rawaa jasaniها قد حان الوقت الان للتوثيق عن بدايات النشاط الصحفي الاول، فأرخ ايها الرجل أنك واكبت صدور جريدة "طريق الشعب" العلنية، منذ ساعاتها الاولى عام 1973 وحتى عام 1978 إذ توليت فيها مسؤولية صفحة "الطلبة والشباب" ثم "الصفحة المهنية" التي أختصت باخبار وشؤون نقابات مختلفة، عدا العمالية، فضلا عن "مهام" اخرى... اما التفاصيل عن تلك الفترة التي دامت نحو ستة اعوام، فأدع من يشاء، ولم يضجر بعد مما تكتب، لقراءة توثيقك المفصل عن ذلك، والمنشور اوائل عام 2014 في العديد من المواقع الاعلامية تحت عنوان "ستة اعوام في طريق الشعب".

وفي اواخر العام 1978 يحين موعد "الهروب" الاضطراري من العـــراق، وبدء اعوام الغربة التي ظننت- ايها الرجل- انها لن تطول عقودا كما حدث، ويستمر... فإلى براغ، جنة الخلد، المرئية، وليست المسموعة، على ذمة "الجواهري" ارتحلت من بغداد، وصارت عاصمة التشيك ملاذاً ووطنا جديدا اضافيا، والى اليوم... وفيها – في براغ- حيث الفصول الاربعة - ودائما بحسب الجواهري الخالد- تسلمت، وبعد لا ازيّد من اسبوع فقط من الوصول اليها، مهاماً اعلامية وصحفية عديدة، وطنية وسياسية الطابع عموما، ومنها لفترات متباينة الطول والقصر: في المكتب الاعلامي، الخارجي، للحزب الشيوعي العراقي، الذي حرر وطبع واصدر ووزع العديد من المجلات والنشرات بالعربية والانجليزية والاسبانية، للمساهمة في مقارعة النظام الدكتانوري البائد... ولتوثق هنا ان من بين الاسماء التي عملت معها، وعملوا معك، ولفترات مختلفة في هذا المجال: شمران الياسري(ابو كاطع) وسعاد خيري وفالح عبد الجبار ومجيد الراضي وحسين العامل، و باشراف نزيهة الدليمي، فترة، ثم ثابت حبيب العاني. وعذرا سلفا لمن لم تسعف الذاكرة بالاشارة له... ولتمرر هنا انك سعيت – وستسعى- في هذه الضفاف من السيرة والذكريات، الى الابتعاد ما استطعت عن تعداد الاسماء، وتركز على الراحلين وحسب، احترازا من سهو او نسيان، او"زعل" احباء واصدقاء ومعارف.

 

... وفي براغ "مزهر الخلد"

ثم يحل العام 1989 وتنقلب الدنيا، وتهوي انظمة، وتعلو اخرى، وتنكفأ النفوس قبل العقول، بعد انهيار الشكل، والنموذج على الاقل .. ويتيح استبدال نظام الاقتصاد ذي التخطيط المركزي في البلاد التشيكية الى اقتصاد السوق الحر، امتحان القدرات الذاتية، وخوض غمار المغامرات، فتطلق مع عبد الاله النعيمي، منبرا للاعلام والتنوير، باسم "بابيلـون" ولتستمر تلكم المغامرة الى الان، وها هي تنهي يوبيلها الفضي، برغم كل المتاعب وصعوبات السباحة ضد التيار، ولتخسر كل ما تملك (وهل ثمة ما تملك اصلاً؟) لكي يدوم المشروع الى الان، بل ويتسع، وينال محبة الاكثرين، جنبا الى جنب كيد وكدر الحاسدين والعاجزين.. وكما هو الامر في سطور سابقة، وفي حال اخرى، تلكم هي التفاصيل موثقة بتفاصيل "مملة!" واسماء ونجاحات وشؤون وشجون، منشورة على مواقع اعلامية، وصحف عراقية وعربية، تحت عنوان:"بالف دولار من الجواهري، وبريشة محمود صبري، ابحرت "بابيلون" عام 1990".

