لا توجد بالعربية دراسات او حتى اشارات الى هذا الموضوع حسب معلوماتنا، ونحاول هنا ان نطرحه في خطوطه العامة ليس الا، على أمل العودة اليه لاحقا بشكل أوسع، اذ انه موضوع يستحق التأمل والدراسة المعمقة في مسيرة الادب الروسي وتاريخه اولا، وفي مجال دراسة الادب المقارن ثانيا، رغم ان معظم القراء الروس - بشكل عام- لا يتقبلون بتاتا، بل ويرفضون رفضا قاطعا القول، بأن بوشكين قد (ترجم!) بعض نتاجاته عن لغات اجنبية، وهم يعتبرون نتاجاته روسيّة بحتة شكلا ومضمونا حتى لو كانت مقتبسة او جاءت على وفق المحاكاة. سنحاول في مقالتنا هذه ان نتوقف عند حكاية واحدة من حكايات بوشكين وهي – (حكاية الصياد والسمكة) باعتبارها انموذجا بين نتاجات بوشكين المرتبطة بموضوع الترجمة والاقتباس، اذ لا يسمح المجال في اطار مقالتنا بالتوسع اكثر .

 ض.ن.

كان بوشكين - مثل كل النبلاء الروس آنذاك – يعرف اللغة الفرنسية بشكل جيد جدا منذ طفولته، بل ان بعض الباحثين يشيرون الى ان بوشكين كتب اول قصيدة له بالفرنسية، وعدا اللغة الفرنسية كان يعرف عدة لغات اخرى . هناك ايضا لغات اجنبية عديدة حاول بوشكين اثناء مسيرة حياته ان يتعرّف عليها ويدرسها – بشكل او بآخر -لاغراض ابداعية، بما فيها العربية، وقد تم طبع الاوراق والمسودات التي كانت موجودة لدى بوشكين، ويرى القارئ فيها كل محاولات بوشكين للتعرف على تلك اللغات، وتوجد هناك بعض الحروف العربية ولفظها بالروسية بخط يده . لقد بلغ مجموع هذه اللغات التي يتقنها بوشكين او التي تعرّف على خصائصها العامة (16) لغة وهي – الفرنسية / والفرنسية القديمة / والايطالية / والانكليزية / والالمانية / واليونانية القديمة / واللاتينية / والروسية القديمة / والسلافية الكنسية / والصربية / والبولونية / والاوكرانية / والعبرية القديمة / والعربية / والتركية . الا ان بوشكين كان يتقن اللغة الفرنسية بشكل متميّز قبل كل اللغات الاجنبية الاخرى، ثم تاتي الانكليزية ثانيا، اما الالمانية فقد أشار نفسه الى انه كان يتعلمها ثم ينساها وقد حدث ذلك عدة مرات في حياته.

لم يذكر بوشكين في كتاباته انه قام بترجمة نصوص من لغات اجنبية الى الروسية كما يفعل المترجمون عادة، ولكنه اقتبس بعض المضامين والمواضيع من النصوص الاجنبية وقام بصياغتها من جديد بلغة روسية مدهشة الجمال والوضوح (لدرجة ان القارئ الروسي ولحد الآن لا يمكن ان يتصور ان هذا النص قد اقتبس بوشكين مضمونه من لغة اجنبية، او كتبه نتيجة محاكاة لتلك النصوص الاجنبية). توجد نتاجات عديدة عند بوشكين اقتبسها من الادب العالمي، ولا يمكن في اطار هذه المقالة عرض كل تلك النتاجات، ولكننا نود الاشارة هنا، على سبيل المثال وليس الحصر الى مسرحيته الشعرية (وليمة في زمن الطاعون)، والتي جاءت ضمن كتابه الشهير – (تراجيديات صغيرة) او (مآس صغيرة كما وردت في بعض الترجمات العربية)، وهي مقتبسة من مسرحية ملحمية كتبها الكاتب الانكليزي جون ويلسون بعنوان – (مدينة الطاعون)، وهناك امثلة اخرى كثيرة طبعا، ولكننا – التزاما بما أشرنا اليه في مقدمة مقالتنا – سنتناول فقط حكاية مشهورة من حكايات بوشكين وهي – (حكاية عن الصياد والسمكة) ليس الا، وهي حكاية معروفة للروس، اذ انها تحولت حتى الى باليه، وهذه الحكاية معروفة ايضا للقارئ العربي، لأنها مترجمة الى العربية منذ زمن طويل، بل انها تحولت الى فلم سينمائي روسي بالرسوم المتحركة (كارتون) مترجم ايضا الى العربية.

  لقد اطلع بوشكين حتما على حكاية الاخوين غريم بعنوان – (عن الصياد وزوجته)، او ربما حتى قرأ هذه الحكاية باللغة الالمانية، وأعاد صياغتها شعرا بالروسية، ومزج معها اجواء حكاية روسية اخرى وهي - (العجوزة البخيلة)، واطلق على تلك الحكاية تسمية اخرى وهي – (حكاية عن الصياد والسمكة)، اي انه قام بترجمة حرة لا ترتبط بتاتا بالنص الاصلي (ان صح هذا التعبير) دون ان يذكر ذلك، ولكنه صاغها شعرا في اطار اجواء روسية بحتة، حيث تجري الاحداث في بيت خشبي روسي وطريقة حياته، وتنتقل الى حياة الاغنياء الروس ثم الى حياة الحكام الروس، حيث يعرض بوشكين كل صفاتهم وعاداتهم وطباعهم من مأكل ومشرب وملابس...الخ . كان هذا الذي صاغه بوشكين في حكايته يعد شيئا ممكنا في ذلك الزمان البعيد، اذ قام به بعض الادباء الروس الكبار مثل كريلوف، الذي ترجم - بالاساس - اساطير وحكايات الكاتب الفرنسي لافونتين عن الفرنسية بصياغة روسية بحتة – انظر مقالتنا عنه بعنوان – كريلوف ابن المقفع الروسي). وهكذا اصبحت (حكاية عن الصياد والسمكة) الشعرية مرتبطة باسم بوشكين في تاريخ الادب الروسي وفي الوعي الاجتماعي الروسي ايضا، وتعد هذه الحكاية لحد الان واحدة من اشهر الحكايات الشعبية في روسيا للقراء، سواء كانوا كبارا او صغارا، اذ يجد فيها كل واحد من هؤلاء ذلك الجانب الطريف والممتع الذي يستهويه شكلا ومضمونا. تتناول هذه الحكاية حياة صياد سمك يعيش مع زوجته عند ضفاف البحر، ويقتات على اصطياد السمك ليس الا، وقد اصطاد مرة سمكة ذهبية، ولكنها تكلمت معه وطلبت اعادتها الى الماء مقابل تحقيق امنياته ورغباته، فاطلقها واعادها الى الماء دون اي طلب، بل كان حتى متعاطفا معها، وعندما حكى كل ذلك لزوجته، طمعت تلك الزوجة وأخذت تطالبه بالعودة الى السمكة الذهبية كي يطلب منها تحقيق رغبات زوجته أكثر وأكثر، الى ان تصبح هذه الزوجة حاكمة بأمرها، ولكنها لم تكتف بذلك، بل طلبت ان تكون السمكة خادمة لها، وعندما يقول الزوج ذلك للسمكة، فان السمكة تغوص في اعماق المياه ليس الا، وهكذا يرجع الى زوجته فيراها وقد عادت الى كوخها العتيق، وتنتهي الحكاية باضاعة كل شئ نتيجة طمع هذه الزوجة، اي كما يقول المثل العربي المعروف – (طمعه قتله).

 لقد صدرت هذه الحكاية في المانيا بقلم الاخوين غريم قبل ان ينشرها بوشكين بسنوات، وقد جاءت (عند بوشكين) متوافقة من حيث المضمون العام مع النص الالماني، ولا يمكن لمربيّة بوشكين ان تحكي له هذه الحكاية ثم يبدأ بوشكين بكتابتها كما تروي المصادر الروسية حول حكايات بوشكين بشكل عام . وتشير المصادر الروسية طبعا الى ان الحدث الاساسي لهذه الحكاية يرتبط بتلك الحكاية الالمانية، ولكنها تشير ايضا الى الاجواء الروسية التي تجري بها حكاية بوشكين . لكني اطلعت مرّة على حوارمنشور بالروسية مع مدير متحف الماني حول هذا الموضوع، وكان عنوان هذا الحوار قاسيا وحادّا جدا، وجاء كما يأتي – (لقد سرق بوشكين حكاية الاخوين غريم). ولا يمكن ان نتفق مع هذا الرأي بتاتا، اذ ان صياغة بوشكين الروسية شعرا لتلك الحكاية وفي اجواء روسية بحتة، جاءت بشكل يختلف اختلافا جذريا وجوهريا عن نثر الاخوين غريم، وبالتالي، فان بوشكين لم يأخذ سوى الفكرة العامة للحكاية، وهي بالطبع ليست (سرقة!) كما أشار مدير المتحف الالماني، فليس كل من يتحدث او يكتب عن روميو وجوليت او قيس وليلى مثلا هو (سارق !). 

 

أ.د. ضياء نافع

ولد الكاتب والسياسي المعروف عبد الباقي شنان في التنومة عام 1948 حيث يملك والده الوجيه المرحوم الحاج شنان الحلفي بستانا على ساحل شط العرب ودارا لاتبعد كثيرا عن منزلنا، ومن لقبه نعرف أن الأديب الأستاذ عبد الباقي شنان ينتمي إلى عشيرة عربية أصيلة هي عشيرة الحلاف الكريمة.

  لكن الأديب عبد الباقي وإن كان يعتز بأصوله وأهله الطيبين إلا أنه يفخر أول مايفخر بثقافته وانتمائه السياسي ويفخر بالبئة التي نشأ فيها لكن من دون تعصب ولا طائفية لذلك تجد الكثير من أصدقائه من أديان مختلفة وطوائف عديدة وقوميات وأحزاب شتى.

  انضم الأستاذ عبد الباقي إلى الحزب الشيوعي منذ شبابه وتفرغ للعمل السياسي وكان شرسا في مواجهة السلطة الحاكمة واعتقل عدة مرات وقد حكى لي في أحد الأيام أن أحد المحققين في الاعتقال ضربه على صدغه في مكان خطر حيث بقي فاقدا للوعي وقتا طويلا. ومما أذكره عنه أنه حدثني أن السجن جمعه يوما بالمرحوم الأستاذ سالم نعيم الذي عرف عنه انتماؤه إلى حزب إسلامي معروف.يقول عبد الباقي سألته وقد أخبرني السجان أنهم أطلقوا سراحي وأستطيع المغادرة هل تروم أن أبلغ أهلك بشيء؟ وهذا موقف نبيل من سجين طليق السراح يغامر ويذهب إلى بيت سجين إسلامي وعبد الباقي يساري معروف وهذا إن يدل على شيء فإنما يدل على طيبة أهل التنومة الأصلاء.

  إن صراحة عبد الباقي وصدقه ونبله ونزاهته هذه الخصال فيه هي التي جعلته يبتعد عن الساحة السياسية التي عصفت باليسار واليمين والتي يرتقي فيها دائما على حساب المباديء الاانتهازيون  والمتملقون والمراوغون.

  سافر الكاتب والسياسي عبد الباقي شنان إلى عدة دول منها الاتحاد السوفيتي في دورات سياسية ثم خرج من العراق منتصف السبعينيات حيث استقر في سورية فعمل في دمشق  محررا في صحيفة الهلال الأحمر التي تصدرها منظمة التحرير الفلسطينية فكان بيته في سورية يمتاز بثلاث خصال رائعة هي:

إنه مكان لالتقاء السياسين العراقيين والعرب يتداولون فيه الأفكار ويتحدثون عن السياسية وقد يختلف عبد الباقي مع أي شخص لكنه لا يطرده من بيته قط،وهذا يدل على أخلاقه الرائعة، ثانيا كان بيته ملتقى للأدباء والكتاب والشعراء والفنانين العرب والعراقيين فتسمع في ذلك اللقاء القصيدة الجديدة والشعر الجميل والمقالة والقصة القصيرة وأحدث الآراء في الشعر وقصيدة النثر وماتنشره الصحف العربية والمجلات العالمية من آراء جديدة ينقلها من له اطلاع بالروسية والإنكلايزية والفرنسية من الحاضرين مع العلم أن هذه اللقاءات لم تكن مبرمجة في وقت معين بل كان أغلبها ليلة الجمعة وهذا لا يعني أن بقية الأيام تخلو من لقاءات بل كانت تتحقق فيها لقاءات على الدوام أيضا.          وأذكر أن أحد مدعي الشعر زار عبد الباقي يوما ما وقرأ له شعرا فقال له مارأيك فيّ، فخرج عبد الباقي من الغرفة وأجاب: أنت أشعر من في هذه الحجرة وأنا طبعا لست بداخلها!!

ثالثا: ظل بيت عبد الباقي أيضا مأوى للعراقيين ممن يضيق بهم الحال بغض النظر عن انتمائهم السياسي وقد سمعت عراقيا يوما ما يلوم آخر على عمل فعل وضيع اضطر إليه لماذا فعلت ذلك كان بإمكانك أن تذهب إلى بيت عبد الباقي إلى أن تجد عملا!

  وننتقل من عبد الباقي الإنسان المرهف  الذي يحب الخير ومساعدة الآخرين إلى الجانب الأدبي في شخصيته  فهو كاتب سياسي وروائي يكتب القصة القصيرة وقصيدة النثر، وهناك أيضا مقالاته ومتابعاته التي كان ينشرها في مجلة الهلال الأحمر الفلسطينية ومانشره في مجلة النافذة  التي كان رئيس تحريرها.

من أجمل ماقرأت إلى عبد الباقي قصتان قصيرتان عنوانهما" خيزرانة خريبط" وقصة " عبود ونخلة فريال"، وقصة خيزرانة خريبط تمثل المعتقدات الشائعة والروحية للمجتمع الريفي ونفسية الرجل العراقي كونه أبا وزوج أم وتسلطه ومعاناة الطفولة وترسم القصة بيئة التنومة الزراعية والمعتقدات والعادات وتصور كل ذلك بأسلوب غير مباشر رشيق جميل نجد له امتدادات في الأفعى والعصا والنار والطفولة فكل هذه معان جميلة لها أبعاد نفسية وفلسفية ومدلولات أممية عامة جعلت تلك القصة من القصص القصيرة المميزة.

والقصة القصيرة الثانية عنوانها" عبود ونخلة فريال" وهي قصة واقعية كتبها الأستاذ عبد الباقي بأسلوب بعيد عن المباشرة ليصوّر الصراع الطبقي. إن عبودا هو الشاعر البصري وهو من أهل التنومة أكبرنا نحن الشعراء والكتاب سنا أنه من مواليد 1945 وهو شاعر يكتب على السليقة ولا يعرف البحور،أصدر أول مجموعة شعرية عنوانها " إليك قصائدي" وفيها يقول: كيف لا أرهق نفسي كيف لا    وهي تمشي بتأن كيف لا صاح سوق الشيخ حنا حي هلا كيف لا ... وبطل قصتنا هذه عاش مأساة حقيقية فهو فقير رباه أخواله ثم دخل الجامعة فأحب فتاة أرستقراطية جميلة طويلة القوام اسمها فريال تأتي إلى الجامعة وتغادرها بسيارة فخمة.. هنايتحدث عبد الباقي عن حال عبود العاشق الفقير بأسلوب جميل رشيق: الفتاة يخطبها وزير كما يقول عبود في مجموعته الشعرية: قالوا تزوجت وزير... فيمرض عبود الشاعر وهو في السنة الثالثة فيترك الجامعة لتكون الأحداث التي مرت به محورا فيما بعد لقصة اتخذت من الصراع الطبقي محورا لها.

تحية لكاتبنا الذي يعيش الآن في كندا ويواصل عمله الأدبي بجد وإخلاص.

 

بقلم: قصي الشيخ عسكر

 

الدربونة من الدَّربْ وهو المضيق في الجبال، ويُقال "دربٌ من درُوبها"، ودروب المدينة معروفة، وفي اللهجة السامرائية يقولون "أبو دروب" أي لديه حِيَلْ وأفاعيلْ.

ودَرِبَ بالشيئ أي فرح به.

ومن جذر هذه الكلمة يمكن إشتقاق العديد من الكلمات ذات المعاني المتنوعة.

والدربونة ممر أو طريق ضيق على جانبيه تمتد البيوت والمحلات وغيرها، وموجودة في مدن العالم القديمة، وقد كان هذا الطراز العمراني منتشرا قبل إختراع السيارات التي أوجدت الشوارع.

فالدربونة لها علاقة بالبيئة وبوسائط النقل آنذاك وهي (الحصان والبغل والحمار).

وللدربونة أسماء متنوعة، ففي بلاد المغرب العربي تسمى (زنقة). وقد تجولت في عدد كبير من الزنقات في مدينة طنجة المغربية، وكل زنقة لها إسم مرتبط بشخص ( كزنقة الحاج أحمد) و (زنقة بن حسن).

 وفي سامراء نقول (دربونة البو فلان)، وكان شائعا القول (درابين وهي جمع دربونة باللهجة السامرائية)، فهناك القول (درابين البوجول، والبوبدري والبوباز) وغيرها.

ومن درابين سامراء المشهورة (دربونة البو محمد الحمد)، ومعناها الدربونة التي يسكنها أولاد محمد الحمد.

وهذه الدربونة كانت موطن الشيخ عباس محمد الحمد ومن ثم أولاده وبناته، فمعظم بيوتاتها تعود لذريته.

تذكرت تلك الدربونة لأنها كانت موطن طفولتي، وأنا أزور قرطبة وغرناطة في بلاد الأندلس، أخذوني في زيارة لحارات المدينتين القديمة، فوجدت نفسي أمشي في (درابين قرطبة وغرناطة) بطرازها العربي ، فتذكرت (الدربونة) التي ترعرت فيها.

وكلما دخلت بيتا في هذه الدرابين، تذكرت بيت جدي وبيوت دربونة البومحمد الحمد.

فالطراز العمراني يكاد يتشابه، فالإسبان حافظوا على تلك الدرابين وجعلوها معالمَ سياحية، ونحن خربناها بحجة التطور وما تطورنا، لأنحراف فهمنا للتطور.

ودربونة (البومحمد الحمد) تبدأ من (شارع الشواف) وتمضي قليلا نحو الشرق ثم تنحرف شمالا ومن ثم شرقا وتمضي في منحنى، ينتهي عند الديوان، ومن ثم تستقيم شرقا لنتهي في (باب البربخ)،  الذي يؤدي إلى الشارع المقابل لمدرسة الهادي الإبتدائية، وهناك ساحة أمام الجامع العائد للشيخ عباس محمد الحمد.

وأذكر من بيوتاتها، في بداية المنعطف الشرقي هناك دهليز يؤدي إلى بيت (حبيب المرزة)، وهو من البيوت التي تتصف بالطراز العباسي في عمرانها، وتعلو البيت هوائية تسمى (البادكير) وهي عالية وقد إتخذها اللقلق موطنا له كل موسم.

ومن ثم بيت آخر وآخر وآخر (لا أريد أن أخطئ بذكر الأسماء) ومن ثم بيت ماجد السيد مصطفى، وبجواره بيت أشرف كامل، وبيت فريد العباس وبيت كامل العباس وبيت جدي السيد مصطفى، وبيت أحمد العبدالله، ومن ثم الجامع .

وفي الجهة الجنوبية من الدربونة، هناك بيوتات أخرى في المنحنى، ومن ثم يأتي الديوان، وبيت عزت العباس وفاضل العباس، وحسن العباس،  وبيوتات أخرى (تبدأ أسماؤها ببيت أبو) تنتهي عند (باب البربخ).

وهو رابية حراسة متصلة ببوابة السور القديم، الذي تم تدميره بالكامل بموجب قرار من مديرية الآثار في أربعينيات القرن الماضي، والتي كان يديرها  ساطع الحصري، ولازالت أسباب تهديم السور غير واضحة، ولا توجد الوثائق الكافية للكتابة عن تأريخ سور سامراء.

 

وكانت معالم السور تبدو جميلة ومصانة في هذا المكان، لكنه تحول إلى موطن للنفايات والعبث والتدمير التدريجي، حتى أظنه قد إنمحق تماما.

بيوتات هذه الدربونة تتميز بطرازها العمراني العباسي الأصيل، وكان يمكنها أن تكون من الببوت التراثية، بل أن الدربونة بأكملها يمكنَ أن تكون معلما تراثيا سامرائيا، إذا قارنتها بما شاهدته في غرناطة وقرطبة وأشبيلية وغيرها من مدن العالم.

وكان بيت جدي واحدا منها، لكنه تهاوى وإندثرت معالمه وغابت تلك الملامح العمرانية الفنية التي كانت في داخله، ولا أعرف أخبار البيوت الأخرى، لكنها أما تهاوت أو في طريقها إلى الإندثار حتما، لأننا لا نعرف مهارات وخبرات الصيانة والمحافظة على الأشياء، وإنما ربما نمتلك ميلا غريبا للتدمير والتخريب، وهذه الطاقة الكامنة فينا من الأسباب الرئيسية التي لا تحقق البناء الصالح المتين، وتدفعنا إلى عدم الإخلاص في العمل.

وهذه الدربونة قد لعبت دورا مهما ومؤثرا في الحياة الإجتماعية السامرائية على مدى قرن أو يزيد، وكان الديوان هو الملتقى الإسبوعي وربما اليومي لوجهاء المدينة، فكانت الدربونة في حركة، وتفاعل إجتماعي لا يهدأ، وكأنها في مهرجان حياة يجري كالنهر الدفاق.

وقرأتُ الفاتحة على الديوان الذي وجدته محض ركام، رغم مقاومة بعض غرفه ومعالمه.

وكانت سامراء آنذك، ذات حدود معروفة، تبدأ من كهف القاطول، وتتواصل مع (شارع المحيط) الذي كان يحيط المدينة، وينتهي على مسافة من الملوية، وكان (ملعب المدينة) بعيدا، وكذلك الملوية، وكانت مدرسة المعتصم، ومدرسة المتوكل على أطراف المدينة، عدا بعض الذين تجرؤا وبنوا بيوتا في مناطق كنا نسميها نائية أو بعيدة ، والتي أصبحت في داخلها اليوم.

فمعمل أدوية سامراء تم بناؤه في هذا المكان، وكان يبدو بعيدا وخارج المدينة.

تلك دربونة فيها ملامح سامراء القديمة المعبّرة عن معالمها العباسية العمرانية المتوارثة عبر الأجيال، والتي تشير إلى بعض من مميزات الثورة العمرانية العربية التي إنطلقت من مدينة (سر من رأى)، برايتها الخفاقة العالية المتألقة الخالدة (الملوية).

تحية للدربونة التي تعلمت فيها قيم العروبة والأصالة والمعاني الإنسانية السامية، وتحية لرجالاتها الذين ألهمونا صدق المحبة والألفة والتفاعلات الإيجابية الحميدة الراجحة .

وختاما أذكر مطلعا من قصيدة شعبية سامرائية في الدربونة

" خشفنْ نحرني العصر،  براس دربونة

                             دوّرْ فشك ما لكه، صوبني بعيونة"

د. صادق السامرائي

 

 

عندما عزمتُ على تأليف كتابي (تراجم علماء المسيب)، وبدأتُ بكتابة فصوله صار لزاما عليّ أن ألتقي الحاج قاسم القسّام للحصول على سيرة والده الحجة الشيخ علي القسّام – طيب الله ثراه -، فقصدته أكثر من مرة إلى داره في مدينة المنصور ببغداد بمفردي ثم مع أصدقاء، وكان ذاك قبل سنة 1998م، ووجدت ترحيبا منه يفوق الوصف، وانعقدت بيننا أواصر صداقة حميمة ومودة أكيدة، وقد استمر التواصل بيننا منذ ذلك الحين من دون انقطاع .

ولما أكملتُ مباحث الكتاب عرضته عليه، فسرّه منهج البحث والتأليف وما ورد فيه من معلومات، وكذلك التقديم الجميل للعلامة السيد محمد الحسين آل بحر العلوم له، وكانت سيرة الشيخ القسّام هي الأوسع في الكتاب نظرا لما زودني به الحاج قاسم من معلومات وفيرة وقيمة ووثائق مهمة، بل ومخطوطة كتاب من مؤلفات والده الشيخ حمل عنوان (كتاب الدرتين في سيرة السيد إبراهيم المجاب وابنه أحمد)، وقد حققته وأصدرته في طبعة خاصة في حينها .

وعانيتُ من صعوبة طبع ونشر الكتاب (تراجم علماء المسيب) آنذاك بسبب الموقف المعادي للسلطة من هكذا مؤلفات، فعرض عليّ الحاج قاسم القسّام  طبع مجموعة نسخ منه بصورة سرية وبعيدا عن أعين السلطة ودوائرها الرقابية ليحتفظ هو بالعدد الأكبر منها، ويترك لي حرية توزيع البقية على المعنيين والثقاة، فوافقت على ذلك مباشرة، وحددنا موعدا للقيام بهذه العملية التي لم تكن تخلو من المجازفة والخطورة .

كان موعدنا يوم الجمعة من أحد أشهر فصل الصيف القائظ سنة 1998م، وذهبت إليه مبكرا، واصطحبني إلى الشارع المؤدي إلى جامعة بغداد في باب المعظم، ولما وصلنا المكان المقصود أخرج مفتاحاً وفتح باب قاعة ليست بالصغيرة لمكتب طباعة، ثم أغلقه خلفنا بعد دخلونا، وبدأ بالطبع أو الاستنساخ على وجه الدقة بعد أن هيأت له نسخة الأصل، وهي مطبوعة بعناية وسرية أيضاً في مكتب يعود لأحد الأصدقاء في بغداد، وقد بذل الحاج قاسم جهدا كبيرا في الطبع، وتجميع الأوراق وترتيبها وكبسها، وبدا لي أن لديه خبرة وممارسة في هذا الجانب الذي كنت أجهله تماما ؛ وبعد الانتهاء سلمني ما أحتاجه من تلك النسخ، واحتفظ بالعدد الأكبر عنده كي يوزعه على الأقارب والأصدقاء كما أخبرني، وأقام لي بهذه المناسبة وليمة غداء باذخة لم أفلح في الاعتذار منه والإفلات منها، وقد ودعني بهدية ثمينة وهو كيس أنيق ملأه بمجموعة نفيسة من قوارير العطر الشذية، وكأني الآن مازلت أشم رائحتها الذكية وعطر أخلاق وطيبة ونبل صاحبها .

كان في نيتي تحقيق كتاب والده الشيخ القسام طاب ثراه (السفر المطيب في تاريخ مدينة المسيب)، فأخبرته بذلك في إحدى زياراتي له، فقال إنه أيضا فكر في القيام بذلك، ولكنه لم يبدأ به بعد، وقام مجلسه وأحضر نسختين جديدتين من (السفر المطيب)، وقبل أن يقدمهما لي كتب على الأولى إهداءه لي نيابة عن والده الراحل، والثانية سلمها لي قائلا : وهذه نسخة أخرى لتعمل عليها في التحقيق لأنك أولى به، وشجعني كثيرا على إنجاز هذا التحقيق، وقد تأخرتُ إكماله للأسف الشديد  لظروف قاهرة، ولكنني أتممته على كل حال، وأخبرته بذلك، ولكني لم أخبره بما تضمنته كلمة الإهداء التي كتبتها على صفحته الأولى وهي :

(إلى الروح الطاهرة لمؤلف الكتاب

حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي القسام – طيب الله ثراه – إحياءً لذكره ووفاءً لجهده ..

وإلى نجله الرجل النبيل

الدكتور قاسم القسام

محبة وإخلاصا وتقديرا

المحقق).

وطبعت كمية محدودة منه بمساعدة الصديق الدكتور عبد الرضا عوض، وأرسلت له مجموعة من نسخه .

بعد ذلك لم ينقطع التواصل بيننا، فكان الهاتف الوسيلة الدائمة للحديث بيننا، إذ كنت أزوره في داره المعمورة بين مدة وأخرى، وكان يفرح جدا بزيارتي، ويمتعني بأحاديث جميلة عن الكتب والعلماء وأخبارهما، وفي لقاءاتنا الأولى حدثني عن سيرة والده مفصلا لحاجتي لها في كتابي الذي قصدته من أجله، وكان من الملازمين له والقائمين على خدمته حتى وفاته رحمه الله، وقد سألته مرة : لم أرك في المسيب مرة وكأنك غير موجود فيها ؟ قال إنه حرص على عدم الخروج من البيت حفاظا على سمعة والده، وكي لا يقال ابن الشيخ القسام عالم المدينة شوهد متمشياً في الشوارع أو جليسا في المقاهي!!

ومما حدثني به أنه حافظ على مكتبة بعد وفاة والده رحمه الله وانتقالها له، وقال أنه في بداية الثمانينيات قلع باب غرفة المكتبة داره، وقام ببنائها خوفا عليها من حملات التفتيش التي كانت تشنها السلطة يومذاك على من تفترض معارضتهم لها !! وكانت مكتبة الشيخ القسام من المكتبات المعدودة في مدينة المسيب على الرغم من أن الرجل تبرع لمكتبة الثقافة الإسلامية التي افتتحها سنة 1961م في بناية تجاور جامع السعداوي (الفرات سابقا) بعدد غير قليل منها ..

وأعلمني الحاج قاسم عن مواصلته الدراسة بعد تقاعده عن العمل في معهد إعداد المعلمين حبا في العلم، ونقل لي نقاشه مع لجنة السلامة الفكرية عند مراجعتها لرسالته، إذ طلبوا منه ومن طلبة الدراسات العليا كافة ممن لديهم بحوث ورسائل وأطاريح تغيير مصطلح (الفتوحات) إلى (تحرير)، فيغير مصطلح (فتح العراق) مثلا إلى (تحرير العراق)، وكان رأيه أن هذا لا يصح فكلمة (فتح) و(فتوحات) وردت في أمات المصادر القديمة والمراجع الحديثة، وقد أحرجهم بقوله : وهل يصح أن نغير (فتح مكة) إلى (تحرير مكة) ؟!

حملت رسالته للماجستير عنوان (المصطلحات الاقتصادية الإسلامية حتى نهاية العصر الأموي ؛ في كتب التاريخ والتراث) وكانت بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الأمير دكسن الذي طالما حدثني عن علمه وفضله، وقد طبعت فيما بعد وصدرت في كتاب .

في أحد معارض الكتب الدولية في مدينة النجف الأشرف قبل سنوات التقيت مرة الحاج قاسم، ومعه شاب قدمه لي بأنه شقيقته المقيمة في إحدى الدول الإسكندنافية، وقال إنه مشرف على (موقع آل القسام) الالكتروني الذي تبنى تأسيسه وتحمل كلفته، واقترح عليّ الإطلاع عليه والتواصل معه، وهو ما حدث .

اعتدت كل عيد أن اتصل به هاتفيا للتهنئة، وأحيانا كان يسبقني بذلك، كما كانت لي اتصالات هاتفية أخرى للاطمئنان على صحته أو الاستفسار منه عن شيء، وكنت ألحظ سروره بذلك مما يشجعني على الاستمرار، كما كانت لنا لقاءات بعض أيام الجمع قبل سنة 2003م في المكتبة العصرية مع صاحبها وهو صديقنا المشترك الدكتور أياد القاموسي، وقد ننتقل منها معا إلى مقهى الشابندر لتكملة أحاديثنا المتنوعة .

قبل انتكاسته الصحية الأخيرة، وكان قد عاد من رحلة علاجية في إيران قررت زيارته، فقصدته يوم السبت 27 حزيران 2015م، ولما وصلت مدينة المنصور اتصلت به هاتفيا لأعرف الطريق السالك لداره إذ هناك شوارع مغلقة، فما كان منه إلا أن يحمل نفسه على تعبها ليخرج في استقبالي إلى الشارع العام، ولم تجدي معه توسلاتي كلها للبقاء في الدار خوفا على صحته، وقد عانقني بفرح ولهفة، ولكني شعرت والألم يعتصرني بما يعانيه من مشاكل في التنفس .

كانت هذا  هو لقائي الأخير به، وقد استغرق جلوسي عنده أكثر من ساعة ولكن شعرت كأنها لحظات قليلة لسعادتي بلقائه وحلاوة الحديث معه، في هذا اللقاء أهداني أربع نسخ من كتابه الصادر حديثا (المصطلحات الاقتصادية الإسلامية) واحدة خصصها لي والبقية لعدد من أصدقائه في المسيب والحلة وهم الشيخ عبد الأمير النجار والدكتور ظاهر الشمري، والدكتور عبد الرضا عوض، ونسخة من مجلة (الأرشيف)، وله نشر فيها عن سيرة والده الراحل، وسلمني نسخة مصور لأصل مخطوطة لكتاب (السفر المطيب في تاريخ مدينة المسيب)، وكنت قد أعلمته برغبتي في إصدار طبعة جديدة للكتاب، ولما نهضت لتوديعه مضى مسرعا ليحضر هدية ثمينة كما اعتاد في أغلب الزيارات مما يحرجني ويخجلني، بل بلغ فرحة درجة أن نفح السائق الذي حملني إليه مبلغا ليس بالقليل شكرا لنقله لي وفرحه بهذا القدوم واللقاء، وعدت منه وفي قلبي خشية أن لا نلتقي ثانية لما رأيت من تدهور حالته الصحية، وهو ما كان .

بعد عودتي من هذه الزيارة بقيت على اتصال دائم معه لتفقد حالته الصحية، وبعد عدة اتصالات، لم أعد أسمع ردا منه، وكررت ذلك مرات ولأكثر من أسبوعين، فاتصلت بابنه الأصغر علي للاستفسار منه، فأخبرنه أن والده بحالة حرجة جدا في طهران، وقد عاد قبل يوم منه، وذهب أخوه الأكبر ثائرا بدلا منه، ولم تمر سوى بضعة أيام حتى فجعت بقراءة نعيه يوم 20 شباط 2016م على موقع أسرته، وقد جاء فيه :

(تنعى عشيرة القسام الخفاجية فقيدها الراحل وابنها البار الوفي ابن النجف الأشرف وأحد أعلامها المرحوم الدكتور قاسم ابن المرحوم العلامة حجة الإسلام الشيخ علي القسام الذي وافاه الأجل ظهر هذا اليوم في أحد مستشفيات طهران في رحلة العلاج أثر مرض عضال وسيصل جثمانه إلى أرض الوطن ليوارى الثرى في مدينة النجف الأشرف، وسيقام مجلس الفاتحة في المدينة التي نشأ وتعلم فيها، وظل وفيا وعاشقا لها ولرمزها ولأهلها... رحم الله أبا ثائر فقد كان عارفا مجربا ومحبا للجميع، وقام بتأسيس هذا الموقع على نفقته ليبقى رمزا لتراث وأسرة آل القسام ... إنا لله وإنا إليه راجعون ... الفاتحة).

وشعرت بألم شديد يعصرني لرحيل هذا الإنسان الطيب، فنشرت على صفحتي الفيسبوكية نعيا له قلت فيه :

(قاسم القسام وداعا

توفي في أحد مستشفيات طهران حيث كان يتلقى العلاج يوم السبت 20 شباط 2016م الدكتور قاسم ابن العلامة الحجة الشيخ علي القسام، وقد وصل جثمانه إلى النجف الأشرف يوم الاثنين 22 شباط 2016م، فشيع من جامع الطوسي إلى مثواه الأخيرة في مقبرة الأسرة بوادي السلام، وأقيم على روحه الطاهرة مجلس فاتحة في جامع السيد حيدر الكليدار في حي المثنى بمدينة النجف الأشرف، والفقيد من مواليد النجف سنة 1944م، وقد نشأ وترعرع في أسرة علمية ودينية معروفة، وأكمل تعليمه العالي، وكان باحثا ومتابعا دؤوبا، وقد طبع رسالته العلمية).

وبنفس مكلومة ودموع حزينة حضرت مع الشيخ عبد الأمير النجار والحاج فارس عباس الحمداني والحاج سعد مرزة السعدي مساء يوم الثلاثاء 23 شباط 2016م مجلس الفاتحة المقام على الروح الطاهرة للراحل الغالي قاسم القسام في جامع السيد حيدر الكليدار بحي المثني في النجف الأشرف، وقدمنا التعازي باسمنا وباسم أهالي مدينة المسيب لأل القسام الكرام وعائلة الفقيد وخاصة ولديه الدكتور ثائر والأستاذ علي اللذين عانقاني وهما يذكرانني بتلك العلاقة الطيبة التي جمعت بيني وبين والدهم الفقيد، ولم أتمالك نفسي فسالت دموعنا معا وأنا استمع لولده الدكتور ثائر وهو يردد باكيا (كان والدي يحبك جدا، ويذكرك دائما ..).

 

جواد عبد الكاظم محسن

قبل ان تندلع الحرب الاهلية المدمرة في لبنان كنت قد حزمت حقائبي لزيارة العاصمة بيروت، لان شهرتها في الجمال قد ذاعت كثيرا، وانها كانت مصيفا للنخبة وأصحاب الأموال ولكن الحرب الاهلية أجلت تلك الرحلة لسنوات طويلة جدا حتى شاءت الاقدار ان اختار الخطوط اللبنانية للسفر من لندن الى بغداد عبر بيروت، وقررت ان اكسر ذلك الجمود الطويل واتوقف لمدة ثلاثة أيام لدى العودة الى لندن، ولكن التوقف الطويل الذي امتد لثمان ساعات في مطار بيروت حفز بعض الذكريات عن لبنان واثارها وبدأت استرجع بعض ما علق في الذاكرة عن لبنان من معلومات عامة.

ما كنت اعرف من لبنان سوى الحمراء وصخرة الروشة وطباعة الكتب ودور النشر وسهل البقاع والجنوب وحزب الله والاكلات اللبنانية وغيرها، وهذه التي علقت في الاذهان تشبه ما علق في ذهني عن بريطانيا منذ الصغر كالريف الإنجليزي ومدن برمنغهام ومانشستر واكسفورد ومطار هيثرو وغيرها من الأسماء التي كانت رؤيتها مجرد حلم مستحيل ولكنه مع الأيام تحقق ولم يعد يعني لي شيئا لكثرة ما سافرت من مطار هيثرو ذهابا ومجيئا ومن مطارات أخرى محسوبة على لندن مثل مطار ستانستيد وكاتويك ولوتن، وقد سافرت عدة مرات الى سوريا قبل ان يطالها الاحداث المؤسفة هي الأخرى وكانت ملاذا آمنا للعراقيين، وسوريا التي تجاور لبنان تتشابهان ولكن لبنان لها خصائص فريدة تميزها عن البلدان المحيطة بها.

عندما كانت بيروت تحترق بيد ابناءها كانت سوريا آمنة وتوالت الأيام ليصير العكس تماما، فسوريا صارت تعاني من انعدام الامن ولبنان صارت تنعم بالهدوء النسبي.

قضيت ثمان ساعات من ليل بيروت في قاعة الترانزيت ذات الحركة الخفيفة حيث ان جميلات السوق الحرة أكثر من الزبائن ولا أدرى كيف تحقق هذه الأسواق الربح المادي، لا أدرى، والسوق الحرة في مطار بيروت يختلف كما ونوعا عن السوق الحرة التابعة لمطار هيثرو حيث الفخامة والضخامة والتنوع. ان التجول في قسم العطور الباريسية الفاخرة في أي سوق حرة تعطي إحساسا بالمتعة وفرصة لتجربة الكثير من العطور حيث توضع امام كل مجموعة قارورة للتجربة والرش المجاني.

عندما كنا صغارا كنا نذهب الى السينما في الأعياد فقط، وكانت الأفلام في تلك الحقبة هي أفلام هندية او عربية استعراضية وقد ظل فيلم لبنان في الليل يعرض على شاشة سينما اطلس بمدينة كركوك لأشهر طويلة وكذلك الحال لفيلم (مرحبا أيها الحب) وهو الاخر فيلم لبناني استعراضي غير هادف ولكنه جميل ومثير لكثرة المطربين العرب المشهورين الذين شاركوا فيه، وكنا في ذلك العهد نطرب لكل شيء فكيف لو تطل المطربة الأردنية المعروفة بابتسامتها الساحرة وغمزاتها المثيرة سميرة توفيق وهي بملابسها البدوية تغني: بلّه صبوها القهوة وزيدوها هيل صبوها للنشامى ع ظهور الخيل

وكيف لو اطل المطرب العراقي المعروف رضا علي بمواويله واغانيه وهو ينشد:

طلعت برا البراري رحت اودعهم

شفت المراكب سرت والروج دافعهم

ناديت رب العرش قلت بلكت يرجعهم

او المطربة اللبنانية نجاح سلام ذات الأداء الراقص وهي تغني: يا ريم وادي ثقيف وهيام يونس وغيرها من الأسماء اللامعة ولا سيما المطرب الفريد في أدائه فهد بلان وهو يغني بصوته الرجولي وقامته الطويلة:

واشرح لها عن حالاتي / روحي عليل لأجلها / رح يا طبيب لأرضها / سلملي عل يحبها

وطوال الثمان ساعات التي قضيتها في المطار حيث لم استطع النوم لدقيقة واحدة ازعجتني بعض النداءات التي كانت تذاع عن طريق مكبرات الصوت أقول ازعجتني لأنها كانت بلا معنى، منها اعلان عديم المعنى وهو (يرجى من المسافرين الحضور الى المطار قبل موعد الرحلة بثلاث ساعات) ولا ادري من يستفيد من هذا التوجيه والاحرى ان يبلغ المسافر هذا الإعلان حال استلام تذاكر السفر وليس عند الوصول الى المطار، والاعلان الاخر هو( يمنع التدخين في المطار منعا باتا) والصحيح ان يقال يمنع التدخين في صالات المطار الا في الأماكن المخصصة لأني وجدت هناك أماكن مخصصة للتدخين والمدخنين.

وعندما اهتديت الى مسجد المطار استبشرت خيرا وقلت سأنام قليلا ولكن النوم ابى ان يداعب معاقد الاجفان تماما، ولكن أسعدني ذلك المسجد الذي يشبه مساجد المطارات الأخرى فهي صغيرة في المساحة وبسيطة في المظهر الا انها حميمية للغاية اذ لا تجد فرقا بين المسلمين هناك فيصلي الشيعي مع السني في مكان واحد بلا أي حساسية وحزازات.

ومع ساعات الفجر الأولى وطلوع الشمس رأيت بيروت في أحضان الجبال المسكونة بالعمارات السكنية، وجميل ان يرى الانسان مدينة تصحو من نومها فوجدتها جميلة ساحرة محفزة ولم يبق سوى انقضاء الوقت وحلول موعد العودة لأتوقف في بيروت لثلاثة أيام اكتشف خلالها معالم المدينة عن قرب.

 

حسين أبو سعود

 

بعد فراره من العراق عام 1978، برفقة الشاعر عبد الكريم كاصد عبر صحراء البادية الجنوبية العراقية، بقي الشاعر (مهدي محمد علي) طوال سنوات المنافي، يعيش حياته في البصرة، التي سكنته عبر الذاكرة، وكأنه لم يغادرها طوال تلك السنوات، وذهب إلى وضع البصرة في نهاية جميع ما كتبه، مثلاً:" البصرة- الكويت، البصرة - عدن، البصرة - موسكو، البصرة - حلب، الخ"، وكانت البصرة هي المكان الذي يلوذ به في حياته خارجها، وقرر أن يحملها معه مهما تتبدل المنافي والبلدان، بكل أحوالها وتحولاتها، موذلك يستلزم حفظها في كتاب، موباشر برسمه بالكلمات، فرسمها كما رآها وعايش ناسها وأماكنها من عمر الخامسة حتى الخامسة عشرة. وكتب عنها كتابه (البصرة..جنة البستان). وهو كتاب استذكاري.. ورؤى وأخيلة طفل، لواقع مدينته في بداية خمسينيات القرن العشرين. وقد استغرق منه ثلاث سنوات، بدأ فيها من عام 1982 بعد أن تأكدت حالة النفي وحين استشرف المستقبل، ورأى انه لن يعود إلى مدينته إلا بعد سنين طويلة، وربما لن يعود أبداً، موحتى وإن عاد، فهو لن يعود مطلقاً، إلى بصرة الطفولة والصِبا، لأنها بدأت تتثلم منذ إزالة (الطاق) في (العشار) ومبنى (البنك العربي) وساعة (سورين)، وتغير ملامح ساحة (أم البروم) و(كورنيش) شط العرب، وكذلك مقهى بعض مثقفي المدينة، مويطلق عليه شعبياً بـ(الدكة)، فبدأ بتأكيد بعض الصور من أخيلته عن (بصرته) الغائبة عنه واقعاً والكامنة في ذاكرته الحية المتوقدة. يذكر الشاعر عبد الكريم كاصد: "حين كنا في سوريا، هاربين من النظام، نعيش متجاورين، مهدي وأنا، كان هو مشغولاً بمشروعه، وهذا الكتاب من أجمل الكتب التي صدرت في المنفى. قرأه الكثيرون: مهندسون، أطباء، عمال، طلاب، وتم تهريبه إلى العراق آنذاك، ولكنه للأسف لم يجد أي صدىً، في الجو الثقافي العراقي - العربي الصدئ". حاول بعض الباحثين بعد سنوات على صدور كتاب (مهدي) إيجاد (تناص أو تواصل) ما بين" بصريثا..صورة مدينة" للقاص " محمد خضير" الصادر عام 1993/ منشورات الامد"، واغلبها مقالات نشرها الأستاذ "محمد خضير" بين الأعوام 1987- 1990، في صحف ومجلات عراقية، مو" البصرة ..جنة البستان" الذي صدر زمنياً قبل كتاب الأستاذ محمد خضير. إلا أن ذلك لم يكن دقيقاً وصائباً، إذ أن كتاب "بصرياثا" قد عمل فيه القاص"محمد خضير"على طبقات عدة من أنواع السرد والرؤى متعددة الأشكال والمضامين، موظفاً قدراته السردية - الفنية للحفر في تاريخ المدينة، ومتابعة اندثارها، وتجددها المتواصل، والميثلوجيا التي اتسمت بها، وسطوة سنوات حرب العقد الثمانيني عليها، والذي تحولت فيه إلى مسرحٍ قاسٍ وضارٍ للحرب. إضافة إلى أن: "بصرياثا.. كتاب محير في طبيعة تصنيفه، فهو ليس من جنس القص، أو السرد المحض، ولا هو بكتاب مذكرات، أو سيرة..انه صورة مدينة، فيها مما ورد، ومما لم يرد في التوصيفات السابقة شيء كثير..وتمنح الاستعارة، بما تملك من قوة المجاز لغة الأستاذ (خضير) شعرية لا يمكن تجاهلها، وهي تجسم النثر، وتجسده، ومن الجماليات المؤثرة في (بصرياثا)، التضاد الذي يأخذ بعداً دلالياً يمنح التشكيل النثري متسعاً من المطابقة التي تبرز الشيء ونقيضه، مما يجعله يؤشر على: خرائط مواقع، آبار، وغدران وبرك ووديان واكمات وجبال، ومراع، ومواطن قبائل تعوزها قدرة تخيل البرق عند بدوي يفرز السحابة الممطرة (المزنة) عن شبيهتها الكاذبة" ( د. فاضل عبود التميمي). كما عد بعض الكتاب (البصرة جنة البستان) من أدب السيرة التي تغدو مدينة الكاتب جزءاً من حياة كاتبها، وفي حالات كثيرة تصير المدينة هي الهدف من كتابة السيرة، وتجيء من خلالها سيرة الكاتب كفرد من الأفراد الذين عاشوا في تلك المدينة، ذلك ما عرفناه في سيرة الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف في كتابه" داغستان بلدي" و" الطريق إلى غريكو" لنيكوس كازنتزاكي". " البصرة.. جنة البستان- سيرة نثرية" رؤيا وأخيلة طفل، لواقع مدينته في بداية العقد الخمسيني، خاصة بالنسبة للمنفي، إذ يتأكد جوهر الحنين للوطن عبر الحنين للطفولة والصبا وما تأسس عليهما، والوطن هو الأشياء والأحياء وما اكتنفهما من حوادث ومسارات، الوطن هو البيوت، والدروب، وما فيها، هو الإنسان والحيوان والماء والشجر، ولكن الإنسان هو العنصر الفعال في كل ذلك، وهو في الوقت ذاته العنصر المنفعل بكل ذلك، أن ثمّة فرقاً بين مكان الوطن وزمانه من جهة، ومكان المنفى وزمانه من جهة ثانية، فالأول منجز قد توقف ظاهرياً، والثاني مفتوح يأتي بالمتوقع وغير المتوقع، ويظل الوطن يتناسل في الروح، ويستعاد مرات ومرات، بسبب انفتاح المنفى، وربما - أحياناً - بسبب انغلاقه وغموضه، وفي كلا الحالين يظل الوطن يمور ويتناسل، ولكن الأمر يختلف من مبدع إلى آخر، فمدينة البصرة ..جنة البستان بالنسبة لـ (مهدي) بضوئها وعتمتها كائنة في النصّ حتى وان لم يتضمن ذلك النص النخلة والبلم، أو شط العرب وجداول البساتين، مولقلق المئذنة أو الغراب الذي يسرق (الصابونة) من أرض (الحوش) ويمضي بها إلى السماء. ثمة في المنفى ما يرسخ الوطن - البصرة - البيت - الجدار - الغرفة - المنضدة - نافذة الشناشيل، فكلما أوغل المنفي في الغربة أوغل في الوطن. و"البصرة.. جنة البستان" هوالمزج بين الاستذكارات النثرية المطعمة بشيء من الشعر للكشف عن تصورات وأخيلة ذلك الطفل الذي يجلس في أعلى شجرة (التكي) ليتذوقها ويمسك بيديه صغار( البلابل) ولحمها الطري، ليستحوذ عليها، ثم وفي حالة من تجلي الطفولة الرقيقة، يرق لصراخ أمها، التي تحوم حوله، فيتركها دون أذى، كما انه وعي الطفل وذاكرته الحادة جداً والتي تحتفظ بسمات مدينته.. ومع انه في المنفى لأكثر من أربعة عقود إلا انه يتفحص قصص مَن عايشهم فيها ومنهم أمه موإخوته وأخواته وجيرانه وأصحاب طفولته، من الذكور والإناث، وحتى أصوات بائعي الصمون الحار والقيمر صباحاً، وكذلك يؤرخ لصوت (البلبل) الذي كانت تبدأ (دار الإذاعة العراقية الملكية) بثها الصباحي بإشارته، والذي يختفي فجر 14 تموز 1958، الذي فتح أشياء كثيرة مومتعددة من السعادات، والهناءات، ومختلف أنواع التحولات والحراكات الاجتماعية، موالتي لا عهد أو تراث للعراقيين بها .

 

.....................

*لمناسبة مهرجان المربد الشعري الثالث عشر البصرة 1 - 4 - شباط -2017 - دورة الشاعر مهدي محمد علي - المحتفى به الأستاذ الدكتور الناقد شجاع العاني وإسهاماته في النقد العراقي.

بمناسبة تكريمه في برلمان ولاية نيو ساوث ويلز  من قبل جمعية إنماء الشعر برئاسة د. بهية أبو حمد

 الموسيقار مجدي فؤاد بولس مبدع وعظيم من مصر. انعم الله عليه بأنامل ماسية ولامسهم بنوره الطاهر ثم صقل في روحه الإبداع فغدا قيمة فنية لا مثيل لها.

اجل- انه قيمة فنية عظيمة ونادرة - لم ولن تتكرر.

انه الإبداع النادر الذي حلق آلى ألافق وارتقى الى عالم المجد .

انه الموسيقى الحالمة التي تنساب في روح كل فرد لتزهر وردة جورية تطرب الخالق.

انه اللحن الشجي الذي يغرد مع ملائكة الجنة ليرنم صلاة ويدغدغ حنانا في روح المؤمنين .

انه النور الساطع الذي ينعش وجه الخالق ويغدق عليه بريقا مميزا ينساب شجوا وطربا مع طيور الجنة.

انه المايسترو الذي أعطى للموسيقى معنى اخر ورونقا شجيا يطرب الملائكة ويغرد زهوا بين جدران الكنائس  .

انه الموسيقار الذي أشرق عزفه على ألة التشيلو في كل مسرح ، ومنزل، وشارع، وروح العاشقين ، فلمع اسمه وارتقى الى المجد، وزاد عزفه اشراقا وإبداعا. فغردت مصر ابتهاجا وفخرا. 

انه المايسترو الذي اظهر إبداعا فريدا ومهارة نادرة بالعزف على آلات موسيقية اخرى فانحنت له الموسيقى اجلالا وتبجيلا .

أيها الموسيقار الكبير

كم نحن فخورين بك وبفنك وبادائك النادر والفريد من نوعه.

انت هدية قيمة لنا من الخالق .

 انت مبارك بنور المسيح وببركة روح القدس .

اجل انك معجزة العصر التي لن تتكرر .

انت فخر مصر وكنز من كنوز العام.

حماك الله في كل حين وأعطاك العمر المديد .

دمت للفن عنوانا وللموسيقى لحنا مبدعا وفريدا.

