nabil alrobaeiتكثر مزارع الاشلاب – وهو انواع الارز – في منطقة الفرات الأوسط ومنها الهندية (طويريج) والديوانية، في نهاية الموسم يدخر المزارعون الأشلاب في مخازن تفرش بالبواري (حصران من القصب) وتسمى (المطبكة) أو (الحلا). ثم تصرف الأشلاب إلى ماكنات الجرش (الدرس) لإفرازها عن قشورها وتنقيتها. وقبل عملية الجرش تفرش الأشلاب تحت أشعة الشمس لتجفيفها تماماً، وذلك في مساحة أرض مطوقة لهذا الغرض تدعى (چرداغ) أو (بنكله).

وقبل استخدام المكائن كانت النساء تجرش المحاصيل برحى عميقة تصنع من الزفت والقار. وكانت النساء تعمل في الجرش طيلة اليوم وقسماً من الليل بصبر ومثابرة وإتقان، وكنّ يستنشقن الغبار والأتربة ومسحوق (السبوس) الذي يتعفر من جراء الجرش. ولترويح النفس وبعث النشاط كان هؤلاء بعض النسوة يتغنين الأغاني الشعبية وخصوصاً تلك الأغاني الرتيبة التي تتلائم وإيقاع الرحى.

ثم يأتي العمال فينقلون المواد المجروشة في أطباق (غرابيل) للذر ولفرز القشور التي تدعى (سبوس). وللسبوس أهمية لصناعة الورق والخشب المضغوط، ولكن لعدم وجود معامل كهذه في العراق كانت هذه المواد تستخدم للوقود أو غسل الأواني المنزلية.

ولهذه الأغاني الشعبية التي تخص العاملات في الجرش خرجت لنا قصيدة رائعة كانت ولادتها منطقة طويريج حيث المجارش هناك كما ذكر ذلك الكاتب والباحث ذياب مهدي غلام في مقالة رائعة (طويريج ومجرشة ابن غلام وقصيدة المجرشة) رداً على مقال للباحث محمد علي محيي الدين التي نشرت في جريدة المدى البغدادية، والذي تساءل محيي الدين فيها هل القصيدة حلية فراتية؟ أم كرخية بغدادية؟ لكن الباحث ذياي آل غلام يؤكد على أن القصيدة خرجت من مجارش جده محسن غلام حين يقول إن هذه القصيدة كانت نشيد ونشيج في نفس الوقت وخريدة العصر وقصيدة النصر للمرأة المهظومة والمظلومة... وقصيدة المجرشة لسان حال المرأة العاملة:

ما ينسمع صوت ارحاي بس أديّة أديّر

اطحن بگاية الروح موش اطحن شعير

وقد نشرت جريدة (صدى الحقائق) بعددها الصادر في 3/4/1927 قصيدة للشاعر المشهور حسين الحلي العذاري وقدمته على أنه صاحب قصيدة المجرشة المشهورة. كما نسب السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه الأغاني الشعبية الصادر عام 1929 القصيدة إلى الملا نور الحاج شبيب، كما نشر الأب أنستاس ماري الكرملي في كتابه (مجموعة الأغاني العامية العراقية) سنة 1933، ونسب قصيدة المجرشة إلى نور الحاج شبيب. لكن الملا عبود الكرخي نشر قصيدة المجرشة مرات متعددة، فقد نشرها في جريدة (الكرخ) بتاريخ 21/7/1927 بـ(26) مقطعاً، ثم أعاد نشرها في الجريدة نفسها بتاريخ 3/6/1929 بعد أن اضاف إليها وجعلها بـ(51) مقطعاً، ثم نشرها في ديوانه بـ(74) مقطعاً، ويؤكد الباحث محمد علي محيي الدين قال: (توجد الكثير من الاختلافات بين الطبعات المتعددة بعدد المقاطع والنصوص، مما يدل على أنه يعاود التغيير والتبدير والإضافة عندما ينشرها مجدداً).

ويعقب ذياب غلام في مقاله: (هذه روايتي وكما رويّ لي من نسب القصيدة الخريدة المجرشة لشاعرها الأصل هو من أهل طويريج / الحلة الفيحاء وعلى نسقها نظم الكرخي وأدخل بعض الأبيات في قصيدته وهي لا تتماشى مع نفسه ومفرداته البغدادية، فإن نفس واسلوب شاعر الفرات الأوسط (الحسجة) لا يمكن لأي شاعر آخر أن يجاريه لكن نرى أن الكرخي بارى شاعرها وأخذ منهُ بعض الأبيات ونشرها باسمه وهذا ما أراده الكرخي...).

المجرشة قصيدة تبين مطالبة المرأة العاملة بحقوقها، فكانت تلك العاملات يعملن في مجارش محسن غلام في الهندية، ولدى غلام إضافة للمجارش بساتين عامرة لحد الآن، وكانت لقاءات الحاج محسن وعباس غلام في ديوانية الحاج عباس غضبان كرماشة، وهو بمثابة وكيل آل غلام في املاكهم، ويعقب الباحث ذياب آل غلام في مقاله إذ قال في جلسة اتذكرها جيداً وكان معانا الحاج حضيري وآخر من بيت الليثي وآخر من بيت الهنداوي وآخرين، كان حديثهم عن طويريج وعن ذكرياتهم عن المجارش، ثم عرجوا على قصيدة المجرشة ومن قائلها.. قال عباس غضبان إن محسن غلام صاحب أحد معامل الجرش قد تناسب مع حمولة الملالي من الجبور، وتزوج بنت ملا محمد الجبوري وأحد اقاربه ملا شبيب أو ابن ملا شبيب وهو شاعر معروف يكتب شعراً حسينياً وغزلاً احياناً، ولقد غنى الراحل عبد الأمير الطويرجاوي بعض من اشعاره، وكانت جلسات السمر تكون في الغالب عند الحاج محسن غلام في ديوانيته القريبة من نهر الفرات والملاصقة لمعمل الجرش، حيث من الممكن سماع بعض اصوات العاملات حين يطربنّ مع حركة المجرشة اليدوية... إن عاملات الجرش وخاصة (الشفت) الليلي – وهذه ميزة وخاصية عند نساء الفرات الأوسط والجنوب العراقي – هي الموهبة الشعرية والصوت الجميل الفطري، فهنّ ينظمنّ الشعر اثناء الغناء، والآخرين يسمعون هذه الأصوات والأطوار المختلفة، وقد تذكر عباس غضبان أحد الأبيات الغنائية:

بمجرشة ابن غلام لزرعلي خوخة

فيّ للگظاه الشوگ وهم دوه الدوخة

وقد زار الشاعر الشعبي المرحوم ملا عبود الكرخي چرادغ الجرش فتأثر مما شهده، والتقى بالملا شبيب وسمع منه بعض الأبيات عن قصيدة المجرشة ولقد جاراه الكرخي ونظم على منوالها ابياتاً فنظم قصيدة زجلية مطولة. ثم يعقب ذياب آل غلام قائلاً: (وهنا عقب عباس غلام وقال. وكان في القصيدة بيتين تخص محسن غلام، فطلب حاج محسن أن يحذف ما يخصه من مديح فيها على أن يعوضه (وزنة شلب) وهكذا تمت الصفقة، وحين اخذ عطائه الكرخي وذهب إلى بغداد، هناك نشرها كاملة وتحت اسمه، ولذا نرى في بعض الأبيات نفس واسلوب ومفردة ليس من صنع أو نظم الكرخي... وحين جمعتنا الأيام في منتصف التسعينات مع الحاج حضيري الطويرجاوي.. كان من جملة الحديث عن قصيدة المجرشة وناظمها ملا شبيب، وكذلك في لقاء شخصي مع كل من اللواء الركن المتقاعد خضير عباس غضبان وهو يحفظ الكثير الكثر من شعر تلك الأيام لعاملات مجرشة ابن غلام).

كما يؤكد الباحث محمد علي محيي الدين في مقاله المنشور في جريدة المدى حين قال: (مما يؤكد أن الكرخي قد نظم على غرار القصيدة الأم، وتابعه الآخرون في هذا النظم، ولو تتبعنا ما نشر على غرار المجرشة لتوفر لدينا ديوان كبير... وخلاصة ما أريد الوصول إليه أن قصيدة المجرشة فراتية بحته إن لم تكن (حلية) خالصة، وأن الشعراء الذين جاروها أو باروها ومنهم الكرخي لم يكونوا مبتكرين لها، لأنها نابعة عن معاناة حقيقية لم يكن الكرخي قد عاناها في حياته المترفة الاهبة)(1).

كما يؤكد الباحث حسين علي الشرع في مقال له (قصيدة المجرشة خرجت من مطحنة أبو دانيال وصاحبتها أم خزعل) حين قال: (وقد أفادني الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر في رسالة:أتذكر مرّة قال فيها المرحوم والدي: إن القصيدة كلاً أو جزء منها قالتها امرأة ممكن كنّ يعملن فعلاً بالجرش من أهال الهندية/ طويريج... وقد رأيت بالفعل وكنت ما زلت طفلاً هناك ساحة كبيرة ليست بعيدة عن نهر الفرات، تعمل فيها ليلاً ونهاراً نسوة كثار خلف طواحين الحجر الرصاصية اللون، مجارش وكنّ دفعاً للسأم والملل من العملية المتكررة التي تأكل الروح، يهزجنّ ويغنينّ تماماً كشأن اغلب الحلاقين فهم يدفعون عن نفوسهم الملل بكثرة الكلام مع الزبون تحت ايديهم وتحت رحمة المقص والموس الحاد). ثم يعقب ويقول الباحث الشرع: (المجرشة صرخة مدوية للمرأة العراقية، وفيها صور كثيرة عن معاناتها ما تزال بحاجة إلى نضال دؤوب لتجاوزها عسى أن تعود المرأة لوعيها ذات يوم وتعلنها ثورة عارمة تطيح بكل العقبات التي وضعت في طريقها ومسخت انسانيتها وجعلتها في آخر القائمة من المخلوقات).

ويذكر الوجه عزت ساسون معلم في كتابه (على ضفاف الفرات ذكريات أيام مضت وانقضت) نقتطف منها هذه الأبيات(2):

ساعة واكســـر المجرشه             والعن أبو راعيـــــــها(1)

عشــــرة يشاركها برجـل             وحدة بمطي يخليــــها(2)

والمعنكيـــــة بهل زمـــن             شدو اجلال عليـــــــها(3)

مـــــا يصير دوم امغيمة              هم ربك ايصحيـــــــها(4)

ساعة واكسر المجرشة               وانعل أبو السواهـــــا(5)

اش چـم سفينة البلبحر                تمشي بعكسها هواها(6)

ايصير اضلن يــــا خلك                متجابلـــه آنـــــــه وياها(7)

كلما ايكيرها النـــــــــذل               انــــه بحيلي أبريــــــــها(8)

ذبيت روحي عالجــرش               وادري الجرش ياذيــــها(9)

ساعة واكسر المجرشة               وانعل أبو راعيـــــــــــها(10)

ساعة واكسر المجرشة               وانعل أبو راعي الجرش(11)

كعدت يداده أم البخـــت               خلخالها يــــــدوي ويدش(12)

وانا ستاذي لو زعــــل                يمعش شعر راسي معش(13)

هم هاي دنيا او تنكضي               وحساب أكو تاليــــــــها(14)

1- بمعنى: ستأتي ساعة أكسر فيها الجرن من شدة غضبي والعن صاحبها.

2- أي عشرة عمال يساوون رجل دابة واحدة، وآخر يملك مطياً لنفسه.

3- المعنكية – الخيول الاصلية، اجلال – الخرق البالية التي توضع على ظهر الحمير بينما توضع السروج المزركشة على ظهور الخيول.

4- لا تبقى الدنيا ملبدة بالغيوم، وسيأتي الصحو بعد تلبد الغيوم.

5- أي العن من صنعها.

6- كم من سفينة يجري هواؤها عكس رغبتها.

7- يا خلك – ايها المخلوقات، أيها الناس، متجابله – مقابلة، أي مقابلة المجرشة ومواضبة العمل طوال اليوم.

8- أي ما يسبب النذل – صاحب العمل – من أقذار ازيلها بعرق جبيني.

9- القيت نفسي يائساً على المجرشة رغم معرفتي بما يتسبب من ضرر.

10- العن صاحبها.

11- العن صاحب الغلال.

12- ام البخت – صاحبة الحظ الوافر التي تقعد دون عمل وأساورها تجلجل، والخلخال حلقة جوفاء من الفضة او الذهب تزين بها أرجل النساء.

13- خوفاً من صاحب العمل.

14- تنكفي – ينتهي أمرها، وفي آخرتها الحساب.

هذا ما كان حينذاك، أما الان فيجري العمل بالماكنات الحديثة، حيث تقوم الماكنة خلال ثماني ساعات بعمل ينجزه ثلاثون من العاملات خلال أربع عشرة ساعة، ويدير هذه الماكنة خمسة عمال فقط.

 

...................

المصادر

1- محمد علي محيي الدين. محطات من التراث الشعبي العراقي. دار الفرات في الحلة. ط1. 2012. ص16/ 19.

2- عزت ساسون معلم. على ضفاف الفرات ذكريات أيام مضت وانقضت. ط1. القدس. رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق. شفا عمرو. 1980. ص108/111.

 

 

nabil alrobaeiعلى عتبة الذكرى الجليلة لرمز من رموز الفكر العربي المعاصر، وقامة شامخة من قامات النضال الوطني التحرري، لنسلط الضوء على جوانب كثيرة من سيرة حسين مروّة، الانسان البالغ الثراء، المتوهج الحضور، والمناضل أبداً في انسجام تام بين فكره الطليعي وممارسته العملية الرائدة.

محنة الثقافة من ارسطو وغاليلية إلى فرج فودّة وحسين مروّة وعشرات المثقفين، هي محنة الخصومة، خصومة السياسة الجاهلة من ابن حنبل، ابن رشد، الحلاج، الشيخ صبحي صالح إلى مهدي عامل، كانت السياسة القرينة بالجهل ودولة الغاب وانتهاك القانون، ودويلات عصابات وقطاع الطرق، ودولة الأشخاص، تذهب مهنة الكاتب وتترسخ مهنة كاتب السلطان، ومثقف البلاط والمسبح بحمد الخليفة الأمير.

مهما طالت الأيام وعمل الجهل في قتل واغتيال المفكرين وتطوى الصحف لكن المفكر الشهيد حسين مروّة باقٍ حياً فينا، باقٍ في المجلات الثقافية والصحف، في فكر المفكرين والباحثين والهيئات الثقافية، فهو علماً من أعلام الفكر العربي، والحرص على بقاء راية الفكر الحر التقدمي، وتجديد الفكر الماركسي شريك كل المثقفين وعلى وجه الخصوص حسين مروة، لصلابة الموقف ووضوح الرؤيا.

لم يمت حسين مروّة، ولم تنهار الأحلام الجميلة، ولم تنسد الآفاق، وما زلنا نسبح ضد التيار، لكن بالزمن نحيا وبعزيمته لا نفنى، فالتاريخ الصعب الذي خاضه حسين مروّة غماره ليصنع مجاديف نجاتنا نحو الضفة الأخرى، مهما كانت الضفاف بعيدة، وإن الرحلة إلى المستقبل تبدأ من تاريخ سحيق، غير أن النزعات المادية في تاريخنا لم تكن كافية، فلا عمامة خلفها ولا منهج مادي جدلي تمكنّا حتى الآن، لكن سنبقى على نهجك ومنهجك نقاوم ضد التيار لنصل إلى الضفاف البعيدة.

حسين مروّة ظاهرة ثقافية فكرية تشعّ على أمته إشعاع النور الذي يكشف الطريق بضوئه المستنير، في أقواله وأفعاله حينما قال :"ولدت شيخاً وأموت طفلاً، وبين هذين الهديين قرابة ولحمة لا تفترقان، ولا غرابة أن يستعمل الأضداد في تفكيره لأنه في الحالتين لا يتوخى سوى سبر الحقيقة والتوصل إلى كشفها".

حسين مروّة تابع دراسته في النجف وصمم للوصول إلى الهدف من تحقيق المعرفة دون المهنة، لذا يبحث عن المعرفة حتى وجدها، فأمعن في القراءة وجمع المعارف من مواردها، على كل حال أتاحت السنوات العشرون التي قضاها دراسات في جامعة النجف إمكانية التأصل في التراث العربي الإسلامي، لينفتح من بعد ذلك على الثقافة الغربية والعالمية، وكان ذلك سر نجاحه الجدلي والتفاعل بين التراثين المحلي والعالمي.

ففي مؤلفه (النزعات المادية في الفكر العربي الإسلامي) الذي توّج به جهد عمره، أجرى مروّة عملية مسح واسعة للتراث العربي الإسلامي شملت أربعة قرون تبدأ بالجاهلية وتنتهي في القرن الرابع الهجري، وهو عصر العلماء والفلاسفة الكبار، فاستخلص مروّة بعد فرز التراث اللب عن القشور، معبداً بناءه على منهجه المادي التاريخي والمفاهيم الإنسانية، حتى نجح في تحويل التراث إلى مركز تاريخي استند إليه في صراعها الراهن والمستقبلي.

مؤلفه هذا كان جهداً كبيراً حقاً قياساً إلى عمر مروّة كفرد، فهو كدراسة مطلوبة بشروطها الكاملة، نجدها ليست عسيرة المنال على جهد فردي لمثل هذا الجهد، فضلاً عن مؤلفاته الأخرى التي لا يخترقها النسيان، فهي أبحاث في التراث أضاءت الماضي كي ينتصر المستقبل بين تراثنا القديم وأجيالنا الشابة.

اختزل المفكر مروّة بعض أنصار الماضي العربي، بأنها مجرد محكيات لوعي واحد بعينه هو الوعي الديني الثابت الذي لا تؤثر فيه التبدلات التاريخية، فقد جرى طمس أي دور للعوامل الأخرى في صنع المسار التاريخي، كالعامل الاقتصادي، والصراع على السلطة، وتصدير الأزمات السياسية الداخلية إلى الخارج، وطمس معالم البعد الجماهيري في حركة التشكل المجتمعي التاريخي العربي، لكن المفكر مروّة قد فسّر الصراع الداخلي الذي احتدم في التاريخ العربي الإسلامي صراع طبقي اجتماعي، كون الفقيد مروّة كان يتمتع ببصيرة نافذة، ونظر ثاقب، وفهم عميق لقوانين التطور الاجتماعي، وقد نذر حياته لتأسيس المشروع النهضوي الجديد للعرب، وقد كان مدخله إلى إعادة قراءة التراث العربي وتفسيره بأسبابه الحقيقية، والإمساك بوعي علمي متقدم.

كان كتابه (النزعات المادية) إلا ملحمة تراثية ذات رؤية شاملة في موقف فكري مستنير فاعل، يقول مروّة في نهاية ملحمته (وبعد نحو قرن من زمن ابن سينا، استأنفت هذه الفلسفة في بلاد المغرب العربي كفاحها المجيد بوجه الإرهاب الفكري) على عتبة الذكرى الجليلة لرمز من رموز الفكر العربي المعاصر، وقامة شامخة من قامات النضال الوطني التحرري، لنسلط الضوء على جوانب كثيرة من سيرة حسين مروّة، الإنسان البالغ الثراء، المتوهج الحضور، والمناضل أبداً في انسجام تام بين فكره الطليعي وممارسته العملية الرائدة.

إلا أن الرصاصة العمياء أوقفت هذه الرحلة الفلسفية في التوقف عن إعداد الجزء الثالث من الكتاب، لذلك افتقدت الملحمة الفلسفية التاريخية الجزء الثالث، لكن يبقى هذا الكتاب أول ملحمة ماركسية عن التراث الفلسفي العربي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

nabil alrobaeiوُلِدَ المفكر حسين مروة عام 1910 في قرية "حدّاثا" قضاء "بنت جبيل" في جنوب لبنان ـ أخذ دراسته الأولى في بنت جبيل والنبطية. عام 1924 رحلّ صغيراً وبعمر الثامنة من قريته إلى النجف ومعهُ حُلم العائلة الكبير أن يصبح شيخاً مهيباً مرموقاً كوالده، ذلك كان حلمه الأول، سبق كل أحلام الطفولة، لبس العمامة والجبة قبل أوانها الطبيعي كرمز للحلم ذاته أولاً، وكأداة إلزام له بموجبات الحلم ثانياً. لم يستطع الحلم أن يعيش معهُ في النجف أكثر من عام واحد، فبدأ الحلم ينتابه الضمور والذبول في ذاته، حتى رأى مروّة خاطراً قاهراً صارماً يعترضه ويريد أن يحملهُ على الاختيار الحاسم في مسألة دقيقة للغاية، وهي مسألة تحديد وجهة المصير، مصير حياته كلياً.

وانقطعت العلاقة المباشرة مع الحلم إلى المجهول، وغابت من حياته نهائياً صورة الشيخ المهيب المرموق التي كانت هي نفسها صورته كما رسمها في الحلم، لكن المجهول صار معلوماً، هو البحث عن العلم نهجاً وهدفاً معاً، بقي في النجف وتابع دراسته رغم كل الأسئلة المستنفرة في داخله، وبقي مروّة يتابع ويختار رغم سني دراسته الأربع عشرة، حتى امتلك حريته في اتخاذ القرار، هذا الشعور حيث فتح لهً أبواباً للدخول في عالم أوسع للقراءة والدرس للعلوم (الحلال)، وحدها في عرف النظام الدراسي النجفي آنذاك. لكنه أخذ يقتحم بأسئلته الخطوط الحمراء من مكانها التقليدي الفاصل بين (المحرمات) من أنواع المعرفة البشرية المعروفة ويقتلعها واحداً واحداً من مكانها التقليدي، بادر مروّة لتنظيم (يوميات) القراءة والدرس لكي يتوافر له التوازن واختياره بين لون المعرفة الذي تقدمه له النجف من دراسات علوم المنطق والنحو والبلاغة وأصول الفقه والفقه الإسلامي، وبين فسحة الاستقلال الفكري وحرية المناقشة الجدية مع العلم والنص دون كوابح.

كان الوصول إلى الكتب والصحف الدورية الصادرة من مختلف لبلدان العربية، ومن مصر ولبنان بخاصة، متيسراً في النجف، أي خارج أسوار المحيط الدراسي الديني، يقول المفكر حسين روّة في أحد النصوص (من النجف دخل حياتي ماركس): "كان يتوافر لنا هناك أن نقرأ كتابات المفكرين والعلماء والكتّاب والمبدعين من رجال القرن التاسع عشر والثلث الأول فما فوق من القرن العشرين، وكذلك الكتابات الفكرية والعلمية والأدبية المترجمة عن مفكرين وعلماء وأدباء عالميين..مادة القراءة (المحرمة) علينا آنذاك كانت من الغزارة بحيث يضيق وقتنا عن استيعايها، ونحاول جهدنا أن لا ندع لحظة من الزمن تتسرب من أيدينا هدراً دون كسب معرفة ما". هذه المرحلة من حياة مروّة كانت هي مرحلة الخصب المعرفي، فرأ فيها مروّة أشتاتاً من المعارف لا تنتظمها وحدة، بل يتخللها الاختلاف حتى التناقض، قرأ الأدب الرومانسي، مع الفكر العلمي، مع الكتابات العلمية الخالصة، مع البحث الاجتماعي، نظرياً وميدانياً، تلك الكتب وذلك الوهج النفاذ هو الذي علمه الكثير ومهدّ له الطريق إلى ماركس، كانت كلمة (الاشتراكية) تتردد كثيراً في قراءاته ومنها القراءات النهضوية من كتابات نقولا حداد، صاحب مجلة (السيدات والرجال)، وروايات فرج أنطوان ذات النزعة الاجتماعية، وكتابات إسماعيل مظهر وبحوثه التي تصدر في مجلته (العصور) المصرية المعروفة باتجاهاتها المادية، ثم النتاج الطليعي لشبلي شميل، الذي قدّم إلى الفكر العربي والثقافة العربية أول مرّة نظرية التطور الداروينية، التي تعتمد النظرية على استيعاب أوليات القوانين الكونية لحركة تطوّر الطبيعة والمجتمع، فضلاً عن سلامة موسى وأثره الفكري على مروّة في ذلك العهد، وأثر مجلة (المقتطف) بما كانت تُعني به من إضفاء للطابع العلمي الغالب على مجمل ما تنشره وقتذاك.

كانت رواية (الدين والعلم والمال) لفرج أنطوان وهي رواية أقرب للبحث الفلسفي الاجتماعي، وقد اطلع عليها مروّة عام 1926م، من خلالها تعرف مروّة على ماركس وفكره، أنهى دراسته في جامعة النجف عام 1938. يقول المفكر حسن مروة :"لكن ماركس هذا الذي ألتقيته عند فرج أنطوان، لم استقبله بارتياح، ولم أشعر أنه هو الذي سيخرجني من بلبلة المفاهيم المختلفة للاشتراكية... فماركس هذا هو أولاً – فيلسوف منّا – أي من هؤلاء العمال الذين يبتسرون حل المشكلة الاجتماعية، الطبقية الكبرى بحيث ينحصر هذا الحل في اشتراك العمال في ربح العمل.. وهو مع ذلك – ثانياً – من أشد أنصار العمال غلواً، وهو – ثالثاً – له رأي في الملكية يناقض رأي أرباب العمل.. كيف تجتمع هذه التناقضات في شخص هو فيلسوف من الفلاسفة؟ رغم هذه الهواجس المقلقة، وقع في نفسي أن ماركس هذا لا بدَّ له شأن عظيم في القضية التي يتحدثون عنها كثيراً باسم (الاشتراكية).. لكن، كيف سأصل إلى صاحب هذا الشأن العظيم بصورته الحقيقية دون الصورة المضطربه هذه؟ بدءاً من هذا السؤال، بدأتُ أدخل في العلاقة السليمة مع ماركس.. ومن هنا بدأ ماركس يدخل حياتي وما أزل في النجف.. لكن ماركس (الماركسي) تأخر عني وصوله بضع سنين بعد اللقاء الأّول، عند فرح أنطوان، مع ماركس (غير الماركسي).. تأخر حتى أنعقدت لي صلة خفيّة مع (الشيخ) حسين محمد الشبيبي (هو نفسه الشهيد الشيوعي المعروف الذي أعدمه النظام الملكي مع الشهيد الرفيق فهد في بغداد عام 1947..".

منذُ انعقاد هذه الصلة دخلت علاقته الصحيحة والعلمية مع ماركس (الماركسي) وأخذ يقرأ العلم الماركسي دفعة دفعة، حتى حصل على البيان الشيوعي كهدية من الرفيق الشهيد الشبيبي شرط أن يقرأها أكثر من مرة، واحتفظ المفكر مروّة بهذه النسخة مفعماً بفرح المعرفة بأضوائها الجديدة الكاشفة، لكن هذه النسخة اختفت بشكل مفاجئ، ثم تعرف على كتاب (رأس المال).

شارك المفكر مروّة في وثبة كانون الوطنية والديمقراطية التقدمية في نهاية عام 1947م، لم يكن شيوعياً في تلك الحقبة بل كان كاتباً وطنياً يكتب بصراحة وجرأة موقفه الوطني في صحف بغداد ولا سيما جريدة (الرأي العام) لصاحبها الجواهري، وفي مجلة (الحضارة)، حتى جاء أمر إبعاده يوم 9/6/1949 من العراق قبل أن يصير الانتماء عضوياً بالفعل أما مسألة الانتماء الحزبي فقد تأخر حتى فور وصوله بيروت أصبح شيوعياً خطراً.

وبعد أحداث بيروت الطائفية هنا جاءت المفاجأة ويومٍ داكن من أيام شباط العاصفة يوم 17/3/1987م، حيث تسللت الجريمة العمياء في ثوب الخديعة، اقتحم مسلحون أدوات منزل المفكر الشيخ الثمانيني إلى سرير حسين مروّة، أنهضه أحدهم عن السرير.. أوقفه.. وضع فوهة مسدسه، كاتم الصوت، في أسفل ذقنه.. وأطلق رصاص الجريمة.. فتفجّر دماغ حسين مروّة، واستباحة دمهً الطاهر وهو رهين المحبسين؛ الشيخوخة والمرض، كان منظم الجريمة العقل المريض، هذا العقل الذي يخاف الضياء والفكر، هذا العدو المريض لأصحاب العقول، وهو يظن أن قتل الدماغ يذهب بضياء العقل ومفاعيل نتاجه المعرفي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

haseeb shahada(John Chrysostom, ٣٤٥؟-٤٠٧)

ولد يوحنا سكوندس المعروف أيضًا بالكنية ”فم الذهب/ذهبي الفم“ (Chrysostom في اليونانية و Golden mouthed في الإنجليزية و bouche d’or بالفرنسية، أو: لسان المسيح الفصيح، كما قال الشيخ ناصيف اليازجي أو الجليل في القديىسين) في أنطاكية، وتيتّم من أبيه السرياني الذي كان ذا منصب عال في الجيش الروماني بعد ولادته بزمن قصير، والأم اليونانية أنتوسة، ترمّلت وهي في العشرين من عمرها. المتأخرون في القرن السادس للميلاد أطلقوا عليه هذا النعت ”فم الذهب“. لم تتزوج بل كرّست كلّ وقتها من أجل تنشئة ابنها تنشئة مبنية على الحقّ والأخلاق السامية، في مجتمع غارق في الشرّ والخلاعة والترف. تعمّد يوحنا عام ٣٧٠، تتلّمذ على ليبانيوس (Libanios) الخطيب الفذّ الوثنيّ في المنطق والبلاغة وعلى أندروغاثيوس (Androgathius) في الفلسفة، وأخد بدراسة الطريقة الأنطاكية في التفسير الكتابي وهو المنهج اللغوي أو الحرفي، التاريخي. ودافع عن المستضعفين بكونه محاميًا ورُسم شمّاسًا سنة ٣٧٥، وكاهنا عام ٣٨٦، وأسقفا عام ٣٨٩. عاش حياة تقشّف وتنسّك في ضواحي أنطاكية في الصحراء عشر سنوات، واستظهر الكثير من الكتاب المقدّس. ذاع صيته في الخِطابة والوعظ في خلال كهنوته واسقفيته، ١٦ سنة.

وصلتنا ٧٠٠ موعظة كاملة من تأليفه، وهو سيّد الكلمة وصاحب الرأي الحرّ، وكان له باع طويل في تقويم الاعوجاج في الكنيسة، ولا سيّما مقارعة الإكليروس المنحرف. بعد وفاة والدته أصبح بيته ديرًا وحرَص على لجم شهوة البطن والغضب، تنسّك في جبال أنطاكيا نحو ستّ سنوات، وعاش مع الآخرين عيشة مشتركة متقشفة. وأنطاكيا كانت إحدى أعظم أربع مدن في الإمبراطورية الرومانية: روما والقسطنطينية والإسكندرية وسكّان أنطاكيا كانوا من الرومانيين واليهود والإغريق والسوريين ونصفهم مسيحيون. وفي عظات فم الذهب وصف لحياة الناس في المدينة، بخل وفساد، فجور وترف، اهتمام شديد بالمسرح والمباريات.

عاش يوحنا فم الذهب فقيرًا، استأسد ضد الظلم، ناضل ضد الفساد والربح الرخيص بموهبة خطابية نادرة، ولقِّب بخطيب المدينتين، أي أنطاكية والقسطنطينية.  كان مثالًا للتواضع والبساطة، مأكله بسيط ولباسه خشن، وزّع ماله على المساكين، أطعم آلاف الفقراء في أنطاكية، تفقّدهم في بيوتهم، زار المرضى والمساجين، شيّد المشافي والملاجىء. لذلك كثُر ناقدوه ومعارضره، ونُفي إلى أرمينية لمدة ثلاث سنوات. وممّا كتب من منفاه للشمّاسة أولمبيا: ”من الحقّ أن تُعدّي من مصَف العذارى وإن كنت متزوجة، فالعذراء في نظر بولس ليست تلك التي لا تعرف الزواج، بل تلك التي تجعل الربّ موضوع اهتمامها. والمسيح نفسه يُظهر فضل المحبّة على البتولية“ (مثل العذارى، الرسالة ٨ :٤). ”شيء واحد يا أولمبيا، يجب الخوف منه، محنةٌ واحدة، الخطيئة. لم أكفّ عن القول، ولن أكفّ عن ترديد أن شيئًا واحدًا من شأنه أن يحُزّ في نفسنا: الخطيئة (الرسالة ٧:١). نفاه خصومه عام ٤٠٧ إلى مدينة بيتيوس الواقعة على شاطىء البحر الأسود الشرقي، وفي طريقه إليها قضى نحبه في ١٤ أيلول من العام ذاته. وفي الرسالة ١٩٣ ورد: ”المجد لله في كل حال … لا تكفّ عن ترديد هذه العبارة؛ واحمل الآخرين على ترديدها. هذه العبارة كانت داعية إلى إكليل أيوب، هذه العبارة التي هزمت إبليس؛ وهي التي تُزيل كلّ اضطراب. فطيّب بها كلما يحلّ بك“. عارض ظلم الملكة افدوكيا زوجة اركاديوس الضعيف، فسخطت عليه ونُفي مرتين، وفي الثانية تنيّح في ١٤ أيلول عام ٤٠٧ ودفن رفاته في كنيسة الفاتيكان . كانت آخر كلماته ”المجد لله في كل شيء“.

يوحنا أعظم الآباء اليونانيين شهرة، ويعدّ من أغزر الآباء انتاجًا وإفصاحا، ولذلك لقّب بفم الذهب وثمّة رأي آخر ذكره سعيد ابن بطريق (٨٧٧-٩٤٠) في تاريخه الشهير ”وانما سُمّي يوحنا فم الذهب لأن امرأة ندبتهُ عند موته فقالت: يا يوحنا يا فم الذهب. فسمي فم الذهب. ص. ١٥٤“ (إنها أسطورة؛ الكتاب متوفر على الشبكة العنكبوتية). تناول مواضيعَ كثيرة مستمدّة من الحياة اليومية والملكوت، مستندًا في كلّ ذلك على المعين الذي لا ينضب، الكتاب المقدس وتراث الآباء السابقين. تستخدم الكنيسة السريانية استيخاراته أي أناشيده، ويعتبره الأرمن قِدّيسًا لهم وقد نُقلت معظم أعماله إلى اللغة الأرمنية. ساهم ثراثه، ليس في تطوير الفكر المسيحي شكلًا ومضمونًا فقط، بل في الأدب الأرمني أيضًا.

في مجال الأبحاث كتب في: الحياة الرهبانية، مقارنة بين الملك والراهب؛ في الندامة؛ ضد مغتابي الحياة الرهبانية؛ تحريض لثيودورس للرجوع إلى حياة التنسّك وترك الفتاة هَرميونا؛ في الكهنوت موجّه للصديق الحميم باسيليوس، ٦ أجزاء هامّة وهو أكثر آثاره انتشارًا، ويعتبر جوهرة الكتابات المسيحية، مدوّن بأسلوب حواري، وفي الجزئين الثالث والرابع يعالج موضوع مسؤولية الكاهن وكيفية العمل: مسؤول عن رعيته، يحمي العذارى والأرامل، ينشر العدل والاستقامة، يعظ ويدافع عن الإيمان، يعامل الآخر بالتي هي أحسن بالرغم من أخطائهم؛ إلى أرملة شابة؛ في عدم تكرار الزواج؛ في البتولية (بولس الى الكورنثيين ٧: ٣٨)؛ في شأن أخوات المحبّة؛ في المخالطات الرهبانية؛ في المجد الباطل؛ ضد بناء التماثيل؛ إلى ستاجيريوس الذي يعذّبه الشيطان؛ في أنه ما من أحد يُلحق الأذى إلا بنفسه؛ في عناية الله. وممّا جاء في الكهنوت المسيحي: ”ليكن الفارق بين الراعي ورعيته بمقدار ما بين العاقل والمخلوقات غير الناطقة ان لم يزد ... لأنّ من يؤتمن على خراف المسيح الناطقة عليه أولا أن يحتمل عقوبة ضياع الخراف، عقوبة تفوّق الأمور المادية، عقوبة تمسّ حتى نفسه … إن عمل الكاهن يسمو عن عمل العلماني بمقدار سمو الروح عن الجسد …

وفي موضوع المواقف الدفاعية كتب: في شأن القدّيس بابيلاس ضدّ يوليانس والأمم، يبيّن فيها انتصار المسيحية على الوثنية؛ ضد اليهود (اليهود الغلاظ، كما ورد في مستهل تفسيره لسفر التكوين، قسم كبير من مستمعيه في أنطاكيا كانوا من اليهود المتديّنين) والوثنيين الذين رفضوا المسيا، وهنا يظهر لاهوت المسيح على ضوء أقوال أنبياء العهد القديم. تُكوّن العظات (محفوظة في مكتبة أكسفورد) العمود الفقري لكتابات يوحنا، يرمي فيها إلى شرح الأسفار المقدّسة وَفق مدرسة أنطاكية المغايرة لمدرسة الإسكندرية، فالأولى تتوجّه إلى المعنى الحرفي، واتكأ يوحنا على كتابات بولس. في العظة ٣٢: ٣ ورد: ”لم نُعطَ الكتابات المقدسة لكي نبقيها في الكتب، بل لكي نحفرها، بالقراءة والتأمّل، في قلوبنا. الناموس يجب أن يُكتب على ألواح من لحم، على قلوبنا“. وقد شملت عظاته، كما ذكرنا، الكتاب المقدّس بعهديه،  وفي بعض المرّات دامت ساعتين. عن العهد القديم هناك: سفر التكوين، ٨٥ مزمورا، أشعيا، غموض الأنبياء، حول حنّة، داؤود وصموئيل. وفي العهد الجديد: ٩٠ عظة حول إنجيل متّى وأظهر أن الابن مساوٍ للآب في الجوهر؛ ٨٨ عظة موجزة حول إنجيل القديس يوحنّا؛ في أعمال الرسل ٦٢ عظة؛ الرسالة إلى الرومانيين ٣٢ عظة؛ رسالتا الكورنثيين ٨١ عظة؛ الرسالة إلى الغلاطيين؛ رسالة أفسس ٢٤ عظة؛ رسالة فيليبي ١٥ عظة؛ رسالة  كولوسي ١٢ عظة؛ رسالتا تسلونيكي ١١ عظة؛ في الرسالة إلى تيموثاوس وتيطس وفيلمون ٤١ عظة؛ الرسالة إلى العبرانيين ٣٤ عظة. وثمة عظات عقائدية وطقسية ودفاعية حول تنزّه الله عن الإدراك، وله ثماني عظات في المعمودية اكتشفت عام ١٩٥٥ في جبل آثوس، وعظات ضد اليهود. وفي موضوع رسائله فقد وصلتنا ١٧ رسالة إلى أولمبيا ورسالتان إلى البابا أنوشينتوس. ونشر له ميمران في مجلة المشرق س. ١٢، ع. ٤، نيسان ١٩٠٩؛ الأول حول يوم الخميس الكبير والثاني عن الفصح المجيد.

يؤمن يوحنا فم الذهب بطبيعتي المسيح ”عندما أقول إنه (المسيح) واحد أعني الاتّحاد لا الامتزاج؛ فليس هنالك طبيعة انقلبت إلى أخرى، بل طبيعة متّحدة بأخرى“. يبدو أن يوحنا لم يصرّح بوجود خطيئة أصلية. ويعتبر يوحنا رائدًا في الافخارستيا فيقول مثلا ”إنّنا نلمس بأيدينا الجسد، الذي عاش على الأرض، وأن المسيح، في عشائه السرّي، يشرب دمه؛ وإنّ المسيح يحضُر حضورًا جوهريًا في الخبز والخمر. وكثيرا ما يدعو الأفخارستيا ذبيحة، ويعلن أنها لا تختلف عن ذبيحة الصليب“. وبخصوص التوبة قال ”الله وحده يجب أن يراك في اعترافك، الله الذي لا يحقّرك بسبب خطاياك، بل يحرّرك من خطاياك بسبب اعترافك. ولست تمثُلُ، في هذه المحكمة، أنت والشهود، بل أنت تحكم فيها على نفسك“. ويقول يوحنا أيضا إنّ سلطة الكاهن لا تقتصر على التعميد بل تشمل مسحة المرضى التي تمحو الخطايا وهو حثّ على المعمودية المبكّرة، معمودية الأطفال. وفي نظره الاختلاف ما بين العلماني والراهب هو أن الثاني يتقيّد بنذر العفّة والفقر وفي ما خلا ذلك فكلاهما في خدمة المسيحيين، من صلاة ومثل صالح ورسالة الخدمة. تأمّل في ما يورده في هذا الشأن: ”مهما صُمتَ، ومهما اضّجعتَ على الحضيض، ومهما طَعِمتَ الرماد وذرفت الدموع، فإنّك لا تكون قد قمتَ بشيء عظيم إذا لم تكن مفيدًا للغير“. وكتب إلى أحد قساوسته يقول ”إذا رأيت بحر الاضطهاد قد هاج فلا تيأس ولا تهمل شيئًا ممّا التزمت به، اهدم نفاق الوثنيين، وشيّد الكنائس واهتمّ بخلاص النفوس“.

عن الخطية والتوبة يقول: ”لا تيأس، حذارِ اليأس! إنّي أكرر ألف مرّة: إذا خطئتَ كلّ يوم فتُب كل يوم … نعم إنّك ستخلص لأنّ الربّ يشمل البشر بعطفٍ لا حدّ له … توبتك وحدها لا تستطيع أن تمحو جرائمك، ولكنها تستطيع ذلك إذا رافقتها رأفة الله غير المحدودة … ذنبك ذنب إنسان، وهو من ثم محدود، والرحمة التي تغفر هي رحمة الله، وهي من ثمّ غير محدودة“ (العظة ٣١ في رومية). ويقول ”بين الأمجاد الباطلة للشيطان التفاؤل بالأيام وبالفرص وبالكلمات العفوية … وأيضًا التشاؤم. أحيانًا عندما يترك إنسان منزله يرى رجلًا بعين واحدة أو أعرج فيعتبر هذا تشاؤمًا .. هذه هي أمجاد الشيطان الباطلة لأنها ألاعيبه .. فإن لقاء البشر لا يجعل يومنا سيئًا بل ارتكاب الخطية“.

وفي إحدى عظاته يقول رسول الشعب ” لقد أقمنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النور … لكي نكون الخميرة… لكي نكون كهولًا بين الأحداث، روحانيين بين المادّيين، بذارًا لثمار غزيرة. الأعمال تقوم مقام الكلام أفضل قيام. لو سلكنا سلوكًا مسيحيًا حقيقيًا لزالت الوثنية“. وعن الصلاة نقتطف نبذا مما قال: ”بداية كل خير وسبب كل خلاص وميناء الحيوة الأبدية … مناجاة الباري تعالى … أمر مشترك بين الملائكة والبشر … توطد النفس وتقويها أكثر من تقوية الخبز للجسد … فكما أن السمك يعيش في استكنانه بالماء، هكذا أنت، فإنك لن تعيش إلا في الصلوة… “. وفي عظة أخرى نقرأ ”ينبغي أن لا نندب وننوح على أمواتنا بعد أن حقّق لنا سيّدنا لهُ المجد قيامة الاموات. فما بالنا نبكي بحرقة ونتّخذ النائحات والنادبات، وقد قهر سيدُنا يسوع المسيح الموتَ وانتزع ملكه وسلطانه، ما بالك يا هذا تنوح نوحًا مزعجًا وتكابد أحزانًا وهمومًا وغمًا، وقد صار موتنا نومًا عارضًا“.

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

...................

المطران ميخائيل عساف، سنكسار الروم الكاثوليك. حريصا: المطبعة البولسية ١٩٤٨.

المطران كيرلّس سليم بسترس، الأب حنا الفاخوري، الأب جوزيف العبسي البولسي، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة. ط. ١، بيروت: المكتبة البولسية، ٢٠٠١، ص. ٦٠٩-٦٢٧.

http://arabic.coptic-treasures.com/patrology/john-chrysostom.php

 

ali mohamadalyousifبعد مرور حوالي ربع قرن، امضيتها في نشر مئات من المقالات في السياسة والثقافة عموما، من كل خمس مقالات مسروقة لي، ترى النور واحدة وتنشر على فترات زمنية متباعدة جداً. تمكنت من تأليف اكثر من مخطوطة كتاب واحد، كلها بقيت مركونة بالظل والحفظ عقودا من الزمن، حاولت جاهدا ومنذ سبعينيات القرن العشرين نشر احدى تلك المخطوطات على صفحات جريدة محلية نصف شهرية ولا حتى مقروءة على شكل حلقات متسلسلة فلم افلح، وكذا الحال مع اكثر من صحيفة بغدادية. ولم يعد ينشر لي سطرا واحدا مما اكتبه لافي صحيفة ولا في مجلة منذ العام 1990. فالتزمت الصمت عملا بالرأي السديد، يكون الصمت احيانا ابلغ من الكلمات والكتابة، وفي ثانية يكون الصمت سيد الاخلاق، وفي ثالثة واهم يكون الصمت راس الحكمة في مخافة السلطة. بعد احتلال العراق نيسان 2003 تمكنت منذ الاعوام 2004-2006 من طبع اربع مخطوطات كتب لي على نفقتي الخاصة طباعة واستنساخ بنسخ محدودة وزعتها على نطاق مدينة الموصل، مكتبات الموصل، بعض الاصدقاء، وقلة قليلة من المثقفين بالموصل ممن اهديتهم كتبي وهم لا يعرفون عني شيئا، بعدها اتضح لي انهم ولأسبابهم الشخصية لايرغبون معرفة عني شيئا!؟ وارسلت (40) نسخة منوعة من كتبي الاربعة إلى مكتب الفضائية الشرقية في بغداد هدايا. الكتب التي استنسختها سارعت إلى توثيقها وعرضها على موقع الكتاب العربي الالكتروني في بيروت ولا زالت لحد الان بموجب عقد بيني وبينهم (www.arabicebook.com) وهي:

1- كتاب سيسيولوجيا الاغتراب Alienation يقع في 352 صفحة حجم متوسط بطبعة جديدة عن دار الشؤون الثقافية ببغداد عام 2010.

2- كتاب اللاتشاكل الثقافي – الحضاري يقع في 210 صفحة حجم متوسط.

3- كتاب العولمة بضوء نهاية التاريخ وبروز ظاهرة الارهاب، يقع في 112 صفحة حجم متوسط.

4- كتاب (توهج العشق واحتضار الكلمات) مجموعة نصوص شعرية غزلية.

5- في عام 2010 اتبعتها بطبعة استنساخ لمؤلفي الخامس (وجع الخريف) نصوص شعرية.

بعد يأسي من النشر لي في الموصل وبغداد طرقت باب اشقائنا الكرد في اقليم كردستان فارسلت بعضا من كتاباتي الثقافية وليس السياسية (الشوفينية) إلى صحيفة (المدى) تصدر عن دار نشر كبيرة بنفس الاسم، ولم يردني سطرا واحدا على عنواني بالانترنيت جوابا. كان يتصدر اعلى اعداد صحيفة المدى مانشيت اعلاني (اقرأ الاعمال الكاملة للشاعر الكبير ادونيس صادر عن دار المدى للطباعة والنشر) ولا نعرف كم دفعت الدار للشاعر ادونيس المقيم في باريس لاكثر من ربع قرن ومن اين التمويل بالدولار!؟ لم يعد الامر سراً.. وقد رد الجميل (ادونيس) في زيارته اقليم كردستان من دون المرور بالعاصمة بغداد في عام 2010 !؟ سؤالنا لماذا لم تختر الدار تكريم الروائي الكبير عبدالخالق الركابي قبل تكريم دولة الامارات له وانقاذه من بؤس الحالة وتردي حالته الصحية!؟ لماذا لم تحتف الدار وتطبع الاعمال الكاملة للروائي المبدع مهدي عيسى الصقر !؟ أو محمد خضير أو جليل القيسي، احمد خلف!؟ وفي مجال الشعر لشعراء عراقيين ما لاحصر له من المبدعين المستحقين.

من المكابرة والادعاء قياس ابداعات المثقفين مقارنة بما قدمه ادونيس من شعر وتنظير ادبي، ولاحاجة لتأكيد انه وبحسب شعراء ونقاد أو مفكرين عرب يعدون ادونيس شاعر وفيلسوف الشعرية العربية، واستشهادي هنا به يأتي من خلال عرضي ومناقشتي لمبدأ ثقافي – اخلاقي وخطاب يسود الثقافة العربية هو ان معايير واخلاقيات النشر المنحرفة لاسباب عدة الحقت ضررا فادحا باجيال من المبدعين العراقيين والعرب على حد سواء، اوصلت الثقافة العربية والشعرية العربية على وجه التحديد إلى ادنى مستوياتها في نمط تغييب مبدعين حقيقيين ابعدوا عن منطقة الاضواء الابداعي والساحة الثقافية ولم يفلت من هذا العدد الكبير المهمش سوى طاقات شبابية استطاعت تأكيد حضورها خارج بلداتها في الغربة.

 (2)

في العام 1972 كنت في بدايات مطالعاتي الدؤوبة لمجلة (الآداب) اللبنانية، صاحبها ورئيس تحريرها الروائي الراحل (د. سهيل ادريس) ودار الاداب للطباعة والنشر والمجلة، يكون من العبث التخريبي غير المجدي واللااخلاقي ثقافيا نكران فضلهما في احتضان شباب الثقافة والادب والفنون العربية، ليكونوا قامات سامقة في سماء الثقافة العربية على امتداد الوطن العربي، من دون استثناء ادباء أو شعراء وفناني قطر عربي واحد، ورغبّتهم وشجّعت على طبع نتاجاتهم الابداعية وقدمتهم من خلال دار الاداب نجوما عربية على الساحة الدولية الثقافية. كما ان فضل دار الاداب في ترجمة روائع الادب والثقافة والفنون والفلسفة الاجنبية إلى العربية لايقل عن تعاملها المدبئي الاخلاقي امام جبروت الانظمة العربية في ملاحقة ومصادرة حرية المثقف والاديب والفنان وحجب كتاباتهم وتصفية البعض منهم جسديا أو الموت بمرض السل في اقبية السجون.

في ذلك الوقت حاولت كتابة شيء، وكتبت مقالة ادبية حول علاقة الشعر الجديد بالجمهور المتلقي، وارسلتها إلى صحيفة الجمهورية العراقية في بغداد – الصفحة الثقافية، ومر اكثر من شهر ولم ينشرروها أو يكلفوا انفسهم الرد الجوابي لي رغم تأكيداتي المتكررة لهم. اعدت كتابتها ثانية بخط اليد وارسلتها بالبريد على عنوان مجلة الاداب، وهي شهرية كما هو معلوم وبعض من اعدادها يترجم إلى لغات اجنبية للتعرف من خلالها على الادب العربي... اليس من الغريب العجيب الذي لايمكن تصديقه ان تنشرها مجلة الاداب لي بعد ان رفضتها صحيفة يومية في بغداد!؟ الذي ادهشني ان المجلة نشرتها في عددها الشهري التالي مباشرة. (مجلة الاداب، ع11، 1972) . لازلت احتفظ بالعدد، وضحكت في حينها على هذه المفارقة، اذ كانت المادة صحفية كيف  يمكنها عبور ضوابط وشروط هيأة تحرير مجلة مثل الاداب تعتبر اهم مرفق ادبي ثقافي ليس في لبنان وحده بل في الوطن العربي باكمله. ولازلت اقر واعترف ان مجلة الاداب ليس من مهامها ورسالتها الثقافية الادبية الناضجة ان تأخذ بيد المبتدئين في الكتابة، وما اهمية وقيمة ما كتبته في بداية السبعينيات على صفحات الاداب مقارنة ومقايسة بكتابات كبار الفكر والثقافة والادب والفنون على صفحات الاداب!؟ امثال محمود امين العالم، محمد عيتاني، محمد دكروب، صبري حافظ، سامي خشية، جورج طرابيشي. ومن الشعراء نزار القباني، محمود درويش، سميح القاسم، ممدوح عدوان، فدوى طوقان، وعشرات اخرين من المفكرين والادباء والاعلام العرب.

 (3)

وفي نفس المنحى من المكابدة، اني كتبت منتصف السبعينيات من القرن الماضي ايضا دراسة تحت عنوان (مؤثرات الفكر السياسي في انبثاق حركة التجديد الشعري) في ظروف اشتد فيها الجدل طويلا حول حسم مسالة الريادة التاريخية في التجديد الشعري، والمفاضلة بين السياب والبياتي، ونازك الملائكة من جهة، ومن بعدهم بلند الحيدري، شاذل طاقة ,  صلاح عبدالصبور، ادونيس، احمد عبد المعطي حجازي، يوسف الصائغ، خليل حاوي.... من جهة ثانية. وذهبت بعض وجهات النظر النقدية التوثيقية لتاريخ الادب العربي في محاولات سحب الريادة التجديدية من العراق، وارجاعها إلى مصر في سبق مؤلفات علي احمد باكثير- من اصل يمني- المسرحية، وكذلك ما قام به لويس عوض في مجلته (ابولو) . اما التيار اللبناني فذهب إلى توكيد ارهاصات التجديد الشعري كانت لدى شعراء المهجر اللبنانيين والسوريين والى الدور المهم الذي لعبته حركة الترجمة الادبية والثقافية بخاصة عن الفرنسية والانجليزية في لبنان، ودور مجلة (شعر) بداية الخمسينات القرن الماضي اللبنانية في اشهر اعلامها، ادونيس، أنسي الحاج، سعيد عقل، يوسف الخال على ان هؤلاء هم رواد التجديد في الشعرية العربية  .

المهم ارسلت الدراسة المشار اليها اعلاه إلى مجلة (آفاق عربية) في بغداد، كان رئيس تحريرها يومذاك الشاعر الكبير الراحل شفيق الكمالي، ومسؤول القسم الثقافي الشاعر الراحل بلند الحيدري، بعد عودته من الاقامة في لبنان منتصف السبعينيات ولم يمض على وجوده بالعراق اكثر من سنتين حتى غادر العراق واستقر المقام به في لندن حتى وفاته. مضى على الدراسة اكثر من شهرين ولم استلم ردا، وصادف اني كنت في بغداد فذهبت إلى مبنى تحرير مجلة افاق عربية قبل انتقالها إلى مجمع في الراشدية. هناك قابلني بمزاج مرح ودماثه خلق الاديب الصحفي المتفلسف في كتاباته (حميد المطبعي) كان يعمل في المجلة ايضا. بعد ان فض شراكته مع مجلة (الكلمة) العراقية التي ارادت احياء (مسار) مجلة شعر اللبنانية، كان رئيس تحرير مجلة (الكلمة) القاص الراحل موسى كريدي والى جانبه الشاعر فاضل العزاوي، وسرعان ما التف حولها العديد من الشعراء الشباب، وتبنت المجلة تجديدا شعريا يتجاوز شعر التفعيلة ذلك هو (قصيدة النثر). كان خط مجلة الكلمة في العراق مجاوزة وعبور شعراء الستينيات، وامتدادا شعريا تجديديا لما كانت بدأته مجلة (شعر) في لبنان، لم يصدر اكثر من خمسة اعداد من مجلة الكلمة حتى تناوشتها الطعون بالشبهات والاتهامات العديدة، لعل في مقدمتها من يقف وراء المجلة، التي كانت تطبع وتصدر من النجف، ومن يتبنى تمويلها رغم بداياتها المتواضعة جدا في الطباعة ونوعية الورق، والتنسيق والاخراج وحجمها، ولم يسلم لا المحررون ولا المساهمون في المجلة من تهمة الشبهة (الاجنبية) في التمويل والتوجيه، ونعتوا الجميع بالزندقة الشعرية والمروق الهدام، في اضاعة هوية وجنس الشعر العربي ربما اكثر مما اتهم به اقطاب مجلة (شعر) في لبنان التي عرفت الادباء العرب باشعار بودلير، رامبو، اندريه بريتون، عزرا باوند، اراكون، مالارميه، فاليري...واتهام اعمدة مجلة شعر بالشعوبية والعمالة,وكذلك مجلة الكلمة     الخ.

اغلقت ابواب مجلة الكلمة وتبخرت اعدادها القليلة من السوق، لكن المفارقة الغريبة انه بعد اكثر من عقدين على وأد ودفن مجلة الكلمة في العراق، تم تأبين محمد الماغوط الشاعر السوري رائدا كبيرا في الشعرية العربية الجديدة (قصيدة النثر) ربما باكثر مما ناله بدر شاكر السياب رائد حركة التجديد الشعري العربي الاول منذ منتصف اربعينيات القرن الماضي.

بعد هذا الاستطراد اعود الى مجلة افاق:

- سألني حميد المطبعي الذي كان يعمل في مجلة آفاق عربية كما سبق واشرت، عما اريد؟

- قلت: استاذ لدي دراسة عندكم قبل اشهر لم تعلموني نتيجة نشرها!؟

- اجابني مبتسما، النتيجة ان دراستك غير صالحة للنشر، والمادة التي لاتنشر لاتعاد لاصحابها!!.

- قلت له: استاذ هذه النتيجة اسمعها منك الآن، ولم تخبروني بها كتابة،عليه فأنا اصر على استرداد مخطوطة دراستي.

- اجابني هذا مخالف لتقاليد النشر والتعامل الثقافي، ولم يسبق معنا مثل هكذا تعامل، فنحن لانعيد المساهامات غير الصالحة للنشر لاصحابها.

- قلت باصرار اكثر استاذ من فضلك اريدها الآن!؟

- عبثا حاول ثنيي عن طلبي ونهض قائلا: انتظر سابحث لك عنها واعطيك اياها ان وجدتها!! بعد اكثر من نصف ساعة عاد وبيده الدراسة (فايل) تقع الدراسة باكثر من اربعين صفحة، سلمني اياها قائلا: خذ اقرأ مطالعة الخبير المختص على الغلاف بقلم الشاعر بلند الحيدري (قلم حبر وردي غامق) : (الدراسة لا تخلو من اجتهادات ادبية ثقافية جديدة صائبة، تهم توثيق كتابة تاريخ حركة التجديد الشعري، مطلوب زيادة تكثيفها وحذف الاستطرادات الزائدة، واعادتها لنا ثانية لنشرها) .

حين وصلت البيت في الموصل، ركنت الدراسة باكملها واحتفظت لحد الان فقط بالغلاف عليه ملاحظات وتوقيع الشاعر الكبير بلند الحيدري. كانت الفرحة لاتسعني، ليس المهم نشرها بل المهم الذي اعطاها حقها.

(4)

قبل وفاة د.سهيل ادريس كتب صفحات قليلة نشرتها له مجلة (العربي) الكويتية في احد اعدادها تحت زاوية (ذكريات) يقول فيها الكاتب الروائي ادريس، في بدايات مطالعاتي وكتاباتي تأثرت برواية فرنسية انكببت على ترجمتها للعربية بشغف كبير. وارسلتها لعميد الادب العربي د.طه حسين ليطلع عليها ويثبت لي ملاحظاته وتوجيهاته. نامت مخطوطة الرواية المترجمة – الكلام لسهيل ادريس – على رفوف مكتب طه حسين، وأنستني الايام ومشاغلي في مجلة الاداب والدار متابعتها، إلى وقت اختارني اتحاد ادباء وكتاب لبنان مندوبا عنهم لأسافر إلى القاهرة وادعو باسمهم طه حسين لزيارة بيروت واقامة مناظرة ثقافية معه واحد اعضاء الاتحاد، يكون محور المناظرة وموضوعها (الالتزام في الادب).

ويكمل ادريس بعد ان قمت بواجب دعوته التي كنت مكلفا بها، تبادلنا في مكتبه بالقاهرة احاديث متبسرة عن الادب والمثقفين، وبعد ان انهيت شرب قهوتي استأذنته بالانصراف، فبادرني قائلا انتظر دقائق دكتور ادريس، وطلب سكرتيره الشخصي (فريد شحاته) قائلا له: اعط الدكتور امانته التي عندنا، مخطوطة الرواية المترجمة التي كان قد ارسلها لنا... وبعد ان استلمتها نهضت مودعا له شاكرا، منهيا كلامه معي: دكتور نحن لا نضيع جهود المثقفين ولا ننسى اتعابهم وحقوقهم. انتهت شهادة سهيل ادريس.

