المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

مقامات قتيل الزمان السَهَرْعندي (20): ديك الجن العراقي .. إلى فَنِسْ بغداد الأسيرة

adnan aldhahirكسر ظهرها فتركت وظيفتها وغدت قعيدة الدار. لم تَهُنْ ولم تستسلمْ. بقيت شامخة الرأس عالية القامة. صار يعذّبها جسدياً يومياً .. يذّلها ويجبرها أنْ تركع وتقبّل حذاءه القذر. كانت تركع لأنها عاجزة عنْ أنْ تقاوم. كانت شبه مشلولة. كانت تركع لكنها ترفض تقبيل حذاء زوجها الوحشي. كان يضغط بقوة على رأسها لكي ترضخ وتستجيب. ترفضُ فيضع حذاءه على رأسها حتى يمسَّ فمُها ترابَ البيت. أجاعها وأطفالها. حرمها من أبسط حقوقها ومتطلباتها الإنسانية. حاصرها وراقب تلفونها الشخصي والحاسوب. أحصى أنفاسها وأمر الأطفال أنْ يتجسسوا عليها ويرصدوا حركاتها فأبوا ولم ينصاعوا. كان تعلّقهم الطبيعي بوالدتهم التي حملتهم وهْناً على وهنٍ وأنجبتهم وأرضعتهم مما يدرُّ صدرها الأمومي حتى كبروا ودخلوا المدارس تباعاً حسب تسلسل أعمارهم. لم يطقْ الوحش ما يرى من صمود نادر وثبات أمام المصيبة وتشبث بكبرياء المرأة ورفعة مكانتها في سلّم الوجود فهي أم الأنبياء ووالدة عظام الرجال فكيف تهون وكيف تقبل الذل، ما هانت الأسيرة ولا ذلّت فجُنَّ جنونهُ وطفق يهددها تارة بكسر رقبتها أو جدع أرنبة أنفها الرائع التكوين أو حتى قص قطعة من شفتها السفلى، ولمّا ألفاها لا تأبه بتهديداته الساديّة صار يهددها بالخنق ليلاً أو قتلها بكاتم الصوت أو تسميمها. لم ينفّذْ أياً من تهديداته لا رحمة بها إنما شفقةً على أطفالهم ولتبقى خادمة لهم تعتني بهم بما يتيسر لديها من قوة وطاقة ضئيلة باقية في جسدها وهذا كثير على سيدة مظلومة كسيرة الظهر شبه مشلولة وشبه جائعة تأكل ما يجود به زوجها عليهم من أطعمة شحيحة وبعض المعلّبات الرخيصة. تكيّفتْ وطوّعتْ واعتادت أنْ تجد نفسها محرومة من أبسط طعام للعديد من الأيام. كانت كالصائمة وكل شهورها رمضان، إكتشفته يخونها مع كل مّن هبّت ودبّت من النساء.

صارحته رافعة الرأس فاعترف كالذي أخذته العِزّةُ بالإثم ولم يُنكر. كيف تتقبلين هذا الهوان والبلاء يا سيّدة؟ قالت إنه يرفض طلبي الطلاق، فضلاً عن تعلّقي الطبيعي بأطفالي وخوفي على مصائرهم وهم ما زالوا قُصّراً. سوف لن ترحمهم زوجة أبيهم الأخرى ولن تكونَ لهم أمّاً. وما موقف والديك وباقي أهلك من هذه الكارثة؟ صمتت بلا دموع. كررتُ سؤالي فرفعت رأسها عالياً ثم قالت: والدي شيخٌ كبير مصابٌ بالسرطان. لي شقيق واحد فقط ترك العراق منذ عقود ولا أعرف عنه شيئاً. ترك العراق غاضباً عليَّ لأني رفضتُ طلبه مني أنْ أتحجّبَ من رأسي حتى أخامص قدميَّ. ثم تضاعف غضبه مني حين علم بقراري أنْ أترك وظيفتي وأغادر العراق للعمل في بلد عربي بالزواج من هذا الرجل ـ الوحش في ملابس بشر. غادرنا العراق على عجل خوفاً من بطش نظام صدام حسين لأنه أُتّهم بالمشاركة في إنتفاضة آذار 1991. ثمَّ؟ قالت: عدنا للعراق بعد سقوط نظام البعث فعمل هو متعاوناً مع قوات الإحتلال الأمريكي وانصرفتُ لتربية وتنشئة الأطفال إذْ كانوا مازالوا صغيري السن. والحل؟ لا أدري. أجابت فَنِسْ (فينوسْ)، آلهة الجمال البغدادية التي لم يخلقْ ربُّها مثلُها في البلاد والعباد.