 

د. بهية أبو حمد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3- الصلاة والبكاء لمكافحة الغلاء والفيضانات: ظهر تفاوت كبير بين مستوى العيش عند الطبقات الدنيا من العامة في بغداد العباسية والمدن الكبرى الأخرى وبين طبقات الخاصة والمترفين، وكان ظهور الإقطاع في العهد البويهي - لم ينتشر ويترسخ هذا النمط الإقطاعي ويسود على حساب النمط المشاعي  راسخ الجذور في أرض السواد خصوصاً،  وانقرض بانقراض دولة بني العباس، ولكن البريطانيين فرضوه فرضا  بعد احتلالهم للعراق في بداية القرن العشرين - حين  تقرر إعطاء الجند الإقطاعيات بدل الرواتب ما أدى إلى وضع إمكانات البلاد الزراعية والاقتصادية بأيدي الجند الترك والديلم فتدهور الوضع الاقتصادي في العراق بعامة واصيب النظام النقدي والمالي بالركود وضعفت الفعاليات الصيرفية في عهد الدولة " الوزارة" البويهية. وحدثت موجات غلاء فبلغ سعر كر القمح سنة 358 في بغداد 90 دينارا ذهبا وكان الدينار بسعر 15 درهما (الكر مكيال عراقي انقرض يساوي 40 أردبا والأردب 80 كغم تقريبا .ع ل). ولكن موجات الغلاء كانت تحدث حتى في عهود الازدهار ففي عهد الرشيد وقع الغلاء بسبب غرق السواد ( جنوب ووسط العراق) وبغداد بالفيضان فأمر رجالُ الدين الناسَ بالإكثار من الصلاة والبكاء وكسر آلات الطرب كما يخبرنا الابشيهي في " المستطرف"، ولكن جمهور الفقراء فضل حلاً آخر هو الانضمام إلى حركات المعارضة المسلحة السرية المعادية للدولة كحركة القرامطة وغيرها، أما  الأعراب والبدو في الصحراء العراقية فراحوا  يصولون ويجولون ويهاجمون قرى وبلدات السواد وضواحي بغداد. وقد اتخذ المقتدر اجراءات استثنائية لمعالجة أزمة الغلاء ومنها التسعير الرسمي للمواد الغذائية خوفا من انتفاض  العامة ضده ثم تراجع جزئيا  وأطلق حرية تجارة القمح، كما لجأت الدولة في النصف الثاني من القرن الرابع الى تحديد سعر موحد ورسمي  للخبز خاص بالفقراء هو ثمانية أرطال بدرهم وتركت السعر حرا لسائر الفئات والطبقات الأخرى.

وكانت السلطات تساهم في الاحتكار ورفع الأسعار بفرض الضرائب العينية على الفلاحين، وإرغامهم على بيع انتاجهم بأسعار منخفضة للتجار بالتواطؤ مع هؤلاء التجار وقد بلغت الضرائب في عهد البريدي سبعين درهما. كان أعضاء الأسرة العباسية ورجال السلطة يخزنون الحبوب في بيوتهم ومخازنهم  ويحتكرونها  لرفع سعرها، وكان الخليفة يتدخل أحيانا فيأمرهم ببيعها في السوق بأسعار معتدلة.  واختلفت أسعار اللحوم من مكان إلى آخر في العراق العباسي ففي حين كان سعر الجدي في البصرة عشرة دراهم وفي الأهواز المجاورة درهمين كان سعره في بغداد أكثر من ذلك بكثير وكان ثمن وجبة لحم مشوي لشخصين في بغداد بعشرين درهما، في حين كانت ملابس شَيْخ الإِسْلاَم الإِمَام الحَافِظ العَالِم أَبي الحَارِثِ اللَّيْثُ بنُ سَعْدِ القَلْقَشَنْدَي تساوي عشرين ألف درهم!

 أما الفقيه أبو يوسف القاضي (أحد تلامذة الإمام أبي حنيفة النعمان ونديم الخليفة الرشيد. ع ل) فقد كان في جملة كسوته مائتا سروال خزٍّ بتكك أرمنية (الخز: قماش ينسج من الحرير الخالص فقط "الإبريسم"  أو من خليط من الحرير والصوف وهو الكشمير في عصرنا. والتكك أحزمة وأربطة  مطاطية اشتهرت الأرمنية منها وكانت الواحدة منها تباع في بغداد  العباسية بسعر يتراوح بين دينار وعشرة دنانير. ع ل).

4- أصول الخمط بالتضمين: ولكي نقارب مستوى الغنى الفاحش عهد ذاك "حوالي القرنين الثاني و الثالث الهجريين"، نعلم، مثلا،  أن الثري يعقوب بن الليث الصفاري ترك في بيت ماله بعد موته خمسين مليون درهم ومليون دينار، وتلك كانت ثروة هائلة آنذاك. وكان الخلفاء يوزعون الخدمات العامة كالبريد وضرائب الخراج وغيره بطريقة التضمين " الضمان" والاحتكار وهذه النظام الاستثماري ما يزال قائما في العراق حتى اليوم وخصوصا في تضمين "علوات = أسواق" الخضار والسمك والحمامات من  أملاك الأوقاف أو البلديات...الخ. وقد كرس ضعف الدولة نظام "التضمين"  إذ لجأ الكثير من الولاة والقادة إلى ضمان الأراضي من الخليفة (المالك الفعلي لخيرات البلدان وخصوصا العراق الذي كان يوصف ببستان قريش وبلاد فارس وارمينيا وإذربيجان  وأفريقية "تونس الحالية" وبلاد المغرب...الخ ) فيوافق الخليفة على إقرارهم على ما تضمنوا وكان ما يقدمه الولاة أقل بكثير من خراج ما يستولون عليه ففي سنة 296 هـ ضمن ابن أبي الساج أرمينيا وإذربيجان مقابل 120 ألف دينار أي ما يعادل عشر دخلها تقريبا والذي بلغ في عهد المأمون 17 مليون درهم. وكان العسكريون يحصلون على أرباح طائلة من المدنيين. ويذكر ابن الجوزي أن الوزير حامد بن العباس (قاتل الشهيد الحلاج) أهدى بستاناً بعد أن أنفق عليه ألف دينار ذهبي.

وفي حين تذكر مصادر التراث (كقوت القلوب لأبي طالب المكي مثلا) أن النبي العربي الكريم اشترى ثوبا بأربعة دراهم وسراويل بثلاثة دراهم وقومت ثياب التابعي سفيان الثوري ونعلاه بدرهم وأربعة دوانيق فأن ما حدث لاحقا أي القرن الثالث الهجري كان عجيبا: يروى أن  كساء الطبري كان يساوي 400 أربعمائة درهم، وسُرِقَ ثوبان لمحمد بن طاهر قيمتهما 1500 ألف وخمسمائة دينار ذهب، وكان ثمن كفن الخليفة المعتضد 16 قيرطا ذهبا... يتبع،  عن مظاهر الصراع الطبقي  سراويل الخز قريبا.

الصورة : تمثال برونزي نادر جدا للخليفة العباسي هارون الرشيد وهو عبارة عن قطعة شطرنج، عثر عليه في إقليم خراسان ويعود – كما يرجح كاتب النص الفرنسي الذي احتوى هذه الصورة وقد عثرت عليها مصادفة خلال بحثي عن صور من ذلك العهد - يعود لسنة 850 ميلادي تقريبا (توفي الرشيد في 805 م) وهو بأبعاد 8.6 × 3.4 سنتمتر نص باللغة الفرنسية في خلال بحثي عن صور من ذلك العهد. يصف الكاتب  التمثال كالتالي: يرتدي - الخليفة الرشيد - عمامة كبيرة الحجم إلى حد بعيد، بوجه ملتحي، يرتدي رداء طويلا يغطي ذراعيه  إلى المعصمين . وقد ثنى يديه على ركبتيه في هيئة المفكر. يتميز لباسه بكثرة الطيات والثنيات على الجزء الخلفي وتزين عمامته شراشيب وخطوط  تتمركز حول القمة. التمثال مصبوب من البرونز  في جزأين وهو يُعلق حول محيط الكتلة أو الجسم  من الأمام. داخل التمثال أجوف. المؤسف أن الكاتب لم يذكر مكان وجود هذا التمثال في الوقت الحاضر وأرجح ان يكون موجودا في متحف اللوفر.

 

علاء اللامي

مكسيم غوركي Maksim Gorky 1868 – 1936 أديب روسي وناشط سياسي ماركسي، مؤسس الواقعية الأشتراكية التي تجسّدْ النظرة الماركسية للأدب، حيث يرى "أن الأدب مبني على النشاط الأقتصادي " في نشأته ونموه وتطوره، وأنهُ يؤثر في المجتمع لذا ينبغي توظيفهُ في خدمة المجتمع، وهو في طليعة أدباء عصره في أستقراء وتبني هذا الرأي كنظرية علمية في عالم الأدب والثقافة .

لقد قرأتُ كتب ومؤلفات كثيرة لمؤلفين وكتاب عالمين وعرب .. ولكن يبقى الكاتب والمؤلف الروسي مكسيم غوركي هو الأقرب إلى وجداني وفكري وروحي ربما كانت رواية "الأم" تدفعك بدون عناء التوغل في أعماق أوجاعه، فهو قصصي وكاتب وناشط سياسي ماركسي الهوى والأنتماء، عارض علناً النظام القيصري وأعتقل مرات عديدة، وسُجن أكثر من مرّة إلى أن بزغتْ ثورة أكتوبر 1917 المظفرة، فأعطاها كل ما يملك من عبقرية وحيوية، وكرس نضالهُ الثوري ما تبقى من عمره حتى سقط مغدوراً بيد أحد التروتسكيين في 18 حزيران 1936، وقربه وصداقته لرموز الدولة السوفيتية مثل لينين الذي أصبح الصديق الشخصي له، وستالين ومن قادة الحرب والدولة، ووقف إلى جانب حزب البلاشفة ومن مؤيدي الحركة الأشتراكية الديمقراطية في روسيا، وشارك فعلاً في ثورة 1905، وسخر قلمهُ في دعم خطهم السياسي ضد المنشقين والتروتسكيين، فهو نذير الثورة الذي بشّر بهبوب العاصفة الثورية بقلمه الذي خط به خطوط الواقعية الأشتراكية، كان ثورياً ساهم بشكلٍ فعال في أشعال الفتيل الثوري، حيث كتب عدة مقالات ثورية يقول لافيها : --- مزيداُ من الجرأة أيها الرفاق --- مزيداً في الأيمان بقوة الجماهير الثورية التي في طليعتها البروليتاريا، وأن العذاب النفسي الذي تلازم مع مكسيم والمحتبس في ذاته منذ طفولته المعذبة بفعل التسلط والصراع الطبقي في المجتمع الروسي، خاض تحدياتٍ نضالية وكفاحية خطيرة --- بيد أنهُ ربحها

رواية "الأم" كتبها مكسيم بعد فشل ثورة 1905 وقبل ثورة أكتوبر المجيدة، وقد وصفها لينين يأنها جاءت في وقتها، صوّر غوركي العمال الكادحين بمظهر قوي كعملة نادرة مطلوبة عند الدولة كذراع يحرك أقتصادها بعكس ما ينظر بعض الكتاب إلى العمال بأنهم يستحقون الرحمة والعطف، تمكن في رواية الأم من فضح النظام القيصري القائم على الظلم والأضطهاد من خلال الحديث الشيّق والمنمّق بواقعية من خلال (ميخائيل بلاسوف) الذي عاقر الخمرة للهروب من واقعه المرير كأحد العمال البائسين فهو سكير لا أبالي عنيف يكره الأخرين حتى أفراد أسرته، غير مهتم بما يجري حوله، وجعل أم (بافل) هي بطلة الرواية تتحول فيما بعد إلى مناضلة بعد موت زوجها الشرير ميخائيل بلاسوف ونفي أبنها (بافل) إلى سيبيريا كسجين سياسي، فهي تعلم أن الدموع لا تنضب في عيون الأمهات، رغم خوفها وقلقها على مصير أبنها، ألا أنّها تشعر بالفخر بأبنها وهي تشاهدهُ يرأس الأجتماعات السرية ويتحدث بأشياء لا تفهمها، وعندما سُجن أبنها تابعت مسيرتهُ، وأصبحت توزع المنشورات السرية التحريضية ضد النظام مع أصدقاءه، وتبنت القضية وأصبحت كغيرها من الرفاق المناضلين متفهمة معنى التحرير فأندفعت أكثرو حين تجد جمهرة من العمال والكسبة والفقراء تندس بينهم وتخطب فيهم قائلة : تعرفون أيها الرفاق لماذا صدر حكم النفي على أبني ؟ لأنهُ يريد أن يبين لكم الحقيقة التي هي عملكم المضني وسرقة جهودكم و قواكم ولا يكون نصيبكم ألا المرض والجوع والفقر، كل شيء ضدنا، والجميع يستغلوننا، وفيما نحن نغرق بالوحول حتى آذاننا بينما نرى التخمة والترف على الطبقة البورجوازية الطفيلية، وبينما كان الكاتب غوركي منهمكاً في كتابة الرواية يصمتْ برهة ويضع قلمهُ جانباً ويتمتم : متى يا رب يكون عندنا أمهات يفرحن في حين يرسلن أولادهن إلى الموت من أجل الأنسانية ؟ مثل هذه الأم التي رسم لها غوركي أن تكون صمام أمان للبروليتاريا لكسر القيود وهدم قلاع القياصرة بالثورة البلشفية، عندها لن يستطيع أحد من أن يغتال روحاً جديدة بُعثتْ من جديد .

وأن مسرحية غوركي (في القاع أو الحضيض) جاءت تحدياً وفاضحا للنظام القيصري الأستبدادي الأقطاعي بأنهُ قطار يقوده أرعن يسحق الناس ويشوّه أرواحهم، بلغ فيها مكسيم الذروة لا تقل عن رواية الأم، أختار لمسرحيته قبوا قذرا رطبا منعزلا ضيقا أستعمل كمبيت تمتلكه أمرأة جشعة شرسة متهالكة على المال، يأوي خليطاً غير متجانس من البشر فكراً ونزواتاً وطباعاً تتكون من نفايات بشرية ميتة حيّة ذات نزوات مختلفة، فكانت رمزية غوركي بالقاع جغرافية روسيا، والكائنات الحية الميتة الشعب الروسي المستلب والمسحوق، لذلك مُنعتْ من قبل الحكومة بعد أن عُرض أكثر من ثلاثين مرّة، وفي رسالة لينين في 16-11- 1909 {بودي أن أشد على يدك بقوّة، فقد عادت موهبتك الأدبية الفنية على الطبقة العاملة في روسيا وغير روسيا بالنفع العظيم} ولدي أمل أننا نلتقي معاً ...ولن نلتقي كأعداء بل كرفاق في الكفاح، وهذه أدلة ثبوتية على أن غوركي لم ينظم إلى الثورة البلشفية بعد نجاحها في أكتوبر 1917 كما يقول بعض النقاد، بل كان أكبر المهندسين الأدباء لها بدلالة شهادة أخرى من ستالين الذي يبدو أنهُ تأثر بمسرحية غوركي (في القاع) أستوحى منها – وهو يقصد مكسيم – أن الأدباء هم مهندسو النفوس البشرية .

المجد لمهندس الطبقة العاملة الروائي الروسي "مكسيم غوركي"

وتحية أجلال وأكرام لكل أم وخصوصا لأمهات شهداء الحركة الوطنية العراقية

 

عبد الجبارنوري - كاتب وباحث عراقي مغترب

 

 

ثمة سرنديبية مؤنسة إعتادها كلّ مَن جعل القراءة النظامية نمطاً حياتياً ملازماً له، ولطالما قادتني هذه السرنديبية إلى حقول معرفية أو شخصيات فكرية مؤثرة في ميدانها.

حدث قبل بضعة أشهر كنت أقرأ في كتاب (الميتافيزيقا مرشداً إلى الأخلاق ). Metaphysics As a Guide to Morals 

الذي ألّفته الكاتبة الأثيرة إلى روحي: الروائية - الفيلسوفة آيريس مردوخ، التي قرأتُ معظم أعمالها الروائية والفلسفية منذ بواكير إهتماماتي الروائية في سبعينيات القرن الماضي، راقتني كثيراً الفكرة الأساسية التي يتأسّس عليها كتاب مردوخ المذكور أعلاه، والتي يمكن إختزالها ببساطة في أن أيَّ نظام للأخلاقيات ينبغي أن يقوم على هيكل ميتافيزيقي، يكافئ فيه الفعل الخيّر نفسه ذاتياً، مثلما يعاقب فيه الفعل الشرير نفسه على نحو ذاتي كذلك، وبعيداً عن أي نسق مرجعي مهما كانت طبيعته. ثم تمضي مردوخ وبأسلوبها الفلسفي الباذخ المضمّخ بنكهة روائية، في بيان أن أي نظام جمعي متداول للأخلاقيات سيقود إلى إشكاليات جدّية مستعصية.

 ومن الأمور اللافتة للنظر أن محاججة مردوخ هذه تذكّر المرء على الفور بمحاججة شبيهة بسطها أحد الآباء المؤسسين للفكر الليبرالي؛ وأعني به جون ستيوارت مِل) الذي شرح في كتابه (عن الحرية) On Liberty ) كيف يقود تملّك الأرض إلى مشاكل عصية على الحل، وقد إقترح الرجل حلّاً يقوم على أساس جعل الأرض ملكية مشاعية، وأظنّ أن الكثيرين سيندهشون حدّ النكران لمعرفتهم بإعتماد أحد مؤسسي الليبرالية فكرة تتأسس على أساس مشاعية الأرض.

قفز إلى ذهني على الفور - وأنا منهمكة في نص مردوخ - إسم المفكّر (عبدالجبار الرفاعي) الذي تتصادى جهوده بشكل من الأشكال مع جهود مردوخ، لكن في إطار بيئة فكرية مختلفة بالطبع، واستعدتُ في ذاكرتي المسيرة الفكرية لهذه الشخصية، التي بدأت بداية حوزوية تقليدية، لكنها سرعان ما شهدت إنعطافة فكرية (يمكن وصفها بأنها ثورية) قادت ليكون الدكتور الرفاعي على ما نشهده اليوم على صعيد الحراك الفكري الشخصي، وعلى صعيد المنجزات المشهودة كذلك.

يعدُّ الدكتور الرفاعي شخصية ريادية في ميدان تجديد الفكر الديني، ونقد جمود اللاهوت التقليدي والتأويلات الفقهية السطحية للدين، وتسويق الخطاب الديني المشجع على الصراعات الإجتماعية والسياسية، عبر تسطيح بائس للقيمة الميتافيزيقية الكامنة في جوهر النسق الديني، وابتعاد مقصود عن الأخلاقيات الدينية الجوهرية، التي تطمح إلى تفعيل الأبعاد الانسانية في الدين، وتأكيد حرية الخيار والمسؤولية البشرية بعيداً عن روح الغلبة والمصافقة، وانتظار العطايا والمكافآت الدنيوية - فضلاً عن الآخروية - التي تشكّل جوهرالخطاب الفقهي السائد.

كنت أتابع - بقدر ما تتيح لي الفرص - دراسات وبحوث عبدالجبار الرفاعي سواء في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، أوعبر مقالاته وحواراتنا؛ فأكتشف - بنوع من الغبطة العميقة - إهتمامه الجاد لدمج المعرفة العلمية والكشوفات المتحصلة من التجارب البيولوجية والفيزيائية والإجتماعية لمعاينة الواقع الانساني من منظورات متكافئة عبر النقاش والحوار، دون مصادرة رأي مغاير، بل مساءلته ووضعه على طاولة الإختبار

يعمل المفكر المجدّد عبدالجبار الرفاعي وسط بيئة بشرية مضطربة، تنعكس عليها مؤثرات متعددة خارجية وداخلية، ويواجه تحدّيات شتّى في حين تتظافر تلك المؤثرات على تفكيك بُنى المجتمعات وإحداث انزياحات في منظوماتها القيمية، التي ترسّخت لعهود طويلة في وعيها الجمعي.

من بين أهم السمات التي تميز إشتغال الدكتور الرفاعي: إختراقه لأُطر المفاهيم والأفكار الموروثة المستتبة، وتجاوزه لكثير من المحظورات في طرح تساؤلات خلخلت السكون الفكري الديني، مثلما هو حرصه على  فتح حوارات مستفيضة مع مفكرين مختلفي التوجهات الفكرية والمنطلقات، لإخضاع المزيد من الثوابت الصارمة للتفكيك، بعد أن ظل الإقتراب منها محسوباً في باب المحظورات.

إلتقيت بالدكتور الرفاعي للمرة الاولى في عمّان - لدى حضوره مؤتمراً فكرياً - وكنت على موعد للقاء المفكر اللبناني الدكتورعلي حرب في فندق كمبنسكي، وأذكر أن الدكتور علي حرب إنشغل باجتماع طارئ ساعتها، فالتقيت الرفاعي بحضور الصديقين الدكتور حيدر سعيد والأستاذ عواد علي. وبدأنا حواراً عن معضلاتنا العراقية ودور المثقف وسط ضجيج العصف السياسي والتبدلات المتسارعة في المحيطين العربي والعالمي. وأهديته حينها إثنين من كتبي الصادرة حديثاً: رواية (سيدات زحل، وكتابي (يوميات المدن)، وظل حوارنا متصلاً عبر البريد الألكتروني؛ إذ كان يرسل لي دراساته القيّمة، والأعداد الجديدة من مجلة قضايا إسلامية معاصرة. والتقينا ثانية في معرض الكتاب الدولي في أربيل - ربيع 2013 - واتصل الحوار الذي إنقطع بيننا، وكنت أتابع نزوعه لمعاينة علاقة الانسان بالدين والمقدس عبر الفلسفة ومحمولاتها الفكرية عن طريق قراءة مغايرة للنص الديني؛ حينها كنت مستغرقة في قراءة تمثلات المقدس في الحضارات القديمة، وملاحقة الرؤى الفكرية حول الدين في موسوعة (ميرسيا إلياد) المهمة: (تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية) للتعرف إلى الجوانب الإبداعية والأصولية الدينية لدى أسلافنا سكان ما بين النهرين، وتأسيسهم للوعي الديني الممتزج بالمتخيل الميثولوجي باعتبارهم سباقين في ابتكار المفردات الثقافية للحضارات الأولى، كما عند الثقافات المبكرة المتزامنة معها أو التي تلتها، وكشف لي الكتاب حينها عن الوحدة العميقة وغير المنظورة للنفس البشرية، ووحدة التأريخ الروحي للبشرية.

عبدالجبار الرفاعي قارئ متبحّر، ومؤلف مجتهد، ألّف ما يربو على الأربعين كتاباً، تمثّل في مجملها مقاربات حداثية للفكر الديني وفلسفة الدين، وأشير في هذا الميدان إلى كتبه التالية: مبادئ الفلسفة الإسلامية (جزءان)، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي، والموسوعة التي يحررها، وأصدر منها ثلاثة مجلدات: موسوعة فلسفة الدين. ولا ينبغي أن ننسى ترجماته الثرية وتعريفه بمفكرين تجديديين كبار، أمثال داريوش شايغان، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان. إضافة إلى مساهماته الكبيرة في موسوعة الفلسفة العربية المعاصرة، وتأسيسه لمركز دراسات فلسفة الدين، الذي دأب على إصدار مجلة (قضايا إسلامية معاصرة) منذ عشرين عاما.

منحتني قراءتي لأعمال الدكتور الرفاعي أملاً في أن يغادر هذا الفكر المتنوِّر المجدد حدود البحوث والكتب والمجلات والمؤتمرات، ويصبح عنصراً فاعلاً في التحديث والسلم الإجتماعي، باعتماده في الدراسات الأكاديمية والمناهج التعليمية، من أجل بناء الشخصية السوية التي لا تنسحق أزاء جبروت المقدس، بل تتفهمه وتتغذى على ثرائه، وتعتمد تفصيلاته الأساسية كطريقة حية للعيش، دون إرغام أو قسر أو نُذُر أو تبشير، وحينها فقط يمكن أن تتغلغل الحداثة في المفاصل الدينية والتربوية والتعليمية والثقافية والإقتصادية والسياسية، وسيكون التحديث شاملاً مكتملاً، دون تناقضات صارخة بين الإستخدام اليومي لمنجزات الحداثة وما بعدها، والإلتزام غير الواعي بالنص الدينيّ، دون استيعابٍ واعٍ لمبتغياته الصريحة، أو التي يمكن تأويلها بما يخدم زيادة مساحة الحرية الفكرية، بدل تقليصها من خلال التحوّطات الفقهية.

تصدّى فكر الرفاعي المعنيّ بالحداثة والإنفتاح الفكري - بجرأة ونعومة وفطنة - لنقد القراءة النصية المغلقة للمقدس، الذي تتبناه المؤسسات الدينية المحافظة للطوائف والأديان كلها، وكشف تلك القراءات المبنية على تبادل المنفعة بين الفرد والدين في سردها وتأويلها للمقدّس، وفقاً للنموذج القياسي السائد، والقائم على آلية الترغيب والترهيبن لا على حوار العقول والوعي والقبول الحر؛ الأمر الذي يقود بالضرورة إلى طمر الأبعاد الإنسانية في المنظومة الأخلاقية للنسق الديني، ومن ثمّ إحلال مفاهيم مبسطة ومسطحة محلّها، تعطل العقل، وتقصي الروح، وتركز على النزعة النفعية الخالصة التي تحصر كل سلوك ضمن مفهوم الصفقة ومخرجاتها المتمركزة على المرابحة. تتركز جهود المفكر عبدالجبار الرفاعي على إخراج المعنى الجوهري الأخلاقياتي للدين من منطقة الصفقة والنفعية الموعودة التي يبشر بها الخطاب الديني التقليدي إلى صعيد السلوك اليومي الإجتماعي والالتزام بقيم النزاهة والأمانة والصدق، واحترام الإختلاف في الرأي وقبول أنماط متعددة للحياة.

تبدو الأخلاقيات لدى أغلبنا أقرب إلى أعراف متفق عليها، وذات تأصيل ديني المنشأ، حتى صار أمراً مفروغاً منه أن تتم المماهاة بين الأخلاقيات والأديان بطريقة إعتباطية وكيفية تماماً، وثمة محاولات حثيثة في كلّ انحاء العالم لتأسيس مايسمى (اللاهوت الإجتماعي) Theology  The Socia الذي يسعى لتعظيم ممارسة الفعل الاجتماعي المؤثر، من خلال الحركيات الفردية البعيدة عن المرجعيات الدينية التقليدية، والإبقاء على جوهر الأخلاقيات بلا مأسسة دينية، وقد حقّقت هذه الحركة نجاحات حاسمة في بلدان أوروبا الغربية وإليها يُعزى مثلاً تخلّي الكثير من تلك البلدان عن تطوير الأسلحة النووية الردعية وتشريع القوانين الداعمة لنوعية حياة المسنّين والأطفال. تجنح حركة اللاهوت الإجتماعي إلى كبح كفة اللاهوت مقابل الإرتقاء بكفة الأخلاقيات التي غالباً ما تتخذ صفة القناعات البسيطة البعيدة عن الحذلقة، وأرى أن جهود الدكتور الرفاعي تتماهى كثيراً مع متبنيات هذا اللاهوت الحداثيّ الذي يسعى لأنسنة الدين وجعله أقرب إلى النزوعات الإنسانية التوّاقة للتحرر من أغلال الكوابح الفقهية التقليدية.

 عبر معرفتي بالدكتور الرفاعي أدركت أن ثمة نوافذ مشرعة على النور في الجهود الفكرية المتعلقة بمساءلة الدين وتحديثه؛ فمفكرّنا الرفاعي يعمل في مجال وعر وصعب ومحفوف بالمحظورات والتحديات والرفض من قبل المؤسسات المنغلقة، لكنه لايكفُّ عن تقديم رؤاه الواضحة المستنبطة من إشتغالات فكرية عقلانية؛ ففي كتابيه القيمين: (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، والدين والظمأ الأنطولوجي) هناك التقاء حيوي مع الأفكار والفلسفات الحديثة والجهود العلمية التي تعمل مجتمعة لإستعادة الإنسانية من ضياعها وتبددها، وسط الصراعات الدينية والعرقية المفضية إلى التعقيدات السياسية والنزعات الإستهلاكية ومنظومات الإستغلال. ينتقد الدكتور الرفاعي في كتابيه هذين بقوة ووضوح القراءات القمعية الحرفية للنصوص الدينية ويحمّلها مسؤولية طغيان العنف والتشدد، لأنها لبثت في تحجّرها وجمودها، متوقفة عند حدود الماضي، رافضة للصيرورة والتبدلات الكبرى التي تمثل حقيقة الحياة وحيويتها ومكامن الجمال فيها.

لطالما وجدت في الحوار مع الأخ والصديق المفكر الرفاعي نزوعه العرفاني الجلي، وهو يحلل التجربة الصوفية المشرقية التي تعد مرتبة سامية لايرقى إلى بلوغها سوى الخاصّة من العرفانيين والروحانيين. وجدت في اهتمام الرفاعي بالجانب العرفاني تجديداً مشرقاً للفكر الديني، وإنقاذاً للروح من أسر التعاطي النفعي مع الدين؛ فالإحالة إلى جلال الدين الرومي تأكيد بليغ لدوره اللامحدود في التجديد الإسلامي، واعترافٌ بالأهمية الإبداعية الفنية - وبخاصة الشعر والموسيقى والرقص الصوفي - في السمو بالأرواح، وتعميق صلتها بالجوهر النوراني.

إن اهتمام الدكتور الرفاعي بالفكر الصوفي والعرفاني قاد جهده المعرفي إلى اللاهوت الإجتماعي، الذي يُعَدُّ احد المبشرين الكبار به، على خلاف اللاهوت الكهنوتي المتّسم بالفقر المعرفي، والإستكانة إلى المواضعات التقليدية السائدة.

 

لطيفية الدليمي - قاصة وروائية عراقية

 

وصلني امس خبرٌ من أهلنا في العراق عكَّر مزاجي وكدَّر نهاري وما أكثر اخبارالعراق التي تعكِّر المزاج وتكدِّر الوقت !! لقد تحول البلد كله الى قناة أخبارية مختصة بالأخبار المحزنة والمزعجة ..الأفراح والمسرات نادرة والأحزان والكوارث وافرة !! وطن مأتم ..هذا هو الوطن الذي ننتمي اليه والذي رافقنا منذ الشباب المبكر بأنباء القتل والفقد والغياب ..تراجع يمامه وحمامه، وغابت الطيور المحلقة في سمائه وحلق عزرائيل فوق مدنه  وأحيائه حاملاً الموت الى البيوت فاجعاً وموجعاً فما أقسى مهمة عزرائيل ..خبرت قبل أيام رحيل صديق حميم للعائلة هو الشيخ علوان صيوان الشاهين، وهو عسكري سابق وفلّاح صاحب أرض وبستان، وكبير اسرة، مهاب الجانب، مهذب الأخلاق، كريم النفس، صاحب مضيف ونخوة وشهامة، زارني هو وأقربائه حينما كنت في العراق قبل نصف سنة في ديوانية أهلي، ومررت مع أقرباء وأصدقاء في مسيرة حول المدينة والسد الذي يحمي المدينة من الفيضانات حيث يقع بيتهم فعرض أبناؤه وبقوة علينا ضيافتهم، واعتذرنا بألحاح لنواصل الرجوع الى البيت .

وأنا بصدد كتابة مواساة لأهله ولصهره أبو عمار الأستاذ كَاني ياسين الجواد صديق عائلتنا وأبن صديق والدي وصلني اليوم الخبر الآخر رحيل ابن عمي صادق كَاطع الأسدي.

صادق عسكري سابق أيضاً برتبة نائب ضابط في الجيش كان نشطاً وحيوياً الى أبعد حد ويتمتع بذكاء كبير ..من سوء حظه ان المدارس الثانوية لم تكن متوفرة في زمانه في مدينتنا، فأراد ان يختصر على نفسه المتاعب والطريق فتطوع في سلك الجيش ..كان اختصاصه في القلم العسكري والأدارة ..وخدم في مناطق عديدة من العراق ومنها مناطق كردية وتركمانية فتعلم اللغتين الكردية والتركمانية بأتقان عجيب، حتى الأمثال الشعبية والمفاراقات اللغوية والطرائف والنكات في هاتين اللغتين  خبرها صادق فاصبح مترجماً لزملائه الآخرين . تقاعد من الجيش وكانت من آخر محطاته قاعدة الأمام علي الجوية في الناصرية، كان يمتلك بيتاً في مركز الناصرية في حي سومر بيد انه فضل الرجوع الى ناحية الفهود ليقيم بين بيوت أخوته وأخواته وأبناء عمومته وأبنا أخواله وخالاته وأقاربه .

قبل سنتين تقريباً حدث طاريء في حياته مما عجل موته ..كان لديه مرض السكري، وقد احس ببعض الألم في ساقه وان قدمه بدأت تتلون بلون داكن وتسوَّد . فأخبر أهله الذين أسرعوا به الى الطبيب الذي حوله الى قسم الجراحة، حيث ارتأى الأطباء بتر ساقه قبل ان يسري المرض اللعين الى كل أجزاء جسده فيقتله، وماكان له الّا الموافقة فبترت رجله، وكان من جراء هذا ان تُصادر حريته هو الرياضي العسكري المحب للحركة والنشاط ومشّاء المسافات الطويلة ..

أخبرني أهلي في الأمر فهاتفته من برلين وتمنيت له الصحة والعافية وحاولت ان ابين له ان المهم انه قد تجاوز هذه الأزمة وبقي حياً حتى لوفقد ساقاً من ساقيه، فهو لم يزل هنا بعقله وقلبه وروحه، وسوف يقصده المحبون .ولأنني أعرف انه يعشق الشعر الشعبي ويحفظ من شعر أبي وشعراء المنطقة أهديت له بيتاً من الأبوذية كنت قد كتبته بعد سماعي بخبر بتر ساقه، حيث جعلت من كلمة صادق قافية للبيت، والبيت يقول:

لو صادقت زهر النجم صادق

النبيل وبالوعد لو وعد صادق

صدِّكَ من سمعت أخبار صادق

بدر تم وسكَط من بين ايديه

زارني أخوه الكبير ابن عمي  جواد مع أبنائه وأبناء اخوته وأخواته وكانوا متواجدين طوال وقت زيارتي فأعتذروا لصادق وبأنه أراد القدوم ولم يتمكن بسبب فقد ساقه واجراءات العلاج فقلت لهم أنا سأقوم بزيارته غداً أو بعد غد، وفعلاً ذهبت اليه في بيته رفقة بعض الأقرباء . كان وجهه الوسيم لم يزل حياً بعد الّا انني كنت أحدس مقدار الألم الذي ينتابه وهو يريد الحركة أو النهوض للعناق في الأستقبال والوداع فيستعين بالعكّازة، هو الذي كان يفخر على زملائه باستمرار الشباب والحيوية والنشاط حين يمزح معهم ويردد لازمة لم أزل أذكرها حين يقول : ستوك عتيكَ .

تحدثنا كثيراً عن الذكريات ولاسيما اننا ولدنا في بيت واحد وعشنا في بيت واحد هوعبارة عن بيتين في بيت، بيت عمي الأكبر أبيه وبيت أبي، ولم يكن يفصل بيننا حاجز بل كنا نتنقل بين البيتين، وحينما كان عمري عامين أو ثلاثة كنت أدرج ماشياً في الصباح الى بيتهم فتجلسني عمتي أمه الى جنبها وتمنحني استكان الحليب الطازج الساخن المحلى بالسكر الذي تحلبه في الصباح الباكر من بقراتهم .. لم أزل أذكر ذاك البيت الطيب ووجوه عمي وعمتي والأبناء والبنات وعلى جنبات البيت علقت صور منها صورة لمريم أم المسيح وصورة أخرى لجمال عبد الناصر في زي مدني ..لا أدري كيف جُمعت الصورتان معاً  ولاسيما ان ابن عمي الأكبر جواد كان شيوعياً محكوماً في نقرة السلمان وسجن الحلة ومن المشتركين في حركة حسن السريع وفي عملية  التحضير للهروب من سجن الحلة بواسطة نفق حفره السجناء، ولكن الناس عندنا يقدِّسون المسيح ومريم كما انهم يعتزون بالآخاء العربي، لذا أتت صورة السيدة مريم الى جنب صورة الرئيس المصري جمال عبد الناصر ..

صادق ولد وتربى في هذا البيت الذي ولدتُ وتربيتُ فيه وأمامه يقع بستان نخيلنا مع بيت عمي الأصغر وترعة ماء تتفرع عن جدول قريب.

والغريب والجميل اننا ولدنا جميعاً أخوة وأبناء عم في نفس البيت الكبير من أكبرنا الى أصغرنا رغم ان هناك مسافة ربع قرن من الزمن تقريباً بين الأكبر والأصغر.

وحينما دعاني ابن أختنا العقيد خالد الى بيتهم في سوق الشيوخ وأقام لي وليمة كبيرة فى حضور جمعٍ من الأهل والأصدقاء كنت أفتقد وجود الأخ صادق لعدم تمكنه من القدوم هو الذي لاتفوته مناسبات الأفراح ولقاء الأحبة!

خالد هو ابن أخت صادق وقد اختار الطريق العسكري ودرس العلوم البحرية العسكرية في ايطاليا واتقن الأيطالية فأصبح مترجماً عنها، كان قد تأثر، مثلما أخوه المقدم وليد بخاله صادق وبوالده في اختيار المهنة العسكرية، والأنتساب للجيش العراقي كجندي أو كضابط على حد سواء كان مفخرة للعراقي وأهله في ذاك الزمان!!

كان صادق محباً للشعر، يحفظ الكثير منه حتى ان قصيدة للشاعر عريان السد خلف بقيت في ذاكرتي دون ان أقرأها في كتاب أو ديوان وانما سمعتها من الأخ صادق ونحن في الطريق من سوق المدينة الى بيتهم ـ بيتنا  القديم، حيث أنتقلنا نحن الى مركز المدينة لقربه من مدارسنا وبقي عمي وعائلته في البيت القديم وحينما يأتي أولاد عمي لزيارتنا نرافقهم الى البيت القديم.

صادق كان في ذاك الوقت في أجازة وأتى لزيارتنا فرجعنا سوياً وفي الطريق الذي كانت تتخلله السواقي والقناطر وتنتشر على جانبيه بسانين النخيل قرأ صادق لي أبيات الشاعر البارع عريان السيد خلف والتي تقول:

 

الك وحدك لذيذ دموعنا من تسح

يلبشوكَك الروح مفرفحة تفرفح

ينجم العيد والشافه بسعد يفلح

مثل طيبة ودادك ماوداد يصح.

 وفي زيارتي له رويتُ له هذه الذكرى، وياللعجب انه يتذكر الأبيات الى الآن.

كنتُ سمعت في صغري من والدتي قصة ترويها عن جدتي لأبي وهي أيضاً جدة صادق ..فرويتها لصادق واذا به يكملها ويضيف اليها والقصة تقول حسبما روتها لي أمي ان جدتي ذهبت لمواساة عائلة في قرى المنطقة بمناسبة وفاة رجل من هذه العائلة، وكانت الشاعرة التي ترثي الميت وتندبه بصوت عالٍ  من نفس عشيرة الميت، وقبل سنوات أو عقود كان لدى هذه العشيرة موقعة احتراب مع عشيرة بني أسد .. ويبدو ان الغلبة في النزاع كانت لبني أسد الّا ان الشاعرة أرادت ان تمتدح عشيرتها وتنسب النصر لهم والهزيمة لبني أسد فأنشدت تقول :

أهل الليط وأهل الكَصب شرّاده

وبيرغنه عله عليهم خذه مراده

والليط مفردة عراقية شعبية تعني أعواد القصب المقشر والمدقوق، وكان بنو أسد في مناطق الجبايش والأهوار معروفين بصناعة الحصران والبواري من قصب الأهوار والبحيرات، وهذا الى جنب ان الزراعة و صيد الأسماك والطيور من مهنهم المعروفة، بيد انهم تميّزوا في صناعة القصب  فأرادت الشاعرة ان تعيّرهم بهذه المهنة.

جدتي كانت ذاهبة بكل أخلاص ومن كل قلبها للمواساة، وأمي تروي لي عنها انها بالأضافة الى قوة بنيتها الجسدية ومتانة قوامها كانت طيبة القلب ومتسامحة، فلما سمعت هذا الكلام عن أهلها من الشاعرة التي تذكرت معركة قديمة لتهجو بني أسد  بحضور جدتي وهي بنت بني أسد وآل الشيخ انبرت للشاعرة التي كان اسمها تچية فردَّت في الحال وهي التي لاتجيد القراءة والكتابة مثل كل النساء العراقيات في ذاك الزمان الذي لم توجد فيه بعد مدارس في القرى العراقية حتى للرجال، فقالت منشدةً :

بسچ  لاتكَولينش تچية

أهلنا الكَالبوها بيوم ظهريه

وصل طشّاركم بدعة الصافيّة

وبدعة الصافيّة مكان بعيد عن منطقة الفهود في مقاييس ذاك الزمان، وجدتي هنا ترد على الشاعرة بأن طشّار أهلها الهاربين من المعركة قد وصل الى بدعة الصافية.

فما كان من النسوة الحاضرات من قريبات المتوفي وبنات عشيرته سوى الهجوم على جدتي، بيد انها كانت شابة في ذاك الوقت ولديها من القوة الجسدية مامكنها من الدفاع عن نفسها بحيث استطاعت ان تشق لها طريقاً بين جمع النسوة المهاجمات وتصل سالمة الى البيت.

الغريب انني حين رويت هذه الحادثة للأخ صادق وجدت انه يحيط بتفاصيلها علماً بل انه أضاف بعض الأبيات من قصيدة جدتي التي القتها ارتجالا في هذه الواقعة، وما أطربني ان أبيات الشعر  التي أضافها ورواها الأخ صادق تتضمن  كلمات عراقية شعبية غائرة في عمق اللهجة العراقية المحكية آنذاك ولم نعد نحن نستخدمها، ففسر أخي صادق الكلمات ل.

هممتُ بكتابة الأبيات الأضافية وأحضار قلم وورقة بيد انني فكَّرت بان لي لقاءً طويلاً قادماً مع صادق يحدثني فيه عن هذه النوادر والحكايا وأنا أكتب .. وهاهو يرحل فجأة من ارباك سريع وطاريء في القلب، وأهله غير موقنين، فألى قبل ساعات  من رحيله كان بينهم سليما ومعافى!!

 

كريم الأسدي - برلين 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإبداع يجتاح مخيلة الإنسان كالإعصار، لافرق لديه بين الجنسين، لكون المتخيل النسائي رديف المتخيل الذكوري، مرفوقا بأحاسيس ومشاعر، وتصورات ذهنية، وحالات انفعالية تتقاسم فيها المرأة والرجل نفس الخصائص، معناه، أن هناك قواسمَ مشتركة بين الرجل والمرأة كالتفكير، والإحساس، والتوتر والقلق، يوظفها الجنسان معا في الإبداع، بعيدة كل البعد عن الجوانب الفيزيولوجية، والنوع الخلقي، والتنميط والتأطير، والمساومات والجغرافيات، والتاريخ، والأسطوريات، والإنجاز تحت الطلب، والتصنع وماجاور ذلك ..والإبداع في الكتابات النسائية المغربية كما الذكورية أسّسَ هويته الخاصة، وعرف تأثيثا واسعا في كل الأجناس الأدبية والفنية، وأخص بالذكر الجانب القصصي والروائي، والشعري بنوعيه الفصيح والزجل، كما سيأتي لاحقا من خلال نمادج نسائية مختارة، حيث الكتابات تصدح بشتى الهموم الإنسانية، والذاتية والوطنية وغيرها من التيمات، التي اختزلت مواضيع تدور حلقاتها حول المرأة والطفل والإنسان المهمش، والإنسان القضية، والطبقات المسحوقة والمقصية، والأوطان المغتصبة، والشعوب المشردة، وشرائح من الإنسان ضحايا التنكيل والعنف ..فتألقت بعض المبدعات المغربيات من حجم الأديبة الروائية والشاعرة المغربية مريم بن بخثة، التي أحدثت ثورة في الشعر والسرد والروائية اسمهان الزعيم، والروائية سعاد الرغاي، والقاصة ربيعة عبد الكامل، والناقدة سعاد أمسكين، والناقدة بشرى قانت / والقاصة والشاعرة والمترجمة زينب سعيد، وغيرهن من الأسماء اللامعة التي سأدرج البعض منها مع اعتذاري الشديد لكل من سقط اسمها سهوا : خديجة كربوب شاعرة وأديبة / خديجة روضابي شاعرة / فريدة بقالي شاعرة / جميلة لعروسي شاعرة / نعيمة قادري الشرقاوي أديبة وشاعرة / فاتحة الفتنان زجالة وشاعرة / زبيدة الطويل زجالة وشاعرة / دامي عمر قاصة شاعرة / أسماء لمريني شاعرة وقاصة / نعيمة خليفي شاعرة / نعيمة حسكة شاعرة / حسناء أولهاشمي شاعرة وناقدة / إيمان الونطدي شاعرة / نادية الزوين شاعرة / نعيمة بدري شاعرة / رشيدة القدميري شاعرة وقاصة / أمينة دياج شاعرة / فاطمة صابر شاعرة / نرجس ريشة شاعرة وقاصة / د.سعاد الناصر أديبة وشاعرة / مالكة حبرشيد شاعرة / فاطمة متين شاعرة / سكينة المرابط شاعرة / مليكة كباب شاعرة / فوزية أحجبي قاصة وروائية / سميرة المنصوري شاعرة وقاصة / آسيا الرياحي شاعرة / امينة الصيباري روائية / ليلى ناسمي شاعرة ومترجمة / رشيدة فقري شاعرة / امينة حسيم شاعرة وإعلامية / رشيدة شانك شاعرة / سعيدة عفيف شاعرة / رتيبة الهادي شاعرة / فوزية الفيلالي شاعرة / ليلى الحجامي شاعرة / خديجة كوسال قاصة / ربيعة غازي شاعرة / سميرة الجودي شاعرة / فاطمة فكري شاعرة / رشيدة محمد الأنصاري شاعرة / حياة كعبوش زجالة / ثريا القاضي زجالة / رشيدة محداد شاعرة / رحيمة بلقاس شاعرة وقاصة / سميرة المنصوري العزوزي شاعرة وقاصة / لبنى المانوزي شاعرة / مريم لحلو قاصة وشاعرة / مالكة عسال قاصة وشاعرة وناقدة / نادية العمارتي شاعرة / الهام زهدي شاعرة / خدوج الغزواني الساكت شاعرة / زكية المرموق شاعرة / إحسان السباعي شاعرة و قاصة / خديجة بوطاهر شاعرة / ربيعة الغازي شاعرة / فاطمة شاوتي شاعرة / مليكة صراري شاعرة وقاصة / مليكة بنمنصور شاعرة / كريمة دلياس شاعرة وقاصة / زكية حداد شاعرة وقاصة / أمينة الإدريسي شاعرة / جليلة مفتوح شاعرة / رجاء قيباش شاعرة / أمينة لمريني شاعرة / فاطمة الشيري شاعرة وقاصة / رجاء القباج شاعرة وزجالة / السعدية با حدة قاصة / نعيمة القضيوي قاصة / لطيفة المفيد شاعرة وروائية وقاصة / حليمة زين العابدين روائية وشاعرة / حكيمة الشاوي شاعرة / ثورية الكور شاعرة / إلهام زويريق شاعرة / سعدية بلكارح شاعرة / البتول المحجوب شاعرة / عزيزة أحضية شاعرة / فاطمة أحيوط شاعرة / حليمة الإسماعيلي شاعرة / فاطمة بوهراكة شاعرة وناقدة / فاطمة بصور شاعرة وزجالة وفنانة / فايزة حمادي زجالة / ليلى مهيدرة شاعرة وقاصة وروائية / ثريا لهراري الوزاني شاعرة / ابتسام بنبراهيم شاعرة / بهيجة البقالي ..شاعرة وقاصة / ريحانة بشير شاعرة / خديجة شاكر زجالة وناقدة / فاطمة الزهراء المرواني شاعرة / رشيدة خيريوة شاعرة وقاصة / خديجة العلام شاعرة / صباح بنداود زجالة / خديجة الحمراني شاعرة / عواطف الادريسي شاعرة / خديجة الشقوري.. شاعرة / خديجة بلوش شاعرة وقاصة / فوزية أمين شاعرة / امينة اغتامي شاعرة / ايمان الخطابي شاعرة / ابتسام الحمري شاعرة / عائشة اذكير شاعرة / حياة نخلي شاعرة / زهور زريق زجالة / فتيحة النوحو شاعرة / فاطمة يهدي شاعرة واعلامية / زكية بلقاس شاعرة واعلامية / جميلة رحماني شاعرة وناقدة / نادية الخديري شاعرة / فاطمة لمرابط قاصة / سعيدة لمرابط شاعرة / فاطمة امزيل شاعرة / فاطمة المنصوري شاعرة / وفاء الحمري قاصة وشاعرة وصحفية / سعاد غيتو شاعرة / أمينة قسيري شاعرة و ناقدة / فاطمة الزهراء الشاهدي الوزاني شاعرة / زليخة الموساوي الأخضري شاعرة و روائية / مليكة فهيم شاعرة / سمية قرفادي شاعرة و روائية / فتيحة رشاد زجالة / صفاء اللوكي قاصة / نجاة الشرقاوي شاعرة / زينب القرقوري شاعرة. اللواتي أفرزتهن تربة الواقع المغربي وبصمن بشكل قوي في سجل الإبداع، وهن بالعشرات إن لم نقل المئات، لكن يضيق الحيز لذكر أسمائهن كلهن مع احترامي الكبير لهن ولكل من لم يدرج اسمها هنا، و اتسمت كتاباتهن بغزارة الأفكار، وسيولة توليدها، والدقة في اختيار مواضيعهن، والحدة في تحديد مواقفهن، والمهارة في الإنتاج الممتع والهادف، وإعطاء تلقائيا عددا متنوعا من الاستجابات في أكثر من إطار، وفي أكثر من شكل، وبأكثر من موضوع، وبأكثر من موقف، منجزات إبداعية متنوعة في مختلف الأجناس الأدبية جديرة بالقراءة والتشريح والمتابعة والاهتمام..

وعلى الرغم من المشتتات والمعوقات التي تثيرها المواقف الخارجية والكثير من القمم الشاهقة المنتصبة في وجوه النساء المغربيات المبدعات، فأغلبهن أمسكْن بزمام الكتابة، مصرات على مواصلة الاتجاه، بالتعبير عن مجموعة معينة من المواقف، وخلخلة الكثير من المواضيع، ورفع الأحجب عن العديد من القضايا، وتشخيص كم هائل من الظواهر، وتجسيد حجم لابأس به من الأحداث، لتحقيق أهدافهن من زواياهن الخاصة ولو بأقل قدر ممكن من الحرية، والتعبير عما يعتمل في صدورهن، ولو بمجهود متعب وشاق، ولو بالحرب الضروس مع كائنات من المحيط ترى في إبداع النساء خرافة العصر ومضيعة للوقت، وخروجا عن وظيفتها الحقيقية المختزلة في البيت ..فحققن جزءا هاما من الأحلام المأمولة أثبتن فيها ذواتهن، وحققن فيها وجودهن، وأبدين أراءهن، وأبرزن تفكيرهن وتوجهاتهن بأفضل صورة ممكنة، تتيح لهن ملامسة الآفاق دون جعجعة

 

مالكة عسال

كتب الفيلسوف الروسي شيستوف حول ابداع تشيخوف مقالة شهيرة له في تاريخ النقد الادبي الروسي عنوانها – (ابداع من لاشئ)، ولازال هذا القول (الغريب او غير المفهوم للوهلة الاولى!) قائما في النقد الادبي الروسي (وغير الروسي ايضا) حول تشيخوف بشكل او بآخر. نحاول في مقالتنا هذه التوقف عند هذه النقطة وتوضيحها- من وجهة نظرنا – للقارئ العربي انطلاقا من ضرورة التعمق في دراساتنا لاديب عالمي كبير مثل تشيخوف واهميته في تاريخ الادب الروسي والعالمي.

ض.ن.

 

تشيخوف – كاتب معروف طبعا لنا (رغم اننا لا نعرفه بشكل متكامل الابعاد، ولا نستوعب مثلا سبب استمرار مسيرته في العالم لحد الان)،

أمٌا شيستوف فانه يكاد ان يكون مجهولا تقريبا لنا، رغم ان المهتمين العرب بالشأن الفلسفي وتاريخه واعلامه تحدثوا عنه هنا وهناك، لهذا فاننا نبتدأ مقالتنا اولا بالكلام الوجيز عن شيستوف، ثم ننتقل الى فحوى مقالته ذات العنوان المشار اليه اعلاه.

ولد ليف شيستوف عام 1866 في الامبراطورية الروسية، وهرب من روسيا السوفيتية مع عائلته بعد ثورة اكتوبر 1917 كما هو حال الكثير من المثقفين آنذاك، واستقر في فرنسا، وتوفي فيها عام 1938 ودفن هناك .

شيستوف فيلسوف قبل كل شئ، وقد وضع بصماته الفكرية والفلسفية حتى على مسيرة الفلسفة الوجودية في اوربا، ولكنه كان لصيقا بالادب ان صح التعبير . اول كتاب اصدره بروسيا في هذا المجال (اي الفلسفة والادب) كان عام 1898 و بعنوان – (شكسبير وناقده برانديس)، وصدر كتابه الثاني بعد سنتين (في عام 1900) وكان بعنوان – (الخير والشر في تعاليم تولستوي ونيتشه)، ثم بدأ بنشر فصول في مجلة (عالم الفن) الروسية حول علاقة دستويفسكي ونيتشه واصدرها في ما بعد بكتاب مستقل تحت عنوان – (دستويفسكي ونيتشه) . تشير المصادر الروسية الى ان شيستوف كان مهتما بتشيخوف ويتابع ابداعه، وان تشيخوف نفسه ايضا كان يتابع نشاط شيستوف الفكري، وقد انعكس كل ذلك في مراسلات مدونة ومنشورة بين الاصدقاء المعاصرين لهما (لا مجال لذكرها هنا)، الا انهما لم يلتقيا معا، رغم ان ذلك اللقاء كان يمكن ان يحدث على وفق تلك الرسائل في عام 1902 (كان تشيخوف آنذاك مريضا و كان مضطرا ان يعيش في مدينة يالطا بالقرم)، حسب هذه المراسلات المتبادلة بين هؤلاء الاصدقاء. لقد كتب الفيلسوف شيستوف مقالته التي أشرنا اليها عام 1905، اي بعد وفاة تشيخوف عام 1904 مباشرة، اذ كانت هذه المقالة جاهزة في ذهنه واقعيا، وهو ما يؤكد اشارتنا في اعلاه على اهتمامه ومتابعته لنتاجات تشيخوف. لقد تم نشرالمقالة في كتاب شامل صدر عن تشيخوف عام 1905 في الذكرى الاولى لرحيله .