اين هذا المبدأ الاخلاقي – الادبي المسؤول في وقتنا الحاضر!؟

(5)

في العام 2004 اخذت مخطوطات كتبي الاربعة احدها طبعا (كتاب سيسولوجيا الاغتراب) وسافرت إلى دمشق عملا بنصيحة صديق لي نصحني ان اذهب إلى مقر اتحاد الكتاب العرب بدمشق واقابل رئيس الاتحاد علي عقلة عرسان. هناك في المقر دخلت غرفة استلام المخطوطات، سألت احد العاملين عربي غير سوري – اعتقد كان فلسطينيا – استاذي الكريم سبق لكم ان استلمتم مخطوطة كتابي (سيسولوجيا الاغتراب Alienation) بموجب وصل استلام هذا رقم 152 في 3/4/1999 واشعرتموني بكتابكم رقم 316/ص.م في 20/1/2000 – صورة الكتاب رفقة المقال – اعتذاركم عن نشره وجئت لاستلام المخطوط. اجابني بعد تدقيق الوصل والكتاب، انزل ابحث عن مخطوطة كتابك في (السرداب) مع المتروكين!! قلت له استاذي انا احمل معي حاليا نسختين أخريتين من الكتاب... خوفي ان تكون مخطوطة كتابي التي عندكم (لغفتْ) و (شفطتْ) وتركت الغرفة ولم استلم لحد الان مخطوطة كتابي الاولى منهم.

دخلت صالة علي عقلة عرسان، رئيس اتحاد الكتاب العرب, أومأ لي بالجلوس بعد ان حييته بحرارة اذ كان حاملا سماعة التلفون بتحادث بشأن ترتيب موعد سفره إلى لبنان بعد ساعتين حسب ما فهمت، عرفني عراقيا، وجاءني احدهم بشاي، اخرجت مخطوطات كتبي الاربعة، ووضعتها على حافة منضدته، كي يتصفحها أو يقرأ عنواينها ومحتوياتها، اشهد الله كأني وضعت (جذاما) امامه وليس كتبا، ولم يبارك كتابا واحدا منهم بلمسة من يده الكريمة!! وبادرني على عجل قبل ضياع وقته، نحن آسفون لا نستطيع اخذ مخطوطة أيا من كتبك هذه، علينا زخم كبير، مع ذلك كونك من العراق وقد جئت سوريا، اخابر لك (دار الفكر) للنشر والطباعة بدمشق، فهمت اثناء المكالمة انه اوصى (شوقي ابو خليل) بي خيرا. وانا اّهمّ بالانصراف واقفا حاملا مخطوطات كتبي الاربعة، والعرق يتصبب مني، ورد بذهني مالم اكن امتلك ولا تسمح لي به اللياقة الادبية والاخلاقية، وفي بلد غير بلدي، ان اسأله كم مكتبة ملأتموها بأرذل الكتب وأتفهها من مجاميع شعر وقصة ونقد ورواية وملأتم بها الغث من النتاج الثقافي الموزع على ارصفة شوارع الاقطار العربية ايضا. وعلى وفق اعتبارات وتقييمات ومعايير بعيدة جدا عن ضوابط النشر الادبي – الثقافي  السياسي المؤدلج. واهملتم الجاد الرصين على حساب تسويق منتوج المعارف والدعوات والشلل. وأي امانة ورسالة ثقافية يحملها أو يتحملها اتحاد الكتاب العرب بدمشق سواء ايام علي عقلة عرسان أو من كان قبله أو جاء بعده!؟ اتحاد كتاب دمشق معروف بمواقفه المعارضة المتعنتة على ابسط الامور في جميع المؤتمرات الدورية العربية التي يعقدها الاتحاد العام للكتاب العرب، كان ولا يزال اتحاد الكتاب السوريين منبع مزايدة واثارة خلافات وتكتلات وانشقاقات في كل دورة عربية، حتى في مجال الدفاع عن حرية المثقفين في الوطن العربي، يكون للوفد السوري ألمعية وأسبقية  في المزايدة الشعارية على من يريد توحيد الكلمة ووصل وحدة الثقافة العربية، وجميع هذه المواقف مثبتة في وقائع مؤتمرات اتحادات الادباء والكتاب  العربية العامة المليئة بالمهاترات الدائمية للوفد السوري بالضد من اتحاد ادباء وكتاب لبنان والعراق ,وعلى وجه التحديد اتحاد مصر وامثال ذلك مع اتحادات اقطار خليجية. الكثير من الكذب والنفاق والدس الرخيص مررتموه انت وامثالك المؤدلجين من الادباء والكتاب العرب المتنفذين بسطوة السياسة والمال والشهرة الكاذبة. امثال علي عقلة عرسان بالعشرات موزعين في جميع اقطار الوطن العربي ممن نصبوا وينصبون انفسهم اعلاما قيمّين على رسالة الادب والثقافة والفنون العربية، اين ضمائركم وامانتكم المهنية في التزام الكلمة الجادة النظيفة التي لم تدخروا وسيلة قذرة الا واستعملتموها في الحجر على الابداع مع اصحابه في عزلة المقاطعة والتضليل والانزواء والنسيان. ليظهر نجوم ونجمات ثقافة الارتزاق وثقافة التغريب الحداثوي، حتى وصلت حال الثقافة العربية وحتى الصحافة بما لا يسر صديق من الفساد المستشري في الاوساط الثقافية اكثر مما هو موجود من فساد حكومي أو اداري أو مالي. كم من السموم الثقافية والادب الرخيص يطبع وينشر باسم الحداثة. وهي نصوص مليئة بالتهويمات والتجريد السريالي واللغة المقعرة التي لايفقه القارئ منها سطرا. حتى وصلنا إلى ازمة مزدوجة ازمة ثقافة وازمة قارئ. اما فضاءات طلاسم القصة القصيرة والرواية لما بعد الحداثة، فهي عوالم عصية على الفهم والتلقي والاستقبال، يحتاج فيها القارئ المطاولة والصبر كي يتمكن من انهائها ويصل إلى مقاربات مدلولاتها الفلسفية العميقة! لم يبق في مجتمعاتنا العربية من مظاهر الانحطاط الا ان نرسم على اسلوبية تكعيبية بيكاسو، وتجريدية سلفادور دالي، نقيم المعارض في العواصم العربية والعالمية للتعريف بحداثتنا. في مجتمعات تتفشى فيها الامية والفقر بنسب عالية جدا، ومستوى تلقي مجتمعاتنا العربية وثقافاتها بالمحصلة الجمعية أو حتى النخبوية بالكاد تستطيع تفكيك معاني بوستر (ملصق جداري) أو معاني كاريكاتير في صحيفة!! ندرس ونجرب ونكتب عن تجارب توماس مان، فوكنر، جيمس جوبس، كافكا، والقارئ العربي لايزال في مرحلة ذرف الدموع على (عبرات) المنفلوطي.

 (6)

ذهبت إلى دار الفكر في دمشق وسألت عن الاستاذ شوقي ابو خليل الذي كان مفترضا به من باب المجاملة المهنية لغريب لا اكثر مقابلتي بعد المكالمة التلفونية معه من قبل رئيس اتحاد الكتاب العرب علي عقلة عرسان امامي، وربما كانت التوصية بعد مغادرتي غرفة رئيس الاتحاد اكثر حرارة!!. دخلت غرفة يجلس فيها شخصان موظفان، وكررت سؤالي عن الاستاذ شوقي.. اجابني احدهما غادر المكتب قبل ربع ساعة - بين وقت المكالمة وتوقيت وصولي لم يتعد عشرين دقيقة - واردف احدهما تفضل أجلس. التفت نحو خزانة خشبية إلى جانبي، وقرات عبر الزجاج اعلانا مكتوبا على قطعة من الكارتون يقول: نعتذر عن قبول طلبات طبع ونشر الكتب حتى نهاية عام 2006/ كما اسلفت انا زيارتي كانت عام 2004 وفهمت المقصود الواضح. اخرجت مخطوطات كتبي الاربع، وضعتها على جانب منضدة احدهم، وبعد ان تبادلا قراءة العناوين وتقليب بعض الصفحات بتكاسل سألني احدهما: هل حصلت على موافقة رقابة المطبوعات على طبع ونشر كتبك!؟  من وزارة الثقافة السورية؟ قلت باستغراب ساذج على طريقة عادل امام وهل اصبح عندكم انتم ايضا رقابة مطبوعات!؟ الذي اعرفه انكم مع حرية الكلمة الملتزمة كما هي الحال في لبنان اذ يوجد عشرات من دور النشر غير الحكومية تطبع وتنشر ما تشاء من غير تدخل رقابة المطبوعات الحكومية!! فمن اين جاءتكم عدوى رقابة المطبوعات من الجار الشقيق (العراق) أو بالعكس. رد عليّ احدهما: كل شيء اختلف اليوم، واغلب دور النشر في لبنان اغلقت ابوابها من الافلاس، وبعضها باع مطابعه في سوق الخردة... رددت مع نفسي بيروت مهد وطفولة وشباب وشيخوخة الكلمة الحرية والرأي الديمقراطي والمعتقد الديني المتعدد المذاهب، بيروت ضمير الثقافة العربية جرى فيها الذي اسمعه، قطع عليّ احدهما صمتي قائلا: يمكنك ان تجد في بيروت اكثر من دار نشر تطبع لك ما تشاء لكن على نفقتك الخاصة، تمويل من جيبك!! تحسست ورقة المائة دولار التي معي تكفيني للعودة إلى مدينتي الموصل سالما خائبا مع مخطوطات كتبي وهو ما حدث فعلا.

هممت بالنهوض والمغادرة، طلب احدهما مني الجلوس قائلا: بالتأكيد سمعت قبل مدة قصيرة عن معرض الكتاب العربي – الدولي الذي اقيم في بيروت بمشاركة غالبية الدول العربية، قلت قرأت الخبر في جريدة، قال دعني اعطيك مثلا عن بعض ما آلت اليه حال طباعة ونشر وعرض الكتاب من خلال حضوري هذا المعرض الاخير واضاف بكلام تشوبه المرارة: شارك الشاعر الاول في سماء النجومية الشعرية (ادونيس) بمجموعتين شعريتين هما اخر اعماله الشعرية، والشاعر مقيم في باريس منذ ما يزيد على العشرين عاما يكتب باللغة العربية، ويترجم عن الفرنسية، كما ان اعماله الشعرية ترجم بعضها في دول عديدة حاله حال عشرات من الشعراء العرب الموزعين في بقاع العالم، مع زمهرير البرد الذي لايرحم دمائهم الحارة، ولم يعد يأمنو ا شبهة التمييز العنصري وشبهة الارهاب. بعد ان اعياهم النضال والتضحية من اجل اوطانهم وتخليصها من دكتاتوريات انظمة حكم الوراثة والاستبداد – اضاف محدثي ان الشاعر النجم الكبير الاخر محمود درويش شارك هو الاخر في معرض الكتاب بمجموعة شعرية جديدة هي اخر نتاجه الشعري.

حضر الشاعران الكبيران المعرض منذ اول يوم الافتتاح يوقعان اهداءات النسخ المباعة. فهمت مؤخرا – والكلام لي. ان هذا الطقس الثقافي عادة مكتسبة بالتطبع والتقليد وليس بالانتماء الطبيعي العروبي، هي نوع من تسليع الكتاب بهدف ترسيخ نجومية المؤلف ليس الا. لذا لم استغرب الامر فمغني (فيديو كليب) أو مغنية من الدرجة السادسة في المجون الغنائي وفحش الكلام والتعري الراقص، توزع تواقيعها على آخر صيحات تسجيلاته الغنائية الهستيرية على المعجبين والمعجبات، تماما كما يفعل لاعب كرة القدم ونجوم السينما والتلفزيون، بفارق ان نجومية المبدع الشاعر أو الكاتب أو الفنان من المفروض ان تكون في اولوية التسلسل، في حين واقع الحال انه اخر السلسلة في الترتيب، واخرهم في العائد المادي لبضاعته.

-ينهي محدثي قائلا: لا اظنك لم تقرأ لهذين القامتين الشعريتين وشهرتهما النجومية عربيا وعالميا وكلاهما ترجمت بعض اعمالهما لاكثر من خمس لغات اجنبية، اشرت له بالايجاب.

- وهنا اتكأ محدثي على كرسيه مسترخيا قائلا: كم تتوقع مبيعات الشاعرين من ثلاثة مجاميع شعرية منذ اول يوم الافتتاح وحتى اخر ايام المعرض، يوم اغلاق قاعة المعرض وختم اقفالها بالشمع الاحمر إلى اشعار اخر!؟ بيع لهذين النجمين الشاعرين – والكلام له – اقل من ثلاثمائة نسخة لاغيرها. وان كنت غير مصدق فتأكد من حقيقة رقم المباع من غيري. خرجت مودعا اياهما على امل ان نلتقي على حكاية الالف كتاب والقارئ الواحد.

 

علي محمد اليوسف

 

 

alaa allamiكانت مياه الشرب تجري في عقود "مجارٍ" مبلطة من أسفلها بالصاروج الأحمر ومعقودة من اعلاها بالآجر وتدخل المدينة وتنفذ في أكثر شوارع الأرباض جارية صيفا وشتاء في هندسة لا ينقطع هواؤها. وبنيت عدة قناطر بالآجر والجص وتكاثرت احواض مياه السبيل اما العامة فكانوا يحفرون الابار في بيوتهم او ينقلون الماء من دجلة على دوابهم وكان سقاة الماء يسقونه في الجوامع . وعرف العراق البيمارستانات "المستشفيات" قبل الدولة العباسية وفي بغداد انشأ يحيى بن جعفر أول بيمارستان وأسند إدارته إلى طبيب هندي. ولم يكن العلاج مسألة دينية ولم يقف رجال الفقه منه موقفا عدائيا وحزن قاضي القضاة في بغداد ابن أبي عمر لوفاة طبيب شهير آنذاك وحين سئل عن السبب قال " فخر العراق بكثرة رؤساء الصناع " ومنهم الأطباء عهد المتوكل كُلف الطبيب إسرائيل بن زكريا الطيفوري ببناء وإدارة بيمارستان كبير وفي بيمارستان صاعد في عهد المعتضد كان يعالج " المغلوبين على عقولهم" المرضى النفسيين وبلغ ما يصرف عليه 450 دينار للأدوية والأطعمة والأشربة والخبازين والحكماء والكحالين" اطباء العيون" . وحدث أن توفي مريض بسبب غلط طبيب فتقرر إجراء امتحان علمي وعملي لجميع  الأطباء سواء كانوا يطببون المرضى في البيمارستانات  وستثني من الامتحان كبار ومشاهير الاطباء او في بيوتهم وبلغ عدد الأطباء في بغداد ثمانمائة وستين رجلا وكان على اطباء العيون " الكحالون" تأدية امتحان طبي أمام المحتسب يمتحنهم بكتب طب العيون وكان الصيادلة يخضعون لامتحان يحدد قدراتهم أيضا..

وقد انتشرت المكتبات العامة الرسمية في بغداد منذ عهد الرشيد والبرامكة واستمرت الى عهد المأمون وسميت دار الحكمة وكان والي قبرص قد أرسل إلى المأمون الكثير من كتب اليونان فجعل سهل بن هارون خازنا لها وعين فيها المترجمين يعملون على ترجمتها الى العربية. وفي القرن الثالث الهجري بلغ  عدد المكتبات  أكثر من مائة دار إضافة الى مكتبات الخواص فقد اتخذ علي بن يحيى مكتبة في ضيعته " القفص" في ضواحي بغداد وسماها خزانة الحكمة وكان الناس يقصدونها من كل بلد فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم والكتب مبذولة لهم والصيانة مشتملة عليهم والنفقة من صاحب المكتبة ويروى أن أبا معشر المنجم كان في طريقه الى الحج فمر بها فأعجب بها وأضرب عن الحج وأقام فيها لدراسة علم الفلك! وكان للمعتضد مكتبة ضخمة وكان لابن حنبل مكتبة قدر ما فيها باثني عشر حملا عدلا يضعها في بيت يشبه التابوت. ونظم العمل والتصميم في المكتبات فأصبحت المكتبة تتألف من ثلاث حجرات، الكبرى منها لحفظ  وعرض الكتب وجلوس القراء والثانية لأعمال النسخ والتجليد والخزن والثالثة مأوى لخازن المكتبة وعمالها. وابتاع أبو نصر سابور سنة 383 هـ دارا في الكرخ فعمرها وبيضها وسماها دار العلم وكلف الخوارزمي بالعناية بها. ويبدو أن دار العلم كانت أول المدارس الحديثة التي عرفتها بغداد والعالم وكانت "مركزا من المراكز العلمية لدعم الدعاية الشيعية" كما يقول دي أج ريتشارد في كتابه ( les agitations religieuses a Bagdad aux 9 et 10 siecles ). ويرجح أن أبا العلاء المعري كان صديقا لأحد خازنيها حين زار بغداد وأقام بها. وقد احترقت هذه الدار سنة 451 وكان بها عشرة آلاف مجلد فتدخل عميد الملك ومنع الناس من نهب الكتب ولكنه اختار من كتبها الكثير لنفسه! وبلغ تنظيم المكتبات في بغداد ذروته مع مكتبة الشريف الرضي فقد كان فيها موضعا لدراسة الطلاب وسكنهم وأعطي كل طالب فيها مفتاحا خاصا ليأخذ منها ما يحتاج إليه من كتب دون مراجعة الخازن...يتبع.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

jamal alatabiعام 1972 أخصه بذكر أثير لا لأنه إقترن بصدورجريدة الفكرالجديد الأسبوعية، بل لأنه كان عام الإنتساب لجيل من المثقفين والصحفيين والسياسيين، الجيل الواهب والموهوب، الذي طبع الحياة الفكرية بسماته المميزة .

في شقة صغيرة من عمارة سينما النجوم بشارع السعدون، بدأت التحضيرات الأولى لأصدار الجريدة،كل الوجوه أعرفها، سوى ذلك الوجه الأسمرالذي يدعوك للتأمل في حدقتي عينيه المتسعتين خلف زجاج نظارته المحدّب بإفراط، لكنهما لايقويان على الحزن، قامة فارعة ممتلئة كشجرة أبنوس، مكللة بشعرفضي يغار منه الكهول، ليتني أفهم ما يخبأه هذا الوجه؟ أدرك بعد حين، أنه وجه حسين قاسم العزيز، صاحب إمتياز الجريدة، المؤرخ الذي أثارجدلا واسعا في دراساته عن البابكية .

لم يكن للعزيز دور مميز في الجريدة، لأن فريق العمل ورئيس التحرير فخري كريم تبنى المهمة من ألفها إلى يائها، وكان الدكتور حسين منصرفاً لبحثه الأكاديمي كأستاذ في قسم التاريخ بجامعة بغداد، أنجز العديد من المؤلفات وكتب ونشرالعشرات من الدراسات العلمية في تخصصه العلمي  في سنوات قصيرة من عمره الوظيفي، إذ صدر له : موجز تاريخ العرب والإسلام، التطورات الإقتصادية والإجتماعية، الجزيرة قبل الإسلام، دور المراكز الثقافية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري، وأشهر مؤلفاته: البابكية وإنتفاضة الشعب الأذربيجاني ضد الخلافة العباسية، والمفصّل في نشأة نوروز الذهنية الإبداعية،وشرق الجزيرة العربية والأطماع الغربية .

ولعل خصيصة حسين قاسم، هي منهجه العلمي في البحث بمسارات التاريخ، وإعتماد التفسير المادي له، متيقناً ومتأثراً بأساتذته (السوفييت)، إذ تتلمذ في جامعة موسكو، وتخرج منها عام 1966،ونخص بالذكر منهم المؤرخ كوتولوف الذي أصدر كتابا ً عن ثورة العشرين وفق هذا المنهج .

صنع العزيز لنفسه تياراً صافياً يتدفق في شرايين الكتابة التاريخية، وهكذا نجد أننا كلما أمعنا في سيرته الحافلة بالمنجز، إستطعنا أن نتلمس مدى قدرة المؤرخ على البحث الأصيل، وهي تمثل أولى مراحل النضوج الفكري، وأولى حالات التسامي بالقدرات العلمية له .

العزيز المؤرخ والإنسان، يمكن أن يترك في ذات أي من معارفه وأصدقائه وتلامذته أثراً لاينسى، وهذا الأثر بإعتقادي لايمكن أن ينفصل عن تاريخ العراق ذاته، إذا أستطعنا أن ندلل على العلاقة بين تاريخه الشخصي، وبين آثاره الإبداعية التي تؤلف فصول أيامه وأعماله معاً . يقول عنه زميل دراسته في موسكو ضياء نافع :انه واحد من أعلام العراق المعاصر، مؤرخ شهير وأستاذ لامع، يبدو مهيباً، نعامله بإحترام، هادئاً بتصرفاته وطريقة حياته .أثار ضجة هائلة ونقاشات واسعة ومثيرة وصاخبة في أوساط المثقفين والمؤرخين العراقيين .

تستقبله بحرارة معاهد الدراسة ومراكز البحث الأكاديمية في السعودية، حين لايجد ملاذاً له في مثيلاتها بالوطن، بعد نيله شهادة الدكتوراه مباشرة، إذ سبقته كوكبة لامعة من عباقرة الأدب والفكركتدريسيين في الجامعات هناك بعد إنقلاب شباط 1963. أوليس هذا قدر العلماء، الذين أسهموا في بناء الوطن؟ الذين أعييت نفسي في البحث عن صورة واحدة لأحدهم، موضوع إستذكارنا، فلم يسعفني (العنكبوت) ولا الصحافة المكتوبة، ولاالمقروءة، أن تضيء المقالة بوجه حسين قاسم العزيز، فيا له من زمن تغرب فيه النجمات من السماء؟

يبقى العزيز في حياتنا، في أذهاننا، وفي دفاتر مذكراتنا، بل في تواريخنا المعيشة والمكتوبة، رائداً من رواد كتابة التاريخ، ومساهماً في حركة التنوير الفكري العراقي، أستاذاً وباحثاً وإنساناً،عاش أيامه الأخيرة معتكفاً في داره، وكأن الإحالة على التقاعد هي إحالة إلى الموت، وإلى الشطب من سجل الأحياء، سوى بعض الأصدقاء وجاره محمود شكر الجبوري الخطاط، ورفيق دربه مكرم الطلباني القريب من منزله، يعاودونه ويردّون وحشته التي خففها بتبني طفلة صغيرة، كبرت وتزوجت فملأت حياته وطراً .

كان حسين العزيز قلباً صافياً مفعماً بالحب لكل الناس، وصدراً لايتسع لضغينة، وروحا ً عامرة بالأمل . فأين نحن منه الآن؟ وأين تذكاراته الباقية بعد أن شغل الوسط الأكاديمي بالجدل والحوار؟ رحل بصمت بعد أن تقطع قلبه حسرات وأمنيات عزيزة لم تتحقق .

 

جمال العتّابي

 

 

jasim alhalwaniمع أن الأخبار التي كانت تصلني من أربيل مباشرة، بعد تعرض الرفيق عزيز محمد إلى كسر في ساقه وملازمته الفراش، أشارت إلى احتمال مغادرته دنيانا، فاني قد صُدمت بوفاته وتألمت وحزنت بعمق، نظرا لوشائج الرفقة الطويلة التي ربطتنا والتي امتدت لستة عقود. وكلما هممت بالكتابة عنه، تنهال علي الذكريات  بحلوها ومرها وشجونها وملابساتها... فتمنعني من الكتابة. في نهاية المطاف آليت على نفسي أن أكتب قدراً من ذكرياتي عنه.

تعارفنا الذي امتد لستة عقود لم تكن لقاءاتنا فيها متواترة ومستديمة، سوى في الفترة التي  كنت سجيناً معه لأكثر من سنة قبل ثورة 14 تموز، 1958 والفترة التي كنت فيها عضواً في اللجنة المركزية (1964-1985) وخاصة خلال عمر سكرتارية اللجنة المركزية (1973-1978) التي كان يرأس الرفيق أبو سعود اجتماعاتها أسبوعياً. ولا يسعني أن أغطي كل تلك الفترات فقد تركت الكتابة منذ مدة غير قصيرة بسبب الأحوال الصحية وضريبة الشيخوخة، وسأكتفي  بأول فترة وبآخر لقاء معه.

1288 jasim

الصورة في أربيل أواخر كانون الثاني 2017

فقد التقيته لأول مرة في سجن بعقوبة الانفرادي في عام 1957. لم نكن في بداية الأمر سوية في قسم واحد، فتعارفنا  من وراء القضبان وعلى عجل وكان مكبلاً بالحديد، فبادرني بالقول: "ما هي  علاقة الصهيونية بالانشقاق"؟ أجبته: "إذا أنت لا تعرف فكيف تريد مني أن أعرف". كان سؤال الرفيق عزيز محمد  يتعلق بمنظمة "راية الشغيلة" التي أشارت في بيان حلها في عام 1956 إلى دور للصهيونية في انشقاق الحزب في عام 1953.

 إن قصة هذا الانشقاق ودور عزيز فيه هو باختصار ما يلي: لقد كان العديد من كوادر الحزب يلاحظ بروز نزعة يسارية ـ انعزالية وسلوكاً بيروقرطياً وفردياً في قيادة الحزب. وقد تحولت تلك الملاحظة إلى "معارضة" داخل الحزب بعد صدور ميثاق (برنامج) جديد للحزب، في ربيع 1952، والذي صار يعرف باسم ميثاق "باسم"، نسبة إلى الاسم  الحزبي لبهاء الدين نوري قائد الحزب آنذاك. نشر هذا الميثاق دون عقد مؤتمر أو كونفرنس أو حتى اجتماع للجنة المركزية لمناقشته وإقراره. وغيّر الميثاق ستراتيجة الحزب لتلك المرحلة من حكومة وطنية ديمقراطية إلى جمهورية شعبية متماثلاً مع تجربة جمهورية الصين الشعبية. وقتها فجّر الميثاق الخلاف الفكري داخل الحزب وكانت اللجنة القيادية المسؤولة في "سجن الموقف" في بغداد أبرز المعارضين في السجون، وكان سكرتيرها الرفيق عزيز محمد ومن بين أعضائها  الرفاق جمال الحيدري وإبراهيم شاؤول وحمزة سلمان ويعقوب مصري.

وقد كتب الرفيق عزيز محمد رسالة إلى قيادة الحزب تتضمن ملاحظات حول الميثاق الجديد، باعتباره يحرق مرحلة التحرر الوطني وبالتالي لا يعير أهمية لتجميع القوى الوطنية. وأشير في هذه الرسالة إلى أن الحزب يبالغ في تقدير قواه ويقلل من دور الأحزاب الوطنية (البرجوازية)، وان المهمة الراهنة هي إقامة حكم وطني ديمقراطي وإن شعار الجمهورية الشعبية من شأنه التفريط بقوى متمسكة بالملكية. وقد عُرفت هذه الرسالة برسالة "م" نسبة إلى الاسم الحزبي للرفيق عزيز محمد آنذاك (مخلص). وكان رد فعل بهاء على الرسالة، هو عزل عزيز عن مهمته القيادية واحتجاجاً على هذا الإجراء اعتذر أعضاء اللجنة الآخرون عن استلام المهمة. فقرر بهاء طردهم جميعاً من الحزب! فقرروا الانشقاق عن الحزب وسموه انتشالاً وأصدروا جريدة باسم "راية الشغيلة" ومن هنا جاء اسم منظمتهم.

وانشقت المنظمة داخل السجن، وأصبح لكل جناح قاعته ولجنته الخاصة. وقد التحقت بالمنظمة المنشقة كوكبة لامعة من كوادر الحزب، استشهد الكثيرون منهم بعد ذلك تحت التعذيب الوحشي مثل جمال الحيدري وحمزة سلمان وحسن عوينة ونافع يونس وعدنان البراك وإبراهيم حكاك وعواد الصفار (استشهد في انتفاضة 1956. ومن بين الكوادر أيضاً التحق بالمنظمة الرفاق عادل مصري وعبد الرزاق الصافي وسلام الناصري وإبراهيم شاؤول وعادل سليم وكاظم فرهود ويوسف حنا وعبد الحسين خليفة وحسين سلطان وغيرهم.

كنت مهتماً في السجن بمعرفة تفاصيل تاريخ الحزب وقادته ولم يكن ذلك، إطلاقاً، عن سابق تصميم أو لأني قد أحتاج إلى ذلك لكتابة ذكرياتي في يوم ما، والتي لم أفكر في كتابتها، بل كانت محض نزعة غريزية بحكم قناعتي الراسخة بارتباطي المصيري بالحزب. و قد لقيت ضالتي في الرفاق القدامى. ولم يبخل الرفيق عزيز محمد، الذي عشت معه في زنزانة واحدة لفترة طويلة بالإجابة على أي سؤال لديه معلومات عنه، ما عدا الحديث عن ظروف انشقاق منظمة راية الشغيلة. فقد باءت محاولاتي لتحفيزه، على الحديث عن تفاصيل  ذلك بالفشل. إن كل ما سمعته منه هو: "صدّقني لم نكن نفكر يوما بالانشقاق عن الحزب، لا أدري كيف حصل ذلك".  يقولها متوتراً ويُغلق الموضوع. ومرة أجابني: "جلسنا على سطح الفرن" ولم يكمل كلامه إنما نفخ بيده وضرب الهواء بقوة، وكأنه يصفع أحداً، وأضاف "لعد شعبالك؟" (ما الذي يخطر ببالك إذن؟)

وأعتقد بأنه كان يريد أن يسخر من عملية الانتشال (الانشقاق)، وأراد بحركته وكلامه ذاك أن يرسم صورة كاريكتيرية لها.

تحولت سجون الشيوعيين في العهد الملكي  المباد إلى مدارس لتخريج الكوادر الحزبية. ولمكافحة هذه الظاهرة قام النظام الملكي  ببناء سجن بعقوبة الانفرادي بإشراف "النقطة الرابعة الأمريكية" سيئة الصيت. وتعرض السجناء في هذا السجن إلى ظروف قاهرة تكتنفها صعوبات جمة. وفي هذه الظروف التقيت وعشت مع الرفيق عزيز محمد حوالي سنة في زنزانة واحدة، حتى إطلاق سراحنا بعد ثورة تموز.

إن أحلك الظروف التي واجهتنا في سجن بعقوبة الانفرادي هو حرماننا من الكتب والصحف والورق والأقلام، والتفتيش اليومي المصحوب بالإهانات والعقوبات بالسجن الانفرادي أو بالمقرعة لأسباب تافهة. كانت أخبار الحزب ومنشوراته تصلنا ونتداولها سراً، وتستنسخ الكراريس على دفتر أوراق لصنع السكائر اليدوية (دفتر لف). وكانت جريدة البلاد، وغيرها تصلنا بشكل سري وغير منتظم، ونتداول أهم ما فيها سراً.

لم يتوان الحزب يوماً عن المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ولا عن فضح ما يتعرضون له من تنكيل. فعلى سبيل المثال، نشرت جريدة "اتحاد الشعب" في عددها الصادر في تشرين الأول 1957 ما يلي:

"مرة أخرى نعود للتحدث للرأي العام العراقي والعربي والعالمي عما يلاقيه السجناء الأحرار في سجن بعقوبة. فوراء البوابة السوداء لهذا السجن يجري أبشع أنواع التنكيل بحق معارضي حلف بغداد ومبدأ آيزنهاور والمناضلين في سبيل حقوق الشعب العراقي الدستورية وفي سبيل حرية الأمة العربية ووحدتها. ولم يعد أحد يجهل أساليب التعذيب التي تتبعها إدارة سجن بعقوبة تجاه هؤلاء المناضلين وبإشراف من (لجنة مكافحة النشاط الهدام) التابعة لحلف بغداد...إننا نناشد كل الوطنيين الشرفاء ورجال المعارضة الوطنيين ورجال القانون وكل ضمير إنساني أن يرفع صوته استنكاراً لهذه الأساليب الوحشية" 

وما أن طرأ تحسن نسبي على ظروف السجن، وذلك بالاكتفاء بغلق أبواب الزنزانات من الساعة العاشرة ليلا إلى الساعة الثامنة صباحاً، ومن الساعة الثانية إلى الساعة الرابعة من بعد الظهر، حتى أقيمت في السجن دورات تدريسية تضم الواحدة منها بحدود 5ـ 7 رفاق لتدريس الاقتصاد السياسي واللغة العربية واللغة الإنكليزية و...الخ. وكان الاشتراك في دورة واحدة إلزاميا. ويتم التدريس بشكل شفهي. واستخدم المساهمون في دورات اللغة الإنكليزية قطعة صغيرة من لـّب قلم الرصاص ليكتبوا الكلمات الجديدة على أذرعهم، بعد أن يشدوا تلك القطعة برأس ثلاثة عيدان شخاط!

كان في السجن لجنة حزبية مشكلة بقرار حزبي من قبل قيادة الحزب في الخارج وتضم كل من زكي خيري وعزيز محمد ومهدي حميد وبهاء الدين نوري وعمر علي الشيخ وهادي هاشم الأعظمي، وكان الأخير المسؤول الأول في السجن.

كانت علاقتي بالرفيق أبو سعود علاقة رفاقية عادية، أي أنها لم تكن علاقة صداقة ضيقة. وكان هو قد ترك التدخين حديثاً، فكان يلف لي السكائر ولم يفته أن يخبرني بأنه يقوم بذلك لرغبته بشم رائحة التتن ليس إلا، ويبتسم. وكانت السكارة التي يلفها غاية في الرشاقة.

صباح ثورة 14 تموز كنا في الفرن، فقد كان الدور في ذلك اليوم لفريقنا، الذي يضم الرفاق عزيز محمد وسلام الناصري وأكرم حسين وعدنان عبد القادر وأنا وآخرين. وبين الساعة السادسة والنصف والسابعة صباحاً، صاح أحد السجانين وهو يركض بجوار باب الفرن "انقلاب" فاندهشنا. ولم تدم دهشتنا طويلا فقد مر سجان آخر راكضاً وصائحاً "صارت جمهورية" تحلقنا حول الطاولة المخصصة لتقطيع العجين ووزن (الشنكة) وتهيئتها، وكان ذلك عملي في الفرن. بادر الرفيقان عزيز محمد وسلام الناصري بالقول: "ستفشل"!؟ لا أتذكر موقفي بالدقة ولكن ما أتذكره بالتأكيد هو أنني لم أعترض عليهما خاصة وإنني كنت أنظر إليهما باعتبارهما من أساتذتي. ولكن قلبي بالتأكيد لم يكن معهما ليس لطبيعتي المتفائلة فحسب، بل أن معظم السجناء الجدد استوعبوا الأمر بنحو أسرع من السجناء القدماء. ولم تدم هذه الحالة طويلا فقد تبددت بفضل المنحى السريع للتطورات.

عندما عدنا إلى جناحنا في السجن بعد انتهاء عملنا في الفرن وجدنا أبواب الغرف مغلقة، خلافا للعادة. وهذا الإجراء هو أول رد فعل لمدير السجن على الحدث. كانت الأناشيد الوطنية تسمع من راديو بغداد بواسطة مكبرة الصوت. وقد فتحت أبواب الغرف لاحقاً في نفس اليوم. ساد القلق الموقف، فنحن سجناء عزل تحت رحمة قوى غاشمة، فلم تغب عنا حتى هواجس الانتقام في حالة فشل الثورة أو حتى نجاحها.  جاءت التشكيلة الوزارية بشخصيات وطنية وقومية معروفة لنا لتشير إلى أن تحولاً جذرياً قد حصل. بعد فترة خفت القيود علينا، فأخذت الصحف تدخل إلى السجن وأبواب الغرف أصبحت مفتوحة دائما. وبعد حوالي الأسبوعين من الثورة  صدر أول مرسوم جمهوري بقائمة أسماء المطلق سراحهم، وقد أطلق سراحهم فورا، وتوالت المراسيم وأطلق سراحنا جميعا خلال بضعة أسابيع.

في لقائي الأخير مع الرفيق عزيز محمد  في اربيل حيث زرتها لبضعة أيام في كانون الثاني 2017  ذكّرته بسؤاله حول علاقة الصهيونية بانشقاق الحزب عندما تعارفنا في السجن. رد علي قائلا: "سألت الرفيق سلام عادل أيضاً أول ما التقيته، بعد خروجي من السجن في إثر ثورة 14 تموز، ولم أحصل على جواب".

اللقاء الأخير مع الرفيق أبو سعود جرى قبل عدة أشهر من رحيله، وتحديداً في نهاية كانون الثاني 2017. عندما اتصلنا تلفونياً، واتفقنا على موعد لاصطحابي إلى بيته، عرض علي أن أقيم معه خلال وجودي في اربيل، إذا ما أعجبني المكان، فشكرته واعتذرت بكل ود. زارني في نفس اليوم في الفندق الذي أقيم فيه وبعد  استراحة قصيرة أخذني إلى بيته. وحال جلوسنا بادرني بالسؤال عن إحدى مداخلاتي في المؤتمر العاشر للحزب، وكان يصغي باهتمام، كعادته، ويبتسم لما هو مثير في الحديث دون أن يعلق. وعندما انتهيت سألته سؤالاً محدداً، أجابني بكلمة واحدة كانت تكفيني. وبعدها تشعب الحديث. اعتذرت عن تناول العشاء فقد كنت شبعانا ولم تجد معي إغراءاته لتناول كبة برغل، وتعشى هو عشاء بسيطاً. لم أتبين ماذا كان يأكل لتجنبي النظر إليه وهو يعاني صعوبة كبير في تناول طعامه بسبب الرعاش في يده.

وجدت عزيز بنشاط ذهني جيد وبذاكرة جيدة أيضاً نسبة لعمره الذي ناهز الثالثة والتسعين. يعاني من رعشة اليدين ولكن ذلك لم يعقه عن تناول طعامه وشرابه، واستخدام العكازة في حركته، وتفقد  مجايليه من الرفاق مثل الشاعر دلزار (97 عاماً) وكريم أحمد (94 عاما) وعمر علي الشيخ ناهز (90 عاماً). ولكن أعاقه في السنين الأخيرة من عمره من حضور الكثير من الدعوات المهمة. وأخبرني بأن أخشى ما يخشاه هو أن يصبح مقعداً، وتحققت أمنيته!

بيت الرفيق عزيز قديم وأثاثه بسيط وقديم، ولم تدخله التكنولوجية الحديثة، فلا وجود للكومبيوتر ولا  للانترنيت ولا للتلفون الذكي، وعرفت بأنه يقرأ يومياً ما معدله 5 ساعات. سألته كيف تتسلى؟ أجاب بأنه يشاهد الرياضة في التلفزيون. يعني لا موسيقى ولا غناء ولا أفلام ولا مسلسلات وكل هذه متيسرة في التلفزيون. عندما هممت بالمغادرة  جدد عرضه بالإقامة معه وأراني الغرفة المهيأة لإقامتي ومن ثم غرفته وهما تحتويان على أسرة من الطراز القديم وأجواءهما كئيبة، فعلقت عفو الخاطر بكلمة واحدة وهي: دروّشة، سمعني ولم يعلق. شكرته مجددا على عرضه لاستضافتي وغادرت.

وعند مغادرتي أربيل أصر على أن يرافقني إلى المطار وكان يحمل كارت يعفي سيارته من التفتيش، ويتجدد هذا الكارت كل ستة أشهر بعد دفع مئة ألف دينار. عند وصولنا المطار كان معي حقيبتان. ذهبت لأجلب عربة لهما، وعندما عدت وجدت الرفيق عزيز متجها نحو باب المطار وهو يسحب إحدى الحقيبتين بيده اليمنى وعكازته بيده اليسرى! وبعد أن  لحقت به داخل المطار، وجدته قد حجز لي موقعأ في الدور. لقد تأثرت كثيراً لتصرفه هذا الذي يجسد تواضعه الجم ووفاءه غير المحدود لتاريخنا النضالي المشترك، والذي هو جزء من التاريخ النضالي للحزب الشيوعي العراقي، ورغبت أن أعبر له بعبارة مؤثرة تتناسب مع لطفه، عندما تعانقنا عناق الوداع، فقلت له "مرافقتك لي أعتز بها كثيراً وستبقى خالدة في ذاكرتي". وقد ظل واقفا يراقبني حتى غبت عن النظر بأخر تلويحة من أيدينا.هل كل هذا الاهتمام بتوديعي مبعثه شعوره بأنه الوداع الأخير؟ ربما. أما أنا فلم يخطر ذلك ببالي.

كانت علاقتي بالرفيق عزيز علاقة رفاقية عادية أي لم تكن علاقة صداقة ضيقة، كما ذكرت سابقاً. وبدا لي بأنه كان يحرص على أن تكون علاقاته مع الرفاق الآخرين على مسافة واحدة، غير مقاسة بالسنتيمترات، فهناك هامش معين للبعد والقرب، ولكني أعتقد أنه لم تكن لديه علاقة صداقة حميمة خاصة مع أحد يفتح فيها قلبه ويتبادل همومه معه، فجميع الرفاق أصدقائه. ولا أحسب بأن ذلك كان درءاً لتهمة العلاقات التكتلية، بقدر ما هو سلوك حزبي نابع من مستوى رفيع وخصلة قيادية.  وظل هذا السلوك ملازماً له، وكان ذلك أحد أسباب انتخابه واستمراره سكرتيرا للجنة المركزية لمدة طويلة. هذا إلى جانب تواضعه وإخلاصه للحزب وقضيته، وصلابته أمام العدو وعفة لسانه، فهو يتجنب الإساءة إلى أحد، بمن فيهم خصومه ولم يحقد على أحد ويتجنب استخدام الألفاظ البذيئة، و يده بيضاء، وقبل هذا أو ذاك فأن إنسانيته عميقة . وكان يعوض عن مستواه النظري والثقافي باستثمار كل إمكانيات الرفاق الأكفأ منه في هذا الميدان. الرفيق أبو سعود قليل الكلام ولكنه متفوه ضليع باللغتين العربية والكردية وعندما يتكلم تكون  أفكاره واضحة ومرتبة. ويصغي بانتباه وتفهم ولا يتنصل عن مسؤوليته عن اخطاءه. ولكن هل تعرضت بعض خصاله تحت ضغط هذا الظرف أو ذاك للاهتزاز مؤقتاً؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال، إلا بالإيجاب، لأن الرجل كان إنساناً طبيعياً وليس معصوماً. وكل من التقى به بعد تخليه عن مسؤوليته السابقة لمس خصاله الحميدة الجيدة. وإن  "دروًشته"، التي سبق وأن أشرت إليها، بمعناها الايجابي أي الزهد بمتع الحياة، دليل على ذلك.

لقد رفض الرفيق عزيز محمد بجد ترشيحه سكرتيراً للجنة المركزية في الاجتماع الكامل للجنة في براغ عام 1964، معلنا بأنه غير مؤهل لتلك المهمة وطلب دراسة حزبية، ولكن الاجتماع رفض اعتذاره وأصر على ترشيحه وإرساله للدراسة الحزبية في نفس الوقت! شارك  في الاجتماع عامر عبد الله وبهاء الدين نوري عضوا مكتب سياسي سابقاً وكذلك باقر إبراهيم وسلام الناصري عضوان مرشحان للمكتب السياسي، الم يكن أحدهم مؤهلاً لسكرتارية اللجنة المركزية آنذاك؟ كلا لم يكن، ليس بدليل عدم انتخابهم لهذا المركز في الاجتماع فحسب، بل  بدليل عملي فقد عاد بعد الاجتماع بهاء الدين نوري كمسؤول أول مع عدد من أعضاء المكتب السياسي الجديد مع كامل الصلاحيات، ولم يدبروها وناخو تحت العبء، فطلبوا من الرفيق عزيز محمد قطع دراسته التي باشرها والعودة إلى الوطن لممارسة مهامه، وظل هذا القرار المجحف يحز في نفسه. بناء على ذلك أجد بأن الرفيق عزيز محمد يبالغ بتواضعه عندما يحسب وجود آخرين أكفا منه وبأنه كان سكرتيراً توافقياً. باعتقادي كان الأكفأ ضمن ظروف الحزب آنذاك، لخصاله القيادية والأخلاقية التي أشرت إليها، وهذا ما لمسته حتى أخر اجتماع كامل للجنة المركزية حضرته وانتخبته في عام 1984. 

ومهما قيل ويقال فسيبقى الرفيق عزيز محمد قامة شيوعية عراقية وأممية وكردية مميزة، في تاريخ العراق الحديث، ومن حق الشيوعيين وكل العراقيين المنصفين أن يفتخروا به، فقد ظل واقفاً ولم ينحن أمام العواصف، مهما كان سعيرها، تماماً كنخيل جنوب العراق،  وشامخا وثابتاً لا يتزحزح، كجبال كردستان، عن حلمه ونضاله من أجل عراق حر وشعب سعيد وعالم يسوده السلام.

 

جاسم الحلوائي

 

تواردت الاخبار بعد ظهر يوم الاربعاء  31 / 5 / 2017 من مدينة اربيل حول وفاة عزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، عن عمر يناهز 93 عاما، وكعادة العراقيين بدأ تداول وانتقال الخبر بينهم عبر طرق التواصل المختلفة مع هالة من المديح والاطراء للراحل جعلت منه اقرب ما يكون الى الالهة والقديسين والانبياء، من خلال ذاكرة عراقية معطوبة ومشوهة بقصد او دون قصد، وبالتالي انهال علينا الطبالين والمزمرين والمداحين والمتملقين بعشرات التقارير والمقالات عن التاريخ النضالي والانجازات الوطنية والحزبية الفذة للراحل, واكمالا للصورة ادرج هنا بعض المحطات من حياته، وما خفي كان اعظم، ليطلع الجيل الصاعد من الشيوعيين واليساريين وغيرهم على الحقيقة وفقط الحقيقة، والتي يتجاهلها البعض لغرض في نفس يعقوب ولتحريف الوقائع تماشيا مع المصالح الشخصية وسوء النفس البشرية وازدواجية الشخصية العراقية . عزيز محمد ابن ابيه  ولد عزيز محمد عام 1924 في احدى قرى كردستان من امه مهاجرة (او هاربة) من ذويها من تركيا لتستقر في اقليم كردستان العراق وتعمل هنا وهناك لتجد ما يسد رمقها وانجبت وليدها الوحيد عزيز من شخص يدعى محمد لتهجره بعد فترة (او يهجرها) بحجة زواجه من اخرى، في ظروف غير واضحة المعالم، وقد اشار عزيز الى ذلك ولأول مرة، الى انه يعتبر نفسه ابن امه وذلك خلال المقابلة التي اجراها معه الباحث الدكتور سيف عدنان القيسي، ورغم التنقيح والتعديل والتهذيب التي تعرضت له تلك المقابلة على يد اثنان من اعضاء اللجنة المركزية السابقين الذين تبناهم عزيز واصبحوا جنود مطعين له ، طاعة عمياء، بعد نشرها في مواقع النت المختلفة، ليعاد طبعها في كراس، ولتبقى شطحة عزيز في كونه ابن امه على حالها رغم حذاقة المنقحين وليفهم اعلان عزيز هذا وبدون وعي منه، انه ابن ابيه. واستمر عزيز في التنقل من منطقة اخرى وحسب ظروف عمل والدته، وهي تخدم في المساكن .

عزيز والنشاط السياسي

في مرحلة الشباب عمل عزيز محمد في كل او غالبية التنظيمات السياسية التي كانت في الاقليم ليستقر به المطاف في الحزب الشيوعي العراقي عام 1945. على اثر اعتقال الشهيد الخالد فهد ورفيقيه حازم وصارم وعدد كبير من رفاق وكوادر الحزب والضربات الموجعة التي وجهت للحزب من الاجهزة الامنية في العهد الملكي 1947، طلب المسؤول الاول في الحزب في حينها مالك سيف من تنظيمات منطقة الاقليم ارسال رفيق غير معروف مع عائلته للسكن في بيت المطبعة الحزبي لغرض التمويه والتغطية، فوقع الاختيار على عزيز محمد ووالدته، فقدموا الى بغداد واسكنوا في دار الطباعة بدون اي مهام حزبية واضحة فقط للتغطية على البيت كونه مسكون من عائلة كردية، حتى حركتهم كانت محدودة او ممنوعة لغرض الصيانة، اختير لعزيز اسما حزبيا هو عبد الله، وكان البعض يطلق عليه اسم ابن الكردية كون امه لا تجيد اللغة العربية ، عمل عزيز في تلك الفترة على مساعدة الطباع في بعض الامور البسيطة وانتقلت العائلة الى بيت حزبي اخر لأغراض حزبية .

عزيز في قبضة الادلة الجنائية

 على اثر تعاون عبد الوهاب عبد الرزاق احد العناصر القيادية في الحزب من الاجهزة الامنية كبست عدد من البيوت الحزبية ومنها بيت المطبعة الذي يسكنه عزيز ووالدته، حكم على عزيز بالسجن لمدة 15 سنة واودع في نكرة السلمان وسجن بغداد العام. بعد تسلم بهاء الدين نوري (باسم) قيادة الحزب عمل على اصدار برنامج جديد للحزب، لم يرق البرنامج الجديد لبعض العناصر الشيوعية ولا سيما المخضرمة منها واليهود بالذات والذين لم يتمكنوا ان يكونوا في الواجهة لعدة اسباب، دفعت تلك العناصر بعزيز محمد الى كتابة رسالة الى قيادة الحزب تنتقد تصرفات ومواقف بهاء، عرفت فيما بعد باسم رسالة (م) الحرف الاول من الاسم الحزبي لعزيز محمد (مخلص)، وقع الاختيار على عزيز محمد لأرسال تلك الرسالة باسمه كونه شيوعي غير معروف ومغمور وبالتالي يمكن لتلك العناصر الخبيرة من التملص من النتائج ان كانت في غير صالحها، عند تسلم الرسالة من قبل بهاء اتخذ قرار بطرد كاتب الرسالة ومؤيديه ونعتهم بمختلف النعوت، تلك الرسالة ورد فعل بهاء منها كانت اللبنات الأولى لانشقاق راية الشغيلة عام 1953، حيث التحق  الكثير من الشيوعيين وبعض المنظمات الحزبية ولا سيما منظمة مدينة النجف  بالانشقاق وخصوصا بعد هروب الشهيد جمال الحيدري واختفاءه بالنجف ليقود تنظيم راية الشغيلة، وقد حاول عزيز محمد لاحقا من التملص من الرسالة وما حصل بعدها، حيث يتهرب من الحديث عن الموضوع لأنه لم يكن يتصور ان الامور ستتطور بهذا المنحى، وانتبه الى توريط الرفاق له في موضوع الرسالة ولكن بعد حين .

عزيز في اللجنة المركزية والمكتب السياسي

 بعد  ثورة 14 تموز 1958 اطلق سراح عزيز محمد من السجن حاله حال الشيوعيين الاخرين بعد ان قضى 10 سنوات في السجن ولعلك تلك هي المأثرة النضالية الوحيدة لعزيز محمد في حياته الحزبية وكما سنرى، في اول اجتماع للجنة المركزية للحزب الحق عزيز محمد عضوا باللجنة المركزية وضمن اتفاق وحدة الحزب في عام 1956 وحل تنظيم راية الشغيلة، حيث هنالك بند سري في الاتفاق ينص على توزيع المراكز القيادة بنسب معينة بين الاطراف المتوحدة، واصلا كانت هنالك رغبة لدى القيادة ولا سيما الشهيد سلام عادل لتوسيع اللجنة المركزية مع توسع المد الجماهيري للحزب وتضخم المنظمات الحزبية، بعدها الحق عزيز محمد بالمكتب السياسي، كل هذا وعمره الحزبي لا يتعدى 13 سنة سنتين في كردستان وسنة في بغداد في الوكر الحزبي بدون اي مهام فعلية و10 سنوات في السجن، وبالتالي فهو بلا خبرة او ممارسة فعلية وعملية في قيادة التنظيمات او الجماهير لذلك كان الفشل الفظيع في اول اختبار على ارض الواقع (احداث كركوك في تموز 1959) والتي الحقت اضرارا كبيرا بالحزب وساهمت في ان ينقلب الزعيم عبد الكريم قاسم راسا على عقب في موقفه وعلاقته مع الحزب ويميل الى تقريب ومولاة العناصر القومية والرجعية، والذي فتح الباب على مصراعيه نحو 8 شباط الاسود .

عزيز مسؤول عن احداث كركوك تموز 1959

في احداث كركوك تموز 1959 المعروفة والمشهورة، كان عزيز محمد مسؤول كردستان ومقره في كركوك والشهيد نافع يونس مسؤول تنظيمات مدينة كركوك، وبسبب قلة او انعدام خبرة عزيز محمد وكما ذكرنا في اعلاه، حيث لم يعمل في قيادة اي تنظيمات فعلية وموسعة ولم يساهم في قيادة اي مظاهرة او مسيرة في العهد الملكي، لذلك فشل في تهدئة سعير الاحتقان الطائفي (الكردي ـ التركماني) والذي كان واضحا للعيان وفي تصاعد مستمر ولا سيما قبل تموز 1959، وقد حذر مكرم الطالباني من هذا التسعير ونتائجه في رسائل الى قيادة الحزب ولكن دون جدوى (كما يرد في مذكرات مكرم المخطوطة) وبالتالي فشل عزيز في قيادة المسيرة الشعبية في كركوك بمناسبة الذكرى الأولى لاندلاع ثورة 14 تموز او تساهل مع العناصر الشيوعية الكردية ذات الميول الطائفية ولا سيما ضد التركمان وبالتالي تفجرت الاوضاع وحصل ما حصل في كركوك وتحمل الحزب نتائجه الكارثية والتي تركت اثارها ليومنا هذا، وتهرب عزيز محمد من الموقف بحجة ان الامور خرجت من ايدينا، ولم يحاسب  على ذلك بسبب تسارع الاحداث والتداخل بين احداث كركوك والموصل وتأزم الموقف مع الزعيم عبد الكريم قاسم .

عزيز مع كتلة الاربعة

في فترة نشاط كتلة الاربعة المناهضة للشهيد سلام عادل برزت انتهازية ووسطية عزيز محمد بشكل صارخ حيث كان يضع رجل هنا والاخرى هناك، ومع اوج نشاط الكتلة كان عزيز محمد مساندا لها ولا سيما في موضوع حل التنظيم الحزبي العسكري وجعلوا منه عرابا لهكذا مقترح، ولكن مع احكام الطوق على الكتلة من قبل الشهيد سلام عادل ومناصريه حاول عزيز المناورة والافلات منها، ولرغبة الشهيد سلام عادل في عدم توسيع العقوبات الحزبية تم الاكتفاء بالنقد الذاتي الذي قدمه عزيز محمد عن دوره في كتلة الاربعة، ولعل اعترافه بسذاجته امام سلام عادل هدأ من روع الاخير .

عزيز وانقلاب 8 شباط الاسود

خلال احداث انقلاب 8 شباط الاسود 1963 تمكن عزيز محمد من الافلات من قبضة الانقلابيين نحو كردستان والارتماء في احضان الملا مصطفى البرزاني رغم مساندة البرزاني للانقلاب ان لم يكن له دور مباشر فيه، حاله حال عشرات القادة والكوادر الكرد، في حين تم تصفية وتسقيط خيرة القادة  والكوادر في بغداد والوسط والجنوب، وعلى رأسهم الابطال سلام عادل وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وغيرهم من الشهداء الابرار، تلك الحالة رجحت موقف القادة والكوادر الكرد في الفترات اللاحقة من مسيرة الحزب ودفعت نحو تكريد القيادة وتصاعد المد الشوفيني، كما سنلاحظ لاحقا. في الخارج نشط عدد من القادة وعلى رأسهم الفقيد عبد السلام الناصري (أنور مصطفى) العضو المرشح للمكتب السياسي قبل الانقلاب المشؤوم، نشطوا في فضح الانقلابيين واساليبهم الاجرامية القذرة مع الشيوعيين، وكذلك في العمل على لملمة بقايا الرفاق في الخارج ومحاولة الاتصال بمن تبقى من رفاق او تنظيمات الداخل الشبحية. في تلك الظروف ارتفع نجم الناصري واصبح المتحدث شبه الرسمي باسم الحزب، وتمثيل الحزب امام الاحزاب الشيوعية في الدول الاشتراكية، وبدأ الحديث يدور عن كون الناصري السكرتير القادم للحزب. بعد الصراع بين الانقلابيين فيما بينهم، البعث والقوميين والعسكر، استقرت الامور لعبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني 1963، حيث تكمن من استغلال الخلافات ولاسيما بين القيادات البعثية المتناحرة، ادت تلك الظروف الى بعض الانفراج بالنسبة للشيوعين وخفوت الحملة المسعورة ضدهم وان كان بشكل نسبي، مما ساعد على خروج بعض القادة في الداخل الى الخارج والالتحاق برفاقهم وفي موسكو وبراغ وبدأ التحضير لاجتماع لبقايا قيادة الحزب، أعضاء اللجنة المركزية وبعض الكوادر المتقدمة في الخارج لتحديد سياسة الحزب القادمة ضمن الظروف الداخلية للعراق والمنطقة وكذلك اختيار سكرتير جديد للحزب واضافة وجوه جديدة للجنة المركزية عوضا عن الذين استشهدوا او غيبوا او سقطوا. وصل عزيز محمد الى موسكو، في اول سفرة له الى خارج العراق، مبهورا بما شاهد من تطور وتقدم ورقي وهو الذين قضى اكثر ايام حياته في كردستان الوعرة وجبالها الجرداء وقساوة الحياة فيها، وكان عزيز يعاني من مرض وبائي مصابا به في العراق، حيث تم علاجه في ارقى المستشفيات والمراكز الصحية .

 

خالد حسين سلطان - بغداد

يتبع         

 

 

mujahid mnathermanshadقال رجل من قريش1 ابياتا بحق السيدة خديجة الصديقة:

هنيئاً مريئاً يا خديجة قد جرت***لك الطير فيما كان منك بأسعد

تزوّجت خير البرية كلها***ومن ذا الذي في الناس مثل محمد

وبشّر به البران عيسى بن مريم***وموسى بن عمران فيا قرب موعد

أقرّت به الكتاب قدماً بأنه***رسول من البطحاء هاد ومهتد

السيّدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ...وتلتقي مع زوجها الرسول الاكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) عند الجد الأكبر (قصي).

والدتها «فاطمة» بنت زائدة بن أصمّ بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، كانت سيّدة جليلة مشهود لها بالفضل والبرّ2.

كانت السيدة خديجة (رضوان الله عليها ) في الجاهلية تسمى الطاهرة 3. وسميت بالطاهرة لشدّة عفافها. و تسمى سيدة نساء قريش 4. وكانت تكنى بأم هند 5.

وقد أقامت مع رسول الله (ص) أربعاً وعشرين سنة وشهراً. ولم يتزوّج عليها غيرها، إلاّ بعد أن توفيت (عليها السلام) 6.

وانها من النساء المختارات عند الله تعالى ,فعن أبي الحسن الأول(عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله اختار من النساء أربعاً: مريم وآسية وخديجة وفاطمة»7.

وعن أبي سعيد الخدري: (إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إنّ جبرئيل(عليه السلام) قال لي ليلة اُسري بي حين رجعت وقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة؟

قال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومنّي السلام.

وحدّثنا عند ذلك أنّها قالت حين لقيها نبي الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال لها الذي قال جبرئيل، قالت: إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام وعلى جبرئيل السلام)8.

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول لخديجة (عليها السلام) ويخبرها بما يأتيه من قبل أن ينبأ به، وما يراه في منامه، وتخبره هي بقول ورقة، فلمّا أتاه الوحي من عند الله عزوجل بالرسالة أخبرها بذلك ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت، كما أسلم علي (عليه السلام) فكانا أوّل مسلمين به9.

وإنها (عليها السلام) أوّل من أسلمت من النساء وآمنت برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)منهن، وأوّل من صلّت خلفه(صلى الله عليه وآله وسلم)10.

وعن كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد عن الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألت عن بدء الإسلام كيف أسلم علي(عليه السلام) وكيف أسلمت خديجة؟

فقال: «تأبى إلا أن تطلب أصول العلم ومبتدأه، أما والله إنك لتسأل تفقها».

ثم قال: «سألت أبي (عليه السلام) عن ذلك فقال لي: لما دعاهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يا علي ويا خديجة أسلمتما لله وسلمتما له، وقال: إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الإسلام فأسلما تسلما وأطيعا تهديا».

فقالا: «فعلنا وأطعنا يا رسول الله».

فقال: «إن جبرئيل عندي يقول لكما: إن للإسلام شروطا وعهودا ومواثيق فابتدئاه بما شرط الله عليكما لنفسه ولرسوله أن تقولا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه في ملكه، لم يتخذ ولدا ولم يتخذ صاحبة، إلهاً واحداً مخلصاً، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة بين يدي الساعة، ونشهد أن الله يحيي ويميت ويرفع ويضع ويغني ويفقر ويفعل ما يشاء ويَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ».

قالا: «شهدنا» 11.

وأنّ جبرئيل أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فسأل عن خديجة فلم يجدها، فقال: إذا جاءت فأخبرها أنّ ربّها يقرؤها السلام 12.