ودّعتها وفي رأسيَ المصدوع ألف سؤال وسؤال. ما تفسير وأسباب ما حصل وما زال يحصل لهذه السيدة التُحفة؟ لا بدَّ من سبب إذْ ليس من المعقول أنَّ زوجها يكرهها ويعذّبُها لأنها فاتنة في جمالها ولأنها تحمل شهادة جامعية أعلى من تحصيله الدراسي. باصروني يا ناسي لعلي وإياكم نهتدي ونصل إلى سر أسرار محنة هذه السيدة التي مزّقتني قصتها بل وحرّمتني نوم بعض لياليَّ الشتائية الطويلة. كيف أساعدك يا سيّدة؟ لا تستطيع، أجابت. طوق حديديٌّ مضروب حولي بإحكام. نجح في جعل بعض الجيران مخبرين ينقلون له عني الصغيرة والكبيرة بما يُغدق عليهم من إكراميات تأتيه مما يقبض من أموال فإنه أحد مُدلّلي الأمريكان وحلفائهم. يشتري مُخبرين وجواسيس لكنه يُجيع أولاده ووالدتهم شبه الكسيحة. كان إنساناً سويّاً قبل تعاونه مع قوات الإحتلال، لكنه إنقلب وتغيّرَ بعد ذلك فقد أفسده المال فتكبّرَ وطغى وتجبّر وفقد صوابه. أنا واحدة من ضحايا الإحتلال، أنا وأطفالي حتى أني أتمنى أحياناً لو كنتُ إحدى قتلاهم برصاص قنّاصاتهم أوحراسات أمنهم أو دبابات سيطراتهم كما حصل لمئات المئات قبلُ وبعدُ. قتيلة أفضل من شِبه قعيدة لا تتحرك إلاّ بمشقة ثم جائعة وتحت التهديدات اليومية المستمرة. لمن أرفعُ شكواي، لمن؟

للرئاسات الثلاث .. أجبتها ومضيتُ رافعاً رأسي وعينيَّ صوب سماء غائمة داكنة باردة ولا من مطر.

بين صحوتي ونومتي القلقة رأيت أمراً عَجَباً: رأيتُ أو خيّلَ لي أني أرى شاشة عملاقة يسطع ضؤها في سماء عالية عليها كتابة باللون الأزرق الجميل الغامق. فركتُ بكلتا يديَّ عينيَّ غير مُصدّقٍ ما أرى. قرأت وليتني ما قرأتُ:

 

 [وضعوا مع اسمي وصورتي فلماً جنسياً كاملاً

يدور الان في الفيسبوك. أحدسُ أنه من تصميم استاذ جامعي اختصاص حاسوب حاول مراراً ان يقيم علاقة معي ورفضت.

انقطعت الكهرباء ونمت حتى الصباح

عند الظهيرة وجدت صفحتي مليئة بالتعليقات والدنيا مقلوبة

فتحت البريد واذا بالعالم امامي كله غرفة نوم ..

اريد ان اهرب الى دنيا ليس فيها رائحة الرجل

ظلم في الطفولة وفي الشباب وحتى وأنا في الأربعينيات

اليوم حيلي مهدود

متعبة سيدي

بحاجة ان اذرف دموعي على صدرك

واشعر بالامان ويبدو ان لا امان مع وجودي.

سامحني. أعتذرُ.

توقيع: فينوس بغداد الأسيرة].