مقالة شيستوف تتوزع ضمن ثمانية اجزاء، كل جزء منها يقف تحت رقم خاص به . في الجزء الاول يشير شيستوف – (الى ان وفاة تشيخوف تسمح لنا ان نتكلم عنه بحرية)، ويقصد طبعا الكلام عنه بشكل كامل بغض النظر عن تعددية آراء النقاد حول ابداعه، ثم يستعرض تلك الآراء التي تحمل تناقضات واختلافات حادة بشأن ابداع تشيخوف، ويتوقف تفصيلا عند آراء وافكار الناقد الروسي ميخايلوفسكي، الذي كان آنذاك من أبرز النقاد الروس، ويتحدث بعدئذ عن المقارنة بين تشيخوف وموباسان، ويختتم هذا الجزء بالاشارة الى ان تشيخوف (ذهب ابعد جدا من موباسان)، رغم ان ابطال تشيخوف (كانوا يموتون)، بينما ابطال موباسان (كانوا يبقون على قيد الحياة) . يكتب شيستوف في الجزء الثاني من مقالته تلك عن انتقال تشيخوف من مرحلته المبكرة الساخرة، عندما (كان يكتب مثل الطير) الى قصته (تاريخ ممل) ومسرحيته (ايفانوف)، والتي كتبهما عندما كان عمره يتراوح بين 27 – 28 سنة ليس الا، ويتوقف الفيلسوف تفصيلا عندهما، مشيرا الى انه يرى، ان (تشيخوف كان يبكي في كل سطر من سطورهما)، ويستنتج شيستوف، ان بكاء تشيخوف لا يمكن ان يكون منطلقا فقط من رؤيته لمعاناة الآخرين وحسب، وانما من معاناته الشخصية في اعماق روحه، والتي لم يتمكن النقد الادبي االروسي من ملاحظتها . يختتم شيستوف هذا الجزء بالحديث عن تأثير تولستوي على ابداع تشيخوف في تلك المرحلة . في الجزء الثالث يستمر الحديث عن (تاريخ ممل) بشكل معمق، حيث يؤكد الفيلسوف شيستوف على فكرته الاساسية وهي ان تشيخوف يجسّد اليأس في روحيته الجديدة، ويشير في الجزء الرابع ايضا الى نفس الفكرة ويقول ان (ابطال تشيخوف وحيدون) في عالمهم الشخصي والروحي . في الجزء الخامس يحاول شيستوف ان يصل الى الاستنتاج نفسه ويشير الى ان الانسان عند تشيخوف (بلا أمل) . في الاجزاء المتبقية، وهي - الجزء السادس والسابع والثامن يتوقف شيستوف طويلا عند الحوار المشهور بين كاتيا والبروفيسور في (تاريخ ممل)، والتي يصف فيه تشيخوف كيف تتعذب كاتيا وهي تلح باكية بالسؤال وكيف يجيب البروفيسور بانه لا يعرف الاجابة وهو يكرر جملة – (لا اعرف)، ويختتم شيستوف مقالته تلك بالاشارة الى ان تشيخوف ايضا قال للقارئ نفس الجملة – (لا اعرف).

لا يمكن لهذا العرض السريع لمقالة شيستوف ان يرسم صورة متكاملة لكل الجوانب العميقة لها، وان الاستيعاب الحقيقي لافكارها يقتضي (للقارئ العربي) قراءة الترجمة الكاملة لهذه الدراسة الى العربية بلا شك . لقد أثارت هذه المقالة في حينها ضجة كبيرة في اوساط النقد الادبي الروسي، اذ أشار البعض الى انها (كلمة جديدة تمجّد تشيخوف وابداعه)، بينما قال البعض الآخر انها أساءت الى تشيخوف معتبرة اياه (كاتب اليأس والموت)، واعتبر النقد الادبي السوفيتي اسم شيستوف رمزا لعدم استيعاب الباحثين في مرحلة ما قبل ثورة اكتوبر 1917 لابداع تشيخوف وانسانيته، بل واعتبروا عنوان الدراسة هذه نفسها، اي (ابداع من لاشئ)، اساءة لتشيخوف وابداعه، بينما أكّد الاخرون، ان شيستوف اراد ان يقول في صياغته للعنوان، ان عبقرية تشيخوف استطاعت ان تعطينا ابداعا من لاشئ، وان هذا الابداع قد جعله في مصاف الادباء الكبار في روسيا وفي خارجها ايضا، وانه يمتلك خصائصه الفنية والابداعية.

ان هدف مقالتنا هو الاشارة – قبل كل شئ - الى دراسة شيستوف واهميتها في تاريخ النقد الادبي الروسي (والتي تكاد ان تكون مجهولة للقارئ العربي)، والتأكيد – مرة اخرى – على مكانة تشيخوف في مسيرة الادب الروسي خصوصا والادب العالمي بشكل عام .

اتمنى ان (يتطوع !) مترجم عراقي او عربي بترجمة هذه الدراسة العميقة للفيلسوف الروسي شيستوف عن تشيخوف، وذلك لاغناء مكتبتنا العربية، اذ لا مجال لي شخصيا القيام بذلك مع الاسف . هل من مجيب؟

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

هذا نص من أدب المذكرات أو بألاحرى سلسلة من النصوص التي تؤرخ لذكريات مغترب عراقي عن حروب بلده . للنصوص علاقة بالحرب وهو فعل سياسي على الأرجح الّا ان طريقة التعامل مع الحدث والذكرى تجعل الموضوع أدب مذكرات .. 

أكتب  اليوم الثامن عشر من شهر كانون الثاني 2017  بعد ان حاولت الكتابة يوم امس فلم أفلح، صادف أمس السابع عشر من كانون الثاني ذكرى مرور ستة وعشرين عاماً على حرب االخليج على العراق في 1991 .. حروب العراق في الأربعين سنة الأخيرة كثيرة بل وظاهرة فريدة في العالم في القرنين العشرين والواحد والعشرين، لذا لا أدري ماذا أسمي هذه الحرب، هل اسميها حرب الخليج الأولى أم الثانية ..الأرجح والأصح انها حرب الخليج الثانية، فحرب الخليج الأولى كانت ضد أيران واستمرت مثلما يعرف العالم الذي استأنس بيع السلاح وربح المليارات من الدولارات ثمانية أعوام، فقد العراق فيها مايعادل النصف مليون قتيل وفقدت أيران ضعف هذا العدد من القتلى بالأضافة الى دمار مريع في البنى التحتية في البلدين الجارين وخسائر مالية للبلدين فادحة وخيالية!!

كنتُ  حينها في التأريخ المذكور أعلاه من كانون الثاني 1991  طالباً في جامعة بون ـ  وكانت بون آنذاك لم تزل بعد عاصمة المانيا  ـ أسكن القسم الداخلي التابع للجامعة، أتصلت بي هاتفياً عائلة صديقة من المنطقة التي كنت أسكنها على نهر الراين والقريبة من بون، سيدة فرنسية وزوجها الألماني، كانوا قلقين حول الوضع بشكل عام وقالوا انهم فكروا بي كثيراً عشية الحرب ويتصلون اليوم بي للأطمئنان، كانوا من أصحاب التوجه الفكري والسياسي الأنساني العالمي ولديهم منظمة تعمل على مساعدة الدول النامية وعلى الأخص بلدان أميركا الاتينية .. لم أتمكن بالفعل من الأستمرار معهم في الحديث لشدة تأثري وقلقي على الوضع بشكل عام ووعدتهم بأن أعاود الأتصال أو أزورهم حينما أكون في المنطقة، فلم اتكلم معهم كثيراً، لقد كنتُ حزيناً ومضطرباً ومنكسراً الى أبعد حد وقد هجستُ مقدار الدمار القادم وحجم الموت.. فأعتذرتُ عن مواصلة الحديث وقد خبرت قلقهم عليّ  ولكن على مجمل الوضع أيضاً .. كنتُ أسمع الأخبار من التلفيزيون الألماني .  زميل فلسطيني لي يدرس الطب ويسكن في نفس السكن لديه راديو يجلب اذاعة بغداد ..صخب وضوضاء وايقاع راقص في أغنية ـ منصورة يابغداد ـ التي تتكرر بين فقرة اذاعية وأخرى مع أغان حربية اخرى ..

لدي معرفة مع عراقي في برلين لم أكن متأكداً تماماً من وضعه السياسي وميوله الفكرية والحزبية ولكنني سمعتُ من قبل بعض العراقيين من الوسط الجامعي ان لديه اتصال مع السفارة العراقية  وعلاقة قوية مع موظفيها، والسفارة العراقية في بون كانت محطة تجسس أقليمية في أوربا على العراقيين عموماً وعلى معارضي النظام العراقي والذين غادروا العراق بالمغامرة او بواسطة السفر السري وغير الشرعي، وهم يتعقبون هؤلاء ويتسقطون أخبارهم، وأنا منهم .. بيد أنني في ذلك اليوم كنت بحاجة الى جو عراقي وسمير عراقي وأخبار أسمعها من مصدر قريب من العراق أو من مصدر عراقي، ومن مصادر الأخبار كان لديه الكثير، أتصلت هاتفياً على رقمه في البيت فدعاني للقدوم ..أخبرت صديقتي الألمانية في نفس السكن الجامعي بنيتي للذهاب هناك وأنني لم أزره من قبل ولم أعرفه جيداً ولكنني بحاجة الى ان أعرف المزيد عما يحصل هناك، وذهبت.

المذيعة الألمانية التي نقلت الأخبار بعد عشية الحرب قالت مامعناه من ضمن ماقالت : لقد أُلقي البارحة من القنابل والمتفجرات على مدينة بغداد وحدها مايعادل ضعف ما أُلقي على مدينة دريسدن الألمانية خلال الحرب العالميية الثانية بأكملها!! تعال واسمع وأعقل هذه المعادلة العجيبة الغريبة ، فدريسدن كانت أكثر المدن الألمانية تضرراً في الحرب وأكثر المدن الألمانية التي عانت من قصف الحلفاء، حيث أحرقوها بالكامل في الشهور والأيام الأخيرة من الحرب حتى بعد انهيار الألمان ..وهاهي بغداد تستلم من الطائرات العملاقة من قنابل وصواريخ الموت في ليلة واحد هي ليلة 17 من كانون الثاني 1991 ضعف ما  أُلقي على دريسدن طوال الحرب العالمية الثانية من 1939 وحتى 1945 !! .. قالتها المذيعة بتأثر واضح بيد انه تأثر من لايستطيع ان يفعل شيئاً وهكذا كان الرأي العام الألماني الذي كان ضد الحرب حيث سارت مظاهرات كبرى طافت أرجاء المدن الألمانية لكن الحكومة ساهمت مع هذا في دفع مبلغ 17 مليار دولار للأميركان وحلفائهم لتمويل الحرب ومقابل اعفائها من المشاركة بالجيش أو العنصر البشري .. ولكن هناك عناصر من المخابرات الألمانية تشارك دائماً الى جنب حليفاتها أجهزة المخابرات الأخرى ومنها الأميركية في كل ظرف من هذا النوع تقريباً وبمعزل عن موقف الحكومة كما كشفت الوثائق والأحداث والصحف والأخبار لاحقاً فأثيرت حملة انتقادات واسعة وأسئلة عن مدى استقلال ألمانيا كدولة ذات سيادة، ومازالت هذه الحملة مستمرة الى الآن !!

هذه حرب آل بوش ومن خلفهم  المباشرة الأولى على العراق في عهد جوج بوش الأب وبتوجيه من المتمكنين في رسم طريق السياسة الأميركية في العالم عموماً وفي الشرق الأوسط خصوصاً ومنهم هنري كسنجر وباول وولففيتز وليو شتراوس وريتشارد بيرل وهذا الأخير يحمل لقب أمير الظلام !! من زمان كان العراق في مركز نواظيرهم وأرصادهم، يقلقهم ويعذبهم الى ان وجدوا في صدام حسين الوسيلة للوصول اللى الهدف الكبير : تدمير العراق وأخراجه من حسابات المنطقة والعالم لقرن مقبل كامل أو أكثر !! وقد تبعتهم ربيبتهم مادلين أولبرايت التي أكملت المسلسل فقتل الحصار الذي سعت عن طريق الأمم المتحدة لفرضه على العراق بكل لؤم وخسة وقسوة  مايقارب من تسعمائة الف طفل أو حوالي المليون طفل في غضون عشرة أعوام حسب اعتراف منظمة اليونيسف الدولية   . أولئك جمهوريون وهذه ديمقراطية، ولكنهم في الموقف العام من العراق  وشعب  العراق وأطفال العراق ومستقبل العراق رفاق !! يريدون تأمين السلام والأمان في الشرق الأوسط  على طريقتهم وهواهم حتى لو ماتت مئات الملايين من البشر، ومنظورهم هو منظور السياسة الأميركية برمتها وخططهم هي الخطط التي تُنفذ في النهاية، هم يرسمون ويخططون واميركا توافق و تنفذ وهكذا من عهد المستشرق برنار لويس والدبلوماسي هنري كسينجر والمخطط ليو شتراوس وبقية تلامذتهم في مدرسة سياسة اميركا الشرق أوسطية والعالمية والى الآن ..تدخلوا بشكل مباشر أو غير مباشر بحياة كل واحد منا وأثروا سلباً ومازلنا ندفع الثمن شعباً ووطناً، اما العملاء والمرتزقة والمخبرين وأدلاء الجيوش الأجنبية من أبناء شعبنا والذين أرتبكت أو أُربكت حساباتهم فهم أكبر الخاسرين وان ربحوا المال والمناصب، انهم خسروا أعز شيء يمتلكه الأنسان : خسروا ضمائرهم و أنفسهم وحب أبناء شعبهم لهم وسوف تدمغهم الأجيال بتهمة الخيانة العظمى !! وهناك شيء اسمه وطن وهناك شيء اسمه خيانة وخيانة الوطن أعظم خيانة ، أنها الخيانة العظمى!!

يوم الثاني من آب 1990 كان يوماً مشؤوماً في حياة العراق والشرق الأوسط والعالم العربي جرّوا صدام حسين فيه الى غزو الكويت وساهمت سفيرة الولايات المتحدة الأميركية المستشرقة غلاسبي ـ تلميذة وخادمة المستشرق لويس والدبلوماسي كيسنجر ـ في حفر البئر الخفي الذي وقع فيه صدام حسين وأوقع كل العراق و الشعب العراقي معه!!هذا الذي كان رفاقه يطلقون عليه لقب القائد الضرورة !

في ذلك اليوم الصيفي كنتُ على موعد مع زميل ألماني يدرس الحقوق في مقهى وسط العاصمة ولم أعلم بعد بخبر أجتياح الجيش العراقي للكويت .. كان الحو صيفياً جميلاً والمقاهي قد نثرت مقاعدها على الأرصفة ومابين الأشجار ليستمتع الناس بأشعة الشمس .. حينما أتى هذا الصديق الذي كان يهتم بالشأن السياسي العالمي الى المقهى أخبرني بنبأ اجتياح القوات العراقية للكويت وأن الوضع الدولي متأزم !!

 أحسستُ في ذلك الحين ان مجزرة جديدة أعدت للشعب العراقي، أما على صعيدي الشخصي أنا الشاب القادم بكل طاقتي للدراسة والأبداع والتعرف على البشر والحياة والأنشطة الثقافية والأدبية والفكرية، فقد أحسستُ ان لاأ مل لنا نحن العراقيين بحياة أفضل، وان علي ابتداءً من اليوم ايجاد وسيلة جديدة للأتصال مع أهلي وأقربائي والأطمئنان عليهم، في الماضي القريب كان لدي منفذ للأتصال بأهلي عن طريق أبناء عمومة لنا من عائلة الأسدي من أقرباء أبي في الكويت الذين كانوا يحملون الجنسية الكويتية ويترددون على أهلهم في العراق، وحيث كان البريد أو الأتصال الهاتفي المباشر بين المانيا والعراق يعرض الأقرباء والأصدقاء لمضايقات واستدعاءات وتحقيق، في حين من الممكن ان تصل الرسالة الى القريب الساكن في الكويت ويحملها أو يحمل مضمونها  معه الى العراق دون صعوبة !!

بعد هذا ستبدأ رحلة عذابات طويلة، وللحديث صلة !! 

 

كريم الأسدي     

 

 

 

في بداية العام الجديد سنحت لي الفرصة بالسفر مع عائلتي الى جزيرة مالطا وسكنا في فندق جميل يطل على البحر في مدينة سانت جوليان جزيرة مالطا دولة اوربية صغيرة وجميلة تتوسط البحر الأبيض المتوسط وعاصمتها فاليتا. ويُقال عنها جزيرة الحب والشباب . ايطاليا الدولة الأوربية الأقرب اليها وتقابلها تونس وليبيا في القارة الأفريقية. وعلى مر العصور وبسبب موقع مالطا الجغرافي، تعرضت الجزيرة الى الغزو وآخرها الغزو البريطاني، واستقلت الجزيرة عن بريطانيا عام 1964 واصبحت جمهورية مستقلة عام 1974 وانظمت الى الاتحاد الاوربي عام 2004 وتعج جزيرة مالطا بالمعالم السياحية والتاريخية وأشهر مدنها مدينة سليما . وسانت جوليان وتقعان على اطراف العاصمة فاليتا

اللغة المالطية خليط من العربية والأنكليزية وتُكتب بالحروف اللاتينية وقرأت على واجهات العديد من المحلات والمطاعم كلمات عربية مكتوبة بحروف لاتينية وعلى باصات النقل كُتب على باب نزول الركاب بحروف لاتينية (نزول بس)

كان الطقس دافئا ومشمسا مما يساعد على التجوال في مدن الجزيرة ليتمتع بمناظرها الخلابة . زرت فاليتا مرتين وشعرت كأني في سفيتة في عرض البحر، فالمدينة صغيرة ومحاطة بمياه البحر المتوسط من كل الجهات شوارعها ضيقة وكلها تنتهي الى البحرو ولايُسمح بدخول السيارات لكن هناك الحناطير لتنقل السواح للتمتع بمشاهدة فاليتا . شوارعها الضيقة جميلة وأليفة وتذكرني بدرابين (عكود) السماوة ودرابين منطقة الجديدة في الديوانية

وتشتهر فاليتا وكل المدن المالطية بالفنادق والمطاعم واستطيع ان اقول بين كل فندق وفندق ، فندق وبين كل مطعم ومطعم ، مطعم

 في فاليتا توقفتُ امام مبنى حكومي واستغربت حين رأيتُ المكان يعج بالمارة ويقتربون جدا من مكان تبديل الحرس وتحيط بالمبنى الكافيتريات والمطاعم بعكس ما أراه في بلدي حتى الطير في السماء لايمكنه الطيران فوق منطقة القصر الجمهوري في زمن النظام السابق والآن فوق المنطقة الخضراء أو قرب بيت أحد المسؤولين

ومن مدينة سانت جوليان يستطيع المرء ان يرى مدينة سليما وحتى يستطيع

ان يصلها مشيا على الأقدام وفعلأ مشيناها وفي طريقنا الى المدينة شاهدتُ بنايات قديمة ذكرتني بمنطقة التواهي في عدن . وفي سليما تذكرت ما كنت :اسمعه في العراق حين يخطأ المرء أو يفشل في اية مهمة يقولون له  " أمداك سليمة اتطمك "

 لم اكن اعرف ما المقصود بسليمة وبعد زيارتي الى مالطا ، عرفت أن مدينة سليما في جزيرة مالطا هي المقصودة حين كانت منفى في زمن الغزو العثماني  لقد استمتعت كثيرا في زيارتي الى مالطا وتعرفت على تاريخ هذه الجزيرة . بعد أن كنت أعرف فقط موقعها على الأطلس

أبدأ اليوم بنشر سلسلة جديدة من  مقتطفات تراثية طريفة ومعبرة وذات دلالات تاريخية واجتماعية من، وعن الحياة والإنسان والمجتمع في بغداد في خلال العصر العباسي،  استنقيتها لكم من كتاب شديد الأهمية يحمل عنوان " العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع للهجرة/ دراسة في التاريخ الاجتماعي" للباحث د. فهمي سعيد.  هذا الكتاب موثق تراثياً بشكل ممتاز بنصوص مرقمة من كتب التراث تعود للقرون الهجرية الأولى.  معلوم  أن الحضارة العربية الإسلامية التي بلغت أوج ازدهارها في عاصمتها بغداد في عهد هارون الرشيد وابنه المأمون فالمعتصم بعده،  بدأت طور انحدارها وتدهورها بوفاة المعتصم وتولي ابنه المتوكل الخلافة – وهو العهد الذي اكتملت فيه صيرورة تحول الفرق الإسلامية إلى طوائف كما حاولت أن أثبت في كتابي (السرطان المقدس: الظاهرة الطائفية من المتوكل العباسي إلى بوش الأميركي)،  وهذه التأرخة الاجتماعية هي ما ينبغي أن نأخذه بنظر الاعتبار في قراءة هذه المقتبسات نقديا. سأنقل لكم هذه المقتطفات كما هي مع بعض التوضيحات والتعليقات التي لا مندوحة منها، كما أنني سأقتبس بعض النصوص من كتب تراثية أخرى ضمن هذه السردية حول بغداد العباسية حيثما كان ذلك مفيدا وضروريا، تاركا لكم حرية الخروج بالاستنتاجات والدلالات المناسبة مما  ستقرأون...فإلى حلقة اليوم:

1-اتهم مسكويه ( مؤرخ و فيلسوف،  يسمى أيضا ابن مسكويه، هو أول من ألف في علم الأخلاق  " الإيطيقيا" (  ETHIQUE) وعمل موظفا حكوميا في دواوين الدولة العباسية  لفترة قصيرة. ع ل) اتهم مسكويه  الوزير  بن الفرات بإنفاق الأموال والإفراط في التبذير حتى أتلفها وبأنه كان يقبض المال العام فلا تدخل في الواردات وكان يستولي على أموال المصادرات فلا تدخل في حسابات بيت المال. وكان الموظفون يأخذون الموال لأنفسهم ويقيدونها في بند " ما يحمل إلى الخليفة" .

- وقال ابن مقلة (أشهر خطاطي العصر العباسي وأول من وضع أسس مكتوبة للخط العربي. يٌعتقد بأنه مخترع خط الثلث، عمل في البلاط العباسي خطاطا وموظفا وتولى الوزارة في عهد المقتدر. ع ل) إن الوزير ابن الفرات أضاف على مال بيعة المقتدر مبلغ 700 ألف دينار نقلها إلى داره. ولم يكتف الوزراء بذلك بل خصهم الخليفة بإقطاعات ورواتب و بلغ إقطاع الوزير أحيانا 170 ألف دينار. ويحصلون معها على خلع (هدايا ملبوسات) تبلغ عشرين ألف دينار مع دار بفرشها وآلاتها، ويعطون رواتب بمقدار خمسة آلاف دينار. وقد أعطى الوزير الخاقاني ولديه مخصصا شهريا قيمته ألف وخمسمائة دينار ذهبي.

- و ذكر ابن قرابة "؟" للمقتدر وجوه اقتناص أموال الدولة التي كان يلجأ إليها الوزراء والموظفون ومنها : تسجيل أرزاق " رواتب ومخصصات" قوم لا يحضرون الدواوين وتسبيبات " مصروفات"  بأسماء قوم وهميين (وهم ما يطلق عليهم في عراق اليوم " الفضائيين" ع ل). وإطلاق أموال للغلمان والوكلاء في دار الخلافة والحاشية برسم الفقهاء والكتاب. وكان ما يطلق لهم من الورق والقراطيس الأموال الكثيرة ولا يُشترى إلا ببعضه مما يحتاج إليه.

2- يومَ علقوا أم الخليفة بالمقلوب: لم يكن خلفاء و وزراء وموظفو دولة بني العباس مختلفين عن دولة بني أمية في موقفهم من المال العام وموجودات "بيت مال المسلمين = الاسم التراثي لوزارة المالية والخزينة في عصرنا"،  فكلتا الدولتين - باستثناء فترتين قصيرتين حكم فيهما عمر بن عبد العزيز ويزيد الناقص في الدولة الأولى - اعتبرت المال العام ملكا خاصا للعائلة المالكة - كما هي الحال في دولنا العربية اليوم، وخصوصا في المحميات النفطية الخليجية كدول آل سعود وآل نهيان وآل مكتوم....الخ. ومن أبلغ الأمثلة التي سجلها لنا المؤرخون في كتب التراث القديم ما أورده الهمذاني ومسكويه والتنوخي، أقتبس لكم التالي مما اقتبسه الباحث د. فهمي سعيد (ختن الخليفة المقتدر- تولى الخلافة وله من العمر 13 عاما فقط - أولاده سنة 302 هـ ونثر عليهم خمسة آلاف دينار ذهبا و مائة ألف درهما فضة و بلغت نفقة الختان كاملة ستمائة ألف دينار. وسَكَرَ - المقتدر – مرة واستدعى الأموال، فحملت إليه  فوزعها على الجواري والنساء. أما الخليفة الراضي ففي أيام فقر الخزينة وزع على ندمائه وزن الآجر – مقاعد حجرية -  الذي يجلسون عليه فضة وذهبا. وكانت شغب والدة الخليفة المقتدر متلافة للمال ولم تترك حتى الغالية والمسك "عطور ثمينة توزن بالذهب"، فاستخدمت منها ما قيمته آلاف الدنانير لتصنع منها وحلا تلوث به هي وجواريها أقدامهن كما تفعل نساء العامة "البغداديات الشعبيات آنذاك"  حين تتلوث أقدامهن بطين دجلة عندما ينزلن لجلب الماء بجرارهن من نهر دجلة. واستخدمت السيدة شغب حين احتفلت بعيد النيروز ألف شقة قماش غالي الثمن في صنع أزرار كحبات القطن ورشت عليها الطيوب الثمينة لتحرقها في عيد النيروز. وكانت شغب تعرف بالسيدة وقد اتخذت لنفسها قهرمانة - أي حاكمة -  اسمها ثمل، واتخذت لنفسها مجلسا في بغداد لتحكم في مظالم الناس. كما أنشأت مارستانا "مستشفى" اسمته المارستان المقتدري على اسم ابنها الخليفة المقتدر (على طريقة تسمية المستشفيات بأسماء الرؤساء والقادة " الضرورات "  في عصرنا الحاضر. ع ل) ثم دخلت السيدة على خط الصراعات السياسية المسلحة فحاولت اغتيال القائد العسكري النافذ مؤنس المظفر وفشلت – هو  مملوك أبيض البشرة، كان يلقب بالخادم مؤنس، ثم بالمظفر المعتضدي، وقد بلغ رتبة الملوك عند بعض المؤرخين مع أنه لم يتجاوز رتبة قائد الجيش ثم أمير و والي دمشق في عهد المقتدر- . وبعد مقتل المقتدر في معركة مع جيش مؤنس المتمرد  بويع أخوه من أبيه القاهر و الذي اتهم السيدة شغب بقتل والدته فبدأ حربه ضدها.  وقد انتهت شغب نهاية سيئة على يد الخليفة الذي  طلب منها أموالا لتمويل حربه ضد مؤنس فرفضت تمويله، فأمر بتعليقها من ساقيها بالمقلوب إلى شجرة (يروى أنه قال لها سأجعلك تشربين من بولك)  ليعرف منها أين كانت تخبئ الأموال. وعذبها عذابا شديدا ولكنها لم تعترف له بشيء، فصادر أملاكها وعقاراتها بدعوى أنها تنازلت له عنها بحضور شهود، ثم توفيت بعد فترة في دار الحاجب علي بن بليق بتأثير تعذيبها كما يعتقد بعض المؤرخين.  يتبع في الأسبوع القادم، عن مستويات الغنى والفقر في بغداد العباسية.

 

بقلم : علاء اللامي - كاتب عراقي

khalidjawad shbaylقِف في "مِنىً" واهتف بمزدَحم القبائل والوفودِ

حِجّوا فلستم بالغين بحجكم شرف الهنودِ

حَجّوا إلى استقلالهم وحَججتمُ خوف الوعيدِ

فعبادةُ الأحرار أشرفُ من إطاعاتِ العبيدِ

 للشاعر صالح الجعفري النجفي قالها قبل أكثر من سبعين عاماً في النجف!

***

غادرت كامبوديا براً نحو فيتنام الطريق البري كان أحسن ما مشيناه، قطعناه في حوالي ثلاث ساعات الى الحدود، لم تأخر سوى نصف ساعة من تحصل على التأشيرة مسبقاً، وصلنا مدينة هوشي منة (سايغون) بنحو ساعتين ونصف الساعة الطريق معبد والحافلة جيدة..ليس مهمتي أن أصف هذه المدينة الآسرة، تجمع بين الطراز الفيتنامي والفرنسي..

 زرت متحف القائد هوشي منه ذا البناية الأنيقة المطلة على النهر(الميكونغ)؛ كانت حياة هذا الإنسان المنسلخ من عائلته الثرية مدهشة في بساطتها مناضلاً ورئيساً، خرجت مفكراً لماذا لم يتهيأ لنا قادة في نصف زهده وربع إخلاصه لوطنه وعقيدته الثورية التي تفاني من أجلها لتنفيذ أفكاره على نفسه وعلى الواقع؟؟!!

وكما يقول الغربيون " باي وي" سأمر سريعا جداً على أهم ما شاهدت في سايغون! متحف الحرب العدوانية، هكذا كان اسم المتحف، ثم جُعل اسمه  متحف بقايا الحرب war remnants  museum    للتخفيف من وقع التسمية الأولى على السائحين الغربيين! وفي هذا المتحف شاهدت مافعله الاستعماران الفرنسي ثم الأمريكي من شنائع، يعفّ القلم من ذكرها من مقاصل إلى ادوات تعذيب جهنمية، ومن يُرِد أن يطّلع على رأي الشباب الغربيين على ما دونوه في السجل سيشعر بارتياح، كتبت أحدى الشابات" أشعر بالخزي من كوني أمريكية"، وآخر " تمنيت لو لم أولد أمريكياً" وكتب فرنسي أو فرنسية " مذ شاهدت الجرائم رثيت للشرف الفرنسي!"...

ذهبت الى السفارة اللاووسية القريبة من المتحف، وتحصلت على التأشيرة بعشر دقائق، وأمضيت ربع ساعة أستمع للقنصل الذي راح يشرح عن بلاده ومعوقات نهوضها ومشكلة الألغام التي  تصيب الرعاة، وتحرم المزارعين من أخصب الأراضي الزراعية! وختم كلامه نحن نخوض حرباً ثانية هي حرب سلمية من أجل البناء..

زرت أنفاق كوجي الشهيرة وغرفة العمليات السرية  الكامنة وسط غابة تكسوها أوراق الأشجار، حيث تنفتح لك أبواب سرية ومخابىء بلمح البصر! واطلعنا على أفخاخ مُهلكة نُصبت للعدو..وأكلنا من الطعام الذي كان يستخدمه الثوار، قوامه الأرز والبطاطا الحلوة! ثم قطعت ثلاثين متراً في هذه الأنفاق وأظنها كانت خمسين، كانت تجربة خاصة جداً أن تكون ثائراً فيتنامياً لمدة ساعة أو أكثر.

لم يعجبني في مدينة هوشيمنه الموتورسايكلات التي تنفث سمومها والتي يبلغ عددها مليوني موتور سايكل، مما تجعل الهواء في المركز ملوثا! ولكن الطعام الفيتنامي لذيذ، ولهم مشروب البيرة الرخيصة المصنوعة من الأرز ويسمى "فو"، أما المشروب الوطني فهو يُشبه الفودكا مصنوع من الأرز أيضاً، ويكون غالياً عندما تشتري قنينة وقد نقع بها افعوان او أكثر والسعر يعتمد على نوع الأفاعي وبالضرورة على حجم القنينة التي ينتصب فيها الأفعوان، وأغلاها ذات الكوبرا والكنغ كوبرا. فهم يعتقدون بأن الأفاعي في المشروب أو المأكول تمنح متناولها صحة وقوة جنسية كبيرة!! وللفيتناميين قهوتهم اللذيذة التي يحضرها ويفلترها الزبون بنفسه وهو جالس فتزيد الجلسة إمتاعا!

***

غادرت الى مدينة هوّ Hue، عن طريق الساحل المطل على بحر الصين الجنوبي، وبين مدينتي هوي آن و هوَ كان الطريق جبلياً ضيقا وكانت الحافلة تسير على حافة الطريق المطلة على البحر  في ارتفاع شاهق ورغم الخوف من انزلاق الحافلة كان المنظر خلاباً.. أمضيت نهاري في هذه المدينة التأريخية المسيجة أرقب حياة الناس وكأنني واحد من رجال مسلسل ماركوبولو! ثم واصلت طريقي نحو لاو باو (باب لاووس) المركز الحدودي، استغرق الطريق منها الى مدينة سافانا كيث اللاووسية حوالي عشر ساعات في طريق ترابي، وكانت الأراضي من نوع السافانا، مملة، لم نتوقف سوى مرة واحدة، معظم الركاب كانوا من العمال اللاوسيين الذين يشتغلون في فيتنام، كنت الوحيد الأجنبي!

المدينة جميلة جداً استأجرت دراجة هوائية للتمتع بمناظر المدينة وشاطيء نهر الميكونغ حيث المطاعم التي تقدم لحم الكلاب البرية مشوياً، وأخرى تشوي السحالى(*) (أبو بريص)، البيض ذا الأجنة،  وكل شيء يقدم مع البيرة اللاوسية الشهيرة "بيرلاو" أو "تايغر بير" هناك معبر حدودي ينقل الراكبين الى تايلند الضفة الأخرى! وهناك حانوت فري ديوتي(سوق حرة)، كما يوجد مطعم فرنسي صغير كان ضالتي!!أمضيت ليلة تعشيت في بيت جعله صاحبه الفرنسي المتزوج من لاووسية مطعما وبارأ ومركز معلومات! مدينة سافاناكيت مدينة المعابد، فهي مدينة لاووسية صرفة والناس جد لطفاء!

غادرتها بعد يومين نحو فيانتيان العاصمة.. كان الطريق حديث التعبيد، وتتوقف السيارة للاستراحة والباعة يقدمون دجاجاً مشويا وأسماكاً، وسحالى مع نوع من الأرز في أكياس صغيرة يشبه لب الصمون يسمى الأررز المتلاصق Sticky Rice وهو لذيذ ومُشبع يؤكل مع الدجاج والسمك والسحالى باليد ولا يلتصق بها لأنه متماسك وهو عماد غذاء المزارعين حيث يمنح طاقة كبيرة يؤكل في لاووس وفي المناطق المحاددة لها من تايلندا في منطقة إيسان!

هذه مدينة فيان تيان العاصمة العتيدة والمنافسة تاريخياً لمدينة لوانبرابنغ. تقع على الضفة اليسرى من نهر الميكونغ أما اليمنى فهي تايلندا، وهذا النهر العملاق هو الحد الفاصل بين البلدين..

عندما زرتها لأول مرة قبل خمس عشرة سنة، بدت العاصمة قرية كبيرة قليل من شوارعها مبلط، الكورنيش على النهر غير مبلط وهناك مقاهي في الهواء الطلق، فيها ثانوية جيدة البناء ومكتبة ذات طراز فرنسي، والعاصمة هي مدينة المعابد الجميلة وفيها المتحف البوذي الشهير سيساكيت، والمتحف الوطني بسيط للغاية في بناية هرمة ومحتوياته هي ملصقات وصور تحكي النضال الأسطوري لشعب لاوس، بقيادة منظمة باتيت لاو(بلاد لاوس) الثورية الشيوعية التي خاضت نضالاً مسلحاً ضد الفرنسيين، وضد الملكيين من عملاء السي آي أيه الأمريكية من أثنية "همونغ" الرجعية، حتى حققت استقلالها التام عام 1975.. وفيها السوق الشهير (سو) والبارك الذي يتوسطه بناية أو النصب الوطني، وفيها الباغودا، وهو نصب مخروطي له أهمية تاريخية دينية، تأتي قدسية الباغودا من اعتقاد كونها حامية المدينة!

زرت لاوس بعد زيارتي الأول أربع مرات، كما زرت مدينة لوانباربنغ في الشمال، وهي مدينة رومانسية هادئة اشتهرت بسوقها الليلي ومعابدها التأريخية..

آخر زيارة لي قبل اسبوعين، أصبحت لاوس مربوطة بتايلند عن طريق جسر الصداقة بمساعة منظمة آسيان، والطريق الترابي أصبح معبدأ المدينة مذهلة من حيث التصميم الحديث مع المحافظة على الطابع القديم، لم تجد فيها معالم الفقر، السياحة واحدة من الموارد الهامة، فهي تصدر الطاقة الكهربائية لجيرانها الصين، تايلند وفيتنام، وهي مدت السكك الحديد على أربع خطوط تشكل شبكة هامة للنقل،ويسجل البنك الدولي للاوس بانها اسرع دول شرق آسيا نمواً..

النظام السياسي الماركسي اللينيني، عمق الممارسات الديمقراطية، فالرئيس ينتخب من قبل الجمعية الوطنية لخمس سنوات، والدستور عدل عام 2003 لصالح حرية الشعب وضمان ممارساته الديمقراطية مما حسن صورة لاوس في مجال حقوق الإنسان، استطاعت لاوس ان تقطع شوطاً هاماً في مكافحة الفساد، وجعل النظام الإداري شفافاً.. لقد حسنت لاوس من علاقاتها مع دول الجوار لاسيما فيتنام والصين وتايلاندا، ولها علاقات هامة مع استراليا واليابان والسويد وفرنسا والهند، وانضمت إلى آسيان عام 1997 واستفادت من تنفيذ مشاريع هامة، وبدأت اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة منذ 1998... لاوس التي لا تملك ساحلاً بحرياً في طريق النمو المتسارع.

إذهبو إلى لاوس الفقيرة المعدمة التي لا تمتلك قطرة بترول، لتروا أين اصبحت وأين اصبحنا؟!

أين نحن بلد الثروات من لاوس؟!

 

خالد جواد شبيل

رام كم هنغ 13 ك2 يناير 2017

.....................

(*) لابد للسائح من احترام ثقافات الشعوب، السحالى والعقارب والحشرات... تُربى في حقول خاصة تكاثر، وهي تعتبير من اللذائذ واباع بأسعار عالية نسبياً.. الأفاعي والجرذان تصطاد في حقول الأرز وتعتبر هي الأخرى من الأطايب حيث تطبخ بطرق خاصة وتتبل بأعشاب وأفاويه ملائمة.. الكلاب البرية تصطاد من الغابات وأسعارها أغلى من بقية الحيوانات.

 

alhasan alkyriالسيدة الحرة (1485 - 1542 م)؛ حاكمةُ مدينة تطوان وملكة المغرب. دخلت إلى التاريخ بأفعالها المخيفة في مجال الجهاد البحري ضد البرتغاليين. سيدة استثنائية، وبدون شك، سابقة لعصرها إذ تعتبر واحدة من أهم الشخصيات النسائية في الشمال المغربي وأبرز الوجوه الرمزية في الغرب الإسلامي في العصر الحديث.

لا يعرف اسمها الحقيقي؛ ففي نظر بعض المؤرخين المغاربة من قبيل  محمد داود وابن عزوز حكيم ربما كانت تسمى عائشة. إن نعت "الحرة" كان مجرد لقب والذي يعني اشتقاقيا "عكس العبودية" لكن لا علاقة له بما نفهمه من كلمة "حرة" في زماننا الراهن. "السيدة الحرة" كانت تعني المرأة النبيلة، السيدة الأرستقراطية. وهو لقب كانت تحمله الملكات والسيدات المتميزات في بلاد المسلمين.

من المؤكد أنها كانت سليلة أسرة من الأندلسيين البارزين هم "بنو رشيد" والذين شأنهم شأن آخرين اضطروا إلى الهروب إلى شمال إفريقيا أمام زحف الملوك الكاثوليكيين.

هي ابنة السلطان علي بن رشيد والذي تحول إلى أمير مستقل عن سلالة الوطَّاسيِّينَ في فاسَ، مؤسسًا دُويلةً بمدينة شفشاون. أما أمها فهي لالة زهرة فرناندث تلك المورسكية المعتنقة للإسلام والمتحدرة من منطقة بِخِيرْ دِي لَا فْرُونْتِيرَا (قَادِشَ). تربت على أيدي خيرة حكماء ومفكري مدينة تطوان وأبانت عن ذكائها وحكمتها وفعاليتها. تزوجت وعمرها 16 سنة بالمنظري؛ مؤسسُ مدينة تطوان وحاكمُها وقائدٌ غرناطيٌّ سابقٌ قد هاجر إلى شمال إفريقيا رفقة بعض مواطنيه قُبَيْلَ سقوط مدينة غرناطة.

إنه لَصَمْتٌ مجحفٌ ذاك الذي خصها به سواء المؤرخون العرب أو الأجانب. ففي المصادر العربية لا نكاد نجد بالملموس أخبارا بصدد هذه الملكة التي حكمت خلال 30 سنة أي من سنة 1510 إلى سنة 1542 وهي السنة التي تمت فيها إقالتُها.

برزت السيدة الحرة في المشهد السياسي المغربي عندما اضطر زوجها المنظري، حاكم مدينة تطوان والأكبر منها سنا والمعتل والمصاب بالعمى في تلك اللحظة، إلى الانسحاب من أجل الاعتناء بصحته؛ إذ وجدت نفسها متورطة في كل ما اتصل بشؤون المدينة وأبانت عن علو كعبها في مجالي السياسة والاقتصاد. استطاعت هي وزوجُها مواصلة وتمويل الجهاد البحري ضد البرتغاليين الذين احتلوا سبتة وضد الإسبان كذلك.

بفضل موهبتها الاستثنائية تمكنت السيدة الحرة من أداء دور مهم جدا كحاكمة لمدينة تطوان ورقم لا محيد عنها في معادلة القراصنة في غرب البحر الأبيض المتوسط. وهو ما تسبب لها في عداوة القريبين والبعيدين.

نجد من بين حلفائها القرصان التركي الشهير الملقب ببارباروخا الذي كان ينشط في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولم يكن القراصنةُ حلفاءَها الوحيدين. وبعد وفاة زوجها ما فتئت أن تزوجت ثانية من الملك الوطاسي المسمى أحمد.

و كي تُفهِمهُ على أنها لم تكن تفكر في التخلي عن دورها السياسي في شمال المغرب فقد اشترطت عليه أن يترك عاصمته في مدينة فاسَ وينتقل إلى مدينة تطوان من أجل إتمام مراسيم الزواج ففعل. وذاك حدث استثنائي في تاريخ المغرب حتى يومنا هذا؛ إذ لم يسبق لأي ملك أن تزوج خارج عاصمته. وهذا دليل على قوة شخصيتها التي طبعتها أمها؛ تلك السيدةُ سليلةُ الثقافةِ المختلطةِ وأبوها باني الدول، ناهيك عن زوجها المنظري.

لقد راهنت على حماية الجهاد البحري خارقةً بعض الاتفاقيات السيادية لمصلحته ومصلحة السلطان نفسه والذي كان يدعمه دبلوماسيًا. كل هذا في ظل بعض المؤامرات الداخلية وبالنظر إلى الشخصية الصعبة للسيدة الحرة مما عجل بالنهاية المفاجئة. وهكذا فإنه في سنة 1542 ميلادية  قام بعض أهاليها من زوجها الأول المنظري مع بعض الفصائل المعادية بالدخول إلى مدينة تطوان وانقلبوا عليها مطيحين بها وطاردين إياها إلى خارج المدينة ومصادرين كل ممتلكاتِها. وقد قيل إنها عادت إلى منزل أبويها بمدينة شفشاون واستسلمت للعزلة إلى أن لبت نداء ربها. واليوم، تزور الكثير من النساء قبرها إذ تعتبرنها رمزا لفرض الذات.

يمكن أن نفهم قصتها إذا وفقط حللنا منعطفات عصرها؛ وهو يشكل واحدة من الحقب الصادمة جدا في تاريخ الإسلام. وهناك من يقول إنها لم تعرف أن تواصل فَرَادَتَهَا وهي تستند إلى رجل في مجتمع رُجولِي؛ بل أرادت أن تكون هي نفسُها رجلا وهو الأمر الذي كان الحفاظ عليه صعبا إبان ذاك العصر.

 

**كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء -المغرب.

.......................

باحثة مغربية متخصصة في السرد الإسباني والإسبانوأمريكي. انطلقت في مجال الصحافة المحلية بمدينة تطوان في بداية التسعينيات. وبالضبط كعاملة بجريدة الجسر/ El Puente الصادرة وقتها باللغتين العربية والإسبانية. وكانت من بين أولى السيدات اللواتي ساهمن في نهضة الصحافة المحلية في تلك الفترة. وقد تميز عملها بالتنوع بحيث شمل العديد من الأجناس الصحافية. ظروف الدراسة جرت دينا الإدريسي إلى إسبانيا حيث استقرت منذ أواخر التسعينات وعملت في ميادين شتى (تدريس وإدارة وترجمة). لكن اهتمامها الأساسي ظل ينصب على مجالات المعرفة والثقافة والإعلام. أما هذه المقالة التي عكفنا على ترجمتها من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية فهي منشورة في صحيفة أطالايار (ATALAYAR) الإسبانية بتاريخ 04/01/2017.

 

sahar alameriعلى عدد المرات الكثيرة التي سافرت بها الى لندن كانت ضاحية همرسميث هي الضاحية الوحيدة التي تستهويني كثيرا، ولهذا كنت أصرف أكثر ساعات يومي فيها، وقد قادتني إليها في المرة الأولى الصدفة، وذلك حين سألت ساعتها موظف استعلامات الفندق الذي نزلت فيه عن أفضل طريق توصلني الى ضاحية بريفيل " Perivale " التي كنت أريد الوصول الى مصرف يقع فيها، كان لي حساب قديم فيه، فتحته منذ سنوات طويلة، حين كنت أعمل في مدينة بنغازي من ليبيا بعد أن غادرت أنا وطني، العراق .

أشار علي موظف استعلامات الفندق الذي يقع في ضاحية هاونسلو " Hounslow " أن أركب الحافلة التي تقف عند باب الفندق، وحين تقف في آخر محطة لها في ضاحية همرسميث علي أن أركب من هناك قطار الانفاق " المترو " كي يصل الى بغيتي، وكان موظف الاستعلامات قد ارتكب خطأ في اشارته تلك، فقد اكتشفت فيما بعد أن هناك حافلة ركاب يمكن أن أصل بها من على مقربة من الفندق، والى ضاحية بريفيل التي يقع فيها المصرف المشار إليه .

عن طريق هذا الخطأ الذي ارتكبه موظف الاستعلامات تعرفت على ضاحية همرسميث التي تقع في غرب لندن، وهي ضاحية جميلة، غير مكتظة بالسكان، خارطتها تذكر بخارطة المدن المدورة في القرون الوسطى، فجميع الشوارع فيها، ومن جميع الجهات تفضي الى مركزها الذي تقوم فيه اسواق ومطاعم ومحطة للحافلات ولقطارات الأنفاق التي تحملك الى جميع الضواحي في مدينة لندن حتى الريفية منها.

قبالة هذا المركز التجاري تقوم بناية عتيقة ظهرت عليها تصاميم بنايات القرون الوسطى، مثلما ارتفعت بها شبابيك طويلة، وأبواب عالية صنعت من خشب يذكر بخشب الأبنوس، مثلما انتظمت فيها طاولات تحيط بها كراسي من ذات الخشب، وطالما كانت هذه البناية مكتظة بالرواد، ويصل الحال فيهم أحيانا الى تناول طعامهم ومشروباتهم وقوفا، فالبناية هذه المتكونة من طابقين هي حانة ومطعم في نفس الوقت، لها نكهتان، نكهة القدم، ونكهة كونها شعبية يرتادها النساء والرجال على حد سواء.

كلما جلست أنا فيها جال في تفكير سؤال مهم عن المالك الأول لها، أو عن الساكن الأول، وبالتأكد سيكون مالكها الأول من أغنياء ذلك الزمان، ثم تعاقب على السكن فيها أكثر من ساكن، حتى وصل بها الحال الى تصبح حانة ومطعم في الوقت نفسه، وعلى هذا ظللت أبحث عن أولئك البشر الذين سكنوها قبل أن تؤول الى المصير الذي هي عليه اليوم .

من بين أولئك تعرفت على أحد منهم، كان هو الفنان، والشاعر، والأديب، والمصمم، والمعماري، الانجليزي الاشتراكي الذي كان يسميه كارل ماركس بالحالم لأنه كان يرى أن النظام الاشتراكي يمكن أن يقوم من القاعد صعودا الى تحطيم هرم السلطة بمعنى آخر هو أن الصراع الطبقي يمكن أن يكون بين القاعدة العريضة من الناس، وليس بين الناس والنظام الرأسمالي، ويبدو أن تصوره هذا هو الذي دفع بماركس الى قوله ذاك من أن وليم موريس رجل يحلم، أما فردريك انجلز فقد تنبأ بأن حركة الاشتراكيين التي كان وليم موريس من بين أبرز أعضائها ستفشل، ولن يكتب لها النجاح .

يبدو أن الخلافات الفكرية في الأهداف وطرق العمل بين أعضاء حركة الاشتراكيين الانجليز هي التي قادت وليم موريس الى تركها رغم أنه كان من أبرز المؤسسين لها عام 1884م، وفي سنوات حياته الأخير انصرف هو كلية للعمل في مطبعة كِيلْمسكوت" Kelmscott " المتخصصة بطباعة الكتب الفنية الفخمة، والتي أسسها سنة 1891م في ضاحية هميرسمث " Hammersmith"، تلك الضاحية التي كانت حتى مطلع الثلاثينيات من القرن المنصرم عبارة عن قرية من القرى التي تحيط بالعاصمة البريطانية لندن، والتي أصبحت فيما بعد ضاحية من الضواحي التي تقع في الغرب من لندن .

وفي شهر كانون الثاني من سنة 1891م، استأجر وليم موريس بيتا خشبيا رقمه 16 في مول العليا، وبالقرب من البيت الريفي المسمى " Kelmscott "، وفي ضاحية همرسميث ذاتها، والتي كان يريد منه هو أن يكون بمثابة المقر الأول لدار طباعة Kelmscott للصحافة، قبل أن تنتقل إلى بناء مجاور رقمه 14 في شهر مايس من ذات السنة، وهو الشهر الذي تم فيه تأسيس الشركة المكرسة لإنتاج الكتب التي يراها هو جميلة الشكل، فقد أثرت فيه فنيا المخطوطات المصورة، والكتب المطبوعة في وقت مبكر من العصور الوسطى، وكذلك الكتب الجديدة المطبوعة في طلائع سنوات أوروبا الحديثة.

كلتا البنايتين القديمتين المرقمتين برقمي 14 و 16، وبعد أن أجريت عليهما عمليات تجديد الى حد ما، قد تحولتا الى حانتين ومطعمين في الوقت ذاته، ولكنهما لا يزالان يشعرنا الجالس بهما بتلك الساعات التي أمضى فيهما الأديب والفنان الانجليزي وليم موريس قطعة من أيام حياة الأخيرة، تلك الأيام التي لا تزال معلقة على أبوابهما، أو من خلال المواد التي بنيتا منها، أو الخزان الخشبي الذي ترتفع فوقه صورة الفنان في حيز أعد لهذا الخصوص، لقد ارتفعت تلك الصورة الكبيرة للفنان الأديب على جداره وقت أن كانت الصور لا تعرف الألوان، وقد أحيطت هي بإطار خشبي يبدو أنه قد حظي بعناية الفنان نفسه، كما وضعت على الطاولة بعض من أشياء الفنان مثل الكأس الزجاجي الذي يشرب الماء فيه .

يضاف الى ذلك وجود حيز آخر في الطابق الخشبي نفسه يشتمل على صورة ومخلفات فنان ومصمم انجليزي آخر هو إدوارد جونستون " Adward Johnston" الذي عاش ما بين سنتي 1872 م-1944م، وعلى هذا يكون هو أحد الفنانين المعاصرين للفنان الأديب وليم موريس، وهو واحد من الذين تعاقبوا على المكوث في تلك البناية التي تحولت فيما بعد الى حانة ومطعم مثلما ذكرت ذلك من قبل، والتي لا زالت تحمل اسم الفنان وليم موريس " Willim Morris " على احدى واجهاتها المطلة على شارع رئيس ينتهي بمقاطعته لشارع يمر من أمام البناية التي تضم مركزا تجارية، ومحطة قطار أنفاق، وكذلك محطة حافلات حديثة .

وباعتقادي أن هذه البناية، والتي كانت تدعى كوخا خشبيا على الأيام التي أمضى فيها وليم موريس آخر نشاط فني وأدبي له فيها، لا يمكنها أن تصمد في المنظور القريبة من الأيام رغم أهميتها التاريخية التي كانت السبب الرئيس في المحافظة عليها للآن، فكل جالس فيها يشاهد اليوم البنايات القريبة منها، وهي تتهاوى الواحدة بعد الأخرى، وتقوم مكانها بنايات حديثة مادة بنائها الأساسية الحديد والزجاج، فقد شمخت في أكثر من ضاحية من ضواحي لندن العمارة الجديدة التي هي بنايات زجاجية شاهقة، لا تعرف الحجر والطابوق والاسمنت، وبأشكال معمارية غاية في الحداثة والجمال، وهذه الهندسة المعمارية الحديثة، وهذا اللون من البناء هما اللذان سيسودان في هذا العصر على الأشكال القديمة للبناء التي لم تعد تواكب التطور السريع في حياة البشر خاصة في الدول المتقدمة صناعيا التي راحت تنتشر فيها هذه العمارة متنقلة من دولة الى دولة أخرى، ومن مدينة الى مدينة بعيدة عنها، فقد قامت أول عمارة زجاجية في المدينة السويدية التي أعيش فيها، مثلما قامت عمارات زجاجية في مدن أخرى من السويد.

