المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

من الذاكرة: مهرجان أبي تمام الشعري 1971 (3)

muoed aljaboriنزار قباني .. هل جمع أوراقه واعتذر؟

عندما أقيم مهرجان أبي تمام عام 1971، كان الخلاف السياسي بين بغداد ودمشق على أشده، وقد انعكس ذلك على الواقع الثقافي، ففي اليوم نفسه الذي أقيم فيه المهرجان، كان المؤتمر الثامن للأدباء العرب منعقدا في دمشق ولم يتنازل أيٌّ من الطرفين للآخر بتأجيل أحدهما: المهرجان أو المؤتمر، إلى موعد آخر، لتتسنّى لِمَنْ دُعيَ هنا وهناك المشاركةُ في كليهما.

ولقد رأيتُ كم كان الأدباء ممتعضين متذمِّرين، خاصة مَنْ كان عليهم حضورُ مؤتمر اتحاد الأدباء العرب، ولم يتخلوا عن حضور مهرجان أبي تمام، مثل الدكتور سهيل ادريس وعدد من الشعراء في مقدمتهم الشاعر نزار قباني الذي كان على عجل من إنهاء مشاركته في الموصل لأنه على موعد آخر في دمشق.

في تلك الأيام كانت آثار نكسة حزيران 1967 ما تزال مخيمة بقوة على الساحة العربية، والمرارة التي خلفتها تنهش في الأعماق، وتجد صداها المدوّي في نتاج الأدباء والكتّاب، وفي قصائد الشعراء بشكل خاص.. فشاعتْ موجةُ تقريع الذات والبوح بالوجع حد البكاء.. وامتدتْ إلى ما ألقيَ من قصائد في مهرجان أبي تمام، ومنها قصيدة الشاعر نزار قباني الذي كان قد نشر في أعقاب الهزيمة (هوامش على دفتر النكسة) قصيدته الشهيرة التي يقول فيها:

إذا خسرنا الحرب، لا غرابَهْ

لأننا ندخلُها بكل ما يملكه الشرقيُّ،

من مواهب الخطابَهْ

بالعنتريَّات التي ما قتلَتْ ذُبابَهْ

لأننا ندخلها، بمنطقِ الطَّبلةِ والرّبابَه

وفي القصيدة هذه ينعي قباني اللغة القديمة ونهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة،  ويواصل فيما تلاها من قصائد، وقوفه بوجه الجمود والتقليد والتقوقع على النظم السائد في الشعر، وانشغال الشعراء بالزخارف اللفظية وإشكالات اللغة بعيدا عن التجديد والتطور ومفردات العصر، ودون النظر بعيون أخرى إلى الهموم المعاصرة للأمة العربية.

ولم تخرج قصيدته (اعتذار إلى أبي تمام) التي ألقاها في الأمسية الأولى لمهرجان أبي تمام عن إطار هوامشه على دفتر النكسة، فهي قصيدة منبر تدغدغ العواطف، لغتها وصورها عصرية، وأسلوبها يتوخّى الإيصال والضربات التي تستدعي التصفيق.. وقد استهلها قائلا:

أحباتي

إدا جئنا لنحضر حفلة للزار منها يضجر الضجرُ

إذا كانت طبول الشعر يا ساده

تفرِّقُنا وتجمعنا.. وتعطينا حبوب النوم في فمنا

وتسطلنا.. وتكسرنا كما الأوراق في تشرين تنكسرُ

فإني سوفَ أعتذِرُ

سأجمع كل أوراقي وأعتذِرُ

واستجاب الجمهور، الذي تلقى هذا الاستهلال بإعجاب، وهو يصغي إلى إلقاء خاص واضح كأنه يخرج من ستوديو إذاعي لا تنقصه سوى موسيقى مُصاحِبة، ولعل في أداء قباني وإيقاع قصيدته ما عوَّض عن الموسيقى.

ويدين الشاعر وهو يعرِّج على الاحتلال ، التطبيل والتزمير والشعراء الذين لم يشعروا والثوار الذين لم يثوروا، وهو يختتم القصيدة مخاطبا أبا تمام بقوله:

أبا تمام .. إنَّ الناسَ بالكلماتِ قد كفروا

وبالشعراء قد كفروا

وبالتمثيلِ، والتطبيلِ، والتزميرِ، قد كفروا

فقل لي أيها الشاعر

لماذا شعرُنا العربيُّ قد يبستْ مفاصلُهُ

من التكرار .. واصفرَّتْ سنابلُهُ

وقل لي أيها الشاعر

لماذا الشعرُ حين يشيخُ لا يستَلُّ سكّيناً وينتحِرُ؟

ويغادر نزار قباني المنبر والجمهور يصفق له بحرارة، لكنه لم يجمعْ أوراقه ويعتذر، أما الشعر الذي شاخ ، فإنه لم ينتحر حتى يومنا هذا.

 86-maad

(2)

محمود حسن اسماعيل .. لقائي الثاني والأخير

عند زيارة ضيوف مهرجان أبي تمام لمعالم وآثار الموصل، كان الشاعر محمد عفيفي مطر ينحني لرجل من ضيوف المهرجان تجاوز الستين من عمره ويحتضنه باحترام بالغ، وهو يعرِّف من لا يعرفه عليه، قائلا: هذا هو شاعرنا الكبير محمود حسن اسماعيل، إنه أستاذنا جميعا في مصر، وليس من شاعر من جيله أو جيلنا إلا وتأثر به.

