذي يقصد سكن الدعاة في مبنى الاتحاد الاسلامي لطلبة العراق في قلب طهران، ويمضي معهم الوقت الطويل، يناقش ويحاور بموضوعية الميدان والواقع، بعيداً عن النظريات الحالمة والتحليق المجرد في الفضاء.

ورغم أنه حفيد المرجع الكبير السيد أبو القاسم الخوئي، ومن أسرة تقليدية في فهم الاسلام، إلا أنه كان من أوائل المنتمين الى حزب الدعوة الاسلامية، وكان نشطاً منذ بداية انتمائه للحزب ومقرباً جداً من الامام الشهيد محمد باقر الصدر.

أصبح في وقت مبكر من أوائل الستينات عضواً في لجنة تنظيم النجف الأشرف، وساهم مساهمة فعالة في تأسيس مدرسة للبنات في النجف الأشرف، ويومذاك كان مثل هذا المشروع يعد تحدياً للجو التقليدي المحافظ في النجف، وإشترك في هذا المشروع مع الشهيدة بنت الهدى والشيخ مجيد الصيمري رحمه الله والأستاذ عبود مزهر الراضي حفظه الله.

شكّل السيد موسى الخوئي واجهة حركية لعمل حزب الدعوة، في أواخر السبعينات باسم (الحركة الاسلامية)، وقد ضمت أعداداً من الشباب في صفوفها كان لهم نشاطهم في العمل الحركي ضد نظام الحكم في بغداد وغيرها.

كان بإمكان السيد موسى الخوئي أن يعيش عيشة مترفة دون الحاجة الى عمل، مثلما يفعل الكثير من أبناء المراجع، لكنه دخل ميدان العمل بعد تخرجه من كلية الهندسة، وعمل في المصانع يأكل من كد يده. وفي عام 1974 عندما بلغه خبر استشهاد رفيقه في العمل الشيخ عارف البصري وإخوانه رحمهم الله، بترت الماكينة قطعة من إبهامه، بعد أن صدمه الخبر.

تعرض السيد موسى الخوئي الى ضغوط كبيرة من قبل أجواء جده السيد الخوئي رحمه الله، للإبتعاد عن المحيط الحركي، لكنه ظل على موقفه، يقطع طريق العمل الحركي الإسلامي، في أشد الظروف صعوبة.

عاصر السيد موسى الخوئي مؤسسي حزب الدعوة والرعيل الأول من قياداته وكوادره، وربطته بهم علاقات شخصية وحركية وتنظيمية، مما جعلته يتمتع بذهنية تنظيمية عالية، كما أن ذكاءه ومنزلته الاجتماعية فتحت عليه آفاق معرفة الناس والرجال من مختلف الفئات والطبقات والشرائح، ومكنته من التعامل مع الأحداث والقرارات بواقعية كبيرة.

لم يؤثر موقعه القيادي في حزب الدعوة على نمط نشاطه، فإلى جانب التواصل الحميم مع الدعاة والذي يكاد يكون يومياً، كان يسهم في التفكير معهم في مشاكلهم الشخصية، ويحاول تقديم المساعدة لهم بالقدر الذي يتيسر له. وكان أيضا يشجع بعض الدعاة حديثي العهد بالعمل الحزبي على النشاط الاجتماعي، وأحياناً يشاركهم المسؤولية لتشجيعهم على العمل والتفاعل معه.

أسجل في هذا المقال علامتين بارزين ضمن مواقفه الكثيرة:

الأولى: هو أول من نبّه قيادة حزب الدعوة الى وجود مراكز قوى مؤثرة في إيران في بداية الثمانينات تعمل على إنهاء الحزب، وأن الحل لا يكون إلا عبر توسيع دائرة العلاقات مع مراكز القرار، من أجل ان لا تحاصر الدعوة في زاوية ضيقة. وكان يحذر من أيام صعبة ستواجهها الدعوة فيما لو بقيت على هذا الحال.

والثانية: كان يشجع الدعاة على العمل وتوفير مستلزمات العيش لأنفسهم، لأنه كان يرى ان أمامهم فترة طويلة من الهجرة. وكانت مثل تلك الرؤية تعد سلبية خطيرة، في أجواء ساخنة من الحماس الثوري ترى أن النصر سيحدث غداً أو بعد غد، وأن الحرب ستنتهي بعد أشهر، وان صدام يعيش أيامه الأخيرة في السلطة. وكان السيد موسى الخوئي يبذل جهده لإقناع اصحاب الرأي بضرورة النظرة الواقعية، لكن دون جدوى.

لقد مضى يشجع الدعاة على عمل حر الى جانب عملهم الحزبي، وفي نفس الوقت كان يعارض بعض الدعاة الذين يجد في نشاطهم الحزبي أهمية كبيرة، من العمل خارج الحزب، وكان يطلب من الدعوة أن تتكفل بشؤونهم الحياتية.

ولكي يكون صادقاً مع نفسه، فقد مارس العمل المهني كمهندس، وحين يشعر في بعض الفترات أن هناك حاجة لكي يتفرغ أكثر للعمل الحزبي، كان يسارع الى ترك العمل الوظيفي.

في عام 1986 بدأ السيد موسى الخوئي يقلل من مسؤولياته الحزبية، وكانت تلك الفترة هي فترة الرتابة التي دخلها الحزب.

وفي مساء يوم من شتاء 1987 أخبرني بأن هذه آخر حلقة حزبية، وأنه طلب نقلي الى مشرف آخر، لأنه سيترك التنظيم، وقد يعود اليه ذات يوم.

ودهشت من تمسكه بالتقاليد الحزبية، فلقد أنهى الاجتماع الحزبي حتى النهاية، ولم يبلغني بقراره إلا ونحن نهمّ بالانصراف. 

كانت صدمة كبيرة، وعرفت ليلتها أن السيد موسى الخوئي قد وصل الى نقطة لم يعد بإمكانه فعل شئ مؤثر، فآثر الإبتعاد. وأعترف أن قراره ساهم بشكل مؤثر في إبتعادي فيما بعد.

لم أجد مسؤولاً تنظيمياً في حياتي الحزبية، مثله، فهو الذي ترك في نفسي أكبر الأثر ولا يزال، أرى فيه الأستاذ الكبير والداعية الحقيقي، والعقل الراجح الذي يجب الرجوع اليه في الاستشارة والرأي.

شخصية بحكمة وعقلية السيد موسى الخوئي، يجب ان تتولى موقع الاستشارة في هذه الظروف الصعبة، لكن لدعاة السلطة حساباتهم.

الشكر يبقى قليلاً بحقك يا معلمي، أطال الله عمرك سيدنا الجليل.

 

سليم الحسني

 

 

abdulhusan shaabanغادرنا شمران الياسري في 17 آب (أغسطس) العام 1981 في حادث سير لئيم، حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران"، لكن ذكراه لم تغادرنا، وما هذا الاستذكار مثل استذكارات سنوية ومناسبات مختلفة أقمناها في المنافي البعيدة في براغ ولندن ولوند ودمشق وبرلين وكوبنهاغن وبيروت وغيرها، إلّا وقفة مراجعة تأملية لمنجز الرجل وإبداعه الروائي والإعلامي والنضالي، إذ ما زال الكثير من محبيّ شمران الياسري والعارفين بفضله يستعيدون ذكراه رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمان خصوصاً وقد اكتسبت هذه الاستعادة نكهة خاصة حين أصبح الاحتفاء بأبو كَاطع في بغداد ممكناً. وصدق الشرف الرضي حين قال:

ما أخطأتك النائبات/ إذا أصابت من تحبّ

فقد كان "أبو گاطع" يحلم في بغداد التي أحبّها  حتى في مغتربه أو منفاه، لكن عينيه لم تتكحّلا بمرآها الجميل، فقد كان ذلك الذئب اللئيم حسب تعبير الجواهري الكبير يتربّص به، وكأنه ينتظره بعدما أفلت منه مرّات عديدة.

وأبو گاطع هاشمي النسب وهو ابن السيد يوسف، وسليل أسرة " آل ياسر" العربية المعروفة، وقد ولد في قرية محيرجة " الموفقية" في قضاء الحي بالكوت. وكان أحد رموز الأسرة من أبرز رجالات ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق(1914-1918) وما بعده، وأعني به السيد نور الياسري.

I

انشغل شمران يوسف الياسري والذي سيُعرف لاحقاً باسم برنامجه الإذاعي الشهير " أبو گاطع"، بهموم رسم الحرف وحياكة الكلمة وصياغة الفكرة، منذ أن بدأ مشواره الأول في العمل العام حيث انخرط في أواسط الخمسينات وبعد محاولات عديدة، باليسار العراقي، الذي كان آنذاك يمثّل أحلام وطموحات الثقافة والمثقفين بشكل خاص، وعموم الفقراء والكادحين، بشكل عام، لاسيّما في بحثه الحثيث عن قيم الحرّية والمساواة والعدل، التي ستصبح هاجساً لـ "أبو گاطع" يُغني إبداعه ويغذّي أفكاره نحو التغيير الذي كان يتطلّع إليه، خصوصاً وقد تلمّس معاناة فقراء الريف واستغلال الإقطاعيين لهم.

وإذا كان برنامجه الإذاعي بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 قد ذاع صيته واشتهر لدرجة كبيرة، حيث أصبح الكثير من الناس يردّدون عنوان برنامجه " احجيه بصراحة يبو گاطع " فإنّه أصبح بمثابة مثل شعبي، حتى أنهم لا يعرفون مصدره، إلّا أنّه بفعل شيوعه أصبح أقرب إلى لازمة شعبية، دخلت العقل الجمعي.

وكان عموده في صحيفة "طريق الشعب" في السبعينات أقرب إلى بارومتر يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي، ليس من جانب المعارضة أو الممانعة، بل حتى من جانب الموالاة وأصحاب السلطة أيضاً، ولهذا كان الجميع يقرأ الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، حيث عمود " أبو گاطع"،سواء اتفقوا معه أم اختلفوا، لأنهم كانوا يجدون فيه ما يفصح عن حقيقة الأوضاع السياسية.

وكان عموده فرصة لاستنشاق هواء حر ونقي، مشفوعاً بالنقد اللاذع الممزوج بالسخرية، حتى وإنْ كانت سوداء، تلك التي يملّحها بمطارحاته مع "خلف الدواح" والمقصود " كَعود الفرحان" والذي ظنّ الكثير أنه شخصية وهمية، وكان ذلك الاعتقاد سائداً حتى لدى نخبة من رفاقه وأصدقائه حتى  نُشرت صورته في كتابي لأول مرّة قبل 20 عاماً، وكانت مفاجأة للجميع، حيث ظهر وكان يضع الشيماغ والعقال على رأسه وبملامح ذكاء حاد وذهن ثاقب.

II

كنتُ كلّما مرّ الزمن أشعر بمسؤولية أكبر إزاء أبو كاطع كمبدع، بل وإزاء الصداقة التي ربطتنا، ناهيك عن مسؤولية توازيها، وهي التعريف به وبمكانته في تاريخ الثقافة العراقية، وكنتُ قد أدركت إن جيلاً بدأ يتكوّن في المنافي البعيدة والباردة وفي العراق أيضاً، وهو لا يعرف أبو گاطع، وتلمّستُ ذلك فعلياً حين كان توجّه إليّ أسئلة بعضها حائر بشأن "أبو گاطع"، وأعتقد أن هذا النقص في التعريف به وبفنه وروايته وأقصوصاته وإبداعه بشكل عام بما فيه عموده الصحفي الذي له طعم خاص،لا يزال قائماً على الرغم من تغيّر الظروف، ولذلك وجدت من الواجب إطلاع القارئ العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام على فن "أبو گاطع" وإبداعه ونضاله لمواجهة النسيان والجحود والتنكّر.

وحين أقدّم للقارئ روائياً وصحافياً متميّزاً بسخريته المحبّبة وأسلوبه النقدي اللاذع ومحاكاته للجمهور، فإنني أقصد التعريف بالواقع العراقي ثقافة وأدباً وفكراً ضمن سلسلة لعدد من الشخصيات المتميّزة، وقد شملت الدراسة قبله الشاعر الكبير الجواهري في كتابين (1986 و1997) (الأول بعنوان الجواهري في العيون من أشعاره، والثاني الجواهري: جدل الشعر والحياة) وأعقبته بدراسة عن حسين جميل " جذور التيار الديمقراطي في العراق" 2007 ثم كتاب عن سعد صالح (جريو) الموسوم " الوسطية والفرصة الضائعة" (2009) وكتاب عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل -فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" 2013.

وتشمل هذه السلسلة شخصيات مثل بدر شاكر السياب وغائب طعمة فرمان وهادي العلوي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد باقر الصدر، وخالد علي الصالح وأديب الجادر وعبداللطيف الراوي ووميض نظمي وخير الدين حسيب وفهد (يوسف سلمان يوسف)وشاكر السماوي والملّا مصطفى البارزاني وروفائيل بطي وعلي الوردي وفرحان باقر وناهدة الرمّاح وأحمد الصافي النجفي وعبد الأمير الحصيري ومظفر النواب وكامل الجادرجي وسهيل قاشا وآرا خاجادور وغيرهم، إضافة إلى شخصيات أخرى من العديد من البلدان العربية.

والهدف هو وضع بعض الشخصيات الوازنة في دائرة الضوء والإفساح في المجال لقراءتها جمالياً من خلال رؤى وخلفيات متنوّعة ومتعدّدة فنياً، فضلاً عن معرفة تفاصيل حياتها ومصادر ثقافتها، ناهيك عن آرائها وأفكارها بما فيها من هواجس ومخاوف وأحلام ونقاط ضعف إنسانية.

III

ثمة أسئلة تواجه الباحث في أدب وفن أبو گاطع: تُرى من أين جاءت موهبته وكيف تم صقلها؟ وهو الذي لم يترك تاريخه الشخصي سانحة للدراسة، وخصوصاً في سنوات الخمسينات والستينات، حين انخرط في العمل السياسي واضطرّ للاختفاء في الريف. ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته بحيث احتلّ هذه المكانة المتميّزة ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة، إلى فضاء الرواية  الذي يحتاج إلى التأمل والدقة والخيال؟ وهي أسئلة بحاجة إلى المزيد من الدراسات النقدية، التخصّصية لإملاء هذا الفراغ.

لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبو گاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "قضية الحمزة الخلف".وهي جزء أول من رباعية لم تكتمل بسبب رحيله.

وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.

وكما يقول المتنبي:

وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ         وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء

وهو ما دعا الشاعر نزار قبّاني في إحدى زياراته للعراق للقول:

مرحباً يا عراق، جئت أغنيك                 وبعض من الغــناء بكاء

لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلفة بالحزن الجميل ومُدافة بالحزن الجليل.

إنّ سخرية مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".

IV

لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".

وحاول "أبو گاطع" الكشف عن حياة مطوّية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.

وأعتقد أن الروائي الروسي مكسيم غوركي كان على حق حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع – أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد" حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.

ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.

تلك هي معركة "أبوگاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد. إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح.

إنّ استعادة الذكرى ليس تقليداً أو طقساً روتينياً بقدر ما هي مسؤولية ومساهمة في إحيائها وتخليد حياة "أبوگاطع" وفنّه، وهي دعوة للنّقاد في تناول أعماله الإبداعية، سواء الروائية أو حكاياته وأقصوصاته وبعض مقالاته الصحافية، والكتابة عنها وعن أسلوبه وسخريته وتهكّمه الممزوجين بالحزن، من خلال مقاربتها بدراسات مقارنة عربية وأجنبية، كما لا بدّ لنا من تشجيع طلبة كلية الآداب والإعلام والدراسات الإنسانية والثقافية عموماً، كتابة أطروحات أكاديمية عنه في الجامعات والمعاهد العراقية والعربية.

وإذْ نعيد استذكار الراحل "أبوگاطع" سنوياً، فإننا سبق أن دعونا الجهات الرسمية وغير الرسمية، لا سيّما الثقافية والإعلامية، بما فيها اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين، إلى إطلاق اسم "أبوگاطع" على مؤسسة أو ساحة عامة أو حديقة أو قاعة، وتخصيص جائزة باسمه تقدّم للمبدعين من الشابات والشبّان، وإقامة تمثال في مكان عام أو في مدخل إحدى المؤسستين، يليق به وبفنّه وإبداعه وبالأدب والإعلام العراقي وبتاريخه النضالي، الذي قدّم له حياته.

"أبو گاطع" الذي رحل قبل ثلاث عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.

 

عبد الحسين شعبان - أكاديمي وأديب عربي

 

 

khadom almosawiان تزور مكتبتك الشخصية في بيتك الاول بعد غياب اكثر من ثلاثة عقود عنها وتجد أغلب ما اقتنيته من كتب فيها، وتقف عند رفوفها المرتبة حسب الموضوعات، وان تمسح التراب عنها، أمر يكشف قسوة البعد والمنفى، وفداحة الاغتراب، ليس عن المكتبة وحدها، فهي رمز معبر عن باقي القضايا والمواضيع الاخرى، والابرز فيها طبعا الأحبة من الاهل والاصدقاء وما تركت من معرفة ومعارف، وما بقي منهم حيا او احياءا. ولكن هنا تظل المكتبة عنوانا متجددا، يسجل تلك الأيام التي ابتعدت تاريخيا وظلت راسخة في الذاكرة رغم اوجاعها، والغربة وتداعياتها، وظروف السنوات التي تقاطعت بين المحنة والألم، او بين القسوة والعذاب، رغم كل ما حملت او جنت او وفرت...  فلها بالتاكيد ما لا يمكن نكرانه او جحده او بخسه..

تقلب بعض الكتب وتقرأ اهداء الأصدقاء المؤلفين لها وكلمات المودة والاعتزاز، تسأل عنهم، او تعرف مصائر بعضهم، ماذا حل بهم؟، واين هم الان، الاحياء خصوصا منهم؟.. وهذه وحدها قصة جديدة.. رواية درامية متكاملة.. شخوصها اسماء معروفة مكانتهم ومواقعهم مشهود لهم بها، نجوم رصعوا سماء المشهد الثقافي في العراق، وفي شتى صنوف الثقافة، ومازالوا كذلك..  اين هم الان؟!.. اما الراحلون فتظل لهم لوعة وحزن دفين، ليس لفقدهم وحسب، وانما خسارة لادوارهم في مجالات ابداعهم..

لما عدت بعد ذلك الغياب الطويل الى الوطن، سألت عن كل صديق لم اعرف عنه في المنافي العديدة. وعرفت من استشهد في السجون، ومن رحل باسبابه، ومن بقي غريبا في وطنه.. اما المهاجرون فعرفت عنهم ولكل منهم قصته، في كل مغترب، او في مكان ما تحت كل نجمة في سماء الله الواسعة.. حيث لاول مرة في تاريخ العراق يصبح العراقيون لاجئين في كل اركان المعمورة، كلما تذكر اسم بلد تسمع اسماء عراقيين فيه، حتى البلدان التي لم تخطر ببال أحد او في الاحلام سابقا. وأصبحت للعراقيين مقابر وشواهد تذكرهم بمن فقدوه، في أقرب المنافي وأبعدها.

اعود الى المكتبة وأقرأ في بعض كتبها، ثمة كتب مفقودة، وكانت تحتل رفوفا منها، وقبل السؤال عنها، وقف اخي ساردا القصص، كيف اضطروا إلى حرق أو إتلاف عدد من تلك الكتب لاسباب كثيرة، ولماذا نقلوها الى الدور الثاني. كان زوار الفجر يمرون عليهم ويعبثون في ممتلكاتهم بهدف الازعاج والتخريب والإلحاح عليهم بالتهديد والإكراه والعواقب الكريهة ومختلف أنواع الضغط عليهم للوشاية بي وعني، متى اخر اتصال كان مني وهل يرسل لكم مساعدات ما، وماذا يفعل بهذا البلد او ذاك؟، وغيرها من الأسئلة الروتينية التي باتت معروفة لكل من ابتلى بهم.. وثم اجبارهم للمرور على الدائرة للتوقيع على أوراق مكتوبة لا يسمح لهم اكمال قراءتها، فقط العنوان والامضاء، وتتكرر هذه القصة كل فترة، وربما كل شهر، حسب فراغ مدير الدائرة وجلاديه، والذي هو لسخرية القدر زميل دراسي لي ويعرفني جيدا، انتماءا وقناعة ويعرف العائلةجيدا ومكانة الوالد الغالي.

هكذا تُلفت بعض من تلك الكتب التي كنت امزح مع الوالد الغالي وهو يصلي في الغرفة التي كانت تلك المكتبة تغطي جدارين كاملين فيها، بأنه يصلي وأمامه هؤلاء أصحاب اللحى الكبيرة، التي تساءل عنها الشاعر نزار القباني من الشاعر شوقي بغدادي مرة وهو يزوره ويشاهد الصور معلقة في مكتبه، الا تخاف من هذه اللحى؟!. واذا كان القباني يمزح ايضا مع بغدادي فهذه الكتب ومؤلفوها ترعبان اركان تلك السلطات المغتصبة لمواقعها والمراهنة على القمع والعنف والاضطهاد اساليب لبقاء السلطة بايديهم او لإطالة أعمارهم فيها.

لم تعد قصة الكتب رئيسية فتعويضها ليس صعبا، لاسيما الآن حيث أصبحت  منشورة على الانترنت، وبسهولة يمكن تحميلها وقراءتها لمن يرغب بها. ولكن الصعب في كل ما جرى وحصل هو تعويض الأرواح التي فقدت، والأضرار النفسية والجسدية التي تكبدها اخوتي واخواتي ومن يرتبط بي عائليا او إجتماعيا. وتلك محنة السياسة والفكر في بلدنا وغيره، والأحزاب التي حكمتها، والتي فضحت تناقضاتها في كل شيء، فلا شعاراتها طبقت ولا برامجها او وثائقها المنشورة تجسدت في أعمالها وحكمها ونظامها.. محنة لا تزال تعيد نفسها كما هو الماء في نواعير عانة او حماه او دواليب العاب الاطفال في الحدائق العامة. ما الذي أفقد العقل والحكمة والعبرة والدرس في هذه البلدان؟!. ولماذا تتكرر الأخطاء والخطايا دون حساب او عقاب؟!. ومتى يصبح الإنسان وحقوقه أثمن راسمال ويصبح خليفة الله فعلا على الارض؟!!.

تذكّر الكتب والمكتبات في العراق في تلك الأيام له قصصه ومروياته ايضا، فليس كل كتاب مسموحا، وليس كل مطبوع ممنوحا. ثمة كتب تصل البلاد من دور النشر العربية من بيروت او القاهرة او دمشق او دار التقدم بموسكو وغيرها وتحجز عند دائرة الرقابة، رقابة المطبوعات التابعة رسميا لوزارة الإعلام أو الثقافة حسب وجودها، وفعالياتها تمارس فيها عقلية الغستابو الالمانية/ الاوروبية او المكارثية الأمريكية.. ولكن هناك من يسرب بعضها فيودعها بصفقات مع بعض المكتبات التي تبيعها حسب معارفها واتجاهاتهم وزبائنها الدائمين. ومن بين تلك المكتبات كشك عند زاوية من ساحة التحرير، يملكه بائع الكتب المعروف/ المخضرم بناي، والذي كان يبيعنا الكتب بالدين، وينتظر راس الشهر ليحاسبنا على حقوقه المالية. ولأننا زبائنه المعروفون عنده جيدا ومثل اصدقاء اوفياء له، فلا يبخل علينا بها. وكنا نتبادلها كما هو معروف بظروفها وحدودها واحيانا نكتب عنها ونشير لها في مقالات تنشر في بغداد، دون أن ينتبه لها من حضرها او منعها او طلب منه ذلك، باجتهاد او بغباء سياسي وثقافي، كما هو معلوم ومتداول ايضا.

نشرت مجلة ثقافية تصدر في بيروت دراسات مهمة عن اوضاع العراق السياسية والاقتصادية، بعد الطفرة النفطية ودخول مليارات الدولارات للخزينة العراقية، وكانت من بينها دراسة ميدانية، عن أحزمة الفقر حول العاصمة بغداد، والمدن الاخرى، بالارقام والاحصائيات، ولم تمنع هذه المجلة فتناولناها بسرعة قبل التوصيات والتقارير، وقبل وصول التقارير إلى البائعين ايضا، واتذكر انها تحولت إلى منشور سري يتبادلها المثقفون بحرص وانتباه، وكانت أشبه ببيان سياسي معارض يحرض على السلطات التي تجلس على كل تلك الخزائن والأموال ويعيش آلاف اذا لم يكن ملايين من السكان تحت خط الفقر المدقع. ويتحدث اركان السلطة ومثقفوها عن الاشتراكية والحرية والجماهير والقضايا العربية الأخرى. اي بؤس عربي هذا؟!!

 

كاظم الموسوي

 

 

khadom almosawiحين يسألني صديق مبدع عن كتاب له، كان قد اهداني نسخة منه، مباشرة بلقاء أو بموعد ثقافي، أو ارسلها بريديا، متحملا ثمني الطوابع والمظروف، هل قرأته؟ وما رأيك؟ ومتى تكتب عنه؟!. أتحرج في الإجابة في أغلب الأحيان. رغم انها مسألة اعتيادية وتقع ضمن العمل الثقافي والاشتراك الاجتماعي وايجاد صيغ انتشار وتعريف وتعزيز المعرفة واشتباك في الهم الإنساني. 

تساءلت انا بدوري، لماذا هذا السؤال؟! ولماذا الاحراج منه وفيه؟!. وكأن الموضوع عادي او غير ذي بال مع فهمي له ولما يتضمنه او يظهر منه.

اقول اولا قبل أن أرد على السؤال او اجيب. نحن اليوم نعيش في عصر السرعة كما يقال، حيث تغيرت اشياء كثيرة وأصبح كل شيء او كثيره يخطف الابصار، يمر عاجلا ومتعجلا، وتنقضي الساعات، بل الايام، دون أن تشعر لفواتها واوانها ولات مندم بعد أن أسرعت وخطا رحيلها. وعصر السرعة هذا له متطلباته او اشتراطاته الموضوعية قبل الذاتية او المترافقة معا. وأبرزها المعلوم هو التسابق معه زمنيا والتواصل معه مكانيا والتنافس بينهما زمكانيا في الاغلب الاعم كيما تكون فيه ومنه. وتنتقد اذا تاخرت او تخلفت. وترجم اذا ندمت وتحسرت، وتحاسب أمامه بقسوته العابرة او بحركته السريعة وانتقاله المفاجئ او المحتم. فكيف تجمع بينه وبين زمنك، بينه وبين عمرك، بينه وبين قدرتك؟!. بات " ابتلاء" بشكل ما، واي ابتلاء هذا؟.

اعود الى سؤال الصديق العزيز عن مؤلفه وإنتاجه الإبداعي بكل تأكيد. واقول أن الأمر اصبح مركبا او معقدا، ومنه ما قد يعود إلى حجم  هذا الكتاب وموضوعه. مثلا أرسل لي روائي كبير رواية أخيرة له من أكثر من ثمانمائة صفحة من القطع الكبير، وبحروف صغيرة، وتوقفت عند حجمها كثيرا، ووقت قراءتي لها، وحاجات العمر وظروف العيش وساعات القراءة وامكانات الصبر والتحمل في اوضاع الزمن والقدرة الصحية وامراض العصر نفسه ورغبات النفس الكثيرة، او الالتزامات المطلوبة، من ضرورات متابعة العلاج وفترات السفر ولعنات الاغتراب وزعل الاصدقاء او عتبهم عليك دون انتظار او تفهم او تقدير الموقف والوضع وحصار الزمن والاعتدال. وكل هذه القضايا مطلوبة والأشياء مرغوبة والامور محسوبة حتى ولو كانت غير مكتوبة.

مرة نشرت قراءة في كتاب تاريخ سياسي لمؤلفة باحثة ومهتمة، وقد تلاعب المترجم ودار النشر في تقسيم الكتاب إلى ثلاثة كتب، كل واحد بحدود المائتي صفحة، وبعنوان القسم في الاصل، مما لا يؤثر عليه، ويسهل للقارئ المختص والهاوي متابعته او تتبعه. وسجلت ارتياحي لمثل هذا العمل رغم اعتلاء روح التجارة فيه، وواصلت الفكرة باقتراح الا يزيد اي كتاب اكثر من ذلك، لتسهيل الأمر وتحسين الاهتمام واستغلال الوقت واحترام عصر السرعة المعاش. لاسيما وان المكتبة الالكترونية بدأت تتغالب على الورقية وتسعى إلى تجاوزها، مما يوفر إمكانات اكثر يسرا واستفادة اوسع نفعا. وحاولت قراءة الرواية وطال وقتها، ففي تعقيدات الحياة وصخبها وتكاثر المؤثرات فيها، لا تستطيع اليوم أن تتحكم في أمر واحد في زمن واحد في ظرف واحد، فلربما تنشغل بما يعيقك عن مواصلة قراءة الكتاب وكلما يطول الزمن تفقد الرغبة وتخسر المتعة وتصعب عليك المهمة وتضطر إلى التأجيل والتأخير وتاتي غيرها من الهموم والحاجات فتتقدم الأولويات اساسا، فتأخذ منك الكتاب ذاك وتضع امامك غيره، كتابا او موضوعا اخر لا يمت بصلة. لاسيما وانت في مغترب ولديك مسؤوليات عدة، عائلية واجتماعية، فضلا عن الثقافية والسياسية. وفي كل الأحوال تكون ملزما بما خططت او تحسبت له، وليس بالضرورة تكون قادرا عليه. المهم غالبت على نفسي وقرأت الرواية كلها ولكن كما أشرت بزمن طويل، افقدني البدايات فيها عن النهايات واضطررت الى التقليب والتصفيح، من جديد، مستخدما طريقة نقلت عن لينين في مطالعاته الجمة، وهي قراءة مركزة في مبتدا الكتاب ووسطه وخاتمته، وخلالها تتم معرفة أهميته وتصنيفها في الدور والمتابعة او الاكتفاء بما حصلت عليه منه وانتهى. وعدت إليه لأكتب للصديق كلمات عما علق في ذهني عما أبدعه في تلك الصفحات الغزيرة والطويلة.

في النهاية، ليس تهربا من الجواب المباشر، وتبرير الأمر ولكن هذه قضية يمكن أن تكون للنقاش، او للتأمل فيها، فبين رغبات المبدع وخططه ووقت القارئ وظروفه مسافات او ثمة أبعاد تحتاج منا أن نتوقف عندها. ففي هذه الأيام لا يستطيع الإنسان التفرغ لعمل واحد طيلة فترة غير محدودة، حتى ولو كان مكلفا لعمل اخر. هذا جانب واخر هو أن الاهتمامات اليومية تعددت حتى في المجال الواحد.  لقد حاولت أن اقرا رواية أخرى لاسجل ملاحظات عنها في ندوة خاصة بها، وقد بلغت بها بفترة معقولة زمنيا، ولكن كنت منشغلا بامور أخرى فلم اتفرغ لها إلا بعد اتمام ما سبقها. ولم أكن مرتاحا منها ايضا لحجمها الكبير اولا واخيرا.

والظريف في كثير من الأحيان كما كان ايام زمان التباهي بحجم الكتب والمجلدات التي تتضمنها، ولافت أن دور النشر الجديدة استثمرت في هذه المجلدات واعادت طبعها بغلاف أنيق ووضعت اسمها محفورا او بارزا عليها وبالوان زاهية من الخلف لتكون أشبه بالديكور  الجميل على رفوف المكتبات العامة والخاصة.

هل سيصبح الكتاب الجديد محدود الصفحات؟، كما هي أمور الدراسات الأكاديمية وشروطها، ام سيضع المؤلف في حسابه ما ذكر ويكثف رؤاه وإبداعه ليسهل القراءة والتفاعل معه ثقافيا وجماليا. ويشترك سوية بانتاجه وقارئه، حيث أنه لا يبدع او يكتب لنفسه اساسا، ولان الموضوع كذلك فالطرف الثاني او الثالث، حسب تسلسل او أهمية النظرة النقدية، في عملية الابداع الثقافي يتحول الى مشارك فعلي في العملية الثقافية اولا واخيرا. حينها تتقدم العلاقة وتتطور المجالات والفرص الثقافية، ولا يثقل على قارئ اليوم في الزمن الجديد. ويشعر كل طرف بمتعة التواصل والاشتراك في الابداع، ويحرك فضاءات الازدهار وثراء الإنتاج الثقافي في كل مجالاته وأدواته

 

كاظم الموسوي

 

 

abdulelah farahلا شك أن عمار حمداش هو واحد من أهم الأساتذة الباحثين في علم الاجتماع في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة وأحد أعمدة الفكر السوسيولوجي بالمغرب، فهو ينتمي إلى جيل السوسيولوجيين المغاربة الذين طبعوا مسارهم العلمي على مستوى المحلي والوطني والعربي أمثال ادريس بنسعيد، مصطفى محسن، محمد الدهان، عبد الرحيم العطري، حسن أحجيج، حيث يصفه زملاءه من أهل الاختصاص بالعالم الدقيق، نظرا لكونه دائم البحث والتدقيق في كل ما يرتبط بالظاهرة الاجتماعية على مستوى الموضوع والمنهج، فهو من المهتمين بتطوير البحث السوسيولوجي بالمغرب خاصة على مستوى المناهج العلمية وأدوات البحث.

وقد ولد عمار حمداش بمدينة مكناس في سنة 1958، حيث تابع حياته الدراسية بنفس المدينة، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا طرح أمامه عرضا مغريا لكي يتابع دراسته في الخارج، نظرا لتفوقه في الدراسة وتمكنه من اللغات الأجنبية مبكرا، إلا أنه اختار البقاء في الوطن ليشد الرحال إلى جامعة محمد الخامس بالرباط حيث سيلتحق بشعبة علم الاجتماع رغبة منه في فهم المجتمع المغربي والإجابة على سؤال التنمية في المجتمع القروي، وهو الأمر الذي كان له تأثير عليه في اختياره لموضوع: «التحولات الاجتماعية وإشكالية تحديث المناطق القروية بالمغرب: دراسة ميدانية لمنطقة سيدي يحيى الغرب» من أجل نيل شهادة دبلوم الدراسات العليا تحت إشراف المرحوم محمد جسوس في سنة 1995.

ويعتبر الباحث عمار حمداش من أوائل مؤسسي مسلك علم الاجتماع ضمن شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة ابن طفيل القنيطرة مع كل من خديجة أميتي وعبد الله محسن ونور الدين الزاهي وعبد الرحيم العطري ومحمد المرجان ومحمد دحمان. وقبل أن يلتحق بالجامعة فقد كان مدرسا للفلسفة والفكر الإسلامي بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، واشتغاله كمدرس للفلسفة لم يمنعه من الانشغال بالبحث السوسيولوجي، بل زاده حبا والتزاما في ممارسة حرفة عالم الاجتماع الذي تعلمه من المرحوم محمد جسوس أثناء تكوينه في جامعة محمد الخامس بالرباط.

يتميز الباحث عمار حمداش كغيره من الباحثين الذين تتلمذوا علي يد المرحوم محمد جسوس بانفتاحهم على تخصصات أخرى كالفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا وتركيزهم على التاريخ خاصة التاريخ الاجتماعي، ففي نظر الباحث عمار حمداش لا يمكن فهم الظاهرة الاجتماعية في آنها فقط وإنما يجب التعامل معها في تاريخ نشأتها وتطورها، من خلال اعتماد الباحث على السيرة الذاتية والوثائق التاريخية كالمخطوطات وكل ما يمكن أن يقرب الباحث من فهم الظاهرة الاجتماعية في بعدها التاريخي والثقافي والاقتصادي والسياسي.