وأنها شاركت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تربية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويكفي لها هذا الفخر العظيم حيث كانت حجراً لمولى الموحدين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كما أنه لابد من أن يكون الحجر الذي يتكفّل بتربية الإمام علي (عليه السلام) طاهراً مطهراً مهما كانت خصوصياته، كي يصبح قابلاً لهذا المعصوم أرواحنا فداه. وكما كانت فاطمة بنت أسد حجراً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان لها حظ، فخراً واعتزازاً بأنها كانت أهلاً في مقام المهمّة الموجهة إليها، وكانت بمقام الأم للنبي (صلى الله عليه وآله)، فلخديجة (عليها السلام) هذا الفخر كذلك. ويدلّ على هذا ما ذكره ابن شهر آشوب (قدس سره): ثم إنه كان أبو طالب وفاطمة بنت أسد ربيبا النبي (صلى الله عليه وآله)، وربى النبي (صلى الله عليه وآله) وخديجة (عليها السلام) علياً (عليه السلام). (تاريخ الطبري، والبلاذري، وتفسير الثعلبي، والواحدي، وشرف النبي، وأربعين الخوارزمي، ودرجات محفوظ السيني، ومغازي محمد بن إسحاق، ومعرفة أبي يوسف التستري) أنه قال مجاهد: وأخذ رسول الله علياً وهو ابن ست سنين كسنّه يوم أخذه أبو طالب، فربته خديجة والمصطفى إلى أن جاء الإسلام وتربيتهما أحسن من تربية أبي طالب وفاطمة بنت أسد، فكان مع النبي إلى أن مضى وبقي عليّ بعده.

وفي رواية: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: اخترت من اختار الله لي عليكم علياً. 13.

وعن الباعوني الشافعي: إن أبا طالب قال لزوجته فاطمة بنت أسد أم علي (رضي الله عنهم): يا فاطمة ما لي لا أرى علياً يحضر طعامنا؟ فقالت: إن خديجة بنت خويلد قد تألّفته. فقال أبو طالب: والله لا أحضر طعاماً لا يحضره علي، فأرسلت أمه جعفراً أخاه وقالت: جئني به وحدّثه بما قال أبوه. قال: فانطلق جعفر إلى خديجة فأعلمها وأخذ علياً 14.

وروي أن الإسلام لم يقم إلا بمالها وسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام) 15.

وكانت السيدة خديجة (رض ) عزيزة عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتتمتع بمكانة خاصة حيث يحبّها حبّاً جمّاً، ويعتزّ بها، ويقدر مواقفها المشرفة .

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لمّا توفّيت خديجة (عليها السلام) جعلت فاطمة (عليها السلام) تلوذ برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتدور حوله وتقول: يا أبت أين اُمّي؟

قال: فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال له: ربّك يأمرك أن تقرأ فاطمة السلام وتقول لها: إنّ اُمّك في بيت من قصب، كعابه من ذهب، وعمده ياقوت أحمر، بين آسية ومريم بنت عمران.

فقالت فاطمة (عليها السلام): إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام»16.

فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة (عليها السلام) تصايحها وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلاّ أنّ لاُمّك علينا فضلاً، وأي فضل كان لها علينا؟ ما هي إلاّ كبعضنا.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل      

فسمع مقالتها فاطمة (عليها السلام)، فلمّا رأت فاطمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بكت.

فقال لها: ما يبكيك يا بنت محمّد؟

قالت: ذكرت اُمّي فتنقّصتها، فبكيت.

فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ثم قال: مه ياحميراء، فإنّ الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود، وإنّ خديجة رحمها الله ولدت منّي طاهراً وهو عبد الله وهو المطهّر، وولدت منّي القاسم وفاطمة ورقية واُمّ كلثوم وزينب، وأنت ممّن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئاً17.

وقال ابن شهر اشوب في مناقب آل أبي طالب :ـ

و يصف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله )ورود خديجة يوم الحشر بهذه العبارات البليغة: يأتي لاستقبالها سبعون ألف ملك يحملون رايات زيّنت بعبارة «الله أكبر»

نعم، إنّها أول سيّدة مسلمة تأكل من فاكهة الجنّة حيث ناولها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بيده الشريفة عنقوداً من عنب الجنّة 18.

وهناك روايات واخبار كثيرة وردت على لسان النبي (صلى الله عليه واله ) ومنها :ـ

فقال (ص) :ـ خديجة سبقت جميع نساء العالمين بالإيمان بالله وبرسوله 19.

ـ يا خديجة إنّ الله عزّوجلّ ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا20.

ـ والله ما أبدلني الله خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدَّقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس21.

ـ أحبّ من يحبّ خديجة 22.

ـ أحببتها من أعماق فؤادي23.

ـ لم يرزقني الله زوجة أفضل من خديجة أبداً 24.

ـ لقد اصطفى الله عليّاً والحسن والحسين وحمزة وجعفر وفاطمة وخديجة على العالمين25.

ـ وقال (صلى الله عليه وآله) يخاطب عائشة: لا تتحدّثي عنها هكذا، لقد كانت أوّل من آمن بي، لقد أنجبت لي وحُرِمتِ26.

ـ خير نساء الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم (امرأة فرعون) 27.

ذكر ابن الجوزي عن عائشة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة (عليها السلام) فيحسن عليها الثناء. فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أخلف الله لك خيراً منها؟ قالت: فغضب حتى اهتزّ مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أخلف الله لي خيراً منها، لقد آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل أولادها إذ حرمني أولاد الناس. قالت: فقلت بيني وبين نفسي لا أذكرها بسوء أبداً28.

وروي عن العامة: قالت أم سلمة: فلما ذكرنا خديجة بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: وأين مثل خديجة؟ صدقتني حين كذبني الناس، وأعانتني على ديني ودنياي بمالها29.

وإنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وكما في التاريخ ـ أطلق على العام الذي توفّيت فيه السيّدة خديجة وأبو طالب (عليهما السلام) «عام الحزن»30.

وجاءفي كتاب شجرة طوبى: ولما اشتد مرضها قالت: يا رسول الله اسمع وصاياي.. الوصية الثالثة فإني أقولها لابنتي فاطمة وهي تقول لك فإني مستحية منك يا رسول الله، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وخرج من الحجرة فدعت بفاطمة وقالت: يا حبيبتي وقرة عيني قولي لأبيك إن أمي تقول أنا خائفة من القبر أريد منك رداءك الذي تلبسه حين نزوي الوحي تكفّنني فيه، فخرجت فاطمة وقالت لأبيها ما قالت أمها خديجة، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم الرداء إلى فاطمة وجاءت به إلى أمها فسرّت به سروراً عظيماً. فلما توفيت خديجة أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تجهيزها وغسّلها وحنطها، فلما أراد أن يكفّنها هبط الأمين جبرائيل وقال: يا رسول الله إن الله يقرئك السلام ويخصّك بالتحية والإكرام ويقول لك: يا محمد إن كفن خديجة من عندنا فإنها بذلت مالها في سبيلنا فجاء جبرائيل بكفن وقال: يا رسول الله هذا كفن خديجة وهو من أكفان الجنة أهدى الله إليها. فكفنها رسول الله بردائه الشريف أولاً وبما جاء به جبرائيل ثانياً، فكان لها كفنان، كفن من الله وكفن من رسول الله (ص) 31.

فالسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث حية.

 

 بقلم |مجاهد منعثر منشد

.....................

المصادر

1. اسمه عبد الله بن غنم في كتاب فروع الكافي: ج5 ص374.

2. السيلاوي، الأنوار الساطعة، ص 10.

3. الهيثمي: (مجمع الزوائد ج9، ص218)

4. شرح المواهب اللدنية ج1، ص199

5. . أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني ج16، ص12.

6. انظر بحار الأنوار: ج22 ص200ب2 ح20.

7. الخصال: ج1 ص225 باب الأربعة ح58.

8. تفسير العياشي: ج2 ص279 ح12.

9. قال ابن عباس: أوّل من آمن برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من الرجال علي (، ومن النساء خديجة (. الأمالي للطوسي: ص259 المجلس العاشر ح467. بحار الأنوار: ج16 ص1 ح2 وج38 ص246، نهج البلاغة: ص301 كشف الغمّة: ج1 ص86، العدد القوية: ص245.

10. راجع مستدرك الوسائل: ج6 ص455 باب4ح7221

11. بحار الأنوار: ج18 ص232-233 ب1 .

12. روضة الواعظين: ج2 ص269 مجلس في مناقب آل محمّد عليهم السلام.

13. المناقب: ج2 ص27 و وذكره المجلسي في البحار: ج38 ص294.

14. جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام): ج1 ص39.

15. ذكره الفقيه الكبير المامقاني وقال إنه متواتر، تنقيح المقال: ج2 ص77 .

16. الأمالي للطوسي: ص175 المجلس الساد س ح46.

17. الخصال: ج2 ص404 باب السبعة ح116.

18. الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 9، ص 225.

19. الحاكم، مستدرك الصحيحين، ج 2، ص 720.

20. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص 243 – الأربلي، كشف الغمة، ج 2، ص 72.

21. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 82 – ابن حجر، الإصابة، ج 4، ص 275.

22. محلاتي، رياحين الشريعة، ج 2، ص 206.

23. البحراني، العوالم، ج 11، ص 32.

24. ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 80.

25. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 37، ص 63.

26. القاضي نعمان، شرح الأخبار، ج 3، ص 20.

27. ابن عبد البرّ، الاستيعاب، ج 2 ، ص 720.

28. صفة الصفوة: ج2 ص4. وذكر قريباً منه الذهبي في سير أعلام النبلاء: ج2ص112 .

29. إحقاق الحق: ج4 ص480.

30. كشف الغمّة: ج1 ص16.

 

 

jamal alkersanقصدت فلسطين في العشرينات من القرن الماضي بهدف انجاز دراسة حول المرأة في العهد القديم، لكن مشاهداتها الميدانية دفعتها لتغيير موضوع بحثها الى دراسة احوال المرأة العربية، وبعد الاقامة لعدة سنوات في فلسطين انجزت الباحثة الانثربولوجية الفنلندية هيلما غرانفيست "Hilma Granqvist" دراستها الشهيرة "احوال الزواج في قرية فلسطينية" مطلع الثلاثينات، ذلك المنجز البحثي لم يجد النور الى العربية حتى العام 2015 حينما تمت ترجمته ضمن سلسلة ترجمان التي يصدرها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات".

هيلما غرانفيست المولودة عام 1890 في مدينة سيبو جنوب فنلندا، حاصلة على شهادة البرفيسور من جامعة هلسنكي، كانت طالبة عند استاذ الانثربولوجيا الفنلندي Edvard Westermarck، هيلما تعتبر احد ابرز اساتذة الانثربولوجيا الفنلنديين.

حينما ارادت هيلما انجاز اطروحة للدكتوراه نصحها اساتذتها بدراسة واقع المراة في الديانات القديمة، وهذا ما دفعها للذهاب الى فلسطين، اختارت هناك قرية "ارطاس" التابعة لبيت لحم، عاشت هناك للفترة 1925-1931، وبعد ان باشرت ورشتها العلمية هناك قررت ان تغير موضوع الدراسة معرفة احوال المراة والعائلة العربية. لقد حرصت هيلما على تعلم اللغة العربية، احبها سكان القرية واطلقوا عليها اسم "حليمة" القريب من اسم هيلما، الباحثة الفنلندية ارادت ان تجعل من القرية نواة دراسة انثربولوجية عن المجتمع الفلسطيني.

انجزت دراستها كاطروحة للدكتوراه عام 1930 وقدمتها الى جامعة هلسنكي فرفضت الاطروحة، وبعد عام قدمتها الى جامعة اوبو "Åbo Akademi" الواقعة بمدينة توركو الفنلندية فتم قبولها.

نشرت ايضا عام 1939 كتاب "حياة العائلة العربية" هذا الكتاب حاز على جائزة معروفة على مستوى بلدان الشمال. ثم لاحقا عام 1947 نشرت كتابا بعنوان "الولادة والطفولة عن العرب". نشرت ايضا في مطلع الخمسينات كتابا اخر بعنوان ""مشكلات الطفولة عن العرب". هيلما ايضا اقامت لفترة في الاردن باحدى القرى وانجزت عام 1965 آخر كتبها الموسوم "الموت والدفن عن المسلمين".

كانت حليمة تنوي نشر الصور التي التقطتها في فلسطين لكن الاجل وافها قبل انجاز ذلك الحلم، اذ توفيت في هلسنكي عام 1972. وهذا دفع كتابا اخرين الى انجاز هذه المهمة في كتاب باسم "كارن سيغر"، نشر الكتاب عام 1981.

 في مقدمة النسخة المترجمة للعربية كتبت شهادة لاحد اهم علماء الانتربولوجيا في القرن العشرين ادوارد ايفانز برتشارد "Edward Evan Evans-Pritchard" بحق كتاب ومنجز هيلما جاء في الشهادة: "ليس من السهل أن يوفي المرء كتاب الآنسة غرانكفست حقه من الثناء، فقدرتها على الوصف واستخدام النصوص فائقة، ومادتها الإحصائية منظمة في شكل جيد. وأساليب عملها الميداني لم يتفوّق عليها أحد من علماء الأنتروبولوجيا. وهي تبرز بوضوح في تدوينها مادتها، كيف تؤثر القواعد الرسمية والممارسات الفعلية بعضها في بعض، وكذلك العلاقات بين سلوك الفرد والبنية الاجتماعية. لقد عرّفت العلاقات الاجتماعية المتبادلة وشرحتها بإسهاب كبير. وفسّرت القواعد الاجتماعية بكلمات مخبريها، وكذلك بالاستشهاد بفيض من المواقف الواقعية التي استدعت تطبيقها. والى ذلك، فإن هذه الدراسة لا تقتصر على طقوس الزواج، أو حتى على علاقات الزواج، بل تعالج أحوال العائلة وعلاقات ذوي القربى في شكل عام. وينبغي أن نهنئ المؤلفة على عملها المتميز".

 

جمال الخرسان

 

 

khalidjawad shbaylالكتابة عن الراحلين من الأصدقاء أحسبها مهمةً غيرَ هيّنة، فالحديث عنهم أصبح من الماضي، وكلّما ابتعد الماضي تُصبح المهمة أكثرَ صعوبة، فلئن تقلصت مساحتهم في الذاكرة بفعل جريان الزمن فإن ذكرهم يتجدد في الوجدان..

 كما أجد أن الخوض في التفاصيل قد يجعل الكاتب مُبرزاً ذاته على حساب الراحلين أنفسهم حتى وإن كان الأمرُ عفوَ خاطر لا غير.

وثالثاً أن حدود الكتابة يصعب تأطيرها وقد يؤدي المساق بما لايرضي الراحل حين أودع ما لديه للكاتب بما يدخل دائرة الأسرار وحينئذ يكون الاعتراض ضرباً من المستحيل!

***

 إن أنسَ لا أنسَ أصيل ذلك اليوم الخريفي من عام 1965، حين خرجت من كلية التربية حيث أدرس متجها الى شارع المتنبي، قاطعا المسافة مشياً على القدمين، حيث اعتدت على ذلك كلما فاض في الجيب بعضُ الدراهم لأشتريَ بعض الكتب بما يتيسر لطالب جامعي..

دلفتُ إلى مكتبة البيان المصاقبة لمطعم تاجران الشهير، فاستقبلني رجلٌ بشوشُ الوجه أسمرُه ذو عينين ملونتين أنيق الهندام ... فانتقيت ثلاثة ( أحدها عن ناظم حكمت لأحمد سليمان الأحمد، والثاني عن فابتزاروف شاعر بلغاريا الشهيد للبياتي، والثالث فاتني عنوانه)، فاستلمها الرجل مني وقرأ عنواناتها التقدمية وعبّر عن ابتهاجه: الله الله خليها مولانا على حسابي؛ فشكرته معتذراً؛ ودفعت ثمنها البخس دراهم معدودات!

دخل روعي أن هذا الرجل اللطيف هو صاحب المكتبة الأستاذ علي الخاقاني مؤلف موسوعة شعراء الغري، ومحقق بابليات الشاعر محمد علي اليعقوبي، وكان قد طبع ونشر كتابه عن الشاعرة فدعة علي آل صويح الذي بقي مرجعاً هاماً وفريداً عن خنساء العصر!

وفي عام 1968 نشرت جريدة التآخي قصيدة " أبا الفرسان" للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري مهداة: "إلى أخي الأستاذ عبد الغني الخليلي" وأحسبها المرة الاولى التي سمعت باسمه بعد أن عرفت القاص جعفر الخليلي (ت 1985) بفضل ما توفر لنا من أعداد مجلته " الهاتف" الشهيرة والتي يحمل اسمها شارع هام في النجف حيث كان مقرها قبل أن تنتقل إلى بغداد..

***

في عام 1985 عرفت أن الأستاذ عبد الغني الخليلي في السويد، وذات مرة حيث كنت في مركز المدينة ستوكهولم التقيت به مع بعض من الأصدقاء المشتركين، وكم كانت المفاجأة مبهرة حين التقيت من أخالُه علي الخاقاني وإذا هو الأستاذ عبد الغني الخليلي فامتدت بيننا أواصر الصداقة، وذكر لي علاقته بالوالد وبمعرفته الوطيدة بذلك الرعيل الأول من الشيوعيين النجفيين..

وحين ذكرت له عند لقاءاتنا المتكررة، عن اللقاء الأول به في مكتبة البيان، فرح أشد الفرح وكان يستحثني أن أذكر هذا أمام الأصدقاء الآخرين وأشكل ذمتي في أن أكتب عن هذا اللقاء!

ولد الأستاذ عبد الغني الخليلي في النجف عام 1920 ونشأ في أسرة عريقة امتهن جدها الأكبر حرفة الطب وظلت هذه المهنة تورَث كابراً عن كابر لآل الخليلي.. ناهيك عن الدور العلمي للعائلة التي شيدت مدرسة الخليلي – خلف جامع الطوسي في محلة المشراق- التي خرّجت أجيالاً من الفقهاء والشعراء ! ولا يمكن الكلام عن ثورة النجف (1919) دون ذكر الدور المحوري لعمِّه المناضل الكبير الشاعرعباس الخليلي الناجي الوحيد من المحكومين بالإعدام الذي فرّ الى إيران وقضى هناك غريبا! ( راجع: ثورة النجف لعبد الرزاق الحسني، ومذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي عن ثورة النجف، نشرت فصول منها في الثقافة الجديدة في السبعينات).

في هذه الأجواء نشأ الفتى عبد الغني الخليلي، وشبّ عن الطوق مُحبّا للأدب وولع بالشعر وراح يحفظ عيون الشعر العربي، تشفع له حافظة قوية، نمت وتدربت منذ التحاقه بالمدرسة الابتدائية التي حُرِم منها ليُعين والده البزّاز الذي انتكست تجارته.. واشتغل عامل مطبعة، التي أحب العمل فيها وراح يلتهم ما يخرج منها من كتب! ووجد نفسه محروماً من اللعب مع أترابه الأطفال الذين يلعبون ويمرحون!

ظلّ عبد الغني يروي حادثة أثرت به وهو طفل، حدث أن عثر في سطح الدار على نَسْر صغير مَهيضِ الْجناح، فعمل له كوخاً من الورق المُقوّى وأطعمه قطعةَ لحم وسقاه ماء، وأصبح يخرج كل يوم قبل أن يلتحق بعمله ليجلب له قطعة لحم من سوق القصابين.. وهكذا أبلّ النَّسر من وهنٍ وتعافى، وانعقدت صداقة بينه وبين النسر، حتى أذا جاءه بعد أسابيع قليلة ذات صباح كعادته بقطعة اللحم المعهودة، تناولها النسر وبسط جناحيه ومدّ عنقه وخفق بهما وحلّق بعيداً بعيدا!!

لقد اختلطت المشاعر وهو ينظر بفرح للطائر الذي استعاد حريته جذلاً، وبين حزنٍ لفراق صديق.. ظلّ الخليلي يروي هذه الحادثة وفي كل مرة تترقرق دمعة، فأقول له: إنه الفرح الحزين يا أبا فارس، فيردَ: أحسنتَ احسنت!

***

كان الطفل عبد الغني صغيراً بين الكبار، فتراه ما أن ينتهي من عمله في المطبعة، حتي يذهب إلى مدرسة الخليلي يحضر حلقات الدرس وينصت إلى الكبار في مناقشاتهم وحواراتهم، ثم ينتقل الى حلقات مسجد الهندي، وكان حريصاً أن يحضر مزادات الكتب في الجُمَع، وقد يشتري بما ادّخر بعض الكتب، وهكذا اختزنت ذاكرته الكثير من أسماء الناس ووجوههم؛ خبرهم وخبروه وأحبهم وأحبوه لذكائه وأدبه الجم، وحافظته المدهشة، اختزن فيها الكثير من ديوان العرب، والشعراء وخصائصهم الشعرية، وصادق واستمع إلى بعض من شعراء النجف ممن يقاربونه عمراً أو يكبرونه، وهكذاعرف مصطفى جمال الدين، ومحمد مهدي الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم وإبراهيم الوائلي ومحمود الحبوبي وعلي الشرقي وعلي البازي ومحمد علي اليعقوبي وصالح الجعفري و عبد الرزاق محيي الدين وباقر الشبيبي وآخرين،، حيث كان يحرص على حضور منتديات الرابطة الأدبية، وكان ينظر إلى الشعراء أنهم أناس من طراز خاص، للإجلال الذي يحظون به في مدينة الشعر، وكم منّى نفسه أن يُصبح واحداً من جمهرتهم...

وللخليلي ذكريات يرويها مع أدباء النجف ومنهم مهدي المخزومي وإبراهيم الوائلي وكذلك مع الأدباء الوافدين من لبنان من أمثال حسين مروة ومحمد شرارة ومحمد حسن الصوري وكانوا يومذاك شيوخاً يطلبون العلم في مدارس النجف الدينية ومنها مدرسة الخليلي. يروي أنه رأى الشيخ حسين مروة يحمل طفلأً ملفوفا برداء وخلفه مجموعة من المشيعين متجهين الى مقبرة وادي السلام، وكان الشيخ مروة يكبِّر ويصيح: قتله الفقر.. قتله الفقر!

لقد كان لعمه الأستاذ جعفر الخليلي، رائد القصة العراقية تأثير كبير، وكان قريباً منه في تحريره لمجلة الهاتف، واشتغل معه وكان غني يومئذ يعتمر العقال شأنه شأن المخزومي وكان يساعد عمَّه في جمع الاشتراكات أو الإعلانات، وبهذا استطاع أن يجوب العراق من شماله إلى جنوبه لهذه المَهمة وأن يفهم واقع البلد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.. وجعله ينحاز الى اليسار متعاطفاً مع الكادحين والفلاحين الفقراء.

وحيث عرف بأنني عشت طفولتي في الصويرة، روى لي كيف زارها في نهاية الثلاثينات (أو بداية الأربعينات)، وأشاد بسائق السيارة المعروف مصطفى ترك، وعندما سأله عن فندق، أوصله إلى بيت الوجيه داوود الجيجان الذي أحسن وفادته، وبقي الخليلي يذكر الصويرة وأهلها الطيبين الذين اشتركوا بالمجلة والذين زادوا على ذلك بدعمها!

***

 انتقل الأستاذ عبد الغني الخليلي الى بغداد وعُيِّن موظفاً في أحد البنوك الخاصة في بداية الخمسينات بفضل الوجيه عباس كاشف الغطاء، الذي ظل الخليلي يذكر له فضله ويذكره دون كلل بالخير والعرفان بالجميل، وفي بغداد بدأ حياته الجديدة ( أفندياً) أي يلبس الملابس الأوربية؛ وبذلك أصبح قريبا من عمه الأديب جعفر الخليلي الذي سبقه إليها حيث تصدر مجلته، ومن خلاله تعرف على المنتديات الأدبية في بغداد وروادها الكبار من أمثال: أحمد حامد الصراف وعباس العزاوي المحامي وعبود الشالجي و عبد الحميد العلوجي والدكتور مصطفى جواد وفؤاد عباس وسالم الآلوسي وعبد الرزاق محيي الدين والدكتور مهدي المخزومي والدكتور علي جواد الطاهروالأخوين الساعاتي ناجي جواد وفخري جواد حيث سيصاهر الأخير بالزواج من إحدى كريماته (أم فارس) عام 1957....

بيد أنه ارتبط بعلاقة قوية بالشاعر محمد مهدي الجواهري الذي أصدر عدة صحف في بغداد وأشهرها طرّاً "الرأي العام".. وقد وقف إلى جانب الجواهري في كل المشاكل التي واجهته وما أكثرها!.. وكان الاستاذ عبد الغني الخليلي حافظاً جُلَّ شعر الجواهري عارفا بقصائده ومناسباتها واين ومتى نُشرت! وكان يُعتبر بحق راوية شعر الجواهري. وظل وفيّا له حافظاً الود ومن ذا الذي يتحمل الجواهري ومزاجه المتقلب الناري غير أبي فارس!!

وحين غادر الجواهري مكرها في بداية الستينات واستقر في براغ التي دعا لها بطول العمر لأنها أطالت الشوط في عُمره، كتب إلى صديقه الخليلي طالباً منه أن يُرسل له مجاميع الشعراء " من امرىء القيس حتى السيّاب .." وقد نفذً له طلبه وأرسل له ما أراد! وقد ردّ الجواهري جميل الصداقة بقصيدته التي أهداها للأستاذ عبد الغني الخليلي ومنها:

أبا الفرسان إنك في ضميري – وذاك أعزّ دارٍ للحبيبِ

وبي شوق إليك يهزّ قلبي -  ويعصُره فيخفق بالوجيبِ

وذكرُك في فمي نغمٌ مصفّى – يُرتَّلُ في الشروقِ وفي الغروب

سلامُ الله يعبق بالطيوبِ – على ربعٍ تحلُّ به خصيبِ

وكانت المناكدات بينهما لا تكاد تنتهي ولا تُفسد للودِّ قضيّة ولطالما كان السبب فيها الجواهري؛ وسأذكر اثنتين من العيار الخفيف تاركاً الثقيل:

كان الأستاذ عبد الغني الخليلي بصحبة الجواهري يتمشيان في شارع الرشيد، واذا بمجموعة من الموظفات زميلات الخليلي في مصرف الرافدين يبادرن بالسلام عليه بحرارة نظراً لشعبيته ودماثة خلقه، وعندما ذهبن والجواهري كان ينتظر، بادر الخليلي بغضب قائلاً: تبقى غني لئيم ماتصيرلك جارة، شيصير لو قدمتهن إليّ وكلتلهن هذا شاعر العرب الأكبر الجواهري؟!

وذات مرة اتصل الجواهري بالخليلي قائلاً: غني آني وحدي، الأهل سافروا للنجف، تعال انتظرك على الغدا، وعندما وصل وجد الجواهري متدثراً قائلاً: الأكل بالمطبخ آني تغديت؛ فذهب الخليلي ووجد قدر سبزي (سبانغ) فثرد به قليلاً من الخبز وقليلا من الأرز وراح يحمي الطعام على الصوبه (المدفأة) ثم أضاف بيضتين فضاعت روائح السبزي النجفي المشهور بعبقه فنهض الجواهري من الفراش وصاح: لقد ايقظتني الروائح من نومي لقد كانت جدتي تعمل هذه الطريقة! وجلس يأكل أكل صائم منافساً الخليلي !!

***

ما عرفت شخصاً وفيا لأصدقائه كما الفقيد الأستاذ عبد الغني الخليلي، ولأجل ذلك كانت سلواه في غربته السويدية هو كتابة الرسائل وكانت لحظة سعادته هو انتظار ساعي البريد في الواحدة بعد الظهر وما يحمل من رسائل الأصدقاء الكثر فيرقص لها الخليلي طرباً..كانت رسائل أبي فارس من أجمل الرسائل صدقاً وعاطفة وأسلوباً أنيقاً راقياً يعكس شخصيته ولطالما يضمنها أبياتاً شعريه من مخزون ذاكرته العامرة..

كان يفرح عندما يُهدَى كتاباً وكان هو الآخر يُهدِي أصدقاءه كتباً وما زلت أحتفظ بكتاب الديارات للشابشتي بتحقيق كوركيس عوّاد وقد خطّ أهداءه الجميل بقلم حبر عريض الذي اعتاد استعماله ولم يبدله قط!

كان أبو فارس حلوَ الحديث جميل العبارة صادق العاطفة يذكر الأصدقاء بخير ولم أسمعه قط مغتاباً أحداً..كان سريع البديهة حاضر النكتة محبا وعاشقاً متيماً ببغداد والنجف، يذكرهما ويذكر طقوسه اليوميه حين يتمشى فجراً على شاطىء دجلة وكان يقول: إن الفجر في بغداد أخضر ولا يشبهه فجرٌ آخر قط!

لقد رحل الأديب الأريب أبو فارس وخلّف ثروة من الأدب والخلق الرفيعين.

 

خالد جواد شبيل

ستوكهولم في 31 آب/أغسطس 2016

 

 

jawadkadom gloomمنذ اواسط السبعينات من القرن الماضي بعد ان اكملت بناء بيتي الصغير نسبيا في احدى ضواحي بغداد الجميلة آليت ان اترك فسحة فارغة في مقدمة البيت لاتتجاوز 30 مترا مربعا لازرع فيها شجرة التفاح الاخضر وامامها نخلة صغيرة منتقاة من الاصناف النادرة التي تتميز بها بلادي .

نمت هاتان الشجرتان نموا جميلا مثلما نما ولَدي وابنتاي في جنتي الصغيرة وأثمرتا عينات كانت تكفينا اشتهاء ولذائذ من جنى البيت الصغير السعيد بثمار بنيه وحصيلة الرطب الحلو المذاق مع كرات التفاح الاخضر الحامضي الطعم الذي استسغته واعتدت على قضمه افطارا شهيا مع ساعات الصباح الاولى واحيانا اعمله عصيرا حين يزداد محصول تلك الشجرة الكريمة معنا على مدار اكثر من اربعة عقود من السنوات .

نخلتي هي الاخرى أكرمتني بلَحا اصفر حلواً ورطبا جنيّا بعذوقها الوافرة حينما أراها وأتخيلها اشبه بامرأة جميلة فرعاء الطول ذات اقراط عالقة في اذنيها متذكّرا صديقي البلبل الصغير الذي كان يزورني صباحا باكرا ليشدو في اعلاها مايحلو له من تغريدات جميلة وكنت ارقبه واستمع اليه مصغيا بكل جوارحي وأجهد في تحضير الطعام له بعد وصلة شدوهِ من بقايا ماعندي في برّاد البيت من الفاكهة الناضجة جدا لئلا يغص بها بحلقومه الصغير ومن مبروش التفاح من حديقتي وشيء من الماء اضعها كلّها على سياج البيت ليحط بعد ان ينتهي من شدوه ويبدأ الاكل والشرب ... وتدريجيا اخذ يشعر بالامان والطمأنينة ويقترب مني جدا ويحط على باطن كفي لاغذيه بنفسي مما يتاح لي من طعام وشراب يروق لطائري .

بقي هذا الشادي شهورا على هذه الحال سعيدا آمنا مطمئنا وديعا معي حينما ينزل من عليائه وينتهي من غنائه حتى جاء اليوم النحس الذي غاب عني بشكل مفاجئ ودون وداع ولم يعد يراني واراه وغاب عني شدوه ومغناه الجميل الخالي من النشاز المتنوع القفلات .

أرغمت على الرحيل عن بلادي وتركت بيتي لصديق أحبه على السكن به مع عائلته باشتراط صغير مني ان يحافظ عليه ويصون ما يحتاج الى ترميم دون بدل ايجار وان يحافظ على شجرتي التفاح والنخلة قدر مايستطيع وقته وكنت كلما اتصل به وانا في الشتات البعيدة اوصيه برعايتهما وسقيهما وتشذيبهما وكثيرا ما اتندر معه واقول ساخرا انه لولا شجرة التفاح ووقوع ثمرتها على رأس نيوتن لما اكتشفت قوانين جاذبية الارض ، وهذا الاكتشاف ربما قد يكون مبعث جاذبيتي نحو تلكما الشجرتين الاثيرتين الى نفسي العائشتين معي سواء بحضوري ام غيابي .

بعد سنوات من الاغتراب والتشتت في بلاد الله الواسعة ؛ عدت الى بيتي بعد الاطاحة بالدكتاتورية في العام / 2003 وكانت اول خطوتي الى عتبة داري ان استندت بكامل جسمي على ساق شجرة تفاحتي التي احبها جدا وقد اصبح صلبا قويا وحدّقت عاليا فرأيت ثمارها باسقة وفيرة ، ودون ان ادري فقد عانقتها وشبكت اصابعي حولها وكأنني أعلق بصدر حبيبة واتحسس صدرها دون استحياء على العكس من الطبيب الفرنسي " رينيه ليناك " الذي كان يخجل ويتحرّج جدا من وضع أذنه على صدر النساء المريضات ليسمع دقات قلوبهنّ قبل اختراع سماعة الطبيب ، ولولا انه استند مثلي الى شجرة التفاح يوما ما خلال نزهته باحدى الغابات فإذا به يسمع صوت نقّار الخشب يحفر بمنقاره عشّا له وهو في الأعلى وأدرك وقتها ان جذع الشجرة يوصل ذبذبات الصوت الى مسامعه رغم بعد المسافة بينه وبين مصدر الصوت مثلما جذبتني ايحاءات المحبة والتوادّ مع شجرتي حتى رحت اعانق ساقها واشبك اصابعي حولها اشتياقا .

هذا الحدث الذي صادفه وهو متكئ على شجرة التفاح كان الحافز والمحرّك بحيث جعله يخترع السماعة الطبيّة في العام / 1916 ويسهّل له معاينة مريضاته وسماع دقات قلوبهن بلا ايّ احراج او احتشام .

وقبل شهور عدة تطلعت مليّا الى اغصان تفاحتي فرأيت ماهالني وأربكني جدا حيث يبست الكثير من اغصانها وتجرّدت من اوراقها وثمارها فحزنت عليها وازداد ضمورها حتى يبست تماما وغدت جرداء كلها واضطررت الى قلعها تماما من منبتها ورأيت اثناء الحفر مستعمرات من النمل الابيض تحتها حتى تآكلت كل جذورها  .

اما نخلتي فقد بقيت واقفة لكنها منكسرة مائلة وأدركتُ حينها انها ستلحق بجارتها التفاحة التي تآلفت معها وجاورتها عقودا من السنين ، ولم يكذب ظني فقد سقطت هي الاخرى بعد ايام قليلة على سياج الدار مثل كتلة هامدة لا روح فيها .

حادثة موت التفاحة والنخلة في بيتي تنبؤني ان شيئا ما سيحدث وان منعطفا والتواءً لابدّ لي ان اسلكه مرغما في لاحق الايام ، كنت اهجس ان مسار حياتي ستملؤه الأشواك والعتمة وقد أخوض وأتعثر في مطبّات وعثرات لابد تصدفني رضيت ام لم أرضَ وهذا ماحصل فعلا بعد ان نكبت برحيل ظلي الظليل وسعدي الجميل زوجتي ورفيقتي وحماي ومؤنستي وساعدي الايمن ؛ انا العليل المعنّى المنهك الذي لايقوى على القيام والنهوض الاّ بمعونة عكّازه في طرقات الحياة المليئة بالوحل والهِوى السحيقة .

أسلمت شريكة حياتي روحها صبيحة رمضان دون ان تقوى على البوح بلسانها وودّعتني بتلويحة سلام وشعرت انها بالكاد رفعت يدها لتومئ لي بوداع لا لقاء بعده .

كم تمنيت لو رافقتها الى عالمها الآخر لنبدأ من جديد ونتشارك عيشا أو موتاً – لاضير عندي -- ونضع اللبنات الاولى لبيت جديد نبنيه وفق احلامنا ومخيلتنا ومن يدري فقد نزرع تفاحة " كينت " خضراء في تربة قبر تُسقى بالدموع والبكاء وتثمر بعدها أحزانا ووحشة ووحدة ستكون غذائي وروائي أعلكها مع نكهة ذكريات يخالطها الحلو والمرّ فأنا على يقين اني سأتجرعها طعاما وماءً مستساغا فيما بقي لي من أذيال العمر الأخير .

جواد غلوم

 

 

amar talalأعلن الحزب الشيوعي الكردستاني.. أمس الأربعاء، وفاة سكرتيره السابق عزيز محمد، في محافظة أربيل، عن 94  عاماً، قضاها قدوة مثلى للمناضلين، مزدوجي القضية؛ إذ حمل معاناة كرديته، في ظل حكم البعث الطاغي، طوال عمر تدافعت سنواته ألما، وتبنى الفلسفة البلشفية.. شيوعيا ماركسي الرؤى..

لن أستعرض عمره المشاعة تفاصيل سيرته، في الموسوعات العالمية، قدر ما أستعرض سيرة نضالية، أعتد بها كعراقي، أهتدي بسفر الأبطال المحليين الذين حققوا مكانة عالمية، بما زخروا به من عطاء.

إذ إلتقط الراحل مقومات البطولة، بخصوبة وعي مبكر، تأثراً بمعلمه عز الدين فيض، الذي ساعد على إنضمامه لجمعية "هيوا – الأمل" وهو غض.. مرتقياً الى حزب "شورش – الثورة" ليدرك لعبة الأحزاب بجد مؤثر، تكلل بالإنتماء للحزب الشيوعي، متبوئاً مسؤولية فرع أربيل.

السجون.. وأتعس ما خاض منها عزيز محمد، نقرة السلمان، صقلت الإستعدادات القتالية المسالمة، قدر إبادة جيش من شياطين البعث، بالكلمة المثلى، محرزا ميداليات وأوسمة كشخصية شيوعية هامة لها تأثيرها في دول العالم، آخرها وسام "البرازاني الخالد" الذي قلده إياه رئيس اقليم كوردستان مسعود البارزاني، يوم 10 حزيران، من العام الماضي، في منتجع صلاح الدين بأربيل.أسي وتبادل التعازي، إلا في حدود المجاملات المؤقتة؛ لأن الموت حتمية، لا فكاك منها، وما الحزن إلا ردة فعل، تنتسى مع تكرار الأيام الهابة بالفواجع والأفراح، تترى من دون أن ينضب الحلم بـ "يوتوبيا – جنة على الأرض" كل مفكر يتحرز دونها بإيديولوجياه الفلسفية، منطلقاً من جوهر قناعته، يعممها على أنها الحل؛ فتتعدد الحلول وتتشظى المشكلة، والأمل عالق بمجيء المنقذ.

مات عزيو محمد، مستنفدا عمره في تغيير قدر الشعب الكوردي، ومن ورائه وطن مسفوح للإرادات المدججة بالقسوة.. يواجهها بالسلام.. سلاماً عزيز محمد، والذكر الطيب لمن نذروا موتهم المشرع طوال الحياة، في سبيل خدمة الإنسانية.

لم يؤجل كرديته وهو يسعى لإرساء دعائم إشتراكية شيوعية، تبسط وفرتها، على قمم الجبال وتكسرات الوديان نزولاً بإتجاه السهول والصحارى والأهوار، بإمتداد خريطة الموت العراقي المشنوق بالواقع والخيال.

وبهذا عاش معنى شامخاً، مات قدوة تحتذى من قبل حاملي القضايا المتعددة الجوانب، الذين ينوؤن بثقل عناء الشعب.. على العموم والتخصيص.. مزدوجي النضال.

 

عمار طلال - مدير عام مجموعة السومرية

 

 

1283 shawkiرحل قبل أيام الصديق العزيز الناقد والباحث النفسي العراقي الأستاذ "شوقي يوسف بهنام" بعد عملية جراحية على الفقرات العنقية لم يُكتب لها النجاح في أحد مشافي أربيل كما نقل ذلك موقع عنكاوا.

وأسفي على رحيل العزيز شوقي يوسف بهنام له سببان: الأول هو حياتي حيث رحل وهو في قمّة عطائه وعمره، والثاني هو أن رحلته النقدية المعطاء كانت قصيرة برغم أنها حافلة بالعطاء وثرة فقد بدأ مسيرته النقدية قبل سنوات قليلة وبصورة مفاجئة وكان أول كتبه المهمة هو "فأرة أدونيس: مقاربات نفسية في الخطاب الشعري" عن المبدع الكبير أدونيس.

كان شوقي إضافة مميزة إلى المسار النقدي العراقي والعربي كما قلت عنه في إحدى مقالاتي عن منجزه النقدي. ففي كل يوم يطلع علينا بدراسة أو مقالة أو كتاب تكتسب أهميتها من أن كاتبها من الإمكانات القليلة جدا في مجال النقد الذي يستخدم أواليات منهج التحليل النفسي في حقل النقد في الثقافة العراقية والعربية. فالنقّاد الذين يستخدمون هذا المنهج في العراق والوطن العربي هم أقل من عدد أصابع اليد الواحدة. وحين قلت: (في حقل النقد في الثقافة) عموما، فلأن شوقي لم يقصر جهده على الجانب الأدبي والفني، بل تعدّاه إلى حقول معرفية أخرى مثل الموروث الديني والشعبي ناهيك عن نشاطه العلمي كمتخصص بعلم النفس أصلا.

لقد أنجز شوقي أكثر من عشرين بحثا في مجال علم النفس كان بعضها مهما جدا في تسليط الأضواء الكاشفة على جوانب من شخصية الفرد العراقي في مدينة الموصل خصوصا في مكونها اللاشعوري.

كما نشر أكثر من ستّين مقالة ودراسة في التحليل النفسي للفكر والأدب تناول فيها رموزا فكرية وإبداعية عراقية وعربية مهمة.

 وقد سرتُ مع شوقي في مشروعه النقدي خطوة خطوة حيث نشر أولى مقالاته في مجال التحليل النفسي للأدب في موقع الناقد العراقي الذي أتشرّف بالإشراف عليه منذ 12 آذار 2009 وحتى الوقت الحاضر بصورة يومية. بدأ شوقي أوّلاً بنشر دراستين طويلتين بصورة حلقات عن الشاعر الراحل حسين مردان. وكان آخر ما نشره هو الحلقتين 19 و 20 من سلسلة مقالاته عن الشاعرة الأإريقية "سافو" (11/12/2016). وكان بفعل أخلاقه الشخصية العالية وتواضعه العلمي يستشيرني في بعض الموضوعات النقدية والعلمية.

وفي واحدة من رسائلنا المتبادلة الأخيرة ؛ شوقي وأنا، وصفت شوقي - نصّاً - بأنه "بطل"، وأنا أصرّ على هذا الوصف بالرغم من محاولاته النابعة من تواضعه للتقليل من جهده ومن طبيعة عمله المعرفي البطولية . نعم أيّها السادة .. شوقي يوسف بهنام بطل ثقافي وإنساني . لقد طُرد هو وعائلته العراقية المسيحية من مسكنه ومدينته الأم الموصل، وانتقل إلى بيت آخر في مدينة خارج الموصل، وشاركته العيش في هذا البيت العديد من العوائل العراقية المسيحية المُهجّرة المظلومة، ليقرأ ويكتب ويُبدع بغزارة وفرادة وسط محيط خانق، قلق، ومرعوب، لا تتوفّر فيه أبسط شروط الكتابة، كان شوقي يكتب مصرّاً على الحياة مقاوماً الموت والعنف والإرهاب وتجزئة وطنه العراق . فتحية له في موقفه البطولي هذا (نشرت هذه المعلومة في مقالتي: "أوراق حسين مردان السرّية": خطوة جديدة مباركة في مشروع الناقد شوقي يوسف بهنام التي نُشرت في مواقع مختلفة – 9 آب 2014).

خلال رحلته النقدية القصيرة أصدر شوقي يوسف بهنام أكثر من عشرة كتب منها:

 - فأرة أدونيس: مقاربات نفسية في الخطاب الشعري.

- الشافعي بوصفه رائدا للتحليل النفسي.

- بلند الحيدري وتعشّق الظلمة .

- لميعة عباس عمارة وهموم الضياع .

- من اوراق حسين مردان السرية دار تموز للنشر دمشق.

- احمد دحبور وسعادات البشارة دار تموز للنشر دمشق .

- من اغاني غجري لا يجيد الرقص: رؤية نفسية للمنجز الشعري للاب باسيل -

عكوله.

- معين بسيسو والغضب المقدس.

- احمد عبد المعطي حجازي واحزان البهلوان دار تموز دمشق .

وقد قطع شوقي في كتابه الأخير عن أحمد عبد المعطي حجازي، الذي كتبتُ مقدمة له بطلب منه، شوطا مهما على طريق نضج أدواته النقدية منهجا وأسلوبا.

ألوم نفسي دائما على الفرص المُضيّعة حين أقوم بتأجيل لقاء مع صديق عزيز يلح على لقائنا، وحين أفكر في الاستجابة لطلبه تخطفه يد المثكل. وآخر واحد من خلّاني وأصحابي الذين اختطفهم المُثكل بُعيد اللحظة التي قرّرت فيها السفر إليه لقضاء أمسيات أخوية معه هو شوقي. أرسل لي رسالة في 29 آب 2016 يلومني فيها على عدم زيارته وأنه قضى ليلة عراقية مع صديقين من أصدقائه . قال شوقي:

(وقد ذكرناكم بالطيب قبل يومين في جلسة رائعة من تاريخنا الممزق في بيتي انا واستاذي الفاضل الدكتور قاسم حسين صالح واخي الفاضل الدكتور ابراهيم جنداري .. متمنيا زيارتكم ولقاءكم بالاحبة قريبا).

الآن وقد عزمتُ على أن أزورك يا شوقي .. أين سنلتقي؟

 

 

munir hadadنوشيروان مصطفى.. رجل من طراز مثالي، يصلح لموت مستقيم، أكثر من حياة ملتوية، غادرها أنفاً عن النزول الى دركات الصراع المتقيحة إحتقاناً مفتعلاً لخدمة أفراد، تاركاً في الناس ما يستعينون به على ملابسات الوضع العام.

أبرز ما حققه الراحل هو نشر الفكر تطبيقي، بين فئات المجتمع الكردي؛ بإعتبار حتى الشغيلة اليدويين، بحاجة لمهارات تنصبهم بالمنزلة التي يتموضع فيها المتعلم، متربعاً على قمة الإعتبارات الثقافية.

وبهذا حرك نوشيروان الشارع الكردي، بإتجاه تعاشق الرؤى.. تحت هم إنساني مطلق.. يبدأ بالقضايا اليومية المتداولة، لينتهي بتحقيق المنجزات الكبرى، من خلال تماهي المتعلم الأكاديمي، في الجامعات مع غير المتعلم الذي يجيد مهنة عضلية تعجز الأكاديميات عن تلقينها، ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وهو ما أسماه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: "المثقف العضوي المرتبط بظهور طبقة اجتماعية أساسية هم المثقفون المتماهون مع نبض الشارع".

فلسفة نضالية

ونوشيروان فيلسوف كردي ناضل من أجل الإنسانية، مؤسسا نظرية ميدانية، في كوردستان؛ يصلح تطبيقها بمرونة إجرائية مذهلة، في أي مكان وزمان، إذن هو شخص ذو فكر مطلق.. رجل كوني، فطر وجدانياً بمثالية إنسانية، يتعذر على إلتواءات الحياة أن تستوعب صفاءً حضارياً راقياً مثله.. نوشيروان.. ذو نظرية قابلة لإنقاذ الشعب.. إنه منقذ شعوب.. بدءاً من الأمة الكردية، إنتقالاً لما يليها.. إنه جيفارا القرن الواحد والعشرين.

نوشيروان مصطفى (1944 -  2017) سياسي كردي، ناضل ميدانياً، تحت الجور البعثي الصدامي، مؤسساً حركة التغيير، التي شكلت إنعطافة في مسار السلطة التشريعية، نزلت بالسياسي، من برج البرلمان العاجي، الى مقاهي الموقف الحميم، من خلال إنفصاله عن صفوف الإتحاد الوطني الكردستاني، الذي شغل فيه منصب نائب سكرتير الحزب مام جلال طالباني، حتى أواخر العام 2006، مستقيلاً ليؤسس منظمة "وشه – الكلمة" التي تعنى بالثقافة والاعلام، وفي 2009 أسس حركة "التغيير – گۆڕان" على شكل تجمّع طوعي للمواطنين المؤتلفين حوله بإقبال وازن إقليم كوردستان كمنظومة عمل وجودية، برؤية إشتراكية ديمقراطية واضحة المعالم...

المجس المعتمد لإنتشار "تغيير" بين شرائح الكورد والعراقيين كافة، هو حصول الحركة على عدد كبير من المقاعد في مجلسي النواب.. الإتحادي والكوردستاني، مستقطباً قياديي واعضاء حزب الاتحاد الوطني..

هذه المنجزات تحسب لشخص الراحل نوشروان مصطفى، الذي غرس روح فكره بكل من يوالي بلده بوعي وإدراك، سواء أكان كردياً أم غير كردي! في وطن يعشق أبناءه.

عصبة الشغيلة

نوشيروان صديق لكل مواطن في الإقليم؛ لذلك حزن لموته الشعب الكردي قاطبة.. داخل وخارج كوردستان، قبل إعلان الحداد الرسمي من قبل حكومة الإقليم، فهو ذو سفر نضالي مشرف، عززه بإيقاع عمل قرّب النخبة من الناس الشعبيين، منذ أسس عصبة الشغيلة الكردستانية، مطلع السبعينيات، مستقطبا الثوار الكرد الحقيقيين، بعد انهيار ثورة ايلول 1975، بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى البرزاني.

إنضم هو وعصبته إلى صفوف الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي أسهم شخصيا بتأسيسه، وتولى موقع الامين العام المساعد فيه، قائداً معظم الملاحم التاريخية الدامية ضد قوات الاحتلال البعثي.. الصدامي في غالبية ارجاء كوردستان مسهماً بتدويل القضية الكردية في المحافل العالمية، وخطط لإنتفاضة آذار 1991، ونفذ فصولها الرئيسة، محرراً كركوك، التي نال بها لقب "مهندس الإنتفاضة" وظل الشعب مديناً له بمعنى أن يكون، حتى بعد وفاته يوم 19 أيار 2017، يوجه حركة العمل النضالي في كوردستان، وهو في القبر.. خالداً بعطائه الذي أغدقه على المجتمع الإنساني بأسره، غرساً طيب البذور أثمرت وعياً مواراً في مكامن الفكر الكردي.. يشع نوراً يضيء المكان والزمان، حتى أقاصي المستقبل اللانهائي.. سرمدياً آبداً.. إحتل البعث إرادة الإنسان الكردي، وحررها نوشيروان مصطفى.. رحمه الله.

 

القاضي منير حداد

 

 

saad jasemبجثة مرمية في موقف باص بباب المعظم البغدادي، وبخيط دم نحيل سال من فمه حتى ضفاف دجلة الحزين او حتى السموات،وبقصيدة (هي قصيدته الاخيرة) وكانت مكتوبة على كارت لدخول شعبة الطوارئ في مدينة الطب، وكان عنوانها هو: (ريح الجمرة) . هكذا وجِدَ عقيل علي: الشاعر الذي مات ميتة مفاجئة وغرائبية ودرامية، وكان ذلك في 15-5-2005 .

كان عقيل قد ولد في مدينة الناصرية عام (1949) .وعلى الرغم من عدم اهتمامه بإكمال تحصيله الدراسي والعلمي،الا انه كان في سنوات شبابه الاولى قارئاً نهماً وخاصة للشعر العالمي من خلال كل ماهو متوفر منه من تراجم مهمة وخاصة الشعر الفرنسي الذي كان يقوم بترجمته عدد من اصدقائه المقربين ومنهم الاديب احمد الباقري،والمقدمات النظرية العميقة والرصينة التي كان يكتبها الشاعر خالد الامين وغيرهما.وكذلك كان عقيل يميل الى التراث الصوفي وكتبه ونصوصه النثرية كالمواقف والمخاطبات للنفري . وكان قد قال انه: (مولع بالصوفيين، لانهم اداروا ظهورهم للدنيا وطلقوها). وعقيل علي شاعر متصوف شكلاً ومضموناً، فالصوفية في رأيه: (لا بد ان تنبع من التعايش الروحي قبل المظهر الخارجي). وكان يرى ان قصائده تحمل الكثير من الإشارات الصوفية، لا سيما في ديوانه "جنائن آدم" .

 بدأت علاقة عقيل بالشعر في بدايات سبعينيات القرن الماضي، وكان قد نشر اولى قصائده وكانت تحمل عنوان (الجثة) في جريدة الراصد البغدادية، وكان قد اهدى قصيدته تلك الى الشاعر الامريكي (والت ويتمان) الذي يعتبره عقيل هو المفجر لينبوعه الشعري .

وقد كان الظهور الشعري الحقيقي لعقيل من خلال الملف الخاص لمجلة (الكلمة) وكان ذلك في عددها الخامس الذي صدر في عام (1974) والذي تضمن قصيدة وشهادة مهمة لعقيل،حيث قال في شهادته تلك : 

 (لا أتوق إلى محاولة تفسير الشعر ولا أمنهج القصيدة

ولا أمنحها الحدود،ثمة مخاوف عديدة وأحزان لها أن تنفجر لتكون قصيدة أو دموعاً،هذه هي الحكاية.

زمن القصيدة، حجمها،يلدان بتلقائية ولا موعد مسبق.

لا أتعاطف مع الكثير مما يخرج هذه الأيام، ثمة محاولات عديدة تجري لتجعل الشعر عقيماً.أكثر الشعر لدينا جسد زنخ بثياب نظيفة.

وقصيدة النثر خصوصاً حوصرت بمرارة ونجاحها رهين بإخلاص شعرائها لها.لا أرى أن محمد الماغوط منحها الكثير..

كان لي في فترة قصيرة أن أطلع على نماذج من كتابات متباينة لعلها هي الأساس المتواضع في أدبي. بعدها بدأتُ أنسج دروبي بصبر وأحياناً بعبثية.

سُحرتُ أولاً بنداء رجل (الانتحار تتويج لكل الملذّات)، لم أسعَ إلى محاكاته لكنني أجده يثيرني،وأنتظر.

في ذي قار صلبتُ عشرين عاماً ويزيد على عتبة الألم.

من هنا تولدت رغبة عميقة في الهرب.مم؟ وإلى أين؟

لعل في القصيدة عوالم وألواناً شفيفة أو براقة، ولهذا أكتب.

هل قلتُ شيئاً مهماً؟ لا أدري. ولا أطمح في ذلك.

وأخيراً.. من أول النهار عبرتُ شتيمة الأيام مكتظاً بالخوف.. وأنا يحتسيني ضيوف العائلة،وفوانيس شبابي، وأنا العنق.

أغتصبُ بودّ في سجن النبي.أسحبُ رأسي من مياه القبيلة.

متوهجاً كالغضب وزنخاً كالنذالة) .

وكان عقيل قد انتج خلال حياته القصيرة -نسبياً - مجموعة من القصائد والنصوص الشعرية التي صدرت في ديوانين هما :

جنائن آدم وصدر في عام 1990، وطائر آخر يتوارى،وقد صدر في عام 1992،وهذا الديوانان كان قد صدراً بجهود صديقه الشاعر والمترجم العراقي المعروف د. كاظم جهاد، حيث سعى سعياً نبيلاً وحثيثاً من اجل صدورهما وحتى لايضيعا كما ضاعت بعض نصوص عقيل هنا وهناك او سُرقت من قبل هذا وذاك من لصوص الشعر والمتشاعرين وانصاف الشعراء الذين اذاقوا عقيلاً الويل .وقد صدر لعقيل ديوان آخر بعد وفاته هو (فيما مضى) .

وهناك من يقول ان الناقد (حاتم العقيلي) يحتفظ بديوان شعري مخطوط لعقيل ويحمل عنوان (دم نيئ) ومن المؤمل اصداره مصحوباً بدراسة نقدية للعقيلي، وهذا مانتمناه جميعاً من اجل الحفاظ على ارث صديقنا الشاعر المهدور .

ويمكننا القول : ان عقيل علي كان منذ البدء يرفض الانضواء تحت اية يافطة سياسية وايدولوجية، وكان يرفض فكرة التجييل والاجيال الشعرية، حيث عاش حياته حراً، وكان يعمل (خبازاً) ويحب مهنته هذه كثيراً لأنه وكما قال لي ذات مرة في جلسة خاصة بيني وبينه: (انه يحب رائحة الخبز وعنفوان نار التنانير،حيث هناك طقس وفعل يشبهان كتابة الشعر الذي هو تعب ومعاناة وألم).

وكذلك فقد عاش عقيل حياة قاسية (خاصة في بغداد) حيث الفقر والشظف والتشرد فوق ارصفة البطالة وعطالة المقاهي وكآبة الحانات والنوم في الغرف الباردة والفنادق الرخيصة،التي كانت سبباً في اصابته بعدة امراض منها ماهو نفسي ومنها ماهو مزمن.ناهيك عن اساءات الاخرين الذين كانوا يشككون بشاعرية عقيل وبمنجزه الشعري الذي اتهموه بأنه ليس له،ولكن عقيل علي لم يكن يكترث ابداً لمثل هذه التقولات والاساءات لأنه هو القائل:

(كنتُ أنقشُ البحرَ على الركبِ الطريّة

وأصنعُ غاراً من تلاواتي للأصابع

 الأكثر طراوة من الرحم)

عقيل علي : لكَ السلام والفراديس وجنائن الشعر والمحبة

ستبقى حاضراً في اعماقنا نحن اصدقاؤك البسطاء 

وسوف لن تتوارى ابداً ياطائر الشعر الحقيقي .

 

سعد جاسم

 

 

harthe maadنشأ والدي وترعرع في كنفِ أسرة تحفظ القران أباً عن جد في عام 1946 وقد أطلق لقب الملا على آبائنا لاختصاصهم في تدريس الفقه واللغة والعروض، فتلقى والدي رحمه الله في سن مبكرة أولى الدروس في اللغة على يد جده الكبير الملا حمدون الذي كان يحفظ ألفية ابن مالك عن ظهر قلب فاتحا أمامه أبواب اللغة والعروض وعوالم ستفتح ذراعيها له فيما بعد.

وكان جدي أحمد الملا حمدون موظفاً في جوازات ربيعة في الثلاثينيات من القرن الماضي وهو أحد أعضاء جمعية الأدباء 1921 ولكنه مرض حيث أصيب بحالة نفسية أدت إلى اختلال ذاكرته وأبي لم يولد بعد وقالت النسوة حينذاك لجدتي رحمها الله : نسال الله أن تنجبي منه ولدا يرعى أخواته الأربع من بعده ..

حين ولد أبي صحا جدي أحمد وكأنه لم يمرض من قبل مانحا أبي أسمه "معد" وقد سألوه لماذا هذا الاسم بالذات؟ فقال: "معد تعني العرب وجدنا هو معد ابن كرب الزبيدي"

وهكذا تربى والدي في أسرة فقيرة في بيت جدي الكبير هناك تنتصب في وسطه شجرة التوت الباسقة لتكون منهل شعر له فيما بعد ورمزا من رموز قصائده ترعرع في محلة القنطرة في منطقة باب الجديد.

فوق بلاط الاسمنت المختلط ببقع الزيت اثر التقادم بين خشونة الحيطان الجصية المالحة ورائحة المرمر الرطب، السراديب الموصلية الهادئة تقبع خلف شبابيك حديدية متشابكة كالأيدي يتناغم معها برقصة ساخرة حفيف أشجار التوت الشامخ المخضوضر وسط تفجر لحاكيا الأجداد ذوي الوجوه المجعدة ناصعة البياض بأفواه خالية من الأضراس تلفها فانتازيا صامتة، لقد أتاح النسيم لبعض الجرار أن تتعرق فوق أسطح خشنة الملمس خضعت لمعارك الأمطار الموسمية الغزيرة وثمة مستطيل النجوم المقبل على وجوه غافية مستسلمة لعناق منتصف الليل ففي زاوية يقطر إيقاع الزير مانحا مساحة للشمس كي تهبه لمعانا باهتا.

muoed aljaboriهاهي سنادين الورد الصبار براعم النرجس أوراق الكروم المتدلية من بين اسيجة حديدٍ حلزونية الشكل تنشد رونقا يفضي إلى غرف مكتظة تشمخ بأقواسها الزخرفية وسقوفها المقعرة عاشقة الصدى، يسري إلى إذنه صفير بلبل اتخذ من قفصهِ عرشا يطلُ من شرفة خشبية لها عدة شبابيك على زقاق معوج أشبه بجدول وهو نائم في أزقة تضج بالحركة، ستائر تُفتح على مشهد الصباح الأول مارة شتى زقزقة عصافير فوضى الخطوات تزيح الستار عن إفاقة النائمين، قناطر كالأفواه تنفثُ النسيم الرطب في وجوهِ أمهات الزقاق وهن يلتحفن بعباءات سوداء .

