ryadibrahim addilamiسنة واحدة (الشاعر عيسى حسن الياسري) وهجرة وطنه وبين أمسيته الاحتفالية التي ضيفه فيها منتدى المحاويل الثقافي عام 1997 وقد استعرض خلالها مسيرته الابداعية طيلة ثلاثة عقود ونيف .

هذه الامسية ربما كانت آخر أمسياته وندواته في العراق قبل هجرته الى منفاه الى (مونتريال في كندا) وقبلها احتضنته عمان عام 1998 وبعدها طلب اللجوء الانساني .

لقد جاء (الياسري) الى مدينة المحاويل من بغداد وكنا باستقباله وخشية منا على سلامته كنا قد رافقناه من بيته في العاصمة وحتى عودته اليها .

لقد احتفت به جماعة (الآن) وهم أعضاء المنتدى أبهى احتفاء وتكريم من خلال الوقوف على تجربته الرائعة واعتزاز جماعة (الآن) بمنجزه الشعري والروائي والصحافي، وتقديم الشهادات الثقافية بحق تجربته،والتي سلطت عليها الاضواء، وابتهج جميع الحضور بالشاعر (الياسري) بمحبة واعجاب واحترام وما تلاه من شعر وحديث شيق لسيرته الابداعية .

لقد بدأ الشاعر يسرد سيرته منذ ولادته في ميسان وكيف خطف الموت أخيه الاصغر الذي تعلق به ومناغاته وجلوسه الطويل قرب مهده، ولكن الموت الواقعة الاشد دون ان يعلم ماهيته وسر والنهايات، فعمدت أمه الى وضع يد (الجاون) أو (الميجنة) ولفتها بالقماش وارقدتها بدلا من أخيه المتوفي في المهد لتوهمه بان أخيه هو النائم . كان يحكي لنا الشاعر بشفاهية وبلغة شعرية شجية وشفيفة وبصور شعرية يقشعر لها البدن مما أبكى كل الحضور، كان يتحدث ودموعه تنهمر بغزارة، وأنا لم أر وأحضر أية امسية في حياتي كالتي حضرتها مع رفاقي بالمنتدى من خلال الجو المفعم بالشعر والبكاء والاحتفاء .

(عيسى الياسري) طاقة شعرية مهولة امتهن الحفر في لغة جذور القصب والبردي والاكواخ التي غادرت مياهها بفعل المدافع والصواريخ التي زلزلت الارض والحياة والاهوار معا ، لقد ساهمت الحرب الثمانينية وما لحقها من دمار لحضارة الاهوار وهجرت السومريين من وطنهم الذي سكنوه من آلاف السنين وحتى الحرب والحصار والتجويع، لقد استطرد (الياسري) في حديثه كثيرا في قص حكايته مع وطنه الام (الاهوار) ومأساة المعدان والفلاحين وأهل ميسان والبصرة والناصرية وما لحق بهم من ظلم تاريخي مأساوي جرد الجنوبين من فرحهم وطقوسهم الحياتية وتحولوا شتاتا في داخل الوطن وخارجه، وأصبحت مراعيه وأرضه الخصبة ومياهه الدافئة التي تعد - بيئة غنية بالطيور والاسماك والحيوانات - ومصدر عيشها الوحيد الى ارض جدب ويباب لا حياة فيها لأنسان ونبات وطائر وحيوان .

لقد قرأ (الياسري) في أمسيته الاخيرة وربما عشاءه الاخير في وطنه العراق أجمل قصائده من دواوينه الشعرية، وبعدها تداخل عدد من النقاد والادباء بنقدهم وشهاداتهم بحق تجربة الشاعر وأثره بالمشهد الشعري باعتباره واحدا من أهم المجددين بالفن الشعري العراقي والعربي على حد سواء .

الشاعر (الياسري) حضر الى المحاويل وكان المرض قد تمكن منه شيئا فشيئا فكان يتكأ على عكازته ويلبس نظارة سميكة وأخذت أطرافه ترتجف قليلا ونالت منه الجلطات والسكري وتركت لها مساحات في جسده الوهن، كان طويلا وممشوق القوام ، لقد اعددنا له وتكريما لمجيئه الينا رغم تعبه ومرضه مأدبة كبيرة لكنه اكتفى بكأس ماء وقدح شاي وترك كل أنواع الطعام بسبب حذره الشديد من تناول الاطعمة الدسمة التي قد تؤذيه .

لقد لاحظت على الشاعر (عيسى الياسري) دماثة خلقه وتواضعه واحترامه للآخر ومستمعا لحديثه بكل اصغاء وتهذيب .

ان للشاعر (الياسري) رؤيته وقناعاته بشان الاصالة في الشعر والحداثة فهو يقول في حوار أجرته (استبرق العزاوي لصحيفة المثقف) :

 (ان مشهد النتاج الشعري العراقي الشاسع فهو مشهد نستطيع أن نفخر به ..ونضعه بمصاف الأبداع العالمي .

الحداثة ..ومن ثم مصطلح " ما بعد الحداثة " أعتبرها بدعاً .. وحذلقات لا ترتبط بأي تقنية علمية أو ابداعية .. إنها من مبتكرات عصر " العولمة " ..هذه المبتكرات التي تحاول أن تلغي هوية الأبداع "المحلي " .. وتدمغه في ختمها .. لا يوجد إبداع لا يتسم بصفة حداثية منذ عهد " الأغريق " إلى يومنا هذا .. بل من عهد " شعرائنا السومريين " ..وكل أمة لها سمة حداثتها المميزة التي تحمل طابعها القومي والوطني .. وإذا ما عدت إلى تصفح شعرنا العربي الخالد في عصر " ما قبل الإسلام " لوجدت أنه يحتوي على مكون حداثي باهر .. ولو قارنت بين لوحات الفنان السوريالي العالمي " سلفادور دالي " وبين معلقة الشاعر العربي "امرئ القيس " لوجدت أن هذه المعلقة ..وفي معظم بنائها الفني والتشكيلي ماهي إلا لوحات سوريالية باهرة .. ولو كان "دالي "يجيد اللغة العربية لما توانينا عن اتهامه بتأثره في سورياليته بسوريالية " امرئ القيس " .. الحداثة سمة متوفرة في الأبداع من أقدم عصوره وحتى يومنا هذا .)*

ان شعر وسرد (الياسري) هما عبارة عن معزوفة وجع وحزن ومراثي يكتبها للوطن وللإنسان الذي لم يعرف ولم يذق طعم الحرية والاستقرار والعدل لذا جاءت تجربته الادبية متوائمة مع هذه الابجديات التي عاشها العراقيون بمعاناة حقيقية غير مبالغ بها وانما صارت أحزان العراق هي الهوية الجامعة لشعبه (الشعر والألم توأمان . المبدع كائن محكوم باللعنة والشاعر هو حامل أوجاع العالم في كل بقاعه، الشعراء السعداء لا يكتبون الشعر أبداً).

لقد رفض الشاعر تسمية شعراء الداخل والخارج لهذا تراه يقول: (اعتقد أن تجزيء الشعراء إلى داخل – خارج هو تجزيء لامنطقي ومفتعل ولا يتصف " بالبراءة " .. إن أدباء الخارج لا يقلون انشغالاً بهموم بلدهم واهلهم عن انشغال شعراء الداخل بهذه الهموم) .

لقد شعر الشاعر بغربة قاسية وهو في داخل وطنه رغم ساهم بشكل فاعل بالحياة الثقافية والعراقية وعمل بمراكز مرموقة في الحقل الاعلامي والثقافي لكن لم يعط المكانة التي توازي ابداعه واخلاصه ووفائه للوطن، لهذا عانى ما عاناه من الانتهازين والمحسوبين على الادباء حتى هجرته القسرية من وطنه فيعرج عن كيفية تشبث الانتهازيون على مقاليد الحركة الثقافية في العراق: (ان " لوقيانوس " يذكر فيها ما ينطبق عليهم " حيث يقول:

 " هؤلاء المهرجون والدجالون الجهلاء .. الذين خلقوا ليزحفوا على بطونهم .. وولدوا للذل .. وعاشوا للهوان .. وفطموا على المسكنة .. إذا استطاع هؤلاء أن يتخلصوا من هذا العمل المشين .. فلن يجدوا لأنفسهم أيّ عملٍ آخر .. لأنهم لن يصلحوا لسواه .. وبذلك يصبحون عاطلين مدى العمر ") .

جاءت الغربة لتضيف الى أوجاعه وجعا آخر فيصبح منشطرا ما بين وطنا جديدا احتواه كانسان ومبدع وحقق كرامته المهدورة في وطنه والى وطنه الام هذا الوطن الذي تنفس غباره ورطوبته وريحانه وشرب ماء فراته وسحن جلده بشمسه واستظل بظلال نخيله . ولم يتردد (الياسري) أن يفصح عن مدى ألمه وفرحه بذات الوقت وكيف أثر منفاه وبعده عن وطنه على شعره : (في "كندا " يضاف عامل جديد للتأثير على قصيدتي ..حيث بعد المكان الجديد الذي يختلف في تضاريسه .. وتشكيلاته الجمالية .. عن المكان الأول .. وهذا ما يمنح لغة الشاعر تنويعات مكانية جديدة .. ويغني قاموسه الأول الذي تأسس وفق ابنية لغوية مميزة .. وعلاقات عائلية واجتماعية مختلفة .. ولكن .. ليس بمقدور جماليات المكان الجديد .. والانبهار به في المواجهة الأولى معه أو حتى بعدها أن تلغي هرمية المكان الأول .. وعمق أسسه البنائية التي تبدأ من الطفولة لبنة الحياة الأولى .. نحن في أول مواجهة لنا مع المغترب ..او أسميه أنا المنفى ..لأن المغترب يتم بطريقة إرادية ..أما المنفى فهو قسري ..تفرضه ظروف وحشية ..أقول إن أول لقاء لنا مع المنفى علينا أن نعود أطفالاً نتعلم المشي .. إنه يحاول أن يقطع جذورنا مع المكان الأول أيضاً .. ويصهرنا في بوتقته .. ومن هنا يبدأ صراع نفسي بين الشاعر وبين مأزق المنفى .. قليلون هم أولئك الذين حافظوا على انتمائهم للحاضنة الأم .. وأقاموا تعادلية متوازنة .. تعطي المنفى من موروثها الضارب عميقا في منطقة الجذور .. وتأخذ منه ما تراه مفيدا لإغناء هذا الموروث .. وإثرائه .. وقد حاولت أن أوفق في قصيدتي ما بين ما أعطي المنفى ومأ آخذه منه) .

 

رياض الدليمي

....................

* (مقاطع وردت من الحوار الذي أجرته الاعلامية استبرق العزاوي مع الشاعر عيسى حسن الياسري والمنشور في صحيفة المثقف عام 2012)

esmat shahindusakiالمجتمع الكردی مجتمع مؤلف من جمالیات وتناقضات متغايرة مع وجود فوارق ثقافية عميقة بين منطقة واخرى بل وجود فوارق داخل المنطقة الواحدة نفسها وفي نفس الوقت وجهات ثقافية كثيرة .تعتبر من السمات المشتركة وهي نتاج تفاعل اجتماعي عرضة للتغيير بين وقت واخر بفعل نشاط سياسي وقد يكون المثقف الكردي يبحث عن الهوية الذاتية التي تسعى الى السمو والارتقاء في المجتمع وقد يبحث عن قاعدة جماهيرية تعينه على تغيير ما هو سلبي وترسيخ الاحساس بالمصير والوجود بشكل راقي وبينها تتجلى منافسة مريرة بين المفكرين والادباء الاصلاء الواقعيين الذين يحملون رسالة انسانية ومن خلالها بناء الارض والانسان وبين من يسخرون اقلامهم وشخصيتهم لفئة معينة للبقاء على الكرسي اطول فترة ممكنة واكثر ربحا. هذا الانقسام الفكري بعد ولادة طرية اجتماعية وثقافية تجعل التميز بينهما ظاهرا رغم وجود حجابات واغطية مرقعة . تتوفر بينهم تقديرات من الجانبين بدراية لكل ما يجري على الساحة الأدبية والثقافية، كل دولة بمفهومها العام لا ترتقي ولا تتقدم ولا تتطور الا بعلمائها ومفكريها وادبائها واي دولة تهمل أو تتخلى عنهم ستكون دولة ومجتمع ضعيف تتكالب عليه دول اخرى كون هذه المجتمعات لا تتمكن من ادارة نفسها بالصورة السليمة خاصة ان كانت دول ومجتمعات غنية بالثروات المختلفة، فلا بد من الاهتمام السياسي والثقافي لشريحة الادباء والمفكرين والعلماء كونهم واجهة انسانية لحضارة مدنية معاصرة .

في دهوك عروسة كوردستان عروسة الجبال والينابيع والبساتين عروسة الحب والجمال، كنت وحيدا أتأمل من الطابق العاشر لشقق دابين الأولى مناظر جبال دهوك الجميلة ومعالمها التي تقابل نظر عيني جبل سينا شندوخا وحي الملايين ومالطا وكرى باصى واذا برنة هاتف من الرحال المنسي في بلاده والمشهور في العالم الاديب المغترب في النمسا بدل رفو تواعدنا والتقينا في مقهى شعبي قديم، قد يكون من النادر أن تجد مكانا ترتاح فيه بعيدا عن الضوضاء والمظاهر الصاخبة في زمن اصبح بعض الناس يعتنق المظاهر كرباط العنق لبدلة جميلة وقلادة ذهب بعيدون عن الجوهر الراقي في الفكر والنفس الانسانية، اتجهنا أنا وبدل رفو الرحال في عصر كاد يرحل عنه الاصالة والقيمة الفكرية الا ما رحم ربي، ونسيان الانسان بين غرية وهجرة وخراب ودمار ونزوح وحروب فكرية وجسدية متراكمة بدلا من الارتقاء الانساني اصبح الظاهر تدمير الانسان فكريا ثم تتوالى الجوانب الاخرى،ومن اسواق دهوك الشبه خالية كانها مدينة من كوكب اخر حيث الصمت والهدوء اغلب المحلات والاسواق مقفلة، انه يوم نوروز يوم جديد الذي يجمع الناس في السفرات ومناطق اخرى ولكي نكون واضحين في فهم نوروز هو يوم جديد للحياة للإبداع للفكر لعمل شيء جديد لتطوير وخلق شيء جديد لتقديم شيء جديد حتى لو كان اضعف الايمان زراعة سنبلة شجرة وردة كلمة طيبة واكبرها ما هو عظيم للبلد والمجتمع وللانسانية عامة في مجال الصناعة المتطورة والانتاج الراقي في الاطر الانسانية يكون نوروز نوروزا حقيقيا، ومشينا نتذكر الماضي ونناقش الحاضر فكريا وادبيا واجتماعيا ومن حديث ذو شجون الى حديث اخر وصلنا الى كراج بروشكي للنقل الداخلي لنجده هو الاخر ساحة خالية لكن صدفة مرت سيارة نقل كوستر وبأسلوب بدل الجميل وافق السائق رغم عدم وجود اي شخص غيرنا وطول الطريق لوحدنا لا احد يصعد ولا أحد ينزل وصلنا الى صناعة بروشكي ونزلنا بعد أن قدمنا شكرنا وتقديرنا للسائق أشر لي بدل بيده الى موقع شقته في اعلى سفح الجبل ونحن في بروشكى السفلى، وبين السفلى والعليا صعود قوي وبدأت رحلة الصعود ولا أخفي عليكم في كل صعود تثقل خطواتنا فنقف لحظة كمحطة استراحة ونلتفت ورائنا لنرى ونتأمل مناظر دهوك الجميلة ثم نتابع السير الصعود الى أن وصلنا لشقة بدل رفو وكنت اظن كأي شقة كانت وفي نفس الوقت أتخيلها مميزة عن باقي الشقق السكنية وهكذا ادهشتني منذ بداية فتح باب الشقة رايت علم المكسيك الذي اهداه له فلاح مكسيكي اصطحب بدل رفو الى رحلة في كهوف الثورة المكسيكية والى كهف " زاباتا " الثائر في مدينة " تيبوسلان " الثائر المكسيكي الذي قاد الثورة المكسيكية ضد الظلم والجهل والفساد واشتهر " زاباتا " بعبارته المشهورة " الأرض لمن يزرعها " وفي الجانب الاخر من الجدار صورة " جيفارا " الثائر وهي مهداة من نجل جيفارا شخصيا " كاميلو " الذي التقى به بدل رفو ونشر تحقيقا حول لقائه حيث ابدى " كاميلو " استعداده لزيارة كوردستان مع بدل رفو نتيجة السرد الساحر الذي سرده بدل رفو لكاميلو، ورأيت تحف من المكسيك وكازاغستان والهند ومنها تمثال الفيل النادرالذي يمثل رمز للهندوس وتحف محفورة على الخشب ولفت نظري سجادة مزركشة بالوان عديدة مشرقة في وسطها شكل فيل بالاضافة الى تحفة فيل من السيراميك وتلفون قديم نادر من المرمر اهدته له صحفية نمساوية وهناك مسبحة بعناقيدها معلقة من اشهر روحانية نمساوية في علم الارواح ايضا وجود الات ناي خشبية جميلة الصنع بدقتها وشكلها الجميل وانتهينا من ممر الشقة الى جناح خاص من التحف الاثرية الصغيرة والكبيرة الحجم من مختلف دول العالم وجناح خاص للاقداح النمساوية النادرة حيث كل قدح يجسد قصة انسانية وعشقية كذلك مجموعة من الزجاجيات باشكال وانواع مختلفة من جزيرة "مورانو" في البحر المتوسط بقرب جزيرة البندقية التي اشتهرت بصناعة الزجاجيات في القرن الثاني عشر مع هدايا من كازاغستان وايطاليا والمانيا ومصر والمغرب ودول اخرى، وللشموع تأثير قوي على الاديب بدل رفو مجسدة باقداح ملونة مضيئة، وبما ان بدل رفو اشتهر بعدة القاب في مسيرة حياته ورحلاته في دول العالم ومنها صقر كوردستان وجدت تحفة لصقر مطلق الجناح، ولكونه من عمق تاريخ قرية شيخ حسن التي لا تخرج من خياله وواقعه الادبي والانساني كوطن صغير وجدت تحفة زير او ماء قديمة جدا وجدها ضمن التحف المنسية في القرية فاعتنى بها وجعل لها مكانا خاصا هكذا يهتم الادباء بجذورهم وتراثهم وتاريخهم وموروثهم مهما كان صغيرا أو كبيرا وعلى الجدران رايت صور جدارية ولوحات راقية لجزيرة " بورانو " في ايطاليا التي مشى في ازقتها وقرب بحارها ولن ينسى بدل رفو اصدقائه القدامى في باطن الكتب فجهز لها مكتبة جميلة جدا ببساطتها وضع على رفوفها مختلف الكتب الكردية والعربية والعالمية منذ نهاية السبعينات ولحد الان وبين يدي كان أول كتاب اقتناه من شارع النجفي في الموصل كتاب " مهاتما غاندي " الذي تاثر به وتاثر بشعراء الانسانية امثال "بابلو نيرودا – رسول حمزاتوف – لوركا " وغيرهم وكتب مهداة من مؤلفيها مثل الدكتورة حياة شرارة وجليل جمال الدين وجرجيس فتح الله وغيرهم من المفكرين والادباء بعد أن اطلعت عليها وجدتها مكتبة فكرية اجتماعية انسانية، حتى فيها مكان خاص لسيديهات موسيقى من انحاء العالم النمساوية والمكسيكية والايطالية والكازاغستانية والالمانية والمغربية والمصرية وغيرها كما اني وجدت تحفة فنية مصرية تجسد سوق الخليلي عبارة عن عملية الطرق على المعدن ولوحات فنية تشكيلية للفنان " لكوستان كليمنت " كما كانت بين يدي صخرة مرسوم عليها صورة الاديب بدل رفو من فنانة نمساوية، هكذا تمكن ان يجمع العالم في مكان صغير، قدر ان يكون سندباد كوردستان بدل رفو جسرا ثقافيا بين النمسا ودول اوربا والعالم وبين كوردستان، وحتى في لقاء رئيس الوزراء النمساوي " كيرت " قال له " يسعدني أن نعمل جميعا من اجل نمسا وكوردستان ونحن فخورون بوجودك معنا "وهذا يجسد اهتمام الدول المتقدمة كنمسا التي تحتضن بدل رفو ودول اخرى طلبت منه البقاء فيها عكس البلاد الاخرى القريبة منه التي أبى ان ينحني أو يركع لأي فئة أو شخص فهو يضع كوردستان فوق العناوين وظل وسيظل وفيا لكوردستان وفيا لقضيته لرسالته الادبية لشعبه وبلاده رغم شعوره بالاقصاء والتهميش كحال الكثيرين من العلماء والمفكرين والادباء، لايمكن أن نحصي المدن التي زارها بدل رفو حتى الطاولة التي اكتب عليها عليها مختلف الهدايا والتحفيات الصغيرة من المدن التي زارها وكتب عنها، ان شقته تعتبر تحفة فكرية فنية تجمع دول العالم ليس هذا فقط بل في كل دولة يحمل قضية شعبه وكوردستان وتعد المجموعات التحفية حالة نادرة في العصر الحديث وبهذا يعد اول رحال قدر ان يجلب العالم من خلال تحفه الى مدينة دهوك بجهده الخاص بلا دعم من اي مؤسسة رسمية او اهلية وقال لي بحصرة مؤلمة " الفترة التي امضيتها اكثر من ربع قرن في ترجمة الادب في المهجر ورحلاتي الثقافية اخذت مني كل عمري وجهدي وغربتي رغم الم التهميش والنسيان من البعض أنا سعيد " امضى بدل رفو اكثر من احدى عشر عاما في نقل مشاهداته عن دول العالم الى بلاده من خلال مجلة الصوت الاخر والتاخي والزمان وعدة صحف ومجلات عربية وعالمية واشير هنا ان مقهى " شدا " الثقافي في دهوك والذي يقيم امسيات ثقافية وادبية علقت صورة الاديب بدل رفو تكريما له من شباب دهوك بالرغم من تنكر الكثيرين لجهوده وكذلك اقيم لبدل رفو عام 2010 م أول مهرجان شعبي تكريمي اقامه واشرغ عليه الشعب لبمبدعيه في جامعة دهوك واتمنى ان تتكرر ويستمر التكريم الشعبي لكافة الادباء المبدعين في جميع المجالات فهي رؤية حضارية راقية جديرة بالاهتمام والتقدير مثل الرحال بدل رفو وغيره يجب ان تعتني بهم المؤسسات الثقافية بكافة صنوفها فما دور المؤسسة الثقافية في اي بلد ان لم تهتم بثقافة الانسان؟ وعلى جميع الجهات المسؤولة الاهتمام بالمفكرين والعلماء والادباء فهم منارات وشواهد مشرقة لأي بلد راقي، يبقون راسخون في عقول الاجيال المتعاقبة، نحو حضارة مدنية معاصرة تبقى متجددة بالفكر والعدل والحياة .     

 

عصمت شاهین دوسكی

 

diaa nafieوصل نصرت الاعظمي الى موسكو في العام الدراسي 1959/1960، وبعد دراسة اللغة الروسيّة لمدة سنة دراسيّة كاملة في الكليّة التحضيرية التحق في معهد بليخانوف الاقتصادي (اصبح هذا المعهد الان جامعة بليخانوف الروسيّة الاقتصادية)، وتخرج هناك وحصل على شهادة الماجستير في العلوم الاقتصادية، بعد خمس سنوات من الدراسة . كان نصرت يعرف ان العراق لا يعترف بشهادة الماجستير السوفيتية هذه آنذاك، ولهذا سافر الى انكلترا واستطاع ان يحصل هناك على وثيقة انكليزية تعادل شهادته بالماجستير، وهكذا عاد الى العراق وتم تعينه تدريسيّا في الجامعة المستنصرية . وتشاء الصدفة ان يكون سمير عبد الوهاب الشيخلي طالبا لديه في الكلية . كان نصرت الاعظمي انسانا مرحا ومحبا للنكتة، ومرّة، عندما كان يجري عملية تدقيق حضور الطلبة ونادى اسم سمير الشيخلي، أجاب الطالب سمير بكلمة – نعم كما هو معتاد، نظر نصرت اليه وقال مازحا – (انت شكل سمير؟ كان على اهلك ان يطلقوا عليك اسم عبود). ضحك الجميع طبعا على هذا التعليق، اذ ان شكل سمير الشيخلي كان ينسجم فعلا مع هذا التعليق القاسي (يجب القول هنا ان هذا التعليق غير تربوي وغير لائق من جانب اي تدريسي، وقد شعر نصرت رأسا بالخطأ الذي ارتكبه، ولكن سبق السيف العذل كما يقول المثل) .

مرّت الايام والاعوام، ورجع حزب البعث الى السلطة عام 1968 واصبح سمير الشيخلي كما هو معروف وزيرا للتعليم العالي في تلك الفترة، وحدث مرّة ان زار الجامعة المستنصرية، واستقبله بالطبع رئيس الجامعة والعمداء، واثناء هذه الزيارة سأل الشيخلي عن نصرت الاعظمي وهل لازال تدريسيا في الجامعة، وأجابوه – نعم هو موجود عندنا، فطلب ان يستدعوه للحضور امامه. لم يكن رئيس الجامعة او العمداء يعرفون بالطبع سبب هذا الاستدعاء، وظنوا ان الوزير ربما يعرفه، أما نصرت فقد فهم سبب الاستدعاء طبعا، و(مات من الخوف !) كما أخبرنا بعدئذ، اذ انه ظن ان الوزير سيحاسبه على ذلك الحدث حسابا عسيرا، ولكن لم يكن امامه الا ان يذهب الى رئاسة الجامعة حيث يجلس الوزير، اذ لم يكن هناك اي مخرج آخر. عندما دخل نصرت الى القاعة، ضحك الشيخلي رأسا وقال – هذا هو الشخص الوحيد الذي حدد بأني ابن الشعب، وحكى للجميع قصة نصرت حول اسمه عندما كان طالبا لديه وهو يضحك، وضحك الجميع طبعا، وتبدد خوف نصرت ورعبه وساهم بالضحك مع الآخرين . قال الشيخلي لنصرت – (انا الان وزير التعليم العالي فهل لديك اي طلب من الوزارة كي ارد لك ما قدمته لي من فضل ؟)، فقال له نصرت، متشجعا وسط هذه الاجواء الضاحكة – أتمنى أن أرجع الى موسكو ملحقا ثقافيّا للعراق، ففي موسكو قضيت مرحلة شبابي، فقال له الشيخلي – قدّم طلبا الى الوزارة بذلك وساوافق عليه حسب التعليمات المتبعة، اذ انك تمتلك المؤهلات المطلوبة فعلا لهذا المنصب الرفيع. 

وهكذا تقدّم نصرت الاعظمي بعريضة الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي يطلب فيها تعيينه ملحقا ثقافيا بموسكو، واحيلت تلك العريضة الى الوزير طبعا، ووافق عليها، وكان على نصرت ان يؤدي امتحانا - حسب التعليمات - في مادة اللغة الروسيّة بقسم اللغة الروسيّة بجامعة بغداد. استلم القسم الامر الاداري بذلك، وتم تأليف لجنة خاصة لاجراء الامتحان المذكور، وكنت أنا أحد أعضاء تلك اللجنة، ووضعنا الاسئلة حسب التعليمات دون ان نعرف اسم الشخص الممتحن ولا حتى موعد الامتحان، وعندما وصلت الاجابة، تبين ان الممتحن قد نسي تماما في الواقع معرفته السابقة للغة الروسيّة، وهكذا رسب في ذلك الامتحان.

 زارنا نصرت بعدئذ، وتذكرنا أيام الدراسة في روسيا، وكان من الواضح انه قد نسى اللغة الروسية لأنه ابتعد عنها سنوات طويلة وكثيرة وتركها واقعيا، وقلنا له ان القسم مستعد لتدريسه من جديد، فتقدم بطلب الى وزارة التعليم العالي للسماح له باداء الامتحان مرة اخرى، وقد تم كل ذلك فعلا، الا ان النتيجة كانت سلبية ايضا رغم كل عواطفنا معه، وقد ترك نصرت محاولة تعيينه بعد ذلك، لانه فهم ان اعادة دراسة اللغة بهذه المرحلة من العمر مسألة صعبة جدا، ولم يشأ ان يعود الى الوزير ويطلب استثناء منه لتعيينه بغض النظر عن نتيجة امتحان اللغة الروسيّة.

رحم الله نصرت الاعظمي، الذي انتقل للعمل في احدى جامعات كردستان العراق عندها وتوفي ودفن هناك.

من كتاب – (عراقيون مرّوا بموسكو)، الذي سيصدر قريبا في بغداد عن دار نوّار للنشر.

 

 أ.د. ضياء نافع

 

dawd alkabiتعرفت على الاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح في "جامعة الامام الباقر" واستمعت منه مباشرة الى عدة دروس فلسفية عام 2010 . وقد قرأت معظم ما كتب صالح، وانا اشد الاعجاب بأطروحاته وتحليلاته – النفسية والاجتماعية والسياسية- وتكونت لدي فكرة تأليف كتاب عنه اسلط فيه الضوء على كتاباته وآراءه، وعن محاضراته في العديد من الجامعات العراقية، وعن كونه ايضا صحفيا واعد بعض البرامج الاذاعية والتلفزيونية، وكتب المقالات السياسية والنفسية والاجتماعية في عدد من المجلات والصحف العراقية والعربية، وهو الى حين كتابة هذا المقال، يكتب وينشر معظم ما يكتبه في المواقع الالكترونية الرصينة.

وهنا لا أريد أن أعطي تعريفاً بالدكتور صالح، فهو: اولاً غني عن التعريف، وثانيا، اترك ذلك الى مقال آخر سوف انشره لا حقاً عنه.

والذي اثار انتباهي اكثر من سواه من كثرة الكتابات والتحليلات النفسية والسيكولوجية للدكتور صالح، مقال بعنوان: "الشعر الشعبي... مازوشيا ممتعة" وقد نشره في العشرين من تموز 2010 ، ويتحدث فيه عن الشعر الشعبي العراقي، وانه يحب هذا اللون من الادب، وانه كان ينظم القصيدة الشعبية والاغنية ايضاً، وذكر فيه انه قدم " في السبعينيات برنامجا إذاعيا عن الشعر الشعبي، وألّفت خمس أغان بأصوات مطربين معروفين".

وانا اعرف العديد من الادباء والاعلاميين ومن المفكرين العراقيين كانوا متأثرين بالشعر الشعبي بل كانوا شعراء شعبيين ولهم قصائد جميلة واغان لعدد من المطربين العراقيين، وقد تركوا هذا اللون من الادب، ولا اريد ان اذكر نموذج في هذا الصدد خوفاً أن اثير حساسية البعض، حتى ان صاحب هذا المقال قد كتب العديد من القصائد الشعبية والابوذيات والدارمي والموال الزهيري.

وقال الدكتور صالح في مقاله:" سنكتفي في هذه المقالة بالتقاط صفة مازوشية واحدة أشاعها الشعر الشعبي بين الناس فأقول: إنه لمن المعقول أن يتباهى الإنسان بما يملكه من مال أو أملاك أو أولاد أو جاه أو حظ ..أما أن نتباهى بأيّنا أكثر حزنا، فتلك بالتأكيد حالة مرضية".

والدكتور صالح في هذا المقال ينتقد اثارة الحزن اكثر مما يستوجب الحال، ويعتبر ذلك ما اسماه الحال المازوشية، وهو هنا يذمها على اعتبار انه من اساتذة علم النفس، وهم، اي اساتذة هذا العلم، لا يحمّلون الامور على علاتها بقدر ما فسرون الحالة النفسية الباطنية للإنسان، ومهما كان وضع وعلمية وحالة الانسان ومؤهلاته وعمله الحياتي، بل لهم نظرتهم الخاصة بما يتطلبه عملهم واختصاصهم.

وقد اختلف هنا مع الدكتور بذمه للحزن المفرط الذي يثيره الشاعر الشعبي، والسبب أن وضع الانسان العراقي مختلف جداً عن بقية المجتمعات العربية والاسلامية بسبب العامل السياسي. وقد اشار الدكتور هو نفسه في العديد من المقالات والتحليلات التي نشرها في بعض المواقع الالكترونية، خصوصا مقالته في حلقتين عن التاسع من نيسان 2003 ، وفي هتين المقالين تحليل علم النفس السياسي، وللحالة السياسية عامة لما مر به العراق من وضع مأساوي كانت ثماره ويلات وتدمير نفسية الانسان العراقي.

وكنت اتمنى على الدكتور صالح لو انه ذكر لنا اسماء تلك الاغنيات الخمسة التي الفها، واسماء من غناها من المطربين، لعلي ايضا متأثر بها وتثير الشجن والحزن لدي، لا الحزن الذي يفسره الدكتور صالح، بل اقصد الحزن الانساني الذي يثير المشاعر الجياشة.

 

داود سلمان الكعبي

 

mohamad alhashimفي الذكرى السنوية لرحيل الروائي والشاعروالانسان صبري هاشم في 11\4\2016م - 15/2/1952م من العام المنصرم .

ذكرى الفاجعة الاليمة الذي المت بنا من صباح ذلك اليوم المشؤوم حين كان وقتها ينازع انفاسه الاخير في ذلك الصباح وهو في منفاه الاخيرفي برلين حيث افنى حياته في المنافي من منفى الى اخر بين الحلي والترحال من نعومة اظفاره وهو ابن الخامسة والعشرين من العمر حين كان عسكريا في الخدمة المكلفية عام 1978م(خدمة العلم) في منطقة الشيخان في الموصل .

وعندما كان متمتعا في اجازتة الدورية ولمشيئة الله ولعدم وصول يومه الموعود كان له احد الاصدقاء من الشعب الكردي يسمى كاكا كريم من محافظة اربيل يعمل في قلم الوحدة اتى الى البصرة بعد ان طلب اجازة لمدة يوم واحد من الامر بحجة ان والدته كانت مريضة ويريد ان يطمئن عليها .

ليخبرصبري ان في البريد العسكري لهذا اليوم امر اعدامك في ساحة العرضات وعليك عدم العودة الى الوحدة العسكرية وهنا تدخلت مشيئة الله سبحانه وتعالى بأن لا ينفذ الامر .لان الله اختار له ان يموت في الغربة بعيدا عن الاهل والخلان وان هذا ليس يومه الموعود .

ثم استئاذننا للعودة الى الوحدة العسكرية كي يلتحق قبل انتهاء المدة الزمنية من اجازته .جزاه الله خير الجزاء

وودعناه انا واخي الراحل الى (الكراج الموحد) مرأب حافلات المسافرين في الساعة الثانية عشر ليلا ومن هنا بدأت حياة الراحل صبري هاشم في المنافي حيث قرر وعلى الفور ان لابقاء له في العراق وعليه ان يتصرف وبعجالة دون تأخير لكي لا ينال منه النظام البعثي .

وبعدها اتجه بعد عدة ايام من البصرة الى دولة الكويت مشيا على الاقدام ودون دليل ودون اية احتياطيات تذكر حيث قضى فيها بعضا من الاشهر ثم الى اليمن التعيس حيث تزوج هناك وبقي فيها حتى نهاية اليمن الجنوبي وسيطرة البعثيين جماعة علي عبد الله صالح الموالين للنظام العراقي انذاك ومنها الى سوريا الاسد وايضا نفس نظام الحكم المزعوم وبعدها الى هانوفر ثم الى برلين حيث استقر به المطاف هناك بعد ان لاقى ما لاقاه من تعسف واعتقالات وخصوصا في البلدان (العربية الشقيقة المسلمة المضيافه )

حيث انه تعرض لعدة اعتقالات في هذه الدول العربية، رغم انه تعلم على الاعتقال بعد ان اعتقل من قبل في الامن العامة في البصرة اكثر من مرة وكانت اخرها اعتقل لمدة 112يوما وكانت من اصعب الايام الذي مرت بنا في ذلك الوقت وذلك لكونه احد المناوئين لحزب البعث ولذلك كنت على خلاف دائم معه لذلك السبب وكنت اقول ان هؤلاء الذين تعتز بهم لا يستحقون التضحية وانهم لمجرد يصعدون على الاكتاف ليس الا لكنه لم يعر اهمية لكلامي والتحق مع الانصار وناضل نضالا مريرا معهم وبالتالي لم يحضى بتقديرهم له ولوبحضور احد من رفاقه او حتى من ممثليهم الى منصب عزاء الفاتحة على روحه الطاهرة وكان ضني بمحله عندما كنت اخبره بذلك .

بعد ان كان الدينمو الرئيس والذي ضحى بالغالي والنفيس من اجلهم بدراسته ومستقبله واهله وحبيبته من اجل اناس لا يستحقون هذه التضحيات للاسف الشديد .وانا هنا لا اريد ان اسرد قصة حياته لكن هذا كلام عرضي ولست بصدده الان .

هذا هو صبري الانسان الذي جعلت منه الغربة كاتبا من طراز خاص وشاعرا وروائي قل نضيره حيث جمع بين الشعر والرواية الشعرية كذلك جمع الماضي بالحاضر كتب العديد من الروايات تجاوزت الاثنا عشر رواية وثلاثة دواوين شعرية ناهيك عن القصائد الذي ملئت الصحف والمجلات وصفحات الفيس بوك وهنالك بعض من الروايات كانت معدة للطبع لكنها لن ترى النور لان يد القدر ارادة ان لايكون ذلك في حين اتحاد الادباء العراقي واتحاد ادباء البصرة بالذات لم يكن بالمستوى المطلوب لاحتضان الشعراء والكتاب وخصوصا من هم في المنافي وتقييمهم للنهوض وتشجيع الاخرين ليحذوا حذوهم .

ولكونهم متقوقعين على بعضهم البعض وكأنهم كتلة حزبية اغتنمت الاتحاد لنفسها لايهمها الاخرين مهما كان مستواهم او بالاحرى هي من يريد ابعادهم خوفا من التنافس على الشهرة التي لاتجدي نفعا سوى المتاعب .

واخيرا اقول لاخي الراحل ابا اصيل نم ايها المناضل والمجاهد الشجاع نم قرير العين لا نامت اعين الجبناء الذين حرموك من حضن العراق واحضان البصرة التي كنت تأن وتحن عليها وعلى شطها ونخلها وسمائها وانهارها على كازينواتها ومقاهيها ونواديها على صبخة العرب وشارع التنانير وعلى شناشيل البصرة ولاتندم عليها لقد اصبحت اليوم خرابا يباب و اصبحت اليوم هباءا منثورا .وكأنني اراها تبكيك وتناجيك دون جدوى .

سلاما لروحك سلاما لمثواك سلاما لحروفك الذي كتبت مقرؤتا او لم تقرأ.

وسلاما لكل من رثاك او نعاك اوذكرك وسلاما لكل من قرأ باسمك سورة الفاتحة سلاما ايها الانسان المنشد للسلام.

واشكر كل الاخوة الذين بذلوا جهدا اضافيا في الكتابة من اجل الراحل ابا اصيل ولهم مني كل الامتنان والتقدير .

واخص بالذكر منهم: الاستاذ فيصل الترك والاخ د. كمال ديب من لبنان والاخ د. حامد فضل الله من السودان والاخ قيس الزبيدي والاخ يحيى علوان والاخ عصام الياسري والاخ الشاعر سامي العامري والاخ مقداد مسعود وحسين رشيد وعبد السادة البصري وحسين علي وكل الذين شاركوا في الامسية التأبينية الذي اقيمت في قصر الثقافة والفنون في محافظة البصرة وللذين اقاموها وهيئوا لها والصحفيين والمشاركين بأي جهد او دون جهد كذلك الشكر موصول لكل من الاخوة شاكر كريدي والشاعرجميل حسين وطارق العبدالله والصدى نت وكل الذين ساهموا ولو بكلمه ولم اطول ان اقرأ ما كتبوافي كل المجلات والصحف الالكترونية تحياتي لهم جميعا متمنيا لهم العمر المديد والتألق والازدهارفي طريقهم انشاء الله

وعسى الله ان يمكننا ان نردها لهم بالافراح والمسرات .

 

محمد الهاشم

 

mahmod kawashرحل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور وبقي شعره

 غيب الموت يوم السبت الموافق الثامن من نيسان/أبريل 2017 الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور في مدينة رام الله عن عمر ناهز الحادية والسبعين عاما بعد معاناة طويلة مع المرض، إثر إصابته بالفشل الكلوي.

ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الراحل دحبور في بيان اعتبرت فيه رحيله خسارة كبيرة لفلسطين والفلسطينيين على المستويات الوطنية والثقافية الإبداعية والإنسانية. وشددت الوزارة في بيانها على أنه برحيل دحبور لم تفقد فلسطين واحداً من عمالقة الأدب والإبداع الفلسطيني فحسب، بل بوصلة كان مؤشرها يتوجه حتى اللحظات الأخيرة إلى فلسطين، وأيقونة لطالما كانت ملهمة للكثير من أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن إقاماتهم، وفي مختلف المفاصل التاريخية الوطنية، وهو الذي كان بكلماته الشعرية يعكس العنفوان والكبرياء الفلسطيني، خاصة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبقي كذلك حتى رحيله المفجع.

وقال بيان الوزارة أنه من الصعب بمكان سد الفراغ الذي سيتركه صاحب "حكاية الولد الفلسطيني"، وكاتب الأغنيات الخالدات "اشهد يا عالم" و"عوفر والمسكوبية" و"الله لازرعك بالدار" و"يا بنت قولي لامك" و"غزة والضفة" و"صبرا وشاتيلا" وغيرها الكثير الكثير من الأغنيات والقصائد التي كان الوطن والوطنية جوهرها، والتي سكنها النضال من أجل الحرية مع كل حرف من كلماتها وعباراتها وما أظهرته وأبطنته.

ويعد أحمد دحبور قامة ثقافية فلسطينية كبيرة، وملهما لجيل الشباب ومناضلا بكل حرف خطه وقصيدة كتبها من أجل الحرية والوطن الفلسطيني المسلوب.

ولد في مدينة حيفا عام 1946، ونشأ ودرس في مخيم حمص للاجئين الفلسطينيين في سورية، حيث استقرت عائلته بعد أن هاجرت إلى لبنان عقب نكبة عام 1948 ومن ثم انتقلت إليها بانتظار تحقيق حلم العودة.

لم تتح الظروف المادية الصعبة لدحبور أن يكمل تعليمه، لكنه كان قارئاً نهماً وتواقاً للمعرفة، فصقل موهبته الشعرية بقراءة عيون الشعر العربي قديمة وحديثة، وكرس حياته للتعبير عن التجربة الفلسطينية المريرة.

عمل مديرا لتحرير مجلة "لوتس" حتى عام 1988، ومديرا عاما لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضوا في اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين. واقام في تونس خلال تواجد منظمة التحرير الفلسطينية فيها بعد الخروج الكبير من لبنان عام 1982، وكان له عامود أسبوعي في جريدة "الصدى" وارتبط بعلاقات طيبة مع الشعراء والأدباء التونسيين والعرب في كل مكان من الوطن العربي.

حاز أحمد دحبور على جائزة توفيق زياد للشعر عام 1998، وكتب العديد من أشعار وأغاني "فرقة العاشقين" التي اشتهرت بتقديم الأغاني الشعبية الفلسطينية. وبعد عودته إلى غزة عمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وبقي فيها إلى ان انتقل منذ فترة قصيرة إلى مدينة رام الله حيث وافته المنية.

 كان الراحل شاعر الثورة الذي أشهد العالم "علينا وعلى بيروت"، وطائر الفينيق الذي نهض من رماد المنافي واللجوء والمرض، وحارس النهار الذي حفظ عود اللوز الأخضر وكتب عن جنسية الدمع والشهداء في أربعة عشر ديوانا، والمغامر الذي ذهب ليعيد النهار، ولم يعد.

ومن أهم أعماله الشعرية "الضواري وعيون الأطفال"، "حمص 1964"، "حكاية الولد الفلسطيني"، "بيروت 1971"، "طائر الوحدات"، "بيروت 1973، "بغير هذا جئت"، "بيروت 1977"، "اختلاط الليل والنهار"، "بيروت 1979"، "واحد وعشرون بحراً"، "بيروت 1981"، "شهادة بالأصابع الخمس"، "بيروت 1983"، "ديوان أحمد دحبور"، و"الكسور العشرية".

رحمه الله وأحر التعازي لأسرته الكريمة ولزملائه وأصدقائه ومحبيه.

