المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

هؤلاء في حياتي (١٠): موحان معدي.. أعدموه (١٢) مرة

salim alhasani2تدرجت الأحوال مع (موحان) فصار ميسور الحال، وافتتح مكتباً للمقاولات قرب متنزه ١٤ تموز في الكاظمية، لكن أرباحه كانت للفقراء والعمل الدعوتي، يكتفي منها ما يقوّم حياته، وكان المكتب واجهته في التحرك والنشاط والعمل الإسلامي.

وقد سعى عبر وساطات وعلاقات متشعبة أن يحصل على مقاولة داخل مبنى مديرية الأمن العامة في شارع النصر ببغداد. وقد نجح في مسعاه (باستخدام اسم آخر)، وكان تخطيطه أن يقوم بعملية كبيرة لإطلاق سراح المعتقلين، من خلال اطلاعه على مبانيها وقاعاتها ودوائرها من الداخل.

لكنه تعرض للاعتقال بين أواخر ١٩٨١ وبدايات ١٩٨٢، فانصب عليه الغضب البعثي مجنوناً هائجاً من التعذيب الوحشي، وقد ظل صامداً يتحمل الوجع لوحده، يرفض الكلام والاعتراف، فأصدروا عليه عدة مرات حكم الإعدام، لكنهم لم ينفذوا الحكم، فقد كانت تتجمع المزيد من المعلومات عليه من قبل المعتقلين الجدد، فيؤجلون التنفيذ، ويعيدون معه التحقيق تحت وجبات متواصلة مسعورة من التعذيب، وهو على صموده وتماسكه.

كان المعتقلون يتناقلون حكاياته، فما من معتقل مرّ على الأمن العامة، إلا ويكون قد سمع اسم (موحان) متداولاً بين السجنّاء على مدى سنوات متتالية.

وقف موحان أمام المجرم مسلم الجبوري في المحكمة (١٢) مرة، وفي المرة الأخيرة أصدر عليه حكم الإعدام. فقال له موحان:

ـ لقد أصدرت عليّ هذا الحكم (١١) مرة من قبل، ولم تفعلوا، أنا جاهز للإعدام.

...

أُثيرت شبهات عديدة عن صمود الشهيد (موحان معدي)، وصلت الى درجة القول إنه بعد صموده لفترات طويلة ورفضه الاعتراف، إنهار في النهاية وأدلى باعترافات تفصيلية عن الدعاة.

وذهب بعضهم الى القول بأنه تسبب في اعتقال عشرات الدعاة، وأن أجهزة الأمن الصدامي أخذت تستعين به ليستعرض المعتقلين الجدد، فيؤشر لهم على المنتمين لحزب الدعوة، بل وصل الكلام الى القول بأنه كان يخرج معهم يرشدهم على بيوت الدعاة وأماكنهم، وغير ذلك من أقوال.

...

كنتُ مهتماً بقضية الانهيار المزعوم على مدى العقود الماضية، كلما جاء ذكر (موحان) مع من ألتقيهم من المعتقلين السابقين، أو الذين سمعوا من معتقلين آخرين. وكانت النتيجة التي توصلت اليها تتلخص بالنقاط التالية:

ـ لم أسمع أي معتقل بأنه واجه (موحان) مباشرة في السجن، وأنه اعترف عليه أمامه.

ـ لم أجد أياً من أصدقاء واخوان الدعاة المعتقلين، أن مداهمة بيتهم تمت بإرشاد أو وشاية من (موحان).

ـ وجدت البعض يؤكد أنه كان معتقلاً وأنهم جاءوا بـ (موحان) وكان موحان ينكر معرفته بهم، رغم انه كان يعرفهم جيداً ويعرفونه، ومع ذلك كان يصرّ على الانكار، وقد احتفظ هؤلاء بالعرفان لموقفه البطولي لأنه أنقذهم من الموت.

ـ بقي عدد من أقرب أصدقاء (موحان) بمأمن من الإعتقال ومداهمة أجهزة الأمن، حتى سقوط النظام عام ٢٠٠٣، مما يؤكد أن موحان ليس كما تتحدث عنه هذه الآراء التشكيكية.

ـ تعرض الصديق العزيز (طه الأميري/ أبو هاني) وهو من المقربين جداً له، الى عدة اعتقالات، وخلال التحقيقات المتكررة معه، لم يأتوا على ذكر (موحان)، فلو كان قد اعترف، لكان (طه الأميري) أول من تلحقه نتائج الانهيار المزعوم.

ـ بالنسبة لشخص بجحم (موحان) ووزنه التنظيمي ومسؤوليته المتقدمة في العمل المسلح لحزب الدعوة، كان المفروض أن تستغله أجهزة النظام، لترتيب لقاء تلفزيوني معه، فهي فرصة نادرة لهم في مثل هذه الحالات، لكن ذلك لم يحدث، بينما عرضوا على التلفزيون أشخاصاً أقل بكثير من منزلة (موحان) في الهيكل التنظيمي لحزب الدعوة.

...

أعتقد أن الأجهزة الأمنية اشاعت هذه الشائعة وسط السجناء، وسربتها الى خارج المعتقل، فقد انتشرت في العراق ووصلت الى المهجر في سوريا وإيران، مما يشير الى أنها كانت شائعة مدروسة لبث اليأس وإضعاف المعنويات، وهو اجراء كانت تقوم به أجهزة الأمن، مثلما فعلت ذلك من قبل، في بث شائعة اعتراف الشهيد الكبير (عبد الصاحب دخيل) وخدعت بها بعض المعتقلين عام ١٩٧١.

وكذلك كانت أجهزة الأمن تعرض الصور المفبركة على المعتقلين يظهر فيها بعض العلماء والمراجع في مواقف مشينة، أو شائعات أخلاقية ضد شخصيات معروفة وضد بناتهم. وكل ذلك لغرض إضعاف معنويات المعتقلين الصامدين.

لا أطرح الرأي هنا، كرأي جازم، ولكني أطلب ممن يملك شهادة حية مباشرة بأنه واجه (موحان) في المعتقل وأنه اعترف عليه وجهاً لوجه، أن يقدم شهادته.

...

كان (موحان معدي النصاري)، ظاهرة متميزة، وشخصية استثنائية، قطع أشواط حياته ذائباً في العمل الرسالي، وترك أثره في كل من عرفه، أاجمع الذين تعرفوا عليه وعايشوه، أنه كان شجاعاً لدرجة وصفه بأنه (ميت القلب) في توصيف شجاعته وصلابته. وفي وصفه أيضاً بأنه يمتلك قلباً يسع الناس، في طيبته وتسامحه واخلاقه العالية.

رحم الله الشهيد الكبير (أبو أيمان).

أعجز عن شكرك أيها الأخ الكبير، ستبقى نموذجاً رفيعاً في حياتي.

 

سليم الحسني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-07-16 05:24:52.