ترى هل أوفيت؟ ام هنالك مسافات التأشير اليـــه؟... لا احد يدري ولكن، وعن الحلال والحرام فلتزد - ايها الرجل- سطورا اخرى، في مسيرة الخمسين عاما من الاسهام والنشاط في العمل الصحفي، والاعلامي، ومنها اصدار نشرة رابطة الكتاب والصحفيين العراقيين، الاوربية باسم "مرافئ" تحت مسؤولية صادق الصايغ، والاشراف العام لنحو سبعة اعوام عن كل الاصدارات الخارجية لاتحاد الطلبة العام، وفروعه الخارجية، فضلا عن المقالات والتوثيقات والدراسات، الثقافية والسياسية، وما اليها، والتي كانت بالعشرات، ولا تقل مئات- وان كانت!- احترازا من المتربصين، واولئك ممن عناهم الجواهري واشباههم في بعض مقصورته الشهيرة : ومنتحلين سمات ِ الأديب يظنونها جبباً ترتدى.... ولكن لتتباهى في ذات الاوان بتراث وعمق صلات، ومودة مع عشرات الزملاء والاصدقاء والاحباء، الذين عملت معهم، وعملوا معك، وزاملتهم وزاملوك، باسقين ألقين، في رحاب الصحافة والاعلام، ولتفخر بعلاقاتك معهم، وعلاقتهم معك، ممن قربوا او بعدوا، او تواصلوا ويتواصلون، وفي كل ذلك رصيد ما وراءه رصيد أجل !!.

يتبع

 

badal raffowتوفي الاديب والفنان والمخرج النمساوي الكبير صاحب لقب اسطورة الادب النمساوي (كيرهارد توتشينكر) في العاشر من شهر آب بشكل مفاجئ وكانت صدمة للمجتمع النمساوي من جراء الانسداد الرئوي وهذا ما اكده اقاربه ومعارفه. قبل اسابيع قليلة احتفل الاديب الراحل بعيد ميلادة السبعين. يوم 26 من شهر حزيران 2016 وارى الاديب الراحل الثرى في مقبرة فيينا الرئيسية والتي يرقد فيها عمالقة الادب والفن الانساني (راجع مجلة صوت الاخر العدد 587)،ولتكون المقبرة الخاتمة ونهاية مطاف اديب وفنان كبير خدم الادب والفن النمساوي لعقود طويلة وفي نفس اليوم وقبل منتصف النهار سيتم وضع كتاب التعزية لكتابة الضيوف وعشاق ادبه تواقيعهم وليقولوا له وداعاً..!!

ببالغ الحزن والاسى استقبل المشهد الثقافي والفني الموت المفاجئ له، حيث كان في اجازة استرخاء في احدى المنتجعات السياحية في اقليم سالزبورغ النمساوي.

ولد الاديب الراحل عام 1946ــ فيينا، درس علوم المسرح وتاريخ الفن وتلقى بكثافة دروسا في الالقاء والغناء، وفي عام 1966 احتفل اخيراً في (ليختن شتاين) بدوره ولاول مرة ممثلاً بجنب الكبار (كيرهارد دورفر،هيرفيك سيبوك)، هذه الاحتفالية وهذا الدرب قاده الى مسرح الشعب الشهير في فيينا والى مسارح المانيا وسويسرا.لقد كان الابداع وبراعته في التمثيل السمة الرئيسية لدى الفنان الراحل ولهذا انتشر اسمه بكثافة في المحيط الناطق بالالمانية (النمسا والمانيا وسويسرا).من الفترة 1973 ــ1977 استلم الفنان الراحل ادارة مسرح اقليم (بوركين لاند) وبعدها ينتقل الى اقليم (كيرنتن)ليكون مدير المسرح الكبير لمدينة (كلاكين فورت)، ثم لغاية عام 1994 يرأس احتفالية (هيل برون) في مدينة سالزبورغ..بهذا يكون الفنان الراحل قد ترك بصماته على كل مسارح دولة النمسا ادارياً.