1236 khawash

يُظهر أحمد دحبور في أغانيه وأشعاره بطاقة هوية انتمائه الطبقي والإنساني والحزبي، ويؤكد على احيازه وانتصاره للفقراء والجماهير الكادحة من أبناء شعبه، فيقول في إحداها:

يجيء المخيم في أول الليل أو آخر الليل

أين التقيتك منة قبل سيدتي

أين الأهل؟

فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين

والفقراء فلسطين

والأنبياء فلسطين

والمقبلون

وانفقت حزني على الذكريات فضاق المخيم

وسعت بقلبي فجاءت قوافل مسبية تترسم دربي

وأطلب يحيى

فيختلط الحزن بالبرق

أين التقيتك من قبل سيدتي

فضت عن حاجة الحزن

فاتسعت في الخلية عيناي

حزب محبي فلسطين والكرة البشرية

باللهجة العربية

هل كنت في ذلك العرس سيدتي؟

 ويقول في "الأحجية المكشوفة للمطر والنار":

أذكر، أن الجبل العظيم كان يمشي

والمطر الذي يروِّي القمح لا يبلل الأطفال

أذكر أن جارنا الحمّال

توجني بكعكة،

وقال لي: كن ملكاً في الحال

وهكذا وجدت نفسي ملكا..والذكريات جيشي

أذكر أن الجبل العظيم كان يمشي

من شفتيْ أبي إلى خيالي

وكانت الثمار في سلالي

كثيرة،

والنار مُلك دهشتي وطيشي

وعندما تجمع الأطفال والذباب حول بائع الحلاوهْ

ولم أجد في البيت نصف قرش

وعندما أمي بكتْ،

(تنكر حتى الآن أنها بكتْ)،

وعندما انسحبتُ من ملاعب الشقاوة

عرفت أن الجبل العظيم ليس يمشي

عرفت: كنتُ ميتا..والذكريات نعشي

ساعتها..وظفتُ ما أملكه من نار

ليحرق الذاكرة – الغشاوه

وقبل أسبوعين كان المطر المُنْسَح

يسوط وجه طفلة وهو يروِّي القمح

معذرة يا سادتي..فلست بالثرثار

إذا زعمت أنني حدثتكم عن فتح

ومن أبرز قصائد الشاعر الفلسطيني الفذ "حكاية الولد الفلسطيني" التي يقول فيها:

لأن الورد لا يجرح

قتلتُ الورد

لأن الهمسَ لا يفضح

سأعجنُ كل أسراري بلحم الرعد

أنا الولدُ الفلسطيني

أنا الولد المطل على سهول القش والطين

خَبَرْت غبارها، و دوارَها، والسهد

وفي المرآة ضحكني خيال رجالنا في المهد

وأبكاني الدم المهدورُ في غير الميادين

تحارب خيلنا في السِند

ووقت الشاي ... نحكي عن فلسطين

ويوم عجزت أن أفرح

كَبرْت، وغيرَت لي وجهها الأشياء

تساقطت الجراح ، على الربابة ، فانبرَت تَصْدَحْ

بلاد الله ضيقةٌ على الفقراء

بلاد الله واسعةٌ وقد تطفح

بقافلة من التجار والأوغاد والأوباء

أيأمر سيدي فنكب أهل الجوع والأعباء؟

أتقذفهم؟ ومن يبقى ليخدمننا؟

إذن تصفح

ويوم كَبرْتُ لم أصفح

حلفت بنومة الشهداء، بالجرح المشعشع فيَ: لن أصفح

*****

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم :رأيت النوق في وادي الغضا تذبح

رأيت الفارس العربي يسأل كسرة من خبز حطين ولا ينجح

فكيف، بربكم، أصفح؟؟

أنا الرجل الفلسطيني

أقول لكم: عرفتُ السادة الفقراء

وأهلي السادة الفقراء

وكان الجوع يشحذ ألف سكينٍ

وألف شظيةٍ نهضت، من المنفى ، تناديني:

غريب وجهك العربي بين مخيمات الثلج والرمضاء

بعيدٌ وجهك الوضاء

فكيف يعودُ؟؟

بالجسد الفتيِ تعبد الهيجاء

سنرفع جرحنا وطناً ونسكنه

سنلغم دمعنا بالصبر بالبارود نشحنه

ولسنا نرهب التايخ ، لكنا نكونه

جياعٌ نحن

طاب الفتح ،إن الجوع يفتنه

جياع نحن؟؟ ماذا يخسر الفقراء؟؟

إعاشتهم؟؟

مخيمهم؟؟

أجبنا أنت ماذا يخسر الفقراء؟؟

أنخسر جوعنا والقيد؟؟

أتعلم أن هذا الكون لا يهتم بالشحاذ والبكاء؟

اتعلم أن هذا الكون بارك من يرد الكيد؟

علمت

إذن؟؟

ليغل وطيسنا المخزون في كل الميادين

لتغل مخيمات القش والطين

*****

أنا العربي الفلسطيني

أقول ، وقد بدلت لساني العاري بلحم الرعد

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد

حرقنا منذ هَلَ الضوء ثوب المهد

وألقمنا وحوش الغاب مما تنبت الصحرا رجالاً لحمهم مُرٌ، ورملاً عاصف الأنواء

ولما ليلةٌ جنت أضاء الوجد

وقد تعوي الثعالب وهي تدهن سمها بالشهد

ضغارٌ عظمهم هش بدون كساء

أيتحملون برد الليل ؟؟ هل نصر بهم يحرز ؟؟

أجل ونهارنا العربي مفتوح على الدنيا على الشرفاء

أجل ... ويضيء هذا النصر في الطرقات والأحياء

لأن الكف سوف تلاطم المخرز

ولن تعجز

ألا لا يجهلن أحد علينا بعد ، إنَ الكف لن تعجز

*****

ومن الأغاني التي غنتها له "فرقة العاشقين":

(إشهد يا عالم علينا وعَ بيروت)

اشهد يا عالم علينا وعَ بيروت اشهد بالحرب الشعبية

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت أعمى بعيون أمريكية

بالطيارات أول غارة يا بيروت غارة برّية وبحرية

جبل الشمال وبالبحر يا بيروت صور الحرَّة والرشيدية

قلعة الشقيف اللى بتشهد يا بيروت عليهْ داسوا راس الحيّة

والشجر قاتل والحجر يا بيروت والواحد جابه دورية

جمل المحامل شعبنا في بيروت بعين الحلوة والنبطية

واحنا ردّينا الالية يا بيروت بحجارة صيدا والجيّة

تراب الدامور اللى بيشهد يا بيروت عالخسارة الصهيونية

بقلبي خلدنا الوحدة يا بيروت لبنانية فلسطينية

سدوا المنافذ علينا في بيروت منعوا المعونة الطبّية

سور الأشبال مع زهرات يا بيروت منه ما مرّت آلية

والطيارات غطوا السما يا بيروت والبحر جبهة حربية

كانوا غربان المنية يا بيروت واحنا تحدينا المنيّة

واشهد يا عالم علينا وعَ بيروت عَ صبرا والميّة وميّة

شاتيلا وبرج البراجنة يا بيروت بالمتحف شافوا المنيّة

ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت غير الهمة الاذاعية

بالصوت كانوا معانا يا بيروت والصورة ذابت بالميّة

لما طلعنا ودَّعناك يا بيروت وسلاحنا شارة حريّة

لا راية بيضا رفعنا يا بيروت ولا طلعنا بهامة محنية

والدرب صعبة وطويلة يا بيروت عليها أكدنا النيّة

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت اعمى بعيون امريكية

يقول "شاكر فريد حسن" في "ديوان العرب":

أحمد دحبور من ينابيع الشعر الفلسطيني المعاصر المقاوم وأحد أعمدة الحركة الثقافية الفلسطينية الراهنة، فهو شاعر وناقد وباحث وموسوعي وقارئ جاد وسياسي ومثقف واسع الاطلاع، وصاحب مواقف سياسية وفكرية تقدمية واضحة. وفي قصائده تمتزج الموسيقى الهادئة مع الألفاظ المنتقاة والمعاني العميقة والمنسابة:

آن للمخيم الهوان أن يغور

آن للأرض التي ضبتها تموت أن تدور

آن لي، وآن..

هكذا انتزعت بندقية من أسرها فانتزعتني من مخيم الهوان من رآني سيداً لغبطتي وقهري.

إن إبداع أحمد دحبور يعود إلى تجاربه الحياتية الغنية التي اتسمت بها شخصيته الأدبية، فحياة التشرد والغربة والبعد عن الوطن عمّقت تفاعله مع الحياة وأمدته بإحساس قوي ورؤية صادقة لها، وبنفس تواقة للصدق والمحبة العارمة والعشق الدائم للوطن ولحيفا وبحرها وللمخيم والإنسانية المعذبة.

والخلاصة أن أحمد دحبور هو شاعر أصيل ملتزم يتصف شعره بالصفاء والعذوبة والصدق وبالحب العميق للإنسان فوق كل أرض، وتمجيد الإرادة الفلسطينية الحقيقية والروح الوثابة الطموحة الباحثة عن الخبز والفرح والمتعطشة للحرية والمستقبل المشرق.

 

محمود كعوش

eljya ayshيكشف قائد الولاية الرابعة محمد الطاهر بوزران في مذكراته كيف قام الطاهر زبيري بتنظيم الإنقلاب ضد هواري بومدين بمساعدة السعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى قبل أن يغتال هو الآخر في مكتبه، إذ يقول: كنا ضد سياسة هواري بومدين، وقد اتفقت المجموعة المتكونة من حوالي 20 فردا على القيام بعملية تصفية حساباتها مع سياسة بومدين وهو القضاء عليه شخصيا بالموت، كلن الإتفاق هو تحديد يوم اجتماعه مع الوزراء بقصر الحكومة، وفور الإنتهاء من الإجتماع وأثناء عودته إلى مقر الرئاسة يقضى عليه من قبل أفراد هذه المجموعة، وحين تم الخروج تم إطلاق النار على بعض العناصر المرافقة للسيارة المقلة لهواري بومدين، إلا أن البندقية تعطلت بسبب قدم الذخيرة المستعملة مما عطل نابض البندقية الذي يدفع الخراطيش، وأسفرت نتائج هذه العملية على جرح هواري بومدين في شاربه الأعلى وقتل أحد حراسه.

قام بهذه العملية كل من الطاهر بورزان، لمبارك عقاقنة، ومعمر بشاح، وكان توقيت هذه العملية حوالي الساعة الواحدة ظهرا، بعدها انتقلت المجموعة إلى جبل تابلاط بالزي المدني كونهم كانوا في يوم راحة، انطلقوا من سور الغزلان، المسيلة ، بريكة ومنها إلى عين توتة حتى وصلوا إلى تابلاط، ومن عين توتة إلى الأربعاء ثم أريس، وفي أريس اتصلوا بمحمد عثامنة، الذي تبنى هذه العملية، كما قام هذا الأخير بسرقة مالية للفلاحة ، غير أن المجموعة رفضت ، وبعد فشلهم في تصفية هواري بومدين حاولوا الخروج إلى تونس، غير أن محمد عثامنة وعن طريق أبيه الذي اتصل بقسمة أريس والشركة ، تم منعهم من الخروج ، وتمت محاكمتهم في جوان 1969 وحكم على الجميع بالإعدام بما فيهم الطاهر زبيري الذي حكم عليه بالإعدام غيابيا، وكان معهم سليمان عميرات المتهم في قضية كريم بلقاسم، وقد صدر عن الذين حوكموا تخفيض الأحكام من الإعدام إلى المؤبد، وظلوا ينتقلون من سجن سيدي الهواري إلى سجون أخرى منها سجن البرواقية والأصنام وبعضهم إلى سجن تازولت بالأوراس ومنهم عمار ملاح وامبارك بتيرة.

يقول صاحب المذكرة أن سيناريو الخلاف بدأ في الذكرى الـ: 13 لإندلاع الثورة التحريرية، وأثناء إجراء الإستعراضات الوحدات العسكرية لمختلف الأسلحة في شارع جيش التحرير الوطني بالجزائر غاب الطاهر زبيري قائد الأركان العامة الذي كان من المفروض أن يشرف على الإستعراض، فكان القرار هو استبدال الطاهر زبيري بالعقيد عباس، وبعد انتهاء الحفل اتصل كل من الرائد السعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى ، والرائد محمد الصالح يحياوي والرائد عبد الرحمن بن سالم وبعض الشخصيات الوطنية بالعقيد الطاهر زبيري منهم العقيد خطيب والرائد الأخضر بورقعة وزغداني عبد العزيز والشيخ خليفة لعروسي وحتى عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية لمعرفة سبب غيابه المفاجئ وحل الإشكالية سياسيا غير أن جميعهم لم يفلحوا وباءت محاولتهم بالفشل، الملفت للإنتباه أن اسم الرائد محمد الصالح يحياوي لم يكن مذكور ضمن جماعة الإنقلاب حيث ذكر صاحب المذكرة أنه في يوم 14 ديسمبر 1969 قامت جماعة من الضباط بحركة ضد نظام بومدين وهم السادة المساندون لمحاولة الإنقلاب التي تزعمها العقيد الطاهر زبيري وهم على التوالي: (عمار ملاح، السعيد عبيد، والرائد سليمان، لخضر بورقعة، يوسف بولحروف النقيب بوعلي، العياشي حواسنية عبد السلام امباركية، حمودي بوزيدـ بوقطف العيد، محمد الهادي ارزايمية، محمد حابة واسماء عديدة ذكرت في الصفحة رقم 139)، غير ان الإنقلاب فشل لتضارب المواقف وعدم التنسيق بين قيادات الحركة الإنقلابية وانعدام النخطيط المحكم وما إلى ذلك..

و أدت محاولة الفشل الإنقلابية إلى التفكير في اغتيال الرئيس هواري بومدين وتصفيته جسديا، أعدت المجموعة خطة الإغتيال ، وشارك في إعدادها في بداية المرحلة كل من عمار ملاح، موسى زروال ، محمد الطاهر بورزان، ثم توسعت، والخطة كانت أثناء خروج الرئيس هواري بومدين من اجتماع مجلس الوزراء وعند مرور سيارته أمام مركز الأمن المكلف بالحراسة بادر الطاهر بورزان بإطلاق عليه عيارين من رشاشة من نوع ماط 49 matte غير أن نابضها تعطل، كان موسى زروال يطلق رشاشة على حراس الرئيس بومدين، لكن حراس الرئيس كان ردهم سريعا حيث سقط موسى زروال، أما الطاهر بورزان انسحب رفقة معمر بشاح وامبارك عقاقنة، وكانت نتيجة هذه العملية إصابة الرئيس بومدين في شاربه الأعلى، وهؤلاء هم الذين باعوا تاريخ الأوراس بالأمس القريب، ولاذوا بالفرار، وبعد وفاة الرئيس هواري بومدين أعيد الإتصال بهم من طرف العقيد عبد الله بلهوشات بعدما تقرر إطلاق سراحهم، وتبين أنهم لم يوضعوا داخل السجن بعد إلقاء القبض عليهم.

 

علجية عيش

 

abduljabar noriهل تعرفون الفنان الرسام الراحل "رشيد عباس العلي"؟. بالتأكيد أن الدولة تتناساه والكثير منا يتجاهلهُ، فهو كغيره في خبر كان نسياً منسيا من الدولة النفطية الريعية التي تكون قراراتها أنتقائية تخضع للمؤسسة الدينية الراديكالية الحاكمة لمن تشاء، ووزارة الثقافة مهمتها اليوم أدوار أستعراضية رمضانية بأقامة المهرجانات الثقافية بمدرائها العامين وديكورسكرتيراتهم الجميلات --- وهات يا بذخ وفساد مالي .

وسؤالي إلى الدولة ومؤسساتها الثقافية والجمهور هل أحدٍ منكم يعرف هذا الرسام الموهوب الذي فاز بجائزة الدولة العراقية في 1959 في حكومة الشهيد عبد الكريم قاسم لتصميمه الفني للشعار الجمهوري الذي أعتُمد شعاراً للنظام الجمهوري حتى أنقلاب البعث الفاشي الأسود في 1963 وهو الشعار الوطني المعبر الحقيقي عن الأطياف العراقية وحضارتها؟، وكانت أجابتهم عديدة ومتنوعة بعيدة عن شخصية هذا الرمز العراقي، فمنهم من قال أنه ربما يكون نائب في البرلمان العراقي!! وهنا تسكب العبرات حين يكون النائب الذي جاء في زمن الغفلة أشهر من الجواهري وأعظم من علي الوردي وأفهم من المتنبي وأكثر عراقية من نصير شمه .

ربما أعزو سبب هذا النسيان والتجاهل هو طغيان المد الديني بشقيه الراديكالي الحاكم والمتشدد السلفي الأصولي الذي غطى بعباءته السوداء أفق مستقبل الأجيال القادمة، فأصبحت الدولة العراقية وجمهورها غير معنيين بمعرفة هذا وذاك من أصحاب القلم الشريف والريشة الوطنية، واليد النظيفة وحتى أن تنخر أجسادهم المنافي – هذا هو مظفر النواب شاعر الكلمة الحرّة فاقداً للذاكرة في تونس أو لبنان لا أدري، والآخر البروفيسور شاكر خصباك في موت سريري في أمريكا – وأختاروا لأنفسهم مقبرة بعيدة عن الذين لا يريدونهم، سموها "مقبرة الغرباء" .

وللأسف أشعر بالأحباط وخواطر مرّة حين أسمع بالدولة والجمهور يحتفيان برموزنا وقاماتنا العلمية والأدبية والثقافية بعد مماته وغيابه الأبدي، لماذا بعد غيابه؟ أتستكثرون عليه أن يملأ غرورهُ بالفخر والأحساس بأنهُ قد حصل على أستحقاقه، فهو تجاهل بعينه ونكران جميل بشحمه ولحمه .

والذي دفعني للكتابة عن رسامنا المنسي الفنان الراحل " رشيد عباس العلي "  هو تبني الأعلامي والوطني الغيور الأستاذ " وجيه عباس " لحقلٍ خاص بهؤلاء الرموز الوطنية المنسية ببرنامجه المشهور (كلام وجيه)، لعله يسلط الضوء على مثل هذه الأهرامات العراقية الفذة .

وأخيرا: أرجو أن تمتلك الدولة ومؤسساتها الثقافية أستراتيجية واضحة أزاء المبدعين العراقيين ولتنظر إلى تجربة السويد عند أستبدال عملتها الورقية والمعدنية اليوم في 2017 وضعت في كل فئة ورقية أو معدنية صورة أديب أو شاعر أو عالم أو مؤرخ أو كاتب غائباً كان أو حياً  يرزق -----

 

كاتب وباحث عراقي مغترب

 

samey alamriحين يتعلق الأمر بالرحيل، بالموت

 (الموت أهم الأفكار إطلاقاً، هنري باربوس) فكل ما يبدو خلافاً 

وحتى استياءً أو غضباً يتبدد، يتطائر في العاصفة كثوب أفعى

...قلبي، قلبي الذي يتيه فيه الكون

الراحل حميد العقابي واحد من أصدقائي النادرين، تعرفت عليه إو إليه في شمالي طهران عام 1984 في مركز إيواء اللاجئين (أوردكاه كرج)  وكان عمري أربعة وعشرين عاماً والراحل حميد كان في الثامنة والعشرين غير أن تجربته الشعرية كانت وقتذاك مكتملة أما أنا ففي بداياتي تقريبا،

ذهبتُ إليه حاملاً بعض قصائدي البكر طعماً بأن يعطيني رأيه بها وكان ممدداً على سريره ويقضم تفاحة وبعد التحية قدمت نفسي له وعرضت عليه نصوصي تلك فجلس وقرأها باهتمام وبعدها التفت لي وشطر التفاحة بيديه إلى نصفين واعطاني النصف وهو يبتسم فابتسمت أنا ظاناً أن القصائد أعجبته غير أنه لم يكن إعجاباً وإنما رثاءٌ !

1233 hamidalikabiوبعد أن قرأ المقطع التالي من إحدى قصائدي وهو :

(تلاحقني الثواني،

أتَّقيها حاملاً آثارَ أقدامي على ظهري)

   ... صاح: هنا الشعر ولكن

ولكن ماذا يا حميد؟

فصاح: فجِّرْ شاكسْ غيِّرْ!

وفي لقاء ثانٍ وسط طهران شربنا شاياً كما أتذكر في زقاق يلتقي فيه العراقيون اسمه (كوجه مروي)

أثنى فيه على ما أسماه موهبتي ونصحني بالقراءة والتوسع في شعر التراث والشعر العالمي

ومرة ثالثة التقيته بشكل عاجل في غرفة الشاعر العراقي علي العقابي. 

ثم سافر الشاعر إلى الدانمارك صحبة صديق آخر شاعر هو جمال مصطفى

ولحقت بهما بعد شهور ولكن إلى ألمانيا الغربية سابقاً ومنذ ذاك الحين بقيت أتبادل الرسائل معه حول الشعر والأدب وأحياناً الحياة وأحتفظ له بأكثر من ستين رسالة ورقية من مجموع مئة رسالة تقريباً ضاعت 40 منها وأكثر في خضم  تنقلاتي وعيشي البوهيمي في تلك الفترة وأهداني أغلب دواوينه وروايتين وأهديته دواويني وبعض من كتبي الأخرى وأما مجموعته الشعرية الأولى التي تحمل عنوان (أقول: إحترس أيها الليلك) فقد حفظتها عن ظهر قلب كما حفظتُ مجموعة صديقنا جمال مصطفى (أمطار بلا سبب) عن ظهر قلب كذلك وكل هذا ولهاً بالشعر وتعبداً في محاريبه...

يا حميد لن أرثيك فمثلك من قاطفي ثمار الأبد

 

سامي العامري - برلين

نيسان ـ 2017 

       

abduljabar noriعذراً لأول مرة يقف القلم بيدي حائراً هامساً ..ماذا أكتب؟ ومن أين أبدأ؟ في حياة "سافره جميل حافظ" تلك المرأة العظيمة المناضلة الرابطية أم الأديبة والقاصة الروائية؟، وهل يمكن أختصار سيرتها الطويلة وحياتها الثرة والمفعمة بالمطبات السياسية وحضورها الدائم في الشارع العراقي؟ في مشاركة الجماهير الكادحة العراقية في تظاهراتها ضد الدكتاتوريات التي حكمت العراق، وكانت أيام الخمسينات مفعمة بالأمل والحياة كنت حينها طالبا في كلية التربية جامعة بغداد، وكنت عضو أرتباط بين الكلية والمنظمة النسوية "في بغداد الكراده، وهي مهمة حزبية كلُفتْ بها من قبل حزبي" الحزب الشيوعي العراقي"  وكان يتردد على الدوام أسم" سافره  --- سافره جميل حافظ " في منطقة الكرادة، وحينها أدركتُ أنها من القياديات والناشطات في المجال النسوي، وشخصية مهمة، وهي من جيل الرواد في الخمسينات وقد أطلق على هذا الجيل "الجيل الذهبي" فقد برز في الشعر كثيرون (السياب البياتي نازك الملائكه بلند الحيدري لميعه عباس عماره عاتكه الخزرجي وفيما بعد سعدي يوسف مظفر النواب رشدي العامل الفريد سمعان عبدالرزاق عبد الواحد، وفي القصة والرواية عبدالملك نوري فؤاد التكرلي وغائب طعمه فرمان .

سافره جميل حافظ شخصية متعددة المواهب والنشاطات

-قاصة وروائية : كانت بداياتها المبكرة الأولى في مجال القصة القصيرة في سنة 1954 وهي لاتزال طالبة في كلية الآداب (قصة أولاد المساحي) توضح فيها ذلك الصراع المعصرن الحداثوي بين العمل الرتيب القديم والتطور التكنولوجي الرقمي الذي أوصل العالم إلى الثورة الصناعية، ثم رواية (دمى والأطفال) 1956 التي فازت بجائزة الأخبار الأوربية وأستمر هذا العطاء الثر 2007 مجموعة قصصية بعنوان (14 قصة) وإلى 2009 وثلاثيتها الشهيرة (هم ونحن والقادمون) .

- تأريخها السياسي : فهو تأريخ حافل في مشاركة المرأة في التظاهرات والأعتصامات منها مشاركتها الفاعلة في تظاهرات وثبة كانون  ضد معاهدة بورت سموث البريطانية عام 1948، وأشتركت في التظاهرات الجماهيرية في وثبة تشرين 1952 في شوارع بغداد، وأعتقلت في 1956 في تظاهرات الأحتجاج على العدوان الثلاثي على مصر، كما أعتقلت في 1963 وأودعت سجن قصر النهاية السيء الصيت، وبعدها في 1964 قُدمتْ للمحاكمة العسكرية في معسكر الرشيد، وحُكم عليها بالأقامة الجبرية لمدة سنه ونصف والمنع من السفر وحجز الأموال المنقولة والغير منقولة، وهي عضوفي مجلس السلم العراقي، وأستمرهذا العطاء الثوري ديمومتهُ النضالية في المشاركة في تظاهرات (ساحة التحرير) الأصلاحية في مناسبتين الأولى في حقوق العمال والثانية في حقوق المرأة .

- وناشطة في مجال حقوق المرأة وشاركت في تأسيس رابطة المرأة العراقية في 10-3-1952 مع  رفيقاتها الرائدات (الدكتوره نزيهة الدلبيمي ومبجل بابان وبشرى برتو وباسمه الظاهروخانم زهدي) ومنذ 1956 أنخرطت في العمل السياسي كعضو في الحزب الشيوعي العراقي ومسؤولة في منظمة رابطة المرأة العراقية، وفي  2005 أنتخبت عضوا في المجلس المركزي للأتحاد العام لأدباء الكتاب في العراق .

- في مجال الصحافة والأعلام منذُ1956أشتغلت في جريدة (البلاد) في تحرير صفحة المرأة العراقية، وثم في جريدة (الأخبار) لصاحبها جبران ملكون ونشرت فيها قصتها المعروفة دمى والأطفال وضلت تعمل فيها حتى ثورة تموز 1958، وكان نهجها في الكتابة الأسلوب الواقعي الملتزم بتوليفة سوسيولوجية مجتمعية حاضرة الواقع الملموس في نشر معاناة الطبقات الكادحة وكانت تنحو الرمزية في فترة الخمسينات والعلنية بعد الثورة .

المجد كل المجد للناشطة والأديبة الرائدة "سافره جميل حافظ" وتحية لرفيقاتها المناضلات

 

* كاتب وباحث عراقي مغترب

.............................

الهوامش والمصادر

*الموقع الرسمي لرابطة المرأة العراقية * العراق – حنا بطاطو* تأريخ العراق السياسي – عبدالرزاق الحسني

thamer ameenمن غير الممكن تجاهل فضل المقاهي على مدن العراق وأبنائه، فقد لعبت على امتداد عقود من الزمن دوراًمؤثراً في إثراء الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وذلك من خلال وجودها وانتشارها الكبيرين في المدن والقصبات حيث لم يقتصر هذا الوجود على التواصل الاجتماعي وتزجية الوقت بالاحاديث واللعب بما كانت تقدمه المقاهي من العاب معروفة، انما تعدى ذلك الى دورها المؤثر في بلورة الوعي عند عدد كبير من الشباب عبر الحوارات التي كانت تدور في مجالسهاوبسبب ماتوفره من تجمعات ولقاءات لفعاليات اجتماعية وسياسية متنوعة، فهي ملتقى لرجالات الثقافة والسياسة والوجهاء والعامة . ولهذا تعد المقاهي ذاكرة لواقع المدينة الثقافي والاجتماعي والسياسي، وقد تحول البعض منها الى مراكز تحريض ضد الحكومات ومنبع للحركات الثورية مما جعل منها موضع خشية الحكومات وهدفا لعيون رجالات الامن وهجوماتهم المتكررة .

مدينة "الديوانية " عاشت وضعاً اجتماعياً كان الأبرز فيه بساطة العيش وإلفة الحياة بين مكوناتها، الأمرالذي جعل الحاجة طبيعية الى وجود مقهى في كل محلة لاجتماع ابنائها للمسامرة وتجاذب اطراف الحديث ويسمى بـ " مقهى الطرف " حيث يقتصرالحضور فيه على ابناء المحلة نفسها، ووفق هذه الحاجة فقد انتشرت مقاهي المحلات الشعبية مثل مقهى عبيد في حي الوحدة، مقهى حسين سعيد في الحي الجمهوري، مقهى طالب في شارع الأطباء وفي محلة الجديدة ظهر مقهى الضويري والكرفت وكازينو البلدية التي تميزت بحديقتها الرائعة الغنّاء، مقهى عواد في محلة أهل الشط، مقهى صنكر في محلة السراي، مقهى عليوي قرب مدخل الفرقة العسكرية التي عرفت بروادها من العسكريين، أما المقاهي التي ظهرت قريبة من الدوائر الرسمية فقد كانت محطات إنتظار واستراحة لمراجعي هذه الدوائر خصوصا للقادمين من خارج المدينة وأشهرها مقهى عبد داهي، مقهى الشبلاوي، مقهى قدوري، مقهى حاج اسماعيل ومقاهي اخرى تميزت بحدائقها اعتاد الديوانيون ارتيادها مساءً مثل، مقهى طارق،كازينو الطبقجلي، كازينو ليالي الربيع، كما ان سوق الديوانية الكبير بالرغم من صفته التجارية الا انه لم يخلُ من وجود عدد من المقاهي تخصص كل واحد برواده فمقهى " الحاج سعيد " كان ملتقى الأدباء والفنانين والمثقفين، شهد حواراتهم ومشاريعهم ومن أبرز رواده كزار حنتوش، زعيم الطائي، عبد الرحيم صالح الرحيم، سلام ابراهيم، ثامر الحاج امين، منير ياسين، رحيم ماجد، حمزه عبود وآخرون، وكذلك مقهى " سلمان الأعسم " الذي توسط السوق كان محطة لتجمع عمال البناء واسطواته وانفرد من بين المقاهي بتقديم الناركيلة، الاّ ان مقهى " اللواء " الكائن في الصوب الصغير من المدينةوصاحبه كريم عباس هندي والساقي فيه ناجي عفلوك يعد الأبرز من بين مقاهيها، فقد صار في ستينيات القرن الماضي واحدا من  المعالم البارزة فيها بسبب رواده الذين جلهم كان من المعلمين والمدرسين، وأيام كنا تلاميذ في المرحلة الابتدائية والمتوسطة كنالشدة احترامنا للمعلم ولفرط هيبته ومنزلته العالية في نفوسنا نتحاشى المرور في الجانب الذي يقع فيه المقهى عندمانروم عبور الجسر الى الضفة الاخرى من المدينة . أما مقهى "عواد" الذي يقع في التقاطع المؤدي الى منطقة أهل الشط المعروفة بولائها للشيوعيين والذي يعود الى عائلة " عواد كرّان " التي لها باع طويل في الحركة الوطنية وقدمت عددا من الشهداء ومايزال المتبقي من ابنائها رموزا وطنية مضيئة في حركة اليسار العراقي فقد اصبح هذا المقهى في مطلع السبعينات قبلة وملتقى للشيوعيين والوطنيين اليساريين وكان يتخذ من الارصفة المحيطة به أرضية لتوزيع تخوته التي شهدت أجمل الحوارات واللقاءات ومن أجيال متعددة وكانت الجلسات الصاخبة بالحواراتتمتد حتى ساعات الفجر، وكان هذا المقهىبحق مدرسة وطنية قدّم دروساً في حب الاوطان والبذل من أجل الحرية وتحقيق العدالةالاجتماعية، وليس بعيداً عن هذا المقهى فهناكمقهى آخر يقع في منطقة " الجديدة " كان هو الآخر ملتقى لرجالات الفكر والسياسة عرف بمقهى " عبد طامي " والمعروف ان المكان غالبا مايكتسب أهميته ومن ثم بقائه شاخصا في ذاكرة التاريخ بسبب مايتمتع به من موقع أو اطلالة او من خلال مشاركة غير منظورة في صنع حدث ما،الا ان هذا المقهى تربع على مساحة كبيرة من تاريخ مدينة الديوانية بالرغم من مساحته الصغيرة وقيامه في زقاق محلة عريقة عُرفت بإرثها الوطني والاجتماعي هي " محلة الجديدة " الأمر الذي يدعو للتأمل والبحث في اسرار وعالم هذا الكيان، كانوا يصفونه بالمقهى وكنت أستغرب في سري لهذا الوصف فهو أقرب للمنتدى منه الى المقهى، فالمقهى كما هو مألوف عالم يعج  بالجمهور والثرثرة وايقاعات النرد وقطع الدومينو في حين كان مقهى عبد طامي يخلو من كل ذلك، فلا وسائل لهو فيه ولامذياع يصدح بالاغاني ولاوجوه تتغير بين ساعة واخرى، كل مافيه تخوت قديمة تآكلت حصرانها ورواد لايتغيرون، متميزون بوجوهمالطافحة بالرجولة التي بانت على محياها هموم الوطن وآثار السنوات العجاف، معلمون، عمال، كسبة، مفصولون ألقت بهم عواصف السياسة على عتبات مقهى عبد طامي يتجاذبون الحديث والنقاش ويتبادلون الكتب بمحبة ظاهرة، حالمين بغد أفضلوبوطن ينعم بالحرية والكرامة، لم يتميز المقهى بشيء عن محلة الجديدة فقد تماهىمع شخصيتها وهويتها ومتداخلا مع بيوتاتها البسيطة وأزقتها الفقيرة .

في صباي كنت أتعمد تأخير خطواتي حينما أمر من أمام المقهى، فقد كان يشدني مشهد الصمت القابع في أركانه، رجال منكبين على الكتب والصحف، أما من غص بهم المقهى فقد اتخذوا من التخوت الموزعة في الساحة المقابلة له حلقة للحوارمع " عبدالله حلواص " الفيلسوف الفقير الحال، الغني بثقافته وكبريائه والاصغاء بحرص الى كل مايقوله ويشرحه، فقد قادته القراءة  التي تعلمها وهو في السجن الى الاطلاع على الاقتصاد والتاريخ والفلسفة وظل بعقاله وسترته " التاريخية " ودشداشته القديمة منارة المثقفين والسياسيين، ويذكرعنه القاضي زهير كاظم عبود (كنا نلتقي في مقهى عبد طامي في محلة الجديدة كشباب في مقتبل العمر نلتف حول شيخنا الجليل عبدالله حلواص كحلقة دراسية، ليحدثنا عن العمال والفلاحين والفقراء والمحرومين والعدالة الاجتماعية) والطريف ان النقاش كثيرا ماكان يحتدم بينه وبين رجل الدين الشيخ " عزيز الشيخ كاظم "  ـ أحد رواد المقهى ــ الا انه بعد ان تنتهي فورة النقاش يأخذ الشيخ بيد حلواص ليشاركه الغداء في بيته القريب من المقهى، كنت احيانا أتجاوز خجلي وأقف قليلا أتأمل المناضل الكبير " كيطان ساجت " بقامته الفارعة وشاربه الكث وهو يتوسط المقهى ملوحا للجالسين في أمر وكأنه ستالين يخطب في مجموعة من البلاشفة، كما لم تكن طارئة على ذلك المشهد شخصية " سيد بدر " بالجبة والعمّة السوداء بمرحه الظاهر وهو يشارك الاخرين نقاشهم وتعليقاتهم فهو ابن الجديدة وشخصية محبوبة وكان عاقداً وشاهدا على زواج الكثير من رواد المقهى، وحتى عكازة "عبدالله البصير" أو "ابو مهيدي" ــ كما كان يحلو لرواد المقهى بمناداته ــ هي الاخرى تآلفت مع المكان وصارت تهتدي اليه عند الظهيرة حيث يقضي عبدالله قيلولته في المقهى بعد صباح مرهق عند مقدمة الجسر بانتظار ماتجود به أكف المحسنين ولكن السياسة لم تتركه عند حاله فقد سرت اليه عدواها فراح يشارك تلك النخبة نقاشها وهمومها .

مقهى "عبد طامي" فضاء الاحلام الكبيرة شهد منذ الخمسينات حلقات نقاش جريئة دون خوف من أعين الرقباء وكان ساحة للأسرار ومركز تحريض ضد الحكومات الفاسدة كما شهد ولادة القصائد حيث وجد فيه الشعراء والأدباء ملاذاً هادئا فكُتبت تحت ضوء كوته القصائد والمقالات وانطلقت منه الافكار والرؤى والتظاهرات .

مقهى "عبد طامي" ومنذ زمن لم يعد قائما فقد أجهزت عليه معاول الاعمار في مطلع تسعينيات القرن الماضي في حملة لتحسين حال محلة الجديدة، أزيل المقهى ولكن الذكريات بقت تقاوم أسّنة المعاول وظلت تحوم حول المكان أرواح الراحلين من رواده الشيخ كاظم السمرمد، الشيخ عزيز كاظم، فيصل شعلان، ابو ياس، صباح كاظم، فاضل شوغه، كاظم ابو السّرة، ناصر عواد، احمد الرحيم، صباح رزوقي مثلما ظلت ترنو صوبه بعيون دامعة انظار الباقين فيصل حسين، هادي ابو ديه، عدنان المنسي وآخرين .

 

ثامر الحاج امين

 

Joanne Kyger (1934-2017(

قليلا ما نحلم بأنه سيأتي يوم يغادرونا فيه أعز الناس إلينا، حينها نجد أنفسنا نواجه الحقيقة المطلقة والوحيدة ألا وهي الموت الذي نتناوب في أداء تمثيلياته التراجيدية. في ذاك الحين نتحقق أنه لا شيء يستحق كل هذا القلق والصخب المتواصل في وجه الحياة. هذا الصباح، استيقظت على وقع بعض الأخبار المحزنة جدا: لقد توفيت صديقتي جوان كايغر، شاعرة منطقة خليج سان فرانسيسكو الرائدة، في بوليناس بكاليفورنيا عن عمر يناهز 82 عاما ولم يذكر أي سبب للوفاة. جوان، صديقتي العزيزة سنتذكرك طالما سمح للشعراء بأن يكتبوا ويتحدثوا عن ألامهم وآمالهم. سوف نتذكر حسك الفكاهي، ضحكتك المميزة، لطفك ودفئ شخصيتك الذي يشع كلما رحبت بزائر يطرق بابك. سنتذكر أعمالك ونناقشها، ويدرس جيل المستقبل من الكتاب والطلاب مؤلفاتك في كل الفصول الدراسية. كنت ثائرة وأثبتت أنه إن كان المرء يريد أن يعيش حياته الخاصة، فإنه يجب أن يكون ملتزما ومجدا في عمله: عليه أن ينظر إلى الأشياء خارج حدود ذاته ويحاول أن يفهمها بدل أن يتجاهل تأثيرها. أتذكر زيارتي إلى بيتك في بوليناس وكيف رحبت بحرارة بي وبرفاقي الأعزاء مايكل روثنبرغ وتيري كاريون في ذلك اليوم المشمس الجميل. أتينا من بعيد، من مدينة غرنيفيل بمقاطعة سانوما، إلا أن الرحلة كانت جميلة فقد أحببت المناظر الطبيعية الخلابة التي تلقفتها عيني خارج نوافذ السيارة. أخذت الكثير من الصور لغابات ريدوودز وجبال تامالبايس القابعة هناك في المدى. كانت أول رحلة لي إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولم أكن لأتحمل حزن الزيارة و الفراق دون أن ألتقي بك ولو للحظات قليلة. كنت سخية جدا لأنك منحتني من وقتك الثمين الكثير. تحدثنا عن كل شيء تقريبا: الشعر والسياسة والتغيير الاجتماعي، فترة الستينات والحركة المناهضة للثقافة وتأثير الموسيقى على الاختيارات السياسية أنداك، وكيفية المساهمة في التغيير الإيجابي في مجتمع اليوم. انبهرت عندما سمعت أغاني المغنية الجزائرية الأمازيغية سعاد ماسي تصدح في غرفة جلوسك. بدأت تسألنني عن معنى كلمات أغنيتها وطرحت العديد من الأسئلة حول الشعب الامازيغي وإرثه الثقافي. كان شريكك حياتك دونالد غورافيتش رجلا لطيفا ولمحت الدفء والرعاية في عينيه. كنا نمزح بينما كان يتفنن في التقاط الصور. اقترحت أن نذهب في جولة نحو البحر سيرا على الأقدام كي ندرك غروب الشمس. كان كل شيء جميلا في ذلك اليوم وكان غروب الشمس أكثر روعة على ضفاف المحيط الهادي. غادرنا منزلك لحظات قبل سقوط الظلام وكنت أرمق تلويحات يدكما تنعكس في مرآة السيارة. آمل أن يشع نورك في زاوية الشعراء أينما يمكن أن تكون. سنتذكرك على الأبد! سنفتقدك بعزة إلى الأبد!

جوان كايغر شاعرة أمريكية ولدت يوم 19 نوفمبر عام 1934 بمدينة فالييو بولاية كاليفورنيا ودرست الفلسفة والأدب بجامعة كاليفورنيا في مدينة سانتا باربرا، قبل أن تنتقل إلى سان فرانسيسكو عام 1957 حيث التحقت بالمشهد الشعري الذي تزعمه كل من جاك سبايسر وروبرت دنكن وكينيث ريكسروث. في عام 1958 التقت بغاري سنايدر، أحد مؤسسي حركة جيل البيت أو الجيل المهزوم، الذي اصطحبها في رحلة إلى اليابان حيث عقدا قرانهما وتزوجا في 28 فبراير فور وصولها. سافرا بعد ذلك إلى الهند مع ألين غينسبيرج وبيتر أورلوفسكي حيث التقوا بالدالاي لاما. عادت كايغر إلى الولايات المتحدة عام 1964 واستقرت في بوليناس منذ عام 1968 حيث قامت بتحرير الصحيفة المحلية.

بالإضافة إلى قربها من روبرت دنكن وشعراء نهضة سان فرانسيسكو، ربطت كايغر علاقات شخصية مع كتاب جيل البيت وشعراء الجبل الأسود بكارولينا الشمالية بالإضافة إلى تأثرها بشعراء مدرسة نيويورك، ولا سيما الجيل الثاني فقد عاصرت تيد بريغان الذي ولد بنفس السنة، وتعتبر إلى جانب جويس جونسن، لينور كانديل، هيتي جونس وديان دي بريما، احدى الأصوات النسوية التي أبانت عن قدرتها و مكانتها في الساحة الابداعية الأمريكية خلال الخمسينات والستينات.  ما يزال مسكنها  في مدينة بوليناس يشكل قبلة يقصدها الفنانين والكتاب والشعراء والطلبة من جهات مختلفة، ويرجع هذا الافتتان الدائم إلى الدور الذي لعبته مدينة بوليناس في الستينيات والسبعينات في الإسهام في الحركة الثقافية حيث كانت بلدة ينعم فيها الفنانين بالراحة وكانت توفر لهم ظروف ملائمة للإبداع نظرا لموقعها الرائع وطبيعة مناخها الملائم، فهي لم تكن تبعد عن مدينة سان فرانسيسكو سوى بساعة واحدة وتقع في منبسط ميسا بين بحيرة بوليناس والمحيط الهادئ، كما أنها كانت تشكل أركاديا مثالية للهبي لأنها وفرت ما يلزم من المخدرات، والرفقة الرائعة، وحياة إبداعية رائعة، ورحلات خلابة. كان حينها كل من جيم كارول، روبرت كريلي، محرر باريس ريفيو توم كلارك، دونالد ألين، ديفيد ملتزر، والعديد من الكتاب والموسيقيين والفنانين الآخرين يعيشون معا في هذه البقعة.  وعلى الرغم من أن أسعار العقارات في مقاطعة مارين قد حولت في السنوات الأخيرة العديد من الهبيين إلى يبيين، فإن بوليناس لا تزال تمثل نقطة استثنائية للفنانين والكتاب الذين شيدوا منازلهم على اليابسة التي كانت في السابق ملكا لهنود ميوك وسائر قبائل الساحل الشمالي.

 يكتشف قارئ شعر كايغر تأثرها الواضح بفلسفة زن Zen وممارستها لها، فهي دائما تركز على إبراز ما يحدث في الفضاء الذي تتواجد به، كما أنها تمزج الروحي بالسياسي في قالب سلس وفكاهي في بعض الأحيان وذلك من خلال لغة تستعمل أساليب متنوعة تستمدها من أوساط مختلفة تجمع بين مكونات المناظر الطبيعية، وملاحظات السفر، والنباتات والحيوانات في قالب إبداعي يستفز القارئ. في العديد من قصائدها تنتقد كايغر سياسة جورج بوش الذي "سقط من أريكته من تلقاء نفسه وهو يشاهد منافسات كرة القدم الأمريكية،" وفي سياق آخر تنتقد ديك تشيني باعتباره سياسيا لا يستحق الحب والإعجاب في أسلوب يجمع بين المضحك والمخيف في الآن نفسه.  بالإضافة الى مواضيع تصور تفاصيل الحياة في اليابان والمكسيك وبوليناس من خلال قصائد تتخذ شكل يوميات متصلة تختصر أحاسيس اللحظات العابرة بكلمات دقيقة تم اخيارها بعناية.

يعكس اهتمام كايغر باليومية كشكل شعري إرثا ابداعيا سبقها اليه كتاب من القرن التاسع عشر أمثال هنري ديفيد ثورو، ووالت ويتمان، غير أن جيل الكتاب الأمريكيين الجدد لفترة الخمسينات والستينات أضاف لهذا الشكل تقنيات سردية جديدة تعتمد على مراكمة الفرص، والأفكار، والتجارب الملتقطة التي تسجل في دفاتر اليوميات ومن أهم الأعمال التجريبية لهذه الفترة "كتاب اليوم" لروبرت كريلي، و"يوميات" بول بلاكبرن، و"يوميات ساحة كولومبيا" لويليام كوربيت. وهكذا تواص كايغر تعزيز هذه الطريقة الجديدة التي تعتمد اليوميات وتدخل في مواجهة مع ذاتها من خلال عملية المراقبة الدقيقة والاختيار وسرد الظواهر اليومية. وبالرغم من ذيع صيتها بين شعراء وفنانين كان لهم الفضل في تأسيس حركات أدبية معروفة فإن كايغر كانت تتفادى الرضوخ لهيمنة المؤسسات الأكاديمية بقوانينها المقيدة دون أن تتجهل تأثير الأجيال السابقة على كتاباتها. لقد كانت كايغر تفضل القيام بشغل يضمن قوت يومها ويسمح لها بممارسة فعل الكتابة باعتباره ضرورة وجودية وليس موردا ماديا يفرض عليها تقمص شخصية لا تم بصلة لمباديئها. ومن جهة أخرى يلاحظ القارئ أن قصائد كايغر، إلى جانب دراستها الجادة وممارستها لزن، تعكس عدم ارتياحها الخاص مع ذاتها، وبالتالي انفتاحها على الوجود المؤقت، وتمنع هذه السمة الشخصية عملها من الوصول إلى منابر الثقافة الرسمية التي تدعمها الدوريات الرئيسية، وإدارات الجامعة، ومنح المؤسسات.