من هنا خرج "معد الجبوري" وأنا ابنه كذلك فيما بعد وكانت جدتي أم أبي التي تربيتُ في أحضانها الدافئة تهمس في أذني قائلة: "والدك وحيد وليس لديه أخ فأنت أخوه" هكذا حملت هذه التوصية طيلة حياتي فكنت له ولداً وأخا وصديقاً بارا وكانت جدتي تتطلع إلى أن تجعل من والدي رجلاً تفتخر به فدعمته وأرشدتهُ بخبرتها الرصينة وحثته لإكمال دراسته في كلية الشريعة جامعة بغداد وتخرج منها عام 1968 بدعم مادي من عمتي الكبيرة التي كانت هي الأخرى مدرسة باختصاص مادة التاريخ وهناك جمعته أجواء العاصمة بأدباء وشعراء من بغداد والموصل والمحافظات الأخرى فكتب القصيدة العمودية قبل أن ينهي دراسته وهو يسعى للتفرد وكتابة ما هو مغاير ومثير فكان يميل لكتابة الشعر الحر متأثرا بهذا النمط الأدبي الجديد وقد نشر قصائده في الملحق الأدبي لجريدة الجمهورية ومجلة الأقلام وصحف أخرى بين الأعوام 1965.. 1967 ولم يتخل عن القصيدة العمودية فاشترك في احتفالات الكلية بنصوص جميلة.

وحين عودته للموصل وكان لأول نص نشره في مجلة الآداب التي تصدر في بيروت بالعام 1970اثر كبير في مسيرته الأدبية فقد كان ذلك بمثابة شهادة أدبية مهمة لأي مبدع آنذاك وتوالى النشر في عشرات المجلات والصحف العراقية والعربية لتتبعه نصوص أخرى في العام نفسه.

وقال حينها: "ها أنا ادخل منزل الشعر العراقي من نوافذه " ثم أصدر كتابه الشعري الأول اعترافات المتهم الغائب عام 1971 الذي أثار ضجة في الوسط الأدبي وفي العام نفسه كان يطرق أبوابا مغايرة فوضع تجربته أمام جنس جديد من الكتابة هو المسرح الشعري ففي أواخر ذاك العام كتب مسرحيته الشعرية (آدابا) والتي ترجمت عام 1972 إلى الاسبانية في مجلة المنارة التي تصدر في مدريد ثم ترجمت بعدة لغات منها الألمانية والكردية وقدمت أكثر من مرة على مسارح العراق ..

بعدها فتحتُ عيني وأنا معهُ في عمر الرابعة إلى الخامسة في عام 1977 في الصومال موفدا من قبل الحكومة العراقية ليكون مدرساً للغة العربية هناك وقد سجلنا في مدرسة صومالية لمدة ستة أشهر اذكر إننا تعلمنا العد من الواحد حتى العشرة وبعض الكلمات الصومالية أنا وأخي رائد وأختي الكبرى هديل تلك كانت أولى سنواتي وأنا أراه يضع أقدامه على طريق الطموح والنجاح

وتوالت الأحداث بعروض مسرحياته الشهيرة آنذاك على مسارح العراق وبالأخص في مدينة الموصل اذكر منها مسرحية آدابا ..ومسرحية شموكين اللتان عرضتا عدة مرات.

 كان هو الطائر المحلق المفعم بروح الشموخ والكبرياء أينما حل تحيط به نخبة من مثقفي المدينة والعراق ينظرون إليه نظرة إعجاب وتقدير ومحبة عالية وأذكر من أصدقائه الذين جايلوه في الساحة الثقافية :

 " الشاعر عبد الوهاب إسماعيل، الشاعر امجد محمد سعيد، المخرج المسرحي شفاء العمري القاص والروائي امجد توفيق، الشاعر ارشد توفيق، الكاتب القاص محمد عطا الله، الفنان الشهير عبد الواحد إسماعيل، الشاعر سالم الخباز، الروائي نجمان ياسين، الفنان صبحي صبري، المخرج محمد فوزي طبو، الشاعر حيدر محمود عبد الرزاق، الشاعرة بشرى البستاني، الشاعر ذو النون الاطرقجي، الشاعر غانم يونس سعيد، أستاذ اللغة العربية ورفيق سفره ورحلاته يوسف البارودي، القاص طلال حسن، الفنان حازم الاطرقجي"

 وأنا في سن صغير كان يحاول أن يريني تألقه وإبداعه مشيرا إلى انجازاته أمامي محدثا أياي كأنني احد أصحابه: "يا ابني علك تصبح يوما ما شاعرا أو مسرحيا أو كاتبا افتخر به"

من هنا بات يزرع فينا نحن أولاده روح الإبداع وتقديم الإنسان من خلال الأعمال الإبداعية المتميزة عن باقي الناس واذكر أنني في عمر العاشرة اصطحبني إلى سينما سمير أميس الكائنة في منطقة الجمهورية في مدينة الموصل قائلا: "لا تخف سترى الفارس وهو ينقذ الحسناء من القرد الضخم ! " كان ذلك أول فلما أشاهده بعنوان "كنك كونك" والذي تأثرت به جداً وفي عمر الثانية عشر شجعني لقراءة كتاب ألف ليلة وليلة ليصبح كل ذلك طريقا لي إلى عوالم مشاهدة الأفلام وقراءة الروايات والقصص والشعر .

كان رحمه الله يكتب الشعر معظم الأحيان في المنزل ظهراً مستلقيا على بطنه كالسائح فوق رمل البحر أو متربعا وأوراقه فوق الوسادة في غرفته في جو هادئ له خصوصيته بعدما يطلب من والدتي قدحا من الشاي وسيجارته متقدة طيلة فترة الكتابة وأصابعه تبرم شاربيه من اليسار إلى اليمين وكان يحدثنا أحيانا عن أسفاره وما اكتنزه من معرفة تاريخية عن الشعر وغيره

 والحقيقة تقال كان الشعر يقاسمنا أبوته مانحا وقته الكبير للكتابة وإدارة المناصب التي شغلها بإخلاص كبير.

لم يكن أبي بخيلاً ولم يكن مسرفاً أيضا ولكنه كان يحرص على ألا تنفذ النقود من جيبه خشية ألا يحتاج لأحد كونه تربى في بيئة فقيرة أنهكها العوز كان يعتز بأشيائه المحيطة به مهما كانت صغيرة أو قديمة يعتبرها حسب قوله "روحا تتنفس وتتكلم" ومن الصعب أن يستبدل تلك المقتنيات بسهولة وكانت الكتب في بيتنا في كل مكان هنا وهناك ولكن بطريقة منظمه هو من ينظم ذلك ويقول كل كتاب هو شخص يتحدث معك دون أن يتحرك أو عالم بأكمله تدخله متى تشاء ..

وفي بداية سنواته الوظيفية عمل مدرسا للغة العربية في قرقوش (بغديدا) استطاع أن يستنهض حركة مسرحية وشعرية أدت إلى بروز مواهب كثيرة وأسماء معروفة الآن بالوسط الثقافي والفني

اذكر منها: الفنان ريكاردوس يوسف، الشاعر والكاتب شاكر مجيد سيفو، القاص هيثم بردى الشاعر زهير بردى، الشاعر الدكتور بهنام عطا الله، رمزي هرمز ياكو، والأستاذ إبراهيم يوسف حنو، الأديب نمرود قاشا، وعد الله إيليا، بهنام حنا عجم، متي عبو، نجيب خضر هدايا، حنا نيسان، كريم إينا، سعد الله بهنام قاشا، الفنان ثابت ميخائيل، الفنان سمير بهنام جحولة والعديد من المدرسين والفنانين .

وعندما عمل مديرا للنشاط المدرسي وشغل منصب نقيب الفنانين آنذاك أدار تلك المناصب بما حقق خدمة صادقة للمدينة والحركة الثقافة والفنية فيها من خلال كتابته للاوبريت باللهجة الموصلية الذي يعكس هوية المدينة وجذور الفلكلور بما يشمل الحِرف الشعبية والأزياء الفلكلورية والأغاني الشعبية الخاصة بالمناسبات الاجتماعية كالزواج وختان الأطفال والحصاد وحركة الأسواق الشعبية واذكر مهرجان الربيع الذي كان يقام في مدينة الموصل سنويا في أواسط نيسان حيث تشترك كافة مدارس المحافظة وجامعة الوصل ودوائر المحافظة لتسير مواكب تعبر عن الاحتفال بالربيع وبهجته وكان والدي عضوا باللجنة العليا المشرفة على نشاطات المهرجان بما في ذلك استقدام المطربين الكبار من العراقيين والعرب لإحياء حفلات غنائية تتسم بالبهجة والفرح في مختلف المناطق التاريخية مثل الحضر والنمرود مما أتاح لفناني المحافظة الفرصة لإبراز قدراتهم الفنية وعطائهم الجميل والاحتكاك بفنانين عراقيين وعرب مما أثرى قدراتهم الفنية والأدبية.

 وعلى صعيد الغناءِ والموسيقى والتمثيل ومعارض الرسم ومعارض الزهور حيث كان كل ذلك تظاهرة ثقافية ضخمة بجهود كبيرة منه ومن بقية المهتمين بتلك النشاطات وقد كانت قاعة الربيع بمسرحها وقاعة ابن الأثير مثابات أنطلق منها شعاع الثقافة الموصلية العريقة حيث أقيمت مهرجانات شعرية وعرضت أعمال مسرحية عديدة كان منها مسرحية آدابا من إخراج الفنان محمد نوري طبو وأخرجها مرة ثانية بعد أكثر من خمسة عشر عاما الدكتور الراحل جلال جميل وأما مسرحية شموكين فقد أخرجها المخرج المسرحي الراحل شفاء العمري والاوبريتات المشتركة والمسرحيات الغنائية مع الشاعر الكبير عبد الوهاب إسماعيل والذي كان اقرب أصدقاء والدي في مسيرته الإبداعية .

أما عن مشاركاته فهي لا تعد ولا تحصى فقد شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والأيام الثقافية أذكر منها :

مهرجان أبي تمام الدولي الذي أقيم بمدينة الموصل في كانون الأول عام 1971والذي حضره نخبة مرموقة من الشعراء العرب والعراقيين، الأيام الثقافية في المغرب عام 1984، مؤتمر الأدباء والكتاب العرب 1986، الأسبوع الثقافي العراقي الأول في اليمن 1987والثاني 1989 مهرجان الشعر الآسيوي في دكا بنغلاديش 1989’مهرجان بغداد للمسرح العربي الأول والثاني والثالث في التسعينيات، الاحتفالية الثقافية الفنية في دار الأوبرا بالقاهرة 1997، مؤتمر الأدباء والكتاب العرب 2001، مهرجان أبي العلاء المعري الحادي عشر في سوريا 2007 ومهرجانات المربد الشعرية منذ دوراتها الأولى حتى عام 2002، ثم مهرجان أبي تمام عام 2012 في الموصل .

وكان له حضور شعري في مدن عديدة حل فيها عبر اللقاءات والقراءات الشعرية منها دمشق، القاهرة، الرباط، تونس، صنعاء، عمان، مقديشو، طنجة، جدة، ومراكش، الدار البيضاء، اصيلة، سوسة، المنستير، تعز، عدن، حجة، حلب، دير الزور، الحسكة، معرة النعمان، مكة المكرمة، اسطنبول أنقرة، صوفيا بودابست، بوخارست، بلغراد، براغ، لندن، دكا بانكوك

وفي العام 1989انتقل من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الثقافة والإعلام حيث عُين في ذلك التاريخ مديرا للمجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى وشغل هذا المنصب لمدة تتجاوز الثلاثة عشر عاما وفي علاقاته الطيبة مع دائرة الإذاعة والتلفزيون في بغداد استطاع والدي أن يكسب نصف ساعة أسبوعية من البث المركزي في بغداد لتقديم أخبار وتراث المدينة في شتى المجالات ومن هنا انبثقت جريدة أم الربيعين الشهيرة العالقة في ذاكرة أبناء الموصل والعراق إلى يومنا هذا، وجاء العدوان الأمريكي على العراق عام 1990وتعرضت أبنية الدولة آنذاك للقصف ولم يسلم حينها المجمع الكائن في الجانب الأيسر للمدينة في منطقة الفيصلية من الأضرار واضطرت الكثير من الدوائر لإيجاد أماكن بديلة ومنها المجمع حيث أصبح مكانه البديل جزءا من المتحف الحضاري الكائن في منطقة الجمهورية، وتتالت منجزاته من خلال تلك الجريدة في رحلتها الجميلة مع بداية الحصار على العراق .

 وبالرغم من هذه الظروف الصعبة إلا أن الوالد كان لا يتوقف عن العطاء فكنت أراه في المجمع المدير الفني المنتج والمخرج والمُعد لا يولد شيء من رحم تلك الجريدة إلا وهو يشرف عليه وبجهود حثيثة من الموظفين المخلصين، للعمل في تلك السنين واذكر هنا بعض الأسماء

 المخرج طارق فاضل، المخرج خليل إبراهيم، المذيع التلفزيوني إبراهيم الحلو، المذيعة فرقد ملكو، المصور صباح إبراهيم، المصور محمد المهدي، المونتير امجد كريم وهناك فقرة بارزة في الجريدة وهي (اللقطة) التي شارك في أدائها مجموعة خيرة من فناني المدينة لعلي اذكر منهم الراحل حسن فاشل، الدكتور نجم الدين عبد الله، الفنان الكوميدي عبد الواحد إسماعيل، الفنان صبحي صبري، الفنان مثنى إبراهيم، الفنان الشاب رائد معد، الفنان محمد الزهيري، الفنان واثق الأمين، الفنان احمد الماجد، جمال أبو عذاب وفنانون آخرون وليعذرني من لم تسعفني ذاكرتي لذكر اسمه، وكان يقول لنا في البيت في كل جمعة : " تعالوا لنشاهد ما قدمه والدكم للمدينة " فكنا نجتمع جالسين في هدوء تام كي نرى ذلك الانجاز بشغف ونتابع بلهفة فأصبح للقطة شعبية هائلة حيث كانت تعالج سلبيات المجتمع بطريقة كوميدية وأذكر انه زجنا أنا وأخي رائد في التصوير والتمثيل في اللقطة الشهيرة آنذاك لا أترك أنا هذا المجال بعدها ويتحول أخي رائد إلى منتج ومصور وممثل في غضون فترة قصيرة، ومما يجول في ذاكرتي أن طرحا قدمه الروائي المعروف نجمان ياسين الذي كان يشغل رئيس اتحاد أدباء العراق آنذاك ومعه الوالد حول إقامة مهرجان يضم جميع العروض الفنية والثقافية والتراثية والفلكلورية إلى بغداد فجاءت الموافقة وأقيم المهرجان في ناحية الحضر عام 1994 وشارك فيه العديد من فناني ومثقفي المدينة في شتى العروض فكانت التغطية الكبرى تقع على عاتق تلفزيون نينوى بإشراف والدي وظل ذلك العطاء متدفقا طيلة تلك السنوات وصولا إلى عام 2003 عام سقوط العراق بيد أمريكا وحلفائها

ومن هنا بدا التحول في كل أركان الحياة وصار الزحام على المناصب فاتخذ والدي موقف المترفع عن التهافت على الفرص التي تزاحم عليها المتسلقون وآثر أن لا يلوث نفسهُ بذلك المستنقع الآسن الذي تمثل بسلطة الاحتلال حيثُ رفض العروض العديدة من قبل الاحتلال مباشرة واذكر أن جنرالا أمريكيا كبيراً استدعاه وعرض عليه منصبا إداريا في مجال الإعلام وبملغ كبير جدا فأجابه والدي حينها اعمل بأي منصب في بلدي العراق ولكن حين خروجكم، وبهذا أحال نفسه على التقاعد قبل بلوغه السن القانونية في عام 2006 ليتفرغ لكتابة الشعر كما قال : " حتى يتوقف النبض"

 وفي عام 2008جمع أعماله في منجز تحت عنوان ديوان معد الجبوري الإعمال الشعرية الكاملة 1971ـ 2008 الذي طبع في مصر مطبعة دار شمس ليواصل عطاءه الإبداعي في أربع مجاميع شعرية جديدة وهي على التوالي مخطوط موصلي والذي طبع في دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع دمشق 2010 لا ستار .. لا غبار (عشرون قصيدة عمودية) مكتب العلا الموصل 2013، وقت لحرائق الكلمات مطبعة الديار الموصل 4 201، والحديث عن الديوان الأخير عزلة في الرماد والذي كتبه مابين عامي ـ2014ـ2016، سيأتي آنفا فضاء بين جمرتين (أربع مسرحيات شعرية) دار السياب، وكتاب المذكرات من أوراق الضفة الثالثة (لقطات من الذاكرة) جامعة الموصل– دار ابن الأثير للطباعة والنشر– الموصل 2013. وفي أيار 2013 صدر كتاب الدكتورة إخلاص محمود عبد الله بعنوان (العنوان في شعر معد الجبوري _ دراسة سيميائية) وهو بالأصل أطروحة دكتوراه حصلت بها الباحثة على شهادة الدكتوراه من كلية الآداب جامعة الموصل وقد سبقتها رسالة الماجستير للباحثة سجى سالم بعنوان (الشخصيات الأسطورية والتاريخية في شعر معد الجبوري المسرحي) ورسالة ماجستير أخرى للباحث قاسم محمود الجريسي بعنوان (بنية الإيقاع في شعر معد الجبوري) في العام 2007، وعودة إلى انشغال والدي بالكتابة فقد بدأ ينشر ما يجول في ذاكرته من مواضيع جميلة تخص المدينة أو حياته الشعرية في مواقع عديدة ومن أهمها :

 موقع بيت الموصل الذي كان يشرف عليه نخبة من كتاب موصليون أصلاء واذكر منهم الدكتور سمير بشير حديد، الدكتور احمد عبد الله الحسو، المهندس سالم عبد الله الحسو واستمرت حالة النشر هذه مدة ليست بقليلة حتى عام 2013 حينما نشر قصيدته الشعبية الشهيرة باللهجة الموصلية (بوسي وشمي) والتي أهداها إلى مشتاق الدليمي المعروف بعشقه لمدينة الموصل ولهجتها الحضرية المميزة .

 وأثناء المحنة التي عاشتها الموصل بداية من 10 ــ 6 ــ 2014 كنت أُلازمهُ في كل تفاصيل الحياة آنذاك وكان يأبى الخروج من المدينة إطلاقاً ومن البيت كذلك مما اضطرني إلى البقاء معه ومتابعة حالته الصحية الصعبة، ثم بدا بكتابة مجوعته الشعرية الأخيرة (عزلة في الرماد) وهو محاط بحزن عميق على ما يجري من أحداث مؤلمة قي مدينته التي أحبها وخلدها في شعره وقال في حرقة: " مهما حدث وسيحدث فان الموصل مدينة لا تموت وستنهض من رمادها كما العنقاء" . وصولا إلى العام 2017 حيث اشتد به المرض وأصيب بجلطة دماغية ولكنه ظل محتفظا بتركيزه وإيمانه بالله ومواظبا على صلاتهِ بالرغم من وضعه الصحيّ ثم أرسل بطلبي ليطلعني على بعض الوصايا ومنها أن انشر له قصيدته الأولى من المجموعة الجديدة وبالفعل كان ذلك ومن ثم ابلغني أن مجموعته عزلة في الرماد مهداة إلى صديق عمره عبد الوهاب إسماعيل وخصني بإهدائه القصيدة الثالثة من المجموعة لي كما خص الشاعر سيف جميل الذي كان ملازما له طيلة الفترة الصعبة بالقصيدة الأخيرة من المجموعة وكان هذا الحديث قبل وفاته ببضعة أيام .

 ثم فارق الحياة يوم 1-4-2017 في الساعة الثانية فجراً تاركاً إرثاً ثقافياً كبيرا ومحبة عميقة في قلوب أهله ومحبيه وصوتا شعريا مدويا ستسمعه الأجيال تلو الأجيال رحمه الله

 لن أنسى أنك من أدخلني عالم الشعر الجميل وأنك معلمي وقدوتي وأبي الحنون

 

وجهك زهرةُ بيبون / حارث معد

 

أشهدُ أنَ أسمكَ سيبقى،

محفوراً في الصخرِ.

اشهدُ أنك في ذاكرةِ الغدِ تجيء،

وأنكَ في بحرٍ الشعر،

قبطانٌ أبدي

تبحرُ وتبحر .

في هداةِ المغيبِ،

ها أنا اتكئُ منفرداً ...

أمام كتبكَ المغبرة الصامتة،

وفي حنجرتي.. غصةُ الذكرى .

ونظري يتحولُ إليك،

وأنت ترمقني

منْ صورك القديمة المعلقة،

على الجدران،

تهمسُ في أذني

إجلسْ في الأمامِ،

كي تراني ..

بجناحينِ منبسطينِ

أحلقُ في أعالي البوحِ

وأمدهما،

في قلبِ العاصفة

أجعلها قبضة ريح .

ها أنا في غرفتك !

معي تراتيل وتعاويذ

تمنحني الدخول،

لمعبدِ شعرك

ممنوعٌ أن تلمس أهداب ورقي

كلمات تحرق يدك

مسلاتي .. رقُمي

طيني الممزوج بدمي !

ممنوعٌ أن تفرك مصباحي

ماردي متهمٌ في " اعترافات الغائب"

ممنوع أن تعبث بأشيائي

أو تتنكر للأرض أو تتقمصني

شكلي أرضُ النهرين

وجهي زهر "بيبون" وربيعين

مسرحي صوتٌ

يصرخ في القاعات

(أنا آخر الأحجار في

قلعةِ باشطابيا)

صمتي، همسي

قلقي، قلمي

قرطاسي،

 فأنا ملحمة

 مملكة

بحارٌ تفور..

مفاوز لا تتكرر

عاصفة وبروق

زلازلٌ من كلماتٍ

فما زال شموكين يحرسُ أشيائي

وترقي آدابا وجهي

أنا السندبادُ المبحرُ في الرمل

علاء الدين

محلق من غير بساط

افتح يا سمسم،

فـ (هذا رهاني) أن تفتح

عن جواهري وكنوزي

عن لآلئ نصوصي

عن وردتي المسافرة

عن وجه أمي

فها هي (أوراقُ الماء)

في كهوف تعكسها مرآة

أوراق بين كفي دجلة

تعانقُ لجته وخريره

افتح يا سمسم

عن شرفاتٍ وزقاق

عن ثرثرة العصافير

في بيتِ الجد

تحتَ شجرةِ التوت

عن أدوارِ المسرح روح وشرارة

عن أهازيجٍ وهتاف (سيف وطبل)

من أول عتبة في الإيوان

لآخر قنطرةٍ خلف الباب

جزعاً أسرعُ في خطاي

أروحُ أجيءُ كضوءٍ المنارة

وحدي تفتك بي أحزاني

تفرُ من ورقي العبارة

قد يكونُ (آخر الكلام)

لعلها (آخر الشظايا)

ربما تجيءُ ذاتَ مغيبٍ

بطرديةٍ جديدةٍ

فيها شعلة آشور

وعشبةُ كلكامش

ولا مواسٍ

ولا خلٍ

يمسحُ عنْ أصابعك دمع الحروف

مِن خد المعاني

كيف الطريقُ وأنت لست به ؟

منْ يضيءُ القصائد ؟

منْ يصوغ ذهب الحروف ؟

منْ يحبس الكواكب في السطور

ويعدو بالقوافي نحو الشمس ؟

بعدكَ عتمة ولا شيء يرى

لا النجمُ لا النهرُ لا الثواني

ها أنا في ساعةِ الوداعِ

يغمرني الذهول

عند قبرك يا أبي

أصابعي مشبكةٌ على رقبتي

وراسي بينَ ركبتي

قلبي يرفضُ الوداع

وصمتي حزين

حزينٌ يا أبي

لا وقتَ للقصيدةِ

كانت هي الأخيرة

في التاريخِ محفورة

ليست صفحة أخيرة

**

 

 

abdulelah alsauqقال الشاعر العربي الكبير احمد الصافي النجفي  مقطوعة في الدكتور علي الصافي حملت رؤية استباقية لمجد علي الصافي الذي نكتب فيه:

أيا ابن اخي ياعلي الرتب      وياخير فخر لعمٍ وأب

لأنت نسيبي روحاً وخلقاً     وتلك لعمري أعلى الرتب

فكنت صديقي مذ كنت طفلا      ومركز آمالي المرتقب

تفرست فيك وانت ابن شهرين مجداً      وإذْ بالفراسة ذي لم تخب

جمعت المفاخر من كل نوع      ويكفيك انك صافي النسب

اكتب عن رجل بسيط وعميق معا ! حفر مجده بأظافره ! فبات مفخرة العراق والعرب معا ! ومن عجب ان لايلتفت اليه المؤرخون في الماضي والحاضر بما هو اهل له وها اني اكتب فيه لاضمه الى اعلام موسوعة الصائغ الثقافية باب الأعلام:

 العلم الساطع علي الصافي جاء الدنيا سنة 1320 هجرية والتاريخ الهجري ضيع علينا التاريخ الميلادي الذي يعرفه العالم جميعا بينما التاريخ الهجري مجهول لدى اكثر المسلمين ابصر النور في مدينة النجف وابوه علم كذلك هو السيد محمد رضا الصافي وكان ابوه قد هيأه للدرس الديني الحوزوي فتنقل بين جوامع الصحن الشريف والطوسي والهندي واضعا على راسه عمة سوداء ! فدرس النحو والصرف والعروض والأجرومية والقراءات ثم انتفض الرائد فيه فترك الجمل وما حمل وغادر دراساته الحوزوية فدخل المدرسة الابتدائية المدنية ومنها الى المدرسة  المتوسطة التي تخرج فيها عام 1930 وتعالوا نحسبها = دخل الابتدائية عمره 6 سنوات تخرج منها عمره 12  سنة  ودخل المتوسطة وهو ابن 13  سنة فرضا وامضى فيها ثلاث سنوات وتخرج وهو ابن 16  سنة فاذا كان عمره 16  سنة 1930 اي انه مولود سنة 1914  وكان على اسرته عمل هذه المقابلة ثم ارسلته الحكومة الى مصر القاهرة ليدرس  الفنون التطبيقية اي بما يعادل الاعدادية اليوم ومن هناك ترشح الى المانيا باقتراح كريم من وزارة المعارف العراقية وتحقق سفره الى المانيا عام 1933  وكان عليه دراسة اللغة الالمانية وهذا الطقس مازال في الجامعات المحترمة حين يدرس فيها من لايفقه لغة بلد تلك الجامعة فاذا اتقن الالمانية بوقت قياسي دخل الجامعة الالمانية الهندسية واختار اختصاص الهندسة الميكانيكة وفي السنة 1939 بدات الحرب العالمية المشؤومة الثانية سعيرها ولم تسمح له الحكومة العراقية وقتها ليؤدي امتحان التخرج فاستدرجته الى العراق وحين وصل العراق مكبودا حزينا مع صفوة من العراقيين النجباءغيرت الحكومة رايها فارسلت الطالب علي محمد رضا الصافي الى سويسرا بدلا من المانيا ولكن عقله هداه إلى ان يغادر سويسرا دون علم الحكومة العراقية وسافر الى برلين وادى الامتحان الجامعي النهائي وكان له ما اراد فحصل على   AMA هندسة ميكانيكية سنة 1941   وحين شب ضرام انقلاب رشيد عالي الكيلاني بمساندة العقداء الخمسة قرر علي الصافي البقاء في برلين وانهمك في تخصص العلوم السياسية والاقتصادية ونال الدكتوراه 1944 بدرجة جيد جدا عال وهناك تفرغ للعمل السياسي فشكل جمعية الطلبة العرب ولكن ذلك لم يرض طموحه فاسس محلها النادي العربي وبعد ذلك اسس الجمعية العربية ومن خلال الاقتراع فاز بمنصب السكرتير العام طوال مكثه ودراسته سنة 1938  وقرر ان يقوم بجولة ميدانية فزار جل بلدان اوربا ومنطقة شمال افريقيا وبسبب من شخصيته المحبوبة وافكاره التويرية العروبية فقد عقدت له صداقات مهمة مع شخصيات وزعماء بارزين وبعد خيبة المانيا في الحرب غادر الى باريس ليصل ما انقطع مع بعض الشخصيات العربية البارزة ومن فرنسا عبر الحدود صوب المانيا وحصل على وثائقه الدراسية وصدقها من فضلا عن المانيا الخاسرة  صدقها من سفارات سوريا ولبنان هناك فهو رجل منذ بواكير سنه يعرف ما يريد وبدوافع انسانية نشط جدا في اعادة السوريين واللبنانين وبعض العرب العالقين في المانيا الى بلدانهم الاصلية مما سلط عليه الانظار فتحسست منه الحكومات المنتصرة ففرضت عليه الاقامة الاجبارية في مدينة هايد لبرك واجريت معه تحقيقات امنية مرهقة استمر بعضها الى ساعات الصباح ولبثت التحقيقات الى 1948 فسمحت له الحكومة الامريكية بالعودة الى العراق وفي بلده عين مدرسا على ملاك كلية الهندسة ثم صدر امر رفيع ليشغل منصب مراقب التعليم الصناعي العام ثم نقلت وظيفته من وزارة المعرف الى وزارة الأشغال والمواصلات وعين مديرا عاما وكالة للبريد والبرق العام سنة 1950 ثم استعيرت خدماته الى شركة الجلود الوطنية وكانت الجلود تصدر الى خارج العراق وتدر المبالغ الطائلة وبات مديرا عاما لهذه الشركة المنتجة المربحة وكان خلالها موضع اعجاب رؤسائه ومرؤوسيه وحين شكل السيد ارشد العمري اختارالدكتور علي الصافي وزيرا للاقتصاد فاستلم حقيبته الوزارية في 29 ابريل 1954  فضلا عن انتخابه نائبا عن مدينة النجف في جون من 1954 نفسه وبعد خلافات بين الحكومة والبلاط استقال المغفور له ارشد العمري من الوزارة وحل المجلس النيابي ! فلم يندب الدكتور الشاب الناهض حظه فترك العمل الوظيفي لكي يزاول الاعمال الحرة (ويبدو ان بيت الصافي لهم ميول فطرية وذكاءات تجارية لمزاولة الاعمال الحرة لذلك لم تلو المناصب اذرعهم) ! كان الدكتور علي الصافي سراجا وهاجا من الشعورين الوطني والقومي فمثل قدوة لمعظم اصدقائه ومريديه فقد اسهم في تأسيس من النوادي العربية ويتذكر مجايلوه ان الدكتور الصافي مثل الجامعة العربية ضمن وفد الى المانيا لمنهضة ومكافحة مشروع التعويضات الالمانية لاسرائيل وخلال وفادته الى المانيا اتصل  بعدد من الزعماء والثائرين العرب ومن جملة هؤلاء اللواء المصري محمد نجيب كما عرف عنه مجايلوه شغفه بالمغامرات وطموحه غير المحدود في ان يصنع شيئا ان يكون شيئا ان يقدم للناس شيئا ولعله لقف ذلك عن ابيه وهو الى هذا شخصية مطبوعة على الحب والظرف وروح النكتة فضلا عن حفظه قصائد لشعراء مجددين من كل عصور الادب العربي بل كتب شعرا من نظمه يكون عدة دواوين (ولكن ...) ولكن اين قبيلته اين اسرته اين محبوه اين الغيارى على الادب ! بل اين النجفيون من طبع شعر وسيرة حياة الدكتور علي محمد رضا الصافي ! كتب مرثية في انسان كان انيس غربتهم ومنشط ثقتهم بانفسهم وهو اي المرثي فكه ظريف لاتفارق البسمة شفتيه رغم الغربة واحزانها ! اسم المرثي هو بهاء الطباع فكتب الدكتور علي الصافي مرثية فيه جاء فيها:

جادت قريحته وجاد الخاطر      وسمت عواطفه فنعم الشاعر

أبهاء انت سنادنا وسرورنا       وأنيس مجلسنا وأنت السامر

لولاك ما كانت هموم تنقضي    كلا ولا كانت هناك خواطر

وقد شطرت القصيدة وخمست من لدو شعراء كبار !!

وقال علي الصافي:

ألا ان لي في الصمت ابلغ وصمةٍ       اجيبُ بها خصمي إذا سامني طعنا

وكم في سكوتي عن اسافل معشر   دقيق معان إن همو أدركوا المعنى

فشطرها ثم خمسها الشاعر  السيد جواد الصافي وللسيد جواد الصافي منزلة مرموقة في حومة الادب .

وأقفُ عند الشاعر والمؤرخ الكبير المرحوم الشيخ علي البازي الذي شطر ابيات علي الصافي بقوله:

ألا ان لي في الصمت أبلغ وصمة    تعبر عن فكري وعمن به اعنى

وعندي برغم الحاسدين مواهب    أجيب بها خصمي إذا سامني طعنا

وكم في سكوتي عن اسافل معشر   كلام لمن في روعه الوعي اورعنا

وفي ضمنه وافي بيان منظم     دقيق معانٍ إن همو ادركوا المعنى

1276 sayeq

قال الاستاذ السيد محمود نجل السيد محمد رضا الصافي ضمن كتابه الوافي في احوال آل السيد الصافي الطبعة الاولى ص 154 وبعدها) وكان والد مؤلف الكتاب واحدا من قادة الثورة العراقية الكبرى سنة 1920  يقول المؤلف في صاحب الترجمة الدكتور علي الصافي:

والصافي الدكتور علي شاعر بالفطرة فقد نظم الكثير من الشعر في المناسبات التي عبر عنها بــ (الليليات والليالي) ولكنه لم يحتفظ بما نظم الا بما يختزنه ذهنه وقد حاولت ان اقف على مجموعته الشعرية غير انه اقسم لي بأنه لايحتفظ بشيء من شعره سوى ما يحفظه وقد روى لي شيئا منه فكتبته في جلسة خاصة فكان منه ما نقرأه وبه تقف على شاعريته المحفوفة بالبداهة وقوة الارتجال ! اورد قوله من ابيات شفعت بهدية عيد وهي صليب ذهب يعلق في الصدر قالها عام 1935:

إن الهلال ليهدي  الى الصليب صليبا

والقلب فيه  مذاب  يشكو جواً ولهيبا

ما القلب الا تهان    جاءت تحيي الحبيبا

تقبليه بلطف    يفوح نشراً وطيبا

وأنتٍ للعيد عيد    وفيكِ اجلو الكروبا

ويضيف المؤلف السيد محمود الصافي قائلا: وله في ليلة اخرى وقدم لها هدية العيد سنة 1934:

انا لا اعرف عيدا    كل ايامي عيد

ليس عندي ذاك إن لم  أكُ في العيد سعيد

وانا في كل يوم  من رضاك في مزيد

ذاك بشري وسروي   وهنائي في الوجود

شهد الله بحبي  جل ربي من شهيد

فلذا يهديك قلبي   منحة الصب الودود

فهي رمز للتهاني  وهي عنوان السعود

عجب امري هذا  وعجيب ما اريد

انت قلبي كيف قلبي  لك يهدي ويجود

ظرف الدكتور علي الصافي

علي الصافي فكه بطبعه يستثقل دماء الادعياء وذوي المظاهر الخدعة ! فكانوا ميدان وخزاته شعرا او نثرا ! وهو ظريف يعشق النكتة التي يقولها حال حضورها في راسه حتى مع اصدقائه المحترمين والوجهاء المقدرين ولقد تكلمنا في ذلك من خلال مباحثنا في الاخوانيات وفي موسوعتنا عن النجف فذكرنا مختصين في النكتة مثل حسين قسام وصادق القندرجي والحاج زبالة الحممجي الكوفي وذكرنا امثلة في ناس اعلام كبار عرفوا بالورع والدين والنضال ضد الاجنبي والخرافة مثل الشيخ علي الشرقي والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ محمد علي اليعقوبي والسيد الدكتور مصطفى جمال الدين والاستاذ محمد صادق القاموسي والدكتور صالح الظالمي والاستاذ جميل حيدر- سقجخي المولد نجفي الهوى -  ومحمد حسين المحتصر وحين كتبنا في الزعيم العراقي سعد صالح جريو (وزير ونائب ومصلح) ذكرنا شغفه بالنكته حتى في اقتم المواقف ويمكن للمستزيد الرجوع الى فرزاتنا في عدد من المواقع والصحف التي انشر فيها http://www.alnoor.se/article.asp?id=51522

للمثال قارن مانشرناه عن الزعيم الوزير الشاعر الظريف سعد صالح جريو (اللنك اعلاه) قلت ما نصه:

يأنس للنكتة رغم مكابداته

يامن رأى زعيما عراقيا وطنيا كمثل سعد صالح !  متواضعا ومترفعا معا ! حزينا ومشرقا في الآن ذاته ! كئيبا محبا للنكتة واحيانا يبتدعها!

هذه واحدة من ظرفه فحين اخبر الخدم سعد صالح ان شرطيا من الشعبة السرية  الخاصة يحوم حول بيته متفرسا بوجه الداخل والخارج متجسسا متحسسا ! فقال للخدم امسكوا الجاسوس وادخلوه الى سرداب البيت وشدوا الحبل حول قدميه واضربوه بفلقة العصا فكان سعد يفلق الجاسوس بنفسه ويغمز للخدم فيصرخون حسب الاتفاق صلوات على محمد وال محمد ! ثم اطلق سراح الشرطي السري فما عاد احد قادرا على مراقبته بعدها !

والثانية !! استأذنت شركة الدخان الوطنية سعد صالح كي تضع صورته على علبة السجاير وحين زاره السيد جواد الحيدري وهو ضعيف البصر فقال حين قدم سعد بنفسه علبة سجاير نصر: هؤلاء ذوق سز يعني مالقوا غير هذا الوجه المنحوس ! فداعبه سعد وقال له بالعكس الصورة جميلة فصرخ الحيدري كل من قال لك ان هذا (البجم) ينفع لاتصدق فضحك الجميع وسهر الحيدري ومضى الى بيته وهو لايدري انها صورة صديقه سعد صالح .

والثالثة حين كان متصرفا للواء المنتفك وبينما كان يهم بدخول المبنى استوقفه قروي وقال له افندي وين المتصرفية ؟ فقال له سعد واشار بيده هذه هي ! فقال له القروي تعرف المتصرف ؟ فاجابه سعد نعم وهو صديقي فقال له القروي هل تستطيع ادخالي عليه ؟ فقال له سعد انه لايقابل احدا مالم يدفع الرشوة له ! فقال القروي ليس عندي سوى دينار فهل هذا يكفي ؟ فقال سعد ان هذا المبلغ لايرضي الفراش فكيف المتصرف فغضب القروي وقال: الله ايصخم وجهه واخذا يشتم المتصرف بأقذع الشتائم فامسك سعد بيد القروي وتابع معاملته بنفسه مع الموظفين وحين علم القروي انه تورط مع المتصرف خجل و اعتذر فقال كل الشتايم سهلة بس صخام الوجه صعب عليَّ !

والرابعة قال لصديقه السيد حسين كمال الدين وكان مصرا على تسمية اولاده وبناته باسماء تنتهي بألف وميم  مثل سهام عصام وئام وهمام وسلام فقال له سعد كل ما اخشاه هو نفاد هذه القافية فتضطر الى اسماء مثل صخام ولطام !

وكان سعد يضحك بكل جوارحه للنكتة الجميلة ويردد  كلمة دون غيرها وهي (جابها) اي استطاع حبك النكتة بحيث ضحكنا حقا ! انتهى المثال ....

وها اني افتح كتاب الصديق والناشط الكبير السيد محمود الصافي الذي اهداه لي (مفاكهات ادبية واخوانيات نجفية وفي ص 7 قال: النكتة والظرف طبيعة عند النجفيين والمرح متغلغل في اعماق نفوسهم خاصة عند الشعراء والادباء بل وحتى بعض مراجع الدين والعلماء العرب . والنجفي محب للفكاهة حتى اذا كان  نفسه مادتها وكم صفق نجفي لنكتة او مقلب احكمت حلقاته عليه فاذا حضرت النكتة احدهم رواها وان كان في اشد حالات الحزن ومثال ذلك ما نقل عن المحامي الظريف علي الخليلي انه سئل اثناء تشييع جنازة والده من قبل احد المشيعين عن سبب وفاة والده؟ فحضرته النكتة في تلك الساعة الحزينة واجابه: ياشيخنا لقد نسي المرحوم الوالد ان يتنفس فمات . وحكاية اخرى وذلك ما حصل في مجلس الدكتور علي الصافي النجفي وكان مجلسه من المجالس المكتظة باهل العلم والسياسة والادب وصادف من جملة الحاضرين المرحوم سلمان الصفواني صاحب جيدة اليقظة والعلامة الشيخ عبد المنعم الكاظمي الذي كان كثير الاحاديث في الدين والعلم والادب وقد شوهد الصفواني يتطلع الى وجه الشيخ عبد المنعم بتأمل وقد لفت نظره ما كان عليه شعر لحية الشيخ من بياض على عكس سواد شعر راسه فسأل الشيخ عن هذا التباين وقبل ان يجيبه الشيخ اجابه الدكتور علي الصافي بقوله: هذا يعني ان الشيخ ملغوث – ثرثار – ولا مخ له ! وهنا ضحكالجميع بما فيهم الكاظمي بعدها بان على الشيخ التاثر فقام الدكتور علي الصافي وقصده وقبله في جبينه وقال له معذرة ياخالي فقد حضرتني النكتة ولم استطع حبسها

أعماله المطبوعة

الفن والحضارة عند العرب مترجم من الالمانية الى العربية

اطروحة دكتوراه في الاقتصاد السياسي

اطروحة في الهندسة الميكانيكية

 وبعد ....

ال الصافي من البيوتات المنجبة

بيت الصافي بيت نجفي عراقي ! لعل اول من دخل النجف مهاجرا في طلب العلم هو  العلامة السيد عبد الحسين الجبيبلي سنة 1090 للهجرة وجبيلي نسبة الى قصبة بصرية هاجر اليها قبلا  عشيرته الاقربون قادمين من موطنهم الاول المدينة المنورة ولعل اول من هاجر الى جبيلة من المدينة المنورة هو جده السيد ثابت بن السيد موسى ! ومن هذه العائلة ثمة من قطن عربستان وعاصر امارة خزعل الكعبي وحين دخل الانجليز المنطقة بحجة تحرير المنطقة من ربقة الدولة العثمانية كانت للشيخ خزعل مشكلات مع العثمانين ومصالح مع الانجليز  وقد طالبه السيدجابر السيد مشعل (من اجداد ال الصافي) وهو من وجهاء عربستان طالب خزعل بالتخندق مع زحف المقاتلين الذي قاده الحجة السيد محمد سعيد الحبوبي نحو الشعيبة لكن الشيخ الثائر السيد محمد رضا الصافي 1879- 1942 وهو عالم فقيه عرف بمقارعة العثمانيين والانجليز معا وهو عميد اسرة الصافي في النجف وناضل من اجل عراق عربي مستقل ديموقراطي وهو السيد محمد رضا بن السيد علي بن السيد الصافي بن السيد جاسم ويمر النسب الكريم عبر الامام موسى الكاظم وفي بيت الصافي يجتمع العلماء الثائرون على النير الايراني والعثماني و السيد محمد رضا له اشقاء  الاول هو شاعر العرب الاشهر السيد احمد الصافي النجفي والثاني عالم زاهد السيد محمد امين الصافي والثالث عالم زاهد ايضا هو السيد هادي الصافي وهما ضمن الفريق الثائر من العلماء والزعماء مثل عبد الواحد ال سكر ومحمد العبطان والسيد علوان الياسري وكان بيت الصافي حاضنة الثوار على المحتلين على اختلاف مشاربهم والتهيئة لثورة العشرين وقد انجب العلامة الثائر السيد محمد رضا الصافي كلا من الدكتور علي الصافي والمحامي السيد حسين الصافي والمحامي عبد العزيز الصافي والمحامي فاتك الصافي والسيد محمود الصافي وللصديق الشاعر محمد نجل الشيخ المؤرخ الشاعر علي البازي الكوفي ارجوزة طويلة عنوانها المنهل الصافي في نسب السادة ال الصافي:

علي الصافي الفتى العريق  صنو رضا المجد له شقيق

هو الحقوقي الادييب العزيز   راوية التاريخ غبد العزيز

وللفتى علينا اخوان    ثلاثة كلهمو وجدان

اولهم حبيبنا الحسين    بحر فسيح دره مكنون

وفاتك اخو علي كامل  شهم عزوم حازم مناضل

وللعلي ذي الحجا محمود   اخ لكل ميزة محمود

...

اما ابو احمد عبد العزيز   اكرمه الرب الجليل العزيز

بقصة يعرفها كل السلف   احداثها قد وقعت قرب النجف

جاء العزيز طالبا للعلم   من (الجبيلة) بأعلى عزم

وكان يقضي كل ليل  جمعه   في جامع السهلة يرجو الشفعه

ثم يصلي فجرها في الكوفه  بجامع افضال معروفه

وذات فجر بينما يسير     رأى حجارا ماله نظير

وبعد ان رآه اهل المعرفه    قالوا له ذا حجر سامي الصفه

وبعد ان باعه للتجار   اصبح ذا مال وذا عقار

شيد   جامعا عظيما  في النجف   من ماله اهدى له  اغلى التحف

هندسه مقاول ذو جهد         جاء الينا من بلاد الهند

والناس من عفو ودون قصد    قد وصفوه جامعا  للهندي

وفي الحقيقة العزيز الباني  والهندي ذا كمشرف المباني

مقالة سابقة كتبها عبد الاله الصائغ في المحامي الوزير الناشط السيد حسين محمد رضا الصافي .

 http://www.alnoor.se/article.asp?id=267306

بيت الصافي عائلة منجبة وكانت لها ريادة في العلم والادب والنضال والاعمال الحرة  والفنون وفي مقالة لنا سابقة عن السيد حسين الصافي منشورة انظر اللنك اعلاه كانت لها ريادة في الفن المسرحي فثمة عدد من فتيان النجف مثلوا رواية في سبيل التاج مثلت لصالح الرابطة الادبية والصورة المنشورة للممثلين يتوسطهم معتمد الرابطة الادبية السيد عبد الوهاب الصافي !! تخيلوا النجف الأشرف خلال ثلاثينات القرن العشرين كانت تمتلك عددا من المسارح وفرقة تمثيلية وفي الصورة فرقة النجف المسرحية وهي تحظى برعاية رجل دين بوزن سماحة السيد عبد الوهاب الصافي الذي كان عميدا لجامعة الرابطة الادبية بل وان المسرحيين نجحوا في تمثل رواية في سبيل التاج للشاعر والروائي الفرنسي فرانسوا كوبيه  وفي الرواية ثمة البطل قسطنطين العاشق الفارس وفي الرواية حب وكراهية عشق وخيانة ! الرواية التي صاغها ومصّرها  مصطفى لطفي المنفلوطي باسلوبه الادبي الجذاب ! بينا في زماننا هذا بعد 2003 وفي بغداد وقف رجل معتم على احد المسارح ليلقي كلمة تكريمية بعد عرض احدى المسرحيات فقال لجمهور المسرح انني اخاطبكم من هذا المكان النجس ويقصد المسرح ! فكم سبق العلامة عبد الوهاب الصافي زمان المتنجس من المسرح والمسرحيين وفي الصورة اسماء من مثلوا في سبيل التاج منشورة بكل فخر والممثلون فخورون ان عملهم اشرف عليه العلامة عبد الوهاب الصافي فهل كثيرا اذا قلنا ان بيت الصافي كانوا نسمة الربيع في مناخ ثلاثينات القرن العشرين يوم كانت النجف تتخلص من ريح السموم بوساطة السراديب

http://www.alnoor.se/article.asp?id=267306#sthash.5BMrObal.dpuf

 احد ابرز الثوار الذين حاربوا المحتلين: العثمانيين والانجليز هو العلامة السيد محمد رضا الصافي 1881 - 1942

http://www.alnoor.se/article.asp?id=267306#sthash.AVKZgidG.dpuf

  واخر قولنا ان الحمد لله رب العالمين .

 

عبد الاله الصائغ استاذ علم تحليل النص رئيس موسوعة الصائغ الثقافية

مشيغن المحروسة  الاحد 21مايس 2017

 

 

abduljabar alrifaiبيئةُ النجف الأشرف مشبعة بعبق الرسالة ونكهة التاريخ، لا يتوقف ميراثُها الرمزي عند ضريح أمير المؤمنين (ع)، بل يرحلُ زمانياً في أعماق الماضي، ليستوعبَ حياةً روحيةً وأرشيفات تاريخية رابضة في عشرات الأديرة وبيوت العبادة واللاهوت.

 وبموازاة ذلك تكتنز النجفُ مدرسةً دينيةً عريقةً للتشيع، تتسع للحديث والتفسير والكلام والفقه وأصوله، وفي فترات ضمورها لا تعدم حضورَ التصوف والحياة الروحية. وطالما اقترنتْ هذه المعارفُ بالأدب، حتى أضحى الشعرُ وعاءً يستوعب الفقهَ والمنطق والفلسفة، والنحوَ وعلوم اللغة، وآدابَ الدارس والمدرس. 

حين يولد شخصٌ موهوب في هذه البيئة الشديدة الثراء والتنوع، يمتلك قدرات وطاقات اضافية، تهبه النجاحَ و التميز، بينما يفتقر الى تلك القدرات والطاقات أولئك الذين يولدون في بيئة فقيرة روحياً ورمزياً ومادياً، كما أنا، فقد وُلدت في قرية بأرض يباب، على تخوم صحراء ليس فيها سوى تلال حضارة سومر الموحشة اليوم.

ولد ابراهيم العاتي ونشأ وتعلم في مدارس النجف، ولبث فيها حتى أكمل المرحلةَ الثانوية، فتشبع بمناخات التراث، وشرب من منابع الأدب والشعر، فقد كانت النجفُ حتى وقت قريب من أهم الحواضر التي لم تنطفئ فيها جذوةُ المتنبي الأدبية، ولم تجف ينابيعُ حكمته الشعرية، إذ تجلت بأبلغ وأكثف صورها مع متنبي العصر محمد مهدي الجواهري. 

 لم يشأ العاتي أن يعتمرَ العمامةَ، أو ينخرطَ في الحوزة ليرثَ أباه، بل طفقت روحُه تبحث عن النور في آفاق جديدة. لم يرتهن عقلُه بالتراث الذي تشبعت به بيئةُ النجف، ولم تغرقه شاعريتُه في إغواءِ شاعرية الجواهري، وإرثِ مدرسة المتنبي، مثلما غرق في اغوائها كثيرٌ من الموهوبين، ولم يغادر مداراتِها حتى استهلكت مواهبَه وسرقت حياتَه.

1272 any

مع د. ابراهيم العاتي، ود. جودت القزويني، في قم ١٣-٣-٢٠٠٥

كان عقلُ العاتي المولع بالنور، وروحُه المتيمة بإيقاظ الضوء في العالم، وقلبُه الذي ينبض بموسيقى الجمال، كلها تهتف به أنْ يتوطنَ الفلسفةَ والعلومَ الانسانية الجديدة، والتي كانت ميعاداً لولادته الثانية في جامعة دمشق، في الفلسفة اكتشف ابراهيمُ أنهاراً بلا ضفاف، وآفاقاً بلا نهايات، وتفكيراً بلا حدود، وعقلاً بلا قيود.

 لكن العاتي لم يهجر ميراثَه أو يهجوه أو يقف منه مواقف موتورة، وانما حمل معه ما اصطفاه من جمائل النجف وألقها ونكهة منتدياتها الأدبية. وتخصبت ذاكرةُ النجف بلقاء العاتي الشاعر الرؤيوي أحمد الصافي النجفي، الذي أصبح تلميذَه سنوات إقامته في الشام، وهو شاعر وحكيم ذو فرادة، وشخصية غرائبية، يستفيق فيها عمرُ الخيام في تأمله الفلسفي وأسئلته المشاغبة، وتتفجر فيها شاعريةُ الشعراء الملهمين لحكمة العالم، والبارعين برسم الصور المجهولة في كهوف الحياة والسجون. وتحضر في شخصية الصافي النجفي قوةُ إرادة الرهبان والمتصوفة، وكفافُهم في العيش، وزهدُهم بكل متع الحياة ولذاتها الحسية ومباهجها المادية.

لم يكن الصافي النجفي شاعراً يكرّر سواه في أدبه أو عيشه، بل كان فريداً فرادة القديسين في تجاربهم الروحية، والملهمين الكبار للعبقرية. يحسبه البعض صعلوكاً لكنه لم يكن صعلوكاً، ويحسبه آخر متصوفاً لكنه لم يكن متصوفاً، ويحسبه ثالث حكيم لكنه لم يكن حكيماً، ويحسبه رابع متمرد لكنه لم يكن متمرداً، ويحسبه خامس ثائراً لكنه لم يكن ثائراً، ويحسبه سادس وسابع وثامن... كلٌّ حسب البعد الذي كان يتجلى له في عينيه، والعدسة التي كان يراه من خلالها. لقد كان الصافي النجفي كلَّ هذه الصفات المؤتلفة والمختلفة معاً، تتناغم كلُّها في إيقاع تتشكل فيه كملحمة اغريقية. وشخصيات استثنائية كهذه نادرة الوجود في الأرض، وهي تمتلك طاقةً سحرية ملهمة، تشعّ على كل من يدنو منها ويتعرف عليها، فكيف بمن يصاحبها ويدمن معاشرتَها ويتلمذ عليها عدة سنوات.

ظفر العاتي بصحبة الصافي النجفي والتلمذة عليه في سنواته الشامية، وعايشه بثقة وهدوء وتأمل، كثقة الصافي النجفي الراسخة بنفسه وهدوئه وتأمله العميق، وكتب العاتي أماليَه وشجونَ أيامه وسكراتها ومراراتها في كتاب مهم أصدره قبل سنوات.

في القاهرة كانت الولادةُ الثالثة للعاتي، حيث كان ميعادُه مع الدرس الفلسفي المصري، يوم كانت الفلسفةُ الغربية تتحدث عربيةً فصيحة فلسفياً في جامعات القاهرة والأسكندرية وعين شمس، وشدّته جذورُه الغاطسة في التراث إلى أن يستفيقَ في ضميره منجزُ الفلاسفة المسلمين في مرحلتي الماجستير والدكتوره، ولعلي لو كنت مكانه وقتئذ لذهبت مع فلسفة الغرب الحديثة والمعاصرة، وتعلمت طرائقَ تفكيرهم الذي نسخ معظم القديم وعبره، وحررهم من سجون الماضي، لأكتشفَ أثرَ الفلسفة في تشكُّل العقل الغربي الحديث، وإخراج الغرب من دروب التيه، كما فعل عبدالرحمن بدوي الذي تعرفنا عبر مجموعته عن كانط على منجز فيلسوف التنوير، وفؤاد زكريا الذي تعلمنا منه كيف تُكتب الفلسفةُ بلغة الصحافة، من دون أن تفقد عمقَها ودقتَها، وزكي نجيب محمود الذي صاغ خرائطَ أدبية للفلسفة، ربما تحاكي ما كتبه ميخائيل نعيمة الذي يستخلص فلسفتَه من دروس الحياة، وخبرته الروحية من الطبيعة الفاتنة في بلدته الجميلة في سهول جبال الأرز.

لكن مغامرةَ العاتي في العودة للتراث الفلسفي تستحق التبجيلَ والثناء، لأنه أصرّ على الحراثة في أرض لم يحرثها أحدٌ قبله، فاختارَ أن يلتقط لنا شذراتِ "الزمان" من منجم التراث الفلسفي الواسع، ويصوغها على شكل قلادة، كأنّ شذراتِها أحجارُ ياقوت مضيئة، وكأن ابراهيمَ عثر لنا على "حجر الفلاسفة"، الذي شغفوا به، وما لبثوا يفتشون عنه قروناً طويلة دون أن يعثروا عليه. كما اكتشف العاتي الإنسانَ الغائب في مدونة المتكلمين والفقهاء، فوجده بكامل ملامحه وصفاته في فلسفة الفارابي.

من يختص بالفلسفة في بلادنا ربما يغامر بمصيره ومستقبل عائلته المعيشي، فكل سلطة تقلقها الفلسفة والعلوم الانسانية، بوصفها علوماً للفهم، تنشد التوغل في العوالم المجهولة للطبيعة البشرية، والتعرف على تضاريس العلاقات الاجتماعية، والحفر العميق في بنية مختلف أشكال السلطة، والكشف عن صلتها العضوية بالأنماط المتنوعة للمعرفة. فإذا كانت هذه مهمة الفلسفة والعلوم الانسانية ستعاديها كل سلطة، لأن السلطة تمقت من يوقظ الناس ويفضح زيفها.

 السلام على الصديق الاستاذ الدكتور ابراهيم العاتي، الذي أولده الميراثُ الرمزي والثقافي والأدبي للنجف للمرة الأولى، وأولدته دمشقُ للمرة الثانية، بوصفها أعرق مدينة في التاريخ، وأغتنت شخصيته بأطياف الصافي النجفي وشخصيتُه الغرائبية التي تقترب في تجاربها وملامحها من أبطال الملاحم والأساطير، وأولدته قاهرةُ الفاطميين للمرة الثالثة، في الأيام الأخيرة لحضور وهج الدرس الفلسفي فيها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...................

شهادة في الاحتفالية التي أقامتها مؤسسة الحوار الانساني في لندن للدكتور ابراهيم العاتي، يوم الأربعاء 17-5-2017.

 

 

salim alhasani2بصمت، بصبر، بألم مكتوم على مدى سنوات، رحل رجل الشهامة والنبل، قيس الشامي (أبو اخلاص).

يتناقل أهل الشامية حكاياته، عن شبابه المشاكس، أيام كان أحد فتّوات (شقاوات) الشامية، والذي ذاع صيته خارجها حتى وصل بغداد وشقاواتها في الستينات وشطر من السبعينات.

كان أكثر الشقاوات بطشاً وسطوة، يحذرون قيس الشامي، لقوته وشجاعته، وقد كان يستخدم قوة الجسم وصلابة القلب في حماية أهل مدينته، بقيمه التي ورثها من عائلته، قيم الجنوب أيام زمان.

حين التحق بالخدمة العسكرية، قرر ان يتطوع جندياً، فتم تصنيفه ضمن القوات الخاصة لما يتمتع به من لياقات بدنية عالية.

وذات يوم كان يروي لي ونحن نسير في أحد شوارع لندن، عن ذكرياته، بأن أجمل لحظاته كانت عندما يهبط بالمظلة، فيرى الحقول والانهار والشوارع من السماء وهو يقترب منها ببطء، وكيف كان بعد فترة من الترقيات، يقوم بتدريب المظليين، وتشجيعهم في تجارب القفز الأولى.

...

في بدايات المواجهة مع النظام الصدامي، كان حزب الدعوة قد دخل مرحلة العمل العسكري، ولم يكن أبو اخلاص في هذا الجو ولا في هذا المجال، كانت له حياته الشعبية الخاصة في مقاهي بغداد قرب ساحة الرصافي. وأحياناً كان يزور شقيقه السيد حسين الشامي أحد قادة العمل الجهادي المقيم في النجف الاشرف.

في لقاء خاص في منزل السيد حسين الشامي مع الداعية الفذ والشهيد الكبير الشيخ حسين معن، يخططون لشؤون العمل في عام ١٩٧٩، لاحظ الشيخ الشهيد، وجود (أبو اخلاص) وبفراسة المؤمن، أدرك انه ينطوي على سريرة صافية، وعلى قوة متفجرة في داخله، وانه يحتاج الى توجيه، لكن توجيه قيس الشامي لم يكن سهلاً، وهو العنيد المتشدد برأيه الذي لا يرغب في الحوار والنقاش، ويميل الى اختصار الكلام بشكل حاسم سريع.

خرج الشهيد حسين معن، مع قيس الشامي، يسيران خارج المنزل، ثم عادا سوية، وكان (أبو اخلاص)، قد انقلب الى شخص آخر، حوار واحد من الشيخ حسين معن، غيّر كل كيانه، وصاغه في قالب جديد.