أما بالنسبة إلى الدرس السوسيولوجي الذي يقدمه الأستاذ عمار حمداش أمام طلبة علم الاجتماع بالقنيطرة، فهو درس لا يختلف فيه أي أحد منا بأنه أشبه بكتاب مفتوح في بحر العلوم الاجتماعية والإنسانية، فهو درس الدرس بتعبير بيير بورديو لكونه يهدف أساسا إلى تمكين الطالب والطالب الباحث خصوصا من القدرة على ممارسة البحث السوسيولوجي وتعميق فكره المعرفي عبر استحضار ما يسمى بالعلم الاجتماعي (الأنثروبولوجيا، التاريخ، السوسيولوجيا) وتسخيره علميا بهدف الفهم والتفسير، فالدرس الذي يقدمه الأستاذ عمار حمداش يلح فيه دائما إلى أن المعرفة السوسيولوجية هي بناء وتنظير ورصد للتغيرات الاجتماعية التي تعرفها المجتمعات الإنسانية كالمجتمع المغربي.

إن الحديث عن الباحث عمار حمداش هو أيضا حديث عن تصوره وتمثله للممارسة السوسيولوجية بالمغرب، فهو يؤكد بأن دور المعرفة العلمية التي ترتبط بالحقل السوسيولوجي أو بأي حقل آخر ينتمي إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية إنما يكمن أساسا في خدمة المجتمع، فالمعرفة السوسيولوجية على سبيل المثال، لا يمكن أن تبقى حبيسة الجدران وإنما هدفها هو التدخل الاجتماعي وخدمة ما هو اجتماعي بالدرجة الأولى، وهذا ما تؤكده لنا ممارسته العلمية حيث ساهم في إنجاز عدد من دراسات الخبرة والاستشارة العلمية حول مجموعة من القضايا الاجتماعية مثل: (الأطفال في وضعية الشارع ـ التحرش الجنسي عند النساء ـ الوساطة الأسرية ـ تنظيمات المجتمع المدني ...إلخ).

ويرى الباحث عمار حمداش في أكثر من مناسبة بأن التدخل الاجتماعي يشترط فيه الموضوعية نحو كل ما هو اجتماعي، حيث تستوجب من هذه الموضوعية أن تكون باردة وذات معنى بخلاف ما يعبر عنه آلان تورين بأن الموضوعية الباردة تتعارض بشكل كبير مع حرارة الحركات الاجتماعية. كما يرى الأستاذ عمار حمداش أن من معيقات البحث السوسيولوجي في المغرب هو الاشتغال الفردي للباحث، فالأمر بالنسبة إليه ليس كافيا إن صح التعبير في تطوير الممارسة السوسيولوجية بالمغرب على الرغم من كل التضحيات والمجهودات الجبارة التي يقوم بها الباحث أثناء البحث الميداني، مما يجعله يؤكد أن الاشتغال ضمن إطار الجماعة العلمية، وتشجيع وتمويل وتمكين هذا الإطار العلمي عبر الجامعات ومعاهد البحث العلمي والمؤسسات الحكومية والتنظيمات غير الحكومية هو ما يمكن أن يخدم السوسيولوجيا في المغرب منطلقا من تجارب غربية ومن التجارب التي عرفتها بعض البلدان المغاربية في مرحلة الاستعمار، خصوصا في عهد الحماية الفرنسية بالمغرب كإنشاء مؤسسات علمية وتكوين مجموعة من الباحثين وإنشاء فرق علمية ساهمت في إنجاز العديد من الدراسات والأبحاث ذات الطابع الإثنوغرافي والتي كان لها دور في عملية التحديث بالمغرب على الرغم من الصبغة الاستعمارية التي ميزتها في تلك المرحلة.

أما أعمال الأستاذ الباحث عمار حمداش فإنها تتميز بالكثرة والتنوع، وتتوزع على مجموعة من المجلات الوطنية والعربية في معظمها محكمة، وأيضا له أعمال ضمن الكتب الجماعية الصادرة عن مجموعة من المؤسسات الجامعية ومراكز البحث بالمغرب، يمكن أن نذكر منها: «وضعية البحث السوسيولوجي في الوطن العربي»، و«تطور مفهوم الغرب في التقسيم الإداري للتراب الوطني»، و«العرض والقبيلة» و«ميلاد زعامة سياسية ونهاية تمثيلية روحية»، إلخ. كما له حوارات ولقاءات مع مجموعة من المنابر الإعلامية، ومن أهم إصداراته كذلك نجد: «تقنيات البحث السوسيولوجي» الذي صدر عن سلسلة دفاتر طالب علم الاجتماع سنة 2006، وكتاب «بقايا من ثقافة الرمى: مساهمة في الثقافة الشعبية» الذي صدر في سنة 2013، وكتاب آخر بعنوان «حول تجارب التحديث القروي بالمغرب مع بيان من أجل البوادي المغربية» الذي في سنة 2015.

في النهاية، من يتعرف على الأستاذ عمار حمداش سيجده إنسانا بسيطا متواضعا منشغلا بهموم المجتمع المغربي، ودائم التفكير والسؤال حول التنمية القروية وعاشقا للقراءة ومهتما بالتفاصيل الدقيقة، ومحبا لزملائه ورفاقه وخير رفيق في المعرفة لدى طلبة علم الاجتماع، ومشجعا لهم على البحث واقتناء المعرفة بشكل عام والمعرفة السوسيولوجية بشكل خاص، وعلى الرغم من انتمائه إلى علم حورب كثيرا من طرف السياسيين منذ إغلاق معهد العلوم الاجتماعية، فإنه يبقى متفائلا حول مستقبل السوسيولوجيا إيمانا منه أن الأجيال القادمة من الباحثين ستعيد للسوسيولوجيا قيمتها ومكانتها التي تستحقها في مجتمع بدأ أخيرا ينفتح قليلا على السوسيولوجيا.

 

عبد الإله فرح - باحث من المغرب

ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية  

 

 

goma abdulahبقلب مليء بالحزن والاسى، على رحيل الكاتب والصحفي الكبير (ماجد الكعبي) المدافع الجسور عن الفقراء، وحقهم الشرعي بالحياة الكريمة، الخالية من الظلم والحرمان، والصوت الصحفي المدوي بالدفاع عن الحق والكلمة الصادقة والشريفة والنزيهة، التي تقف بالمرصاد بوجه الفساد والفاسدين . رحل عفيف وزهيد الحياة، بفقره المدقع، وهو يعاني الظلم والحرمان والاهمال، بسبب مواقفه الصلبة، تجاه اللصوص والحرامية، وكشف فسادهم وزيفهم . وهم في المقابل حاربوه بكل الواسائل المتوفرة لديهم، وهم يظنون بوهم وسراب، بانه سيركع في الاخير وينهزم امامهم، وهو لا يملك وظيفة، ولا دار سكني لعائلته، ويعيش على فاقة الحياة وحرمانها . كأنها ضريبة يدفعها الشرفاء واوفياء الكلمة الشريفة الصادقة تجاه مواقفهم النبيلة . ان سجله الجهادي والكفاحي الطويل، زاخر بحروف البطولة الجسورة، منذ اوليات شبابه، اختار الطريق الصعب في مواجهة النظام الدكتاتوري البعثي، الذي اعدم ثلاثة من اشقاءه، وضطر الى الهجرة، خشية ان يكون رابعهم، ومن ايران بدأ جهاده العنيد في اسقاط النظام البعثي، وكان اقرب المقربين للشهيد (محمد باقر الحكيم) ورجع للعراق، ليجد في طريقه افاعي وحشية فاسدة لا ترحم، وليس لديها ذمة وضمير، فخاض غمار المقاومة والتصدي ضدهم، وكشف عمليات فسادهم، في النهب الشرس، ووقف بالمرصاد لهم، ولم يروضه بالمطاوعة بالمنصب والكرسي والمال الحرام . فكان صوتاً صحفياً مدوياً يزعج مضاجع الفاسدين . لقد تخلى عن مباهج الحياة والجاه والمنصب، واختار الفقر والحرمان . مدافعاً عن الفقراء، والكلمة الصحفية الصادقة والنزيهة والشريفة . وكان من المفروض ان يكون مرشحاً في اول انتخابات برلمانية في العراق بعد سقوط النظام البعثي، ضمن قائمة الائتلاف العراقي ( 555 ) التي جمعت الاحزاب الشيعية في هذه القائمة الموحدة، التي حصلت على 128 مقعداً . من مجمل مقاعد البرلمان البالغة 275 مقعداً، ولكن لكي يحصل الموافقة فقد ساوموه بالمقاضة، ان يغض الطرف عن عمليات النهب الشرسة، التي تجري في وضح النهار، بالاختلاس والاحتيال بكل انواعهما الشيطانية، لكنه رفض بعناد والاصرار هذه المساومة الخسيسة، فشطب اسمه، واصبح شماعة حمراء، يجب سد كل الابواب في وجهه، ومحاصرته حتى يركع ويرفع الراية البيضاء، حتى حرموه من ابسط الوظائف في الدولة، وكان يرفض الوعود الذهبية والعسلية، مقابل التنازل عن مواقفه في محاربة الفساد والفاسدين، ان يكون اصم ابكم اعمى، مقابل ان يغرف بالاكياس الكبيرة بالمال، ويتنعم بفردوس الجاه، مثل حياتهم الفردوسية المتنعمة بالترف، لكنه يختلف عنهم قلباً وقالباً، لانه اختار طريق الحق والكلمة الشريفة، نهج وسلوك حياتي عنيد، لا مساومة عليه، لانه يعتبرها خيانة بمثابة التنازل عن كرامته ورجولته، بالسكوت عن الفساد والمظالم، وبأنها تلوث بالسواد وتشطب سجل جهاده الشريف والطويل، فكان بحق (ابو ذر الغفاري) لم يتوانى عن الجهر باعلى صوته وهوبكشف عمليات النهب والسرقات . وتعرض الى اكثرمن دعوة قضائية في المحاكم، حتى اعتبر اكثر الصحفيين الذين يتعرضون بسبب مواقفهم الى المحاكمات القضائية، بسبب مقالاته الصحفية التي يجاهر بها، وما الدعوة القضائية التي استمرت عدة شهور، في زمن الفاسدين . بالدعوة القضائية التي اقامها ضده . رئيس هيئة الحج والعمرة (محمد تقي المولى) في حزيران عام 2012 . بذريعة التشهير والقذح والتجاوز، التي قدمها الى محكمة استئناف بغداد / الرصافة . من قبل رئيس هيئة الحج والعمرة، ضد الصحفي ماجد الكعبي . بسبب مقال بعنوان (مآخذ حقيقية عن هيئة الحج النفعية) بتاريخ 15 حزران عام 2012 . في جريدة ( البيئة الجديدة) مما دفع رئيس هيئة الحج والعمرة، الى رفع دعوة قضائية، وطالبت بالزام المدعي عليه بدفع مبلغ ملياري دينار، تعويضاً عما لحق بها من ضرر معنوي . ولكن كانت الحملة التضامنية على اشدها من القوة والمساندة الرائعة، التي ارعبت رئيس هيئة الحج والعمرة (محمد تقي المولى) مما حاول بشتى الوسائل، وحتى بالوعود المعسولة، بدفع منحة مالية كبيرة، وحصول على امتيازات ضخمة لم يحلم بها، مقابل الاعتذار وحتى بشكل شفوي، ولكن الفقيد الراحل اصر بعناد على عدم التنازل، ومواصلة الطريق حتى لو كلفت حياته ثمناً، ورغم مما يعاني من فقر شديد من المعاناة . وامام هذا الاصرار العنيد بالدفاع عن اصالة الكلمة الشريفة والنزيهة، وجابه شتى المعوقات والعراقيل بالمحاصرة والاختناق بالسر والعلن، حتى كسب وربح الدعوة بالبراءة الكاملة، وخرج بوجه ابيض بعد معاناة القاسية، ومن ارشيف المراسلات بيننا، هذه الرسالة، التي تكشف عن ايحاء ومعنى:

اخي وصديقي وزميلي الاستاذ جمعة عبد الله ايها الانسان الواقعي والمنطقي اطلعت على مقالك الاخير والمنشور في صوت العراق وما استشهادك بمقالي بخصوص هيئة الحج الا دليل على نبض روحك المتصالحة مع الحق والوجدان. وثق كنت سعيدا جدا بذكر اسمي ومقالي بخصوص الهيئة وهذا فضل لم ولن انساه ابدا

كما اود ان اعطيك معلومة ان بعض الذين اعتذروا لرئيس هيئة الحج ونشروا عدم التعاطي مع مقالاتي واقصد هيئة تحرير جريدة البينة الجديدة قد كرموهم وهم الان في الحج مجانا مع تكريم مادي على حساب رئيس الهيئة يعني تاجروا بقضيني وصعدوا على اكتافي وهم زملائي وانت تعلم ان الهيئة فقط طلبت مني الاعتذار فلم اعتذر الى ان كسب القضية وحدي وبجودكم انتم الشرفاء وانت على راسهم

اخوك ماجد الكعبي

وكذلك لابد وان اشير الى ايامه الاخيرة، وهو صريع المرض، بالاهمال الكامل من كل الجهات، حتى من نقابة الصحافة ونقيب الصحفيين، الذي صعد على اكتافه، والحديث ذو شجون، لذا اشير وهو يودع الحياة . فقد كتب في صفحته الشخصية (الفيس بوك) (أظن أني سأودع الحياة ... وحلمي ان احصل على ورقة، تشير الى أني امتلك متراً من ارض وطني. ما الذي نفعله لكي يصدق الساسة، اننا مواطنون) .

هذه حياة المجاهد بالكفاح المتواصل الشرس، انه بحق من اتباع (ابي ذر الغفاري)

صديقي واخي العزيز . لقد فزت في الدنيا والاخرة، بوجه ابيض ناصع البياض بعزيمتكم الرجولية، بهذه الجسارة في زمن الفساد والفاسدين

نسأل المولى القدير ان يتغمدك بر حمته الواسعة، وأسكنك فسيح جناته، وألهم الصبر والسلوان عائلتك ومحبيك الشرفاء

والعزاء الى الصحافة الشريفة

 

جمعة عبدالله

 

 

salim alhasaniعندما نصفه بأنه آخر كبار المفكرين في جيله، فهي الحقيقة بدقة. أحاط غالب الشابندر بأهم جوانب الفكر الإسلامي، ودرس الفكر الغربي، في جولة مضنية استغرقت أكثر من ستين عاماً من القراءة المركزة. وحين يقرأ غالب الشابندر، فانه يتفحص الفكرة التي كتبها صاحبها، ويكتشف الفكرة الأخرى التي سكت عنها المؤلف. ولتمتعه بهذه القدرة النادرة، فقد بدأ منذ فترة مشروعاً ـ أظنه انه سيكون صادماً حين يطبعه ـ يتناول فيه أفكار الامام الشهيد محمد باقر الصدر التي لم يكتبها، إنما ضمنها بين السطور، وأخفاها وراء العبارات. وقدر مرّت العقود عليها وهي ضائعة مدفونة في مؤلفات الامام الشهيد، فقطع غالب الشابندر على نفسه وعداً أن يستخلصها ويعرضها في إنجاز علمي جريء.

في ستينات القرن الماضي ومعظم السبعينات منه، كان غالب الشابندر استاذاً لأجيال من المثقفين، صنعهم بحرص شديد، علّمهم الفكرة والكتابة والحوار، وكان يتنقل على عدة مناطق في بغداد، يعقد حلقاته الدراسية في المقاهي والأماكن العامة. وقد خصص لنفسه كرسي الاستاذية المصنوع من سعف النخيل وتختات الخشب كما هو الشائع في مقاهي بغداد في تلك الفترة.

كان يدخل مديرية الأمن العامة لنشاطه الإسلامي المكشوف، وحين يخرج من المعتقل يقصد المقاهي ليمارس التدريس والحوار والقراءة، وقد تكرر اعتقاله عدة مرات، لكنه لم ينته حتى صار حكم الإعدام أمراً محتوماً بحقه فهاجر العراق عام ١٩٧٧، الى الكويت، ليعيش هناك في كراج سيارات، وغرفة صغيرة ثم  شقة ضيقة مع عائلته، فيتولى هو مهمته التعليمية، وتتولى زوجته الصابرة السيدة (فوزية حسون) غسيل ملابس المهاجرين الذين هربوا من نظام البعث، لتشارك زوجها في خدمة الآخرين الذين تقطعت بهم الأسباب.

ولو لا (أم عمار) لما وجد غالب الشابندر زوجة في حياته، فهي الوحيدة من بين كل نساء الأرض التي تستطيع ان ترافق رحلة حياته، وكيّفت نفسها لترافق هذا المفكر الصعلوك المتقلب المشاكس العنيد المتواضع الفوضوي. تحمّلت هذا الطفل العابث الذي لا يريد أن يكبر ولا يريد أن يتعلم ولا يريد أن يتغير. وصبرت على كرهه للراحة والثراء والحياة المريحة، فعاشت معه وهو يختار أسوأ الأماكن للسكن، وأتعس الظروف للعيش. تسايره وهو يضجر من لا شيء، وهو يبكي من دون سبب، وهو معزول عنها في قراءته وكتابته، وهو قريب منها في كتابته وقراءته، وهو يخرج في منتصف الليل يجوب الشوارع هائماً مع أفكاره، يجلس في ميدان عام أو على الرصيف يقرأ كتاباً، ثم يعود فجراً ليكتب وينام ويكتب ويقرأ وينام ويخرج، بلا نظام ولا مواعيد ثابتة.

واحدة من أجمل الفترات التي عشتها في حياتي، تلك الأسابيع التي شاركته السكن في أول زواجي عام ١٩٨٢، في شقته المتداعية، في زقاق ضيق من مناطق طهران القديمة، حيث البطانيات هي أبواب الغرف، وأكياس النايلون تنوب مناب زجاج الشبابيك.

و لا يمكن أن أنسى فضل (أم عمار) في تلك الأيام، كما لا يمكن أن أنسى مواقفها الأكبر والأهم من ذلك، حين يتصل بي غالب الشابندر في أوقات متفرقة من الليل والنهار، يتحدث في مواضيع مختلفة، ثم تتدخل (أم عمار) لتمنعه من أحاديثه المزعجة التي تثير حزني، فهي تدرك أن شريك حياتها عاشق الحزن، فلا تريد أن يتسرب منه الى غيره، إنما تكفلت وحدها أن تحتمله منه، فلقد مشت معه عقود العمر تلملم ما ينثره من دموع وعبث وألم وحزن ومشقة، وتسند ظهره حين يتعب وهو يقرأ ويكتب، ليخدم الفكرة والانسان  في مهمة شاقة، لا يمكنه ان يتخلى عنها، بل يموت من لحظته لو تخلى عنها.

كان بمقدور غالب الشابندر أن يعيش أحسن الظروف، ولا يزال بمقدوره ان يصل الى الثراء، لكن بينه وبين المال علاقة غريبة، وبينه وبين الرخاء عداء مستحكم. يرفض رزم الدولارات تأتيه من بعض الشخصيات، لكنه في نفس الوقت يبحث عن بضعة أوراق منها يطلبها لقاء عمل بسيط لا يتناسب مع قدراته الفذة.

ما يقرأه الكثيرون في صفحة غالب الشابندر على الفيسبوك، هو استراحته البسيطة، هي جزء بسيط من رغبته العارمة للهروب من ساحته الفكرية، وكأنه يشعر بأن ما يكتبه من أبحاث عميقة في التفسير والتاريخ والفكر، ستعزله عن الشارع، فيسارع أن يكتب تغريداته، ينثرها بلا انتظام، ليطمئن أنه يعيش مع أبسط الناس ومع أحوج الناس الى الكلمة.

أشخاص برزوا في الواجهة، ملأوا الشاشات ومواقع السلطة، لكنهم أمام غالب الشابندر، لا يساوون شيئاً، إنهم يدركون ذلك، ولأنهم يعرفون الفارق الكبير بينه وبينهم، فلقد عمدوا الى إبعاده، وقد ساعدهم هو على ذلك، حين استصغر دنياهم ومناصبهم، لأنه يريد أن يبقى غالب الشابندر آخر الكبار من جيله.

 

سليم الحسني

 

 

husan sarmakبعد صراع مع الحياة .. وثلاث جلطات (واحدة قلبية ثم اثنتين دماغيتين قاضيتين)، وشلل نصفي، رحل شهيد الثقافة العراقية "ناظم السعود" ..

وهو شهيد بكل معاني كلمة الشهادة ويجب أن يُعامل على هذا الأساس، فناظم قدّم حياته لهذه الثقافة بلا مقابل . وقبلها تحمّل الآلام الجسام والعذابات الهائلة في سبيل الكلمة لأكثر من أربعين عاماً، ومات منحنياً على جهاز الكمبيوتر يكتب بصعوبة كما اعتاد عن ثقافة لم تقدّم له سوى النكران والإهمال ليعيش منبوذاً في أطراف محافظة كربلاء مشلولا ممدداً في سريره لا يقوى على الحركة للسنوات الثلاث الأخيرة.

عاش ناظم قبل الاحتلال مع عائلته الصغيرة في غرفة بائسة منزوية في مقر اتحاد الطلبة والشباب في شارع الكفاح .

عمل في هذا المقر حارساً ليلياً وليس "حزبيّاً" لكي يعيل زوجته وأطفاله .

في ذلك الوقت قدّمنا له نحن أصدقاؤه : الراحل الشهيد رعد مطشر والفنان التشكيلي عمر مصلح والشاعر سلمان داود محمد وأنا أكثر مما قدّمته له الحكومة.  خذله من كانوا يزعمون أنّهم أصدقاؤه الخلص ومنهم مثقفون "مقاولون" في الكتابة والحياة.

وبعد الاحتلال ترك وظيفة الحارس الليلي ليس لأن الحكومة عرفت قدره وقيمته الثقافية فأراحته، ولكن لأن المقر أُغلق، وأصبح المكان خطراً بسبب التسيّب الأمني آنذاك فنزح مع عائلته إلى أطراف كربلاء ليعيش هناك .

1347 nadum12

لم يترك ناظم الكتابة لحظة برغم أن القدر قد اختار – وبدقة عجيبة - الجلطة الدماغية في الجهة اليسرى من دماغه ليشلً يده اليمنى التي يكتب بها .

كان ناظم - قبل الاحتلال - جسورا لا يهاب وتعرّضياً . كتب أعمدة صحفية ومقالات كانت هي الطريق المستقيم نحو السجن أو الموت. ولكن الله العظيم حفظه من تلك المخاطر المدمّرة .

لناظم الفضل على شعراء وقصّاصين وروائيين ومسرحيين، كانوا أصواتاً شابة وأصبحوا الآن ممن يُشار إليهم بالبنان . كثير منهم جافوه وتنكّروا لفضله في حياته.. فهل سيذكرونه بعد مماته ؟!

كان من ألقابه الشريفة الكثيرة : "عرّاب أدباء الهامش".

قبل أسابيع التقينا أنا وسلمان في بغداد، ولمنا أنفسنا، لأننا لم نزر ناظم في كربلاء مرة واحدة بعد أن انتقل إليها وهو عاجز تماماً، واكتفينا بالاتصال به بالهاتف والبريد الإلكتروني . فقرّرنا السفر إليه إلى كربلاء . كان الموت يعرف أنّنا لسنا جادّين مثله وأنّ "خلگنة" طويل، فقرّر أن ينهي الموضوع ويزوره قبلنا ويرحلا سويّة.

خويه ناظم .. إعذرنه .. والمسامح كريم .

ذات صباح من صباحات جُمَع المتنبي قبل الاحتلال، كنت أقف مع ناظم والمترجم والشاعر حسين حسن والمبدع الأستاذ حنون مجيد وآخرون نتحدّث في شؤون ثقافية، وجاء صحفي "مهم" آنذاك وسلّم علينا، وإذا بنا نفاجأ بناظم يهوي بعصاه على رأس هذا الصحفي بضربات شديدة موجعة وهو يصيح : حقراء .. شوّهتوا الثقافة . علمنا بعدها أن الصحفي طلب من ناظم مقالة لصحيفته وعندما وجدها جريئة .. اعتذر !!

كنتُ أزور ناظم صباح الجمعة في مقر عمله كحارس ليلي ونخرج لنجلس عند بائع مشويات في أحد أزقة الكفاح . دُهشت من احتفاء الناس البسطاء هناك به، كانوا يعرفونه ويحترمونه . "إجه الصحفي" كما يقولون ببساطتهم، ويعتقدون أن تسليمه مشكلاتهم سوف يحلّها. وكان يشعر بالإحراج ويخجل من أن يرفض توصيلها فعمله في الصحافة الأدبية وليس في الشكاوى.

قبل شهور، اقترحتُ عليه نشر كتابه المهم جدا "لا صحافة أدبية في العراق" بصورة حلقات متسلسلة في موقع الناقد العراقي الذي أشرف عليه لأن الأيام والشهور تمر دون أن يرى هذا الكتاب النور برغم كل محاولات ناظم لإصداره، فأرسله مع الرسالة التالية :

(تحياتي دكتور حسين

أتمنى أن تكون بخير لأنك أصيل وصادق

أرسل اليك محتويات كتابي الجديد الذي لم ينشر بعد لظروف المرض المتتالية حتى بت أخشى عليه وعلى مصيره، لهذا تذكرت كلماتك الأخوية وعرضك الطيب من اعادة نشر فصوله رقميا في موقع الناقد العراقي حتى يكتمل الكتاب . ولهذا أنا موافق الآن على هذا العرض الأخوي منك، وأرسل اليك الكتاب المخطوط بغلافه ومقدمته التي كتبها خصيصا للكتاب الدكتور طه جزاع اضافة الى 30 مقالة جديدة .. اتمنى ان اجد الكتاب منشورا كحلقات في الموقع مع الشكر والامتنان مقدما

اخوك ناظم السعود)

وقد نشرنا الكتاب بأكمله كحلقات مع هذه الإشارة من أسرة الموقع مع كل حلقة :

(إشارة :

يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة، وقلم نقدي بارع، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.)

يعد البدء بنشر فصول الكتاب ارسل ناظم رسالة يقول فيها :

(للأسف فأنا قبل حوالي ساعة ارسلتُ ردّا سريعا اثر بهجة رسالتك الأولى وضمّنتها فرحتي بما ارسلت واستقبالك المبهج لكتابي لكن يا لسوء حظي اذ لم ترسل اليك رسالتي لخطأ لا اعرفه

أكرر فرحي بكلماتك واشارتك ومضمونها الرائع

انا ممنون منك فانت دائما تشحنني بالحياة

اخوك ناظم)

والغريب أنّني قرأتُ مقالة للدكتور طه جزاع في صحيفة المشرق (3/4/2016) يقول فيها :

(مناسبة الحديث عن ناظم السعود، هي صدور كتابه الجديد الذي يحمل عنوانا مثيرا (لا صحافة أدبية في العراق!) ..

وحسب علمي، مات ناظم السعود ولم يصدر الكتاب .

وقد أعاد الدكتور طه نشر المقدّمة اليوم بعد وفاة ناظم وغيّر عنوانها من (ناظم السعود زعيم المثقفين الفقراء) إلى (في وداع زعيم الفقراء) بعد أن أضاف إليها سطراً واحداً فقط هو :

(لك الرحمة والمغفرة أيها الصديق النقي الصادق الجميل، لعلك تجد في موتك أملاً، طالما بحثت عنه يائساً في الحياة .)

قبل ثلاثة اشهر أرسل إليّ ناظم مخطوطة جديدة لآخر كتاب له وشرّفني بطلب كتابة مقدّمة له (سوف أنشرها قريباً) . قال أبو أسعد في رسالته : (اتمنى ان تكون بخير أبو علي

كنت أرجو ان اكون بوضع افضل لأفيك حقك ايها الكبير علما وادبا ومكانة ولكنني بوضع سيئ اذ أنظر واتابع العالم وانا طريح الفراش ومنذ ثلاث سنوات وأنا ملقى على ظهري لا أكاد أتحرك .. هل قرأت رواية  الجحيم لهنري باربوس؟ ان حالي اليوم يشابه بطلها ولا حول الا بالله 

قلت لنفسي لأفيد الاخرين كما كنت أفعل طوال عمري وهكذا اهتممت طوال الشهرين المنقضيين بجمع بعض كتاباتي المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع لاضمها في كتاب جديد اسمه (المدونة الحادية عشرة : اقباس من  كتاباتي الصحفية) وأصبح جاهزا الآن للطبع ويحتاج فقط الى مقدمة ووجدت أنك الأصلح لكتابة المقدمة لسببين أولهما لأنك قريب مني ومن دلالات كتاباتي على مدى السنين السابقات والثاني انك نشرت وبشرت في موقع الناقد العراقي بعض المواد في الكتاب هذا

ارجو ان يكون عندك بعض الوقت لكتابة المقدمة والا ازاحم مشاريعك الكتابية العديدة

ملاحظة : ارفق مع االرسالة نسخة من الكتاب

اخوك  ناظم السعود)

وقد كتبت المقدّمة (وسوف أنشرها غداً)، وكالعادة .. مات ناظم ولم يصدر الكتاب .

قرأتُ قبل سنوات عن شخص مات وقالوا عته أنه (مات وأزاح عن كتفيه العبء الذي يُسمّى "الحياة") . لكن لماذا تكون الحياة عبئاً في بلادنا وهي مشرقة رائعة رائقة في أماكن أخرى مثل جيبوتي صاحبة أكبر مخزون نفطي في العالم؟ ولماذا يموت مبدعونا مشلولين مُهملين لتطويهم يد النسيان بعد ما سُمّي بالتغيير والتحرير؟ الله يطيّح حظّڇ أمريكا.

الرحمة لروحك أخي الحبيب "ناظم السعود" في علّيين.

 

الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

 

chaleb al shabanderمجموعة من المفكرين المختلفين المتناقضين، يحملون أفكاراً متصارعة، يخوضون أشرس النقاشات، وأكثرها صخباً، ثم يكتبون بقلم واحد.. هذه المجموعة هي غالب الشابندر.

مجموعة من المشردين والمجانين والأطفال والكبار والفوضويين والصعاليك يعيشون المشاكسة طوال الليل والنهار ثم يظهرون أمام الناس في الشوارع والأسواق والأماكن العامة.. هذه المجموعة هي غالب الشابندر.

ينتمي هذا الرجل الى عائلة ثرية، لكنه منذ صغره بحث عن التراب والزوايا المهملة في البيت الكبير المطل على نهر الغراف في مدينة الحي، فألقى جسده هناك، تلّمس خشونة التراب فوجده ناعماً، وتطلع الى العتمة فوجدها مضيئة، وتحسس ضيق المكان فوجده رحباً، وبذلك اختار مكانه في الحياة، فاستقرت نفسه بين الخشونة والظلام والضيق، لا يستطيع ان يفارقها، يبحث عنها دائماً ويحلق في أجوائها الى أعلى المديات، وحين تضطره الأوقات الى الخروج والظهور واللقاء والاجتماع، فأنه يتنفس بصعوبة حياة الترف، يختنق بهذا الهواء المعطر، فيقضي الساعات متقلباً على قطع من الزجاج الجارح والمسامير الناتئة، ثم ما يلبث أن يغادره نحو الضياع، وأجواء المتشردين.

هو غالب الشابندر الذي لا يعرفه شخص، كما أعرفه. أقول ذلك ليس زعماً من غير دليل، ولا قولاً أتباهى به، لكني عشت هذا الانسان المملوء بالتناقضات والغرائب، الهائم في دنياه الخاصة، المحلق في فضائه الخارج عن أفقنا المألوف.

أعرف ما يكره وما يحب، أعرف ما يريد وما لا يريد. ولكني في نفس الوقت أعجز عن توضيح ذلك للآخرين، حين يبدون ملاحظاتهم واعتراضاتهم على مواقفه وسلوكه وكتاباته وأحاديثه.. لا يمكنني أن أشرح ذلك، وأكتفي بأن أقول:

ـ هذا هو غالب الشابندر.

نعم هذا هو غالب الشابندر، وبغير هذه التناقضات والتقلبات والجنون والعبث والمشاكسة والاستقرار والاضطراب، لن يكون غالب الشابندر، سيصبح شخصاً آخر، لا يعرف الكتابة البارعة ولا يجيد طرح الفكرة المبدعة، ويفشل في اكتشاف الرؤية الفاحصة.

هو نموذج خاص لن يتكرر، لقد صاغ نفسه بهذا القالب المختل، وأصر ان يبقى فيه ما بقي حياً. ومن يريد أن يجري عليه تعديلاً لن يواجه إلا الفشل. ليس لأن غالب الشابندر عنيد متحجر.. أبداً ليس الأمر كذلك، بل لأن القالب الذي وضع نفسه به، متغير متحرك، تتحكم به الفكرة التي يقتنع بها، والفكرة عنده خاضعة للنقاش المستمر، ينظر اليها كل يوم، وكل ساعة، يؤصلها أو يعدلها أو يطورها أو ينفيها ويشطب عليها. يناقش ذلك مع نفسه بشكل مستمر، حوار متواصل وبحث متواصل وتأمل طويل مرهق.

يبحث عن النقطة الخفية، عن شيء ضائع في الحياة، عن أمر مدفون تحت التراب، فيلتقطه في أشد ظروف العتمة والظلام، ويقضي الوقت الطويل، يتأمله ثم يجليه فيجعله براقاً لامعاً مضيئاً.

وحين يفعل ذلك، لا يهمه ما سيقوله الآخرون عنه، يكفي أنه اقتنع بما توصل اليه، فيكتب ويتحدث بلا خوف، فهذه الحياة له، والفكرة التي توصل اليها يمنحها للحياة، بصرف النظرة عن ردود الفعل، لا يهمه من يغضب ومن يرضى، المهم أنه اقتنع بها، أو أقنع نفسه بها أو أراد أن تكون مقنعة له.

لو سألوني: ماذا تتوقع أن يكون موقف الأستاذ غالب الشابندر من هذه القضية؟

سيكون جوابي ما قاله عنه العزيز (حسين السكافي):

ـ اثنان لا أعرف ما سيفعلان، حفيدي الصغير (زين) وصديقي غالب الشابندر.

صديقي واستاذي (أبو عمار) سترهقني الكتابة عنك، لكني سأكتب.

 

سليم الحسني

 

 

nabe  oda(ملحق قصيدة سالم جبران "القائمة السوداء" وكيف شارك الحكم العسكري بشنق نفسه)

بعد نكبة 1948 فرضت حكومة إسرائيل الحكم العسكري على المواطنين العرب، او الأصح القول على البلدات العربية داخل حدودها، وأُلغي الحكم العسكري عام 1966 بعد معركة سياسية برلمانية وشعبية شرسة.

الحكم العسكري اعتمد على قوانين الدفاع التي فرضها الانتداب الاستعماري البريطاني عام 1945 (قوانين حالة الطورائ) بسبب تنامي الأعمال الحربية للمنظمات اليهودية ضد الانتداب. بعد إقامة إسرائيل تقرر إبقاء هذه القوانين الانتدابية البريطانية في الجليل والمثلث والنقب. عمليا مناطق تواجد المواطنين العرب. شكليا فرض الحكم العسكري على مناطق جغرافية، لكن بالتطبيق فرض فقط على المواطنين العرب. مثلا في البلدات المختلطة مثل يافا والرملة واللد أُلغي الحكم العسكري عام 1949، وفي حيفا المدينة التي صار أكثرية سكانها من اليهود لم يفرض الحكم العسكري. في عكا حيث اصبح العرب أقلية، أُلغي الحكم العسكري عام 1951.. اما في مدينة الناصرة وشفاعمرو وجميع البلدات العربية في الجليل والمثلث والنقب فقد عاني السكان من الحكم العسكري وضرورة الحصول على تصاريح للخروج من بلداتهم والعمل في البلدات اليهودية او لزيارة أقارب في البلدات الأخرى.. وطبق الحكم العسكري سياسة تجويع ضد المناضلين برفض منحهم تصاريح للخروج الى العمل خارج بلداتهم، الى جانب ظاهرة طرد عشرات المعلمين العرب الوطنيين الذين لم يلتزموا بالمواد الدراسية التي أعدها الحكم العسكري وثقفوا طلابهم على روح الكرامة.