نشرت كايغر أكثر من عشرين مؤلفا يجمع بين النثر والشعر ونذكر منها "نسيج وشبكة"(1965)، "مجرد فضاء "(1991)، "قمر كبير وغريب: المجلات اليابانية والهندية 1960-64" (1981، 2000)، "بعض الحياة" (2000)، "مرة أخرى: قصائد 1989-2000" (2001)، "الله لا يموت أبدا" (2004)، و"نظرة كئيبة" (2004). وبعد حصولها على جائزة منح الفنانين لعام 2006، حصلت كايغر على جائزة اعتراف بإنجازاتها مدى الحياة من مركز الفنون الأدبية، كما حصلت على الجائزة الوطنية للشعر لعام 1982 ل"مختاراتها الشعرية 1958-1980"، و جائزة أحسن الإنجازات لمدى الحياة من مركز الصحافة الأدبية الصغيرة للمرور الأدبية عام 2005، وحصلت أعمالها أيضا على منح من مجلس مارين الفنون عامي (1986، 2000). درست كايغر بكل من كلية ميل وسان فرانسيسكو كوليج للفنون كما اشتغلت مدرسة للشعر والكتابة الابداعية بمدرسة جاك كيرواك بجامعة ناروبا بولاية كولورادو. ماتت جوان كايغر يوم 22 مارس 2017 في بيتها ببوليناس عن عمر يناهز 82 عاما.

لا أؤمن

لا أؤمن بأي من

آلهتكم أو قواها

كل ذلك مجرد هراء

 

لا أؤمن حتى

بقواي أو آلهتي

 

كانت كلماتها الميتة

حافظ على نظافة البيت

*الحبيب الواعي: شاعر ومترجم من المغرب يشتغل مدرسا للغة الانجليزية. صدر له ديوان بعنونا "الان ستعلم السيدة جونس: قصائد ثائر يائس". حصل على العديد من الجوائز للمشاركة في ندوات ومؤتمرات تهتم بالكتابة الابداعية منها منحة فولبرايت للقيام ببحث حول جيل البيت بجامعة كارولينا الشمالية.  

 

الحبيب الواعي

 

منذ اعلان بلدية الناصرة برئاسة علي سىلام في آذار 2015  عن عيد البشارة عيدا رسميا في الناصرة،عمق القيمة الإنسانية والنصراوية الرائعة لهذا اليوم المميز في تاريخ الناصرة وجدد رونقه مؤكدا مكانة الناصرة على خارطة العرب في اسرائيل وعلى الخارطة الدولية قاطبة بكونها مصدر احد أكبر الديانات التي عرفها التاريخ البشري. ليس سرا ان هذا العيد ارتبط بذاكرة النصراويين  بقيمته الوحدوية النضالية التي جمعت كل طوائف المدينة عبر تاريخها المضيئ.

لفتة علي سلام هي لفتة انسانية هامة جدا، باقرار هذا اليوم الهام عيدا رسميا وعطلة مدفوعة الأجر لموظفي البلدية.

  عيد بشارة العذراء مريم بولادة ابنها المسيح هو عيد الناصرة الأهم عبر كل تاريخها، ودائما استعيد في هذا اليوم صفحة هامة من الذاكرة النصراوية التي اقوم بتسجيلها في "يوميات نصراوي" ، حفظا لأجمل ما في ذاكرة شعبنا من أيام تاريخية، وكيف كنا نحتفل بهذه الأعياد او بالمناسبات المختلفة الاجتماعية والسياسية والدينية والوطنية .

يا عدرا يا ام المسيح ارفعي عنا التصاريح*.

 

دائما اعتبرت الناصرة هذا العيد من أهم اعيادها وأكثره فرحا انسانيا وتكاملا اجتماعيا بين كل اهلها من جميع الطوائف. تاريخ الناصرة هو تاريخ البشارة اذا صح هذا التعبير. وكل خطوة تقوم فيها بلدية الناصرة لإضفاء صفة رسمية على عيد البشارة – عيد الناصرة المميز، هي خطوة مباركة وهامة.

تعالوا احدثكم عن قيمة يوم البشارة في حياة الناصرة وجميع اهلها من كل الطوائف.

من ذكرياتي عن عيد البشارة ..

الناصرة مدينة المسيح كما تعرف، لها عيد خاص بها تحتفل به بدون مشاركة العالم المسيحي، إنما بمشاركة مسيحييها ومسلميها، انههو عيد البشارة، "عيد الناصرة" كما يسمى... حين بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم انها ستلد ابن الله يسوع المسيح.

كان يجري الاحتفال البارز في مختلف كنائس الناصرة، وما اتذكره جيدا هو الاحتفال الذي يجري في كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس – قرب العين، حيث يحضر البطريرك الأورتوذكسي من القدس، عادة بعد الصلوات الرسمية يقام احتفال في ساحة الكنيسة الرحبة  يحضره  كل مواطني الناصرة من كل الطوائف، هذه هي ابرز قيم ذلك العيد وأعياد الناصرة التي لم تعرف التفرقة بين مسيحي ومسلم. أصلا من كان ينتبه إلى كون ذلك الشخص مسيحيا او مسلما؟ لاتينيا او كاثوليكيا او اورتوذكسيا؟ كنا أبناء وطن واحد منكوب ـ أعيادنا واحدة ، فرحنا واحد وألمنا واحد.. وأحلامنا واحدة !!

كانت تعقد دبكة يشارك بها المئات في ساحة كنيسة البشارة، في وسط الحلقة سيافان من عائلة مزاوي النصراوية العريقة يرقصان بشكل فني بالسيوف .. وتتوارد قناني العرق خاصة من طيب الذكر اسعد كردوش (ابو اسحق).تفتح القناني ويخلط  بعضها بالماء لتدور على الجميع، الجميع يشرب، واعني المسلمين والمسيحيين... والسحجة تصبح أكثر حماسية، السيافان يبدعان ب "القتال" الراقص .. والعرق يتدفق من كل النواحي.. ثم تبدا المسيرة من ساحة الكنيسة الى دير المطران (كنيسة القلاية) يتقدمها كشاف الروم الذي يضم شبابا مسيحيين ومسلمين  يسيرون أمام موكب المطران وضيفه البطريرك إلي دير الروم في مدخل سوق الروم ، المسيرة التي بدأت كاحتفال ديني  تتحول بدون مقدمات الى تظاهرة سياسية يطرح فيها المحتفلين هموم حياتهم ويعبرون عن غضبهم من الظلم والتمييز العنصري بأبشع صوره في تلك الأيام.. وخاصة القيود العسكرية التي تمنع التجول في وطننا بدون تصريح عسكري.

كانت تلك أيان الحكم العسكري الذي فُرض اساسا على المناطق العربية، تلك كانت أيام عصيبة قاسية، الحكم العسكري تصرف مع العرب بصلافة واستبداد، لا يختلف عما يواجهه اليوم أبناء شعبنا في المناطق الفلسطينية المحتلة.  لقمة الخبز كانت تحت قيودهم التعسفية، الوظائف لا تمنح الا لمن "مرضي عليهم"، المعلمون الوطنيون يطردون من جهاز التعليم، التصاريح تمنح بقيود واحيانا برفض دون تبيان الأسباب. ببساطة يمنعون ابناء شعبنا من الوصول لآماكن العمل في المناطق اليهودية (حيث ان البلدات العربية تفتقد لفرص العمل) حتى لو كانت تبعد 10 كيلومترات. كان

الاحتفال الديني الذي ينتهي بمسيرة الطبول والصلوات حتى ايصال البطرك والمطران الى كنيسة القلاية  سرعان كما يتحول الى مظاهرة سياسية ضد الحكم العسكري. اذ تبدأ الهتافات ضد الحكم العسكري.. وتنطلق الأهازيج الوطنية  ويطلق المتظاهرون اغاثة للعذراء مريم سيدة البشارة:

يا عدرا يا أم المسيح       ارفعي عنا التصاريح

ستي يا عدرا نجينا          من الحكم العسكري خلصينا

يا عدرا احمينا احمينا      احنا ليكي التجينا (أي التجأنا)

يا عدرا يا ام القدرة        زتي العسكر لبرا

 هذه بعض الأبيات التي أتذكرها. سالت كبار السن لعلهم يتذكرون، لكني لم اجد اكثر مما اعرف. وكانت مناسبة جمعتني مع السيدة نائلة عزام - لبس التي تهتم بالتراث الغنائي الفلسطيني ولها عدة اصدارات رائعة،  سألتها ان كانت تعرف اغاني تلك المناسبة، بعد ايام فاجأتني بهذه المقاطع : 

اول ما نبدا ونقول       بالصلاة على البتول

يا شباب دادي دادي     هاي العدرا بتنادي

يا عدرا احمينا احمينا    واحنا ليكي التجينا

يا عدرا عليكي السلام    وبعيدك يحلى الكلام

احمينا يا عدرا احمينا     للزفة احنا جينا

يا عدرا يا ام المسيح     شوفي شعبك عم بصيح

انت بنت بلادنا              ابدا ما بتهملينا

بشوارعنا مشى المسيح    وعلمنا الدين الصحيح

يا عدرا ليكي ليكي           واحنا التجينا ليكي

يا عدرا يا ام النور           ام الشامة والبخور

العدرا ام البشرية            شفيعة المسيحية

الك يا عدرا السلام        وبعيدك يحلى الكلام

مريم ام الطهارة            مريم ام النصارى

الك برفع ايديي             يا عدرا الناصرية

اسلام ومسيحية            الكل بقول احمينا

طبعا هناك ابيات اخرى آمل ان تكتمل!!

بعد ان تفرغ  قناني العرق، التي لا تخلو منها السحجة والتي لها حصتها في الغزل مثل:

"اللذة مش من اول كاس         اللذة بقاع القنينة"

 وغيرها من أغاني الغزل بالعرق يبقى الهم الوطني...

ما بقي ان أذكره ان الشرطة لا بد ان تعتقل مساء بعض المتظاهرين الذين بحت اصواتهم وهم يهتفون ضد الحكم العسكري ويناشدون ام المسيح ان ترفع عنهم التصاريح!!

 

نـبـيـــل عـــودة

المرأة دائماً، تتبع القمر وصفاً، والريشة والألوان رسماً، والشعر والخيال فكراً ووجداناً. ذلك المخلوق العجيب الذي يضفي علي الوجود رونقاً، وجمالاً، وسحراً. المانح للحياة حلاوة، وطراوة، ودفئا، وحناناً، ولطفاً، وحباً، وشوقاً. فإذا جمعت إلي جوار ذلك نبوغاً وعبقرية في مجالات بزَّت فيها عن الرجال بزَّاً، فتلك هي العبقرية الجميلة.

 ومس كوري عالمة بولندية. أول إمرأة تحصل علي جائزة نوبل، وهي الوحيدة التي حصلت عليها في مجالين مختلفين. فقد حصلت عليها مناصفة بينها وبين زوجها في الفيزياء. ثم حصلت عليها منفردة في الكيمياء. وهي أول إمرأة تحصل علي درجة الأستاذية في جامعة باريس. وضعت نظرية للنشاط الإشعاعي، وابتكرت تقنيات لفصل النظائر المشعة، واكتشفت عنصري البولونيوم والراديوم الكيميائيين، وأشرفت علي أول دراسة لمعالجة الأورام بالنظائر المشعة. توفيت بمرض فقر الدم اللاتنسجي، نتيجة تعرضها للإشعاع لعدة أعوام.

وسميرة موسي هي مس كوري المصرية، كما أطلق عليها المصريون. بنت القرية التي انتقل بها والدها الفلاح إلي القاهرة كي تتلقي تعليمها، فاشتري فندقاً متواضعاً في حي الحسين، وكان مستقبل أسرته بالكامل معلقاً علي هذا القرار. ثم بني لوكاندة وادي النيل بميدان العتبة. ونجح في إلحاق ابنته بمدرسة قصر الشوق الإبتدائية، ثم مدرسة بنات الأشراف الثانوية، وكانت تديرها نبوية موسي، رائدة التعليم في مصر، والناشطة السياسية.

تفوقت سميرة موسي، وكانت تحصل علي المركز الأول في جميع الإمتحانات التي دخلتها. بانت عبقريتها وهي في السادسة عشر من عمرها، حيث ألفت كتاباً في الجبر أسمته " الجبر الحديث "، طبعت منه ثلاثمائة نسخة علي نفقة والدها. فكرت في ترك مدرستها لعدم وجود معمل بها، فسارعت نبوية موسي ببناء معمل لها، قيضت له أفضل مدرسي العلوم.

التحقت سميرة بكلية العلوم، ودخلت معاملها، وفيها التقت بالأسطورة التي صاغت عبقريتها العلمية والإجتماعية، التقت بآينشتاين العرب / علي مشرفة. كانت الأولي علي دفعتها، وأول معيدة يعينها مشرفة ضمن هيئة التدريس، رغم احتجاجات الأجانب، وعلي رأسهم الأستاذ " آيرز " الإنجليزي.

سافرت سميرة إلي لندن للحصول علي الماجستيرفي التواصل الحراري للغازات، ثم في بعثة للحصول علي الدكتوراه في الأشعة السينية، إلي جانب دراسة الإشعاع النووي. أنجزت الرسالة في عامين، وفي العام الثالث واصلت أبحاثها، وتوصلت إلي معادلة تمكن من تفتيت المعادن الرخيصة، وصناعة القنبلة الذرية منها، إلا أن ذلك لم يلق قبولاً لدي الغرب حينذاك. وقد كانت عضواً في العديد من اللجان العلمية المتخصصة، وعملت علي انشاء هيئة الطاقة الذرية. كانت تقول : " أمنيتي أن يكون علاج السرطان بالذرة مثل الأسبرين ". وفي رسالة لوالدها : " لو كان في مصر معمل مثل المعامل الموجودة هنا كنت أستطيع أن أعمل حاجات كثيرة " وفي آخر رسالة له قالت : "  لقد استطعت أن أزور المعامل الذرية في أمريكا و عندما أعود إلى مصر سأقدم لبلادي خدمات جليلة في هذا الميدان و سأستطيع أن أخدم قضية السلام ".

استجابت سميرة إلي دعوة السفر إلي أمريكا في عام 1951م، وأتيح لها إجراء البحوث في معامل جامعة سان لويس بولاية ميسوري الأمريكية. تلقت عروضاً بالبقاء إلا أنها رفضت، وكان قد صدر بشأنها قراراً سرياً بألا تعود إلي مصر، وإن عادت فلتعد جثة هامدة. وقد كانت هناك شكوك حول أسباب موتها في حادث سيارة غامض. إلي أن ظهرت ريتا ديفيد توماس، حفيدة الممثلة المصرية راقية ابراهيم " راشيل ابراهام ليفي "، من زوجها اليهودي الأمريكي. وقد كشفت عن العلاقة الحميمة بين جدتها وعالمة الذرة المصرية من واقع مذكراتها التي كانت تخفيها، وأن جدتها ساهمت في تصفيتها، حيث أنها استطاعت سرقة مفتاح شقتها بطبعه علي صابونة، مما أتاح دخولها، وتصوير معملها الخاص وأبحاثها. وهي التي حملت عرض البقاء، والحصول علي الجنسية، والإقامة، والعمل. فلما رفضت، هددتها بالعواقب الوخيمة، مما دفعها إلي طردها. بعدها قرر الموساد تصفيتها.

في آخر بعثاتها لأمريكا، كان في استقبالها صديقة مشتركة، هي التي كانت تخبر راقية ابراهيم بتحركاتها. وقبل عودة سميرة بأيام، تلقت دعوة لزيارة معامل نووية في ضواحي كاليفونيا، وأرسلوا لها سيارة لاصطحابها. وفي الطريق اعترضتهم سيارة نقل فجأة، لتصطدمهما، وتهوي السيارة بسميرة إلي واد عميق، بعد أن قفز السائق المجهول المحترف من السيارة. وقد انكرت إدارة المعامل الدعوة، وأنكرت أمر السيارة، وقيدت القضية ضد مجهول.

كتب أحد اساتذتها في  جامعة بدفورد في تقريره عنها لجامعة القاهرة : " إن تجارب سميرة موسى قد تغير وجه الانسانية لو وجدت المعونة الكافية ". و قال المتحدث باسم السفارة المصرية في واشنطن ذلك اليوم: " إن الآنسة سميرة موسى علي، الطالبة المصرية التي تتلقى العلم في الولايات المتحدة، قُتلت في حادث سيارة،  بعد أن أتمت دراستها في جامعة أوكردج بولاية تنيسي الأمريكية ".

ماتت سميرة موسي " 3 مارس 1917 ـ 15 أغسطس 1952 " عن عمر يناهز 35 ربيعاً.

وقد سلمت مع جثتها نوتة صغير، كانت تسجل فيها خواطرها، وكان آخر ما خطته فيها: "ثم غربت الشمس".

 

حسن زايد

 

 

 

 

منذ ظهورها في مطلع القرن الماضي كواحدة من وسائل التعبير الفني، لم يقتصر دَور السينما على تقديم المتعة للجمهور فحسب، انما حملت على عاتقها مهمة التثقيف والتربية والتوعية وأسهمت بشكل فاعل في  نشر القيم الانسانية والتعريف برموزها، كما شكلت رافداً ثقافيا مهما، ومؤسسة اجتماعية لها رسالتها التي جمعت المعرفة والمتعة وجسدت قدرة الانسان على صناعة الجمال والابداع، وكانت بحق جسرا حقيقيا بين ثقافات الشعوب المختلفة، ولانغالي في وصفنا لها بـ " الامبراطورية " فهي قوة جبارة في تأثيرها وسيطرتها على قلوب أجيال عديدة حيث تحكمت في توجيه اراداتها وتهذيب ذائقتها وبلورة وعيها .

وبعد مرور قرن على بداية نضج السينما ومسيرتها الطويلة، ننظراليوم بأسى الى واقعنا الذي غابت عن سمائه هذه النجمة التي كنا نهتدي بضوئها في تلمس طريق الجمال وبناء الوعي .

السينما نافذة ثقافية

لقد تعرضت السينما لدينا في العقدين الأخيرين الى أشكال مختلفة من العداء وذلك نتيجة النظرة القاصرة للسلطات التي قامت على ادارة البلاد وعدم ادراكها لأهمية هذا الرافد المعرفي والثقافي لحياتنا عموماً، وهذا العداء في السابق اخذ طابعاً خفياً غير مباشر تمثل في تهميش دور العرض السينمائية وابعادها عن المساهمة في اثراء الحياة الثقافية، وكذلك من خلال تشجيعها على تقديم عروض هابطة تسيء الى الدور الحقيقي للسينما الهادف للنهوض بذائقة وثقافة المشاهد .

اما بعد التغيير عام 2003 فلم يصبح حالة السينما بأحسن من سابقه انما الحال ازداد سوءً وشراسة حيث أخذ العداء طابعاً صريحاً ومباشراً تمثل ذلك في الغلق التام لدور العرض السينمائية واضطرار اصحابها لتحويلها الى مخازن ومحلات لبيع الاثاث وغيرها بسبب التهديد المتواصل بالتصفية من قبل جهات متطرفة، وهذا الموقف قاسياً جداً لاتستحقها هذه النافذة الثقافية، فليس بمنصف من يتنكر لفضل السينما وتأثيرها على ثقافتنا وسلوكنا الاجتماعي، فقد اسهمت في خلق اجيال من المبدعين كان للسينما الفضل في تكوينهم الثقافي والابداعي وذلك من خلال دأبها المتواصل على تقديم روائع الادب العالمي عبر عقود طويلة من العمل والانتاج . كما ليس بخاف على الكثير دورها ومساهمتها الفاعلة في التعريف بالرسالات السماوية ورموزها وتأريخ الشعوب ونضالاتها ضد الظلم والطغيان .

لذا فمعاداة السينما ومحاربتها بذريعة الافساد امر يثير التساؤل والاستغراب، فالسينما فن راق يقدم مادته لجمهور واسع مجتمعاً في صالات خاصة لهذا الغرض لذا هذه الخصوصية تقلل من استغلال هذا الفن بالشكل الذي يخشاه البعض، واذا كان هناك من خشية ان يتحول دَور السينما سلبياً فلم تعد لهذه الخشية من مبرر بعد ما اصبحت التقنيات الحديثة والمتنوعة قادرة على توفير المحظور وايصاله الى غرف نومنا دون ان تكون هناك سلطة قادرة على منعها الا سلطة الوعي في حين تقدم السينما عروضها كما ذكرنا امام العلن وتحت رقابة الدولة والمجتمع

لذا بات من الضروري لمن ينظر لهذا الفن نظرة شك وارتياب ان يعيد النظر بواقعية ويقر بأهمية ان تأخذ السينما دورها في التنوير وانضاج الوعي وتهذيب الذائقة لتسهم الى جانب القنوات المعرفية والثقافية الاخرى في صناعة الجمال ونشر الثقافة ذات المضامين الجادة .

فخلال عقود طويلة من الفراغ الثقافي والترفيهي عاشتها مدينة الديوانية كانت السينما فيها مصدرا اساسيا لثقافة ابنائها حيث ظهرت في حياة المدينة عدد من دور العرض السينمائي للأسف  اندثر الكثير منها  وتحول الباقي الذي ظل قائما الى محال تجارية . 

بشرى بدء العرض بانطفاء الأضواء

وتعود بنا الذاكرة الى واقع السينما في المدينة خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي التي يمكن ان نطلق عليها سنوات الوعي ومارافقها من سلوكيات عرفت بها تلك الصالات ومنها عدد من التقاليد المتحضرة التي عكست حالة الوعي الذي ساد الحياة في تلك الفترة، ومنها  قيام الصالات وقبل عرض الفيلم بتقديم الأغاني ذات المفردات المهذبة والموسيقى الرائعة وأبرزها أغاني السيدة ام كلثوم وعبد الحليم حافظ وقد تميزت كل صالة بمطرب من المطربين الكبار يرافق ذلك مناداة الباعة ( حب، جكاير، علج )، ومنها ايضاً ادارات السينما التي كانت على درجة عالية من المصداقية والاحترام لوقت المشاهد من خلال الالتزام بأوقات العرض والحجز للعوائل قبل الموعد حيث تجد العوائل مكانها في مقدمة الطابق العلوي وبشكل يوفر لها الاستقلالية عن مقاعد الجمهور وتسمى بـ " اللوج " . وكانت بشرى بدء العرض تزفها انطفاء الاضواء وتعالي صفير الجمهور الذي عادة ما يأتي من المواقع الشعبية في السينما الذي يسمى " ابو اربعين " اشارة الى سعر بطاقة الدخول لهذا الموقع وهذا الجمهور يظل طيلة ساعات العرض حريصا على متابعة الفيلم ولايغفر لمشغل الفيلم اي سهو فهو سرعان ماينادي عليه بـ " اعور، اعور " في حالة اي قطع يرافق الفلم ولايعرف مصدر هذه الكنية ذلك انه لم يكن من بين المشغلين من تنطبق عليه المفردة المذكورة ويقال انها امتدت الى صالات العرض في دول عربية عديدة . 

"سينما فؤاد" اول دار عرض

في مدينة "الديوانية" يعتبر عقد الستينيات وماتلاه من سنوات هو العصرالذهبي للسينما، حيث شهدت وجود عدد ليس بالقليل من صالات العرض التي قدمت من على شاشاتها اروع الافلام ذات المضامين الانسانية وقبل هذا العقد  بكثير كانت اول دار سينما ظهرت في المدينة عام 1936 هي سينما فؤاد وتقع في الجانب الغربي من الديوانية في موضع مقابل لتمثال الجندي المجهول في مدخل الفرقة العسكرية وبقيت قائمة حتى السبعينيات ثم هدمت، وقد انشأها السيد عبد المجيد صالح الفؤادي وكان نائبا عن الديوانية في مجلس النواب أبان العهد الملكي ويشير الباحث حسين علي الحاج حسن انه (عند قدوم الوصي على عرش العراق الى الديوانية في شهر مايس من عام 1941 هارباً من مضايقات الكيلاني وضباطه المؤيدين له واتخذ من دار قائد الفرقة عبد الهادي الراوي مقرا له رفع السيد عبد المجيد لافتة كتب عليها بيت الشعر التالي:

    (رفعت أعلام بشرى     سينما آل فؤاد

    ياوصي العرش أهلا    بك في هذي البلاد) .

أسرة "البو جمعه" و نشر فن السينما

لأسرة "البو جمعه" الكريمة فضل كبير على الديوانية من خلال قيامها بانشاء عدد من السينمات فيها، ففي البدء كان لها دارين للعرض السينمائي هما سينما زهرة الفرات 1954التي تغير اسمها بعد ثورة تموز 1958 الى سينما الجمهورية الشتوي، واخرى صيفية بنفس الاسم تأسست في نهاية الخمسينيات تقع في الصوب الصغير من المدينة مقابل النهر، ويتذكر الديوانيون حادثا طريفا شهدته هذه السينما ذلك انها عندما كانت تعرض فيلما وفي احد مشاهده كان هناك مشهد حريق وقد صاحب المشهد تفاعل الجمهور باطلاق الاصوات مما دعا اهالي البيوت المجاورة للسينما الى تسلق السطوح ومشاهدة الحريق على الشاشة فسارعوا الى الاتصال بسيارات الاطفاء التي هرعت مسرعة الى السينما وهو موقف يعكس الطيبة والعفوية وبساطة الوعي عند مجتمع المدينة انذاك، ثم قامت هذه الاسرة في عام 1972بانشاء سينما ثالثة هي سينما الخيام وكان من ابرز العاملين في هذه السينمات هم "جهاد عباده" وهو وبسبب عضلاته المفتولة وشاربه المتدلي كان يكنى بـ "عنتر" الذي طغى على اسمه الحقيقي، وكذلك " خنياب " حارس بوابة السينما ـ جناح الفقراء ــ بوابة ابو اربعين وهو سعر بطاقة الدخول انذاك للرجل البالغ والذين دون السن المذكور يلجئون للمشاركة كل  اثنين ببطاقة واحدة وكان خنياب حارساً أميناً وصارماً في تعامله يذيق المشاركين ببطاقة واحدة المر والاذلال قبل السماح لهم بالدخول ويصف القاص زعيم الطائي في مقاله " عن نرجسة القلب الضائعة "  فراسة خنياب في تقديره لمن يستحق التمتع بامتياز النصف بطاقه بقوله (ثمة تغييرا لايدركه احد حتى انفسنا يراه خنياب بعينه الثاقبة من نظرة واحدة للزغب النامي فوق شفاهنا، فيمنع من وصل الى عمر المراهقة من الدخول الا ببطاقة رجل كامل الاحترام بأربعين فلسا لاتنقص ولا تزيد، ولكننا كنا نستغرب لبواب سينما مدةعشرين سنة لم ير لقطة واحدة من فيلم سينمائي طيلة عمره، ولا يقسم الا بروح رجل اسطوري اسمه الحاج جمعة صاحب السينما الأول)، ومن الشخصيات ايضا التي عملت في الترويج للسينما وللفيلم المرتقب عن طريق حمل اعلانها الجوال والمناداة (هاي الرواية باجر) هو "حمزه السليت" شخصية بسيطة تقضي نهارها تجوب الاسواق والطرقات حاملة دعاية الفيلم على اكتافها والصبية تجري لاهثة خلفه طمعا في الحصول على نسخة ورقية من دعاية الفيلم،واحيانا كان الاعلان عن الفيلم يتم بواسطة السيارة او العربات التي تجرها الخيول "الربل" حيث يرفع مانشيت الفيلم عليها وتجوب المدينة مع عزف موسيقى لإثارة الانتباه، للأسف اقتلعت هذه الصروح العالية من جذورها حيث تم تهديم الاولى والثانية فيما تحولت الثالثة الى ورش واسواق . وقد قدمت هذه السينما طيلة مسيرتها روائع الافلام الهندية ابرزها فيلم ام الهند، سنكام، وكذلك العربية ومنها فيلم الخطايا وعنتر وعبلة الذي استمر عرضه لأكثر من تسعين يوما وكذلك الحال مع فيلم مرحبا ايها الحب والافلام الايطالية ابرزها فيلم إمرأتان لصوفيا لورين والقائمة تطول .

سينما الحمراء تخوض غمار المنافسة

بعد غلق سينما فؤاد وكان اسمها الرسمي " الحمراء الصيفي "في أوائل ستينيات القرن الماضي  قام السيد ابراهيم ابو عميمه بشراء معداتها لينشيء على ارض داره الواسع المقابل لنهر الديوانية سينما شتوية حملت ذات الاسم وتم افتتاحها عام 1963 وكان أول فيلم عرضته هذه السينما هو الفيلم العربي " ارض السلام " لعبد السلام النابلسي ومازلت اتذكر يوم افتتاح هذه السينما حينها كنا صبية محلة الجديدة القريبة من السينما نلعب مساء وجاءنا من يبشرنا بافتتاح السينما والدخول اليها مجانا وهو تقليد سارت عليه السينمات ان يكون اول يوم الافتتاح والعرض مجانا هرعنا اليها ونحن مبهورين بعالمها العجيب، ولأسرة البو عميمه الكريمة فضلا في تنوير المجتمع من خلال تقديمها الجميل والانساني من الافلام الجادة حيث تخصصت بشهريات شركة مترو غولدن مايرو التي تعد اسطورة الانتاج السينمائي الامريكي وكان من ابرز اعمالها فيلم  ذهب مع الريح  ودكتور جيفاكو و بن هور وكلها جاءت بها سينما الحمراء وقدمتها لجمهور الديوانية .

سينما الثورة وذكرى "ابو جاسم لر"

في نهاية الستينيات ظهرت  سينما الثورة بعرضها الصيفي وقد انشأها السيد نجاح عبد الجليل أغا في شارع تجاري وحيوي مهم ولكنها في عام 1975 تحولت الى سينما شتوي جراء اقبال الجمهور على  صالات العرض وقد تخصصت هذه السينما بتقديم شهريات الافلام لشركة فوكس القرن العشرين حيث شاهدنا من على شاشة هذه السينماافلام الممثلة مارلين مونرو وجين مانسفيلد الى جانب افلام اخذت حيزا في الوسط الشعبي امثال الفيلم الايراني المدبلج ابو جاسم لر  وكذلك حجي بابا الاصفهاني، والسينما قائمة الى اليوم لكنها تحولت الى محال وورش خدمية .

 سينما غرناطة الشهاب الذي توهج وانطفا

في مطلع الستينيات وعلى ارض دارة الواسعة والواقعة في مركز المدينة انشأ السيد جليل الريس سينما غرناطة وبدأت صيفية تخصصت بعرض الافلام العربية لاسماعيل ياسين وفريد شوقي ومازال عالقا في ذاكرتي مانشيت الفيلم العربي رصيف نمره 5 لممثلته هدى سلطان وفريد شوقي وكذلك باب الحديد لممثله ومخرجه الفنان يوسف شاهين، وفيلم الفتوة وغزل البنات،  كما استغل مسرح هذه السينما لإقامة الحفلات خصوصا حفلات بنات الريف التي تضمنت عروضها الغناء الريفي والرقص، وقد شهدت ُعلى مسرحها غناء المطربة حمدية صالح وداخل حسن، الا ان هذه السينما لم تصمد طويلا فهي سرعان ما اغلقت ابوابها وتحولت الى مقهى ومحال تجارية فهي بذلك كالشهاب الذي توهج وانطفأ .

للأسف ان هذه الحياة الضاجة بالمتعة والمعرفة سرعان ما توقفت حيث بدأ انحسار تأثير السينما في الحياة الثقافية والاجتماعية بعد دخول العراق مسلسل الحروب في ثمانينيات القرن الماضي و بدأ التدهور يطال كل شيء، فبعد ان كانت السينما مركزا ثقافيا وتربويا، أخذت وفي ظل غياب الرقابة وانشغال المجتمع بمصيره المجهول تقوم بعرض الافلام الهابطة والمبتذلة مما اعطى ذريعة لقوى التخلف بأن تنادي بغلقها واعتبارها اماكن تشجع على الفجور وتمكنت من اطفاء ذلك النور الذي اضاء لنا الكثير من دروب الحياة المظلمة .

 

ثامر الحاج امين

 

 

 

 

 

قلنا من قبل أن علماء مصر، والعرب مستهدفون، ومعظمهم ـ إن لم يكن جميعهم ـ كانت نهاياتهم في ظروف يلفها الغموض، ويتواكب مع نهايتهم إختفاء  إنتاجهم العلمي المتميز. كما ترتبط نهاياتهم بقرارعودتهم إلي بلادهم . ويبدو أن الهدف لا يقتصر فقط علي التصفية الجسدية، والإغتيال المعنوي لهؤلاء العلماء، وإنما يمتد إلي اغتيال البلاد التي ينتمون إليها، بحرمانها من نتاج أفكار أبنائها، وعبقريتهم الفذة، حتي تبقي هذه البلدان تابعة لهم علي الدوام، عيلة عليهم . ومن بين هؤلاء العلماء الأفذاذ، عالم رياضيات وفيزياء مصري، نبغ في سن مبكرة، وكانت له نظريات جديدة كانت سبباً في شهرته عالمياً . حصل على الشهادة الإبتدائية عام 1907م، وكان ترتيبه الأول علي القطر المصري . ومن المفارقات العجيبة، وتدابير القدر، وفاة والده في نفس العام . وانتقل بذلك من كفالة الأب، إلي كفالة الرب . ليس هذا فحسب، وإنما وجد نفسه وهو لا يزال طفلاً، لم يجاوز ألإثني عشر ربيعاً، مسئولاً عن أمه، وإخوته الأربعة . والطريف أن حياته ترد علي من قال أن الإسلام سبباً للتخلف والجهل في حياة العرب والمسلمين، لأنه حفظ القرآن صغيراً، وكان يحفظ الصحيح من الأحاديث النبوية، مقيماً لشعائر دينه . وربما يذهب الخيال بالبعض إلي القول، بأن معظم من كان هذا حاله صغيراً، يخلع عن عقله تلك العباءة الثقيلة كبيراً، مع بزوغ عبقريته، ولكن صاحبنا طارد هذا الخيال المريض، ببزوغ عبقريته، مع ملازمته لمرجعيته الدينية، طوال حياته . وقد حصل صاحبنا علي شهادة البكالوريا، في ثلاث سنوات بدلاً من أربعة، وكان ترتيبه الثاني علي القطر المصري، وكان له من العمر 16 عاماً، وقد توفيت والدته بعد حصوله عليها . ورغم تفوقه، وخاصة في المواد العلمية، لم يهرول إلي كلية الطب أو كلية الهندسة، وإنما اختار الإلتحاق بمدرسة المعلمين العليا . تخرج بعد ثلاث سنوات فقط بالمرتبة الأولي، فاختارته وزارة المعارف العمومية إلي بعثة علمية علي نفقتها إلي بريطانيا . وأثناء وجوده بالخارج اندلعت ثورة 1919م، فكتب إلي أحد أصدقائه ـ دون أن ينشغل بذاته أو يتمحور حولها ـ برغبته في العودة للمشاركة في الثورة، فرد عليه صديقه : " نحن نحتاج إليك عالماً أكثر مما نحتاج إليك ثائراً، ويمكنك أن تخدم مصر في جامعات إنجلترا، أكثر مما تخدمها في شوارع مصر " . هذا الصديق هو محمود فهمي النقراشي، الوزير ورئيس الوزراء في العهد الملكي، الذي اغتالته يد الإرهاب الإخواني . لقد وافقت وزارة المعارف ـ انصياعاً لرغبة اساتذته ـ في متابعة صاحبنا دراسته في لندن، فالتحق بالكلية الملكية عام 1920م، وحصل علي الدكتوراه منها في فلسفة العلوم عام 1923م، تحت إشراف العالم الفيزيائي الشهير تشارلز توماس ويلسون، الحاصل علي جائزة نوبل في الفيزياء عام 1927م . وحصل صاحبنا علي الدكتوراه في العلوم عام 1924م، التي لم يتمكن من الحصول عليها سوي 11 عالماً علي مستوي العالم في ذلك الوقت، رغم أنه لا يتم التقدم إليها إلا بعد عامين من الحصول علي الدكتوراه في فلسفة العلوم، وقد كان مشرفاً عليها أستاذه السير ريتشاردسون أكبر علماء الطبيعة في عصره . عاد بالأمر إلي مصر، وعين مدرساً للرياضيات في كلية المعلمين العليا، فلما افتتحت جامعة القاهرة عام 1925م، عمل بها استاذاً مشاركاً في الرياضيات التطبيقية في كلية العلوم، وقد اعترض قانون الجامعة منحه درجة الأستاذية، التي حصل عليها عام 1926م، باعتباره دون سن الثلاثين، فقد كان عمره هو 28 عاماً . انتخب صاحبنا عميدا ًلكلية العلوم عام 1936م، فكان أول مصري يتولي عمادتها . منحه الملك فاروق لقب الباشاوية، وقد تتلمذ علي يده نخبة من أشهر علماء مصر . كرمته بريطانيا بإنشائها منحة تعليمية لدراسة الدكتوراه تحت اسمه واسم نيوتن . كان له أبحاث حول تطبيق فروض وقواعد ميكانيكا الكم، وهو أول من قام ببحث لإيجاد مقياس للفراغ، ووضع نظرية الإشعاع والسرعة، وهي السبب الرئيس في شهرته، وهو من وضع نظرية تفتت الذرة، ووضع نظرية تفسير الإشعاع الناتج عن الشمس . وكانت له مؤلفات عديدة في المجالين الرياضي والكيميائي . صاحبنا هو الدكتور / مصطفي مشرفة .. آينشتاين العرب، الذي نعته الإذاعه الأمريكية بقولها : " واحد من سبعة علماء في العالم يعرفون أسرار الذرة " . عندما علم البرت آينشتاين بخبر وفاته صرخ قائلاً : " كلا .. كلا، لا تقولوا أن مشرفة مات .. إنها خسارة جسيمة " . وقال عنه: " لقد كان الدكتور مشرفة موسوعة بشرية، حوت الكثير من النبوغ الذي قلَّ مشابهته في العالم بأسره " . وقد نعاه بقوله : " لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه لا يزال حياً من خلال أبحاثه " . توفي دكتور مشرفة في 15 يناير 1950 م عن عمر يناهز 52 عاماً، إثر إصابته بأزمة قلبية . وهناك شكوك حول وفاته، حيث يعتقد بأنه قد دس له السم . فقد ذهب البعض إلي اتهام الملك فاروق، استناداً إلي أن الدكتور مشرفة قد قام بتشكيل جماعة سرية، تضم عدداً من العلماء والمثقفين والطلاب تحت اسم " شباب مصر "، تهدف إلي قلب نظام الحكم، وقد انكشف أمر هذه الجماعة السرية، ووصلت إلي القصر الملكي، وقد كان ذلك سبباً كافياً لاغتياله . وذهب البعض الآخر إلي اتهام الصهيونية العالمية، استناداً إلي ما فعلته مع تلميذته الدكتورة سميرة موسي . بينما نفي شقيقه الروايتين قائلاً بأن الدكتور مشرفة مات علي فراشه . ولا تزال الظروف التي مات فيها الدكتور مشرفة غامضة  . رحم الله دكتور مشرفة رحمة واسعة لقاء ما قدم .

 

حسن زايد

 

هل أجاد الكاتب الصحافي عبد الله السناوي فيما كتبه عن الاستاذ الراحل، محمد حسنين هيكل؟، (٢٣ أيلول/ سبتمبر ١٩٢٣- ١٧ شباط/ فبراير ٢٠١٦) ، وهو الابن المضاف لافراد عائلة هيكل كما ذُكر  من خلال علاقته بالراحل وعائلته وصلته المهنية والثقة المتبادلة بينه واهتمامات الاستاذ. وماذا قدم بعد عام على الرحيل؟!. وهو  الحريص على الاسم والدلالة. وجهده في حسابه وغيره معلوم ومطلوب. كما تبيّن قد سجل ما عاشه وشاهده، وفيه من الرواية المعروفة كما فيه من الجديد الذي لولاه لما عرف، ولولاه لما بقي منسوبا له، للراحل ولمن قراه او استمع إليه من خارج دائرة محبيه وتلامذته ومريديه. الراحل باعتراف كثيرين من اصحاب المهنة او من الدارسين في بحور المعرفة، مدرسة فريدة، بكل ما تعنيه وما تعطيه. و هو ايضا حسب وصف سارميللا بوز، مديرة كلية الصحافة في «جامعة أوكسفورد»، وهي تقدمه لإلقاء أول محاضرة تذكارية في الكلية الوليدة، التي نشأت بالتوافق بين جامعة «أوكسفورد» ووكالة «رويترز»، «الأسطورة الحية». او ما اكده قبل أن يصعد على منصة «أوكسفورد» اللورد كريستوفر باتن، رئيس الجامعة، المفوض الأوروبي الأسبق، آخر الحكام البريطانيين لجزيرة هونغ كونغ، وأحد الأركان الوزارية في حكومة مارغريت تاتشر ب«أنه من عظماء الصحافة في نصف القرن الأخير»، ثم التفت إلى سارميللا بوز، قائلاً: «لم يسبق لأحد أن وصفني بالأسطورة الحية، رغم المناصب الكثيرة التي توليتها والأدوار التي قمت بها، لكنني الآن يمكنني أن أترك المنصة لأسطورة حية لتتحدث إليكم». وفق ما دونه السناوي في كتابه الجديد، "احاديث برقاش، هيكل بلا حواجز"، الذي أخذت صحف عربية بنشره قبل صدوره، في الحلقة الرابعة من العشرة التي نشرتها جريدة الاخبار اللبنانية. وهذه شهادة واستحقاق وتقدير، لشخص الراحل ودوره ومكانته. الإشارة لها أو التنويه ضروري لما تعنيه ولمن تعنيه ومن ذكرها وسجلها له. وهو المعروف بما هو عليه، من صفحات حياته، وعمله، واختياره لمهنة " الجورنالجي" صفة ووظيفة واجتهادا تجاوز به حدود العمل والانجاز والشهرة والنموذج الحي لأسطورة معاصرة.

أضاف السناوي في الحلقة ذاتها سجية أخرى للراحل، لا اقول تفرد بها، ولكن شهادة أخرى له ما تعنيه لديه ولمن خط بزمنه او بعده نبل الموقف ونصاعة السيرة. وهو كما يروي السناوي ويخصه به عبر مثال وخلال نص مؤثر ومعبر. "عندما حصد الروائي بهاء طاهر جائزة «البوكر» الدولية في أول إطلالة لها على الرواية العربية عام ٢٠٠٨، ولم يكن التقاه حتى ذلك الوقت، كتب رسالة خاصة إليه قال فيها: «أردت أن أحضر احتفال أصدقائك بك مع حصولك على جائرة البوكر، التي سعت إليك كما يسعى حق إلى صاحبه، وذلك شيء نادر في زمان فرض فيه على الحق أن يخلف موعده أغلب الأحيان».

يوضح السناوي: في تلك الرسالة الخاصة جملة لافتة تضيء جانباً من شخصيته والمنطق الذي يحكمه في النظر إلى معايير التكريم: «إن الدائرة الواسعة للقراء هي الجائزة الأهم والصحبة الأبقى لأي كاتب أعطى نفسه حرية الاختيار فمنحه قراؤه نعمة الرضا». وهذه الجملة تلخص موقفا واضحا ورؤية كبيرة والدراما بما يقوم به وما يعمل عليه وما يريده منه له والتاريخ الذي يستهدي به ويتامل فيه.

قبل سنة من تلك الجملة المنيرة جاءته رسالة موقعة من دافيد أرنولد، رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة، بتاريخ ١٩ شباط/ فبراير ٢٠٠٧، تبلغه بأن «مجلس الجامعة صوت بالإجماع على أن يقدم لكم درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية»... ف" إنجازاتكم طوال تاريخكم العملي تعكس مستوى عالياً من الأمانة والامتياز في توثيق تاريخ مصر السياسي، وإسهاماً له قيمته المؤثرة والمستمرة والحيوية في تطور الشرق الأوسط» ـ

 ويرد في ٥ آذار/ مارس التالي على تلك الرسالة:

«إنني شديد التأثر ـ راضٍ وممتن، لكن لدي مسألة أرى أهمية وضعها أمامكم، وتلك هي أنني التزمت أمام الرأي العام من بداية عملي على أن تكريم الصحافي من حق جمهور قرائه بحكم سلطتهم الأدبية والمعنوية عليه، ثم إنه مطالب طوال حياته المهنية بأن يلتزم بهذا الحق للرأي العام دون بديل أياً كان شكل تعبيره: وساماً أو لقباً أو تقديراً من أي جهة أو من أي نوع». «إنني حاولت مراعاة هذا المبدأ إزاء دول شاءت أن تهديني أوسمتها بما في ذلك وطني مصرـ كذلك راعيته إزاء هيئات تفضلت وأرادت أن تحتفي بي، بما في ذلك جامعات عربية وغير عربية رأت أن تهديني أرفع درجاتها العلمية».