 

alaa allamiكان لبغداد شارعها الرئيسي ويدعونه الشارع الأعظم، وتأتي بعده عدة سكك تصطف الدور على جانبيها، ثم الدروب فالأزقة. وكان عرض الشارع خمسين ذراعا والدرب ستة عشر  ذراعا. وكان ثمة فسحة أمام قصر الخليفة  الكبير، وأمر المنصور بإخراج الأسواق إلى الكرخ وتوسيع الشوارع بعد ثورة أهل الأسواق سنة 157 هـ بقيادة المحتسب يحيى بن زكريا. ولم يكن يسمح في البداية بالتجول راكبا في بغداد  إلا للمهدي ثم أبيح ذلك للجميع. أما شوارع سامراء المعتصم، العاصمة اللاحقة، فكانت أوسع من شوارع بغداد. وكان عرض درب الزعفران في الكرخ والذي ينزله أهل العطور والبز " الأقمشة" ثمانية أمتار. ويقدر اليعقوبي عدد الشوارع والسكك والدروب بستة آلاف درب وسكة. وعُني بنظافة المدينة في البداية فكانت الرحاب تكنس كل يوم ولكن الأوساخ تكاثرت وتراكمت لاحقا. وتدخل المحتسب فمنع إخراج  جدار الدار أو الدكان الى الممرات ومنع جلوس السوقة وإخراج المصاطب وربط الدواب ورمي الكناسة في الشوارع . وكان الناس يستحرمون الشراء من الباعة الذين يضايقون المارة. ولكن أوامر المحتسب لم تكن تحترم دائما فكان باعة الباقلاء يبيعونها في الشارع. وفرَّق الفقهاء بين الشارع والزقاق، فالزقاق هو سكة غير نافذة، وهو ملكية عامة للمتجاورين فيه، وعرَّفوا الفناء بانه (المساحة الحرة أمام البناء) وكان الحق في المرور في الدروب والساحات لجميع الناس ودولابهم مضمونا لا يجوز احتكاره ولا حفر بئر فيه.

أما الفنادق الخانات فهي منشآت سكنية وتجارية ينزلها التجار من وطنيين وأجانب وقد خصص الطابق الأرضي منها للمتاجر والاسطبلات أما حجرات الإقامة والنوم فكانت في الطابق العلوي. وكانت الخانات تستخدم السطوح لينام عليها المسافرون وتخصص لكل عائلة زاوية معينة – بقيت هذه العادة في النوم على السطوح في بغداد وغيرها من مدن العراق حتى أواخر القرن الماضي وربما لا تزال قائمة في بعض مناطقها حتى الآن - وكانت تعقد حلقات التدريس وجلسات السمر في الخانات أيضا.

وبنيت الحمامات بطلب من المنصور، ولكن الفقهاء ورجال الدين المتشددين كانوا يتحرجون من دخولها في البداية. ولكنها أصبحت شائعة لا حرج فيها بحكم العادة السائدة لاحقا، وكانت تبنى بجانب الجوامع غالبا. وألَّف إبراهيم الحربي الزاهد كتابا في الحمامات وآدابها. وبلغ عدد الحمامات في بغداد أعدادا قد لا نصدقها اليوم فكانت في عهد المقتدر عشرة آلاف حمام وبلغت في عهد معز الدولة سبعة عشر ألف حماما. وأعجب ابن بطوطة بحمامات بغداد فقال (حتى يظن الرائي أن القار التي تطلى به رخاما أسود). ويكون لكل زبون في الحماء حوض يصب فيه انبوبان للماء البارد وآخر للحار. وبنى علي بن أفلح حماما في قصره (ضم بيت مستراح فيه بيشون "حنفية" إن فركه الإنسان يمينا خرج الماء حارا وإن فركه شمالا خرج باردا). وكانت الحمامات تزين بالصور وتزدحم أيام الجمع وكان العيارون يأوون إليها وينامون فيها. ولاقى دخول المرأة الحمام في أيام خاصة بها التشجيع وكانت المرأة تتفنن في تبرجها في الحمام. وكان بعض الناس يدخلون الحمام دون مآزر أو يتمرغون على أرض الحمام الرخامية أو يضطجعون داخل حوض الماء،  وفي سنة 467 أمر المحتسب بمنع الناس من دخول الحمامات من دون ميازر. ونشأت عصابات سرقة متخصصة في الحمامات كما نشأت الكثير من الخرافات المتعلقة بالجن والشياطين حولها. يتبع.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

mohamad sayfalmoftiاستوقفتني بعض المقالات والتحقيقات التي تناولت حياة النساء الاجنبيات الواتي سافرن الى أرض الخلافة. كيف عاشت النساء الاجنبيات في الرقة، عين من الداخل؟ أنقل لكم بعض ما قرأته في النرويج وخصوصا في الجريدة الرسمية آفتن بوستن.

قبل حوالي ثلاثة سنوات وقفت راوث يوهانسن وقد التصق ابنها ذو الاعوام الثلاثة بها، تنظر من شباك غرفتها في مستشفى قذر ومتهالك، تتأمل طائرا يقف على غصن شجرة أمامها، طيران الطائر وحسرتها أعادتها الى الواقع " الرقة".

ابنة النرويج جاءت الى الرقة بصحبة اطفالها الخمسة وزوجها السوري،  التفتت ونظرت الى ابنتها الملقاة على السريرو تفحصت جدائلها السوداء، كانت شاحبة شحوب الموت، بسبب الجفاف وسوء التغذية والاسهال المستمر، وشعرت ان ابنتها لن تحتفل بعيد ميلادها الثاني، والقت نظرة سريعة لعل الطائر قد عاد الى السطح.

مضى على اقامتها في الرقة عدة أسابيع وتسكن في بيت يحيطه الحراس من كل الجوانب، يغيب زوجها لأيام وأيام في كل مرة عندما تسأل عنه يقول لها رجل أجش الصوت (تدريب على القتال مع الدولة الاسلامية) ويترجم لها بعض النسوة التي يشاركنها السكن. لم تتمكن راوث أن تنسى كيف خدعها زوجها عندما قال لها أنهم في زيارة الى تركيا للقاء أمه التي لم تأت الى تركيا فقرر هو زيارتها  والبنات تجملوا للقاء الجدة وركبوا السيارة وبعد رحلة تصفها بأنها لم تكن طويلة ظهرت أعلام سوداء وعلمت أنها دخلت أرض الدولة الاسلامية في سوريا.

1261 mofti

مضت الايام وأدركت راوث أنها في ورطة حقيقية وأيقنت أنها لن تتمكن من الهرب من الرقة بقدراتها الشخصية، وأخيرا بعدما تمرضت ابنتها سمح لها بمرافقتها الى المستشفى مع ابنها، وبقية الاطفال بقوا في البيت تحت حراسة مشددة ونساء يتحدثن الانجليزية تعرفت عليهن في (الحرملك).

بينما كانت ابنتها تغط في نوم عميق أخذت ابنها الى الشباك ثانية، وحاولت مواساته بمنظر الطائر الذي يمارس طقوس حياته بطريقة اعتيادية، وقطع صفاء اللحظة انفجار شديد.

نادرا ما دخلت إمرأة غربية الى المنطقة وخرجت منها، تقول راوث للمرأة دور جوهري في نظام الدولة الاسلامية، هن المساندات للمجاهدين، وهن كذلك معمل تفريخ الجهاديين الجدد، والدولة الاسلامية حريصة على تدريبهم منذ نعومة اضفارهم على كره الغير وتكفير الغير ووجوب قتل من لا يعترف بهم خليفة الله على الارض.

كان مع راوث امرأتين جاءتا الى سوريا بارادتهن، تصف احداهن وتسمي نفسها صوفيا هذا ليس اسمها الحقيقي، وهي ام وموظفة اجتماعية.

- لو يوجد فعليا شيء أسمه الجحيم، فمن المؤكد يشبه ما تعرضنا له في الرقة. وحشية الدولة الاسلامية عصية على الفهم. كنت خائفة حد الموت من أن يأخذوا مني ابني الوحيد، أو أن أضطر للهرب من سوريا بدون أن اصحبه معي.

قالت عشت تجربة قاسية بعد أن رحلت أمي، وكنت أعمل في مركز للحالات الصعبة وهناك تعرفت على ثلاثة شباب أقنعوني بالاسلام فاعتنقته، وبدأت ابحث عن معنى أعمق للحياة وكنت أريد تحقيق القيم الانسانية السامية. رحل الشباب الثلاثة الى سوريا واستمروا بالتواصل معي وشرحوا روعة الحياة والقيم الحقيقية للبشر. حملت حقائبي وأخذت ابني وتركت زوجي الطيب في حيرة من أمره ورحلت الى الدولة الاسلامية بعد أن أقنعوني بمدى الحاجة الكبيرة لممرضة في قسم النسائية في المستشفى,

في شباط 2015 اتخذت صوفيا اخطر قرار في حياتها وأخبرت زوجها وعائلتها أنها ستعمل في دار ايتام في اسطنبول، ورحلت لتحقيق الاهداف السامية في الحياة.

بمجرد وصولها علمت ان البيت غنيمة حرب، ولاحظت سلوكيات المقاتلين الاجانب وكيف يأخذون البضاعة من المحلات بدون دفع اثمانها ولا ينتظرون في الطابور بل يدفعون الناس بلا احترام ليقفوا في بداية الطابور. هذه الملاحظات أدخلت الريبة والشك في نفسها.

تصف صوفيا سلوك زملائها " بعد أيام قلائل بدئوا يتحدثون بطريقة قبيحة عن المواطنين السوريين، يرفضون خروجي من البيت ويتحدثون معي بصفاقة. لحسن الحظ أن ابني صغير وإلا لأجبروني على أخذه للتدريب على القتال.

تصف تجربتها في يوم العمل الأول لها في المستشفى، قالت لزملائها أنا جئت الى هنا لكي أعمل فقرروا اصطحابها الى المستشفى.

- لم اصدق ما شاهدته عيناي في المفرخة، كل العمليات قيصرية، الدماء قد لوثت السجاد والقيء مسكوب في كل مكان، والذباب وحده يتراقص في كل مكان مرتاح لهذه الاجواء. هنا أيقنت أن أصدقائي قد اصبحوا اعدائي، وأنني أسيرة عندهم.

- كم شعرت بالغضب من غبائي، وكيف سمحت لنفسي بجلب ابني معي، وكم كنت أشعر بالغضب على من خدعني ووصف لي المكان بالجنة.

تقول راوث قرررت الدولة الاسلامية نقلنا الى مضافة قيل أنها كانت بيتا لأحد الوزراء، وعندما وصلنا وجدت أن البيت ذو الطوابق الثلاثة قذر للغاية ومليء بالنساء والمسبح فارغ وقد تحول الى وعاء كبير للزبالة. يسرح النمل في ثلاجة الدار بينما الاعلام السوداء ترفرف في كل مكان. كان طعامنا البطاطة والطماطم والبيض ولو كان لدينا نقود لتمكنا من شراء المشروبات الغازية ورقائق البطاطس من مسؤول البيت وزوجته. الحقيقة المهمة بالنسبة لي كانت هي أنني لن أتمكن من الهرب من هذا السكن المراقب على مدار الساعة.

تقول صوفيا كنا ثلاثين امرأة وحوالي عشرين طفلا، في حياتي لم أرى أطفالا بهذا المستوى من العدائية، لعبهم الضرب والرفس والعض.

بالاضافة الى ذلك كان في البيت رقيب هي إمراة فرنسية ضخمة تحمل معها مفاتيح البيت وكلبشات، وتراقب صلاة النساء والواجبات اليومية. 

تصف راوث تلك الايام "بدأ زوجي يغيب عني لأيام وأيام، ولم يكن بإمكاني أن أفعل شيئا أكثر من مراعاة اطفالي اللتي تمرضوا واحدا تلو الآخر، عملي أصبح تنظيف الاسهال ومسح القيء من المرتبة وقلبها على الوجه الآخر".

أصعب ما بالوضع هو الشعور بعدم الامآن على مدار الساعة، وصوت الطائرات القاصفة بين الحين والحين.

عندما سمعت صوت الانفجار أمام شباك غرفة ابنتها في المستشفى،  نظرت الى جهة الدخان وكان باتجاه البيت الذي بقي فيه اولاده، كانت محظوظة ولم يتعرض اطفالها للأذى، لكن الصواريخ اصابت البيت المجاور وحدثها اطفالها لاحقا كيف مات ابن جارهم الصغير.

في ذلك اليوم ركضت الى البيت ساحبة ورائي ابنتي المريضة وابني وانتظرت عودة زوجي، كنت أقول لنفسي في الليل سأنام ان استيقظت استيقظت، وإن لم استيقظ ليكن ذلك. هذه الحادثة كانت نقطة تحول في حياتي وعندما عاد زوجي أعلمته بالأمر وأعتقد انه أدرك مدى جدية الامر بالنسبة لي. فقدم على طلب موافقة سفر من أحد قادة الدولة الاسلامية لخروجي من سوريا، وتقول أنني انسانة محظوظة  رغم كل شئ,، جاءت عائلة معها طفل عمره ثمانية سنوات، لم يكن يرغب بالذهاب الى التدريب في ساحات التندريب العسكرية وكان ملتصقا بأمه كجزء منها، لكنه اختفى في أحد الايام وتركت الأم لحسراتها الحارة التي لم تبرد تبرد يوما.

ومن الامور التي لا تنسى، يطرق الباب الخارجي ويعلن ان  المجاهد فلان قد جاء ليأخذ زوجة فيصاب البيت بالهرج والمرج، فرحين بمأساة انسانة.

تمكنت صوفيا من الاتصال بزوجها وتعاقد زوجها مع مهرب قام بتهريبها الى الحدود التركية مع ابنها على عجلة نارية، وأخيرا وصلت الى باريس لتأخذ حكما بالسجن لمدة اربعة اشهر لسفرها لمنطقة مسيطر عليها من قبل الدولة الاسلامية. صرحت للصحافة بعد اصدار الحكم.

"أكاد أختنق بأسم الدين، أنا لست مسلمة، حياتي الآن أفضل مما كانت قبل سفري وأشكر الله أنني متماسكة الآن أكثر مما كنت عليه سابقا، أما بخصوص اصدقائيفقد فرقهم الموت  اثنان لقوا حتفهم والثالث قد اختفى، رجال الدولة الاسلامية  خطرين يحملون حقا وحبا للثأر، أتمنى أن لا يعود احدهم الى فرنسا"

بعد أن عادت روث الى مدينتها استقبلها فريق طبي لمتابعة حالتها وحالة الاطفال، وتقول أن حياتي بدأت تعود الى مسارها الصحيح، بعض الاسابيع مشرقة وبعض الاسابيع سوداء.

سألها صحفي كيف يمكن للإنسان أن يكون بهذا المستوى من السذاجة؟

رغم كل شيء هو زوجي ولدينا خمسة اطفال، وخلال حياتنا الزوجية لم يؤذ أحدنا يوما، رجل لطيف وطيب وأثق به. لكنني لاحظت قبل سفرنا أنه يكثر من الجلوس أمام الحاسوب لساعات وساعات  ويستمر بالتواصل على الفيسبوك ويكثر من مشاهدة افلام داعش والقاعدة، وبالمناسبة قبل سفرنا طلبت منه أن يقسم على القرآن بأنه لن يخدعني.

" اليوم هو في السجن وأخيرا  ترك أطفالي رسم صور ولا يمكن بأي شكل من الاشكال أن يرسمها طفل نرويجي. ابوهم اليوم في السجن متهم بقضية ارهاب وممنوع من الاتصال بي وبهم".

قضية روث حركت الرأي العام وحركت الحكومة لمتابعة مثل هذه القضايا.. تمت

 

محمد سيف المفتي   

 

ryadibrahim addilamiلو نظرنا الى لوحات (وداد الأورفه لي) التشكيلية العراقية فأنها تكرر أشيائها المجسمة في أعمالها الفنية من (مدن وأضرحة وأهلة وقبب وزخارف وأنهار)، ان هذا التكرار هنا قصداني وعفوي بذات الوقت يولد ايقاعا، وكأنها تلعب (بسلالم البيانو) فهي تداعب الألوان وموجوداتها على سطح اللوحة بسرعة وتكرار لينتج نغما ومدنا حالمة، نحن ندرك أن التكرار بالنوتة أو اللفظ كفيل أن يصنع ايقاعا ولحنا، فهي تلف مدنها بسلاسل وأساور من بيوت بغدادية وحدائق وأضرحة وجوامع ونخيل منمنمة أي بأشكال صغيرة تحيط بها بحيرة أو نهرا وكأن الماء هنا هو امتدادا لشرودها وغيابها عن العالم اللحظي المعاش الى عالم افتراضي تخلقه هي وكما تتمنى أن تعيشه بخيالها وأحلامها .

أعتقد أن التكرار في لوحاتها وموضوعاتها من ناحية الرموز والدلالات التي توظفها في لوحاتها أنما تمثل طبيعة العراق ومدنها وموروثها المحلي والموروث الاسلامي أي بمثابة تعميق الدلالة الانتمائية والهوياتية للوطن والثقافة الاسلامية، معبرة عن مخاوفها من ضياع هويتها وانتمائها وكأنها تدرك أن خطراً محدقا يكتنف الهوية والانتماء والثقافة .. وقد تكون هذه المخاوف نعزوها لأسباب سياسية وخاصة لما جرى على العراق من تطورات وأحداث سياسية منذ نهاية الخمسينيات وهي تسير بشكل دراماتيكي سريع وتبدلات في جوهر الأنظمة السياسية فيه فتحوله من نظام ملكي الى نظام عسكري الى نظام قومي ... الخ .

وقد يفسر أن التحول بالذائقة الفنية للفنان العراقي والمتلقي بدأت تأخذ منحا آخرا نتيجة الانفتاح على ثقافة الآخر ودخول مدارس ومذاهب فنية كثيرة بعد عودة التشكيلين العراقيين الذين أنهوا دراستهم في مختلف الدول الأوربية، مما جعل الفنان التشكيلي العراقي يتأثر بالمدارس الجديدة ومحاولته تقليد هذه المدارس من (تجريدية وتكعيبية ورمزية وتعبيرية وسريالية) فغيرت من تكنيكاتهم وأدائهم من جهة وعلى البيئة الثقافية المحلية من ناحية الذائقة الجمالية من جهة أخرى.

1260 widad

(ووداد الاورفه لي) لم تكن بعيدة عن هذا المشهد وهذه الأجواء التقليدية لتجربة الآخر، وخاصة في بداية مشوارها الفني فقد رسمت وقلدت أغلب المدارس الفنية، لكن بعد تمكنها من أدواتها واكمال دراستها وانفتاحها بشكل كبير على الفنون الأوربية والاسلامية في الأندلس واقامتها للعديد من معارضها الفنية في (بون ولندن ونيويورك وعمان) واختلاطها بمختلف الفنانين ومشاهدتها للمتاحف والأديرة والنصب الأوربية والآثار الاسلامية في الأندلس وتونس والسودان ومصر وبيروت ودول أوربا الشرقية ودراستها لبعض الفنون الحرفية في باريس، كذلك اطلاعها على الكم الهائل من المعارض والتحف الفنية المعروضة في أشهر متاحف أوربا بالإضافة للموروث الرافديني والاسلامي، تمخض عن هذه التجربة الغنية والدراسة والاختلاط والوعي أن تتخذ لها خطا فنيا وفلسفيا و وفكريا، وذائقة تعبر عن ثقافتها الأم وتوازي طموحاتها بعد أن أعلنت القطيعة مع المدارس الغربية لتخلق لها مدرسة جديدة ألا وهي (المدرسة الأورفه لية) - ان جاز التعبير - والمنبثقة من روح الفن الرافديني والاسلامي، لتلبي حاجاتها النفسية والفكرية والذوقية والانتمائية .

لوحات (وداد الاورفه لي) لاتشبه الا (وداد) نفسها الإنسانة والفنانة والمثقفة بانتمائها العراقي المتجذر في وجدانها، لذا جاءت لوحات (الأورفه لي) لتشكل قطعا موسيقية وألحانا أندلسية وبغدادية، فيها روح الشعر والسرد المتمرد بخيالها الخصب وجنون لحظاتها، فحين تمسك فرشاتها فهي تغيب وتنقطع بشكل تام عن الواقع المؤلم - هذا الواقع الذي لا يمثل أحلامها - فتمردت عليه باللون والفنتازيا والاخيلة، لا حدود لأحلامها ونهاية لأنهارها، وفضاءها مطلقا، ونخيلها الفارع مشاكسا للغمام، وقبابها المخملية تستفز غسق الشمس بسحر ألوانها، وأهلتها قد علت مدنها وحجبت ضياء القمر عنها، لقد سوّرت الفنانة مدنها بالبنفسج وحشود عصافيرها وحمامها، وطوقت شواطئ دجلة بقلائد وأساور عروس النهر التي تظهر غروبا بعد استراحة النهر لتحضن حبيبها تحت أشجار الصفصاف، تؤكله الرطب وحبات السدر، تحاول غواية (أبي نؤاس) الغائب في دجى النهر يقرأ شعرا على أنغام زرياب وينثر قوافيه على خصر جواريه، فتنفض غيرة عروس دجلة وتصدح حنجرتها (جلجل علي الرمان نومي فزعلي ... هل الليلة حلوة ... حلوة وجميلة ..... اااااه .... جميلة) مما أثارت فضول وعطش (أبي نؤاس) لجمال صوتها وكلما دنت من حفلة سمره أنارت الشواطئ بترف بياضها وزهر خدودها، فشبت نيران جنونه .

لقد ألبست (وداد) عرائسها وجنياتها قلائد جمان وفصلت فساتينها من قداح المشمش وزهر الليمون، وكحلت عيونها من سواد أرض الرافدين، ولونت شفاهها بحمرة الرمان، فكان ما كان فناً راقياً فيه ترفا وذائقة وسحرا قل نظيرهما، تاركة خلفها ألف لوحة مذ أول لوحة رسمتها في بداية عام 1950 (امرأة برداء ابيض) الى عام 2011 (لوحة البنفسج) .

 

د. رياض الدليمي

ali mohamadalyousifاوصلتنا سيارة البيكب الى العبارة بصحبة السائق وضابط شرطة برتبة ملازم اول يحمل جوازاتنا نحن العراقيين الاربعة مختومة بختم التسفيرمن العقبة، وضعنا حقائبنا في مخزن حفظ الامتعة اسفل العبارة، وصعدنا على ظهر العبّارة برفقة الضابط الاردني، اعطى جوازاتنا الى شخص مصري بملابس مدنية مخابرات،جلس الضابط الاردني في السيارة ينتظر مغادرة العبّارة، بعد ان دق جرس بدء المغادرة تحرك سليل الاراذل الضابط الاردني بعد تسليمنا نحن الاربعة للمخابرات المصرية .

العبارة تستوعب (800) راكبا تحتوي صالات جلوس ومطعم وصالة سينما واكثر من تلفزيون واحد، على سطح العبارة اكشاك متفرقة، وصلنا ميناء ينيبع المصري مساءا احتجزونا في صالة واسعة واخذوا جوازاتنا من امن العبارة، وبقينا ثلاثة ايام بانتظار شركة النقل الذي ستقلنا الى القاهرة من سيناء ومن ثم الى ليبيا .

أمرنا الصول بالصعود الى باص الشركة، كنا بحدود اربعين راكبا جميعنا عراقيين متوجهين الى بنغازي في ليبيا، بيننا عوائل اساتذة عراقيين وطالبي عمل في ليبيا هربا من ظلم صدام وظروف الحصار الامريكي في التسعينات بعد اخراج الجيش العراقي من الكويت .

وقف حضرة (الصول) تسمية نائب الضابط المصري حاملا جوازات سفر جميع ركاب الباص ونحن نغادر الميناء بأتجاه القاهرة قائلا لنا : افهموا حقيقتين الاولى ليس مسموحا لعراقي ان يبقى على الاراضي المصرية لاي سبب كان اكثر من (48) ساعة هي مدة وصولنا مع ليلة زيادة نقضيها في الطريق الى الحدود المصرية – الليبية . الحقيقة الثانية اني ويقصد نفسه ارافقكم وجوازات سفركم معي تستلمونها بعد عبوركم الحدود المصرية في منفذ (السلّوم) ووصولكم نقطة حدود (مساعد) الليبية.

بعد ساعات طويلة بالباص وصلنا مدينة القاهرة ... بعدها دخل الباص الى (كراج) وقوف وصيانة، قال لنا الصول انزلوا الى شوارع القاهرة ليس لاكثر من ساعة فقط بدون جوازات . لم اجد في قاهرة المعز كما نراه في الافلام المصرية ولا في مسلسلات مثل (هوانم جاردن ستي) . وجدت حسب تجربتي لساعة فقط، المصريين بالنسبة للعراقيين نوعين احدهما بعض من الشعب المصري، خمسة مليون مصري عملوا في العراق منذ بداية السبعينات وابان الحرب العراقية – الايرانية وحتى اخراج جيش صدام من الكويت عام (1991) .

من بين هولاء اقاربهم او معارفهم صادفت بعضهم لم اجد منهم غير المحبة والتقدير والاحترام للعراقيين . والصنف الثاني مصريون يؤمنون بالعروية على طريقة السادات ومن جاء بعده .

اخذنا الباص من القاهرة باتجاه منفذ السلوم المصري المحادد لليبيا، مررنا بالجانب البري الخارجي بعد ان قطعنا ساعات طويلة في اراضي صحراوية في طريقنا نحوالاسكندرية . بعد (14) ساعة وصلنا مدينة (مرسى مطروح) مدينة ساحلية على البحر جميلة ونظيفة، مكتفية ذاتيا بكل الخدمات تقريبا، في مركز المدينة تتوزع الاسواق والمقاهي والمحلات وعيادات الاطباء والصيدليات ومحلات الصيرفة، شوارعها وساحاتها منظمة نظيفة .

كنت مرهق جدا وفي وضع نفسي وجسدي سيء للغاية، دخلت الجامع، وعدت اتناول بعض الطعام الخفيف جبن وشاي في احدى المقاهي . تذكرت اغنية قديمة للفنانة ليلى مراد من فلم (شاطىء الغرام) الذي شاهدته وشاركها البطولة فيه الفنان حسين صدقي، تذكرت ليلى مراد جالسة على صخرة تغني مناجية امواج البحر، ويقال سميت تلك الصخرة باسمها، ارتاحت نفسي قليلا .

بعد عبورنا منفذ السلوم المصري وصلنا نقطة حدود ليبيا في (مساعد) هناك سّلم حضرة الصول جوازاتنا بعد ختمها مصريا بايدينا، وبعد اتمام ختم جوازاتنا في مساعد صعدنا الى باص الشركة وسرنا باتجاه مدينة بنغازي الليبية، امضينا اكثر من ثلاثين ساعة في الطريق نأكل وننام في الباص، واحيانا كنا نتوقف لاقل من ساعة في مطعم او مقهى على الطريق، والسائقان واكثر يتناوبان على قيادة الباص، صادفتني متاعب في الطريق اعجز عن تفصيلها منها على سبيل المثال اني استيقظت في الرابعة صباحا لأجد السيارة تذهب يمينا وشمالا من دون سيطرة السائق عليها الذي كان نائما وقد تناول (الحشيشة) المخدرات وهو يسوق باص يحمل اكثر من اربعين راكبا، فأخذت اصيح بالباص وايقظت الجميع واتخذنا اللازم من كارثة كانت تودي بحياتنا جميعا .

اخيرا وصلنا بنغازي بعد ان قطعنا اكثرمن (1700) كيلو متر، تفرق الركاب من الباص واخذت تاكسي اوصلني الى فندق (مرحبا) وبقيت اربعة ايام فقط كي استريح من التعب واشتري ادوية احتاجها . حجزت بعدها بالطائرة من بنغازي –طرابلس تذكرة بسعر (28) دينارا ليبيا لقطع مسافة (1200) كيلو متر على الارض، وصلت الطائرة العاصمة طرابلس بعد اقل من ساعتين من اقلاعها في العاشرة ليلا. ومن المطار الى مركز المدينة طرابلس بالتاكسي، نزلت في اقرب فندق اوصلني اليه السائق . نمت ليلة واحدة، ظهرا ذهبت مع حقيبتي الى مجمع النقليات وسط طرابلس داخل وخارج ليبيا، استقليت سيارة اجرة الى مدينة (الزاوية) تبعد (30) كيلو مترا عن طرابلس يعمل بها ابن اخي مهندسا في مجال النفط .... نزلت في بيته وعائلته اسبوعا، وطلبت العودة بعد ان اخبرته بما جرى معي في الاردن، زودّني ببعض النقود وسافرت بالسيارة من طرابلس عائدا الى بنغازي قاطعا مسافة (1200) كيلو مترا امضيت يومين في الطريق، واسترحت يوما واحدا في مدينة بنغازي . حجزت بعدها في شركة نقليات مصرية (بنغازي –عمان) بضمنها اجرة العبارة من ميناء ينيبع في مصر الى ميناء العقبة في الاردن . كان ذلك في يوم (17 – 12 -1998) تاريخ وصولي ميناء ينيبع، ومن هناك اخذت العبارة المتجهة الى العقبة .

كانت العبارة تغص بالمصريين نساءا ورجالا يزيدون على احتمال العبارة اكثرمن (800) راكبا لا يوجد من مجموعهم اكثر من اربعين عراقيا عائدين لعمان او العراق بينما غالبية المصريين في العبارة ذاهبين لاداء (العمرة) . من الجدير بالذكر ان طريق العودة الى العراق لايتم الا عبرالاردن بّرا، بسبب الحصار الذي كان مفروضا على العراق وعلى ليبيا ايضا ذلك الوقت .

تعرفت على ظهر العبارة شخصا بحدود الستين عاما عراقيا تاجرا من اهالي محافظة الانبار – دليمي، كان الرجل شريفا اصيلا عراقيا بصدق وعفوية، تبادلت معه الحديث عن قضايا عامة بعد ان عرفني من اهل الموصل .

على ظهر العبارة نودي على المصريين لتأشير جوازاتهم من قبل ضابط اردني مع شرطيين يعملان في الطابق الارضي من العبارة .... بعد ذلك نودي بمكبرات الصوت على جميع العراقيين النزول والحضور في الطابق الارضي لتأشير جوازات سفرهم ... كان يقف خلف منضدة الضابط الاردني ويجلس الى جانبه كما ذكرت اثنان من الشرطة يقارنان محتويات الجواز وتدقيقها مع قائمة اسماء لديهم .... سلم احد الشرطة جوازي للضابط لختمه وتوقيعه – كما موضح في المصورات الملحقة عندي هي – وبعد ختم وتوقيع جوازي، اخذ يقلب اوراق الجواز واذا به يعثر على فقرة ترحيلي من قبل دائرة الاقامة في عمان . شطب على الختم والتوقيع وكتب ملغي واحتفظ بالجواز، ووبخ الشرطيان على عدم تدقيقهما جيدا، والتفت الّي مخاطبا انت تستلم جوازك في العقبة . عبثا حاولت اقناعه بان هذا الطريق هو الوحيد لعودتي الى العراق .

بعد نزولنا من العبارة في العقبة نقلنا حقائبنا الى باص الشركة الذي كان ينتظر العراقيين لنقلهم من العقبة الى العاصمة عمان . وقف الباص امام مبنى الجوازات في العقبة، انزلونا جميعا مع حقائبنا للتفتيش وتدقيق الجوازات حتى الاطفال، فتشوا جميع الحقائب، وأدخلوا الجميع وانا معهم صالة كبيرة تتوزع فيها كابينات يعمل عليها ضباط شرطة وامامهم اجهزة كمبيوتر . جمعوا الجوازات من الاخرين وجوازي محجوزا لدى الضابط في العبّارة، دققوا جميع الجوازات للمرة الثانية، سلموها اصحابها الذين اعادوا حقائبهم للباص وغادر بهم نحو العاصمة . بأستثنائي انا حيث اقتادني ضابط العبارة وبيده جوازي وادخلني غرفة حقيرة مقطوعة من الخشب يتوسطها ضابط اردني جالسا خلف منضدة، اعطاه الضابط جوازي واخذا يتهامسان انهما امسكا ضالتهما المنشودة ! صيد ثمين ولا شك يهدد امن الاردن شعبا وحكومة وملكا . سألني الضابط لماذا عدت الى الاردن ولم يمض على ابعادك اسبوعان؟ قلت له استاذ لم اجد عملا في ليبيا واريد العودة لبلدي العراق، ولا يوجد طريق اخر اصل به الا عبر الاردن، فاتني اذكر ان العبارة وصلت ميناء العقبة الساعة السادسة مساءا وان هذا الحديث مع الضابط الاردني جرى في حدود السابعة . قال لي انت ممنوع من دخول الاردن بتاتا، قلت له راجيا الست عربيا وانا ضيف في بلادكم، اشهد الله انكم مخطئون بحقي ولست الشخص المعني بالمنع .... اخذ يهزأ مني ويسخر، كلمة واحدة لو كنت اتلفظ بها خطأ يتناولوني الشرطة ولا يتركوني الا مغشيا علي . اعدت عليه نفس الكلام اني لم اطأ في حياتي شبرا من ارض الاردن غير هذه المرة، واضفت ارجوك انا كبير ومريض وقطعت بالسيارة من ليبيا الى هنا ثلاثة ايام بلياليها ونحن في (21) من كانون اول (1998) ولا احتمل هذا البرد الشديد، ولم اسىء للاردن بشيء استحق عليه كل هذه البهدلة . اجابني بغضب لن نعيدك الى العراق بل سأعيدك ثانية الى ليبيا هذا المساء . قلت له ارجوك احجزوني وارسلوني مخفورا واقذفوني على الحدود في طريبيل العراقية واتركوني وجميع المصاريف ادفعها لكم .... أسالك بالله هل يوجد طريق اخر غير عبر الاردن حاليا استطيع الوصول به للعراق؟ فكيف تعيدني الى ليبيا وانا رجل مريض ولم يبق معي مصاريف العودة؟

نادى على الشرطي قائلا خذه الى النضّارة (اي التوقيف) .. قادني الشرطي بلا حقيبتي اذ بقيت متروكة في صالة انتظار ختم الجوازات، ادخلني غرفة من خشب بلا سقف صغيرة جدا للوقوف او الجلوس فقط ... قلت للشرطي حقيبتي بقيت في الصالة ... لم يرد علي بكلمة وصفق الباب ورائي واغلقه بالمفتاح ... جلست على الارض اكلم نفسي حتى كتبي وملابسي ضاعت ... اسأل فقط لو كنت يهوديا من اسرائيل هل كان تجرأ الاردن الشقيق معاملته بمثل ما عاملوني به احفاد قوم لوط !؟

بعد ساعة تقريبا سمعت صوتا يناديني من خارج غرفة التوقيف ابوعمر ..ابوعمر، تسلقت جدار الغرفة الخشبي، وكانت بلا سقف، واذا بي اجد الرجل العراقي الدليمي الذي تعرفت به على سطح العبارة، قال لي لاتهتم ابو عمر اعرف هؤلاء الاردنيين كم هم اراذل وأنذال .... واضاف لم اسافر بالباص الى عمان مع العراقيين بسببك حين علمت خبر توقيفك، وحقيبتك جلبتها لك تجدها في الممر حين خروجك، سامضي ليلتي وابيت في العقبة وغدا صباحا اجيء اليك مع اصدقاء اردنيين من اهل العقبة، نخرجك ان شاء الله بأية طريقة ونعود انا وانت الى العراق . لم تسعفني الفرحة والكلمات للتعبير لهذا الرجل النبيل الذي لم اجلس معه اكثر من ساعات معدودات على سطح العبارة . وّدعني وذهب .

في تمام الساعة التاسعة الا ربعا ليلا فتح الغرفة علّي احد اراذل ضباط الاردن وبيده جواز سفري مع شرطي سائق، بادرني الضابط قائلا احمل حقيبتك واتبعنا، حقيبة كبيرة وعندي  انزلاق العمود الفقري، كان الجو باردا جدا الى حد التجمّد، والرياح زمهرير، مشيت اتبعهما نحو سيارة بيكب مكشوفة، قال لي ضع حقيبتك في السيارة واصعد معها، حاولت رفع الحقيبة فسقطت من يدي من شدة التعب والزمهرير، حاولت ثانية رفع الحقيبة وسقطت ايضا، اخيرا صعدت مع حقيبتي على ظهر السيارة المكشوف، وجلس الضابط ابن الزانية الى جانب السائق، وتحركت بنا السيارة، الشخص الذي كان يقف ربع ساعة في ذلك الزمهرير يتجمد في مكانه، فكيف كانت بي الحال وانا على ظهر السيارة تسير مسرعة لأيصالي العبارة قبل موعد انطلاقها في التاسعة ليلا .

سلمني الضابط الاردني الى احد افراد الامن او المخابرات المصريين العاملين في العبارة وسلمه جوازي، وتحركت العبارة باتجاه ميناء ينيبع المصري لاقطع ثانية بعد توقيفي في الميناء لمدة ثلاثة ايام . بقيت محصورا في ليبيا في مدينة الزاوية خمسة اشهر لا استطيع العودة الى العراق لان المنفذ الوحيد كان عن طريق الاردن البري، وكان على ليبيا ذلك الوقت حضر جوي مع الخارج .

لم يمهلني ضابط الشرطة الاردني الوضيع المبيت الى الصباح في التوقيف في العقبة لئلا يأتي ذلك الرجل التاجر العراقي ويكفلني . وانا في العبارة من كثرة المي وحزني وما احس به من تعب لم اعد اعرف ماذا افعل . تجولت في صالات العبارة لعلي اجد عراقيا واحدا اتعرف عليه، تمددت على مقعد فارغ ووضعت رأسي بين يدي من الصداع، انتبهت الى شخص يصيح بي استاذ ...استاذ رفعت رأسي شاب في العشرينات من عمره يقف امامي .... سلم علّي بحرارة، يتكلم اللهجة البغدادية العراقية وقال لي تعرف انك من بين جميع الموجودين في الصالة والمطعم عرفتك عراقيا، وانا في خدمتك واعمل في المطعم ... سألني تفضل معي الى المطعم لاقدم لك العشاء ... قلت له والله لا اشتهي شيئا، اكون شاكرا جميلك لو جلبت لي كوب ماء مع قهوة، اجابني حاضر وانصرف، بعد دقائق وضع ما طلبته امامي، كانت نفسيتي مضطربة وجسمي متعب بحيث اني لو تهيأ لي النوم فلا يكفيني لايام، في رحلتي كنت فقط ولأيام اخذ اغفاءات متقطعة فقط، بعد اقل من ساعة عاد الي الشاب العراقي سألني استاذ ماذا تريد تاكل على حسابي ... اجبته اشكر لطفك لكن لا استطيع آكل شيئا، اخرجت من جيبي نقودا مصرية – يوجد محل صيرفة على ظهر العبارة تتعامل بمختلف العملات الاجنبية – رفضها واقسم .

وصلت العبارة ميناء ينيبع بعد الثانية عشر ليلا ... بعد اكثر من ساعة انتظر في العراء امام مبنى امن الدولة في الميناء ... بعدها قادني رجل امن الى غرفة في باب الدائرة قال ادخل فوجدت خمسة موقوفين مصريين، اربعة من بينهم كانوايعملون في العراق وهم الان موقوفون سياسيا ينتمون الى تنظيمات اسلامية محظورة كان يجري التحقيق معهم، وكانوا يتلقون ماذا يقولون في التحقيق من شاب ملتحي يسمعون كلامه، وكان كل ساعة في الليل ينادون على احدهم للتحقيق معه ويعود الى. الغرفة فيها مساطب خشبية قديمة، وارضية الغرفة تراب لم تكنس او تنظف من اشهر عديدة، بعد الثالثة ليلا خرج المحققون واقفل باب الدائرة . تمددت على احدى المساطب، ومع اذان الله اكبر صباحا هزّني احدهم، انهض حجي للصلاة، قلت ونعم بالله ونهضت ... سألتهم كيف اتوضأ والغرفة مقفلة، اجابني الشاب صاحب اللحية (تيمم) مثلنا، ضربوا ايديهم بتراب الغرفة الذي تطأه احذيتنا ومسحوا بايديهم وجوههم . فعلت مثلهم وصليت الصبح معهم على الارض جماعة . لم يحقق احدا معي ولم يسالني حرفا، في الصباح تم تسفير الموقوفين المصريين كلا الى حسب مسقط راسه، وبقيت وحدي في الغرفة، بدأ الدوام الصباحي ناديت العريف قلت له خذني الى دائرة الجوازات الملاصقة لدائرة امن الميناء، رجع الي قائلا تعال احمل حقيبتك واتبعني، وضعت حقيبتي في مدخل البناية بجانب درج وصعدت الى غرفة فيها ثلاثة نواب ضباط، جوازي عندهم الميناء كبير جدا محاط باسلاك ونقط سيطرة وتفتيش، لا يستطيع جرذي الهرب منه، واذا تمكن احد من الهرب وهو بلا جواز اولا تستقبله الصحراء بمياهها العذبة والحفاوة والزغاريد ثانيا !!

سلمت عليهم وردوا علي بادب واحترام .... بادرني احدهم مشيرا الى كرسي اجلس ياحاج، وصاح على شرطي هات له شاي، لم يسألني احدا منهم حرفا، قلت لاكبرهم سنا يا اخي اريد الاستعجال بتسفيري الى ليبيا، اجابني وهو كذلك فقط يوم او يومان، اثناء كلامي دخل الغرفة شاب لا يتجاوز عمره خمسة وعشرين عاما يرتدي قميص خفيف وبنطلون قديم وينتعل بقدميه نعال اسفنج، كان الجو باردا بعض الشيء، قال بلهجة عراقية مخاطبا الصول المسؤول الاول في الغرفة، انسان طيب جدا في عمر ستين عاما، لماذا لاتسفّرونا الى بنغازي امضينا اسبوعا على هذه الحال .... اجابه الصول بهدوء بعد غد أن شاء الله، وسأله هل دبرتما انت وصديقك مصاريف السفر؟ اجابه الشاب بلهجة تنم عن تجربة في مثل هذه المواقف، نحن موقوفون لديكم وانتم ملزمون بتسفيرنا وليس معنا مصاريف اكل، واستدار خارجا من الغرفة، نهضت ولحقت به قلت له انت عراقي؟ اجابني نعم، سألته مع من تنام واين؟ قال مع صديق عراقي في تلك الصالة، قلت له انا عراقي مثلكما واريد النوم معكما، تركني قائلا لحظة ودخل الى غرفة الصول قائلا : سناخذ الاستاذ لينام معنا، اجابه الصول لابأس خذه . ساعدني الشاب في حمل حقيبتي مسافة (300) متر تقريبا، ادخلني صالة انتظار واسعة يتجمع فيها المصريون الذين يركبون العبارة الى العقبة ومن ثم السعودية لاداء العمرة . وجاء بي الى ركن منعزل فيها، وجدت انهما يفترشان الارض ويضعان تحتهما كارتونات تحجب برودة الارض ولديهما بطانيتان ملكهما، يتناوب على حراستهما شرطيان يحتفظان بجوازي سفرهما، واصبحا اصدقاء معهما . عرفني الشاب بصديق عمره بالثلاثينات متزوج وله اولاد وقد ترك عائلته في (خانقين) في محافظة ديالى بالعراق ينامان سوية ويتبادلان النكات وكانهما مع عوائلهما، فرحا بي اكثر مما فرحت بهما، اخذا يطوفان بي داخل الصالة التي فيها مرافق صحية عديدة وحمامات كما تتوزع داخلها اكشاك لبيع السندويشات والمرطبات والحلويات،كانت الصالة لانتظار ركاب العبارة المتوجهين الى اداء العمرة.

سألتهما لماذا يمتنعان عن دفع اجورالشركة لنقلهما الى بنغازي؟ اجاباني وهما صادقين انهما مفلسان، فتحوا حقائبهم فيها مسجلات اثنين وعدة اكروصات سكائر اشتروها من ليبيا ولما ارادا وصول عمان ليبيعاها، اعادوهما السلطات الاردنية الى مصر كما جرى معي، سألتهما كيف تأكلان؟ قالا اهل الخير يطعموننا، كما يوجد ناقلات تجارية ترسو في ميناء ينيبع لافراغ حمولتها من الفاكهة وهم سوريون ولبنانيون يعطوننا حين يعرفون اننا عراقيون موقوفون .

قلت لهم منذ الان فصاعدا لاتهتموا بشأن اكلكما وما أكله تأكلان منه معي فشكراني خجلين، قالا لي استاذ يبدو انك غشيم وهذه اول مرة تمر في مثل هذه التجربة وفي مقابل معروفك معنا ننبهك الى الامور التالية :

اولا – لاتدفع مهما حاولوا معك ثمن تذكرة السفر بالباص للشركة المصرية من ينيبع الى بنغازي، ثمانون جنيه مصري وقل لهم مثلنا ما عندي نقود .

ثانيا – هم الجانب المصري يريدون تسفيرنا والخلاص منا ونحن موقوفون فامتنع عن السفر من غير صحبتنا معك .

عملا لي جولة حرة في الميناء والشرطي الحرس مطمئن فجوازات السفر عنده، هناك اكشاك عديدة تبيع الاطعمة والمشروبات كما توجد مطاعم صغيرة ايضا لوجبتي الغداء والعشاء .امضيت معهما اربعة ايام انستني معظم احزاني . في اليوم الخامس سافرت بصحبتهما في باص الشركة المصرية (مجانا ثلاثتنا) من ينيبع مرورا بالقاهرة، استراحة ساعة ثم تابعنا سيرنا نحو الحدود المصرية الليبية يرافقنا اكثر من اربعين عراقيا عوائل واشخاص، بعد يومين وصلنا بنغازي، انا في بنغازي اعتدت انزل في فندق (مرحبا) توسلا بي قائلين استاذ ابو عمر انزل معنا في فندق العراقي الكبير، وانت تعرف ليس معنا مصاريف والفندق رخيص اربعة دنانير الليلة الواحدة . دفعت لصاحب الفندق (12) دينارا ليبيا عن ثلاثتنا واخذ جوازاتنا، سلمنا مفتاح الغرفة ولايوجد مصعد فحملا عني حقيبتي، فتحنا الغرفة فماذا اجد؟ غرفة بلا نافذة مظلمة رائحتها عفنة الاسرة مهلهلة تؤذي اصلب عمود فقري، رجعت بي مخيلتي الى غرفة سجن العاصمة في عمان لامرافق ولا مغسل ولا حمام،قلت لهما مبروك عليكما الغرفة وكل ما اريده منكما توصيلي مع حقيبتي الى الشارع، لن ابقى خمس دقائق لو يعطيني صاحب الفندق (فلوس) .انزلاني مع حقيبتي الكبيرة والصغيرة بيدي الى الطابق السفلي تقدمت من صاحب الفندق جالسا في الاستعلامات قلت له اخي اعد لي اربعة دنانير مع جوازي والغرفة تبقى لاصدقائي هذين، اعطاني جواز سفري المباع عندنا لايرجع المهم انت رأيت الغرفة، تركته واخذت تاكسي الى فندق (مرحبا) وقلت لهما ازوركما غدا قالا غدا سوف لاتجدنا في الفندق تعال غدا الينا في مقهى العراقيين التي تقع خلف بناية هذا الفندق . اعطيت كل واحد منهما عشرة دنانير ليبية وتحرك بي التاكسي .

نزلت في غرفة لوحدي في الفندق الذي اعتدت عليه، الليلة ب(12) دينارا ليبيا، فتحت حقيبتي رتبت ملابسي في الدولاب، دخلت الحمام واغتسلت جيدا بالماء الحار وطلبت عشاءا بالغرفة، استلقيت على ظهري لاكثر من ساعة على منام نظيف بعد ان اقفلت الباب، رغم الامان المتوفر في الفندق . نزلت الى صالة الجلوس اشاهد التلفزيون، معظم نزلاء الفندق نساء وفتيات بلا رجال، تونسيات مغربيات، افريقيات لوحدهن او بصحبة شبان . امضيت ثلاث ليالي في بنغازي، زرت اصدقائي في مقهى العراقيين يديره مغاربة ومصريين، رأيت بؤس وتشرد العراقيين الذي يدمي القلب والنفس .

في اليوم الرابع توجهت بالسيارة من بنغازي الى طرابلس للمرة الثانية، ومن طرابلس الى مدينة الزاوية عند عائلة ابن اخي المهندس . وبقيت خمسة اشهر محصورا في ليبيا لااتمكن العودة الى العراق الا عبر منفذ الاردن الخبيث .

بعد يومين كتبت كل شيء على الورق مع جواز سفري، واعلموني مقر السفارة العراقية في ليبيا، قابلت القنصل العراقي كان رجلا من اهل الجنوب مؤدب وصاحب معاملة جيدة يريد مساعدة العراقيين لكن كما يقول المثل العين بصيرة واليد قصيرة، راجعته اكثرمن مرة واعطيته نسخة مصورة من الاوراق وجواز السفر لم يستطع فعل شيء لي . قلت له ارجوك رتب لي موعدا لمقابلة السفير (انور مولود ذيبان) ضحك القنصل بمرارة قائلا يوجد من امثال قضيتك بالعشرات من العراقيين واكثر، ثم ان السفير مشغول حاليا بامور اخرى اهم . قلت له انا اعرف السفير العراقي جيدا، لكن اذا كنتم سفارة وسفير لاتتمكنوا من مساعدة عراقي بمثل وضعي في مجرد اعادته لبلده فماذا يعني وجودكم هنا في ليبيا !؟

تغافل القنصل عن كلامي المشوب بالعصبية . السفير العراقي انور مولود ذيبان بعد ان عجز من النضال البعثي كرئيس للاتحاد العام لطلبة وشباب العراق، ولأنه من منطقة تكريت تم تعيينه سفيرا للعراق في موريتانيا، هناك اراد اللعب بذيله والتأمر على بلد مثل موريتانيا مشّبع بالتقاليد الفرنسية، وينشط فيه النفوذ الاسرائيلي، على اثر ذلك تم طرده من نواكشوط خلال (48) ساعة لتقبله ليبيا سفيرا للعراق لديها،ليراقب من موقعه اوضاع موريتانيا وتونس والمغرب والجزائر ويبّشر بحكم البعث وصولا لمصر!؟

أخر مقابلة لي مع القنصل – أنا أشرت سابقا أني قدمت نسخة من هذه الرسالة الى السفارة العراقية في طرابلس، وعلى الارجح أهملت أو أتلفت أو تم ارسالها لمن كان يهمه الامر في بغداد – قال لي شوف أخي نحن لانستطيع ان نعيدك الى العراق عن طريق الاردن لا بّرا ولا جوا، المنفذ الوحيد لعودة العراقيين لابالمعروف ولابالقوة مع حكومة الاردن.(قارنوا حكومة الاردن مع المزعطة التي تحكم من

العراقيين اليوم).

اطرقت براسي نحو الارض مرددا مع نفسي صدقت لانكم حكومة (قشامر) يستطيع بطل الامة صدام ان يعطي النفط العراقي للاردن مجانا او باسعار رمزية ولحد يومنا هذا والاردن لايزال يعامل العراقيين بالقوندرة بالحذاء . وكان من اسباب اجتياح جيش صدام للكويت ان سعد العبدالله نائب امير الكويت في حينها قال سأجعل من جسد المرأة العراقية بعشرة دنانير .

رفعت رأسي مخاطبا القنصل العراقي ليبيا عليها حضر جوي خارجي، ولا املك تأشيرة ترانزيت لاي قطر عربي او اجنبي فكيف تجد الحل في عودتي للعراق العظيم!؟

نظرالي وخاطبني بجدية واضحة، يوجد طريقان لاعادتك للعراق،الاول ان نحصل لك بسهولة تأشيرة من تشاد وتأخذ الطائرة من (انجامينا) الى طهران التي لاتمانع في منحك تأشيرة، لتدخل العراق عن طريق المنفذ الحدودي البري بين البلدين (المنذرية) . تأملوا أية عبقرية ! سألته والطريق الثاني؟ اجابني تسافر الى الخرطوم ومن هناك تأخذ الطائرة الى طهران لان العراق تحت الحظر الجوي، وبذلك أكتملت معادلة انشتاين .

سأل لي أبن اخي على سبيل المزحة وليس الجدية، كم يستغرق السفر البري بالسيارة من طرابلس الى السودان، لان ليبيا ايضا في وقتها معاقبة بالحظر الجوي الخارجي بسبب جريمة القذافي في (لوكربي) . اجابوه اصحاب الدراية من 8 – 10ايام بالباص الخشبي في الصحراء بلا توقف، يطبخون بالباص ويأكلون بالباص و(......) بالباص !، وننصح عمك الكهل عمره ستون عاما ان يأخذ معه بضعة امتار للكفن فالحياة والموت بيد الله، ولا تعرف نفس ماذا تكسب غدا ولا تعرف باي ارض تموت . وكانوا صادقين وجادين في نصيحتهم .

قدمت شرحا كاملا على شكل التماس عن طريق سفارةالاردن في طرابلس الخبيثة للداخلية الاردنية الاخبث، اجابوني ياتي الجواب بالموافقة او الرفض على طلب عودتك للعراق عبر الاردن بعد شهر من الان، انتظرت شهرا وراجعتهم فأخبروني جاء الرفض لطلبك .

ذهبت الى السفارة التونسية في طرابلس، ملاءت استمارة خاصة بالمعلومات اطلب تأشيرة مرور ترانزيت من (جربه) في تونس الخضراء، وقفت بالدور – ترتيب المراجعين بالسرة مع المراجعين والمراجعات من عراة (الجينز) وحين وصلت الموظف المسطول بالجمال الانثوي،سألني بعد ان اخذ جواز سفري مع استمارة المعلومات انت عراقي؟ كدت اقول له (يهودي !!)كما مثبت في الجواز امامك، سلمني الجواز والاستمارة قائلا مراجعة العراقيين بعد الواحدة ظهرا !! اردت أسأله لماذا؟ استلم اوراق الذي بعدي .

انتظرت مع عراقيين آخرين يريدون تاشيرة تحت ظل حائط مجاور السفارة قبل الواحدة صادف ان جاء مسؤول ليبي، اثرت بنفسه وضعيتنا سألنا انتم عراقيين؟ ولماذا لاتدخلون السفارة التونسية؟ قلنا له العراقيين دورهم بعد الواحدة ظهرا ! اخذ يسب ويشتم بالتونسيين وقال ادخلوا معي،غاب عن انظارنا حوالي ربع ساعة وخرج الينا قائلا خذوا دوركم امام الشباك فشكرناه على نبيل صنعه . تقدمت نحو الموظف التونسي (المتفرنس)، بعد ان دقق جوازي واستمارة المعلومات مع الكمبيوتر، اعطاني الجواز قائلا تاخذ النتيجة بعد ثلاثة اسابيع من تأريخ اليوم، علمت بحدس تخميني ان طلبي مرفوض، فأخذت اهذي مع نفسي من شدة المي وحزني، هل نظام تونس السياحي المفتوح يشبه عراق صدام،عراق الكفاح المسلح وتوزيع اموال البلد وثرواته لكل نظام عربي او اجنبي مرتزقة يهتفون نفاقا ورياءا بحياة صدام كاستروا العراق الذي يعرف الحياة هي حمل الكلاشنكوف الروسي الذي يستعمله الفلسطيينين واللبنانيين والسوريين والاردنيين في مناسبات العرس وتحرير الاراضي العربية من اسرائيل !!

بعد ان ضمنت انسانية وعروبة تونس الخضراء انها سترفض طلبي في اخذ الطائرة من (جربة) قلت مع نفسي المملكة الاردنية الهاشمية لها معي ثارات مثل داحس والغبراء والذي اعادني مرة ومرتين من عبور الاردن يعملها معي عشرات المرات، اذا لايوجد امامي فيما اذا حصلت معجزة واعطتني السفارة التونسية تأشيرة ترانزيت سوى ان انزل في لبنان بلد الشحرورة صباح ومن هناك اتدبر امري في دخول سوريا برا ومنها الى العراق .

توكلت على الله بعد ان هداني الى هذا الخيال وسألت أين السفارة اللبنانية في طرابلس، قالوا تجدها في المكان الفلاني قرب سفارة الكويت . اعطيت جوازي مع استمارت المعلومات من الشباك لموظف السفارة، فتح الجواز واذا به – والله على ما اقول شهيد – يرميه بوجهي قائلا (متسولين عراقيين) لايسمح لهم الدخول الى لبنان، قلت له اخي انتم كرماء بعرق زحلة واستضافة الغريب السائح على الطريقة الفرنسية، العراقيون ليسوا متسوليين نحن نملك ثاني نفطي في العالم، ونوزعه على وفق مبدأ (نفط العرب للعرب) فمثلا الممثل محمد صبحي بطل مسلسل (فارس بلا جواد) الذي حررنا به ثلاثة ارباع فلسطين، استلم ونحن في حصار من بيع النفط كوبون نفط، واجد هنا ان مخرج المسلسل غبي حين لم يسمه (جواد بلا فارس) وكذا الحال مع (رغدة) ورمزي كلارك، وجورج كلوي وأخرين .

اضاف الموظف اللبناني انه ممنوع على العراقيين دخول لبنان حتى لو كان طلب جمع الشمل العائلي العراقي –اللبناني حتى وان استدعته زوجته اللبنانية لقضاء الحاجة الجنسية .

خرجت اجر اذيال الخيبة وأتعثر باقدامي، وصادفت مقر السفارة المصرية في طرابلس وقلت والله لا اعتقد المصريين يجحدون خير العراقيين عليهم، اذ أن نظام صدام طلب ومنذ بداية السبعينات واثناء الحرب العراقية الايرانية وحتى نهاية طرد جيش صدام من الكويت، جاء ستة ملايين مصري ليعمروا العراق، لان العراقي الاب والابن والزوج يقاتل مع ايران ثمان سنوات، فجاءنا الطبيب المصري والمهندس المعماري من الدرجة الممتازة والمثقف المرتزقة والمزارعين، والمحكومين بالاعدام وبائعي وتجار الحشيشة والمخدرات، وعلموا العراقيين كل رذيلة وصولا الى هز البطن والكوادة . كان تحويلهم بالدولار الامريكي الى مصر اكثر من عشرين مليون دولار . تطوعة بعض المصريين في الحرب الى جانب العراقيين ضد ايران بعضهم سلم نفسه راضيا عن طيب خاطر اسيرا قائلا :(الف مرة اسير ولا مرة واحدة قتيل)،وهؤلاء فك اسرهم فيما بعد حسني مبارك وتقاضوا بالدولار اضرار اسرهم بعد طرد صدام من الكويت،يروى ان بعض من تطوعة للقتال ولم يؤسر رجعوا مهرولين هاربين من الجبهة،سألوهم فرق الاعدامات التي كانت تتمركز بالخطوط الخلفية وتنفذ حكم الاعدام باي مقاتل يتراجع ويترك موقع الموت الحتمي في الجبهة .. لماذا تراجعتم اجابوهم باللهجة المصرية (هكموا الجبنى) اي هجموا الجبناء !! يقصدون الايرانيين .

قدمت للسفارة المصرية في طرابلس طلب تأشيرة مرور للاسكندرية لاخذ الطائرة من هناك الى سورية بعد ان شرحت لهم الحال من طقطق للسلام عليكم، اخذوا الطلب وصورة الجواز، وقالوا يصير خير .... بعد عشرين يوما جاء الرفض .

بعد ان استلمت رفض السفارة التونسية مات الامل في نفسي تقريبا، وفي حالة يأس قصدت السفارة السورية في طرابلس، اعطيت جوازي من الشباك لموظف يعمل على الكومبيوتر، بعد ان نظر الجواز سألني لماذا تريد الذهاب الى سورية، قلت له اريد العبور عن طريق اليعربية السوري الى مدينتي (الموصل) كما لدي مخطوطتي كتابين لعلي استطيع طبعهما في احدى دور النشر في دمشق، قال لي ولكن العلاقات بين سورية والعراق مقطوعة والعبور ممنوع بين البلدين، قلت له ارجوك ساعدني في المحاولة، سلمني الجواز قائلا اخرج واكتب طلبا تحريريا موضحا فيه الاسباب التي ذكرتها لي مع صورة لجوازك، قمت بالمطلوب وسلمته صورة الجواز والطلب، قال لي بعد ان ثبت على الكومبيوتر بعض المعلومات وتراجعنا بعد ثلاثة اسابيع تجد اسمك معلقا على الجدار ضمن قائمتي اسماء المقبول طلبه او المرفوض . بعد ثلاثة اسابيع راجعت السفارة السورية واذا بي ينعقد لساني من الدهشة حين وجدت اسمي ضمن قائمة المسموح لهم بالتأشيرة، لم اصدق نفسي خرجت من السفارة وعدت ثانية بعد ربع ساعة ادقق القائمة فتأكدت من الاسم، انا المعني حسب مصطلح المملكة الاردنية الهاشمية العتيدة . اعطيت الجواز بعد ان طلب مني تسجيل رقم قائمة الموافقة وتسلسل اسمي فيها، عدت له واعطيته الجواز فقال لي تعال في الساعة الواحدة خذ جوازك والفيزا .

رجعت لابن اخي وانا اطير من الفرحة وقلت له اعطوني تأشيرة سورية نافذة لمدة ثلاثة اشهر، لكن كيف لي ان اصل سورية وليبيا عليها حظر جوي خارجي كما ذكرت سابقا، اذا مطلوب لي فيزا دولة ثانية .