 الغاء الحكم العسكري كان ضد رغبة حكومة حزب العمل (أي حزب المعراخ والعمل كان اسمه في ذلك الوقت وكان رئيس الحكومة هو ليفي أشكول) لدرجة ان نواب عرب تابعين لحزب المعراخ صوتوا ضد إلغاء الحكم العسكري واحد النواب العرب التابعين للمعراخ خطب في الكنيست وقال "ان الحكم العسكري لمصلحة العرب"!!

جدير بالذكر ان أحزاب اليسار واليمين وعلى رأسها حزب الحيروت – الليبراليين  بقيادة مناحيم بيغن (فيما بعد الليكود) صوتوا من اجل إلغاء الحكم العسكري، لأنهم رأوا به جهاز قمع استعمله الانتداب البريطاني ضد اليهود قبل إقامة الدولة.. وعارضوه ليس بسبب فرضه على العرب إنما لأنه من بقايا الانتداب الاستعماري الذي طارد أيضا العصابات اليهودية.

على إثْر ذلك اتّخذت حكومة إسرائيل قرارا بالتفرقة بين نوعين من مواطنيها العرب... "عرب ايجابيين"، أي ما نسميهم بلغتنا الشعبية "مرتزقة السلطة"، الذين باعوا كرامتهم بقروش صدئة. و"عرب سلبيين" هي صفة كل المناضلين ضد مشاريع التهويد ومصادرة الأرض وتضييق الخناق على تطور بلداتنا ومؤسساتنا التعليمية، وضمت أسمائهم لما عرف بـ"القائمة السوداء". بالطبع فرض على العرب السلبيين (من القائمة السوداء) أوامر تحديد التنقّل التي تمنع "المغضوب عليهم" من مغادرة بلداتهم بدون تصاريح عسكرية، بل وتفرض على من تراه خطرا على الأمن، أوامر تمنعه من مغادرة منزله بعد غياب الشمس، او تنفيه لبلدة بعيدة... أي "تعذيب قانوني"!!

اذكر ان شاعرنا محمود درويش كان من الذين تلقوا أوامر تحديد التنقّل والاعتقال المنزلي بعد غياب الشمس (إثبات وجود)، وقبلها كان قد شارك في مهرجان سياسي كبير عقد في مدينة الناصرة ضد قرارات الحكومة، بتصنيفنا "عربا سلبيين" تُفرض علينا أوامر تحديد التنقل الانتدابية الاستعمارية سيئة الصيت، أي في مثل حالتي (تلقّيت امر تحديد التنقل وانا في الثامنة عشرة) كان محظورا من مغادرة مدينتي الناصرة بدون تصريح من جهاز الشرطة، سابقا كان التصريح من الحاكم العسكري، أي حافظوا على بقاياه مثل أوامر تحديد التنقّل والاعتقال الإداري والنفي وغير ذلك من الموبقات، وهو قانون سائد اليوم ضد أبناء شعبنا الفلسطينيين في المناطق المحتلة.

 ألقى محمود درويش في مهرجان الناصرة قصيدته التي اشتهرت بمطلعها: "سجِّلْ: أنا عربي" (عنوانها "بطاقة هوية") يقول فيها:

سجِّلْ 

أنا عربيْ

ورقم بطاقتي خمسونَ ألفِ

وأطفالي ثمانيةٌ

وتاسعُهمْ سيأتي بعدَ صيفِ

فهل تغضب؟

سجِّلْ

أنا عربيْ

وأعملُ مع رفاقِ الكَدْحِ في محْجَرْ

وأطفالي ثمانيةٌ

أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ

والأثوابَ والدفترْ

مِنَ الصّخرِ

ولا أتوسَّلُ الصَدَقاتِ مِنْ بابِكْ

ولا أصْغَرْ

أمامَ بلاطِ أعتابِكْ

فهل تغْضَبْ؟

سَجِّلْ

أنا عربيْ

أنا إسْمٌ بلا لَقَبِ

صبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها

يعيشُ بفورة الغَضَبِ

جذوري..

قبلَ ميلادِ الزّمانِ رَسَتْ

وقبلَ تَفَتُّحِ الحِقَبِ

وقبلَ السّرْوِ والزّيتونِ

قبْلَ تَرَعْرُعِ العُشْبِ

أبي مِن أسرةِ المحراثْ

لا مِن سادَةٍ نُجُبِ

وجَدّي كان فلاحاً

بلا حَسَبٍ و لا نَسَبِ

يعلّمُني شموخَ الشّمس قبلَ قراءةِ الكُتُبِ

وبيتي كوخُ ناطورٍ

مِنَ الأعوادِ والقصبِ

فهل تُرضيكَ منزِلَتي؟

أنا إسمٌ بِلا لَقَبِ

سجِّلْ

أنا عربيْ

ولونُ الشَّعْرِ فحْمِيٌّ

ولونُ العينِ بُنّيٌّ

وميزاتي:

على رأسي عِقالٌ فوقَ كوفيَّة

وكفّي صُلْبةٌ كالصّخر

تخْمُش مَن يلامِسُها

وعنواني:

أنا مِن قريةٍ عزْلاءَ مَنْسيّة

شوارعُها بلا أسماءْ

وكلُّ رجالِها في الحقلِ والمِحْجَرْ

يحبُّون الشيوعية (مواقع عربية استبدلت هذه الجملة بجملة "يعادون العبودية")

فهل تغضب؟

سجِّلْ

أنا عربيْ

سلبْتَ كرومَ أجدادي

وأرضا كنتُ أفلَحُها

أنا وجميع أولادي

ولم تترك لنا ولكلِّ أحفادي

سوى هذي الصخور

فهل ستأخذها

حكومتُكُمْ كما قيلا

إذنْ..

سجل برأس الصفحة الأولى

أنا لا أكرهُ الناسَ

ولا أسطو على أَحَدِ

ولكنّي إذا ما جُعْتُ

آكلُ لحمَ مغْتصبي

حذارِ حذارِ من جوعي

ومن غضبي.

قد يقول البعض انها خطابية مهرجانية، وهذا صحيح، ولكننا كنا بأمس الحاجة لمثل هذا الشعر الذي ألهب الجماهير وملأها عزما وتحدّيا لتعسّف السلطة. شعرنا المهرجاني له طابعه النضالي والتثقيفي، كانت القصيدة أهم من الخطاب السياسي في مهرجانات ومظاهرات واجتماعات شعبنا. في نفس المهرجان شارك أيضا الشاعر، زميل درويش شعرا، فكرا ونضالا، سالم جبران، بقصيدة هامة هي "القائمة السوداء" يقول فيها:

سجّلْ إسْمي في القائمةِ السوداء

سجّلْ إسْمَ أبي، أمي، إخواني

سجِّلْ.. حتى حيطاني!

في بيتي لن تلقى إلا شرفاءْ!!

لا تنظر نحوي

بعيونٍ باردة بلهاء.

سجّلْ إسْمي ..

فأنا لن أتنازل

عن ارضي الطيبةِ المعطاءْ

لن أعملَ جاسوساً

للأجهزة السوداء

في كل مظاهرة تلقاني

صوتي مع آلاف الأصوات

يجلجلُ في الأجواء

وإذا ما شئتَ مزيدا

فأنا أحمرُ

مِن بلدٍ حمراءْ

سجّلْ أسمي في القائمة السوداء

وطني مُلْكي

أبقاه ليْ أجدادي

وسأبقيه للأبناء

حرٌّ فيه أنا .. أتجولُ كيف أشاء

خبِّئ في غيرِ مِلَفّاتِك، بالقائمة السوداء!

حفظنا القصيدتين غيبا، أصبحتا، خاصة قصيدة محمود نشيدا وطنيا. انتهى المهرجان بمظاهرة، اعتقالات ليلية، تحقيقات شرطة وباقة من أوامر الإقامة الجبرية.

كيف شارك الحكم العسكري بشنق نفسه؟

لا أذكر التاريخ ولكنه كما أظن بين أعوام  1955- 1959. قررت الشبيبة الشيوعية في الناصرة ان تساهم في النضال ضدَّ الحكم العسكري حسب طريقة جديدة مبتكرة.

أنتجوا لعبة كبيرة عُبِّئت بنشارة الخشب، كتبوا على الصدر والظهر "الحكم العسكري" طوقوا رقبة اللعبة بحبل للشنق، في احدى الليالي تسلّق أحد شباب الحركة خفيفي الحركة شجرة سرو شاهقة العلو كانت بجانب عين مريم العذراء على الشارع الرئيسي للناصرة، علّق لعبة القش التي سميت "الحكم العسكري" في اعلى نقطة على شجرة السرو الشاهقة وتدلّت مشنوقةً... فجراً، تجمّع النصراويون يضحكون ويصفّقون لشنق الحكم العسكري.

ثار غضب الحاكم العسكري الذي جاء مع مدير الشرطة ليشاهد السخرية من جهازه. طلب سيارة خاصة مع رافعة، لينزل اللعبة المشنوقة ويوقف المهزلة من الحكم العسكري.

صعد شرطي في سلّة الرافعة، لكنها لم تصل للحبل ليفكَّه ويحرّر لعبة الحكم العسكري من حبل المشنقة.

أُنزِلَ إلى الأرض وأُعطيَ خنجرا ليقطع اللعبة إرَبا، بنفس الوقت غيرت الرافعة مكانها مقتربة اكثر من السروة الشاهقة ورفعت الشرطي مع الخنجر بيده من جديد، مد الشرطي يده بالخنجر الى أقصى ارتفاع تمكن من وصوله، فوصل الى رقبة اللعبة، وبدأ "يذبحها" ونجح بفصل جسد اللعبة عن رأسها، فسقط الجسد والرأس على الأرض مفصولين عن بعضهما وتناثرت نشارة الخشب بالجو كأن السماء تندف ثلجا لونه أصفر .. والجماهير المتجمّعة لمشاهدة أجمل عرض في مدينة الناصرة، تضحك، تصفق وتهلّل احتفالا بالشنق الناجح للحكم العسكري.

 

نبيل عودة

 

 

salim alhasaniمن بيوت مدينة الثورة (الصدر) الفقيرة، من شوارعها المتربة المهملة، برز شاب قوي البنية شجاع لدرجة لا توصف، انتمى لحزب الدعوة الإسلامية، وخاض المعارضة ضد النظام القمعي، ببطولة المتحدي الذي يطارد الموت ويمر عليه ساخراً.

من تراب الأرض الطيبة صنع (صبري الربيعي) قلبه، ومن هوائها ملأ رئتيه، فجاءت فطرته سليمة صافية. يعيش مع الفقراء من أجلهم، يجوع لكي يشبع جاره، ويعرى لكي يلبس رفيق دربه.

في عام ١٩٧٩، حينما اشتدت المطاردة على الدعاة، وضاقت بهم مساحة العراق، هاجر الكثير منهم الى إيران في ظروف طارئة من الملاحقة بحيث لم يكن بمقدورهم سوى الهروب عبر الحدود، فبقيت عوائلهم بلا معيل، يتهددها الخطر من مداهمة الأجهزة الصدامية وانتقامها. هنا كان البطل (صبري الربيعي/ أبو عارف الثوري) رجل المهمة الصعبة، بعضلاته المفتولة، وبقلب الأسد الذي يخفق في صدره، وبشجاعته النادرة، كان يتفقد هذه العوائل، فيقوم بتهريبها الى إيران، عبر طرق صعبة خطرة، يجتاز المفارز ونقاط التفتيش، يقطع المسافات في ظلام الصحراء والتلال والهضاب والوديان، يحرس العوائل بعينيه الحادتين، ويده على الزناد، فمن يقترب من ضعنه من أزلام السلطة، فلا نجاة له من بطشة (صبري الربيعي) الحارس الأمين لعوائل اخوانه المهاجرين.

وحين يصل الى الضفة الآمنة ويسلم الأمانة، لا يشعر بالراحة والاستقرار، فأمامه مهمة أخرى، هي أن يسأل المهاجرين عن عوائلهم ويأخذ العناوين، ليعود يكرر المحاولة تلو المحاولة، وحين اطمئن بأنه أدى آخر المهمات في هذا الاتجاه، كان رحلته الأخيرة نحو المهجر بصحبة عائلته، فلقد آثر أن تكون آخر عائلة يخرجها من العراق. لقد أبت شهامته الأسطورية أن يفضّل عوائل اخوانه على عائلته، ومنعته مروءة الرجال أن يقدم غيره على نفسه.

وحين انتهى من ذلك، لم ينطق بكلمة واحدة عن أسماء الذين قدم لهم هذه الخدمات الكبرى، لا يريد أن يضيع أجره بالكلام، ولا يريد أن يُسجل فضلاً على أحد، وهو صاحب الأفضال في انقاذ الكثير من العوائل وجمع شملها، وقد وصل العديد منهم الى مواقع المسؤولية والمراكز الحكومية بعد عام ٢٠٠٣.

في سنوات هجرته الطويلة، عاش فقيراً، يتجول في مواقع العمل المسلح ضد النظام الصدامي، ويعمل بمختلف الأعمال من أجل توفير بعض ما تحتاجه عائلته الكبيرة، ليسد قسماً من رمقهم، فقد رافقه الفقر والعوز، وبادله الزمن الأجدب العداء، فما كان يستطيع شراء ملابس بسيطة لنفسه أو لأفراد أسرته، فيشبعهم بالقناعة، ويكسوهم بعزة النفس.

كان وهو في أشد حالات الضيق والعوز لا تظهر على ملامحه سوى الابتسامة، ولا يوزع على أصدقائه سوى النكتة والمرح، مستفيداً من قابليته الفنية، في التمثيل وتقليد الأصوات بموهبة فطرية صرفة. وقد اختار لنفسه اسماً حركياً (أبو الفوح) ليخفف بلفظه هموم اخوانه، وكان ذلك أحب الأسماء الى قلبه الكبير.

تتراكم الهموم والاحباطات على مجاميع المهاجرين، فيدخل عليهم (أبو الفوح) ينثر عليهم الأمل بسخاء، ولا يتركهم إلا وقد شع من كل وجه وهج الأمل.

سقط النظام وعاد الى أرضه وأهله، يغرز قدميه في أزقة الطين وشوارع التراب، يطرق أبواب البيوت المتداعية، ليقدم المساعدات لهم، يتفقدهم ويسأل حاجاتهم، ثم يبذل جهوده لتلبية ما يحتاجون. حتى حصل على وظيفة في محافظة بغداد خلال فترة السيد نوري المالكي، لكن من سوء حظه أن المحافظ كان من فئة معاكسة مناقضة للطيبة والنزاهة وحب الخير. فتعرض للظلم على يد (صلاح عبد الرزاق)، مع أنه كان لا يطلب منه سوى تسهيل معاملات المحتاجين والفقراء في الأحياء البائسة.

كانت صحة البطل (صبر الربيعي/ أبو الفوح) قد تدهورت، وأعياه المرض واتعبته الحياة، لكن همته العالية لا تفتر عن السعي في قضاء حاجات الفقراء، فدخل ذات يوم مكتب المحافظ صلاح عبد الرزاق يطلب منه توفير الخدمات لبعض الفقراء والمحتاجين، فكان جواب المحافظ أن أمر حمايته بإخراجه من مبنى المحافظة بالضرب والعنف والإهانات والشتائم، وأصدر أمراً إدارياً بمنع دخوله مبنى المحافظة. ولو أن (أبو الفوح) كان في عافيته وصحته، لأطاح بهم جميعاً، ولأسقط المحافظ المغرور بنظرة واحدة من عينيه.

بعد فترة قصيرة توفي البطل الشجاع (صابر الربيعي/ أبو الفوح) توفي كمداً حزيناً صابراً على الظلم الذي تعرض له.

كل شريف من اصدقائك أيها البطل يقبّل ثراك الطاهر، فلم يبغضك إلا مسخ فاسد.

 

سليم الحسني

 

 

jawad abdulkadomفي محل قريبه الأديب أحمد زكي الأنباري كانت أولى لقاءاتنا في منتصف التسعينيات، وكانت أحاديثنا تتناول تراث مدينة المسيب وأخبار الأدباء والحالة المزرية التي وصلها البلد بسبب سياسة حاكمه المتهورة وما نتج عنها من حروب مدمرة وحصار خانق وتردٍ في جوانب الحياة كافة .

ومنذ بداية هذه اللقاءات لمست ارتياحه لحضوري واحترامه الشديد لي ورضاه عن طروحاتي، وهو لا يمنح رضاه بسهولة للآخرين كما عرف الجميع، وقد علق أحد الأصدقاء ذات مرة مازحا وقد استوقفته حالة الانسجام بيننا: (إنك تتحدث كما يريد ولذلك لم تختلفا)!! وحقيقة الأمر أني كنت أبادله الاحترام الشديد، واستمع إليه بتأن من دون اعتراضات وجدل، وأطرح أفكاري عليه بأسلوب لين وهدوء تام من دون تشدد أو تعنت، وإذا حصل اختلافنا في مسألة، ووجدته مقتنعا به لديه ومصرا عليه تجاوزت النقاش إلى غيره من المشتركات بيننا وما أكثرها .

وبعد مدة قليلة دعاني إلى زيارته في علوته الواقعة داخل سوق العلاوي عند التقاء هذه السوق بشارع مكاوي، ويجاور العلوة مكتبه للمحاماة الذي أغلقه بعد شيخوخته وشعوره بالتعب والإرهاق، وكان قد فتحه مرحبا ومتبرعا به لمنتدى أدباء المسيب عند إنشائه سنة 2003م، وجعله مقرا ومكانا لنشاطاته، وفي زياراتي المتكررة له التقيت مجموعة من الوجهاء والفضلاء الذين كانوا يغشون مجلسه، منهم قريبه القاضي طارق المعموري رئيس محكمة استئناف الرصافة الأسبق بعد تقاعده، وشقيقه المحامي خالد حسون، وحسن جواد العماري، وصادق الجلاد وغيرهم ممن مضوا إلى رحمة الله تعالى .

1345 mahdi abasفي تلك السنين كنت أحمل معي على الدوام دفترا صغيرا أسجل به ما أسمعه من معلومات مفيدة واستذكارات جميلة، واحتفظ اليوم في أرشيف مكتبتي بحدود خمسة عشر دفترا ملأتها بما سمعت من تلك المجالس التي كنت أرتادها والأفراد الذين التقيتهم في تلك الحقبة، وقد استفدت منها كثيرا في كتاباتي المتنوعة، وأعدها واحدة من أهم ثرواتي الثقافية .

كانت أسئلتي لمهدي الأنباري سيل لا ينقطع، وكأني في سباق مع الزمن ؛ سألته عن مشاهداته القديمة لمدينة المسيب، وعن حياته الثقافية والسياسية، وعما بقي في ذاكرته من أخبار الناس ونشاطاتهم في العقود الماضية، وقد حدثني بالكثير من خزين ذاكرته المتوقدة، ولعل من أمتع ما حدثني به تراثيا وصفه التفصيلي لـ (دربونة عسلة) وساكنيها قديما، وهي أشهر الأزقة في محلة النزيزة بل المسيب بأسرها ؛ كما شجعته منذ أول لقاءاتي به على الكتابة والنشر بعد أن رأيت سلاسة أسلوبه وفائدة معلوماته، وبالفعل نشر مجموعة من المقالات والقصص القصيرة في جريدة (العراق)، واحتفظ بعدد منها، وبعد سقوط النظام سنة 2003م اندفع للكتابة في مختلف الموضوعات في جريدة (التآخي)، وكان يحدثني عنها ويزودني ببعضها .

بدأ الانباري المولود سنة 1929م حياته المهنية في التعليم سنة 1952م، وقد أحب عمله وأبدع فيه، ورعى تلاميذه حق الرعاية، قال إنه في بداية كل سنة دراسية يشتري قطعة القماش الأبيض، ويقوم بقصها إلى قطع صغيرة بحجم المنديل، ويوزعها على تلاميذ صفه، ويطلب منهم صباح كل يوم الذهاب إلى المغاسل لغسل وجوههم والتمضمض والتمخط ثم مسحها بهذا المنديل الصغير الذي زودهم به مجانا كي يعودهم على النظافة .

وله في كل مدرسة عمل فيها ذكريات جميل وطلبة مجتهدون يعتز بهم، ومن تلك المدارس التي أحبها في المسيب مدرسة المسيب الأولى للبنين ومديرها فاضل بابان، ومدرسة اليوسفية في ناحية أبي غرق، وكان ينشئ مكتبة في كل مدرسة يعمل فيها وينظم سجلا لها، ويشجع التلاميذ الصغار على استعارة كتبها ومطالعتها .

ولنشاطاته السياسية المبكرة تعرض للسجن والاعتقال والفصل قبل تموز 1958م وبعده، وعانى من ضغوطات الحياة المتعددة وخاصة المعيشية في تلك الظروف الصعبة، وبعد عودته للتعليم أكمل دراسة القانون سنة 1973م، وتقاعد عن العمل سنة 1981م، وتحول إلى المحاماة، فكان من المحامين المعدودين بنبوغهم وسمعتهم الطيبة في المدينة، وتدرب على يديه عدد غير قليل من محامي المدينة الجدد .

قال لي مرة إن ثلاثة من التلاميذ في مدارس مدينة المسيب أثاروا انتباهه مبكرا بذكائهم العالي، وكان يتوقع لهم مستقبلا زاهرا، لكن الظروف سارت معهم بما (لا تشتهي السفن) فلم يتحقق طموحهم وما كان يرجوه لمستقبلهم، وهم عبد الحسن الكبيسي وقاسم عبد الأمير عجام وأحمد مجيد، وكان لهؤلاء الثلاثة مكانة كبيرة في نفسه كما رأيت عند حديثه عنهم .

ولما أصدرت جريدة (عروس الفرات) في المسيب سنة 2005م، جعلته استشاريا فيها، وفتحت صفحاتها أمامي لينشر فيها ما يشاء، كما خصصت صفحة كاملة في أحد أعدادها لمقابلة أجراها معه صباح محسن سرد فيها جوانب مهمة من سيرته الذاتية، وكذلك الأمر عندما صدرت مجلة (أوراق فراتية) في مطلع سنة 2010م في الحلة وكنت رئيس تحريرها، وقد حثثته على نشر ذكرياته وآرائه، فكان منها ما نشره عن الشاعر الحلي محمد الرشادي وغير ذلك من كتابات نالت إعجاب القراء .

وفي كل عيد يفاجئني مهدي الانباري بزيارته لي للمعايدة، وكم حاولت سبقه في هذه الزيارة احتراما لكبر سنه ورأفة بحالته الصحية المتعبة لكني لم أنجح سوى مرات معدودة، وظل هو السباق في هذا الفضل، وحتى بعد اشتداد المرض عليه في السنوات الأخيرة لم تنقطع زياراته لي، فضلا عن اتصالاته الهاتفية في كل أسبوع متفقدا حالي وسائلا عن أخباري، كما أن زياراتي له واتصالاتي الهاتفية به لم تنقطع أبدا، وكان كلما علم بصدور مؤلف جديد لي، حرص على استلام نسخته منه مع التأكيد على عدم نسيان كتابة كلمة الإهداء له، وقد لبيت رغبته هذه في كل إصدار لي وبكل سرور، وأوصلت له بكل ممنونية جميع مؤلفاتي الصادرة أولا بأول، ولم أنس كما أراد كتابة كلمات الإهداء على صفحاتها الأولى.

كانت زيارته الأخيرة لي يوم الثلاثاء 18 تموز 2017م عند عودته من مكتبة دار الفرات في الحلة واتفاقه مع صاحبها الدكتور عبد الرضا عوض على طبع كتابه الثاني (الغرب من الشروق)، وكان معه الشيخ عبد الأمير النجار، وبدا متعبا إذ لم يستطع النزول من السيارة، وكانت أمنيته لو أني كتبت مقدمة كتابه الذي دخل الطبع، وما هي إلا خمسة أيام فقط حتى علمت بوفاته، فشعرت بالألم والحزن والفراغ الكبير الذي تركه في حياتي وحياة غيري من المقربين له والحياة الثقافية العامة في المدينة، فبكيته ونعيته بكلمة منشورة جاء فيها:

(المسيب تودع أحد أدبائها البارزين

توفي في مدينة المسيب يوم الأحد 23 تموز 2017م الأديب الكاتب مهدي عباس الأنباري بعد معاناة شديدة مع المرض منذ أكثر من عام .

والأديب الأنباري من مواليد مدينة المسيب سنة 1929م، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها، ثم الإعدادية في مدينتي كربلاء والحلة، وعين معلما سنة 1950م، واجتاز دورة تربوية سنة 1952م، وتنقل في مدارس عديدة في مدن محافظة بابل، وتعرض للاعتقال والفصل من الوظيفة لنشاطه السياسي، وكان أقسى تلك الاعتقالات وأشدها وطأة ما حدث له بعد انقلاب شباط الأسود سنة 1963م ، والتحق بكلية القانون في الجامعة المستنصرية، وتخرج فيها سنة 1973م، واستمر عمله في التعليم إلى سنة 1981م، فتقاعد عن العمل وانصرف للمحاماة ومارس الأعمال التجارية .

كتب الكثير من المقالات المتنوعة في الصحف المحلية، وقد جمع بعضها في كتابين صدر الأول عن دار الفرات هذا العام (2017م) بعنوان (أوراق تحت ضوء الشمس)، والآخر قيد الطبع في الدار نفسها وهو بعنوان (الشروق من الغرب) .

وخلال وجوده في التعليم كتب العديد من المسرحيات الهادفة التي قدمت على المسارح في مدن المسيب والحلة والعمارة والبصرة .

تغمد الله روحه الطاهرة بالرحمة وأسكنه فسيح جناته الوارفة) .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

abdulelah farahمن هو محمد المرجان؟ محمد المرجان هو أستاذ باحث في علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يعتبر من الباحثين الذين اهتموا بالدراسات الكولونيالية بالمغرب، وخصوصا الإسبانية منها، حيث يعد مرجعا مهما في فهم طبيعة هذه الدراسات الكولونيالية الإسبانية بالمغرب إلى جانب المختار الهراس في الشمال ومحمد دحمان ورحال بوبريك في الجنوب.

التحق الأستاذ محمد المرجان بشعبة علم الاجتماع قادما من تطوان مسقط رأسه في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وقد حصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1988 في موضوع: "تطور علاقة تطوان بقبيلة الحوز من 1900 إلى 1956: نحو مقاربة سوسيولوجية" من جامعة محمد الخامس، كما حصل على دكتوراه الدولة في علم الاجتماع سنة 2005 من نفس الجامعة في موضوع: "مقاربة سوسيولوجية للمعرفة الكولونيالية الإسبانية شمال المغرب: 1860 ـ 2002".

إن اهتمام الأستاذ محمد المرجان بالدراسات الإسبانية لم تمنعه من مساءلة الدراسات الكولونيالية الفرنسية، فالمقربين منه يدركون أن الأستاذ محمد المرجان من الباحثين الذين انفتحوا على كل من الدراسات الفرنسية والدراسات الأنجلوسكسونية التي اشتغلت على المغرب، فهو لم يكتف فقط بالانفتاح عليها وإنما مارس النقد وعمل على تفكيكها في مجمل دروسه ومحاضراته ومقالاته.

يرى الأستاذ محمد المرجان أنه لفهم التغيرات الاجتماعية وتعقيدات الواقع التي يشهدها المجتمع المغربي لابد من الانفتاح على باقي العلوم والعودة إلى التاريخ دائما، فالباحث في علم الاجتماع لا معنى له بدون معرفة تاريخية للمجتمع المغربي، ويؤكد كذلك على أن السوسيولوجي هو الباحث عن المعرفة في الضفاف الأخرى حتى وإن كانت تلك المعرفة من الأمم والشعوب المختلفة عنا في الدين أو في الثقافة بشكل عام، ولهذا تجده من السوسيولوجيين المغاربة الذين لهم دراية ومعرفة بالسوسيولوجيا الإسرائيلية بعد عبد الكبير الخطيبي، فهو من الباحثين العاشقين لقراءة الآخر باللغتين الفرنسية والإسبانية، كما أنه يتميز بانفتاحه على  تخصصات أخرى كالفلسفة والأدب والأنثروبولوجيا والتاريخ.

محمد المرجان هو ذلك الإنسان الذي تجده دائما ما يحوم حوله العديد من الطلبة نظرا لتواضعه والتزامه المعرفي، فهو دائم الإنصات إلى الطلبة ولا يبخل على طلابه في تقديم المعرفة السوسيولوجية التي يحتاجونها، فهو بلا شك يعد مكسبا للجامعة المغربية وجامعة ابن طفيل بالدرجة الأولى. والقريبين منه يدركون أنه من الأساتذة الباحثين الملتزمين بالدرس السوسيولوجي العميق في قضايا اجتماعية معاصرة، فمنذ أن وضع قدمه بالجامعة وهو يستحضر في درسه السوسيولوجي علماء اجتماع مغاربة قصد التعريف بمنجزاتهم وأعمالهم كبول باسكون، عبد الجليل حليم، عبد الكبير الخطيبي، محمد جسوس، المختار الهراس، ادريس بنسعيد، فاطمة المرنيسي وغيرهم.

والمتتبع لمسار الدرس السوسيولوجي للأستاذ محمد المرجان بجامعة ابن طفيل يعلم أنه من أوائل الأساتذة الباحثين الذين عملوا على تدريس طلبة السوسيولوجيا بجامعة ابن طفيل عدة تخصصات مثل: سوسيولوجيا المدينة وسوسيولوجيا التحولات الاجتماعية ونصوص محمد جسوس وسوسيولوجيا برنار لايير وسوسيولوجيا المجال، إضافة إلى سوسيولوجيا الخبرة، والتي أولى لها أهمية كبير في السنوات الأخيرة، إذ يميز بين نوعين من الخبراء في السوسيولوجيا: النوع الأول هو الخبير اللامسؤول الذي يقدم المعرفة لمن يدفع أكثر ولا يستحضر الرؤية السياسية ولا يتفاعل مع الإشكالات المطروحة في المجتمع، والنوع الثاني هو الخبير المسؤول أو بتعبير المرحوم محمد جسوس "السوسيولوجي المناضل" الذي يحترم مبادئ الديمقراطية ويؤمن خلال ممارسته العلمية بجدلية العالم والسياسي ويحاول أن يقترب من الموضوعية من خلال تعبيره عن هموم المجتمع تعبيرا صادقا...إلخ.

إن محمد المرجان هو ذلك الإنسان العالم والمربي عند طلابه، إنه دائما ما يقدم إلى طلابه في محاضراته نماذج في ممارسة علم الاجتماع أمثال: "روجي باستيد، مانويل كاستلز، آلان تورين، بيير بورديو، برنار لايير ولوك بولتنسكي"، وهو الغيور على مهنة عالم الاجتماع عند زملائه وأصدقائه، فشرعية السوسيولوجيا بالنسبة إليه لا تأتي إلا من خلال السوسيولوجيين أنفسهم. فقد عمل الأستاذ محمد المرجان بتفان على أساس النظر إلى أن رسالة السوسيولوجيا هي خدمة المجتمع وذلك بالتدخل فيه، من حيث مساعدة المجتمع على الارتقاء وإنتاج نفسه ومواجهة تحديات السوق وضغط الدولة، فمساهمات الأستاذ عبر مساره العلمي واضحة التأثير بأعمال بيير بورديو وآلان تورين ومانويل كاستلز وهنري لوفيبر وروجي باستيد.

ويمكن القول، إن مغامرة الأستاذ محمد المرجان في الحقل العمومي تجسدت من خلال المجتمع المدني والوسائط الإعلامية والإلكترونية، وصنع السياسات العمومية، الشيء الذي يدل على روح السوسيولوجيا العمومية لديه. فهو إلى جانب زملائه وأصدقائه أمثال عمر بنعياش وعبد الله محسن ومحمد الشهب وعمار حمداش وغيرهم علماء اجتماع عموميين، فقد منحت نظرية هابرماس حول المجال العام عند الأستاذ محمد المرجان هوية جديدة تسمي وجوده السوسيولوجي تحديدا، ما انعكس ذلك على حياته الفكرية والاجتماعية وتحوله إلى عالم اجتماع عمومي بامتياز، ولا شك أن ترأسه للجمعية المغربية لعلم الاجتماع خلفا للمرحوم محمد جسوس إنما هو دليل على روح العمومية لديه، نظرا لوعيه بأهمية وصعوبة الممارسة السوسيولوجية بالمغرب، والتي تحتاج بطبيعة الحال إلى تعاون كل من يحمل هموم هذا الحقل المعرفي قصد تبادل التجارب والخبرات بهدف تطوير الممارسة السوسيولوجية بالمغرب، وذلك بعيدا عن كل الرهانات أو الحسابات التي من شأنها أن تعيق تطور حرفة عالم الاجتماع بالمغرب، وهو ما يجعله دائما ما ينتصر للعمل الجماعي على حساب العمل الفردي، باعتبار أن العمل الجماعي هو جوهر الاشتغال السوسيولوجي في عالمنا المعاصر.

هذا ويؤكد الأستاذ محمد المرجان في أكثر من مناسبة أنه يجب على الدولة أن تنفتح أكثر على السوسيولوجيا كونها تمثل أحد أهم التخصصات العلمية الممكن توظيفها في مجال التنمية للمجتمع المغربي والارتقاء به نحو مصاف المجتمعات المتقدمة، لأن المقاربة السوسيولوجيا عند الأستاذ محمد المرجان هي محاولة للتدخل، تستهدف البحث عن القوانين الناظمة للظاهرة وكذا آليات اشتغالها وأشكال تطورها حريصة في كل ذلك على تحقيق العناصر التالية: التشخيص ـ النقد ـ المعالجة ـ التوجيه. كما يؤكد أن السوسيولوجيا بالمغرب لا يفترض فيها أن تكون منغلقة على ذاتها وحكرا فقط على الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي، وإنما يجب أن تجد لها مكانا بين المجتمع لكي تلامس الواقع الاجتماعي في الحياة اليومية عند الأفراد. فالسوسيولوجيا بالنسبة إلى الأستاذ محمد المرجان هي النظر في المجال العمومي بهذا المعنى.

ويتمثل دور السوسيولوجي عند الأستاذ محمد المرجان في ممارسة حرفة القلم والورق، فعن طريق الكتابة، فإن السوسيولوجي يعبر بذلك عن وجوده حتى وإن تم رفضه من طرف السياسي.

وفي هذا السياق، فإن الأستاذ محمد المرجان له حوارات ومقالات عديدة نشرت في صحف وطنية كما له مقالات محكمة منشورة في المجلات الوطنية والعربية كمجلة سياسات الهجرة ومجلة إضافات ومجلة المستقبل العربي، ومن أشهر مقالاته نجد: "المدلول الاجتماعي للمقاومة وجيش التحرير بالمغرب"، "علاقة الهوية بالدين الشعبي"، "مفهوم الديموقراطية في وعي التلاميذ"، "الجامعة المغربية مشروع وطني غير مكتمل". إضافة إلى ذلك، له مساهمات في كتب جماعية ومحاضرات علمية على المستوى المحلي والوطني. ومن أهم مؤلفاته نجد: "مقاربة سوسيولوجية لآليات التغيير الاجتماعي بشمال المغرب" وهو مؤلف صدر عن منشورات جمعية تطوان أسمير في سنة 2004، ثم "الرحلة والمعرفة الكولونيالية: المغرب بعيون الرحالة الإسبان خلال القرن التاسع عشر الميلادي" والذي صدر عن دار أبي رقراق في أواخر سنة 2016.

وفي ختام القول، فإن محمد المرجان هو ذلك الإنسان المتواضع والخجول والمحب لكل من أساتذته وزملائه وأصدقائه وطلبته، والملتزم بحرفة عالم الاجتماع، فهو دائم السؤال والتفكير والتحليل والنقد، إنه ذلك الباحث الذي يبحث عن المعنى والعالم الذي يعيش من أجل سوسيولوجيا عمومية وطنية.

 

بقلم عبد الإله فرح - باحث من المغرب

.........

عبد الإله فرح، باحث من المغرب، حاصل على شهادة الماستر في سوسيولوجيا التنمية المحلية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة بالمغرب، له مقالات ومساهمات منشورة في العديد من الصحف والمجلات الوطنية والعربية.