ما هذه السجية وكيف يعرف اصحابها؟. وهل هناك بعد اكثر منها عرفا ورفعة وسموا. تضاف الى سجاياه الشخصية وتزيد في احترامه لنفسه ومهنته واختياره وخياراته في العمل والحياة والعلاقات العامة. كان ممكنا أن يوظفها او يستثمرها ولكن الكبير يظل كبيرا في كل الظروف والاحوال. رغم أنه عاش في زمن يتنافس فيه اقل شانا منه عليها ويتسابق كثر او قلة وراء اقل منها درجة او طمعا معنويا ويهرول أو يبيع ما عنده من أجل أن يدرج أسمه في لائحة مثلها او دونها. ويتفاخر البعض او يتباهى بأدنى منها وعقله يطمح او يلهث لغيرها او لمثلها اسما او رسما، ومنهم من عرض نفسه كسلعة في مزاد.

في الحلقات التالية يذكر السناوي سجايا اخرى، او صفات لا يتصف بها غيره، او من هو بمنزلته وموقعه وعمله ودوره، الإعلامي والسياسي والفكري وحتى القرار السياسي. وهو الكاتب الصحفي، الجورنالجي، في صراعاته مع الرؤساء الذين وصلوا السلطة بعد الرئيس جمال عبد الناصر، وفي سجالاته مع انداده او خصومه، او اساليب حواره وطرق تاليفه وصراحته في أحاديثه وكتاباته. وكذلك ما أخرجه وهو يذيع تجربة حياته على شاشات فضائية، مباشرة وامام المشاهدين له أو لها عبره، ويضع فيها كثيرا مما اراد ان يوصله ولم يكتبه فيما صدر له من كتب او مقالات. وهي اشارات ناطقة عن قدرة تواصل ومشاركة وتقديم رأي وموقف. وقد لا يعلم بان ليس كل ما أورده كان خاليا من تباينات او اخطاء في الزمان والمكان او الأشخاص احيانا، وهو ما كان الدكتور كمال خلف الطويل يصححها له ويراسله حولها ولم ينكرها او يختلف معه او ينفيها. وأشار السناوي مرة للدكتور الطويل في حدث منها. وبعد اكمال الحلقات العشر المنشورة في جريدة الأخبار اللبنانية، لم اطلع على دور كبير للاستاذ ومهمة جليلة كان يتهيا للقيام بها، من اعداد الطويل وتحفيز منه ومع جمع من القريبين منه ومن القضية المنشودة. وكان المفروض وهو القريب أن يشير اليها، لانها تضيف للراحل سجية او تؤكدها عنده. وهي بعد غرق المنطقة العربية بفوضى خلاقة وارتداد او جنون مدمر، أصبح لزاما على الاستاذ وأمثاله من الحكماء الباقين على قيد الحياة أن يمارسوا دورا لهم في مواجهة ما حصل، وتقويم ما حدث، وصناعة آفاق أخرى... تواصل وتبني، ترشد وتهدي، تكشف وتقوّم، لاسيما بعد استشراء استبداد وفساد وغياب عقل.

كتب الدكتور الطويل وثيقة بنقاط محددة لتسوية تاريخية (مؤرخة في 2011/8/8 ) وعرضها على نخبة واستشارات أن يقوم الاستاذ الراحل بإدارتها وقيادة العمل على انقاذ الشعب والوطن، في سورية، لما يعرفه بشخصيته وقدرته، ومكانته وخطوه، ولما يدركه من اهوال ما كان متوقعا أن يجري ومن هوس عارم لدى من كانوا ومازالوا سببا في كل الكارثة الجاثمة.

وافق الراحل وناقش المحتوى وهيا الصورة التي يمكن أن تسير عليها امورها. وصارت تحركات ونداءات وردود فعل مختلفة، لم تفتح السبل أمامها، كما كان مخططا او نُصب أمامها ما يوقفها ويؤجلها، لكن المهم أن الراحل تنكب لها، واستجاب. وهي سجية محمودة له مضافة او نابعة منه ومن شخصيته بلا حواجز او رهانات. وبرحيله وامثاله، طالت الليلة الظلماء وافتقد البدر او البدور فيها بعد. او كما كتب الطويل في عنوان نعيه له، يتم أمة.

 

كاظم الموسوي

 

 

إن يد المنافي الظالمة لعبت بالدكتور الأكاديمي ا.د. "شاكر خصباك" بالترحال من اليمن إلى الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً وقد أصيب بفقدان الذاكرة  -عن عمر 87 سنة – بعد وصوله إلى الأرض المشؤومة، هل سيرحل عنا خصباك وحيداً غريباً وبلا وداع ومن دون رعاية؟ وهذا ما نتوقعهُ للأسف في زمن الخراب العراقي (الناقد حسن سرمك) .

ا.د.شاكر خصباك من مواليد الحلة 1930، يعد واحد من أعلام العراق المعاصر، فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي ومترجم، وكاتب مذكرات ومقالات، وأنهُ أكاديمي كبير في علم الجغرافيا، وقد حصل على درجة الأستاذية عام 1974

في محور الحديث عن الدكتور "شاكر خصباك" هو ذلك العالم الجغرافي الكبير والأديب الثري العطاء، وأن شهرتهُ العلمية طغت على شهرته الأدبية، وأستحضار هذا الرمز العلمي والأدبي ما هو ألا أشارة في تقييم الكبار، والأعتراف بأستحقاقاتهم في سيولة أقلامهم وأياديهم البيضاء، وفضلهم على الأجيال المستقبلية المتلاحقة في رسم سيمياء اللغة والأدب والرواية، فخصباك هو ذلك المبدع في فن أبراز الجمال والحب والأنسنة التي تفوح بعبق عطاءاته الثرة، ظهر أديباً  في الأربعينيات حقق حضوراً متميّزاً بارزاً، ولمع نجمهُ في السبعينات من القرن الماضي كعالم في علم الجغرافيا، وتميّز مشروعهُ الفكري المناهض للأستبداد، برؤية واقعية في تبني مواقف المظلومين والمقهورين والتصدي لكل أشكال السلطة المستبدة، وهي تلك المواقف التي زجتهُ في المعتقل، وتسبب بعزلهِ من عملهِ الأكاديمي، مما أضطرهُ لمغادرة العراق محققاً نبوغاً في القصة والرواية والمسرح والنقد، ولهُ 15 رواية من أصل 35 عملاً أدبياً، ومثلها مؤلفات وتراجم في علم الجغرافيا ---- وهل في الليلة الظلماء يفتقد البدر؟

ثمة خاطرة مُرّةٍ تجيشُ في صدري وتؤرقني --- لماذا نحتفي بالفارس بعد ترجلهِ ؟ ورحيلهِ الأبدي ! وربما أستفز حكام ما بعدالأحتلال الذين يقبعون في بروجهم العاجية في فردوسهم المخملي الأخضر والمحاطين بوعاظ السلاطين من أمراء البذخ، وربما ثقيلٌ عليّ أن أقول كلمة وداعاً يا بروفيسورنا الذي أعطيت للوطن 60 عاما من عمرك وزمنك ولم تأخذ منهُ شيئاً، وعتابي كمواطن عراقي بتساؤل مشروع أين الحكومة ؟ ومؤسساتها الثقافية، وأتحاد الأدباء العراق، ونقابة الصحفيين، وأين الوطن ليستذكر هذه القامة العلمية والثقافية الموسوعية، وأين هم من شاكر خصباك العلامة الحيّة الميتة المبدعة ونتاجاته العلمية والثقافية والتي أتخم بها خزانة الذاكرة العراقية، واليوم قد شبع من الترحال، غاصاً من كأس عذابات المنافي والغربة، التي فيها موتاً مجانياً يومياّ عبر شهيق هوائها المزكوم في الوقت الضائع لتلك اللعبة الزمنية في محطة الشيخوخة اللعينة، وعطلاتها العديدة، وأن فارسنا قد ترجل، وها هو يمشي في طريق الرحيل الأبدي، وعندها نمجد الفارس عندما يكبوا حصانه ويترجل ليودعنا، وتقوم حينها قيامة أعلان الحداد، وأظهار الرياء والمسكنة على موت تلك القامة التي كان يوماً من رموز الثقافة الكبار، وأحد ركائز التراث العراقي شأنه شأن الرموز العلمية والثقافية والفنية، وليس بالضرورة لأحتياجاته المالية ربما لأنهُ يعيش من ريع مؤلفاته ونتاجاته الغزيرة الثرة، ولكنه بحاجة إلى التثمين والتقييم والتكريم والعرفان  .

ومن مفارقات القدرأن ينساهُ وطنه العراق وتحتفي به (صنعاء) اليمن - مشكورة - بمنجزات الدكتور شاكر خصباك في 10-6- 2008وعلى قاعة مركز الدراسات والبحوث اليمني بعنوان (مضامين تراثية ونقدية عن المنجز العلمي والأدبي للدكتور والأديب العراقي شاكر خصباك) أحتفاءاً بهِ وتقديراً لدوره الأبداعي العلمي، وبمناسبة صدور مؤلفاته الأدبية في ثمانية مجلدات، وقد شارك في الأحتفاء عدد كبير من الأدباء والنقاد وأصدقاء الأديب، وبعض ممن درس على يديه .  

حين تستعرض منجزات شاكر خصباك وأبداعاته الأكاديمية الموسوعية التي تبهر المتلقي العراقي والعربي والعالمي، وربما تعجز عن حصرها لسعتها وتعدد فروعها :

-مقالات مبكرة بين 1945- 1947 منها بحوث ثقافية وأدبية (دراسات أدبية، نجيب محفوظ، كتابات نقدية، القافلة الظالّة، مكانة المرأة في بلادنا، حديث عن الفن، كليباترا في خان الخليلي، الكاتب الروسي " أنطون تشيخوف " وعشرات المقالات في توضيح معالم أهتماماته الفكرية المبكرة في ميدان الكتابة الأدبية الأجتماعية .

- وهوقاص وكاتب مسرحي جسّد دور المسرح وأهميته في حياة البشر بالأطار الواقعي الملتزم بحواراتهِ المكثفة وبأسلوبٍ رشيق وبتجلياتها الدرامية والمفعمة بالأمل الذي جعله من أسس البناء الدرامي، ويصفهُ بأنهُ أكسير الحياة  أذ لولا الأمل لتعطلت ديناميكية الحياة عبر مسيرتها االطويلة والمملة مثل: (مسرحية القهقهة، الدردشة، وهو وهي، والشيء، وبيت الزوجية، الدكتاتور) .

- التخصص في علم الجغرافيا حصل على الليسانس من جامعة القاهرة عام 1951، وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه من أنكلترا في الجغرافيه البشرية عام 1958، وعُيّن في كلية الآداب في قسم الجغرافيا، وكنت حينها طالبا في كلية التربية قسم الجغرافيا، مع الأسف أنهُ لم يدرسني بل كنت من الطلاب المتابعين لبحوثه ومحاضراته في حقل الجغرافيا البشرية .

 وأخيراً / ليس من الضروري في هذا المقال كتابة تفصيلية عن الأستاذ الدكتور شاكر خصباك فهو يستحق أن نكتب عنهُ مجلدات وأطروحات لكن الهدف هو التذكير بهذا (العَلمْ) الذي خدم وطنهُ والأنسانية عبر فضائين واسعين هما:

الأبداع الأدبي في مجال القصة والرواية والمسرح.

الثاني: الدراسات الجغرافية بقسميها البشري والأجتماعي .

تحية أجلال وأكرام لأستاذي الجليل البروفيسور شاكر خصباك متمنياً له الصحة والعافية

 

عبد الجبار توري - كاتب عراقي مغترب

 

 

 

تخليدا لذكرى ولادته واعتزازا بدوره الكبير في ترسيخ الهوية الفنلندية سيما في مجالي الادب والاقتصاد يرفع العلم الفنلندي كلما حل الـ12 من ايار باعتباره يوما وطنيا لجميع الفنلنديين، انها ذكرى ولادة الاديب، السياسي والكاتب الفنلندي الشهير "Johan Vilhelm Snellman".

سنيلمان عاش في ذروة التحولات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية وحتى الثقافية لبلده الصغير الذي شهد صراع الحروب بين روسيا القيصرية والمملكة السويدية، هذه الاخيرة احتلت البلاد قرابة الستة قرون ابتداءا من القرن الثاني عشر وحتى العام 1809 حينما استحوذت روسيا على فنلندا وبقيت فيها حتى العام 1917. في تلك الفترة كانت تتصاعد بين الحين والاخر حركات ادبية وسياسية تدعو لترويج هوية فنلندية ناضجة مختلفة عن كل من السويد وفنلندا، سنيلمان كان احد ابطال تلك التكتلات، حينما كان ينشط في المؤسسات الاكاديمية اضافة الى دوره الكبير في التاسيس لتعليم اللغة الفنلندية والادب الفنلندي.

ولان ابيه ربان سفينة فقد ولد سنيلمان على متن احدى السفن الراسية في ميناء العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1806، درس في مدينة "اولو" الواقعة شمال فنلندا بعد ان اكمل جزءا من دراسته الاولية في مدينة "كوكولا"، ثم اكمل دراسته لاحقا في اكاديمية "توركو" التي تقع اقصى جنوب البلاد، درس هناك الالهيات، التاريخ والادب العالمي، في تلك المرحلة اخذت تنضج شخصية سنيلمان، خصوصا بعد ان احتك وشاهد التيارات الادبية والسياسية المختلفة التي تنشط في الجامعة. لكن الانخراط في توجهات تدعو لتمايز الهوية الفنلندية عن غيرها لا يخلو من ثمن، ولهذا حينما انتقل للعمل في جامعة هلسنكي محاضرا تعرض لمضايقات هناك واضطر للخروج من فنلندا.

بعد عودته بفترة وجيزة ذهب الى مدينة كوبيو الواقعة وسط البلاد في اقليم الصافو وفي العام 1843 اصبح مديرا لاعدادية لوسيو. نشط سنيلمان في مدينة كوبيو وبانت نشاطاته على مستوى فنلندا ايضا، اسس هناك صحفا ناطقة بالفنلندية والسويدية. تزوج سنيلمان في مدينة كوبيو. بعد العيش قرابة عقد من الزمن في كوبيو ترك المدينة وانتقل الى هلسنكي عام 1849.

في تشرين الاول من عام 1858 اسس سنيلمان اول مدرسة لتعليم اللغة الفنلندية، اعقبها بعد ذلك بمجموعة من المؤسسات التعليمية في اماكن مختلفة، مما ادى الى انتعاش اللغة الفنلندية.

استثمر سنيلمان رحابة صدر القيصر الروسي "الكسندر الثاني" الذي شهدت فترته منح الدوقيات مزيدا من الصلاحيات واستحصل منه في آب عام 1863 على موافقة خاصة بان تكون اللغة الفنلندية هي اللغة الرسمية للبلاد في مختلف المجالات خلال فترة ليست طويلة.

في الستينات من القرن التاسع عشر ايضا كان لسنيلمان بمعية "Fabian Langenskiöld" دور كبير في سك العملة الفنلندية الماركا، التي بدأ التداول فيها منذ العام 1860 واستمر حتى العام 2002. سنيلمان وصل الى مجلس الشيوخ عام 1863 واستمر حتى العام 1869. استمر سنيلمان في نشاطاته العلمية، السياسية والادبية على الصعيد الرسمي والشعبي واثمر بمساعدة ابناء جيله في الحفاظ على هوية هذا البلد الصغير، ثمار ذلك الحراك الكبير تجلى واضحا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وبعد مشوار طويل من المثابرة توفي سنيلمان في 4 تموز 1881. بعد وفاته ترك وراءه ارثا مهما، واسما لامعا تجلى في مظاهر مختلفة ليس اهمها بلا شك جملة من النصب شيدت له في عدة مدن من بينها كوبيو حيث يقف تمثاله الشهير في اجمل حدائق وسط المدينة.

 

هلسنكي- جمال الخرسان

 

في أواخر سنة 1969، كنت حينها أدرس في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو- الاتحاد السوفييتي آنذاك، وصل لعلمنا أن محمود درويش حصل أخيرا على جواز سفر مؤقت، لمدة سنة واحدة أو أقل قليلا.. لمغادرة إسرائيل إلى موسكو.. إلى معهدنا. (معهد الأحزاب الشيوعية كما كان يعرف واسمه الرسمي "معهد العلوم الاجتماعية").

كنت في بداياتي الأدبية... كاتبا مبتدئا تشده رومانتيكية الأدب، كان يومها محمود درويش نجمنا الأدبي الأعلى الذي لا تخلو مهرجاناتنا من قصائده.

كانت قصائد محمود درويش قد بدأت تتحول إلى محفوظات وطنية نرددها.. وما زلت أذكر مقاطع عديدة من قصائده التي ألهبت الجماهير في نضالها الشرس سياسات القمع ومصادرة الأرض وتضييق الخناق على القوى الوطنية وضد العزل العنصري وضد نظام الحكم العسكري البغيض المفروض على العرب وحسب قوانينه طبقت سياسات النفي والاقامات الجبرية وتحديد التنقل واثبات الوجود في مراكز الشرطة وهو ما عانى منه محمود درويش والعشرات من رفاقه لسنوات طويلة. انا ايضا قيدت حرية تنقلي ولم أكن قد تجاوزت سن العشرين،  المضحك اني وصلت بتصريح عسكري لمطار اللد (بن غوريون اليوم) وسجل تحت الهدف من الوصول للمطار "السفر للاتحاد السوفييتي فقط" وكأنهم يحددون مكان وجودي خارج إسرائيل أيضا، رغم إني سافرت أولا لقبرص... وقد سجل في التصرح الطريق التي يجب أن التزم بها للوصول إلى المطار مع ملاحظة تمنعني من الدخول للبلدات في الطريق، ما عدا لمحطات الوقود...

في مثل هذه الظروف نشط محمود درويش وكتب قصائد المقاومة، في مفهوم التحدي للسلطات العنصرية الغاشمة والدفاع عن الحقوق القومية للشعب الفلسطيني من داخل الوطن المنكوب. كانت القصيدة أهم من خطاب سياسي، القصيدة خطاب مجند للنضال.. من هنا أنا على قناعة تامة أن شعرنا المهرجاني الوطني لعب دورا تثقيفيا وسياسيا هاما لا يمكن مقارنته بأي شعر منصات آخر. لذلك حين تقييم هذا الشعر، يجب أن نفهم أن حديثنا عن الشعر الوطني أو المهرجاني التقليدي، له قيمة خاصة في الشعر الفلسطيني الذي كتبه الشعراء العرب الفلسطينيون في إسرائيل. قيمته تتجاوز فنيا أيضا، كل الشعر الشبيه الآخر الذي كان يغرق فيه الشعر العربي.

لم تكن معرفة سابقة شخصية بيني وبين محمود درويش، رغم إننا كنا من نفس الموقع السياسي، كان محررا للمجلة التي اعتبرت فخر ثقافتنا المحلية. مجلة "الجديد" التي تعتبر أيضا من أفضل المجلات الثقافية العربية على الإطلاق. لا ابالغ بالقول ان مجلة "الجديد" كانت جامعة ثقافية لعشرات المثقفين.. وما زلت أعتبر نفسي خريج هذه الجامعة الثقافية، التي لعبت دورا ثقافيا سياسيا هاما في كسر دائرة التجهيل بتراثنا العربي، كسر عزلنا عن الثقافة العربية.. وتنشأة جيل جديد من المثقفين بعد النكبة.

كنت أعرفه من المنصات ويعرفني من القصص التي أرسلها للنشر في الجديد... وقد شعرت بتوتر من لحظة اللقاء مع محمود درويش وانتظرتها قلقا من طول الدقائق...

وصل محمود درويش إلى موسكو، نقلوه كالعادة إلى "الداتشا" – قصر للنقاهة في الجبال.. حيث كانت تجرى الفحوصات الطبية لكل الوافدين للمدرسة الحزبية في موسكو.. قبل نقلهم إلى بيت الطلبة وبدء برامج التعليم في المعهد.

ذهبنا، نحن الطلاب ، الرفاق العرب من إسرائيل لزيارة محمود درويش ورفاقه في "الداتشا".. وكانت تلك أول مرة نلتقي وجها لوجه، نتعارف ونتبادل التصافح بالأيدي.

راقبت كل حركات محمود درويش لسبب لا أفهمه، ربما لأفهم العلاقة بين هذا الإنسان الهادئ الوديع، الذي اسمه محمود، له مظهر الإنسان الحالم... وبين شعره المتفجر بنار الغضب والثورة والجرأة. ربما توقعت ان أرى إنسانا حديديا رهيبا لكلماته فعل الرصاص... ولكني وجدت إنسانا حلو المعشر، حديثه عذب جذاب، يحب الحياة، يضحك بطلاقة، رقيق لأقصى ما تحمله الرقة والدماثة من معنى. له مظهر حالم كما قلت وربما حتى بعض الحياء.

هذا هو انطباعي الأول عنه.

سألت نفسي وقتها: ترى هل وراء هذا الإنسان الرقيق الهادئ، الذي يرعب دولة إسرائيل.. يختبئ أسد متوثب ومرعب؟!

هل حقا هذا هو محمود الذي سجن وعانى من الاضطهاد، من الحبس المنزلي وتقييد حرية التنقل لدرجة عدم السماح له بزيارة أهله على بعد نصف ساعة سفر من حيفا؟!

هل هو محمود نفسه، الرافع لراية شعبه، المعبر عن مآسيه، من النكبة حتى مجزرة كفر قاسم الرهيبة (50 ضحية) ومقتل الشباب العرب الخمسة والتنكيل بجثثهم بصورة وحشية وغيرها من مآسينا المتواصلة، مثل مصادرة أراضينا ومنعنا من العودة إلى قرانا المهجرة وتقييد حريتنا بالعمل ؟!

أعرف إن بعض ما أكتبه اليوم يبدو كتابة عن عالم آخر.. مساحة الحرية اليوم واسعة جدا.. القيود تحطمت.. رغم استمرار سياسات التمييز العنصري، إلا إننا أنجزنا بنضالنا مكاسب تبدو اليوم شيئا عاديا لا يحتاج إلى تفكير ونضال. لكن الويل لشعب ما زال مشردا في وطنه وخارج وطنه من الاطمئنان لمنجزاته واعتبارها أمرا لا عودة عنه، لأن القوى الفاشية ما زالت تتحين الفرصة للانقضاض على ما أنجزناه وما حققناه من قامة مرفوعة..

سألت نفسي أيضا: هل حقا هو محمود نفسه الذي أطلق عليه شعبنا لقب " شاعر النكبة "؟!

قلت كنت في بداياتي، كان محمود قد بدأ اسمه يسبقه أينما ذهب، كان العالم العربي منبهرا بشعره وشعر زملائه ، وكل ما ينشر تحت اسم الشعر عندنا حتى لو كان بلا معنى ولدرجة تجاوزت المنطق.. مما جعله يطلق صرخته الشهيرة وقتها، عبر مجلة الجديد: " أنقذونا من هذا الحب القاسي". كأنها كانت نبوءة لخطر العشق العربي بلا منطق لكل ما ينتجه أدبنا المحلي.

شعرت بالرهبة والارتباك وانا بالقرب منه، اسما مبتدئا لا يعرف لغة التودد ولا أعرف أن أبني علاقات على أساس المنفعة الذاتية، أو التعلق بسماجة بالآخرين.

بعد الفحوصات وانتهاء الترتيبات المختلفة، التحق محمود بمعهدنا.

لا أدري كيف ذاب الثلج بيننا، وكيف استقرت العلاقة الفريدة التي جمعتني به في المعهد. لكنها لم تستغرق غير أيام قليلة.. حتى استطعت التخلص من ارتباكي والحديث الحر معه..

سحرتني شخصيته بوداعته التي تبلغ حد الطفولة، مع ازدياد معرفتي به، كنت أكتشف أمامي معدنا صلبا نقيا، أنسانا حقيقيا لا  تتنازعه الميول الطارئة ولا يبني علاقاته إلا على أساس الاحترام.

قلت اني لا أذكر تماما كيف تطورت علاقتنا، لكن الواضح ان وجودنا في نفس بيت الطلبة، في نفس المعهد، في نفس طبقة بيت الطلبة وفي فرقة واحدة لا يتعدى أفرادها الثمانية... جعل المسافة بيننا تتقلص، اللقاء اليومي بدا يولد تفاهما في الذوق والميول وحب الحياة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني.. إلى جانب معرفتي الجيدة نسبيا باللغة الروسية وبالعاصمة موسكو ومطاعمها الجيدة وحدائقها الجميلة وشوارعها وسائر تفاصيلها... وقد اكتشفت ان هذا الإنسان الحالم لا يحفظ الشوارع بسهولة، لا يحب التقيد بنظام بيت الطلبة الذي يحدد ساعات بقائنا خارج المنزل حتى الحادية عشرة مثلا، حيث كان الحارس للمبنى يغلق الأبواب ومن يتأخر يواجه مشكلة الدخول، ثم تنبيها وانتقادا من إدارة المعهد.. ألخ. في أول سهراتنا بالخارج أخبرت محمودا بهذا التحديد.. فرفضه ضاحكا معبر عن أمنيته التي طالت بقضاء سهراته خارج غرفته لساعات الفجر. ففهمت انه يعني أن هذه فرصة العمر، فبعد سنة سيعود إلى حيفا والى الحبس المنزلي بعد غروب الشمس وحتى شروقها، حسب قانون الطوارئ الانتدابي الذي واصلت إسرائيل فرضه على ابرز المناضلين العرب ولتذهب كل التقييدات إلى الجحيم!!

حاولنا ان نحصل على إذن بالبقاء خارج المنزل لوقت أطول، فلم ننجح، فوجدنا طريقة لا يمكن أن تفشل، بإهداء بواب المبني، قنينة فودكا كلما شئنا أن لا نعود في الوقت المحدد... كنا نعلمه مسبقا.. وكان دائما على استعداد للتغاضي عن موعد عودتنا وهكذا نجحنا في التحرر من قيود النظام.

كان جليا أن متعته الكبرى أن لا يعود للمنزل قبل الفجر، كأنه يقهر شرطة إسرائيل بسهراته حتى الفجر هنا في موسكو.

في موسكو التقى محمود درويش بالناقد والمفكر اللبناني حسين مروة، الذي كان يعد رسالة الدكتوراة في نفس المعهد. والذي اعتبر في وقته (1969) محمود درويش كأبرز شاعر عربي معاصر في مداخلة قدمها في إطار المعهد إمام أساتذة وطلاب المعهد.

التقى محمود درويش في موسكو بعدد من أدباء العربية، بقي في ذهني منهم الكاتب السوري سعيد حورانية، الذي كان يحرر أسبوعية " إنباء موسكو " باللغة العربية، حيث كنت أنشر قصصا ونشر محمود احد قصائده الجديدة التي كتبها في موسكو، أظن انها كانت انتقادا لأنظمة عربية تعاملت معنا كعملاء للصهيونية. كذلك التقى مع الشاعر السوداني جيلي عبد الرحمن، مع الناشر اللبناني، من دار العودة، محمد سعيد محمدية، مع الأديب اللبناني د. سهيل إدريس صاحب الآداب اللبنانية، مع الكاتب اللبناني محمد دكروب، محرر مجلة "الطريق" اللبنانية وغيرهم تفوتني أسمائهم... وقد حضر بعضهم إلى موسكو بعد انتشار خبر وصول درويش إليها.

قضيت أكثر من نصف سنة مع محمود درويش، في لقاء يومي وأحاديث يومية، للأسف لم أسجل أيا منها، وبعضها كان يتعلق بأدبنا المحلي، مشاكله ومشاكل تطويره، التجديد في الشعر وقد بدأت ألمس من وقتها انطلاقة محمود درويش نحو ما بات يعرف في شعره اليوم بالفضاء الإنساني العالمي... خارجا من مرحلة الشعر الوطني التقليدي، قبلها شعره الغنائي الغزلي ثم الوطني ألمنبري ان صح التعبير وصولا للوطني الانساني...

بدأت ملامح الفكر الإنساني الشمولي تأخذ مساحة هامة في كتاباته الشعرية الجديدة.

صحيح إني أتحدث عن ذكريات بات عمرها اليوم خمسةعقود، وقد نشرت بعض تفاصيلها قبل عقدين من الزمن، وهي التي اعتمدتها في هذه المراجعة..

في ذكرياتي عن لقائي بمحمود درويش في موسكو تختلط أمور كثيرة.. هناك ما أعتبره من المسائل الذاتية جدا التي لا أحب الخوض فيها.

عندما سمعت، بعد عودتي بشهر أو أكثر محمود درويش يعلن عبر إذاعة القاهرة (1970) انتقاله لموقع آخر، حزنت وفرحت في نفس الوقت. حزنت لفقداننا هذا الركن الهام في شعرنا المحلي وفرحت لانطلاقة النسر من أسره. بنفس الوقت لم أتفاجأ من خطوته. ربما يصعب علي تفسير ذلك، ولن أحاول تفسير خطوته التي لم تفاجئني. لأنها قد تحمل الكثير من باب التأويل، هذا لا أحب التطرق إليه، لأني إذا لمست بعضه، فذلك بسبب قربي الشخصي من محمود في تلك الفترة. بلا شك ان وجود محمود درويش في نفس المعهد وما أثاره وصوله إلى موسكو في وقته من اهتمام واسع، حفزني على المزيد من الإبداع، من جعل الإبداع، الفكر والنشاط الثقافي عامة مبدأ ومنهجا لحياتي. كان الطلاب العرب يتساءلون عن مكان درويش في موسكو، وكثيرا ما عرفوه في الشوارع ونادوه باسمه ليحيوه بحب وتقدير ما رأيت مثله في حياتي.

الانعكاس الأساسي علي انه جعلني أفهم الأدب كالتزام واع بقضايا الناس وتطلعاتهم وان الوطني حقا هو إنساني بالمقام الأول أيضا.

اليوم حين أنظر لخارطة العالم الثقافية، ارى المكانة المرموقة لمحمود درويش، دوره الطليعي في خريطة الشعر العربي واسمه الذي صار عنوانا لقضية وطنية وإنسانية في نفس الوقت.

محمود درويش هو سنديانتا الشعرية.. حلمنا ونموذجنا الأعلى... أشعر كم سنبقى مقصرين، بحق الإنسان والشاعر.. المتألم لآلام شعبه، الذي ترك في نفس كل واحد منا شيئا من ذاته، شيئا من طهارته، شيئا من إنسانيته وشيئا من تحديه...

سيبقى محمود درويش علامة فاصلة لشعرنا، لثقافتنا، لإنسانيتنا ولقدرتنا على مواصلة الإبداع.. ومواصلة التحدي والنضال لتحقيق الحلم الكبير لمحمود ولشعب محمود، بإقامة دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة، بيتا دافئا للشعب الفلسطيني، يكفي فخرا لشعب فلسطين شاعرهم القومي الإنساني، الذي صار اسمه مرادفا لما هو جميل وراق في الأدب العربي والعالمي كله.

 

نبيل عودة

 

 

ترحل النجوم الى العالم الاخر كما تغيب في النهار وتظهر في الليل الدامس، هكذا تجلت قدرة الرب العظيم . ولكن هي نجوم ضوئها يراه من في الارض. وفي النهار تسكن السماء وتغذي الشمس ،ثم تسطع في الليل لتزين مسكنها ويكتحل منها من في الارض .

هكذا هو ديدن العلماء هم نجوم، يتوفاهم الاجل فتذهب اجسادهم وتبقى ارواحهم وعقولهم يرددها من استسقى من مناهل علومهم .

  لقد رحل من التقيته في الحرم المقدس البروفيسور فكتور الكك، ونعاه من عرفني به، ذلك سماحة العلامة الدكتور وليد البعاج قائلا: الكك استاذ جامعي ممتاز لديه ثلاث شهادات دكتاتوراه في ادأب اللغة العربية وفي اللغة الفارسية وفي الفلسفة باللغة الفرنسية يتقن عدة لغات (العربية، الفارسية، الانكليزية، الفرنسية) درس بهذه اللغات في جامعات فرنسا وامريكيا وكندا وايران ولبنان.

اضافة الى اللغات السامية القديمة والارية القديمة له اكثر من عشرين مؤلفا مطولا واكثر من مائة بحث طويل في موضوعات متنوعة (الادب، اللغة، الفلسفة، العرفان) وله الكثير من الترجمات من الفارسية والفرنسية والانكليزية الى العربية لغته الام .

ومن اهم واول كتبه التي اصدرها قبل خمس وخمسين سنة كتاب (فن المقامات في تراث بديع الزمان الهمذاني واثره في اللغات الفارسية والسريانية والعبرية) والكتاب الاخر (تاثير القرآن والحديث النبوي وفنون الشعر العربي وعروض العرب في الثقافة الايرانية) .

وأعود الى كتابات سماحة العلامة السيد وليد البعاج بعد هذه السطور ...

الفقيد استاذ جامعي وعالم مسيحي من لبنان من مواليد 1936 ــ جبل لبنان ــ عند رؤيتي له واللقاء به لعدة ايام في كربلاء المقدسة رأيته موسوعة علمية تتدفق منه الثقافات بغزارة ..

واندهشت عندما كنت احدثه عن واقعة الطف وتفصيل كل مكان ومعه زوجته الأستاذة كذلك،فكان يجيبني بتفاصيل ادق واوسع مما عندي .

اعود ايها القراء الاعزاء الى اول من نعاه واكتفي بما قاله العلامة البعاج : رحيل البروفيسور فكتور الكك خسارة بمعنى الكلمة :

فكتور الكك مسيحي اختارته أيران الجمهورية الاسلامية ان يكون المسيحي الوحيد من ضمن لجنة خبراء وأساتذة علماء مسلمين محدده لا تتجاوز الخمسة في هيئة ثقافية ودينية كبيرة في مشهد الإمام علي الرضا عليه السلام تكريما له. وعرفانا لفضله.

رجل موسوعة، فيلسوف، مفكر، أديب، شاعر، ولعه فاق حد التصور في الادب الفارسي فحفظ ظهرأ على قلب مقطوعات عديدة لسعدي وحافظ الشيرازي، وترجم قصائدهم الى اللغتين العربية والفرنسية، ترأس المجمع الثقافي العربي، وكانت لكتاباته عمق ورؤية لما فيها من التفاتات ونصوص نادرة ترجمها بنفسه، لا ازال اتذكر وهو يوصيني ان اراجع كتاب الغزالي المنقذ من الظلال ان الغزالي يرى ان المعتقد لديانة اخرى غير الاسلام عن حجة ودليل فهو لا يمكن ان يدخل النار، وقد قرأ الكك المعنى من بين السطور الذي غاب علينا ولم نقرأه او اصلا لم يكن يهمنا ان نقرأ هذا الكتاب المغمور للغزالي.

التقى بالسيد موسى الصدر وكانت له احاديث وذكريات كبيره وعدني انه سيحدثني بها لكن المرض لم يمهله. درست عنده الفلسفة العربية والحوار، وعرج بي الى فضاء التصوف الايراني، وكنت استغرب منه حين يغيب عن الشعور في حصة الدرس وهو يتلو الشعر الفارسي وهو يبدع إذ ينظمه شعرا عربيا فصيحا، حين يترجمه من اللغة الفارسية الى العربية. توطدت علاقتي به حتى اصبح صديقا حميما لي لا انقطع من التواصل معه في مكتبه او كان يصر ان يدعوني الى بيته حيث الكرم والضيافة التي كانت تقوم بها أم هادي زوجته الفاضلة والمحترمة ورفيقة دربه المخلصة.

ولم تكن جلسة الطعام تقتصر على المجاملات والتحايا،بل كانت مباحثة وحوار علمي نخرج وانا في غنى من خزين الكك الذي لا ينضب.

اتانا الى العراق وحل ضيفا في اروقة الامام الحسين واخيه ابي الفضل العباس في كربلاء وكانت فرحته كبيره حيث رأى حفاوة الاستقبال والاهتمام به وكان لبحثه صدى وقيمه وتحدثت معه في جلستي في حرم الحسين عن انطباعه فخرجت بمقال نشره موقع كتابات في الميزان.

فكان يعبر بكلمات تنبع من صميم قلبه، اغنت الحديث معه، ومن ثم اتانا الى النجف ليلقي محاضرة ارتجالية في مركز دراسات الكوفة لنعرج به في ضيافة سماحة العلامة السيد مهدي الخرسان دام عزه.

وكان يحثني على اكمال الدكتوراه بجامعة عالمية مهما كلفني ذلك، ومن ثم قال سأزودك بتوصية تعتبر شهادة مني في حق تلميذ درسته واصبح صديقا لي، وكانت ورقة بخطه من اعز ما لدي من كتابات من اساتذتي الكرام وكانت شهادة كبيرة اخجلني فيها.

رحمك الله يا أبا هادي أيها الاستاذ الفذ والبروفيسور الجهبذ، رحلت وتركت الما كبيرا في قلوب محبيك وعارفي فضلك.

 

بقلم: مجاهد منعثر منشد

 

 

من النعم التي يظل يفتخر بها المرء أن وفقه ربه للكتابة عن العظماء، والكتابة عن العالم محمد الغزالي رحمة الله عليه تندرج في سياق استحضار العظماء رضوان الله عليهم جميعا.

يعود الرجل لطفولته ويستحضر الأيام الأولى من الملتقى الفكر الإسلامي المقام بالجزائر حين كان الشيخ محمد الغزالي يهز القاعة بصوته الجهوري ويرد ويضيف.

وأتذكر جيدا حين ردّ بحزم وقوة على الأستاذ التونسي القادم من الولايات المتحدة الأمريكية يومها حين تطرق لعدد 19 باعتباره معجزة من معجزات القرآن الكريم، فأعاب عليه الشيخ الغزالي ذلك قائلا أن مشاكل الأمة أعظم وأجل من أن تشغلها أرقام. مع العلم كانت المجتمعات الإسلامية يومها معجبة إلى حد الافتتنان  بما ذكر صاحب رقم 19 باستثناء الشيخ الغزالي الذي عارضه بشدة، وأكدت الأيام ما ذهب إليه الشيخ حيث سلك صاحب رقم 19 مسلكا يتنافى مع القرآن الكريم، وليس هذا مجال التطرق للموضوع.

مازال الطفل يتذكر حنينه وهو يعانق المذياع ويتابع محاضرات الشيخ محمد الغزالي عبر الأثير. فقد رزق صوتا كله ثقة واطمئنان وهدوء يريح السامع، وتلك طبيعة المتمكنين العارفين المتيقنين مما يملكون من علم، وفقه، وأدب، وأخلاق.

وكنت أتابع باهتمام بالغ حصة "حديث الإثنين" التي يقدمها كل يوم الإثنين والتي كان يتابعها الجزائريون وينتظرونها بشغف بما فيهم الذين لا يتقنون اللغة العربية الفصحى، لما امتاز به الشيخ من طريقة عرض صافية نقية تعتمد على الفطرة السليمة في فهم الدين والمجتمع. وكانت كل دروسه حول هموم الأمة والمشاكل الثانوية التي شغلت بها الأمة عن ما خلقت له من مهام جليلة عظيمة. وقد جمعت أحاديثه في كتاب وأكرمني ربي أن قرأتها فيما بعد في كتاب: "حديث الإثنين"، للشيخ محمد الغزالي، رحمة الله عليه، إعداد الأستاذ: عبد القادر نور، الطبعة الأولى 2011، دار الوعي، الجزائر، من 259 صفحة، وعلّقت عليها في مقال أول بعنوان " مع الشيخ محمد الغزالي في حديث الاثنين"، ومقال ثاني بعنوان "حكم الشيخ محمد الغزالي من خلال حديث الاثنين"، خلال شهري فيفري وماي 2013 لمن أراد الرجوع إليها واستحضار الأيام الخالدة والمنافع التي لا تنقطع.

حضرت له  محاضرة وأنا طالب في الجامعة سنوات 1986-1990 بالعاصمة ولأول مرة أراه رأي العين وأنا الذي كنت من قبل أراه عبر المشهاد الجزائري يومها وأسمعه من وراء الأثير. واقتربت من المنصة بعد عناء شديد بسبب العدد الضخم جدا من الشباب الجزائري المتشوق لرؤية وسماع علماء الأمة. كان إلى القصر أقرب وما زال الطالب يحفظ عنه قوله: ورثت عن أبي قصر القامة لكني عرفت ربي عن علم ويقين. و كانت عباءته أقل جودة ولا تنم عن بذخ ولا ثراء مقارنة بالعلماء الأثرياء من دول عربية قدموا الجزائر ورأيتهم يومها رأي العين. وتخونني الان الذاكرة حول حضوري لدرس الجمعة بمسجد الأرقم بالعاصمة في نفس السنوات بحضور الشيخ أحمد سحنون رحمة الله عليهما.

أتذكر وأنا طالب في السنة الرابعة من الجامعة، آخر حوار أجرته يومها يومية "المساء" الجزائرية وهو يودع الجزائر، ومما علق بالذاكرة وأفتخر بكوني أردده الان قول الصحفي.. حين دخلت بيت الشيخ محمد الغزالي وجدته بملابس النوم فطلب مني أن لا ألتقط صورة له وهو بملابس النوم وينتظره حتى يغيّر ملابسه، وامتثل الصحفي الجزائري لنصيحة الشيخ والتقط له صورة بعباءته العادية التي عرف بها، وأضيفت الخصلة الحميدة لخصاله الكبيرة التي عرفت عنه من قبل.

قرأت له الكثير من الكتب وما زالت مكتبتي تزخر بكتبه ومن الكتب التي علقت بالذاكرة.. كتاب "فقه السيرة" لما امتاز به من بساطة في ذكر الأحداث وربطها بالواقع وكأنك ترى السيرة النبوية رأي العين.

وكتاب "فن الذكر والدعاء" الذي يربط بين الذكر وما يحيط به، فالقارىء يعيش الذكر والدعاء قبل أن يتلفظه، فقد استطاع أن يجعل من الذكر حياة يعيشها المرء طيلة اليوم وليس ترديد كلمات لا يعرف المرء معناها، ويعترف القارىء المتتبع أن طريقة عرض الشيخ محمد الغزالي لكتاب "فن الذكر والدعاء" لم يقرأها عند غيره وتلك ميزة تميّز بها الشيخ.

وكتاب "جدد حياتك" الذي حاول عبره الاستفادة من الحضارة الغربية بما يتناسب مع قيم وعادات المجتمع الاسلامي، وكان في كل مرة ينقل عن الأستاذ الأمريكي ديل كارنيجي قوله في مسألة ثم يعقب قائلا لكن ديني يأمرني بكذا وكذا ويفصل الأمر نهائيا بما تنص عليه الشريعة الإسلامية وفهمه السليم للدين.

وكتابه "قذائف الحق" الذي يتحدث فيه عن الخطط الغربية وبعض حكام العرب في هدم المجتمعات الإسلامية، وما حذّر منه الشيخ في كتابه ما زال معمولا به وإن كان الأسلوب تغيّر بعض الشيء، وفيما أتذكر فقد ذكر أنه ألف الكتاب وهو في الطائرة.

وكتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"، وهو يعد من أعظم الكتب التي ألفها الشيخ لأنه أكد على ما ذكره في سنوات سابقة وهو يعتمد على طول تجربته ورسوخه في العلم، ويعتبر الكتاب قاموسا في الفهم الصحيح للفقه والحديث وكيفية تطبيقه على المجتمع خاصة وأنه إعتمد على أقوال الأئمة الكبار وقارن بين المدارس وأضاف لها علمه وتجربته التي أنارت وأشعت.

وقرأت له أول كتاب كتبه سنة 1947 بعنوان "الإسلام والأوضاع الاقتصادية"، الذي تحدث فيه يومها عن ما يسىء للاقتصاد وما يرفعه، وأن الاستدمار الداخلي يمهد للاستدمار الخارجي، وقيمة العقل والدين".

وقرأت له كتاب "خلق المسلم"، وتطرق فيه "لأركان الإسلام ومبادىء الأخلاق، ودائرة الأخلاق تشمل الجميع، ثم لعيّنات رفيعة من الأخلاق كالحياء، والإخاء، والاتحاد، والعزة، والرحمة".

وكتاب "عقيدة المسلم"، الذي عرض فيه ما يجب على المسلم معرفته في مجال العقيدة، والابتعاد عن بعض مايسىء لعقيدة المسلم، فكان قمة في بساطة العرض وتقديم النقي من الأخلاق والعقيدة.

وكتابه "معركة المصحف في العالم الإسلامي" يتعرض فيه للهجمات التي يتعرض لها المصحف الشريف ويحذر منها بحرقة ودموع.

وقرأت له كتاب "ظلام من الغرب" ويتحدث فيه عن الثورة الجزائية ويدافع عنها بشدة ويلوم العرب والمسلمين عن تقاعسهم في نصرة الجزائر.

وكتاب "الحق المرّ" وتحدث فيه عن قضايا عامة تشغل الأمة، كقوله: "خطورة الخلافات الفرعية، ولماذا نلوم أعداءنا ولا نلوم أنفسنا؟، وتراثنا وكيف نستفيد منه؟، والويل لأمة تفقد ذاكرتها".