عشق ايطاليا حد الثمالة وهذا ما دفعه بان يكتب اجمل الكتب حول ايطاليا وبعين لم تراه الاعين وبمشاهدات ذو طابع خاص من ادب الرحلات ووصف ممتع لاسرار وازقة ضيقة في جزرها وقال باني كتبت حول البندقية بعين لم يراها احد وبسحر كبير واسرار جزيرة..!! ومن هذه الكتب :عاشت ايطاليا، البندقية القاتلة (الجانب المخفي منها)، البندقية للمتقدمين،فقط البندقية مختلفة قليلاً. رغم اعمالة الادارية إلا ان انشطته لم تتوقف وكان يقود دائماً دفة الاخراج لأعمال كوميدية في اقليم (بافاريا) الالماني، لمسرح مدينة ميونيخ، ومسرح مدينة زيوريخ السويسرية، ومسرح مدينة فرانكفورت.

منذ وقت مبكر كتب للتلفزيون العديد من الاعمال التلفزيونية ومنها المسلسلات والعروض التلفزيونية.

كان للاديب الراحل مع الفنانة النمساوية المشهورة (كريستينا هوربيكر) علاقة حب استغرقت 32 عاما.واخيرا صار الاديب الراحل عضواً في مجلس الجمهور لمؤسسة الاذاعة والتلفزيون في النمسا  ومجلس مؤسستها ومنذ عام 2011 صار في المجلس الاستشاري الثقافي في التلفزيون النمساوي ــ  القناة الثالثة الثقافية. عاش الراحل في مدينة (بادن) القريبة من العاصمة فيينا وخلال مسيرته اصدر اكثر من 34 كتاباً تنوعت ما بين الادب والفن وسَّيْر حياة واول كتب له صدر عام 1972 تحت عنوان (بادن ــ دليل سياحي) وانتقل بعدها لكتابه حول النمسا ومن كتبه: النمسا بالالوان،خاتم آخر القياصرة، هيل برون ـ الاحتفالية، كريستينا هوربيكرــ بورتريت عن قرب،بودابست..فيينا، البندقية، النمسا مختلفة قليلاً، النبيذ..!!ثقافة وكاريكاتير.

صدرت العديد من كتبه بلغات اخرى ومنها الفنلندية والهنغارية والايطالية والانكليزية والصينية والفرنسية وصدر له العديد من الاقراص المدمجة. كان الاديب الراحل يروض كلماته بسحر كبير وقال يوما لصحيفة نمساوية بالرغم من شهرته الكبيرة فسعادته لاتوصف حين تصل كتبه وعروضه ومحاضراته وبرامجه التلفزيونية التي لا تعد ولا تحصى الى جمهوره وتجلب السعادة لهم وقتها يمنحوني السعادة وهي قمة سعادة حياتي..!!

في 26 من تموز  هذا العام احتفل مع العديد من اصدقائه في قصر(شون برون) بمناسبة عيد ميلاده السبعين  وكانت الاحتفالية والامسية عبارة عن امسية ثقافية لاذاعة دار الثقافة. وكان من المقرر ان يتزوج صديقة عمره الفنانة (كريستينا هوربيكر) بعد علاقة حب استمرت 32 عاما ولكنه يودع الحياة قبل الزواج وتقول صديقته الممثلة عن علاقتها معه بانه كان الاديب الساحر والاسطورة لتاريخ النمسا وعلاقتنا كانت مليئة بالاحترام والتقدير والفن والادب وكنا دوما يداً بيد ولكن ضربة القدر كانت الاقوى كي لا نحقق حلم الزواج.

نشرت الصحف والمجلات النمساوية والالمانية خبر موته بكثافة وركزت الاخبار الثقافية في التلفزيون حول مشوار حياته وموته وقال الاعلام بان النمسا فقدت بريق الادب والفن وتطرق الاعلام الى الجوانب الادبية والفنية ومشوار حياته..حيث كان الراحل حاضراً بقوة في اغلب المناسبات ووقف بجنب الرئيس النمساوي هاينز فيشر (عاشق الادباء والفنانين) في عرض عيد الجيش.