 

zayd alheliغاب عن المشهد الثقافي، الاسبوع الماضي، احد ابرز وجوه الصحافة الثقافية في العراق، بعد صراع مرير مع المرض وسط صمت حكومي، رغم المناشدات و(التوسلات) لانتشال غول المرض والفاقة والتجاهل، لكن اصوات المناشدة لم تنفع، فغيّب الموت " ناظم السعود" .. وبموته ودعنا صوتاً، بحّت اوتاره من نداء العون .. رحمك الله ناظم، لقد سبقتنا الى دنيا الخلود، حيث الرحمة الالهية..

ان حياة ناظم السعود، تصلح فكرة لعمل درامي، يؤشر عصامية قلّ نظيرها .. شاب عشريني، من طبقة معدمة، يغادر وطنه حاملاً معه شهادته الثانوية المصدقة وما أدخرته عائلته من مال بسيط، متوجها الى النمسا، حيث غنت أسمهان (ليالي الأنس في فينا) ملتحقا بجامعتها الشهيرة لدراسة "الأدب الألماني" ويكمل سنته الأولى بنجاح، لكنه يفشل في الحصول على معين مالي لاستكمال دراسته، فيعود خائباً الى بلده تملؤه الحسرة، فالعوز المادي كان غولا لم يستطع مجاراته، وبعد مدة من الزمن يعاود النمر الذي بداخله الصراخ، مناديا بمعاودة الكرّة للدراسة خارج العراق، وأين، هذه المرة؟ الى القاهرة بعد ان جمع له الأهل والخلان مبلغاً من المال توقع ان يكون كافيا لدراسته في مصر .. هدفه الأثير كان الحصول على شهادة عالية من خارج الوطن، وفي المعهد الازهري، بدأ اولى خطوات الدراسة، وما هي إلاّ أشهر حتى يخبره اهله بضرورة العودة اليهم، فلم يبق عندهم ما يبعثون اليه من مال شحيح .. ويعود مرغما، لكن الأمل بإكمال دراسته الجامعية ظل يراوده، فقرر التقديم الى جامعة عراقية، مبعداً عن نفسه طموحه الشخصي بالحصول على شهادة من جامعة عربية او أجنبية، اليس الدراسة في الجامعات العراقية، مجانية وشهادتها محط اعجاب العالم؟.. ويبدأ بتهيئة اوراقه وبضمنها اوليات دراسته في النمسا ومصر وشهادته الثانوية، وفي اثناء التقديم، كانت الحرب العراقية ــ الايرانية قد بدأت لتوها، في ثمانينيات القرن المنصرم، ولأن عمره كان ضمن الأعمار المطلوبة للخدمة العسكرية،  فقد سيق لأداء الخدمة الإلزامية، وطالت الخدمة ثمان سنوات، ومعها توقف الزمن عنده، وضاعت آماله في الدراسة، وخبت طموحاته، فشعر بالوهن النفسي وثقل المسؤولية العائلية، فألتفت الى حبه المخبوء في دهاليز نفسه .. الأدب والصحافة التي كان مارسها لسنوات قليلة سابقة، بخواطر ومقالات صغيرة وهوامش دللت على موهبة وذكاء ورهافة حس تحت اسم (أسعد العربي) بدأها بحوار أجراه مع الدكتور علي جواد الطاهر، نشرته مجلة " وعي العمال" لكن النشر كان " مبتوراً " ومشوهاً، وغفلت المجلة نشر اسم الصحفي الناشئ، وكان هذا الاغفال في صالحه .!

وتتداعى الآن صورته امامي، حين تعرفتُ عليه اول مرة، في موقف غريب، فما هو؟

في بدايات التسعينيات، انتهى تصوير فلم (الملك غازي) وبانتهائه، هيأت دائرة السينما والمسرح عرضا فخماً حضره السفراء المعتمدون في العراق ونخبة من المثقفين والمهتمين بالسينما، كنتُ حينها مشرفاً على الصفحة الأخيرة في جريدة "الثورة " فطلبتُ من إحدى الزميلات في الصفحة (...) حضور العرض، وكتابة مشاهدتها لأصدائه . وفي اليوم التالي جاءت تلك الزميلة بموضوع جميل جداً، في فحواه وطريقة كتابته وأسلوب عرضه، وقبل ان أدفع به الى النشر، أعتراني فرح مهني كبير .. فأمامي صحفية كبيرة لم أكن أنتبهتُ اليها، وبسرعة، ألوم نفسي عليها الآن، سارعتُ الى رئيس التحرير طه البصري، رحمه الله، وبيدي مذكرة، أطلب فيها توجيه كتاب شكر ومكافأة للزميلة المبدعة .. ونشرتُ الموضوع، لأكتشف ان كاتبه الحقيقي ليس الزميلة ( .. .) بل هو احد مصححي الجريدة الجدد، كانت المحررة أصطحبته معها لمشاهدة (الملك غازي  فكتب لها الموضوع الذي أثار أنتباهي .. كان هذا المصحح (ناظم السعود) ... لم أعاتبه على كتابة الموضوع ونشره باسم غيره، لكني سررتُ لهذه الموهبة ذات الأسلوبية الجميلة في الكتابة، وهذا عندي أهم من العتاب .. فطلبتُ منه الاستمرار في رفد الجريدة بموضوعاته، وقد فعل ..

وبدأت رحلة (ناظم السعود) في الصحافة، كاتبا في صفحات ثقافية، ناقداً ثقافياُ متمكناُ، فالحرف عنده كان أقوى من الرصاص الذي شهد لعلعته في الخدمة العسكرية، والرؤية النقدية أقوى من بارود المدافع وهاونات جبهة المعارك التي شارك فيها ... قلمه كان مرحباً به في الصحف والمجلات .

ودار دولاب الهواء بيّ ... ومع دورانه كنتُ اتابع نشاط " ناظم السعود " بمحبة، وأتتبع أخباره من الأصدقاء، حتى صُدمت يوماُ ان " السعود " ضاقت به الدنيا الى الحد الذي أمتهن فيه " الحراسة " في احد مقرات الاتحاد العام لشباب العراق في شارع الكفاح ببغداد، من اجل الحصول على غرفة في المقر المذكور تؤويه وعياله مجاناً ... ! يا لنكد الحظ الذي رافق " السعود" منذ بداية مشواره الحياتي، حتى انتهى به الامر السكن في احدى ضواحي مدينة كربلاء، بعد ان زحف اليه الشلل، ثم تكررت عنده (جلطات) قلبه الواهن، حتى تعب ... فودع الدنيا .. وأنني أسأل: كيف ارتبط به لقب "السعود"، وهو لم يعثر يوماً على السعادة؟

وداعا ناظم .. لقد اديت ما عليك في دنيا لم تعرف الوفاء .. نم قرير العين .. فربما الموت راحة لك ..!

 

زيد الحلي

 

 

faysal roshdiهم كتاب وباحثون، ملئوا الدنيا وشغلوا الناس، كتاب لا تهمهم الشهرة بل يهمهم حب القراء لهم، واحترامهم وكسب ودهم، وربط علاقات معهم أساسها حب القراءة، واحترام الفكر، والحوار الذي هو تقدم لجميع شعوب العالم .

من بين هؤلاء الباحثين رجل يعتبر من أبرز الباحثين المغاربة، رجل راكم تجربة الحياة، وصمد في وجه تقلبات الدهر، فدرس العربية وشغف بها،  وأحبها حب الهيام، فما كان منه إلا أنه أصبح كاتبا، مساهما بمقالاته وكتبه  في خدمة للغة العربية.

وهنا الحديث عن الأستاذ الكاتب والباحث الأكاديمي المغربي الأستاذ الزبير مهداد. تعرفت عليه من خلال مقالة علمية في مجلة علوم التربية المغربية، كتب مقالا لا يزال في ذاكرتي، فبدأت  رحلة  البحث عنه، إلى أن شاء يوم وصادفته في صفحة الفايس بوك. غمرتني السعادة وأنا أتحاور معه، كان إنسانا قبل أن يكون كاتبا، إنسانا يساعد ويقدر الآخرين، منذ عرفته إلا وجدته رجلا محترما محبا للفكر والعلم، باحثا لا يدع شيئا إلا ويبحث فيه، فنماذج المقالات دليل شاهد على قدرة الرجل التي لا يستهان بها.

كتب في العديد من المواضيع وفي عدة تخصصات ففي مجال التربية والتكوين كتب مقالا مهما منشور في  موقع الحوار بعنوان: "مجتمع المعرفة أساسه المواطن القارئ"، عنوان يفتح شهية القراء، ويجعلهم يقرؤون المقال إلى نهايته. وهناك أيضا مواضيع في الفن مثل "دو لاكروا في المغرب..إعادة اكتشاف ماهية الفن والحضارة" منشور بجريدة الفنون الكويتية. للأستاذ الزبير من كل فن طرب، مواضيع جميلة، وهو أيضا قارئ نهم للكتب، ويعشق المسرح كما تشهد عليه مقالاته.

وهو كاتب أيضا بعدة مجلات عربية مثل: تراث الإماراتية، العربي الكويتية، البحرين الثقافية. وله أيضا مقالات أخرى في الثقافة الشعبية المغربية.

 كاتب متعدد المواهب، لا يكل من البحث حتى يوصل إلى القارئ ما يحبه ويرضى به، لا يقبل المواضيع الجاهزة،  بل يبحث عن المواضيع الشائكة التي يجد الباحث فيها نفسه في مأزق، هذا هو الباحث الذي أراد أن يقول للأجيال الصاعدة إن الباحث إذا أراد أن يكون باحثا فعليه بالعمل والصبر وأن يتخذ من المنهج طريقا له في البحث.

هو ذا الأستاذ الزبير مهداد، المغربي الذي يفتخر بانتمائه لوطنه المغرب هذا البلد، بلد  عرف  بحضاراته و فكره وفلسفته  والتعايش بين مختلف طوائفه.

الأستاذ الزبير هو من الجيل الذي يفتخر بهم المغرب، لأنهم في الحقيقة رفعوا علم بلدهم وعرفوا به البلدان الأخرى. فالأستاذ مهداد، كما عرفته لازال مدرسة، محبا للآخرين يكره الظلم ويحب الخير للجميع، محب لما هو جديد خاصة الأشياء التي تغني اللغة العربية، أو لها تقاطع مع هذه اللغة.

وفي الأخير لا يسعني إلا أن أقول بأنه طالما هناك شخص مثل الأستاذ الزبير مهداد في المغرب، فالثقافة المغربية لاتزال بخير ولازال أمثال الأستاذ مهداد يشجعون الأجيال الناشئة، ورأيت كل هذا في الشاعر الصاعد ابن أخ الأستاذ الزبير مهداد، الذي هو صورة طبق الأصل لعمه الأستاذ الكبير الزبير مهداد.

لعل أهم شيء يتمناه المرء في الحياة، أن يكرم الأستاذ الزبير مهداد لعمله الجبار في خدمة العلم والثقافة العربية عامة والمغربية على وجه الخصوص، آنذاك سنكون أمام الاعتراف من الجميع، بأشخاص تركوا بصمتهم على هذا الكون الرائع.

 

فيصل رشدي، باحث من المغرب

 

khadom almosawiرحل يوم الخميس 2017/8/17 في بيته في المقطم بالقاهرة المحروسة المناضل اليساري الدكتور رفعت السعيد عن عمر 85 عاما، (ولد في11 تشرين اول/ أكتوبر 1932) قضاها في ساحات النضال الوطني اليساري، معارضة سياسية وكتابة وبحثا في الحقائق والوثائق وتعزيز العلم والمعرفة.

في رحيله تفقد مصر قامة نضالية وطنية يسارية كبيرة، واكاديمية وإعلامية متميزة، تشهد له مؤلفاته وصراعاته من أجل حرية الفقراء وكرامة الغلابة في جمهورية مصر العربية. ادرك منذ شبابه الفوارق الطبقية والاجتماعية وانحاز الى الطبقات الكادحة والمسحوقة والمستضعفة، وعبر طريق الكفاح بمشقاته وصعوباته وتحمل جراءه ما يتعرض له المناضل اليساري في تلك الظروف وتحت حكم تلك السلطات.

عرف من موقعه الفكري وانتمائه السياسي في ساحات الكفاح الوطني واليساري، تمثيله للحزب الشيوعي المصري في المؤسسات الدولية، في الحفاظ على السلم الدولي، وتوسيع نشر الفكر التقدمي، وفي العلاقات الإنسانية مع العالم من أجل شعب مصر ومستقبله وخياراته وإرادته. كما عرف عنه دوره القيادي السياسي والفكري والنهضوي والريادي الذي حسب له وسجل في دفتر أعماله وصفحات تاريخه.

في قيادته لحزب التجمع التقدمي الوحدوي، اليساري، أعاد للعمل السياسي فعاليته، رغم كل الحصار والقمع والسجن والمنع والتضييق والظلم والاضطهاد، بكل أشكاله وانواعه وأساليبه ووساءله. عارض بقوة وكتب بوضوح وناضل بشرف من أجل أن يعيش شعب مصر، بعماله وفلاحيه ومثقفيه، بكل الكادحين فيه، بكرامة ورفاهية واحترام وتقدير لسعيهم وكفاحهم ونضالهم الوطني والاجتماعي المتواصل، منذ أن انطلقت أولى التنظيمات النقابية في العالم العربي، واولى التجمعات الشعبية والحزبية في مصر وارسال اشعاعاتها  الى المنطقة العربية والإفريقية وخارجهما.

الف العديد من الكتب عن تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر، وعن صحافة اليسار، وعن رموز مصرية بمختلف ألوانهم ومشاربهم، وعن الفكر اليساري العالمي وفي تطبيقاته وتنظيراته العربية وتطوراته. ولم يهدأ له بال وهو يمارس نقاشاته وجداله الأكاديمي والفكري والاعلامي من أجل الحقيقة والمصداقية والأمانة الثقافية والفكرية بما يخدم شعب مصر والوطن العربي.

رحل السعيد بهدوء وقد سلم الأمانة للشباب الذين تربّوا على أفكاره وسيرته النضالية ودفاعاته الموثقة وسجالاته التقدمية التي تظل شاهدة عنه وله، وتراثه والفكر اليساري والتجمع ولكل المناضلين المصريين والعرب في هذه الحقبة الزمنية من عصرنا المتجدد دائما.. لقد ناضل من أجل أن تسطع العدالة والحرية في سماء مصر، صمودا ضد الجهل والخرافات والضلال والتضليل. وبنى معماره الفكري مسجلا في الكتب والصحف والندوات والشهادات.

احب بلاده وقضاياها، وارتبط بالقضايا العربية المشروعة والإنسانية العادلة. رحل وهو شاهد على عصره، ووثيقة ناطقة لمراحل من تاريخ مصر والمنطقة، ورمز نضالي لا يغيب، اختلافا او اتفاقا معه، في طروحاته وسجالاته وسجله الكفاحي. وخسره شعبه بكل طبقاته، والفكر العربي اليساري، قيمة وقامة وقيادة، باحثا رصينا، وواثقا من نصه وسرده وابداعه، كما قال في آخر كلمات له في آخر ندوة حضرها في مقر التجمع: "لم أكتب شيئا ليس موثقا أو يعبر عن وجهة نظري وليس مدعما بالوثيقة أو المعلومة المؤكدة".  ومهما كانت المواقف والاراء فإنها تبقى شاخصة وتعبيرا عن جهد وسعي للتقدم والبناء والتطوير والتحديث. مؤكدة سيرته، سياسيا وكاتبا وحزبيا وبرلمانيا ومفكرا، حاملا كل هذه الصفات بجدارة كاملة.. وفرادة وطنية يشهد له بها، كل من عرفه او قرأ او تعلم منه، معتبرا  أنه فارس اليسار ومقاتله الفكري ومحاربه الحزبي ومناضله السياسي.

كتابات النعي ورسائله من كل أطياف مصر  وخارجه تنير لرحيله تاريخا خطاه خطوة خطوة من أجل دولة مدنية حديثة وعدالة اجتماعية واحترام حقوق الانسان والتنمية المستدامة. حيث كان في سيرته المثال والنموذج، والمثقف العضوي الذي ربط نضاله السياسي بالواقع المصري والطبقات الكادحة فيه.

عبّر من خلال إصداره اول كتاب له واخر كتاب عن قناعاته، ومواقفه، من عنوانهما يقدم درسا وعبرة لأجيال العرب،  ويضيء دورا ومواقف، شهادة عن فكر الراحل واتجاهه الثقافي والتربوي، فكان أول كتاب بعنوان "ثلاثة لبنانيين في القاهرة"، صدر في عام 1973، تحدث فيه عن ثلاثة مناضلين وهبوا حياتهم، بحسب وصفه، دفاعا عن الاشتراكية، فلسفة وتطبيقا، ومحاولة لتأمل دور المفكرين اللبنانيين في تكوين وتطوير الفكر الاشتراكي في مصر عبر عدة مراحل. وتوثيقهم دليلا على نشاطهم ومواقفهم واتصالاتهم مع المناضلين والمفكرين المصريين. وآخر كتاب حمل اسم: "مقاربات مع ثلاثة رؤساء ومشير"، كشف فيه عن العديد من الكواليس التي دارت بينه وبين رؤساء مصر السابقين، بالإضافة إلى تفاصيل ما دار في المطبخ السياسي في فترة ما بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني. اي انه رصد وسجل ما حصل وما دار في أيامه الأخيرة. وفي الكتابين كما يلاحظ جزء من اهتماماته ونشاطاته وثقته بالدور والموقف. وقد تشهد هذه العناوين لكل ما كتب ونشر وأبدع بين فترتيهما من كتب تبقى مراجع ومصادر لمجالاتها واختصاصها.

رحل الدكتور السعيد سعيدا بما ترك لشعبه وحزبه والأجيال الجديدة، وهي بحد ذاتها تعبر عنه وتضع بصماته في تاريخ حافل، تبقيه علما من أعلام مصر واليسار العربي، ومرجعا متكاملا، تستقى منه الدروس والعبر وهذا وحده كاف لرجل مناضل يساري.

وداعا ايها الرفيق المناضل.. اتذكر لقاءاتنا ونقاشاتنا في مواقع عديدة، بعيدا عن القاهرة وفي المحروسة ايضا، في مكتبك وفي تسجيل حوارات معك منشورة ومبثة تلفزيونيا، وفيها صفحات من حياتك ونضالك وايامك التي لا تنسى، والتي لم تعد تتكرر لنا.

في رحيلك وفقدك  اليوم تظهر أمام الجميع او يعترف الكثيرون في بلدك وخارجها بشهادة اثبات لما قدمت ولما انجزت ولما ابدعت ولما يخلدك في قادم الايام ولشعبك واليسار العربي، الذي هو الآن بامس الحاجة لك ولدورك ونضالك.

 

كاظم الموسوي

 

 

1334 ahmadhusanغادرنا اليوم الشاعر والاديب والقاص والمفكر والمثقف البارز احمد حسين، ابن قريتي مصمص، وشقيق الشاعر الشهيد راشد حسين .

رحل وفي عمقه الماً ووجعاً وقلقاً وجودياً كبيراً، رحل بعد ان اعطى وقدم الكثير لحركة الابداع الفلسطيني وللفكر السياسي والايديولوجي العربي، رحل تاركاً تاريخاً وفكراً وابداعاً شعرياً وقصصياً وتراثاً فكرياً سيبقى زوادة للاجيال الفلسطينية الصاعدة ولمن يعشقون الكلمة ويؤمنون بفكر الثورة والمقاومة .

احمد حسين من القامات الشامخة في المشهد الابداعي والثقافي والفكري والسياسي الفلسطيني المعاصر، ظل ملتزماً بفكره وعقيدته، متمسكاً بالهوية الكنعانية والفكر الكنعاني، ومسلحاً بثقافة تراثية وقرآنية توراتية اصيلة واعية، ومواقف جذرية وثورية مبدئية مغايرة لكل الافكار والعقائد والمعتقدات القائمة السائدة على الساحة الفلسطينية، وشكلت حياته تاريخاً حافلاً يعبق بغبار الميادين والساحات ورائحة البنادق في الخنادق وشذى الشوارع، دفاعاً عن قضية شعب يعاني منذ عشرات السنين، ويحلم بوطن وهوية .

مات احمد حسين مختتماً حياة عريضة وواسعة ومغايرة حافلة بالنضال والمواجهة والتحدي، وبث الوعي الفلسطيني الحر، وتعميق الروح الوطنية الوثابة ونشر الفكر التحرري والملتزم المقاوم، الذي لا يقبل الهزيمة ويحارب الاستسلام والانكسار .

مات احمد حسين القيثارة الفلسطينية السحرية التي ملأت فضاءنا الثقافي بالابداع الأصيل الراقي المتميز المتفرد والانتاج الشعري والأدبي الخاص، الذي ينم عن فكر حضاري واع وثقافة تاريخية واسعة شاملة ومنفتحة، وقد ساعد انتماؤه الفكري العقائدي على الابداع الأدبي .

اتقن احمد حسين فن البدايات والنهايات، لم يعرف الخوف ابداً، كان جريئاً وشجاعاً في طرح آرائه وافكاره، لم يتملق لاحد، ولم يساوم يوماً على موقف . وقف ضد الخيانة، عرى المتخاذلين من رجالات وزعامات اوسلو، تحدى جميع السياسيين واعلن انحيازه التام لفكر المقاومة .

تصدى للمأجور المرتزق عزمي بشاره ومواقفه ومسلكياته الخنوعة، وفتح النار على سميح القاسم ومحمود درويش وطه محمد علي في حياتهم، وعلى الحزب الشيوعي واحمد الطيبي، وعرى الانتهازيين الانبطاحيين المتسلقين من ادعياء الوطنية والأدب، وحارب بكل قوة المزيفين المنافقين التفرغين الفارغين ممن حصلوا على جوانز التفرغ او ما يسمى " الابداع " السلطوي ..!!

قارع الحزبيين واصحاب الدكاكين الحزبية و " الوطنية"، ورفض الجوائز والنياشين وشهادات التقدير والتكريم، واعلن على الملأ وبملء الفم ان الكلمة النظيفة والموقف الوطني الجذري الصحيح والتغريد خارج السرب هو وسام وتاج الشرف للمبدع الحق والمفكر الملتزم فلسطينياً ووطنياً .

عانى احمد حسين طوال حياته من الحصار الفكري والتغييب الاعلامي من قبل الابواق الحزبية، نتيجة مواقفه واجتهاداته وطروحاته المختلفة التي لا تتماشى مع الخط السياسي العام، وتنتمي للفكر الثوري المقاوم المغامر، وقوطع من صحف البلاط الفلسطينية والعربية، وجوقات الفكر الاستسلامي الانبطاحي .

غاب احمد حسين سيد الكلمة النقية النظيفة الملتزمة، غاب المفكر المثقف الطليعي الثوري الواعي، المفكر المشتبك الاستثنائي الذي لا يشبه احداً، ولا يشبهه احد .

غاب سيد الشعراء والمبدعين والقصاصين في نشيده الكنعاني الطويل نحو الازلية البيضاء والسرمدية، غاب كسير الروح بعد ان حقق معنى الاسطورة، ومعنى الالتزام والاشتباك، ومعنى ان تكون حراً وليس تابعاً، وليس ثمة عزاء الا فيما تركه من فراديس ابداعية مدهشة، وارث ثقافي وفكري مميز، وجواهر فكرية ماسية، وكشف يقين لشاعرية مبدعة راقية متدفقة بالرفض والمقاومة والتوهج الشعري والقصصي الابداعي .

لقد ترددت ان اكتب عنك امام رهبة موتك القاسي ورحيلك الصعب، ايها المعطر بالقصائد وطهر الثرى والتراب الفلسطيني، وقدسية الشهادة، ويا ايها المطر والغيث الذي تساقط غزيراً على الارض الفلسطينية التي طالما تغنيت فيها وانشدت لها، شعراً وفكراً وايحاءً وترتيلاً، واغان مبتلة بالروح الثورية والنفس الفلسطيني الكنعاني، والالم والوجع الانساني الكبير .

ابداعك يا ابا شادي باق ما بقيت " عنات" وبقي " كنعان" فهو في الشرايين يتدفق من اقصى الوطن الى اقصاه، من عكا وحيفا واللجون مروراً بالروحة وقيسارية وصولاً الى يافا الحزينة الباكية الغافية على البحر هاتفة " على صدوركم باقون" وحتى القدس زهرة المدائن التي تحرس الاقصى والذاكرة الفلسطينية الحية .

لقد زرعت فينا الشعر والحب والنور في زمن العتمة، وزمن اللاحب، زمن الخوف، زمن الانتكاسات الفكرية والخنوع والتواطؤ، زمن الحقد والظلام، وزمن التطرف الداعشي .

فيا ايها البهي الراحل الى حضرة الأبدية كل العنادل الفلسطينية المتماوجة تهدل بقصائك الكنعانية وتحفك الشعرية التي شكلت الخريطة الحقيقية لهذا الوطن الذبيح الجريح والمغتصب .

كيف يا ابا شادي لا تنهض من ركام الموت لتحرس التاريخ الهجري وتمسح دموع حيفا التي احتضنتك وودعتك الوداع الاخير، والتي قلت يوماً فيها :

حيفا على شفة الخليج قصيدة

                  هيهات يكتب مثلها الشعراء

انت من علمتنا ابجدية المعجزات، وعمدته ربة الشعر في حدائق الأدب وجداول الابداع والخلود .

انت يا من اسقيتنا روح التطوع وغرست فينا قيم العطاء، وقيم الجمال والفن والالتزام السياسي والفكري الواعي، يوم بادرت الى اقامة لجنة العمل التطوعي،انت يا من هديتنا الى التاريخ الهجري والى دروب الكنعانية وطريق الحق لقلة سالكيه .

اطمئن يا ابا شادي انت باق بفكرك وهويتك وشعرك الجميل المصفى كعسل النحل، المنساب في القلب والروح كالشلال .

وليس لنا في موقف الوداع اجمل من كلماتك التي فاضت بها قريحتك وروحك عندما وقفت منتصب القامة مرفوع الهامة يوم رحيل واستشهاد شقيقك شاعر الوطن راشد حسين، مردداً بصوت خافت لكن واثق :

جددت عهدك والعهود وفاء

                ان على دروب الكفاح سواء

نم في ثراك فلست اول عاشق

               قتلته اعين ارضه النجلاء

ماذا يرد عليهم ان يختفي

            رجل وملء الساحة الابناء

ميلاد موتك موعد لم تخطه

          من قبلك الاحرار والشرفاء

شعب المصيبة نحن في عصر زنت

           فيه الحضارة وانزوى الشرفاء

فاليك يا اخر العاشقين الشاعر والاديب والمفكر والمثقف والانسان احمد حسين الرحمة ودفء القلب، ولتكن ذكراك طيبة عابقة كزهر اللوز في كل زمان ومكان .

 

شاكر فريد حسن

 

 

عقدت في يوم الجمعة 4/8/2017 جلسة استذكار لعزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، بعد مرور فترة على وفاته، في بيت المدى في شارع المتنبي، ادار الجلسة الصديق والاعلامي توفيق التميمي، حضرت الجلسة بدعوة من التميمي للمشاركة فيها، وتمثيل الرأي الآخر في الجلسة، لانها كانت محاولة لاستذكار مآثر وانجازات عزيز محمد الايجابية، ولكون التميمي متابع لما كتبت بهذا الخصوص في الآونة الاخيرة من سطور حول عزيز محمد، لم اعتد على حضور جلسات بيت المدى الاسبوعية، رغم تواجدي شبه المستمر في ايام الجمع في شارع المتنبي، ولكن اكراما لصديقي التميمي حضرت الجلسة. بدأت الجلسة بمقدمة للسيد التميمي حول مقابلاته مع عزيز ونشرها في الاعلام، بعدها جاء دور المتحدثين، وكان اولهم حسان عاكف، حيث تحدث عن بداية تعرفه على عزيز خلال اعمال المؤتمر الرابع (سيء الصيت) وكيف تم تخويل عزيز لاختيار عشرة رفاق عرب (وأوكد ــ عرب وبتعبير أدق ــ غير اكراد) ليكونوا اعضاء في اللجنة المركزية، بالاضافة الى الاعضاء الذين تم اختيارهم بشكل او اخر في الجلسة الاخيرة للمؤتمر، ومن ضمن هؤلاء العشرة كان حسان عاكف، وبعد الاختيار حصلت مقابلتهم مع عزيز محمد وهكذا تعرف حسان على عزيز بشكل مباشر.

 بعيدا عن ما حصل من خروقات وتجاوزات حزبية وتنظيمية وغيرها في المؤتمر المذكور، ومن ضمنها هذا الاختيار للعشرة والذي يطلق عليهم للمزاح (العشرة المبشرين باللجنة المركزية). عرض حسان عاكف ضمن سرده طريقة تعرفه المباشر على عزيز محمد كما ورد في اعلاه، ولكنه لم يشير الى ان العشرة المبشرين من الرفاق (العرب) حصرا، وذلك لغرض في نفس يعقوب، ويبدوا انه اثناء السرد ومرورا بحادثة اختيار هؤلاء العشرة، أوقع حسان نفسه في مطب تجاوزه بطريقة تحريفية، حيث لم يشير الى شرط ان يكونوا هؤلاء العشرة من الرفاق العرب وكما ورد في امر التخويل، والمطب هو السؤال الذي يطرح نفسه: (لماذا من الرفاق العرب حصرا)، واشار الى ان اختيارهم جاء للعمل في الداخل، وهذا سبب ثانوي لعملية الاختيار، اما السبب الرئيسي فكان لغرض موزانة اعداد القادة العرب والكرد والاقليات الاخرى في اللجنة المركزية بما يساير نسبتهم في الشعب العراقي بعد فترة طويلة من التكريد لقيادة الحزب (ارتفاع عدد القادة الكرد في قيادة الحزب والمراكز المهمة قياسا الى القادة العرب) ومنذ بداية عهد عزيز بالقيادة 1964، وما تبع هذا التكريد من محاصصة حزبية وتبعية ومسايرة ومجاملة للقيادات الكردية في الكثير من المواقف، وقد شعر الجميع بعملية التكريد تلك وما تبعها، ولكن الغالبية التزمت الصمت مجاملة لعزيز محمد وبطانته، ومنهم من انكرها او استهجن الخوض بها متعكزا على اممية الحزب، ولكنها ومع الايام طفحت على السطح ولاسيما بعد الهجرة الجماعية للحزب بعد هجمة 78 ــ 79 للنظام البعثي على الحزب الشيوعي، مع ما طفح من سلبيات واخطاء وتجاوزات وانتهاكات في العمل الحزبي تجاوزت مفاهيم الخيانة، وللتخفيف من حدة تلك الخروقات عمل عزيز محمد وبطانته على استحداث فقرة تخويل السكرتير باختيار عشرة من الرفاق العرب حصرا وبشكل سري وضمهم للجنة المركزية، وهي حالة تحدث  لأول مرة في تاريخ الحزب ومؤتمراته، وتعتبر خرقا صارخا للعمل الحزبي والنظام الداخلي، وأول من اشار الى حالة التكريد تلك في قيادة الحزب وتأثيرها على الحياة الحزبية ومسيرة الحزب النضالية هو الفقيد حسين سلطان، في رسالة مفصلة بعث بها الى المكتب السياسي بهذا الخصوص وبكل جرأة وشجاعة وصراحة في نهاية عام 1970 ، وكانت تلك الرسالة (الرسالة منشورة في مذكرات الفقيد حسين سلطان) واحدة من اسباب ما عاناه الفقيد ابو علي على يد تلك الزمرة من تهميش واساءة وعزل وحرب نفسية ومعيشية خلال مرحلة الهجرة والتي استغلها اعضاء تلك الزمرة بالتحول الى تجار للعمل السري ومافيا للمنافي. كل هذا، ويحاول حسان عاكف تحريف الوقائع والحقائق بتجاوز كلمة (العرب) استمرار لنهج عزيز محمد وبطانته ولكونه كان احد المستفيدين من هذا الخرق الحزبي ليصبح عضوا في اللجنة المركزية دون اي ترشيح او تزكية او انتخاب كما معمول به في المؤتمرات الحزبية والنظام الداخلي وليستمر في مركزه هذا منذ المؤتمر الرابع 1985 ولحد الان. فكيف لا يحرف ولا يدافع عن عزيز محمد ؟؟

 

خالد حسين سلطان

 

 

nabil alrobaeiأثناء متابعتي لكتابات ومؤلفات المؤرخ عوض وخاصة الكتابات الريادية في مؤلفاته، لها قيمتها التاريخية والفكرية، وتفصح في الجملة عن السمات الرئيسة لشخصية كاتبها، وتعمق بعضاً من هذه السمات لتضيء جوانب متعددة من حياته وسيرته التوثيقية لتاريخ وتراث مدينة الحلة، التي يمكن من خلالها النفاذ إلى أعماقه، لرصد مواقفه إزاء الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي للمجتمع الحلي، كما تكشف كتاباته عن النزعة الإصلاحية المتجذرة في أفكاره.

الباحث والمحقق عوض عاصر وتابع أحداث العراق فأثمرت جهوده عن العديد من المؤلفات المهمة التي تبحث في التاريخ والأدب والاقتصاد والتحقيق وتراجم الرجال ، والتي تجاوزت مؤلفاته (41) مؤلفاً، بين التأليف والتحقيق، خصوصاً كتابه المعروف (الحوزة العلمية في الحلة، نشأتها وانكماشها الأسباب والنتائج 562هـ - 951هـ) والتي نال من خلاله درجة الدكتوراه، فضلاً عن أنهُ علماً من أعلام نهضة العراق في عصرنا الحديث، ذاع اسمهُ وانتشر في الأوساط الثقافية العلميّة والمحافل التاريخية والبحثية داخل العراق وخارجه، تمثل كتاباته وأسلوبه الصحفي الشيق، والتي تضمنت معلومات مهمة ومفيدة للباحث والدارس وتنوعت في مجال الأدب والثقافة والتاريخ والاقتصاد والسيرة الذاتية.

صدر عن مطبعة الضياء في النجف الاشرف عام 2007 كتاب للشاعر جبار الكواز تحت عنوان (عبد الرضا عوض باحثاً ومؤرخاً)، يحتوي الكتاب على (32) صفحة من الحجم المتوسط، وهو دراسة تحليلة لمؤلفات المؤرخ عبد الرضا عوض، ألقيت كمحاضرة على قاعة جمعية الرواد الثقافية المستقلة في الحلة بتاريخ 2/3/ 2007.

يذكر الشاعر جبار الكواز في ص12 من كتابه حول سيرة الباحث عوض قائلاً :"لقد انبرى بعض الدارسين والباحثين والأدباء ليؤسسوا بجهود فردية ركيزة تاريخية توثيقية تسهم في كشف بعض ظلام العصور على وجه بابل وتصنع في آن صورة مشرقة لها في العصر الحاضر، والأستاذ عبد الرضا عوض واحد من هؤلاء الدارسين والباحثين والأدباء الذين عشقوا مدينتهم وتفهموا معاناتها وبادروا لإحياء بعض وجوهها فكانوا بحق مؤسسات مخلصة قائمة على جهود فردية لم تستطع الحكومات المتعاقبة على العراق ولا الأنفار الذين كفلوا بإدارة المدينة تحقيق ما حققه عبد الرضا عوض والأستاذ صباح نوري المرزوك، وهي دلالة على عمق انتمائهم لهذه المدينة ودلالة على حبهم لأهلهم ومرابع صباهم ودليل على ما لهم من همة عالية مخلصة في إنجاز اعمالهم".

ما احتوته مؤلفات الدكتور عوض، لكل مؤلف قصة وحيثيات، ومحتويات ومعلومات مؤلفاته مهمة وصعبة الحصول عليها عند تدوينها من قبل المؤلف نفسه، كما واكبَتها عوامل وظروف ساعدت على تدوينها والدوافع الكامنة وراء ذلك. وينفرد الأستاذ عبد الرضا عوض عمن سبقه وجايله في جوانب مهمة لا بد من الإشارة إليها إحقاقاً للحق وتوطيداً لدعائمه، وقد سلط الضوء الاستاذ جبار الكواز على أهمية كتابات عبد الرضا عوض في توثيق تاريخ وتراث مدينة الحلة.