وكتاب "مشكلات في طريق الحياة الإسلامية" ، وتحدث عبره عن "الثقافة والتربية والأخلاق، والحاجة إلى إحياء الثقافة الذاتية، والخطورة التي تلاحق اللغة العربية، والمتاجرة بالخلاف تجارة عظمى، والتعاون في المتفق عليه، والعاملين بالإسلام لاينقصهم الحماس لكن ينقصهم عمق التجربة وحسن الفقه"، واشتريت الكتاب النفيس يومها بـ 7.98 دج.

وكتاب "كفاح دين"، وتحدث فيه عن "تحقير الإسلام في بلادنا، والمعنى الحقيقي لانتشار الإسلام، والموظف النموذجي، وتطرق للأسرة من خلال الأحوال الشخصية ومما يحاك ضدها".

وكتاب "كيف نفهم الإسلام"، وتطرق إلى بعض المساوىء التي ألحقت عمدا بالتعليم الديني، وأن من جهل الدنيا سقط فيها، وأن العقيدة صلة إلهية ومنهج إنساني، ونادى بضرورة الجماعة الإسلامية، والتجديد والاجتهاد.

وكتاب "الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر" بمناسبة مرور 15 قرنا من العام الهجري. وكتاب "الإسلام والإستبداد السياسي"، يتحدث فيه عن مساوىء الحكم المطلق، وقيمة الحرية، والتناصر في وجه الظلم.

وكتاب "ركائز الإيمان" ويركز فيه على "أن الإيمان روح وجسد، ودنيا وآخرة، وأن الإيمان ليس إيمانا بالوهم ولا إيذانا بالفوضى، وأن ثقافتنا التقليدية تحتاج إلى مراجعة".

وكتاب "هموم داعية" وتحدث فيه على أن "الدعوة علم وفن ورسالة وفهم"، وانه لا سنة من غير فقه، ثم تطرق كعادته لنماذج سيئة في فهم الإسلام أدت إلى تدهور الأمة.

وكتاب "كيف نتعامل مع القرآن"، تحدث فيه عن "حسن استثمار مرحلة الطفولة للحفظ وضرورة استمرار التواتر في المشافهة، والقرآن فتح النوافذ أمام النظر العقلي، وتدبر القرآن عاصم من السقوط الحضاري".

وكتابه "الطريق من هنا"، يتطرق فيه لقضية الأخلاق عندنا، وأن هناك خلائق مشبوهة انتشرت بين الناس دون مبالاة، والحكم الإسلامي لا ينطلق من فراغ، والأبعاد الإنسانية لخطاب الرسول في حجة الوداع".

وكتاب "علل وأدوية"، يتحدث فيه كعادته عن الأمراض الخلقية والسياسية التي أصابت المجتمعات الإسلامية وكيفية الخروج منها بفهم صادق وفقه عميق.  

السلام عليكم .. أكتب الان عن أيامي مع العالم محمد الغزالي كما استمعت وقرأت له.. وسأبوح لك الان بسر، لم أتعامل يوما مع الشيخ على أنه مصري وأظن كل الجزائريين يملكون هذه النظرة .. وحبي للشيخ الغزالي رحمة الله عليه يزداد مع الزمن ومذ كنت صبيا مولع بصوته وهدوئه.. تحياتي وغفر الله لمصر التي طردته.. سلامي للأهل والولد..

من حسنات الجزائر التي تظل تفتخر بها على الكون

إستضافتها للعالم محمد الغزالي رحمة الله عليه، ومعاملته بما يليق بالعظماء والعلماء

رحم الله الكبار ورحم الله من استضاف الكبار وعرف قدرهم.

 

معمر حبار

 

 

 

 

المقدمة: الطغاة كالأرقام القياسية، لابُدّ أن تتحطم في يومٍ من الأيام، لأنّ الحياة صراع أزلي بين الخير والشر، كان لابدّ من الطغاة والجبابرة كما وُجِدٌ الأخيار والمصلحين فيها، وهؤلاء أن أختلفت أهدافهم وأسباب فسادهم، ألا أنّهم لم يروا في البطش والدموية سوى الطريق الأمثل لتحقيق مآربهم السادية وأنحرافاتهم الشخصية والتي أبتليت بها البشرية  مثل :  الفرعون والحجاج وأبو العباس السفاح وعبدالله أبن زياد ونيرون وهيرتزل وهولاكو وهتلر وصدام،  ويظن الطغاة والمفسدون أن الشعب عبيدٌ لهم، وغاب عن بالهم أن هناك وراء الأفق أحرار وثوار جادوا بالنفس و " الجود بالنفس أقصى غاية الجودِ "  قد ضحوا بأرواحهم في سبيل الحرية الحمراء، وتحرير الأوطان، وأنهاء الأستبداد، وأن هؤلاء الثوار قد يتباينون منهم عاشوا وماتوا دون أن يتسلموا الحكم في بلادهم  أمثال : غندي وجيفارا وعبد الخالق محجوب وسلام عادل وعمر المختار، ومنهم من أستلم مقاليد الحكم في بلاده وطبق مباديء الخير وسلك مسلكاً حميداً مثل نهرو ومانديلا .

بعض ملامح شخصيّة سعيد أبن جبير / أعلمْ أنّ الكثير لايعرفونهُ، وبعضهم لا يريد أن يعرف، وسوف أكتب عن هذا الأنسان الثائر الذي وصفهُ المؤرخون بواحد من أروع الأمثلة على رقي الأنسان ونبله وهو واقفٌ كالطود الشامخ  ضد الباطل وحكام كم الأفواه من هواة لعبة السيف وسفك الدماء وعباد الكراسي والتحكم برقاب العباد تحت شعار تأليه صاحب ولي الأمر قُدس سره وهي تلك التهمة الجاهزة في قطع الأرزاق والأعناق بحججْ واهيةْ ومتهافتةٍ مشرعنة تحت ظل منطق القوّة بغياب قوّة المنطق والتي تمثلت بتلك الحقبة السوداء الدموية للحكم الأموي والتي دام ظلهُا الثقيل على العباد بسوداوية قاتمة أكثر من 170 سنة (من 41 هجري إلى 132)، بأستثناء حكم الخليفة العادل " عمر أبن عبدالعزيز " الذي لُقبَ بالفاروق الثاني ودام حكمهُ أربعين سنة، وللأسف هناك رجال أسود سرعان ما تلاشى ذكرهم عندما يموتون، وقد تموت معهم أنجازاتهم بسبب تلوث أقلام وعاظ السلاطين ببعض فايروسات الأنا، هو الثائر الشهيد  سعيد أبن جبير أبن هشام أبو محمد ويقال أبو عبدالله الأسدي الوالبي 46-95 هجري، تابعي، حبشي الأصل،عربي الولاء والأنتماء والمولد والنشأة، تقياً عالما بالدين وأحوال الناس وطبقات المجتمع وملماً بأخبار ملوك بني أمية بشمولية الفضاءات الجغرافية للدولة الأسلامية، درس العلوم عن حبر الأمة " عبدالله أبن عباس " وكذلك عبدالله أبن عمر بمكة وعن عائشة في المدينة المنورة، وعن جماعة من الصحابة منهم أبي سعيد الخدري وعدي أبن حاتم الطائي، وأبي موسى الأشعري  وعلوم النحو لمدرسة علي أبن أبي طالب في الكوفة، وسمي بجهبذ العلماء، ودرس الثورة الحسينية في كربلاء من جوانبها الأنسانية التحررية بشكلٍ دقيق وعميق، ونشر العلم في كل زمكنة ترحاله والتحريض على الرفض وأستهجان أستبداد الخليفة الأموي عبد الملك أبن مروان ومساعده الحجاج الذي هو أكثر ملكية من الملك كما يقال في التأريخ، فأشتهر أسمهُ وعلمهُ وشخصنتهُ، وفي فلسفته السياسية (أن الظلم لو دام دمّرْ، وأن الأمويين وجميع خلفائهم خارجين عن جادة الحق، مستعبدين العباد، ناكرين ما أنزل اللهُ من قيمٍ في كتابه " أن الأنسان خليفة الله محرّمٌ أسترقاقهُ وأستعبادُه، رافعاً شعار " لا تعثوا في الأرض فسادا "وهو ذلك التابعي الحبشي الذي علّم العرب والعجم، وهو الرحالة الذي نذر نفسهُ وحياتهُ لتهذيب طباع البشر، وتقليم أظافر الطغاة، وهو الثائر الحقيقي الذي قال (لا) لطاغية العصر والتأريخ "الحجاج أبن يوسف الثقفي"  وقد ذكرهُ المؤرخون بأن سعيد أبن جبير كان يحرض الناس وينصحهم بمخالفة الحجاج وفضح ظلمهِ وبطشهِ والوقوف في وجههِ حتى تفاعل بعض الناس معهُ .

وقرر الحجاج قتلهُ والتخلص من فتنتهِ، وقد عينهُ على نفقانت الجند حين بعثهُ مع " عبدالرحمن أبن الأشعث " لقتال ملك الترك، وثار أبن الأشعث وأعلن العصيان على الحجاج وخلع الخليفة عبدالملك أبن مروان وكان سعيد من المؤيدين والمبايعين لهذه الثورة  فهاجر متخفياً لعدة سنوات في الأمصار وكان آخرها مكة حيث شاءت الأقدار أن يُعينْ خالد القسري والياً على مكة وهو من أشد أعوان الحجاج فظفر به وأرسله مخفوراً مقيّداً إلى الحجاج في الكوفة، فأمر بقطع رقبته، ودُفن في واسط (قضاء الحي) اليوم .

من هو قاتلهُ؟ : قتله صبراً  أي أمر بضرب عنقهِ الحجاج أبن يوسف الثقفي 40- 95 هجري سنة 94 هجريه  وكان بعمر 49 سنة،وهو قائد أسىلامي في العهد الأموي في ظل حكم الخليفة عبدالملك ابن مروان، داهيه، سفاك، خطيب مفوّه، ولد ونشأ في الطائف، وأنتقل إلى الشام ليلحق في خدمة عبدالملك ابن مروان، أشتغل في ديوان الحسبة حتى رُقي إلى تقليد أمر العسكر قاتل عبدالله أبن الزبير وهدم الكعبة بالمنجنيق وصلب أبن الزبير، وأستباح المدينة وأشعل النار فيها ، وقمع ثورات الكوفة بأفراط شديد فكان سفاكاً سفاحاً للدماء، أرتبط أسمهُ بالبطش والقسوّة، وخاطب أهل العراق بخطبة سياسية نارية شديدة ومليئة بالقسوة والتهديد ليملآ قلوب الناس خوفاً ورعباً منها {أن أمير المؤمنين رمى كنانتهُ وأختار أصلب عودٍ منها ورماني بكم، وأيم الله لألحونّكم لحو العود، ولأقرعنكم قرع المروة، ولأضربنكم ضرب غرائب الأبل ---}، ومات الحجاج بعد سنة من غدر سعيد أبن جبير بلسعة حشرة صغيرة وهي كافية لتفاهة نهايات الجبابرة، التأريخ لايرحم من هو بطل الأمس فهو متهم اليوم، أما أحرار الأمس فهم أبطال اليوم مسجلين كأرقامٍ مضيئة في أرشيف الذاكرة الأممية وحاضرتها الأنسانية .

 

عبد الجبارنوري - كاتب وباحث عراقي مغترب 

.....................

الهوامش والمصادر

*السيوطي – طبقات المفسرين

*العسقلاني – الأصابة في معرفة الصحابة

* أبن كثير – البداية والنهاية ج9 

 

 

 

 

بعد تخرجي من كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة البصرة 82-83، كانت الحرب العراقية – الإيرانية في بدايتها، تم سوقنا للخدمة العسكرية كخريجين الى كلية الضباط الإحتياط، وفشلت في الفحص الأمني لأننا من عوائل المجرمين!! في مفهوم نظام البعث "لإعدام أخي الكبير الشهيد صبري شامخ من قبل النظام الصدامي"، فرجعت من بغداد بمكتوب رسمي أحالني الى مدرسة ضباط الصف في قضاء المحاويل – محافظة بابل، وسط العراق .

...............

في معسكر المحاويل يتلقى المتدرب دروسا في الحياة العسكرية الخشنة على كافة المستويات، ومنها طبعا مهارات استخدام السلاح الذي ينسّب إليه، فكان نصيبي الخدمة في سلاح المدفعية، وبعد الإنتهاء من فترة التدريب القصيرة، لابد من اجتياز الإمتحان النهائي في الرمي بالعتاد الحي- الذخيرة الحيّة-، وبعدها نذهب الى مرحلة تدعى " معين جبهة " أي أن نكون جاهزين للذهاب الى جبهات القتال الفعلية .

وكان من حسن حظي أن أكون في إجازة دورية تعرضت خلالها الى حادث دهس من قبل دراجة نارية تسبّب في كسر يدي اليمني، وأحالوني لمستشفى البصرة العسكري وتم تجبيس يدي ومنحي اجازة 30 يوما، وكان هذا حلماً بعيد المنال حقا في تلك الأيام العصيبة على الجنود العراقيين في التمتع ببضعة أيام في الشهر وربما في الشهرين وهم يرابطون على الثغور والموت زائرهم اليومي، سيما وانها تصادفت مع أعياد الميلاد في تلك السنة .

..............

بعد انتهاء إجازتي المديدة، التحقت بمعسكر المحاويل وصادف ان دورتي قد تخرجت وهي في طابور الانتظار للالتحاق بجبهات القتال أو ما يسمى في المصطلح المصطلح "معين جبهة "، ووفقا للقانون العسكري، علي ّأن أنتظم في دورة أخرى لأكمل متطلبات التدريب الكاملة، وكان لي هذا، ولعل هذا التأخير ساهم في اعطائي جرعة حياة مضافة لأن أبناء دورتي تناهبهم الموت والعوق والكآبة وغيرها من أمراض الحياة العراقية المشحونة بالحرب والموت .

وتم إلحاقي بدورة أخرى – حقا كان النظام قويا، دقيقا، عاتيا – حتى صرنا نبتكر العذر لأحلامنا من الهذيان للإنخراط في الحشد المساق الى محرقة الحرب.

.................

 في أيام الدورة الجديدة تعرفت على اصدقاء جدد، نلوك احلامنا في قاعات المنام بعد ارهاق وبطش ساحات التدريب ونزق العرفاء قبل الضباط

ولأني نزق وحالم أكثر، فقد خرجت من بيت الطاعة العسكرية وتغيبت يوما عن الفروض، فكان عقابي الحبس لمدة خمسة أيام وقطع راتب بدنانير معدودات، فساقنا رئيس عرفاء الوحدة كشياه للذبح وادخلونا في سجن لم أره قط في حياتي،وجوه بسحنات صفر واحلام صفراء، ورغبة في إمتلاك القادم الجديد، وربما لأن زملائي في الكلية انهوا دورة الضباط الإحتياط في بغداد والتحقوا بمعسكر المحاويل للذهاب للموت أيضا، فلا فرق بين ضابط وجندي، ومن حسن حظي ايضا ان زملائي الضباط الجدد كانوا يحيونني من خلف جدار السجن وهم يذهبون الى مدينة الحلة عصرا بعد انتهاء دوامهم،، فأطلق علي صاحب السجن "صديق الضباط المجندين"، وهذا لقب اضاف لي حصانة ما، إذ صرت أخرج من السجن صباحا كجندي شغل لرمي القمامة خارج المعسكر هناك، يا للهول . لقد رأيت نساءً ورجالاً وأطفالأً وهم يتسابقون الاستحواذ على قمامة المعسكر، ونحن بلد البترول والثروات والحروب بإمتياز !!!

................

وعند عودتي من غزوة القمامة، وجدت جنديا جديدا يقاربني مكانيا، اسمر البشرة، باسم الثغر، متفكرا مع حزن شفيف على محياه.

 كان الحوار سبقنا الينا، ونحن نشعر بالغربة في جو السجون والسجناء .

أنا وديع شامخ ..... مددت يدي اليه .

 أهلا وديع؟؟

أنا سعد صلاح خالص؟

 صلاح خالص؟؟

نعم وامك سعاد محمد خضير

.. بشرفي أنا، واخرجَ هوية الأحوال المدنية ليثبت صحه اقواله .

نسيت السجن والسجان، وانتميت لسعد .

...................

"الثقافة الجديدة" وصلاح خالص وتاريخ عراقي حافل بالسجون والتضحيات، كله مر أمامنا ونحن نجلس في حانة بغدادية - سعد وأنا –، وبعد انتهاء الضيافة اخرج سعد هديته لي " وتريات النواب "

يا الله .. مظفر النواب في جبتي .

لكن المأزق اننا نلتحق بوحدتنا في معسكر المحاويل بعد سهرتنا في بغداد، كيف لي أن ادخل " وتريات النواب" الى المعسكر ؟؟

لقد استنجدت بالاصدقاء كي يساهموا في حمل الاوراق، دون جدوى، لم أكن بطلا تماما، كنت ثملاً حقا، فدخلت النواب حول ضلوعي بطريقة ماكرة، لأن ُ الوتريات كانت عبارة عن كتاب باورق منسوخة، لم يجازف احد من اصدقائي على حمل جزء منها .

ونجحت بطريقة عجائبية بتخطي كل السيطرات واخطرها سيطرة باب النظام وتفتيشها الدقيق .

.................

ومثل الحمل السري، حملت "وتريات النواب" لأبشر بها يوم كان الوطن محض سجن .

وخرجت بها للنور متخطيا ملاعب الموت وعزلة الكائنات.

 ومن غريب الأمور انها وصلت للصديق ناصر هاشم" الآن هو الدكتور ناصر هاشم عميد كلية الفنون الجميلة في البصرة " ومنها للصديق كاظم عاشور " وهو مدرس في محافظة كربلاء "..

 لقد وعدنا كاظم بأن الوتريات في جب عميق لا يصله الجن الازرق آنذاك ..وها هو النواب ووترياته وكل الممنوع السابق رائج في الاسواق بعد زوال الديكتاتورية ووحشيتها . شكرا للشاعر مظفر النواب وهو الصارخ في وحشة الأيام السوداء، وشكرا لسعد صلاح خالص على هذا التذكار .

 

 

بتاريخ 23 جانفي 2017، تتصل بي المذيعة المصرية تهاني عليمي Tota Nada، وتطلب مني أن أجري معها حوارا حول بوضياف عبر إذاعة صوت القاهرة التي تعمل بها كمقدمة برامج بدرجة مدير عام، فاعتذرت بلطف وأدب واقترحت أستاذين جزائريين كما هو مذكور في صفحتها الصفحة الرسمية للاعلامية تهاني عليمي، https://www.facbook.com/tahanialami/?notif_t=page_user_activity&notif_id=1486762826594629&__mref=message_bubble.

أٌقول حينها " حديثك هذا سيدفعني إلى الكتابة عن أثر المذياع في طفولتي إلى اليوم، وسأخبرك أنه رغم تطور وسائل الاتصال إلا أن عشقي للمذياع لم ولن ينقطع"، فتعجب بالفكرة ما دفعها أن تذكّره من جديد وتقول له " أنا مازلت بانتظار حديثكم عن شجن الراديو". وبعد أن أنهيت قراءة بعض الكتب المبرمجة للقراءة، كان هذا الوعد وهذا الحنين للمذياع..

كان الطفل قبل زلزال الأصنام 10 أكتوبر 1980، يواظب وبشدة على متابعة الشيخ الحاج كتو رحمة الله عليه وهو يقدم حديث الصباح عبر الإذاعة الجزائرية على الساعة السادسة صباحا فيما أتذكر. أعانق المذياع لأسمع باهتمام بالغ للفطرة السليمة الصافية حين يتحدث عن الصدق، والوفاء، والأمانة، والإخلاص، وطاعة الوالدين، والتسامح، وصفاء الصدور، واحترام الجار، والتنافس في تقديم المعروف، واحترام الوقت، وحب النظافة. وما زال الطفل يفخر بكونه تربى على ذلك الصفاء والنقاء والطهر والعلو، خاصة وأن الشيخ كتو كان حلو اللسان وسهل البيان، وكان الطفل ينقل من حين لآخر للوالدين رحمة الله عليهما ما سمعه من الشيخ ، لأن لغته البسيطة الصافية تجعل الجميع يعجب ويتأثر بما يقول، ورحم الله الشيخ المربي الحاج كتو.

ودائما في مرحلة الطفولة حيث كان الشاعر الأديب محمد الأخضر السائحي رحمة الله عليه وعبر الإذاعة الجزائرية يقدم في منتصف النهار حصة في حدود 5 دقائق يعرض عبرها قصة مستوحاة عادة من التراث ويدعمها بآية أو حديث نبوي شريف أو بيت من الشعر وقد كان كثير الاستشهاد بالشعر، ثم يختم كلامه النفيس بحكمة نفيسة حول الصدق، والوفاء، والمروءة، والنخوة، والأخوة وغيرها من الفضائل السامية  العالية. ومما جعل لهذه الحصة رسوخا بالإضافة إلى فضائلها أن إخوتي الكبار كانوا يتابعونها لأنها تتزامن مع خروجهم من العمل وتناول وجبة الغداء، وكان الكل ينتظر نهاية القصة التي يوردها الأديب السائحي بأسلوب شيق فريد يجعل السامع يتابع باهتمام وينتظر النهاية بشوق، ورحم الله شاعر الجزائر وأديبها ومربي الأجيال محمد الأخضر السائحي.

والمقام يستوجب التذكير أن الأسرة الطويلة العريضة كانت تتقاسم مذياعا واحدا، ولعلّ هذه الندرة هي التي زادت من مكانة المذياع يومها.

وفي المرحلة المتوسطة والثانوية أصبح المذياع مصدر معلومات للتلميذ، خاصة فيما يتعلق بقضايا النفط، والمديونية، والدول العربية، وإحصاءات تخص مؤشرات الجزائر وغيرها من الدول، بالإضافة إلى الصحافة الجزائرية المنحصرة يومها في جريدتي "الشعب" و"EL-MOUDJAHID"، وقد استطاع التلميذ أن يكوّن رصيدا من المعلومات الجديدة حول قضايا وطنية ودولية كان يستعملها في الإجابة على بعض الأسئلة التي كانت تطرح في الاختبارات والمناقشة في القسم ، وعلى رأس هذه المواد مادة الجغرافيا التي تعتمد على الجديد، والتي كان يتقنها التلميذ جيدا، وأعجب به أساتذة التاريخ والجغرافيا أيما إعجاب.

ومما ظل عالقا بالذاكرة ويزداد رسوخا مع الأيام تلك اللحظات الجميلة التي سبقت إعلان نتائج شهادة البكالويا عبر المذياع في جوان 1986، حيث كانت النتائج تعلن يومها عبر المذياع، وكنت يومها منهمكا في إصلاح المذياع القديم إذ بالجيران يقتحمون البيت جماعات وزرافات يبشرونني ويبشرون أمي رحمة الله عليها بنجاحي في شهادة البكالوريا لأنهم سمعوا إسمي عبر المذياع.

وفي فترة الجامعة وقبل أحداث أكتوبر 1988، كان الطالب الجامعي يتابع حصة "A CŒUR OUVERT" أي القلب المفتوح، عبر الإذاعة الجزائرية الثالثة الناطقة باللغة الفرنسية، وكانت تقدمها الإعلامية القديرة نادية بوطالب، حيث كانت متمكنة جدا في استعمال اللغة الفرنسية، ومساعدة بعض المستمعين في تجاوز عقبة اللغة، والاستماع للجميع، وعدم مقاطعة أحد من المتدخلين، وكانت الحصة بحق تعبّر وبصدق عن مستوى الحرية الذي تميّزت به الجزائر قبل أحداث 1988، وتعتبر مقارنة بالأوضاع السياسية التي كانت تمر بها الجزائر عنيفة جدا. و كانت تبث الحصة ليلا، ولا داعي التذكير بأن سحر الليل عند الشاب لا يقاوم.

ومن الحصص التي كنت أتابعها عبر إذاعة وهران المحلية للأستاذ المؤرخ يحي بوعزيز رحمة الله عليه، حيث كان يستعرض تاريخ الجزائر بصوت جهوري  ينم عن حيوية ونشاط وصدق، وكنت أنتظر بلهفة شديدة حصته خاصة وأنها تقدم في حدود الثالثة صباحا فيما أتذكر، والحصة ثرية دسمة وتعد مرجعا للمهتم بالتاريخ بشكل عام وبالتاريخ الجزائري بشكل خاص، وكم أتمنى أن تنقل في كتاب يستفيد منها الجميع، ورحم الله الأستاذ المؤرخ يحي بوعزيز.

وأتذكر جيدا أن من الأعمال الأولى التي قمت بها حين دخلت الجامعة أني اشتريت مذياعا من سوق الحراش وكان قديما وأحمر اللون يناسب قدم الجيب وضعف اليد حينها، لكن ظلّ يؤنس وحدتي ليلا، ورفيقي في المراجعة، ومصدر معلوماتي في عدة مواضيع، ومخففا لآهات الطالب الأعزب.

كانت يومها حصة "سينراما" ، تبث من إذاعة قسنطينة ويقدمها إعلامي متمكن في عالم السينما والثقافة والأدب، وكان يستضيف شخصيات جزائرية وعربية، وما كان يشدني هو لغته البسيطة التي يفهما الجميع، وإتقانه لعالم الفن والمسرح والسينما، حيث كان يتفوق في المعلومة والأداء على الشخصيات التي كان يستضيفها جزائرية أو عربية أو غربية.

وطيلة الدراسة في الجامعة ظل الطالب مع المذياع يتخذه رفيقا ومؤنسا، ينتقل من  إذاعة إلى إذاعة، جزائرية كانت أو عربية أو أجنبية. فهذه إذاعة BBC بأخبارها العالمية وحصصها الثقافية المتنوعة وبأداء يجلب النفوس. وزاد عشقي وتشبثي بالمذياع بعدما زارنا ونحن طلبة في الجامعة مدير إذاعة  BBCوألقى محاضرة حول الإعلام بصوت مازال يدغدغ الأذن وأداء يلفت يأسر النفس رغم مرور ثلاثة عقود على الصوت الساحر والأداء، وضف لها إذاعة روسيا، وألمانيا ، وإذاعات من أروبا الشرقية يومها حيث كنت أتابع ما يجري في الشرق الأوربي، وبعض إذاعات أوربا الغربية يومها قبل سقوط جدار برلين، واستطاع السامع أن يسمع للجميع ويقارن بما يملك ويقدر. وما يجب ذكره في هذا المقام أن إذاعة روسيا وإذاعات أوربا الشرقية كانت لا تستعين بالمذيعين العرب بل يبذلون جهودا جبارة لتعلم اللغة العربية وينطقونها بسلاسة ويسر ويستعملونها في أحاديثهم اليومية وضمن مواضيع صعبة شائكة وطيلة مدة تتبعي لها التي وصلت الان إلى أربعة عقود لا أتذكر يوما أن المذيع الروسي ومذيع أوربا الشرقية إستعان بكلمة أجنبية محلية أو دولية للزيادة في الشرح والتوضيح.

ومن الإذاعات التي كان يتابعها المستمع هي الإذاعات الفرنسية المختلفة من حين لآخر لكنه كان يتابع باستمرار وباهتمام إذاعة فرنسا الدولية RFI، ليقف بنفسه وعلى المباشر على رأي وموقف فرنسا تجاه الجزائر. ومن الحصص التي ما زال يذكرها الشاب يومها حصة لعالم فرنسي متخصص جدا في التربية الجنسية، فقد كان يجيب على أسئلة المستمعين من نساء ورجال حول مشاكل تعتريهم ورغبات يسعون لتحقيقها، فيطمئن الجميع ويقدم نصائح علمية واقعية تسعد الزوج وزوجه. ومن الأمور التي مازلت أتذكرها وأنا الآن أب لأربعة أطفال، أن مشاكل العلاقات الزوجية بين الأزواج تعود لما عاشه الطفل في الصغر وتحل المشكلة بالرجوع إلى الطفولة ، لأنه من أخفى طفولته فقد ضاع وضيّع حقوق من معه، وقد قرأت فيما بعد للعالم المختص كتابه "La Sexualité Féminine".

وظهرت حينها إذاعة البحر الأبيض المتوسط MD1 وهي إذاعة مغربية موجهة خصيصا للجزائر وأنشئت لأجل الجزائر، وامتازت الإذاعة بصفاء الصوت ووضوحه، والتحدث عن كل صغيرة وكبيرة تقع في الجزائر، ومتابعة من طرف عدد كبير جدا من الجزائريين بمختلف مستوياتهم العلمية والاجتماعية، ناهيك عن التشابه الكبير بين المغرب والجزائر، خاصة وأن الإذاعة كانت تنقل أغاني مغربية أشتهرت في الجزائر فأحيت الإذاعة الحنين إلى ذلك النوع التقليدي الذي يجمع الشعبين والجارين، لكن عمر هذه الإذاعة لم يدم طويلا خاصة بعد دخول الجزائر عالم تعدد الصحف والمنابر الإعلامية، فنسيها الجميع لأن ما كانت تقدمه أصبحت وسائل الإعلام الجزائرية تعرضه بنفسها على مجتمعها.

ومن النوادر التي ظلت عالقة بالمذياع حادثة سرقة المذياع وأنا طالب في السنة الرابعة من الجامعة حين تعّرضت غرفتي بحي بن عكنون للسرقة فجرا وأنا عائد من صلاة الفجر، وكان المذياع  الثاني الذي إشتريته يحمل شريط تعلم اللغة الإنجليزية.

ومازال الحنين إلى المذياع رغم تطور وسائل الاتصال بشكل سريع وملفت، فهو يتابع الان المذياع عبر سيارته خاصة إذاعة الشلف المحلية وإذاعة غليزان التي يعتمد عليها كثيرا فيما يخص الفقهاء المتمكنين، والسيد الدرقاوي للدررالنادرة بشأن إستعمال الطريق، ونصائح الطبيب عياد، والمكلف بالتغذية، والقائم على الشعر الشعبي الملحون، وحصة الحكم الخاصة بالحكم الجزائرية الشعبية، والحصة الخاصة بأعلام الجزائر والمنطقة. أما إذاعة الشلف فما زلت أتابعها بمفردي أو رفقة الأهل والأولاد، وأتابع خاصة وباهتمام بالغ فتاوى الإمام الفقيه سي يوسف العجري والإمام الفقيه خلوفي من بوزغاية، وبعض الحصص العامة كالنصائح الخاصة بالطرقات وكذا الفلاحة، وأخبار المنطقة وما جاورها، لكن تبقى إذاعة غليزان أفضل بكثير من إذاعة الشلف وإذاعة العاصمة، ومرد ذلك أن إذاعة غليزان يدخلها المتمكن في اللغة والاختصاص، وتخاطب مستمعيها بلغة عربية سليمة بسيطة يفهما الجميع.

وأعترف وبفخر واعتزاز أن إخواننا الأعزاء من لبنان، وسورية، والعراق، وفلسطين، كان لهم الأثر في عشق المذياع بما يملكون من عذوبة الصوت وحسن الأداء، سواء تعلق الأمر بالتمثيليات التاريخية التي كانت تقدم بأداء ساحر، أو الأغاني العربية الأصيلة وتؤدى بصوت وأداء مميز، أو بعض الصحفيين الذين ملكوا الأنفس.

ولا أنسى في الأخير أن طفولتي كان على وقع متابعة الحصة التي كانت تقدم يوميا ومن الجزائر وعبر المذياع الجزائري من طرف صوت فلسطين، وكانوا بحق أصواتا من السماء تزلزل الأركان بما يقدمونه من أغاني ثورية نارية، وأشعار خالدة، وطريقة الإلقاء التي يتمنى المرء لو نقلها العرب من إخواننا الفلسطينيين، لكن الحصة التي دامت سنوات أظنها توقفت بعد إعلان الدولة الفلسطينية بالجزائر في أواخر الثمانينات فيما أتذكر.

وتحية تقدير لكل من دفع صاحب الأسطر لاستحضار ماضيه عبر أثير المذياع. 

معمر حبار

 

يبقى هاجس الكتابة عن المدن محفوفاً بالخوف والتردد والشعور بالتقصير أزاء ماقدمته من عطاء باذخ عبر سنوات نشأتها وبزوغها كوجود قائم، حيث لابد ان تعيش هذا الهاجس وانت تشرع بالكتابة عن مدينة مثل " الديوانية " المدينة الفراتية التي عرُفت بإرثها الثقافي والاجتماعي والوطني، حيث قدمت للحركة الوطنية ولمسيرة الابداع العراقي عبر أجيال متعددة أسماء مهمة ومؤثرة، وماتزال الى اليوم ترفد الساحة العراقية بعطائها المتميز في الحقول الانسانية والمعرفية.

وقد شاركني هاجس التردد في الكتابة عنها ابن المدينة القاص "زعيم الطائي" عندما كتب عنها واصفا اياها بـ " نرجسة القلب الضائعة " حيث يقول (أجلس الان بعد انتهاء نصف قرن مترددا ً في الكتابة عنها، يتملكني الشك في أن اتمكن من استعادة عبء تلك الحوادث والمشاهد والرؤى التي تقلبت في ذاكرتي مع عجلة سحق الأيام .. وسأكتشف لأول مرة ان الزمن لايجري وفق أية قاعدة، أو كأنني أطل على مدينتي من وراء الزمن، فهذه المدينة ليس لها واقع جغرافي حقيقي، بل ان واقعها الحقيقي ليس مهما البتة، فما يعتبر ممكنا هو نسبية وجودها في الممكن دون ان تكون لوجودها شواهد كثيرة او ارتباطات او دلالات على ذلك الوجود المنزلق نحو زاوية العدم والغياب)، كما ويذكر ابنها الآخر القاضي والكاتب زهير كاظم عبود ان اسباب اصدار كتابه (أوراق من ذاكرة مدينة الديوانية) تعود الى (ان احدا لم يلتفت الى روحها التي يعرفها من ذاق طعم أيامها، وملأ رئتيه بعبق أريجها وحرارة أيام قيظها وامتلأ صدره بترابها وعاش في أزقتها ومحلاتها الشعبية وتعايش مع شخصياتها) .

قد تكون طبيعة الحياة الاجتماعية التي عاشتها هذه المدينة في عقود مضت والقائمة على الطيبة والتسامح و التآخي التي سادت بين مكوناتها الاجتماعية والدينية والمذهبية هي وراء حالة الاستقرار الذي يعد عاملا اساسيا في انعاش مظاهرحياة المدن ثقافيا واجتماعيا ً.

لقد نالت الأمكنة في هذه المدينة اهتماماً ومساحة كبيرين في كتابات الباحثين والمؤرخين لما شكلته من اسهام واسع في الفاعلية الاجتماعية، ودلالة غائرة في إرث المدينة وذاكرتها، بعض هذه الأمكنة ظل حاضرا في الذاكرة الشعبية كيانا او مسرحا للغريب والعديد من القصص والبعض الآخر وبفعل تقادم الزمن ومتطلبات الحياة الجديدة لم يعد لها وجود الاّ في ذاكرة الشيوخ وأحاديث العجائز والقليل منها مازال يقاوم عوامل التغيير بقوى منهكة .

تقول ذاكرة الباحث المحامي " حسين علي الحاج حسن " (انه بين الأعوام 1802 ــ 1830 م برزت الديوانية كبلدة ذات سور يمتد من ضفة الفرات شمالا في موضع هو اليوم بناية مديرية التربية في الديوانية ليمتد شرقا في نصف دائرة تتوسطها بوابة هي باب الدغارة، في موضع هو الان في اخر سوق التجار الكبير ثم ينعطف نحوالجنوب الشرقي لينتهي عند النهر في موضع مستشفى الجمهوري القديم) ويذكر هذا الباحث بعض الحوادث المهمة في تاريخ المدينة فيقول (ان اول جسر انشيء فيها عام 1818 في عهد الوالي داود باشا على يد خادمه المسمى " صالح الكردي "  حيث نصب جسرا خشبيا في نفس الموضع الذي يقوم عليه الان الجسر القريب من بناية المحافظة وقد نصبه نجار من أهل الحلة يدعى " ادريس " وظل هذا الجسر يسمى باسمه حتى زواله في العشرينات حين أقام الميجر " ديلي " عام 1917جسرا جديدا مجاور مدرسة الرشدية هو الجسر الان المؤدي الان الى شارع الصيادلة وقد سمي باسم جسر ديلي) كما يؤرخ للتعليم في هذه المدينة فيثبت انها شهدت عام 1899م بناء أول مدرسة ابتدائية اسمها " الرشدية " التي ظلت بنايتها قائمة الى عام 1940(انشأها العثمانيون وموقعها على النهر وكان من مدرسيها السيد هاشم النبوي، ومن طلبتها الحاج احمد الاسدي وعبد الحميد الحاج حسن والحاج حسين العبدلله وناجي الصالح) . ويؤرخ الباحث لبداية حركة المدنية وظهور الصناعة والتكنولوجيا في هذه المدينة من خلال ظهور أول سيارة في شوارعها تلك التي حملت برنو باشا ــ قائد الجيش العثماني ــ الذي َقدِمَ الى الديوانية لتفقد الجيش العثماني فيها حيث  يذكر حادثة رافقت هذا الحدث التاريخي تؤرخ لواحدة من محاولات المدينة مقاومة ورفض وجود الاجنبي على أرضها (ولدى حضور القائد العثماني الحفل الذي أقيم لاستقباله من قبل الأهالي تقدم شخص يرتدي " زويني" ممزق بالغ الرثاثة وهو يحمل " بشتاوة " صّوبها نحو صدر القائد العثماني وهو يصيح لاحكم الا لله ثم اطلق النار عليه غير انه لم يصب بأذى وسيق الفاعل الى محكمة عسكرية شكلت فورا ً، غير ان المحكمة التي رأسها ضابط عثماني يدعى " عبدالله جدوع " برّأت ساحة المتهم لعدم مسؤوليته الجنائية بعد ثبوت جنونه)، للديوانية أيضا تاريخ في صناعة واستعمال الاختام التي كان يستخدمها الناس في التواقيع على العقود والوثائق فكان أقدم ختم صنعه المدعو " بشتي حسين" عام 1862 م إضافة الى اجادته الخط وكتابة الشعر حيث اتخذ له محلاً لصناعة الاختام عند مدخل السوق الكبير حاليا . كانت أيضا سباقة في دعمها وترويجها للفنون فقد شهدت عام 1936 انشاء أول دار للسينما هي سينما " فؤاد "  انشأها السيد عبد المجيد السيد صالح فؤاد في الجانب الغربي من المدينة قريب من مدخل الفرقة العسكرية وبقيت بنايتها قائمة حتى السبعينيات ومن الطريف يذكر الباحث الحاج حسن انه ( ند قدوم الوصي على عرش العراق في شهر مايس من عام 1941 الى الديوانية هارباً من مضايقات الكيلاني وضباطه المؤيدين له واتخذ من دار قائد الفرقة عبد الهادي الراوي مقرا له، رفعت سينما "فؤاد" لافتة كتب عليها بيت الشعر التالي:

      رفعت أعلام بشرى    سينما آل فؤاد

      ياوصي العرش أهلاً    بك في هذي البلاد)

وعن حياتها الاجتماعية، فقد ضربت المدينة مثالاً رائعا في التعايش والتآخي والتسامح وثقافة قبول الآخر بين مكوناتها المتعددة حيث عاشت في خمسينيات القرن الماضي حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي بسبب الإلفة التي سادت بين هذه المكونات دون تعصب حيث جمعتها قيم الايثار والعفو والاحسان دون تفريق بين دين او مذهب أو قومية وفي هذا الحقل يذكر القاضي زهير كاظم عبود في كتابه " أوراق ... " حادث وقع أيام حملة تهجير اليهود من العراق مطلع خمسينيات القرن الماضي يقول (عندما قام أحد يهود الديوانية بطرق باب جاره المسلم الفقير واخبره بأن كل ممتلكاته سيصادرها النظام الذي أمر بتهجيره ورجاه أن يأخذ منه وعن طيب خاطر أثمن مالديه من نفائس، راح المسلم يلطم على رأسه ويقول " إذا خسرتك شلي بالمال " ففضل الفقر النبيل على الثراء بنذالة) كما كان لليهود مكان للعبادة " التوراة " يقع في نهاية سوق التجار وكذلك مقبرة ظلا شاهدين على روح التسامح التي كانت عليه الديوانية الى ان تم هدمهما وازالتهما عام 1970، وشواهد كثيرة تكشف عن طيبة هذه المدينة التي عاشت في محلاتها العوائل من مختلف الديانات لحمة واحدة لم يفرقهم دين أو مذهب حيث يحدثنا الكبار ان جارتنا المندائية كانت تنادي وراء ولدها عند ذهابه لقضاء اعماله (محروس بالله وعلي بن ابي طالب) وترش الماء عند عتبة الدار مثلما تفعل جارتها المسلمة، كما تذكر الروائية " انعام كجه جي " في روايتها الاخيرة " طشاري " جانبا من واقع الديوانية الاجتماعي حيث أرخت في هذه الرواية لسنوات من حياة عمتها ابنة الموصل الدكتورة المسيحية الشهيرة " ماهي كجه جي " التي قدمت الى الديوانية في منتصف خمسينيات القرن الماضي ولم تصدق انها سوف تبقى فيها اكثر من ستة أشهر وذلك لشدة فقرها وشعبيتها ولكنها بمرور الزمن أحبت ناسها وشاركتهم افراحهم واتراحهم أحبتهم وأحبوها وعاشت هذه المسيحية في مجتمع مسلم معززة مكرمة، وكانت سنوات الدكتورة " ماهي " في الديوانية  هي عماد الرواية المذكورة . وشاهد آخر على تعايش ابنائها بمختلف مذاهبهم هو جامع " ابناء العامة " الذي مايزال قائما الى اليوم يشمخ بمنائره وسط محلة شعبية يمثل مجتمعها المذهب الآخر،بهذا الخلق وبهذه الروح النبيلة ردم الديوانيون الهوة بين مكونات المدينة وانقذوها من الأحقاد والصراعات والشد في العلاقات الاجتماعية .

بالتأكيد ان هذه السطور لايمكن لها ان تلم بكل ماشهدته المدينة من شخصيات وحوادث وأمكنة كان لها الاثر في بلورة هوية تميزت بالطيبة والعطاء والتسامح .

 

ثامر الحاج امين

 

 

لم يدع الصحافي والكاتب أحمد عبد المجيد اللّحظة تفلت من بين يديه إلاّ ويؤرّخها. هكذا فعل حين اقترب موعد الذكرى الأربعين لتأسيس "اتحاد الحقوقيين العرب"، أوَليس الصحافي مؤرخ اللحظة حسب تعبير ألبير كامو؟ لذلك بادر إلى تأليف كتاب ليقدّمه هديّة لشبيب المالكي بهذه المناسبة ومن خلاله للحقوقيين العرب، حيث كان بعضهم قد رافق مسيرة الاتحاد طيلة العقود الأربعة الماضية ومن بينهم رئيس الوزراء اليمني الأسبق محسن العيني والوزير المصري المخضرم مفيد شهاب، وكان الاتحاد قد تأسّس في العام 1975 في بغداد التي أصبحت مقرّاً له لغاية الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، حيث دوهمت مقرّاته وتم الاستيلاء على البناية التي يملكها، وبصفة مؤقتة انتقل مقرّ الاتحاد إلى الشام، وفيما بعد إلى عمّان لحين تسوية المتعلّقات التي تخصه وانعقاد مؤتمره العام.

الشهادة التي كتبها أحمد عبد المجيد هي ليست انطباعات شخصية عن أمينه العام شبيب المالكي، بل هي سيرة مرافقة لمنجزه الإداري والحقوقي، إضافة إلى منجز الاتحاد، حيث يبدأ معه منذ أن كان متصرّفاً (محافظاً) لكربلاء التي كانت تضم حينها النجف والكوفة، في حين كان أحمد عبد المجيد طالباً، ثم في بداية خطواته الأولى في الإعلام التي اجتازها بمثابرة وجهد وعناء وليس دون خسائر، ليصبح أحد الإعلاميين المتميّزين والبارزين.

- I -

ينحدر شبيب المالكي من البصرة ثغر العراق الباسم (المدينة التي لا تزال منكوبة منذ الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980 وإلى اليوم)، وكان قد جاء إلى الإدارة من خلفية سياسية وثقافية وبعد تجارب عديدة ومريرة، ليحتل منصباً إدارياً رفيعاً في محافظة ليس من السهل قيادها، خصوصاً وأن البيئة التي عمل فيها لم تكن صالحة، ناهيك عن ردود فعل سياسية بشأن الوضع الجديد (الانقلاب العسكري في 17/ تموز/ يوليو/ 1968)، فضلاً عن أن المدينة في جزء منها له طابع ديني شديد الحساسية، الأمر الذي يحتاج معه إلى مرونة وحكمة وبُعد نظر عند التعامل مع أهلها والقادمين إليها من الزوّار في مناسبات دينية مختلفة. ولعلّ الإصرار على النجاح وتحدّي الصعاب وتذليل العقبات هي التي كانت الشغل الشاغل للشاب البصري الأنيق كما يقول عبد المجيد.

ولكي يبعد عبد المجيد عن نفسه الانحياز في سردية المنجز الثقافي والإعلامي والتنموي، فإنه يحيل المسألة إلى أن الكثير من أبناء جيله الذين يشاطرونه مثل هذه الانطباعات التي هي ليست ملفاً شخصياً كما يقول في مقدمة الكراس الذي ألّفه والذي هو بعنوان: "شبيب المالكي - رحلة الكفاح والنجاح: شهادة صحفية عمرها أربعة عقود ونيّف" (إصدار شركة الأنس للطباعة، بغداد، 2016)، وإنما هي إقرار واعتراف يعدّ ضرورة في زمن الجحود والتنكّر والنّسيان.

