المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

هؤلاء في حياتي (١١): حسين علي السعدي.. جواز سفر

salim alhasani2وقفت عام ١٩٨٠ أمام خيار واحد، الهجرة من العراق، واذا فشلتُ في المحاولة فالطريق الى المعتقل سيصبح محتوماً. جربتُ الحصول على جواز سفر، نجحت الخطوات الأولى بصعوبة، حتى وصلت الى موافقة دائرة التجنيد، دخلتها ومعي الأوراق المطلوبة، نظر اليها جندي برتبة عريف، أخرج من درجه ملفاً، قرأ قوائم الأسماء، ثم اصطحبني الى ضابط تجنيد الكاظمية الأولى، وكان برتبة رائد.

- سيدي هذا يريد الحصول على جواز سفر، واسمه في قائمة المطلوبين.

ـ إتصل بمديرية الأمن ليأخذوه.

طلب مني العريف ان أقف خارج الغرفة، وراح يدير قرص الهاتف، ويرمقني بنظرات غاضبة. تراخت ساقاي، ونشط القلب بضرباته وكأنه يعاديني ليؤكد لي أنها النهاية. لكن الحظ كان طيباً معي، فقد جاء عدد من الأشخاص المراجعين يقدمون معاملاتهم للعريف. هذه هي الفرصة الخاطفة، قطعت المسافة بين الغرفة والباب الرئيسي للدائرة بسرعة، ثم دبت القوة في الساقين، فركضت مبتعداً حتى دخلت الأزقة التي كنت احفظ تفرعاتها بحكم النشأة.

...

بعد ما يقرب من ثلاثة أسابيع من القلق والتفتيش عن خيار آخر، جاء الصديق العزيز (حسين علي السعدي) في إجازة من البصرة، حيث كان يؤدي خدمته العسكرية بعد تخرجه من الجامعة التكنولوجية برتبة ملازم أول في البحرية.

شرحت له الأمر، وهو الشجاع الطيب الشهم، فبادر من تلقاء نفسه بتكرار المحاولة، وأنه سيأتي معي بملابسه العسكرية، ويقصد ضابط التجنيد مباشرة، دون المرور على العريف، وبدوري أجري بعض التعديلات على مظهري فأضع نظارتي الطبية وأقص شعري.

وكان الحظ طيباً معي أيضاَ، فقد كان ضابط التجنيد يتحدث مع ضيف له بانسجام وانشراح، أدى الصديق (حسين علي السعدي) التحية العسكرية وقدم له أوراق المعاملة، ولكي لا يقطع الضابط حديثه الحميم، ختم الأوراق وأمضاها بسرعة.

خرجنا من الدائرة، كنت أريد ان استعجل الخطى، لكن الأخ (أبو علي) طلب مني أن نسير على هدوئنا لكي لا نلفت الأنظار.

بعد ما يقرب من أسبوع صار جواز السفر بيدي، وحجزت مقعداَ على حافلة سورية الى دمشق.

في يوم السفر ٢٢ /٨ /١٩٨٠، أصرّ (أبو علي) أن يودعني في كراج النهضة، لكي يطمئن أن الأمور تسير بشكل طبيعي، وقد كنت أحاول إقناعه بخطورة ذلك، فاذا ما انكشف أمري، فأن مصيره سيكون الإعدام بحكم خدمته العسكرية، لكنه قطع الجدل بأنه لن يهدأ له بال حتى يرى الحافلة تنطلق.

...

مرت سنوات الهجرة الطويلة، وسقط نظام الظلم الصدامي، وجاءت بعده مرحلة سقوط الكثيرين في السلطة. وكان الأخ (حسين علي السعدي) يعمل بشرفه ونزاهته ونقاء ضميره بأعمال حرة، لم يزج نفسه في التدافع على المناصب، كان يكفيه الرزق الحلال، وخدمة الناس.

ومضت سنوات على العراق الجديد، فوقع (أبو علي) في مشكلة مالية، كان ضحية الفساد المالي والإداري والعصابات المسلحة، فخسر جهده وماله في مشروع أنجزه بحسب المواصفات بدافع الإخلاص والأمانة والمهنية وخدمة العراق، لكنه لم يخضع للرشاوى والتلاعب، فكانت النتيجة عصابة مسلحة تنتظره عند باب المصرف، استولت على أمواله بتهديد السلاح، ورافق ذلك إجراءات مقصودة من المسؤولين أوقعته في الضيق. وكان يحتاج الى تدخل أحد المسؤولين ليستعيد بعض حقه، وإلا سيكون مضطراً لبيع منزله ليكمل التزاماته في إتمام المشروع، لكن هؤلاء يعرفون كيف يكون انتقامهم من النزيه موجعاً، وقد منعته نزاهته وشرفه، من الوقوع في إغراءاتهم، فباع المنزل، وأثقل نفسه بالديون، حتى أنجز عمله الذي تعهد به على أحسن وجه.

إتصل بي هاتفياً عسى أن أساعده على لقاء مسؤول من رفاق الأمس، لكنني فشلت، فلم يعد يبالون بالحقوق، وصار النزيه منبوذاً في هذا الزمن. اعتذرت منه بأن معظم رفاق الأمس صاروا خصوماً لي، فلقد نصحتهم طويلاً، فصيروني خصماً، وكتبت الكثير من المقالات في نقد الوضع القائم بعد السقوط، فازدادت خصومتهم، فلقد اعتادوا كلام التزلف الكاذب.

شعرت بالحرج الشديد، وبالحزن العميق، ولا أزال حتى هذه اللحظة.

أخي العزيز (أبو علي) اعذرني رجاءً، لقد جازفت بحياتك من أجل إنقاذ حياتي، لكني عاجز عن رد الجميل.. أنت تعرف السبب، وقلبك الطيب اعتاد السماح، دعهم فيما هم فيه، فليس كل الذين يتمكنون من المناصب يبقون على توازنهم، إنهم يصابون بالاختلال. دعهم يتخفّون من أعين الناس في المطارات والأماكن العامة، وأبق أنت كما أنت يحبك الناس، ينتظرون منك لمسة المحبة والمودة والأدب والخلق الرفيع، تمشي مرفوع الرأس بنزاهتك المعروفة وبكد يمينك.

امض في طريقك أخي العزيز وسيعوضك الله خيراً، عما خسرته من جهود عملك الشريف على مدى (٢٥) سنة، ذهبت مسروقة في جيوب الفاسدين.

 

سليم الحسني

 

 

تعليقات (1)

  1. المهنجس اياد

السلام عليكم .....انه الوفاء والاخلاص بعينه.....بل قمة في الايثار ونكران الذات من اجل الغير،بارك الله فيك ياسيد السعدي كنت مشروعا للفداء والمغامرةالتي ﻻيحمد عقباها ،فمن يبادر بمثل ما بادرت وانت المهندس الضابط ايام للرتبة العسكريه رونقها والقها ،حقيقة انا احسدك على هذه الشهامة والتي يندر أن تجد رحلا يحملها ...انت فخر للامانه وكنز من الشهامة والطيبة والرأفة ...علينا ان نناديك بالقلب الرؤوف ....وبارك الله في والديك فنعم الاصل ونعم التربيه ونعم الوفاء ....الرجال ﻻ تزن بالمال بل بالقوة والايمان والشجاعة ..وقد كنت شجاعا مؤمنا ..واعيدها....من ......من الرجال يغامر بمستقبله وحياة عائلته حتى يفي بوعده لصديق

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-07-17 05:58:13.