ومن خلال متابعة الاستاذ جبار الكواز لمؤلفات الدكتور عوض وسيرته الذاتية ومنهجه في التدوين التاريخي وجد نفسه أن يسلط الضوء على سيرة هذه الشخصية المهمة ومؤلفاته ومنهجه في التدوين التاريخي، فقد وثقَّ عوض أحداث التاريخ كونه باحثاً ومؤرخاً ومحققاً، عرف فيه الإستقامة والنزاهة والعفة والغيّرة والشفافية والوداعة والتسامح وطيبة القلب المتناهبة.

وتعد كتاباته من الأعمال المهمة الجامعة بين المتعة والفائدة، ويستطيع الباحثون أن يجدوا فيها نبعاً غزيراً من المعلومات المختلفة التي لا يجدونها في المصادر الأخرى، ذلك لأن المؤرخ عوض يتميز بالصدق في التوثيق، والأمانة في إبداء الرأي والكشف عن خبايا التراث الحلي، والعمق في الأعمال المعدة للنشر، لما ينطوي عليه من المصارحة والمكاشفة، بريئة من تهاويل النفاق، مما يمكن اعتماد مؤلفاته مصدراً موثقاً من مصادر المهمة لتاريخ المدينة.

وأخيراً في ص21 يؤكد الشاعر جبار الكواز قائلاً:" أن الأستاذ عبد الرضا عوض مؤسسة شخصية يحتاجها البلد في هذه الظروف العصيبة التي يعيشها وفي ظل إهمال الدولة للعمل الثقافي والمثقفين وغياب المؤسسات الرسمية أو الجماهيرية التي تهتم بهذا الشأن".

تمثل كتاباته في عرض المعلومات التي جذبت العديد ممن رجعوا إليها لتوثيق بحوثهم ودراساتهم، وقد شهد لهُ الباحث أحمد الناجي عندما صدر مؤلفه الأول (أوراق حلية من الزمن الصعب في القرن العشرين) بعد عام 2003م فكانت مقولته المعروفة في الوسط الحلي قال : عبد الرضا عوض كمن ألقى  الحجر في ماء راكد، فكانت معلوماته دقيقة وفريد في كتابتها، وهو معروف في مؤلفاته بأنهُ لا يكتب في مجال كتب فيه الآخرين، وهناك الكثير من المؤلفات والمقالات للمؤرخ عوض، ولا ننسى دورة الريادي في إصدار مجلة أوراق فراتية التي دخلت في عامها السابع، فضلاً عن دوره في تحقيق المخطوطات، وهناك (17) مخطوطاً قيد الانجاز قد تصدر في فترات لاحقة تخص الجانب الأدبي والتاريخي ووقائع الأحداث لمدينة الحلة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

لا يشير جسمه الى قدرته على تحمل التعذيب، لكنه كان اسطورة في سجون الأمن العامة، وصار مضرب المثل في الصمود وتحدي الجلادين. لقد كان يستفزهم، يقف أمامهم كأنه يريد منازلتهم. وحين ينتهون من وجبة التعذيب الطويلة، من دون أن يحصلوا منه على كلمة اعتراف واحدة، يعيدونه الى الزنزانة ينزف جسمه دماً، لكنه يرفض الجلوس أو تلقي المواساة من رفاق زنزانته، إذ يقف وسطهم، يهزج بأهازيج العشائر العراقية المعروفة (الهوسات) وكان يجيدها بشكل بارع، ويخصصها لمهاجمة نظام البعث، ليبعث القوة في المعتقلين، ويتحدى في نفس الوقت جلاديه. وإذا ما كرروا تعذيبه لينتهي عن (الهوسات) فأنه يعيد الكرة ثانية وثالثة، ولا يتوقف حتى ينتصر عليهم بأهازيجه.

...

كان الرجل الثاني من حيث المستوى الفكري والثقافي بعد الأستاذ غالب الشابندر في نهاية الستينات والنصف الأول من السبعينات، وحين اضطر الشابندر الى الهجرة للكويت، صار (فائق) هو الذي يملك زمام الحوار الفكري والتوجيه الثقافي نظراً لما يتمتع به من تألق وذكاء وموسوعية معرفية.

وكان يتميز بخصلتين بارزتين، قدرته النادرة على الإقناع في أي حوار يخوضه، وحس الفكاهة الذي يجري على لسانه بأجمل أنواع الظرافة والمرح، مما يجعل من يلتقيه مرة واحدة، يحرص على أن يلتقيه يوماً بعد يوم.

تعرفتُ عليه من خلال علاقته الوثيقة اللصيقة مع شقيقي الأكبر الأستاذ (أبو هشام) فقد جمعتهما الصداقة الى أقصى الحدود، حتى أنهما تزوجا شقيقتين بسبب عمق العلاقة بينهما، وكأنهما أرادا للقرابة العائلية أن تزيد من التصاقهما الروحي أكثر فأكثر.

اعتقلت سلطات الأمن البعثي (فائق حسن موزان) عام ١٩٧٥، وقد بقي تحت التعذيب لمدة (٢٥) يوماً، ثم اعتقلوه في ١٧ تشرين الثاني ١٩٨١، وكانت فترة التعذيب الرهيبة التي تحمّلها بصبر وثبات لا يمكن وصفه كما يروي بعض الناجين الذين شاركوه الاعتقال.

ذات يوم أدخلوا الى زنزانته فتاة مؤمنة ـ استشهدت رحمها الله ـ وقد تعرضت للتعذيب الوحشي، وكانت شبه عارية، فخلع (فائق) دشداشته وسترها بها، وراح يهزج ضد البعث وصدام، يتحداهم بـ (هوساته)، يحاربهم بكلماته الشجاعة، يصيب منهم مقتلاً بصموده وكبريائه ونخوته وشهامته، ويبعث القوة في رفاق زنزانته ضد الجلادين.

استدعاه المجرم (علي الخيكاني)، الى مكتبه، وضربه بعصا حديدية كسر بها يده اليسرى، وقال له:

ـ لقد كسرت يدك اليسرى، حتى توقع على هذه الإفادة بيدك اليمنى.

فأجابه البطل (فائق) بحركة لا يجيدها سوى صُنّاع الأساطير في الشجاعة، حيث مدّ له ذراعه الأيمن، وقال له:

ـ اكسر يدي اليمنى، لأني لن أوقع على هذه الإفادة.

تم تنفيذ حكم الإعدام به عام ١٩٨٣، ولم تُسلم جثته، ولم يتم العثور عليها حتى الآن.

معظم أصدقاء الشهيد (فائق حسن موزان) الذين بقوا على قيد الحياة وشاركوه النضال والكفاح والتوعية ضد سلطة البعث، يعيشون التهميش والإهمال، فيما استعان أصحاب السلطة بضعاف النفوس الذين انهاروا أمام أول ومضة ضوء من بريق المناصب.

رحمك الله أيها الصامد حتى الموت من أجل مبادئك.

 

سليم الحسني

 

jamil alsadiالمؤثرات الثقافية والفكرية في تجربتي الشعرية والأدبية

عشقت الشعر صغيرا فغرفت من مناهل الأدب العربي القديم، و أنا لم أتجاوز سنّ العاشرة، والفضل في ذلك يعود الى مكتبة المسجد المجاور لسكننا، والتي كنت أتردد عليها. حيث كنت أمضي الساعات الطوال، أتصفح دواوين الشعر والكتب الأدبية، وأدون ما يعجبني من الأشعار والأقوال المأثورة في دفتر، كنت أحمله معي أينما أتوجّه، وأينما أحلّ. وشاءت الصدف أن ألتقي في أحد الأيام شاعرا يكبرني سنّا، كان يتردد هو الآخر على المكتبة، يدعى عبد الحميد الجيداوي.

كان الأخير شاعرا يكتب القصائد العمودية الطوال، على غرار ما يكتبه الشعراء الأوائل من فحول الشعراء، فتوطدت علاقة بيننا، قوامها حبّ الشعر والأدب. في تلك الفترة شرعت بنظم مقاطع شعرية، تتكون من بعض الأبيات، التي لا يتجاوز عددها في أحسن الأحوال السبعة ابيات، وأعرضها على الشاعر عبد الحميد الجيداوي، الذي كان يعجب لمقدرتي على نظم شعر موزون مقفى وأنا في سن صغيرة. فسألني في احدى المرات: أين تعلمت أوزان الشعر ؟، فكان جوابي: لم أتعلمها قط، لكنني أحفظ الكثير من الشعر، وحين أشعر بالحاجة أن أكتب شيئا، أختار بعض الابيات، واحاول أن أكتب على غرارها، فتأتي الأبيات هكذا موزونة، فأنا أعتمد على السمع. فما كان من الجيداوي إلا ان ربتَ على كتفي قائلا:هكذا كان الشعراء العرب في العصر الجاهلي، ينظمون قصائدهم معتمدين على الأذن الموسيقية. لكنني أرى من الضروري أن تتعلم أوزان الشعر العربي،

سأعطيك فيها دروسا كل عصر يوم جمعة هنا في المكتبة. تهلل وجهي بشرا، إلّا إني لمْ أنسَ أن أطلبْ منه أن يكمل إحسانه، فيعطيني دروسا ً في النحو والصرف، فوافق الأخير واختار لي كتاب (قطر الندى وبلّ الصدى) لابن هشام الأنصاري، واختار لعلم أوزان الشعر وقوافيه (علم العروض) كتاب (ميزان الذهب في صناعة شعر العرب) للمرحوم السيد أحمد الهاشمي

انصرفت بجدية واهتمام فائق الى تلقي دروسي في علم العروض والنحو، حتى استوفيت كل ما يحتاجه الشاعر من معرفة وإلمام في هذين المجالين.

لكن الإلمام بعلوم اللغة وعلم العروض لا يخلق من الإنسان شاعرا، إنْ لم تكنْ هناك موهبة، تمكنهُ من التعبير عن مشــاعره وأحاسيسه وافكاره بالشكل الذي يؤثر في المتلقي. الموهبة تولد مع الشاعر ولا تكتسب، لكنها تصقل بالإطلاع على تجارب الآخرين من الشعراء، وبالقراءة المستمرة، والتواصل مع كلّ ما يستجد في ميادين الشعر والثقافة والفكر.

أدركت في وقتٍ مبكر أنّ الشعر موهبة وصنعة.. ففيما يتعلق بالصنعة فقد درست أساسيات اللغة من نحو وصرف، واستوفيت معرفتي بإتقان علم العروض، الذي أتى به الخليل بن أحمد الفراهيدي في أواخر القرن الثاني الهجري، والذي بيّن فيه (النوتة) الموسيقية للقصيدة العربية، على اختلاف إيقاعاتها المتداولة، منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الذي عاش فيه. الموهبة كعنصر أساسي في تكوين شخصية الشاعر، كانت حاضرة، لكنها تحتاج إلى إضاءات، وإلى من يكتشفها ويدعمها، حتى تظهر وتُعطي أكُلها .لذا حرصت على ان يكون لي حضوري في عدد من المناسبات، كالاعراس والمآتم، التي كان يقوم بها أقاربي ومعارفي للإحتفال بمناسبة زواج، أو تأبين ميت، فكنت ألقي شعري في مثل هذه المناسبات وفي غيرها من المناسبات الوطنية والدينية، التي يحتفل بها في مدينتي، التي تضمّ اكثر من مليون نسمة، والتي كان كان يطلق عليها آنذاك اسم مدينة (الثورة) حاليا (مدينة الصدر)، وفيه إشارة الى يوم 14 تموز عام 1958، حيث قام عدد من الضباط بإسقاط الحكم الملكي. والمدينة قامت بعد هذا التاريخ ولم تكم قائمة من قبل.. كانت أرضا مهجورة، ويتواجد فيها عدد كبير من المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين، وكانت مصدر قلق للحكومات المتعاقبة على حكم البلاد بسبب الوعي السياسي والثقافي الذي امتازت به شريحة كبيرة من أبناء هذه المدينة، فأقدمت على تغيير اسمها عدة مرات. أمضيت سنوات فتوتي وشبابي في هذه المدينة متنقلا بين مقاهيها ونواديها، مختلطا بشعرائها وأدبائها من مختلف المشارب الفكرية والسياسية وكان لذلك تأثير على تجربتي الشعرية وهي في بدايتها، فحفزني هذ الإختلاط على أن أوسع آفاق معرفتي عن طريق قراءة الكتب المترجمة في الشعر والادب والسياسة ، دون أن أتخلى عن قراءاتي التراثية، فهدفي هو تعميق مداركي وزيادة معلوماتي في اتجاهات معينة خدمة للشعر، الذي اصبح همي الشاغل، وبقي التراث يحتفظ بقدسيته في نفسي وأحس في قرارة نفسي بميل الى التجديد ولكن بالطريقة التي أراها مناسبة ومقنعة، فانكب بنهم على قراءة كل ما يقع في متناول يدي من كتب، كنت أشعر بضرورة إثراء رصيدي المعرفي والثقافي، فأخذت أتردد على سوق (السراي) في العاصمة بغداد، وهو سوق تباع به الكتب القديمة والحديثة بأسعار رخيصة، يتمّ شراؤها من أناس، دفعتهم الحاجة والعوز الى بيعها، أو أنهم قرأوها فلم يعودوا بحاجة إليها. ومع الوقت أصبحت لديّ مكتبتي الخاصة بي في البيت، والتي تضم أنواع الكتب، ولا تقتصر على كتب التراث فقط. فقد حوت رفوفها روايات عربية وأخرى عالمية مترجمة ومختارات شعرية مترجمة لشعراء انكليز وفرنسيين وإسبان وآخرين من بلدان أخرى وكتبا في الفكر السياسي والفلبسفي والمنطق، وكان الى جانب المكتبة صندوق امتلأ بأعداد مجلتي (تراث الإنسانية) و، (الفكر المعاصر). وهاتان المجلتان، اللتان تصدران في مصر وتوزعان في العديد من البلدان العربية، زودتاني بألوان جديدة من المعرفة، وفتحتا أمامي آفاقا فكرية واسعة، وفيما بعد اصبحت أتابع صدور مجلة تحمل عنوان (الآداب الأجنبية)، وهي مجلة تهتم بترجمة الأدب الأجنبي من مصادره المختلفة، تصدرها وزارة الثقافة في القطر السوري، استفدت منها الشاعر كثيرا، وكنت أنتظر بلهفة صدور عددها الجديد .

1332 jamil

صورة تذكارية للشاعر مع اخوانه الطلبة التقطت في ثانوية قتيبة في الرابع من تموز عام 1969

هذه الألوان من المعرفة والفكر،التي حصلت عليها من خلال قراءاتي المستمرة ومن مناقشاتي الكثيرة في القضايا الأدبية والفكرية مع ذوي الإختصاص، أثرت في تجربتي الشعرية وبلورت شخصيتي الأدبية، التي ترعرعت في حضن التراث ودفعتني الى أن أتخذ طريقا وسطا بين القديم والحديث في مسيرتي الشعرية.

في تلك الفترة من حياتي، التي شهدت صدور ديواني الأول (اللواهب) في بغداد

عن (مطبعة الحوادث) عام 1975 وهو يمثل باكورة أعمالي الأدبية، حرصت أن أظلّ محافظا على سمات القصيدة العمودية، ومنفتحا في نفس الوقت على آفاق أرحب، فيما يتعلق بالمضمون والمعنى . فأنا أرى أنّ الإفراط في التركيز على اللفظ والمفردة، يجعل من القصيدة هيكلا لفظيا أجوف من الداخل، فارغا يفتقر الى ما يبعث الحياة والحركة. والعكس هو الصحيح.. فالإفراط في التركيز على الصور والأحاسيس، والتهاون في التعامل مع اللغة كمفردات وضوابط، وإقصاء الشكل كعنصر جمالي في القصيدة والإكتفاء بإيصال الأحاسيس فقط، سيكون له مردود سلبي على القصيدة ويفقدها ملامحها الشعرية، وقد أشرت الى ذلك في التمهيد الذي قدمت به ديواني (اللواهب) فذكرت: ـــــ الشعر فن من فنون التعبير الأدبي، عرف منذ القدم، وكما تطورت الفنون الأخرى تطور هو أيضا واتسعت دائرته فشملت كل مناحي الحياة، وكل ما يتصل بالإنسان، وفوق هذا فإنّه توغل أكثر فاكثر في سبر أغوار النفس البشرية، واستكناه مكنوناتها. وفي الشعر جانبان هما المبنى والمعنى حسب الإصطلاح القديم، والصورة والجوهر، أو الرؤيا واللفظة حسب الإصطلاح الحديث. وأيّا كان فإنّ المعنى هو واحد في كلا الإصطلاحين سواء في ذلك القديم والحديث. أي ان الشعر لا يصح ان تطلق عليه كلمة الشعر، حتى يستوفي هذين الجانبين. فالمفروض بالمعنى أن ينسجم مع المبنى، وأن تكون هناك وحدة عضوية كاملة بين الرؤيا واللفظة، وهذا أمر متفق عليه وبديهي كما أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان روحا وجسدا، ولا وجود له إلا بهما، وكما أن حياته متوقفة على اتحادهما. إذ انّ الإنفصال معناه الموت. كذلك في الشعر فالإنفصال ــ أعني ــ انفصال الرؤيا والتعبير عن اللغة الموافقة، معناه النهاية لمفهوم الشعر، وبهذه الحقيقة نكون قد وضعنا أيدينا على موضع الداء. فلا تطرف لللغة ولا تطرف للرؤيا أو الحسّ الشعري، لأن كلا التطرفين يفضي الى فساد وموت، فنحن لا نؤيّد القديم كلّه بتشديده على اللفظة (الجسد)، وإقلاله من الإهتمام بالمعنى أو الرؤيا (الروح). ولا نتفق مع أصحاب الحركة الحديثة في الأدب، الذين يتطرفون للحس الشعري (الروح)، فيعطونه الأولوية، ويجعلونه كلّ شئ في القصيدة، لأنّ من مساوئ القديم التحجر في قوالب جامدة رتيبة، ومن مساوئ الحديث ميوعته وضبابيته المتفككة، التي لا تخلق شيئا.

الشاعر الحق هو من يعرف كيف يؤلف بين الحسّ الشعري واللغة الشعرية، ذرة مقابل ذرة، وجزءا ً مقابل جزء بإحكام دقيق، وبذلك ينتج لنا كائنا شعريا ناريّ الروح قويّ الجسد، يجتذب النفوس اليه. هذه الحقيقة ادركها قديما كبار شعراء الإنسانية في مختلف البقاع. فهذا شكسبير الإنكليزي، ودانتي الايطالي، وغوتة الألماني، وطاغور الهندي. هؤلاء نظروا الى الشعر، على أنه كائن حيّ، يجب الإهتمام به من كلّ الجوانب، لأنّ أي إهمال في جانب معناه التأثير على الجوانب الأخرى، كالجسد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمّى.

هكذا هي الحقيقة الشعرية. التفريط في اللغة، ينجرّ في النهاية على المعنىى والتفريط في المعنى، ينجرّ على اللغة وهكذا دواليك.

القصائد التي تضمنها ديوان (اللواهب)، كانت متنوعة المواضيع، ففيها ما هو سياسي وما هو غزلي وفيها ما يتطرق الى مواضيع اجتماعية، وكان للفترة، التي أمضيتها في جنوب العراق في مدينة العمارة (ميسان)  أثرها وصداها في حياتي. وهذا الأثر يلمسه القارئ في قصيدة (صور من الريف)

النهرُ ساجٍ وصفْوُ الليـــــلِ مُنتشــــرٌ

ينســـابُ فــي كلِّ شئ ٍ غايةَ َ البُعُـــد ِ

كأنما الليلُ إذْ يمتــــــدُّ راهبــــــــــــــة ٌ

راحتْ مُفكّــــــرة ً فـي معبد ِ الأبــــد ِ

كأنَّ دُنيــا ً مِـــنَ الإلهــــام ِ قدْ فـُتِحَتْ

فراح َ دفّاقُهـــا ينصبُّ مِــنْ صُعُـــــد ِ

فانزاح َ عنْ كُلِّ شــئ ٍ ما يُحجّبُــــــه ُ

وحُرّرتْ مُهْجَــــــة ٌ مِنْ ربْقة ِ العُقَــد ِ

كأنمــــا النفــــسُ إذْ حَلّــتْ سكينتُــــها

في عـــالم ٍ بمعانــي اللطْف ِ مُحـْتشد ِ

تمازجــتْ في مداها كلُّ خاطـــــــــرة ٍ

بخاطر ٍ أزلــيٍّ غيـــــر ِ ذي أمَـــــــد ِ

لا الأمس تذكرُ منهُ مـــــا يُكدّرهـــــــا

ولا ترى حكمــة ً في حمْل ِ هَمِّ غـد ِ

***

ومشــهد ٍ للمراعي راح َ يوقظـــــهــا

مِنْ غفْوة ِ الظهْر ِ لحْنُ الصادحِ الغَرِد ِ

والشمسُ تبعــث ُ مِنْ انوارهــا لُججـا ً

زحّـافة ً فــــــي امتــداد ٍ غيْر ِ ذي أَوَدِ

والأرضُ مُخْضلّــة ٌ خضراءُ طافحـة ٌ

بالطِيْـب ِ ترفـــل ُ في أبرادها الجُـــدِد ِ

والنهــــرُ يبعـــثُ أنغـــاما ً مُحبّبــة

تسهــو بها النفسُ مِـــنْ هـمٍّ ومِن كَمَــــد ِ

قـد أورد َ النفس َ دنيا ً غير َ عالمِها

فتّـــــانة َ السحْر ِ لـَــمْ تُولـَـــدْ ولـَــمْ تَلِـد ِ

حتّـى إذا امتدَّ ظلٌّ واعتلى شفــــــقٌ

وغيّب َ الشمس َ مجرى ثـمَّ لـَمْ تـَعُــــــد ِ

ولاح َ في الأفْق ِ نجْــم ٌ جـِـدُّ مؤتلق ٍ

وأوشك َ الدرب ُ أنْ يظلــــــم َّ أوْ فـَقـَــد ِ

وراح َ راعي غنيمـات ٍ يجدُّ خُطـى

سعْيـــا ً إلــى حيث ُ يلقى راحــة َالجَـسَد ِ

تغيّــرتْ صـورُ الأشياء ِ والتحفت ْ

بُرْدا ً جـــديدا ً بما في الكون مِــن بُـــرُد ِ

وانســاب َ نورُ فوانيس ٍ مُعلّقـــــة ٍ

يُفاخرُ الشـُهْــب َ في الإشراق ِ عـَـنْ بُعُـد ِ

ثـم َّ استطالتْ أحاديث ٌ مـُشـــوّقة ٌ

يبدو على الليل ِ منــها الضَــعْفُ إنْ تَـزِد ِ

تكاد ُ تدرك ُ في قول ٍ يفوه ُ بِــــه ِ

طفل ٌ معاني َ مــا دارتْ علــى خـَـــلـَـــد ِ

وللنفوس ِ طِبــاع ٌ حَسْب َ منشأها

يعيا لهـــا الفكْــرُ إذ ْ يأتــــي بمُعتَقــــــــد ِ

وما الخلود ُ بمُسطاع ٍ فنبلغُـــهُ

لكنْ يظــلُّ حليــف َ الشــوق ِ والأبَــــــــد ِ

قصيدة (صور من الريف) استحضار لذكريات فترة الطفولة، التي أمضيتها في الريف في جنوب العراق (العمارة) حاليا (ميسان) في بيت عمي حمادي، حيث بدأت دراستي في المرحلة الإبتدائية في مدرسة (الحمزة)، التي تقع على ضفاف نهر (الجديد) المتفرع من نهر دجلة . مدرسة قائمة وسط مرج من الزهور. في أيام العطل الدراسية،كان عمي يصطحبني معه الى الهور لصيد الأسماك. كنا نستقلّ زورقا مصنوعا من الخشب،ومطليا بالقير، يسمونه أبناء الجنوب (المشحوف)، وقد كان أجدادهم السومريون يستخدمونه في تنقلهم وترحالهم في في تلك المسطحات المائية الشاسعة، المنتشرة فيها نباتات القصب والبردي بكثافة، وتقطنها الطيور من كل نوع، حيث تقطع بعض الطيور مسافات تتجاوز آلاف الأميال لتستجم هناك لفترة ثم تعود الى أوطانها، التي أتت منها في الصين وروسيا و القطبين الشمالي والجنوبي من الأرض. مناطق الأهوار هي من أجمل المناطق في العالم، وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الأهوار في لائحة التراث العالمي وذلك في يوم 17 يوليو تموز 2016 . ويعتقد أنها موقع جنة عدن، كما ورد في الكتاب المقدس. وتشير البحوث الأثرية أن ملامح السومريين وحضاراتهم ظهرت في هذه المسطحات المائية، التي تمتاز بسحرها الخلاب، وهي تمتد على شكل مثلث بين مدن الناصرية وميسان والبصرة وتشغل مساحات واسعة تتراوح بين (15000 ــ 20000) كم2، وتشكل نخو 17 بالمائة من مساحة العراق. في الأهوار يتجسد جمال الطبيعة في أروع أشكاله وصوره،حيث الطيور الزاهية الألوان بمختلف أنواعها، تشدو ألحانها بين نباتات القصب والبردي، وقد وصفها المستشرق البريطاني مؤلف كتاب (العودة الى الأهوار) Return to the Marches ــ ــ بالعالم السحري، وسكان الأهوار معروفون بطيبتهم وكرمهم، ونساء الأهوار من أجمل نساء العالم، ويبدو أن للتغذية أثرا في ذلك الجمال حيث التغذية الطبيعية الخالية من التوابل والمواد الحافظة، والتي تعتمد على الحليب ومشتقاتة و الأسماك ولحوم الطير، والهواء النقي الذي لم يلوثه دخان المصانع.

وقد وصفهن الرحالة هنري اوستن، بأنهن نموذج للجمال العربي، ووصفهن الرحالة جورج كيبل... بأنّ جمالهنّ لا يضاهيه جمال المجتمعات الراقية...

في مثل تلك البيئة أمضيت شطرا من فترة الطفولة، تلك الطفولة التي تركت آثارا بيّنة على شخصيتي فيما بعد عندما عدت الى مسقط رأسي بغداد واستمر هذا التأثر حتى بعد أن غادرت العراق الى بلاد المهجر، ويظهر ذلك جليا في قصائدي الرومانسية التي نشرتها في المجموعتين الشعريتين، (أناشيد زورق) و (طقوس) الصادرتين في القاهرة عن دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، وفي القصائد الكثيرة التي نشرت في العديد من الصحف والمواقع الألكترونية،وحظيت باهتمام كانت حصيلته أن توجت بهالات ودروع التكريم من معظم تلك المواقع، التي وصفت شعري بالسهل الممتنع.

غادرت العراق في أواخر السبعينات من القرن الماضي الى أوربا واستقرّ بي

المقام في ألمانيا .. وفي العام الأول من إقامتي هناك صدرت لي مجموعة شعرية من الشعر الحر (شعر التفعيلة) بعنوان (رسائل من وراء الحدود) عن دار المعارف في بيروت عام 1980. ومعظم القصائد

تتحدث عن معاناتي في ديار الغربة وعن حنيني الى الوطن، وفي المجموعة قصائد تطفح بالألم والمرارة لما كان يحدث في العراق من مآسٍ في تلك الفترة، وتعود بي الذكريات الى الماضي فيعتصرني الألم، فأخاطب مدينتي بغداد بهذه القصيدة:

ليلــة مع الذكرى

هذهِ الليلـــة وحــــــــــدي

مبحـــرٌ عبـــــر جراحاتي القديمــة

مبحرٌ عبْــــــرَ جراحاتي الجديـــدة

أذكرُ الأحبـــــابَ والأهلَ وأصحابي القدامـــى

منْ تُرى يمســــحُ عــن عيني الغَمــــــــــامــا ؟

لأرى تلكَ التــي خلّفتِ القلبَ حُطــــــــــــامـا

مَن تُرى يُطفئُ فـــي النفسِ ضــــــــــرامــــا ؟

هــذهِ الليلة يستفهــمُ مِنّي الكأسُ عنْ كلّ الندامى

آهِ يا قلبــــــي الذي في وسط الجمرةِ نامــــــــا

من لأحـــــــلامي اليتيمــــــــــة ؟

من يُعيـــــــدُ الصبْــــــرَ للروحِ الشـــــــريدة ؟

هذهِ الليلة تمتد أحاسيســـــــــي الى كلّ المدائنْ

تبعثُ الميّــتَ فـــــي أقصى المدافـــــــنْ

هذهِ الليلة يــا بغـــــــدادُ أبكيكِ بنزفٍ لا دمـــــوعْ

من فؤادٍ كادَ أنْ يقفـــــــزَ مِـــنْ بين الضـــــــلوعْ

لهفة ً توشكُ أن تسلبـــهُ روحَ الحيـــــــــاةْ

آهِ يا بغـــــــدادُ انّ الذكـــــــــــــرياتْ

وَقْعُــــــــها مُــرٌّ وقلبي لمْ يَكُنْ يومــــــا ً حصــــــاةْ

أذكــــــرُ الليلة ذاك الشارعَ الملعونَ والضوءَ الضئيـــلْ

أذكرُ الوجْــــــــهَ القتيـــلْ

كانَ وجْـــــهُ اللهِ في وجــــــــه القتيــــــــلْ

كانت الأمّـــــــةُ فــــي وجـــــــهِ القتيـــــلْ

تعمقت تجربتي الأدبية في بلاد المهجر، والفضل في ذلك يعود الى دراستي الأدب الألماني وفقه اللغة الألمانية في الجامعة الحرة في برلين، حيث أنهيت دراستي العليا في تلك الجامعة عام 1988وحصلت على شهادة الماجستير في الأدب الألماني وعلوم اللغة، وبعد عامين من حصولي على الماجستير، شرعت في كتابة روايتي (تركة لاعب الكريات الزجاجية)، التي أكملت بها رواية (لعبة الكريات الزجاجية)، الحاصلة على جائزة نوبل للآداب للأديب الألماني هيرمان هسة.

التأثيــــــــرات الإجتماعية

الشاعر ابن بيئته الإجتماعية، وللمجتمع تأثيره على حياته الشخصية، وبالذات على كتاباته، فما من شاعر لم يتأثر بالوسط الإجتماعي الذي نشأ فيه وترعرع، إلا أن مقدارهذا التأثير يتفاوت من شاعر إلى آخر وهو مرهون بعوامل عدة، لعلّ أبرزها درجة تفاعل وتقبل الشاعر لما يعايشه ويتحسسه في حياته اليومية .