الفنان (كيرهارد توتشينكر) الهم الملايين بصوته والقائه وموهبته الكبيرة وشعبيته وبساطته واغنى مكتبة فيينا بكتبه وضمن رسائل القراء والمعجبين وعشاق ادبه وفنه لصديقة عمره بانهم لن يتركوها وحيدة والاديب الراحل خالد بيننا بكتبه وانسانيته وفنه..!!

هكذا حين يظل الاديب والفنان خالداً في ضمير شعبه والانسانية..الراحل (كيرهارد توتشينكر) نموذجاً..!!

 

بدل رفو - فيينا\النمسا

 

jawad abdulkadomتعرفت إلى العلامة الدكتور حسين علي محفوظ أول ما تعرفت إليه من خلال المجالس الأدبية التي كنت أغشاها وأنا في بداية عهدي بمرحلة الشباب، وقد حدثني كثيرا عن علمه وفضله الأديب مهدي عبد الحسين النجم من دون أن يلتقيه، وكان يصفه بـ (انسكلوبيديا تمشي على الأرض)، ثم رحت أقرأ عنه وله كل الذي يقع بيدي ؛ فأعجبت بشخصيته الموسوعية وأسلوبه الرقيق في الكتابة، وصرت أنقل ما ينقل لي من أخبار عنه، ووجدته بع حين كما تنبأ له الشيخ راضي آل ياسين سنة 1949م (الأستاذ حسين علي محفوظ أحد أولئك الأفذاذ قليلي العدد، وإنه أحد العباقرة الموهوبين الذي ينتظرهم مستقبل زاهر) .

1108-jawad

ولما توثقت صلتي بالسيد سلمان هادي آل طعمة حدثني عن علاقته به، وأرني إجازته له، ورسالة منه، ودار بيننا الكثير من الكلام الطيب حوله .

وفي إحدى لقاءاتي بالدكتور صباح نوري المرزوك أخبرني أنه من طلبة الدكتور حسين علي محفوظ في الدراسة الجامعية، وأنه راسله قبل ذلك، وقال واصفا لحظة اللقاء بينهما عندما دخل الدكتور محفوظ القاعة مرحبا بالطلبة الجدد وراغبا في التعرّف إليهم، فنهض الطالب الأول وقدم نفسه، وتلاه الثاني والثالث حتى بلغ الدور إلى المرزوك، فنهض وقدم نفسه ..

- صباح نوري المرزوك .

فالتفت الدكتور محفوظ نحوه متسائلا :

- الحلي ؟

فأجابه المروزك :

- نعم .. الحلي .

وتجددت وتوثقت العلاقة بينهما في هذه الحقبة، وغالبا ما كان الدكتور محفوظ يردد في مجالسه عند ذكر اسم الدكتور المرزوك أمامه :

- أنه من طلبتي الأوفياء ..

***

وقبيل منتصف شهر آذار سنة 2001م أعلمنا المرحوم الوجيه مهدي عبد الهادي الصالح بأنه دعا جماعة كبيرة من الشخصيات البغدادية لنزهة ووليمة طعام في أحد بساتينه القريبة من مدينة المسيب يوم الأربعاء 21 آذار بمناسبة عيد الربيع، وسيكون من ضمن المدعوين العلامة الدكتور حسين علي محفوظ .

وطرنا من الفرح أنا ومهدي النجم وبشير ناجي علي وآخرون ممن يعرفون فضله ومكانته العلمية، وبقينا على أحر من الجمر ننتظر حلول اليوم ووصول القوم ..

وقبل حلول الموعد بيوم واحد التقينا لمراجعة التحضيرات اللازمة للاستقبال وحسن الضيافة، ودار الحديث عن الشخصيات التي ستحضر، وتركز الحديث حول شخصية العلامة محفوظ، وأعلمنا مهدي النجم بأنه نذر على نفسه أن يقبل يده عند أول لقاء به، وأنه سيفي بنذره غدا !! ولكن بقينا في قلق من حدوث طارئ – لا سمح الله - قد يمنع العلامة محفوظ من الحضور .

