المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

ضياء نافع: حول موت غوغول. هل دفنوه حيٌا؟

diaa nafieهناك اقاويل كثيرة حول موت الكاتب الروسي الكبير غوغول (1809-1852)، وانه تم دفنه حيٌا، وانه استيقظ في قبره وحاول الخروج، ولم يستطع، وهكذا اختنق هناك...الخ، ولازالت هذه الاقاويل شبه شائعة لحد الآن، ولا توجد في المصادر العربية اشارات جديٌة الى هذا الموضوع المثير، رغم ان بعض الباحثين العرب قد كتبوا عن ذلك بشكل وجيز (جريدة الحياة اللندنية وموقع ايلاف مثلا)، ونود ان نتناول هذا الموضوع في مقالتنا هذه.

نبدأ من قصة والده، الذي رأى مناما حول فتاة – ما، وحكى هذا المنام للاخرين، فاخبروه انه سيتزوج من فتاة ولدت في ذلك اليوم بالذات، وعرف ان فتاة قد ولدت فعلا في ذلك اليوم، وهكذا قرر ان ينتظرها، وعندما اصبح عمرها 14 سنة، أصرٌ على ان يتزوجها، وتزوجها فعلا. كل اطفالهم كانوا يموتون رأسا بعد الولادة، فتوجهت الزوجة الى القديس نيقولا وطلبت منه ان يمنحها طفلا، ونذرت ان تسميه باسمه، وهكذا  ولد نيقولا غوغول وعاش. مات والده مبكرا، اما والدته فقد كرٌست نفسها لابنها. لقد كانت متدينة بشكل متطرف، وكانت تحكي له حكايات وأساطير دينية، وقد أثٌرت تلك الحكايات على حياته، وبالطبع، على ابداعه فيما بعد. لقد تميٌز غوغول منذ طفولته بصفات ذاتية متفرٌدة، واشار الى ذلك حتى زملاؤه في المدرسة، واتهمه بعض معارفه حتى بالجنون، وانه مصاب بمرض ازدواجية الشخصية (الشيزفرينيا)، ولكن الاطباء الذين عالجوه لا يؤيدون ذلك، وقد وصل الامر الى ان أحد الاطباء الروس درس وحلل 439 وثيقة طبية تناولت أمراض غوغول وعلاجه، والتي كتبها وسجلها اطباء مختلفون عالجوه، وأكد هذا الطبيب عدم وجود مرض الشيزفرينيا عند غوغول، ولكنه أشار الى ان غوغول كان يعاني من مرض الكآبة، والذي انعكس بوجود مزاج فرح غير اعتيادي لديه بعض الاحيان، وكذلك مزاج حزن غير اعتيادي في أحيان اخر. لقد عرض غوغول نفسه على أطباء كثيرين في روسيا وخارجها، وعالج هؤلاء الاطباء غوغول من مختلف الامراض، مثل امراض المعدة والاعصاب ولكن هذه العلاجات لم تصل الى نتائج ملموسة. وتحدٌث هذا الطبيب عن اصابة غوغول بمرض الغيبوبة او السبات أثناء النوم، مؤكدا ان مصدر كل تلك الاشاعات عن دفنه حيٌا يرتبط بذلك، ومن المعروف ان غوغول كان يخشى ذلك اثناء حياته، لهذا  فانه لم يرقد في سريره أكثر من عشر سنوات، بل كان يغفو في الليالي وهو جالس او نصف راقد على كرسيه، وقد كتب غوغول جملة في كتابه الاخير الموسوم – (مقاطع مختارة من المراسلات مع الاصدقاء )، ذكر فيها الى انه يوصي ( بعدم اجراء مراسيم دفن جسده الى ان تبدو عليه علامات التفسخ).

لقد توفي غوغول بتاريخ 21 / 2 / 1852 وتم دفنه بتاريخ 24/ 2 / 1852 حسب التقاليد االروسية الارثذوكسية، اذ انهم يدفنون الميت بعد ثلاثة أيام من  وفاته، حيث يضعونه في تابوت ببيته وهو يرتدي أحسن ملابسه، ويأتي اليه الاقارب والاصدقاء لتوديعه، ومن ثمٌ، وفي اليوم الثالث يدفنوه، وبما انه لم يكن لدى غوغول بيت او عائلة، فقد وضعوا تابوته في كنيسة جامعة موسكو، ومن ثمٌ تم دفنه في مقبرة دانيليفسكايا، حيث توجد في تلك المقبرة التابعة لكنيسة قديمة قبور روس مشاهير. لقد حملوا نعشه بالايدي وساروا به الى تلك المقبرة في ذلك الشتاء الروسي القاسي البرودة حيث كانت شوارع موسكو مغطاة بالثلوج في شهر شباط / فبراير.