في شعري يظهر هذا التأثير في مرحلتين من حياتي .. مرحلة شبابي حتى سن السابعة والعشرين، التي قضيتهافي بغداد، التي ولدت فيها، ما عدا سنوات طفولتي، التي أمضيتها في جنوب العراق في رعاية عمي، والسنوات الثلاث، التي باشرت فيها دراستي الإبتدائية في مدرسة (الحمزة)، ثم عودتي الى بغداد ومواصلة دراستي في مدرسة الطليعة الإبتدائية في حي (البتاوين) أما المرحلة الثانية فهي مرحلة المهجر.في المرحلة الأولى غلب على شعري الطابع الرومانسي، الذي كنت أستعيد فيه ذكريات طفولتي في جنوب العراق .. في مناطق الاهوار، ففي ديواني الأول عدد من القصائد أتحدث بها عن الطبيعة، والتي لم تخلُ من مسحة حزن مثل قصيدة (الغروب والذكرى) والتي كتبتها، وكان سني لم يتجاوز الثالثة عشر عاما. في هذهالقصيدة تظهر طريقتي في النظم القائمة على التوازن بين اللغة والمعنى

هذا الغروبُ كغـــورِ الروحِ مُكْتئـــــبُ

تظلّـــــــهُ مِــنْ مجاهيلِ الأسى سُحبُ

هـــــذا الغروبُ تراتيــــــلٌ مُعذّبـــــــة ٌ

أفاضــــــها خافق ٌ أحـــلامُهُ الشُهُــبُ

قد امتزجــتُ بــهِ ظلا ً كمـا امتزجــتْ

جداول ٌ فــي مصـبٍّ راحَ يصطخــــبُ

الأرضُ في لــونها المخفـي ّ قد بَرزت

ظــلا ً للونِ ظـــلالِ الليــل يقتـــــــربُ

وفــي السمـــــاءِ إذا مــا زانــها شفقٌ

مجــــــامرٌ من هيـــــامِ الروحِ تلتهــبُ

كانّمــا هــيَ حبّات ُ القلــــــوبِ وقــدْ

تناثــرتْ مِنْ جوى في النفسِ يحتجــبُ

كأنّ نهــرا ً وراء الغيْـبِ أوصلنــــي

بالأرضِ أمـــواجهُ الأنســامُ واللهــــبُ

والماءُ إذْ يتهادى مِــنْ عل ٍ صببــــا ً (1)

يبثُّ شكـــــــوى غريــبٍ راحَ ينتحــبُ

هذي هي النفسُ أشتــاتٌ مُشتتـــــــة ٌ

راحــــتْ بكلّ مفيــض ِ السحْرِ تُنتَهـبُ

أحسُّ لحْنــا ً عجيبـا ً راحَ يُبْدعـــــهُ

المــاءُ والظـلّ والأضــواءُ والعُشُــــبُ

ما أجمــل َ اللحْنَ لمْ تسمــعْ بـهِ أذنٌ

لكنْ يحـــسّ بــهِ الوجـدانُ والعَصَــــبُ

يــا للمُــذابِ أسى يا للصريع ِ جوى

مِــنْ نسمــة ٍ مِنْ ديــــارِ الأهْلِ تقتربُ

تقاذفتــهُ الليالي عـن مرابعــــــــــهِ

فهْـوَ الشجيّ لذكْـرِ الصحْبِ يضطربُ

وهـْـوَ المشوقُ لدنيا السحْرِ يعصرهُ

وَجْــــد ٌ إليـــها ويُذكـي نارَهُ طَـــــرَب

عالم الطبيعة الساحر الذي استقيت منه معاني شعري وصوره وابناء الريـــــف ببساطتهم وكرم أخلاقهم وفطرتهم النقية، التي تأثرت بها . كل هذ ا أصبح ذكرى من الماضي .. في بغداد في زحمة شوارعها وفي مدينتي المكتظة بالسكان والملتصقة بيوتها ببعضها البعض، افتقدت ذلك العالم المترامي الأطراف، والأماكن المفتوحة، التي كنت أشعر فيها بحرية مطلقة وكأنني واحد من تلك الطيور المهاجرة المحلقة في سماواته،تلك التي كانت تغرد بين نباتات القصب والبردي. أصبحت أواجه مجتمعا، غير المجتمع الذي عايشته في السابق في الجنوب.. ذلك المجتمع،الذي كان يمثل لي النقاء والبراءة.. في مجتمع المدينة وجدت الطبائع تداخلت وتمازجت والخصال الكريمة كدّرتها العادات البالية والتقاليد القديمة .. عالم غير متجانس فيه من السلبيات بقدر ما فيه من الإيجابيات .. كان علي أن أواجه التحدي وأرسم ملامح طريقي الخاص في الحياة، فأنا لا أريد أن أكون صورة مستنسخة لذلك الواقع.. لقد ذقت طعم الحرية وتزودت بثقافة فتحت لي آفاقا جديدة في الحياة، لا أريد أن أتنازل عنها أمام قوى الجهل والتخلف، فثرت في وجه العادات والتقاليد البالية كما في قصيدتي (هدية ليلة الزفاف) ، التي انتقدت فيها عادة تزويج الفتيات صغيرات السن من كبار السنّ.. فرفعت صوتي مستهجنا ومحذرا:

يا صاحبــي إنّ التقــاليـدَ التـــــي

لا ترتضي للعــــدْل ِ أنْ يتطبّقــــــا

هــيَ مِنْ بقـايا أعصـر ٍ منكــودةٍ

جوفـــاء قدْ تاهتْ بليل ٍ أطبقــــــــا

تذكي لظاهـــا في الســـــلامِ تباهيا ً

وتنـــامُ إنْ غيمُ المخاطــرِ أبـــــرقا

تدعـو الى الصفّ الرصيـنِ حروفُها

وتضيــعُ عندَ الحادثــات ِ تفرّقـــا

هذي التقــاليدُ التــي مــازال مِــــنْ

أعبائهـــــا ظهــرُ المفكّــرِ مُرْهقا

كمْ حطّمــوا قلبا ً وكمْ قد أقبـــروا

رأيا ً وكمْ كسروا يراعــا ً مُحـرقا

آراؤهُمْ تقضــي علــى القلبينِ فـي

عُمْـقِ الصَفــا عمْـدأ ً بأنْ يتفــرقا

ويتاجــرون َ بكــــــلّ بنتٍ بضّــة ٍ

وينالُــها منْ كانَ فظّــا ً احْمَقــــــا

الأفضليّـــةُ للـــــذي فـي كفّــــــــه ِ

مالٌ يظلُّ بــهِ لهــمْ مُتصدّقـــــــــا

سوقُ المــزاداتِ الذي لــمْ ينقرضْ

يحظـــى بــهِ مَنْ زادَ فيمـــا أنفقــا

سنظلّ نفتحُ ألف َ باب ٍ زائـــــــف ٍ

ويظلّ باب ٌ للحقيقــــــة ِ مُغلقـــــا

ويزيدُ هذي النــارَ نارا جــاهـــل ٌ

يختـــالُ فــي كلمـــــاتهِ مُتمنطقــا

لمْ يدرِ وهـــوَ يتيهُ في ألفاظـــــهِ

مَنْ قدْ تمنطقَ فــي الإلــه ِ تزندقـا

ولمــن يحــاولُ غيرَ مــا في نفســه ِ

مِنْ فطـــرة ٍ يبقى يحاولُ مُرْهقــا

ولمن يرى إثبــات َ ربٍّ واحــد ٍ

فيمــــا يجمّــعُ مِــنْ كلام ٍ فُرّقــا

أو أن يفلسف َ ربّــهُ فــي واجب ٍ

أوْمُمكـــن ٍ فيـــهِ لمحتَمـــلٍ رقى

أو أن يجسّــدهُ بسيــــنٍ أُتْبِعــتْ

صــادا ويدعــوهُ إلهــا ً مُطلقــــا

فلقــدْ أضــاع َ النهجَ لمْ يعــرفْ اذا ً

معنـــى الإلــهِ ولمْ يرِدْ ورد التقى

إني لأعجــبُ من دعـاوى جاهــل ٍ

كيف َ استجـــاب َ لوهمــه وتعلّقـا

وهو الذي ما زال َ يجهــلُ نفســهُ

ويـــرى بها ســـرّا خفيّا ً مُغلقــــا

تلك التي جاشتْ بألفِ حقيقــــــــة ٍ

صمّاء تقلقُـــهُ فتخرسُ منْطقــــــا

والنفسُ مِنْ صُنْع الإلــهِ فكيفَ قـــدْ

وصَـفَ الإلـه َ ولمْ يصِفْ مـا أقلقَا

لا تعجبـــــــنَّ فعـــالــمٌ مُسْتَبعـــدٌ

أبـــدا ً سيبقـــى يرتــدي ما لفّقــــــا

فالنــاسُ نفسُ الناسِ لمْ يتغيّـــروا

ولقدْ تفانـــوا فــي السخافة ِ مُسْبَقا

واللهُ أكبــرُ مِنْ خيــالِ مُفلســـفٍ

مـــا زالَ يوقنُ انّــــــه قد أخفقــــا

الى جانب نقدي للعادات البالية فقد وجّهت نقدي السياسي للواقع السياسي القائم في المجتمع العراقي وتوسّعت في نقدي ليشمل الأوضاع السياسية في العالم العربي، والتي تمخضت عن نكسة الخامس من حزيران عام 1967. ففي قصيدتي (نداء إلى أمتي) والتي ألقيتها في مهرجان الشعر الذي أقيم في ثانوية قتيبة عام 1968، والتي حصلت على الجائزة الأولى أقول:

ردي الردى إن يوم الثأرِ قد حانا *** لا تصبري لغـــتدٍ فالملتقى الآنا

لا ترهبــي جمـــرات الموتِ أنّ بها*** للنصرِ والمجدِ تلميحــا وإيذانا

فالمجدُ ليس على قولٍ نشيــــــــدهُ *** بلْ فوقَ أشلائنا نُعليــــهِ بنيانا

صبرا َ على الموتِ في سوحِ الوغى أبدا *** فليس إلاهُ يمحو عارَ بلوانا

مضتْ سنــــــــــونٌ فهلْ عشنا قضيتنا *** حقّا ولو كانَ هذا العيش أحيانا

في كلّ حيـــــنٍ حزيرانٌ يُطالعُنــــأ   *** شهورنا كلّها صارت حزيرانا

كأننا قدْ رضينا الذلّ نجــــــــــرعهُ *** جيلا ً فجيلا ً لكي ننهي قضايانـا

فعالنا كلّها للخزيِ جالبـــــــــــــــةٌ *** حتى الفدائيّ لمْ نتركْهُ غضبــــانا

طريقهُ كلهُ شوكٌ واسلكــــــــةٌ *** وكان أجدرَ أن يمشيـــــــــهِ ريحانا

عشنا على الوهمِ لمْ نعرفْ حقيقتنا *** فظلّ موكبنا فــي الدرْبِ حيرانا

كأنّ واحدنا منْ فرْطِ حيـــــــــــرتهِ *** صخْـــرٌ تمثّلَ إثْرَ النحتِ إنسانا

أنغفرُ الذنْب للحكامِ إنْ ظلموا     *** وإنْ شكونـــا فليل السجنِ مثوانا

القصيدة طويلة وقد أثارت ضجة كبيرة وقتها، تعرضت بسببها الى

مضايقات واستفزازات، واضطررتُ الى عدم نشرها في ديواني الأول ما عدا بعض الأبيات  .

أما التأثيرات الإجتماعية في المرحلة الثانية ــ مرحلة حياة المهجر ـ،و التي بدأت في أواخر السبعينات من القرن المنصرم، فهي تأثيرات من نوع آخر مختلف عن تأثيرات المرحلة الأولى.

المجتمع هنا يرفضني لأنني جسم غريب عليه، هنالك جدار عازل بيني وبين الآخرين أكثر علوا من جدار برلين .. هنالك عنصرية ظاهرة وأخرى خفيّة، وتزداد هذه العنصرية شدة ضد المثقفين، القادمين من العالم الثالث، وبا لذات ضد أولئك القادمين من العالم العربي، المتمسكين بثقافتهم وهويتهم. لم تكن حياتي سهلة في بلاد المهجر، شأني شأن الكثير من المثقفين والأدباء العرب، الذين اضطروا الى العيش في دنيا الغربة، فالمعاناة تكاد تكون يومية، وقد صورت تلك المعاناة، في عدد من القصائد منذ أن وطأت قدماي أرض الغربة نشرتُ قسما منها في مجموعتي الشعرية (رسائل من وراء الحدود)، الصادرة في بيروت . لقد تبدد حلمي، وصدمت بخيبة أمل، وأنا أرى العيون ترميني بنظرات الكراهية والرفض، فأرفع صوتي عاليا كما في قصيدتي (الخنازير المتألهة) مخاطبا السماء بمرارة:

ربّــــاهُ إنّا ها هنا في الريحِ تنهشنا الكلاب

متشرّدون على شواطي الليل نحيا الإغتراب

ترعى ذئابُ الثلجِ من دمــــنا

وتسكننا الحرابْ

حيثُ المدى متفجرُ الجنباتِ حقدأ واحتقـــار

حيثُ الكبارْ

يتوهمون بأنهم في الأرضِ في قلب المدارْ

يرموننا كلِمـــا ً قبيــحَ الوجهِ

مهتوكَ الستـــارْ

يا أيّها القومُ الرعاعُ القادمونَ من القِفــــارْ

عودوا إلى أوطانكم

كيفَ الرجوع ُ؟

وعن مواطننا قد ارتحلَ النهـــارْ

والعيشُ أصبحَ في مدائنها انتحــارْ

وهكذا تستمر المعاناة، ولكن بشكل آخر . في الوطن يقتل الجسد، وهنا تقتل الروح، فأتذكر بيت شعر لجبران خليل جبران

وقاتلُ الجسـمِ مأخوذٌ بفعلتهِ*** وقاتلُ الروحِ لا يدري به البشـــرُ

وأتساءل في قصيدة (القدر الأعمــــى) عن جدوى رحلتي:

الليلُ والغربةُ في عينيكَ والجليــــــــدْ

يا ابن الصحارى ما تُريد

في هذه الأصقاعِ هل تبحثُ عن عالمِكَ الجديدْ

صخرةُ (سيزيف) التي أوهنتِ الحـــديدْ

تحملها منْ زمنٍ بعيــدْ

حكمُ زمانٍ أحمـقٍ بليـــــــدْ

لكنني رفضت الإستسلام، وتحديت بإيماني وإصراري على الحياة قوى الإستلاب والقهر بكل أنواعها.. الروح ستقهر كل أشكال الموت هذا ما أكدته في قصيدتي (الموت في أبريل)  :

يولدُ المرءُ مع الأهلِ وفي المنفى يموتْ

يتلقى ضربات القدر الأعمى

شريدا ً يتحدى الجبروتْ

يولدُ المرءُ خليّـــــــا ً ناعم البالِ

ويحيا نازفَ الجرحِ

يغنّــي كلمات الملكوتْ

فاصرخي يا ريحُ في وجهي

فإنّي لن أموتْ

لغتـــي فجّرتُهـــا نارا على بوابة الليل الصموت

سوف تبقى تقلقُ الطاغين َ في كلّ مكـــانْ

ذاتَ وقْـدٍ ليسَ يعروها خفـوتْ

أنا حيٌّ في فمي أنشــــــودةُ الصبحِ اليتيمـــه

لستُ من موتــى يموتون بإبريلَ هزيمـــه (2)

 

جميل حسين الساعدي

.......................

 (1) إشارة الى القسم الأول من قصيدة الأرض الخراب الشهيرة للشاعر الإنكليزي توماس ستبرنز إليوت، والتي يقول فيها:

April is the cruellest month; breeding Lilas out of the dead

Land، mixing Memory and desire، stirring

Dull roots with spring rain.

 ((إن أبريل أشدّ الشهور قسوةً،

فيه تخرج زهور الليلك من الأرض الميتة،

وتختلط فيه الرغبة بالذاكرة،

وفيه تنتفض الجذور الخاملة بمطر الربيع))

إن شهر إبريل، الذي تستيقظ فيه الطبيعة من غفوة الشتاء هو اكثر الشهور قسوة بالنسبة لسكان الارض الخراب. ولكن ما السبب في ذلك، مع أنه شهر النمو والخضرة والإزدهار؟ إنّ في تفتح الطبيعة أثناء الربيع إثباتا واضحا لحقيقة الحياة ودورة الفصول، وهذه الحقيقة مصدرإيلام شديد لأهل هذه الأرض الجرداء، فهم يخشونها ويخافونها، ويؤثرون إخفاءها ونسيانها، ولهذا يعودون بذكرياتهم إلى الوراء، إلى أيام الطفولة البريئة.

يقصد الشاعر بالأرض الخراب، أوربا الحديثة وسكانها هم الذين يكونون المجتمع الأوربي بعد الحرب العالمية الأولى، وقد شهدت تلك السنوات اضمحلالا في الأخلاق (راجع :ـ نوابغ الفكر الغربي ـ إليوت ــ بقلم الدكتور فائق متي ـ دار المعارف).

إن ما يميز قصائد المجموعة الشعرية (رسائل من وراء الحدود)، هو تشديدها على مفردات معينة، كالغربة والجليد والنفي، فهي بمثابة معادلات عكسية لما ألفته من قبل. فالدفء الذي تتميز به البلاد العربية، غير مألوف في أوربا. من هنا نجد كثرة تردد مفردة جليد في معظم القصائد، فالمجموعة توثيق لأحاسيسي

ومشاعري كإنسان مرهف الحس في وسط اجتماعي يختلف تماما قلبا وقالبا عن الوسط الإجتماعي الذي نشأت فيه وترعرعت. كنت أدرك هذه الحقيقة وأشعر أنني إنسان شرقي أولا وآخرا مهما أحاول أن أتكيف مع الواقع الجديد، بإن جذوري تمتد هناك في بلاد ما بين النهرين، لكن هذه الحقيقة لم تنتقص من إيماني

بعالم متعدد الثقافات.

(2) هذه المقالة كتبتها، نزولا عند رغبة أديبين عراقيين طلبا مني قبل أيام تزويدهما بنبذة عن سيرتي الذاتية

 

salim alhasaniيحفر الصخر بأظفاره، يكسر الحجر بأصابعه، يحمل الأثقال على ظهره، لكنه لا يمدّ يده للآخرين، فحياته ممزوجة بعرق جبينه. قضى سنوات عمره على هذا الحال، وحتى عندما سقط نظام الحكم الطاغوتي عام ٢٠٠٣، ومعظم أصدقائه ورفاق دربه من أصحاب السلطة والقرار، فانه لم يقترب منهم، لم يطرق أبوابهم، لقد قرأها مبكرة بفطرته السليمة، بتجربة الرجل المكافح، فلا يريد أن يخرج عن أطواره التي اعتادها في ضمان معيشته بكدّ يمينه.

أجبرته ظروف المطاردة على الخروج من العراق، فهرب في شاحنة لنقل البضائع من العراق الى الكويت، وهناك قضى فترة قصيرة في منزل الدكتور (عباس العبودي/ أبو غفران) وفي منزل مخصص للشباب، ثم انتقل الى سوريا، ومنها الى ايران، حيث مارس الأعمال المتنوعة ليعيل عائلته في ظروف معاشية صعبة، مثل بقية المهاجرين العراقيين.

تنقل الحاج (أبو إيمان) على عدة مهن، عمل في مركز أبحاث، وسائق أجرة، وفي تنضيد الحروف، وفي وظيفة مع الأسرى العراقيين، ثم قرر أن يلجأ الى عمل آخر، فظروف الحياة الصعبة تحتاج الى مزيد من الجهد، فافتتح محلاً صغيراً في طهران (منطقة دولت آباد) لتصليح العجلات الهوائية، واشتهر هناك بـ (أبو ايمان البايسكلجي).

كنت أجلس على دكة محله الصغير، بين فترة وأخرى وقت العصر، فأرى الأطفال والكبار يبادلونه المودة والمحبة، لقد دخل قلوب المنطقة السكنية الخليطة من العراقيين والإيرانيين، وذاع صيته هناك، فأخلاقه الجميلة، والبسمة التي ينثرها على الجميع، جعلته يدخل قلوبهم، لا يسمعون منه إلا الكلمة الطيبة، والنكتة الظريفة، فيما يختزن قلبه معاناة المعيشة وصعوبة الحياة.

وحين أبدل مهنته الى تصليح الدرجات النارية، ساد الحزن أطفال دولت آباد، فلم يكن مثله من أصحاب المهنة، على مرحه وتسامحه وتودده اليهم.

ذات يوم كنت اتبادل معه الحديث، فأخبرني أنه لا يرى حرجاً في ممارسة أي مهنة شريفة، وقال لي: لا تستغرب إذا وجدتني احمل الصندوق، واعمل صباغاً للأحذية. فأرتفع في عيني أكثر من قبل، تضاعف حجمه أمامي، وأحسست أنني أمام إنسان من نمط خاص، إنسان يعيش الكرامة بكل معانيها، فهو لا يريد أن يكون عالةّ على أحد، ولا يمكن أن يخضع لأحد من أجل المال.

هاجر الحاج (أحمد العبايجي) الى الدنمارك، ومضى على نفس منهجه في مواجهة الحياة، يعمل من عرق جبينه، ينشر الفرح والسعادة حيثما يحل، تنفتح له القلوب، لصراحته وطيبته وصدقه مع نفسه ومع الآخرين.

لا أحد من أصدقائه يعرف متى يحزن (أبو إيمان) فهذه من أسراره الخاصة، لأنه يبادلهم الابتسامة والنكتة الظريفة، وقد يكون مهموماً بشؤون الحياة، لكن أخلاقه تمنعه أن يتحدث معهم بغير الابتسامة وخفة الدم.

بأخلاقه وظرافته يستطيع أن يجمع قلوب المختلفين، بل هو يفعل ذلك دائماً. وحين عاش نكران الجميل مع رفاق الدرب عندما تسلموا السلطة، لم تصدر منه كلمة عتب واحدة، فهو يجد أن ما يكسبه من رزق حلال بعرق جبينه، أفضل بكثير من أن يطلب وظيفة أو منصباً. إنه مستعد للخدمة دائماً، وإذا ما أرادوا خدماته فهو جاهز لذلك، لكنه لا يبدأ بطلب، فمن يملك كرامته ونظرته للعمل، لا ينحني رأسه أمام الآخر مهما كان منصبه.

في محل عمله في كوبنهاكن/ الدنمارك، زاره أحد أصدقائه وأخبره بأنه أدرج اسمه في قائمة المشمولين بقرار المُنح والراتب التقاعدي الذي يشمل كل من هرب من نظام المقبور، رفض (أبو إيمان) العرض بشدة، وقال له بالحرف:

- هل أشبعتم أيتام العراق وأرامله ومن ذاق ويلات الحروب والحصار، ثم جئتم لأوروبا توزعون خيرات العراق لمن لا يستحقها؟ احذف اسمي ولا تكرر هذه المحاولة ثانية.

هذا هو (أحمد العبايجي) ينطق بضمير الانسان المؤمن الذي يحس بمعاناة غيره، يشعر بالفقراء والمساكين، ويرى فيهم الحاجة الأولى التي يجب أن تنصبّ الجهود لخدمتهم وتوفير لقمة العيش والتعليم والخدمات لهم. لكن ظنّه خاب بالكثير من رفاق الأمس حين رآهم يحتجبون في المنطقة الخضراء، ويسقط بعضهم في إغراء النفوذ والسلطة، فقرر أن لا يدخل المنطقة الخضراء، ولم يدخلها حتى الآن.

حين أشعر في بعض الأوقات بشيء من الضيق أو الحزن، أزيحه بمكالمة هاتفية معه، انتقل عبر المحادثة القصيرة الى جو نديّ يفوح بالطيبة والمودة والصدق.

تحياتي عزيزي (أبو ايمان).

 

سليم الحسني

 

 

salim alhasani2بعد سقوط نظام صدام عام ٢٠٠٣، توصل الأستاذ حسين السكافي، أن الفرصة التي عاش سنين عمره من أجلها، لم تتحقق، فها هم معظم رفاق الدرب يتساقطون داخل أسوار المنطقة الخضراء. فما كان منه إلا أن نأى بنفسه عن هذا الدرب الموحش، وسلك دربه الذي اعتاده طوال حياته.. خدمة الانسان.

لم تكن المسؤوليات الحكومية همّه، ولم يسع الى منصب، فهو يريد خدمة الفقراء، يريد أن يمارس دور الانسان الذي يجسده، فصبّ اهتمامه على المشاريع الخيرية التي لا يلتفت اليها رجال السلطة وإسلاميو السلطة. لقد بادر بجهوده الخاصة، الى تأسيس عدة مشاريع خدمية، فتبنى مشروع أطفال الشوارع، حيث يقوم بتعويض العوائل الفقيرة التي تستعين بأطفالها للعمل في الشارع، مقابل أن يذهب أبناؤهم الى المدارس ليتعلموا، فيضمن بذلك مستقبل هؤلاء الأطفال الذين أهملتهم الحكومة، وينقذهم من الجهل ومن الوقوع في الجريمة والضياع. ولكي يضمن إلتزام العائلة بما يعوّضها من أجور عمل طفلها، فانه يتابع إدارة المدرسة، ليتأكد أن الطفل منتظم في دوامه.

يطرح مشروعه على أصدقائه وعلى كل من يجد فيه أملاً للمساعدة، ومع أنه المعروف بعفته ورفعة رأسه، لكنه لا يتردد لحظة واحدة، في الانحناء طلباً لمساعدة طفل ينقذه من الضياع في الشارع، ليُدخله الى المدرسة، وحين يفعل ذلك، يجد قامته قد ازدادت انتصاباً، وتعالى رأسه بالرفعة أكثر فأكثر، وذلك مبدأ آمن به، وعمل به، فهو لا يطلب لنفسه وإن عضه الجوع، لكنه يتوسل الآخرين من أجل مساعدة المحتاج.

وحين قام بعدة زيارات الى العراق، وجد أن هناك عوائل الفقراء تقضي الصيف وهي في أتعس ظروف الحياة، فقرر أن يعمل على شراء (ثلاجة) للعوائل الفقيرة، وعاد الى غربته في لندن، يتصل بأصدقائه وبمن يعرفهم من المحسنين، وهم قلة محدودة جداً في هذا الزمن، ليوفر بضع (ثلاجات) لعدد من العوائل. وحين يوفر ثمن الثلاجة الواحدة، يعيش حسين السكافي، أياماً في سعادة غامرة، لكنها سعادة مخلوطة بحزن جارح على بقية العوائل التي تنتظر البسمة حين تدخل بيوتها المتداعية (ثلاجة) صغيرة. هذا الى جانب مشروعه في مساعدة الأطفال المصابين بسرطان الدم.

...

ينتمي حسين السكافي (أبو زيد) الى جيل الرساليين الروّاد في الديوانية، الذين مارسوا العمل الثقافي الإسلامي في ستينات القرن الماضي، تحت رعاية الراحل الكبير العلامة (محمد مهدي شمس الدين) عندما كان ممثل المرجعية العليا للسيد محسن الحكيم في تلك المدينة.

كانوا ثلة صادقة حافظت على مبادئها رغم تقلب الظروف والأحوال، فرحل منهم البعض وهم وقوف على تلك المبادئ أمثال: (حمزة الديواني وهاتف الجبوري وعباس الحسني وكاظم عنبر) وبقي الأحياء منهم حفظهم الله على نفس المنهج لم تتلوث أيديهم بفساد، ولم يسعوا لمنصب وجاه أمثال الأساتذة ( حسين الديواني ويوسف الهادي وعزيز آل طالب).

وزّعتهم الحياة على المهاجر والغربة، وعاد بعضهم الى العراق يعيش كما يعيش أي مواطن رغم صلاتهم الوثيقة بأصحاب القرار السياسي والحكومي.

...

اخي العزيز (أبو زيد) أعرف أنك تلومني كثيراً حين أكتب في نقد اشخاص شوّهوا التجربة والتاريخ، لأنك ترى أن من تلوّث بالمال الحرام لا يمكن أن ينقذ نفسه مما هو فيه. لكني في المقابل أجدها مسؤوليتي، فهذا القلم المتوغل بين أصابعي، أكثر تحرقاً من قلبي على تاريخ مشرق كبير، أحرق صفحاته بعض الضعفاء حين سقطوا في التجربة.

عزيزي (أبو زيد) أتفق معك بجزء من قناعتك، وهو أن أكتب عن الصفحات المشرقة، وها أنا افعل، أكتب عن شخوص تلك الصفحات لأن (هؤلاء في حياتي) أثروا فيها، ولا يمكن أن أنساهم.

 

سليم الحسني

 

 

salim alhasani2في شتاء عام ١٩٨١، كنتُ أقيم في شقة بحي الأمين، مع مجموعة من أعز الأصدقاء ـ سأكتب عنهم ان شاء الله ـ وقد شاركني الغرفة لفترة قصيرة الشهيد البطل (الحاج حمزة/ أبو علي).

في ليلة عدت الى الشقة من حضرة السيدة زينب عليها السلام، مثقلأ بالحزن والقلق. فسألني الحاج حمزة عن سبب الحزن، اجبته بأني سمعت خبراً بأن (موحان) قد تم اعتقاله.

انتفض من مكانه مصعوقاً، وقال:

ـ موحان يعني العمل الجهادي في الداخل، موحان يعني بالنسبة لي كل عمل الدعوة في العراق.

وراح يسألني عن علاقتي به، ورحت أحدثه، ومضى يستذكر بطولاته ومواقفه وصبره وشجاعته وثقافته وذكاءه، ومضيت أروي له أخلاقه وخصائله وإخلاصه ومبدأيته.

رفع الحاج حمزة يديه بالدعاء: (اللهم أرزقني الشهادة)،  ثم قال إن هذا الدعاء لا يشفي غليلي، سأدعو على طريقتي (المعيداوية) فرفع يديه ثانية وقال بكلمات خرجت من أعماقه: (إلهي ارزقني الشهادة بالعراق يا من روحي فِدَتك).

...

قضى (الحاج حمزة) حياته في عمل الدعوة الإسلامية، ما بين النشاط المكثف والاعتقال والمطاردة والنضال ضد النظام البعثي. عاش أقسى الظروف في العراق، يتنقل بين أماكن خفية، تطارده أجهزة النظام، ولم يكن يشعر بالتعب أو الخوف أو التهديد، فلقد وطّن نفسه على أن هذه هي حياته، وهذا هو دوره. ولم يشعر بالغرابة حين اضطرته المطاردة الأمنية أن يقضي ثلاثة أشهر في الصحراء يعيش مع البدو متخفياً، ويمارس مهمته الرسالية في تبليغ تعاليم الإسلام.

في بعض الليالي الساهرة، كنت أسأله عن تفاصيل مطاردته، فيسردها وكأنها رحلات سياحية، يستمتع بها، وحين أبديت له ملاحظتي على ذلك بلهجة مازحة، أجابني، بأن هذه هي الحياة الحقيقية التي يحبها. فما قيمة الحياة إذا لم نواجه المعاناة من أجل الأخرين.

كان صادقاً صادقاً فيما يقول، صادقاً لدرجة لا يمكن وصفها، كان يقول ذلك وهو يعيش كل دقيقة من أجل أن يجد فرصة العودة الى العراق للقيام بعمل ضد النظام البعثي المتسلط على الشعب.

حديثه الوحيد عن عمل من داخل العراق، عن فرصة للرجوع الى دائرة المطاردة والخطر والتحدي، فهناك حياته حيث يمتلئ صدره بهواء الكفاح ضد النظام الصدامي، وخارج تلك الدائرة كان يلتقط الانفاس بصعوبة، تخنقه الهجرة وتعصر صدره ساعات البعد عن العراق.

...

حاول الشهيد (أبو علي) عدة محاولات للدخول الى العراق، مع الصديق العزيز (محسن شاكر/ أبو عامر) الذي كان يتولى قيادة السيارة في طرق صحراوية مقترباً من الحدود العراقية ـ الأردنية، أو العراقية ـ السورية، لكن محاولات التوغل الى داخل العراق، تفشل لأسباب متعددة. فيعود (أبو علي) حزيناً كئيباً، ينفث دخان سيجارته بأسف ملحوظ على فرصة ضاعت لتحقيق حلمه في العودة. كان يشعر وكأنه قد خسر جولة منازلة مع خصم جبان، فيقضي الأيام يحرقها بنفثات السجائر وحسرات الصبر بانتظار فرصة ثانية.

...

اختفى (أبو علي) فجأة، لم يودع أياً منا، لم يترك سوى رسالة كتبها على عجل للأخ (أبو عامر) يعتذر فيها عن عدم الوداع، وأنه وجد فرصة عاجلة للدخول الى العراق، ولم يكن بمقدوره الانتظار، فقد تضيع منه الفرصة، فيعيش عدة أيام اضافية خارج ارضه.

ثم انقطعت أخباره أسابيع وأشهر وربما أكثر من سنة.

في البصرة، وقع اشتباك مسلح بين رجال الأمن الصدامي وبين بطل مجاهد، انتهى بسقوطه شهيداً وسط الشارع، إنه المكان الذي يليق به، وتلك هي الميتة التي أرادها وحلم بها.

يقول شهود العيان أنه سقط برصاص الأمن البعثي.

تقول الحقيقة أنه بقي واقفاً حتى هذه اللحظة يلوح بيده بالنصر على رجال صدام. وفي نفس الوقت ينظر بازدراء لجماعات تراكضوا وراء المناصب، يتسابقون على المكاسب التي كان يحتقرها طوال حياته.

عزيزي الشهيد (أبو علي)، قبل أيام كنت استذكرك مع صديقك العزيز (محسن شاكر/ أبو عامر)، ويقيننا أنك لو كنت حياً، لرفضت كل العروض، بل لسحقتها بقدميك، ورحت تجول مناطق الفقراء تنشر لهم تعاليم الدعوة التي آمنت بها، وكنت الصادق الأمين عليها.

 

سليم الحسني

 

 

khadom almosawiكتب الكثير عن الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، سواء بحياته التي امتدت طيلة القرن الماضي، أو بعد رحيله، وفي الحالتين أصدرت دور النشر وترتب على رفوف المكتبات العربية العديد من المؤلفات عن شعره ومواقفه واهتماماته وصراعاته الشعرية والسياسية التي شغلت القرن الماضي وانشغل هو بأسبابها أو بنتائجها، أو ذكريات عن لقاءات به أو علاقات عامة معه أو لقطات من قراءات في شعره وحياته وتنقلاته بين مدن كثيرة وبلدان عربية أو أجنبية. ومثلما كان صناجة الشعر العربي كان شاغل الناس والحكام والحكومات وضيفهم ومكرمهم أو مبجلهم أو مسجل تاريخهم ومخلد ذكراهم في صفحات التاريخ الشعري والسياسي، بمزاج الشاعر واندفاعاته وتقلبات مشاعره وموازين عواطفه وأحاسيسه الفنية.

وحتى عندما أصدر ذكرياته بمجلدين لم يكتمل لدى القارئ ما كان ينتظره منها، ولم تشبع نهمه للإطلاع على سيرة عصر كامل عاشه الشاعر واكتوى بنيرانه، وشرارات حروبه، الأولى والثانية والثالثة على بلاده التي أحب وكافح وابتلى بحب دجلتها ونخيلها وجبالها، وكلما ابتعد عنها وجد نفسه ببغداد حالما ورائيا أم فراته أو هاشم الوتري أو ساخرا من سياسيها بدءا من نوري السعيد وحتى آخر من أغضبه فأثار قريحته الشعرية عليه، لائذا لوذ الحمائم بين الماء والطين ومترنما بأطيافها الساحرة وألف ليلتها ونواسها وشراعاتها المبتعدة بين الحين والحين.

ولكن كتاب الفنان صباح المندلاوي، (في رحاب الجواهري) له نكهة خاصة تتميز عن غيرها من الكتب. فقد صاهر المندلاوي الجواهري في خريف العمر وتزايد الحاجة إلى أنيس وجليس، وكان لها صباح، وهذا ما حاول أن يسجله بين صفحات هذا الكتاب، ويسلط الضوء على زوايا خبيئة أو غير معروفة ولم يجر التطرق لها لخصوصيتها أو لعدم معرفتها إلا لمن عاش معه ساعاته الأخيرة وصاحبه إياها في حرها وبردها، سرائها وضرائها، همومها وتبعاتها، سهرها ولقاءاتها المتنوعة والخاصة جدا، فكانت حافلة بما يضيف لذكريات الشاعر الكبير ولأيامه التي تتكامل مع دواوينه ومختاراته وجمهرته ومواقفه وتكشف للمتابع عن الوجه الآخر لصورة الشاعر والرائد والإنسان.

كتب صباح في المقدمة: للأعوام الأخيرة التي أمضيتها بجوار الشاعر الكبير الجواهري في دمشق وحتى ساعة رحيله في السابع والعشرين من تموز/ يوليو عام 1997، نكهة خاصة وعبق أخاذ إذ لم تعد المصاهرة وحدها هي ما يربطني بالشاعر بل ثمة علاقة أوثق وأعمق وحميمة نشأت وتطورت بمرور الأيام والأعوام وقد كللها في وصيته لأبنائه السبعة في أن أكون "ثامنا لسبعتهم". ويضيف: كنت اقرأ له في الصباح الباكر، ما يصل المنزل من الصحف المحلية السورية، وفي المساء كل ما يقع تحت اليد، من كتب متنوعة ما بين روايات وقصص وسير ذاتية لمشاهير كبار، ومذكرات لشخصيات معروفة والى جانب أبحاث اجتماعية وكتب تراثية. فضلا عن الصحف العربية اليومية… صرت وكلما اعتلت صحته أرافقه في الدخول إلى المستشفى، ونسهر على راحته أنا وزوجتي – خيال - ونتابع تقارير الأطباء بصدد صحته. وصار يصطحبني في زياراته وجولاته وتردده على عيادات الأطباء والجلوس في الكازينوهات العامة.

بالتأكيد حملت هذه الصحبة الكثير من الانطباعات واللقطات والانتباهات واللمحات التي توفر للدارس والباحث مصدرا ثريا عن حياة الشاعر وقصته الشخصية و "أسراره" التي تكمن وراء قصائد شعره وإلهامه ومكانته الكبيرة في خارطة الشعر وكذلك تضيء عالمه الإنساني في الحياة اليومية وتجاربه المعبرة في هذا العصر.

في ثلاثين مقالة متنوعة بين خاطرة وتذكر واستدعاءات أو تعليقات أو تسجية أو أحاديث عفو الخاطر تمر عابرة ولكن في بعضها أو بين طياتها ما يستحق التسجيل والبقاء لمن يرصد فيها أسبابا وعوامل تملأ صورة النص الشعري والحياتي للمبدع الكبير وتفسر من بين سطورها قدراته التي نصبته أو أوسمته عميدا للشعر العربي في زمانه وعلى امتداد عقود طويلة من عمره المديد، الذي لم يتفق كثيرون من دارسيه على تحديد سنة ولادته بالضبط، وهذا ما كان يفرحه ويسعى لاختيار أقربها لنفسه، ولكن معظمهم متفقون على أنها كانت بين نهايات القرن الأسبق والأقرب إلى البدايات من مطلع القرن السابق والتي عاشها حتى وفاته في نهاياته المعلومة، ليكون ابن القرن العشرين بحق وحامل صولجانه وتناقضاته وانعطافاته ومصائبه وتحولاته التي رسمت آثارها على جبينه ووشحت خصلات شعره ببياضها الجليل، وامتدت مع جريان نهري بلاده وغضبهما أو انسيابهما أو تفرعاتهما، من بدايات إلى نهايات القرن الماضي كامتداد قامته وعلو هامته.

صدرت ذكريات الجواهري عام 1988 والتقاه صباح بعدها بسنوات سائلا إذا ما كانت لديه استدراكات عليها واصفا الشاعر في مثل هذه الحالة وكيف يكون طبيعيا في أيامه وجلساته معتمرا غطاء رأسه المميز وحاله النفسي عند الإجابة: (راحت أنامله النحيلة الطويلة تداعب حبات المسبحة السوداء "اليسر" وبعد تفكير تحدث…(.. عن أسماء لم يوفها حقها ذاكرا اسم الصحافي عبد الرزاق الناصري والدكتور فيصل السامر واصفا إياه بالشكل التالي، كما نقل ذلك المندلاوي عن لسانه: كان كريما، شهما، مخلصا، نبيلا، يتمتع بكل الخصال والسجايا والمقاييس التي تنطبق على الصديق، وفي كل ما كنا نفعل ونطمح….. طوال عمري وطوال رحلاتي إلى كل البلدان التي نزلت بها وودعتها، لم أر له مثيلا. المؤسف أن الموت العاجل وبالداء الخبيث – السرطان- قد سرقه منا. وينتهي بحسرة قائلا: المؤسف أن هؤلاء الأفذاذ لم يلقوا ما يستحقون من التكريم. ويذكر أسماء أخرى لم يوفها حقها هو الآخر في مذكراته مثل عاصم فليح ومحمود احمد السيد وحسين الرحال. وكأنه في هذا القول يلمح لحياته وأهل زمانه ووطنه، وهو الذي ولد بالنجف الاشرف وعاش ببغداد جل عمره ومن ثم في المنافي العديدة ليختمها بدمشق التي أحب واختار ودفن بمقبرتها القريبة من قبر ابنة الإمام الذي شب حوالي مقامه ومزاره. وحين ينتقل إلى ذكر المدن بعد سؤاله عنها، بدءا من المدن العراقية، وأحبها إليه وهو المار عليها جميعا من جنوب العراق إلى شماله، مقاهيها وأعلامها، أسهب في الحديث عن حبه لمدينة البصرة فالحلة، ومقهى حسن عجمي التي كتب فيها قصائد كثيرة، ذكر منها المقصورة ومقهى العزاوي. وهذا كان في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي ولم تفته لقطات أخرى كانت سمات تلك السنوات، منها تذكر نجوم الطرب والغناء آنذاك، وعرج على الصحافة والصحفيين أيضا. وهو في تذكره هذا ابن العقد التسعيني ولكنه عند روايتها، مع سهر صحبة جليسيه، ابنته وزوجها، مسجل استذكاراته واستدراكاته على ما فاته من إشارات فيما أصدر من ذكرياته أو من تعليق على ما مضى من عابق مزهر، وكأنه يستحضرها ويعيشها معهم ولم تمض عليها كل تلك السنوات وما حملته عليه منها من مفارقات وحوادث يشيب لها الولدان، كما يقال.