بالنسبة لي، كنت قد قرأتُ له بإعجاب، ورأيته واستمعت إليه قبل لقائنا به في مهرجان أبي تمام.. ففي عام 1965 عندما كنت طالبا في الصف الأول بكلية الشريعة في جامعة بغداد، عُقد المؤتمر الخامس للاتحاد العام للكتاب والمؤلفين العرب وأقيمت معه أمسيات شعرية على قاعة الشعب ببغداد، وكنتُ حينها لم أزلْ أتهجى أوليات الشعر، فواظبتُ على حضور تلك الأمسيات. ومما أذكر أنَّ من أهم ما ألقيَ فيها: قصيدة (بغداد) للشاعر العراقي مصطفى جمال الدين وقصيدة الشاعر المصري محمود حسن اسماعيل وهي عن بغداد أيضا ومازلت أتذكر منها المقطع الذي استهله بها، والذي يقول فيه:

لو ألهَمتْنِي طيفَ صوتٍ مِنْ صدى التاريخ حول بابِها

أو وشَّحتْني بِسَنا مِنْ سجدةِ النورِ على قِبابِها

لجئتُها بِسَيْكَبٍ مِن مهجتي، من الغناءِ لم تَرَهْ

وسقتُها ملاحماً للشعر، مِن تاريخها مُعطَّرَهْ

تقصُّ ألفَ ليلةٍ لألفِها... ومعذِرهْ

في الأمسية الأولى لمهرجان أبي تمام، ألقى الشاعر محمود حسن اسماعيل، قصيدته (سجدة على قبر أبي تمام) لكنها لم تحظَ بما حظيتْ به قصيدتُه في بغداد من استجابة الجمهور لها.. ومن قصيدته في أبي تمام اخترنا هذه الأبيات:

أنا والمنجِّمُ يا ابنَ أوسٍ فوق قبرِكَ ساجدان، مُسبِّحانْ

وترانِ من نغمِ الخلود، على ثراكَ يُغَرِّدان ،  يُصلِّيانْ

جئناكَ مَزمُورَينِ مَخمُورَينِ، مِنْ دَهش المدى يتعجَّبانْ

يتنقَّلانِ على صداكَ مع الخلود، ويشربان.. ويسقِيانْ

قُمْ واملإ الأقداح ثانيةً، وجَلجِلْ في الصفوفِ بلا أوانْ

وأعدْ نفيرَ الأرضِ .. عمّوريّة أخرى .. تَشوَّقُ للأذانْ

ومما تجدر الإشارةُ إليه ، أنَّ الرواد الأوائل للشعر الحر ، مثل نازك الملائكة وبدر شاكر السيَّاب، كانوا قد تأثروا بالشاعر محمود حسن اسماعيل، منذ أن نشر دواوينه الأولى: (أغاني الكوخ) 1935 و (هكذا أغني) 1937 و (أين المفر؟)  1947  فهو صوتٌ رومانسي مجدِّد، وشعره ذو أبعاد رمزية عميقة.

ومحمود حسن اسماعيل شاعر أقبل الموسيقيون والمطربون الكبار على تلحين وغناء العديد من قصائده، فمِنْ شعره، سبعٌ وأربعون قصيدة مُغنّاة، أشهرها (النهر الخالد) و(دعاء الشرق) و(مصر نادتنا) التي غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب، و(بغداد يا قلعة الأسود) غناء كوكب الشرق أم كلثوم، وهي من ألحان رياض السنباطي و(نداء الماضي) للمطرب عبد الحليم حافظ، وأنشودة (يد الله)  للمطربة نجاح سلام، و(أغلى شعاع) التي غنتها شادية.

وهنا أتساءل: لقد زار الشاعر محمود حسن اسماعيل، بغداد والموصل، فلماذا لم يطلب منه أحد الملحنين أو المطربين كلمات لتلحينها وعنائها؟!.. تُرى هل طلب أحد ذلك، واعتذر ؟.. لا أدري.

 

(3)

بلند الحيدري: المُلْكُ أساسُ العدل

مع أن مهرجان أبي تمام شهد حضور عدد من الشعراء العراقيين الرواد، إلاّ أنهم، باستثناء الشاعر بلند الحيدري، لم يشاركوا في أمسيات المهرجان.

ولئن كان من المعروف أن البياتي لا يلقي في المهرجانات، فلا ندري لماذا لم يشارك سعدي يوسف في الإلقاء، ولا لميعة عباس عمارة التي عرفنا فيما بعد أنها أشارت على الشاعر عبد الله البردوني أن يلقي في الأمسية الأولى التي يحضرها عادة كل المدعوين من الأدباء والشعراء، ويبدو أنها كانت واثقة من أنه سيفاجئ الجمهور بما لا يتوقع.. وهذا ما كان.

أما الشاعر بلند الحيدري، فقد ألقى قصيدة تميزت بصورها الجديدة وقدرة شاعرها على التكثيف والإيصال، ومنها اخترنا هذا المقطع الذي شد الجمهور إليه:

القاعة ذاتُ القاعَهْ

بكراسيها..  وبصوت مناديها

نفسُ الياقاتِ البيضاء،

ونفسُ الأحذيةِ اللمَّاعَهْ

واللوحةُ ما زالتْ نفسَ اللوحةِ،

منذُ العهدِ التُّركِي

(العدلُ أساسُ المُلْكِ)

ماذا ؟!.. صَهْ.. لا تَحْكِ

كَذِبٌ.. كذبٌ.. كذبٌ.. كذبٌ

المُلْكُ أساسُ العَدْلِ

إنْ تَملكْ سكِّيناً

تملكْ حقاًّ في قتلي

*

 

تعليقات (2)

  1. د. سعد الصالحي

ياعيني عليك يا أستاذ معد ، والله أقراُ وأبكي ...

 
  1. معد الجبوري

الشاعر والكاتب الحبيب الدكتور سعد الصالحي: أدري أنها دموع فرحك بلقطات الذكرى هذه، فورودك لا تتفتح دون ندى .. شكرا لك مع محبتي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2013-05-25 04:46:20.