في يوم الدعوة بكرنا جميعا في الذهاب إلى بستان الوجيه مهدي عبد الهادي الصالح ويسمى (الطعس)، وبدأ الضيوف بالتقاطر في الوصول، وكنا نرحب بهم ونرشدهم إلى المكان المناسب أو من إجابتهم عمن سبقهم في الحضور، وكانوا بالعشرات، وحلت اللحظة الحاسمة حين قدمت السيارة التي تقل العلامة محفوظ، وهرعنا جميعا باتجاهها يتقدمنا مهدي النجم وخلفه أنا وبشير ناجي والآخرون، وما أن نزل من السيارة حتى انكب مهدي النجم مقبلا يده وتبعناه فيما فعل ..

توزع الضيوف على شكل مجموعات داخل بيوت بنيت من القصب أو داخل السوابيط المتناثرة بين أشجار النخيل والفواكه وأوراد الجوري العطرة وغيرها، وامتلأت السواقي أمامهم بالماء الجاري، وجلنا على الحلقات لنطمئن على توفر جميع احتياجاتها وراحة ضيوفنا، وكانت لنا جلسة في حلقة اهتم أصحابها بالشعر والحديث عنه، وقد غرد فيها غالب العلوش بإحدى الجواهريات العذبة، وهو يحفظ الكثير من شعر الجواهري وكان من أصدقائه ومحبيه ورواته، إذ أنشد قصيدته الشهيرة عن لبنان ومطلعها :

لبنان يا خمري وطيبي    هلا لممت حطام كوبي

ثم انتقلنا بين تلك المجموعات المؤنسة حتى انتهى بنا المطاف في مجموعة العلامة الدكتور حسين على محفوظ حيث طاب بنا المقام عنده والحديث معه، وقد سره جدا جلوسنا حوله وإقبالنا عليه، فصار يسألنا ونحن نجيب، وسأل عن المسيب، فكان من أخبره باهتمامي بجمع تراثها وتدوين تاريخها، فشعر بالارتياح لما سمع وقال :

- كلما التقيت أهالي مدينة من المدن دعوت الشباب منهم إلى ضرورة البحث في تاريخ مدنهم وتدوين تراثها خشية من الضياع في المستقبل .

وأضاف :

- وأتمنى لو جاءني هؤلاء الشباب الباحثون لوجهتهم الوجهة الصحيحة في كيفية هذا الجمع والتدوين .

وحدثنا عن اهتمام الأجانب بذلك وضرب مثلا ببناية قديمة في مدينة ألمانية جعلت متحفا للسواح، ولشدة اهتمامهم بهذه البناية كان القائمون بالمحافظة عليها يجمعون التراب الذي ينهال منها ويضعونه داخل شذرات زجاجية في الخواتم وتعرض للبيع !! ونقل لنا بأسى شديد عن حجرة قديمة في المرقد الكاظمي المطهر تؤرخ جانب من عمارته ألقيت ضمن الأنقاض وذهبت ضياعا عند تجديد جانب من عمارته يومذاك، وقال لو أخبروني قبل رميها وضياعها في تلول الأنقاض خارج بغداد لذهبت بنفسي مفتشا عنها وحملها على صدري وإنقاذها والاحتفاظ بها كأثر ثمين .

وتنوع الحديث مع العلامة محفوظ حتى وصل عنه، فأبدينا إعجابنا بمؤلفاته النفيسة وبحوثه القيمة، وأعلمته بجمعي وحفظي لسلسلة كتابات قصيرة كان قد دأب في منتصف التسعينيات على نشرها أسبوعيا في جريدة الجمهورية بعنوان (ثمرات)، فطفح السرور على وجهه، وقال :

- لقد فقدتُ مسوداتها، كما لا احتفظ بأعداد الجريدة التي نشرتها .

قلت له :

- إنها مجموعة لدي كاملة، وأطلب إذنكم في إعدادها ونشرها في كتاب خاص بها حين تسنح الظروف مستقبلا .

قال :

- لك ذلك وهو من دواعي غبطتي ..