وتحت عنوان: قرن كامل من الشعر والمغامرة، الجواهري ناسخ الكتب وعظيم الذاكرة، استجمع المؤلف لقطات ثرية من حياة الشاعر وكأنه أمتحن ذاكرته الوقادة بما هو في صنوف الكنوز الأدبية والثقافية العامة من التاريخ والشعر والأنساب وما يبقى من حياة الناس. فكشف الكاتب أن الجواهري وهو في أعتاب قرن كامل من العمر تمتع بذاكرة حادة ورغبة عارمة لسماع الأخبار وما تنشره الصحف والمجلات والكتب الصادرة والمنشورة حديثا، وفي تذكر المكتبات استعاد أسماء مكتبات شهيرة ببغداد والنجف كان يكنز من مناهلها وأسماء الكتب الأولى التي استعارها منها، وحين صور له تسجيل تلفزيوني قرأ قصائده القديمة والجديدة دون استعانة بديوان مطبوع، ولما ودعه المؤلف في ساعة متأخرة من الليل عند غرفة نومه واخبره بنزول مطر خارج البيت في تلك الساعة المتأخرة من هزيع الليل، تذكر قصيدته عن المطر التي نظمها عام 1925، ومطلعها:

عاطى أريج الروض ماء السما          ما لا تعاطيه كؤوس الرحيق

بل لم يكتف بذلك وراح يواصل قراءة الأبيات التي تلي المطلع، كما سجلها صباح فيما بعد، شاهدا على ذاكرة لم تفتتها العقود الطويلة.

في فصول أخرى استعاد المؤلف ذكريات الشاعر عن بعض قصائده التي كتبها في سنوات متفرقة وبعيدة مثل قصيدته عن زوربا أو عن براغ، العاصمة التي عاش فيها وأحب جمالها. أو عن مدن وانهار مثل بغداد ودجلة ودمشق أو عن كتاب (بابا همنغواي) وكتب أخرى.

رصد المؤلف في فصول أخرى يوميات حميمة وذكريات منزلية رافقها عن كثب وانبهار ومحبة صميمية أضفت عليها طبيعة السنوات الأخيرة من العمر والعيش والسكن المشترك والمودة الأبوية طابعا تسجيليا وانطباعات آنية وحماسات زمكانية، سجلها في لقطات عابرة أو مسحات يومية من عواطف أو مواقف، ومهما كانت تظل تخبر بمكنون الشاعر الإنساني أو بشيخوخة مريحة لا تتصادم مع صخرة الواقع ولا تحابي تموجات الأيام الصعبة. حيث حاول صباح المندلاوي في كتابه أو رحلته الغنية في حياة الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري أن يرصد ويوثق بأمانة واعتزاز كبيرين لساعات أو أيام لها أهمية في حياة وشعر الجواهري الكبير وحتى في اختيار قصائد خالدة ترددها الأسماع وحفظة الشعر وأصوات المغنيين بدجلة الخير، أم البساتين أو سلاماته على هضبات العراق وشطيه والجرف والمنحنى والنخل ذي السعفات الطوال والجسر الذي ما انفك من جانبيه يتاح الهوى من عيون المها. في كتابه، في رحاب الجواهري، قدم صباح المندلاوي إضافات لكثيرين من القراء الذين لم يعرفوا عن الجواهري أو لمن لم يسمعوا بها، وتلك ما أعطت الكتاب طعما خاصا وأضاءت زوايا بعيدة في حياة الشاعر الكبير، خاصة في سنواته الأخيرة.

 

كاظم الموسوي

...............

* بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل الجواهري اعيد نشر المقال، الذي كتب ونشر قبل سنوات، تحية للشاعر الكبير، عمرا وقامة شعرية عربية.

 

 

salim alhasaniمستخدمان جعلت منهما المهنة صديقي عمر، كانا يعملان في قسم الكيمياء بكلية العلوم/ جامعة بغداد (عندما كانت في الأعظمية)، إتخذا من مخزن صغير لا تزيد مساحته على المتر المربع الواحد مكاناً لصنع الشاي، وكان سلمان أصغر عمراً وأكثر نشاطاً، لم تعقه حادثة مرورية قديمة، من سرعة الحركة، وإن كانت إحدى خطوتيه أكثر اتساعاً من الاخرى.

أما عبود فكان يبدو عليه أنه توسط خمسينات العمر في تلك الفترة (منتصف السبعينات)، شرخت السجائر قسماً من صوته، وأحرقت متاعب الحياة الشطر الأكبر من قوته، كان يبدو عليه الإعياء عندما يقوم بجهد إضافي، فيبادر سلمان الى مساعدته، مطلقاً بعض النكات الظريفة.

كان الطلاب قبل أن يحين موعد المختبر، يتجمعون عند باب المخزن الصغير، يرتشفون أكواب الشاي، يتبادلون الحديث مع الرجلين الطيبين، يشتركون في المزاح والنكات، فنشأت صداقة بينهما وبين معظم طلاب قسم الكيمياء. وفي نهاية الدوام الرسمي، يتقاسمان غلتهما من مبيعات الشاي مناصفة، ليستعينا بهذه الدراهم القليلة على قسوة الحياة وصعوباتها.

في فترة الإمتحانات تختفي البسمة من شفتيهما وتتوقف كلمات المزاح في أحاديثهما، فينتابهما قلق واضح، يراه كل الطلاب على ملامحهما، يجلسان على كرسييهما المتداعيين، يتضرعان بالدعاء، ثم تنتهي فترة الامتحانات، فيعود الجو مرحاً كما كان.

كانت أكثر السجائر لذة عندما أدخنها مع الصديق الشهيد (حسن عبد الجبار) والصديق المرحوم (ضياء علي حسين)، مع رشفات شاي عبود وسلمان، ونكاتهما الظريفة.

لم يعكر صفو تلك الجلسات والأحاديث سوى إستاذ حاد المزاج، غريب الطباع، يثور غاضباً لأتفه سبب، بل كان يبحث عن سبب ليغضب، فاذا ما انهى ثورته عاد الى حالته الطبيعية، وتحول الى انسان عادي لعدة ساعات، دورة منتظمة يمر بها، لا نعرف لها سبباً.

في ساعة غضب، أمر هذا الاستاذ، الرجلين بالامتناع عن بيع الشاي، وهددهما برفع شكوى للعميد، فمضى ذلك اليوم كئيباً، يتناقل الطلبة الخبر المحزن، يؤملون أنفسهم بساعة هدوء يمر بها الأستاذ، لإقناعه برفع الحظر والسماح لهما ببيع الشاي باعتباره يعين الطلاب على قضاء أربع ساعات متواصلة داخل المختبر.

...

بعد أيام قليلة، جاء سلمان وحيداً، يغمر الحزن وجهه، صورة لم نألفها من قبل، فسلمان هذا الذي ينشر الدعابة من حوله، لا يمكن أن نراه بدون ابتسامة. قصدناه نحن الثلاثة، نحاول التخفيف عن همومه، فالأرزاق بيد الله. نظر الينا بعينين دامعتين وقال:

ـ توفي عبود.. توفي وهو يصلي.

كانت صدمة بالغة، إنتشر الحزن بين الطلبة، صار الممر كئيباً، نجتازه وكأننا في موكب جنائزي، والجميع يردد (الله يرحمك عمي عبود).

بقي الأستاذ المزعج على موقفه، يرفض السماح ببيع الشاي، حاولنا أن نقنع سلمان ببيعه داخل المخزن الضيق، ولم يكن ذلك إلا من أجل مساعدة هذا الرجل الطيب ببعض الدراهم، لكنه كان يرفض ويقول:

ـ مات عبود وكنا شريكين، فكيف أبيع الشاي وحدي.

لم تعد البسمة الى شفاهه، لقد هجر المرح والدعابة والنكتة، لم يعتد عليها بمفرده، كان يشارك فيها عبود.

إختفى الكرسيان المتداعيان، نقلهما سلمان الى مكان آخر، لم يعد بإمكانه الجلوس وكرسي صاحبه فارغ، فرأى أن الوفاء يفرض عليه ان يخفي الكرسيين معا. وحين يهده التعب يجلس على الأرض، يسند ظهره على الحائط، يضم ركبتيه الى صدره، ينفث دخان سيجارته، يترحم على عبود، فالصحبة عند أمثاله الطيبين لا تنسيها الأيام، ونقاء المنشأ يجعلهم أوفياء طوال حياتهم.

لا أدري ما فعل الدهر مع (سلمان) بعد كل هذه العقود، فلو كان حياً لخاطبته:

ـ عمي سلمان، أرجو أن تعلّم رفاق الدرب معنى الصداقة، وتفاهة الكراسي.

لو كنت في العالم الآخر، فالرحمة والرضوان على روحك الطيبة.

 

سليم الحسني

 

 

alaa allamiثمة قناعة سائدة ولكنها غير صحيحة لدى غير العراقيين بل حتى لدى بعض العراقيين أنفسهم عن شخصية العراقي "العام" مفادها أنه شخص متجهم، ثقيل الدم، قليل الضحك، بعيدا عن المرح وروح الدعابة والنكتة. هذه القناعة يكررها بوعي أو بدونه كثيرون من باحثين وأشباه باحثين ومدونون على مواقع التواصل والصحافة الرقمية. أما الحقيقة على أرض الواقع وبشهادات كثيرة فهي عكس ذلك كثيرا ومن هذه الشهادات شهادة الأديب المصري إبراهيم المازني الذي كتب عن نقيضها بعد زيارته في ثلاثينات أو أربعينات القرن الماضي للعراق خير مثال تدحض هذه النظرة (ورد ذكرها في مقالة للصديق عبد الأمير الركابي قبل سنوات ولكنها ليست بحوزتي ولا هو احتفظ بنسختها الأصلية كما أخبرني للأسف).

وأستدرك، أن هذا التقديم لا ينفي وجود مسحة من الحزن المديد والعريق تغلل سمات هذه الشخصية ومعها الفن وميادين الإبداع الأخرى في العراق لأسباب تتعلق بتاريخ هذا الشعب والمحطات الأكثر مأساوية فيه وما أكثرها في العقود بل والقرون القليلة الماضية (فيضانات عاتية واوبئة وجوائح كاسحة كالطاعون والاحتلالات والغزوات الخارجية وخصوصا التركية والإيرانية، ولكن السخرية وروح الدعابة والمرح ظلت تنبجس وارفة وغزيرة كما تنبجس الأزهار والنباتات بين الصخور والجلاميد القاتمة. في هذه الحلقة حول بغداد العباسية سنجد دحضا آخر لهذه القناعة أو الرأي السائد والمغلوط. فالعراقي العام ليس خفيف الدم ومحبا للنكتة فحسب بل أنه جريء حتى في هذا المضمار لدرجة انه كان يتحرش "بالمقدس" الديني والسلطوي والجنسي (الثالوث المحرم بعبارة المعلم الراحل بو علي ياسين. يمكن ان تُفهَم وتفسَّر هذه الجرأة بوضعها في سياقها التاريخ: ففي فترات الصعود الحضاري يكون المقدس طبيعيا وبسيطا يعيش مع الناس دون تحريمات أو تكفير. أما في فترات الارتداد والنكوص الحضاري حيث تشيع الخرافات والفكر التكفيري فنجد ما يعاكس ذلك فيتحول حتى الفقيه الصغير والذي لم يسمع باسمه الكثيرون الى رمز مقدس لا يجوز الاقتراب منه ومحايثته.

لقد ألف ابن الجوزي البغدادي أهم وأخطر موسوعة للطرائف والنكات في العصر العباسي عنوانها (أخبار الحمقى والمغفلين من الفقهاء والمفسرين والشعراء والمتأدبين والكتاب والمعلمين والتجار والمتسببين وطوائف تتصل للغفلة بسبب متين). وابن الجوزي هذا، لم يكن من رجال الفقه والدين المنفتحين أو المتساهلين بل كان متشددا ومتعصبا إلى درجة أنه ألف كتابا كفَّر فيه القطب الشهيد الحلاج عنوانه "تلبيس إبليس"، ولكنه - وهذا ما قد يدهشنا اليوم- لا يتردد عن إيراد أقوى الطرائف والنكات التي لا يجرؤ على روايتها اليوم أكثر رجال الدين تسامحا وتفتحا. وهناك كتاب آخر في هذا الصدد وهو أضخم من كتاب ابن الجوزي من حيث المحتوى للأديب والفقيه والشاعر والوزير منصور أبي سعد الآبي عنوانه "نثر الدر في المحاضرات". ومن هذين المصدرين استنقيت لكم هذه الباقة من الطرائف والنوادر (كنت قد نشرتها سابقا في كتابي " المستطرف الممتع / دار التيار بالتعاون مع الكنوز الأدبية – بيروت 2004 / مع ملاحظة ان عناوين الطرائف من وضعي) وكما ستلاحظون فهذه الباقة تحايث وتعابث وتتحرش بقوة بالمحظورات الثلاثة: المحظور الديني والجنسي والسلطوي، لتكون بمثابة الخاتمة المسكية لهذه السلسة من المنشورات عن بعداد العباسية، بغداد المجد والسؤدد، حبيبة الصادقين الأوفياء، وأسيرة أهل الرثاثة والتكفير والتحريمات من المحاصصين الطائفيين.

 -  بإجماع المذاهب: جاء رجل إلى أحد الفقهاء وقال له: أنا عبد الله وعلى مذهب أبي حنيفة وإني توضأت وصليت فبينما أنا في الصلاة إذ أحسست ببلل في سروالي يتزلق وشممت رائحة كريهة خبيثة فما قولك؟

فقال له الفقيه: عافاك الله! لقد خريت بإجماع المذاهب!

- رزقكم في السماء: سمع أحدهم قارئا يقرأ قوله تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون) فقال له: ومن أين لنا بسلم لننال رزقنا ذاك؟

-  متاع أمير المؤمنين: قال الخليفة المأمون لمحمد بن عباس: ما حال غلتنا "محاصيل مزارعنا" بالبصرة والأحواز وما حال أسعارها؟ فأجابه محمد:

أما متاع "بتاع" أمير المؤمنين فقائم على سوقه وأما متاع أم جعفر "زوجة الخليفة" فمسترخي!! فصاح به المأمون: اغرب عليك اللعنة!

- مجوسي صار مسلما: أسلم مجوسي في شهر رمضان فصام فثقل عليه الصيام فنزل إلى سرداب في داره وجلس يأكل فسمع ابنه حسه فقال: من هناك. فقال الأب: هذا أبوك الشقي يأكل خبزه ويفزع من الناس.

- البوسات قصاص: جاءت جارية إلى أبي ضمضم القاضي والفقيه وقالت له: هذا الشاب قبلني عنوة. فقال أبو ضمضم للشاب: يا فتى أذعن لها بحقها، هيا قبليه عافاك الله كما قبلك، فإن الله يقول (والجروح قصاص).

-  قبيح في جهنم: شاهد رجل جاره يستغفر الله ويدعوه أن يدخله الجنة. وكان الجار قبيح الوجه بشع السحنة فقال له الرجل: ليس من حقك يا جار أن تبخل بوجهك هذا على جهنم!

– نبي السفلة: تنبأ رجل في زمن المنصور فجئ به إليه فقال له: أنت نبي السفلة. فقال الرجل: جعلت فداك يا مولاي، كل نبي يبعث إلى أمثاله!

-  لذة الجديد: كان صاعد بن مخلد نصرانيا فأسلم فجاء أبو العيناء " شيخ ظرفاء بغداد" لزيارته فقيل له إنه مشغول يصلي فهذب وعاد ثانية في المساء فقيل له إنه مشغول يصلي فقال أبو العيناء: دعوه يصلي فلكل جديد لذة.

-  حلال وحرام:وجد رجلٌ يهودي رجلا مسلما يأكل لحما مشويا في شهر رمضان نهارا والناس صائمون فجلس وأخذ يأكل معه فقال له المسلم: وكيف تأكل معي وذبيحتنا نحن المسلمين لا تحل لليهود؟

فقال له اليهودي: أنا في اليهود مثلك أنت في المسلمين!

-  أبو عبد الله الجصاص:أ-  كان أبو عبد الله الجصاص يكسر ذات يوم لوزا ، فطارت لوزة من يده فقال متعجبا:لا إله إلا الله كل شيء يهرب من الموت حتى البهائم.

 ب- ونظر يوما في المرآة فقال: اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وسودها يوم تسود وجوه!

ج ـ وقال ذات يوم: أشتهي أن تكون عندي بغلة مثل بغلة النبي "ص" فقيل له لماذا؟ فقال: لكي أسميها دلدل على اسم بغلة النبي!

-  سارق المصحف: عن أبي عبد الله بن عرفة قال قدَّم رجل ابنا له إلى القاضي وقال: أصلح الله القاضي هذا ابني يشرب الخمر ولا يصلي . فقال القاضي: ما تقول يا غلام فيما حكاه أبوك؟ فقال الابن: إنه يقول غير الصحيح، فأنا أصلي وأصوم. فقال الأب: أصلح الله القاضي وهل تكون صلاة بلا قراءة قرآن؟ فقال القاضي: يا غلام هل تقرأ شيئا من القرآن؟ فقال الغلام: نعم وأجيد القراءة. ثم أنشد:

علق القلبُ ربابا بعد ما شابت وشابا

إن دينَ اللهِ حقٌ لا أرى فيه ارتيابا

فصاح أبوه: والله يا حضرة القاضي ما تعلم هاتين الآيتين إلا البارحة حين سرق مصحفا من جيراننا.

-  دعاء الكروان الجائع: قال الجاحظ رأيت أبا سعيد البصري يدعو ربه و يقول: يا رباه... يا سيداه... يا مولاه... يا جبريل... يا إسرافيل... يا كعب الأحبار... يا أويس القرني... بحق محمد وجرجيس عليك، أرخص على أمتك الدقيق.

– مطعم " باجة الجنة ": دخل منصور النعمان على أحمد أبي حاتم وهو يتغدى برؤوس خراف "باجة" فدعاه أحمد وقال: هلم يا أبا سهل فإنها رؤوس الخراف الرضع.

فقال له منصور: هنيئا لكم، أطعمنا الله وإياكم من رؤوس أهل الجنة.

- آية موسى: ادعى رجل النبوة في عهد الخليفة المعتصم فجيء به إليه فسأله: ما آيتك؟ قال الرجل: آية موسى. فقال الخليفة: ألقي بعصاك تكن حية تسعى. فقال الرجل سأفعل ذلك إن قلت ما قاله فرعون (أنا ربكم الأعلى).

- فتح الفتوح: اشترى الشاعر علي بن الجهم جارية على اعتبار أنها بكر فلما اكتشف أنها ثيب "لست عذراء" قال لها: ما حسبتك إلا بكرا. فقالت له الجارية: يا سيدي لقد كثرت الفتوحات في زمن الخليفة الواثق!

عجيزة الخليفة: قال الأوزاعي: دخل خريم الناعم على معاوية بن أبي سفيان فنظر معاوية إلى ساقيه وقال: أي ساقين لو أنهما على جارية. فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: واحدة بواحدة والبادئ أظلم.

- الحجاج والتقوى: قال الحجاج يوما لرجل: اقرأ لنا شيئا من القرآن. فقرأ الرجل الآية (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا...) فقاطعه الحجاج مصححا وقال له: بل يدخلون في دين الله أفواجا. فقال الرجل: كان ذلك قبل ولايتك أيها الأمير!

 

 علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

ahmad algharbawiوتدورُ عَجْلةُ الزّمان.. ونلتقي بشاب قادم من دِلتا مصر.. فى مِخْلاته أحْلام المدينة الكبيرة.. تحني همّته رغبةً السّكون بتجاعيد وَجْه القاهرة العجوز؛ وهمّ عودة الشباب لمن شاخ.. ولاينكر أحد موهبته فى شِعْر العاميّة..

 ويغدو اليوم كاتب سيناريو مشهور، ويبيع الوهمَ فى دُكّان فضائى، مما يطلقون عليها قناة إعلامية، واحد من خريجي كلية الإعلام المرموقة بجامعة القاهرة.. ويقدّم إعلانات تجاريّة حالياً..

ويشاء القدر أن  نتعاون سويّاً؛ على تأليف مسرحية (ديودراما) من فصل واحد.. للاشتراك بها فى النشاط الفنّى للجامعة.. هو فى شعر العاميّة، وصاحب الأحرف المتواضعة فى الله عز وجلّ؛ بالنصّ الدّرامي..

ويطلب مني؛ أن أعلّمه التمثيل أيْضاً.. حَيْث كنت أقوم بإخراج العمل المسرحي..

رغم أنّه؛ لم يكن يعرف معنى كلمة (دراما)، ولا الفرق بين (المونودراما) ولا (الديودراما)..!

وخلال إخْراجي للعمل؛ تمهيداً لعرضه فى المهرجان السنوي للكليّة، وللأسف.. المؤلف الدرامي المشهور؛ بلغة سوق الفن التجاري الآن؛ وضع إسمه على غلاف المسرحية، دون الإشارة لإسمي؛ ولو حتى تحت إسمه من باب الرأفة.. حَيْاء وجه!

رَغْم أنّ النصّ الدّرامي ونِصْف الأشّعار؛ كانت من فيْضِ  الربّ؛ على روح العَبْدِ لله.. وإنثابت ندف حشرجات؛ من بين أضلع الصدر.. وأعوذ بالله من كلمة أنا..!

،،،،

كما أن هناك ـ للأسف والحُزْن الشديد ـ  نوع من السّرقات خطير..!

وهو سرقة الرّوح..!

نعم.. فكم من مُحْترف قلم.. يمكنه سرقة روح الإبداع.. وبخبرة واحترافيّة؛ يتمّ لَصّ روح النصّ الأدبي.. وبإعادة الصيْاغة؛ يدمغه بخيْالاته وصوره وأحرف كلماته.. النهر هو النهر يجري.. والمىّ عذبه واحد.. ولكن قصاصات المركب الورقي مختلفة.. واليد التى تتدلّل بنشوة اللهو خلقاً فنيّاً؛ لاتحمل نفس الأنامل التى سطرت..  فى زَمْن ينضبُ فيه الإبداع فِكْراً وحِسّاً..!

وما أقسى على المُبْدع سِرْقة أسْماء النّصوص الإبداعية؛ سواء عن عَمْدٍ، أو تحت دعوى مايسمّونه توافق غير مقصود.. أوتوارد خَوْاطر..!

،،،،،

وتدورُ عَجْلةُ الزّمان..

وتُعْيدُني عَشْرات الأعْوَام للخلف.. وأنا أستيقظ على خبر صدور مسرحيّة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، من تأليف الكاتب المسرحى أمين بكير؛ تحت مُسْمّى (ولادة متعسّرة)..!

وهو نفس إسم عمل  (مونودراما) لكاتب الأحرف السابقة..؟

ويشهد عليها إعلاميون كُبْار حاليا؛ مدّ الله فى أعمارهم.. وأدام عليهم مداد عظيم ورِفْعة أقلامهم.. وذلك قُبيْل نشره فى المجموعة المسرحيّة (السقوط إلى أعلى!).. وقد كانوا وما زالوا وأيّامى تضافر أحْلام؛ ورِفْقة طريق..

فهرولت لبائع الصُّحف بجوار سور كُلّية الإعْلام، لم أجدها، أترك المحاضرات، وأحشر نفسى داخل علبة سردين حمراء.. مُتّسخة.. من أحشائها يبزّ على سلالمها لحوم بشريّة.. يطلقون عليه أتوبيس نقل عام..! 

شارداً.. خائفاً.. متخبّطاً (جوّه) نفسي.. فارّاً من قدره؛ طفلٌ غاضبٌ.. يلتمسُ طوق نجاة غَيْب.. كان سابحاً فى سماوات مايجب أن يكون..

 وكلمة واحدة تتسرّب من بَيْن شفتييّ.. هاربة من لهيب وَجْهي:

ـ يارب..؟

وأصل للمعرض الدائم لهيئة الكتاب على كورنيش النيل.. واشترى نُسْخة.. وقبيْل أن أحاسب على سعرها.. كُنْتُ قد فَرِرتُ جميع صفحاتها.. وألتهم أسْطُرها.. وأضع ما معي من مَالٍ فى يَدْ البائع.. وأرحلُ شارد الذّهن.. أمْسَحُ عرقي.. لا أعرف وأنا أتأمّل سَفْح النيل الأخضر.. المَسْكون بالركود.. ومخلّفات النفوس..

لا أتذكّر وأنا أحْيا أحلام الغُربة والاغتراب.. وآمال غَيْمٍ.. مَطْليّةٌ بها جُدْران الغُرف المنقبضة.. وبقايا النّفس المُتْنَاثرة.. أحرف مَحْشوراً فى دُرْج (الكومودينو) بجوار سريري.. الذى يعلوه بقايا طبق الفول؛ والذى كان يجيد إعداده أخى الصحفي الكبير.. رئيس تحرير إحدى كُبْرَيْات البوابات الصّحفيّة الآن.. أطال الله عمر عطاءاً أبدا..

لا أتذكّر إن كنت التفت للبائع؛ وأخذت ماتبقّى من مال..! 

والحمد لله..

لم تكن هِبْة الربّ فيما أمْلاه عليّ ذات ليلة شتويّة.. وَحْدي فى غرفتي الصغيرة بشارع أحمد حسن الزيات.. بجوار كليّتنا الحَبْيبة..

ولكن كان عَلىّ أنْ أغيرّ عنوان المسرحيّة.. وحقيقة لم أفعل..؟

أنا أمام الله.. كان إسم جنيني.. ولن أغيّر جلد مولودي.. الذى ورث جينّات حِسّي.. سواء سرقوا الإسم.. أم ـ كما يقولون ـ  توافق أوتوارد غير مقصود..!

نفس الموقف.. يَحْدُث مؤخّرا..

مع إسم مسرحية لى تحت مُسْمَى ( الصّفعة) أجد مُسْلسلا.. يعرض منذ أكثر من عام تحت هذا الإسم.. رغم أنه يتصدّر منتصف أول سطر؛ عنوان (قصة قصيرة).. أُمْلِيْتُ علىّ فى ليلة مُقْمرة.. حُلم ربيع؛ لايأتى أبداً.. وأمل فى صُبْحٍ؛ ربّما يأتي بعد عشرات السنوات المسروقة..

وقد ولد هذا العمل الإبداعي فى التسعينيّات.. وتمهّد المجموعة القصصية ( حُبّ حتى أطراف الأصابع)..

وخلال زيارتى لمبنى الإذاعة والتليفزيون.. فاكتشف نَفْس الأمر.. يتكرّر مع اسم مسلسل للكاتب محمد السيد عيسى، وعمل أدبي لى يسمّى (السوق)..

 وأزعم أنّ  فى مصر.. ذَاكَ الوجع؛ يزور روح كثير من المُبْدعين.. وما أقسى؛ من يُعْشّش بَيْن مَسْامات جِلْد إبْدَاعهم..!

،،،،

وتدورُ عَجْلةُ الزّمان..

وفى عام 1984.. نصل على باب مسرح بمنطقة الزمالك.. روح ملتحفة بنشوة الحصول على المركز التاسع وجائزة المسرح فى منطقة الشرق الأوسط.. خلال مسابقة نظمها التليفزيون العربى فى روما.. وصدور مجموعتي المسرحية الأولى (المتحزّمون).. ويقرأها ممثل مشهور.. وفى زيارة للعرض المسرحي الذى يقوم ببطولته؛ برفقة شقيقه؛ مخرج دراما معروف؛ وأيضاً من خريجي  إعلام القاهرة..

ويعرض علىّ أن يشتري النصّ بواقع 5000 جنيه (خمسة آلاف جنيها).. وهومبلغ كبير فى الثمانينات؛ لم أصدقه.. وكان مقابل وضع اسم كاتب مشهور على الغلاف..!

تهشّمات زجاج تنحشر فى حَنْجرتي.. تقاوم شهقات وزفير تنفّسّات صدر؛ مَحْبوس بَيْن مسامات جلدٍ وحِسّ آمال وطموح..

ولَمْ أنتظر لأشاهد العرض.. لأعود وحدي لحجرتي الصغيرة ؛ فأراً مُرْتَعِداً.. مُرْتجفاً على قدمي من شارع مصدّق بالدقي إلى محطة المساحة بالهرم.. تصرخ روحي على أمّي..؟

أناجي الربّ تزمّلني أرضاً.. تدثر فَرْشي..

فى صندوق قمامة بجوار سريري..

ينثر تمزّقات أوراقه حشراً.. حشرا..!

،،،،

وتدورُ عَجْلةُ الزّمان..

ونعرج على الهيئة العامة للكتاب.. حيث  تجد هرماً من الأظرف.. بداخلها إبداع وأحلام وأماني الأدباء الشبّان وغيرهم.. فى انتظار ما يُسْمّى بالدّور.. والفحص.. واللجان.. و.. و.. 

وكُلّ ذلك زيْفاً وكذباً.. فى ذلك الوقت ـ وأزعم انه كُلّ الوقت-  طالما أنت تَحْيا على هذي الأرض.. باستثاء دروب الأحلام.. ومسارات نشوة رؤايات اليقظة..

ومن خلال عَمْلى الصحفي بالقسم الثقافى؛ بإحدى صُحف المعارضة وقتها.. تبيْن لى أنّه؛ لابد من (الواسطة).. والبعض يُبارك له الربّ وصلاً؛ فى التعرّف على موظف.. و يترك له مكافأة النشر؛ مع وَعْد بمثلها بَعْد النّشر..!

وفى موجة عَتْيّة.. تستيقظ النّفْس أكل عَيْش.. وضيق رِزْق..

قدرٌ عليك؛ أن ترضغ لمستقبل طفلٍ.. فتعمل بإحدى الجهات من أجل راتب ثابت..!

مصر ـ ليست فقط ـ مقبرة الغزاة.. أيضاً مقبرة المُبْدعين.. مايكون دوام الإخلاص مسيرتهم إنساناً وإبْدَاعاً..!

ويشاء الربّ أن تقابل مَوْظفأً كَبْيراً.. يعمل بمطابع هيئة الكتاب.. وتدخل دهاليز وأسرار.. لا أنزل الله بها من خُلقٍ ولا أخلاق..

ونتعرّف فقط على قصّة ليْست للنّشر.. من رَابش ماكينات الطباعة المظلومة بتلوّث بشر.. والبريء منها (النيل).. الذى لايستحقّ أن يكون مقرّ عملهم أمامه..!

  إنّه عامل.. غدا صاحب دور نشر خاصّة فقط..

فقط من حصيلة مكافآت تصميم أغلفة إصدارات مكتبة الأسرة.. والتى كان يصمّمها؛ بمكتب جرافيك مُحْترف بوسط البلد.. ولايتورّع وضع إسمه عليها كمصمّم..!

مصادفة؛ كم نزف لها القلب.. حيث تصادف؛ وكنت مُشْرفاً على إصدار إحدى المجلات؛ وشرفتُ مديراً لتحريرها؛ التى كُنْت أعمل بها فى نفس المَكْتب.. بالإضافة إلى الصداقة الفنيّة؛ التى كانت تَجْمَعنى وأصحاب المكتب؛ من كُبْار صحفىّ مصر.. الذين جابوا العالم العربي والغربي؛ عِلْماً وفناً..

وخلال رحلتي بهذا المَكْتب؛ يعرّفنى الرَبّ على كَمّ من الأسْرَار؛ التى لن يَغْفر لنا التاريخ إتْيانها..!

 وأسراب من العمولات.. والرشوات.. والسّرقات.. خاصّة لصوص الإبْدَاع.. وليْتَها..

ليْتَها كانت سراباً.. حلماً.. لاصدمة واقع؛ لايتغيّر كثيراً.. بوادى الحالمين.. وسراديب الطامحين لتجاوز وَجْعَ الوطن.. إنْ لَمْ يَكُنْ..

إنْ لَمْ يَكُن غدا للأسوأ..؟

،،،،

وتدورُ عَجْلةُ الزّمان..

ولاتزل آثار نزف الرّوح.. ندبات يَسْكُنها ألم.. يروح ويجيء دوام وَجْعَ..

سترهم الله..

وأنّى لعَبْدٍ ستره الله يَفْضَحه عبدٌ..!

إنما نشير إلى سوء فعلٍ.. رُبّما يصل لحدّ الجُرم.. أداءاً ونتيجة.. وإلى الآن؛ لم يردعه تفعيل قانون.. ولا أخلاقيّات بَشْر..

وربّما فى الغد نلتقي؛ إذا ما كان فى العمر بقيّة..

 حيث لاينضب زيت القنديل وحراميّة الحوارات والمقالات الصحفية.. وروازقيّة الكُتب الإعلاميّة.. وجماعات التسويق والدعاية الفنيّة.. والتى تلتحف ثوب الإعلام زَيْفاً وبُهْتاناً.. تحت إغْراء شيكات الريْالات والدولارات.. و

وسماسرة الإبْداع..!

وللإبداع ربّ..

ولك الله؛ يامن  تثقل بحمل رسالته فى مصر..!

ياربّ..؟

......

أ.غ

 

 

لعلَّه من الصحيح القول: إنَّ شاعرا فلسطينيّا لم يحظ باهتمام الدارسين والنُّقادِ كما حظيَ محمود درويش؛ بما حمله نصُّه الشعريُّ من مكامن الإشعاع الفنِّيّ، وفرادة المعالجاتِ الشعريّة في ظلِّ تجاذباتِ الشاعرِ السياسيَّة والأيديولوجية والذَّاتية في واقع فرض عليه الانحياز إلى المكان - الوطن، والإفصاح عن رؤاه الشعريّة تُجاه مختلَف القضايا التي تهمّ شعبه الفلسطينيّ.

يرى المتابع للمشهد الأدبي، وفي خضم عناوينَ ودراساتٍ مبهجةٍ وعميقة استقبلتْ نصَّ درويش الشعريّ جماليا وثقافيا؛ وتلقيه عالميا...يرى أن بعض الدراسات قد  تناولت المراحل الشعرية في مسيرة درويش الإبداعية من المباشرة والواقعية والاشتراكية في أثناء وجوده داخل الأرض المحتلة، إلى الرمزية بعد عام 1982، انتهاء بمرحلة العودة إلى أرض الوطن بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993.  وكان لتلك المراحل أسئلتها ومفاتيحها. ومن الدارسين من حاور النص الدرويشي جماليّا على مستوى الدال والموتيف من مثل: (دال المكان) كما فعلت بدراستي حول ثنائية المكان الأليف والمكان المعادي، وكما اختارت إحداهنّ موتيف البحر في قصائده، أو الموت ... ومن الباحثين من رصد تحولات النص من القصيدة السياسية إلى الذاتية والشعرية كما هو الحال في كتاب (غواية سيدوري) وكتاب (أيديولوجيا السياسة، وأيديولوجيا الشِّعر). ومنهم من اتخذ ديوانا معينا لدراسته، أو ظاهرة لافتة كالألوان، أو المدينة، ومنهم من درس ظاهرة الحذف عند الشاعر، وأحدهم قام برصد الموتيفات المركزية في مدوناته جميعها. في خضم ذلك كله يجد الدارس أنّ قراءة درويش ما زالت منفتحة على عناوين وظواهر أخرى لم تدرس ولم يلتفت إليها، ولعلي أسهم في تجلية بعض العنوانات في دراسات قادمة، لقد كثف صلاح فضل كل ذلك حين كتب: (محمود درويش حالة شعرية).