 

alaa allami- المدارس والمعاهد والنوادي: وفي حديثه عن التعليم والمدارس في بغداد العشرينات، يخبرنا عباس بغدادي بالآتي: لم تكن هناك بنايات للمدارس بل بيوت تؤجرها الحكومة ، ثم بدأت الحكومة ببناء المدارس للأولاد والبنات واهتمت بالتعليم لدرجة ان الملك فيصل الأول سجل نفسه معلما في مدرسة المأمونية الابتدائية في الميدان وسجل ابنه الأمير غازي في فرقة الكشافة. أما الثانويات فكان منها اثنتان : الثانوية المركزية والثانوية الشرقية في محلة السنك. ولما كانت الحاجة ملحة للمعلمين فقد افتتحت الحكومة ثلاث مدارس للمعلمين : دار المعلمين والمدرسة الريفية ودار المعلمين العالية. وصدر قانون يسمح بتعيين المعلمات بعمر ست عشرة سنة بدلا من ثماني عشرة سنة. وتم التعاقد مع معلمين من سوريا ولبنان وفلسطين ومصر ومنهم على سبيل المثال : نجيب مشرقي ولبيب الاسكندراني و إدوارد جرجي و جلال رزيق و عز الدين التنوخي و عزت دروزة . وكان في الثانوية المركزية مرسم كبير لتدريس الرسم مع المدرس شوكت سليمان و في قاعة المدرسة بيانو يقوم المعلم جاك سوفير بتعليم التلاميذ العزف عليه وفيها مختبر كيمياوي أما الألعاب الرياضية فكانت تجري في ساحات المدارس. وكانت هناك مدارس دينية في الجوامع و الكنائس والكنس اليهودية  البغدادية مثل مدارس : عبد الوهاب أفندي النائب ومدرسة الآلوسي و مدرسة يوسف عطا الله و مدرسة حيدر الحيدري ومدرسة  التفيض والمدرسة الجعفرية ومدرسة الإليانس وشماس لليهود ومدرسة الكلدان ومدرسة الأرمن ومدرسة للاتين للمسيحيين. و استمرت البعثات بالذهاب إلى اوروبا أو أميركا وفقا لأحوال الدولة المالية وتبعا لمزاج وزراء المعارف. ونادرا ما يدخل المعلم صفوف الابتدائية بدون مسطرة او عصا صغيرة عدا المدارس المسائية فتلاميذها كبار في السن. وكان الأهالي ينتظرون ظهور نتائج الامتحانات فإذا نجح ابنهم فإن الهلاهل "الزغاريد"  تدوي في المحلة علاوة على أنهم (يطشون عرب ويهليه و خطار ويهلية = ينثرون الحلوى الصغيرة ) على رأسه و رؤوس صبيان المحلة.

أما النوادي التي تأسست في العشرينات ببغداد فكان اولها النادي العسكري وكان في هذا النادي زوج من طائر البجع الأبيض وهو طير نادر لم ير أهل بغداد مثله  وكانوا يأتون للتفرج عليه. والنادي العراقي وأسسه عدد من الوزراء العراقيين يلعبون فيه البوكر والكانكان وبعد كأس او كأسين تبدأ المساومات السياسية استعدادا لتلبية رغبات البلاط الملكي.

 ونادي التضامن أو " منتدى التهذيب وأسسه مجموعة من الشباب المثقف وله نشاطات رياضية ككرة القدم وكان مقره في الأعظمية . نادي العلوية وأسسه  الإنكليز لقربه من مساكنهم وكانت إدارته إنكليزية  وفيه حوض لسباحة الرجال والنساء وحتى حين تبدلت الإدارة  إلى عراقية ظلت الإدارة لا تقبل عضوية إلا من كان حائزا على شروط " معينة" . ونادي لورة خضوري  وهو ناد يهودي أقامته الطائفة اليهودية " أو الموسوية كما كانت تسمى في العراق" وكان من أشهر رواده رئيس الوزراء ياسين الهاشمي. ونادي البولو المخصص للعبة البولو العربية المشهورة (لعبة على الخيول بين فريقين من أربعة لاعبين لضرب الكرة بعصا خاصة، والمرحوم بغدادي يعتبرها عربية الأصول ولكن خبراء آخرين يعتبرونها غير ذلك. ع.ل).

ونادي جمعية الشبان المسلمين ومقره في الصالحية بجوار دار الإذاعة  العراقية. ونادي الأرمن ونادي صيد الحمام الذي تأسس في بداية العشرينات ونادي الكمارك وهو أول نادي للموظفين في العراق وفي نهاية العشرين تأسس نادي المحامين، وجمعية الشبان المسيحيين وكان فيه جناح خاص للنساء المسيحيات (لمنع الاختلاط). يتبع.

- الصحافة والسينما: كانت صحافة المعارضة هي الوحيدة التي هزت ضمير و إحساس المجتمع البغدادي لأنها تدغدغ أحلامهم وأمانيهم في الاستقلال ومقاومة الأجنبي المحتل. ومن صحف تلك الأيام نذكر: الاستقلال، و جريدة دجلة، و البدائع  جريدة سليمان الدخيل، المعارضة للحكم البريطاني، والشعب، والأمة،  وجريدة الحزب الوطني، والإخاء، والتقدم، لسان حال حزب التقدم. و قد حضر باحثون ومفكرون الى بغداد وألقوا فيها محاضرات ومن هؤلاء المستشرق الفرنسي الشهير ماسنيون والكاتب المصري أحمد أمين .  وفي أواخر العشرينات وصلت الجرائد المصرية مثل الأهرام والمقطم والسياسة والمجلات المصرية مثل اللطائف المصورة الماسونية ومجلة المصور لآل زيدان والكشكول وآخر ساعة وروزاليوسف والكواكب. وكان التمثيل في بغداد العشرينات يعتبر نوعا من ( القشمرة = النصب والخداع) وقيل أن أحد حكام الجزاء في بغداد سأل أحد المتهمين عن مهنته فأجابه أنه ممثل فقال الحاكم لكاتب الضبط : أكتب أنه " قشمر" .

وانتشرت دور السينما في بغداد ومنها يذكر المؤلف : سينما العراقي في الميدان، رويال في باب الأغا، وسنترال في محلة العمار ، سينما أولومبيا في محلة المربعة و سينما الوطني وكانت سينما رويال أفخم دور السينما فكراسيها وثيرة وستائرها مخملية تفصل بين لوج " مقصورة"  وآخر وفي واجهة كل لوج لوحة زيتية لأحد الرسامين لذلك كانت تبدو و كأنها أحد ألواج دار الأوبرا في باريس أو لندن. أما السينما الناطقة فقد وصلت إلى بغداد في الأوائل الثلاثينات ومن أشهر أفلام العشرينات فيلمان هما : فيلم خطايا البشر للممثل الألماني إميل جاننكس واستمر عرضه عدة أسابيع والناس مزدحمون على أبواب السينما لمشاهدته وأفلام شارلي شابلن وطرزان وبدأت النساء البغداديات بارتياد السينما في منتصف الثلاثينات. يتبع في الحلقة الأخيرة قريبا.

- بديعة عطش ..الموسيقى والرقص والغناء: (كانت المطربات يجلسن على الكراسي في صف واحد في آخر المسرح - في الملهى - وأمامهن الموسيقيون في الصف الأول ، وكان من أشهر المغنيات والراقصات آنذاك: رحلو، وسلطانة يوسف، وصديقة الملاية ، وبدرية أم أنور، وجليلة العراقية أم سامي، وخديجة علي، وسليمة مردخاي الإيرانية (سليمة مراد باشا زوجة الفنان الراحل ناظم الغزالي لاحقا ) التي كانت تضع على سيارتها علما خاصا بها وتقرض عِلية القوم الأموال، كذلك بدرية السواس، وبديعة عطش، وفريدة علي وجميلة دنكر وحسيبة ألماز وغيرهن . وعلى جدار مسرح الملهى كانت توضع لوحة كبيرة كتب عليها (طلب البستات ممنوع) والبستات هي الأغاني الخفيفة البغدادية الشهيرة التي تعقب أدوار غناء المقام العراقي، فما أن ينتهي المغني من أداء مقام حتى يعقبه بالبستة البغدادية. وسبب منع طلبات البستات هو شدة الطلب وحصول المشاجرات والعراك بين رواد الملهى. أما أجرة الدخول للملهى فكانت اربع آنات (الآنة أربعة فلوس)، وبعد انتهاء فصل الغناء والرقص يبدأ عادة فصل هزلي يقدمه هزليو ذاك الزمن أمثال جعفر أغا لقلق زادة وهو شارلي شابلن البغدادي في ذاك الزمن واسمه الحقيقي كامل عبد المهدي من اهالي كربلاء، بالاشتراك مع حسقيل أبو البالطوات وهو يهودي هزلي ، مختص بالترويج والدعاية آنذاك ، وكلاهما ماتا بائسين لا أحد لهما بعد أن كانا يُضْحِكان بغداد .

وقد حصل انفتاح على اللهو والملاهي والموسيقى ووسائل الترفيه في بغداد بعد عام 1908، العام الذي أعلن فيه الدستور العثماني الذي أعطى الحريات النسبية للمجتمعات والجماعات الدينية والقومية التي كانت تحت الحكم العثماني ورفعت قيودا كثيرة كانت مفروضة على الصحافة والأنشطة الاجتماعية. فظهرت الملاهي والمراقص والجوقات الموسيقية ، وتحول العديد من المقاهي الى ملاه ليلية (تياترو) وخصوصا بعد الاحتلال البريطاني الذي سمح بالكثير مما كان محظورا أيام العثمانيين ، وصار البغداديون متلهفين لحضور تلك الليالي الحافلة بالرقص والغناء والموسيقى ، وكثرت الراقصات اللواتي راح الكثير من البغداديين يتزاحمون عليهن وعلى حضور عروضهن بعد أن كانت حفلات الرقص يؤديها غلمان (ذكور) يتجملون وهم يلبسون ملابس النساء ويتشبهون بهن مثلما كان الحال في حفلات الرقص في مقهى عزاوي ومقهى سبع في الميدان ،

وكان لليهود دور في إشاعة الموسيقى والغناء ، فأغلب عازفي (الجالغي البغدادي) المرافقين لقراء المقام العراقي . وهو الغناء البغدادي العريق واللون الشائع آنذاك كان معظمهم من اليهود) .

ويقول المؤلف عباس بغدادي (كانت الملاهي تتجمع في منطقة الميدان التي اصبحت مركز اللهو والمتعة فيما بعد، فهناك أوتيل الهلال وفيه 'بدرية السواس' وفرقتها، لهذا سمي أوتيل بدرية السواس، وهناك ملهى نزهة البدور وقهوة عزاوي). وكانت الراقصة بديعة عطش من أجمل الراقصات اللواتي قدمن بغداد وهي التي خلدها الشاعر الكبير الجواهري (وكان في العشرينات ما يزال يرتدي الزي الحوزوي أي العمة والجبة) في قصيدته التي اخترت لكم منها أكثر مما اختار المؤلف عباس بغدادي، الذي اكتفى بذكر مطلعها، لتكون هذه الأبيات ختاما مسكيا لهذه السلسلة التعريفية ببغداد العشرينية والتي لا يمكن أن نأخذ عنها فكرة وافية دون أن نقرأ الكتاب الذي استعرضناه في هذه الجذاذات (بغداد في العشرينات – عباس بغدادي – ط 2 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت). قال الجواهري عن الراقصة الحسناء بديعة عطش وقد نشرت القصيدة في إحدى الصحف البغدادية ذاك العهد :

هُزِّي بنصفِكِ واتركي نصفا....... لا تحذَري لقَوامكِ القصفا

فبحَسْبِ قدِّكِ أنْ تُسنِّدَه .......هذي القلوبُ ، وإنْ شكتْ ضَعفا

أُعجبتُ منكِ بكلِّ جارحةٍ ....وخصَصتُ منكِ جفونَك الوَطفا

تُرضينَ مُقترباً ومُبتعِداً .............وتُخادعِينَ الصفَّ فالصفّا

أبديعةٌ ولأنتِ مُقبِلةً ................ تستجمعينَ اللُّطفَ والظَّرفا

ولأنتِ إنْ أدبرتِ مُبدية .............للعينِ أحسنَ ما ترى خَلْفا

هُزِّي لهم رِدفاً إذا رغِبوا........... ودعي لنا ما جاورَ الرِّدفا

ملءُ العيونِ هما وخيرُهما.............. ما يملأُ العينينِ والكفّا

وكلاهما حسنٌ وخيرُهما ..............ما خفَّ مَحمِلُه وما شفّا

هذا يرفُّ فلا نُحِسُّ بهِ....................... ويهزُّنا هذا إذا رَفّا

ونَكِلُّ عن هذا فنَطْرَحُهُ ...............ونُحِلُّ هذا الجيبَ والرفا

ونزورُه صبحاً فنلثِمُهُ ...................... ونَضُمُّهُ ونَشَمُّهُ ألفا.

شكرا لكم ولكنَّ جميعاً على المتابعة والتعليقات... وإلى اللقاء مع كتاب وكاتب آخر.

 

mujahid mnathermanshadولد الاستاذ الشاعر طالب بن الحاج فليح بن حسن الخزاعي في مدينة الناصرية سنة 1914 م،  وتوفي في بغداد سنة 1986م.

بعد اكماله التعليم في مدارس الناصرية، التحق بدار المعلمين، فتخرج مدرساً وعمل في مدارس مسقط راسه ثم الرفاعي ثم بغداد .

ويمتلك حافظة قوية وسرعة بديهية، وعرف بمساجلاته الأدبية مع أصدقائه من الأدباء والشعراء.

وعمل في دوائر ثقافية مختلفة.

شعره تقليدي وهو من الموزون المقفى، ويميل إلى المقطوعة والمنظومة القصيرة.

ونشرت له الصحف العراقية عدة قصائد منها:

«برقية شعرية»: مجلة الغري (النجفية) العددان 22، 23 في 12/7/1947.

 و«رحلت وكنت للخطباء شيخًا»: مجلة الإيمان (النجفية) - النجف 1966 (عدد خاص).

 و«يا هاتفًا بالحق عشرًا»: مجلة الهاتف (النجفية) - العدد 381.

و«تخميس»: مجلة الهاتف النجفية - العدد 512، وفي وصف مدينة الناصرية: مجلة البلاغ - المنتفك.

من مقطوعاته القصيرة التي نشرتها جريدة الهاتف 270. :

لك من بني النجف الشريف

                   تـــــــــحية الخل الودود

لي في حمى وادي السلام

                   أحبة تــــــحت الصعيد

قال عنه الشيخ عبد المهدي مطر الخفاجي في كتابه ذكر علمين من ال مطر:

هو من خيرة شباب الناصرية المثقفين وهو مدرس في مدارس العراق،  وذكر قصيدة الشاعر طالب الخزاعي التي أبن فيها المجاهد الشيخ عبد الحسين مطر  بهذه الرائعة:

                                             النفثة الحزينة

نسف الردى بك شامخ الاعلام      فطغى الاسى مــــوجا على الاكام

ومشى الغري بأسره في موكب     من خلف نعشك كالخضم الظامي

يبكي الفضائل والمكارم والعلى     بمذاب قلب في المـحاجر هامــي

وسرت بأرجـــاء البلاد مناحة         تجري الدموع بها بعين غمـام

قل ( للحسين) ليوم نعيك للورى   سهم أصاب بــــه العلاء الرامي

يافيض بحر الفضل غاض فمن اذاً   يشفي النفوس ومن لحر اوام

يا صاحب الراي المثقف حد ه     أمضى وأقطع من شبا الصمصام

              ومجندل الابطال في ساحاتها        ومنفر الاساد من أجــــــــــــــــام

             خاض المعامــــــع دون بلاده         ودعـــــــــا لخير الدين والاسلام

             وسعى لما فيه الصلاح لقومه         فعلا لـــــــه شرف  على الاقوام

            غاب ( الحسين ) وهذه اثاره         ستظل خالدة مــــــــــــــدى الايام

            ما مات من ذكره عابقة شذى         من دون نفحتها شذى الاكـــــام

          قل ( للحسين ) وأنت دوحة سؤدد      بحمى الغري لها مــــقام سامي

          لسنين يوسف جدبة تلك التي          فــــــــــــــارقتنا فيها من الاعوام

         لم ننسى موقفك المعظم بيننا          ولآنت مثل البــــــــــــدر  ليل تمام

         اذ كنت تسقينا الفضل مترعا         من كأسها الرقراق اعذب جـــــام

        كانت تفدينا المكـــــارم كفك          المبرورة الارواء والاطـــــــــــعام

        فهجرتنا وتركت منا اكبداً            تحنو لخير اب وأكــــــــرم  حامي

       قبل الاوان هجرتنا فتركتنا            كالطفل يفطــــــــــم قبل حين فطام

      وقد تركت من الفضائل عندنا        مـــــــــــــــا حف بالإجلال والاعظام

       فعلى العفات واناخت ركبها           تحنو حنـــــــــــــو اب على الايتام

       ولقد نعك لنا البريد فهزنا            نعـــــــــــــــــي يدك شوامخ الاعلام

        فتناثرت منا الدموع لدهشة         كبـــــــــــــرى وطار الهول بالأحلام

     يا برق تنعى الليث عن الشرى        والبحر غاض عن الصدى الضامي

     تنعى البطولة للميادين التي            فجعت بــــــــــــــأي مدجج ضرغام

   تنعى فتى الاقدام ما حدثنه            اقدامه يومــــــــــــــــــــــاً عن الاحجام

   ويعد للأسقام ان بارزنه             حلمـــــــــــــــــــــاً يفل مضارب الاسقام

اولم يدك الراسيات وما اشتكى       حاشاه يوماً حمــــــــــــــــــــــــــة الايام

حاشا (ابا المهدي ) يصدع صبره    سقم وان اردى بـــــــــــــــــــــــه لحام

كالعضب يصق بالمضارب حده       ويرد بريا وهـــــــــــــــــــــو غير كهام

خسرت بمنطقه العروبة حظبا         فأوت الى الـــــــــــــــــــــفافاً والتمتام

خسرت به الرمح المثقف ما به      من مطمع الغمر والاعجـــــــــــــــــام

خسرت به البلدان ( فالنجف ) ابنها      ( والناصريـــــــة ) والداً ومحامي

فعسى تطل الناصرية بعــــــــــده         بالفضل من فيض ( الجواد) الهامي

وتقر (بالمهدي) منها عينا              ويعود فيها النور بـــــــــعد الظلام

فعلى الحسين من الاله تحية                 محفوفة في رحـــــــــمة وسلام

وللشاعر قصيدة اخرى بعنوان الوداع الأخيرفي رثاء حسين الشعرباف

أبـا صـائبٍ ودَّعتَ فـالقـلـبُ مـــــــــوجَعُ       وإنَّ عَصِيَّ الـدمعِ بعــــــــــــــــدكَ طَيِّعُ

بفِيـه الثرى نـاعـيكَ لـم يــــــــدْرِ أنَّهُ           نَعَى مَنْ إلى حُبِّ الفضـــــــــــــيلةِ يَنْزَع

رحـلـتَ فـمَنْ للفضلِ يُسْديـهِ بـــــــــاسمًا    ويصطحـبُ الـمعــــــــــــــروفَ فَهْوَ مُضَيَّع

فلا تجزعـوا آلَ الشعـربـاف فـــــــالردَى       يروِّي الـبرايــــــــــــا كأسَه وهْوَ مُتْرَع

إذا وُلِدَ الإنسـانُ فـالـمـــــــــوتُ تَوْأمٌ               يرافقه أنَّى يسـير ويـــــــــــــــــتبع

وشأنُ اللـيـالـي إن أرتْه ابْتِســــــــامَةً         فلا بـدَّ أن تلقـاه والــــــــــوجْهُ أسْفَع

وإنْ كـنـتَ ودَّعتَ الـحـيـاةَ فإنمـــــــــا          صحـيفتُكَ الـبَيْضَا بكفّك تــــــــــــــنصع

ألا نَمْ قـريرَ العـيـنِ إنكَ خـالـــــــــدٌ            بأنجـالِكَ الأطـيـابِ والـبـيـــــــتُ مُمْرِع

ورأسُكَ مـرفـوعٌ لخـيرٍ أتـيـــــــــــــتَه         وغـيرُكَ مـن فَرْطِ الإســـــــــــاءاتِ مُهْطِع

وصَبْرًا أيـا آلَ الشعـربــــــــــــافِ إنَّهُ            بكلِّ فؤادٍ «يعـلـــــــــــــمُ اللهُ» مُودَع

وقصيدة أهلاً رجال العلم

أهلاً رجـالَ العـلـمِ والعِرْفــــــــــــانِ            أهلاً بكـم فـــــــــــــــي أرضِكُمْ بَغْدانِ

مـن تــــــــــــونسِ الخضراءِ يحْدو ركبُكُم    للرافديـنِ هـوًى وفرطَ حنـــــــــــــــان

يـا مـرحـبًا بكُمُ فإن لكـمْ بـهــــــــــا            أهلاً وإخـــــــــــــــــوانًا وطِيبَ مَغَانِ

أهلاً فدارُ أبـي الـمـثنَّى قـــــــــدْ زهتْ         بكـمُ وأنـتـمْ صـفـــــــــــــوةُ الإخْوان

هـي ندوةُ الأدبـاءِ أو قُلْ إنهـــــــــــا       هـي مـنـبتُ الـمعـروفِ والإحْســــــــــان

كـم مَرةٍ ضمَّت أولـي فضل لهــــــــــــــمْ      خُلُقٌ يفـوحُ بنفحةِ الريحــــــــــــــــان

يـا مـرحـبًا بـالفكر بـالعـلـم الـــــذي           يُعْلـي بنـاءَ الـمـجـدِ للأوطـــــــــــان

ولأنـتـمُ والعـلـمُ غايةُ سعـيِكــــــــــمْ           عـنـوانُ عزٍّ شـامخِ الـبنـيـــــــــــــان

إنَّ الـبـلادَ بعـلـمِهـا ورجـالِهـــــــــا         وبعزمِهـا تسمـو عـلى كِيــــــــــــــوان

أهلاً بنـي العُرْبِ الكرامِ فأنـــــــــــتُمُ           حقًا لرمزُ بطـــــــــــــــــــولةٍ وتَفَانِ

قـمتـمْ بنشـرِ العـلـم فـي أوطـانِكــــــمْ           فإذا بـهـا مـرفـوعةُ الأركــــــــــــان

بـغدادُ مـوطنِكـمْ وأنـتـمْ أهلُهــــــــــا                لستـم بـهـا واللهِ بـالضِّيفــــــــــــان

بـغدادُ مـوطنُ كلِّ حـــــــــــــــــرٍّ خَيِّرٍ           ولأنـتـمُ الأخـيـارُ مـن قَحْطـــــــــــان

وقصيدة وداعًا في تأبين محمد حسن حيدر                       

وداعًا - لا لقـاءَ له وداعــــــــــــــا              يـهدُّ القـلـبَ حـزنًا والـتـيـاعـــــــــا           

  تأمَّلْ بـالـمسـيرِ «أبـــــــــــــا جَوادٍ»        لـيَحْظَى القـومُ بـالـتـوديعِ سـاعــــــــا      

  لقـدْ عجَّلْتَ فـي مَسْراكَ عــــــــــــــــنّا      وخلَّفْتَ الـحِمَى - بـلـدًا مُضـاعـــــــــــا         

فكـم كَبِدٍ فَرَيْتَ غَداةَ شـالـــــــــــــــت           نعـامتُكـم وحـيــــــــــــــنَ نَوَتْ زِمَاعَا        

 تـركتَ مـنـاحةً فـي كلِّ بـيــــــــــــــتٍ          وأوحْشـتَ الـمـنـازل والـبِقـــــــــــاعَا         

 فـمـا مِنْ مهْجَةٍ إلا وطــــــــــــــــارتْ            غداةَ الـبـيـنِ مـن ألـمٍ شَعـــــــــــاعَا           

   نعى النـاعـي فشَكَّكْنـا وقُلنـــــــــــــا        ُمِيـتُ الـمـوتَ مَنْ يُرْدِي السبـاعـــــــــا      

ومذ صحَّ النعـيُّ وكــــــــــــــــانَ صِدْقًا         رأيـتُ بجـانـبِ العَلْيَا انْصِداعـــــــــــا           

هَوى مـن أُفْقِه بـدرُ الـمعـالــــــــــــي             فَمَنْ يُلقِي عـلى الـدنـيـا شُعـاعـــــــــا           

 تضـيـق بشأوه الآفـــــــــــــــاقُ ذَرْعًا          فكـيفَ لـدى الثَّرَى وجَدَ اتِّسَاعــــــــــــا         

 فكـانَ بنـــــــــــــــــــاءَ فضْلٍ مُشْمَخِرّ            ومكْرُمَةٍ، فـــــــــــــــــوا أسفًا تَداعَى            

وبَحْرًا زاخرًا أدبًا وعـلــــــــــــــــمًا               إلى الآراء سلسـالاً مُشَاعـــــــــــــــا             

 يجـودُ بنفسِه إنْ قـلَّ مـــــــــــــــــالٌ           وكـمْ فـي الجـودِ قَدْ أَفْنَى ضِيــــــــــاعَا          

فـمَنْ للــــــــــــــــــحقِّ يُنْطِقُه صريحًا                     ــــــــــــــــــويفْنَى دونَ بَيْضَتِ                   

 ومَنْ للـبـائسـيـنَ يُزيلُ عَنْهـــــــــــــمْ       صُروفَ الـدهـر تؤلـمهـم تِبَاعــــــــــــا          

ومَنْ بـالرأي أمْضَى مـن حُســــــــــــــامٍ        يـقـارعُ دونَ مـوطنِهـمْ قِرَاعـــــــــــــا           

  إذا انْتَسَبتْ لسؤددِهــــــــــــــــا قُرومٌ   وجـدتَ «محـمدًا» أوفَى ذراعــــــــــــــا        

 وأصلـبَهـمْ لـدى الْـحَدَثَانِ عـــــــــــودًا         وأطـولَهـم بسُوحِ الـمـجـدِ بـاعــــــــــا          

  لقـد مَحَّصْتُ أقْوامـي فلـــــــــــــــــمّا          أجـدْ فـيـهـمْ سِواه فَتًى شُجـاعـــــــــــا          

 يذودُ عـن الـحِمَى - كَيْدَ اللـيـالــــــــي       ويَسْقـيـهِ الردى صَاعـاً فصَاعـــــــــــــا         

  فـمـا حُلْوُ الـحديثِ بكلِّ نــــــــــــــادٍ           إلـيـه الـحفلُ يشـتـاقُ اسْتِمـاعـــــــــا          

 قضـيـتَ «أبـا الجَوادِ» فكلُّ شـــــــــــيءٍ    مـن الإحِسـانِ والـمعـروفِ ضَاعـــــــــــا   

وقُوِّضَتِ الـمـــــــــــــــــروءةُ واستحثَّتْ                  ركـائبَهـا فسـرْنَ بـهـا سِراعــــــــــــا     

  لكَ الشـرفُ الرفـــــــــــــيعُ سَمَوتَ فَخْرًا     عـلى الأقـوامِ فـيـه وارتفـاعــــــــــا   

 وطِيبُ شمـــــــــــــــــــائلٍ جَلَّتْ نظيرًا                   كزهْرِ الروضِ فـاحَ شذًا وضَاعــــــــــــــا  

 كشمْعٍ ذابَ لا يَرْجـو انـتِفَاعـــــــــــــا                 وكلُّ واجـدٌ فـيـه انْتِفـاعـــــــــــــــا            

وقـد سـام الـدُّنـا بـالـحـــــــــرّ تزري                وأخلاقُ الـورى سـاءت طبـاعـــــــــــــا    

  تـرحَّلَ لا يـطـيـق بـهـا مقـــــــــــامًا           ولـم يحـمـل سـوى الـتقـوى متـاعـــــــا

 

.....................

مصادر ترجمته:

1 - رياض صالح الجعفري: «حسين الشعرباف: سيرة وذكريات» بغداد 1999.

2 - يونس إبراهيم السامرائي: مجالس بغداد - مطبعة الانتصار - بغداد 1985.

3 - بعض شعر المترجم له، جمعه وأثبته بخطه عدنان الأمين، المحامي صديق المترجم له - بغداد 2001.

 

diaa nafieهناك اقاويل كثيرة حول موت الكاتب الروسي الكبير غوغول (1809-1852)، وانه تم دفنه حيٌا، وانه استيقظ في قبره وحاول الخروج، ولم يستطع، وهكذا اختنق هناك...الخ، ولازالت هذه الاقاويل شبه شائعة لحد الآن، ولا توجد في المصادر العربية اشارات جديٌة الى هذا الموضوع المثير، رغم ان بعض الباحثين العرب قد كتبوا عن ذلك بشكل وجيز (جريدة الحياة اللندنية وموقع ايلاف مثلا)، ونود ان نتناول هذا الموضوع في مقالتنا هذه.

نبدأ من قصة والده، الذي رأى مناما حول فتاة – ما، وحكى هذا المنام للاخرين، فاخبروه انه سيتزوج من فتاة ولدت في ذلك اليوم بالذات، وعرف ان فتاة قد ولدت فعلا في ذلك اليوم، وهكذا قرر ان ينتظرها، وعندما اصبح عمرها 14 سنة، أصرٌ على ان يتزوجها، وتزوجها فعلا. كل اطفالهم كانوا يموتون رأسا بعد الولادة، فتوجهت الزوجة الى القديس نيقولا وطلبت منه ان يمنحها طفلا، ونذرت ان تسميه باسمه، وهكذا  ولد نيقولا غوغول وعاش. مات والده مبكرا، اما والدته فقد كرٌست نفسها لابنها. لقد كانت متدينة بشكل متطرف، وكانت تحكي له حكايات وأساطير دينية، وقد أثٌرت تلك الحكايات على حياته، وبالطبع، على ابداعه فيما بعد. لقد تميٌز غوغول منذ طفولته بصفات ذاتية متفرٌدة، واشار الى ذلك حتى زملاؤه في المدرسة، واتهمه بعض معارفه حتى بالجنون، وانه مصاب بمرض ازدواجية الشخصية (الشيزفرينيا)، ولكن الاطباء الذين عالجوه لا يؤيدون ذلك، وقد وصل الامر الى ان أحد الاطباء الروس درس وحلل 439 وثيقة طبية تناولت أمراض غوغول وعلاجه، والتي كتبها وسجلها اطباء مختلفون عالجوه، وأكد هذا الطبيب عدم وجود مرض الشيزفرينيا عند غوغول، ولكنه أشار الى ان غوغول كان يعاني من مرض الكآبة، والذي انعكس بوجود مزاج فرح غير اعتيادي لديه بعض الاحيان، وكذلك مزاج حزن غير اعتيادي في أحيان اخر. لقد عرض غوغول نفسه على أطباء كثيرين في روسيا وخارجها، وعالج هؤلاء الاطباء غوغول من مختلف الامراض، مثل امراض المعدة والاعصاب ولكن هذه العلاجات لم تصل الى نتائج ملموسة. وتحدٌث هذا الطبيب عن اصابة غوغول بمرض الغيبوبة او السبات أثناء النوم، مؤكدا ان مصدر كل تلك الاشاعات عن دفنه حيٌا يرتبط بذلك، ومن المعروف ان غوغول كان يخشى ذلك اثناء حياته، لهذا  فانه لم يرقد في سريره أكثر من عشر سنوات، بل كان يغفو في الليالي وهو جالس او نصف راقد على كرسيه، وقد كتب غوغول جملة في كتابه الاخير الموسوم – (مقاطع مختارة من المراسلات مع الاصدقاء )، ذكر فيها الى انه يوصي ( بعدم اجراء مراسيم دفن جسده الى ان تبدو عليه علامات التفسخ).

لقد توفي غوغول بتاريخ 21 / 2 / 1852 وتم دفنه بتاريخ 24/ 2 / 1852 حسب التقاليد االروسية الارثذوكسية، اذ انهم يدفنون الميت بعد ثلاثة أيام من  وفاته، حيث يضعونه في تابوت ببيته وهو يرتدي أحسن ملابسه، ويأتي اليه الاقارب والاصدقاء لتوديعه، ومن ثمٌ، وفي اليوم الثالث يدفنوه، وبما انه لم يكن لدى غوغول بيت او عائلة، فقد وضعوا تابوته في كنيسة جامعة موسكو، ومن ثمٌ تم دفنه في مقبرة دانيليفسكايا، حيث توجد في تلك المقبرة التابعة لكنيسة قديمة قبور روس مشاهير. لقد حملوا نعشه بالايدي وساروا به الى تلك المقبرة في ذلك الشتاء الروسي القاسي البرودة حيث كانت شوارع موسكو مغطاة بالثلوج في شهر شباط / فبراير.

لقد تم تكليف النحات الروسي رمدانوف بعمل قناع له، وتردد النحات في البداية من عمل القناع لانه كان يعرف بوصية غوغول، الا انه قام بعمل ذلك،وهذا يعني عزل الوجه عن الاوكسجين كليا، وتكفي دقائق قليلة للموت، وهذا يثبت بالطبع ان غوغول قد مات فعلا، اذ ان النحات عمل القناع كما يجب، ولا زال هذا القناع موجودا لحد الآن.

قررت الحكومة السوفيتية الغاء تلك المقبرة عام 1937، وتقرر نقل بعض الجثامين منها واعادة دفنها، ومنها جثمان غوغول. وهكذا تم في 31/3/ 1937 نقل جثمان غوغول من مقبرة دانيليفسكايا الى مقبرة العظماء، وعندها ظهرت تلك الاقاويل عن دفنه حيٌا، وانهم وجدوا ان جسده قد تحرٌك، وان التابوت كان مخرمشا من الداخل، وانه قد مات في قبره لعدم كفاية الاوكسجين ولعدم استطاعته الخروج من القبر ...الخ.

عندما فتحوا قبر غوغول عام 1937، كانت هناك مجموعة من الادباء والفنانين، وكل واحد منهم – فيما بعد- قال شيئا مختلفا، وكلهم حاولوا ان يأخذوا (شيئا – ما) من قبره، مثل قطعة من ملابسه او من حذائه ..الخ، وهناك حكاية تقول ان احدهم أصرٌ على فتح قبره ثانية كي يعيد ذلك الجزء الذي اخذه من حذائه، وذلك لان غوغول كان يظهر في منامه ويطالبه بذلك، ويقال انه ذهب الى المقبرة وحفر قرب القبر واعاد دفن ذلك الجزء من الحذاء، وهكذا تخلص من ذلك الكابوس المرعب. ومن المهم الاشارة هنا الى ان الذين حضروا تلك العملية وجدوا ان جمجمة غوغول قد اختفت، ويقال ان احد الاغنياء الروس قد أخذها عام 1909، في الذكرى المئوية الاولى لموته، عندما جرى ترميم قبره وتنظيفه، وان هذا المليونير الروسي كان مولعا بجمع غرائب الاشياء، وقد ضم جمجمة غوغول الى مجموعته تلك،ويقال ايضا، ان لينين قد أصدر امرا – بعد ثورة اكتوبر 1917 – بتحويل بيت هذا المليونير الى متحف، وان يكون هذا المليونير مديرا له، وقد ضاع كل شئ، بما فيها جمجمة غوغول بعد وفاة هذا المليونير.

عرضت احدى قنوات التلفزيون الروسية (في الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوغول 2009) مقابلة مع حفيد أحد  الذين حضروا فتح قبر غوغول، واسمه تروفيموف، وقال انه سأل جده عن ذلك، الا ان الجد كان خائفا وحاول التهرب من الجواب، وقال انه لا يتذكر، وقد ذكر هذا الحفيد ان المخابرات السوفيتية آنذاك قد استدعت جده ولكنها ألغت هذا الاستدعاء قبل يوم واحد من تاريخه فقط، وان جده كان يخشى التحدث عن ذلك، وقد اختتم الحفيد كلامه قائلا، ان المخابرات السوفيتية قررت غلق هذا الموضوع. ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان أحد الاساقفة قد اعلن – في ما بعد – ان غوغول ما زال مدفونا في مكانه القديم، اذ ان التابوت قد غاص في الارض لدرجة ان الذين فتحوه لم يجدوه واقعيا، وانهم قد وجدوا بقايا لا علاقة لها بجثمان غوغول، ودفنوها في قبره الجديد بمقبرة العظماء. لقد أوصى غوغول الا يضعوا تمثالا على قبره، الا انهم وضعوا تمثالا عند قبره في مقبرة العظماء وكتبوا عليه انه (من الحكومة السوفيتية)، ويشير البعض ان وصية غوغول قد تم تنفيذها فعلا، اذ ان الذي يرقد هناك ليس غوغول، والله أعلم.

 

hashem mosawiإنه الحائز على جائزة (كتارا العالم) للأدب الروائي

الإسم الكامل: زهدي الداوودي

قاص وروائي عراقي، ولد في عام 1940 في طوزخورماتو بالعراق. تعلم في دار المعلمين الإبتدائية، بالقسم الأكاديمي في كركوك1957-1959م.

نال شهادة الدكتوراه في فلسفة التاريخ1976م.

مارس مهنة التدريس في الجامعات التالية: كلية التربية بجامعة الموصل1976-1979م، وكلية التربية بجامعة قاريونس- البيضاء/ ليبيا1979-1981م، وقسم التاريخ بجامعة لايبزك، المانيا1981-1993م، وجامعة كركوك والسليمانية2005 –2004م.

قال :” كل ما كنت أبغيه هو ربط موضوع الرواية بالحياة ربطاً جدليا غير ميكانيكيا، ربطا يصور الصراع بين القديم والجديد، بين الزمان والمكان، بين المعقول واللامعقول، بين المدينة والريف، بين التخلف والتقدم، بين الجريان مع العصر الحديث والتقهقر إلى الوراء”.

 

من مؤلفاته:

zohdi aldahoodi• الإعصار، مجموعة قصص – بغداد: منشورات اتحاد الأدباء العراقيين، 1962م.

• رجل في كل مكان: رواية – بيروت: دار الفارابي، 1974م.

• الزنابق التي لا تموت : مجموعة قصص- الموصل: دار الكتاب، 1978م.

• رحلة إلى بابل القديمة ، ترجمة عن الألمانية- دمشق : دار الجليل، 1984م.

• أسطورة مملكة السيد : قصة طويلة- لايبزك : دار سومر، 1990م.

• أطول عام: رواية – بيروت: المؤسسة العربية، 1994م.

• زمن الهروب: رواية- بيروت : المؤسسة العربية، 1998م.

• فهد والحركة الوطنية العراقية : دراسة نقدية بالاشتراك مع كاظم حبيب.

• وداعا نينوى: رواية- كركوك: مؤسسة شفق الثقافية، 2004م.

• تحولات: رواية،- بيروت: المؤسسة العربية ، 2007م.

• فردوس قرية الأشباح: رواية – أربيل: دار ئاراس، 2007م.

• ذاكرة مدينة منقرضة: رواية- كردستان: مديرية الطبع والنشر، وزارة الثقافة، 2010م.

• الأكراد تاريخ حضارة وكفاح مصيري: كتاب بالالمانية.

• سعار: مجموعة قصص- لايبزك : دار كيبنهوير، 1993م (بالالمانية).

• أطول عام : رواية – لايبزك : دار كيبنهوير، 1993م (بالالمانية).

• وداعا نينوى- هيلدسهايم: دار كولتورفيرك، 2001م

 

للاطلاع على ارشيفه في المثقف

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_users&view=articles&id=1162&Itemid=585

 

 

alaa allami- شفتالو ودعبول البلام: دعبول هو أشهر بلام (صاحب بلم أي زورق صغير لتعبير الناس نهر دجلة الذي يشطر بغداد) حين ينزل الناس إلى شاطئ الكاورية ترفيها عن النفس وأكل السمك المسكوف (المشوي على الطريقة البغدادية) وهو قارئ جيد للمقام العراقي وفكه ظريف وقد كفانا الأستاذ – الفنان الراحل – يوسف العاني مشقة الكتابة عنه تفصيلا فقد جاء ذلك في تمثيليته المشهورة "دعبول".

- شفتالو: هو قزم إيراني يتظاهر بالبله ويشتغل في مقهى حسن عجمي. وكان يعرف جميع روادها معرفة تامة فهو يتساءل دائما وبطريقة خبيثة عن أسمائهم وحسبهم ونسبهم ونقائهم وفضائلهم . وكان له صديق حميم وعدو مبين . أما صديقه الحميم فهو القزم المعروف "خليلو" المشوه الخلق، العارف جيدا بالمقامات العراقية والأغاني العراقية وغير العراقية وقد ظهر على شاشة التلفزيون العراقي مقلدا مختلف الأغاني كشخصية بغدادية غريبة . أما عدو شفتالو فهو المرحوم حسن حراسة،  وكان يخافه خوفا شديدا ويرتجف لمجرد ذكر اسمه ويهرب من المقهى إذا رآه قادما  والسبب في ذلك هو ان حسن حراسة قد اشتهر بالمراجل والشقاوة " الفتونة" وقد التصقت به تهم قتل سياسية كمقتل وزير الداخلية توفيق الخالدي والقوميسير اليهودي سليمان افندي رغم كونه ملتزما للحراسة. ولكن التحقيق الذي أجري معه لم يثبت أنه قام بعمل من هذه الأعمال.

- الحاج خليل إبراهيم الكهوجي: كان في صباه قهوجيا في حي قنبر علي مع أبيه، وأول ما بدأ عمله مستقلا كان في المدرسة الثانوية المركزية في العشرينات. ثم انتقل إلى دار المعلمين واستأجر المقهى من الأوقاف في محلة الخشالات على شارع الرشيد. كان مثالا للكرم وحسن السلوك واللطف في المعاملة. واستمرت صداقته مع جميع الذين عرفوه من طلاب الثانوية ودار المعلمين وصارت قهوته مركزا للاستعلامات ومحطة للبريد والحوالات  والأمانات ما بين بغداد والمحافظات. فقد كانت أكثر عناوين الرسائل والحوالات المالية ترد وتصدر بواسطة قهوة خليل. وقد اعتاد  رواد القهوة كما اعتاد هو أن يترك التخت مع صينية الواردات – النقدية- مباحة للعموم حتى أن اخاه سلمان – من أم يهودية تزوجها أبوه في منطقة قنبر علي، كان سلمان هذا يترك صينية النقود تحت رحمة كل من يجلس على التخت. وجاء ذات يوم أحد المزاحمين له في المزاد الذي يقام في مديرية الأوقاف لاستئجار المقهى وزاد على المبلغ الذي كان يدفعه الحجي خليل في الإيجار فاستنكر خليل ذلك وترك المقهى واستأجر مقهى آخر بجوار مقهاه الأول ولكنه لم يستأنس به وركبته الحسرة والكآبة وترك العمل نهائيا وتوفي إلى رحمة الله).

المس كنكستن وسيروب وماكوفسكي: كان في بغداد العشرينات  مستشفى المجيدية " الملكي" وهو مدينة الطب حاليا. وقد بني في الأساس لإقامة شاه إيران وحاشيته أثناء زياراته لبغداد والعتبات المقدسة، واهم جناح فيه هو " النرسينك هوم " أي دار التمريض الذي تديره المس كنكستن المتسلطة على المستشفى وأطبائه والتي لا يرد لها طلب والراقدون فيه يلقون العناية والخدمة والغداء الفاخر بأجرة قليلة ورمزية يساعدها في ذلك (" الماسيرات = الممرضات ومفردها ماسيرة وأصل الكلمة عبارة يا أختي (Ma sœur) بالفرنسية ع .ل). وفي مدخل المستشفى جناح الأمراض العصبية ويديره سعيد الملا رجب يعاونه الأرمني سيروب صاحب الشوارب المخيفة حيث يخافه الأطباء والمرضى ومدير المستشفى نفسه، فكان سيروب مثال الرعب في هذا الجناح. المستشفى الآخر هو مستشفى المير إلياس الذي تبرع بإنشائه الثري اليهودي مير إلياس ومحله في منطقة العيواضية ولم يزل قائما. وفي أواخر العشرينات كثر الأطباء في بغداد واشتهر منهم طبيب يسمى الألماني ماكس ماكوفسكي واتخذ عيادته في شارع الأكمكخانة "المتنبي حاليا" وتزاحم الناس عليه واشتهر ماكوفسكي كذلك بزوجته الحسناء، ثم انكشف أخيرا وظهر أنه دجال فترك العراق هاربا. أما في الطب العدلي والتشريح فكان المشهور الطبيب العراقي حنا خياط ثم جاء تلميذه الدكتور القيسي يعاونه رئيس عمال التشريح ومسؤول التكفين ودفن الموتى الشاعر الشعبي الشهير ملا عبود الكرخي).

- لهمود وهدابي: وضمن عرضه لمجموعة من المهن والحرف الشعبية التي انقرضت يعرفنا المؤلف عباس بغدادي على التالي منها:

- خياط الفيرفوري = مصلح أواني الخزف بخياطتها بأسلاك معدنية.

- الصبابيغ: وهم صباغو الملابس والأقمشة

- القواصيص: الذين يقطعون الطابوق الفرشي (آجر مربع مفخور).

حياكة الحيص والتكك: الذين يصنعون الأحزمة  والتكك للباس الداخلي من القطن أو الحرير او مزيج منهما..

- الطماسون ونزاحو البلاليع: الذين ينظفون  خزانات المراحيض المنزلية.

- الكندكارية ومبيضو القدور الذين يطرقون الحديد والنحاس لصنع الأواني والوعية.

- الحف والحجامة.

- اللمبجية: الذين يضيئون الفوانيس النفطية ليلا في شوارع وازقة بغداد.

- الصيارفة على الواقف: وكان يحتكرها اليهود العراقيون ويصرفون العملات الأجنبية أو العملة العراقية الورقية الى معدنية وبالعكس.

- النقابة والمجارية: وهم أصحاب الحمير الصغيرة " الشاوية" واطلق عليهم هذا الاسم لأنهم كانوا ينقبون في الأرض بحثا عن الأحجار الصغيرة والكبيرة لغرض استعمالها في البناء.

- القصخون: قارئ القصص القديمة وسوالف ألف ليلة وليلة.

- النقارون: وهم الذين يقومون بتنقير رحى المطاحن اليدوية البدائية لجعلها أكثر فاعلية.

- قصاصو الأثر: وهم الذين يتخصصون بمعرفة آثار الدابة أو لصوص الحيوانات إذ يقتفون أثرهم. وهؤلاء يستلمون أجورهم حسب الاتفاق سواء عثر على الدابة أو على سارقها فقط وعند العثور عليه يرجع الى الفاقد ويأخذ منه الحلاوة " المكافأة" وهو شيء متعارف عليه وواجب الدفع. وأشهر قصاص أثر في العراق كانا شخصين من اهالي الديوانية: هما لهمود، وهدابي. وقد نالا وسامين من ألمانيا في زمن هتلر لأنهما عثرا بطريق قص الأثر على قاتلي سائحين ألمانيين قتلا قرب الديوانية وظل القصاصان يتجولان في المنطقة حتى شاهدا، وعلى بعد خمسين كيلو مترا من الديوانية آثار أقدام، كانا قد شاهداها قرب جثة القتيلين، فألقي القبض عليهما ووجد بحوزتهما جوازات سفر السائحين وجوازات سفرهما وحكم على القاتلين بالإعدام وحضر القنصل الألماني إلى الديوانية وقلد لهمود وهدابي الوسام.

 

- الجدتان أمونة وهندوسة:  يبدو أن سمات أو ملامح  المجتمع الاستهلاكي كانت موجودة بأشكال بارزة في المجتمع البغدادي ومن الممكن ربطها بخلفية بغداد التاريخية كعاصمة إمبراطورية آفلة. فمن البضائع المستورة الكثيرة جدا في أسواق بغداد العشرينات يذكر المؤلف عباس بغداد (شاي سيلان وزيتون يوناني، وفرفوري سكسون "خزف يصنع في مقاطعة سكسونيا الألمانية وليس الهنغارية كما كتب المرحوم بغدادي " وجوخ إسكتلدني " قماش فاخر"، ومسقول"حلوى"  حجي بكر التركي، وسجاد إيراني، وحلاوة مسقط، وجبن قشقوان البلغاري، وحرير صيني، وفرو  من استرخان،  وسماورات روسية،  وفستق حلبي وشخاط " كبريت" سويدي،  وسكاكين راجز الألمانية، والعنبة الهندية، وبخور جاوي وحيوة "سفرجل" أصفهان، وتمن "رز" رشت، وفاصونة " فاصوليا؟ " إنكليزية، وقهوة ممباسة "مدينة كينية"  والحمص المراكشي، وتتن " تبغ" سمسون، وكانت تجارة القطن والقطنيات حكرا على البريطانيين وتخصص بها شخص بريطاني سيء السمعة يدعى إيستن إيستوود. أما المشروبات الكحولية كالويسكي وغيره فمن إنكلترة وفرنسا، والساعات من سويسرا، وأشهرها أوميغا وزينيت ولوجين وأم الطمغة وأم الأنكر، وبعض هذه البضائع تستورد مع أن بدائلها العراقية متوفرة ومتنوعة ومشهورة الجودة فمثلا كانت توجد في أسواق بغداد انواع الجبن العراقي ومنها جبن الأوشاري من أربيل وجبن الثوم الكلداني وجبن الثوم الأربيلي والسليماني، وكانت الأجبان ترد مكبوسة بجلود الماعز غير منزوع الشعر. أما السمن الحيواني الفاخر فكان يرد على بغداد من لواء الرمادي في الغربية ومن علي الغربي في لواء العمارة  الجنوبي وذلك لأن مناطق الرعي في الغربية والجنوب ينبت فيها عشب زكي الرائحة وتضفي على الدهن رائحة زكية، أما الدهن النباتي " علامة أبو الخروف الهولندي" فقد دخل بغداد في الأربعينات.

ومن الصناعات البغدادية الطريفة صناعة شربت "عصير" الرمان الذي يستعمل بعد تحميضه في مرق المثرودة التي يتناولها البغادَّة  في  صباحات الشتاء للفطور،  وصناعة الشريص " الشريط اللاصق" المصنوع من أقماع البامية المجففة والمطحونة طحنا ناعما. ومن الصناعات والمهن النسائية يذكر المؤلف برم الحرير وغزل الصوف  والمداويات بالحشائش والأعشاب واشتهرت منهن السيدة رختية ومهن الحف والحجامة وبيع أدوات الزينة وكانت الحجامة امرا لا بد منه وخصوصا للصغار لاعتقادهم أن بقية دم الطفل الوليد الذي كان في الرحم يجب أن ينزل لذلك نادرا ما ترى صبيا في جانب الكرخ ليس محجوما وعلامة الحجامة ظاهرة في قفا الرقبة. ومن النساء من يقرأن المواليد النبوية أو يعملن حفلات الأعراس وكانت هناك القابلات وكان في بغداد قابلتان "جدتان"  مشهورتان هما أمونة الشعر باف في منطقة العبخانة والحاجة هندوسة رحمهما الله وتسكن جانب الكرخ وكانت بدينة جدا لا تستطيع السير لذلك كان يأتي الرجال الأشداء من أهالي المنطقة  لحملها على محفة إلى بيت الحامل التي في المخاض. يتبع.

 

diaa nafieولد الاديب العراقي الدكتور برهان شاوي في الكوت عام 1955، وحصل على شهادة الدكتوراه في فن السينما عام 1986  في موسكو، ويساهم في الحياة الفكرية العراقية بنشاط كبير، فقد أصدر العديد من المجاميع الشعرية والدراسات الاعلامية والادبية، اضافة الى مقالاته وكتاباته في الصحف والمواقع الالكترونية المختلفة، وصدرت له قبل فترة رواية أثارت ردود فعل واسعة في الاوساط الادبية. و ساهم د. برهان شاوي كذلك في عملية ترجمة الشعر الروسي  المعاصر من الروسية الى العربية، وقد اصدر كتابا يضم قصائد للشاعرة الروسية آنا أخماتوفا، وكتابا آخر يضم قصائد للشاعر اوسيب ماندلشتام، وهو الكتاب الذي نتناوله في مقالتنا هذه.

صدر هذا الكتاب بطبعته الاولى عن دار نشر (الجمل) في المانيا، وأذكر باني استطعت الحصول عليه في بغداد وتحدثت عنه بشكل سريع وعابر في محاضرة القيتها بكلية اللغات في جامعة بغداد عنوانها (الشعر الروسي بترجمة الدكتورة حياة شرارة)، واعود اليوم، وبعد مرور حوالي 15 سنة، للحديث عن هذا الكتاب في طبعته الثانية، التي صدرت عام 2009 عن دار الاصداء للطباعة والنشر والتوزيع، ولا توجد اشارة الى مكان هذا الاصدار.

يعد هذا الديوان – حسب علمنا – أول كتاب بالعربية للشاعر الروسي اوسيب ماندلشتام، ويقع الكتاب في 151 صفحة من القطع المتوسط ويضم – مقدمة وتعريف بالشاعر ومختارات نثرية ومختارات شعرية. يشير د. شاوي في المقدمة الى طبيعة شعر ماندلشتام، الذي – (يصقل الحجارة الصغيرة الناعمة)، ويؤكد – وهو على حق – بان شعره صعب جدا، وبالتالي فهو عصي على الترجمة، ويختتم مقدمته  مشيرا الى (عبثية أية ترجمة لاشعار ماندلشتام ونقلها الى غير لغتها الروسية الاصلية)، ومع ذلك، فان  د. شاوي حاول واستمر في محاولته بترجمة اشعاره، ونعتقد بانه قد نجح في محاولته تلك.ينتقل المترجم بعد المقدمة الى تعريف وجيز جدا بالشاعر ومسيرته،منذ ولادته في عام 1891 الى وفاته في معسكر الاشغال الشاقة في سيبيريا عام 1938، حيث رميت جثته مع بقية جثث السجناء الميتين (في قمامة المعسكر).ونود هنا ان نشير فقط الى مسألة غير دقيقة (ربما تكون خطأ مطبعياعلى الاغلب) ورد ت في ذلك التعريف الوجيز، وهو ما جاء في النقطة الخامسة حول التحاقه في قسم اللغة الرومانية بجامعة بيتربورغ، اذ ان هذا القسم هو قسم اللغات الرومانو- جرمانية وليس قسم اللغة الرومانية،وهو قسم يختص بدراسة مجموعة من اللغات الاوربية بشكل عام، ولا زال هذا القسم العلمي موجودا لحد الان في تلك الجامعة، وفي جامعات روسية عديدة اخرى.