- II -

بتواضع الإعلامي المجرّب يحاول أحمد عبد المجيد أن يقدّم الكتاب باستدراك ذكي بقوله: "وأعترف أن ما ورد في هذا الكتاب لم يكن ليصلح إلاّ للنشر في صحيفة، جريدة أو مجلة، لكني آثرت في نهاية المطاف أن أغامر فأصوغ المحتوى بين دفتي كتاب متواضع رأيت أن أفاجىء به المالكي (شبيب) وأصدقاءه وزملاء مهنته، تزامناً مع الذكرى الأربعين لتأسيس الاتحاد الذي انعقد خلاله وعلى هامشه اجتماع المكتب الدائم وذلك في بيروت للمدّة 7 - 8 تشرين الأول/أكتوبر: 2016".

ولكن لماذا يخشى أحمد عبد المجيد المغامرة؟ ربما لكونه مهجوساً بالماضي وهو يخشى بعض التفسيرات المغرضة، وكان قد فاتحني عشية إطلاق مبادرته، فقلت له: إن هذه المفاجأة ستكون سارة، ثم ألسنا نغامر حين نبحث عن الحقيقة؟ ولتكن مغامراتنا بدلاً من الحروب والعنف والتهميش والمؤامرات، تواصلاً إنسانياً ومودّة وعرفاناً بالجميل وتقديراً للجهد. وأي جهد هو بحاجة إلى تقويم، والتقويم لا يعني الانحياز، بقدر ما هو نقد إيجابي للوصول إلى ما هو أحسن وأصوب وأفضل.

وحين أُعطيَ عبد المجيد حق الكلام في الجلسة الختامية، قام بعرض مبادرته لتأليف الكتاب، والحديث عن سجايا الرجل وما قدّمه لمدينة كربلاء، إضافة إلى بعض مواقفه الشخصية، الأمر الذي أفسح في المجال لإضاءة جوانب من المسيرة الحقوقية واقتراح تكريم الرجل في احتفالية خاصة ستترافق مع مسيرة تجديد الاتحاد وتطويره وتعديل نظامه الأساسي وهيكلياته من أجل انطلاقة جديدة تفتح أفقاً جديداً لعمل الحقوقيين العرب، سواء على الصعيد الفكري أو على الصعيد المهني، في إطار تعزيز الثقافة الحقوقية والوعي الحقوقي ورفد قطاعات واسعة بحاجة إلى التربية على احترام الحقوق والحرّيات وإشاعة ثقافة السلام والتسامح واللاّعنف، وهو ما كنت قد عرضته في الجلسة ذاتها، ونال تأييد الجمع الحقوقي العربي.

- III -

تعرّفت على المالكي ونحن من إطارين سياسيين متوازيين، بل متصارعين في أغلب الأحيان، ومتقاربين في أحيان قليلة، وأشهد أنني كلّما اقتربت منه زادت قناعتي بحرصه على التواصل مع الآخر على الرغم من الاختلافات، وكان موقفه كما أعلم إيجابياً من التعاون الوطني بين البعثيين والشيوعيين، سواء خلال عمله في الإدارة الحكومية أو في المنظمات المهنية مثل جمعية الحقوقيين العراقيين ومجلس السلم والتضامن العراقي، فكانت علاقته متميّزة مع عزيز شريف الذي ربطته به علاقة متميّزة وعامر عبد الله الذي يكن له احتراماً خاصاً، ومع نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وآخرين، إضافة إلى علاقته مع المحامين اليساريين مثل هاشم صاحب وعبد الرزاق السعيدي ورؤوف ديبس وسالم المندلاوي وعدد آخر من الحقوقيين اليساريين.

وخلال السنوات الأخيرة قبل الاحتلال، وكان قد أبعد من الوزارة العام 1997 كنّا نلتقي في إطار فعاليات عامة عربية ودولية وفي مؤتمرات مختلفة، ونتبادل الآراء والهموم بشكل مباشر أحياناً فيما يتعلّق بالوضع العام وهي قليلة جداً بسبب الحذر، وفي أكثر الأحيان على نحو غير مباشر، وهو يعرف ملاحظاتي وتحفّظاتي على النظام السابق وما لحقني بسببها وكذلك ما لحق بالعائلة طيلة ما يزيد عن عقدين من الزمان، لكنه دائماً ما يشيد بمواقفي من الحرب العراقية - الإيرانية ومن الحصار الدولي ومن الاحتلال، وهو ما ذكره في كلمته حين تم تكريمي من اتحاد الحقوقيين العرب في عمان العام 2005، وتسليمي وسام الاتحاد لدفاعي عن الحقوق والحرّيات في العالم العربي.

وصادف أن التقيته في الطائرة القادمة من القاهرة بعد يومين من بدء حرب قوات التحالف على العراق العام 2003، وكان هو قادم من تونس، وكنت أنا أحضر حفل تكريم لي في القاهرة لنيل وسام "أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي"، ولم ينسَ على الرغم من قلقه من تهنئتي، وكنّا نتوجّه إلى دمشق، حيث كنت على موعد مع عبد الحليم خدّام وبالاتفاق مع الصديق صلاح عمر العلي الذي حضر من لندن، وكنّا قد التقينا بعدد من القيادات العربية وبأمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، إضافة إلى قوى وتيارات يسارية وقومية مختلفة، والهدف هو استطلاع آراء ومواقف القوى المختلفة من الاحتلال الذي عارضناه، سواء قبل حدوثه أو بعده، مثلما عارضنا التعويل على القوى الخارجية والمراهنة على الحلول البرّانية، وكان هذا موقفنا من الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق، وهي مواقف كان معنا فيها الشيخ جواد الخالصي والسيد أحمد الحسني البغدادي وفوزي الراوي وماجد السامرائي وحامد الجبوري وآخرين من التيار اليساري والعروبي.

قال لي شبيب المالكي ونحن بالطائرة وقد استأذنا المضيفة لنجلس قرب بعضنا: ماذا تعتقد إلى أين ستصل الأمور؟ قلت له: حسبما يبدو فإن الأمور منتهية والنظام سيطاح به وستحدث فوضى لا تُعرف حدودها، وسألني فيما إذا قرّر العودة إلى العراق في مثل تلك الظروف، فقلت له: أفضل لك أن ترتّب زيارة إلى اليمن أو إلى المغرب أو أي بلد آخر لحين انتهاء المعارك أو حتى يمكنك البقاء في سوريا. وعدنا والتقينا في الشام على الغداء وتبادلنا وجهات النظر، وكان الرأي ليكن الاتحاد بعيداً عن الإشكالات القائمة في الساحة السياسية وليحافظ على توجّهه المهني وربما هذه فرصة مناسبة لم تسنح قبل ذلك.

ولكن المالكي بحكم مسؤوليته وارتباطاته عاد إلى العراق خلال القصف الأمريكي وبقي فيه، ثم اضطرّ بعد ذلك للخروج، وقد أصرّ على دعوتي للانضمام إلى المكتب الدائم الذي انتخبت له في دورة دمشق.

ومع أنني أعتقد أن الكثير من المنظمات الحقوقية والمهنية ومؤسسات المجتمع المدني، هي امتدادات لقوى سياسية أيام الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي الدائر بين الشرق والغرب، سواء على المستوى الدولي أو على المستوى المحلي، لكنها في الوقت نفسه كانت مجالاً حيوياً ومناسباً لتدريب وتأهيل قيادات عديدة وإكسابها خبرات ومؤهلات ومهارات إدارية مهمّة، لكن مثل هذا الأمر تغير كثيراً بسبب تغيير الظروف والأوضاع.

وقد آن الأوان لإعادة النظر بالكثير من المفاهيم والآراء المتعلّقة بعمل المنظمات والجمعيات والاتحادات ونشاطها وإدارتها وبرامجها ومرجعياتها، لأن بقاء أساليب عملها ونشاطها وتوجّهاتها وهياكلها على ما كانت عليه سيؤدي إلى ترهّلها وبالتالي عدم إمكانيتها لمواكبة التطوّر الحاصل في هذا الميدان، فضلاً عن تمثل روح العصر ومستجداته.

ولا بدّ من مراجعة انتقادية بهدف إيجابي لمؤسسات المجتمع المدني الأخرى، فهي تحتاج إلى إعادة نظر ونقد فيما يتعلّق بأدائها وإداراتها وتمويلها وأساليب عملها، فما كان صالحاً في الستينات أو السبعينات لم يعد صالحاً بعد عقود من الزمان وهو ما ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، وينطبق ذلك على الجميع بدون استثناء بما فيه: اتحاد المحامين العرب واتحادات الطلبة والشبيبة والمرأة واتحاد العمال والمعلمين والمهندسين والصحفيين ومجالس السلم والتضامن، خصوصاً وأن بعضها قد ضعف لحدود كبيرة وانحسر دورها لدرجة كبيرة، بل كاد يتلاشى، وبعضها الآخر ظل هياكل ومكاتب شبه فارغة أو أنها تقوم بفعاليات محدودة جداً وليست ذا تأثير وفي مناسبات محدّدة وتصدر بيانات لا يقرأها سوى قلّة قليلة من أعضائها ولا يعيرها الرأي العام الاهتمام المطلوب مثلما كانت سابقاً، فقد كان بإمكانها تعبئة الشارع وحتى الإطاحة بحكومات أو إجبارها على التخلي عن معاهدات وسياسات وتدابير اتخذتها.

ولعلّ هذه المقاربة التي كان اتحاد الحقوقيين العرب، قد توصّل إليها في اجتماع المكتب الدائم مؤخّراً تقوم على ضرورة إجراء تغييرات جوهرية من شأنها تعديل النظام الأساسي وعقد مؤتمر عام، إضافة إلى تكريم الأمين العام الذي يتحدّث كتاب أحمد عبد المجيد عن منجزه المهم، فقد كان الأمين العام شبيب المالكي ولسنوات هو من يقوم بتكريم المبرّزين من الحقوقيين، ولذلك جاء الوقت ليقوم الحقوقيون ممثلين باتحادهم بتكريمه وهو تكريم يستحقه.

- IV -

يقول عبد المجيد تقديراً للعلاقة التي ربطته بشبيب المالكي: "صادفتني في حياتي شخصيات عديدة تركت بصماتها في نفسي" ثم يضيف: "وتحت وقعها كنت أعزو كثيراً مما تحقق لي أو أنجزته عبر عقود من الكفاح والمثابرة والألم، إلى تلك المعارضات التي ظهرت أمامي أو في طريقي الطويل المترع بالأمل والقلق...".

وعبد المجيد مثل غيره من الصحفيين الذين عاشوا سنوات الشباب الأولى وتأثّر باليسار وفكره ومنجزه السياسي والثقافي وبقصائد مظفر النواب، لكن عمه طارق الخفاجي الذي اعتبر عميد الصحفيين في كربلاء وأخيه نوفل من الإعلاميين القريبين من شبيب المالكي، هما من قرباه إلى المالكي، ثم يتحدث عن مواهب المالكي وقدرته على استقطاب الناس وعلاقته بالإعلام، وبالمناسبة فالمالكي عمل في الإعلام أيضاً وأدار مجلة سياسية العام 1963 بالتعاون مع الصحافي لطفي الخياط.

ويقول عبد المجيد: إن المالكي ظل حامياً لأسرتهم ومدافعاً عنها ويردّ عنها السهام التي تأتيها من قنوات سرّية وأخرى علنية، خصوصاً التداخل ما بين الحزبي وما بين الإداري، وأحياناً يصل الأمر إلى التنافس غير المشروع المصحوب بالحسد والغيرة والغدر وغير ذلك.

ويذكر أن المالكي حين غادر كربلاء فإنه ترك أثراً طيباً ومواقف متميّزة. وحين كانت النجف (قضاءً) يتبع لكربلاء كان تحت إدارة المالكي أيضاً. وأعرف من بعض أفراد عائلتنا وأصدقائنا النجفيين مواقف المالكي وحرصه على تقديم أحسن الخدمات على الرغم من شحّ الإمكانات في حينها، وكما ذكر لي المالكي نفسه فإن ذلك كان يتم باتفاق وتوصية خاصة من الرئيس أحمد حسن البكر، وخصوصاً العلاقة مع السيد الخوئي كما كانت له علاقات مع بعض الأدباء والمثقفين ورجال الدين والوجهاء، ويروي السفير السابق عبد الحسين الرفيعي في كتابه "النجف الأشرف - ذكريات ورؤى وانطباعات ومشاهد" وكان مسؤولاً حزبياً كيف تمكّن المالكي من لعب دور إيجابي في نزع فتيل الأزمة التي لو استمرّت لكانت نتائجها غير محمودة العواقب، وذلك خلال رفع شعارات ضد الحكومة وردود الفعل المنفلتة إزاءها، حيث تم إطلاق النار في صحن الإمام علي وكان المشهد محتدماً.

يعدّد أحمد عبد المجيد منجزات المالكي وحسناً يفعل حين يذكّر بها، فعسى أن تنفع الذكرى المؤمنين وحتى غير المؤمنين، لا سيّما حين يسود الفساد الإداري والمالي اليوم وتضعف الحصانة ويقلّ الشعور بالمسؤولية إزاء هدر المال العام، ناهيك عن ارتفاع درجة المحسوبية والمنسوبية في ظل نظام يقوم على الغنائمية ويعتمد على الزبائنية التي أساسها الاصطفافات والمحاصصات الطائفية والإثنية.

ولا بدّ من إضاءة بعض المفاصل من منجز المالكي فيقول عبد المجيد: إنه عظّم عدد المدارس في مدينة كربلاء وشيّد مبان جديدة، وأنه أسّس مهرجان الأخيضر باستقدام عدد من الفنانين لإحياء معالم الحصن التاريخي بحيث أصبح تقليداً سنوياً، وكان المالكي قد أهدى لي صورته مع الجواهري خلال حضوره المهرجان، كما حضر يوسف العاني وسامي عبد الحميد وزينب وناهدة الرماح وجعفر علي، كما أقام مقهىً سياحياً وفيه كازينو عائمة على ساحل بحيرة الرزازة، وفتح مركزاً للشرطة لتأمين الحماية اللازمة وتولى عملية ترويج لزرع مساحات خضراء لحزام لكربلاء. وقد رعى شبيب المالكي العتبات المقدّسة وهناك كراس بعنوان "كربلاء بين الماضي والحاضر" وهو معزّز بالصور، ويذكر عبد المجيد أسماء بعض المحافظين الذين ظلّت كربلاء تتذكّرهم بعد المالكي منهم عبد الرزاق الحبوبي وآخرهم كان صابر الدوري الذي وقّع العديد من أهالي كربلاء مذكرة تطالب بإطلاق سراحه.

وبعين الصحافي النابه يرصد أحمد عبد المجيد جهود الحقوقيين ودعوتهم لصياغة ملف دفاع عن ضحايا الحصار الاقتصادي ليتسنى تقديمه إلى المحاكم الدولية، بوصفه عملاً لا شرعياً ولا أخلاقياً، ويمكنني إضافة ملف آخر اشتغلت عليه جهات عديدة بالتعاون مع منظمات دولية مرموقة ومناصرة للحقوق العربية يحتوي على معلومات توثيقية عن ضحايا الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وكذلك ملف آخر يتابع توثيق الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب العربي الفلسطيني بهدف مقاضاة مرتكبيها، وذلك في إطار دعم الحقوقيين العرب لكفاحهم العادل والمشروع من أجل حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ويذكر أحمد عبد المجيد عن المالكي وقوفه إلى جانبه في ثلاث مواقف:

الأول - في العام 1991 حين تناول في عموده الصحافي لجريدة القادسية نقداً إلى الشركة الوطنية للصناعات الكيماوية والبلاستيكية، وكان هذا قد استفز مدير التصنيع العسكري وكان المشرف على وزارتي الصناعة والنفط هو حسين كامل، فتم طرده من الجريدة واضطرّ إلى المكوث في المنزل وعدم مغادرته (ثلاثة أشهر).

وكما يقول المثل: "ربّ ضارّة نافعة" فقد ألّف عبد المجيد كتابه الرابع الموسوم : "خريف الجليد - 72 ساعة هزّت العالم". ولولا تلك العزلة الإجبارية لما كنّا قد قرأنا له هذا الكتاب، ولم يكتفِ حسين كامل (صهر الرئيس صدام حسين) بذلك، بل أقام دعوى قضائية ضدّه، لكن تدخّل المالكي بطريقته الخاصة أنقذه من حكم محقّق، علماً بأنه كان في قوام نقابة الصحافيين العراقيين (الرسمية) وهو نائب للرئيس.

الثاني - في أواخر التسعينات وكان يومها سعد البزاز رئيساً لتحرير جريدة الجمهورية، والأمر يتعلّق بالصحافي عيسى العيسى (الذي كان موظفاً في وكالة الأنباء العراقية) حيث تدخل المالكي بعد طلب من عبد المجيد الذي استعان به لإنصاف المتظلّم العيسى وهو مستأجر لشقة أريد إخلائها بالقوة.

الثالث - في العام 1994 حين انتقد أحمد عبد المجيد محافظ نينوى (الفريق الركن محمد عبد القادر) وذلك لتعويقه ترويج معاملات الصحافيين بالحصول على قطع أراضي سكنية في مساقط رؤوسهم، فأقام المحافظ دعوى قضائية ضده في الموصل وجرى تبليغه بالحضور، ويعتقد عبد المجيد أن حضوره كان فخاً له لإلقاء القبض عليه أو احتجازه، ولكن اتصاله بالمالكي وكتابه طلب تحريري بنقل الدعوى إلى محاكم بغداد بحسب الاختصاص المكاني للجريدة، هو ما ساعده على التخلّص مما كان يُضمر له. ويستنتج عبد المجيد أن قضايا النشر والإعلام في تلك الحقبة غالباً ما تخضع إلى متابعة مباشرة في قيادة الدولة وأن الاتصالات الهاتفية كانت أرضية تخضع للمراقبة الأمنية، وهو ما يسجل للمالكي بموقفه هذا إيماناً منه بحق التعبير وحق النقد، لا سيّما عبر منابر رسمية.

- V -

ولعلّي هنا أسجّل للمالكي موقفاً كنت قد اطّلعت عليه وتابعته في حينها هو تحفظه على حملة التسفيرات التي شملت أعداداً من العراقيين بحجة التبعية الإيرانية، علماً بأن غالبيتهم ولدوا في العراق وعاشوا فيه ولم يعرفوا وطناً سواه، وكنت قد استعدت هذا الموقف معه قبل عدّة سنوات، خصوصاً بعد صدور كتابي "من هو العراقي؟" العام 2002 والذي تحدثت فيه عن حملة التهجير، فعاد وأكّده لي وطلبت منه أن يوثقه فأرسله لي برسالة. والموقف لا يتعلّق بالمالكي وحده، بل بأحد أبرز القياديين البعثيين الذي أعدم بيد رفاقه العام 1979، في "مجزرة قاعة الخلد" بعد أن كان قد اعتقل بُعيد "مؤامرة ناظم كزار" الشهيرة العام 1973، وأعني به عبد الخالق السامرائي.

 

 

نص رسالة شبيب المالكي

مواقف وطنية وإنسانية.. قصة التسفيرات

 

عزيزي أبو ياسر

"عام 1971 شنّت الحكومة حملة تسفيرات ظالمة ضدّ المواطنين العراقيين من التبعية الإيرانية ممن أمضوا مئات السنيين في العراق، حتى أنها شملت بعض العراقيين من أصول عربية ومن غير التبعية الإيرانية.

وخلال هذه الفترة كنت أشغل منصب "محافظ لكربلاء" وكان النجف الأشرف أحد الأقضية التابعة للمحافظة في حينه، وقبل أن تصبح محافظه فيما بعد، وقد شملت هذه الحملة الجائرة أعداداً كبيرة من المواطنين في هذه المحافظة، فأبديت معارضتي الشديدة لهذه الحملة وتصدّيت لها بكل قوة وأوقفت بعضها ومنعت عدد كبير من المواطنين من شمولهم بالتسفير وبخاصة رجال الدين والمثقفين والفنانين.

ولعلّ هذا الأمر هو الذي أدى بالسلطات المركزية في بغداد إلى إبعادي بضمي إلى وفد برئاسة عضو مجلس قيادة الثورة المناضل عبد الخالق السامرائي لزيارة الصين علماً بأن مهمة الوفد ليس لها أية علاقة بعملي كمحافظ، وقد ضم الوفد عدداً من المختصين بالاقتصاد والسياسة الخارجية من بينهم المرحوم مرتضى الحديثي وزير الخارجية ود. فخري قدوري وزير الاقتصاد ومدلول ناجي المحنّة رئيس مؤسسة المبايعات الحكومية وعفيف الراوي وكيل وزارة الإصلاح الزراعي وغيرهم من المختصين.

ومن الجدير بالذكر وخلال تواجدنا في الصين وحول موضوع التسفيرات جرى حوار بيني وبين المناضل عبد الخالق السامرائي، وكانت تربطني به علاقة ودية قديمة وقد وجّه لي رحمه الله السؤال التالي ساخراً ومنتقداً: لماذا هذه الحملة الظالمة التي شملت تسفير المواطنين بحجة أنهم من التبعية الإيرانية؟ أيّهما أكثر عروبة واستوطن العراق موسى الكاظم، ويقصد بذلك الإمام موسى بن جعفر (ع) حتى يسفر من يحمل لقب "الموسوي" من ذريته أم من يحمل لقب "تكريتي" أو "عاني" ويبقى في العراق؟ أما أنا فقد تم نقلي إلى منصب "محافظ الموصل" بعد موقفي هذا من التسفيرات". (انتهى).

أخوك شبيب المالكي (أبو فارس)

وقد كنت أحتفظ بهذه الرسالة التاريخية حتى وإن كانت حديثة، لأقوم بضمّها إلى ملف آخر، لكن ما ذكره أحمد عبد المجيد، في الصفحة (34) من كتابه في إشارة إلى التسفيرات وحملة التهجير، فوجدتُ أن الوقت قد حان لنشرها، ولي حديث آخر حول عبد الخالق السامرائي، وكنت قد استمعت إلى أكثر من شهادة عنه من: شريف الربيعي ووليد جمعة وصلاح عمر العلي وحامد الجبوري ومعن بشور وجهاد كرم ورغيد الصلح وعبد الحسين الرفيعي ومن ابن عمه صالح السامرائي.

وأختتمُ باستنتاج من ذات الأرضية التي انطلق منها أحمد عبد المجيد حيث يقول: "وأكاد أجزم أن موقف المالكي إزاء قضيتي وسواها، وانحيازه إلى العاملين في الإعلام تسبّب له في إحراجات معروفة ليس أقلّها، كما أظن، إعفاءه من منصبه الوزاري"، وأقول مرة أخرى إن ذلك ما ينطبق عليه القول "رب ضارّة نافعة" فمن يدري ماذا ستكون نتائج غضبة منفلتة من عقالها؟ فقد كانت المواقف ذات الطابع الإنساني هي التي تغلب على علاقة شبيب المالكي بالآخرين بغض النظر عن توجّهاتهم، ومثل هذا السلوك في الأعراف الحزبية السائدة ذات المركزية الصارمة والأوامرية الشديدة والهوس الأمني المصحوب بالشك، تفسّر على أنها ضعف في "الحزم الثوري" وتهاون إزاء الأعداء أو الخصوم، وهذه بحد ذاتها نقطة استفهام كفيلة بأن لا تقصي المرء من موقعه وإنما قد تأخذ به إلى الهلاك!!.

 

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

كان الصناع العاملين في بناء بغداد يتقاضون يوميا من قيراط إلى خمس حبات (القيراط 12/1 من الدرهم ويساوي 4 حبات من الفضة) وطلب رئيس بنائين من الخليفة المنصور أجرا يوميا هو خمسة دراهم، ولكن المنصور ساومه وأعطاه أربعة دراهم فقط (كان المنصور شديد البخل فسماه البغداديون "أبو جعفر الدوانيقي" أي الفليساتي ! ع ل). فيما كان عامل الوشي (وشي المنسوجات) يتقاضى في عهد المهدي 400 درهم شهريا. والزّجّاج يتقاضى درهما ودانقين (الدرهم يساوي ستة دوانيق)، ومعلم النحو والحداد درهما، وكاتب الحسابات لدى البقال نصف درهم وطعاما وكسوة. وكان النساخ يشتري الكاغد "ورق سميك قليلا" بخمسة دراهم وبعد نسخه من كتاب يبيعه بمائتي درهم، وتقاضى الشيخ الكسائي سبعين دينارا عن تدريس كتاب سيبويه في النحو كاملا لأحدهم، أما أبو بكر العسكري فكان يطلب مائة دينار لقاء ذلك. وكان الملاح يتقاضى درهمين أجرة تعبير الراكب لنهر دجلة. ودفع تاجر يهودي لأحد الفقهاء أجره اليومي عن عمله في دكانه ثلاثة أرطال خبزا ودانقي فضة . أما رواتب الموظفين الصغار فكانت ضئيلة جدا مقارنة برواتب كبار الموظفين ففي حين كان راتب موظف صغير خمسين دينارا سنويا، كان راتب ابن مقلة - وهو كاتب لأحد الوزراء - خمسمائة دينارا شهريا! أما راتب رئيس المنجمين (فتاح فال، يعني؟ ع. ل) في قصر الخليفة المعتز مائة دينار ولم يوضح صاحب " نشوار المحاضرة" إن كان هذا الراتب شهريا أو سنويا وأرجح انه شهري ! وحين تولى علي بن عيسى الوزارة سنة 315 هـ حاول معالجة الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد في عهده، فأنقص عدد الرواتب في السنة من 12 راتبا إلى عشرة للعمال وثمانية أشهر فقط لأصحاب البريد والمنفقين "؟". أما رئيس الطائفة اليهودية وتدعى وظيفته " رأس الجالوت " فكان يتقاضى راتباً سنوياً هو 700 دينار ذهبي، ولكن ليس من أموال الدولة بل من الجزية التي يدفعها اليهود أنفسهم آنذاك وكانت بمثابة ضريبة حمائية شخصية . وكان محتسب بغداد " بمثابة أمين العاصمة في عصرنا" يتقاضى مائة دينار شهريا. وحين تولى القاضي محمد بن صالح الهاشمي قضاء بغداد اشترط ألا يتقاضى أجرا لنفسه، ولكنه نظم رواتب لموظفيه فقط. وكان الأطباء من المدللين والأثرياء فكان راتب الطبيب ماسويه 600 درهم وعلوفة دابتين ونزل للسكن وخمسة غلمان لخدمته، وحين أصبح الطبيب الخاص للرشيد ارتفع راتبه الى ألفي درهم إضافة الى معونة سنوية بلغت عشرين ألف درهم. وفي عهد المعتضد ارتفعت رواتب الأطباء كثيرا وصل راتب الطبيب والكحال " طبيب العيون ع ل" إلى 670 دينارا شهريا وليس سنويا، أما أطباء الفقراء فكانوا موجودين أيضا ويتقاضون أجور رمزية وقد لا يتقاضون شيئا من مرضاهم الفقراء، فهذا الحكيم ابن أبرونا يتقاضى على الفصاد " فصد الدم من المريض" دانقا ونصف! أما مرتب الجندي فكان يترواح بين عشرين وأربعين للراجلين " المشاة" أو الفرسان الخيالة. وفي عهد الأمين بلغ معدل الرواتب للجنود 80 درهما كانت تزاد في أوقات الحروب والاضطرابات أضعافا. وفي العهد البويهي (سلالة من الديلم حسب البعض ومن الساسانيين حسب آخرين ، ذات ميول مذهبية شيعية لم تحاول فرضها على المجتمع أو على الدولة، رغم كونهم الحكام الفعليين للدولة العباسية وفشلوا في كسب ثقة الأمراء الشيعة العراقيين مثل عمران بن شاهين وبنو مزيد من بني أسد وإمارتهم في الفرت الاوسط بين بغداد والكوفة وبنو حمدان في الموصل وحلب وانتهت تجربة البويهيين بتقسيم الدولة الى فرعين واحد في العراق وآخر في كرمان وقد أنهى السلاجقة الترك حكمهم سنة 1062 م بعد أن دام 113 سنة في عهود الخلفاء المستكفي (333ـ334هـ)، ثم المطيع (334ـ363هـ) فالطائع (363ـ381هـ) فالقادر (381ـ422هـ)، أخيراً القائم (422ـ467هـ). ع ل) . في عهد الحكام البويهيين تحولت الرواتب إلى إقطاعات ففي سنة 387 هـ أعطي 500 ديلمي صغير و300 فتى كردي إقطاعا بمبلغ مائة ألف دينار. أما القادة الكبار فقد أقطعهم الحاكم فخر الدولة إقطاعات تتراوح بين 20 و30 ألف درهم !

.نختم بهذه الطرفة الطبية التي تبرز أحد إنجازات الطب النفسي في القرن الرابع الهجري: روي أن مريضا كان يعتقد بأنه بقرة، وكان يطلب من ذويه بإلحاح أن يذبحوه، فانقطع عن الأكل لأنهم رفضوا أن يفعلوا ذلك، فضعف كثيرا وأقلق الأهل والجيران بصراخه، وطلب أهله أن يتولى ابن سينا أمره وعلاجه.فأرسل ابن سينا إلى المريض من يخبره بأنه قادم ليذبحه استجابة لطلبه، ولما حضر الطبيب وفي يده السكين، أمر بربط يدي المريض ورجليه، وطرحه على الأرض ليذبحه. ولما همّ ابن سينا بالذبح، جس عضلات المريض جسا دقيقا، ثم التفت إلى أهله وقال لهم بصوت جهوري: إن هذه البقرة ضعيفة جدا، ويجب تسمينها قبل ذبحها! وعندها أخذ المريض من تلك الساعة يأكل بشهية زائدة ليسمن، فقوي جسمه وترك وهمه وشفي من مرضه شفاء تاما.

 

بغداد_العباسية 6 : "الشبكة الاجتماعية" 4 دراهم شهريا للفقراء: وجد الفقر في بغداد منذ بنائها فقد شوهد الشحاذون المكادي والمعاقون يطلبون الصدقة على الجسر في عهد مؤسسها أبي جعفر، الذي كان يمر عليهم بنفسه ويفرق عليهم بعض المال ثم خصص واليا على " الأضراء" ولكن الوالي قطع عنهم الأرزاق - كما فعل قبل أيام وزير العمل والشؤون الاجتماعية في حكم المحاصصة الطائفية في عراق اليوم حين شطبوا الفقراء والمعوقين وذوي الحاجات الخاصة من شبكة الرعاية الاجتماعية. ع ل- فتوسط لهم أبو جعفر الرازي وشكاه الى الخليفة فعزله وأوكل لهم – للفقراء والأضراء – ان يختاروا ممن يحبون واليا. أمسى الفقر ظاهرة اجتماعية مستمرة في المجتمع البغدادي عالجها الأدباء فقال شاعر منهم هو الحمدوني :

مَنْ كانَ في الدنيا لهُ شارةٌ .... وَنحنُ مِنْ نظارةِ الدُّنيا

نرمقُها مِنْ كَثَبٍ حَسْرَةً     .... كأننا لفظٌ بلا مَعنى.

وترك لنا أبو حيان التوحيدي نثرا كثيرا عن الفقر والفقراء وهو نفسه كان فقيرا معدما كتب ذات مرة أنه اضطر إلى العيش على أكل الخضر والأعشاب في البيداء، وكان أبو سليمان المنطقي (الفيلسوف والأديب والشاعر والموسوعي في الطب) فقيرا عاجزا عن تدبير أجرة سكنه ووجبة طعامه. أما الفيلسوف أبو بكر القومسي فقد عانى من الضرِّ والفاقة وكابد الشدة حتى لبس الأطمار البالية كما يخبرنا صاحب " معجم البلدان"، ومثله كان المؤرخ والجغرافي العظيم وصاحب نظرية  " الانحراف الوراثي في الحمضيات" أبو الحسن المسعودي الذي لقب بهيرودتس العرب،  وهو صاحب الكتاب الجغرافي الشهير "مروج الذهب ومعادن الجوهر" متواضع الحال كثير الترحال - أمضى ربع قرن من حياته في الرحلات العلمية خارج العراق وكان كثير الحنين إلى بلده وهو من موليد بابل وقيل من بغداد أيضا - وقد  وصف لنا بيت زميله الأصمعي الفقير هو الآخر بالقول (كان فيه خب مكسور – أرجح أن يكون المقصود " حِبّ" بكسر الحاء ، وهو الوعاء الفخاري الكبير لتبريد وحفظ ماء الشرب وربما وقع تصحيف في الكلمة. ع ل) ومقعد وسخ وكان كل شيء في بيته رثا)  غير أن هذا لا يعني أن جميع العلماء والأدباء كانوا فقراء معدمين بل كان منهم الأغنياء وأصحاب الإقطاعيات والعقارات وكان بعضهم من خاصة ومدللي الدولة وندماء الخليفة والوزراء. وكان المُكدون (كلمة مُكدي وكُدية فصحى " كدية : استعطاء، حرفة الشحاذ ." وماتزال تلفظ بالجيم أو الجيم القاهرية في العراق وتعني الشحاذ والسائل وأرجح أن جذرها هو "ك د د"  ع ل) وهم يتخذون هيئة  وزيا خاصين للكدية تسمى " الهيئة الخراسانية". وكانت جراية الفقير (مخصصات إعانة) من الدولة في عهد الوزير ابن الفرات خمسة دراهم في الشهر. وكان طعام الفقراء يتألف من خبز الشعير وربيثة " أدام من صغار السمك المملح يشبه السمك الفسيخ في مصر ع ل" وبقل وكراث وخبز وقطعة من الجبن أو الباذنجان أو من الخس والكرفس والقنبيط " القرنابيط". وكان لحم البقر أسمى ما يطمح إليه الفقراء وكانوا يأكلون بطون البقر القاسية ويستهلكون الكثير من الحبوب من أرز وماش وعدس ولوبياء. ولم يكن الفقراء يعرفون الحلوى (عهد ذاك كان تقديم التحلية بعد الطعام يعد جزءا من وجبة الغذاء لدى الأغنياء، وذات مرة قدم الطعام لأحد الخلفاء وكان مسافرا على سفينة في دجلة ولم يقدموا له الحلوى بعد الطعام فتعجب وقال : هذه أول مرة أعلم فيها ان هناك من الناس من يتغدى دون تحلية !)  بل كانت حلوى الفقراء من عصيدة التمر وفاكهتهم من مشمش مقدد " قمر الدين" وزبيب أسود وسمسم مقلو وباقلاء منفوخة وقد جابه الفقراء واقعهم البائس باللجوء إلى اللصوصية والكدية والتطفيل والاحتيال والنصب ...الخ، كما كان من وسائلهم اللجوء الى التحرك الشعبي / ص  310 / العامة في بغداد.  

الصورة: وعاء عمودي "سفرطاس" من ثلاث طبقات مغلقة لحفظ الطعام ساخنا لفترة طويلة، وهو  من العهد الفاطمي أو المملوكي على الأرجح/ المتحف الإسلامي – القاهرة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

لا أريد أن استشهد بفقدان العزيز الدكتور غانم حمدون ببيت الشعر الذي انشده عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وهو من شعراء صدر الاسلام، الذي يقول فيه:

ذَهَبَ الذينَ أُحِبُّهُمْ وبَقِيتُ مَثْلَ السَّيْفِ فَرْدا

فالاستسلام للألم، والانسياق مع المصيبة، هي مصيبة أخرى، وإحباط لا حد له، في زمن كثرت فيه المصائب، وندرت فيه السعادة النسبية .

ويوم تعرفت شخصيا على الفقيد كنت قد كتبت عن الأديب والروائي ذنون ايوب، بعد ان جرى الحديث عنه وعن تراثه الادبي، ووجود بعض المخطوطات العائدة له التي لم تنشر والتي كانت، في عهدة احد اطباء الاسنان العراقيين في العاصمة النمساوية حيث أقيم . وكتبت انذاك وفي العام 1998، وفي جريدة المؤتمر المعارضة التي كانت تصدر في لندن، عن الراحل ذنون ايوب وخاصة روايته " كوجكا " كما كان يطلق هذا الاسم على زوجته اليوغسلافية، أي "القطة "، وعن تراثه الموجود بفيينا .

وبعد ايام من نشر مادتي جاءني اتصال تلفوني من لندن ليقول لي المتصل : أنا الدكتور غانم حمدون، وكنت اعرف أن غانم حمدون كان رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة، وكنت اشارك بالكتابة في " فن وادب " التي يحررها صديقي ورفيقي السابق الشاعر المرحوم مهدي محمد علي، وكنت ايضا مراسل " رسالة العراق " التي كانت تصدر عن حزبنا الشيوعي العراقي في لندن . وجرى بيننا حديث طويل ابتدأه الراحل حمدون بعبارة " هل تعرف ان ذنون أيوب هو خالي ؟ "، ولأنني لا اعرف هذه الحقيقة فقد رحبت باتصاله، وطلبت منه ان يصحح لي بعض ماورد من معلومات استقيتها ممن عايشه بفيينا . وهكذا بدأت علاقة الصداقة التي استمرت فيما بيننا بواسطة الهاتف .

وكنت أجد بساطة وأناقة ألفاظ، وادب جم في كل حديث يجرى بيننا، حيث التواضع ودماثة الخلق، والهدوء في تناول الموضوع .

ويوم كتبت في المؤتمر أيضا بعد جدال حول مكان دفن الفقيد ذنون إن كان كما ادعى البعض بمقبرة فيينا المركزية، او في العراق كما ادعى البعض الأخر، ثم اخبرني احد الأصدقاء وهو المرحوم وابن البصرة يعقوب ارشاك بان هناك شخص كان اقرب الناس للراحل ذنون ايوب، وهو الفنان الرسام محمود شاكر، مترجم السفارة العراقية بفيينا سابقا، واتصل به لمواجهتي بغية سؤاله عن مكان دفن ذنون ايوب فاخبرني بأن هناك قرار صدر عن الحكومة العراقية بنقل جثمان المتوفين من العراقيين لأرض الوطن، وكان ذنون ايوب أحد المستفيدين من ذلك القرار، وتم نقله للعراق حيث دفن هناك . وجاءني بعد يومين من ذلك التاريخ اتصال من الفقيد الدكتور غانم يؤكد هذه الحقيقة لننشرها كتصحيح للخبر السابق .

وهكذا تعمقت وتيرة علاقتنا، مع دوام السؤال عن الحال، وأمور الدنيا، والنشر والأدب، وما يحصل داخل الوطن في زمن الدكتاتورية، وما يلاقيه شعبنا جراء تعسفها .

وبعد فترة من الحديث عن تراث ذنون ايوب وما تركه من مخطوطات لم يتم نشرها اتصل بي الفقيد ليخبرني بان نجل ذون البكر الموجود في روسيا تحدث معه عن أحقية العائلة بما تركه والده من تراث لم يتم نشره، وطلب رأيي بذلك فأيدت ما طرحه ابن خاله ذنون ايوب واخبرته بأنني سأتفاهم مع صديقي الدكتور والصحفي زهير المخ الذي اخذ ما تبقى من تراث خاله ذنون ايوب، واحتفط به في بيته في فيننا لكي نعيده لعائلته بموجب الأحقية . وفعلا اتصلت به بعد موافقة صديقي الدكتور زهير، وجرت بعد ذلك اتصالات بالمعني اليه بيني وبينه وهو نجل الروائي ذنون ايوب وجاء لفيينا وتسلم ما تبقى من تراث والده.

ويوم توفيت زوجة ذنون ايوب " الكوجكا" في يوغسلافيا، نشرت خبر وفاتها، وارسلت تعزية بوفاتها للفقيد العزيز الدكتور غانم .

لكن ظلت علاقتي ممتدة مع الفقيد العزيز الصديق والرفيق الدكتور غانم حمدون، الرفيق والانسان الرائع الذي يفيض أدبا، وحسن خلق، ودعة، ووداعة .

الذكر الطيب للرفيق والصديق العزيز الدكتور غانم حمدون الذي نفقده، وهو العزيز في زمن الجدب، والصبر والسلوان لكل آله وأحبته، وأصدقاءه ومريديه .

 

وداد عبد الزهرة فاخر

كاتب وصحفي رئيس تحرير جريدة السيمر الإخبارية

 

 

 

 

لا توجد بالعربية دراسات او حتى اشارات الى هذا الموضوع حسب معلوماتنا، ونحاول هنا ان نطرحه في خطوطه العامة ليس الا، على أمل العودة اليه لاحقا بشكل أوسع، اذ انه موضوع يستحق التأمل والدراسة المعمقة في مسيرة الادب الروسي وتاريخه اولا، وفي مجال دراسة الادب المقارن ثانيا، رغم ان معظم القراء الروس - بشكل عام- لا يتقبلون بتاتا، بل ويرفضون رفضا قاطعا القول، بأن بوشكين قد (ترجم!) بعض نتاجاته عن لغات اجنبية، وهم يعتبرون نتاجاته روسيّة بحتة شكلا ومضمونا حتى لو كانت مقتبسة او جاءت على وفق المحاكاة. سنحاول في مقالتنا هذه ان نتوقف عند حكاية واحدة من حكايات بوشكين وهي – (حكاية الصياد والسمكة) باعتبارها انموذجا بين نتاجات بوشكين المرتبطة بموضوع الترجمة والاقتباس، اذ لا يسمح المجال في اطار مقالتنا بالتوسع اكثر .

 ض.ن.

كان بوشكين - مثل كل النبلاء الروس آنذاك – يعرف اللغة الفرنسية بشكل جيد جدا منذ طفولته، بل ان بعض الباحثين يشيرون الى ان بوشكين كتب اول قصيدة له بالفرنسية، وعدا اللغة الفرنسية كان يعرف عدة لغات اخرى . هناك ايضا لغات اجنبية عديدة حاول بوشكين اثناء مسيرة حياته ان يتعرّف عليها ويدرسها – بشكل او بآخر -لاغراض ابداعية، بما فيها العربية، وقد تم طبع الاوراق والمسودات التي كانت موجودة لدى بوشكين، ويرى القارئ فيها كل محاولات بوشكين للتعرف على تلك اللغات، وتوجد هناك بعض الحروف العربية ولفظها بالروسية بخط يده . لقد بلغ مجموع هذه اللغات التي يتقنها بوشكين او التي تعرّف على خصائصها العامة (16) لغة وهي – الفرنسية / والفرنسية القديمة / والايطالية / والانكليزية / والالمانية / واليونانية القديمة / واللاتينية / والروسية القديمة / والسلافية الكنسية / والصربية / والبولونية / والاوكرانية / والعبرية القديمة / والعربية / والتركية . الا ان بوشكين كان يتقن اللغة الفرنسية بشكل متميّز قبل كل اللغات الاجنبية الاخرى، ثم تاتي الانكليزية ثانيا، اما الالمانية فقد أشار نفسه الى انه كان يتعلمها ثم ينساها وقد حدث ذلك عدة مرات في حياته.

لم يذكر بوشكين في كتاباته انه قام بترجمة نصوص من لغات اجنبية الى الروسية كما يفعل المترجمون عادة، ولكنه اقتبس بعض المضامين والمواضيع من النصوص الاجنبية وقام بصياغتها من جديد بلغة روسية مدهشة الجمال والوضوح (لدرجة ان القارئ الروسي ولحد الآن لا يمكن ان يتصور ان هذا النص قد اقتبس بوشكين مضمونه من لغة اجنبية، او كتبه نتيجة محاكاة لتلك النصوص الاجنبية). توجد نتاجات عديدة عند بوشكين اقتبسها من الادب العالمي، ولا يمكن في اطار هذه المقالة عرض كل تلك النتاجات، ولكننا نود الاشارة هنا، على سبيل المثال وليس الحصر الى مسرحيته الشعرية (وليمة في زمن الطاعون)، والتي جاءت ضمن كتابه الشهير – (تراجيديات صغيرة) او (مآس صغيرة كما وردت في بعض الترجمات العربية)، وهي مقتبسة من مسرحية ملحمية كتبها الكاتب الانكليزي جون ويلسون بعنوان – (مدينة الطاعون)، وهناك امثلة اخرى كثيرة طبعا، ولكننا – التزاما بما أشرنا اليه في مقدمة مقالتنا – سنتناول فقط حكاية مشهورة من حكايات بوشكين وهي – (حكاية عن الصياد والسمكة) ليس الا، وهي حكاية معروفة للروس، اذ انها تحولت حتى الى باليه، وهذه الحكاية معروفة ايضا للقارئ العربي، لأنها مترجمة الى العربية منذ زمن طويل، بل انها تحولت الى فلم سينمائي روسي بالرسوم المتحركة (كارتون) مترجم ايضا الى العربية.