نصح بعض معارف ابن اخي انه لايوجد امامي غير (مالطا) لأخذ الطائرة من هناك الى دمشق بعد ان اعبر البحر الى مالطا بباخرة من ليبيا . تقدمت للحصول على فيزا بشكل اصولي من السفارة المالطية في طرابلس فجاءني الجواب بالرفض . مدة نفاد التأشيرة السورية كما اشرت هي ثلاثة اشهر، مضى اكثر من شهر ولم اوفق بالحصول على فيزا من غير سورية .

في احد الايام كنت اتجول صباحا في مركز مدينة الزاوية لا اعرف ماذا افعل، واذا بي يستوقفني عنوان مكتب سفر وسياحة ..... دخلته وجدت موظفة سودانية مع موظف ليبي اخر، همست في اذن الموظفة السودانية هل تستطيعين الحصول لي على تأشيرة ترانزيت مالطية؟ اجابتني نعم، قلت امتأكدة مما تقولين؟ نعم بالتأكيد اعطني جوازك مع ثلاثمئة دولار تجدها بعد اقل من اسبوع، قلت اتفقنا أتيك عصرا . بعد تعقيدات استمرت اسبوعين غادرت ليبيا من ميناء طرابلس البحري متوجها الى مالطا بتأريخ 26 -3 -1999، اول ايام عيد الاضحى المبارك، كابينة النوم تسع اربعة مسافرين، سريران متقابلان في الاسفل يعلوهما سريرين متقابلين في الاعلى، شغلت احد الاسرة في الاسفل وشغل السرير الاخر المقابل لي شخص سودانيا متوجه الى احدى دول الخليج كموظف هناك، وشغل السريران العلويان شابين ليبيين يقصدان السياحة في مالطا، يحملان كروصات سكائر اربعة يريدان بيعها في مالطا، وضعا كل كروصين عندي وعند السوداني، يستلموهما في مالطا تحسبا من الكمارك ان تصادرهما . وصلنا صباحا جزيرة مالطا، الليبيون يدخلون مالطا ويخرجون منها بدون تأشيرة كما هو الحال مع دول الاتحاد المغاربي على ما اعتقد . بعد نزولنا من الباخرة احتجزوني والشخص السوداني مع اثنين شباب سوريين، اما الشابان الليبيان فقد عبرا دائرة الجوازات ولم يستلما سكائرهما لعدم استطاعتهما اللقاء بنا .

بعد اكثر من ساعتين اصبح مجموع المحتجزين سبعة، اقتادوني انا والسوداني والشابين السوريين نحو سيارة بيكب مكشوفة بانتظارنا، قلت لهما ان تأشيرتي نافذة لمدة (48)ساعة، اجابني احد الشرطة بالانكليزية ستقضي مدة اليومين في المطار وليس في فندق، واجور الحجز بالفندق ستعاد لك .

اصعدونا نحن الاربعة على ظهر السيارة مع حقائبنا، وصلنا المطار بعد اقل من نصف ساعة،فتشوا الحقائب واخذوا الكبيرة منها الى مخزن حفظ الامتعة وتركوا معنا الحقائب الصغيرة، ادخلونا صالة الانتظار بعد التفتيش، من ارقى الصالات من ناحية التنظيم والخدمات والنظافة، اكثر من مطعم، حوانيت، حمامات ومغاسل، سوق حرة مشروبات وعطور ... الخ . مقاعد مريحة للجلوس والنوم، فقط ضيقوا علينا عدم ترك حقائبنا الصغيرة التي معنا في حال التجوال في الصالة مطلقا، خوفا من اعمال الارهاب والتخريب .

كانت مدارج المطار صغيرة، لكن حركة اقلاع وهبوط الطائرات لاتقل عن مطار (هيثرو) في بريطانيا، طلبت من شرطية برتبة ملازم السماح لي بألاستحمام وتغيير ملابسي لان هذا اليوم عندنا نحن المسلمين عيد الاضحى، فوافقت على طلبي واصتحبتني الى مخزن الحقائب لاجلب معي ملابس جديدة، وكانت لها مشكلة في تلبيتها طلبي وحصلت مشادة كلامية بينها وضابط برتبة نقيب اراد توبيخها . المهم حصلت على حمام ساخن وملابس نظيفة .

لفت انتباهي الغلاء الفاحش في المطار، المسافرون من مختلف جنسيات العالم معظمهم سياح لايكترثون بغلاء الاسعار . كان معي بعض المعلبات تكفينا نحن الاربعة، اذ كان يتعذر علينا شراء كوب شاي بدولارين . الشاب السوداني اخذ الطائرة وغادر سارقا كروصي سكائر الشابين الليبيين المساكين، اما انا فلا ادخن فتحت كروصا واعطيت منه اربع باكيتات للشابين السوريين، واحتفظت بالباقي الذي اصبح فيما بعد من نصيب عامل فندق في دمشق .

خلال (48) ساعة التي امضيتها في صالة المطار تعرفت على فتاة بائعة تعمل في متجر داخل الصالة لبيع المنسوجات الجلدية المحلية الصنع، قلت لها اني غير مسموح لي البقاء في (مالطا) وانتظر موعد طائرتي الى دمشق، ارادت مساعدتي، واهتمت بامري كثيرا واستدعت والدتها ووالدها لهذا الغرض . لكن خجلي وصغر عمرها بالنسبة لي اضاع فرصة كانت لو تحققت لتغيرت حياتي . كنت في حالة نفسية متعبة، وان ابن اخي في ليبيا صرف علي ما يقارب الف دولار ويريدني العودة الى الموصل .

صباح ثاني ايام عيد الاضحى (29 -3 -1999) الساعة الرابعة فجرا صعدنا طائرة صغيرة (مالطا – دمشق) ضّيفونا بافطاربسيط، وأطفأن المضيفات الانوار، لم يكن يتجاوز عددنا (13)راكبا، انفرد شاب مع شابة في المقعد الخلفي ورائي ومارسا الجنس مرتين قبل وصولهما الى بيروت حيث توقفت الطائرة ونزلا مع بعض الركاب،بعد ساعة وصلت الطائرة مطار دمشق . امام مكتب ختم الجوازات في المطار انصرف ركاب الطائرة بعد ختم جوازاتهم في اقل من نصف ساعة بضمنهم الشابين السوريين اللذين تركاني . كان هناك في مكتب الجوازات ما يقارب سبعة افراد يعملون . قلت لاحدهم ارجوك اخي لماذا لم تختموا جوازي وتحتجزوني وانا عندي تأشيرة دخول اصولية من السفارة السورية في ليبيا . اجابني اليوم عطلة بمناسبة العيد والدوائر الحكومية لم تفتح بعد لنتأكد من تدقيق اسمك والفيزا !!؟

اقتادوني مع حقيبتي الكبيرة والاخرى الصغيرة بيدي الى مبنى مهجور داخل المطار، ادخلوني صالة مليئة بالاثاث المتروك، وضعت حقيبتي الى جانبي وجلست على الارض متكئا على الحائط .... نظرت الى جانبي وجدت امرأة باكستانية مريضة مستلقية على الارض، وبجانب رأسها يجلس رجل كهل بيده القرأن الكريم يقرأ على رأسها لايعرف غير السلام عليكم . في زاوية من الصالة وجدت شخصا راقدا على الارض وقد رفع الغطاء على رأسه .

تقدم مني شخص في هذه الصالة المهجورة، شاب سوداني لم يبلغ العشرين من عمره، حياني باسم حجي وجلس الى جانبي، سألته عن الشخص النائم وما هي قصته؟ قال انه عراقي موقوف منذ ايام يستيقظ لقضاء حاجته، او يأكل شيئا ويرجع ينام . سألته وانت؟ اجابني انا جئت بالطائرة قبل ايام من روسيا بدون تأشيرة دخول الى سورية، وحجزوني هنا ومضى على وجودي اكثر من اسبوعين . ثم سألني عن سبب احتجازي .... قلت له لتدقيق الاسم، قال هل معك فيزا اصولية، قلت نعم، قال حجي انهم يكذبون عليك ويريدون منك رشوة ويطلقون سراحك . قلت امتأكد مما تقول؟ أجابني قبل الساعة السادسة مساءا اذا ما أعطيتهم نقودا يختمون جوازك ويطلقونك، لان دخولك سورية مشروع وقد منحوك هم الفيزا، دعني اتكفل انا بالامر فانا معهم منذ اكثر من اسبوعين واعرف ماذا يفعلون . قلت تصرف ولن انسى تعبك معي ...... كانوا كل ربع ساعة يأتي واحد او اثنان، حادثهم الصبي السوداني وأخبرهم اني ادفع رشوة، وعاد الي قائلا بعد ساعة يطلقون سراحك، قلت له اشكرك جدا (ابني) خذ هذه عشرين دولار ولو عندي وباستطاعتي لاعطيتك اكثر . امتنع اول الامر عن اخذها خجلا، قلت له يجب ان تأخذها فأخذها مني . بعد اقل من ساعة استدعاني شرطي قائلا اجلب حقيبتك وتعال معي وفي الممر قال لي اين (المصاري)؟، اعطيته ما معي من فراطة دولارات ودنانير ليبية وجنيهات مصرية كانت معي .

امام نائب ضابط عسكري ختم جوازي قائلا تأكدنا من الاسم من وزارة الداخلية وحصلت الموافقة وتأخيرك كان بسبب عطلة العيد، وهو يكذب طبعا والقضية هي فقط الرشوة، التزمت الصمت وقلت شكرا على جميلكم !!

خرجت من المطار بعد ان صرفت ورقة مئة دولار دفعت منها لصاحب التاكسي (400)ليرة سورية اجرة توصيلي لمنطقة (المرجة) وسط دمشق، نزلت في فندق بيروت غرفة صغيرة فيها سرير واحد فقط، كان عامل الفندق كردي من اهالي القامشلي قدم لي بعض الخدمات لقاء بخشيش سوري مع ما تبقى من كروص السكاير العائد للشاب الليبي . اصطحبني الى سوق الحميدية واشتريت بعض الهدايا.

بجوار غرفتي في الفندق كان هناك غرفة كبيرة اربعة اسرة تنزلن بها اربع فتيات لبنانيات جئن يقضين عطلة العيد في دمشق، كنت اشعر بهن يتهامسن حين يرونني داخل غرفتي او خارجا منها او التقيهن وانا خارج او داخل الى الفندق، كان خجلي اكبر من ابادرهن الحديث، رابع ايام العيد كنت مستلقيا على سريري قبل الظهر، تهادى الى سمعي عامل الفندق الكردي يضع حقائبهن امام باب الغرفة لنقلها الى التاكسي في الشارع، غالبت خجلي المزمن وخرجت من غرفتي وبيدي مخطوطتي كتابي احدهما سسيولوجيا الاغتراب يقع في (300) صفحة من الحجم المتوسط، طبع طبعتين لاحقا في بغداد وبيروت، ومخطوطة الكتاب الثاني مجموعة نصوص شعرية في الغزل والمرأة بعنوان (توهج العشق ... احتضار الكلمات) قلت لهن بخجل من فضلكن لدي استفسار ...هذان كتابان من تأليفي الا يمكنكن مساعدتي في طبعهن في لبنان، لديكم دور نشر عديدة .... انفجرن ضاحكات وكأني القيت على مسامعهن (نكتة) لم يسمعنها من قبل . استغربت ضحكهن وأردت ان اعرف السبب، قالت احداهن استاذ بألتأكيد تريد معرفة سبب ضحكنا، قلت نعم، اجابتني كل ما رأيناك تدخل او تخرج من غرفتك،اوجالسا احيانا في الاستقبال كنا نتراهن فيما بيننا على انك كاتب وشاعر عراقي بأستثناء واحدة منا قالت يبدوا لي تاجرا عراقيا، والان ونحن ذاهبات الى لبنان تأكدنا مما كنا نتراهن عليه ! وحبذا لو تم تعارفنا قبل يومين معك، بعد ان تداولن تصفح الكتابين قالت احداهن استاذ كتابك عن الاغتراب كتاب فلسفي جيد، لو توفر عليه ناشر يعرف قيمته ربما في حالة طبعه يقر تدريسه على طلبة كليات في الجامعة، ولا مانع لدينا من اخذهما لكن اوضاع دور النشر في لبنان ليس كما تتصور،ودعتهن باسف وهن يغادرن الفندق .

بعد انتهاء العيد راجعت الجوازات في دمشق، قال لي احدهم عسكري برتبة كبيرة، سفر العراقيين من سوريا تتم تكملة معاملاتهم ومغادرتهم سورية بموافقة دائرة المخابرات، يوجد فرع خاص ب(المزّة) راجع هناك . راجعت بعد انتهاء العيد تلك الدائرة روتين قاتل وأنتظار ممل ودفع مصاري رشوة بلا حساب فقط للحصول على اذن بمغادرة سورية .

اخيرا تمت الموافقة على مغادرتي سورية ليس عن طريق اليعربية المسدود بل عن طريق معبر الوليد الحدودي مع القائم في العراق وذلك بتأريخ 3-4 -1999، ودخلت العراق يوم 4- 4 -1999 ورجعت الى مدينة الموصل بعد هذه الرحلة المضنية، وكان اهل الضمير والوطنية ازلام صدام بأنتظاري في مراقبة البيت وفي تعقب اثري اينما ذهبت .

طبيعي جدا كما ذكرت في المقدمة اني لم ارفع كل ما سردته للقائد الضرورة صدام، الا بأستثناء رؤوس اقلام فقط مما جرى معي وأعتقد جازما أن مخابرات صدام كانت على علم مسبق بغالبية التفاصيل التي ذكرتها قبل ان اقوم برفعها الى مكتب استعلامات المجلس الوطني ببغداد الذي كان يديره الشقيق الاكبر لابن عم صدام شقيق علي حسن المجيد الاكبر.

خاتمة

– في ختام هذه التجربة الاليمة اود تسجيل الملاحظات التالية :

- الى كل عراقي شريف وعربي اصيل أن يعلم من خلال نموذج تجربتي وتجربة مئات الالوف من العراقيين اننا كنا ولا زلنا ضحايا اكبر أكذوبة عرفتها وعاشتها الاقطار العربية لاكثر من قرن من تأريخها، هو ما يسمى بالقومية العربية ووحدة المصير والتأريخ المشترك وغير ذلك من مفردات معيبة استغفلت الناس واخذت من دماء ابنائهم وتضحياتهم من اجل ان يبقى اراذل الحكام العرب المستبدين عقودا طويلة على كراسي الحكم، ويتوارثون الحكم ابا عن جد، وشعوبهم يفتك بها الجوع والمرض والتخلف والحاجة ومستلزمات ابسط حقوق الانسان في العالم .

- اتحدى الاردن حكومة وشعبا ووزراء الداخلية، وجميع الجهات الامنية الاردنية ان يستطيعوا اثبات ولحد يومنا هذا وحتى قيام الساعة،أني زرت الاردن في حياتي غير تلك الزيارة التي تحدثت عن تفاصيل مهزلتها الاليمة معي، كما اتحداهم ان يثبتوا عليّ اي نوع من أساءة او ادانة او مخالفة قانونية او غير قانونية بدرت مني كي استحق كل تلك البهذلة والتوقيف والاهانات التي مررت بها من قبل السلطات الاردنية، وانا كنت في عمر ستين عاما، وكل ما جرى معي بحجة الاشتباه بالاسم، فاية مهزلة ارتكبها الاردنيين الاراذل بحق شخص بريء اعزل !!.

- أؤكد ما ذهبت له سابقا بان خبث وحقارة الجهازين الامنيين في العراق والاردن كانا متعاونان كلا لستر عورات ومخازي الاخر في ملاحقة ومطاردة كل عراقي وطني شريف اراد الخلاص من ظلم ودكتاتورية صدام او ظلم ودكتاتورية الاردن الخبيث .

- أثبت هنا ولاجيال من العراقيين ان الاحزاب القومية السياسية العربية في منظورها وتطبيقاتها السياسية في الحكم وخارج الحكم، كانت اكبر استغفال ودجل لايمت للاخلاق والمباديءالسياسية بصلة، فبأي معنى ومبدأ كان صدم، يزود الاردن بأكثر من (600) الف برميل نفط باليوم نصفها مجانا ونصفها الاخر باسعار رمزية، ولمدة تزيد على خمسة وعشرين عاما من حكمه، في وقت مرت على عوائل عراقية بالالاف عانت الجوع والفقر والعوز والحاجة،مما جعل الحفاظ على شرفها الاخلاقي بطولة ومبدئية يركع لها شرفاء العالم . الشعب العراقي الذي اذله صدام هو شعب الحضارة التي تمتد00(6) آلاف عام قبل التأريخ، المطّلع على بعض مصائب الشعب العراقي وما عاناه من ظلم صدام وكوارث حروبه لايعجب حين ينصفه شرفاء العالم . ولماذا يستمر الحال في زمن الحكومة الديمقراطية الان.؟

- أسأل كما يسأل غيري لماذا صمت واستمر صدام بنفس سياسته المشبوهة مع الاردن رغم اطلاعه وعلمه بمآسي مئات العوائل العراقية التي سلبت اموالها وانتهكت اعراضها في الاردن، وزج بأبنائها في السجون بعد هزيمة صدام المشينة وخروجه من الكويت . في رسالة جوابية من صدام لحسني مبارك بعد دخول الجيش العراقي للكويت، اذ كان حسني مبارك نصح صدام الانسحاب من الكويت، ومن رسالة صدام الجوابية له قال :(أن من واجبنا كقادة عرب ان نصون شرف وجسد وعرض المرأة العربية) و ألم تدعي اجهزة نظام صدام ان سعد العبدالله نائب امير الكويت في مباحثاته مع الوفد العراقي الذي كان يرأسه عزت الدوري، انه قال :(سأجعل المبيت مع المرأة العراقية بسعر عشرة دنانير) وكان رد فعل صدام غزو الكويت بعدها بساعات فقط !؟

- بعد اكثر من خمسة اشهر امضيتها في ليبيا لا استطيع العودة الى العراق، وبعد مغادرتي ليبيا الى مالطا عبر البحر بالباخرة وجدت الشعب الليبي شعب عريق يعتز بقوميته ودينه، براجماتي بالتعامل، شعب يعمل بجد وديناميكية، كثير التذمر وسريع الغضب .

- استلمت مني الدار الجماهيرية للطباعة والنشر مخطوطة كتابي (مفاهيم ثقافية معلقة) بتأريخ 31 -1- 1999، بموجب وصل استلام ولم يشعروني بمصير مخطوطة الكتاب، الذي طبعته بعنوان اخر .

- قابلت الدكتور علي خشيم مسؤول الثقافة في عهد القائد الضرورة القذافي،  وجدته على غير ما يجب ان يكون عليه تعامل وتصرف مثقف، متعجرف ومتكبر، كبير سن ينسى بعد خمس دقائق ما سبق وقاله، يجد نفسه وحيد زمانه في الثقافة العربية، في زيارته الى بغداد لم يكن صادقا بحرف واحد مما يدعيه وقاله .سكرتيرته خلاسية نادرة بجمالها ولا اعتقد يستطيع(.....؟).

 

علي محمد يوسف اليوسف –العراق- الموصل

jawdat hoshyarالقاريء العادي لا يتفاعل أو لا يستوعب غالباً الأعمال الأدبية الجادة، ويفضّل قراءة أدب التسلية العابرة،أو أدب اللذة، الذي قد لا ينطوي على أي قيمة فكرية أو فنية، وقد وصفه الزيات بأنه " كل أدب يلذ ولا يفيد ويسوغ ولا يغذي ويشغل ولا ينبه". في حين لا يأخذ الكاتب المبدع، مثل هذا الأدب مأخذ الجد، ويفضل قراءة الأعمال الأدبية المتميزة. ولكن ثمة أعمال أدبية رائعة لكتاب مجيدين تحظى بمقروئية عالية لدى القاريء العادي والكاتب الجاد في آن واحد، وهي الروائع الأدبية الكلاسيكية، التي اجنازت إمتحان الزمن، ومنها نتاجات اسحاق بابل (1894 – 1940)، .

بابل عرف الشهرة المدوية اثر نشر مجموعته القصصية الأولى الرائدة " الفرسان الحمر " في منتصف العشرينات من القرن العشرين .وقد ايقن الجميع كتابا ونقاداً بأن أدبا جديداً قد ولد، ولا يشبه الأدب الروسي الكلاسيكي (أدب بوشكين وغوغول وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف) .وسرعان ما ترجمت المجموعة الى أكثر من عشرين لغة أجنبية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وقال أحد النقاد الأمريكيين: " ما كان يكتبه تولستوي في 24 ساعة، يكتبه بابل في ساعتين فقط " وكان ذلك خير وصف لأسلوب بابل الكثيف والجميل، الذي سحر كبار الكتّاب الأميركيين .

في عام 1930 وجهت مجلة " نوفي مير " الروسية - التي كانت وما تزال أشهر وأرقى مجلة أدبية روسية - سؤالا واحدا ومحددا الى عدد من الكتاب الغربيين: "من هو في رأيكم أهم كاتب روسي معاصر ؟ . ولم تكن اجاباتهم مفاجأة لأحد: فقد تصدر اسم " إسحاق بابل "عن جدارة قائمة الكتاب المفضلين لدى تلك النخبة المختارة من خيرة كتاب ذلك العصر .

قال ارنست همنجواي في رسالة مؤرخة 12 كانون الثاني 1936 الى مترجم أعماله الى اللغة الروسية ايفان كاشكين (1899 – 1963):" عرفت بابل منذ ان قرأت الترجمة الفرنسية لمجموعته القصصية " الفرسان الحمر " . تعجبني أعماله جدا . عنده مادة قصصية مدهشة، ويصوغها على نحو ممتاز ".قصص بابل مضغوطة اكثر من قصصي ومضامينها ثرية. وهذا دليل على قدراته الفنية ."

وعندما إلتقى إرنست همنجواي مع ايليا اهرنبورغ في مدينة مدريد المحاصرة عام 1937 قال همنجواي معبراً عن إعجابه بفن بابل: " يلومونني لأنني أكتب بإيجاز، ولكنني وجدت أن بابل يكتب بشكل جيد وعلى نحو أكثر كثافة من كتاباتي . ولم اكن اعرف ان للسرد القصصي علاقة بعلم الحساب . أي أنه من الممكن أن يكتب المرء بكثافة أكثر، مثل الجبن الذي تم عصره بشدة ليخرج منه الماء تماما ".

أما الكاتب الأميركي ريموند كارفر (1925 – 2015)، والذي يعد من أشهر كتاب القصة القصيرة في النصف الثاني من القرن العشرين – فإنه كان مبهوراً بفن بابل القصصي واسلوبه الى درجة انه يحفظ بعض قصص هذا الكاتب الروسي عن ظهر قلب. وقال أنه تأثر ببابل وتشيخوف أكثر من غيرهما .

واعترف كاتب أميركي بارز آخر وهو جيمس سولتر (ولد عام 1959) بأنه تأثر بأدب بابل، وذلك خلال محاضرة له في احدى الجامعات الأميركية ونصح تلاميذه بدراسة قصص بابل واسلوبه الساحر، لأنهم سيتعلمون منه الشيء الكثير . وقال ان بابل اكثر الكتاب الروس تفردا وغنى، وأكثرهم إثارة وجدة .

المكانة الرفيعة التي احتلها بابل لدىالكتّاب الغربيين تجلت بأوضح صورة عند إنعقاد مؤتمر باريس للدفاع عن الثقافة سنة 1935، وذلك عندما اكتشف منظمو المؤتمر أن الوفد السوفييتي لا يضم إسحاق بابل مؤلف " الفرسان الحمر "، ولا الشاعر الكبير بوريس باسترناك، وقرروا على الفور مطالبة السفارة السوفيتية في باريس بضم هذين الأديبين الى الوفد السوفييتي . أبرقت السفارة الى القيادة السوفيتية حول ضرورة ايفاد بابل وباسترناك الى باريس على وجه السرعة. كان باسترناك مريضا في ذلك الوقت . كما ان كلاهما (بابل وباسترناك) لم يكونا يملكان بدلات مناسبة للظهور امام مثل هذا الحشد الثقافي العالمي، فتم على الفور خياطة بدلتين جديدتين لهما لدى أشهر خياطي موسكو، واصدار جواز سفر بأسميهما. ونقلوهما الى باريس بطائرة خاصة . كان باسترناك يشكو لبابل ولطاقم الطائرة طوال الرحلة بأنه مريض ودرجة حرارته مرتفعة، ولكن لا أحد كان يصغي اليه، فأوامر ستالين كانت تنفذ دون نقاش . وصلا باريس في اليوم الثالث للمؤتمر.

 ألقى بابل كلمة باللغة الفرنسية – التي كان يتقنها وكتب بها اولى قصصه في بداية حياته الأدبية - استغرقت 15 دقيقة، وكما يذكر ايليا أهرنبورغ في مذكراته الشهيرة " الناس، والأعوام، والحياة "، فان كلمة بابل تضمنت عبارات ساخرة أثارت موجات من التصفيق والضحك . سحر بابل الحضور بلغته الفرنسية الجميلة،، واسلوبه المرح، وأفكاره المعمقة حول دور الكاتب في الدفاع عن القيم الإنسانية . .

في عام 1954 كتب الناقد الأميركي الكبير ليونيل تريلينغ (1905 – 1975) مقدمة لمجموعة قصص بابل " الفرسان الحمر " يقول فيها أنه دهش لأسلوب بابل الكثيف والتهكمي الساخر، المشحون بما يمكن تأويله على أكثر من وجه.

ولعل أبلغ دليل على استمرار تأثير بابل في الكتاب الأميركيين هو المقال الذي نشره الكاتب الأميركي المعاصر (بين نادلير) تحت عنوان:(قصص نحبها " مكافأتي الأولى " لإسحاق بابل) في احد الاعداد الاخيرة لمجلة " فيكشن رايترز ريفيو " .

 يقول نادلير: في اغسطس الماضي قررت السفر الى تبليسي عاصمة جمهورية جورجيا مع صديقتي (أوكسانا) . سألني أصدقائي:لماذا نحن- أنا و صديقتي – نريد قضاء عطلتنا السنوية الوحيدة في غرفة علوية ضيقة في درجة حرارة تبلغ مائة فهرنهايت في مدينة صغيرة من مدن الاتحاد السوفييتي السابق . قلت لهم اشياء كثيرة :

 رحلة لا تكلف كثيرا، واريد أن أشرب النبيذ الجورجي الحلو زجاجة تلو زجاجة، وأن جورجيا هي أجمل بلد في العالم، وأن (أوكسانا) تريد زيارة المدينة التي عاش فيها جدها، بطل الحرب العالمية الثانية، وزيارة ضريحه في المقبرة الروسية المهملة . كانت كل هذه الأسباب الثانوية صحيحة، ولكن السبب الحقيقي لسفري الى تبليسي يكمن في الفقرة الأولى من قصة اسحاق بابل " مكافأتي الأولى ":

"إن كنت تعيش في تبليسي في فصل الربيع، وأنت في العشرين من عمرك، ولم تكن محبوبا، فتلك مصيبة .. مثل هذه المصيبة حدثت معي" .

 ويضيف نادلير:

 " كانت لهذه القصة أعمق الأثر في كتاباتي السردية، وأردت أن اعيش في اجواءها، ولو لأيام معدودة . لقد استفدت من هذه القصة أكثر من ورش الإبداع العديدة التي حضرتها في بداية حياتي الأدبية"

القصة التي أشار اليها نادلير كتبها بابل عام 1822 ورفضت الرقابة السوفيتية المتزمتة نشرها بدعوى أنها ايروتيكية، ولا تمت الى الواقع السوفيتي بصلة، و ان الأدب يجب أن يخدم الأهداف التربوية للنظام البلشفي . اعاد بابل صياغة هذه القصة من جديد سنة 1928، وحذف منها ما اعترضت عليه الرقابة، ومع ذلك لم تقبل اي مجلة روسية نشرها داخل الإتحاد السوفيتي باللغة التي كتبت بها وهي الروسية، وبعد أكثر من اربعة عشر عاما أي في عام 1936، نشرت الصيغة المعدلة للقصة في مجلة " الأدب السوفيتي " الصادرة باللغة الأنجليزية والموجهة للخارج لأغراض دعائية .

 وعندما القي القبض على بابل في 15 أيار 1939 صادرت المخابرات السوفيتية كل أعماله الأدبية المخطوطة . ومن حسن الحظ أن قصة " مكافأتي الأولى " نجت بإعجوبة من المصادرة، فقد كان من عادة بابل أن يقرأ أي نتاج جديد له، على مسامع أصدقائه المقربين، قبل نشره، قائلاً أنه يريد معرفة رأيهم فيه . ولكن الحقيقة هي أنه كان مهدداً بالإعتقال في أي لحظة . لذا كان يتعمد قبل أن يغادر المكان أن يترك نسخة من القصة هناك . وبعد اعتقاله احرق معظم أصدقائه والمقربون منه أعمال بابل التي بحوزتهم، بإستثناء البعض منهم . فقد منع النظام البلشفي منعا باتا الإحتفاظ بالأعمال الأدبية أو الفكرية لـ(أعداء الشعب)، وكان المخالف يعرض نفسه لعقوبات صارمة عند اكتشاف (فعلته) .وكان الوشاة في كل مكان، ولم يكن أحد يثق بأحد ولو كان من أقرب المقربين اليه. لذا فإن الإحتفاظ بعمل أدبي لكاتب من (أعداء الشعب) يمكن إعتباره بطولة حقيقية في ذلك العهد المرعب .

تعرض بابل في السجن الى تعذيب وحشي، وحكم عليه بالإعدام بعد محاكمة صورية جرت يوم 26 كانون الثاني 1940 واستغرقت أقل من عشرين دقيقة، واعدم رميا بالرصاص في فجر اليوم التالي. ولقد تبين لاحقاً من خلال الوثائق التي نشرت في فترة (البريسترويكا) زيف وبطلان كل التهم المفبركة الموجهة اليه . وكانت آخر كلماته قبل اعدامه: "دعوني اكمل عملي" . وتشير تلك الوثائق الى أن ستالين قد وقع على أمر اعدام بابل قبل عدة اسابيع من انعقاد المحكمة.

 نشرت الترجمة الإنجليزية الكاملة للصيغة الأولى (1922) لقصة " مكافأتي الأولى " في الولايات المتحدة عام 1963، والنص الروسي في الإتحاد السوفيتي عام 1967 بعد 13 عاماً من رد الإعتبار الى بابل عام 1954 . وكان بذلك أول كاتب يعاد اليه الإعتبار بعد موت الطاغية ستالين بفضل متابعة أرملته المهندسة العبقرية " انطونينا بيريزكوفا "، مصممة العديد من أجمل محطات المترو في موسكو، ومنها محطة " ماياكوفسكايا " التي تعد تحفة هندسية في غاية الفخامة والجمال .

قصة "مكافأتي الأولى"

راوي القصة شاب غرير، في مقتبل العمر، يمارس عملاً بيروقراطيا مملاً كمدقق لغوي في مطبعة عسكرية محلية . ويسكن في غرفة علوية اسـتأجرها من زوجين شابين تزوجا حديثاً . الزوج يعمل جزاراً في السوق الشرقية في مدينة تبليسي . ومن خلال الحاجز الفاصل بينهما كانت تصل اليه آهات الحب، كما لو كانت أصوات اسماك كبيرة محصورة في حوض زجاجي .ذيول هذه الأسماك التي فقدت ذاكرتها كانت تصطدم بالحاجز. وفي الليل كانت الاصوات تختفي ويحل صمت مطبق يخترق قلبه. لم يبق أمام الشاب سوى البحث عن الحب، والذي وجده سريعا، ولكن لسؤ أو لحسن حظه كانت بائعة هوى اسمها (فيرا) . إمرأة مديدة القامة، بيضاء الوجه، في الثلاثين من عمرها . وفي مساء كل يوم كان الشاب يتبعها في الشارع الذي تمر به دون ان يجرؤعلى مكالمتها ..لأنه لم يكن يملك المال ولا يعرف كلمات الحب الرخيصة .

 ومنذ يفاعته كانت كل طاقته مكرسة لتأليف القصص والمسرحيات في الخيال دون ان يدونها على الورق . نسج ألف قصة كانت تقبع على قلبه مثل سلحفاة على حجارة . لم يكن يريد ان يكتبها على الورق لأنه كان يعتقد إن من العبث أن يكتب المرء على نحو أقل جودة من ليف تولستوي . كان يختلق القصص الخيالية لتكون سلواه وتنسيه ما يعانيه من حزن . كان يخجل أن يبكي، ولا يتقن فن السعادة . وذات مساء استجمع شجاعته وكلّم (فيرا) و اضطر ان يدفع لـها مقدماً عشرة روبلات ذهبية من راتبه الشحيح.

. وقبل أن ينام معها، اضطر الى مرافقتها في جولة وسط تبليسي، فقد كانت فيرا امرأة عملية، ولديها مشاغل لا تنتهي، و معروفة لدى كثير من رواد الملاهي والمطاعم . ولم يصلا الى الفندق الذي تعيش وتعمل فيه الا في منتصف الليل . وتركته ينتظرها في الغرفة، وذهبت الى بهو الفندق لتودع زميلة عجوز مسافرة الى البلدة التي يعيش فيها ابنها . كانت الغرفة كئيبة يحوم فيها الذباب، ثم يسقط في اناء الحليب ويموت .

..ويقول الراوي: " لقد تعبت من الجولة الطويلة في المدينة الى درجة بدا لي حبي عدوا لدودا لصق بي . ومن الممر كانت تأتيني ضحكات صاخبة لحياة أخرى غريبة . وأخيرا جاءت فيرا وقالت: " هل تعبت من الإنتظار ؟ لا بأس، انتظر قليلا ."

 كانت تحضيراتها أشبه بتحضيرات طبيب يتهيأ لأجراء عملية جراحية .أشعلت موقد الكيروسين ووضعت عليه وعاءاً مملؤا بالماء . وعلقت منشفة على ظهر الفراش .

قالت:

- تعال جنبي الى ان يغلي الماء .

ولكن الشاب لم يتحرك من مكانه . واضافت:

- لعلك تتحسر على نقودك !

- أنا لا أتحسر على نقودي

- ولم لا تتحسّر، لا بد انك لص أو تخالط اللصوص؟

- لست لصاً . أنا ولد

- ارى انك ولد وليس بقرة !

 استلقت على الفراش وسحبته الى جانبها .وأخذت تعبث به

إشمئز الشاب مما يراه وأصابه اليأس والإحباط وقال لنفسه: " لم استبدلت وحدتي بهذه الغرفة البائسة الكئيبة. ما اعظم الفرق بين هذا الحب المصطنع المزعج وبين آهات الحب اللاهب الصادرة من غرفة مضيفي ."

 ومن اجل التخلص من الموقف الحرج الذي وضع نفسه فيه،اخترع الشاب قصة ملفقة عن حياته وشذوذه يزعم فيها أنه كان حبيب رجل ارمني في باكو، وتنظر فيرا اليه كأنه زميل مهنة . وعندما كان الشاب بلاحظ فتور اهتمام فيرا بما يسرده، كان يعدّل مسار القصة لإثارة اهتمامها. ويقول الراوي " لو كنت كاتبا كسولاً، وأقل اهتماما بالمستوى الفني لقصتي لسردت عليها حكاية مبتذلة عن طرد رجل ثري مستبد لابنه من البيت وعن ام مسكينة معذبة، ولكنني لم أرتكب هذا الخطأ ."

ويقول الراوي: " خمس سنوات من عمري – من الخامسة عشر الى العشرين – قضيتها في اختلاق القصص الخيالية .. وحدتي حركت واحدة منها ووقعت على الأرض . ويبدو أن القدر جعلت من مومس تبليسية أول قارئة لي .قضينا الليل وهي تعلمني اسرار مهنتها التي لن تعرفوها، وجربت فنون الحب التي لن تجربوها ابدا ".

 وفي الصباح تقوم (فيرا) بارجاع القطع الذهبية العشر اليه، لأنها لا تعتبره زبونا، وتخاطبه بصيغة (اختي) . ويعتبر الشاب هذه الروبلات العشرة أول مكافأة له عن القصة التي اخترعها وكانت (فيرا) اول قارئة لها .

وفي صباح اليوم التالي يجلسان في مقهى تركي قريب ويحتسيان الشاي (القرمزي) الحار الشبيه بالدم المسفوك توّاً.

ويختم الراوي قصته بالقول: " لقد مرت سنوات عديدة منذ ذلك الحين . وخلال هذه المدة تلقيت مرات عديدة مكافئات من رؤساء التحرير، ومن دورالنشر . لقاء انتصارات كانت هزائم، ولقاء هزائم اصبحت انتصارات، من اجل الحياة، ومن اجل الموت . دفعوا لي مبالغ تافهة، أقل بكثير مما استلمته في شبابي من قارئتي الأولى ولكنني لا أشعر بالغضب وأعرف أنني لن أموت قبل أن انتزع من أيدي الحب مكافأة ذهبية أخرى، وستكون المكافأة الأخيرة."

درس بليغ لكتّاب القصة القصيرة

استخدم بابل في سرد هذه القصة، كما العديد من قصصه القصيرة الأخرى ضمير المتكلم . وقد يظن القاريء انها قصة تستند الى تجربة الكاتب الحياتية، ولكن الحقيقة هي انها قصة خيالية، ولا صلة مباشرة لها بوقائع حياته . وقد سئل بابل عن سبب استخدامه الضمير الاول، فقال ان السرد بهذه الصيغة يعفيه من وصف البطل وكل ما يتعلق به، من اجل تكثيف النص. فالقصة في رأي بابل يجب ان تكون مكثفة ومقتضبة مثل أمر عسكري أو شيك مصرفي .

يقول الراوي في مطلع الصيغة الأولى لهذه القصة:"ان الحب هو الذي جعل منه كاتبا. وهذه مفارقة غريبة، لأن محبوبته كانت بائعة هوى غير جميلة وتكبره بعشر سنوات، وإمرأة غير رومانسية على الإطلاق، بل عملية جدا. وتبدو القصة وكأنها استفزاز للذائقة الأدبية السائدة، وتتعارض تماما مع كل صور بائعات الهوى في الأدب الكلاسيكي الروسي . ومنها قصص " شارع نيفسكي " لغوغول، و " رسائل من تحت الأرض " لدوستويفسكي " والبعث " لتولستوي، و"النوبة" لتشيخوف، وغيرها كثير. في كل هذه القصص ثمة مثقف عاطفي يلتقي ببائعة هوى، ويحاول انقاذها من الحضيض الذي وصلت اليه، حتى انه على استعداد أحياناً للإقتران بها .وهو يرى فيها ليس بائعة هوى بل ضحية . وكل بطل من أبطال هذه القصص يحاول حل المأزق النفسي الذي يواجهه بطريقته الخاصة .

بطل قصة غوغول بيسكاريوف - المرفوض من بائعة هوى، لا تريد تغيير نمط حياتها، يقتله الإدمان على المخدرات . بطل دوستويفسكي يتصور نفسه رجلا شهما، ولكنه في الواقع يهين المومس (ليزا) حين يجعل منها متنفسا لأزمته الروحية . ولكن ليزا تنتمي الى نمط قوي من النساء الروسيات، وهي التي تترك البطل، وترفض أخذ النقود.

اما فيرا في قصة بابل " مكافأتي الأولى " فإنها ليست بحاجة الى انقاذ، وليست متلهفة للقاء عميل جديد " وهي التي تبادر الى سؤال الشاب عن حياته – وفي العادة فأن العميل المثقف هو الذي يهتم ويسأل المومس كيف وصلت الى هذه الحالة. بطل قصة بابل يصاب بخيبة أمل، ويشعر بالتقزز، ولا يحس قط أنه مستعد للقيام بما جاء من اجله. " وردا على استفسارات فيرا يبدأ البطل بإختلاق قصة مثيرة عن حياته، ويضفي عليها تفاصيل مثيرة. وعندما يلاحظ فتور اهتمام (فيرا) بقصته يبدأ بتعديلها. فيرا تقتنع تماما بالقصة وتعتقد بإنها حقيقية . القصة كانت متقنة الى درجة ان الشاب نفسه أخذ يصدّقها وكأنها قصة حياته،ويشعر بالشفقة على نفسه ويعتصر قلبه ألماً . وبذلك ينتزع اعترافها به ككاتب .

في هذه القصة النجاح اللفظي يفضي الى الجنس . وتجري مقايضة متكافئة بين فن الكلمة والجنس. القصة بأسرها – تمجيد لفن الكلمة، وقدرته على التأثير في الحياة . البطل يحول أمرأة مترهلة في الثلاثين من عمرها الى حبيبة عاطفية، ويشحن نفسه بالحماس للجنس . العلاقة بين االعميل والمومس، تأخذ شكل العلاقة بين عاشقين متكافئين .

وليست هذه هي القصة الوحيدة لبابل التي تتم فيها مثل هذه المقايضة . ففي قصته المشهورة "جي دي موباسان" التي كتبت عام 1937، وتعد من أفضل وأجمل قصص بابل، وإحدى روائع الأدب العالمي، نجد البطل يقوم بمساعدة سيدة ارستقراطية في ترجمة قصص موباسان الى اللغة الروسية . كانت السيدة قد ترجمت نصوص موباسان ترجمة أمينة من دون أي أخطاء لغوية، ولكن البطل وجد أن هذه الترجمة ميتة، وليس فيها روح موباسان واسلوبه الأنيق المتميز، فيقوم باعادة صياغة تلك القصص على نحو لا تقل روعة عن الأصل الفرنسي . وتصاب السيدة بالدهشة، وتنبهر بموهبة البطل في الصياغة الأدبية الرفيعة . الإعجاب المتبادل يفضي الى علاقة حميمة بينهما . أي إننا مرة أخرى أمام مقايضة من النوع نفسه: فن الكلمة مقابل الجنس .

قال بابل عام 1915، في بداية حياته الأدبية، في مقال له بعنوان "أوديسا"، أنه يحلم بالكتابة على نحو مختلف عن الكلاسيكيين الروس (غوغول، تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف) . وهذا ما فعله في " مكافأتي الأولى " وفي " جي دي موباسان " حيث قلب راساً على عقب كل ما كتب عن العلاقة بين المثقف والمومس ..البطلة ليست بحاجة الى انقاذ، ولكتها بحاجة الى الغزو الأدبي مثل قارئة ساذجة. وشرب الشاي بدلا من النبيذ وصفة تقليدية لمنقذي المومسات في الأدب الروسي . ولكن الشاي في هذه القصة قرمزي وحار كالدم المسكوب . فيرا على غير العادة لا تأخذ النقود، ليس بسبب التعالي، بل بسبب الحب .

 

جودت هوشيار 

 

 

ali mohamadalyousifتمهيد: عمدت الى تلخيص بعض النقاط الهامة من مضمون هذة الرسالة وتركت التفاصيل ورفعتها في حينها الى مكتب صدام حسين نيسان 1999 اشرح فيها ماجرى معي في سفري الى الاردن عبر نقطة الحدود العراقية /الاردنية في طريبيل تاريخ 6/11/1998 المنفذ الحدودي الوحيد آنذاك لدخول وخروج العراقيين وفق جوازي المرقم ن 123680/3334 الصادرعن مديرية جوازات نينوى في 1/11/1998 ولغاية عودتي للعراق من ليبيا عن طريق سوريا عبرمعبرالوليد الحدودي بين البلدين العراق وسوريا .وسيتم توضيح ذلك في تفاصيل هذة التجربة لاحقا .

ان القاء القبض عليّ بالاردن واضاعة فرصتي بالالتحاق باحدى فصائل المقاومة في الخارج ضد نظام صدام، بحجة اني ممنوع من دخول الاردن، وايداعي السجن لمدة تزيدعلى عشرين يوما، جرى بعدها تسفيري بعد ان رفضت العودة الى العراق مخفورا الى مصرعبر ميناء العقبة ومن هناك جرى تسفيري الى ليبيا .

وكان ما وقع لي فخّا منصوبا اشتركت بتنفيذه المخابرات العراقية آنذاك في قطع الطريق امامي عام 1998 من الحصول على لجوء سياسي في المملكة المتحدة او السويد عبرسفارتيهما في عمان كما سيتضح من التفاصيل ادناه .

بعد ابعادي من الاردن الى مصر ثم ليبيا وبعد ان امضيت في ليبيا اكثر من خمسة اشهرمحصورا لا تسمح لي السلطات الاردنية العبورعبر اراضيها للعراق المنفذ الوحيد آنذاك .عدت الى العراق نيسان 1999 عبرمعبرالوليد مع سوريا. وبدأت اجهزة الامن الصدامية يراقبون بيتي وفي كل مكان اذهب اليه طيلة اكثرمن ثلاثة اشهر .وارسلوا لي تهديدا بالقتل في نصف مظروف رسمي (قد اعذرمن انذر).

كما اود الاشارة الى ان التفاصيل التي سأدرجها لواقع وحقيقة ماجرى معي في الاردن كنت ارسلت نسخة منها من ليبيا في حينها بيد شخص عراقي من اهل الانبار استاذ جامعة مؤتمن اوصلها لشقيقي المرحوم (نكتل محمد اليوسف) القيادي في حزب البعث الذي قام بدوره بتسليمها الى وكيل وزارة الخارجية العراقية آنذاك نبيل نجم . وتم سحبها اواتلافها من قبل المخابرات العراقية .وكذالك قاموا بسحب وأتلاف اضبارتي الشخصية في وزارة الخارجية .اذ كان سبق وعملت في السلك الدبلوماسي بعد اجتيازي اختبار معهد الخدمة الخارجية التابع لوزارة الخارجية العراقيةعام 1984 وتم ايفادي بعد سنتين بوظيفة سكرتير ثالث في السفارة العراقية في لندن بتاريخ 4/11/.1986. والنسخة الثانية سلمتها بيد القنصل العراقي بالسفارة العراقية في طرابلس - ليبيا وكان سفيرالعراق حينها (مولود ذيبان) المطرود من نواكشوط بعد الاشتباه به انه يقوم باعمال تمس امن وسيادة دولة موريتانيا . وايضا تم سحبها واتلافها من قبل المخابرات او ربما تم ارسالها الى بغداد دونما ادنى اهتمام. وكل هذة الجهود لم تسعفني في المساعدة وتثبيت حقي كمواطن عراقي تم توقيفي في الاردن لعشرين يوما بمهزلة قل نظيرها.

وحوصرت في ليبيا خمسة اشهرلا استطيع العودة الى العراق. ولاوجدت دولة تستقبلني كلاجئ اذ كان طالبي اللجوء ذلك الوقت بمئات الالوف من العراقيين في مختلف سفارات العالم ويبقى كل شخص هووعلاقاته وامتلاكه المال والتزام بعض الجهات تسهيل مهمته . وبلغ عدد الهاربين من العوائل العراقية والافراد باكثر من اربعة ملايين عراقي في الفترة التي اعقبت اخراج العراق من الكويت في عام 1991 .

تفاصيل توقيفي في سجون الاردن

في شهر تشرين ثان عام 1998 بعد ان بعت اثاث بيتي ما عدا لوازم المطبخ والمنام. ودفعت مبلغ (400000) اربعمائة الف دينار رسوم مغادرة العراق في عهد صدام. قصدت الاردن عصر يوم 4/11/1998 لاول مرة وآخرها في حياتي مغادرا مسقط رأسي الموصل. وصلت طريبيل صباح يوم 6/11/1998 ومن ثم عبرت الى نقطة الحدود الاردنية (الرويشد) كنت راكبا سيارة تاكسي (أجرة) ترافقني لوحدها في المقعد الخلفي امرأة مسيحية مريضة، كانت ذاهبة حسب ادعائها الى عمّان لتوديع ابنتها التي ستغادر الى ايطاليا. والسائق كان مسيحيا ايضاً ولاغيرنا في السيارة. كان معي (6) ستةُ اوراق دولار امريكي فئة (100$) .

عبرنا منفذ طريبيل العراقي اعتيادي دون تأخيركبير. في مكتب جوازات نقطة الحدود الاردنية سلمني السائق جوازه وجواز المرأة العجوز مع جوازي لتسليمها بيد مفوض الشرطة المسؤول عن اتمام ختم الجوازات ريثما يقوم السائق بانهاء تفتيش حقائبنا وسيارته. في مكتب جوازات الرويشد الاردنية جلست على مقعد خشبي مع المنتظرين.... بعد مدة انتظار اكثر من ساعة كانت الجوازات المختومة تخرج تباعاً.... خرج جواز السائق وجواز المرأة ولم استلم جوازي وكلما قمت بأتجاه شباك الكاونتر اسأل عن سبب تأخر ختم جوازي من هذا المفوض الاردني (الشريف جداً !!) يزجرني بغضب قائلا ارجع مكانك. استغربت الامر وراودتني الهواجس...اراد السائق المسيحي مع المرأة الذهاب لوحدهما وتركي في الحدود.. طلبت منه الصبر عليَّ.... بعد اكثر من ساعة صاح اسمي هذا المفوض الاردني وقادني الى ممر وادخلني غرفة يجلس فيها ثلاثة ضباط شرطة بزي عسكري رائد ونقيب وملازم أول امامهم جهاز (كومبيوتر) اخذ الرائد يقلب الجواز وينظر اليَّ ويضرب على لوحة الكومبيوتر.سألني عن اسمي الثلاثي واللقب، ماذا تشتغل في العراق؟ اجبته موظف متقاعد... واخذ يسألني اسئلة سخيفة ويتبادلون النظرات والابتسامات بينهم اكثر من نصف ساعة، تساءلت مع نفسي هل انا شخص مهم الى هذا الحد وانا لا اعلم بنفسي، اذا كان ختم جوازي لدخول عاصمة الشؤم عمان يستلزم معي كل هذا التحقيق ثلاثة ضباط مع كومبيوتر!! اخيراً بادرني الرائد والجواز بيده ماذا اتى بك الى الاردن!؟ قلت لماذا؟ قال الا تعرف انك ممنوع من دخول الاردن ثانية!! بعد ان تم ابعادك عن الاردن في آذار 1998... انعقد لساني من المفاجئة التي لم اكن اتوقعها.. اجبته استاذ، اخي انت (مشتبه) عليك (الاسم)، ويشهد الله اني لم أطأ بحياتي الاردن غير هذه المرة منذ خلقت . وثق اني صادق في كلامي.. وتوالت الاسئلة عليَّ وانا اقول لهم ثقوا انا لست الشخص المعني ويجوز تطابق بالاسم الثلاثي مع شخص آخر... وليس من المعقول اني مبعد من الاردن في اذار1998لاعود ادخل الاردن ثانية تشرين ثان 1998. ثم انا رجل متقاعد ولي مخطوطات كتب.

اجابني المحقق استبدلت جوازك القديم بهذا الجديد.....!! سألته استاذ افترض انا الشخص المعني هل استطيع اعرف ماذا فعلت واي اساءة او عمل قمت به للاردن وطردتموني من اجلها كما تقول ... يضحك ولا يرد على سؤالي . اذكر من جملة الاسئلة التي ازهقوني بها ... هو اين كنت في اذار 1998؟ اجبته كنت متقاعدا لا يكفيني راتبي التقاعدي انا وعائلتي لذا كنت اعمل بالموصل لدى تاجر يبيع اطارات السيارات في موصل الجديدة... اجابني بغضب هذا لا يكفي وانت الشخص المعني لاغيرك ... حاولت معه دون جدوى قائلا له : استاذ الا يوجد لديكم صورة للشخص الذي تدعون انا هو !؟ . الا يوجد عندكم مواليد الشخص ومسقط رأسه ومدينته، واضفت طابقوا اسم الام مع أسم ام الشخص الذي تتهمني انا هو!؟ سألني : لماذا تريد دخول الاردن؟ قلت عندي مخطوطتي كتابين احاول طبعهما في عمان وانا في طريقي الى ليبيا قاصدا أبن أخي مهندس يعمل في مجال النفط مقيم هناك في مدينة الزاوية !؟.لعّلي اجد عملا هناك.

رددت مع نفسي لاحول ولا قوة الا بالله ... هممت يشهد الله ان اخبره اني اريد دخول الاردن لاعمل انقلاب عسكري على الملك حسين المصاب بالسرطان، وهو ينازع الموت في مستشفى بامريكا ... قلت اعوذ بالله حتى تكون هذه كارثة ثمنها افقد حياتي، يدخلونني السجن واخيس فيه بتهمة ملفقة واموت ولا احد يعرف عني شيئا ... وزوجتي وبناتي يتوهمون أني وصلت بريطانيا او السويد !!.

قلت له استاذ انا بعمر والدك اعطني الجواز او اختمه ارجوك !! سألني اين تنزل في عمان او غير العاصمة ... اجبته بفندق !! قال ما اسم الفندق !؟ قلت والله لا اعرف اسم فندق واحد بالاردن كلها : ختم لي الجواز لمدة اسبوعين فقط اقامة، يتوجب علي مراجعة اقرب دائرة امن عند انتهاء المدة ... اوصلني السائق فندق (الدار البيضاء) مبيت الليلة غرفة سريرين سعرها سبعة دنانير اردني ولما وجدني صاحب الفندق والعاملين فيه حسن السيرة والسمعة والسلوك لمدة (10 ايام) قال لي سأحسب لك الليلة بخمسة دنانير اسوة بالنزلاء الطيبين من الاساتذة العراقيين شكرت الرجل على معروفه . كان رجال الامن الاردني يتناوبون على مراقبة اخطر رجل بالعالم ينزل في فندق الدار البيضاء في عمان.

صادف وجودي في عمان فترة الاحتفالات بعيد ميلاد الملك الحسين بن طلال، وقرب موعد عودته من امريكا بعد شفائه – بالحقيقة كان رجوعه لترتيب البيت الملكي الاردني وليودع ويصلي ركعتين على ارض المطار ويعزل اخيه الحسن من ولاية العهد ويوصي لابنه حسين الثاني ملكا على الاردن من بعده ولم يكن قد شفي من مرضه بعد وتوفي في امريكا بعد اسابيع من تلك الزيارة _ .

استمرت احتفالات التحضير لعودة الملك الحسين بن طلال معافى من مرضه اسبوعا واكثر من الاحتفالات المتقطعة والدبكات واعلام الزينة يقود الحملة اخوه الامير حسن قبل عزله . وهذا اضاع عليّ العديد من الايام بالعطل الرسمية ....أخذت في البداية مخطوطتا كتابين لي لقتل الوقت متنقلا عارضا اياهما على بعض دور نشر ولم اجد من يستقبل واحدا منهما او كليهما . بأستثناء ناشر واحد امين نصحني بتركهما بعد تصفحهما عنده، ليجد لي في امر طبعهما شيئا، حتى بدون وصل استلام !! شكرته على جميله النادر وصرفت النظر عن طبع الكتب .

بعد انتهاء الاحتفالات بعودة الملك ارتديت قاطا جيدا من بقايا ايام السعادة في عملي بالسفارة العراقية في لندن، منذ عام 1986 ولغاية 31 تموز 1990 . مع ربطة عنق تنسجم مع القاط واخذت التاكسي الى السفارة البريطانية في عمان، دخلت عمارة فيها القنصلية نظيفة مرتبة، اثاثها جديد على الطريقة الانكليزية الكلاسيكية . جاء دوري امام كاونتر يتوزعه ثلاثة موظفين كل واحد على شباك منعزل عن الاخر، اثنان اردنيان يتكلمان العربية والانكليزية بطلاقة، والثالث أمرأة انكليزية في الاربعين اشارت لي وقلت لها عندي قضية خاصة بالانكليزية.... اجابتني جميع هؤلاء قضاياهم خاصة، قلت اعرف ذلك لكن ارجوك دعيني اكلّم من له شأن البت في طلبي . قالت ادخل واشارت لي بيدها فدخلت قاعة طويلة يتوسطها مقاعد عديدة فقطعت رقم تسلسل وجلست مع مراجعين حاضرين ... بعد ساعة او اكثر جاء دوري قابلني شاب في الثلاثين من عمره وسألني ماذا تريد؟ اجبته اريد لجوءا سياسيا. وأخرجت له جوازا سفر احدهما دبلوماسي صادر عن السفارة العراقية مختوم بتأشيرة (reantery visa) مع جوازي العادي الجديد الصادر عن مديرية جوازات نينوى رقم ن – 123680 – 3334 بتاريخ 1-11- 1998 .

سألني الشاب الانكليزيlee عدة اسئلة ثم غاب عني قائلا اجلس انتظر، بعد ساعة ونصف تقريبا عاد وبيده الجوازين الاثنين، سلمني اياهما قائلا لي راجعني بعد اربعة ايام لا قبلها . اجبته شكرا وخرجت ....

في اليوم الثاني اعدت نفس العملية مع السفارة السويدية في عمان، كان يوم الاثنين من الاسبوع قطعت كوبون واخذت (سره) بالرقم ..جاء دوري تقدمت الى غرفة خشبية يجلسن بها ثلاث فتيات، من بينهن المسؤولة ويبدو من خلال تعاملها مع المراجعين انها المتنفذة .. تكلمت معها بجمل انكليزية بعد تسليمي لها الجوازين الدبلوماسي والعادي .. فأشارت لي الى غرفة جانبية دخلت هي من باب داخلي وانا دخلت لها من باب خارجي يفصل بيني وبينها حاجز خشبي يتوسطه شباك اعطيتها ورقة مكتوب عليها رؤوس اقلام تعريف بي .. قرأتها مبتسمة ثم قالت لي تكلم بالعربية قلت لها حبذا لو ساعدتيني في الحصول على لجوء بالسويد اعادت تصفح جوازي الدوبلوماسي والآخرالعادي والورقة، رأيت علامات الارتياح على وجهها بما افرحني .. وقالت فهمت كل شيىء خذ جوازاك والورقة، واضافت ان قنصل السفارة غير موجود اليوم وغدا الثلاثاء عطلة السفارة السويدية . راجعني يوم الاربعاء بعد غد واعتبر طلبك اللجوء للسويد فيه من الامل والنجاح، وساقوم بدوري انا باقناع القنصل في تسهيل امرك ... لكن اريدك الان ان تذهب الى مقر شؤون اللاجئين في بناية الامم المتحدة القريبة من السفارة (united nation) ومهما يقولون لك فهذا لايهم لكني احتاج توثيق مراجعتك لهم وسيعطونك موعدا تحريريا مكتوبا اجلبه مع الجوازات والورقة وموعدنا الاربعاء .

خرجت غير مصدق نفسي من الفرح، راجعت شؤون اللاجئين في الامم المتحدة وحصلت على الكتاب موعده مراجعة بعد سنة، كما ارادت وعدت الى الفندق .... هل صحيح يسرّها الله هذه المرّة معي انا الذي اذا قصدت النهر ينشف ماؤه بوجهي .

استيقظت صباح يوم الثلاثاء ولا اعرف ما يخبؤه القدر لي. لم يكن لدي ما افعله وانتهاء الاسبوعين اقامة التي منحوني اياها بالحدود باق على انتهائها ثلاثة ايام.

فقلت لصاحب الفندق لا يوجد ما اشغل نفسي به أريد أن تعطني ورقة تأييد اني احد نزلاء الفندق لاذهب امدد اقامتي، اعطاني الرجل الورقة موقعة من قبله وقال لي خد السرفيس باصات صغيرة للنقل أرخص عليك من التاكسي واطلب منه ان ينزلك امام مركز شرطة النصر .... انتظرت اكثر من ساعة ونصف بدأت المراجعات والدوام، اعطيت جوازي الجديد لضابط شرطة يتوسط منضدة وكرسي داخل غرفته برتبة نقيب شرطة، قلب الجواز، نظر ختم دخولي عبر الحدود الاردنية ختم الجواز تمديد ثلاثة اشهر – صورة التمديد في نهاية الرسالة مع المرفقات المصورة لجوازي احتفظ بهما عندي – نادى النقيب على احدهم قائلا خذ هذه ا لجوازات جوازي مع جوازين لعراقيين اخرين وادخلهم (كمبيوتر) تدقيق ويوقعهم المقدم ويعيد تسليمهم واعادتهم ... بعد اكثر من ربع ساعة تقريبا رجع الشرطي ومعه جوازين موقعين فقط ... و يقول الرائد ارسل لي صاحب الجواز (علي محمد يوسف) اصطحبني الشرطي الى غرفة ثانية يجلس بها ايضا مقدم شرطة مع ضابطين اخرين واقفين !! توجه اكبرهم رتبة سائلا انت علي؟ قلت نعم ... اضاف كيف دخلت الاردن؟ قلت عن طريق طريبيل – الرويشد، وادخلني في سين جيم لا يرحم .

وانا احاول اقناعه ان هذه المرة الاولى في حياتي ادخل فيها الاردن . لم يكن فقط لا يسمعون لكلامي وانما بدأ المزاح والتهكم بي، لم ادخر طريقة او حجة لاقناعهم ان قضيتي تشابه بالاسماء وربما يكون احدهم في سوق (مريدي) ببغداد انتحل اسمي لغاية ما وربما جهة اخرى ... لم يكن لكلامي اي صدى او فائدة . شطب المقدم على التمديد السهو بعلامة اكس وكتب كلمة ملغي من اربع جهات الختم (كل شيء اذكره موثق عندي بالجواز محتفظا به).