في الجزء الخاص بالمختارات النثرية، يقدم لنا د. شاوي ترجمة لمقالين من مقالات ماندلشتام، الاول بعنوان (حول طبيعة الكلمة) والثاني بعنوان (عن المحاور). المقال الاول نشره ماندلشتام في كراس صغير عام 1922 بعنوان – (عن النهلستية الداخلية في الادب الروسي)، ثم نشره في ما بعد بعنوان (حول طبيعة الكلمة)، وهو مقال رائع يتناول الادب الروسي، وهل هو أدب معاصر  ومتفرد، وما هو وجه التفرد فيه، وما هي السمات الجوهرية (او ما يسمى بالمقاييس) لهذا التفرد، ولا يمكن لنا ان نعرض موجزا لتلك الطروحات الفلسفية التي جاءت في ثنايا  ذلك

المقال المعمق، والذي يتوقف ماندلشتام فيه عند اسماء كثيرة في الادب الروسي والعالمي ويحللها ويتناول (سحر اللغة) و(سلطة الكلمة) وعلاقة الادب بهما، الادب الذي ينظر اليه ماندلشتام باعتباره – (درس، وشارع، بينما علم اللغة هو محاضرة جامعية). ان قراءة ذلك المقال من قبل القارئ غير المتخصص هي عملية صعبة  ومعقدة تماما، وحسنا فعل د. شاوي، عندما كتب بعد ذلك المقال هوامش بلغت (61) نقطة، أعطى للقارئ فيها شروحا تفصيلية ومعلومات وافية عن كل اسماء الادباء الذين تناولهم ماندلشتام وعن كل المفاهيم التي جاءت في متن ذلك المقال، بما فيها المدارس الفكرية الروسية والعالمية. ان تلك الهوامش التي جاءت من الصفحة رقم 33 والى  الصفحة رقم 43 تمثٌل واقعيا عملا علميا كبيرا قام به د. شاوي متطوعا لخدمة القارئ والتعريف بمضمون مقال ماندلشتام، و في الوقت نفسه يعد هذا العمل اغناء للمكتبة العربية بشكل عام.

اما المختارات الشعرية، فقد بدأت بقصائد من ديوان (الحجر)، ثم من (قصائد من بريستيا)، ثم مختارات من اشعار 1921-1925، ثم من الاشعار الموسكوفية 1930-1937، ومن اشعار فارونش (المدينة التي تم ابعاده اليها في آخر سنوات عمره) والتي ارسلوه منها الى معسكرات الاشغال الشاقة (والتي افتتح فيها قبل سنوات قليلة تمثال رائع له).

نقدم للقارئ فيما يأتي قصيدة من ديوان (الحجر) بترجمة د. شاوي، ونعقبها بترجمة نفس تلك القصيدة (وعن الروسية ايضا) للباحث السوري د. ابراهيم استنبولي،وهو من الباحثين المعروفين في مجال ترجمة الادب الروسي، ويمكن للقارئ ان يقارن الترجمتين، وهما يمثلان اجتهادين مختلفين لنص واحد، ويبينان صعوبة ترجمة الشعر بشكل عام، وترجمة شعر ماندلشتام بشكل خاص. ونترك للقارئ الحكم النهائي.

 

القصيدة بترجمة د. برهان شاوي

 

أرقٌ من الرقة

وجهك،

أشدٌ بياضا من الابيض

يداك،

ومن العالم كله

بعيدة أنت،

 وكل شئ فيك

لا مفر منه!

 

لا مفر منه، ألمك،

واصابع كفك الدافئة،

وصوتك الهادئ،

وحديثك الذي لا يطوي كآبة،

وعمق عينيك.

 

القصيدة بترجمة د. ابراهيم استنبولي

ألطف من اللطف- وجهك،

وأكثر بياضا من الابيض- يدك،

وانت بعيدة عن مجمل العالم،

 وكل ما فيك- مما هو لا مفر منه.

 

ومما لا مفر منه-

حزنك،

واصابع يديك الملتهبتين،

والصوت الناعم لاحاديثك غير الشهية،

والبعد في مقلتيك.

 

نترك القارئ ليحكم بين الترجمتين.

اما أنا فاميل الى ...........

 

أ.د. ضياء نافع

 

jawdat hoshyarالفرد نوبل – عبقرية علمية فذة، يرتبط اسمه في المقام الأول باختراع الديناميت ومتفجرات اخرى فتاكة، وان كان له عدد كبير من الإختراعات المهمة الأخرى، التي لا علاقة لها بالأنتاج الحربي، ولكن اسم نوبل يقترن ايضا في اذهان المعاصرين وعلى نحو راسخ بجوائز نوبل العالمية ذات المكانة الرفيعة، والتي تأسست بناءاً على وصيته الشهيرة . ولا يعرف سوى عدد ضئيل من الناس كيف طرأت فكرة هذه الجوائز في ذهن نوبل، ذلك لأن حياته ظلت الى عهد قريب تكتنفها الاسرار ويلفها الغموض . ورغم ان اختراعاته المثيرة قد جلبت له مجداً عريضاً وثروةً طائلةً، فقد كشفت الدراسات التي أجريت مؤخرا، انه ظل الى اخر يوم في حياته يعاني من الوحدة والعزلة، وسنحاول في الفقرات اللاحقة القاء الضوء على حياته المليئة بالانجازات العلمية الباهرة من جهة والحزن والاحباط واليأس من جهة اخرى، أضافة الى تصحيح بعض الآراء الخاطئة الشائعة عن أسباب قيامه بتخصيص ثروته الطائلة في سبيل التقدم العلمي والثقافي وتوطيد السلام في العالم، هذه الاراء، التي لا تمت الى الحقيقة بصلة، من قبيل الرأي السطحي القائل ان نوبل قد شعر بالندم للنتائج المرعبة التي ترتبت على اختراعاته العلمية، فقرر التكفير عن (ذنوبه) بتأسيس الجوائز المعروفة بأسمه، ان الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فقد أقدم الفرد نوبل على هذه الخطوة بعد معاناة طويلة على امتداد سنوات عديدة وجاءت كمحصلة طبيعية لفلسفته ونظرته الى الحياة واِلى مستقبل الجنس البشري .

 

المليونير الحزين

في ربيع العام 1876م نشرت احدى صحف فينا اعلاناً مثيراً بمقاييس ذلك العصر: "رجل كهل، مثقف وثري يقيم في باريس ويتقن عدة لغات اوربية، يبحث عن إِمراة في منتصف العمر للعمل بصفة سكرتيرة ومديرة منزل، وقد أستجابت لهذا الاعلان سيدة نمساوية أرستقراطية جذابة تبلغ من العمر (33) عاما ¸هي "بيرتا كينسكي"، التي كانت في ذلك الوقت مضطرة للعمل كمديرة منزل لكسب قوتها .

 ربما أحست برتا بين السطور مدى الوحدة التي يعاني منها هذا السيد الكهل، وتبين ان الشخص الذي نشر الاعلان كان صادقا تماما، فقد كان ثريا ومثقفا فعلاً، ويتقن عدة لغات اوربية، وإِن كان من الصعب وصف رجل في الثالثة والاربعين من عمره بالكهل . وحين التقيا في باريس ادركت بيرتا انه يبحث عن ما هو أكثر من مجرد سكرتيرة، ربما عن زوجة، ومما يؤسف له ان بيرتا كانت تحب رجلاً آخر، وقالت ذلك لنوبل بصراحة، عندما سألها ان كان قلبها خاليا . وبعد اسبوع واحد من مباشرتها العمل عادت الى فينا ولكنها لم تستطع ابدًا ان تنسى الباريسي الكئيب، الذي كان من المحتمل أن تقترن به، لو شاءت ذلك وظلت صورة نوبل عالقة بذهنها: رجل لبق ومتواضع الى حد يكاد ان يكون تدميراً للذات، متقلب المزاج بشكل حاد وفجائي – من الانبهار الشديد الى الحزن العميق او اليأس .

لم يكن نوبل يشبه الاخرين من معارفها، وظلا صديقين طوال حياته وحتى لحظة وفاته، التي واجهها - بعد عشرين عاما من لقائهما فى باريس - وحيدا في فيلته بايطاليا، كانت الفيلا فى البداية تسمى "العش" و هى كلمة توحي بوجود زوجين، وحينئذ اطلق على الفيلا أسم " نوبل" . وعلى هذا النحو لم يتزوج ابدا، وأصبحت بيرتا التي لقبت فيما بعد بــ "البارونة فون زوتنر" كاتبة معروفة وداعية ناشطة في حركة السلام الاوربية، وربما كان ذلك احد الاسباب التي دفعت نوبل الى تخصيص جائزة للسلام، علاوة على الجوائز المكرسة للأنجازات العلمية والادبية، والتي تمنح سنويا تنفيذا لوصيته.

 في العام 1905م منحت جائزة السلام الى بيرتا، التي وصفت نوبل بأنه: (رجل قصير القامة، له لحية سوداء ناعمة وملامح وجه دقيقة، وعيناه الزرقاوان تلمعان بحيوية تحت حاجبين كثيفتين عندما كان في عنفوان شبابه، وبمضي الزمن اصبح تعبير وجهه ذاهلا، ويكاد يكون حالما . لم يكن يحب قط، الوقوف أمام عدسات المصورين، ويتجنب لقاء الصحفيين ويبتعد عن الاضواء ويحافظ دوما على مسافة بينه وبين شركائه ومرؤوسيه، وبفضل أختراعاته الخطيرة، إِستطاع ان يجمع ثروة طائلة، كانت تعتبر من أكبر الثروات خلال القرن التاسع عشر، هذه الثروة أصبحت أساس الجوائز الشهيرة التي أسسها . كان نوبل انسانا مجاملا ومرهف الحس، ومحل أعجاب كل من عرفه تقريبا . وكانت امه شديدة التعلق به . ولكن شيئا ما في قرارة نفسه كان يجعل حياته مليئة بالمرارة والاسى، ويبعث على عدم الرضا عن نفسه، حيث لم يعرف الهدوء في حياته قط، وليس أدل على ذلك من السيرة الذاتية المقتضبة التي كتبها نوبل:

-   الفرد نوبل: كان على الطبيب الذي أشرف على ولادته ان ينهي وجوده رحمةً به .

-   فضائله الرئيسية: عدم تكوين أسرة، رداءة هضم الطعام .

-   امنيته الوحيدة: ان لا يدفن حيا .

-   الحوادث المهمة في حياته: لا توجد .

لم تكن حياة الفرد نوبل تافهة على الاطلاق، كما تبدو من هذه السطور الطافحة بالتهكم واليأس، بل انها كانت في الواقع محاطة بالدفء والحنان من قبل الاقارب وحافلةً بالانجازات العلمية، التي أتاحت له جمع ثروة ضخمة ونيل شهرة مدوية . ولكن من طبع اي عبقري ان لا يرضى عن نفسه ابدا، اما الانسان النرجسي فعلى العكس من ذلك يتبجح بفضائله الموهومة ويكيل المديح لنفسه ان لم يجد احدا يفعل ذلك نيابة عنه .

 

عائلة نوبل

في العام 1827م اقترن عمانوئيل نوبل (1801 – 1872م) بكارولين اندرييتا السيل (1803-1889م) وانجبا اربعة اولاد: روبرت (1829م) لودفيك (1831م) والفرد (21-10- 1831م واخيرا اميل (1842م ) .

 كان عمانوئيل نوبل مخترعاً موهوباً ورجلاً طموحاً ومغامراً، وحياته مليئة بالانجازات العلمية والاختراعات المدوية والكوارث، اما كارولين اندرييتا السيل، فقد كانت امرأة قوية العزيمة ومرفأ العائلة في الاوقات العصيبة والشدائد .

وحين أفلس عمانوئيل في السويد، قررت هذه السيدة المكافحة فتح حانوت صغير لبيع المواد الغذائية مما ساعد على توفير الحد الادنى من متطلبات الحياة للعائلة، وأراد عمانوئيل نوبل ان يجرب حظه في بلد اخر، فسافر الى فنلندا في العام 1837م ولكنه لم يلق النجاح، فشد الرحال في العام 1842م الى بطرسبورغ عاصمة روسيا القيصرية، حيث نجح في أقامة وتشغيل مصنع لأنتاج المكائن البخارية وانواع اخرى من المعدات. وكان اهم نجاح حققه في روسيا هو توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية لتجهيز الجيش الروسي بانواع الاسلحة والأعتدة، ولكن القدر تدخل هذ المرة ايضا، فقد انتهت حرب القرم (1853-1856م) بين روسيا والدولة العثمانية بانتصار روسيا، وبذلك أنتفت الحاجة الى السلاح الذي كان يورده عمانوئيل نوبل، وقامت وزارة الدفاع القيصيرية بالغاء العقد الموقع معه، وأضطر عمانوئيل للعودة الى السويد. وهنا في ستوكهولم انهمك بحماس شديد في اجراء التجارب ودراسة امكانية الاستخدام الستراتيجي للنتورجلسيرين وكانت هذ المادة قد أكتشفت قبل ذلك ب (14) عاما، ولكن لم يتم الاستخدام العملي لها .

نشأ الفرد نوبل طفلا عليلا يعاني من آلاّم في العمود الفقري وامراض اخرى، ولك ذلك لم يمنعه من أظهار موهبة فائقة في سن مبكرة لتعلم اللغات الاجنبية .وقد تلقى تعليما ممتازاً على ايدي أساتذة متخصصين في بطرسبورغ ثم واصل دراسته لمدة سنتين (1850-1852م) في كل من فرنسا وايطاليا . وقام بجولة في عدة دول اوربية منها المانيا، كما زار الولايات المتحدة الأميركية، وأكتسب خبرة عملية واسعة . وعلى الرغم من اعتلال صحته فقد كان دؤوباً محباً للعمل، وكان والده عمانوئيل نوبل يسميه (الفرد اللبيب الدؤوب). ومع مضي الزمن أصبح يقدر العمل أكثر فأكثر، حيث كان يقول:" إن العمل يجعل كل شيئ رائعا " . كان يكره الدعة والخمول والكسل ويدرك على نحوعميق بأن كل ما ينجزه الانسان هو بفضل العمل الواعي الموجة نحو تحقيق غاية معينة وهدف محدد لذلك كان يخطط لكل خطوة يخطوها ويعرف ما يريد بالضبط .

الشاب اليافع أدرك ان الحياة ليست عملاً فقط، وأحس بذلك بقوة في باريس على وجه الخصوص. وعرف (الفرد) سعادة الحب في هذه المدينة، ولم يدم حبه طويلا . الذكرى الوحيدة عن هذا الحب هي قصيدة قصيرة، فقد كان نوبل في مقتبل حياته يكتب الروايات والمسرحيات ويجرب الشعر، ومن المحتمل انه كان سينعم بمباهج ومرارة الحياة الزوجية، ولكن حبيبته ماتت فجأة وتركت لوعة في نفس الفرد، فقرر العدول نهائيا عن فكرة الزواج والعزوف عن مباهج الدنيا ليكرس حياته للأهداف النبيلة .

 

انجازات وكوارث

 في خمسينات القرن التاسع عشر تدرب وعمل (الفرد) في مصنع والده في سان بطرسبورغ مع اخويه لودفيك وروبرت، لقد ظل الشبان الثلاثة في روسيا لبعض الوقت حتى بعد عودة والدهم الى السويد. ولقد كُلّف الفرد – بسبب معرفته اللغتين الانجليزية والفرنسية- بمهمة في كل من انجلترا وفرنسا، مهمة حساسة كتب لها الفشل مسبقا وهي الحصول على قرض مالي .

وفي هذ الفترة تقريبا اخذ (الفرد) يبدي اهتماما بعلم الكيمياء حيث تمكن من تسجيل براءة اختراع لأول مرة في عام 1857م وشرع باجراء التجارب بالاشتراك مع والده على مادة النتروجلسرين، وكان النجاح حليفهما اوعلى وجه الدقة حليف الفرد نوبل، الذي بذل جهوداً مضنية وطويلة لأثبات ان الاختراع يعود اليه وليس لوالده، لقد كانت القوة التدميرية للنتروجلليسرين معروفة قبل ذلك ولكن لم يتمكن احد من تحقيق استخدامها العملي .

 ان توصل الفرد نوبل الى اختراع كبسولة التفجير، التي يمكن بواسطتها احداث تفجير في حاوية مملؤة بالنتروجلسيرين السائل كان على جانب عظيم من الاهمية. وقرر الفرد اشراك شقيقه الاصغر اميل – وكان مايزال تلميذا في المدرسة الثانوية – في هذه التجارب وتمكن الشقيقان من انتاج عدد محدود من هذ الكبسولات في مختبر صغير قرب مدينة ستوكهولم .

كان ذلك في عام 1863م، وكانت هذه التجارب محفوفة بالمخاطر العظيمة ولكنهما واصلا عملهما دون كلل. وبعد عام واحد وفي ساعة مبكرة من الصباح عندما كان الفرد في رحلة عمل خارج ستوكهولم ووالده مايزال يتناول طعام الافطار، حدث انفجار هائل في المختبر ادى في الحال الى وفاة أميل وأربعة أشخاص اخرين، ولكن الفرد كان واثقا من النجاح ولم تثبط هذه الكارثة عزيمته ولم يتخل عن مشاريع اقامة مصانع في وطنه السويد وفي المانيا .وكان بعيد النظر سواء خلال الفترة الحرجة او في السنوات اللاحقة، عندما أنشأ مصانع في بلدان اوربا واميركا، حيث تخلى عن حقوق براءة الاختراع لقاء مشاركته في ارباح المصانع المقامة في داخل وخارج وطنه، كان الانفجار في ستوكهولم بداية لسلسلة طويلة من الكوارث المفجعة، التي كانت كافية – على ما يعتقد – للأقلاع عن فكرة انتاج النتروجلسرين على نطاق صناعي قبل ان يبدأ مثل هذا الانتاج فعلا، ان خزن ونقل النتروجلسرين كان أخطر مما كان يتصوره الفرد نوبل نفسه، ففي عام 1866م تناثرت في الهواء قرب سواحل بنما باخرة محملة بالنتروجليسرين وأدى الحادث الى مقتل (74) شخصا وبعد أقل من شهر واحد قتل (14) شخصا في انفجار مخزن في سان فرانسسكو ودمر انفجار هامبورغ المصنع الذي أقامه الفرد نوبل بعد مرور عام واحد فقط من الانتاج فيه . وحدثت انفجارات مماثلة في كل من نيويورك وسدني .

وعاد الفرد نوبل الى المختبر لإيجاد حل يضمن نقل وتداول وأستخدام النتروجليسرين بشكل اّمن . كان يبحث عن مادة صلبة على شكل مسحوق او الياف تمتص النتروجليسرين مما يزيل قابلية هذه المادة للأنفجار تلقائيا .واخيرا استقر رأيه على مادة تسمى (Kiese Lgur)، التي تكون مع النتروجليسرين مادة أقل خطورة في التداول . وأطلق نوبل على هذه المادة الجديدة أسم (ديناميت) وهي كلمة مشتقة من (ديناميك) اليونانية وتعني القوة . وعلى الفور تحولت مادة الديناميت الى اوسع المواد المتفجرة انتشارا في العالم، وأقام نوبل وشركاؤه المصانع في كل من النرويج، فنلندة، فرنسا، ايطاليا، النمسا، اسبانيا، الولايات المتحدة الامريكية، وبكلمة مختصرة في كل مكان يستخدم فيه المهندسون التفجير في حفر المناجم وشق الانفاق وكانت الارباح هائلة . فعلى سبيل المثال لا الحصر دفعت شركة (بريتش ديناميت) الى المساهمين وبضنمهم الفريد نوبل أرباحا سنوية تتراوح ما بين 12% - 20% طوال (10) سنوات .

وارتفع انتاج الديناميت من 11 طن عام 1867م الى 3120 طن عام 1874م . و كان تسجيل واستصدار شهادات براءات الاختراع وأبرام عقود المصانع الجديدة يستنزف الكثير من وقت الفريد نوبل، ولكنه كان مهتما اكثر من اي شئ آخر بتجاربه المختبرية، كان رجل الافكار الجديدة ويبدو سعيدا حينما ينهمك في اجراء التجارب فقط ولا يغادر المختبر الا في وقت متاخر من الليل، وكان يقول "اذا طرأت في ذهني الف فكرة خلال عام واحد، وتبين ان فكرة واحدة فقط من هذه الافكار ذات قيمة أكون راضيا ".

ولكن الواقع يثبت ان نتائج أعماله كنت مثمرة اكثر من ذلك بكثير، حيث بلغ عدد الاختراعات التي توصل اليها خلال حياته (355) اختراعاً .

وبعد فترة قصيرة توصل الى مادة متفجرة أقوى سماها (الجيلاتين المتفجر) . وفي الثمانينات حصل على براءة اختراع مسحوق بدون دخان وتهافتت الجيوش الاوربية لشراء هذه المادة الجديدة، ان اهتماماته العلمية كانت اوسع من نطاق المواد المتفجرة .كان يقوم بتجارب كثيرة لأيجاد بدئل صناعية للحرير والجلد والمطاط وتجارب في مجالات اخرى .

 

نوبل المواطن العالمي

كان نوبل بطبعه وبحكم الضرورة مواطنا عالميا، ويتقن ست لغات اوربية اساسية، كان يحس كأنه في وطنه وبيته في معظم العواصم الاوربية، ففي بداية حياته العملية كان يقطن في هامبورغ، ثم عاش فترة طويلة في فيلا انيقة في باريس. وفي اواخر حياته اقتنى فيلا كبيرة في أيطاليا وسكن فيها، كان دائم التنقل بين مدن اوربا في رحلات تتعلق بعمله، وكذلك للمعالجة في المصحات .وأمضى الصيف الاخير من حياته في بيته في فيركبورن بالسويد، وقد أطلق عليه الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو اسم (المليونير المتشرد) . وحين تقدم به العمر، كان نوبل يشكو من الثمن الغالي الذي أضطر لدفعه ثمنا لحياته في التنقل الدائم، قال ذات مرة " انا أجدف بلا مقود أو بوصلة، بقايا سفينة محطمة في عرض البحر".

 وفي رسالة الى خطيبته كتب نوبل يقول: " لم أكوّن أسرة . هذا المرفأ الحياتي الذي لا يقدر بثمن وليس لي اصدقاء يمكن ان احبهم، ولا اعداء يمكن ان أكرههم "، كان نوبل يهوى سباق الخيل، ولكنه كان جد معتدل في مراهاناته، لم يكن يطيق التدخين والكحول ولعب القمار وكان أشبه بالناسك في عاداته .

كان يحاول دائما ان يستقبل ضيوفه بسخاء منقطع النظير .قال احد معارفه عن الولائم التي كانت تقام في بيت نوبل " أنها مأدب كبيرة تتيح لك أوسع الفرص لأختيار الاطباق وأنواع الخمور، كان أبو الديناميت لا يطيق الضوضاء، لذا فأن عجلات عربته كانت مغطاة بالمطاط كي لا تحدث أي قرقعة ."

نوبل العصامي كان يعتمد على نفسه في كل شي، وينشد الاستقلال في آارائه ووجهات نظره، التي كانت تختلف عما هو تقليدي او سائد، كان ينظر نظرة شك وريبة الى كافة انواع الحكومات في اوربا وامريكا، وحين تقرأ مؤلفاته العديدة يبدو لك انساناً يحاول ان يخفي اوهامه، متوقعا ما هو أسوأ ويأمل - برغم لك – في مستقبل افضل، أما الموضوع الذي كان يشغل باله طوال حياته فهو بحثه المتواصل عن الحب ولكن دون جدوى . وبوسع عالم النفس ان يفترض ان أمه قد حجبت عنه النسوة الأخريات، كان الفريد وأمه أندرييتا متعلقين ببعضهما، وليس أدل على ذلك ان نوبل كان يحرص أشد الحرص ان يحضر الى السويد سنويا في يوم ميلاد أمه، وحين توفيت كان عمره (56) سنة .وحسب قول نوبل: " كانت تحبني على نحو يعجز عنه الناس هذه الايام، حيث ان الحياة الصاخبة تعمى كل الاحاسيس " ويتسم موقف نوبل تجاه المرأة بشئ من التناقض فقد كان مسحورا ومبهورا بالنساء، وفي الوقت ذاته ينفر منهن .وهو الذي كتب عن المرأة يقول: " الجنس اللطيف ولكن المفزع "، وبرغم خجله المعهود فقد كان دائما مهتما بالنساء .

 

ملك الموت

أتيحت لألفريد فرصة نادرة ليقرأ نبأ وفاته وهو حي يرزق . حدث ذلك عندما توفى شقيقه لودفيك، الذي جمع ثروة كبيرة من أستخراج النفط من الحقول الغنية قرب مدينة باكو الأذربيجانية، وقد التبس الامر على الصحفي الفرنسي الذي كتب مرثية للفقيد، وظن ان المتوفي هو الفريد نوبل وأطلق عليه الصحفي أسم " ملك الموت ". ويعتقد البعض ان هذا التنبؤ المشؤوم قد عزز الى حد كبير ميل الفريد نوبل نحو مناهضة الحروب عن طريق النضال السلمي، فقد أخذ يبدي أهتماما كبيرا بقضايا السلام العالمي، وعلى مدى سنوات طويلة دافع نوبل عن اختراعاته امام نفسه وامام المجتمع .

لقد كان طوال حياته مناهضا للحرب ووصفها بانها " أكبر وأفظع جريمة " ولكنه في الوقت نفسه كان يؤكد ان الضحايا الانسانية حتمية عند أستخدام اي نوع من المتفجرات حتى لو كان ذلك من أجل هدف نبيل .

ولقد أيد اسهام (بيرتا فون زوتنر) في حركة السلام الاوربية برغم انه كتب اليها يقول " ان مصانعي تقرب نهاية المعارك على نحو أسرع من مؤتمراتكم، ومن المحتمل جدا انه في اليوم الذي تظهر فيه امكانية لدى جيشين متقاتلين في افناء كل منهما الاّخر خلال ثوان معدودة، فأن كل الامم المتحضرة تدير ظهرها للحرب ."

في العام 1891 غادر نوبل فرنسا الى ايطاليا بسبب سخط الفرنسين العارم واحتجاجهم ضد قيامه ببيع المسحوق عديم الدخان الى البلدان الاخرى، وفي أيطاليا، واصل تجاربه على الالياف الصناعية والمواد المتفجرة في فيلته الواقعة قرب ساحل البحر في سان ريمو، رغم أصابته بمرض القلب، وفي عدد من رسائله الموجهة الى معارفه تنبأ نوبل بموته ورسم صورة قاتمة للحظة وفاته: ( بين خدم غرباء حين لا يكون في جواره انسان قريب وحميم) وفي أكتوبر 1896 أصيب بنزيف في الدماغ وخلال ثلاثة ايام لم يكن يستطيع الكلام الا بصعوبة شديدة وباللغة السويدية التي لم يكن احد من خدمه يفهمها، وفي العاشر من كانون الاول من العام 1896 وجده احد الخدم وقد فارق الحياة .

 

 وصية الفريد نوبل

ربما كانت وصية الفرد نوبل اشهر وصية في التاريخ فهي وصية فريدة، ويمكن اعتبارها أهم اختراع توصل اليه حيث لم يسبق لأحد ان كرس امواله الطائلة لغرض نبيل، هو تطوير العلم العالمي وتوطيد السلام وتكريم الادباء .

في العام 1895 أي قبل وفاته بعام واحد قام الفرد نوبل ودون الاستعانة بالمحامين بكتابة وصيته .

كان يعتقد ان الثروة الموروثة تؤدي الى زيادة العاطلين والكسالى ولهذا لم يخصص في وصيته سوى جزء صغير من ثروته، لأقاربه وللمقربين منه، أما بقية المبلغ فقد اوصى بإيداعه في البنك وتخصيص أرباحه السنوية كجوائز تمنح كل عام لاولئك الاشخاص الذين قدموا خلال العام المنصرم أافضل الخدمات للإنسانية . وتوزع جوائز نوبل – حسب الوصية – على خمسة حقول هي (الفيزياء، الكيمياء، الطب أو الفسلجة،،\الآداب، السلام) . وفي عام 1968 الجهات المانحة للجوائز تخصيص جائزة سادسة في حقل الإقتصاد بناء على إقتراح بنك السويد لمناسبة مرور (300) سنة على تأسيسه .

ان طريقة اختيار المرشحين ومنح الجوائز تختلف قليلا عما جاء في وصية نوبل، حيث تمنح الجوائز ليس للأعمال المنجزة خلال العام المنصرم، بل تلك المنجزة في الاعوام السابقة، اذا ظهرت اهميتها فيما بعد. وهذا امر مريح للجهات المانحة والمجتمع الدولي، حيث تتيح هذه الطريقة حرية أوسع في أختيار الابحاث والانجازات الاكثر أهمية خلال فترة زمنية مفتوحة .

نشرت الوصية لأول مرة في أوائل كانون الثاني العام 1897 وأثارت ردود فعل متباينة في السويد والدول الاوربية الاخرى، سرعان ما تحولت الى ضجة حقيقية، فقد أتهمه القوميون السويديون بأنه قد خذل ابناء جلدته، في حين أكد نوبل في وصيته بان تمنح الجوائز لأكثر الناس جدارة واستحقاقاً بصرف النظر عن الجنس والقومية والدين والحدود الجغرافية .

 استمرت الضجة التي أثارتها هذه الوصية، طوال فترة المحاكمات الطويلة بصددها، والتي شهدت مشادات حادة بين الاطراف المتنازعة (الجهات المانحة للجوائز وأقارب نوبل) حيث زعم البعض ان الوصية غامضة وغير قانونية، في حين زعم البعض الاخر بأنه لا يحق لنوبل ان يتصرف بثروته على هذا النحو، ولم تهدأ الضجة التي أثارتها الوصية الا بعد حوالي أربع سنوات .وبحلول عام 1900 كانت كافة الاجراءات التحضيرية لعملية اختبار الفائزين الاوائل قد أستكملت، وقد تحددت اسماؤهم بعد ذلك بعام واحد.

كان نوبل مالكا للعديد من الشركات ومساهماً في شركات صناعية اخرى، وذاع صيته في الاوساط العلمية وبين رجال الاعمال والمال والسياسة في اوربا، ولكن شهرته العالمية الحقيقية جاءت مع اختراعه الاهم وهو وصيته، ولكن هذه الوصية لم تكن تنفذ لولا جهود راغنر سولمان - معاونه وسكرتيره وأحد أثنين أوكل اليهما نوبل تنفيذ وصيته .وعلى أية حال فقد حسمت المحاكم امر الوصية وتحقق حلم نوبل بأنشاء صندوق لتمويل الجوائز المسماة بأسمه . وتولى سولمان رئاسة الصندوق اعتبارا من 1901 .

 وصندوق التمويل هذا، منظمة غير حكومية ومستقلة، تتلخص مهمتها الاساسية في تمويل الجوائز وضمان حقوق الجهات المانحة لها، واخيرا اعداد اجراءات واحتفالات تسليم الجوائز للفائزين .

ان الجوائز تعكس ميول نوبل نفسه: العلوم التطبيقية، الادب، السلم، كما تعكس نزعته الكوسموبوليتية، ان السمعة الممتازة لهذه الجوائز ربما تفسر بان الجوائز تعبر أصدق تعبير عن افكار نوبل النبيلة واهدافه واحلامه في الوصول الى "مجنمع عالمي يسوده الانسجام الذي لم يخلق بعد، ولكنه سوف يتحقق حتما، كما يقول المؤرخ المعروف دونالد فلمنغ.

 

عملية الترشيح والاختيار لجوائز نوبل

 تبدأ عملية الترشيح للجوائز في خريف كل عام . حيث تقوم لجان نوبل المتخصصة بتوجيه رسائل الى مئات العلماء والى الحائزين على جوائز نوبل في السنوات السابقة، والى المراكز العلمية المتخصصة في شتى انحاء العالم تطلب منهم ترشيح الاسماء لجوائز العام المقبل، وتوجد (6) لجان لجوائز نوبل ثلاث منها في حقول الفيزياء والكيمياء والاقتصاد لدى الاكاديمية الملكية السويدية للعلوم ولجنة واحدة للطب والفسلجة لدى معهد كارولينا وأخرى للأدب في الاكاديمية السويدية، وثالثة للسلام في البرلمان النرويجي، تتكون كل لجنة من (5) أشخاص تعينهم الجهة المختصة، ولكن من حق اللجان الاستعانة بخبراء مستقلين من ذوي الكفاءة العالية في مجالات تخصصاتهم .

 وفي شهر شباط تباشر لجان نوبل بدراسة وتحليل الترشيحات الواردة أليها . و تعقد لهذا الغرض جلسات عديدة و مطولة، و لكن يمنع منعا باتا ًتسجيل محاضرها . و تعد اللجان تقارير مسهبة عن أبرز المرشحين و ترفع توصياتها الى المراجع المعنية للبت فى الأختيار النهائى .

و تعلن أسماء الفائزين فى يوم ميلاد الفرد نوبل، المصادف للحادى و العشرين من شهر تشرين الأول / أكتوبر، و لا تعلن أسماء المرشحين الذين لم يقع عليهم الأختيار . و تتسم أعمال اللجان فى مراحلها الأساسية بالسرية التامة، و يتم تقليد الجوائز للفائزين فى يوم و فاة نوبل، المصادف للعاشر من شهر كانون الأول / ديسمبر. و يجرى تسليم جائزة السلام فى العاصمة النرويجية أوسلو بحضور ملك النرويج أو من ينوب عنه من أفراد العائلة المالكة .

أما بقية الجوائز، فأنها تسلم الى الفائزين بها من قبل ملك السويد فى قاعة الحفلات للفيلارمونيا السويدية فى أجواء أحتفالية مهيبة .

 

الأنتقادات الموجهة الى لجان جوائز نوبل

تعرضت لجان جوائز نوبل – منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا – الى انتقادات لاذعة، واسعة النطاق . و فى مقدمة الأنتقادات الموجهة الى هذه اللجان، أنها تمنح الجوائز لشخصيات أدبية و علمية بارزة، خلفوا أنجازاتهم الرئيسية ورائهم . و كما قال " برنارد شو " الحائز على جائزة الآداب لعام 1925 م، ان الجائزة بمثابة طوق النجاة يرمى للسابح المهدد بالغرق بعد صوله الى الشاطىء بسلام، فى حين أن نوبل ذكر فى وصيته بوضوح، ان الهدف من منح الجوائز هو مد يد العون الى صفوة الموهوبين الواعدين .

 

diaa nafieولد كارامزين بالامبراطورية الروسية في القرن الثامن عشر (1766) وتوفي هناك ايضا في القرن التاسع عشر (1826)، اي انه ابن قرنين بعيدين  جدا عن زماننا الحالي بالنسبة  لتاريخ روسيا، ولكنه مع ذلك لا يزال حيا لحد الان في ربوع الفكرالروسي، وذلك لانه وضع بصماته الابداعية  المتميٌزة  في  مسيرة هذا الفكر في مجالات التاريخ والسرد والشعر والصحافة والترجمة الادبية، لدرجة ان غيرتسن (انظر مقالتنا بعنوان – غيرتسن الاديب والصحفي الروسي المهاجر) أشار اليه في كتابه بعنوان – (عن تطور الافكار الثورية في روسيا)  قائلا – (ان اهمية كارامزين  في الفكر الروسي مثل اهمية يكاترينا في تاريخ روسيا ...).

تباينت الآراء بشأن الصفة الاولى والاساسية  لكارامزين في مسيرة روسيا الفكرية، فمنهم من يؤكد اولا على مكانته المتميزة في تدوين التاريخ الروسي، لانه مؤلف كتاب (تاريخ الدولة الروسية ب 12 جزءا)، والذي لا زال يعد ولحد الان مصدرا اساسيا ومهما جدا في تاريخ روسيا (تفرغ كارامزين لهذا الكتاب على مدى ال(23) سنة الاخيرة من حياته باكملها – منذ عام 1803 الى وفاته في عام 1826) . وكارامزين هو الكاتب الوحيد في تاريخ روسيا القيصرية الذي منحه القيصر الروسي الكساندر الاول  في حينه مهمة  محددة لكتابة وتدوين التاريخ  واطلق عليها تسمية دقيقة وهي بالروسية كلمة واحدة فقط (ايستوريوغراف) ويمكن ترجمتها الى العربية كما يأتي  – (متخصص في تدوين التاريخ) او(مدوٌن التاريخ) او (المؤرخ  المدوٌن) (جاءت في بعض المصادر العربية ترجمة طويلة جدا لهذه التسمية وكما يأتي – باحث متخصص في دراسة الوثائق التاريخية من أجل تدوين وقائع التاريخ الروسي، وهي ترجمة توضيحية وتفصيلية بلا شك لطبيعة العمل المرتبط بهذه الوظيفة)، وأمر القيصر ايضا  بمنحه  راتبا عاليا طيلة فترة عمله في هذه الوظيفة وتنفيذه  لمهماتها، وان تقوم الدولة بطبع مؤلفاته تلك، (وما أعظم هذا العطاء، وكم نحتاج الى مثل هذه الخطوات النبيلة في حياتنا ولحد الآن !!). لقد أصدر كارامزين عام 1818 رأسا ثمانية اجزاء من كتابه المشار اليه اعلاه هذا، اي (تاريخ الدولة الروسية)، وتم بيع  ثلاثة الاف نسخة منه خلال أقل من شهر واحد فقط، وهو حدث كبير ومتميٌز في تاريخ الكتاب الروسي لم  يحصل  سابقا في روسيا آنذاك، وأصدر ثلاثة أجزاء اخرى من ذلك الكتاب بعد سنة واحدة فقط، وقد تم بيعها ايضا وبنفس السرعة، بل وتم ترجمتها الى عدة لغات اوربية كذلك . ثم صدر الجزء الثاني عشر والاخير من هذا الكتاب بعد وفاته . لقد كتب بوشكين عن هذا الجهد العلمي الكبير قائلا، ان كارامزين (اكتشف تاريخ روسيا القديم مثلما اكتشف كولومبوس أمريكا!)، وكان بوشكين محقا بكلمته العميقة والدقيقة تلك، لان كارامزين استخدم  فعلا المخطوطات الروسية القديمة والوقائع الروسية القديمة ايضا، والتي لم تكن معروفة ابدا للقارئ الروسي الاعتيادي، بل كانت حتى شبه مجهولة لبقية المؤرخين الروس، وأعاد لها الحياة والحيوية من جديد . ولقد تلاقف القراء الروس آنذاك كتاب كارامزين هذا ايضا لان المؤرخ صاغ كتابه بلغة روسية جميلة وبسيطة وسلسلة لا تشبه لغة البحوث العلمية الجافة، وهو ما يميٌز هذا الكتاب عن الكتب التاريخية الاخرى . ولكل هذه الاسباب يرى الباحثون الروس (وليس الروس فقط) ان الميزة الاولى والاساسية لكارامزين هي صفة - ( المؤرخ)، ومن المؤكد انهم على حق فعلا. لكن توجد آراء مغايرة لذلك،اذ يرى البعض من الباحثين، ان اهمية كارامزين  تكمن - قبل كل شئ - في رواياته ونثره بشكل عام، وذلك لانه وضع هناك اسس الاتجاه الادبي الجديد في روسيا آنذاك وهو – (السنتمنتالية) اي  العاطفية ان صح التعبير (يستخدم بعض الباحثين مصطلح – ما قبل الرومانسية في تاريخ الادب الروسي  وهو مصطلح غير دقيق من وجهة نظرنا)، بعد ان كانت سائدة في الادب الروسي الكتابات التي تمجد الدولة وعظمتها وسيطرتها وجبروتها، وهي الكتابات التي كانت تنطلق من الاتجاه الادبي المعروف آنذاك والذي يطلق عليه الباحثون تسمية (الكلا سيتزيم)، هذا الاتجاه الذي كانت تحتاجه الدولة وهي في طور البناء والنهوض، اما الاتجاه السنتمنتالي فقد كان يركز على الفرد ومعاناته الحياتية البسيطة بغض النظر عن الدولة ومسيرتها، وهو الذي انعكس في رواية كارامزين القصيرة – (ليزا المسكينة) (تاتي في بعض الترجمات العربية هكذا – ليزا البائسة، ونظن ان التسمية الاولى هي الاصح) التي نشرها الكاتب عام 1792 في مجلته (موسكوفسكي جورنال) (المجلة الموسكوفية)، ثم أصدرها عام 1796 في كتاب، وتعد رمزا لمرحلة حاسمة ومتميٌزة في تاريخ الادب الروسي ومسيرته. تتناول هذه الرواية القصيرة قصة حياة ليزا الفلاحة اليتيمة الاب، والتي كانت تعيش مع والدتها معتمدة على عملها المتواضع البسيط  من الاعمال الفلاحية اليدوية، ثم تتعرف على شاب من طبقة النبلاء اثناء بيعها للزهور، وتتطور العلاقة بينهما، ولكنه يتركها في نهاية قصة حبهما، وتكتشف ليزا انه ارتبط بامرأة اخرى، وهكذا تقرر انهاء حياتها وترمي بنفسها في البركة منتحرة  . مضمون الرواية القصيرة هذه كما هو واضح بسيط جدا وهو  مقتبس عموما من اجواء الاداب الاوربية التي كان كارمزين يعرفها حق المعرفة، ولكنه يصوره في اطار الطبيعة  الروسية  البحتة، حيث يتعرف القارئ على اجواء موسكو وضواحيها لدرجة ان القراء في ما بعد اطلقوا اسم ليزا على بركة الماء التي انتحرت فيها.  لقد انعكست هذه الرواية على مجمل مسيرة الادب الروسي، واعتبرها النقد الادبي (كلمة جديدة)، وهناك لوحة مشهورة رسمها فنان تشكيلي عام 1827 تحمل اسم – ليزا المسكينة، ويرى بعض النقاد انها انعكست حتى على بعض نتاجات بوشكين النثرية، وتحولت هذه الرواية القصيرة الى مسرحية غنائية، والى ثلاثة افلام سينمائية وتلفزيونية في نهاية القرن العشرين كان آخرها عام 1998، بل ان اذاعة موسكو العربية قدمتها  ضمن المسرح الاذاعي .

 وعدا ذلك، يوجد باحثون يشيدون باهمية شعر كارامزين، والذي جاء بلغة روسية صافية وبسيطة، وعكس فيه مفردات جديدة بكل معنى الكلمة صاغها بنفسه في اللغة الروسية ومهد الطريق بذلك لبوشكين وغيره من الادباء الروس الكبار في ما بعد، ومنهم من يشير الى مساهماته المهمة في مجال الصحافة الادبية التي ساهم بوضع اسسها في روسيا، اذ ترتبط باسمه صحيفة ثقافية للاطفال ومجلتين ادبيتين واجتماعيتين لعبتا دورا بارزا في تاريخ الصحافة بروسيا . ويوجد كذلك من يتحدث عن دور كارامزين البارز في عالم الترجمة الادبية، اذ انه  واحد من اوائل المترجمين الروس لمسرح شكسبير  (هو أول من ترجم مسرحية يوليوس قيصر الى الروسية آنذاك، ونشرها عام 1790).

و كل هذه الاراء صحيحة فعلا، وكل هذا التنوع  يبين بلا شك اهمية ابداع كارامزين وقيمته في تاريخ الفكر الروسي ومسيرته بشكل عام، ويجيب عن سؤال – لماذا تحتفل روسيا الان (في نهاية عام 2016) بذكرى  مرور (250) سنة على ميلاده.

  

yaas alshmkawiكيف أنساهم وهذي آثار فؤوسِهم على رأسي .. مهما طوى الزمان صفحات غدرهم، كالجمر تبقى تلسع القلب بين حنايا الضلوعِ . ورُبَّ متخمٍ بالجهل يقول لِمَ نقلّبُ الدفاترَ العتيقة !؟

وكأني أسمع هاتفا من خلفِ أعوادِ المشانق ونقرة السلمان والزنازين الموحشة والأمهات الثكالى يقول وفي الحشا عبرة ؛ يا منْ شقّ عليه ذكرى ولدي، لازال الجرح نديّا وصدري يفيض حنانا كلما شيّعوه أو إرثا له ذكروا .

ثمة عذابات لا يسعها أن تخرج من الذاكرة ولن تمحو صفحاتها القاسية أشد انواع البلادة أو مرض الزهايمر .

وإن نسيناها نحن فسوف تذكّرنا نُدوب أجسادنا وتجاعيد الأسى على وجوه آبائنا كلّ لحظة من لحظات القهر والغربة والفراق والسحل في الشوارع ....

أن نسينا نحن فستذكّرنا صروح الذين ناضلوا ورحلوا بعزّة ولم يستكينوا ...

ستذكرنا تلك الصروح الشامخاتِ بكلِّ قطرةِ دمٍ زفّها شهيدٌ من أجل عرس حريتهِ ومن أجل وطنٍ حرّ وشعبٍ سعيد .

وأنّى لمكلومٍ ينسى حقبة البعث، مذ أنْ جثا زناة الليل على صدر الزعيم !

ثم تسللوا برداء الديمقراطية والإتحاد والجبهة الوطنية نفاقا وكذبا فغدروا، والطبعُ غالبٌ وإن أجتهدَ الرياءَ صاحبهُ .

وهنا بيت القصيد !

يذكر المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو في كتابه الطبقات الأجتماعية، قولا مقتبسا من كتابات عفلق يقول فيها (ضرورة تصفية الأشخاص الذين يقفون بوجه إرادة الحزب) .

وتلك هي الأيدولوجية الحقيقية لمنظومة العمل السياسي والفكر البعثي التي عمل بها منذ تأسيسه، إذ باتت برنامجا وسلّما لمن أراد الوصول الى دفة الحكم .

والأمر لديهم سيّان، إنْ كان الخصومُ أو المنافسون حلفاءً أو معارضين، من داخلِ الحزبِ أو من خارجِ التنظيم .

والعناوين والشعارات والديكورات والتسميات لستر الفضائح والمؤامرات حاضرة في وجدانهم !

عبد السلام، مات بحادث طائرة، عبد الرحمن، الرجل الذي جاءت به الأقدار الى السلطة، يعني ثورة بيضاء وكأن الدماء لم تجرِ في مديريات الأمن والقصور والدهاليز المظلمة، والبكر مريض ربما يشكو من العشو السياسي فتنازل عن السلطة للقائد الضرورة ثاقب النظر، أما عفلق أسلم ولم يعلن إسلامه خوفا من أبي سفيان وكفار قريش، لذلك أعتكف ولم نسمع إلا بموته، ولا نعلم أصار نبيّا بإعتكافهِ أم رحل مسلما عاديّا !

إن كانت المؤامرات تجري على قدم وساق فيما بينهم والدماء كالشلالات تجري بأيديهم من رفاقهم في قاعة الخلد وغيرها، فكيف لا يملؤون السجون بخصومهم ويجزرون الشيوعيين جزر الأضاحي، ويغدرون بهم شرّ غدرة اثناء وبعد الجبهة الوطنية 1973- 1979!؟

سبع سنوات حالكات وما بعدها، قُتِلَ منْ قُتِل وأعتُقِلَ منْ أعتُقِل ومنهم منْ ترك الأوطان وهاجر الديار على مضضٍ، ولم يبقَ إلاّ القلة القليلة من أعضاء وأنصار الحزب يواصلون عملهم السري بتنظيمات خيطيّة في غاية الحيطة والحذر، حيث لا مكان للديموقراطية أو التنظيمات الحزبية إلاّ لحزب البعث الصدامي، فتقوضت الحرية حتى تلاشت، وعلا سقف الذبح والدكتاتورية حتى سادت .

كانت المؤسسات والمراكز والجامعات والصالونات الأدبية والمقاهي تعجُّ بالعلماءِ والمثقفين .

وبعد تغييب الشيوعية إقفرّت الميادين من أهلها وساد رعاعها، فما عادت بغداد قبلة الأحرار ولا البصرة بصرة السيّاب ولا النجف للجواهري .

وكذاك الأمصار من بلاد الرافدين طولا وعرضا أمست معتقلات وسجون كبيرة .

حتى كأنّ شارع الرشيد والمتنبي ومقهى الزهاوي وسوق السراي والمستنصرية وجسر الشهداء وشارع السعدون ونصب الحرية ومدينة الأعظمية والقشلة، كل المعالم فيها كئيبة، كرخها والرصافة، لا يُسعِد صباحاتها صوت فيروز ولا يؤنس رواحها وغدوها طالبات الجامعة، لأنهنّ يحملْنَ دموعا وحسرةً لغائبٍ مرتحل لا وردا وعطرا لحبيبٍ ينتظر .

لا يختلف منصفان أن الشيوعية أثرَتْ الساحة الثقافية والعلمية والأدبية بعلومها وآدابها وفنونها .

منها ولد العالم والأديب والفنّان والشاعر والخطيب السياسي والمناضل الثائر .

ويكفي إذا إلتقى الناسُ مثقفا مهذّبا سألوه ؛ هل أنت شيوعي ؟

لغتهم العلم والثقافة والأدب، وإستذكار سفر نضالاتهم ومعاناتهم حق عند كلّ ذي حق، وتخليد راحليهم واجب إنساني ووطني .

أمّا تكريم مبدعيهم أحياءً فهو مدعاة للفخر وإشعارا لهم بقيمتهم الإجتماعية والسياسية وتحفيزا لمواكبة مسيرتهم الرائدة في الحياة .

كاتب تلك السطور ليس شيوعيا، لكن إن كان ذكر الحقائق عند البعض تهمة فمرحى بذيّاك العار ... اليوم وغدا يا هندُ !

وعلّنا اليوم نُوفّقُ بذكر واحدٍ من تلك القامات اليسارية التي سطع نجمها وتلألأ في بلاد المهجر بعد أن تربّى في أحضان الحزب وشرب من مائهِ العذبِ ونهل من تربيتهِ العلوم والفكر .

لا أدّعي أن ما سأكتب عنه تفرّد بعطائهِ، لكنه رقما صعبا بين أقرانه في نتاجاته الأدبية والفنيّة، وللأسف الشديد لم يحظَ هذا الجِهبِذ بإهتمام صحافتنا ووسائل إعلامنا العراقيّة كما حظي به الإعلام العربي والمهجريّ .

نعم ... أنه الأديب والشاعر والمخرج والمؤلف المسرحي الدكتور موفق ساوا .

كتب قصائدا للحب ... للناس ... للشعب .. للسلام .. للمحبة والتآخي، نظم نصوصا رائعة وجميلة تغنّتْ بالوطن وغربتهِ .

ألفّ وأخرج المسرحيات التي عرفتها مسارح أستراليا والجالية العربية في أوربا وسيدني ولم يعرفها أبن وطنه .

أنتج فلما من أخراجه وتأليفه (NOT FOR SALE) حصل على عدّة جوائز قيمة في سيدني ، عمل بكفاح متواصل لرفع إسم العراق ورايته عاليا في سماء أوربا، وفي جامعاتها ومسارحها ومعاهدها العلمية والفنية .

أسس أكاديمية الفنون العراقية في سيدني، درس ودرّس فتخرج من تحت يده الفنانون والمسرحيون .

أسس فرقة ساوا للمسرح التي أبهرت الجماهير بأعمالها وأعجبت النقاد وعمالقة الفن بنتاجاتها .

أنشأ وترأس صحيفة ورقية ثقافية شاملة مستقلة (جريدة العراقية)، عمرها أكثر من إثني عشر عاما حتى الأن، تصدر في سيدني وتُوزّع في أستراليا مجانا للجالية العراقية والعربية، منتشرة ألكترونيا في كل عواصم أوربا وأنحاء العالم، ولازال عطاءُها مستمرا وجمهورها مواكب على متابعتها، لتميّزها بين الصحف وتنوّع موادها ولمصداقيتها ومهنيتها، فضلا عن إنها متابِعة لكلّ هموم العراقيين وأحداث العراق السياسية والإجتماعية لحظة بلحظة .

جريدة العراقية أول من يذرف دمعا إذا ما أصاب العراق مكروها وآخر من يسكت إذا ما تعرّض شعبها للفساد والقتل والنهب والتشريد والعنصرية والطائفية .

ليس لها أعداء إلا العناصر السيئة والعصابات التكفيرية أو ممن كان سياسيا قذرا يبتزّ الشعب ويستغل طيبتهم .

صديقة الكل وهُويّتها العراق فحسب، على مسافة واحدة تقف من الجميع .

هكذا هي العراقية تحمل أفكار صاحبها وخلق مؤسّسها وشرف عمله الصحفي .

وقس على ذلك كتّابها، من نفس القماشةِ خامتهم، متألقون متميّزون في عملهم الصحفي وواجبهم الوطني والإنساني، لأنهم يحملون شرف المبدأ والكلمة .

حاز الدكتور موفق ساوا على درع الإبداع في مهرجان البيت الثقافي الفني بمدينة أديلايد الإسترالية (Adelaide) عن فلمه السينمائي (NOT FOR SALE )، ويُعد المهرجان ضخما بكلّ المقاييس حيث شارك فيه العديد من الفنّانين والمخرجين والشعراء والأدباء من العراق والوطن العربي .

وآخر ما أبدع به مخرجنا وأديبنا الشاعر، كتابة قصيدة (أنتِ مولاتي) التي نظمها بمناسبة نجاح المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي .

منذُ إطلاق أُولى صرخاَتي

هَجـَمـَتْ مَصابيحُ  طيورِكِ مولاتي

على مُـدني النائمة في دُجَى الطرقاتِ

فَـَشـَبَّ ضوؤُكِ في جسدِ الظـُلماتِ .

ويستهل الشاعر بمطلع قصيدته عن نشأته الفكرية وتربيته الماركسية التي أنارت له الوجود منذ نعومة أظفاره .

تـَرَهْـبـَـَنـْتُ في محرابـِكِ

كي لا أتدحرجُ يوماً نحو الوادي

فما زلت أغوصُ فِي بَحْرِكِ الْهَادي

مَا بَرحتُ أَشَرَبُ مَنْ يَنْبُوعِكِ الصَّافِي

فما إرتويتُ حتى غـزا الشيبُ رأسي .

ولا شك أن الصراعات الفكرية والسجالات السياسية إحتدمت أيما إحتدام سيما في عقدَيْ الستينات والسبعينات من القرن الماضي بعد أن إشتدّت وطأة البعثيين على نهضة الشباب التقدمي، فحاولت بشتى الوسائل أن تحرفهم عن مسيرتهم النضالية، تارة بالتعذيبِ والإغراءات وتزييف الحقائق وتارة أخرى بالإضطهاد والتشريد والتهجير الذي كان حصة شاعرنا .

وهنا يشير الشاعر الى إنه أتخذ من الشيوعية مصلا وعقارا ضد سموم الأفكار الرجعية والراديكالية وعمليات القمع المخيفة التي تمارسها الأجهزة البوليسية لحزب النظام الحاكم أنذاك .

ويؤكد الشاعر أنه لازال ينتهل تلك الدروس العظيمة من وِردِها الصافي حتى هذه اللحظة التي غزا الشيب فيها رأسه .

عشقتُ شموخَ قامَـتِكِ

قـَبّـلْـتُ جبينـَكِ العالي

فدبَّ الهوى في فؤادي

وراح قلبي يرقصُ بين أضلاعي .

ثم يستطرد الشاعر أعجابه المنقطع النظير بصمود الحزب معبرا عن سعادته بقامته الشامخة رغم ما ناله من التعسّف والجور والتهميش على مرّ السنين .

في صومعتي ...

في مهجري ...

الآن

أُعيدُ شريطَ  ذكرياتي

وأنا ما زلت أتلو

مزاميرَ أسطورةِ مأساتكِ 

مأساتي ....

وَأَحْـفـُرُ فِي صُخـُـور كـَهْـف الزَّمَانِ

حكاياتكِ

حكاياتي ....

ونقرعُ معاً أجراسَ الحنين

للنشيد الآتي ...

جاءت تلك المقاطع مشحونة بالألم والذكريات والمشاعر الدافئة والحنين الى رفاق عمره وممن جايلوه وعاشوا معه تجربة النضال وحكاية المآسي مع زمر البعث الفاشستي مستذكرا فيها الوجع المقدس المحفور في ذاكرة الوجدان .

إعزفي مولاتي

بمزمارِكِ لتُشفي دائي

دقي أجراسَ معبدِكِ

لتوقظي النائمينَ من غـَفـْـلـَـتِـهم

أَعَـزْفِي ...

عَلَى قِيثَارَتِـكِ وَاعْلِني

إنّ العصافيرَ وإنْ هـَجـَرَتْ

تعودُ يوماً ....

لتمزّقَ ثيابَ الليلِ البالي .

الحقبة التي حكمها النظام الدموي البعثي كانت من أشدّ الفترات سوادا وحلكة، أجبرت الشعب أن يبتعد عن أدبيات القوى اليسارية والتقدمية لدرجة أن منْ يقتني كتابا أو قصيدة لشاعر شيوعي مثل مظفر النواب او عريان السيد خلف وغيرهم يُتّهَم بالخيانةِ والعمالةِ والجاسوسيّة .

ولما كان الأمرُ كذلك، حتما ستكون لقاءات الحزب بالجماهير شبه منحسرة أو منعدمة، لكن الشاعر هنا يتحدث وفقا لجدليّة المنطق الديناميكي ولسان واقع حال الحراك السياسي والثوري الذي يجزم بعودة المدنية واليسار ثانية كي يمزّق الليل الحالك المتهرئ لمّا تعزف الشيوعية ألحانها الجميلة بلغة العصافير لا بلغة المناشير، التي طالما إفتقدتها الساحة السياسية والنخب العراقية المثقفة لسنين طوال .

وبعودة الحياة الى مدنيتها وتمدنها حتما سوف تُشفى من درنها السياسي  وأمراضها الأجتماعية المتمثلة بالعنف والكراهية والقطيعة والإحتقان العرقي والطائفي .

كيفَ ابدأُ..؟!

وَمِـنْ أين ...

وكيفَ أبوحُ لكِ مولاتي !!

أمنذُ أنْ قـَطـَّرتِ ماءَ الحياةِ

في دمائي...؟؟!!.

كلما أُحاولُ أنْ أبدأ ...

لأُسَجـِّلَ كلَّ شقائي وعذاباتي

تتساقطُ أمطارُكِ لتجرُفَ فايروساتي .

كنتُ دوماً أراكِ، مولاتي

مـُدنـاً بلا دخانِ

وواحــًة للعشاقِ ...  

حروفُكِ .. ألوانُكِ .. إسمُكِ

أمستْ راياتي

ترفرفُ فوقَ رابيتي

جِـئتِ  مولاتي

شُعاعـاً وينبوعا

ففتحتِ بجيوشكِ قلاعي

فاسْـتـَسْـلـَمـَتْ طربـاً لكِ

مولاتي

كـُلُّ مُدنِ آهاتي ...

فنذرتُ لكِ جميعَ ممالكي

فُضـْتِ كما يُفيضُ البحـرُ

على صحرائي

حطمْتِ جدراني

سَـبـَّحـْتُ بإسمـِـكِ

فـَصـَفـَّـقـَتْ لكِ تبجيلاً،

فاكهةُ بُستاني

عشـقـتـُكِ طفلاً ...

مولاتي

وما زلتُ ...

وما زلتُ ....

بَعْدَ أنْ غَزَا الْغُرَابُ الأسْوَدُّ بـِلاديْ

عشـقـتـُكِ مولاتي

فمن يعـشَـقــُكِ

لا يعرف الموتَ طريقــاً

لقامتـِكِ الشامخةِ ...

و قاماتي

مِنَ أين أَبَدَأ مولاتي

مِنْ أيَّةِ مصَادِرٍ بَاتـَتْ اقتباساتي

أمِنْ كتبٍ ممزقةٍ يقطرُ منها الدمُ القاني

أم مِنْ أوراقٍ محروقةٍ في فصولِ الدخانِ

كيف أبدأ كلماتي

لأنقشَ لكِ حكاياتي

لأتركَ على وجنتيكِ قبلاتي

لا القلبُ غادرَ نبضاتـكِ

ولا نبضاتــُـكِ تنبضُ

خارجَ نبضاتي

ولا أستبدلتُ رداءَكِ

منذ أنْ صار ردائي 

جمعتُ 

مولاتي ....

بحورَ الشعـرِ لأكتبَ قصائدي

وأُنظـُمُ لكِ بيتـاً ...

بلا قوافٍ وبلا أوزانِ

فأنطفأتْ إضاءةُ المسرحِ

أظـْلـَمَـتْ الصالة

وبقيتِ أنتِ شاهداً

على كلِّ مشاهدي

وإنْ غابَ النصُّ....

تبقَيْنَ أنتِ عنوانَ مسرحياتي

أصْغـَيـتُ لتراتيل سمفونيتك

مذ رضعتُ حليبَ الحياة من ثديك

تـَخـَرَّجـْتُ عاشقـًا من مدرستـِكِ

تعلمتُ كتابةَ حروف اسمكِ

من شينٍ الى تاءِ

وأنْ أكتبَ بلونِ دماكِ ...

أسماءَ الشهداءِ

أيا نجمةً في ظلماتي

اليكِ يا مولاتي ....

لا أشكو غربتي وأغترابي

كنتِ وما زلتِ شمس زماني

كنتِ وما زلتِ تستوطنين

كلّ أماكني

أنقذتِ مركـَبي من الطوفانِ

وأطفأتِ ما شَبَّ فيه من نيرانِ .

يبدو أن حجم علاقة الحب والعشق والوفاء الأزلي للشاعر مع مبادئ الشيوعية وأحضانها الدافئة الحنونة قد فاقت كل التسميات والمسميات .

وحتى عنوان القصيدة الذي رمز من خلاله أديبنا للشيوعية بأنها مولاته قد جاءت فيها مشاعره الصادقة والحميمية أوسع معنىً وأكثر من الدلالات الرمزية المعروفة لمفردة (مولاتي) .

ولو كنت مكانه لتركت العنوان مفتوحا كنصه ولأسميتها (سمّها ما شئت ثم أبدأ بمولاتي) .

والبوح الذي ذكره الشاعر هنا، أمّا أن يكون للحبية أو الأم، ولعله قصد الأثنين معا، وربما تحتاج الى آخر وآخر وآخر ... لأن الشيوعية تضم الجميع وتعني كل المسميات النبيلة، فهي الحبيب والأخ والزوجة والأم والصديق وأبن الوطن والجار والثائر .

ولكن غالبا ما يبوح الأنسان بأوجاعه وهمومه وآلامه للأم، لأنها أقرب للإنسان عاطفيا وروحيا، إذ يشعر أن أحضانها بلسما شافيا ودواءً لكل جراحاته وآلامهِ .

ويسترجع الشاعر، ويقول كلما حاولت أن أبوح لك عن عذاباتي، تتساقط أمطارك لتغسل فايروساتي .

وليس هناك وصفا للنقاء أبلغ من الأمطار لأنها طاهرة لم تُلوّث بفعل فاعل، وهي من صناعة الطبيعة والسماء التي ترمز الى السليقة والطهارة والعفوية، لذلك وظفها الشاعر في هذا الموضع لأنها الوحيدة المؤهلة تماما لغسل أبناءها من الفايروسات والتسمم العقائدي والفكري والترهل النظري .

وعندما حاورت الشاعر وسألته ؛ لماذا وأنت الشفاف الوديع النقي تنسب لنفسك الفايروسات !؟

قال : يا سيدي نحن لسنا ملائكة، ودائما بحاجة الى الإعتراف بأخطائنا في كل مجالات الحياة، وإعادة قراءة مواقفنا وجلد ذواتنا يجعلنا دائما على جادة الصواب .

وفعلا لا أحد يسلم من التقصير لكن من يعترف بذلك حقا هو العظيم .

وأرى أن أديبنا لم يكتفِ بجلد ذاته فحسب أنما بات على ديدنه موصولا مستمرا بتواصله مع حبيبته وأمه ومولاته روحا وفكرا وقلبا وقالبا .

إذ لم يغادر قلبه المولع بالعشق نبضاتها ولا نبضاتها تدقّ يوما خارج نبضات معشوقها، ولا هو عرف يوما رداءً غير ردائها .

شذرات الحب، كيفما قالها، بلا وزن أو قافية تخرج قصيدا بالفطرة كالدرّ منتظِما، متيما صادقا شاعرُها لا تنازعهُ بحور الشعر صنعتها ولا خليلا يحتجّ لعروضِها .

وإنْ غابتْ كلّ أنوار العالم أو غُيّبَتْ تبقى مشاعل مدرستها عناوين الطرقاتِ .

لم يخلو موضعا من أماكن أديبنا وفكرهِ إلاّ إستوطنتهُ أنفاس مولاته، التي ما برحت تلازمه رحلة الحياة منذ الرضاع وحتى غربته في أرض الشتاتِ .

خَطَّ الدمعُ  إسمَـكِ

على صفحاتِ ديواني

وما زلتُ أمشي بين الاعشابِ

أركـلُ الزوان بأقدامي

مشيتُ ... فسمّيتُكِ ....

مشينا... فسمّيناكِ ....

أنتِ ...

أنتِ مولاتي ...

يختم شاعرنا الأديب موفق ساوا قصيدته الرمزية الرائعة (أنتِ مولاتي) بإنتفاضة وجدانية وعقلية متنوّرة، بأسلوبٍ أدبي واقعي مؤثر جدا، وغالبا ما كان يكتب بهذا الأسلوب الشاعر والروائي الفرنسي (لويس أراغون) تاركا أثرا كبيرا ومنعطفا واضح الدلالات على الساحة الأدبية والسياسية سيما في روايته (المسافرون على عربة أمبريال) التي وصف من خلالها الطبقات والمجتمعات البرجوازية والأرستقراطية الحاكمة كيف تنهار وتتفسخ في نهاية المطاف .

وقد تضمنت قصيدة (أنتِ مولاتي) هذه الأطروحة في المقطع الأخير .

حيث وقف الشاعر ضد الأفكار الإنتهازية والرجعية التي أسفرت مماحكاتها عن نمو الأجساد الغريبة في المجتمع، والتي وصفها بالزوان، الأعشاب الضارة وغير المجدية، معبرا عن رؤية الأنسان العراقي المثقف الذي يركل ما يقوّض مسيرة الحياة ويعرقل حركات التحرر والتنوير الفكري، متخذا من عقيدته ومبادئه التي ترعرع ونشأ عليها عنوانا وإسما كبيرا يتسع للجميع من خلال عطفه كلمة مشينا بصيغة الجمع على مفردة مشيتُ بصيغة المفرد .

ولا تختفي سريالية القصيدة أيضا عند الدكتور موفق ساوا من خلال مناقشته لموضوعية حتمية عودة العصافير المهاجرة، حيث أمتزج حلمه بالواقع المنشود وهذا ما أكد عليه الشاعر والفيلسوف الروائي الفرنسي  أندريه بروتون في أعماله ونصوصه الأدبية في نهج السريالية الحديثة التي تعتمد الثورة ضد الواقع من أجل تغييره وأعادته الى مساره الصحيح لا الإكتفاء بالأحلام ومحاكات اللاوعي أو محاولة هدمه ورفضه بشكل عبثي وخطى إنتقامية كما فعلت الحركة الدّادائية في الثقافة والفن أثناء الحرب العالمية الأولى في زيورخ / سويسرا .

قصيدة (أنتِ مولاتي) سلكت طرقاً منتظمة وجزلة ومرنة الى حدٍ ما في نظامها التركيبي والصوتي رغم كثافة المفردة وإيحاءاتها المتعددة الدلالات والصيغ .

وذلك قطعا من شروط نجاح النص أن يكون تفاعليا مع المتلقي، متوائما مع الحركات الغنائية للروح ومع تموجات الحلم وإرتعاشات الضمير كما يعبر عنها الشاعر والناقد الفرنسي شارل بودلير .

القصيدة فرنسية بأسلوبها، شرقية بتداعياتها وإرهاصاتها ومناخاتها، لذا هي متماهية مع الفكر الحداثوي في تناول الموضوعات العاطفية والوجدانية بأسلوب علمي ونفسي مكثف ينسجم والذائقة الفنية والأدبية للمثقف الشرقي .

على قدر ما تحمل القصيدة من العواطف الجياشة حملت ما يوازيها أو يفوقها من خطاب الوعي والعقل .

وهذا اللون الأدبي قلما يلتفت اليه الشعراء والأدباء الشرقيون لتأثرهم بالنصوص المترجمة التي تفقد إيقاعها الداخلي وجرسها الموسيقي أحيانا .

وقطعا لا وجود للشعر بدون إيقاع وتناغم كما يقول أدونيس وإن كان ليس هو كل الشعر .

النص عبارة عن سفر لمجموعة من التداعيات والإرتحالات لكمٍ هائلٍ من العراقيين المعذبين والحالمين، كان واحدا منهم شاعرُ القصيدة .

 

ياس خضير الشمخاوي - كاتب عراقي

 

هذا الشاعر العصامي ولد سنة( 1331هـ ـ 1912م) في محافظة ذي قار مدينة الناصرية، وعاش في العراق طيلة حياته الى ان توفي في بغداد عام (ت 1367 هـ ـ 1947م).

كان يعمل موظفا صغيرًا في مالية مدينة الناصرية ويدرس ويتعلم ليلاً، حتى أكمل الثانوية، ثم دخل  كلية الحقوق وتخرج منها عام 1942.

مارس المحاماة، والكتابة السياسية والأدبية في الصحف والمجلات، واتخذ من مجلتي: «الراعي»، و«الهاتف»، منبرًا لنشر مقالاته وأقاصيصه، كما أنه كان يصنف الكتب.

ومن مؤلفاته :

ـ«حالة العمال في ظل الديمقراطية والنازية» - بغداد 1941.

ـ «مجانين النازية» - بغداد 1942.

ـ «وحي البيت الهاشمي» - بغداد 1942، و«فيصل الثاني» - بغداد 1945.

ـ «ذكرى الأفغاني في العراق» - بغداد 1945.

وكان محرر جريدة الحوادث : جريدة يومية سياسية مسائية، تصدر بأربع صفحات، لصاحبها عادل عوني، وقد عرفت باتجاهاتها الحكومية ومعارضتها الاحزاب وتأييدها للبلاط الملكي وسياسته، وهي من الصحف القديمة.

وشعره يغلب عليه التوجع وهو في أخريات أيام حياته، ولكن لم تحفظ انتاجاته الشعرية ما عدا مقطعات تجسد بعض هواجسه بين الحياة والموت ..

وهذه بعض الابيات من شعره :

تعـالـي مـن ربـا بـلـــــــــــــــــدي   أعـيـدي مـاضـيَ الـحـــــــــــــــــــبِّ

ففـي «بحنّسَ» لـي قـلــــــــــــبٌ      حـزيـنٌ دائم النحــــــــــــــــــــــب

فلـم يلقَ سـوى الـــــــــــــــــــوادي   يـنـاديـه عـلى الرحـــــــــــــــــــب

إلى الـمـوت بـلا حـــــــــــــــــــزنٍ   ولا عطفٍ ولا نــــــــــــــــــــــــــــد

تعـالـي برداء الـمــــــــــــــــــــو     تِ وا رحـمـاكِ غطّيـنــــــــــــــــــــي

ففـي دمع الندى غَسْلــــــــــــــي   وبـالآهـات تَلقـيـنــــــــــــــــــــــــــــي     

 وفـي أنشـودة الأحـبــــــــــــــا             بِ لا الأغراب فـارثـيـنــــــــــــــــــي

وإن قـالـوا - مـنِ الـــــــــــــــمَيْتُ؟ فقُولـي - مـن بنـي الطـيـــــــــــــــن

عـلى القبر رعـاكِ اللـــــــــــــــــــ    ـهُ خُطّي آيةَ الـــــــــــــــــــــــــــذكر

بذَوْب الرئة الأحـمــــــــــــــــــــــ    ـرِ مـن صدريَ لا الـحــــــــــــــــــبر

وقُولـي - شـاعـرٌ مــــــــــــــــــــاتَ   غريبًا فـي صـبـا العـمـــــــــــــــــر

تغنّى فـي هـوى سلـــــــــــــــــــــوا   هُ بـالآهـات والشعــــــــــــــــــــــــر

 

اليهودية المحطمة

لا تكذّب أن الـيـهـود وقـــــــــــد زا غوا عـن الـحق معـشـرٌ لؤمــــــــــــــــاءُ

جحدوا الـمـصطفى وآمـنـوا بـالطــــا غوت قـومٌ هُمُ عـندهـم شـرفـــــــــــــاء

عـرفـوه وأنكروه فـظلـــــــــــــمًا        كتـمتْه الشهـــــــــــــــــادة الشهداء

قتلـوا الأنـبـيـاء واتخذوا العِجْــــــــ    ـلَ ألا إنهـم هُمُ السفهــــــــــــــــــــاء

كـيف يـهدي الإله مـنهـم قـلــــــوبًا  حشـوُهـا مـن حـبـيبـه الـبـغضــــــــــاء

ذكره الاديب الاستاذ جعفر الخليلي في كتابه هكذا عرفتهم (جـ1) - مطبعة المعارف بغداد 1963.

و كوركيس عواد في «معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين (جـ2) - مطبعة الإرشاد - بغداد 1969.

و في مقدمة ديوان جميل أحمد الكاظمي المعنون: «آيات الولاء والإخلاص».

وقال عنه العلامة الشيخ عبد المهدي مطر (قدس سره) في كتابه ذكرى علمين من ال مطر المطبوع سنة 1957م في النجف الاشرف، ص 52 :

هو كاتب مبدع تنشر له الصحف مقالات ساحرة،فهو مفخرة شباب بلدة الناصرية .

وذكر له المرحوم الشيخ في كتابه المذكور كلمه التأبينية بذكرى رحيل الفقيد العلامة المجاهد الشيخ عبد الحسين مطر الخفاجي) كتبها الشاعر عبد المحسن القصاب في بغداد بتاريخ 29|4|1944م،وهذا نصها :

المؤمن البطل

من الاباء الثائر على الظلم والاستبداد

ومن الحق المدوي في ميدان التضحية والجهاد

ومن العزم العاصف في أودية الكفاح والجلاد

ومن الايمان بالله ومولات بيت الرسول

صاغت الانسانية (الشيخ عبد الحسين مطر)

فهو مثل رائع من امثلة الانسانية، وهو دليل من ادلتها العقلية، وهو مشكاة من مصابيح هدايتها ونفحة من روض وجدانها . ولم يكن فقده فقد أمرئ جاء وراح  كما تجيء وتروح الحياة لم يغرف منه الا وجوده المادي والا حيزه الذي يشغله في الفضاء البشري، بل كان فقده فقد ضمير طاهر وفقد مجاهد صابر وفقد وطني ثائر، فاذا تأوهت الرجولة  لفراقه فإنما تتأوه لعضبها المثلوم واذا تألمت الهداية لبعده فإنما تتألم لقلبها المكلوم واذا بكت العدالة لغيابه فإنما تبكي حقها المهضوم وهكذا فليكن الانسان، له في تأريخه الحياتي مكان مرموق وجانب مرهوب وحب ندي تتلقفه القلوب بالتقدير قبل الالسنة وتحببه الضمائر بالإجلال قبل الايدي .

  وله في تأريخه الازلي ذكر زاهر بالعمل المجيد وحديث مشرف بالموقف الحميد يبلى الزمان ولا يبلى وتفنى الاحداث ولا يفنى . ومن جاء بين بطنه وانانيته وجهله وسذاجته والحاده واشراك عقيده فقد عاد كما لفظته الحياة هو والسائمة يستويان .

   أيها الحفل الكريم

 أتريدون ان ادلكم على المسلم في سبيل الله .

  أتريدون ان ادلكم على كفاح العربي دون شرفه وعرضه .

  أتريدون أن أدلكم على تضحية المؤمن في سبيل الحق والعدل .

 ثم أتريدون ان تعلموا كيف حياة الانسان هاكم ما تريدون .

هاكم الرجل الغاضب لكرامته ينفر كما ينفر الليث فيحمل دمه بكفه وروحه على شباة سيفه ويقذف نفسه في معمعان ( الشعيبة ) و(مجينية ) و( ام الملح ) و( الزوير) ومواقف اخرى والرصاص يحصد النفوس والقنابل تفلق الهام والبطولات تزوغ تحت النار والبارود فلن تلن له قناة ولم يهن له عزم ولم تخر له همة يطلب الموت والموت خائف مذعور ولم يعد الا والدنيا تهتف له :

ولا تحسبن المجد زقاً وقينــــــة            فما المجد الا السيف والفتكة البكر

وتفليق هامات الرجال وان ترى            لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا درباً كأنمــــــا            تداول سمع المرء  أنمله العشـــــر

وهاكم الرجل الثائر لوطنيته يهب كما يهب الريح العاصف يوقظ العزمات في النفوس الغافية على شطان الفرات ويثير الحميات في الصدور المعتلجة بالألم والبأس بين بطاح الشطرة والناصرية لم يخفه التهديد ولم يروعه الوعيد له من الشهادة في سبيل حرية بلاده حياة خلدة أزهى من حياة الذل، وله اراقة دمه في سبيل استقلال امته سعادة الذ من شقاء الهوان حتى كان ما كان من هذا الكيان الوطني وهذا الحكم الشعبي وحتى بقى تاريخ الفرات يهتف اناء الليل واطراف النهار .

  ولايبنى الممالك كالضحايا      ولا يحيي الحقوق ولا يحق

  وللحرية الحمراء بــــــاب      بكل يد مضـــــــــــرجة تدق

وهاكم الرجل الناقم على ظلم اهله وعشيرته يمور في عروق شيخوخته  دم الفتوة الغلاب بين الناصرية وسوق الشيوخ لا داعيا لعصبية مذهبية كما قيل ولا لأطماع  اشعبية كما يتوهم بل مناديا للحق والعدل والمساواة يحفزه ضمير المؤمن وتشجعه عقيدة الانسانية، وبين المنفى والتشريد وبين المطاردة والتبعيد يردد لسانه بفخر .

امطري لؤلؤاً جبال سرنديب         وفيضي اباراً تكرور تبرا

انا ان عشت لست اعدم قوتاً        ولئن مت لست اعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي          نفس حر ترى المذلة كفرا

هاكم هذا الرجل في صورة البطل . وهاكم رجل الدين في صورة المؤمن، وهاكم الشيخ الروحي في صورة المجاهد الوطني ثم تذكروا انه واحد وانه لم يكن غير (الشيخ عبد الحسين مطر).

رحمك الله يا ابا (المهدي).

  لقد كنت للوطنية نبراساً وللكرامة دليلا وللإيمان مشكاة وللبطولة فيصلا وكما كنت في حياتك ستبقى بعد مماتك درساً للشباب في التضحية والمغامرات وما مات مثلك من له هذا الذكر .

 

بقلم |مجاهد منعثر منشد

 

alaa allamiهذه سلسلة من المقتبسات الطريفة والمعبرة عن زمانها وناسه، من كتاب "بغداد العشرينات" لعباس بغدادي. صدر هذا الكتاب في تسعينات القرن الماضي، وقد كتب مقدمته المهمة الروائي الراحل عبد الرحمن منيف (الذي يمت بصلة قرابة للمؤلف، وأظن أن هذا الأخير خاله مع أن عبد الرحمن  لم يصرح بذلك بوضوح كاف). وهو من الكتب المهمة والنادرة التي توثق لشخصيات ومعالم وأحداث مدينة بغداد العشرينات وما بعدها. سأحرص على تقديم هذه السلسلة من المقتبسات المختصرة كما هي مع مراعاة العرض التحريري  والتعليق التوضيحي أحيانا، تاركا لكم الاستمتاع أو التأويل أو كليهما:

- تعددية فكرية؟! (إبراهيم حلمي العمر الصحافي البارع الذي كان يكتب ثلاث مقالات في اليوم الواحد ينشرها في ثلاث جرائد تختلف في سياستها الواحدة عن الأخرى. الأمر الذي ينم عن قابلياته المدهشة، فعلى أولاده وأحفاده واجب تعريف الناس به).

- (الصحافي ميخائيل تيسي صاحب جريدة "كناس الشوارع" أقيمت عليه دعوة "التجديف" بالدين لأنه استعار العبارة القرآنية" قاب قوسين أو أدنى" بجملة "قاب مكنستين أو أدنى").

- (الصحافي داود العجيل صاحب جريدة "البدائع" المعارضة للإنكليز والانتداب البريطاني والذي انتهى أمره بأن يكون موظفا في علوة المخضر بالكاظمية).

- (الشاعر رشيد الهاشمي الذي أدخلته الحكومة إلى مستشفى المجانين لأن أشعاره في الحكومة القائمة والإنكليز لا يقولها إلا المجانين كما تدعي).

- (كمال نصرت الذي كان يلقب بشاعر البؤساء فقد انتهى أمره بأن يعين وبالواسطة كاتب أضابير في بلدية الكاظمية، وبراتب قدره ستة دنانير شهريا، ومع هذا فقد فصل كمال من هذه الوظيفة التافهة بحجة انه غير كفء لها وكأن من يراد لشغل هذه العملية البسيطة أن يكون ذا ثقافة عالية وتكنولوجيا متقدمة).

- عبد  الكريم الشيخ علي هو أول من ترجم ملحمة كلكامش العراقية شعراً، ومن الطريف أن عبد الكريم تخرج من جامعة لندن في موضوع (الكنسروة = التعليب؟) ومارس تعليب الأثمار مدة ثلاث سنوات في معامل إنكلترا، ثم استدعي إلى بغداد بعد كل هذه الدراسة والخبرة وصدر أمر تعيينه معلما في مدرسة باب السيف الابتدائية!

ومن شخصيات بغداد القديمة الطريفة يعرفنا عباس بغدادي على (جسام أبو الهبزي: والذي كان يدعي بالمراجل والشقاوة " الفتونة". فكلما تحصل جريمة قتل يتردد جاسم على المقاهي ومراكز الشرطة  ويسأل إن كان قد ذكر اسمه في قائمة المشبوهين. وقد نال من التوقيف والضرب ما لم ينله أحد ويساق إلى المحاكم ولكنه يخرج بريئا لعدم وجود دليل عليه. ولكنه لم يرتدع بل يعود إلى ادعاءاته إلى أن تم توقيفه في حادث مقتل أحمد شنان في باب الشيخ حيث أوقف لمدة سبعة أشهر فتلقى من العذاب ما جعله يتوب توبة صادقة، اعتكف بعدها في بيته وقضى نحبه).

- وعلى (أحمد بنية : كان يلبس آنذاك العرقجين "قلنسوة على الرأس" ويرمي اليشماغ بإهمال على كتفه الأيمن، ويمشي مسرعا في شارع الرشيد باسما ومتلفتا ذات اليمين وذات الشمال، يسلم على الناس أو الناس تسلم عليه، وحين يسمع عبارات من قبيل (استريح أبو شهاب) فجوابه الدائم (لا والله عندي شغل مهم)، ولكن الحقيقة أن لا شغل لديه. وكان يتواجد بالقرب من محلات وقوع الجرائم داعيا من الله أن يُتهَم، ولكنه لم يُتهم وقد يبالغ في بعض الأحيان ويقول واليشماغ في يده (والله ما كو شي، بس جرينا أذنه). والناس يعرفون أن لا صحة لكلامه ومع ذلك فقد كان محبوبا لم يشتهر عنه أنه آذى أحداً أو اعتدى عليه).

- عرب أبو الكهوة: هو صاحب مقهى باب المعظم وكان نفاجاً نفاخاً، لا يدعي البطولات والشقاوة " الفتونة" ولكنه يدعي بالحلول السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يقدمها لكبار القوم. فيقول مثلا إنه كان مدعوا للعشاء عند الملك فيصل الأول وقدم له نصائح في حكم العراق. أو أن المندوب السامي البريطاني هنري دبس قد زاره في منتصف الليل وشرب عنده الشاي . أو أن المس بل (بل غيثرود سكرتيرة المندوب السامي البريطاني) قد عشقته وراودته عن نفسها، ولكنه رفض ذلك بكل أباء احتراما للحجي ناجي (الاسم الشعبي في العراق للمستعمر البريطاني). وكانت هذه الأحاديث الفكهة تجعل مقهاه منتدى لكثير من الأدباء والظرفاء. وبحديثه المعسول جلب الناس إليه وكثر المريدون.

ويعرفنا عباس بغدادي في كتابه " بغداد في العشرينات"  على شيخان العربنجي: وهو أشهر عربنجي في بغداد حتى الخمسينات. اشتهر (بالزيق = العفطة) يخرجه من فمه. وهو من مواليد قرية سركلو في لواء السليمانية وكان ميسور الحال ومن عائلة طيبة ولكن الزمن جفاه ونكبه بماله وعياله، فجاء إلى بغداد في أوائل العشرينات. وكان من مريدي الطريقة "الصوفية" الطالبانية في منطقة الميدان. وأصبح شاطرا جدا في إخراج " الزيق" من فمه كما اشتهر بذلك جعفر العسكري رئيس الوزراء حين ذاك. ولما كان شيخان العربنجي قد عرف الشاعر الكردي الكبير الطالباني واشتهر بشعر الهجاء باللغات العربية والكردية والفارسية والتركية وتعلم منه أن الحياة لا تساوي شيئا وأن الدنيا فانية وأن عقوبة نكد الزمان هو الاستهتار بالزمان. وكان الناس يتحرشون به ويسخرون منه ولكنه قال لي – الكلام للمؤلف-  (أنا الذي أسخر منهم ومن دنياهم، فها هي ابنتي متزوجة من أحد الضباط  المعروفين في بغداد  ولكني أرفض أن ألقاه وأرفض أي منة من أي أحد) وكان شيخان يرفض أن يأخذ أي إكرامية زائدة عند نقل الناس في العربة. يضيف  المؤلف عباس بغدادي (ولما سألته حين حين بدأنا في الافتراق ما هو موقفه مني، أجابني بزيق طويل من زياقته المشهورة، رحمه الله، فقد مات فقيرا ودفن في مقبرة باب المعظم باعتباره غريبا من الغرباء).

- أما عباس حلاوي فعمل كمعلن عن أفلام سينما سنترال قرب تكية البدوي ومن أقوله الطريفة التي كان يصيح بها (الليلة عندنا تبديل ... أربع مناظر ... ستة أدي بولو ... اثنين طرزان ... اثنين جاكي كوكان... (مسلسلات سينمائية كانت تعرض ذلك الزمان) وكان يساعده حسقيل اليهودي أبو البالطوات "بائع المعاطف" والذي يشتغل بعد ذلك بتقديم الفصول الهزلية التي كان يقدمها جعفر آغا لقلق زاده في ملاهي بغداد. وكان عباس حلاوي يركب العربة مع جوقة من الأولاد الصغار وقد صبغ وجهه بالأحمر والأخضر للإعلان عن أي شيء أو بضاعة مصحوبا بالتصفيق  ويختلق البستات والأغاني ووراءه الصبيان مخترقين شارع الرشيد من ساحة الميدان إلى حتى شارع باب الشيخ. وقد استخدمه البعض للسخرية من أحد الناس المعروفين بغرض التشهير وقد نجح في المرة الأولى حين شهر بأحد التجار  ولكنه في المرة الثانية وقد شهر بأحد الروزخونية " الملالي" فنال جزاءه ونقل إلى المستشفى لمداواة جروحه ولم يعد إليها ثانية بل لم يرَ وجهه في بغداد مرة أخرى اختفى وإلى الأبد.

يتبع

 

 

diaa nafieأصدر احد الزملاء في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد مرة كتابا، ونشر صورته الشخصية على الغلاف الاخير للكتاب وتعريفا بنفسه، وأشار الى انه – (استاذ الادب المقارن في جامعة بغداد). تناقشت معه حول هذه الجملة، وقلت له اننا لا نقوم بتدريس هذه المادة العلمية في قسمنا، ولا تقوم الاقسام العلمية الاخرى في جامعة بغداد بتدريسها ايضا، فكيف سمحت لنفسك ان تكتب هذه الجملة المنافية للواقع وغير الحقيقية بتاتا على غلاف كتاب لك صادر في بغداد؟ ضحك صاحبنا دون مبالاة، وقال لي – (انها كلمات عامة ولكنها تمتلك رنينا خاصا)، ثم أضاف – (ومن الذي سيدقق مثلك في هذه الكلمات !). تذكرت حديثنا هذا (الذي جرى قبل حوالي ثلاثين سنة في اروقة جامعة بغداد) وانا اتناقش مع احد الاصدقاء في موسكو قبل فترة قصيرة حول ذلك الزميل المذكور، اذ أكٌد لي هذا الصديق ان فلان الفلاني هو استاذ الادب المقارن في كلية اللغات بجامعة بغداد، وعندما قلت له ان هذا الامر ليس صحيحا، اجابني انه يمتلك (وثيقة!) حول ذلك، وال(وثيقة) هذه هي كتاب صادر في بغداد لفلان الفلاني نفسه، وهو يذكر ذلك على الغلاف الاخير من الكتاب.

مادة (الادب المقارن) لم تدخل ابدا ضمن مناهج التدريس في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد منذ تأسيسه بتاريخ 1 / 12 / 1958 ولحد الان، ولم تكن هذه المادة موجودة ايضا في الاقسام اللغوية الاخرى لجامعة بغداد كافة حسب علمي المتواضع، بما فيها اقسام اللغة العربية، رغم انه قد تم تدريس مادة (الادب العالمي) في بداية السبعينات في قسم اللغة العربية في كلية الاداب بمبادرة من قسم اللغات الاوربية في حينها واستمرت سنتين فقط والغيت. ولا يمكن اعتبار هذه المادة العلمية طبعا بديلا عن مادة الادب المقارن، الذي يجري الحديث عنها في هذه المقالة .

 كان الباحث عبد المطلب صالح (وهو خريج الجامعات الفرنسية) من ابرز المثقفين العراقيين في مجال الدراسات في الادب المقارن، واصدر عدة كتب (منها – مباحث في الادب المقارن / دراسات في الادب والنقد المقارن / موضوعات عربية في ضوء الادب المقارن / دراسات ادبية مقارنة ...) ونشر المقالات حوله، واقترح مرارا تدريس هذه المادة في الجامعة، الا انه لم يستطع تحقيق هذا الحلم العلمي الجميل . وكان لدينا استاذ في قسم اللغة الفرنسية اسمه الدكتور قنبر الطويل، والذي كان قد كتب بحثا ونشره في مجلة كلية اللغات حول الادب المقارن والذي تحدث عن ضرورة تدريس هذه المادة، وظل طويلا يتحدث عن ذلك ولكن دون جدوى . وبرز في قسم اللغة العربية في كلية الاداب استاذ نشر الكثير من المواد العلمية حول الادب المقارن (منها كتاب دراسات في الادب المقارن التطبيقي) وهو الدكتور داود سلوم، ولكنه لم يستطع ايضا ادخال هذه المادة ضمن المناهج العلمية للقسم، وربما توجد محاولات اخرى في هذا المجال، الا انها لم تنجح مع الاسف، ومنها اقتراح تقدمت به شخصيا الى كلية اللغات لتأسيس مركز او وحدة ادارية خاصة للدراسات العليا في مجال اللغات والآداب المقارنة، ووضعت النقاط الاساسية فيه، ومن جملتها ان يكون القبول لخريجي اقسام اللغات الاجنبية حصرا، وان يكون للطالب مشرفان – واحد متخصص بتلك اللغة الاجنبية وآدابها والثاني متخصص باللغة العربية وآدابها، وان يكتب الطالب اطروحته باللغة العربية في موضوع مقارن . واذكر ان الحديث عن هذا المقترح قد توسع جدا لدرجة، اننا رشحنا الدكتور عناد غزوان كي يكون رئيسا لهذا المركز، الا ان هذا المقترح بمجمله لم يتحقق مع الاسف .

سنحت لي فرصة السفر الى كلية اللغات بجامعة صنعاء عام 2001 للتباحث معهم حول امكانية تاسيس قسم للغة الروسية، وتم تكليفي لالقاء 8 محاضرات في مادة الادب المقارن في قسم اللغة العربية هناك (بمعدل ساعتين اسبوعيا لمدة شهر)، وكان من الطبيعي ان تتضمن محاضراتي الموضوعة العربية في الادب الروسي وانعكاسها في نتاجات بعض الادباء الروس بحكم اختصاصي في الادب الروسي، وقد تقبل الطلبة هذه المحاضرات بحماس وساهموا في المناقشات بحيوية ونشاط بعد كل محاضرة، وذلك لان الموضوع هذا كان جديدا بكل معنى الكلمة لهم، ولكني (اكتشفت!) في نهاية الفترة القصيرة تلك ان ادارة القسم كانت ترغب ان اتناول في محاضراتي ليس فقط الادب الروسي وانما كل الاداب العالمية في اوربا وغيرها، وهو شئ يتنافى طبعا ومفهوم الاختصاص العام و الدقيق في اطار العمل الاكاديمي في الجامعة، وقد فهمت - اثناء عملي لمدة شهر هناك - عدم وجود تفاصيل علمية واضحة و محددة لمفردات مناهج تلك المادة، ولا التخطيط الدقيق لاهدافها، ولا الاشارة الى مصادرها العلمية ...الخ، ولم ارغب الدخول آنذاك في تفاصيل ذلك معهم انطلاقا من المثل المعروف – يا غريب كن اديب.

ان مادة (الادب المقارن) تستحق فعلا التوقف عندها، والتفكير بادخالها ضمن مواد التدريس في الاقسام العلمية بكلية اللغات فقط، شريطة ان يقتصر كل قسم بتدريس الجزء الخاص بقسمه، كي تكون المادة العلمية تلك محددة ومرتبطة بشكل دقيق بادب اللغة التي يقوم القسم بتدريسها حصرا، اما تدريسها بشكل عام استنادا الى كتب موجهة الى القراء ليس الا(مهما تكن هذه الكتب عميقة ورائعة وواسعة)، فان ذلك يتعارض مع البنية العلمية في الجامعة، لان ذلك يلغي مبدأ التخصص العام والدقيق، وهو النهج الذي تقوم عليه الجامعة منذ بداياتها ولحد الان .

اتمنى ان تناقش اللجان العلمية في كلية اللغات بجامعة بغداد هذا الموضوع من كل جوانبه، وان تصل الى توصية علمية وموضوعية بشأنه.

 

abdulelah alyasriإلتقيته لقاءات كثيرة، ولكنّي سأقصر القول إيجازاً على أهمّها نوعاً، وأغناها دلالة.. إلتقيته أوَّل مرَّة ربيع سنة 1968م، في القاعة المحليّة بمدينة كربلاء، حيث كان هو حينئذٍ مُدرِّساً عضواً في لجنة أدبية، قد فُوِّض اليها الحكم، على مباراة بين طلاب ثانويات محافظة كربلاء؛ وكنت انا حينئذٍ طالبا، في الخامس الثانوي، أنتظر شوطي مع الطلاب الشعراء المنتظرين أشواطهم، في تلك المباراة الشعريّة السنويّة التي تأهّلت لها مُمثِّلاً ثانويات مدينة النجف (1). وقبل أن أدخل القاعة، وأتخذ مقعدي جوار ثلَّة من رفاقي الأقربين؛ فكّرت مليّاً بما يُتداول من قصص، حول الصراع الكربلائي ــ النجفي، الذي كان يبدأ بالأهازيج الشعرية، في المناسبات الدينية، ثم ينتهى بشفار السلاح الأبيض. وخشيت أن ينعكس ذلك، على قرار لجنة التحكيم الكربلائية؛ فأخسر الرهان، وأعود خائباً الى مدرستي التي أمست سمعتها الأدبيّة ديناً في ذمتي. وفجأة طفق الجو الكربلائي الهادئ المعتدل يعصف ببيارق أملي، وبدأ الورد النديّ المصطف على جانبي مدخل القاعة يشوك واخزاً همّتي. يالنحس الطالع!، وياللهزيمة!. كاد قلبي يبلغ حنجرتي تطيّراً؛ لولم يُرسّخ قدمي استاذي المشرف(2)، حين قال لي: "جئنا لنشارك إثباتاً لوجودنا، ولم نجئ لنفوز". ثم أذاع عريف الحفل فقرات البرنامج، وسبقني بضعة شعراء الى منصّة المسرح، وقد استقبلهم مؤيدوهم، من الجمهور المكتظ، داخل القاعة وخارجها، بعواصف من التصفيق والتشجيع؛ وإن لم يظهروا من جيّد الشعر ما يدعو الى كل ذلك الحماس المفرط إلا شاعرا كربلائيا واحداً، هزّ القاعة بقوة قصيدته هزّا، وأطربني شعره الغزليّ حتى اني، من فرط طربي، نسيت أنه غريمي، وانطلقت ـ من حيث لا أدري ـ أصفّق له معجباً. وكيف لا، وقد أرتني أبياته الجميلة ما أرتني من مفاتن حوّاء؛ وأنا لمّا أبلغ الثامنة عشرة من عمري بعد؟. ولم أعِ أن هذا الشاعر المُجيد حقّاً، هو أحد طلاب الأستاذ محمد علي الخفاجي، عضو لجنة التحكيم إلا بعد حين من الزمن. وتلاه شوطي مباشرة. وكان توقيتاً محرجاً بريئاً أوغير برئ. وياله من توقيت!. على اية حال خرجت الى الجمهور بلا ورقة، كما يخرج الفارس للمبارزة وهو أعزل. وأتممت إنشاد قصيدتي الموسومة بـ (الجراح تتكلم) استظهارا؛ وقد تعمّدت ذلك الإستظهار، لأفرز نفسي عن الشعراء الآخرين تنفيذا لوصيّة مدرّبي(3). كان مطلع القصيدة:     "دمٌ غلَى بعروقِ الحقِّ فالتهبا ــــ ناراً مُسعَّرةً تستنهضُ العرَبا"            وكان موضوعها فلسطينياً ساخناً، مثيرا كلّ الإثارة في ذلك الوقت؛ إذ لم تمضِ على (نكسة 6 حزيران) العربية سوى تسعة أشهر. لذا نكأ مضمون القصيدة القلوب المقروحة، وصرفها عن همومها المحلية الخاصة إلى الهمّ القوميّ الأعم، وساد القاعة شرار من التضامن الأخوي حلماً بنصر قريب. وما إن أعلنت اللجنة النتيجة، مُجيزة قصيدتي بالرتبة الأولى (4)، وانفضَّ الأساتذة مع أَفرقتهم خارجين؛ حتى بوغت فريقنا النجفيّ الصغير بكفّ فتيّة تصافحنا. وبصوت جهير يهنئنا بالفوز، مستئذناً بنشر القصيدة. إنه الشاب الكربلائي الأستاذ الخفاجي. ولم يقف عند هذا الحدّ من الأريحيّة وكرم الخُلق؛ بل جازهما بمرافقتنا، الى موقف الحافلة التي كانت تنتظرنا، لتقلّنا الى حيث نقيم.. كان مغتبطاً حقّاً. ولم تكن أستاذيته لتمنعه من أن يغبط تلميذاً على قصيدة، ويترنّم ببيت استحسنه منها:                  "فياسمائي أحيلي الشمس عاصفة ــــ تطوي الغزاة تدقّ الرأس والذنبا"           قد آن لي، بعد هذا كله، أنْ أشهد الآن أنَّ تلك النزعة المحلية التي رابني منها هاجس؛ لم تكن لتؤثّرعلى شخصيتة الوطنية الفنيّة. لقد كان مرتبطا فعلا بمدينته كربلاء، ومشغوفا بحبّها وحب أهلها؛ ولكنّ ارتباطه بوطنه العراق وبشعبه كان أعمق وأوثق. وهذا الإرتباط العميق الوثيق هو الذي صان قراره من أن يحيد عن العدالة والحق. ولقد كان ملتزما كذلك بمسؤولية تربوية محكومة بشروط رسمية. ولكنّ التزامه بحريته الفنية كان أقوى وأبين. ولهذا كان يجمع بين التزامين: التزام بواجب المهنة، والتزام بحرية الفن. واذا كان التزامه المهني جبراً؛ فانّ التزامه الفني اختيار. وهذا الإختيار الواعي هو الذي ماز شخصيته بالصدق، وبثبات الموقف، من بعد، في مواجهة سلطة الدم والقمع والإستبداد .. مضت سنة وبضعة اشهر، على وعده بأن ينشر لي قصيدتي، ولم يتحقّق شئ مما وعد. وما وعدني به، ظننته ضرباً من المجاملة العراقية التي لاتعني الكلمة فيها المعنى الحقيقيّ دائما .. وفي ظهيرة من ظهائر الشتاء البغداديّ المشمس الجميل من سنة 1969م، خرجت من الكليّة مجهودا. أطوي الخطى قاصدا (المكتبة الوطنية)، لأستريح عندها من عناء دروس السنة الأولى الجامعية الثقيلة الرتيبة؛ وأستنفد مابقي لي من الوقت الفائض في مطالعة المجلات الدورية، والصحف اليومية. وبينما أنا جالس أتصفّح مجلة (الأديب) الشهيرة؛ واذا قصيدتي (الجراح تتكلم) على أحدى الصفحات(5). لم أكد أصدّق ما رأت عيناي. ولم تريا إلا الحق الذي لاريب فيه. فاجأني نشر الأستاذ الخفاجي قصيدتي كلّ المفاجأة؛ لكن ما فاجأني أكثر، هوشخصيتة التي طابقت أقوالها افعالها مطابقة، تكاد تكون استثناء، في مجتمع موصوف بازدواج الشخصية في السلوك. وإذا كانت القصيدة قد عكست موقفي التقليدي السطحي المشبوب بثورة عاطفتي القومية، بازاء القضية الفلسطينية؛ فإن نشره إياها تطوّعاً، لم يكن انعكاساً لسطحية تقليد أو انفعال عاطفة؛ وانما كان موقفا ادبيا مسؤولاً، وفكرا ثقافيا واعيا، لم يعودا بسائدين، في ميدان الأدب والثقافة، بعد أن استولى (حزب البعث)، على الحكم في العراق صيف سنة 1968م، ودجّن أغلب المثقفين ترهيبا وترغيبا. ومن لم يستطع تدجينه كاستاذنا، اضطهده وأدانه وأقصاه. لذا تهمّش المثقف الأصيل الصدوق، وتصدّر المثقف الفارغ المنافق اهم المؤسسسات الثقافية في الدولة. وكان ماكان من الإنتكاس الثقافي العراقي الذي لم يكن نتيجة لغياب المثقفين؛ وانما لحضورهم ضمن قيود سلطوية وشروط حزبية. ولهذا أجللت في أستاذنا موقفه وفكره؛ لأنه لم يقبل بتلك الشروط، ولم يخضع لتلك القيود... والتقيته مرة اخرى شتاء سنة 1970م، في قاعة الحصري بكلية الآداب ببغداد، في امسية شعرية. إنعقدت برعاية وزير الإعلام (شفيق الكمالي) إحياء لذكرى الشاعر (السياب)، وتميزت عن سواها من الأماسي الشعرية السابقة المنعقدة في نفس المكان، بازدواج المشاركين فيها من داخل الكلية ومن خارجها. وقد شارك أستاذنا بقصيدة، وشاركت معه بقصيدة كذلك. وعندما انتهت الأمسية السيابية، هبّ معظم المثقفين الى المقاعد الامامية، وهم يتدافعون حافّين بالوزير حفَّ الفلك بمحوره. وانسحب الشاعر الخفاجي، مع نخبة قليلة من ذوي الوعي وذواته إلى الرواق الجامعي خارج القاعة بحثا عن نفحة نقية من الهواء الكانوني في ليل بغداد القارس. قال لي بصوته الجهوري المتميز:"كلما زرت كلية التربيةــ ياعبدالإله ــ تعمقت غربتي بين الطلاب والطالبات، واشتدت حاجتي الى صديق يرافقني مثلك. " (6)ولم تمضِ إلا بضع سنين على كلماته هذه حتى تعمقت غربته اكثر. ليس بين طلاب (كلية التربية) وطالباتها وحسب؛ وانما بين المثقفين المتبعثين، لاسيما قائلو الشعر المتنافسون على العطايا والمناصب والشهرة يوم انقسم الشعراء العراقيون، في نهاية السبعينيات، الى حكوميين خاضعين مهرجين، يمجدون الجلاد ويزدرون الضحية؛ لأنهم بلا ضمير. والى وطنيين مقاومين صامتين، أبقوا على ذممهم محتملين أذاه وعسفه؛ لأنهم ذوو ضمير. وما كان شاعرنا واستاذنا الخفاجي الا ذا الضمير الحيّ حتى رحيله في 17 ــ 12 ـ 2012م، ولهذا سميته شاعر الضمير. والرهان معقود، في ساحة الصراع الإجتماعي، على ضمير الشاعر لا على شعره؛ لأنّ القصيدة قد تقلب الخير شرا والشر خيرا. ومتى يرضَ الشاعر أن يبيع ضميره في سوق الحكام المجرمين؛ تكن أية مهنة مهينة في الحياة هي أشرف من مزاولته الشعر.. . والتقيته، في يوم قائظ أواخر السبعينيات، وحيدأً سائحاً بين الكتب، بشارع المتنبي ببغداد؛ فتفاجأت به حرّاً طليقا، وتفاجأ بي حرّاً طليقاً. كأننا رفيقان سجينان، قد فرّا من سجنيهما، فالتقيا صدفة، في وطن غير وطنهما، وبين قوم غير قومهما.. وشرعنا نبوح بما في صدرينا من هموم ثقيلات، باحتراس وحذر شديدين. ولم نُعرّج على الشعر طول الطريق(من شارع المتنبي حتى الباب الشرقي) إضراباً عنه ونسياناً له أو تناسياً؛ إِذ أطمع فينا السلطان، وأصارنا هدفاً لرماته. ثم تداولنا مصائب مهنتنا التعليمية، وما آلت اليه حال التعليم من هزال، بعد أن جعل الحزب الحاكم سير االمعلمين والمدرسين في ركبه شرطاً لإستمرار حياتهم اليومية. وبعد أن نصّب التلاميذ فيما يُدعى بـ (الإتحاد الوطني) في المدارس حكّاماً على أساتذتهم وزملائهم، وجواسيس يشون بهم الى منظماته السريّة. وبعد أن أكره أساتذة الجامعةعلى أن يتنازلوا عن عقولهم، وألا يفكّروا إلا بعقله الواحد. ولم نكد نفهم كيف يستطيع ان يحيا ذو الفكر مالم يكن عقله حيّاً وحرّاً؟. وأيقنا أنْ لم يعد لنا من مكان في التعليم، ولا حتى في أرض العراق الغنيّة الواسعة. ثم انعطفنا من شارع (ابو نواس)، الى شارع (السعدون)، وقد طال بنا المقام جالسينِ؛ ونحن نحاذر الرقباء محاذرة الحمائم حبائل الصيادين. ومازلت أذكر آخر ماقال لي وهو يقاوم وجع جرح عميق:"لن اتنازل عن قيمتي في الحياة. وليعتقلوني، او ينقلوني، أو يفصلوني. ماذا يستطيعون أن يجعلوني؟أيّ شئ هو أرحم من ان ينضمّ الإنسان الى القطيع المساق.. وتعانقنا عناق جنديين ينزفان في ساحة المعركة. لايريان غيرالدماء والأشلاء، ولايسمعان غير دويّ الأسلحة، ولا يرجوان غير سلامة الوطن. ولم أكن أحسب ذلك اللقاء وداعاً بيننا. بل حسبتنا سنلتقي بعد أن يزول الكابوس السياسي الجاثم على صدر العراق. وقد زال فعلاً، لكننا لم نلتقِ؛ لأن الحاكمين الجدد الذين جئ بهم الى بغداد، بغفلة من التاريخ في سـنة 2003 م، قد أعادوا الكابوس نفسه بقناع آخر، وحالوا بيننا والوطن. ولئن زعموا أن شاعرنا واستاذنا قد مات؛ فقد كذبوا. هيهات منه الموت. لن يموت شاعر الضمير. ألا انّهم هم الميتون هوناً وفساداً.