 

تعليقات (10)

  1. مصدق الحبيب

أهلا بك ياابا امثل وسهلا بطلعتك ، طلعة البدر بين الغيوم..وكأني اعرف تماما من تحدثت عنه في هذا النص الاليم. لقد اعدت الى ذاكرتي التفاصيل التي اعرفها فاجترها عقلي بأسى وحزن.

 
  1. عدنان الظاهر

مرحباً بك العزيز أبا أُسامة وأهلاً وسهلاً ..
متى نتخلص من مصاعب ومصايب زماننا ومتى فارقتنا أساساً ؟
مصائب ومشاكل الأصدقاء وبقايا الأهل البعيدين هي مصائبنا مهما بعدنا عنهم ومهما شط بهم وبنا الطريقُ فأين المهربُ من أحكام هذا الزمان اللئيم الأغبر !
أين أنت وما سبب غيبتك وهل سنسميّك الأستاذ الفنان المُنتظر إبن الجميل الحبيب ثم الشطراوي الأصيل ؟ شكراً على حضورك البهي الناضح بطيبتك ونقائك طيبة ونقاء أهل وسط وجنوب العراق .
عدنان

 
  1. نسرين اليوسفي

استاذنا الجليل عدنان الظاهر
أحيي فيك الجانب الانساني القيـّـم وأقدّره كل تقدير يليق به وبك .
القصة مؤثرة جدا ، كان الله في عون صاحبتها ، أنت القيت الضوء على معاملة الانسان القاسية للانسان الاخر الذي لا ذنب له سوى انه - إمراة - تحتاج لرعاية ومحبة وحنان مثلما الرجل بالضبط . لكن الصفة السادية لبعض البشر عندما تغلب عليهم تدمرهم اولا قبل الاخر ، لكنهم في غمرة غيـّـهم لا يشعرون ، أنا متأكدة ان الدوائر ستدور عليه ذات يوم وعلى من فبرك لها الفلم النجس ، أين سيذهبون من الذي يجلس بالمرصاد على أفعال العباد ؟؟ " جـَـلَّ وعـَـلا "
أحييك مرة اخرى لأنك صدقتها وكتبت عنها ولو كان ذلك من انسان آخر فلربما كـَذّب المسكينة وأدار لها ظهره . شكرا لك لأنك انسان بكل معنى الكلمة . وكان الله في عون المظلومة .

نسرين اليوسفي / دهوك

 
  1. عدنان الظاهر

السيّدة الكبيرة والإنسانة المتميّزة جداً نسرين اليوسفي / يومك سعيد وبخير
ما أحلى أنْ أقرأ كلاماً يأتي من محافظة دهوك في أقصى شمال العراق حيث كبرياء الجبل وشموخ جباه أهله وعمق عواطف سيّداته الإنسانيّة ...
أشعر بالأسف أني لم أتعرّفْ على حضرتكم في سالف السنين فلي ذكريات وتجارب في كردستان ومع الإخوة الكُرد خاصة في مدينة السليمانية فصّلتُ بعضها في أحد أجزاء مذكّراتي الثماني . كما لي ذكرى متواضعة مع الراحل المرحوم ماموستا مصطفى برزاني ثم مع مام جلال طالباني في العاصمة الليبية طرابلس ربيع عام 1981 حيث أنقذني من محنتي مع جواز سفري الذي سحبه البعثيون مني وتركوني بدون جواز سفر وتلك جريمة بحق ونظر الأعراف الدولية . نشأنا في وسط وجنوب العراق نُحب الشعب الكردي وندافع عن مصالحه وحقوقه القومية المشروعة على رأسها حقه في تقرير مصيره وها وبعد عقود من السنين يُحقق ما كنّا ـ نحنُ عرب العراق ـ نطالب له به .
سنبقى مع هذا الشعب الطموح الأبي ما دام معنا وما دام مُصرّاً على البقاء في العراق وطناً للعرب والكرد وباقي الأقليات العرقية والدينية .
فخور أني تعرّفتُ أخيراً على سيّدة أديبة من كردستان متمكّنة من اللغة العربية حتى لكأنها لغتها الأم فاللغة والأم هما أقوى الروابط التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان .
شكراً السيّدة نسرين اليوسفي .
عدنان