وكانت لنا صورة تذكارية جميلة مع العلامة محفوظ حين دخلنا بيت القصب بعد وصول أشعة الشمس إلينا، وقبل أن يغادرنا طلب منه آخرون التقاط صورة جماعية معه، فأجابهم لذلك، ومازلت احتفظ بتلك المجموعة من الصور التذكارية الجميلة ..

***

بعد الغزو الأمريكي وسقوط النظام سنة 2003م اتصل بي الصديق عبد الرضا عوض وأخبرني بنيته في زيارة العلامة محفوظ في داره بمدينة الكاظمية، وسيكون معه الدكتور صباح المرزوك، ويرغب أن أكون معهم، فوافقت على ذلك، بل فرحت به جدا، فذهبنا صباحا، واستقبلنا خير استقبال مرحبا بنا، وجلسنا في ظل ظليل في حديقته الواسعة، وما هي إلا لحظات حتى جاءنا من خارج الدار شاب يحمل كؤوس الماء وأقداح الشاي، وكنت قد علمت بأن العلامة محفوظ يعيش لوحده في الدار بعد وفاة زوجته، واستقرار ابنه في الخارج بعد إكمال دراسته، وأن الجيران وهم من فضلاء أهالي مدينة الكاظمية المقدسة ينهضون بكل احتياجاته الخاصة وضيافة من يزوره وجلهم بل كلهم من العلماء والأدباء والمثقفين .

وبقينا لأكثر من ساعة في هذه الزيارة، وكانت أحاديثنا متنوعة، وسمعته يسأل عن كل من يعرف من أهل الحلة وخارجها، وقال قلقت كثيرا عليكم، وحمد الله على سلامتنا وسلامة غيرنا ممن يعرف من الأدباء والباحثين وعامة الناس، وكان لقائي هذا به هو آخر اللقاءات إذ توفي رحمه الله وطيب ثراه يوم الاثنين 19 كانون الثاني 2009م، وقد ترك وراءه مكتبة عامرة بمحتوياتها القيمة والنادرة، وله فيها ألف وخمسمئة أثر بين كتاب ورسالة وبحث ودراسة .

 

jawdat hoshyarكما خرج الأدب الروسي الكلاسيكي من "معطف" جوجل، فإن الأدب الروسي المعاصر قد خرج من سترة جينز أكسيونوف - الكاتب يفجيني بوبوف

 

لقاء مع أكسيونوف:

في مساء يوم خريفي ممطر من عام 1964، كنت في موقف الترام المقابل لمدخل جامعة هندسة الطاقة - التي كنت أدرس فيها- أنتظر تحت المظلة قدوم الترام المتوجه الى المنطقة التي اسكنها، حين اقتربت مني فتاة شابة، وسألتني ان كنت أنا فاسيلي أكسيونوف . قلت: كلا، ولكن لماذا تعتقدين أني فاسيلي أكسيونوف، هل هناك وجه شبه ؟.

قالت: لم التق بأكسيونوف قط ولم أره في حياتي .

- وكيف تنتظرين شخصاً لا تعرفينه؟

- كلفتني لجنة الكومسومول في الجامعة أن أستقبله هنا، في موقف الترام في هذا الوقت تحديدأً. وقيل لي أنه يلبس معطفا مطرياً، في مثل لون معطفك الرمادي .

قلت: إن لم يكن سراً، هل هو تحقيق معه، أم ماذا؟

- أبداً، فاغلب أعضاء (الكومسمول) من قراء اكسيونوف، ومن المفترض أن أصحبه الى القاعة الكبرى في بناية الجامعة، حيث سيلتقي في تمام الساعة السابعة مساءاً، أي بعد عدة دقائق من الآن، بطلبة الجامعة للحديث عن أعماله الأدبية ومشاريعه المستقبلية، ويرد على اسئلة الحاضرين .

قلت: اذن انتظري قدومه هنا، وأنا سأذهب الى القاعة لأحجز لي مكاناً قريبا من المنصة،لأنني أيضاً من المعجبين برواياته الشيقة .