يخشى بعض المشتغلين في حقل النقد على المستوى المحلي والعربي الاشتباك مع درويش شعريا، وبخاصة في مراحله الأخيرة حيث يبرز الغموض والإغراق في الرمزية والميثولوجية في أبهى الحالات الشعرية، غير أنه ومن المفيد أن يختار الدارس المنهج الذي سينتهجه  في تلقيه شعر درويش، فإن من حسن ذلك ونفعه أن يفتح للدارس سبل الكتابة، وأعتقد أنّ درويشا لا يمكن دراسته إلا بعد تحديد المنهج .

درويش شاعر إشكاليّ ليس على مستوى النص والثقافة فقط، وإنما على مستوى الفكرة، فمستقبِلُه يكاد يسمه بالتناقض في كثير من آرائه  ونصوصه فمرة نجده يقول:

قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت/  إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت / وإن لم يفهم البسطا معانيها / فأولى أن نذريها/  ونخلد نحن للصمت

نجده ينحاز في الكتابة نحو طبقة النخبة من المثقفين، ومرة يرفض حل التفاوض مع المحتل في "أحد عشر كوكبا" ثم يعود إلى رام الله بناء على مخرجات أوسلو، ومرة يكتب قصيدة ثم يحذفها من أعماله الكاملة كما في قصيدتي (سجل أنا عربي / عابرون) ويسميها مراهقة شعرية، ثم يتقبل الجائزة من الثقافة الإسرائيلية . أكان درويش شاعرا مُطبِّعا مع الإسرائيليين، أم كان يتماشى مع الحالة السياسية؟ ثمة إشارات شعرية يلمسها القارئ النموذجي توحي بإمكانية التقاء ما بين دولتين ليس على الخريطة وحسب وإنما على الأرض أيضا .

تبوأ درويش في المشهد الثقافي ما لم يتبوأه شاعر؛ آخر فثمة متحف للشاعر في رام الله، وهناك جائزة دولية خصصتها الحكومة باسم الشاعر، وطابع بريدي يحمل صورته، وترجم كثير من مدوناته إلى لغات أجنبية، ومن الأكاديميين من يدرس دواوينه، ويحث تلاميذه على كتابة الأبحاث والرسائل، هل نال درويش أكثر من حقه على حساب شعراء آخرين من المجايلين واللاحقين؟ يتساءل بعضهم لمَ كل هذا الاحتفاء به دون غيره؟ قد يعود السبب إلى تصنيفه ضمن فئة شعراء الكاكي، تبنته المؤسسة السياسية طوال 40 عاما، غير أنّي على يقين أنّ درويشا ذو موهبة خاصة وقدرات إدهاشية أسهمت في رفعة مكانتة الشعرية .

لست أروم من هذه المقالة تأبين روحه، فالقصائد كلها لا تكفي، ولست أتغيا مدحه وتقريظه، ولا إضفاء الهالة المقدسة حوله، ولست أيضا ممن يتصدر للحكم عليه شعريا ودينيا وأخلاقيا، إنما أروم -وما أكثر ما يروم المرء أشياء ثم لا يرومها- أن أكتب شيئا ما للأدب الفلسطيني ذي الشأن الخاص والاستثنائي يحوم حول المختلف والحقيقي، والهامش والضروري، والذاتي والأيديولوجي حول شخصية شاعر ملهم قدّم ما قدّم لفلسطين سجنا ونفيا وتحريضا تبشيرا وهوية، ثم موتا في تراب وطن أحبه وسُجّيَ فيه ... بعيدا بعيدا عن المنفى والغربة وصدى قوله: (سأصير يوما ما أريد) يرتدّ عميقا في أناه الجمعيّة عاليا وجميلا .

 

بقلم: د. خليل قطناني / فلسطين المحتلة

 

 

salim alhasani2تعرفت عليه لأول مرة خلال عملي رئيساً لتحرير مجلة الجهاد للدراسات عام، ثم رئيساً لتحرير جريدة حزب الدعوة الرسمية (الجهاد)، فقد كان يتولى الحاج (فؤاد الشوهاني/ أبو آزاد) مسؤولية مدير قسم التوزيع والخدمات.

أيامذاك كان شاباً أكبر مني سناً، ببنيان جسمي قوي، يجسد فيه الصورة المعروفة عن الكرد في قوة أجسامهم، وصوت جهوري ملحوظ، ونشاط لا يفتر من أول دقيقة من الدوام الرسمي حتى بعد نهاية الدوام، حيث يبقى ينجز الأعمال المتبقية، أو يراجع الحسابات أو ينظم مستلزمات العمل لليوم التالي.

طوال الفترة التي عمل فيها ما بين عامي (١٩٨٣ و١٩٨٧) لم أجده غائباً أو مجازاً أو متأخراً، وذلك في مبنى قديم متهالك قرب ميدان (توبخانة) بطهران، ثم بعد ذلك في المبنى المكون من أربع طبقات، في أحد الشوارع الفرعية القريبة من ميدان (فردوسي) بقلب طهران. مبنى تنقصه التدفئة، وشتاء طهران بارد لا يرحم في تلك السنوات، نستعين عليه بدفء أجواء العمل الأخوية المخلصة الصادقة.

كنت ذات يوم مشغولاً بكتابة مقال الصفحة الأولى ـ وهو يوم الأحد من كل أسبوع ـ وسط جو شديد البرودة، فشعرت بغطاء ثقيل على ظهري. لقد خلع (أبو آزاد سترته العسكرية) ليعينني على كتابة المقال.

فشلت كل توسلاتي بالرفض، فقد حسم الأمر مازحاً:

ـ أنا كردي لن أتراجع.. وأنت تكتب المقال للناس، ليس لنفسك ولا لي.

صار الدفء مضاعفاً، مَن هذا الانسان المملوء شعوراً بالمسؤولية؟ هكذا سيقول الذين لا يعرفونه، لكن الذي يعرف الحاج (فؤاد الشوهاني) سيجد ذلك أمراً بسيطاً عادياً في سلوكه وطيبة قلبه وحبه لمساعدة الآخرين.

 ...

فؤاد الشوهاني من القلة النادرة من أصدقائي الذين اعرفهم باهتمامه الدقيق بالأرشفة وحفظها، فهو في هذا الجانب مصدر ثمين يرشدك الى الكتاب والبحث والمقالة والمحاضرة. وعندما لا تكون عنده ما تبحث عنه، يرشدك أين يمكنك الحصول عليه، وقبل ذلك يبذل جهده بنفسه لتوفير ما تريد. وقد استعنت به في مرات عديدة، فوّفر عليّ الجهد والوقت.

والحاج (أبو آزاد) من القلة النادرة من الأصدقاء الذين تعاملت معهم، في الدقة والتنظيم والضبط الإداري. كل شيء مُدوّن بالتفاصيل في سجلات ودفاتر مخصصة لذلك، لا فرق عنده بين أقل الأمور قيمة وبين أكثرها أهمية. فهو يتعامل على أنها من مسؤوليات العمل، وأنه مؤتمن عليها أكثر من مقتنياته الشخصية.

ذات مرة أردت إرسال كتاب لصديق خارج العراق عن طريق بريد الجريدة، فوزن الكتاب وأخرج قائمة الأجور البريدية، ثم رفض أن يستلم مني أجور الإرسال، بأن يدفعها عني. وحين رفضت ذلك، ولم تكن لديه بقية إرجاع الثمن البسيط، طلبت منه ان يضعه في نثريته، أخرج دفاتره، فسجل أجور البريد، ثم أخرج سجل النثرية، فكتب فيها المبلغ الزهيد المتبقي.

...

في صباح يوم الاثنين من كل أسبوع تصدر جريدة الجهاد، فيكون أثقل الأيام على قسم التوزيع، حيث يجري التعامل مع آلاف العناوين في داخل إيران وخارجها، لحوالي (١٨) الف نسخة.

في ساعات الدوام الأولى ذلك اليوم، يستدعي الحاج (فؤاد الشوهاني) قوى أضافية لا أعرف من أين يأتي بها، فهو يساعد الموظفين العاملين في التقسيم وتعبئة الظروف بنسخ الجريدة، وتسجيل عناوين الارسال الى المشتركين في مناطق طهران ومدن إيران وفي دول مختلفة من العالم. وطوال الوقت يتابع الموظفين والموزعين، فلا تفوت منه أدق التفاصيل، وقبل الساعة الحادية عشرة صباحاً يكون قد انتهى كل شيء.

يغضب (فؤاد الشوهاني) غضب الحريص على التفريط بشأن من شؤون العمل. فذات يوم عاتب بشدة أحد الموزعين للجريدة، بأنه قام بجولتين على الدراجة النارية، بينما كان بمقدوره أن يقوم بجولة واحدة، فلقد فرّط بذلك بالوقت وبكلفة الوقود.

أقول بكل الثقة، أنه لو تولى منصباً مهماً في الدولة بعد سقوط نظام صدام، لفعل ذلك بالضبط والدقة والتمام، إنه (أبو آزاد) المخلص الصادق الحريص على عمله ومسؤوليته وعزة نفسه وشرف اخلاقه.

حفظك الله أخي العزيز فؤاد الشوهاني.

 

سليم الحسني

 

 

karem merzaمقدمة: كلام الأمير.. أمير الكلام!!

"ما أحسن منظرك، وأطيب قعرك! اللّهم اجعل قبري بها..."(1)

بهذه الكلمات الخالدة للإمام علي (عليه السلام)، تأطرت النجف قبل تأسيسها، وخلقت قبل ولادتها في عالم الغيب وقدسية الإمامة الطاهرة.

لك أن تقتنع.. ولك أن تتفسح وتتطلع.. الحقيقة واحدة، من أرض نجاف كالمسناة.. تصدّ الماء، وتطلّ على البساتين والنخل والأنهار، وهي قاحلة جدباء أو تكاد...!! إلى مدينة عامرة تنضح بالخير والبركة والعطاء.. من أطلال دارسة تعصف بها صرصر الرياح إلى حاضرة زاهية بأفكار العلماء ومجالس الشعراء... تكتسي بالابهة والهيبة والوقار.. من (ظهر الكوفة) و(نجف الحيرة) إلى (حيرة النجف) و (طهر الكوفة)... غلبت المكان وتحدت الزمان:

قم وارمق النجف الشريف بنظرة

يرتدّ  طرفك   وهـو   باكٍ   أرمدُ

تلك   العظــــامُ أعزّ ربّــك قــدرها

فتكـــاد لـــولا خــــــوف ربّـك تعبدُ

أبـــداً تبـــــــاركها الـوفود يحـــــثها

من كــــلّ حدبٍ شـــــــــوقها المتوقد

هذا ما قال الشاعر العربي السوري محمّد مجذوب .

ما قصة هذه البقعة الطاهرة والمدينة المقدسة التي نوّرت الدنيا، وجذبت الناس بفكرها الإسلامي، وأنفاسها العربية، ونزعتها الإنسانية؟ والحقيقة أنّ قصتها تطول وتطول، لذلك نقتصر على الخلاصة الموجزة عن مرقد الإمام والأطوار المبكرة لمدينة النجف الأشرف، ولكن لابدّ لنا من إلقاء نظرة على النجف من حيث تسميتها وأسمائها لما لها من علاقة في معرفة طبيعتها الجغرافية وعمقها التأريخي، وعلّة اختيارها مدفنا .

النجف لغة:

"النجف محركة وبهاء: مكان لا يعلوه الماء، مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن الأرض. ج: نجاف. أو هي: أرض مستديرة مشرفة على ما حولها. والنجف محركة: التل أو قشور الصلّيان"(1). أما ابن دريد في (جمهرته) فيذهب إلى التخصيص قائلا "النجف علّو من الأرض وغلظ نحو نجف الكوفة، وكل شيء عرضته، فقد نجفته، ونصل نجيف ومنجوف إذا كان عريضاً وبه سُمي الرجل منجوفاً"(2). وعندما نصل إلى (تاج العروس) نرى أن الزبيدي أسهب في وصف النجف كمدينة فيها قبر الإمام علي (عليه السلام)، ولها مقابرها ومنازلها ; فينقل لنا عدّة أقوال " قال الأزهري: النجفة مسنّاة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقاربها ومنازلها. وقال أبو العلاء العرضي: النجف قرية على باب الكوفة... وقال السلهي: بالفرع عينان يقال لأحدهما الغريض، وللآخر النجف يسقيان عشرين ألف نخلة وهو بظهر الكوفة كالمسناة، وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)"(3) .

وفذلكة الأقوال: النجف أرض مرتفعة متسعة مكشوفة كالمسنّاة تصدّ الماء فلا يعلوها، وتشرف على ما حولها، يطرّها الجفاف، وهذا يعني أن هواءها صحّي غير مشبع بالرطوبة، وربّما لهذه الأسباب طلب الإمام (عليه السلام) أن يكون مدفنه

بها فتشرّفت به ، ونعتت بالنجف الأشرف. وهناك عدّة أسماء اُخرى للنجف الأشرف منها:-

1 - خد العذراء:

وهو (ظهر الحيرة) إذ كانت تسميه العرب بهذا الاسم منذ عهد المناذرة، وكان معشاباً فيه نبت الشيح والقيصوم والخزامى والزعفران وشقائق النعمان والاقحوان، فمرّ النعمان بالشقائق فأعجبته فقال: مَن نزع من هذا شيئاً فانزعوا كتفه فسمّيت شقائق النعمان(1) .

2ـ  اللسان

وكان بظهر الكوفة الذي هو النجف يقال له اللسان على التشبيه أي (لسان البر)(2)، وكانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي البطن منه فهوالنجاف، قال عدي بن زيد:

ويح امّ دارٍ حللــنا بــها

بين الثــــوية والمردمه

لســان لعربــة ذو ولغةٍ

تولّغ في الريف بالهندمه

وينقل (ياقوت) عن كتاب (الفتوح) " ولما أراد تمصير الكوفة، أشار عليه مَن رأى العراق من وجوه العرب باللسان، وظهر الكوفة يقال له لسان"(3) .

3 - براثا:

تعني كما ورد في (القاموس) "البرث: الأرض السهلة، أو الجبل من الرمل السهل، أو أسهل االأرض وأحسنها، جمع براث"(4). وقال الأصمعي وابن الأعرابي: "البرث أرض لينة مستوية تنبت الشعير، والجمع من كلّ ذلك (براث) بالكسر و(أبراث وبروث) على القياس، وشاهد البرث للواحد قول الحصري:

على جانبي حائر مفرط

ببرث تبوأته معشــــــبِ

................

 1 - محبوبة: ج1 / ص: 4، الهامش نقلا عن كتاب الأذكياء (لابن الجوزي) بلا.

  2 - د. مصطفى جواد: موسوعات العتبات المقدّسة (قسم النجف)، ج1 / ص: 12. الزبيدي: م9 / ص: 334

 3 - راجع الحموي: م5 / ص: 16

 4 - الفيروزآبادي: القاموس، ص: 211

.............

والبرث الأرض البيضاء الرقيقة السهلة السريعة النبات"(1) ونرى هذه المواصفات تنطبق على أرض النجف، فمن الممكن أنها سُمّيت بهذا الاسم قديماً.

4 - ظهر الكوفة

كثيراً ما كان يطلق على النجف قديماً (ظهر الكوفة)، فماذا تعني كلمتا (الظهر) و (البطن) عند العرب، عندما تطلقان على الأرض مجازاً؟ قال ابن سيده: " وطريق الظهر طريق البر، وذلك حين يكون ما لان وسهل ورقّ واطمأنّ ". وقال ابن شميل: "ظاهر الجبل أعلاه وظاهر كلّ شيء أعلاه استوى أو لم يستو ظاهره، وفي الأساس الظاهرة الأرض المشرفة"(2). ومن المعلوم أن النجف طريق البر بالنسبة للكوفة، وهي أرض مرتفعة مشرفة عليها.

5 - الربوة

ما ارتفع من الأرض وجمعها ربى(3)، ومنه قوله تعالى: (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَة ذاتِ قَرار وَمَعِين )(4)، والربوة: النجف كما هو مفسّر(5). وبعض المفسرين يذهبون إلى أنها "أرض بيت المقدس أو الرملة أو دمشق أو مصر"(6). و(الربوة) التي تقع عليها مدينة (النجف) اليوم يرتفع أعلاها عن سطح البحر بمقدار خمسة وستين متراً، وتتكون من عشر طبقات، كما دوّنها عبد المحسن شلاش في دراسة له وعنوانها "آبار النجف ومجاريها"(7)

 6 - الغري

الغري الحسن الوجه أو البناء الجيد الحسن، أو كل ما يطلى

____________

 1 - الزبيدي: م1 / ص: 601، وراجع أيضاً ابن منظور: م1 / ص: 358، مادة "برث"، طبعة دار إحياء التراث ـ بيروت 1995

 2 - الزبيدي: م3 / ص: 371 ـ 375

 3 - الحموي: م 3 / ص: 26

 4 - سورة المؤمنون، الآية: 50

5 - الشرقي، طالب: النجف الأشرف، ص: 10

 6 - تفسير عبد اللّه شبر، ص: 333

 7 - الأسدي، حسن: ثورة النجف، ص: 18 وما بعدها لمعرفة الطبقات، وزارة الإعلام العراقية 1975م.

................

بالغراء، والنسبة إليه (الغروي)، ومنه "الغريان وهما بناءان مشهوران بالكوفة عند الثوية حيث مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، زعموا بناهما بعض ملوك الحيرة"(1)

7 - بانقيا:

بكسر النون، ناحية من نواحي الكوفة ورد ذكرها في (الفتوح)، ففي أخبار إبراهيم الخليل (عليه السلام) "خرج من بابل على حمار له ومعه ابن أخيه لوط يسوق غنماً، ويحمل دلواً على عاتقه حتي نزل (بانقيا) وكان طولها اثني عشر فرسخاً، وكانوا يزلزلون في كلّ ليلة، فلما بات إبراهيم عندهم لم يزلزلوا... فجاؤوه وعرضوا عليه المقام عندهم وبذلوا له البذول، فقال: إنما خرجت مهاجراً إلى ربّي، وخرج حتى أتى إلى النجف، فلما رآه رجع أدراجه، أي من حيث مضى، فتباشروا وظنوا أنه راغب فيما بذلوا له، فقال لهم: لمن تلك الأرض (يعني النجف)؟ قالوا: هي لنا، قال: فتبيعونها؟ قالوا: هي لك فواللّه ما تنبت شيئاً، فقال: لا أحبّها إلاّ شراء، فدفع إليهم غنيمات كنّ معه بها، والغنم يقال لها بالنبطية نقيا، فقال: أكره أن آخذها بغير ثمن"(2). وضمنها الأعشى منذ العصر الجاهلي بشعره قائلا:

فما نيل مصر إذ تسامى عبابــــــه

ولا بحر بانقيا إذا راح مفعمــــــــا

بأجود منه نائلا ً أن بعضــــــــــهم

إذا سئل المعروف صدّ وجمجما(3)

وذكرها الأعشى مرة اُخرى. وإبان الفتوحات الإسلامية ورد ذكر (بانقيا) أيضاً، قال ضرار بن الأزور الأسدي:

أرقتُ ببانقيا ومَن يلق مثلما

لقيتُ ببانقيا من الحرب يأرقُ(4)

____________

 1 - الزبيدي: م10 / ص: 264 .

2 - الحموي: م 1 / ص: 331 ـ 332 .

 3 - المصدر السابق.

 4 - الجاسم، أحمد: شعر بني أسد، ص: 456، محبوبة: ج1 / ص: 18 الهامش. الحموي: م1 / ص: 332..

..............

8 - المشهد:

بالفتح وهي كلمة تعني المجمع من الناس، أو محضر الناس ومجمعهم، ومشاهد مكّة: المواطن التي يجتمعون بها(1)، وقد تستعمل كلمة (مشهد) لمكان استشهاد الشهيد والجمع (مشاهد)(2). ولما يحجّ الناس من كلّ حدب وصوب إلى العتبات المقدسة، ويجتمع الخلق فيها للزيارة، ومعظم الأئمة (عليهم السلام) استشهدوا قتلا أو سماً، فاقترنت الكلمة بجميعها; ولكن اختصت مدينة النجف الأشرف بـ (المشهد) بشكل مميز، لذا يقال لكل نجفي (مشهدي)، وإذا قيل (المشهدان)، فيعني ذلك النجف وكربلاء، والكلمة مستعملة منذ القدم، إذ يوردها الطبري وابن الأثير وغيرهما في كتبهم. وقال أبو اسحاق الصابي يمدح عضد الدولة عند زيارته للحرم العلوي الشريف:

توجهت نحو المشهد العلم الفرد

على اليمن والتوفيق والطائر السعد

وقال السيّد علي خان(3) صاحب السلافة عند زيارته المرقد العلوي ذاكراً المشهد:

 ياصاح هذا (المشهد) الأقدسُ

 قرّت به الأعيــــــنُ والأنفسُ

 والنجف الأشـــرف بانت لنا

  أعلامه والمعهد الأقـــــــدسُ

  والقبّة البيضــــاء قد أشرقت

ينجاب عن لألائها الحندس(4)

 9 ـ وادي السلام:

ويراد به جبانة النجف الواسعة، ودلالة لفظ (وادي السلام) على النجف من باب ذكر لفظ الجزء والمراد منه الكل، وتسمية الوادي

____________

 1 - الفيروزآبادي: ص: 372، ابن منظور: ج3 / ص: 241. الزبيدي: ج3 / ص: 373.

 2 - راجع المنجد في اللغة، باب "شهد"، ص: 406 .

 3 - السيد علي خان، الملقب صدر الدين ابن الأمير نظام الدين ينتهي نسبه إلى زيد بن علي، ولد في المدينة 1052هـ، وتوفي سنة 1120هـ، له ديوان شعر 183 صفحة متوسطة، قيل عنه كما يروي السيّد الأمين: "الإمام الذي لم يسمع بمثله الدهر"، أعيان الشيعة، م8 / ص: 152.

 4 - محبوبة: ج 1 / ص: 12.

................

بـ (وادي السلام) لاعتقادٍ أن الأجساد والنفوس تنعم فيه بسلام وأمان من الوحشة والعذاب لقربها من مرقد الإمام علي (عليه السلام)(1). ويقال أن مرقدي آدم ونوح عليهما السلام إلى جانبي مرقد الإمام (عليه السلام)، أما هود وصالح عليهما السلام فمرقداهما في وادي السلام ولهما مزار يرتاده بعض الزوار، وانّ الإمام علياً (عليه السلام) حسب ما يذكر لنا ابن طاووس أشار إلى معرفته لقبريهما في حياته، وأوصى ابنه الحسن (عليه السلام) قائلا: "ادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح"(2). ويروي لنا صاحب "روضات الجنات": "أن أوّل مَن دفن بالنجف الذي هو ظهر الكوفة (خباب بن الأرت) من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي شهد بدراً وما بعدها.. نزل الكوفة ومات بها بعد أن شهد مع علي صفين والنهروان، وصلّى عليه علي (عليه السلام)..."(3) .

والنجف تعجّ بمقابر الأنبياء والصحابة والملوك والسلاطين ولو أردنا ذكر مَن دفن في النجف من الصحابة(4) والتابعين وامراء الحمدانيين والفاطميين وسلاطين البويهيين والصفويين والقاجاريين ومدافن الجلائريين، والوزراء والشعراء والعلماء والعظماء لاحتجنا إلى كتاب مستقل، ولكن لا بأس من أن نروي هذه الحادثة لنبيّن مدى اهتمام بعض الرجال لكي يُدفنوا في النجف الأشرف، وللقارئ أن يقيس.

يذكر ابن الأثير في أحداث سنة 418هـ (1027م) "أما أبو القاسم ابن المغربي فتوفي في هذه السنة بميافارقين (ديار بكر)، وكان عمره ستاً وأربعين سنة، ولما أحسّ بالموت كتب كتاباً عن نفسه إلى كلّ مَن يعرفه من الأمراء

____________

 1 - الشرقي، طالب: ص: 9.

 2 - ابن طاووس: فرحة الغري، ص: 38.

 3 - الخونساري، محمّد باقر: روضات الجنات، ج4 / ص: 84. مكتبة اسماعيليان، قم 1390هـ.

 4 - يروي صاحب "فرحة الغري"، ص: 127 "توفي بالكوفة 313 من الصحابة لا يدرى قبر أحد منهم إلاّ قبر علي (عليه السلام) " .

....................

والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة ويعرّفهم أن حظية له توفيت، وانّه سير تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وخاطبهم في المراعاة لمَن في صحبته، وكان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته بمنع، وينطوي خبره. فلما توفي سار به أصحابه كما أمرهم، وأوصلوا الكتب، فلم يتعرض أحد إليه. فدفن بالمشهد، ولم يعلم أحد إلاّ بعد دفنه"(1). والمغربي المذكور هو وزير شرف الدولة البويهي، وهنالك شخصيات أعظم منه بكثير، ولكن لهذه الحادثة دلالة خاصة كما ذكرنا. ويوجد قبر ينسب إلى كميل بن زياد النخعي الذي قتله الحجاج سنة 82هـ، وهو من أصحاب الإمام علي (عليه السلام)، وموقعه على بضعة كيلومترات من مركز المدينة على شمال المتجه إلى الكوفة، وغطته مباني مدينة النجف وتعدّته إلى الكوفة حيث اتصلت الكوفة بالنجف عمرانياً.

أما الحنانة (2) ، وهي أقرب إلى النجف من قبر كميل وبالاتجاه نفسه، وتعتبر نهاية أرض الثوية، فيحيط بها مسجد يسمى باسمها (مسجد الحنانة)، وهو كبير نسبياً وفيه مشهد رأس الإمام الحسين (عليه السلام) يقع في وسط المسجد، وعليه ضريح من الخشب، وقد قامت عليه قبة كُسيت بالقاشاني وشيدت بجانبها مأذنة حديدية الصنع سنة (1388هـ / 1968م)، وتقع الحنانة على أطراف موضع معروف منذ العصر الجاهلي يُسمى بـ "الثوية"، وكان بالثوية سجن للمناذرة (ملوك الحيرة)، وكان يُقال لمَن حُبس بها: ثوى، أي أقام، وتضم الثوية قبر أبي موسى الأشعري....

____________

 1 - بن الأثير: ج 9 / ص: 362.

 2 - تسمية "الحنانة": إما هي كلمة مشتقة من الحنين، وذلك عندما مرّت سبايا الإمام الحسين (عليه السلام) بموضع الثوية، إذ عبثوا برأسه الشريف ورؤوس أصحابه، فصدرت أصوات من الحنين جزعاً على ما حلّ بهم، فالكملة عربية الاشتقاق أصيلة، وقد تأتي من تحنّن عليه: أي ترحم، والحنان: الرحمة، أو أن الكلمة مشتقة من لفظة "حنّا"، و"حنا": دير نصراني قديم من أديرة الحيرة، كان في موضع المسجد عينه، وتطورت اللفظة من "حنّا" إلى "حنانة" بمرور الزمن، ودير حنّا قد بناه المنذر الأوّل بن النعمان الأوّل الذي حكم بين 418 ـ 462م، وكان ديراً عظيماً في أيامه.

.................

...والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه(1)، وذكر الثوية كثير من الشعراء ومنهم المتنبي إذ يقول:

وليلا توسـدنا (الثوية) تحته

كأن ثراها عنبر في المرافق ِ

بلاد إذ زار الحسان بغيرها

حصى تربها ثقبنه للمخـانق ِ

والمتنبي قد ذكر (البسيطة) أيضاً وهي أرض قريبة من الثوية، تقع عليها (محلة غازي) من الجديدة إذ يقول:

بســــــيطة مهلا سقيت القطارا

تركت عيون عبيدي حيارى(2)

والحقيقة لم يبق من أسماء النجف في يومنا هذا إلاّ النجف الأشرف و(وادي السلام) ويراد به الجبانة، و(الغري) وكثيراً ما تستعمل الكلمة في الشعر والنثر، ويطلق أحياناً على النجفيين بـ (المشاهدة) وعلي النجفي بـ (المشهدي)، ولا تطلق الكلمة على غيرهم من سكات العتبات المقدسة، ويعتز النجفي بهذا اللقب ويعتبره شرفاً له، ولكن كيف نشأت النجف وشيد المشهد الشريف؟ هذا ما سنتناوله باختصار في بحثنا المتواضع هذا. واللّه الموفق لكل خير .

 

كريم مرزة الأسدي

...........................

1 - المجلسي، محمّد باقر: بحار الأنوار، ج42 / ص: 129، طبعة دار إحياء التراث ـ بيروت.

2 - الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص: 1104 ـ 1105، مؤسسة الرسالة، ط2، 1997م.

3 - ابن دريد (جمهرة اللغة)، م2 / ص: 108، مطبعة دار المعارف العثمانية 1345 هـ .

 4 - الزبيدي: تاج العروس، م6 / ص: 251، السهلي هكذا ورد وهو السهيلي عبد الرحمن توفي 581هـ.

 

 

diaa nafieأشار الرئيس الروسي بوتين في احدى مؤتمراته الصحفية الاخيرة الى ان هناك (25) مليون روسي أصبحوا بلا وطن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهم الروس الذين كانوا يعيشون بشكل دائم في جمهوريات الاتحاد السوفيتي . هذا رقم كبير جدا، وقد حاولت روسيا الاتحادية ان تستوعبهم، الا ان الموضوع لا زال مطروحا .

لم اصطدم – ان صحّ التعبير – بهذه المشكلة الاجتماعية الكبيرة طيلة الاحد عشر سنة الاخيرة (وهي فترة مكوثي في روسيا منذ عام 2006 ولحد الان) الا مرة واحدة، عندما كنت مديرا لمركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش قبل سبع سنوات، اذ بينما كنت متوجها الى مكان عملي قرب الجامعة، اقترب رجل وسألني ان كنت اعرف اين يقع مركز اختبار كفاءة اللغة الروسية، فقلت له اني متوجه الى هناك، اذ ان مركزنا كان في نفس الطابق، واثناء سيرنا معا عرفت منه انه روسي ولد وعاش في اوكراينا واضطر ان يتركها مع عائلته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وانه يسكن الان في فارونش عند اقرباء له كي ينتهي من معاملات التجنس (الطويلة العريضة) كما قال، وانهم الان يطالبونة بوثيقة اتقان اللغة الروسية وانه قلق جدا من عدم الحصول عليها لانه درس قواعد اللغة في المدرسة قبل اربعين سنة وقد نساها كليا الان .. قلت له انك روسي وان الروسية لغتك الام ولا ضرورة للقلق، وان معرفة اللغة لا تكمن بالقواعد فقط، وحاولت ان ارفع معنوياته كما كنت اعمل مع طلبتي قبل الامتحانات، وقد شكرني جدا على هذا الموقف، وعلى تعاطفي معه .

الان ونحن في منتصف صيف 2017، التقيت وبمحض الصدفة مواطنا روسيّا قلبا وقالبا، ولكنه لا يزال- ولحد الوقت الحاضر - يحاول الحصول على الوثائق الرسمية لروسيا الاتحادية، انه – سيرغي او سيريوجا كما ينادونه دلعا وتحببا .  اللقاء كان في الردهة رقم (4) بالمستشفى، حيث اضطرتني اوضاعي الصحية ان أرقد لمدة عشرين يوما باكملها، والتقيت هناك به. كانت الليالي طويلة في الردهة، وكان سيريوجا يحب ان يدردش عن سيرة حياته طوال المساء . انه روسي أب عن جد كما يقال، ولد وعاش في قرغيزيا السوفيتية، وبعد ان انهى المدرسة الروسية هناك ( كان عمره 18 سنة ) تم استدعاء مواليده لاداء الخدمة العسكرية الالزامية، وبعد تدريب مكثّف ومركّز وقصير، ارسلوه الى افغانستان للالتحاق بالقوات السوفيتية، التي كانت تحارب هناك، وبقي هناك طوال عامين، وعاد بعد ان سقطت قذيفة قربه وقتلت رأسا صديقه بعد اصابته بقلبه، اما هو فقد اصيب بجروح كثيرة أدّت الى ارجاعه الى الوطن للعلاج . تحدّث سيريوجا كثيرا عن الاحداث التي عاصرها وشاهدها اثناء تلك الحرب، منها منظر الاسرى الافغان وهم يعيشون في الحفر، والذي لا يمكن ان ينساه، اذ كان هؤلاء الاسرى يسكنون هناك دائما، وياكلون ويشربون وينامون ويتغوطون...الخ، ويتذكر كيف كان الجنود السوفيت يحرسون تلك الحفر وينزلون لهم الاكل والشرب  بواسطة الحبال، وحكى لنا كيف حاولوا التخلص منهم، اذ جاء  أحد الجنرالات السوفيت بملا وأخذوا يقسمون امامه وهم يضعون يدهم على القرآن الكريم بانهم لن يعودوا الى مقاتلة الجيش السوفيتي، وهكذا أطلقوا سراحهم، ولكن بعد فترة قصيرة نسبيا وجدوا بعضهم وقد عادوا الى القتال، وهكذا قرروا عدم تكرار ذلك وأخذوا يتخلصون منهم بقتلهم اثناء المعارك وعدم أسرهم . وحكى لنا سيريوجا عن السوق السوداء لبيع الفودكا  للجنود والضباط هناك، وتبين انه توجد مافيا بين العسكريين انفسهم تتفق مع الطيارين السوفيت الذين ينقلون التموين من روسيا الى جبهات القتال في افغانستان وباسعار خيالية لجلب صناديق الفودكا معهم سرّا، وعندما سألناه عن الاسعار، قال انهم يبيعونها بالذهب، الذي يحصل عليه الجنود عندما يقتلون الافغان، اذ يجب تجريد هؤلاء القتلى من وثائقهم واسلحتهم وتسليمها الى القيادة، اما النقود او قطع الذهب الموجودة لديهم فيأخذها الجنود انفسهم . وحدثّنا سيريوجا كيف اكتشف الجنود سوق الحشيشة الافغاني، وكيف تعوّد بعضهم على تدخينها، وكيف كانت القيادة العسكرية تتخذ الاجرآءات الصارمة والحازمة جدا ضد هؤلاء الجنود عند اكتشافها لهم.

 بعد عودته الى قرغيزيا السوفيتية، اصبح سيريوجا يمتلك هناك دارا متواضعة وقطعة أرض ملحقة به، وكان يستطيع تدبير شؤون حياته بزراعة قطعة الارض هذه، والعمل في النجارة، وهي المهنة التي تعلمها اثناء مسيرة حياته . ولكن انهيار الاتحاد السوفيتي قلب حياته رأسا على عقب، اذ بدأت مظاهرات الشباب القرغيزي تخرج ضد الروس، وحاول الروس ان يصدّوا  تلك الاعمال ضدهم، ونظموا خفارات حماية، ولكن الشباب أخذوا يحرقون بيوتهم، ولم تستطع حكومة جمهورية قرغزستان الجديدة والضعيفة ان تحميهم، وهكذا اضطروا ان يتركوا بيوتهم وان يرحلوا الى روسيا . وفي روسيا لم يكن ينتظرهم أحد، وهكذا حاول سيريوحا ان يتدبر حياته، وحاول الحصول على جنسية روسيا الاتحادية، ولا زال لحد الان  - رغم مرور 20 سنة  تقريبا على محاولاته – لم يحصل عليها، وهو يعيش الان في قسم داخلي خاص بوزارة الداخلية لهؤلاء الذين لم يحصلوا لحد الان على الجنسية، وكله أمل بالحصول على الجنسية الروسية قريبا، وعندها كما قال – ( سيبدأ حياته من جديد !!!).  

 

أ.د. ضياء نافع