 
  1. مصدق الحبيب

مشغول وحياتك مشغول *** ولآخر الاسبوع مشغول

 
  1. عدنان الظاهر

لم أعرفك مُغرماً بأغاني عبد الحميد حامض ... أقصد عبد الحليم حافظ ... كان هذا مشغولاً بالحبايب رغم شكله المُزعج ولكن الدنيا حظوظ يا عزيزي !
متى تنتهي مشغولياتك لتتفرغ للرومانس والفنون التشكيلية وغير ذلك من مغريات دنيانا ؟
عدنان

 
  1. مصدق الحبيب

لقد كفرت وآثمت ياعزيزي في نظر بنات ونساء العرب من اوائل الخمسينيات الى الان فذلك هو العندليب الاسمر معبود الجماهير الذي من اجله انتحرن وشقين وسهرن الليالي وهن يحتظن صوره على صفحات الموعد والشبكة ودموعهن تجري كالانهار وحسراتهن تتكسر في الصدور. اعرف انك تغمط حقه لحساب الفنان المتزن الخجول فريد الاطرش. اليس كذلك ياابا امثل، ولنرى مَن مِن نساء المثقف ستنتفض محتجة على جحودك وظلمك (ابتسم).

 
  1. عدنان الظاهر

وبعدين معاك يا راجل يا شطري ويا شطراوي ؟ أهربُ منك للسماء السابعة فتقتنصني بين السماء والأرض مثل بازٍ صحراوي مُدرّب ....
ما سبب غيرتك وشهامتك الشطراوية على حميد حامض لكأنك تنافس بعض بنات حوّاء في إعجابهنَّ بصاحبك هذا القبيح الوجه الجميل الصوت ؟ هل يرسم مثلك ؟ كلاّ . هل يخط مثلك ؟ كلاّ . هل هو بروفسور مثلك ؟ كلاّ . إذاً أنت أفضل منه سوى أنك لا تُغنّي ولا تطق إصبعتين ....
عدنان

 
  1. مصدق الحبيب

سأرفع امر المسكين الى من يستطيع ان يأخذ حقه افضل مني. ألا تجبنَ يانسرين ونيفين وجوزيه وميادة، وفاديا وسلوى وسمر وميمي، وهيام وآمال وسعيدة وآسيا، وماجدة وهناء وفرح ورشا وسوسن ونوال وصبيحة،واسماء وزينب وفاطمة و.....فلقد ثار الظاهر وتمرد على العندليب والشقراق..هاهاها

 
  1. عدنان الظاهر

يا ما تخاف ربّك شنو قصّتك وياي ؟ تجيّش عليَّ ـ أنا العبد المسكين ـ كل ستّات الكون وأنا بينهنَّ وحيد كما غنّى صديقك سعدي الحلي :
أنا وحيدْ وأنتنْ بنات هوايه ....
ما أقارش ويّة وحدة منهنَّ فكيف بفيلق كامل ! خافْ ربّك وناصف يا رجل ثم ترة آني مو قليل شر أحرّض عليك السبع كناني كربلاء ولديه كسرية مكنزية يصيد بيها حتى الزرازير دير بالك لا تبلش وية عمّك عدنان .
ثم ... كيف حفظتِ كلَّ هذه الأسماء الحسنى لحسناوات المثقفات والأديبات والشواعر كأنك أعددتَ لهنّ أرشيفاً خاصاً حسب الحروف الأبجدية .... ما يفيد تشاغب عليَّ فأنا عندهنَّ موضع ثقة عالية وجميعهنَّ بناتي وبنات بناتي وحبيباتي في دنيايَ وآخرتي ... موت بغيضك يا مشاغب يا شطراوي ويا شاطر ومشطور .... بينهما خيارة حامضة / طرشي .
عدنان

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2013-09-19 01:36:26.