 

.................................

(1) كانت مدينة النجف يومذاك تدعى (قائمقامية النجف). وهي تابعة إداريا لمدينة كربلاء التي كانت تدعى هي الأخرى (متصرفية كربلاء). (2) هو مدرس اللغة العربية الشاعر الأستاذ زهير غازي زاهد(الأستاذ الدكتور حاليا). (3)هو الشاعر الخطيب الشيخ عبد الصاحب البرقعاوي الذي أوكل اليه استاذي زهير غازي زاهد مهمة تدريبي على فن الخطابة قبيل موعد المباراة بأيام. (4) كوفئت على القصيدة كاسا من يد المحافظ السيد جابر حسن حداد وديوان شعر للمتنبي من يد رئيس بلدية كربلاء السيد صادق الخطيب مع إهداء بخط يده في 28/3/1968م . (5) مجلة الأديب ــ ديسمبر1979م ــ الجزء 12 ــص40 ــ بيروت ــ لبنان. (6)كلية التربية هي دار المعلمين العالية سابقا. وقد ألغتها الحكومة في 1969م، لكثرة المعارضين فيها لسياستها الإستبدادية مستبدلة اسم بنايتها باسم كلية الآداب.

 

abdullh abasاذكر الاخوه القراء إني نادراً ما اتوجه لكتابة رأي حول مايحصل في بلدنا ومنطقتنا الى كلمات معقدة ولغة تفلسف وتلاعب بالمصطلحات، بل اكتب باللغة البسيطة واتوجه لامثله تاريخية لتجارب مجتمعنا و ابدي بعد ذلك راي حول الموضوع الذي اتطرق اليه، وهكذا الان  في مناقشتي لتعليق الاخ القارئ (جمال مصطفى) الذي علق على الجزء الاول من هذا الموضوع :

من هنا، نقلب صفحات احداث، يتذكرها العراقيين، ونقرأ صفحات احداث اطلع علية العراقيين اولاً واحداث حصلت في حياة  البشرية في كل القارات وتركت اثار عميقة ..!!

• في مارس 1935 تأسس اول حزب شيوعي في العراق، واعلن انه يناضل من أجل ان يكون وطن حراً وشعب سعيداً، ويخرج (الانكليز) الاستعمار من العراق، ودخل الشباب المتعطشين للحرية والكرامة والطامعين ان تكون ثروات البلد لابناء البلد وهو طريق لـ (وطن حر وشعب سعيد) .. لم يكمل الحزب  عقده الاول من عمره حيث اعدم ثلاثة من قادتة المناضلين دون ان يرون تحقيق ابسط هدف من اهدافهم وتركوا احلامهم للذين اضطر الناس تسميتهم بـ (اولاد الخايبة) اذ القت السلطة القبض عليهم و كانوا يعذبونهم في السجون، وقادتهم يفتخرون بالسوفيت ستار الحديدي اكثر من افتخارهم بالتاريخ ووضع مجتمعهم (التعبان) مع الاسف، وعندما قام (مجموعة من العسكر) بالانقلاب 1958، فقط لآن قاسم تحدث عن (الكادحين) دفع هذا الحزب (العريق ...!!!) بكل إمكانياته الى الشارع لدعم العسكر ..!! بل توجه الى سحل ابناء هذا الوطن (كان فيهم من اشترك في اسقاط الرجعيين) ولم يمر عام انقلب العسكر على (الحزب المناضل من اجل وطن الحر والشعب السعيد) واعادهم الى السجن ..!! في خضم شراستهم من خلال (المقاومة الشعبية) ومن ضمن من اختارهم الحزب المناضل للتحرش بهم ووصفهم بـ (الرجعية) هم الرموزالدينية مع ان تأريخ العراق وضمن القوميتين الرئيسيتين فيه (الكرد والعرب) معروف ان الرموز الدينية كانوا من دعائم العمل الجدي من اجل حرية الارض والعرض للعراقيين في ايام المحن، وبعد سقوطهم المدوي على يد انقلابي شباط وسقوط هؤلاء ايضا على يد العسكر، أن اول من تحالف معهم عند عودتهم الى الحكم في تموز 1968 هم الشيوعين وشكلوا في كردستان قوات مسلحة (غير نظامية) لمساعدة الحكومه للقضاء على الحركة القوميه الكردية وكان جزائهم بعد انتكاسة تلك الحركة عام 1975 انقلب الحكم عليهم واعادهم للسجون وكان نتيجة تلك الانحرافات حاملي الشعار (وطن حر وشعب سعيد) ضحى بمئات الشباب من (اولاد الخايبة)، لم يتوقف اليسار العلماني  في العراق عن الانحرافات بل عندما سقطت دولة العراق في نيسان 2003، واحتل البلد من قبل امريكا شارك سكرتير الحزب في الحكم المحتل، جالسا على الكرسي من حصة طائفتة وليس حزبه العريق،  و بعد ذلك اصبح عضوا  في البرلمان وبعد ان ضمن (اثمن راتب تقاعدي) الان هو وحزبه يحرك داعياً للحكم المدني بعد ان ساعد في ترسيخ حكم المحاصصة صاحب القرارفيها تيارات دينية خالصة .

ومع هذه القراءه الدقيقة  المبسطة لحقيقة الواقع  في العراق (كنموذج) لناتج نضال اليسار والعلماني فيها، وبعد أن سهل اليسار والعلمانين من خلال غباءهم السياسي او حبهم للحكم فقط وتصرفاتهم الطائشه لحد سحل الناس وبذلك ساعدوا القوى الخارجية للهيمنه على مقدارت بلدانهم كما فعل اليسار في العراق ، الان  تسمع أصوات (المراهقين) يعتقدون انفسهم (علمانين في عصر العولمة الذهبية، عندما يناقش وضع البلد والمنطقة يريد فقط ان يتهم التيار الديني  دون الاخرين و  يقول لك َ : (هل يستطيع عراقي أو سعودي أو أي مواطن في دولة اسلامية أن يغيّر دينه ويعلن ذلك ويتباهى به ؟ في الغرب يستطيع المواطن أن يبصق على السماء ورئيس الدولة ولا أحد يمسه بسوء . اذا اجتمع السياسي والمعمم في حكم بلد فاقرأ على ذلك البلد السلام ,  يبدأ قضم الحريات الشخصية شيئاً فشيئاً , كل شيء حرام , افعل كذا ولا تفعل كذا ولهذا انحرف المسلمون وفعلوا الرذائل وما زالوا من تحت الى تحت . ملحد واحد هادىء , مثقف قادر على مواجهة عشرين شيخاً يلوكون كلاماً لا يقدم ولا يؤخر-  مقطع مقتبس من تعليق القارئ الاخ جمال مصطفى ....!)

فمناقشة بهذا الاسلوب السطحي لايعني إلا جهل جيل (الثقافة اله جامدة خاليه من الاحساس الروحي والشعور بصلة الرحم الانساني المتواصل مع التأريخ) ، لا بتاريخهم ولا تاريخ من سبقوهم  وتجارب الاخرين، هذا الجيل الذي لايهمه الا ان يكون حر في الشتائم ويبصق بوجه كل القيم تحت عنوان الحرية .... ولايريدون ان يصدقون ان اوربا لم تصل الى هذه المرحلة الا بجهد ونظرة موضوعية ولم يكونوا ولايزالون لا يستهزئون بتاريخهم وبانتصاراتهم وانتكاساتهم، ونحن كدليل على قرائتنا الصحيحة لتاريخ قلنا في الجزء الاول من هذا الموضوع : (...... ولاحظوا، ان ظاهرة الالحاد في اوروبا، ليس موضوع مناقشة وتصادم بحيث تظهر كانها مشكله لها خطر على امن والاستقرار الاجتماعي في حياة الناس اليومية، وذلك لان المؤمنين بالرسائل الدينية المنزله من السماء منطلقين من الثقة بايمانهم لم يجعلوا منها (بعبع ..! – كما نقول باللغة الشعبية) لتجعلوها اداة يخافون منها ويخوفون بها الناس، وكذلك لم يلجأ الملحدون هناك لوضع برنامج منظم لمحاربة او استفزاز من يؤمن بالرسائل السماوية بل ينظرون الى الظاهره بانها اختيار دون فرض وبطريقة يستفز الاخر، من هنا ضمنوا لانفسهم وللاخرين الاستقرار الاجتماعي، ولكن عندنا، أن ألاغبياء ممن يعلن الالحاد يعتقد مقدماً انه عليه  ان يستفز المؤمنون بالاديان لكي يعرف الاخرين بان (حضرته ملحد على رؤوس الاشهاد ...!!)، وكذلك هناك بين مجتمعنا الذي يعاني من (التخلف) اساساً من جانب العلاقات المتعلقة بحرية الاختيار يعتقد ان طريق اختيار الايمان يبدأ بمنع الاغاني والموسيقى مثلاًَ ...!  ولا يتردد وباسم الدين ان يتدخل في جزيئات حياة الفرد ليمنع منه ما يشاء حسب مزاج مايسمي نفسه بـ (المؤمن !)،، ويقدم هذا الهدف على نشر الوعي الاجتماعي وهذا الهدف لايتحقق دون البدأ بالعمل من اجل الاستقرار الاجتماعي عن طريق التفاهم بين افراده ، من هنا  لنقيس نتيجة كارثية لاصطدام بين ظاهرتين يتحركان من منطلق فهم متخلف اصلاً لمفهومين : الايمان والالحاد – الجزء الاول من : حول الدين والالحاد)

 كل العالم يعرف ان (هتلر) زعيم حزب العمال الالماني الاشتراكي وصل الى الحكم عن طريق الانتخابات الحرة، واسم حزبه العمال والاشتراكي، ولكن تكوينه الفكري التسلطي ورط شعبه الذي اعطاه الثقة  في اشرس حرب بعد نهضة اوروبا وتخلص شعوبه من حكم الكنسية ادى الى مقتل 62 الى 78 مليون انسان، وبعد هزيمته التأريخيه، لم يؤدي نتائج الماساوية للحرب الى تكوين مجتمع عدواني يدخلون بلدانهم في صراعات، بل توحد كل المؤمنين و الملحدين والاشتراكيين والراسماليين الى تداوي الجراح  واعادة اعمار بلدانهم، ولكن هنا في الشرق  اذ ان التصرف التسلطي لمعاوية ابن سفيان وبعد ذلك ابنه العاق (يزيد) ادى الى صراع دموي لايزال ابناء المنطقة يدفعون ضريبة تصرفهم التسلطي و اصبح حجة عند كل الارادات التسلطية يتصرفون تجاه بعضهم البعض بشكل عدواني لايدفع ضريبتة الا رسالة الاسلام العظيم والابرياء من الناس  ...

والان في العراق، ان الامريكين العدوانين تسلموا مصير هذا البلد الى حكم المحاصصة كوسيلة عدوانية لتشوية الاسلام في بلد عانى ولايزال من الصراعات، ونرى الفساد اليومي يندى اليه الجبين، وصل الى سرقة مساعدات النازحين ضحايا الارهاب ومعالجة الارهاب بالفساد وهم انفسهم يعلنون ذلك، وهم في الحكم يعترفون كنموذج للفساد ضحيتة النازحين حيث اعلنت احدى عضوات البرلمان : (أن النازحين لم يتسلموا 1% من الأموال المخصصة لهم ضمن الموازنة المالية لعام 2016، مشيرةً إلى بعض العوائل النازحة عرضت أولادها للبيع رغم انه هناك نسبة 3% استقطاعات من الموظفين والمتقاعدين ضمن موازنة عام 2016 للنازحين، الا انه لم يصل الى النازحين من هذه الأموال 1% لحد الآن) يحدث هذا رغم ان العراق يحكم من قبل مجموعة احزاب محسوبين على التوجهات الدينية : (مجلس الاسلامي الاعلى،، حزب الدعوه، التيار الصدري، الحزب الاسلامي) واي واحد من مسؤولي هذه الجهات فقط باشارة يؤشر الى (قواته) لمحاربة الفساد ينهي جذوره، ولكن بدل ذلك وبمساعدة (التيار المدني) لايتصرفون الا باتجاه يزيد العراق بلاء،  وبعد خراب البصره ينزل الشيوعيين العراقين يطالبون هولاء بالحكم المدني بعد ان خربوا اي توجه للحكم المدني منذ ان طلبوا من قاسم : (يعدم ولا يقول ماعندي وقت) و اصبحوا انشط جهة في ظل الحاكم الامريكى المدني ....!!!

من كل هذا العرض المبسط والبعيد عن تصفيف الكتب  نريد  ان نقول ان مايحدث في الشرق عموماً والعراق خصوصاً ليس الدين والرسالة الاسلامية  وحتى ليست العلمانية وحتى ليس الادارة الامريكية الشريرة، بل اولاَ ناتج عن صراعات مجموعات سلطوية بعضهم يريد ان يصعد على سلم (علمانية مزيفة وليس علمانية التي بنى اوروبا) والاخرين على سلم الدين ولكن باتجاه تحقيق طموحاتهم السلطوية وفي الحالتين الضحية هم الناس، على هذا الجيل من يدعي العلمانية ومن يدعي التيار الديني يعرفون ان الصراع الذي يعيشه الان  الجيل الحالي من هذا العصر في منطقة الشرق الاوسط عموما وفي مجتمع شعبنا المنكوب على وجه الخصوص، تدار بين اتجاهين لـ (غلو مدمر) مهيمن على مسير الاتجاهين : السطحية و التشنج الفارغ احدها يدعو للالحاد الفارغ دون اي سند حتى من الماديات التى كانت تتباها بها منظري الالحاد  في الاجيال السابقة ، والثاني الداعي الى اقصى حدود العنف ايضا دون اي اسناد معنوي مقبول لادامة الحياة وبناء الانسان ومتجه علنا نحو هدف واضح امام الواعيين وهو تشوية رسالات الاديان السماوية عموماً والدين الاسلامي (الدين والرساله وبناء الحضاره) على وجه الخصوص، وان الاتجاهين المتصارعين ليسوا لهم جذور للتصالح لانها اساساَ جاءت كظاهرة مصطنعة بشكل منظم لغاية هدفها المخفي في دهاليز ظاهره تحكم العصر (الفساد المادي باشراف مافيايوين) .

 

لم يكن المستشرق الفرنسي جاك بيرك ( 1950 ــــ 1995 )  مستشرقاً من صنف آخر، الا انه عُرفَ كيف يتخلص من الاستشراق التقليدي بكل مشتقاته المثالية والتجريدية وميوله الملحاحة الى تسييد بعد الماضي الكلاسيكي ومغارات القارة القارة الدينية من خلال موسوعية نصية احادية تستقبل الثابت وتلغي المتحول.

ففي مجال التجديد الموضوعاتي والمناهجي في الدراسات الاستشراقية يمكن اعتبار بيرك رائداً ومؤسساً معاً تمكن من ان يحدث حسب تعليق المستشرق هاملتون جب تغييراً في المنحنى والاتجاه، اذ انه دفع بالاستشراق كعلم وخطاب ال استيعاب بُعد الميدانية وبطريقة اوسع واعمق مما فعله مجايليه، ثم الى تجريب مناهج العلوم الانسانية الأكثر اجرائية وتقدماً. وقد كان بيرك مهيأ اكثر من سواه للتكفل بهاتين المهمتين، نظراً من جهة لمزاولته مناصب ادارية وعلمية، ونظراً من جهة اخرى لحساسيته الكبرى، بمعنى التاريخ وانجذابه نحو التبدلات والتغييرات التي تفرض ابراز الاهتمام بالحاضر من اجل فهم الماضي واستشراف المستقبل.

لقد تهيأ له وهو يسير في اتجاهه المعاكس، ان يتفانى في معرفة الانسان بالمجهر المنوغرافي، اي حياً يرزق في بقعته المكانية وحيزه الزماني، فطالت عشرته مع قبائل (سكساوة) في الاطلس، ثم امتدت الى مدن وقرى من المغرب والمشرق، حتى انه عندما عُينَ استاذاً في الكوليج دو فرانس سنة 1956، لم يكن في جعبته العلمية في حالة طراوة واختمار الا هذه المعارف الميكروسوسيولوجية من مدونات وفق الانساب واللهجات، وهي معارف من قعر المطمورة لا يمكن توصيلها الى الآخرين، وقد ينكرها حتى اصحابها المعنيون.

ان بيرك الذي لا يرفض انتماءه الى دائرة المستشرقين، يحق اعتباره في طليعة الوجوه الأكثر حضوراً في ساحة العلاقات الفرنسية- العربية، والاوفر اسهاماً في ميدان تجديد الدراسات الاستشراقية والدفع بها الى الاحتكاك بالعلوم الانسانية والتفاعل معها.

كما ان بيرك على صعيد آخر استمد اسباب تألقه من قدرته على تشريع الاستعمار ليس كخزي او كابوس ميتافيزيقي كما يرى بعض المفكرين العرب بل كظاهرة تاريخية لها منطقها المحايث وكلحظة زمنية تستلزم جدليتها قيام نقيضها في حركات تصفية الاستعمار وتحرير العالم.

وطيلة فترة بيرك الميدانية- الادارية والعلمية- بين اواخر الثلاثينات الى الستينات. كان مستشرقنا المجدد يستشعر ازمة الاستشراق التقليدي كخطاب وممارسة، فحاول الاجابة عليها عملياً بالدراسات المندرجة كلها في التاريخ الاجتماعي للعالم العربي. اما في مرحلة بيرك التالية التي يمكن اجمالاً نعتها بالتنظيرية او التركيبية، فقد صار يعرض تلك الازمة على صعيد الفكر بكثير من الجرأة المحاطة بلياقته اللفظية الخاصة، ويسأل كما يسأل الباحثون القوميون عن الاسباب التي من اجلها لم يحظ الاستشراق بأي حضور ملحوظ ولا بأي تأثير فعلي في مجال البحوث والنظريات الانثروبولوجية التي اعادت تمثيل الحضارة الانسانية الحديثة على ضوء معرفة المصادر والروافد حتى الضاربة منها في القدم والبدائية، اي بكلمات اخرى: لماذا لم تساهم معرفة الشعوب الشرقية من طرف المستشرفين في بلورة النظريات حول تطور صور الانسان وثقافاته، فكانت شبه غائبه من سباق تنافس العلوم وتكاملها؟

جواب بيرك على مثل هذا السؤال الذي يشعر بحدته ومشروعيته هو ان "سبب ذلك التفاوت الصارخ يعود بلا شك الى كون العرب في علاقاتهم بنا يتميزون بطابع مزدوج من الصدام والتقارب. ثم ان التوترات الناجمة عن كفاح طويل التي زادت في تأجيجها الامبريالية كانت في حالتهم جداً قوية في حين لم تكن كذلك منهجيات البحث بحيث يتسنى تبيان التشابهات والفوارق والازدواجيات ثم الخروج منها بتعليم".

وتبعاً لهذا الثبت، يرى بيرك ان المستشرق او المستعرب على وجه التحديد قد "صار وحيداً، اي مفصولاً عن الباحثين الآخرين كما هو مفصول عن العرب انفسهم".

الاستشراق اذن بين عجزين، عجز عن مواكبة العلوم الانسانية ذات القدرة الاكتشافية من لسانيات وتاريخ اجتماعي وعلم الانسان، وعجز عن الانتقال من النظر الى العرب كمواضيع او كائنات محددة انطولوجياً ببعدها الديني العقيدي الى النظر اليهم كذوات مشخصة تمارس ككل الذوات الانسانية الحية اراداتها وحقها في التقدم والتغيير.

ان انتقاد بيرك للاستشراق يستمد قوته وحتى مصداقيته من عنصرين اساسيين:

1-      انصات بيرك وتفهمه لشعور التنكر والنفور عند العرب بأزاء ماضيهم القريب المتمثل في عهدهم الاستعماري وماقبله مباشرة والمشخص في صورة (الاب المهزوم والانا المهان)، وهذا الشعور قد انعكس سلباً على علوم تهتم بهذا العهد بالذات فـــ "حتى اليوم- كما يوضح بيرك- يشكو التاريخ والانثولوجيا والسوسيولوجيا في الشرق من فقدان الاعتبار. ويلزم البحث سبب هذا في النفور والحقد اللذين يشعر بهما الشرقيون بازاء مجتمعهم في العهد الاستعماري".

2-      تألق بيرك في تشريع الاستعمار ليس كخزي او كابوس ميتافيزيقي كما يرى بعض المفكرين العرب بل كظاهرة تاريخية لها منطقها المحايث وكلحظة زمنية تستلزم جدليتها قيام نقيضها في حركات تصفية للاستعمار وتحرر العالم.

فأذا كان العمل الاستعماري "يطبع كل مقولات الحياة المحلية باختلال عام، اذ يصبح الدين شعوذة والشريعة عادة والفن مجرد فولكلور وكل هذا بالقياس الى المقولات المطابقة في النظام المستورد".

واذا كانت السلبيات الاستعمارية تبلغ مداها في فصم علاقات الطبيعة والثقافة داخل المجتمع المستعمر، فان الحياة لا تلبث ان تستعيد جذورها وحقوقها ضد كل تلك الاستلابات والتشويهات، وهذا بفضل ارادة المقاومة والرغبة في الانعتاق.

وهكذا تكون القومية العربية مثلا فكرة وحركة لا تقومان في عقد الوفاء للهوية التاريخية المشتركة فحسب وانما ايضاً وبالتأكيد في سعي العرب الى التخلص من كل الهيمنات الامبريالية وتحقيق المواكبة والتكافوء مع الاخرين على صعيد اكتساب اسباب الفعالية والقوة.

بهذه العقلية المستخدمة المتولدة عن تصدع السيطرات الاستعمارية وتحقيق الاستقلالات والتي لا تختلف عن عقلية المحللين القوميين الا ببلاغتها ومرونتها بتلك العقلية.

اذن، يسعى بيرك الى محاولة اكتشاف "العرب بين الامس والغد" وعلى عتبة هذا السعي يتبدى بوضوح التثبت المطلق للباحث ويليه التعبير عن مشروعه الدراسي.

اما الشق الاول فيقوم حول انفصام الانسان العربي التقليدي المشخص في الفقيه والاديب المتشبث بالقديم او في البدوي والمزارع.

ان هذا الانسان يوجد اليوم امام "فتنة جديدة" عليه لمواجهتها ان يتخلى عن مجمل المقولات الذهنية والرؤى الحياتية التي لها طاقة تعويقية في مجال تكيفه مع واقع العالم الحديث المطبوع بالبحث عن الفعالية الاقتصادية والتقنية والمستعيض على صعيد السياسة والمجتمع بعلاقات الشفافية والعقلنة والتعاقد عن علاقات القرابة والتبعيات والحمايات. انه في اضطرام وعيه بضرورة الاختيارات الجديدة التي تفصمه هنا وهناك عن كينونته الاصلية يعيش  ، قلقاً متواتراً يفضي به اما الانزواء والرفض واما الى طلب النهضة والبعث والثورة.... وهذه المخارج الاخيرة لا زالت بعد تحقق الستقلالات السياسية تجرب نفسها وقدراتها الذاتية في معارك الحداثة الصناعية والفكرية، اي في معارك الحضارة من اجل الانتماء الفاعل الخلاق الى العالم المتطور...

ان مشروع بيرك عموماً يتجلى في محاولته اظهار انتقال العرب من دائرة القدسي الى الزمان التاريخي، اي الى العهد الصناعي وارادة التغيير، وهذا ليس بالضرورة على حساب المكون الديني بل على اساس رده الى حيزه المعقول مادام ان ازدياد ظواهر كالقوميات والطبقات والثقافات وغيرها لا تفرزها الا الصيرورة التي تفلت بالطبع من ثبوتية الموروث ودائرة التعالي "الشرق المثالي" اي التاريخي وليس الشرق الخالد - هيراقليس وليس ابراهيم-.

هنا تكمن خيارات بيرك ومنطلقات توجهه التنقيبي والفكري وان كان في مذكراته يرى من باب النقد الذاتي انه لم يذهب بها الى اقصى مداها كما لم يظهر ان شغله في الحقيقة كان هو معالجة جدلية علاقاتها بما يعارضها.

وفي اطار هذا المشروع ما يتطلبه من جهد تجديدي كان بيرك ان يعيد النظر في تأثره الاولي ب  ماسنيون وان يخضعه بالتالي لنوع من التطهير من دون ان يقدح في عبقرية (الشيخ الجليل) الخاصة او ينكر فضله في مساعدته على الاحساس بطعم الشرق.

لقد اصبح التجديد الثيماتي عند بيرك مرتبطاً اساساً بمراتبة الاحداث الحاسمة ورصد مضامينها التعبيرية والدلالية، كالانتفاضة الجزائرية ابتداءً من 1954، ومؤتمر باندونغ الافرو- اسيوي في 1955، واستقلال تونس والمغرب في 1956، وتأميم قناة السويس... كلها احداث دفعت ب بيرك الى اعادة اكتشاف العرب طي صيرورتهم، اي بعيداً ليس عن الاستشراق التقليدي فحسب بل ايضاً عن المقاربات الكولونيالية ذات المقاصد المبيتة والمناهج التقسيمية... وهذا التوجه عنده لم يضعف حتى في مرحلة عودة الاخير الى الاسلاميات التي لم تكن علاقاته بها من قبل الاعابرة وظرفية.  ف بيرك في هذا العود الذي ليس غريباً على التقدم في السن، لا يتنكر لما ميزه مثلاً عن ما سنيون او كوربان، ان القضية التي تشغلني – كما يكتب- "ليست استرجاع الماضي اي تنصيبه في الصدارة" بل النظر في النصيب المحرك او المساهم او المعوض الذي اخذه وبالأخص سيأخذه الاسلام في مسيرة الحداثة الشرقية... وبعبارات اخر يتعلق الامر بالعلاقة بين الصيروة التاريخية والاصول".

التحول في الموضوع كان يستلزم ايضاً الخوض في تجريب مناهجية مستمدة من علوم قلما يشركها الاستشراق في بحوثه وهي كما يعددها بيرك "الاقتصاد حيث يجد الاستقلال محك اختباره، التاريخ المعاصر الذي يحرر للمرة الاخيرة الشعوب العربية من كفنها الارجواني، الظاهراتية التي وحدها تقدر على القراءة في كثرة الاحداث والاشارات والاحوال كمؤشرات لتيارات الاعماق، وتطلب من كل ملاحظ ان يقيم البحث عن المنطقيات الجوفية على دقة الانطباع، علم الاجتماع وبالاخص الانثروبولوجيا اللذان يموضعان النقاش في ابعاده الشمولية ويعرضان تركيبات جديدة في ذاك المجال".

وبيرك في استفادته من كل هذه العلوم واستثمار مناهجها يتجنب بذكاء وعن وعي ان يستبيح اقواله بركام الارقام والحسابات والتشخيصات التي لا تمنع مع ذيوعها واستبدادها الا ضمانات مهزوزة وراحة مخدوعة.

ولهذا كان عموماً لا يكن للبحث الا نكلوا – ساكسون الموسوم بعلموية كاريكاتورية كبير تقدير. وبدل كل ذاك كان بيرك الى جانب اعتماده على النصوص والوثائق المحلية يقيم استباراته على المشاهد والمسموع والمحكي وكذلك المحاور فيه والسؤال المباشر، وكلها مصادر تعطي التحليل قواعده الخصبة الثرية، اذ تقضي به الى الوقائع طي اطارها النفسي ودلالاتها كتجارب معاشة.

اذا ما عرضنا كتابات بيرك على النقد، فأننا بكثير من الجهد وحتى من الصرامة المفتعلة، قد نذكر بما يعيب على اسلوبه من غموض ونزوع الى تبنى بلاغة متأنقة لتصريف مضامين تكون احياناً بسيطة او عادية، ومع ان بيرك رد على هذا النقد بنوع من الازدراء والشراسة فيبقى ان الكتابة البيركية عموماً يحق نعتها بالشفافية الصعبة او بالوضوح الممتنع الوعر على القراءة الاولى.

ان بلاغتها تقوم داخل النص المكتوب بتدرج في الكثافة والسماكة، فتنتشر هنا وهناك حجباً تدفع بالمعنى الى درجات متفاوتة من التواري والترميز، ولعل هذه الجوانب في تلك الكتابة تفسر هي ايضاً كون اربعة مؤلفات فقط من اعماله الكثيرة نقلت الى العربية لم نر منها الا ثلاثة والرابع ظل في حالة اعتقال.

كل هذه الانتقادات الجريئة واخرى شبيهة لا تقلل في شيء من قوة اعمال بيرك ولا من كون هذا المستشرق المجدد يبقى من الوجوه الاكثر جذباً وتألقاً ومن المفكرين القلائل الذين يمكن للباحثين القوميين ان يخاطبوهم ويستحضروهم في اطار التبادل والتكامل المعروفين.

* مذكرات الضفتين

مذكرات الضفتين، كتاب يجمع فنيَّ السيرة الذاتية والسيرة الفكرية، فهو يلقي اضواء كاشفة على بيرك الانسان، وبيرك العالم المفكر.

هذا الكتاب المذكرات المفعم بالصدق والحيوية يستحق منا اكثر من وقفه للاشارة اليه كمنجز او توبيوغرافي يغني او يصحح ما نعرفه عن شخصية الرجل وعلمه الوافر.

نقرأ في مذكراته في ضفتها الجنوبية وبالذات في منطقة فراندا الجزائرية، حيث قضى بيرك طفولته قبل ان ينتقل مع اسرته الى الجزائر العاصمة، وهو في طور المراهقة، فكانت له هناك اولى ذكرياته في مجال القراءة والتحصيل العلمي، واولى تنطعاته ضد نمط الحياة الاستعمارية مع انه ابن المراقب المدني (الحاكم) في الادارة الفرنسية.

وعندما نلقي نظرة فاحصة على سنوات التعليم البعيدة (1930- 1932) التي جعلته يتخلى عن الاداب القديمة ليخضع الى ما نسب في ذلك الوقت الى زخم الشباب، فان صعوبات التكيف القصوى (تصفعته) على حد تعبيره، وهذا تقريباً معاكس لما يمكن ان لازمه فيما بعد في سن النضوج.

فماذا كان يرى بيرك اذاً في المدينة؟

"كنت اجعل منها من دون شك موقعاً اسطورياً، كنا نأتي اليها لنجدد قوانا كل سنة وكنا فخورين باننا احتفظنا فيها بتلك الذكريات الحية... القريبات المتقدمات في السن، بيتان قديمان، ومناخ ما قبل الهجرة، وابناء عمومة يتكلمون طوعاً اللهجة المحلية، وبعض قطع الارض، وحتى الفأس التي يستخدمها الجوالون... كل الناس في الجزائر كانت تتفق على هذه الامانات المثيرة... والدتي كانت تعير اهتمامها اكثر من والدي لهذه الاشياء القديمة... وحتى الان كان يسود في الجزائر القانون الفرنسي والروح الفرنسية، في حين ان الاثنية المتوسطية المختلفة التي كنا نحس انها كانت تبرز الى الوجود، تسود في اوساط الفئات اللاتينية الجنوب فرنسية او الاسبانية او الايطالية او المالطية... وهذا المظهر كان يتأكد لدى الاكثرية التي يعود معظمها الى طبقة سكان المدن، ومن سحنهم المتكبرة والقاسية كان يخرج نوع من الرومانية الشرسة.

لقد مررت بسرعة في اروقة الحكومة العامة او اتكأت على شرفة تانتونفيل بذلك المقهى الذي كانت تجتمع فيه الطبقة الميسورة في فترة بعد الظهر، كانت تبدو على الكثيرين النظرة الوهاجة وكبرياء الحركة وبعض القساوة والرصانة التي كانت تنبيء بأول تحول.

الصبيات، الفتيات الشرسات، النقيات القلب، كانوا يفيضون طاقة وجودية، كان ينقصم الوقت الذي يرهف الحس والاستفهام الذي ينضج، ولكن لم يكن ينقصهم الكرم. ثم لماذا اداروا ظهورهم لأقامة حقيقية؟ ولكي يتجذر المرء فان وعي الآخر هو ما ينقصم غالباً، فالجزائر وافريقيا الشمالية بشكل عام لم تؤد الى ولادة (الكريول) بالمعنى الاسباني- الامريكي لكلمة Criollos وفي ذلك الوقت الذي اتحدث عنه وبعد مئة سنة من التعايسش لم يكن هناك واحد من هذا الجنس، ومع ذلك كان يمكن التعرف في النظام الاخلاقي الى خلاسيين مجهولين ومتجاهلين، لأن التأثير على هذا الصعيد كان يلعب دوراً من الجهتين وفي الاتجاهين ولم يكن هناك تنبيه لهذا الامر قط مما كان يجعله تناقضاً اضافياً.

وهذا ما اكتبه الآن عندما اورد اسم ألبير كامو ومرسيل سيردان والجنرال جوان، وهو ما لم أكن استطيع فهمه في ذلك الحين. ولكن كنت اختبر حيال رفاق الدراسة الباريسيين اعتدالاً لم يكن مناطقياً فحسب. وللاسباب نفسها او لغيرها كان احد اصدقائي الافارقة (الاقدام السوداء) يختبرونه اكثر ايضاً.

كنا نعرف ذلك، وكنا نستخلص منه اعتداداً بالنفس، ولم يكن احد منا يظن ان بواكير ولادة هذا الشعب ستجهض شعبياً بسبب فشل التحالف مع محتلي الارض القدامى... ومن كان يستطيع التكهن في العام 1930، ان التاريخ سيفضي هذه النتائج السوداء او هذه الاصلاحات الاكثر عدالة وتقطع الامل بوهم الاختلاط؟ لا افريقيا الشمالية لن تصبح مكسيك اخرى...

الا انه اتيحت لي الفرصة لكي انغمس في التيار المزدوج الذي لم يلبث ان تحول تناقضاً رهيباً، ثم ان ذوباني في فكر المدينة سيسمح لي بان انمي الحس المتوسطي والنداء القومي اللذين لم تعرف خاصتي ان تصغي اليهما. وهكذا فان هجرتي من الارض فادتني نحو حقيقتها الاولية، الحقيقة الاوسع، مستقبلاً".

وفي ضفته الشمالية من ذكرياته، نتابع رحلة بيرك عام 1930، الى باريس لمتابعة دروسه في السوربون، وصادفت تلك السنة احتفالات باريس بالذكرى المئوية لضم الجزائر وتنظيم ما كان يسمى بالمعرض الكولونيالي...

لم يكن بيرك مرتاحاً في السوربون حيث يسود نزوع الاعتزاز بالذات والاكتفاء العلمي والوطني، وهذا ما دفعه بعد سنتين الى التخلي عن مستقبله الجامعي وبالتالي عن امتحان التبريز، مما اثار خيبة والديه واساتذته في الجزائر. ثم بعد ذلك بقليل كانت الخدمة العسكرية في المغرب الى 1934، وهي السنة التي اجتاز فيها بيرك مباراة (المراقبة المدنية) فعين مراقباُ تابعاً للمكتب العربي في ثلاث قرى على التوالي ثم في فاس سنة 1937. وقد مكنه هذا العمل من الاحتكاك المعرفي بالارض وناسها ورجالاتها، فكان في كل شوط يقطعه يبتعد اكثر فأكثر عن منطق الادارة الكولونيالية ويفتح عينيه على اول المظاهرات وصلوات اللطيف التي اثارها في فاس نفي الزعيم علال الفاسي في نفس السنة.

لنعد الى اللحظة التي اقام فيها بيرك في باريس بعد ان بالكاد وصل اليها، وجد فيها قضية ورفاقاً غير ان ذلك بدا له خطراً على أمد معين. الخلل كما يصفه في "الذاكرة، كان يهدد بالاتساع بين حياة الشرق الاكثر ضجيجاً وسعي مدعو لأن لا يكتمل الا بموتي. لقد نقشت على اللحم ذكريات محرقة للغاية لكي اتكيف مع دراسة غيبية كان ينبغي لي القيام باتصال دائب وحوار لا ينقطع".

لقد اصبحت حياة الشرق اليومية بالنسبة له ضرورية "ولكنها بدأت شيئاً فشيئاً تغيب من حياتي وفي المقابل بدأت حركة ستحملني طوال جيل كامل من الشمال الى الجنوب ومن الفرات الى الاطلس في دورة لم يتباطأ فيها سوى الاعتكاف. كنت استفيد من كل هذه المناسبات للتخلص من منبر التدريس" .

كان جاك بيرك عهد ذاك رجلاً اخرق ومتمرد في نظر الرؤساء العسكريين والاداريين وشاباً يسارياً مسانداً للجبهة الشعبية الفرنسية وسيءالسمعة الجنسية في نظر الجالية الفرنسية. هذه هي الصورة التي كانت تشيعها الالسنة القبيحة عن بيرك للرد على سوء طويته الوطنية وتعاطفة الظاهر مع اهالي البلاد المستعمرة.

وفي 1939، وبعد زواج اول غير موفق اختار بيرك التجنيد والحرب العالمية الثانية في بدايتها، فامضى فيه زهاء سنة عاد بعدها الى مزاولة عمله السابق في المغرب الى ان ارتقى سنة 1943، منصباً في القسم السياسي للاقامة في عهد بويو  وبونيفاس، وصار هذا المنصب يلزمه بالاستخبار عن الحركة الوطنية المتنامية وجس نبضها، وذلك عن طريق صداقاته في التعاضديات الحرفية، فكان كثيراً ما يخطيء في تقاريره وتوقعاته لا بسبب قصوره المعرفي بل بسبب نفوره المتأصل من كل عمل جاسوسي من شأنه ان يفقده حلمه في اشراك المغرب مرحلياً في مشروع التقديم الذي يفضي حتماً الى الاستقلال. الا ان الاحداث تسارعت بشكل لم يتنبأ به الفرنسيون ولا بيرك نفسه، بحيث تقدم الوطنيون المغاربة بوثيقة المطالبة بالاستقلال في يوم 11/ ك 2/ 1944، معتمدين خطة تدويل الصراع المغربي- الفرنسي، كما هو الشأن في الجزائر وتونس. فلم تنته الحرب العالمية الثانية حتى اخذت الحركة الوطنية تفرغ معاهدة الحماية لـ 1912، من محتواها، لا سيما وان هذه الاخيرة ظلت قاصرة في الاصلاحات الموعودة، كما انها، ما عدا في العالم القروي الذي بقي تحت سلطة الحكام الفرنسيين بواسطة القواد المحليين، كانت متقدمة في هيمنتها على الحواضر والمدن الكبرى، وانطلاقاً من ذلك المنعطف بدأ بيرك يشعر بلا جدوى كل محاولاته في التخفيف من شروط التواجه الدموي او في اصلاح مرفق الفلاحة تحت شعار (الجماعة فوق الجرار) فكان طلاقه من الاقامة العامة أمراً لا محيد عنه، اذ اخذ زملاؤه فيها ينعتونه بـ (عار المراقبة المدنية) ولم يزد اعتزاله الا حدة بعد مجزرة سطيف في 1945 حتى اتى صيف 1947 فعرض على بيرك ان يصطحب الحجاج المغاربة، فكانت هذه طريقة الادارة لاقالته وتنحيته...

خمس عشرة سنة اذن قضاها بيرك في الاحتكاك بالميدان وممارسة قضاياه بالمجهر والمعاش، مما هيأه الى اعداد اطروحته حول (سكساوة) بمناسبة ابعاده الى ناحية امنتانوت بالاطلس الكبير كمراقب مدني تابع للمنطقة العسكرية.  وهنا اخذ يتعلم البربرية قصد معرفة البنى الاجتماعية للمنطقة المذكورة، وظل يكرس علاقات الفتور والبرودة مع الاقامة العامة، سواء في عهد جوان او جيوم، الى ان طلب تفرغاً قصد ملء منصب عرضته عليه اليونسكو في سرس الليان بمصر، فغادر المغرب في 1953، اياماً قليلة قبل نفي الملك الراحل محمد الخامس، وفي اقامته الجديدة كخبير لقسم البحوث الفنية والتجريبية التي امتدت الى 1955، لم يكن من حيث الوظيفة يشعر بالنفع والحماس الا انه تمكن من اغتنامها فرصة لتهييء كتابه حول (التاريخ الاجتماعي لقرية مصرية في القرن العشرين).

كما تعرف على وجوه بارزة من المثقفين والسياسيين، وشهد احداثاً تنذر بالمخاض الثوري داخل المجتمع والجيش، ومنها على سبيل المثال تنحية الجنرال محمد نجيب ثم عودته في ظرف اسبوع الى منصبه بفضل تدخل ضباط تقدميين من بينهم جمال عبد الناصر وعلى رأسهم خالد محي الدين... وقد وضع بيرك خلال هذه الاقامة المصرية القصيرة اللبنات الاولى لعمله الضخم الذي سيظهر بعد عشر سنوات (مصر، الامبريالية والثورة) وبعد ان عاد الى باريس في نفس السنة 1955، للدفاع عن اطروحته حول سكساوة، رحل في السنة الموالية الى لبنان ليشرف في بكفيا على معهد العربية الحديثة، ويعمق معرفته المباشرة بالشرق العربي هنا عند المارونيين وهناك عند المسلمين.

واثناء هذه الاقامة اللبنانية اخبر بيرك بانتخابه في –كوليج دوفرانس- استاذاَ لـ- التاريخ الاجتماعي للاسلام المعاصر- ويحكى ان هذا التشريف قد اصابه في البدء بنوع من الهلع، وذلك لانه لم يكن في جعبته العلمية في حالة طراوة واختمار الا هذه المعارف الميكروسوسيولوجية من "مدونات وفقه الانساب ولهجات وهي معارف من قعر المطمورة لا يمكن توصيلها الى الآخرين وقد ينكرها حتى اصحابها المعنيون". فكان على الاستاذ المزاول للعملية التدريسية في تلك المؤسسة العتيدة كما في المدرسة التطبيقية للدراسة العليا، ان يخوض في معمعة العلوم الانسانية والمذاهب الفلسفية التي كانت باريس اذ ذاك مركزاً مشعاً لها  لسمينها،  كما كان عليه ان يحدد مواقفه من قضايا الساعة، خصوصاً بعد استقلال المغرب وتونس، والتي كانت تتصدرها القضيتان الجزائرية والفلسطينية. فعن الاولى كان بيرك يدافع بمقالاته في كبريات الصحف وبمحاضراته عن ضرورة الاعتراف بالجزائر كوطن ذي سيادة وبحق هذه البلاد في ان تندمج مع ذاتها، بدل البحث عن دمجها في فرنسا، كما هو رأي الكثير من الاحزاب والتجمعات الفرنسية. وبيرك لا يدعي السبق الى اتخاذ ذلك الموقف بل يسجل فقط انه كان من رواده الى جانب شخصية حكومية او شخصيات صحفية وفكرية... اما القضية الفلسطينية التي سكت بيرك عنها طويلاً وان كان يفكر بكثير من الروية والشك المنهجي فانها لم تأخذ الصدارة في عمله وتحركاته الا على اثر هزيمة مصر في حزيران 1967 امام الجيش الاسرائيلي، هذه الهزيمة التي كان لها في احساسه فداحة هزيمة احمد عرابي عند التل الكبير على يد الانكليز في 1882. ويعلل بيرك وقوفه الى جانب القضية العربية- الفلسطينية بهذه الكلمات "اني لم ار اي تبرير معقول لعقاب العرب على الجرائم الهتلرية كما لم أرجحه لاقامة حركة توسعية في الازمنة الحاضرة على ذكريات توراتية".

وفي نفس الفصل حول ضرورة الاختيار والتموقف لم يفت بيرك ان يسجل بنوع من المرارة كيف آلت علاقاته الى الفتور مع دولة مغاربية بسبب شجبه لسجن او اغتيال سياسيين معارضين... لكن عزاءه كما يعبر عنه في فضل آخر (تغيير الحياة) هو ان ذاكرته تحتفظ اكثر بمظاهر التكريم والتشريف التي لقيها هنا وهناك في العالم العربي كانتخابه عضواً مراسلاً في المجمع اللغوي المصري وكاستقابله بواسطة محمد حسنين هيكل من طرف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي حاوره واستمع حتى لبعض انتقاداته.

حياة بيرك كما يرويها صاحبها بكثير من الدقة والشاعرية الصادقة مليئة بالافاق المتقاطعة، آفاق حملته كزائر او كمحاضر الى السودان وسوريا والعراق ثم الى ايران حيث شعر في جولاته ان (العربية أكلته) على حساب الفارسية، وحيث ناقش مطولاً آية الله قشاني في قم، فكان اعجابه بما يسمعه ويراه يقوي احساسه الحرمان من التراث الايراني، وفي جامعة قم كرر لآخر مرة ما فعله في مسجد بضاحية كزمين العراقية بترغيب من علي الوردي، الدخول اليها متنكراً بلباس المسلم، فلتقبل دعوته القائلة أصدقائي المسلمين سامحوني" لا سيما وانه يحب اماكن الاسلام الحرام بقدر ما يكره التنكر بما فيه التنكر لاصالته هو وانتمائه الفرنسي.

محطات اخرى كثيرة في افاق بيرك، وفي كل محطة نفس الفضول العلمي والانساني ظل يحدو بيرك مع تفاوت طبعا في الاستئناس والتواطؤ.. وخلال السبعينات بالذات بدأ بيرك منذ بدايتها يبتعد عن الدراسة الميدانية لفائدة التكيف مع السفح الآخر المتمثل في العلوم المنتعشة اذ ذاك من لسانيات وسيميولوجيا ونقد ادبي جديد. ولعل الدافع الى هذا التحول هو ما يسميه بيرك بشكل مبالغ فيه بالاخفاقات المهنية التي لحقت بعض مؤلفاته... التي لم تلق ما تستحقه من انتباه وعناية في الاوساط الصحفية او في الدوائر العلمية ولا يظهر ان بيرك يلقي باللائمة على الاخرين او يكتفي بتذنيب اللوبيات المتصهينة بل يتعدى كل هذا لطرح ملاحظات على الذات، قائلاً:

"من الجائز اني اخطأت اساساً الطريق حين مزجت الايديولوجيا بما كان يلزم ان يبقى بحثاً موسوعياً. لقد كنت ازعج المتخصصين في الشرق من غير ان افرض نفسي على المنظرين".

 

................

* التوثيق

1- Jacques Berque- Mémoires des deux rives, Seuil, Pari, 1989.

2- سالم حميش – مذكرات الضفتين او سيرة جاك بيرك الذاتية- الفكرية طعم الشرق على اللسان الدافئ، مجلة اليوم السابع (باريس)، الاثنين 22/ ك 2/ 1990.

3- سالم حميش – جاك بيرك، باحثاً ومفكراً، نظرة ثانية، بعيدا عن الاستشراق التقليدي، قريبا في الزمن المتحرك، مجلة اليوم السابع (باريس)، الاثنين 18/ حزيران / 1990.

4- مروان حداد، ذكريات الضفتين، مجلة الاسبوع العربي (باريس)، عدد 6/ اذار/ 1990.

 

badr metchu"ستظلُّ أجيالٌ من الأطفالِ ..

تسألُ عن ضفائركِ الطويلهْ ..

وتظلُّ أجيالٌ من العشاقِ

تقرأُ عنكِ .. أيتها المعلِّمةُ الأصيلهْ ...

وسيعرفُ الأعرابُ يومًا ..

أنهم قتلوا الرسولهْ ..

قتلوا الرسولهْ .."

نزار قباني

(بلقيس الراوي)، تلك الفتاة الجميلة، ذات الشعر الذهبي الطويل، والقوام الممشوق، والروح الآسرة... من حي الأعظمية ببغداد. كانت هانئة في عشريناتها حينما ملكتْ قلب "شاعر المرأة" نزار قباني، في إحدى الأمسيات الشعرية في بغداد عام 1962م.

أحبَّها فأحبته، لكن قصة هذين العاشقين جوبهتْ بالرفض أوّل الأمر، لأن نزارا اخترق عُرفا عربيا قديما في رحاب العشق حين تغزّل بعينيْ بلقيس الخضراوين؛ فقبائل العرب لا تزوّج بناتها من أي شاعر تغزّل بإحدى نساء القبيلة، وقد كان التاريخ الشعري الغزلي لنزار أكبر عقبة حالت دون تقبّل أهل بلقيس لزواجه من ابنتهم.

وبعد أن أضحت قصتهما قصة رأي عام، توسطت الدولة العراقية في وفد مكوّن من وجهاء القوم: وزير الشباب الشاعر شفيق الكمالي، ووكيل وزارة الخارجية الشاعر شاذل طاقة، وبأمرٍ من رئيس دولة العراق آنذاك أحمد حسن البكر،  لخطبة بلقيس من أبيها، فوافق والدها بعد ذلك وتزوجا في عام 1969م، واستمر الزواج حتى عام 1981م، وقد أهدت بلقيس الراوي لشاعر المرأة طفلين: زينب وعمر.

وقبل زواج بلقيس بسنة، تقدمت مع زميلاتها في ثانوية الأعظمية، إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الأردن، بطلب تدريبهن على حمل السلاح، وقبولهن مقاتلات في صفوف الثورة الفلسطينية، وقد تم لهن ذلك. وكانت هذه الحادثة سرًّا لم ينكشف إلا بعد موت بلقيس، فقد أخفتْ حقيقة انضمامها إلى صفوف الثورة الفلسطينية من زوجها، حتى سمعها على لسان الراحل ياسر عرفات بعد عودتهما من الجنازة.

وفي 15 ديسمبر 1981م كانت بلقيس الراوي على موعد مع الموت الذي اغتال شبابها وجمالها، كان نزار قباني على موعد مع الصدمة العظمى، نُسفت السفارة العراقية في بيروت، تلك السفارة التي كانت تشتغل فيها بلقيس، ونُسف قلب نزار عندما نزل الخبر عليه كالصاعقة، لم يصدق أنه فقدها للأبد. يقول:

"بلقيسُ.. كيف رَحلتِ صامةً

ولم تضعي يديْكِ.. على يدَيَّا؟"

ويضيف:

"بلقيسُ..

مذبوحونَ حتى العظم..

والأولادُ لا يدرونَ ما يجري..

ولا أدري أنا.. ماذا أقولْ؟

هل تقرعينَ البابَ بعد دقائقٍ؟

هل تخلعينَ المعطفَ الشتويَّ؟

هل تأتينَ باسمةً..

وناضرةً..

ومُشرقةً كأزهارِ الحقولْ؟"

ماتت تحت الأنقاض، فماتت معها القصيدة. يقول نزار في مرثيته الأشهر:

"نامي بحفظِ اللهِ.. أيتها الجميلهْ

فالشعرُ بَعدكِ مستحيلٌ..

والأنوثةُ مستحيلهْ"

بلقيس الراوي كانت قبيلةً من النساء في عينيْ نزار، هي التي جعلته يعود للكتابة بعد توقف مفاجئ دام لثلاث سنوات قبل مجيئها، وهي التي نفثت الروح في كتاباته، كانت بلقيس هي القصيدة، وبعدعا لا شِعر يُقال. يقول:

"البحرُ في بيروتَ..

بعدَ رحيلِ عينيكِ استقالْ..

والشِعرُ.. يسألُ عن قصيدتهِ

التي لم تكتملْ كلماتها..

ولا أحد.. يجيبُ على السؤالْ"

كتب نزار في نخلة العراق الطويلة قصائد رائعة خلدها التاريخ، لكن أشهرها وأجملها وأطولها "قصيدة بلقيس" التي ودّعها بها، وفضح فيها الأنظمة العربية التي تحترف الجريمة، وتغتال القصيدة، يقول:

"سأقولُ في التحقيقِ:

إني قد عَرَفتُ القاتلينْ

وأقولُ:

إن زمانَنَا العربيَّ مختصٌّ بذبحِ الياسمينْ

وبقتلِ كلِّ الأنبياءِ..

وقتلِ كلِّ المُرسلينْ.."

ويضيف متسائلا:

"هل موتُ بلقيسٍ...

هو النصرُ الوحيدُ

بكلِّ تاريخِ العربْ؟؟..."

ويصبح تاريخ العرب وحشا دمويا يكشف عن أنيابه كلما قرأ الشاعر شيئا منه، فيقرر نزار أن يقلع عن قراءة تاريخ أمةٍ تتخلف يوما بعد يوم. يقول:

"لن أقرأ التاريخَ بعدَ اليوم

إنَّ أصابعي اشتعَلتْ

وأثوابي تغطِّيها الدماءْ..

هانحنُ ندخلُ عصرَنا الحجَرِيَّ..

نَرجعُ كلَّ يومٍ، ألفَ عامٍ للوراءْ..."

ويلوم الشاعر نفسه لأنه نقل محبوبته من حي الأعظمية حيث عاشت هانئة، لتستقر معه في بيروت التي عشقتها وقتلتها دون أن تعرف أنها قتلت عشيقتها وأطفأت القمر:

"أتُرى ظلمتُكِ إذْ نَقَلتُكِ

ذاتَ يومٍ.. من ضفافِ الأعظميّهْ

بيروتُ.. تقتُلُ كلَّ يومٍ واحدًا منَّا..