  لقد اطلع بوشكين حتما على حكاية الاخوين غريم بعنوان – (عن الصياد وزوجته)، او ربما حتى قرأ هذه الحكاية باللغة الالمانية، وأعاد صياغتها شعرا بالروسية، ومزج معها اجواء حكاية روسية اخرى وهي - (العجوزة البخيلة)، واطلق على تلك الحكاية تسمية اخرى وهي – (حكاية عن الصياد والسمكة)، اي انه قام بترجمة حرة لا ترتبط بتاتا بالنص الاصلي (ان صح هذا التعبير) دون ان يذكر ذلك، ولكنه صاغها شعرا في اطار اجواء روسية بحتة، حيث تجري الاحداث في بيت خشبي روسي وطريقة حياته، وتنتقل الى حياة الاغنياء الروس ثم الى حياة الحكام الروس، حيث يعرض بوشكين كل صفاتهم وعاداتهم وطباعهم من مأكل ومشرب وملابس...الخ . كان هذا الذي صاغه بوشكين في حكايته يعد شيئا ممكنا في ذلك الزمان البعيد، اذ قام به بعض الادباء الروس الكبار مثل كريلوف، الذي ترجم - بالاساس - اساطير وحكايات الكاتب الفرنسي لافونتين عن الفرنسية بصياغة روسية بحتة – انظر مقالتنا عنه بعنوان – كريلوف ابن المقفع الروسي). وهكذا اصبحت (حكاية عن الصياد والسمكة) الشعرية مرتبطة باسم بوشكين في تاريخ الادب الروسي وفي الوعي الاجتماعي الروسي ايضا، وتعد هذه الحكاية لحد الان واحدة من اشهر الحكايات الشعبية في روسيا للقراء، سواء كانوا كبارا او صغارا، اذ يجد فيها كل واحد من هؤلاء ذلك الجانب الطريف والممتع الذي يستهويه شكلا ومضمونا. تتناول هذه الحكاية حياة صياد سمك يعيش مع زوجته عند ضفاف البحر، ويقتات على اصطياد السمك ليس الا، وقد اصطاد مرة سمكة ذهبية، ولكنها تكلمت معه وطلبت اعادتها الى الماء مقابل تحقيق امنياته ورغباته، فاطلقها واعادها الى الماء دون اي طلب، بل كان حتى متعاطفا معها، وعندما حكى كل ذلك لزوجته، طمعت تلك الزوجة وأخذت تطالبه بالعودة الى السمكة الذهبية كي يطلب منها تحقيق رغبات زوجته أكثر وأكثر، الى ان تصبح هذه الزوجة حاكمة بأمرها، ولكنها لم تكتف بذلك، بل طلبت ان تكون السمكة خادمة لها، وعندما يقول الزوج ذلك للسمكة، فان السمكة تغوص في اعماق المياه ليس الا، وهكذا يرجع الى زوجته فيراها وقد عادت الى كوخها العتيق، وتنتهي الحكاية باضاعة كل شئ نتيجة طمع هذه الزوجة، اي كما يقول المثل العربي المعروف – (طمعه قتله).

 لقد صدرت هذه الحكاية في المانيا بقلم الاخوين غريم قبل ان ينشرها بوشكين بسنوات، وقد جاءت (عند بوشكين) متوافقة من حيث المضمون العام مع النص الالماني، ولا يمكن لمربيّة بوشكين ان تحكي له هذه الحكاية ثم يبدأ بوشكين بكتابتها كما تروي المصادر الروسية حول حكايات بوشكين بشكل عام . وتشير المصادر الروسية طبعا الى ان الحدث الاساسي لهذه الحكاية يرتبط بتلك الحكاية الالمانية، ولكنها تشير ايضا الى الاجواء الروسية التي تجري بها حكاية بوشكين . لكني اطلعت مرّة على حوارمنشور بالروسية مع مدير متحف الماني حول هذا الموضوع، وكان عنوان هذا الحوار قاسيا وحادّا جدا، وجاء كما يأتي – (لقد سرق بوشكين حكاية الاخوين غريم). ولا يمكن ان نتفق مع هذا الرأي بتاتا، اذ ان صياغة بوشكين الروسية شعرا لتلك الحكاية وفي اجواء روسية بحتة، جاءت بشكل يختلف اختلافا جذريا وجوهريا عن نثر الاخوين غريم، وبالتالي، فان بوشكين لم يأخذ سوى الفكرة العامة للحكاية، وهي بالطبع ليست (سرقة!) كما أشار مدير المتحف الالماني، فليس كل من يتحدث او يكتب عن روميو وجوليت او قيس وليلى مثلا هو (سارق !). 

 

أ.د. ضياء نافع

ولد الكاتب والسياسي المعروف عبد الباقي شنان في التنومة عام 1948 حيث يملك والده الوجيه المرحوم الحاج شنان الحلفي بستانا على ساحل شط العرب ودارا لاتبعد كثيرا عن منزلنا، ومن لقبه نعرف أن الأديب الأستاذ عبد الباقي شنان ينتمي إلى عشيرة عربية أصيلة هي عشيرة الحلاف الكريمة.

  لكن الأديب عبد الباقي وإن كان يعتز بأصوله وأهله الطيبين إلا أنه يفخر أول مايفخر بثقافته وانتمائه السياسي ويفخر بالبئة التي نشأ فيها لكن من دون تعصب ولا طائفية لذلك تجد الكثير من أصدقائه من أديان مختلفة وطوائف عديدة وقوميات وأحزاب شتى.

  انضم الأستاذ عبد الباقي إلى الحزب الشيوعي منذ شبابه وتفرغ للعمل السياسي وكان شرسا في مواجهة السلطة الحاكمة واعتقل عدة مرات وقد حكى لي في أحد الأيام أن أحد المحققين في الاعتقال ضربه على صدغه في مكان خطر حيث بقي فاقدا للوعي وقتا طويلا. ومما أذكره عنه أنه حدثني أن السجن جمعه يوما بالمرحوم الأستاذ سالم نعيم الذي عرف عنه انتماؤه إلى حزب إسلامي معروف.يقول عبد الباقي سألته وقد أخبرني السجان أنهم أطلقوا سراحي وأستطيع المغادرة هل تروم أن أبلغ أهلك بشيء؟ وهذا موقف نبيل من سجين طليق السراح يغامر ويذهب إلى بيت سجين إسلامي وعبد الباقي يساري معروف وهذا إن يدل على شيء فإنما يدل على طيبة أهل التنومة الأصلاء.

  إن صراحة عبد الباقي وصدقه ونبله ونزاهته هذه الخصال فيه هي التي جعلته يبتعد عن الساحة السياسية التي عصفت باليسار واليمين والتي يرتقي فيها دائما على حساب المباديء الاانتهازيون  والمتملقون والمراوغون.

  سافر الكاتب والسياسي عبد الباقي شنان إلى عدة دول منها الاتحاد السوفيتي في دورات سياسية ثم خرج من العراق منتصف السبعينيات حيث استقر في سورية فعمل في دمشق  محررا في صحيفة الهلال الأحمر التي تصدرها منظمة التحرير الفلسطينية فكان بيته في سورية يمتاز بثلاث خصال رائعة هي:

إنه مكان لالتقاء السياسين العراقيين والعرب يتداولون فيه الأفكار ويتحدثون عن السياسية وقد يختلف عبد الباقي مع أي شخص لكنه لا يطرده من بيته قط،وهذا يدل على أخلاقه الرائعة، ثانيا كان بيته ملتقى للأدباء والكتاب والشعراء والفنانين العرب والعراقيين فتسمع في ذلك اللقاء القصيدة الجديدة والشعر الجميل والمقالة والقصة القصيرة وأحدث الآراء في الشعر وقصيدة النثر وماتنشره الصحف العربية والمجلات العالمية من آراء جديدة ينقلها من له اطلاع بالروسية والإنكلايزية والفرنسية من الحاضرين مع العلم أن هذه اللقاءات لم تكن مبرمجة في وقت معين بل كان أغلبها ليلة الجمعة وهذا لا يعني أن بقية الأيام تخلو من لقاءات بل كانت تتحقق فيها لقاءات على الدوام أيضا.          وأذكر أن أحد مدعي الشعر زار عبد الباقي يوما ما وقرأ له شعرا فقال له مارأيك فيّ، فخرج عبد الباقي من الغرفة وأجاب: أنت أشعر من في هذه الحجرة وأنا طبعا لست بداخلها!!

ثالثا: ظل بيت عبد الباقي أيضا مأوى للعراقيين ممن يضيق بهم الحال بغض النظر عن انتمائهم السياسي وقد سمعت عراقيا يوما ما يلوم آخر على عمل فعل وضيع اضطر إليه لماذا فعلت ذلك كان بإمكانك أن تذهب إلى بيت عبد الباقي إلى أن تجد عملا!

  وننتقل من عبد الباقي الإنسان المرهف  الذي يحب الخير ومساعدة الآخرين إلى الجانب الأدبي في شخصيته  فهو كاتب سياسي وروائي يكتب القصة القصيرة وقصيدة النثر، وهناك أيضا مقالاته ومتابعاته التي كان ينشرها في مجلة الهلال الأحمر الفلسطينية ومانشره في مجلة النافذة  التي كان رئيس تحريرها.

من أجمل ماقرأت إلى عبد الباقي قصتان قصيرتان عنوانهما" خيزرانة خريبط" وقصة " عبود ونخلة فريال"، وقصة خيزرانة خريبط تمثل المعتقدات الشائعة والروحية للمجتمع الريفي ونفسية الرجل العراقي كونه أبا وزوج أم وتسلطه ومعاناة الطفولة وترسم القصة بيئة التنومة الزراعية والمعتقدات والعادات وتصور كل ذلك بأسلوب غير مباشر رشيق جميل نجد له امتدادات في الأفعى والعصا والنار والطفولة فكل هذه معان جميلة لها أبعاد نفسية وفلسفية ومدلولات أممية عامة جعلت تلك القصة من القصص القصيرة المميزة.

والقصة القصيرة الثانية عنوانها" عبود ونخلة فريال" وهي قصة واقعية كتبها الأستاذ عبد الباقي بأسلوب بعيد عن المباشرة ليصوّر الصراع الطبقي. إن عبودا هو الشاعر البصري وهو من أهل التنومة أكبرنا نحن الشعراء والكتاب سنا أنه من مواليد 1945 وهو شاعر يكتب على السليقة ولا يعرف البحور،أصدر أول مجموعة شعرية عنوانها " إليك قصائدي" وفيها يقول: كيف لا أرهق نفسي كيف لا    وهي تمشي بتأن كيف لا صاح سوق الشيخ حنا حي هلا كيف لا ... وبطل قصتنا هذه عاش مأساة حقيقية فهو فقير رباه أخواله ثم دخل الجامعة فأحب فتاة أرستقراطية جميلة طويلة القوام اسمها فريال تأتي إلى الجامعة وتغادرها بسيارة فخمة.. هنايتحدث عبد الباقي عن حال عبود العاشق الفقير بأسلوب جميل رشيق: الفتاة يخطبها وزير كما يقول عبود في مجموعته الشعرية: قالوا تزوجت وزير... فيمرض عبود الشاعر وهو في السنة الثالثة فيترك الجامعة لتكون الأحداث التي مرت به محورا فيما بعد لقصة اتخذت من الصراع الطبقي محورا لها.

تحية لكاتبنا الذي يعيش الآن في كندا ويواصل عمله الأدبي بجد وإخلاص.

 

بقلم: قصي الشيخ عسكر

 

الدربونة من الدَّربْ وهو المضيق في الجبال، ويُقال "دربٌ من درُوبها"، ودروب المدينة معروفة، وفي اللهجة السامرائية يقولون "أبو دروب" أي لديه حِيَلْ وأفاعيلْ.

ودَرِبَ بالشيئ أي فرح به.

ومن جذر هذه الكلمة يمكن إشتقاق العديد من الكلمات ذات المعاني المتنوعة.

والدربونة ممر أو طريق ضيق على جانبيه تمتد البيوت والمحلات وغيرها، وموجودة في مدن العالم القديمة، وقد كان هذا الطراز العمراني منتشرا قبل إختراع السيارات التي أوجدت الشوارع.

فالدربونة لها علاقة بالبيئة وبوسائط النقل آنذاك وهي (الحصان والبغل والحمار).

وللدربونة أسماء متنوعة، ففي بلاد المغرب العربي تسمى (زنقة). وقد تجولت في عدد كبير من الزنقات في مدينة طنجة المغربية، وكل زنقة لها إسم مرتبط بشخص ( كزنقة الحاج أحمد) و (زنقة بن حسن).

 وفي سامراء نقول (دربونة البو فلان)، وكان شائعا القول (درابين وهي جمع دربونة باللهجة السامرائية)، فهناك القول (درابين البوجول، والبوبدري والبوباز) وغيرها.

ومن درابين سامراء المشهورة (دربونة البو محمد الحمد)، ومعناها الدربونة التي يسكنها أولاد محمد الحمد.

وهذه الدربونة كانت موطن الشيخ عباس محمد الحمد ومن ثم أولاده وبناته، فمعظم بيوتاتها تعود لذريته.

تذكرت تلك الدربونة لأنها كانت موطن طفولتي، وأنا أزور قرطبة وغرناطة في بلاد الأندلس، أخذوني في زيارة لحارات المدينتين القديمة، فوجدت نفسي أمشي في (درابين قرطبة وغرناطة) بطرازها العربي ، فتذكرت (الدربونة) التي ترعرت فيها.

وكلما دخلت بيتا في هذه الدرابين، تذكرت بيت جدي وبيوت دربونة البومحمد الحمد.

فالطراز العمراني يكاد يتشابه، فالإسبان حافظوا على تلك الدرابين وجعلوها معالمَ سياحية، ونحن خربناها بحجة التطور وما تطورنا، لأنحراف فهمنا للتطور.

ودربونة (البومحمد الحمد) تبدأ من (شارع الشواف) وتمضي قليلا نحو الشرق ثم تنحرف شمالا ومن ثم شرقا وتمضي في منحنى، ينتهي عند الديوان، ومن ثم تستقيم شرقا لنتهي في (باب البربخ)،  الذي يؤدي إلى الشارع المقابل لمدرسة الهادي الإبتدائية، وهناك ساحة أمام الجامع العائد للشيخ عباس محمد الحمد.

وأذكر من بيوتاتها، في بداية المنعطف الشرقي هناك دهليز يؤدي إلى بيت (حبيب المرزة)، وهو من البيوت التي تتصف بالطراز العباسي في عمرانها، وتعلو البيت هوائية تسمى (البادكير) وهي عالية وقد إتخذها اللقلق موطنا له كل موسم.

ومن ثم بيت آخر وآخر وآخر (لا أريد أن أخطئ بذكر الأسماء) ومن ثم بيت ماجد السيد مصطفى، وبجواره بيت أشرف كامل، وبيت فريد العباس وبيت كامل العباس وبيت جدي السيد مصطفى، وبيت أحمد العبدالله، ومن ثم الجامع .

وفي الجهة الجنوبية من الدربونة، هناك بيوتات أخرى في المنحنى، ومن ثم يأتي الديوان، وبيت عزت العباس وفاضل العباس، وحسن العباس،  وبيوتات أخرى (تبدأ أسماؤها ببيت أبو) تنتهي عند (باب البربخ).

وهو رابية حراسة متصلة ببوابة السور القديم، الذي تم تدميره بالكامل بموجب قرار من مديرية الآثار في أربعينيات القرن الماضي، والتي كان يديرها  ساطع الحصري، ولازالت أسباب تهديم السور غير واضحة، ولا توجد الوثائق الكافية للكتابة عن تأريخ سور سامراء.

 

وكانت معالم السور تبدو جميلة ومصانة في هذا المكان، لكنه تحول إلى موطن للنفايات والعبث والتدمير التدريجي، حتى أظنه قد إنمحق تماما.

بيوتات هذه الدربونة تتميز بطرازها العمراني العباسي الأصيل، وكان يمكنها أن تكون من الببوت التراثية، بل أن الدربونة بأكملها يمكنَ أن تكون معلما تراثيا سامرائيا، إذا قارنتها بما شاهدته في غرناطة وقرطبة وأشبيلية وغيرها من مدن العالم.

وكان بيت جدي واحدا منها، لكنه تهاوى وإندثرت معالمه وغابت تلك الملامح العمرانية الفنية التي كانت في داخله، ولا أعرف أخبار البيوت الأخرى، لكنها أما تهاوت أو في طريقها إلى الإندثار حتما، لأننا لا نعرف مهارات وخبرات الصيانة والمحافظة على الأشياء، وإنما ربما نمتلك ميلا غريبا للتدمير والتخريب، وهذه الطاقة الكامنة فينا من الأسباب الرئيسية التي لا تحقق البناء الصالح المتين، وتدفعنا إلى عدم الإخلاص في العمل.

وهذه الدربونة قد لعبت دورا مهما ومؤثرا في الحياة الإجتماعية السامرائية على مدى قرن أو يزيد، وكان الديوان هو الملتقى الإسبوعي وربما اليومي لوجهاء المدينة، فكانت الدربونة في حركة، وتفاعل إجتماعي لا يهدأ، وكأنها في مهرجان حياة يجري كالنهر الدفاق.

وقرأتُ الفاتحة على الديوان الذي وجدته محض ركام، رغم مقاومة بعض غرفه ومعالمه.

وكانت سامراء آنذك، ذات حدود معروفة، تبدأ من كهف القاطول، وتتواصل مع (شارع المحيط) الذي كان يحيط المدينة، وينتهي على مسافة من الملوية، وكان (ملعب المدينة) بعيدا، وكذلك الملوية، وكانت مدرسة المعتصم، ومدرسة المتوكل على أطراف المدينة، عدا بعض الذين تجرؤا وبنوا بيوتا في مناطق كنا نسميها نائية أو بعيدة ، والتي أصبحت في داخلها اليوم.

فمعمل أدوية سامراء تم بناؤه في هذا المكان، وكان يبدو بعيدا وخارج المدينة.

تلك دربونة فيها ملامح سامراء القديمة المعبّرة عن معالمها العباسية العمرانية المتوارثة عبر الأجيال، والتي تشير إلى بعض من مميزات الثورة العمرانية العربية التي إنطلقت من مدينة (سر من رأى)، برايتها الخفاقة العالية المتألقة الخالدة (الملوية).

تحية للدربونة التي تعلمت فيها قيم العروبة والأصالة والمعاني الإنسانية السامية، وتحية لرجالاتها الذين ألهمونا صدق المحبة والألفة والتفاعلات الإيجابية الحميدة الراجحة .

وختاما أذكر مطلعا من قصيدة شعبية سامرائية في الدربونة

" خشفنْ نحرني العصر،  براس دربونة

                             دوّرْ فشك ما لكه، صوبني بعيونة"

د. صادق السامرائي

 

 

عندما عزمتُ على تأليف كتابي (تراجم علماء المسيب)، وبدأتُ بكتابة فصوله صار لزاما عليّ أن ألتقي الحاج قاسم القسّام للحصول على سيرة والده الحجة الشيخ علي القسّام – طيب الله ثراه -، فقصدته أكثر من مرة إلى داره في مدينة المنصور ببغداد بمفردي ثم مع أصدقاء، وكان ذاك قبل سنة 1998م، ووجدت ترحيبا منه يفوق الوصف، وانعقدت بيننا أواصر صداقة حميمة ومودة أكيدة، وقد استمر التواصل بيننا منذ ذلك الحين من دون انقطاع .

ولما أكملتُ مباحث الكتاب عرضته عليه، فسرّه منهج البحث والتأليف وما ورد فيه من معلومات، وكذلك التقديم الجميل للعلامة السيد محمد الحسين آل بحر العلوم له، وكانت سيرة الشيخ القسّام هي الأوسع في الكتاب نظرا لما زودني به الحاج قاسم من معلومات وفيرة وقيمة ووثائق مهمة، بل ومخطوطة كتاب من مؤلفات والده الشيخ حمل عنوان (كتاب الدرتين في سيرة السيد إبراهيم المجاب وابنه أحمد)، وقد حققته وأصدرته في طبعة خاصة في حينها .

وعانيتُ من صعوبة طبع ونشر الكتاب (تراجم علماء المسيب) آنذاك بسبب الموقف المعادي للسلطة من هكذا مؤلفات، فعرض عليّ الحاج قاسم القسّام  طبع مجموعة نسخ منه بصورة سرية وبعيدا عن أعين السلطة ودوائرها الرقابية ليحتفظ هو بالعدد الأكبر منها، ويترك لي حرية توزيع البقية على المعنيين والثقاة، فوافقت على ذلك مباشرة، وحددنا موعدا للقيام بهذه العملية التي لم تكن تخلو من المجازفة والخطورة .

كان موعدنا يوم الجمعة من أحد أشهر فصل الصيف القائظ سنة 1998م، وذهبت إليه مبكرا، واصطحبني إلى الشارع المؤدي إلى جامعة بغداد في باب المعظم، ولما وصلنا المكان المقصود أخرج مفتاحاً وفتح باب قاعة ليست بالصغيرة لمكتب طباعة، ثم أغلقه خلفنا بعد دخلونا، وبدأ بالطبع أو الاستنساخ على وجه الدقة بعد أن هيأت له نسخة الأصل، وهي مطبوعة بعناية وسرية أيضاً في مكتب يعود لأحد الأصدقاء في بغداد، وقد بذل الحاج قاسم جهدا كبيرا في الطبع، وتجميع الأوراق وترتيبها وكبسها، وبدا لي أن لديه خبرة وممارسة في هذا الجانب الذي كنت أجهله تماما ؛ وبعد الانتهاء سلمني ما أحتاجه من تلك النسخ، واحتفظ بالعدد الأكبر عنده كي يوزعه على الأقارب والأصدقاء كما أخبرني، وأقام لي بهذه المناسبة وليمة غداء باذخة لم أفلح في الاعتذار منه والإفلات منها، وقد ودعني بهدية ثمينة وهو كيس أنيق ملأه بمجموعة نفيسة من قوارير العطر الشذية، وكأني الآن مازلت أشم رائحتها الذكية وعطر أخلاق وطيبة ونبل صاحبها .

كان في نيتي تحقيق كتاب والده الشيخ القسام طاب ثراه (السفر المطيب في تاريخ مدينة المسيب)، فأخبرته بذلك في إحدى زياراتي له، فقال إنه أيضا فكر في القيام بذلك، ولكنه لم يبدأ به بعد، وقام مجلسه وأحضر نسختين جديدتين من (السفر المطيب)، وقبل أن يقدمهما لي كتب على الأولى إهداءه لي نيابة عن والده الراحل، والثانية سلمها لي قائلا : وهذه نسخة أخرى لتعمل عليها في التحقيق لأنك أولى به، وشجعني كثيرا على إنجاز هذا التحقيق، وقد تأخرتُ إكماله للأسف الشديد  لظروف قاهرة، ولكنني أتممته على كل حال، وأخبرته بذلك، ولكني لم أخبره بما تضمنته كلمة الإهداء التي كتبتها على صفحته الأولى وهي :

(إلى الروح الطاهرة لمؤلف الكتاب

حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي القسام – طيب الله ثراه – إحياءً لذكره ووفاءً لجهده ..

وإلى نجله الرجل النبيل

الدكتور قاسم القسام

محبة وإخلاصا وتقديرا

المحقق).

وطبعت كمية محدودة منه بمساعدة الصديق الدكتور عبد الرضا عوض، وأرسلت له مجموعة من نسخه .

بعد ذلك لم ينقطع التواصل بيننا، فكان الهاتف الوسيلة الدائمة للحديث بيننا، إذ كنت أزوره في داره المعمورة بين مدة وأخرى، وكان يفرح جدا بزيارتي، ويمتعني بأحاديث جميلة عن الكتب والعلماء وأخبارهما، وفي لقاءاتنا الأولى حدثني عن سيرة والده مفصلا لحاجتي لها في كتابي الذي قصدته من أجله، وكان من الملازمين له والقائمين على خدمته حتى وفاته رحمه الله، وقد سألته مرة : لم أرك في المسيب مرة وكأنك غير موجود فيها ؟ قال إنه حرص على عدم الخروج من البيت حفاظا على سمعة والده، وكي لا يقال ابن الشيخ القسام عالم المدينة شوهد متمشياً في الشوارع أو جليسا في المقاهي!!

ومما حدثني به أنه حافظ على مكتبة بعد وفاة والده رحمه الله وانتقالها له، وقال أنه في بداية الثمانينيات قلع باب غرفة المكتبة داره، وقام ببنائها خوفا عليها من حملات التفتيش التي كانت تشنها السلطة يومذاك على من تفترض معارضتهم لها !! وكانت مكتبة الشيخ القسام من المكتبات المعدودة في مدينة المسيب على الرغم من أن الرجل تبرع لمكتبة الثقافة الإسلامية التي افتتحها سنة 1961م في بناية تجاور جامع السعداوي (الفرات سابقا) بعدد غير قليل منها ..

وأعلمني الحاج قاسم عن مواصلته الدراسة بعد تقاعده عن العمل في معهد إعداد المعلمين حبا في العلم، ونقل لي نقاشه مع لجنة السلامة الفكرية عند مراجعتها لرسالته، إذ طلبوا منه ومن طلبة الدراسات العليا كافة ممن لديهم بحوث ورسائل وأطاريح تغيير مصطلح (الفتوحات) إلى (تحرير)، فيغير مصطلح (فتح العراق) مثلا إلى (تحرير العراق)، وكان رأيه أن هذا لا يصح فكلمة (فتح) و(فتوحات) وردت في أمات المصادر القديمة والمراجع الحديثة، وقد أحرجهم بقوله : وهل يصح أن نغير (فتح مكة) إلى (تحرير مكة) ؟!

حملت رسالته للماجستير عنوان (المصطلحات الاقتصادية الإسلامية حتى نهاية العصر الأموي ؛ في كتب التاريخ والتراث) وكانت بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الأمير دكسن الذي طالما حدثني عن علمه وفضله، وقد طبعت فيما بعد وصدرت في كتاب .

في أحد معارض الكتب الدولية في مدينة النجف الأشرف قبل سنوات التقيت مرة الحاج قاسم، ومعه شاب قدمه لي بأنه شقيقته المقيمة في إحدى الدول الإسكندنافية، وقال إنه مشرف على (موقع آل القسام) الالكتروني الذي تبنى تأسيسه وتحمل كلفته، واقترح عليّ الإطلاع عليه والتواصل معه، وهو ما حدث .

اعتدت كل عيد أن اتصل به هاتفيا للتهنئة، وأحيانا كان يسبقني بذلك، كما كانت لي اتصالات هاتفية أخرى للاطمئنان على صحته أو الاستفسار منه عن شيء، وكنت ألحظ سروره بذلك مما يشجعني على الاستمرار، كما كانت لنا لقاءات بعض أيام الجمع قبل سنة 2003م في المكتبة العصرية مع صاحبها وهو صديقنا المشترك الدكتور أياد القاموسي، وقد ننتقل منها معا إلى مقهى الشابندر لتكملة أحاديثنا المتنوعة .

قبل انتكاسته الصحية الأخيرة، وكان قد عاد من رحلة علاجية في إيران قررت زيارته، فقصدته يوم السبت 27 حزيران 2015م، ولما وصلت مدينة المنصور اتصلت به هاتفيا لأعرف الطريق السالك لداره إذ هناك شوارع مغلقة، فما كان منه إلا أن يحمل نفسه على تعبها ليخرج في استقبالي إلى الشارع العام، ولم تجدي معه توسلاتي كلها للبقاء في الدار خوفا على صحته، وقد عانقني بفرح ولهفة، ولكني شعرت والألم يعتصرني بما يعانيه من مشاكل في التنفس .

كانت هذا  هو لقائي الأخير به، وقد استغرق جلوسي عنده أكثر من ساعة ولكن شعرت كأنها لحظات قليلة لسعادتي بلقائه وحلاوة الحديث معه، في هذا اللقاء أهداني أربع نسخ من كتابه الصادر حديثا (المصطلحات الاقتصادية الإسلامية) واحدة خصصها لي والبقية لعدد من أصدقائه في المسيب والحلة وهم الشيخ عبد الأمير النجار والدكتور ظاهر الشمري، والدكتور عبد الرضا عوض، ونسخة من مجلة (الأرشيف)، وله نشر فيها عن سيرة والده الراحل، وسلمني نسخة مصور لأصل مخطوطة لكتاب (السفر المطيب في تاريخ مدينة المسيب)، وكنت قد أعلمته برغبتي في إصدار طبعة جديدة للكتاب، ولما نهضت لتوديعه مضى مسرعا ليحضر هدية ثمينة كما اعتاد في أغلب الزيارات مما يحرجني ويخجلني، بل بلغ فرحة درجة أن نفح السائق الذي حملني إليه مبلغا ليس بالقليل شكرا لنقله لي وفرحه بهذا القدوم واللقاء، وعدت منه وفي قلبي خشية أن لا نلتقي ثانية لما رأيت من تدهور حالته الصحية، وهو ما كان .

بعد عودتي من هذه الزيارة بقيت على اتصال دائم معه لتفقد حالته الصحية، وبعد عدة اتصالات، لم أعد أسمع ردا منه، وكررت ذلك مرات ولأكثر من أسبوعين، فاتصلت بابنه الأصغر علي للاستفسار منه، فأخبرنه أن والده بحالة حرجة جدا في طهران، وقد عاد قبل يوم منه، وذهب أخوه الأكبر ثائرا بدلا منه، ولم تمر سوى بضعة أيام حتى فجعت بقراءة نعيه يوم 20 شباط 2016م على موقع أسرته، وقد جاء فيه :

(تنعى عشيرة القسام الخفاجية فقيدها الراحل وابنها البار الوفي ابن النجف الأشرف وأحد أعلامها المرحوم الدكتور قاسم ابن المرحوم العلامة حجة الإسلام الشيخ علي القسام الذي وافاه الأجل ظهر هذا اليوم في أحد مستشفيات طهران في رحلة العلاج أثر مرض عضال وسيصل جثمانه إلى أرض الوطن ليوارى الثرى في مدينة النجف الأشرف، وسيقام مجلس الفاتحة في المدينة التي نشأ وتعلم فيها، وظل وفيا وعاشقا لها ولرمزها ولأهلها... رحم الله أبا ثائر فقد كان عارفا مجربا ومحبا للجميع، وقام بتأسيس هذا الموقع على نفقته ليبقى رمزا لتراث وأسرة آل القسام ... إنا لله وإنا إليه راجعون ... الفاتحة).

وشعرت بألم شديد يعصرني لرحيل هذا الإنسان الطيب، فنشرت على صفحتي الفيسبوكية نعيا له قلت فيه :

(قاسم القسام وداعا

توفي في أحد مستشفيات طهران حيث كان يتلقى العلاج يوم السبت 20 شباط 2016م الدكتور قاسم ابن العلامة الحجة الشيخ علي القسام، وقد وصل جثمانه إلى النجف الأشرف يوم الاثنين 22 شباط 2016م، فشيع من جامع الطوسي إلى مثواه الأخيرة في مقبرة الأسرة بوادي السلام، وأقيم على روحه الطاهرة مجلس فاتحة في جامع السيد حيدر الكليدار في حي المثنى بمدينة النجف الأشرف، والفقيد من مواليد النجف سنة 1944م، وقد نشأ وترعرع في أسرة علمية ودينية معروفة، وأكمل تعليمه العالي، وكان باحثا ومتابعا دؤوبا، وقد طبع رسالته العلمية).

وبنفس مكلومة ودموع حزينة حضرت مع الشيخ عبد الأمير النجار والحاج فارس عباس الحمداني والحاج سعد مرزة السعدي مساء يوم الثلاثاء 23 شباط 2016م مجلس الفاتحة المقام على الروح الطاهرة للراحل الغالي قاسم القسام في جامع السيد حيدر الكليدار بحي المثني في النجف الأشرف، وقدمنا التعازي باسمنا وباسم أهالي مدينة المسيب لأل القسام الكرام وعائلة الفقيد وخاصة ولديه الدكتور ثائر والأستاذ علي اللذين عانقاني وهما يذكرانني بتلك العلاقة الطيبة التي جمعت بيني وبين والدهم الفقيد، ولم أتمالك نفسي فسالت دموعنا معا وأنا استمع لولده الدكتور ثائر وهو يردد باكيا (كان والدي يحبك جدا، ويذكرك دائما ..).

 

جواد عبد الكاظم محسن

قبل ان تندلع الحرب الاهلية المدمرة في لبنان كنت قد حزمت حقائبي لزيارة العاصمة بيروت، لان شهرتها في الجمال قد ذاعت كثيرا، وانها كانت مصيفا للنخبة وأصحاب الأموال ولكن الحرب الاهلية أجلت تلك الرحلة لسنوات طويلة جدا حتى شاءت الاقدار ان اختار الخطوط اللبنانية للسفر من لندن الى بغداد عبر بيروت، وقررت ان اكسر ذلك الجمود الطويل واتوقف لمدة ثلاثة أيام لدى العودة الى لندن، ولكن التوقف الطويل الذي امتد لثمان ساعات في مطار بيروت حفز بعض الذكريات عن لبنان واثارها وبدأت استرجع بعض ما علق في الذاكرة عن لبنان من معلومات عامة.

ما كنت اعرف من لبنان سوى الحمراء وصخرة الروشة وطباعة الكتب ودور النشر وسهل البقاع والجنوب وحزب الله والاكلات اللبنانية وغيرها، وهذه التي علقت في الاذهان تشبه ما علق في ذهني عن بريطانيا منذ الصغر كالريف الإنجليزي ومدن برمنغهام ومانشستر واكسفورد ومطار هيثرو وغيرها من الأسماء التي كانت رؤيتها مجرد حلم مستحيل ولكنه مع الأيام تحقق ولم يعد يعني لي شيئا لكثرة ما سافرت من مطار هيثرو ذهابا ومجيئا ومن مطارات أخرى محسوبة على لندن مثل مطار ستانستيد وكاتويك ولوتن، وقد سافرت عدة مرات الى سوريا قبل ان يطالها الاحداث المؤسفة هي الأخرى وكانت ملاذا آمنا للعراقيين، وسوريا التي تجاور لبنان تتشابهان ولكن لبنان لها خصائص فريدة تميزها عن البلدان المحيطة بها.

عندما كانت بيروت تحترق بيد ابناءها كانت سوريا آمنة وتوالت الأيام ليصير العكس تماما، فسوريا صارت تعاني من انعدام الامن ولبنان صارت تنعم بالهدوء النسبي.

قضيت ثمان ساعات من ليل بيروت في قاعة الترانزيت ذات الحركة الخفيفة حيث ان جميلات السوق الحرة أكثر من الزبائن ولا أدرى كيف تحقق هذه الأسواق الربح المادي، لا أدرى، والسوق الحرة في مطار بيروت يختلف كما ونوعا عن السوق الحرة التابعة لمطار هيثرو حيث الفخامة والضخامة والتنوع. ان التجول في قسم العطور الباريسية الفاخرة في أي سوق حرة تعطي إحساسا بالمتعة وفرصة لتجربة الكثير من العطور حيث توضع امام كل مجموعة قارورة للتجربة والرش المجاني.

عندما كنا صغارا كنا نذهب الى السينما في الأعياد فقط، وكانت الأفلام في تلك الحقبة هي أفلام هندية او عربية استعراضية وقد ظل فيلم لبنان في الليل يعرض على شاشة سينما اطلس بمدينة كركوك لأشهر طويلة وكذلك الحال لفيلم (مرحبا أيها الحب) وهو الاخر فيلم لبناني استعراضي غير هادف ولكنه جميل ومثير لكثرة المطربين العرب المشهورين الذين شاركوا فيه، وكنا في ذلك العهد نطرب لكل شيء فكيف لو تطل المطربة الأردنية المعروفة بابتسامتها الساحرة وغمزاتها المثيرة سميرة توفيق وهي بملابسها البدوية تغني: بلّه صبوها القهوة وزيدوها هيل صبوها للنشامى ع ظهور الخيل

وكيف لو اطل المطرب العراقي المعروف رضا علي بمواويله واغانيه وهو ينشد:

طلعت برا البراري رحت اودعهم

شفت المراكب سرت والروج دافعهم

ناديت رب العرش قلت بلكت يرجعهم

او المطربة اللبنانية نجاح سلام ذات الأداء الراقص وهي تغني: يا ريم وادي ثقيف وهيام يونس وغيرها من الأسماء اللامعة ولا سيما المطرب الفريد في أدائه فهد بلان وهو يغني بصوته الرجولي وقامته الطويلة:

واشرح لها عن حالاتي / روحي عليل لأجلها / رح يا طبيب لأرضها / سلملي عل يحبها

وطوال الثمان ساعات التي قضيتها في المطار حيث لم استطع النوم لدقيقة واحدة ازعجتني بعض النداءات التي كانت تذاع عن طريق مكبرات الصوت أقول ازعجتني لأنها كانت بلا معنى، منها اعلان عديم المعنى وهو (يرجى من المسافرين الحضور الى المطار قبل موعد الرحلة بثلاث ساعات) ولا ادري من يستفيد من هذا التوجيه والاحرى ان يبلغ المسافر هذا الإعلان حال استلام تذاكر السفر وليس عند الوصول الى المطار، والاعلان الاخر هو( يمنع التدخين في المطار منعا باتا) والصحيح ان يقال يمنع التدخين في صالات المطار الا في الأماكن المخصصة لأني وجدت هناك أماكن مخصصة للتدخين والمدخنين.

وعندما اهتديت الى مسجد المطار استبشرت خيرا وقلت سأنام قليلا ولكن النوم ابى ان يداعب معاقد الاجفان تماما، ولكن أسعدني ذلك المسجد الذي يشبه مساجد المطارات الأخرى فهي صغيرة في المساحة وبسيطة في المظهر الا انها حميمية للغاية اذ لا تجد فرقا بين المسلمين هناك فيصلي الشيعي مع السني في مكان واحد بلا أي حساسية وحزازات.

ومع ساعات الفجر الأولى وطلوع الشمس رأيت بيروت في أحضان الجبال المسكونة بالعمارات السكنية، وجميل ان يرى الانسان مدينة تصحو من نومها فوجدتها جميلة ساحرة محفزة ولم يبق سوى انقضاء الوقت وحلول موعد العودة لأتوقف في بيروت لثلاثة أيام اكتشف خلالها معالم المدينة عن قرب.

 

حسين أبو سعود

 

بعد فراره من العراق عام 1978، برفقة الشاعر عبد الكريم كاصد عبر صحراء البادية الجنوبية العراقية، بقي الشاعر (مهدي محمد علي) طوال سنوات المنافي، يعيش حياته في البصرة، التي سكنته عبر الذاكرة، وكأنه لم يغادرها طوال تلك السنوات، وذهب إلى وضع البصرة في نهاية جميع ما كتبه، مثلاً:" البصرة- الكويت، البصرة - عدن، البصرة - موسكو، البصرة - حلب، الخ"، وكانت البصرة هي المكان الذي يلوذ به في حياته خارجها، وقرر أن يحملها معه مهما تتبدل المنافي والبلدان، بكل أحوالها وتحولاتها، موذلك يستلزم حفظها في كتاب، موباشر برسمه بالكلمات، فرسمها كما رآها وعايش ناسها وأماكنها من عمر الخامسة حتى الخامسة عشرة. وكتب عنها كتابه (البصرة..جنة البستان). وهو كتاب استذكاري.. ورؤى وأخيلة طفل، لواقع مدينته في بداية خمسينيات القرن العشرين. وقد استغرق منه ثلاث سنوات، بدأ فيها من عام 1982 بعد أن تأكدت حالة النفي وحين استشرف المستقبل، ورأى انه لن يعود إلى مدينته إلا بعد سنين طويلة، وربما لن يعود أبداً، موحتى وإن عاد، فهو لن يعود مطلقاً، إلى بصرة الطفولة والصِبا، لأنها بدأت تتثلم منذ إزالة (الطاق) في (العشار) ومبنى (البنك العربي) وساعة (سورين)، وتغير ملامح ساحة (أم البروم) و(كورنيش) شط العرب، وكذلك مقهى بعض مثقفي المدينة، مويطلق عليه شعبياً بـ(الدكة)، فبدأ بتأكيد بعض الصور من أخيلته عن (بصرته) الغائبة عنه واقعاً والكامنة في ذاكرته الحية المتوقدة. يذكر الشاعر عبد الكريم كاصد: "حين كنا في سوريا، هاربين من النظام، نعيش متجاورين، مهدي وأنا، كان هو مشغولاً بمشروعه، وهذا الكتاب من أجمل الكتب التي صدرت في المنفى. قرأه الكثيرون: مهندسون، أطباء، عمال، طلاب، وتم تهريبه إلى العراق آنذاك، ولكنه للأسف لم يجد أي صدىً، في الجو الثقافي العراقي - العربي الصدئ". حاول بعض الباحثين بعد سنوات على صدور كتاب (مهدي) إيجاد (تناص أو تواصل) ما بين" بصريثا..صورة مدينة" للقاص " محمد خضير" الصادر عام 1993/ منشورات الامد"، واغلبها مقالات نشرها الأستاذ "محمد خضير" بين الأعوام 1987- 1990، في صحف ومجلات عراقية، مو" البصرة ..جنة البستان" الذي صدر زمنياً قبل كتاب الأستاذ محمد خضير. إلا أن ذلك لم يكن دقيقاً وصائباً، إذ أن كتاب "بصرياثا" قد عمل فيه القاص"محمد خضير"على طبقات عدة من أنواع السرد والرؤى متعددة الأشكال والمضامين، موظفاً قدراته السردية - الفنية للحفر في تاريخ المدينة، ومتابعة اندثارها، وتجددها المتواصل، والميثلوجيا التي اتسمت بها، وسطوة سنوات حرب العقد الثمانيني عليها، والذي تحولت فيه إلى مسرحٍ قاسٍ وضارٍ للحرب. إضافة إلى أن: "بصرياثا.. كتاب محير في طبيعة تصنيفه، فهو ليس من جنس القص، أو السرد المحض، ولا هو بكتاب مذكرات، أو سيرة..انه صورة مدينة، فيها مما ورد، ومما لم يرد في التوصيفات السابقة شيء كثير..وتمنح الاستعارة، بما تملك من قوة المجاز لغة الأستاذ (خضير) شعرية لا يمكن تجاهلها، وهي تجسم النثر، وتجسده، ومن الجماليات المؤثرة في (بصرياثا)، التضاد الذي يأخذ بعداً دلالياً يمنح التشكيل النثري متسعاً من المطابقة التي تبرز الشيء ونقيضه، مما يجعله يؤشر على: خرائط مواقع، آبار، وغدران وبرك ووديان واكمات وجبال، ومراع، ومواطن قبائل تعوزها قدرة تخيل البرق عند بدوي يفرز السحابة الممطرة (المزنة) عن شبيهتها الكاذبة" ( د. فاضل عبود التميمي). كما عد بعض الكتاب (البصرة جنة البستان) من أدب السيرة التي تغدو مدينة الكاتب جزءاً من حياة كاتبها، وفي حالات كثيرة تصير المدينة هي الهدف من كتابة السيرة، وتجيء من خلالها سيرة الكاتب كفرد من الأفراد الذين عاشوا في تلك المدينة، ذلك ما عرفناه في سيرة الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف في كتابه" داغستان بلدي" و" الطريق إلى غريكو" لنيكوس كازنتزاكي". " البصرة.. جنة البستان- سيرة نثرية" رؤيا وأخيلة طفل، لواقع مدينته في بداية العقد الخمسيني، خاصة بالنسبة للمنفي، إذ يتأكد جوهر الحنين للوطن عبر الحنين للطفولة والصبا وما تأسس عليهما، والوطن هو الأشياء والأحياء وما اكتنفهما من حوادث ومسارات، الوطن هو البيوت، والدروب، وما فيها، هو الإنسان والحيوان والماء والشجر، ولكن الإنسان هو العنصر الفعال في كل ذلك، وهو في الوقت ذاته العنصر المنفعل بكل ذلك، أن ثمّة فرقاً بين مكان الوطن وزمانه من جهة، ومكان المنفى وزمانه من جهة ثانية، فالأول منجز قد توقف ظاهرياً، والثاني مفتوح يأتي بالمتوقع وغير المتوقع، ويظل الوطن يتناسل في الروح، ويستعاد مرات ومرات، بسبب انفتاح المنفى، وربما - أحياناً - بسبب انغلاقه وغموضه، وفي كلا الحالين يظل الوطن يمور ويتناسل، ولكن الأمر يختلف من مبدع إلى آخر، فمدينة البصرة ..جنة البستان بالنسبة لـ (مهدي) بضوئها وعتمتها كائنة في النصّ حتى وان لم يتضمن ذلك النص النخلة والبلم، أو شط العرب وجداول البساتين، مولقلق المئذنة أو الغراب الذي يسرق (الصابونة) من أرض (الحوش) ويمضي بها إلى السماء. ثمة في المنفى ما يرسخ الوطن - البصرة - البيت - الجدار - الغرفة - المنضدة - نافذة الشناشيل، فكلما أوغل المنفي في الغربة أوغل في الوطن. و"البصرة.. جنة البستان" هوالمزج بين الاستذكارات النثرية المطعمة بشيء من الشعر للكشف عن تصورات وأخيلة ذلك الطفل الذي يجلس في أعلى شجرة (التكي) ليتذوقها ويمسك بيديه صغار( البلابل) ولحمها الطري، ليستحوذ عليها، ثم وفي حالة من تجلي الطفولة الرقيقة، يرق لصراخ أمها، التي تحوم حوله، فيتركها دون أذى، كما انه وعي الطفل وذاكرته الحادة جداً والتي تحتفظ بسمات مدينته.. ومع انه في المنفى لأكثر من أربعة عقود إلا انه يتفحص قصص مَن عايشهم فيها ومنهم أمه موإخوته وأخواته وجيرانه وأصحاب طفولته، من الذكور والإناث، وحتى أصوات بائعي الصمون الحار والقيمر صباحاً، وكذلك يؤرخ لصوت (البلبل) الذي كانت تبدأ (دار الإذاعة العراقية الملكية) بثها الصباحي بإشارته، والذي يختفي فجر 14 تموز 1958، الذي فتح أشياء كثيرة مومتعددة من السعادات، والهناءات، ومختلف أنواع التحولات والحراكات الاجتماعية، موالتي لا عهد أو تراث للعراقيين بها .