. قلت بعد ان ايقنت ان فرصتي باللجوء قد ضاعت: استاذ ارجوك اعيدوني الى الحدود واقذفوني هناك في منفذ طريبيل لاعود الى بلدي . اخذ يقهقه ويضحك مع من معه قائلا نحن سنوصلك الحدود بطريقتنا الخاصة !! شارف وقت الدوام على الانتهاء . ارسلوا بطلب عريف شرطة بدوي جلف (ثور معبأ ببنطلون) عريف اردني بدين من قوم لوط اخذ ينظر اليّ وكانما لم ير في حياته عراقيا ببدلة ورباط . واحتفظ المقدم بجوازي مع محضر تحقيق كتبوه كما يريدون ومن دون ان اضع توقيعي عليه . قال الضابط سليل الشرف خذه للتوقيف (النظارة) قلت له اسألك بالله ودينك وشرفك هل فعلت شيئا يستوجب توقيفي؟ هل تأكدتم اني الشخص المعني المطلوب؟ لم يرد عليّ وقادني العريف الشريف السجّان حاملا بيدي حقيبتي سامسونيت نحو ممرين في نهايتهما غرفتين واحدة لهذا العريف والاخرى بجانبها للتوقيف داخلها مرافق بلا ماء . كل ممر مقطوع بحاجز حديدي مشبّك يفتح بمفتاح خاص به. ادخلني غرفته كرسي ومنضدة فقط قال لي ضع حقيبتك هنا، انزع الرباط وحزام البنطلون، اخرج كل ما في جيوبك ... كان معي اربعة اوراق فئة مئة دولار موضوعة في بطانة جيب الجاكيت سحبت السحاب عليها فهي كل ما املك . فتح لي العريف باب غرفة مظلمة معتمة من حديد ودفعني قائلا ادخل واغلق الباب بالمفتاح واغلق باب غرفته وخرج . بعد اربع خطوات قطعتها بالغرفة في ظلام دامس تعثرت وتكومت فوق شخص نائم على الارض لم اره . استيقظ متذمرا بوجهي فاعتذرت منه . كان شابا في الثلاثين من عمره تقريبا لايوحي بالثقة او الاطمئنان، بعد أن جلست على الارض وجدت صبيا اخر ممددا على بطانية، كانت رائحة المراحيض المزعجة تضرب في الرأس .

بعد مرور ساعتين وانا واضع رأسي بين كفيّ مرددا مع نفسي اي ذنب جنيت لاجد نفسي في غرفة رائحة المراحيض تجعلك تفقد اعصابك . وضعت حذائي تحت رأسي وتمددت على الارض بملابسي ولم انم من الليل ولا دقيقة .

في الصباح عرفت احدهما الاكبر من مدينة الزرقاء (شقاوة) طعن اخر بسكين .. والاخر عمره لا يتجاوز (16) عاما ممسكا بيده القرآن الكريم يقرأ به طول الوقت لعل الله يفرّج عنه كربته ويخرج من التوقيف قبل أن يقع المحذور من قبل الآخر المجرم النائم معه ويعتدي عليه جنسيا اذ كان يراوده عن ذلك . وبقيت ثلاثة ايام في هذا التوقيف واستعنت في جلب الطعام لنا باولياء امور هذين الموقوفين معي وعلى حسابي لثلاثتنا . في اليوم الرابع بعد نهاية الدوام الرسمي استلمني ثلاثة من الشرطة ووضعوا القيد (الكلبجة) بيدي وقال احدهم خذ حقيبتك وتركت نظاراتي الطبية وادويتي التي استعملها مع الرباط والحزام ومضيت معهما وضعاني في المقعد الخلفي لسيارة لاندكروز صغيرة وجلس احدهم عن يميني والاخر عن شمالي واحدهم يحمل جوازي العادي – فاتني اذكر اني مزقت جواز سفري الدبلوماسي تحسبا من اتهامي اني اعمل في جهاز مخابرات صدام حسين وتتعقد اموري اكثر هكذا فسّرت الامر في لحظة يأس .- مع اوراق تحقيقية ومشت السيارة بي باتجاه ما يسمونه سجن العاصمة يقع في اطراف عمان وهو دائرة حكومية كبيرة للشرطة والامن – هذا السجن الذي تنعدم فيه ابسط حقوق الانسان السجن كاف لوحده لأدانة حكومة الاردن بجرائم خرق حقوق الانسان ويجرّم دوليا.-

اذكر طلبت من احد الشرطيين الجالسين الى جانبي من اليمين واليسار ان يشتروا لي شيئا من مصروفي الخاص اشربه اوآكله فانا منذ مساء البارحة لم اشرب او آكل شيئا ... اجابني نصف ساعة ونصل مديرية شرطة العاصمة وهناك يطلقون سراحك !! فلا حاجة لك من شراء شيئا . سلمّاني الشرطة الثلاثة الى سجن العاصمة وعادا بالسيارة، اخذوا مني الحقيبة في باب السجن ووضعوها مع حقائب موقوفين اخرين وفتحوا بابا حديديا وادخلوني قاعة كبيرة تتوزعها غرف صغيرة، غرفة للموقوفين العراقيين، ثانية للمصريين، ثالثة للسود من جنسيات افريقية وهكذا .... دخلت غرفة الموقوفين العراقيين .... لم اجد مكانا للجلوس فجلست في باب الغرفة بجوار شخص من اهل البصرة في مثل عمري اشيب لم أساله طيلة اكثر من اسبوع عن سبب توقيفه، بعدها كان يراوغني بالاجابة الحقيقية، ولديه جماعة خارج السجن يزوره احدهم احيانا، بدا لي فقير واصبحنا متعارفين، كنت الوحيد من اهل الموصل بينهم، والباقون من العاصمة بغداد ومحافظات الجنوب،

المحظوظ فيهم من يمتلك منشفة، لكل واحد فيهم مأساة معيشة وليس قضية سياسية من اي نوع، احدهم ألقوا القبض عليه يبيع سكاير، والآخركان يبيع (قماصل) جلدية بيديه على التصريف، واخر لم يراجع تمديد الاقامة الى اخر ذلك من السخافات، في ذلك الوقت كان وزير الداخلية من ارذل خلق الناس في كرهه للعراقيين والويل لمن يفتح فمه وهو تحت رحمة الشرطة يشبع ضرب بالايدي والارجل من الرأس حتى القدمين ويتركوه، بجانب هذا الموقف، يوجد سجن توقيف النساء، دعارة باسم النظام الاردني في انتهاك شرف واغتصاب اي واحدة تدخل ساعة واحدة هناك !! مساء احد الايام دخل الغرفة رجل من ابناء الاربعين بهندام نظيف سلم وجلس بيننا وتحلقّ الاخرون حوله .. كان يحمل بيده حقيبة صغيرة تحوي، اوراقا ونقودا، عرّف نفسه عراقي من اهل السماوة متجنس بالجنسية الامريكية، اخذ البعض يضحك منه امريكي ويوقفوك في هذه المراحيض !! اجابهم بكل برود ساقضي ساعتين معكم واودعكم فالسفارة الامريكية اصبح عندها علم بتوقيفي وسيخابرون على اطلاق سراحي فورا، سألوه عن سبب توقيفه قال لديّ صبية من اقاربي اردت ضمهّا معنا في الولايات المتحدة الامريكية ودفعت مبلغا من المال رشاوى لجماعة عراقيين ارسلوها باوراق مزورة على انها ابنتي وانكشفت الحقيقة، حقيقة تزوير الاوراق فالبنت قريبته حقا وهي في (عمان) جاء يستلمها وغدا يطيران الى الولايات المتحدة الامريكية . بعدها اخذ يوزع نقودا اردنية (وافراطات) من الدولارات الامريكية على الذين تحلقوا حوله .. سجّل اسماء محتاجين لمساعدتهم على عناوين زودوه بها .. قال لي ألا تحتاج مساعدة قلت فقط – اعلم – تلفونيا صاحب الفندق اني موقوف بسجن امانة العاصمة لعله يستطيع اطلاق سراحي بكفالة او اي طريقة وفعلا جاءني الى السجن صاحب الفندق الدار البيضاء في اليوم الثاني ولم يستطع فعل شيئ من اجلي .. غادر بعد اعتذاره من الشرطة الاردنية .. في اعقاب مكالمة تلفونية من السفارة الامريكية قبل المساء تم اطلاق سراح العراقي الامريكي فورا والاعتذار منه !! كان جميع نزلاء السجن من الموقوفين غالبيتهم عراقيين ثم مصريين ومن جنسيات افريقية اخرى بلا بطانية نوم واحدة وبلا اكل او شراب . المحظوظ بيننا من لديه معارف زودوه ببطانية يشاركه النوم عليها ثلاثة او اربعة بدلا من الارض، كما هو الحال معي حيث تعودت اتوسد الحذاء واتمدد على الارض بملابسي الجاكيت والبنطلون لاكثر من عشرة ايام كاملة ليلا ونهارا . بعد السابعة صباحا يأتي شخصان احدهما يحمل (قوري) قهوة مع خبز والاخر يحمل قوري شاي مع خبز، كوب شاي او قهوة مع رغيف خبز(معفن) نصف دينار اردني، وتعاد العملية ذاتها مساءا.

في تمام الساعة التاسعة صباح كل يوم يقرأون اسماءنا، ويضعونا في صفوف كل أثنين مقيدين سوية بكلبجة واحدة، والسباب والشتائم والركل بالارجل من قبل الشرطة لمن يتفوه بكلمة واحدة وهو واقف في الصف منتظرا الصعود الى سيارات خاصة بالمساجين، تذرع بنا الشوارع ويأخذوننا الى مقر الاقامة والاجانب في العاصمة، هناك يقرأون اسماء المحظوظين منا فقط الذين تكمل اوراق تسفيره الى الجنة الموعودة (سجن جويدة) .... في هذه الدائرة (مقر الاقامة) يدخلونا اكثر من مائتي موقوف داخل قاعة لا تتسع لوقوف اربعين شخصا .. كنت اتعب من الوقوف لساعات، لذا أعتدت يوميا الجلوس القرفصاء على الارض بجانب شخص موقوف من اهل البصرة، كان يعرف شابا يقدم خدمات للموقوفين لقاء نصف دينار اردني . كنت اكتب له او بالاحرى يجلب لنا قلم رصاص وورقة علبة سجائر لنكتب عليها احتياجاتنا من الالبان والاجبان المعلبة والخبز، هذا فقط الذين يمتلكون نقودا من الموقوفين الذين كانوا غاليبتهم مفلسين . بعد الثانية ظهرا ينتهي وقت دوام دائرة الاقامة فينقلولنا بالسيارات الخاصة مقيدي الايدي الى غرفنا في سجن العاصمة، لنجد طفح المرافق من القاذورات وصلت الى بعد متر واحد من غرفة نومنا !! ويعاد نفس الشيء معنا في اليوم الثاني في نقلنا الى سجن الاقامة واعادتنا بعد الظهر الى سجن العاصمة .

كان يزداد عدد الموقوفين يوميا ولا ينقص منا بالترحيل الى سجن جويدة خمسة كل يوم .... قلت لصديقي الموقوف معي اذا بقينا على هذا الحال فان دورنا بالتسفير لن يأتي بعد اكثر من شهر اجابني بالتاكيد . اصبت بمرض التهاب الكبد الفايروسي من التلوث بالقاذورات وقلة مياه التغسيل والشرب ولم اعد اشتهي شيئا ولا اقوى الوقوف على قدمي من الوهن والضعف، ولا يراني او يسمعني احد من الشرطة الذين نادرا ما كنا نراهم .

احد الايام في دائرة مقر الاقامة جالس مع صديقي البصراوي ورآني مريضا مصفّرا، قلت له اعطيك دينارا اردنيا واحدا في مقابل ان تسدي لي خدمة، اذهب واجلب لي ورقة وقلما ... اجابني حاضر، بعد اكثر من ربع ساعة كان القلم والورقة بيدي وكتبت : (السيد اللواء مدير الاقامة في عمان، اني الموقوف العراقي علي محمد اليوسف مريض جدا ومصاب بعجز في القلب، احملكم كامل المسؤولية في حالة وفاتي، ما لم تعجّلوا بنقلي الى مستشفى او ترحيلي لبلدي ووقعت الورقة).

اعطيت الورقة بيد الشاب صاحب تقديم الخدمات للموقوفين وقلت له سلم هذه الورقة من وراء النافذة الصغيرة على ممر حراستنا بيد احد اراذل الشرطة الاردنية وقل له اوصلها للضابط فيها امر هام ومستعجل، بعد مدة قصيرة عاد الي قائلا : اعطني الدينار اوصلت رسالتك . بعد اكثر من ساعة نادوا على اسمي فدفعت المتجمهرين الموقوفين من طريقي ووصلت باب الخروج من الموقف، سألني اوغاد الضباط الاردنيين وهو يقلب بيده اضبارة الاتهام ما اسمك؟ اشهد الله لا اعرف لحد هذه اللحظة لماذا القوا القبض عليّ، وماذا فعلت لاحفاد لوط في المملكة الاردنية الهاشمية !؟

حين عدت مع الموقوفين الى سجن العاصمة بعد ان امضيت اسبوعا كاملا فيه كانت توازي سبعة اشهر اشغال شاقه، انهالت علي التهاني وقالوا لي غدا ياخذوك الى مركز شرطة النصر المسؤول عن منطقة سكني في فندق الدار البيضاء وسط عمان

السجن الذي تم اعتقالي به وانا اجدد اقامتي، في اليوم التالي تم نقلي فعلا .

من مركز شرطة النصر اقتادوني بسيارة لندروفر صغيرة، يجلس في الامام مفوض شرطة يحمل اوراقي وانا جالس بالمقعد الخلفي مقيد اليدين والى جانبيّ يجلس شرطييان، متوجهين الى الفندق لأحزم حقائبي وحاجياتي، فتح صاحب الفندق باب غرفتي ودخل معي اثنان من اوغاد الشرطة، وضعت ملابسي وكتبي في حقيبة كبيرة، رجوتهما ان اخذ دوش (شاور) داخل الغرفة بعد مضي اسبوع علي نائما على الارض متوسدا الحذاء في البنطلون والجاكيت ... رفضا طلبي . اعادوني اجرّ حقيبتي معي مرة ثانية لسجن العاصمة لأبيت ليلتي الاخيرة في هذا السجن الذي اعجز عن وصف لاانسانيته ووضعه الصحي المزري .

بعد التاسعة صباحا اصعدوني مع حقيبتي مع ثلاثة عراقيين موقوفين وبعض المصريين مقيدين كل اثنين معا، الى سيارة خاصة بنقل المساجين . بعد حوالي ساعة او اكثر وصلنا سجن (جويدة) انزلونا وفكوا وثاقنا، صادفنا ضابط برتبة ملازم ثان ابن حلال، سألنا انتم عراقيين؟ قلنا نعم .. قال احملوا حقائبكم واتبعوني، وصلنا بناية صغيرة منعزلة، قال لنا ضعوا حقائبكم هنا واقفلوها جيدا، اقفل الباب خلفنا وسرنا نتبعه، خاطبنا هل تريدون السجن مع السجناء بينهم محكومين بجرائم وتهم شتى، وهناك يعاملونكم معاملة المحكومين بأرتداء ملابس السجن ويحلقون رؤوسكم، ام تختارون تلك الغرفة صحيح قذرة لكنها افضل من السجن و فيها مطارح اسفنج للنوم وفي داخلها مرافق ومغسل ... لم نعرف كيف نشكره، هذا مفتاحها نظفوها واغسلوها ... اخرجنا مطارح النوم الاسفنجية القذرة جدا وضعناها بالشمس، فبدأ القمل والبراغيث تدب على الارض مثل النمل . وجدنا الغرفة اربعة في اربعة جنّة .... يذهب واحد منا يجلب لنا طعام الظهر من مطعم السجن، اما وجبتي الفطور الصباحية ووجبة المساء فكان بعضنا يعطي نقودا يجمعها من الذين يرغبون شراء خبز وصمون وسكائر ومعلبات يجلبها لنا شرطي في مقابل البخشيش ... امام غرفتنا على بعد امتار كان يتردد على دائرة صغيرة ضابط شرطة برتبة عقيد، كان بعضنا يناديه سيدي ..سيدي، احيانا يقف يكلمنا من الشباك، نتوسل اليه ترحيلنا الى ميناء العقبة .... كان يعدنا بعد يومين ويكذب، والموقوفين من المصريين كانوا يتوافدون الى الغرفة، اصبح عددنا (18) سجينا، وبعد اسبوع اصبحنا (24) موقوفا ننام جميعا في غرفة (16) متر مربع كما ذكرت، ولا احد يحرك ساكنا حول ضرورة ترحيلنا الى ميناء العقبة . كنا عراقيين ومصريين وبيننا موقوف مسييحي سوري واحد فقط . كان بعضنا يقضي الليل نائما ممسكا بشباك الغرفة الوحيد، او جالسا على الارض ورأسه بين رجليه، رأس الواحد منا في بطن الاخر، واذرع وارجل البعض الاخر على اجساد الاخرين كيف ما اتفق . امضيت في هذه الغرفة في سجن جويدة عشرة ايام او يزيد ما عدا الايام التي امضيتها في سجن العاصمة ومركز شرطة النصر.

اذكر هذه الحادثة فقط للتدليل على خسة ونذالة الاردنيين شعبا وسلطة وحكومة، احدى المرّات جمعنا نقودا اعطيناها مع قائمة احتياجاتنا لاحد الشرطة كالعادة، جلب لنا ما اردنا واعاد الباقي من النقود ناقصا بعد ان حسم منها البخشيش له، على اثر تبادل الاتهامات بالسرقة، تشاجر احد العراقيين مع مصري يتهم كل منهما الاخر بالسرقة ... قمت نحو المصري رجل ضعيف البنية رث الملابس اعطيته النقود التي ارادها وصالحته مع العراقي وسكن الجميع . احد الشرطة كان مارا من امام الغرفة وسمع الصياح، واذا به بعد ربع ساعة يدخل اثنان من الشرطة كالثيران الهائجة، وبأيديهما احزمة عريضة يرتديها العسكريين والشرطة، سأل احدهما من كان يتعارك؟ اجابوه لا يوجد مشكلة سيدي تصالحا وانتهى كل شيىء... قال اريد اعرفهما فقط، وقف الاثنان العراقي والمصري واستلم كل واحد من الشرطة احدهما واوسعوهما ضربا وركلا حتى سقطا ارضا ووجهيهما ملطخين بالدماء ولا يقويان على الوقوف من شدة الضرب والركل بالاحزمة والارجل، واغمي على المصري الرجل الضعيف !! كان اي منا يتدخل لتخليصهما يكون مصيره مثلهما بل واكثر في تلفيق تهمة تمرد وشغب ويبقى في السجن اشهرا لا احد يسأل عنه .

بعد ان اصبح عددنا في الغرفة كبيرا لا يمكن ولا حتى لحيوان ان يحتمله، توسلنا ان يرحمونا بضرورة تسفير عدد منا .. بدءوا بعدها اجراء تحقيق ومقابلة مع العراقيين فقط كلا على انفراد، وبعد ان يشبعوه اهانات وشتائم وسخرية، يسألوه اين تريد (قذفك)على الحدود في طريبيل ام تريد السفر الى ليبيا؟ الذي لا يحمل ورقة مئة دولار امريكي ثمن تذكرة من العقبة الى مصر ثم الى بنغازي في ليبيا، كان مضطرا القبول بقذفه على الحدود العراقية لتستلمه دوائر الامن والمخابرات العراقية ويسّفر الى بغداد للتحقيق معه، دفعت ثمن البطاقة مئة دولار للسفر الى ليبيا. بعد يومين في حدود العاشرة صباحا نادوا اسماءنا، كنا اربعة عراقيين والباقين جميعهم من المصريين الذين يريدون العودة الى مصر عن طريق العقبة. اوقفونا كل اثنين في قيد واحد (كلبجة)، ثم اصعدونا في سيارة خاصة بنقل المسجونين يرافقنا اربعة افراد شرطة بينهم برتبة ملازم اول ضابط شرطة. بعد مسيرة اربع ساعات بسيارة المسجونين وصلنا ميناء العقبة الاردني، هناك عزلونا نحن العراقيين الاربعة عن باقي المصريين عددهم (22) رجلا عندها اصّر المصريون عدم توقيفهم في العقبة وتسفيرهم فورا الى مصر، وحدثت مشادة كلامية بين المصريين والشرطة . وذلك بنقلهم على ظهر (العبارة) من العقبة الاردني الى ميناء (ينيبع) عبر البحر الاحمر يبعد كيلو مترات عن (طابا) في سيناء على البحر . من الجدير بالذكر منعا للالتباس في الاسم انه يوجد ميناء (ينبع) السعودي على البحر الاحمر ايضا.

طالب الشرطة الاردنيين ان يدفع المصريين اجور النقل بالعبّارة، فامتنع المصريون عن الدفع وهددوا الشرطة الجبناء بالضرب قائلين نحن مبعدون عن الاردن بالقوة ولسنا مسافرين وعليكم واجب تسفيرنا . بعض الممتنعين عن دفع اجور العبارة كان موقفهم تحد وعناد واخرين فعلا كانوا لايملكون المبلغ .... تأملوا خسة الاردنيين ووضاعتهم حين ضربوا وشتموا بعض المصريين فتجمع عليهم المصريون وكان عددهم يفوق العشرين شخصا وتضاربوا معهم .... حين ذاك تنازل الجبناء الاراذل من الشرطة الاردنيين، والتفتوا نحونا العراقيين الاربعة قائلين لنا : تبرعوا لاخوانكم المصريين باجور العبارة، تبرعنا بالشيء القليل ومضينا نحمل حقائبنا خلف شرطي اردني قائلا : سأضعكم انتم العراقيين الاربعة للمبيت في غرفة نظيفة فيها مرافق داخلية ومغسل وسمح لنا ادخال مناشف وبعض معلبات كنا اشتريناها في طريقنا من سجن جويدة في عمان الى ميناء العقبة . رجوناه بحرارة ان لايبقينا اكثر من ليلة واحدة في التوقيف، والعبّارة المصرية لها سفرتين خلال اربع وعشرين ساعة، الاولى في الساعة الواحدة ظهرا والثانية في الساعة التاسعة ليلا من العقبة الى ميناء ينيبع في مصروبالعكس . اجابنا مؤكدا طلبنا وهو يكذب ويريد ابتزازنا ورشوة . بقينا اربعة ايام في تلك الغرفة، ونفد ما معنا من ماء وطعام، ولم يتذكرنا ابن زانية من الشرطة الاردنيين وعرفنا السبب انهم يريدون رشوة . جمعنا سبعين دينارا اردني واخذنا نصرخ ونصيح ونضرب الباب الحديدي بارجلنا، جاءنا الشرطي وجه الشؤم قلنا له سفّرنا هذا اليوم في العبّارة المغادرة في الواحدة ظهرا، وخذ سبعين دينارا اردنيا، اذكر كان يوم اربعاء . بعد اقل من ساعة كنا اربعتنا مع حقائبنا على ظهر سيارة مكشوفة (بيكب) توقفت بنا امام بناية ميناء العقبة الذي يحوي دوائر الامن والمخابرات . وعلى مسافة ربع ساعة او اكثر بقليل بالسيارة ترسو العبارة المتجهة الى ميناء ينيبع في مصر . بعد ساعتين اخذوا يدخلوننا واحدا بعد الاخر الى ضابط المخابرات الذي بيده جوازاتنا، سألني عدة اسئلة سخيفة اين تسكن ما هي وظيفتك؟ قلت له قبل ان اغادر الغرفة، لي طلب واحد فقط هل تستطيع جنابك ان تعلمني سبب اعتقالي لمدة تزيد على عشرين يوما؟ اجابني على كل حال لدينا اجراءات وان كنا اسأنا بحقك فنحن آسفين!؟ هكذا وبكل بساطة شخص مثلي في عمر ستين عاما  يمر بكل هذه المهزلة والتوقيف باكثر من عشرين يوما وينتهي كل شيىء بكلمة آسفين !!قلت له وانا خارجا، والله لو بقي من حياتي يوما واحدا سأفضحكم بكل وسيلة .. وها انذا انشر بعض الغسيل القذر لحكومة الاردن امام مطايا الحكومة العراقية التي لا تزال تزود الاردن باسباب المعيشة.

للمقال صلة وسانشرها كاملة ضمن كتابي القادم: للتاريخ .....فقط وهو كتاب مذكرات

 

علي محمد اليوسف /الموصل /العراق

 

khadom almosawiفي الاول من ايار دخلت السجن الرسمي

وسجلني الضباط الملكيون شيوعيا،

حوكمت – كما يلزم في تلك الايام -  وكان

قميصي اسود، ذا ربطة عنق صفراء،

خرجت من القاعة تتبعني صفعات

الحراس، وسخرية الحاكم، لي امراة

اعشقها وكتاب من ورق النخل، قرات

 به الاسماء الاولى، شاهدت مراكز توقيف

يملؤها القمل، واخرى يملؤها الرمل

واخرى فارغة الا من وجهي.

*

" يوم انتهينا الى السجن الذي ما انتهى

وصيت نفسي وقلت المشتهى ما انتهى

يا واصل الاهل خبرهم وقل ما انتهى

الليل بتنا هنا والصبح في بغداد"

. . .

سعدي يوسف

......................

مللت من الروتين اليومي والحياة الرتيبة في المقر، هناك مفارز كثيرة تمر على فصيلنا، وتتحرك باتجاه الداخل والمقرات الاخرى، رغبت فعلا بالنزول معها وزيارة الفصائل واللقاء مع الانصار مباشرة ومعرفة ظروفهم واحوالهم وجها لوجه. اخبرت الرفاق بذلك، وكالعادة لا يقرر احد منهم الا بعد ان تهزه كنخلة في الجبال، حضرت نفسي مع قافلة كبيرة، فيها معدات واسلحة ومواد تموينية وبريد حزبي، فاغتنمت الفرصة وانطلقت معها. الدليل فيها رفيق عربي اعرفه جيدا وكذلك بعض الانصار من حمايتها ايضا. وحين نمر ببعض المقرات، نستقبل بحفاوة ونتبادل كما هو معتاد بالضيافة اللازمة وهموم المكان واوجاع الانتظار او المكوث الطويل. ادرت في بعضها جلسات حوار مفتوح ونقاشا حرا، وسمعت اراءا وملاحظات كثيرة عن طبيعة العمل الانصاري وعن العلاقات الحزبية والانصارية والجبهوية، وتساؤلات غير قليلة عن مستقبل العمل والكفاح في اعالي الجبال وعلى الشريط الحدودي دون توجهات واضحة لما بعد. بعض بيانات المكتب العسكري تتحدث عن عمليات انصارية وقتالية وقتل جنود وغنم اسلحة ومعدات، ولكن بعد تجربة انتفاضة عام 1982 في مدن كردستان القريبة من الحدود وتحررها من اجهزة الدولة تقريبا وسيطرة سكانها وقوات البيشمركة والانصار على ممتلكات المؤسسات الحكومية لم يدم ذلك طويلا، ولم يسعد السكان بما انجزوه، فميزان القوى ليس بصالحهم في كل الاحوال.  سجلت معظم ما سمعت وما انتهى اليه السجال وحين عدت بعد اسابيع قدمت رسالة الى المكتب السياسي لخصت فيها "مشاهداتي الصحفية". شكرني عليها ولكن يبدو ان اغلب اعضائه لا يعرف عن مثل ما قمت به، وقد لا يرتاح له، أو يحسبه في افضل الحالات امرا غير مرض او تصرفا فرديا غير حزبي، فهم لا يقراون ما يجري الا عبر محاضر الهيئات الحزبية والرد عليها حزبيا بضرورة التريث والمعالجة المؤقتة وانتظار الفرج. انتهى شهر اذار في تلك الجولة " السياحية لي"،  ونسيت ذكر مشاركاتي في احتفالاتنا بعيد الحزب نهاية اذار، حيث كانت اغلب الفصائل تهيء ما يناسب من كلمات وفعاليات، وهيئة التحرير اتمت عددا خاصا من الجريدة وتوزعت بزيارات بين الفصائل والاحزاب والقرى، مناسبة وطنية ولابد من ابرازها بما يليق بها، وانجزناها بكل نجاح وقدرة معروفة عند الشيوعيين في هذه الحالات. وجاءنا نيسان، ومنذ اوله فكرنا بعيد العمال، وضرورة التحضير له مبكرا، والاهتمام به بما يميزنا ويربطنا به والطبقة العاملة والقوى السياسية المجاورة لنا والقريبة منا، وقد يكون وسيلة مشتركة ايضا.

صباح هذا اليوم كان المفروض ان اكون خفرا، ولكني لم اكن مستعدا نفسيا، لذلك، لم احضر الحطب اليابس ولم التق بالاداري لمعرفة العدد والكميات المطلوبة وكيفية تجهيزها، ورغم ذلك وجدت نفسي مسرعا لاداء الواجب، والصراع مع الزمن، فاكثر اعضاء الفصيل لا يقدر كثيرا التباطؤ والتكاسل في اعداد وجبات الطعام، وبشكل كامل دون نواقص في الكميات والاعداد ونظافة المكان والصحون وغيرا من المستلزمات الروتينية العادية لمثل هذا الواجب الدوري لكل الرفاق الموجودين في الفصيل، طبعا القادرين منهم، وغير المصابين بداء النقرس!!.

مساءا شعرت بتعب وخاصة في عيني التي شبعت من الدخان الذي لم يرحمهما ولم يساعدني في سرعة الطهي والانجاز، ولكن مساعدات بعض الرفاق والرفيقات في استكمال الاعمال اليومية للخفر سهل بعض الشيء ووفر الامور بشكل اعتيادي، كما هو كل يوم يمر، وكل خفارة لكل رفيق منا.

في الغرفة كالعادة تدور النقاشات حول الاعمال والبرامج والنشاطات الحزبية والاعلامية وحتى بعض الاخبار عن العمليات العسكرية وما يجري هناك. من بين ما اتفقنا عليه تشكيل لجنة مثل اللجنة التي اعدت لاحتفال عيد الحزب لاحتفالات عيد العمال ومشاركة كل الاطراف السياسية الاخرى المتواجدة بالقرب من مقراتنا ووضع خطوات لتعميمها لكل المواقع والمقرات لابراز الاحتفال بعيد الطبقة الحاملة، كما يلفظها بعض الاخوة من اكراد اربيل، حيث يغيرون حرف العين الى حاء، دون قصد طبعا. وهذا ما هو عليه الامر، تغيير بعض الحروف أو قلبها بما يغير من معانيها او يشوه لفظها، ويجعلها مفهومة لدى أصحابها فقط، عند سكان الجنوب العراقي وفي بلدان مجاورة وبعيدة ايضا، مثل السودان، كتغبير حرف القاف الى غين في كلمة الاستقلال مثلا.

بعد افطار اليوم التالي اجتمعت اللجنة، وانا عضو فيها، ووضعت مقترحاتها ووضع برنامج حافل، متنوع ومنوع، يشمل احتفالا سياسيا، خطبا سياسية، واحتفالا ثقافيا مصاحبا، قراءات شعرية ومشاهد مسرحية وفرقا فنية غنائية، وباللغتين العربية والكردية، وتحضير موقع الاحتفال وكيفية تزيينه بالشعارات واللافتات المناسبة، ومشاركة الفنانين التشكيليين في معرض لهم مع صور فوتغرافية لشهداء الطبقة العاملة العراقية. واخذت الامور تجري بسرعة بين الفصائل والتشكيلات المتنوعة، ووضع حسابات الاعداد وتكاليفها وتوفير المستلزمات لها ماديا ومعنويا، والعمل بكل الجهود لها من كل الرفاق والفصائل المشتركة في المقر وما جاوره، وهكذا التحركات تتسابق مع الزمن في مثل هذه المهمات.

(قال صاحبي: الاول من ايار في عواصم البلدان الاشتراكية خصوصا عيد اممي ووطني، ومهرجانات كبيرة وضخمة بكل المعاني، والتظاهرات والمسيرات تعمها اضافة الى صور الفرح والابتهاج التي تغطي الوجوه، والشوارع والساحات والمطاعم والبارات وحتى الحدائق والاسواق الكبيرة. فاليوم اضافة الى انه عطلة رسمية لكنه محفز لاعمال اكبر او اخرى لا تختلف عن غيرها بالنسبة للافراد والجماعات، وفي الساحات المركزية للاحتفالات تلتقي بوجوه قيادات الاحزاب والنقابات العمالية وتسمع اناشيدا واغان بروليتارية وامورا كثيرة تتناسب مع اليوم والعيد والاحتفال والعاصمة او المدينة التي تقوم بذلك. في احداها قرات قصيدة الشاعر سعدي يوسف في تلك الايام، عن الاول من ايار في احتفال حزبي وكانت القصيدة اهم ما فيه معنى واهتماما من الحضور بعد حلوى العيد).

 

كاظم الموسوي

......................

* فصل من كتابي "بشت آشان.. فصيل الاعلام، يوميات نصير في كردستان"، الصادر عن دار خطوات، دمشق، 2007

 

alaa allamiأمسى  اللصوص في العصر العباسي الثاني حركة، وظاهرة اجتماعية قوية، وهم يعودون إلى أصول اجتماعية فقيرة ومظلومة فالتطورات الاجتماعية التي عرفها المجتمع العراقي وقيام المدن الكبرى خلقت فئات اجتماعية عاجزة عن تحصيل معاشها، ناقمة ومتمردة. وقد ترك لنا الجاحظ البصري (159 هـ-255 هـ) فقرة تبين لنا اتساع هذه الفئة، فكتب على لسان أحد اللصوص وهو يتباهى مفاخرا: (خرجت قاطع طريق، و صرت للقوم عينا ولهم مجهرا. سَلْ عني صعاليك الجبل وزواقيل الشام "جمع زقل وهو اللص يرخي طرف عمامته كعلامة مميزة. ع ل" ورؤوس الأكراد ومردة العرب وفُتاك نهر بط ولصوص القَفْصِ (القَفْص أي النصب وهي مفردة لا أدري كيف انبعثت حية في العراق بعد الاحتلال الاميركي أو قبله بسنوات قليلة . ع ل) سل عني القيقانية ، والقطرية، وسل عني المتشبهة و ذباحي الجزيرة. سل عني الكتفية والخليدية و الخربية و البلالية (كلها أسماء عصابات لصوص وقطاع طرق. ع ل).

و يروي لنا التنوخي قصة لص الكرخ فيقول على لسان اللص (نشأت فلم أتعلم غير معالجة السلاح فجئت الى بغداد أطلب الديوان للجندية فما قبلني أحد فانضفت إلى هؤلاء الرجال وطلبت قطع الطريق  ولو كان السلطان انصفني و نزلني بحيث أستحق من الشجاعة وانتفع بخدمتي ما كنت أفعل هذا بنفسي). كان موقف اللصوص متعارضا مع الأوضاع السائدة ونظرتهم حاقدة إلى رجال السلطة والمال. قال أحد اللصوص (اللص أحسن حالا من الحاكم المرتشي والقاضي الذي يأكل أموال اليتامى). وانشد أحد اللصوص الشعراء :

وأني لأستحيي من اللهِ أنْ أُرى ... أطوفُ بحبلٍ ليس فيه بعيرُ

وأسألُ ذياكَ البخيلَ بعيرَهُ ...        وبعرانُ ربي في البلادِ كثيرُ.

وأوصى عثمان الخياط (لم يكن عثمان  خياطا بل سمي بذلك لأنه نقب دار ثري فسرقها ثم أعاد بنائها بما يشبه الخياطة فلم يشك أحد في أنها نقبت . ع ل) وهو شيخ الفتيان والعيارين والشطار البغادة، أوصى  تلامذته و فتيانه فقال (جسروا صبيانكم على المخارجات - شجعوهم على المعارك بالعصي. ع ل-  وعلموهم الثقافة، وأحضروهم ضرب الأمراء لأصحاب الجرائم لئلا يجزعوا إذا ابتلوا بذلك، وخذوهم برواية الأشعار من الفرسان، وحدثوهم بمناقب الفتيان وحال أهل السجون. وإياكم و شرب النبيذ فإنها تورث الكظة وتحدث الثقل، ولا بد لصاحب هذه الصناعة من جراءة " جرأة" وحركة وفطنة وطموح، وينبغي أن يخالط أهل الصلاح ولا يتزيا بغير زيه.) و وضع الخياط  ضوابط أخلاقية كثيرة لجماعته منها (ما سرقتُ جارا، وإنْ كان عدواً، ولا كريماً، ولا كافأت غادرا بغدره) ومن مظاهر فتوتهم الصدق والوفاء بالعهد والأمانة في المعاملة وعدم التعرض للفقراء والنساء.  يقول شيخهم عثمان الخياط (ما خنت ولا كذبت منذ تفتيت). أي منذ أصبحت فتىً. و قال أيضا لفتيانه اللصوص (أضمنوا لي ثلاثا أضمن لكم السلامة، لا تسرقوا الجيران، واتقوا الحرام، ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف) ويوضح اللص ابن حمدي  الذي عرف بظرفه و خفة دمه، المقصود بالمناصفة فيقول إنها خاصة بـ (أرباب البضائع اليسيرة، التي تكون دون الألف درهم، وإذا أخذت ممن حاله ضعيفة شيئا قاسمه فيه، و اترك شطر ماله في يديه). وقال عثمان الخياط (لم تزل الأمم يسبي بعضهم بعضا ويسمون ذلك غزوا وما يأخذونه غنيمة من أطيب الحلال. وأنتم – مخاطبا فتيانه من العيارين والشطار – في أخذ مال الغدرة والفجرة أعذر ، فسموا أنفسكم غزاة كما سمى الخوارج انفسهم شراة ثم انشدهم هذه الأبيات :

سأبغي الفتى إما جليسُ خليفةٍ ....... يقومُ سواءً أو مخيفُ سبيل

وأسرقُ مالَ اللهِ من كلِّ فاجرٍ .......   وذي أكلةٍ للطيباتِ أكول

وبرر ابن سيار حقده على التجار بقوله لأحد ضحاياه (أما قرأت ما ذكره الجاحظ قال: إن هؤلاء - الأغنياء -  خانوا أماناتهم و منعوا زكاة أموالهم فصارت مستهلكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم وإنْ كرهوا أخذها كان ذلك مباحا لهم لأن عين المال مستهلكة بالزكاة – غير المدفوعة – وهؤلاء يستحقون الزكاة بالفقر، شاء أرباب الأموال أم كرهوا).  و في القرن الرابع الهجري تواترت كبسات للصوص الليلية داخل العاصمة العباسية يجردون حملات متصلة على الدور ينقبونها ويسطون على ما فيها. وفي سنة 309 هـ كبس اللصوص منزل احد الصيارفة فأخذوا له ذهبا بقيمة 30 ألف دينار. وتروي بعض مصادر التراث أن  ابن شيرزاد أحد قواد أمير الأمراء الديلمي  توزون  خلع على أحد زعماء اللصوص  وضمَّنه بغداد على ان يدفع 15 ألف دينار مما يسرقه هو وأصحابه . و نظم اللصوص أنفسهم في عصابات وكان عدد بعض هذه العصابات يبلغ أحيانا المائة شخص مجهزين بالسفن والقسي والنشاب. أما الفتيان، من العيارين والشطار فنظموا أنفسهم في أخويات دقيقة ومنظمة وهرمية  و(احتل الرفيق ـ وهو العضو العادي في سلك الفتوة ـ سفح الهيكل التنظيمي لها، وانتسب ـ في العادة ـ إلى كبير وهو بمثابة الأب التنظيمي، يعلوه في المرتبة الجد) كما يخبرنا الباحث عمر الشبراوي، وكان لكل عصابة لصوص أو مجموعة فتية من العيارين أو الشطار رئيس وأعوان منهم العين "جامع المعلومات عن الهدف "والشاغل" من يشغل الناس عن صاحبه اللص والطراد " الذي يتدخل عند القبض على زميله فيضربه أمامهم ويوبخه ثم يطلقه" ...الخ،  كما كتب الجاحظ. يتبع.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ryadibrahim addilamiسنة واحدة (الشاعر عيسى حسن الياسري) وهجرة وطنه وبين أمسيته الاحتفالية التي ضيفه فيها منتدى المحاويل الثقافي عام 1997 وقد استعرض خلالها مسيرته الابداعية طيلة ثلاثة عقود ونيف .

هذه الامسية ربما كانت آخر أمسياته وندواته في العراق قبل هجرته الى منفاه الى (مونتريال في كندا) وقبلها احتضنته عمان عام 1998 وبعدها طلب اللجوء الانساني .

لقد جاء (الياسري) الى مدينة المحاويل من بغداد وكنا باستقباله وخشية منا على سلامته كنا قد رافقناه من بيته في العاصمة وحتى عودته اليها .

لقد احتفت به جماعة (الآن) وهم أعضاء المنتدى أبهى احتفاء وتكريم من خلال الوقوف على تجربته الرائعة واعتزاز جماعة (الآن) بمنجزه الشعري والروائي والصحافي، وتقديم الشهادات الثقافية بحق تجربته،والتي سلطت عليها الاضواء، وابتهج جميع الحضور بالشاعر (الياسري) بمحبة واعجاب واحترام وما تلاه من شعر وحديث شيق لسيرته الابداعية .

لقد بدأ الشاعر يسرد سيرته منذ ولادته في ميسان وكيف خطف الموت أخيه الاصغر الذي تعلق به ومناغاته وجلوسه الطويل قرب مهده، ولكن الموت الواقعة الاشد دون ان يعلم ماهيته وسر والنهايات، فعمدت أمه الى وضع يد (الجاون) أو (الميجنة) ولفتها بالقماش وارقدتها بدلا من أخيه المتوفي في المهد لتوهمه بان أخيه هو النائم . كان يحكي لنا الشاعر بشفاهية وبلغة شعرية شجية وشفيفة وبصور شعرية يقشعر لها البدن مما أبكى كل الحضور، كان يتحدث ودموعه تنهمر بغزارة، وأنا لم أر وأحضر أية امسية في حياتي كالتي حضرتها مع رفاقي بالمنتدى من خلال الجو المفعم بالشعر والبكاء والاحتفاء .

(عيسى الياسري) طاقة شعرية مهولة امتهن الحفر في لغة جذور القصب والبردي والاكواخ التي غادرت مياهها بفعل المدافع والصواريخ التي زلزلت الارض والحياة والاهوار معا ، لقد ساهمت الحرب الثمانينية وما لحقها من دمار لحضارة الاهوار وهجرت السومريين من وطنهم الذي سكنوه من آلاف السنين وحتى الحرب والحصار والتجويع، لقد استطرد (الياسري) في حديثه كثيرا في قص حكايته مع وطنه الام (الاهوار) ومأساة المعدان والفلاحين وأهل ميسان والبصرة والناصرية وما لحق بهم من ظلم تاريخي مأساوي جرد الجنوبين من فرحهم وطقوسهم الحياتية وتحولوا شتاتا في داخل الوطن وخارجه، وأصبحت مراعيه وأرضه الخصبة ومياهه الدافئة التي تعد - بيئة غنية بالطيور والاسماك والحيوانات - ومصدر عيشها الوحيد الى ارض جدب ويباب لا حياة فيها لأنسان ونبات وطائر وحيوان .

لقد قرأ (الياسري) في أمسيته الاخيرة وربما عشاءه الاخير في وطنه العراق أجمل قصائده من دواوينه الشعرية، وبعدها تداخل عدد من النقاد والادباء بنقدهم وشهاداتهم بحق تجربة الشاعر وأثره بالمشهد الشعري باعتباره واحدا من أهم المجددين بالفن الشعري العراقي والعربي على حد سواء .

الشاعر (الياسري) حضر الى المحاويل وكان المرض قد تمكن منه شيئا فشيئا فكان يتكأ على عكازته ويلبس نظارة سميكة وأخذت أطرافه ترتجف قليلا ونالت منه الجلطات والسكري وتركت لها مساحات في جسده الوهن، كان طويلا وممشوق القوام ، لقد اعددنا له وتكريما لمجيئه الينا رغم تعبه ومرضه مأدبة كبيرة لكنه اكتفى بكأس ماء وقدح شاي وترك كل أنواع الطعام بسبب حذره الشديد من تناول الاطعمة الدسمة التي قد تؤذيه .

لقد لاحظت على الشاعر (عيسى الياسري) دماثة خلقه وتواضعه واحترامه للآخر ومستمعا لحديثه بكل اصغاء وتهذيب .

ان للشاعر (الياسري) رؤيته وقناعاته بشان الاصالة في الشعر والحداثة فهو يقول في حوار أجرته (استبرق العزاوي لصحيفة المثقف) :

 (ان مشهد النتاج الشعري العراقي الشاسع فهو مشهد نستطيع أن نفخر به ..ونضعه بمصاف الأبداع العالمي .

الحداثة ..ومن ثم مصطلح " ما بعد الحداثة " أعتبرها بدعاً .. وحذلقات لا ترتبط بأي تقنية علمية أو ابداعية .. إنها من مبتكرات عصر " العولمة " ..هذه المبتكرات التي تحاول أن تلغي هوية الأبداع "المحلي " .. وتدمغه في ختمها .. لا يوجد إبداع لا يتسم بصفة حداثية منذ عهد " الأغريق " إلى يومنا هذا .. بل من عهد " شعرائنا السومريين " ..وكل أمة لها سمة حداثتها المميزة التي تحمل طابعها القومي والوطني .. وإذا ما عدت إلى تصفح شعرنا العربي الخالد في عصر " ما قبل الإسلام " لوجدت أنه يحتوي على مكون حداثي باهر .. ولو قارنت بين لوحات الفنان السوريالي العالمي " سلفادور دالي " وبين معلقة الشاعر العربي "امرئ القيس " لوجدت أن هذه المعلقة ..وفي معظم بنائها الفني والتشكيلي ماهي إلا لوحات سوريالية باهرة .. ولو كان "دالي "يجيد اللغة العربية لما توانينا عن اتهامه بتأثره في سورياليته بسوريالية " امرئ القيس " .. الحداثة سمة متوفرة في الأبداع من أقدم عصوره وحتى يومنا هذا .)*

ان شعر وسرد (الياسري) هما عبارة عن معزوفة وجع وحزن ومراثي يكتبها للوطن وللإنسان الذي لم يعرف ولم يذق طعم الحرية والاستقرار والعدل لذا جاءت تجربته الادبية متوائمة مع هذه الابجديات التي عاشها العراقيون بمعاناة حقيقية غير مبالغ بها وانما صارت أحزان العراق هي الهوية الجامعة لشعبه (الشعر والألم توأمان . المبدع كائن محكوم باللعنة والشاعر هو حامل أوجاع العالم في كل بقاعه، الشعراء السعداء لا يكتبون الشعر أبداً).

لقد رفض الشاعر تسمية شعراء الداخل والخارج لهذا تراه يقول: (اعتقد أن تجزيء الشعراء إلى داخل – خارج هو تجزيء لامنطقي ومفتعل ولا يتصف " بالبراءة " .. إن أدباء الخارج لا يقلون انشغالاً بهموم بلدهم واهلهم عن انشغال شعراء الداخل بهذه الهموم) .

لقد شعر الشاعر بغربة قاسية وهو في داخل وطنه رغم ساهم بشكل فاعل بالحياة الثقافية والعراقية وعمل بمراكز مرموقة في الحقل الاعلامي والثقافي لكن لم يعط المكانة التي توازي ابداعه واخلاصه ووفائه للوطن، لهذا عانى ما عاناه من الانتهازين والمحسوبين على الادباء حتى هجرته القسرية من وطنه فيعرج عن كيفية تشبث الانتهازيون على مقاليد الحركة الثقافية في العراق: (ان " لوقيانوس " يذكر فيها ما ينطبق عليهم " حيث يقول:

 " هؤلاء المهرجون والدجالون الجهلاء .. الذين خلقوا ليزحفوا على بطونهم .. وولدوا للذل .. وعاشوا للهوان .. وفطموا على المسكنة .. إذا استطاع هؤلاء أن يتخلصوا من هذا العمل المشين .. فلن يجدوا لأنفسهم أيّ عملٍ آخر .. لأنهم لن يصلحوا لسواه .. وبذلك يصبحون عاطلين مدى العمر ") .

جاءت الغربة لتضيف الى أوجاعه وجعا آخر فيصبح منشطرا ما بين وطنا جديدا احتواه كانسان ومبدع وحقق كرامته المهدورة في وطنه والى وطنه الام هذا الوطن الذي تنفس غباره ورطوبته وريحانه وشرب ماء فراته وسحن جلده بشمسه واستظل بظلال نخيله . ولم يتردد (الياسري) أن يفصح عن مدى ألمه وفرحه بذات الوقت وكيف أثر منفاه وبعده عن وطنه على شعره : (في "كندا " يضاف عامل جديد للتأثير على قصيدتي ..حيث بعد المكان الجديد الذي يختلف في تضاريسه .. وتشكيلاته الجمالية .. عن المكان الأول .. وهذا ما يمنح لغة الشاعر تنويعات مكانية جديدة .. ويغني قاموسه الأول الذي تأسس وفق ابنية لغوية مميزة .. وعلاقات عائلية واجتماعية مختلفة .. ولكن .. ليس بمقدور جماليات المكان الجديد .. والانبهار به في المواجهة الأولى معه أو حتى بعدها أن تلغي هرمية المكان الأول .. وعمق أسسه البنائية التي تبدأ من الطفولة لبنة الحياة الأولى .. نحن في أول مواجهة لنا مع المغترب ..او أسميه أنا المنفى ..لأن المغترب يتم بطريقة إرادية ..أما المنفى فهو قسري ..تفرضه ظروف وحشية ..أقول إن أول لقاء لنا مع المنفى علينا أن نعود أطفالاً نتعلم المشي .. إنه يحاول أن يقطع جذورنا مع المكان الأول أيضاً .. ويصهرنا في بوتقته .. ومن هنا يبدأ صراع نفسي بين الشاعر وبين مأزق المنفى .. قليلون هم أولئك الذين حافظوا على انتمائهم للحاضنة الأم .. وأقاموا تعادلية متوازنة .. تعطي المنفى من موروثها الضارب عميقا في منطقة الجذور .. وتأخذ منه ما تراه مفيدا لإغناء هذا الموروث .. وإثرائه .. وقد حاولت أن أوفق في قصيدتي ما بين ما أعطي المنفى ومأ آخذه منه) .

 

رياض الدليمي

....................

* (مقاطع وردت من الحوار الذي أجرته الاعلامية استبرق العزاوي مع الشاعر عيسى حسن الياسري والمنشور في صحيفة المثقف عام 2012)

esmat shahindusakiالمجتمع الكردی مجتمع مؤلف من جمالیات وتناقضات متغايرة مع وجود فوارق ثقافية عميقة بين منطقة واخرى بل وجود فوارق داخل المنطقة الواحدة نفسها وفي نفس الوقت وجهات ثقافية كثيرة .تعتبر من السمات المشتركة وهي نتاج تفاعل اجتماعي عرضة للتغيير بين وقت واخر بفعل نشاط سياسي وقد يكون المثقف الكردي يبحث عن الهوية الذاتية التي تسعى الى السمو والارتقاء في المجتمع وقد يبحث عن قاعدة جماهيرية تعينه على تغيير ما هو سلبي وترسيخ الاحساس بالمصير والوجود بشكل راقي وبينها تتجلى منافسة مريرة بين المفكرين والادباء الاصلاء الواقعيين الذين يحملون رسالة انسانية ومن خلالها بناء الارض والانسان وبين من يسخرون اقلامهم وشخصيتهم لفئة معينة للبقاء على الكرسي اطول فترة ممكنة واكثر ربحا. هذا الانقسام الفكري بعد ولادة طرية اجتماعية وثقافية تجعل التميز بينهما ظاهرا رغم وجود حجابات واغطية مرقعة . تتوفر بينهم تقديرات من الجانبين بدراية لكل ما يجري على الساحة الأدبية والثقافية، كل دولة بمفهومها العام لا ترتقي ولا تتقدم ولا تتطور الا بعلمائها ومفكريها وادبائها واي دولة تهمل أو تتخلى عنهم ستكون دولة ومجتمع ضعيف تتكالب عليه دول اخرى كون هذه المجتمعات لا تتمكن من ادارة نفسها بالصورة السليمة خاصة ان كانت دول ومجتمعات غنية بالثروات المختلفة، فلا بد من الاهتمام السياسي والثقافي لشريحة الادباء والمفكرين والعلماء كونهم واجهة انسانية لحضارة مدنية معاصرة .

في دهوك عروسة كوردستان عروسة الجبال والينابيع والبساتين عروسة الحب والجمال، كنت وحيدا أتأمل من الطابق العاشر لشقق دابين الأولى مناظر جبال دهوك الجميلة ومعالمها التي تقابل نظر عيني جبل سينا شندوخا وحي الملايين ومالطا وكرى باصى واذا برنة هاتف من الرحال المنسي في بلاده والمشهور في العالم الاديب المغترب في النمسا بدل رفو تواعدنا والتقينا في مقهى شعبي قديم، قد يكون من النادر أن تجد مكانا ترتاح فيه بعيدا عن الضوضاء والمظاهر الصاخبة في زمن اصبح بعض الناس يعتنق المظاهر كرباط العنق لبدلة جميلة وقلادة ذهب بعيدون عن الجوهر الراقي في الفكر والنفس الانسانية، اتجهنا أنا وبدل رفو الرحال في عصر كاد يرحل عنه الاصالة والقيمة الفكرية الا ما رحم ربي، ونسيان الانسان بين غرية وهجرة وخراب ودمار ونزوح وحروب فكرية وجسدية متراكمة بدلا من الارتقاء الانساني اصبح الظاهر تدمير الانسان فكريا ثم تتوالى الجوانب الاخرى،ومن اسواق دهوك الشبه خالية كانها مدينة من كوكب اخر حيث الصمت والهدوء اغلب المحلات والاسواق مقفلة، انه يوم نوروز يوم جديد الذي يجمع الناس في السفرات ومناطق اخرى ولكي نكون واضحين في فهم نوروز هو يوم جديد للحياة للإبداع للفكر لعمل شيء جديد لتطوير وخلق شيء جديد لتقديم شيء جديد حتى لو كان اضعف الايمان زراعة سنبلة شجرة وردة كلمة طيبة واكبرها ما هو عظيم للبلد والمجتمع وللانسانية عامة في مجال الصناعة المتطورة والانتاج الراقي في الاطر الانسانية يكون نوروز نوروزا حقيقيا، ومشينا نتذكر الماضي ونناقش الحاضر فكريا وادبيا واجتماعيا ومن حديث ذو شجون الى حديث اخر وصلنا الى كراج بروشكي للنقل الداخلي لنجده هو الاخر ساحة خالية لكن صدفة مرت سيارة نقل كوستر وبأسلوب بدل الجميل وافق السائق رغم عدم وجود اي شخص غيرنا وطول الطريق لوحدنا لا احد يصعد ولا أحد ينزل وصلنا الى صناعة بروشكي ونزلنا بعد أن قدمنا شكرنا وتقديرنا للسائق أشر لي بدل بيده الى موقع شقته في اعلى سفح الجبل ونحن في بروشكى السفلى، وبين السفلى والعليا صعود قوي وبدأت رحلة الصعود ولا أخفي عليكم في كل صعود تثقل خطواتنا فنقف لحظة كمحطة استراحة ونلتفت ورائنا لنرى ونتأمل مناظر دهوك الجميلة ثم نتابع السير الصعود الى أن وصلنا لشقة بدل رفو وكنت اظن كأي شقة كانت وفي نفس الوقت أتخيلها مميزة عن باقي الشقق السكنية وهكذا ادهشتني منذ بداية فتح باب الشقة رايت علم المكسيك الذي اهداه له فلاح مكسيكي اصطحب بدل رفو الى رحلة في كهوف الثورة المكسيكية والى كهف " زاباتا " الثائر في مدينة " تيبوسلان " الثائر المكسيكي الذي قاد الثورة المكسيكية ضد الظلم والجهل والفساد واشتهر " زاباتا " بعبارته المشهورة " الأرض لمن يزرعها " وفي الجانب الاخر من الجدار صورة " جيفارا " الثائر وهي مهداة من نجل جيفارا شخصيا " كاميلو " الذي التقى به بدل رفو ونشر تحقيقا حول لقائه حيث ابدى " كاميلو " استعداده لزيارة كوردستان مع بدل رفو نتيجة السرد الساحر الذي سرده بدل رفو لكاميلو، ورأيت تحف من المكسيك وكازاغستان والهند ومنها تمثال الفيل النادرالذي يمثل رمز للهندوس وتحف محفورة على الخشب ولفت نظري سجادة مزركشة بالوان عديدة مشرقة في وسطها شكل فيل بالاضافة الى تحفة فيل من السيراميك وتلفون قديم نادر من المرمر اهدته له صحفية نمساوية وهناك مسبحة بعناقيدها معلقة من اشهر روحانية نمساوية في علم الارواح ايضا وجود الات ناي خشبية جميلة الصنع بدقتها وشكلها الجميل وانتهينا من ممر الشقة الى جناح خاص من التحف الاثرية الصغيرة والكبيرة الحجم من مختلف دول العالم وجناح خاص للاقداح النمساوية النادرة حيث كل قدح يجسد قصة انسانية وعشقية كذلك مجموعة من الزجاجيات باشكال وانواع مختلفة من جزيرة "مورانو" في البحر المتوسط بقرب جزيرة البندقية التي اشتهرت بصناعة الزجاجيات في القرن الثاني عشر مع هدايا من كازاغستان وايطاليا والمانيا ومصر والمغرب ودول اخرى، وللشموع تأثير قوي على الاديب بدل رفو مجسدة باقداح ملونة مضيئة، وبما ان بدل رفو اشتهر بعدة القاب في مسيرة حياته ورحلاته في دول العالم ومنها صقر كوردستان وجدت تحفة لصقر مطلق الجناح، ولكونه من عمق تاريخ قرية شيخ حسن التي لا تخرج من خياله وواقعه الادبي والانساني كوطن صغير وجدت تحفة زير او ماء قديمة جدا وجدها ضمن التحف المنسية في القرية فاعتنى بها وجعل لها مكانا خاصا هكذا يهتم الادباء بجذورهم وتراثهم وتاريخهم وموروثهم مهما كان صغيرا أو كبيرا وعلى الجدران رايت صور جدارية ولوحات راقية لجزيرة " بورانو " في ايطاليا التي مشى في ازقتها وقرب بحارها ولن ينسى بدل رفو اصدقائه القدامى في باطن الكتب فجهز لها مكتبة جميلة جدا ببساطتها وضع على رفوفها مختلف الكتب الكردية والعربية والعالمية منذ نهاية السبعينات ولحد الان وبين يدي كان أول كتاب اقتناه من شارع النجفي في الموصل كتاب " مهاتما غاندي " الذي تاثر به وتاثر بشعراء الانسانية امثال "بابلو نيرودا – رسول حمزاتوف – لوركا " وغيرهم وكتب مهداة من مؤلفيها مثل الدكتورة حياة شرارة وجليل جمال الدين وجرجيس فتح الله وغيرهم من المفكرين والادباء بعد أن اطلعت عليها وجدتها مكتبة فكرية اجتماعية انسانية، حتى فيها مكان خاص لسيديهات موسيقى من انحاء العالم النمساوية والمكسيكية والايطالية والكازاغستانية والالمانية والمغربية والمصرية وغيرها كما اني وجدت تحفة فنية مصرية تجسد سوق الخليلي عبارة عن عملية الطرق على المعدن ولوحات فنية تشكيلية للفنان " لكوستان كليمنت " كما كانت بين يدي صخرة مرسوم عليها صورة الاديب بدل رفو من فنانة نمساوية، هكذا تمكن ان يجمع العالم في مكان صغير، قدر ان يكون سندباد كوردستان بدل رفو جسرا ثقافيا بين النمسا ودول اوربا والعالم وبين كوردستان، وحتى في لقاء رئيس الوزراء النمساوي " كيرت " قال له " يسعدني أن نعمل جميعا من اجل نمسا وكوردستان ونحن فخورون بوجودك معنا "وهذا يجسد اهتمام الدول المتقدمة كنمسا التي تحتضن بدل رفو ودول اخرى طلبت منه البقاء فيها عكس البلاد الاخرى القريبة منه التي أبى ان ينحني أو يركع لأي فئة أو شخص فهو يضع كوردستان فوق العناوين وظل وسيظل وفيا لكوردستان وفيا لقضيته لرسالته الادبية لشعبه وبلاده رغم شعوره بالاقصاء والتهميش كحال الكثيرين من العلماء والمفكرين والادباء، لايمكن أن نحصي المدن التي زارها بدل رفو حتى الطاولة التي اكتب عليها عليها مختلف الهدايا والتحفيات الصغيرة من المدن التي زارها وكتب عنها، ان شقته تعتبر تحفة فكرية فنية تجمع دول العالم ليس هذا فقط بل في كل دولة يحمل قضية شعبه وكوردستان وتعد المجموعات التحفية حالة نادرة في العصر الحديث وبهذا يعد اول رحال قدر ان يجلب العالم من خلال تحفه الى مدينة دهوك بجهده الخاص بلا دعم من اي مؤسسة رسمية او اهلية وقال لي بحصرة مؤلمة " الفترة التي امضيتها اكثر من ربع قرن في ترجمة الادب في المهجر ورحلاتي الثقافية اخذت مني كل عمري وجهدي وغربتي رغم الم التهميش والنسيان من البعض أنا سعيد " امضى بدل رفو اكثر من احدى عشر عاما في نقل مشاهداته عن دول العالم الى بلاده من خلال مجلة الصوت الاخر والتاخي والزمان وعدة صحف ومجلات عربية وعالمية واشير هنا ان مقهى " شدا " الثقافي في دهوك والذي يقيم امسيات ثقافية وادبية علقت صورة الاديب بدل رفو تكريما له من شباب دهوك بالرغم من تنكر الكثيرين لجهوده وكذلك اقيم لبدل رفو عام 2010 م أول مهرجان شعبي تكريمي اقامه واشرغ عليه الشعب لبمبدعيه في جامعة دهوك واتمنى ان تتكرر ويستمر التكريم الشعبي لكافة الادباء المبدعين في جميع المجالات فهي رؤية حضارية راقية جديرة بالاهتمام والتقدير مثل الرحال بدل رفو وغيره يجب ان تعتني بهم المؤسسات الثقافية بكافة صنوفها فما دور المؤسسة الثقافية في اي بلد ان لم تهتم بثقافة الانسان؟ وعلى جميع الجهات المسؤولة الاهتمام بالمفكرين والعلماء والادباء فهم منارات وشواهد مشرقة لأي بلد راقي، يبقون راسخون في عقول الاجيال المتعاقبة، نحو حضارة مدنية معاصرة تبقى متجددة بالفكر والعدل والحياة .     