وتبحثُ كلَّ يومٍ عن ضحيَّهْ"

نحتفي بالذكرى الخامسة والثلاثين لمقتل المناضلة العراقية في صفوف الثورة الفلسطينية بلقيس الراوي بكثير من الألم، ونحن لازلنا نشهد مثل هذه الأحداث في العالم العربي، بل ربما أقسى وأعنف. نحتفي بهذه الذكرى الأليمة وكلنا أملٌ في غدٍ دون دمٍ ولا نسفٍ ولا قصفٍ ولا مدفعيّة...

 

بدر متشو

 

abdulhusan shaabanإذا كان أندريه بارو عالم الآثار الفرنسي وأول مدير لمتحف اللوفر، هو القائل: "لكلّ إنسان متحضّر وطنان، وطنه الأم وسورية"، فماذا سيقول عربي وسوراقي، عاش فترة من أجمل أيام حياته في دمشق؟ وهو المنتمي إليها وطناً ولغةً وهويّةً وعشقاً. أظنّه سيقتفي مثلي أثر محمود درويش القائل: دمشق ارتدتني يداك / دمشق ارتديتُ يديك.

كنتُ قد قلتُ في مقابلة لي مع مجلّة تحولات: أن هوّيتي سوراقية مشرقية، فبلاد الرافدين وبلاد الشام تجمعهما هوّية حضارية واحدة. ولكن لماذا أنا سوراقي؟ أجيب: "لأنني لا أستطيع وأنا العراقي إلاّ أن أفكر بطريقة أقرب إلى سورية أو قلْ إلى الشام"، وذلك لشعوري بوحدة الانتماء ووحدة المصير. وكلّما اقتربتُ من دمشق لا أستطيع إلاّ أن أفكّر ببغداد، فهما شقّان يكمّل بعضهما بعضاً. وأحياناً أقع في حيرة من أمري حين لا أستطيع أن أفاضل بينهما، وأقنع نفسي حين أتخيّلهما كما لو أنهما كالذّهب المشعشع في الميزان كفّتان، أو لكأنهما جناحا طير لا يمكنه الطيران إلاّ بهما معاً، فإن غاب أحدهما سقط أرضاً لا محال. والحق أقول بأني أحيا في حالة من التماهي في كيانيتي وعقلي بينما هو سوري وما هو عراقي.

هذه القناعة تولّدت لديّ منذ عقود من الزمان، وأخذت تترسّخ يوماً بعد يوم على نحو تلقائي وعفوي، غير متكلّف أو مُفتعل. ربما لعب مزاجي العروبي دوراً في ذلك، على الرغم من يساريتي وانتمائي "الماركسي"، وقد يكون ذلك "انشقاقاً" مبكّراً بين الثقافي الذي يقبع في داخلي، وبين السياسي الذي انضوينا تحت لوائه.

لكنني لا أكتفي بالمزاج وحده وبالعاطفة بمفردها، وإنْ كان لكلّ إنسان عاطفة، وينبغي أن يوليها اهتماماً ولا يستخفّ بها، لأن العاطفة لصيقة بالإنسان مثل الإحساس والشعور. وقلت وأنا أصف نفسي إنني حسّي، بمعنى أني فيورباخي، باستعارة نظريته في المعرفة التي اعتمد فيها على التجريبية والحسّية، ويستدخل فيورباخ الرغبة أو العاطفة إلى جانب الحسّ، فالرأس مصدر النشاط والقلب مصدر العاطفة. وحسب فيورباخ: فالأذن هي التي توصل إليك أولى الأحاسيس والإشارات، ومنها تنتقل إلى الدماغ، ومنه تتحوّل إلى فعل إرادي بمرورها على القلب أيضاً. هكذا إذن، وضمن هذا التوصيف المجازي فأنا حسّي بامتياز، وأشعر أن إحساسي مجزّءٌ بين العراق وسورية، وبين بغداد والشام، ولم يكن ذلك اعتباطاً، وإنما هو شعور بالمشتركات والمتداخلات والمتفاعلات والمتلاقحات ما بين بلاد الشام وأرض الرافدين، أكانا في جانبيهما العربي أم في جانبيهما الكردي. وكأن لسان حالي يؤكد قول الشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي: "أهوى دمشق هواي / بغداد الحبيبة لو أفيها‏".

(2)

 كنت قد كتبت في وصيّـتي في تسعينات القرن الماضي: إذا داهمني ذلك "الذئب الذي ظل يترصّدني"، مثل قدر غاشم، فانقلوني إلى النجف، وإنْ تعذّر ذلك، فإلى إربيل لعلاقتي الوثيقة مع الشعب الكردي، وإنْ كان ثمّة صعوبات أو موانع في ذلك، فدمشق هي المكان المناسب، وكدتُ أقول القدس، لكنها ما تزال محتلّة من الصهاينة، ولأن القدس شقيقة دمشق، أصل بلاد الشام وروحها وعقلها، فإن العراق وسورية يؤلفان "سوراقيا"، جوهرة العرب، وإذا كان العراق جمجمة العرب، كما أطلق عليه عمر بن الخطاب، فالشام قلبها ومصر جناحيها.

لم أعرف أن والدتي الراحلة نجاة شعبان والتي افتقدتُ رؤيتها لنحو 20 عاماً، ستستطيع أن تلتحق بي، وفي دمشق بالذات، حيث انتظرتْ مثل غيرها من العراقيين الذين كانت وجهتهم الأولى دمشق، ولكنه عندما حان موعد رحيلها، لم تختر غير الشام، وخاطبتني عشية وفاتها قائلةً: "ادفنوني" قرب مقام السيّدة زينب إنْ استطعتم. تلك هي وصيتي الوحيدة... ونزولاً عند رغبتها كان لها ما أرادت، حتى إننا أقمنا الفاتحة على روحها بدمشق في منطقة المزّة، وفي "دار السعادة"!.

لم تكن والدتي تعرف بوصيتي المكتوبة، أنني وضعت الشام في أولوياتي، إلاّ أنه إحساس الأم قلّما يخطىء، لا سيّما إذا كان الأمر يتعلّق بولدها. قلت مع نفسي كيف استطاعت أن تخمّن رغبتي؟ ولم أكن أجرؤ أن أتحدث أمامها، عن ذلك "الجهم" الذي يجلس على صدورنا، وكأنه حرسٌ على أنفاسنا حسب تعبير الجواهري، لكن دهشتي سرعان ما تبدّدت، فكيف لا وهي تعيش في قلبي وتتحسّس ما لديّ كل يوم، بل كل ساعة وكل لحظة، فكيف لا تقرأ عشقي لدمشق عيشاً أو رحيلاً، فالشام هي الملاذ الأوّل وربّما هي الملاذ والمستقر الأخير.

منذ مطلع الستينات كانت الشام قبلتنا. كان والدي مولعاً بها لدرجة الهيمان، فهي أكثر من مدينة بالنسبة له، لأنها بوابة الشرق إلى العالم، وهي التاريخ المزدان بقصص وحكايا وبطولات ومآسي. إنها أبلغُ من صُوَر اللّغة. وعلى الرغم من زيارته لبعض البلدان العربية، ولبراغ وبرلين ووارشو، إلاّ أن عشقه للشام وللقدس ورام الله، ظلّ مثل حبّه الأول يستعيده بمناسبة ودون مناسبة، وكانت والدتي تشعر أن صلاتها أكثر طهرية في مقام السيّدة زينب، وكنتُ قد اصطحبتها مرّتين من لندن إلى دمشق وعدد من الزيارات إلى دمشق من بيروت.

دمشق أو الأرض المسقية حسب معناها القديم، هي أقدم مدينة مسكونة ومتواصلة في التاريخ، وإحدى محطات طريق الحرير، وطريق البحر، وموكب الحج الشامي، والقوافل المتّجهة إلى بلاد فارس، أو آسيا الصغرى، أو مصر، أو الجزيرة العربية. وبقدر ما هي مدينة تجارية، فلها مركز سياسي مرموق تاريخاً، منذ الدولة الأموية، وأقام فيها أو دفن صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وعُرفت بأنها مدينة الياسمين، وجاء في وصف ياقوت الحموي قوله: "ما وصفت الجنّة بشيء، إلاّ وفي دمشق مثله".

ودمشق هي الشأمُ، أو: الشام: سُمّيتْ بذلك لأن أول مَن نزل بها سام بن نوح، فجُعلت السين شيناً لتغير اللّفظ الأعجمي؛ وكان اسم الشام الأول: سُورَى. وقال جماعة من أهل اللغة: (باعتبار) أنه يجوز أن لا يهمز فيقال "الشام"، فيكون جمع شامة، سمّيت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشُبِّهت بالشامات..!

وهذه الشام لا تشعرك بالغربة، فالغريب فيها مثل ابن البلد، ولم يحدث أن أحسست يوماً من أن هناك فارقاً بيني وبين أي شامي، أو أنني أختلف عنه في "الحقوق" الشخصية والاجتماعية. قد ينطبق على وصفنا هذا بيت الشعر العربي: يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا / نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل

لم أشعر بالأمان في أي بلد عربي أكثر من الشام. صحيح أن بغداد كانت آمنة في الستينات، والقاهرة أليفة، لكن حظوظ دمشق، كانت الأوفر والأكثر طمأنينة، لأنها الأكثر تعايشاً.

خلال القرون الغابرة التي مرّت على الشام كان النسيج الوطني السوري وما زال يتشكل من فسيفساء مجتمعية ذات ألوان وأشكال متعدّدة المشارب ومتنوّعة الانتماءات، وقد شكّل المجتمع الشامي أو الدمشقي تعدّدية ثقافية نوعية، دينية وإثنية تفاعلت مع بعضها بعضاً، لدرجة لا تستطيع أن تميّزها، فضمن ذلك الهارموني الموزائيكي هناك أديان وطوائف وإثنيات وأقوام ولغات، بل هناك أحياء تسمى بأسمائها، وقد حافظت جميعها على قدر من الاحترام الضروري في علاقاتها المشتركة، لا سيّما من خلال والتعايش والاختلاط، والمشترك الإنساني، وقد كان التنوّع مصدر غنىً وإثراء بتلاقح الثقافات، ولم يكن في الغالب الأعم مصدر توتّر واحتقان وعنف، إلاّ في ظروف محدّدة ومحدودة.

وإذا كانت "مقبرة الغرباء" في السيدة زينب قد احتضنت رفات عدد من الأصدقاء والأحبّة والمبدعين العراقيين، فلأنهم عاشوا فيها وقرّروا عدم مغادرتها، كالجواهري الكبير، ومصطفى جمال الدين، وغضبان السعد، وعبد اللطيف الراوي، وفاضل الأنصاري، وعلي كريم، وعبد الوهاب البياتي، وهادي العلوي، وسعيد جواد، وحسين مروّة، وغيرهم كثر..

ولأنها دمشق، فهي لا تعبّر عن ذاتها إلاّ بالتنوّع والتعدّدية والتسامح. إنها مدينة جامعة لأكثر من هويّة، وإنْ دافتها بوتقة العروبة، لكن هويّاتها الفرعية حافظت على خصوصياتها مع احترام هويّتها العامة الشاملة. والمدن مثل النّساء، فكما لكل امرأة رائحتها ومذاقها، بوحُها وسرّها، حزنها وفرحها، دمعتها وابتسامتها، سحرها وغموضها، روحها وشكلها، فلكلّ مدينة خصوصيتها وطباعها وطبيعتها، في دمشق تتجاور الكثير من الهويّات، حيث تلتقي فيها الدهشة والجمال والفتنة والإثارة، ومثلما دمشق الغوطة والربوة وسحر الشجر وعبق الحجر وذكاء البشر، وأسماء الكنائس والجوامع، فإن فيها أجمل النساء وأكثرهن عذوبةً ورقةً وصفاءً.

دمشق سرّة الياسمين حسب أدونيس، جمعت بين عظمة الماضي وروعة الحاضر، هي السندس الأخضر واللاّفندر (الخزامى)، هي الفل والياسمين والقرنفل والريحان. وكان نزار قباني على حق حين خاطبها معتذراً لأنه لم يعبّر عن عشقه لها.

آه يا شـــامُ كيفَ أشرحُ ما بـي / وأنــا فـيــكِ دائــمـاً مـَســـكونُ

سامحيني إن لم أكاشِفكِ بالعشقِ/ فأحلى مَا في الهَوى التضمينُ

 في العشق ثمّة رفرفات، رفّة فؤاد ورفّة مودّة ورفّة براءة ورفّة سلام.

من منّا لم يستحضر قصيدة الشاعر أحمد شوقي "دمشق" التي كتبها دعماً للشعب السوري ضدّ الاحتلال الفرنسي، فقد عاشت سورية في الوجدان العربي، ونستذكر منها البيتين اللذين تردّدت أصداءهما في العالم العربي كله.

سلام من صبا بردى أرقُّ / ودمع لا يكفكف يا دمشق

وللحرية الحمراء باب/ بكل يد مضرجةٍ يدق

 (3)

باستعادة سوراقيا يقول الجواهري في قصيدته "دمشق يا جبهة المجد":

شَمَمْتُ تُرْبَكِ لا زُلْفى ولا مَلَقا

وسِرْتُ قَصْدَكِ لا خِبّاً، ولا مَذِقا

وما وَجَدْتُ إلى لُقْياكِ مُنْعَطَفاً

إلاّ إليكِ،ولا أَلْفَيْتُ مُفْتَرَقا

وسِرْتُ قَصْدَكِ لا كالمُشْتَهي بَلَداً

لكنْ كَمَنْ يَتَشَهّى وَجْهَ مَن عَشِقا

قالوا (دِمَشْقُ) و(بَغْدادٌ) فقلتُ هما

فَجْرٌ على الغَدِ مِن أَمْسَيْهِما انْبَثَقا

مَن قالَ أنْ ليسَ مِن معْنىً للفْظَتِها

بلا دِمَشْقَ وبَغدادٍ فقد صَدَقا

يمّم العراقيون وجههم صوب الشام: أحمد الصافي النجفي، الجواهري، مصطفى جمال الدين، عبد الوهاب البياتي، مظفر النواب، سعدي يوسف، يوسف الصايغ، عبد الرزاق عبد الواحد، شاكر السماوي، هادي العلوي، حسن العلوي، يوسف العاني، ناهدة الرمّاح، زينب (فخرية عبد الكريم)، جواد الأسدي، شوقية، حميد البصري، كوكب حمزة، سعدون جابر، وفؤاد سالم، وغيرهم.

مَن مِن العراقيين لم يرتوي من بردى ومن منهم من لم يزر الجامع الأموي وسوق الحميدية أو يحلو له قضاء الأماسي مرتقياً قمة جبل قاسيون؟! أو زائراً في أيام الصيف بلودان أو الزبداني أو نبع عين الفيجة أو عين الخضرة.

وهذا الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي الذي اختار دمشق موطناً استقرّ فيه، فأحبها وتغنّى بجمالها يقول:

أتيت جلّق مجتازاً على عجل / فأعجبتني حتى اخترتها وطنا‏

لا يبرح الحسن يوماً عن مرابعها / كأنما الحسن من قدم بها افتتنا‏

أيقنت أني من أهل الجنان ففي / دمشق أسكن جنات تفيض هنا‏

عجبت ممن أتاها كيف يبرحها / فهل يرى في سواها عن دمشق غنى؟‏

ويقول عنها الشاعر مظفر النواب: "إنها دمشق امرأة بسبعة مستحيلات، وخمسة أسماء وعشرة ألقاب، مثوى ألف ولي ومدرسة عشرين نبي، وفكرة خمسة عشر إله خرافي لحضارات شنقت نفسها على أبوابها، إنها دمشق الأقدم، ملتقى الحلم ونهايته...".

أما الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد فيرتل شكره شعراً لدمشق التي ضمّته إلى صدرها ومحت عنه آلام الفراق والغربة:

شكراً دمشق وهبت العمر أجمعه / حسن الختام وهذا ثوبه الخلق‏

يا أخت بغداد.. مليونان من بلدي/ في طهر أرضك ما ريعوا ولا رهقوا‏

بنصفهم ضاقت الدنيا بأجمعها / وأنت تسمو بك الأرحام والخلق‏

شكراً دمشق ولا والله لا طمع / ولا ادعاء ولا خوف ولا ملق‏

بها تغزّل الشاعر البحتري والشاعر أبو تمام والشاعر أبو نؤاس، ولجمالها الساحر وجمال طبيعتها وناسها تغزل أحمد شوقي وإيليا أبو ماضي وسعيد عقل الذي تمازجت كلمات قصائده مع اللحن الرحباني والصوت الفيروزي، ليؤكدوا بأن دمشق هي تأويل هذا الشرق في اكتمال خطاه:

ظَمِئَ الشرقُ فَيَا شامُ اسْكُبي / واملأي الكأسَ لَهُ حتّى الجَمَامْ

أهلُكِ التاريخُ من فُضْلَتِهِمْ / ذِكْرُهُمْ في عُرْوَةِ الدهْرِ وِسَامْ

أُمَوِيُونَ فإن ضِقْتِ بِهِمْ / أَلْحَقُوا الدنيا بِبُستانِ هِشامْ

أنا لَسْتُ الغَرِدَ الفَرْدَ إذا / قُلْتُ طابَ الجَرْحُ في شَجْوِ الحَمامْ

أنا حَسْبِي أنَّني من جَبَلٍ / هُوَ بين اللهِ والأرض كلامْ

قِمَمٌ كالشمسِ في قِسْمَتِها / تَلِدُ النورَ وتُعْطِيهِ الأنامْ

نعم هي دمشق فيحاء الشرق وحورية المدائن وترنيمة العشق الأزلي ومفخرة التاريخ وفيض الحضارات، كما قال الشاعر سعيد عقل:

"قرأتُ مجدَكِ في قلبي و في الكُتُـبِ         شَـآمُ، ما المجدُ؟ أنتِ المجدُ لم يَغِبِ"

 إنها دمشق تراتيل الأنبياء والقديسيين:

 "شآمُ أرضَ الشّهاماتِ التي اصْطَبَغَتْ         بِعَـنْدَمِيٍّ تَمَتْـهُ الشّـمْسُ مُنسَـكِبِ"

‏فيروز غنّت وطرّبت وأطربت... وفي دمشق كان لصوتها معنى آخر "هنا الترابات من طيب ومن طربِ / وأين في غير شام يطرب الحجر".

نعم هي الشام، الياسمين والفل، هي الشام التي قال عنها الشاعر محمد كرد علي:

الفلُّ يبدأ من دمشق بياضه / وبعطرها تتطيبُ الأطياب‏

والحبّ يبدأ من دمشق فأهلنا / عبدوا الجمال وذوبوه وذابوا‏

فالدهر يبدأ من دمشق وعندها / تبقى اللغات وتحفظ الأنساب‏

ودمشق تعطي للعروبة شكلها / وبأرضها تتشكل الأحقاب‏

(4)

تتعانق العروبة من سوريا عبر الجزيرة إلى العراق حتى بطاح البصرة، هو هذا الهلال الخصيب، بلاد الرافدين وبلاد الشام التاريخية التي نعرفها. ولا تستطيع التحدّث عن سورية من دون التحدّث عن لبنان وعن فلسطين التي هي في قلب سورية. وهو ما يشكّل الهويّة المانعة الجامعة للمنطقة كافّة، وليس لدولها، لأنها امتداد لشعب واحد موحّد لغة وتاريخاً وحضارة وأدياناً، وحين تأتي إلى سوريا والعراق من الشمال لناحية مدينة دياربكر الكردية "التركية"، فستجد أنها أيضاً أرضاً موحّدة فإلى يسارك (المنطقة الكردية العراقية) وإلى يمينك (المنطقة الكردية السورية) وشمالها يوجد الامتداد التركي الكردي وتتصل بالمنطقة الكردية الإيرانية، جغرافياً ومجتمعياً وتاريخاً ولغةً.

ومثلما تعرّضت الهويّة العربية التاريخية إلى تهديدات خطرة في السابق، منذ حروب الفرنجة، وغزو نابليون لمصر وفلسطين وجبل لبنان، والاحتلال البريطاني والفرنسي، فإنها تتعرّض اليوم إلى تهديدات أشد خطورة وبأساً، تستهدف الوجود العربي والهويّة العربية، والدولة الوطنية العربية، لتجزأة المجزّء وتقسيم المقسّم، أي تمزيق الهويّات الوطنية في كل بلد عربي، وجعل الصراع بين الهويّات صراعاً تناحرياً وإلغائياً، بدلاً من حوار وجدل تكاملي بخصوص الحقوق والحريّات ومبادىء المساواة والشراكة والمشاركة.

(5)

في دمشق ازددت عروبة، وأستطيع القول إنني وبعد أن زرت جميع البلدان العربية وتعرّفت على مجتمعاتها وثقافاتها وأحوالها، وارتبطت بصداقات طويلة وعميقة مع العديد من نخبها، أن الشام هي البلد الذي تشعرك بانتمائك العروبي وبهويتك العربية وجمال لغتك العربية أكثر من أي بلد عربي، فكل شيء في الشام ينبض بالعروبة، وأقول مع نزار قباني:

دمشـقُ، يا كنزَ أحلامي ومروحتي / أشكو العروبةَ أم أشكو لكِ العربا؟                 

وفي دمشق عظُمَ اهتمامي باللغة العربية، وزاد شغفي بها وأخذت أشعر أكثر من ذي قبل ما تركت النجف عليّ من تأثيرات آسرة في البلاغة والنّحو وفخامة اللّغة وتنوّع معانيها، فازددت الاستمتاع بها مثلما ارتفعت درجة إحساسي بأهميتها وجمالها لفظاً وشكلاً ومحتوى، فمثلاً يوجد في اللغة العربية عشر مفردات للحب وعشرون لفعل الحب وأربعون لمشتقاته. أما في اللغة الفارسية فهناك ست مفردات فقط، ثلاث منها أصلية وثلاث من أصول عربية هي: العشق والوله والمحبة. أما في اللغة الإنكليزية فهناك مفردة واحدة للحب هي: Love. أما Like فهي تشبه مبدأ الشبيه، في حين أن كلمة Erotic هي للحب والغزل، وهي عروس أروس السامية.

ونلاحظ هنا الثراء في الكم اللغوي للغة العربية قياساً باللغات الأخرى، وبالطبع فإن هذا يعكس تفاوتاً في الكم الوجداني، فالإنسان يعبّر عمّا يمارسه في حياته العملية ويحوّله إلى لغة، ولذلك تجد كثرة مفردات الحب باللغة العربية، وهي دليل الوجدانية كما يقول هادي العلوي.

وفي دمشق ازددت "فلسطنةً"، فعلى الرغم من انتمائي الوجداني لفلسطين وتعلقي من باب الحقوق والعدالة بقضيتها، فقد شعرت بحرّية أكبر وأنا أتناول مواقفنا اليسارية بالنقد، بما فيها نقد الأسس التي بُنيت عليها بعض المواقف ابتداءً من قرار التقسيم وما تبعه من التباسات وارتباكات على مستوى النظرية والممارسة.

ومع أن ماركسيتي "المادية الجدلية"، أصبحت أكثر رحابة لي في التنظير والتّحليل وإعادة القراءة والانفتاح، بالانتقال التدريجي من الإيمانية التبشيرية إلى التساؤلية العقلانية، التي كانت مرحلتها الأولى براغ، فإن الوضعية النقدية كانت قد اغتنت في الشام، إضافة إلى التفسير والتأويل، وهي المرحلة الأكثر عمقاً وشمولاً، حيث شهدت حوارات عربية لقوى وتيارات عروبية ويسارية وماركسية متعدّدة ومتنوّعة ومختلفة، وكان لها الأثر الأكبر في تحرير جزء غير قليل مما تبقّى خارج نطاق النقد عندي، والذي أخضعته للفحص والتدقيق في إطار تعزيز منظومتي المعرفية.

وفي دمشق زاد إحساسي أكثر بالجمال والتّمتع به، فبعد براغ التي فجّرت فيّ الينابيع الأولى، جاءت دمشق لتحفزّني، بل تستفزني للاستمتاع أكثر بالحياة وما تزخر فيه من إبداع وتنوّع، وتدعوني أكثر فأكثر إلى التأمّل والهدوء. وأستطيع القول إنني أخذت أنظر بعمق أكثر إلى الطبيعة وأسرارها ومناخها وفصولها وأشجارها وزهورها وأنهارها وبحارها وجبالها وسهولها، فالشام هي بلد التنوّع، فما لم يكن يلفت انتباهي أو لا أتوقّف عنده، فإذا بي أبدو مندهشاً أمامه لدرجة كبيرة.

دمشق مثل بغداد شذّبتني وساهمت في اعتدالي وزادتني مرونة وتسامحاً، وملت فيها أكثر فأكثر إلى القبول بالآخر واحترام "حق الاختلاف"، وتلك سمة التمدّن، ومعنى ذلك أن دمشق دمْشقتني، مثلما بغداد بغددتني، أي أنهما مدّناني، فالدمشقة والتبغدد معناهما، التمدّن، والتحضّر.

وفي التمدّن، يكون الإقرار بالتنوّع والتعدّدية مسألة بديهية، بحكم التعايش والتجاور والاختلاط، الذي ينمّي روح التسامح وقيم الاعتراف بالآخر وقبول الحق في الاختلاف. وفي دمشق تجتمع أديان وملل ونحل ولغات، فهناك المسلم والمسيحي، والعربي والكردي والتركماني، مثلما يوجد فيها السني والعلوي والدرزي، إضافة إلى الطوائف المسيحية كافة. وفي دمشق تتجاور المساجد والكنائس والحانات، من باب توما إلى باب شرقي وحي الميدان، ومن الجامع الأموي الكبير وجامع الباشورة أو السادات أو مدرسة وجامع النورية أو جامع الشيخ محيي الدين أو مقام السيدة زينب أو مقام السيّدة رقيّة، إلى كنيسة يوحّنا المعمدان ومصلى القديس حنانيا وكاتدرائية القديس أنطونيوس والقديس بولس وكنيسة القديس يوحنا الدمشقي وكنيسة سيدة دمشق والسيدة العذراء وكنيسة الروس والكنيسة الإيطالية ودير الراهبات، وغيرها.

في الشام اغتنت صداقاتي وتنوّعت، وازددت إيماناً بالصداقة، وعرفت فيها صداقات أصيلة، ووفاء منقطع النظير، رجالاً ونساءً. ودائماً ما كنت أكرّر ثروتي في هذا العالم صداقاتي، فمن يريد أن يبحث عن الصديق قبل الطريق – كما يُقال – فسيجده في الشام. لم يترك أحد من العراقيين الشام، حسب علمي إلاّ وبكى عليها حسرة وألماً لفراقها، حتى وإن عانى فيها، وإذا كان هناك استثناء، فهذا من الشواذ عن القاعدة. أتذكر صخرة في الربوة، كُتب عليها: "اذكريني دائماً". وليس نحن الذين نتذكّر (دمشق)، بل نطلب منها هذه المرّة أن تتذكرنا، وتلك رسالة العاشق والمعشوق.!!

في دمشق ازداد شغفي بالفن والأدب، فقرأت عشرات الروايات العالمية والعربية والسورية، وشاهدت أعداداً كبيرة من الأفلام. وكنت في الستينات والسبعينات خلال زياراتي المتكرّرة للشام أحضر كلما صادفني يوم ثلاثاء عروضاً خاصة في سينما الكندي، حيث يفتح باب المناقشة بعدها، لحوار حول الفيلم وأحداثه ودور الممثلين والممثلات والإخراج والرواية، وغيرها من الأمور التي يشترك فيها الجمهور مع أصحاب الاختصاص.

وأتذكّر أنني تخلّفتُ عن المشاركة في مهرجان الشباب والطلاب العالمي في برلين (العام 1973) بسبب ارتباطي بزيارة دمشق ولقاء الأهل والأحبّة، فقد كنت على موعد في اللاذقية ورأس البسيط ومع البحر والشمس والغابات والجمال. لم أترك صيفاً يمرّ إلاّ وكنت أزور الشام، وأحياناً أستغل بعض الشتويات لأزورها وأجد ألف ذريعة وحجة لكي أجهّز نفسي للقاء الحبيبة.

دمشق علمتني حب الصباح، والصباح دليل الأمل، ويمكن القول أنّه دليل العافية وحسب المفكر هنري ديفيد ثورو تقاس صحة الإنسان بحبّ الصباح وحبّ الربيع، فالفجر والإشراق والضوء والنور والندى والهدوء تجتمع كلها مع الأمل، وحتى لو كنت متشائماً بفعل إن كل ما حولنا مدعاةً للتشاؤم، فالأمل لا يجعلني يائساً بقدر ما يمتلك من الاستمرارية والتواصل والإصرار على التغيير. وفي الأمل تشعّ الابتسامة والبهجة والإقبال على الحياة والفرح بالنهار الجديد.

إنّه الصباح الذي يهبط علينا فنسمع أصوات الحساسين مغرّدةً بشدوٍ جميل، وفيه تنبعث روائح الزهور وعطور الياسمين مثل ريعٍ مجاني يستمتع به الجميع في الحدائق الفسيحة، المضلّلة بأشجار السدر الفوّاحة حيث نمضي إلى الحب أو نعود منه وقد تذوقنا زهرة الصبّير والمشمش الحموي أو استطعمنا التين البلدي واللوز الأخضر، إنه الصباح الذي نرى فيه النساء أحلى وأجمل. وإذا كنت أميل إلى الأماسي قبل دمشق وأتأمل القمر وأراقب النجوم، فإن دمشق أخذتني إلى الصباح والإشراق، وهكذا غدوت صباحياً ومتعتي صباحيّة وعشقي صباحي، وأصبحت بفضلها مشّاءً صباحيّاً، تارة في حي التجارة والقصور وأخرى في منطقة المزّة.

 إنها دمشق سرّة الياسمين والوجه الآخر للعشق، وصدق من قال: "وعزّ الشرق أوّله دمشق".

 

diaa nafieانعقد في موسكو للفترة من 9 الى 11 ايلول / سبتمبر 2016 المؤتمر العالمي الرابع لمترجمي الادب الروسي، والذي نظمه ورعاه معهد الترجمة في روسيا الاتحادية، وشارك في اعماله الكثير من مترجمي العالم، ثم أعقبه رأسا للفترة من 12 الى 14 ايلول / سبتمبر لقاء طريف بعنوان – المدرسة الروسية – العربية للمترجمين الشباب، شارك فيه الجانبان الروسي والعربي من الذين ساهموا في المؤتمر الرابع المذكور مع ضيوف جدد من المستشرقين الروس.

لا يمكن بالطبع الحديث عن خلاصة البحوث التي استمعنا اليها من مترجمي العالم في هذا المؤتمر اذ انها واسعة ومتنوعة وتحتاج الى عدة مقالات، ولكني اود التوقف قليلا هنا عند نقطة أثارت انتباهي  - قبل كل شئ - في اعمال هذا المؤتمرالعالمي واللقاء الروسي - العربي الذي اعقبه

وهي قضية الترجمة  الادبية عبر لغات وسيطة . تحدث بعض المشاركين حول هذه النقطة بالذات، وكان مجمل حديثهم بشكل عام ايجابيا بشأنها . أشار الجميع الى ان هذه الظاهرة في الترجمة تعكس الواقع الثقافي الحقيقي السائد في البلد، الذي لا توجد فيه تلك الكوادر الثقافية المتكاملة لتحقيق الترجمة المباشرة (اي عن اللغة الاصلية مباشرة)، وبالتالي فان الترجمة عبر لغة وسيطة تكون البديل الوحيد، لانها تساهم – بشكل او بآخر -  في عملية الاطلاع على الادآب العالمية الاخرى وتوسيع معرفة القارئ بالجوانب الثقافية  والحضارية الموجودة في العالم . وقد سألت أحد الذين تحدثوا في هذا الشأن بالذات عن موقف النقد الادبي عندهم تجاه هذه الظاهرة، فقال ان مستوى الترجمة باللغة القومية هو الذي يحدد الموقف الحاسم تجاهها (اي الموهبة والكفاءة الذاتية لكل مترجم)، وان النقد الادبي اولا وأخيرا  ينطلق من جودة النص الذي يقدمه المترجم، اضافة الى ان هذا النقد يبحث ايضا عن اوليات تلك الترجمات باللغة الوسيطة نفسها ومستوياتها وموضوعيتها ...الخ، اذ ان هذا الجانب مهم ايضا وينعكس على العمل الترجمي نفسه بلا شك، وباختصار فان النقد الادبي يأخذ كل هذه العوامل مجتمعة بنظر الاعتبار عندما يتناول الاعمال الترجمية عبر اللغات الوسيطة .

 لقد ازدادت قناعتي بالترجمة الوسيطة فعلا عند  استماعي الى تلك الآراء حولها من قبل مترجمين عالميين لهم باع كبير وطويل كما يقال في عملية الترجمة الادبية في بلادهم، وتذكرت المواقف (المتشنجة جدا والمحسومة مسبقا وهنا تكمن المأساة !) تجاه الترجمة الوسيطة في العراق، والتي كانت تنطلق من النظرة العامة الساذجة والسائدة نحوها هناك، حيث ( يضيع الاخضر بسعر اليابس !) كما يقول المثل الشعبي الجميل والحكيم، وتذكرت بعض حواراتي ونقاشاتي مع بعض (مسؤولي الترجمة !) في العراق في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وكيف انهم لم يستطيعوا الاجابة حتى عن ابسط الاسئلة التي طرحتها عليهم آنذاك  في هذا الخصوص، مثل – (وكيف باستطاعتنا ان نتعرٌف على الادب الصيني والياباني والهندي والفيتنامي وحتى آداب حضاراتنا القديمة في وادي الرافدين ومصر واليونان وووو..لولا الترجمة الوسيطة تلك، والتي قام بها مترجمون كبار؟)، ولم يتحدثوا طبعا عن حل مقترح لكل هذه الاشكالات ولا عن البديل الواقعي الممكن لذلك .

تحدث بعض المساهمين العرب في هذا المؤتمر حول هذه النقطة ايضا، ولكن حديثهم كان عاما جدا وبدون التعمق والدخول في التفاصيل الدقيقة للموضوع، اذ انهم ذكروا في كلماتهم ومداخلاتهم اسماء المترجمين العرب للادب الروسي مثلا عبر لغات وسيطة، مؤكدين على جانب احادي فيها وهو - عدم الدقة في بعض تلك الترجمات هنا وهناك (مثل كتابة الاسماء مثلا)، دون التوقف المعمق والموضوعي والشامل عند اهمية هذه الظاهرة  وقيمتها في مسيرة الثقافة العربية المعاصرة في فترة معينة من تطورها، وقد شمل ذلك الحديث (وبنفس تلك الروحية غير الموضوعية مع الاسف الشديد) حتى عندما كان الموضوع يدور حول مساهمات عملاق الترجمات الوسيطة في تاريخ الترجمة الى العربية وهو  الدكتور سامي الدروبي (1921- 1976) ودوره في ترجمة الادب الروسي الى العربية عبر اللغة الفرنسية، اذ تمت الاشارة الى بعض الامثلة غير الموفقة عنده من وجهة نظرهم طبعا، وهي امثلة نادرة جدا وسط  تلك الكمية الهائلة والمدهشة من الاعمال الترجمية التي قدمها الدروبي للادب العربي الحديث (يكفي الاشارة الى ان من بينها المؤلفات الكاملة لدستويفسكي!!)، والذي جعله يشغل المكانة الاولى في عالم الترجمة الادبية العربية ولحد الان وبكل جدارة واستحقاق . كم اتمنى ان يعقد المترجمون العرب ندوة خاصة مكرسة لدراسة النتاجات الترجمية التي اعطاها لنا هذا المترجم الكبير، كي يحددوا بموضوعية وعلمية رصينة دور الدروبي في مسيرة حركة الترجمة في عالمنا العربي ويبينوا ما له وما عليه باعتباره ظاهرة كبيرة في تاريخ الترجمة في عصرنا الحديث، اضافة الى ان مثل هذه الندوة تعني من جانب آخر وبلا شك  الاعتراف الرسمي بالترجمة الوسيطة باعتبارها الوسيلة الوحيدة للعرب في الوقت الحاضر لمواصلة الاطلاع على الاداب العالمية والتفاعل الحي معها .

 

jamal alkersanفي مزاد تاريخي بامتياز بيعت احدى لوحاته عام 2012 بمبلغ قياسي وصل الى قرابة 120 مليون دولار، انه ايقونة الفن الاسكندنافي الفنان النرويجي الشهير ادوارد مونك " Edvard Munch" الذي اثارت لوحاته جدلا فنيا في شمال الكرة الارضية.

حينما كنت انقل خطواتي في احد اشهر الاحياء الباريسية وهو الحي اللاتيني تتردد بين الحين والاخر لوحته الشهيرة "شارع لافييت" لصيقة كانت بتلك المدينة كما هو الحال مع روائع البؤساء، احدب نوتردام والعديد من لوحات بيكاسو التي رسمها في باريس.

وحينما هبطت بنا الطائرة لاول مرة في العاصمة النرويجية اوسلو تذكرت قبل ان اتذكر اي نرويجي آخر.. الرائع "ثور هايردال" والفنان "ادوارد مونك"، لكلا الاثنين متحف خاص به في زوايا اوسلو.

الفتى الذي ولد لعائلة نرويجية متدينة حاولت ان تزرع فيه الضوابط الدينية لم ينسجم مع رغباتها، وانساق هائما مع تحولات اجتماعية وفكرية غريبة، غرابة التجربة في حياة مونك لم تكن بعيدة عن جنون الفن ونزعاته اللامفهومة، اللامنطق يبدو منطقيا تماما في سيرة حياة اشهر الفنانين على مستوى العالم.

لكن ذلك الجنون والهوس الفني زرع في مونك بذرة الابداع، لقد تجلى هوسه جملة من الروائع اشهرها لوحة "الصرخة" التي بيعت احدى نسخها الاربع عام 2012 بحوالي 120 مليون دولار وهو رقم غير مسبوق لاعمال فنية من هذا النوع.

يتحدث مونك عن ارهاصات لوحته الاشهر ويذكر انه استوحاها من متغيرات طبيعية مخيفة حصلت له حينما كان يتمشى بمعية اصدقائه في شتاء العام 1892. هول التغيرات المخيفة التي حصلت في السماء زرعت بداخله صرخة من الخوف.. عبّر عنها بتلك اللوحة الملفتة.

يتحدث الكثيرون عن الصرخة لكن لمونك اعمال اخرى لا تقل اهمية وروعة، من بينها اوحة "فتيات على الجسر"، تلك اللوحة تبدو من قلائل الاعمال التي بدى فيها مونك متفائلا بعض الشيء بالمقارنة لعشرات اللوحات الاخرى التي طغت فيها روح الياس والاكتئاب. اللوعة والقلق رافقت مونك في اغلب اعماله، ربما يعود ذلك الى ما مر به من ألم ومرارة في بدايات حياته، اذ توفيت امه مبكرا، لاحقا توفي ابوه ودخلت شقيقته مصحا عقليا، قسوى الايام ربما تكون سببا منطقيا ايضا للتحولات الاجتماعية والفكرية التي مر بها مونك في شبابه.

ولد مونك في 12 كانون الاول عام 1863 وتوفي في 23 كانون الثاني 1944، التقارب بين ذكرى ولادته ووفاته يدفع النرويجيين الى استذكاره على مدار شهرين سنويا، يعتز به ابناء شعبه كثيرا، هناك جائزة سنوية توزع باسمه، العديد من الفعاليات الثقافية والفنية تقام على شرف ذكراه، اكرمته الخطوط النرويجية ايضا بوضع صورته على متن احدى طائراتها كما فعلت مع المتميزين من بقية البلدان الاسكندنافية.

ان لوحات مونك التي تتوزع على اشهر متاحف اوسلو وبقية مدن العالم تمثل عوامل استقطاب استثنائية جدا للسياح ومحبي الفنون، ويكاد يشابه الزحام حول لوحة الصرخة في المتحف الوطني للفنون بأوسلو الزحام الذي يحصل بالقرب من رائعة الموناليزا في متحف اللوفر بباريس.

 

اوسلو- جمال الخرسان

 

 

qassim salihyان تعشق امرأة عشق مجنون ليليلاه..فتلك قضية قلب يتوقف فيها دور العقل عن التدخل، لكن ان تعشق (ثقافة) فيها الأب والأخ وابن العم والعشيرة قد تمنطقوا بما يفني العاشق، في وطن شاعت فيه ثقافة القبح والعنف، وصار فيه المثقف الحقيقي مهددا بكاتم الصوت، ومع ذلك لن تتخلى عن معشوقتك..فتلك حالة استثنائية فيها مس من جنون عراقي،  بطلها..محمد رشيد، الذي ما يزال عاقلا حتى اللحظة!

تتبعت صفحات من حياة هذا العاشق (المجنون العاقل، او العاقل المجنون) فوجدت فيها انه كان منذ طفولته يشعر بوجع وطنه العراق.وأن قدره قد شاء له ان يدله على انبل الطرق وأشدها خطرا..الثقافة، لاسيما في العراق.. اذ لا يوجد وطن في الارض فيه من التنوع الثقافي والمنتج الابداعي والثراء الفكري والسبق التاريخي مثل ما الرقعة المعمورة في العراق. يكفي ان نلمّح باشارت الى ان ارقى الثقافات البشرية ما تزال فيها الان نكهة من ثقافة العراق..البلد الوحيد في زمانه الذي تنوعت فيه الثقافات: السومرية،  الاكدية،  الاشورية،  البابلية.. وصولا الى اعظم مدرستين في تاريخ ثقافة العرب والمسلمين: مدرستا الكوفة والبصرة ..الى يوم كانت فيه بغداد عاصمة الدنيا في الثقافة،  وتأسيس بيت الحكمة (  832 م ) الذي كان اول مكان في العالم يلتقي فيه تيار فكري ينفتح على الثقافة اليونانية ليغني الفكر الانسانية، بتنوعاته الثقافية من الأيمانية  المتطرفة  الى الألحادية.

والمدهش ان (ميسان) التي عاش مجتمعها بجميع طوائفه بتضامن وأخوة ورقي انساني، منذ العهد العثماني، انجبت مبدعين للعراق في مختلف الاختصاصات والفنون:علماء، اطباء، صيادلة، مهندسين، رجال قانون،  قادة عسكريون، رجال شرطة، وزراء،  فنانون تشكيليون، مسرحيون وسينمائيون، صحفيون واعلاميون، ادباء وكتّاب، رياضيون، صاغة مندائيون، وشخصيات اجتماعية وسياسية ودينية. بل ان تأثيرها امتد الى بغداد في العلم والعمارة. ففي عامي 1957-1958 بني اول صرح علمي في العراق..جامعة بغداد، بان قام العالم الفيزيائي..ابن العمارة الدكتور عبد الجبار عبد الله مع زميليه العالم الجغرافي الدكتور محمد الخلف، والعالم في القانون الدكتور علي حسين الخلف بوضع قوانين اول جامعة في العراق.

لا يعنيني هنا ما انتجه محمد رشيد من تنوع في الأدب..فهذا شأن شخصي، ولا يعنيني ايضا تضخّم الأنا لدى بعض كبار المثقفين الذين لا يحبون أن يمتدح غيرهم..بل ما فعل به عشقه للثقافة من انجازات.

فالرجل استلهم من عشقه للثقافة فكرة استمدها من طائر العنقاء الاسطوري..ليمثل العراق  الذي ينهض من كل شدّة نهوض العنقاء،  يولد من رماده من جديد ليحلق في فضاءات ارحب..وقد حققها في عام 2003..بـ(جائزة العنقاء) التي طارت وحطت في (اسيا،  افريقيا، اوربا، استراليا)..فضلا عن مدن عراقية: بغداد، كركوك، سليمانية، ميسان، ذي قار واربيل.

ومع ان البعض كانت لديه ملاحظات على طريقة او معايير منح الجائزة،  فان كثيرين وجدوا فيها انها  اصبحت مرسالا ادبيا ثقافيا يمثل ثقافة العراق في المحافل المختلفة،  وثقافة متنقلة تحمل معها هموم المثقف العراقي المنشغل بالبحث عن مديات تجديد الخطاب الثقافي.

ومن ابتكاراته انه وجد  ان المكرمين من المبدعين من الرجال اكثر من المبدعات من النساء فاختار اليوم العالمي للمراة (8 آذر) لتكريم النساء المبدعات المتميزات، ليخلق به  توازنا في منح جوائز العنقاء بكل اصنافها الـ(12) بين الرجل والمرأة.

وكما يكون العاشق  مفتونا باكتشاف ما هو جميل في تفاصيل حبيبته، فان محمد رشيد كان مبدعا في ابتكار ما هو رائع في الثقافة. فمن ابتكاراته انه أسس في( 2004) اول تجربة في العراق، ورابعها في الوطن العربي هي (برلمان الطفل العراقي) هدف منه الى تطبيق اتفاقية حقوق الطفل الدولية عبر معرفة حقوقهم ونبذهم العنف وزرع قيم التسامح والسلام والمحبة وبناء الانسان العراقي من خلال محاضرات التنمية البشرية. وما كان هذا على مستوى العراق فقط، فلقد شارك مع اربعة اطفال عراقيين في المؤتمر التأسيسي لبرلمان العربي للاطفال عام (2011) ضم (12 )دولة عربية،  واختير ضمن افضل اربعة خبراء ليسجل فيه حضورا للعراق غابت عنه وزارة الثقافة العراقية..وحصل عنها على ( وسام سفير ثقافة وحقوق الطفل) و(جائزة الدفاع عن الطفولة) من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

ليس هذا فقط  فالرجل كان قد اسس (دار القصة العراقية) و(مهرجان الهربان السينمائي الدولي المتجول) و (الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف) و(مؤتمر القمة الثقافي العراقي) و (يوم المثقف العراقي )..هذه الظاهرة التي نحتفل بها اليوم (14 كانون 2016) واراد لها  أن تكون  كرنفالا يكحل عيون المثقفين العراقيين، ويعطّر أنفاسهم برائحة أهوار العمارة.

كانت فكرة الاحتفاء بالمثقف العراقي  قد راودت محمد رشيد منذ زمن طويل. وكان يريد رسم خارطة لمستقبل المثقف العراقي ومناقشة ما جرى له منذ عام 1980 وإيجاد حلول إستراتيجية تهدف الى عادة المكانة المميزة عربيا للمثقف العراقي ليكون عنصرا فاعلا في رسم التشريعات والقرارات التي تخص مستقبل العراق كونه العنصر الأساس لبناء الحياة الذي يتمتع بالمحبة والتسامح والجمال والبناء النفسي والروحي،  وسفير الكلمة الحرة للعراق  وخزينه الاستراتيجي الذي لا ينضب.

 

ولأن انتظاره للدولة ممثلة بوزارة الثقافة قد طال، فانه بادر مع نخبة من المثقفين الى عقد  "مؤتمر القمة الثقافي الأول" في تشرين الثاني(2011 ) بمنتجع جنة عدن بميسان، وها هو يعقده الآن(2016) في نفس المكان والزمان.

يذكر محمد رشيد انه اطلق في حينها استمارة للشراكة الثقافية نشرت في وسائل الأعلام للمساهمة عن هذه الاحتفالية السنوية، غير ان الجهات المعنية بالثقافة لم تشارك..بل ان بعض من تكفل بتغطيتها ماديا لم تف بوعدها. فاحدى الجهات التي أعلنت شراكتها طلبت ان يتم تكريم ثلاثين مثقفا بمبالغ  تصل عشرات الملايين من الدنانير او انسحابها..مما اضطره وزملائه  ان يدفعوا من جيوبهم خمسة ملايين دينار، مع ان المؤتمر الأول كان في زمن الخير برعاية مجلس محافظة ميسان..وعليه ان يغسل يديه الآن من الحكومة بعد ان صارت في زمن التقشف!.

كان الرجل بحجم وزارة في تقديره لدور المثقف.ولأنه كان يرى في حبيبته الثقافة انها هي التي تبني الأنسان، فقد عمد ورفاقه في الهيئة المشرفة الى تكريم رموز الثقافة العراقية..الأحياء منهم والأموات: عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)،   شمران الياسري (أبو كاطع )،  صالح اليوسفي،  دارة توفيق، عبد الجبار عبد الله..وقائمة من أقمار الثقافة العراقية.

وبرغم الخيبات القاتلة التي اصابت الناس والوطن وانين وجع الثقافة ثماني سنوات في حرب مجنونة وثلاث عشرة سنة محاصرة، وست عشرة سنة مخنوقة، فان الأحباط لم يتمكن منه. صحيح انه داهمه هذا العام(2016) واعلن انه سيطلب لجوئا انسانيا، لكنه لم يستسلم لسببين، الأول..انه وجد في محبيه انهم كانوا كثرة ومن النوع الراقي الذي يمنحه حق التباهي  بحبهم له، والثاني سيكولوجي خالص يتمثل بتوقعه لقسوة تأنيب ضمير، وقسوة العاشق ..قاتلة، ان تخلى وخذل من هي الأجمل في العراق..حبيبته  الثقافة، بكل صنوفها..التي خلدت جلجامش، الجاحظ، الجواهري، السياب، مصطفى جمال الدين، جواد سليم، يوسف العاني، جعفر علي، ملا عثمان الموصلي، القبنجي، زهور حسين، داخل حسن، وو..مسعود العمارتلي!.

وكما يقول نزار قباني الذي مشى عشرين عاما بدرب الهوى وما يزال الدرب مجهولا، فان محمد رشيد  قضى العشرين بدرب الثقافة وسيبقى بدرب مشوار عشقه لها خمسين اخرى  فيما تبقى وزارة الثقافة..في الصفحة الأولى!.

 

عضو اتحاد الأدباء والكتاب – حاصل على جائزة التنوير الثقافي لعام 2016

 

اجمل ما هذه الحياة هو التحضر في واقع مرير دعواته تسير نحو المجهول  .

مع بزوغ الصباح في وسط الازدحام المروري تقف الحافلات ومختلف انواع العجلات وهي تكتظ بالناس ... مجاميع تذهب الى العمل، واخرى لقضاء حوائجها في الدوائر الخدمية ..

واصوات المسجلات وراديو الحفلات متنوعه في موقف واحد، ذاك ترتيل القران الكريم، وهذا دعاء ...والبعض موسيقى كلاسيكيه، واخرين غناء .

والاغلب الاعظم في ذلك المجتمع  يتعامل بأسلوب اخلاقي جميل انطلاقا من الكلمة الطيبة صدقة .

ورغم الاستياء الشعبي ضد ساسة العراق، الا ان الشعب يحول خلق اجواء حضارية فيما بينه .

وبشكل تلقائي يحاولون تقديم الخدمات لبعضهم البعض، فتلك امرأه كبيرة السن ينهض الشاب من مقعده في بداية الحافلة لتجلس تلك السيدة وهو يذهب الى مقعد اخر في مؤخرة العجلة .

والسائق لا يتحرك الا بعد ان تجلس هذه المرأة لكي يحافظ على استقرارها اثناء الجلوس .

والصورة الاخرى عندما تصعد السيدة او الفتاة ان كانت موظفة او طالبه او لديها حاجة تروم قضائها في مكان ما، فأنها تلقي السلام على الركاب جميعا،وعندما تريد الجلوس على الكرسي يباشر الشخص المجاور بفتح المقعد ليسهل لها الجلوس في المكان المختار من قبلها .

وبعض الفتيات صغيرات الاعمار تستخدم اسلوب رائع عندما تتنقل لجامعتها او المدرسة ،فاذا لم تجد نساء تجلس بجوارها تختار الجلوس بجوار كبار السن، وهذا التصرف يوحي بأنهن يتجنبن المشاكل او الاحتكاك ببعض ضعفاء النفوس من المراهقين .

وهناك سائق سيارة اجره متوسط العمر اصطدمت مقدمة عجلته باخرى سائقها صغير السن،فنزل الاخير يبرز عضلاته لكنه لم يتلفظ كلمات بذيئة، فكانت كلمته ماذا فعلت يا حاج ؟

رد الحاج .. عمي بخدمتك .. ولا اقول لك من على خطاء ..لكن يكفيك 250 الف دينار للتصليح ؟

قال صغير السن .. عمو انا ليس كبير بخت اغرمك وانت على باب الله .

تصافحا واحدهم يقبل الاخر ..وقلنا لهم بارك الله فيكما وانطلق كل منهم لحاجته ..

وربما هي حالة نادرة او فريدة من نوعها لكن هذا ما رأيناه بأم اعيننا في بغداد منطقة الكاظمية .

واثناء مراجعة دائرة جنسية الكرخ في ساحة النسور وهي للمرة الثانية خلال شهر واحد، رايناها دائرة مثاليه في هذا الوقت العصيب، وفعلا يجوز لنا ان نطلق عليها دائرة نموذجية في انجاز المعاملات، فاذا علموا بالمواطن من محافظة بعيدة اسرعوا اكثر في الانجاز، فلا يتأخر الموطن فيها سوى نصف ساعة واذا كان عدد المراجعين كثير فساعة واحده، فضلا عن رقي الاخلاق الطيبة في التعامل مع الناس .

أما المشاكل المجتمعية في بعض مناطق بغداد، فغلبت عليها الحلول العشائرية دون الرجوع للاجهزة الامنية المختصة، وتكاد ان يتغلب عليها ذلك الطابع في عموم المحافظة حتى تشعر بانك تعيش بين مجتمع عشائري، ونعوز ذلك لعدم سيطرة الاجهزة المختصة على كثرة المشاكل،وبنفس الوقت غياب القانون وسط العاصمة في بعض المناطق .

وربما هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الكثير من الاسر والعوائل تعود لجذورها العشائرية لتختار ممثلا عنها ينوب عن الشيخ العام .

ولكن بعض الممثلين يستغلون هذه الحالة من أجل استنزاف اموال من يتبعونهم، وربما يغيرون الحق فيجعلونه باطل لأجل كسب الاموال .

وهذا يعيدنا الى الصور الاولى التي ذكرناها في مقدمة المقال حيث تتجنب الناس المشاكل بأسلوب التعامل الاخلاقي فيما بينهم ..فهذا هو التحضر بعينه خلق جو هادئ وقطع الطريق على كل انتهازي يحاول التلاعب بقوت الناس .