 

.....................

*لمناسبة مهرجان المربد الشعري الثالث عشر البصرة 1 - 4 - شباط -2017 - دورة الشاعر مهدي محمد علي - المحتفى به الأستاذ الدكتور الناقد شجاع العاني وإسهاماته في النقد العراقي.

بمناسبة تكريمه في برلمان ولاية نيو ساوث ويلز  من قبل جمعية إنماء الشعر برئاسة د. بهية أبو حمد

 الموسيقار مجدي فؤاد بولس مبدع وعظيم من مصر. انعم الله عليه بأنامل ماسية ولامسهم بنوره الطاهر ثم صقل في روحه الإبداع فغدا قيمة فنية لا مثيل لها.

اجل- انه قيمة فنية عظيمة ونادرة - لم ولن تتكرر.

انه الإبداع النادر الذي حلق آلى ألافق وارتقى الى عالم المجد .

انه الموسيقى الحالمة التي تنساب في روح كل فرد لتزهر وردة جورية تطرب الخالق.

انه اللحن الشجي الذي يغرد مع ملائكة الجنة ليرنم صلاة ويدغدغ حنانا في روح المؤمنين .

انه النور الساطع الذي ينعش وجه الخالق ويغدق عليه بريقا مميزا ينساب شجوا وطربا مع طيور الجنة.

انه المايسترو الذي أعطى للموسيقى معنى اخر ورونقا شجيا يطرب الملائكة ويغرد زهوا بين جدران الكنائس  .

انه الموسيقار الذي أشرق عزفه على ألة التشيلو في كل مسرح ، ومنزل، وشارع، وروح العاشقين ، فلمع اسمه وارتقى الى المجد، وزاد عزفه اشراقا وإبداعا. فغردت مصر ابتهاجا وفخرا. 

انه المايسترو الذي اظهر إبداعا فريدا ومهارة نادرة بالعزف على آلات موسيقية اخرى فانحنت له الموسيقى اجلالا وتبجيلا .

أيها الموسيقار الكبير

كم نحن فخورين بك وبفنك وبادائك النادر والفريد من نوعه.

انت هدية قيمة لنا من الخالق .

 انت مبارك بنور المسيح وببركة روح القدس .

اجل انك معجزة العصر التي لن تتكرر .

انت فخر مصر وكنز من كنوز العام.

حماك الله في كل حين وأعطاك العمر المديد .

دمت للفن عنوانا وللموسيقى لحنا مبدعا وفريدا.

 

د. بهية أبو حمد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3- الصلاة والبكاء لمكافحة الغلاء والفيضانات: ظهر تفاوت كبير بين مستوى العيش عند الطبقات الدنيا من العامة في بغداد العباسية والمدن الكبرى الأخرى وبين طبقات الخاصة والمترفين، وكان ظهور الإقطاع في العهد البويهي - لم ينتشر ويترسخ هذا النمط الإقطاعي ويسود على حساب النمط المشاعي  راسخ الجذور في أرض السواد خصوصاً،  وانقرض بانقراض دولة بني العباس، ولكن البريطانيين فرضوه فرضا  بعد احتلالهم للعراق في بداية القرن العشرين - حين  تقرر إعطاء الجند الإقطاعيات بدل الرواتب ما أدى إلى وضع إمكانات البلاد الزراعية والاقتصادية بأيدي الجند الترك والديلم فتدهور الوضع الاقتصادي في العراق بعامة واصيب النظام النقدي والمالي بالركود وضعفت الفعاليات الصيرفية في عهد الدولة " الوزارة" البويهية. وحدثت موجات غلاء فبلغ سعر كر القمح سنة 358 في بغداد 90 دينارا ذهبا وكان الدينار بسعر 15 درهما (الكر مكيال عراقي انقرض يساوي 40 أردبا والأردب 80 كغم تقريبا .ع ل). ولكن موجات الغلاء كانت تحدث حتى في عهود الازدهار ففي عهد الرشيد وقع الغلاء بسبب غرق السواد ( جنوب ووسط العراق) وبغداد بالفيضان فأمر رجالُ الدين الناسَ بالإكثار من الصلاة والبكاء وكسر آلات الطرب كما يخبرنا الابشيهي في " المستطرف"، ولكن جمهور الفقراء فضل حلاً آخر هو الانضمام إلى حركات المعارضة المسلحة السرية المعادية للدولة كحركة القرامطة وغيرها، أما  الأعراب والبدو في الصحراء العراقية فراحوا  يصولون ويجولون ويهاجمون قرى وبلدات السواد وضواحي بغداد. وقد اتخذ المقتدر اجراءات استثنائية لمعالجة أزمة الغلاء ومنها التسعير الرسمي للمواد الغذائية خوفا من انتفاض  العامة ضده ثم تراجع جزئيا  وأطلق حرية تجارة القمح، كما لجأت الدولة في النصف الثاني من القرن الرابع الى تحديد سعر موحد ورسمي  للخبز خاص بالفقراء هو ثمانية أرطال بدرهم وتركت السعر حرا لسائر الفئات والطبقات الأخرى.

وكانت السلطات تساهم في الاحتكار ورفع الأسعار بفرض الضرائب العينية على الفلاحين، وإرغامهم على بيع انتاجهم بأسعار منخفضة للتجار بالتواطؤ مع هؤلاء التجار وقد بلغت الضرائب في عهد البريدي سبعين درهما. كان أعضاء الأسرة العباسية ورجال السلطة يخزنون الحبوب في بيوتهم ومخازنهم  ويحتكرونها  لرفع سعرها، وكان الخليفة يتدخل أحيانا فيأمرهم ببيعها في السوق بأسعار معتدلة.  واختلفت أسعار اللحوم من مكان إلى آخر في العراق العباسي ففي حين كان سعر الجدي في البصرة عشرة دراهم وفي الأهواز المجاورة درهمين كان سعره في بغداد أكثر من ذلك بكثير وكان ثمن وجبة لحم مشوي لشخصين في بغداد بعشرين درهما، في حين كانت ملابس شَيْخ الإِسْلاَم الإِمَام الحَافِظ العَالِم أَبي الحَارِثِ اللَّيْثُ بنُ سَعْدِ القَلْقَشَنْدَي تساوي عشرين ألف درهم!

 أما الفقيه أبو يوسف القاضي (أحد تلامذة الإمام أبي حنيفة النعمان ونديم الخليفة الرشيد. ع ل) فقد كان في جملة كسوته مائتا سروال خزٍّ بتكك أرمنية (الخز: قماش ينسج من الحرير الخالص فقط "الإبريسم"  أو من خليط من الحرير والصوف وهو الكشمير في عصرنا. والتكك أحزمة وأربطة  مطاطية اشتهرت الأرمنية منها وكانت الواحدة منها تباع في بغداد  العباسية بسعر يتراوح بين دينار وعشرة دنانير. ع ل).

4- أصول الخمط بالتضمين: ولكي نقارب مستوى الغنى الفاحش عهد ذاك "حوالي القرنين الثاني و الثالث الهجريين"، نعلم، مثلا،  أن الثري يعقوب بن الليث الصفاري ترك في بيت ماله بعد موته خمسين مليون درهم ومليون دينار، وتلك كانت ثروة هائلة آنذاك. وكان الخلفاء يوزعون الخدمات العامة كالبريد وضرائب الخراج وغيره بطريقة التضمين " الضمان" والاحتكار وهذه النظام الاستثماري ما يزال قائما في العراق حتى اليوم وخصوصا في تضمين "علوات = أسواق" الخضار والسمك والحمامات من  أملاك الأوقاف أو البلديات...الخ. وقد كرس ضعف الدولة نظام "التضمين"  إذ لجأ الكثير من الولاة والقادة إلى ضمان الأراضي من الخليفة (المالك الفعلي لخيرات البلدان وخصوصا العراق الذي كان يوصف ببستان قريش وبلاد فارس وارمينيا وإذربيجان  وأفريقية "تونس الحالية" وبلاد المغرب...الخ ) فيوافق الخليفة على إقرارهم على ما تضمنوا وكان ما يقدمه الولاة أقل بكثير من خراج ما يستولون عليه ففي سنة 296 هـ ضمن ابن أبي الساج أرمينيا وإذربيجان مقابل 120 ألف دينار أي ما يعادل عشر دخلها تقريبا والذي بلغ في عهد المأمون 17 مليون درهم. وكان العسكريون يحصلون على أرباح طائلة من المدنيين. ويذكر ابن الجوزي أن الوزير حامد بن العباس (قاتل الشهيد الحلاج) أهدى بستاناً بعد أن أنفق عليه ألف دينار ذهبي.

وفي حين تذكر مصادر التراث (كقوت القلوب لأبي طالب المكي مثلا) أن النبي العربي الكريم اشترى ثوبا بأربعة دراهم وسراويل بثلاثة دراهم وقومت ثياب التابعي سفيان الثوري ونعلاه بدرهم وأربعة دوانيق فأن ما حدث لاحقا أي القرن الثالث الهجري كان عجيبا: يروى أن  كساء الطبري كان يساوي 400 أربعمائة درهم، وسُرِقَ ثوبان لمحمد بن طاهر قيمتهما 1500 ألف وخمسمائة دينار ذهب، وكان ثمن كفن الخليفة المعتضد 16 قيرطا ذهبا... يتبع،  عن مظاهر الصراع الطبقي  سراويل الخز قريبا.

الصورة : تمثال برونزي نادر جدا للخليفة العباسي هارون الرشيد وهو عبارة عن قطعة شطرنج، عثر عليه في إقليم خراسان ويعود – كما يرجح كاتب النص الفرنسي الذي احتوى هذه الصورة وقد عثرت عليها مصادفة خلال بحثي عن صور من ذلك العهد - يعود لسنة 850 ميلادي تقريبا (توفي الرشيد في 805 م) وهو بأبعاد 8.6 × 3.4 سنتمتر نص باللغة الفرنسية في خلال بحثي عن صور من ذلك العهد. يصف الكاتب  التمثال كالتالي: يرتدي - الخليفة الرشيد - عمامة كبيرة الحجم إلى حد بعيد، بوجه ملتحي، يرتدي رداء طويلا يغطي ذراعيه  إلى المعصمين . وقد ثنى يديه على ركبتيه في هيئة المفكر. يتميز لباسه بكثرة الطيات والثنيات على الجزء الخلفي وتزين عمامته شراشيب وخطوط  تتمركز حول القمة. التمثال مصبوب من البرونز  في جزأين وهو يُعلق حول محيط الكتلة أو الجسم  من الأمام. داخل التمثال أجوف. المؤسف أن الكاتب لم يذكر مكان وجود هذا التمثال في الوقت الحاضر وأرجح ان يكون موجودا في متحف اللوفر.

 

علاء اللامي

مكسيم غوركي Maksim Gorky 1868 – 1936 أديب روسي وناشط سياسي ماركسي، مؤسس الواقعية الأشتراكية التي تجسّدْ النظرة الماركسية للأدب، حيث يرى "أن الأدب مبني على النشاط الأقتصادي " في نشأته ونموه وتطوره، وأنهُ يؤثر في المجتمع لذا ينبغي توظيفهُ في خدمة المجتمع، وهو في طليعة أدباء عصره في أستقراء وتبني هذا الرأي كنظرية علمية في عالم الأدب والثقافة .

لقد قرأتُ كتب ومؤلفات كثيرة لمؤلفين وكتاب عالمين وعرب .. ولكن يبقى الكاتب والمؤلف الروسي مكسيم غوركي هو الأقرب إلى وجداني وفكري وروحي ربما كانت رواية "الأم" تدفعك بدون عناء التوغل في أعماق أوجاعه، فهو قصصي وكاتب وناشط سياسي ماركسي الهوى والأنتماء، عارض علناً النظام القيصري وأعتقل مرات عديدة، وسُجن أكثر من مرّة إلى أن بزغتْ ثورة أكتوبر 1917 المظفرة، فأعطاها كل ما يملك من عبقرية وحيوية، وكرس نضالهُ الثوري ما تبقى من عمره حتى سقط مغدوراً بيد أحد التروتسكيين في 18 حزيران 1936، وقربه وصداقته لرموز الدولة السوفيتية مثل لينين الذي أصبح الصديق الشخصي له، وستالين ومن قادة الحرب والدولة، ووقف إلى جانب حزب البلاشفة ومن مؤيدي الحركة الأشتراكية الديمقراطية في روسيا، وشارك فعلاً في ثورة 1905، وسخر قلمهُ في دعم خطهم السياسي ضد المنشقين والتروتسكيين، فهو نذير الثورة الذي بشّر بهبوب العاصفة الثورية بقلمه الذي خط به خطوط الواقعية الأشتراكية، كان ثورياً ساهم بشكلٍ فعال في أشعال الفتيل الثوري، حيث كتب عدة مقالات ثورية يقول لافيها : --- مزيداُ من الجرأة أيها الرفاق --- مزيداً في الأيمان بقوة الجماهير الثورية التي في طليعتها البروليتاريا، وأن العذاب النفسي الذي تلازم مع مكسيم والمحتبس في ذاته منذ طفولته المعذبة بفعل التسلط والصراع الطبقي في المجتمع الروسي، خاض تحدياتٍ نضالية وكفاحية خطيرة --- بيد أنهُ ربحها

رواية "الأم" كتبها مكسيم بعد فشل ثورة 1905 وقبل ثورة أكتوبر المجيدة، وقد وصفها لينين يأنها جاءت في وقتها، صوّر غوركي العمال الكادحين بمظهر قوي كعملة نادرة مطلوبة عند الدولة كذراع يحرك أقتصادها بعكس ما ينظر بعض الكتاب إلى العمال بأنهم يستحقون الرحمة والعطف، تمكن في رواية الأم من فضح النظام القيصري القائم على الظلم والأضطهاد من خلال الحديث الشيّق والمنمّق بواقعية من خلال (ميخائيل بلاسوف) الذي عاقر الخمرة للهروب من واقعه المرير كأحد العمال البائسين فهو سكير لا أبالي عنيف يكره الأخرين حتى أفراد أسرته، غير مهتم بما يجري حوله، وجعل أم (بافل) هي بطلة الرواية تتحول فيما بعد إلى مناضلة بعد موت زوجها الشرير ميخائيل بلاسوف ونفي أبنها (بافل) إلى سيبيريا كسجين سياسي، فهي تعلم أن الدموع لا تنضب في عيون الأمهات، رغم خوفها وقلقها على مصير أبنها، ألا أنّها تشعر بالفخر بأبنها وهي تشاهدهُ يرأس الأجتماعات السرية ويتحدث بأشياء لا تفهمها، وعندما سُجن أبنها تابعت مسيرتهُ، وأصبحت توزع المنشورات السرية التحريضية ضد النظام مع أصدقاءه، وتبنت القضية وأصبحت كغيرها من الرفاق المناضلين متفهمة معنى التحرير فأندفعت أكثرو حين تجد جمهرة من العمال والكسبة والفقراء تندس بينهم وتخطب فيهم قائلة : تعرفون أيها الرفاق لماذا صدر حكم النفي على أبني ؟ لأنهُ يريد أن يبين لكم الحقيقة التي هي عملكم المضني وسرقة جهودكم و قواكم ولا يكون نصيبكم ألا المرض والجوع والفقر، كل شيء ضدنا، والجميع يستغلوننا، وفيما نحن نغرق بالوحول حتى آذاننا بينما نرى التخمة والترف على الطبقة البورجوازية الطفيلية، وبينما كان الكاتب غوركي منهمكاً في كتابة الرواية يصمتْ برهة ويضع قلمهُ جانباً ويتمتم : متى يا رب يكون عندنا أمهات يفرحن في حين يرسلن أولادهن إلى الموت من أجل الأنسانية ؟ مثل هذه الأم التي رسم لها غوركي أن تكون صمام أمان للبروليتاريا لكسر القيود وهدم قلاع القياصرة بالثورة البلشفية، عندها لن يستطيع أحد من أن يغتال روحاً جديدة بُعثتْ من جديد .

وأن مسرحية غوركي (في القاع أو الحضيض) جاءت تحدياً وفاضحا للنظام القيصري الأستبدادي الأقطاعي بأنهُ قطار يقوده أرعن يسحق الناس ويشوّه أرواحهم، بلغ فيها مكسيم الذروة لا تقل عن رواية الأم، أختار لمسرحيته قبوا قذرا رطبا منعزلا ضيقا أستعمل كمبيت تمتلكه أمرأة جشعة شرسة متهالكة على المال، يأوي خليطاً غير متجانس من البشر فكراً ونزواتاً وطباعاً تتكون من نفايات بشرية ميتة حيّة ذات نزوات مختلفة، فكانت رمزية غوركي بالقاع جغرافية روسيا، والكائنات الحية الميتة الشعب الروسي المستلب والمسحوق، لذلك مُنعتْ من قبل الحكومة بعد أن عُرض أكثر من ثلاثين مرّة، وفي رسالة لينين في 16-11- 1909 {بودي أن أشد على يدك بقوّة، فقد عادت موهبتك الأدبية الفنية على الطبقة العاملة في روسيا وغير روسيا بالنفع العظيم} ولدي أمل أننا نلتقي معاً ...ولن نلتقي كأعداء بل كرفاق في الكفاح، وهذه أدلة ثبوتية على أن غوركي لم ينظم إلى الثورة البلشفية بعد نجاحها في أكتوبر 1917 كما يقول بعض النقاد، بل كان أكبر المهندسين الأدباء لها بدلالة شهادة أخرى من ستالين الذي يبدو أنهُ تأثر بمسرحية غوركي (في القاع) أستوحى منها – وهو يقصد مكسيم – أن الأدباء هم مهندسو النفوس البشرية .

المجد لمهندس الطبقة العاملة الروائي الروسي "مكسيم غوركي"

وتحية أجلال وأكرام لكل أم وخصوصا لأمهات شهداء الحركة الوطنية العراقية

 

عبد الجبارنوري - كاتب وباحث عراقي مغترب

 

 

ثمة سرنديبية مؤنسة إعتادها كلّ مَن جعل القراءة النظامية نمطاً حياتياً ملازماً له، ولطالما قادتني هذه السرنديبية إلى حقول معرفية أو شخصيات فكرية مؤثرة في ميدانها.

حدث قبل بضعة أشهر كنت أقرأ في كتاب (الميتافيزيقا مرشداً إلى الأخلاق ). Metaphysics As a Guide to Morals 

الذي ألّفته الكاتبة الأثيرة إلى روحي: الروائية - الفيلسوفة آيريس مردوخ، التي قرأتُ معظم أعمالها الروائية والفلسفية منذ بواكير إهتماماتي الروائية في سبعينيات القرن الماضي، راقتني كثيراً الفكرة الأساسية التي يتأسّس عليها كتاب مردوخ المذكور أعلاه، والتي يمكن إختزالها ببساطة في أن أيَّ نظام للأخلاقيات ينبغي أن يقوم على هيكل ميتافيزيقي، يكافئ فيه الفعل الخيّر نفسه ذاتياً، مثلما يعاقب فيه الفعل الشرير نفسه على نحو ذاتي كذلك، وبعيداً عن أي نسق مرجعي مهما كانت طبيعته. ثم تمضي مردوخ وبأسلوبها الفلسفي الباذخ المضمّخ بنكهة روائية، في بيان أن أي نظام جمعي متداول للأخلاقيات سيقود إلى إشكاليات جدّية مستعصية.

 ومن الأمور اللافتة للنظر أن محاججة مردوخ هذه تذكّر المرء على الفور بمحاججة شبيهة بسطها أحد الآباء المؤسسين للفكر الليبرالي؛ وأعني به جون ستيوارت مِل) الذي شرح في كتابه (عن الحرية) On Liberty ) كيف يقود تملّك الأرض إلى مشاكل عصية على الحل، وقد إقترح الرجل حلّاً يقوم على أساس جعل الأرض ملكية مشاعية، وأظنّ أن الكثيرين سيندهشون حدّ النكران لمعرفتهم بإعتماد أحد مؤسسي الليبرالية فكرة تتأسس على أساس مشاعية الأرض.

قفز إلى ذهني على الفور - وأنا منهمكة في نص مردوخ - إسم المفكّر (عبدالجبار الرفاعي) الذي تتصادى جهوده بشكل من الأشكال مع جهود مردوخ، لكن في إطار بيئة فكرية مختلفة بالطبع، واستعدتُ في ذاكرتي المسيرة الفكرية لهذه الشخصية، التي بدأت بداية حوزوية تقليدية، لكنها سرعان ما شهدت إنعطافة فكرية (يمكن وصفها بأنها ثورية) قادت ليكون الدكتور الرفاعي على ما نشهده اليوم على صعيد الحراك الفكري الشخصي، وعلى صعيد المنجزات المشهودة كذلك.

يعدُّ الدكتور الرفاعي شخصية ريادية في ميدان تجديد الفكر الديني، ونقد جمود اللاهوت التقليدي والتأويلات الفقهية السطحية للدين، وتسويق الخطاب الديني المشجع على الصراعات الإجتماعية والسياسية، عبر تسطيح بائس للقيمة الميتافيزيقية الكامنة في جوهر النسق الديني، وابتعاد مقصود عن الأخلاقيات الدينية الجوهرية، التي تطمح إلى تفعيل الأبعاد الانسانية في الدين، وتأكيد حرية الخيار والمسؤولية البشرية بعيداً عن روح الغلبة والمصافقة، وانتظار العطايا والمكافآت الدنيوية - فضلاً عن الآخروية - التي تشكّل جوهرالخطاب الفقهي السائد.

كنت أتابع - بقدر ما تتيح لي الفرص - دراسات وبحوث عبدالجبار الرفاعي سواء في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، أوعبر مقالاته وحواراتنا؛ فأكتشف - بنوع من الغبطة العميقة - إهتمامه الجاد لدمج المعرفة العلمية والكشوفات المتحصلة من التجارب البيولوجية والفيزيائية والإجتماعية لمعاينة الواقع الانساني من منظورات متكافئة عبر النقاش والحوار، دون مصادرة رأي مغاير، بل مساءلته ووضعه على طاولة الإختبار

يعمل المفكر المجدّد عبدالجبار الرفاعي وسط بيئة بشرية مضطربة، تنعكس عليها مؤثرات متعددة خارجية وداخلية، ويواجه تحدّيات شتّى في حين تتظافر تلك المؤثرات على تفكيك بُنى المجتمعات وإحداث انزياحات في منظوماتها القيمية، التي ترسّخت لعهود طويلة في وعيها الجمعي.

من بين أهم السمات التي تميز إشتغال الدكتور الرفاعي: إختراقه لأُطر المفاهيم والأفكار الموروثة المستتبة، وتجاوزه لكثير من المحظورات في طرح تساؤلات خلخلت السكون الفكري الديني، مثلما هو حرصه على  فتح حوارات مستفيضة مع مفكرين مختلفي التوجهات الفكرية والمنطلقات، لإخضاع المزيد من الثوابت الصارمة للتفكيك، بعد أن ظل الإقتراب منها محسوباً في باب المحظورات.

إلتقيت بالدكتور الرفاعي للمرة الاولى في عمّان - لدى حضوره مؤتمراً فكرياً - وكنت على موعد للقاء المفكر اللبناني الدكتورعلي حرب في فندق كمبنسكي، وأذكر أن الدكتور علي حرب إنشغل باجتماع طارئ ساعتها، فالتقيت الرفاعي بحضور الصديقين الدكتور حيدر سعيد والأستاذ عواد علي. وبدأنا حواراً عن معضلاتنا العراقية ودور المثقف وسط ضجيج العصف السياسي والتبدلات المتسارعة في المحيطين العربي والعالمي. وأهديته حينها إثنين من كتبي الصادرة حديثاً: رواية (سيدات زحل، وكتابي (يوميات المدن)، وظل حوارنا متصلاً عبر البريد الألكتروني؛ إذ كان يرسل لي دراساته القيّمة، والأعداد الجديدة من مجلة قضايا إسلامية معاصرة. والتقينا ثانية في معرض الكتاب الدولي في أربيل - ربيع 2013 - واتصل الحوار الذي إنقطع بيننا، وكنت أتابع نزوعه لمعاينة علاقة الانسان بالدين والمقدس عبر الفلسفة ومحمولاتها الفكرية عن طريق قراءة مغايرة للنص الديني؛ حينها كنت مستغرقة في قراءة تمثلات المقدس في الحضارات القديمة، وملاحقة الرؤى الفكرية حول الدين في موسوعة (ميرسيا إلياد) المهمة: (تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية) للتعرف إلى الجوانب الإبداعية والأصولية الدينية لدى أسلافنا سكان ما بين النهرين، وتأسيسهم للوعي الديني الممتزج بالمتخيل الميثولوجي باعتبارهم سباقين في ابتكار المفردات الثقافية للحضارات الأولى، كما عند الثقافات المبكرة المتزامنة معها أو التي تلتها، وكشف لي الكتاب حينها عن الوحدة العميقة وغير المنظورة للنفس البشرية، ووحدة التأريخ الروحي للبشرية.

عبدالجبار الرفاعي قارئ متبحّر، ومؤلف مجتهد، ألّف ما يربو على الأربعين كتاباً، تمثّل في مجملها مقاربات حداثية للفكر الديني وفلسفة الدين، وأشير في هذا الميدان إلى كتبه التالية: مبادئ الفلسفة الإسلامية (جزءان)، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي، والموسوعة التي يحررها، وأصدر منها ثلاثة مجلدات: موسوعة فلسفة الدين. ولا ينبغي أن ننسى ترجماته الثرية وتعريفه بمفكرين تجديديين كبار، أمثال داريوش شايغان، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان. إضافة إلى مساهماته الكبيرة في موسوعة الفلسفة العربية المعاصرة، وتأسيسه لمركز دراسات فلسفة الدين، الذي دأب على إصدار مجلة (قضايا إسلامية معاصرة) منذ عشرين عاما.

منحتني قراءتي لأعمال الدكتور الرفاعي أملاً في أن يغادر هذا الفكر المتنوِّر المجدد حدود البحوث والكتب والمجلات والمؤتمرات، ويصبح عنصراً فاعلاً في التحديث والسلم الإجتماعي، باعتماده في الدراسات الأكاديمية والمناهج التعليمية، من أجل بناء الشخصية السوية التي لا تنسحق أزاء جبروت المقدس، بل تتفهمه وتتغذى على ثرائه، وتعتمد تفصيلاته الأساسية كطريقة حية للعيش، دون إرغام أو قسر أو نُذُر أو تبشير، وحينها فقط يمكن أن تتغلغل الحداثة في المفاصل الدينية والتربوية والتعليمية والثقافية والإقتصادية والسياسية، وسيكون التحديث شاملاً مكتملاً، دون تناقضات صارخة بين الإستخدام اليومي لمنجزات الحداثة وما بعدها، والإلتزام غير الواعي بالنص الدينيّ، دون استيعابٍ واعٍ لمبتغياته الصريحة، أو التي يمكن تأويلها بما يخدم زيادة مساحة الحرية الفكرية، بدل تقليصها من خلال التحوّطات الفقهية.

تصدّى فكر الرفاعي المعنيّ بالحداثة والإنفتاح الفكري - بجرأة ونعومة وفطنة - لنقد القراءة النصية المغلقة للمقدس، الذي تتبناه المؤسسات الدينية المحافظة للطوائف والأديان كلها، وكشف تلك القراءات المبنية على تبادل المنفعة بين الفرد والدين في سردها وتأويلها للمقدّس، وفقاً للنموذج القياسي السائد، والقائم على آلية الترغيب والترهيبن لا على حوار العقول والوعي والقبول الحر؛ الأمر الذي يقود بالضرورة إلى طمر الأبعاد الإنسانية في المنظومة الأخلاقية للنسق الديني، ومن ثمّ إحلال مفاهيم مبسطة ومسطحة محلّها، تعطل العقل، وتقصي الروح، وتركز على النزعة النفعية الخالصة التي تحصر كل سلوك ضمن مفهوم الصفقة ومخرجاتها المتمركزة على المرابحة. تتركز جهود المفكر عبدالجبار الرفاعي على إخراج المعنى الجوهري الأخلاقياتي للدين من منطقة الصفقة والنفعية الموعودة التي يبشر بها الخطاب الديني التقليدي إلى صعيد السلوك اليومي الإجتماعي والالتزام بقيم النزاهة والأمانة والصدق، واحترام الإختلاف في الرأي وقبول أنماط متعددة للحياة.

تبدو الأخلاقيات لدى أغلبنا أقرب إلى أعراف متفق عليها، وذات تأصيل ديني المنشأ، حتى صار أمراً مفروغاً منه أن تتم المماهاة بين الأخلاقيات والأديان بطريقة إعتباطية وكيفية تماماً، وثمة محاولات حثيثة في كلّ انحاء العالم لتأسيس مايسمى (اللاهوت الإجتماعي) Theology  The Socia الذي يسعى لتعظيم ممارسة الفعل الاجتماعي المؤثر، من خلال الحركيات الفردية البعيدة عن المرجعيات الدينية التقليدية، والإبقاء على جوهر الأخلاقيات بلا مأسسة دينية، وقد حقّقت هذه الحركة نجاحات حاسمة في بلدان أوروبا الغربية وإليها يُعزى مثلاً تخلّي الكثير من تلك البلدان عن تطوير الأسلحة النووية الردعية وتشريع القوانين الداعمة لنوعية حياة المسنّين والأطفال. تجنح حركة اللاهوت الإجتماعي إلى كبح كفة اللاهوت مقابل الإرتقاء بكفة الأخلاقيات التي غالباً ما تتخذ صفة القناعات البسيطة البعيدة عن الحذلقة، وأرى أن جهود الدكتور الرفاعي تتماهى كثيراً مع متبنيات هذا اللاهوت الحداثيّ الذي يسعى لأنسنة الدين وجعله أقرب إلى النزوعات الإنسانية التوّاقة للتحرر من أغلال الكوابح الفقهية التقليدية.

 عبر معرفتي بالدكتور الرفاعي أدركت أن ثمة نوافذ مشرعة على النور في الجهود الفكرية المتعلقة بمساءلة الدين وتحديثه؛ فمفكرّنا الرفاعي يعمل في مجال وعر وصعب ومحفوف بالمحظورات والتحديات والرفض من قبل المؤسسات المنغلقة، لكنه لايكفُّ عن تقديم رؤاه الواضحة المستنبطة من إشتغالات فكرية عقلانية؛ ففي كتابيه القيمين: (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، والدين والظمأ الأنطولوجي) هناك التقاء حيوي مع الأفكار والفلسفات الحديثة والجهود العلمية التي تعمل مجتمعة لإستعادة الإنسانية من ضياعها وتبددها، وسط الصراعات الدينية والعرقية المفضية إلى التعقيدات السياسية والنزعات الإستهلاكية ومنظومات الإستغلال. ينتقد الدكتور الرفاعي في كتابيه هذين بقوة ووضوح القراءات القمعية الحرفية للنصوص الدينية ويحمّلها مسؤولية طغيان العنف والتشدد، لأنها لبثت في تحجّرها وجمودها، متوقفة عند حدود الماضي، رافضة للصيرورة والتبدلات الكبرى التي تمثل حقيقة الحياة وحيويتها ومكامن الجمال فيها.

لطالما وجدت في الحوار مع الأخ والصديق المفكر الرفاعي نزوعه العرفاني الجلي، وهو يحلل التجربة الصوفية المشرقية التي تعد مرتبة سامية لايرقى إلى بلوغها سوى الخاصّة من العرفانيين والروحانيين. وجدت في اهتمام الرفاعي بالجانب العرفاني تجديداً مشرقاً للفكر الديني، وإنقاذاً للروح من أسر التعاطي النفعي مع الدين؛ فالإحالة إلى جلال الدين الرومي تأكيد بليغ لدوره اللامحدود في التجديد الإسلامي، واعترافٌ بالأهمية الإبداعية الفنية - وبخاصة الشعر والموسيقى والرقص الصوفي - في السمو بالأرواح، وتعميق صلتها بالجوهر النوراني.

إن اهتمام الدكتور الرفاعي بالفكر الصوفي والعرفاني قاد جهده المعرفي إلى اللاهوت الإجتماعي، الذي يُعَدُّ احد المبشرين الكبار به، على خلاف اللاهوت الكهنوتي المتّسم بالفقر المعرفي، والإستكانة إلى المواضعات التقليدية السائدة.

 

لطيفية الدليمي - قاصة وروائية عراقية

 

وصلني امس خبرٌ من أهلنا في العراق عكَّر مزاجي وكدَّر نهاري وما أكثر اخبارالعراق التي تعكِّر المزاج وتكدِّر الوقت !! لقد تحول البلد كله الى قناة أخبارية مختصة بالأخبار المحزنة والمزعجة ..الأفراح والمسرات نادرة والأحزان والكوارث وافرة !! وطن مأتم ..هذا هو الوطن الذي ننتمي اليه والذي رافقنا منذ الشباب المبكر بأنباء القتل والفقد والغياب ..تراجع يمامه وحمامه، وغابت الطيور المحلقة في سمائه وحلق عزرائيل فوق مدنه  وأحيائه حاملاً الموت الى البيوت فاجعاً وموجعاً فما أقسى مهمة عزرائيل ..خبرت قبل أيام رحيل صديق حميم للعائلة هو الشيخ علوان صيوان الشاهين، وهو عسكري سابق وفلّاح صاحب أرض وبستان، وكبير اسرة، مهاب الجانب، مهذب الأخلاق، كريم النفس، صاحب مضيف ونخوة وشهامة، زارني هو وأقربائه حينما كنت في العراق قبل نصف سنة في ديوانية أهلي، ومررت مع أقرباء وأصدقاء في مسيرة حول المدينة والسد الذي يحمي المدينة من الفيضانات حيث يقع بيتهم فعرض أبناؤه وبقوة علينا ضيافتهم، واعتذرنا بألحاح لنواصل الرجوع الى البيت .

وأنا بصدد كتابة مواساة لأهله ولصهره أبو عمار الأستاذ كَاني ياسين الجواد صديق عائلتنا وأبن صديق والدي وصلني اليوم الخبر الآخر رحيل ابن عمي صادق كَاطع الأسدي.

صادق عسكري سابق أيضاً برتبة نائب ضابط في الجيش كان نشطاً وحيوياً الى أبعد حد ويتمتع بذكاء كبير ..من سوء حظه ان المدارس الثانوية لم تكن متوفرة في زمانه في مدينتنا، فأراد ان يختصر على نفسه المتاعب والطريق فتطوع في سلك الجيش ..كان اختصاصه في القلم العسكري والأدارة ..وخدم في مناطق عديدة من العراق ومنها مناطق كردية وتركمانية فتعلم اللغتين الكردية والتركمانية بأتقان عجيب، حتى الأمثال الشعبية والمفاراقات اللغوية والطرائف والنكات في هاتين اللغتين  خبرها صادق فاصبح مترجماً لزملائه الآخرين . تقاعد من الجيش وكانت من آخر محطاته قاعدة الأمام علي الجوية في الناصرية، كان يمتلك بيتاً في مركز الناصرية في حي سومر بيد انه فضل الرجوع الى ناحية الفهود ليقيم بين بيوت أخوته وأخواته وأبناء عمومته وأبنا أخواله وخالاته وأقاربه .

قبل سنتين تقريباً حدث طاريء في حياته مما عجل موته ..كان لديه مرض السكري، وقد احس ببعض الألم في ساقه وان قدمه بدأت تتلون بلون داكن وتسوَّد . فأخبر أهله الذين أسرعوا به الى الطبيب الذي حوله الى قسم الجراحة، حيث ارتأى الأطباء بتر ساقه قبل ان يسري المرض اللعين الى كل أجزاء جسده فيقتله، وماكان له الّا الموافقة فبترت رجله، وكان من جراء هذا ان تُصادر حريته هو الرياضي العسكري المحب للحركة والنشاط ومشّاء المسافات الطويلة ..

أخبرني أهلي في الأمر فهاتفته من برلين وتمنيت له الصحة والعافية وحاولت ان ابين له ان المهم انه قد تجاوز هذه الأزمة وبقي حياً حتى لوفقد ساقاً من ساقيه، فهو لم يزل هنا بعقله وقلبه وروحه، وسوف يقصده المحبون .ولأنني أعرف انه يعشق الشعر الشعبي ويحفظ من شعر أبي وشعراء المنطقة أهديت له بيتاً من الأبوذية كنت قد كتبته بعد سماعي بخبر بتر ساقه، حيث جعلت من كلمة صادق قافية للبيت، والبيت يقول:

لو صادقت زهر النجم صادق

النبيل وبالوعد لو وعد صادق

صدِّكَ من سمعت أخبار صادق

بدر تم وسكَط من بين ايديه

زارني أخوه الكبير ابن عمي  جواد مع أبنائه وأبناء اخوته وأخواته وكانوا متواجدين طوال وقت زيارتي فأعتذروا لصادق وبأنه أراد القدوم ولم يتمكن بسبب فقد ساقه واجراءات العلاج فقلت لهم أنا سأقوم بزيارته غداً أو بعد غد، وفعلاً ذهبت اليه في بيته رفقة بعض الأقرباء . كان وجهه الوسيم لم يزل حياً بعد الّا انني كنت أحدس مقدار الألم الذي ينتابه وهو يريد الحركة أو النهوض للعناق في الأستقبال والوداع فيستعين بالعكّازة، هو الذي كان يفخر على زملائه باستمرار الشباب والحيوية والنشاط حين يمزح معهم ويردد لازمة لم أزل أذكرها حين يقول : ستوك عتيكَ .

تحدثنا كثيراً عن الذكريات ولاسيما اننا ولدنا في بيت واحد وعشنا في بيت واحد هوعبارة عن بيتين في بيت، بيت عمي الأكبر أبيه وبيت أبي، ولم يكن يفصل بيننا حاجز بل كنا نتنقل بين البيتين، وحينما كان عمري عامين أو ثلاثة كنت أدرج ماشياً في الصباح الى بيتهم فتجلسني عمتي أمه الى جنبها وتمنحني استكان الحليب الطازج الساخن المحلى بالسكر الذي تحلبه في الصباح الباكر من بقراتهم .. لم أزل أذكر ذاك البيت الطيب ووجوه عمي وعمتي والأبناء والبنات وعلى جنبات البيت علقت صور منها صورة لمريم أم المسيح وصورة أخرى لجمال عبد الناصر في زي مدني ..لا أدري كيف جُمعت الصورتان معاً  ولاسيما ان ابن عمي الأكبر جواد كان شيوعياً محكوماً في نقرة السلمان وسجن الحلة ومن المشتركين في حركة حسن السريع وفي عملية  التحضير للهروب من سجن الحلة بواسطة نفق حفره السجناء، ولكن الناس عندنا يقدِّسون المسيح ومريم كما انهم يعتزون بالآخاء العربي، لذا أتت صورة السيدة مريم الى جنب صورة الرئيس المصري جمال عبد الناصر ..

صادق ولد وتربى في هذا البيت الذي ولدتُ وتربيتُ فيه وأمامه يقع بستان نخيلنا مع بيت عمي الأصغر وترعة ماء تتفرع عن جدول قريب.

والغريب والجميل اننا ولدنا جميعاً أخوة وأبناء عم في نفس البيت الكبير من أكبرنا الى أصغرنا رغم ان هناك مسافة ربع قرن من الزمن تقريباً بين الأكبر والأصغر.

وحينما دعاني ابن أختنا العقيد خالد الى بيتهم في سوق الشيوخ وأقام لي وليمة كبيرة فى حضور جمعٍ من الأهل والأصدقاء كنت أفتقد وجود الأخ صادق لعدم تمكنه من القدوم هو الذي لاتفوته مناسبات الأفراح ولقاء الأحبة!

خالد هو ابن أخت صادق وقد اختار الطريق العسكري ودرس العلوم البحرية العسكرية في ايطاليا واتقن الأيطالية فأصبح مترجماً عنها، كان قد تأثر، مثلما أخوه المقدم وليد بخاله صادق وبوالده في اختيار المهنة العسكرية، والأنتساب للجيش العراقي كجندي أو كضابط على حد سواء كان مفخرة للعراقي وأهله في ذاك الزمان!!

كان صادق محباً للشعر، يحفظ الكثير منه حتى ان قصيدة للشاعر عريان السد خلف بقيت في ذاكرتي دون ان أقرأها في كتاب أو ديوان وانما سمعتها من الأخ صادق ونحن في الطريق من سوق المدينة الى بيتهم ـ بيتنا  القديم، حيث أنتقلنا نحن الى مركز المدينة لقربه من مدارسنا وبقي عمي وعائلته في البيت القديم وحينما يأتي أولاد عمي لزيارتنا نرافقهم الى البيت القديم.

صادق كان في ذاك الوقت في أجازة وأتى لزيارتنا فرجعنا سوياً وفي الطريق الذي كانت تتخلله السواقي والقناطر وتنتشر على جانبيه بسانين النخيل قرأ صادق لي أبيات الشاعر البارع عريان السيد خلف والتي تقول:

 

الك وحدك لذيذ دموعنا من تسح

يلبشوكَك الروح مفرفحة تفرفح

ينجم العيد والشافه بسعد يفلح

مثل طيبة ودادك ماوداد يصح.

 وفي زيارتي له رويتُ له هذه الذكرى، وياللعجب انه يتذكر الأبيات الى الآن.

كنتُ سمعت في صغري من والدتي قصة ترويها عن جدتي لأبي وهي أيضاً جدة صادق ..فرويتها لصادق واذا به يكملها ويضيف اليها والقصة تقول حسبما روتها لي أمي ان جدتي ذهبت لمواساة عائلة في قرى المنطقة بمناسبة وفاة رجل من هذه العائلة، وكانت الشاعرة التي ترثي الميت وتندبه بصوت عالٍ  من نفس عشيرة الميت، وقبل سنوات أو عقود كان لدى هذه العشيرة موقعة احتراب مع عشيرة بني أسد .. ويبدو ان الغلبة في النزاع كانت لبني أسد الّا ان الشاعرة أرادت ان تمتدح عشيرتها وتنسب النصر لهم والهزيمة لبني أسد فأنشدت تقول :

أهل الليط وأهل الكَصب شرّاده

وبيرغنه عله عليهم خذه مراده

والليط مفردة عراقية شعبية تعني أعواد القصب المقشر والمدقوق، وكان بنو أسد في مناطق الجبايش والأهوار معروفين بصناعة الحصران والبواري من قصب الأهوار والبحيرات، وهذا الى جنب ان الزراعة و صيد الأسماك والطيور من مهنهم المعروفة، بيد انهم تميّزوا في صناعة القصب  فأرادت الشاعرة ان تعيّرهم بهذه المهنة.

جدتي كانت ذاهبة بكل أخلاص ومن كل قلبها للمواساة، وأمي تروي لي عنها انها بالأضافة الى قوة بنيتها الجسدية ومتانة قوامها كانت طيبة القلب ومتسامحة، فلما سمعت هذا الكلام عن أهلها من الشاعرة التي تذكرت معركة قديمة لتهجو بني أسد  بحضور جدتي وهي بنت بني أسد وآل الشيخ انبرت للشاعرة التي كان اسمها تچية فردَّت في الحال وهي التي لاتجيد القراءة والكتابة مثل كل النساء العراقيات في ذاك الزمان الذي لم توجد فيه بعد مدارس في القرى العراقية حتى للرجال، فقالت منشدةً :

بسچ  لاتكَولينش تچية

أهلنا الكَالبوها بيوم ظهريه

وصل طشّاركم بدعة الصافيّة

وبدعة الصافيّة مكان بعيد عن منطقة الفهود في مقاييس ذاك الزمان، وجدتي هنا ترد على الشاعرة بأن طشّار أهلها الهاربين من المعركة قد وصل الى بدعة الصافية.

فما كان من النسوة الحاضرات من قريبات المتوفي وبنات عشيرته سوى الهجوم على جدتي، بيد انها كانت شابة في ذاك الوقت ولديها من القوة الجسدية مامكنها من الدفاع عن نفسها بحيث استطاعت ان تشق لها طريقاً بين جمع النسوة المهاجمات وتصل سالمة الى البيت.

الغريب انني حين رويت هذه الحادثة للأخ صادق وجدت انه يحيط بتفاصيلها علماً بل انه أضاف بعض الأبيات من قصيدة جدتي التي القتها ارتجالا في هذه الواقعة، وما أطربني ان أبيات الشعر  التي أضافها ورواها الأخ صادق تتضمن  كلمات عراقية شعبية غائرة في عمق اللهجة العراقية المحكية آنذاك ولم نعد نحن نستخدمها، ففسر أخي صادق الكلمات ل.

هممتُ بكتابة الأبيات الأضافية وأحضار قلم وورقة بيد انني فكَّرت بان لي لقاءً طويلاً قادماً مع صادق يحدثني فيه عن هذه النوادر والحكايا وأنا أكتب .. وهاهو يرحل فجأة من ارباك سريع وطاريء في القلب، وأهله غير موقنين، فألى قبل ساعات  من رحيله كان بينهم سليما ومعافى!!

 

كريم الأسدي - برلين