 

عصمت شاهین دوسكی

 

diaa nafieوصل نصرت الاعظمي الى موسكو في العام الدراسي 1959/1960، وبعد دراسة اللغة الروسيّة لمدة سنة دراسيّة كاملة في الكليّة التحضيرية التحق في معهد بليخانوف الاقتصادي (اصبح هذا المعهد الان جامعة بليخانوف الروسيّة الاقتصادية)، وتخرج هناك وحصل على شهادة الماجستير في العلوم الاقتصادية، بعد خمس سنوات من الدراسة . كان نصرت يعرف ان العراق لا يعترف بشهادة الماجستير السوفيتية هذه آنذاك، ولهذا سافر الى انكلترا واستطاع ان يحصل هناك على وثيقة انكليزية تعادل شهادته بالماجستير، وهكذا عاد الى العراق وتم تعينه تدريسيّا في الجامعة المستنصرية . وتشاء الصدفة ان يكون سمير عبد الوهاب الشيخلي طالبا لديه في الكلية . كان نصرت الاعظمي انسانا مرحا ومحبا للنكتة، ومرّة، عندما كان يجري عملية تدقيق حضور الطلبة ونادى اسم سمير الشيخلي، أجاب الطالب سمير بكلمة – نعم كما هو معتاد، نظر نصرت اليه وقال مازحا – (انت شكل سمير؟ كان على اهلك ان يطلقوا عليك اسم عبود). ضحك الجميع طبعا على هذا التعليق، اذ ان شكل سمير الشيخلي كان ينسجم فعلا مع هذا التعليق القاسي (يجب القول هنا ان هذا التعليق غير تربوي وغير لائق من جانب اي تدريسي، وقد شعر نصرت رأسا بالخطأ الذي ارتكبه، ولكن سبق السيف العذل كما يقول المثل) .

مرّت الايام والاعوام، ورجع حزب البعث الى السلطة عام 1968 واصبح سمير الشيخلي كما هو معروف وزيرا للتعليم العالي في تلك الفترة، وحدث مرّة ان زار الجامعة المستنصرية، واستقبله بالطبع رئيس الجامعة والعمداء، واثناء هذه الزيارة سأل الشيخلي عن نصرت الاعظمي وهل لازال تدريسيا في الجامعة، وأجابوه – نعم هو موجود عندنا، فطلب ان يستدعوه للحضور امامه. لم يكن رئيس الجامعة او العمداء يعرفون بالطبع سبب هذا الاستدعاء، وظنوا ان الوزير ربما يعرفه، أما نصرت فقد فهم سبب الاستدعاء طبعا، و(مات من الخوف !) كما أخبرنا بعدئذ، اذ انه ظن ان الوزير سيحاسبه على ذلك الحدث حسابا عسيرا، ولكن لم يكن امامه الا ان يذهب الى رئاسة الجامعة حيث يجلس الوزير، اذ لم يكن هناك اي مخرج آخر. عندما دخل نصرت الى القاعة، ضحك الشيخلي رأسا وقال – هذا هو الشخص الوحيد الذي حدد بأني ابن الشعب، وحكى للجميع قصة نصرت حول اسمه عندما كان طالبا لديه وهو يضحك، وضحك الجميع طبعا، وتبدد خوف نصرت ورعبه وساهم بالضحك مع الآخرين . قال الشيخلي لنصرت – (انا الان وزير التعليم العالي فهل لديك اي طلب من الوزارة كي ارد لك ما قدمته لي من فضل ؟)، فقال له نصرت، متشجعا وسط هذه الاجواء الضاحكة – أتمنى أن أرجع الى موسكو ملحقا ثقافيّا للعراق، ففي موسكو قضيت مرحلة شبابي، فقال له الشيخلي – قدّم طلبا الى الوزارة بذلك وساوافق عليه حسب التعليمات المتبعة، اذ انك تمتلك المؤهلات المطلوبة فعلا لهذا المنصب الرفيع. 

وهكذا تقدّم نصرت الاعظمي بعريضة الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي يطلب فيها تعيينه ملحقا ثقافيا بموسكو، واحيلت تلك العريضة الى الوزير طبعا، ووافق عليها، وكان على نصرت ان يؤدي امتحانا - حسب التعليمات - في مادة اللغة الروسيّة بقسم اللغة الروسيّة بجامعة بغداد. استلم القسم الامر الاداري بذلك، وتم تأليف لجنة خاصة لاجراء الامتحان المذكور، وكنت أنا أحد أعضاء تلك اللجنة، ووضعنا الاسئلة حسب التعليمات دون ان نعرف اسم الشخص الممتحن ولا حتى موعد الامتحان، وعندما وصلت الاجابة، تبين ان الممتحن قد نسي تماما في الواقع معرفته السابقة للغة الروسيّة، وهكذا رسب في ذلك الامتحان.

 زارنا نصرت بعدئذ، وتذكرنا أيام الدراسة في روسيا، وكان من الواضح انه قد نسى اللغة الروسية لأنه ابتعد عنها سنوات طويلة وكثيرة وتركها واقعيا، وقلنا له ان القسم مستعد لتدريسه من جديد، فتقدم بطلب الى وزارة التعليم العالي للسماح له باداء الامتحان مرة اخرى، وقد تم كل ذلك فعلا، الا ان النتيجة كانت سلبية ايضا رغم كل عواطفنا معه، وقد ترك نصرت محاولة تعيينه بعد ذلك، لانه فهم ان اعادة دراسة اللغة بهذه المرحلة من العمر مسألة صعبة جدا، ولم يشأ ان يعود الى الوزير ويطلب استثناء منه لتعيينه بغض النظر عن نتيجة امتحان اللغة الروسيّة.

رحم الله نصرت الاعظمي، الذي انتقل للعمل في احدى جامعات كردستان العراق عندها وتوفي ودفن هناك.

من كتاب – (عراقيون مرّوا بموسكو)، الذي سيصدر قريبا في بغداد عن دار نوّار للنشر.

 

 أ.د. ضياء نافع

 

dawd alkabiتعرفت على الاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح في "جامعة الامام الباقر" واستمعت منه مباشرة الى عدة دروس فلسفية عام 2010 . وقد قرأت معظم ما كتب صالح، وانا اشد الاعجاب بأطروحاته وتحليلاته – النفسية والاجتماعية والسياسية- وتكونت لدي فكرة تأليف كتاب عنه اسلط فيه الضوء على كتاباته وآراءه، وعن محاضراته في العديد من الجامعات العراقية، وعن كونه ايضا صحفيا واعد بعض البرامج الاذاعية والتلفزيونية، وكتب المقالات السياسية والنفسية والاجتماعية في عدد من المجلات والصحف العراقية والعربية، وهو الى حين كتابة هذا المقال، يكتب وينشر معظم ما يكتبه في المواقع الالكترونية الرصينة.

وهنا لا أريد أن أعطي تعريفاً بالدكتور صالح، فهو: اولاً غني عن التعريف، وثانيا، اترك ذلك الى مقال آخر سوف انشره لا حقاً عنه.

والذي اثار انتباهي اكثر من سواه من كثرة الكتابات والتحليلات النفسية والسيكولوجية للدكتور صالح، مقال بعنوان: "الشعر الشعبي... مازوشيا ممتعة" وقد نشره في العشرين من تموز 2010 ، ويتحدث فيه عن الشعر الشعبي العراقي، وانه يحب هذا اللون من الادب، وانه كان ينظم القصيدة الشعبية والاغنية ايضاً، وذكر فيه انه قدم " في السبعينيات برنامجا إذاعيا عن الشعر الشعبي، وألّفت خمس أغان بأصوات مطربين معروفين".

وانا اعرف العديد من الادباء والاعلاميين ومن المفكرين العراقيين كانوا متأثرين بالشعر الشعبي بل كانوا شعراء شعبيين ولهم قصائد جميلة واغان لعدد من المطربين العراقيين، وقد تركوا هذا اللون من الادب، ولا اريد ان اذكر نموذج في هذا الصدد خوفاً أن اثير حساسية البعض، حتى ان صاحب هذا المقال قد كتب العديد من القصائد الشعبية والابوذيات والدارمي والموال الزهيري.

وقال الدكتور صالح في مقاله:" سنكتفي في هذه المقالة بالتقاط صفة مازوشية واحدة أشاعها الشعر الشعبي بين الناس فأقول: إنه لمن المعقول أن يتباهى الإنسان بما يملكه من مال أو أملاك أو أولاد أو جاه أو حظ ..أما أن نتباهى بأيّنا أكثر حزنا، فتلك بالتأكيد حالة مرضية".

والدكتور صالح في هذا المقال ينتقد اثارة الحزن اكثر مما يستوجب الحال، ويعتبر ذلك ما اسماه الحال المازوشية، وهو هنا يذمها على اعتبار انه من اساتذة علم النفس، وهم، اي اساتذة هذا العلم، لا يحمّلون الامور على علاتها بقدر ما فسرون الحالة النفسية الباطنية للإنسان، ومهما كان وضع وعلمية وحالة الانسان ومؤهلاته وعمله الحياتي، بل لهم نظرتهم الخاصة بما يتطلبه عملهم واختصاصهم.

وقد اختلف هنا مع الدكتور بذمه للحزن المفرط الذي يثيره الشاعر الشعبي، والسبب أن وضع الانسان العراقي مختلف جداً عن بقية المجتمعات العربية والاسلامية بسبب العامل السياسي. وقد اشار الدكتور هو نفسه في العديد من المقالات والتحليلات التي نشرها في بعض المواقع الالكترونية، خصوصا مقالته في حلقتين عن التاسع من نيسان 2003 ، وفي هتين المقالين تحليل علم النفس السياسي، وللحالة السياسية عامة لما مر به العراق من وضع مأساوي كانت ثماره ويلات وتدمير نفسية الانسان العراقي.

وكنت اتمنى على الدكتور صالح لو انه ذكر لنا اسماء تلك الاغنيات الخمسة التي الفها، واسماء من غناها من المطربين، لعلي ايضا متأثر بها وتثير الشجن والحزن لدي، لا الحزن الذي يفسره الدكتور صالح، بل اقصد الحزن الانساني الذي يثير المشاعر الجياشة.

 

داود سلمان الكعبي

 

mohamad alhashimفي الذكرى السنوية لرحيل الروائي والشاعروالانسان صبري هاشم في 11\4\2016م - 15/2/1952م من العام المنصرم .

ذكرى الفاجعة الاليمة الذي المت بنا من صباح ذلك اليوم المشؤوم حين كان وقتها ينازع انفاسه الاخير في ذلك الصباح وهو في منفاه الاخيرفي برلين حيث افنى حياته في المنافي من منفى الى اخر بين الحلي والترحال من نعومة اظفاره وهو ابن الخامسة والعشرين من العمر حين كان عسكريا في الخدمة المكلفية عام 1978م(خدمة العلم) في منطقة الشيخان في الموصل .

وعندما كان متمتعا في اجازتة الدورية ولمشيئة الله ولعدم وصول يومه الموعود كان له احد الاصدقاء من الشعب الكردي يسمى كاكا كريم من محافظة اربيل يعمل في قلم الوحدة اتى الى البصرة بعد ان طلب اجازة لمدة يوم واحد من الامر بحجة ان والدته كانت مريضة ويريد ان يطمئن عليها .

ليخبرصبري ان في البريد العسكري لهذا اليوم امر اعدامك في ساحة العرضات وعليك عدم العودة الى الوحدة العسكرية وهنا تدخلت مشيئة الله سبحانه وتعالى بأن لا ينفذ الامر .لان الله اختار له ان يموت في الغربة بعيدا عن الاهل والخلان وان هذا ليس يومه الموعود .

ثم استئاذننا للعودة الى الوحدة العسكرية كي يلتحق قبل انتهاء المدة الزمنية من اجازته .جزاه الله خير الجزاء

وودعناه انا واخي الراحل الى (الكراج الموحد) مرأب حافلات المسافرين في الساعة الثانية عشر ليلا ومن هنا بدأت حياة الراحل صبري هاشم في المنافي حيث قرر وعلى الفور ان لابقاء له في العراق وعليه ان يتصرف وبعجالة دون تأخير لكي لا ينال منه النظام البعثي .

وبعدها اتجه بعد عدة ايام من البصرة الى دولة الكويت مشيا على الاقدام ودون دليل ودون اية احتياطيات تذكر حيث قضى فيها بعضا من الاشهر ثم الى اليمن التعيس حيث تزوج هناك وبقي فيها حتى نهاية اليمن الجنوبي وسيطرة البعثيين جماعة علي عبد الله صالح الموالين للنظام العراقي انذاك ومنها الى سوريا الاسد وايضا نفس نظام الحكم المزعوم وبعدها الى هانوفر ثم الى برلين حيث استقر به المطاف هناك بعد ان لاقى ما لاقاه من تعسف واعتقالات وخصوصا في البلدان (العربية الشقيقة المسلمة المضيافه )

حيث انه تعرض لعدة اعتقالات في هذه الدول العربية، رغم انه تعلم على الاعتقال بعد ان اعتقل من قبل في الامن العامة في البصرة اكثر من مرة وكانت اخرها اعتقل لمدة 112يوما وكانت من اصعب الايام الذي مرت بنا في ذلك الوقت وذلك لكونه احد المناوئين لحزب البعث ولذلك كنت على خلاف دائم معه لذلك السبب وكنت اقول ان هؤلاء الذين تعتز بهم لا يستحقون التضحية وانهم لمجرد يصعدون على الاكتاف ليس الا لكنه لم يعر اهمية لكلامي والتحق مع الانصار وناضل نضالا مريرا معهم وبالتالي لم يحضى بتقديرهم له ولوبحضور احد من رفاقه او حتى من ممثليهم الى منصب عزاء الفاتحة على روحه الطاهرة وكان ضني بمحله عندما كنت اخبره بذلك .

بعد ان كان الدينمو الرئيس والذي ضحى بالغالي والنفيس من اجلهم بدراسته ومستقبله واهله وحبيبته من اجل اناس لا يستحقون هذه التضحيات للاسف الشديد .وانا هنا لا اريد ان اسرد قصة حياته لكن هذا كلام عرضي ولست بصدده الان .

هذا هو صبري الانسان الذي جعلت منه الغربة كاتبا من طراز خاص وشاعرا وروائي قل نضيره حيث جمع بين الشعر والرواية الشعرية كذلك جمع الماضي بالحاضر كتب العديد من الروايات تجاوزت الاثنا عشر رواية وثلاثة دواوين شعرية ناهيك عن القصائد الذي ملئت الصحف والمجلات وصفحات الفيس بوك وهنالك بعض من الروايات كانت معدة للطبع لكنها لن ترى النور لان يد القدر ارادة ان لايكون ذلك في حين اتحاد الادباء العراقي واتحاد ادباء البصرة بالذات لم يكن بالمستوى المطلوب لاحتضان الشعراء والكتاب وخصوصا من هم في المنافي وتقييمهم للنهوض وتشجيع الاخرين ليحذوا حذوهم .

ولكونهم متقوقعين على بعضهم البعض وكأنهم كتلة حزبية اغتنمت الاتحاد لنفسها لايهمها الاخرين مهما كان مستواهم او بالاحرى هي من يريد ابعادهم خوفا من التنافس على الشهرة التي لاتجدي نفعا سوى المتاعب .

واخيرا اقول لاخي الراحل ابا اصيل نم ايها المناضل والمجاهد الشجاع نم قرير العين لا نامت اعين الجبناء الذين حرموك من حضن العراق واحضان البصرة التي كنت تأن وتحن عليها وعلى شطها ونخلها وسمائها وانهارها على كازينواتها ومقاهيها ونواديها على صبخة العرب وشارع التنانير وعلى شناشيل البصرة ولاتندم عليها لقد اصبحت اليوم خرابا يباب و اصبحت اليوم هباءا منثورا .وكأنني اراها تبكيك وتناجيك دون جدوى .

سلاما لروحك سلاما لمثواك سلاما لحروفك الذي كتبت مقرؤتا او لم تقرأ.

وسلاما لكل من رثاك او نعاك اوذكرك وسلاما لكل من قرأ باسمك سورة الفاتحة سلاما ايها الانسان المنشد للسلام.

واشكر كل الاخوة الذين بذلوا جهدا اضافيا في الكتابة من اجل الراحل ابا اصيل ولهم مني كل الامتنان والتقدير .

واخص بالذكر منهم: الاستاذ فيصل الترك والاخ د. كمال ديب من لبنان والاخ د. حامد فضل الله من السودان والاخ قيس الزبيدي والاخ يحيى علوان والاخ عصام الياسري والاخ الشاعر سامي العامري والاخ مقداد مسعود وحسين رشيد وعبد السادة البصري وحسين علي وكل الذين شاركوا في الامسية التأبينية الذي اقيمت في قصر الثقافة والفنون في محافظة البصرة وللذين اقاموها وهيئوا لها والصحفيين والمشاركين بأي جهد او دون جهد كذلك الشكر موصول لكل من الاخوة شاكر كريدي والشاعرجميل حسين وطارق العبدالله والصدى نت وكل الذين ساهموا ولو بكلمه ولم اطول ان اقرأ ما كتبوافي كل المجلات والصحف الالكترونية تحياتي لهم جميعا متمنيا لهم العمر المديد والتألق والازدهارفي طريقهم انشاء الله

وعسى الله ان يمكننا ان نردها لهم بالافراح والمسرات .

 

محمد الهاشم

 

mahmod kawashرحل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور وبقي شعره

 غيب الموت يوم السبت الموافق الثامن من نيسان/أبريل 2017 الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور في مدينة رام الله عن عمر ناهز الحادية والسبعين عاما بعد معاناة طويلة مع المرض، إثر إصابته بالفشل الكلوي.

ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الراحل دحبور في بيان اعتبرت فيه رحيله خسارة كبيرة لفلسطين والفلسطينيين على المستويات الوطنية والثقافية الإبداعية والإنسانية. وشددت الوزارة في بيانها على أنه برحيل دحبور لم تفقد فلسطين واحداً من عمالقة الأدب والإبداع الفلسطيني فحسب، بل بوصلة كان مؤشرها يتوجه حتى اللحظات الأخيرة إلى فلسطين، وأيقونة لطالما كانت ملهمة للكثير من أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن إقاماتهم، وفي مختلف المفاصل التاريخية الوطنية، وهو الذي كان بكلماته الشعرية يعكس العنفوان والكبرياء الفلسطيني، خاصة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبقي كذلك حتى رحيله المفجع.

وقال بيان الوزارة أنه من الصعب بمكان سد الفراغ الذي سيتركه صاحب "حكاية الولد الفلسطيني"، وكاتب الأغنيات الخالدات "اشهد يا عالم" و"عوفر والمسكوبية" و"الله لازرعك بالدار" و"يا بنت قولي لامك" و"غزة والضفة" و"صبرا وشاتيلا" وغيرها الكثير الكثير من الأغنيات والقصائد التي كان الوطن والوطنية جوهرها، والتي سكنها النضال من أجل الحرية مع كل حرف من كلماتها وعباراتها وما أظهرته وأبطنته.

ويعد أحمد دحبور قامة ثقافية فلسطينية كبيرة، وملهما لجيل الشباب ومناضلا بكل حرف خطه وقصيدة كتبها من أجل الحرية والوطن الفلسطيني المسلوب.

ولد في مدينة حيفا عام 1946، ونشأ ودرس في مخيم حمص للاجئين الفلسطينيين في سورية، حيث استقرت عائلته بعد أن هاجرت إلى لبنان عقب نكبة عام 1948 ومن ثم انتقلت إليها بانتظار تحقيق حلم العودة.

لم تتح الظروف المادية الصعبة لدحبور أن يكمل تعليمه، لكنه كان قارئاً نهماً وتواقاً للمعرفة، فصقل موهبته الشعرية بقراءة عيون الشعر العربي قديمة وحديثة، وكرس حياته للتعبير عن التجربة الفلسطينية المريرة.

عمل مديرا لتحرير مجلة "لوتس" حتى عام 1988، ومديرا عاما لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضوا في اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين. واقام في تونس خلال تواجد منظمة التحرير الفلسطينية فيها بعد الخروج الكبير من لبنان عام 1982، وكان له عامود أسبوعي في جريدة "الصدى" وارتبط بعلاقات طيبة مع الشعراء والأدباء التونسيين والعرب في كل مكان من الوطن العربي.

حاز أحمد دحبور على جائزة توفيق زياد للشعر عام 1998، وكتب العديد من أشعار وأغاني "فرقة العاشقين" التي اشتهرت بتقديم الأغاني الشعبية الفلسطينية. وبعد عودته إلى غزة عمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وبقي فيها إلى ان انتقل منذ فترة قصيرة إلى مدينة رام الله حيث وافته المنية.

 كان الراحل شاعر الثورة الذي أشهد العالم "علينا وعلى بيروت"، وطائر الفينيق الذي نهض من رماد المنافي واللجوء والمرض، وحارس النهار الذي حفظ عود اللوز الأخضر وكتب عن جنسية الدمع والشهداء في أربعة عشر ديوانا، والمغامر الذي ذهب ليعيد النهار، ولم يعد.

ومن أهم أعماله الشعرية "الضواري وعيون الأطفال"، "حمص 1964"، "حكاية الولد الفلسطيني"، "بيروت 1971"، "طائر الوحدات"، "بيروت 1973، "بغير هذا جئت"، "بيروت 1977"، "اختلاط الليل والنهار"، "بيروت 1979"، "واحد وعشرون بحراً"، "بيروت 1981"، "شهادة بالأصابع الخمس"، "بيروت 1983"، "ديوان أحمد دحبور"، و"الكسور العشرية".

رحمه الله وأحر التعازي لأسرته الكريمة ولزملائه وأصدقائه ومحبيه.

1236 khawash

يُظهر أحمد دحبور في أغانيه وأشعاره بطاقة هوية انتمائه الطبقي والإنساني والحزبي، ويؤكد على احيازه وانتصاره للفقراء والجماهير الكادحة من أبناء شعبه، فيقول في إحداها:

يجيء المخيم في أول الليل أو آخر الليل

أين التقيتك منة قبل سيدتي

أين الأهل؟

فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين

والفقراء فلسطين

والأنبياء فلسطين

والمقبلون

وانفقت حزني على الذكريات فضاق المخيم

وسعت بقلبي فجاءت قوافل مسبية تترسم دربي

وأطلب يحيى

فيختلط الحزن بالبرق

أين التقيتك من قبل سيدتي

فضت عن حاجة الحزن

فاتسعت في الخلية عيناي

حزب محبي فلسطين والكرة البشرية

باللهجة العربية

هل كنت في ذلك العرس سيدتي؟

 ويقول في "الأحجية المكشوفة للمطر والنار":

أذكر، أن الجبل العظيم كان يمشي

والمطر الذي يروِّي القمح لا يبلل الأطفال

أذكر أن جارنا الحمّال

توجني بكعكة،

وقال لي: كن ملكاً في الحال

وهكذا وجدت نفسي ملكا..والذكريات جيشي

أذكر أن الجبل العظيم كان يمشي

من شفتيْ أبي إلى خيالي

وكانت الثمار في سلالي

كثيرة،

والنار مُلك دهشتي وطيشي

وعندما تجمع الأطفال والذباب حول بائع الحلاوهْ

ولم أجد في البيت نصف قرش

وعندما أمي بكتْ،

(تنكر حتى الآن أنها بكتْ)،

وعندما انسحبتُ من ملاعب الشقاوة

عرفت أن الجبل العظيم ليس يمشي

عرفت: كنتُ ميتا..والذكريات نعشي

ساعتها..وظفتُ ما أملكه من نار

ليحرق الذاكرة – الغشاوه

وقبل أسبوعين كان المطر المُنْسَح

يسوط وجه طفلة وهو يروِّي القمح

معذرة يا سادتي..فلست بالثرثار

إذا زعمت أنني حدثتكم عن فتح

ومن أبرز قصائد الشاعر الفلسطيني الفذ "حكاية الولد الفلسطيني" التي يقول فيها:

لأن الورد لا يجرح

قتلتُ الورد

لأن الهمسَ لا يفضح

سأعجنُ كل أسراري بلحم الرعد

أنا الولدُ الفلسطيني

أنا الولد المطل على سهول القش والطين

خَبَرْت غبارها، و دوارَها، والسهد

وفي المرآة ضحكني خيال رجالنا في المهد

وأبكاني الدم المهدورُ في غير الميادين

تحارب خيلنا في السِند

ووقت الشاي ... نحكي عن فلسطين

ويوم عجزت أن أفرح

كَبرْت، وغيرَت لي وجهها الأشياء

تساقطت الجراح ، على الربابة ، فانبرَت تَصْدَحْ

بلاد الله ضيقةٌ على الفقراء

بلاد الله واسعةٌ وقد تطفح

بقافلة من التجار والأوغاد والأوباء

أيأمر سيدي فنكب أهل الجوع والأعباء؟

أتقذفهم؟ ومن يبقى ليخدمننا؟

إذن تصفح

ويوم كَبرْتُ لم أصفح

حلفت بنومة الشهداء، بالجرح المشعشع فيَ: لن أصفح

*****

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم :رأيت النوق في وادي الغضا تذبح

رأيت الفارس العربي يسأل كسرة من خبز حطين ولا ينجح

فكيف، بربكم، أصفح؟؟

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم: عرفتُ السادة الفقراء

وأهلي السادة الفقراء

وكان الجوع يشحذ ألف سكينٍ

وألف شظيةٍ نهضت، من المنفى ، تناديني:

غريب وجهك العربي بين مخيمات الثلج والرمضاء

بعيدٌ وجهك الوضاء

فكيف يعودُ؟؟

بالجسد الفتيِ تعبد الهيجاء

سنرفع جرحنا وطناً ونسكنه

سنلغم دمعنا بالصبر بالبارود نشحنه

ولسنا نرهب التايخ ، لكنا نكونه

جياعٌ نحن

طاب الفتح ،إن الجوع يفتنه

جياع نحن؟؟ ماذا يخسر الفقراء؟؟

إعاشتهم؟؟

مخيمهم؟؟

أجبنا أنت ماذا يخسر الفقراء؟؟

أنخسر جوعنا والقيد؟؟

أتعلم أن هذا الكون لا يهتم بالشحاذ والبكاء؟

اتعلم أن هذا الكون بارك من يرد الكيد؟

علمت

إذن؟؟

ليغل وطيسنا المخزون في كل الميادين

لتغل مخيمات القش والطين

*****

أنا العربي الفلسطيني

أقول ، وقد بدلت لساني العاري بلحم الرعد

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد

حرقنا منذ هَلَ الضوء ثوب المهد

وألقمنا وحوش الغاب مما تنبت الصحرا رجالاً لحمهم مُرٌ، ورملاً عاصف الأنواء

ولما ليلةٌ جنت أضاء الوجد

وقد تعوي الثعالب وهي تدهن سمها بالشهد

ضغارٌ عظمهم هش بدون كساء

أيتحملون برد الليل ؟؟ هل نصر بهم يحرز ؟؟

أجل ونهارنا العربي مفتوح على الدنيا على الشرفاء

أجل ... ويضيء هذا النصر في الطرقات والأحياء

لأن الكف سوف تلاطم المخرز

ولن تعجز

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد ، إنَ الكف لن تعجز

*****

ومن الأغاني التي غنتها له "فرقة العاشقين":

(إشهد يا عالم علينا وعَ بيروت)

اشهد يا عالم علينا وعَ بيروت اشهد بالحرب الشعبية

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت أعمى بعيون أمريكية

بالطيارات أول غارة يا بيروت غارة برّية وبحرية

جبل الشمال وبالبحر يا بيروت صور الحرَّة والرشيدية

قلعة الشقيف اللى بتشهد يا بيروت عليهْ داسوا راس الحيّة

والشجر قاتل والحجر يا بيروت والواحد جابه دورية

جمل المحامل شعبنا في بيروت بعين الحلوة والنبطية

واحنا ردّينا الالية يا بيروت بحجارة صيدا والجيّة

تراب الدامور اللى بيشهد يا بيروت عالخسارة الصهيونية

بقلبي خلدنا الوحدة يا بيروت لبنانية فلسطينية

سدوا المنافذ علينا في بيروت منعوا المعونة الطبّية

سور الأشبال مع زهرات يا بيروت منه ما مرّت آلية

والطيارات غطوا السما يا بيروت والبحر جبهة حربية

كانوا غربان المنية يا بيروت واحنا تحدينا المنيّة

واشهد يا عالم علينا وعَ بيروت عَ صبرا والميّة وميّة

شاتيلا وبرج البراجنة يا بيروت بالمتحف شافوا المنيّة

ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت غير الهمة الاذاعية

بالصوت كانوا معانا يا بيروت والصورة ذابت بالميّة

لما طلعنا ودَّعناك يا بيروت وسلاحنا شارة حريّة

لا راية بيضا رفعنا يا بيروت ولا طلعنا بهامة محنية

والدرب صعبة وطويلة يا بيروت عليها أكدنا النيّة

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت اعمى بعيون امريكية

يقول "شاكر فريد حسن" في "ديوان العرب":

أحمد دحبور من ينابيع الشعر الفلسطيني المعاصر المقاوم وأحد أعمدة الحركة الثقافية الفلسطينية الراهنة، فهو شاعر وناقد وباحث وموسوعي وقارئ جاد وسياسي ومثقف واسع الاطلاع، وصاحب مواقف سياسية وفكرية تقدمية واضحة. وفي قصائده تمتزج الموسيقى الهادئة مع الألفاظ المنتقاة والمعاني العميقة والمنسابة:

آن للمخيم الهوان أن يغور

آن للأرض التي ضبتها تموت أن تدور

آن لي، وآن..

هكذا انتزعت بندقية من أسرها فانتزعتني من مخيم الهوان من رآني سيداً لغبطتي وقهري.

إن إبداع أحمد دحبور يعود إلى تجاربه الحياتية الغنية التي اتسمت بها شخصيته الأدبية، فحياة التشرد والغربة والبعد عن الوطن عمّقت تفاعله مع الحياة وأمدته بإحساس قوي ورؤية صادقة لها، وبنفس تواقة للصدق والمحبة العارمة والعشق الدائم للوطن ولحيفا وبحرها وللمخيم والإنسانية المعذبة.

والخلاصة أن أحمد دحبور هو شاعر أصيل ملتزم يتصف شعره بالصفاء والعذوبة والصدق وبالحب العميق للإنسان فوق كل أرض، وتمجيد الإرادة الفلسطينية الحقيقية والروح الوثابة الطموحة الباحثة عن الخبز والفرح والمتعطشة للحرية والمستقبل المشرق.

 

محمود كعوش

eljya ayshيكشف قائد الولاية الرابعة محمد الطاهر بوزران في مذكراته كيف قام الطاهر زبيري بتنظيم الإنقلاب ضد هواري بومدين بمساعدة السعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى قبل أن يغتال هو الآخر في مكتبه، إذ يقول: كنا ضد سياسة هواري بومدين، وقد اتفقت المجموعة المتكونة من حوالي 20 فردا على القيام بعملية تصفية حساباتها مع سياسة بومدين وهو القضاء عليه شخصيا بالموت، كلن الإتفاق هو تحديد يوم اجتماعه مع الوزراء بقصر الحكومة، وفور الإنتهاء من الإجتماع وأثناء عودته إلى مقر الرئاسة يقضى عليه من قبل أفراد هذه المجموعة، وحين تم الخروج تم إطلاق النار على بعض العناصر المرافقة للسيارة المقلة لهواري بومدين، إلا أن البندقية تعطلت بسبب قدم الذخيرة المستعملة مما عطل نابض البندقية الذي يدفع الخراطيش، وأسفرت نتائج هذه العملية على جرح هواري بومدين في شاربه الأعلى وقتل أحد حراسه.

قام بهذه العملية كل من الطاهر بورزان، لمبارك عقاقنة، ومعمر بشاح، وكان توقيت هذه العملية حوالي الساعة الواحدة ظهرا، بعدها انتقلت المجموعة إلى جبل تابلاط بالزي المدني كونهم كانوا في يوم راحة، انطلقوا من سور الغزلان، المسيلة ، بريكة ومنها إلى عين توتة حتى وصلوا إلى تابلاط، ومن عين توتة إلى الأربعاء ثم أريس، وفي أريس اتصلوا بمحمد عثامنة، الذي تبنى هذه العملية، كما قام هذا الأخير بسرقة مالية للفلاحة ، غير أن المجموعة رفضت ، وبعد فشلهم في تصفية هواري بومدين حاولوا الخروج إلى تونس، غير أن محمد عثامنة وعن طريق أبيه الذي اتصل بقسمة أريس والشركة ، تم منعهم من الخروج ، وتمت محاكمتهم في جوان 1969 وحكم على الجميع بالإعدام بما فيهم الطاهر زبيري الذي حكم عليه بالإعدام غيابيا، وكان معهم سليمان عميرات المتهم في قضية كريم بلقاسم، وقد صدر عن الذين حوكموا تخفيض الأحكام من الإعدام إلى المؤبد، وظلوا ينتقلون من سجن سيدي الهواري إلى سجون أخرى منها سجن البرواقية والأصنام وبعضهم إلى سجن تازولت بالأوراس ومنهم عمار ملاح وامبارك بتيرة.

يقول صاحب المذكرة أن سيناريو الخلاف بدأ في الذكرى الـ: 13 لإندلاع الثورة التحريرية، وأثناء إجراء الإستعراضات الوحدات العسكرية لمختلف الأسلحة في شارع جيش التحرير الوطني بالجزائر غاب الطاهر زبيري قائد الأركان العامة الذي كان من المفروض أن يشرف على الإستعراض، فكان القرار هو استبدال الطاهر زبيري بالعقيد عباس، وبعد انتهاء الحفل اتصل كل من الرائد السعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى ، والرائد محمد الصالح يحياوي والرائد عبد الرحمن بن سالم وبعض الشخصيات الوطنية بالعقيد الطاهر زبيري منهم العقيد خطيب والرائد الأخضر بورقعة وزغداني عبد العزيز والشيخ خليفة لعروسي وحتى عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية لمعرفة سبب غيابه المفاجئ وحل الإشكالية سياسيا غير أن جميعهم لم يفلحوا وباءت محاولتهم بالفشل، الملفت للإنتباه أن اسم الرائد محمد الصالح يحياوي لم يكن مذكور ضمن جماعة الإنقلاب حيث ذكر صاحب المذكرة أنه في يوم 14 ديسمبر 1969 قامت جماعة من الضباط بحركة ضد نظام بومدين وهم السادة المساندون لمحاولة الإنقلاب التي تزعمها العقيد الطاهر زبيري وهم على التوالي: (عمار ملاح، السعيد عبيد، والرائد سليمان، لخضر بورقعة، يوسف بولحروف النقيب بوعلي، العياشي حواسنية عبد السلام امباركية، حمودي بوزيدـ بوقطف العيد، محمد الهادي ارزايمية، محمد حابة واسماء عديدة ذكرت في الصفحة رقم 139)، غير ان الإنقلاب فشل لتضارب المواقف وعدم التنسيق بين قيادات الحركة الإنقلابية وانعدام النخطيط المحكم وما إلى ذلك..

و أدت محاولة الفشل الإنقلابية إلى التفكير في اغتيال الرئيس هواري بومدين وتصفيته جسديا، أعدت المجموعة خطة الإغتيال ، وشارك في إعدادها في بداية المرحلة كل من عمار ملاح، موسى زروال ، محمد الطاهر بورزان، ثم توسعت، والخطة كانت أثناء خروج الرئيس هواري بومدين من اجتماع مجلس الوزراء وعند مرور سيارته أمام مركز الأمن المكلف بالحراسة بادر الطاهر بورزان بإطلاق عليه عيارين من رشاشة من نوع ماط 49 matte غير أن نابضها تعطل، كان موسى زروال يطلق رشاشة على حراس الرئيس بومدين، لكن حراس الرئيس كان ردهم سريعا حيث سقط موسى زروال، أما الطاهر بورزان انسحب رفقة معمر بشاح وامبارك عقاقنة، وكانت نتيجة هذه العملية إصابة الرئيس بومدين في شاربه الأعلى، وهؤلاء هم الذين باعوا تاريخ الأوراس بالأمس القريب، ولاذوا بالفرار، وبعد وفاة الرئيس هواري بومدين أعيد الإتصال بهم من طرف العقيد عبد الله بلهوشات بعدما تقرر إطلاق سراحهم، وتبين أنهم لم يوضعوا داخل السجن بعد إلقاء القبض عليهم.

 

علجية عيش

 

abduljabar noriهل تعرفون الفنان الرسام الراحل "رشيد عباس العلي"؟. بالتأكيد أن الدولة تتناساه والكثير منا يتجاهلهُ، فهو كغيره في خبر كان نسياً منسيا من الدولة النفطية الريعية التي تكون قراراتها أنتقائية تخضع للمؤسسة الدينية الراديكالية الحاكمة لمن تشاء، ووزارة الثقافة مهمتها اليوم أدوار أستعراضية رمضانية بأقامة المهرجانات الثقافية بمدرائها العامين وديكورسكرتيراتهم الجميلات --- وهات يا بذخ وفساد مالي .

وسؤالي إلى الدولة ومؤسساتها الثقافية والجمهور هل أحدٍ منكم يعرف هذا الرسام الموهوب الذي فاز بجائزة الدولة العراقية في 1959 في حكومة الشهيد عبد الكريم قاسم لتصميمه الفني للشعار الجمهوري الذي أعتُمد شعاراً للنظام الجمهوري حتى أنقلاب البعث الفاشي الأسود في 1963 وهو الشعار الوطني المعبر الحقيقي عن الأطياف العراقية وحضارتها؟، وكانت أجابتهم عديدة ومتنوعة بعيدة عن شخصية هذا الرمز العراقي، فمنهم من قال أنه ربما يكون نائب في البرلمان العراقي!! وهنا تسكب العبرات حين يكون النائب الذي جاء في زمن الغفلة أشهر من الجواهري وأعظم من علي الوردي وأفهم من المتنبي وأكثر عراقية من نصير شمه .

ربما أعزو سبب هذا النسيان والتجاهل هو طغيان المد الديني بشقيه الراديكالي الحاكم والمتشدد السلفي الأصولي الذي غطى بعباءته السوداء أفق مستقبل الأجيال القادمة، فأصبحت الدولة العراقية وجمهورها غير معنيين بمعرفة هذا وذاك من أصحاب القلم الشريف والريشة الوطنية، واليد النظيفة وحتى أن تنخر أجسادهم المنافي – هذا هو مظفر النواب شاعر الكلمة الحرّة فاقداً للذاكرة في تونس أو لبنان لا أدري، والآخر البروفيسور شاكر خصباك في موت سريري في أمريكا – وأختاروا لأنفسهم مقبرة بعيدة عن الذين لا يريدونهم، سموها "مقبرة الغرباء" .

وللأسف أشعر بالأحباط وخواطر مرّة حين أسمع بالدولة والجمهور يحتفيان برموزنا وقاماتنا العلمية والأدبية والثقافية بعد مماته وغيابه الأبدي، لماذا بعد غيابه؟ أتستكثرون عليه أن يملأ غرورهُ بالفخر والأحساس بأنهُ قد حصل على أستحقاقه، فهو تجاهل بعينه ونكران جميل بشحمه ولحمه .

والذي دفعني للكتابة عن رسامنا المنسي الفنان الراحل " رشيد عباس العلي "  هو تبني الأعلامي والوطني الغيور الأستاذ " وجيه عباس " لحقلٍ خاص بهؤلاء الرموز الوطنية المنسية ببرنامجه المشهور (كلام وجيه)، لعله يسلط الضوء على مثل هذه الأهرامات العراقية الفذة .

وأخيرا: أرجو أن تمتلك الدولة ومؤسساتها الثقافية أستراتيجية واضحة أزاء المبدعين العراقيين ولتنظر إلى تجربة السويد عند أستبدال عملتها الورقية والمعدنية اليوم في 2017 وضعت في كل فئة ورقية أو معدنية صورة أديب أو شاعر أو عالم أو مؤرخ أو كاتب غائباً كان أو حياً  يرزق -----

 

كاتب وباحث عراقي مغترب

 

samey alamriحين يتعلق الأمر بالرحيل، بالموت

 (الموت أهم الأفكار إطلاقاً، هنري باربوس) فكل ما يبدو خلافاً 

وحتى استياءً أو غضباً يتبدد، يتطائر في العاصفة كثوب أفعى

...قلبي، قلبي الذي يتيه فيه الكون

الراحل حميد العقابي واحد من أصدقائي النادرين، تعرفت عليه إو إليه في شمالي طهران عام 1984 في مركز إيواء اللاجئين (أوردكاه كرج)  وكان عمري أربعة وعشرين عاماً والراحل حميد كان في الثامنة والعشرين غير أن تجربته الشعرية كانت وقتذاك مكتملة أما أنا ففي بداياتي تقريبا،

ذهبتُ إليه حاملاً بعض قصائدي البكر طعماً بأن يعطيني رأيه بها وكان ممدداً على سريره ويقضم تفاحة وبعد التحية قدمت نفسي له وعرضت عليه نصوصي تلك فجلس وقرأها باهتمام وبعدها التفت لي وشطر التفاحة بيديه إلى نصفين واعطاني النصف وهو يبتسم فابتسمت أنا ظاناً أن القصائد أعجبته غير أنه لم يكن إعجاباً وإنما رثاءٌ !

1233 hamidalikabiوبعد أن قرأ المقطع التالي من إحدى قصائدي وهو :

(تلاحقني الثواني،

أتَّقيها حاملاً آثارَ أقدامي على ظهري)

   ... صاح: هنا الشعر ولكن

ولكن ماذا يا حميد؟

فصاح: فجِّرْ شاكسْ غيِّرْ!

وفي لقاء ثانٍ وسط طهران شربنا شاياً كما أتذكر في زقاق يلتقي فيه العراقيون اسمه (كوجه مروي)

أثنى فيه على ما أسماه موهبتي ونصحني بالقراءة والتوسع في شعر التراث والشعر العالمي

ومرة ثالثة التقيته بشكل عاجل في غرفة الشاعر العراقي علي العقابي. 

ثم سافر الشاعر إلى الدانمارك صحبة صديق آخر شاعر هو جمال مصطفى

ولحقت بهما بعد شهور ولكن إلى ألمانيا الغربية سابقاً ومنذ ذاك الحين بقيت أتبادل الرسائل معه حول الشعر والأدب وأحياناً الحياة وأحتفظ له بأكثر من ستين رسالة ورقية من مجموع مئة رسالة تقريباً ضاعت 40 منها وأكثر في خضم  تنقلاتي وعيشي البوهيمي في تلك الفترة وأهداني أغلب دواوينه وروايتين وأهديته دواويني وبعض من كتبي الأخرى وأما مجموعته الشعرية الأولى التي تحمل عنوان (أقول: إحترس أيها الليلك) فقد حفظتها عن ظهر قلب كما حفظتُ مجموعة صديقنا جمال مصطفى (أمطار بلا سبب) عن ظهر قلب كذلك وكل هذا ولهاً بالشعر وتعبداً في محاريبه...

يا حميد لن أرثيك فمثلك من قاطفي ثمار الأبد

 

سامي العامري - برلين

نيسان ـ 2017 

       

abduljabar noriعذراً لأول مرة يقف القلم بيدي حائراً هامساً ..ماذا أكتب؟ ومن أين أبدأ؟ في حياة "سافره جميل حافظ" تلك المرأة العظيمة المناضلة الرابطية أم الأديبة والقاصة الروائية؟، وهل يمكن أختصار سيرتها الطويلة وحياتها الثرة والمفعمة بالمطبات السياسية وحضورها الدائم في الشارع العراقي؟ في مشاركة الجماهير الكادحة العراقية في تظاهراتها ضد الدكتاتوريات التي حكمت العراق، وكانت أيام الخمسينات مفعمة بالأمل والحياة كنت حينها طالبا في كلية التربية جامعة بغداد، وكنت عضو أرتباط بين الكلية والمنظمة النسوية "في بغداد الكراده، وهي مهمة حزبية كلُفتْ بها من قبل حزبي" الحزب الشيوعي العراقي"  وكان يتردد على الدوام أسم" سافره  --- سافره جميل حافظ " في منطقة الكرادة، وحينها أدركتُ أنها من القياديات والناشطات في المجال النسوي، وشخصية مهمة، وهي من جيل الرواد في الخمسينات وقد أطلق على هذا الجيل "الجيل الذهبي" فقد برز في الشعر كثيرون (السياب البياتي نازك الملائكه بلند الحيدري لميعه عباس عماره عاتكه الخزرجي وفيما بعد سعدي يوسف مظفر النواب رشدي العامل الفريد سمعان عبدالرزاق عبد الواحد، وفي القصة والرواية عبدالملك نوري فؤاد التكرلي وغائب طعمه فرمان .

سافره جميل حافظ شخصية متعددة المواهب والنشاطات

-قاصة وروائية : كانت بداياتها المبكرة الأولى في مجال القصة القصيرة في سنة 1954 وهي لاتزال طالبة في كلية الآداب (قصة أولاد المساحي) توضح فيها ذلك الصراع المعصرن الحداثوي بين العمل الرتيب القديم والتطور التكنولوجي الرقمي الذي أوصل العالم إلى الثورة الصناعية، ثم رواية (دمى والأطفال) 1956 التي فازت بجائزة الأخبار الأوربية وأستمر هذا العطاء الثر 2007 مجموعة قصصية بعنوان (14 قصة) وإلى 2009 وثلاثيتها الشهيرة (هم ونحن والقادمون) .

- تأريخها السياسي : فهو تأريخ حافل في مشاركة المرأة في التظاهرات والأعتصامات منها مشاركتها الفاعلة في تظاهرات وثبة كانون  ضد معاهدة بورت سموث البريطانية عام 1948، وأشتركت في التظاهرات الجماهيرية في وثبة تشرين 1952 في شوارع بغداد، وأعتقلت في 1956 في تظاهرات الأحتجاج على العدوان الثلاثي على مصر، كما أعتقلت في 1963 وأودعت سجن قصر النهاية السيء الصيت، وبعدها في 1964 قُدمتْ للمحاكمة العسكرية في معسكر الرشيد، وحُكم عليها بالأقامة الجبرية لمدة سنه ونصف والمنع من السفر وحجز الأموال المنقولة والغير منقولة، وهي عضوفي مجلس السلم العراقي، وأستمرهذا العطاء الثوري ديمومتهُ النضالية في المشاركة في تظاهرات (ساحة التحرير) الأصلاحية في مناسبتين الأولى في حقوق العمال والثانية في حقوق المرأة .

- وناشطة في مجال حقوق المرأة وشاركت في تأسيس رابطة المرأة العراقية في 10-3-1952 مع  رفيقاتها الرائدات (الدكتوره نزيهة الدلبيمي ومبجل بابان وبشرى برتو وباسمه الظاهروخانم زهدي) ومنذ 1956 أنخرطت في العمل السياسي كعضو في الحزب الشيوعي العراقي ومسؤولة في منظمة رابطة المرأة العراقية، وفي  2005 أنتخبت عضوا في المجلس المركزي للأتحاد العام لأدباء الكتاب في العراق .

- في مجال الصحافة والأعلام منذُ1956أشتغلت في جريدة (البلاد) في تحرير صفحة المرأة العراقية، وثم في جريدة (الأخبار) لصاحبها جبران ملكون ونشرت فيها قصتها المعروفة دمى والأطفال وضلت تعمل فيها حتى ثورة تموز 1958، وكان نهجها في الكتابة الأسلوب الواقعي الملتزم بتوليفة سوسيولوجية مجتمعية حاضرة الواقع الملموس في نشر معاناة الطبقات الكادحة وكانت تنحو الرمزية في فترة الخمسينات والعلنية بعد الثورة .

المجد كل المجد للناشطة والأديبة الرائدة "سافره جميل حافظ" وتحية لرفيقاتها المناضلات

 

* كاتب وباحث عراقي مغترب

.............................

الهوامش والمصادر

*الموقع الرسمي لرابطة المرأة العراقية * العراق – حنا بطاطو* تأريخ العراق السياسي – عبدالرزاق الحسني

thamer ameenمن غير الممكن تجاهل فضل المقاهي على مدن العراق وأبنائه، فقد لعبت على امتداد عقود من الزمن دوراًمؤثراً في إثراء الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وذلك من خلال وجودها وانتشارها الكبيرين في المدن والقصبات حيث لم يقتصر هذا الوجود على التواصل الاجتماعي وتزجية الوقت بالاحاديث واللعب بما كانت تقدمه المقاهي من العاب معروفة، انما تعدى ذلك الى دورها المؤثر في بلورة الوعي عند عدد كبير من الشباب عبر الحوارات التي كانت تدور في مجالسهاوبسبب ماتوفره من تجمعات ولقاءات لفعاليات اجتماعية وسياسية متنوعة، فهي ملتقى لرجالات الثقافة والسياسة والوجهاء والعامة . ولهذا تعد المقاهي ذاكرة لواقع المدينة الثقافي والاجتماعي والسياسي، وقد تحول البعض منها الى مراكز تحريض ضد الحكومات ومنبع للحركات الثورية مما جعل منها موضع خشية الحكومات وهدفا لعيون رجالات الامن وهجوماتهم المتكررة .

مدينة "الديوانية " عاشت وضعاً اجتماعياً كان الأبرز فيه بساطة العيش وإلفة الحياة بين مكوناتها، الأمرالذي جعل الحاجة طبيعية الى وجود مقهى في كل محلة لاجتماع ابنائها للمسامرة وتجاذب اطراف الحديث ويسمى بـ " مقهى الطرف " حيث يقتصرالحضور فيه على ابناء المحلة نفسها، ووفق هذه الحاجة فقد انتشرت مقاهي المحلات الشعبية مثل مقهى عبيد في حي الوحدة، مقهى حسين سعيد في الحي الجمهوري، مقهى طالب في شارع الأطباء وفي محلة الجديدة ظهر مقهى الضويري والكرفت وكازينو البلدية التي تميزت بحديقتها الرائعة الغنّاء، مقهى عواد في محلة أهل الشط، مقهى صنكر في محلة السراي، مقهى عليوي قرب مدخل الفرقة العسكرية التي عرفت بروادها من العسكريين، أما المقاهي التي ظهرت قريبة من الدوائر الرسمية فقد كانت محطات إنتظار واستراحة لمراجعي هذه الدوائر خصوصا للقادمين من خارج المدينة وأشهرها مقهى عبد داهي، مقهى الشبلاوي، مقهى قدوري، مقهى حاج اسماعيل ومقاهي اخرى تميزت بحدائقها اعتاد الديوانيون ارتيادها مساءً مثل، مقهى طارق،كازينو الطبقجلي، كازينو ليالي الربيع، كما ان سوق الديوانية الكبير بالرغم من صفته التجارية الا انه لم يخلُ من وجود عدد من المقاهي تخصص كل واحد برواده فمقهى " الحاج سعيد " كان ملتقى الأدباء والفنانين والمثقفين، شهد حواراتهم ومشاريعهم ومن أبرز رواده كزار حنتوش، زعيم الطائي، عبد الرحيم صالح الرحيم، سلام ابراهيم، ثامر الحاج امين، منير ياسين، رحيم ماجد، حمزه عبود وآخرون، وكذلك مقهى " سلمان الأعسم " الذي توسط السوق كان محطة لتجمع عمال البناء واسطواته وانفرد من بين المقاهي بتقديم الناركيلة، الاّ ان مقهى " اللواء " الكائن في الصوب الصغير من المدينةوصاحبه كريم عباس هندي والساقي فيه ناجي عفلوك يعد الأبرز من بين مقاهيها، فقد صار في ستينيات القرن الماضي واحدا من  المعالم البارزة فيها بسبب رواده الذين جلهم كان من المعلمين والمدرسين، وأيام كنا تلاميذ في المرحلة الابتدائية والمتوسطة كنالشدة احترامنا للمعلم ولفرط هيبته ومنزلته العالية في نفوسنا نتحاشى المرور في الجانب الذي يقع فيه المقهى عندمانروم عبور الجسر الى الضفة الاخرى من المدينة . أما مقهى "عواد" الذي يقع في التقاطع المؤدي الى منطقة أهل الشط المعروفة بولائها للشيوعيين والذي يعود الى عائلة " عواد كرّان " التي لها باع طويل في الحركة الوطنية وقدمت عددا من الشهداء ومايزال المتبقي من ابنائها رموزا وطنية مضيئة في حركة اليسار العراقي فقد اصبح هذا المقهى في مطلع السبعينات قبلة وملتقى للشيوعيين والوطنيين اليساريين وكان يتخذ من الارصفة المحيطة به أرضية لتوزيع تخوته التي شهدت أجمل الحوارات واللقاءات ومن أجيال متعددة وكانت الجلسات الصاخبة بالحواراتتمتد حتى ساعات الفجر، وكان هذا المقهىبحق مدرسة وطنية قدّم دروساً في حب الاوطان والبذل من أجل الحرية وتحقيق العدالةالاجتماعية، وليس بعيداً عن هذا المقهى فهناكمقهى آخر يقع في منطقة " الجديدة " كان هو الآخر ملتقى لرجالات الفكر والسياسة عرف بمقهى " عبد طامي " والمعروف ان المكان غالبا مايكتسب أهميته ومن ثم بقائه شاخصا في ذاكرة التاريخ بسبب مايتمتع به من موقع أو اطلالة او من خلال مشاركة غير منظورة في صنع حدث ما،الا ان هذا المقهى تربع على مساحة كبيرة من تاريخ مدينة الديوانية بالرغم من مساحته الصغيرة وقيامه في زقاق محلة عريقة عُرفت بإرثها الوطني والاجتماعي هي " محلة الجديدة " الأمر الذي يدعو للتأمل والبحث في اسرار وعالم هذا الكيان، كانوا يصفونه بالمقهى وكنت أستغرب في سري لهذا الوصف فهو أقرب للمنتدى منه الى المقهى، فالمقهى كما هو مألوف عالم يعج  بالجمهور والثرثرة وايقاعات النرد وقطع الدومينو في حين كان مقهى عبد طامي يخلو من كل ذلك، فلا وسائل لهو فيه ولامذياع يصدح بالاغاني ولاوجوه تتغير بين ساعة واخرى، كل مافيه تخوت قديمة تآكلت حصرانها ورواد لايتغيرون، متميزون بوجوهمالطافحة بالرجولة التي بانت على محياها هموم الوطن وآثار السنوات العجاف، معلمون، عمال، كسبة، مفصولون ألقت بهم عواصف السياسة على عتبات مقهى عبد طامي يتجاذبون الحديث والنقاش ويتبادلون الكتب بمحبة ظاهرة، حالمين بغد أفضلوبوطن ينعم بالحرية والكرامة، لم يتميز المقهى بشيء عن محلة الجديدة فقد تماهىمع شخصيتها وهويتها ومتداخلا مع بيوتاتها البسيطة وأزقتها الفقيرة .

في صباي كنت أتعمد تأخير خطواتي حينما أمر من أمام المقهى، فقد كان يشدني مشهد الصمت القابع في أركانه، رجال منكبين على الكتب والصحف، أما من غص بهم المقهى فقد اتخذوا من التخوت الموزعة في الساحة المقابلة له حلقة للحوارمع " عبدالله حلواص " الفيلسوف الفقير الحال، الغني بثقافته وكبريائه والاصغاء بحرص الى كل مايقوله ويشرحه، فقد قادته القراءة  التي تعلمها وهو في السجن الى الاطلاع على الاقتصاد والتاريخ والفلسفة وظل بعقاله وسترته " التاريخية " ودشداشته القديمة منارة المثقفين والسياسيين، ويذكرعنه القاضي زهير كاظم عبود (كنا نلتقي في مقهى عبد طامي في محلة الجديدة كشباب في مقتبل العمر نلتف حول شيخنا الجليل عبدالله حلواص كحلقة دراسية، ليحدثنا عن العمال والفلاحين والفقراء والمحرومين والعدالة الاجتماعية) والطريف ان النقاش كثيرا ماكان يحتدم بينه وبين رجل الدين الشيخ " عزيز الشيخ كاظم "  ـ أحد رواد المقهى ــ الا انه بعد ان تنتهي فورة النقاش يأخذ الشيخ بيد حلواص ليشاركه الغداء في بيته القريب من المقهى، كنت احيانا أتجاوز خجلي وأقف قليلا أتأمل المناضل الكبير " كيطان ساجت " بقامته الفارعة وشاربه الكث وهو يتوسط المقهى ملوحا للجالسين في أمر وكأنه ستالين يخطب في مجموعة من البلاشفة، كما لم تكن طارئة على ذلك المشهد شخصية " سيد بدر " بالجبة والعمّة السوداء بمرحه الظاهر وهو يشارك الاخرين نقاشهم وتعليقاتهم فهو ابن الجديدة وشخصية محبوبة وكان عاقداً وشاهدا على زواج الكثير من رواد المقهى، وحتى عكازة "عبدالله البصير" أو "ابو مهيدي" ــ كما كان يحلو لرواد المقهى بمناداته ــ هي الاخرى تآلفت مع المكان وصارت تهتدي اليه عند الظهيرة حيث يقضي عبدالله قيلولته في المقهى بعد صباح مرهق عند مقدمة الجسر بانتظار ماتجود به أكف المحسنين ولكن السياسة لم تتركه عند حاله فقد سرت اليه عدواها فراح يشارك تلك النخبة نقاشها وهمومها .

مقهى "عبد طامي" فضاء الاحلام الكبيرة شهد منذ الخمسينات حلقات نقاش جريئة دون خوف من أعين الرقباء وكان ساحة للأسرار ومركز تحريض ضد الحكومات الفاسدة كما شهد ولادة القصائد حيث وجد فيه الشعراء والأدباء ملاذاً هادئا فكُتبت تحت ضوء كوته القصائد والمقالات وانطلقت منه الافكار والرؤى والتظاهرات .

مقهى "عبد طامي" ومنذ زمن لم يعد قائما فقد أجهزت عليه معاول الاعمار في مطلع تسعينيات القرن الماضي في حملة لتحسين حال محلة الجديدة، أزيل المقهى ولكن الذكريات بقت تقاوم أسّنة المعاول وظلت تحوم حول المكان أرواح الراحلين من رواده الشيخ كاظم السمرمد، الشيخ عزيز كاظم، فيصل شعلان، ابو ياس، صباح كاظم، فاضل شوغه، كاظم ابو السّرة، ناصر عواد، احمد الرحيم، صباح رزوقي مثلما ظلت ترنو صوبه بعيون دامعة انظار الباقين فيصل حسين، هادي ابو ديه، عدنان المنسي وآخرين .

 

ثامر الحاج امين