لقد تم تكليف النحات الروسي رمدانوف بعمل قناع له، وتردد النحات في البداية من عمل القناع لانه كان يعرف بوصية غوغول، الا انه قام بعمل ذلك،وهذا يعني عزل الوجه عن الاوكسجين كليا، وتكفي دقائق قليلة للموت، وهذا يثبت بالطبع ان غوغول قد مات فعلا، اذ ان النحات عمل القناع كما يجب، ولا زال هذا القناع موجودا لحد الآن.

قررت الحكومة السوفيتية الغاء تلك المقبرة عام 1937، وتقرر نقل بعض الجثامين منها واعادة دفنها، ومنها جثمان غوغول. وهكذا تم في 31/3/ 1937 نقل جثمان غوغول من مقبرة دانيليفسكايا الى مقبرة العظماء، وعندها ظهرت تلك الاقاويل عن دفنه حيٌا، وانهم وجدوا ان جسده قد تحرٌك، وان التابوت كان مخرمشا من الداخل، وانه قد مات في قبره لعدم كفاية الاوكسجين ولعدم استطاعته الخروج من القبر ...الخ.

عندما فتحوا قبر غوغول عام 1937، كانت هناك مجموعة من الادباء والفنانين، وكل واحد منهم – فيما بعد- قال شيئا مختلفا، وكلهم حاولوا ان يأخذوا (شيئا – ما) من قبره، مثل قطعة من ملابسه او من حذائه ..الخ، وهناك حكاية تقول ان احدهم أصرٌ على فتح قبره ثانية كي يعيد ذلك الجزء الذي اخذه من حذائه، وذلك لان غوغول كان يظهر في منامه ويطالبه بذلك، ويقال انه ذهب الى المقبرة وحفر قرب القبر واعاد دفن ذلك الجزء من الحذاء، وهكذا تخلص من ذلك الكابوس المرعب. ومن المهم الاشارة هنا الى ان الذين حضروا تلك العملية وجدوا ان جمجمة غوغول قد اختفت، ويقال ان احد الاغنياء الروس قد أخذها عام 1909، في الذكرى المئوية الاولى لموته، عندما جرى ترميم قبره وتنظيفه، وان هذا المليونير الروسي كان مولعا بجمع غرائب الاشياء، وقد ضم جمجمة غوغول الى مجموعته تلك،ويقال ايضا، ان لينين قد أصدر امرا – بعد ثورة اكتوبر 1917 – بتحويل بيت هذا المليونير الى متحف، وان يكون هذا المليونير مديرا له، وقد ضاع كل شئ، بما فيها جمجمة غوغول بعد وفاة هذا المليونير.

عرضت احدى قنوات التلفزيون الروسية (في الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوغول 2009) مقابلة مع حفيد أحد  الذين حضروا فتح قبر غوغول، واسمه تروفيموف، وقال انه سأل جده عن ذلك، الا ان الجد كان خائفا وحاول التهرب من الجواب، وقال انه لا يتذكر، وقد ذكر هذا الحفيد ان المخابرات السوفيتية آنذاك قد استدعت جده ولكنها ألغت هذا الاستدعاء قبل يوم واحد من تاريخه فقط، وان جده كان يخشى التحدث عن ذلك، وقد اختتم الحفيد كلامه قائلا، ان المخابرات السوفيتية قررت غلق هذا الموضوع. ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان أحد الاساقفة قد اعلن – في ما بعد – ان غوغول ما زال مدفونا في مكانه القديم، اذ ان التابوت قد غاص في الارض لدرجة ان الذين فتحوه لم يجدوه واقعيا، وانهم قد وجدوا بقايا لا علاقة لها بجثمان غوغول، ودفنوها في قبره الجديد بمقبرة العظماء. لقد أوصى غوغول الا يضعوا تمثالا على قبره، الا انهم وضعوا تمثالا عند قبره في مقبرة العظماء وكتبوا عليه انه (من الحكومة السوفيتية)، ويشير البعض ان وصية غوغول قد تم تنفيذها فعلا، اذ ان الذي يرقد هناك ليس غوغول، والله أعلم.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-01-10 11:38:40.