 ولكن يبدو أنني تأخرت قليلاً، فالقاعة الكبرى التي تتسع لأكثر من ألف شخص، كانت تغص بطلبة الجامعة واساتذتها وحتى موظفيها، ووقف الكثيرون على جانبي المدخل وخلف المقاعد وفي الممرات. وبعد دقائق حضر اكسيونوف واستقبل بعاصفة من التصفيق . لم أجد أي شبه بيني وبينه، فهو أسن مني .ولا يوجد أي شبه بيننا .

 كانت عيناه الزرقاون تشعان وهو يلقي نظرة فاحصة على القاعة . كان يلبس بدلة جينز. وكنت أعرف أنه من هواة موسيقى الجاز، ويمارس رياضة الجودو وكرة السلة، ويعيش على نحو مختلف عن الكتّاب الآخرين .

 قرأ شيئا من رواية لم تكتمل بعد، وردّ على الأسئلة، التي كانت تتعلق كلها بمضامين رواياته الشهيرة التي يمتزج فيها تجربته الحياتية بالخيال ..

ولد اكسيونوف في 20 أغسطس 1932 في مدينة كازان . كان والده بافل فاسيلوفيج عمدة المدينة وعضواً في الجنة المحلية للحزب في منطقة تتاريا، ووالدته يفجينيا غينسبورغ مدرسة في معهد كازان التربوي، ومن ثمّ رئيسة لقسم الثقافة في صحيفة " تتاريا الحمراء ".

 في عام 1937 كان فاسيلي اكسيونوف في الخامسة من العمر حين اعتقلت السلطات والدته، ومن ثمّ والده، وحكم على كل منهما بالسجن لمدة عشر سنوات مع النفي بعد إنتهاء مدة محكوميتهما . وقد ارسلت السلطات الصبي فاسيلي الى ملجأ لأطفال (اعداء الشعب) . وفي عام 1938 نجح عمه في العثور عليه في ملجأ للأيتام يقع في بلدة كوستروم، وتمكن من استحصال موافقة الأمن على أخذ الصبي معه للعيش لدى احدى قريبات والده حتى عام 1948 .

والده لم يعد من المعتقل،وقضت والدته يفغينيا غينسبورغ 18 عاماً في معتقلات (كوليما) في أقاصي سيبيريا، قوسنوات أخرى طويلة أخرى في منفاها ببلدة (ماغادان) . وقد نجحت بشق الأنفس في الحصول على الموافقة الرسمية على إقامة إبنها فاسيلي معها .وفي فترة (ذوبان الجليد) عندما عادت الى موسكو من منفاها أصدرت مذكراتها في كتاب بعنوان " الزوبعة " لقي نجاحا عظيما . وتناولت فيه الحياة المهينة في معسكرات الإعتقال الستالينية، كما وصفت لقاءها المؤثر بإبنها . لعبت هذه المذكرات دوراً عظيماً في تشكيل الموقف المضاد لعبادة الفرد لدى الإنتليجينسيا الروسية في السبعينات – الثمانينات من القرن الفائت، وكانت أول كاتبة تكشف مآسي المعتقلات، قبل سولجينيتسن وشالاموف . أمّا أكسيونوف فقد كتب ايضاً لاحقا عن لقاءه بوالدته في رواية مشهورة له يحمل عنوان "حرقة ".

 في عام 1956 تخرج في كلية الطب في لينينغراد، وكان من المفترض ان يعين طبيبا على سطح باخرة نقل للتجارة الدولية، الا أنه حرم من الحصول على الوظيفة بسبب ما نسب الى والديه من تهم، وعين طبيبا في (كاريليا) بأقصى الشمال، ثمّ عمل في الميناء التجاري بلينينغراد، وفي مستشفى السل بموسكو.

كنت قد قرأت في مجلة " يونست " كل ما نشره اكسيونوف من قصص وروايات، كما شاهدت الأفلام السينمائية المقتبسة منها. نتاجاته كانت نوعاً جديدا من الأدب، لا يشبه الأدب السوفيتي التقليدي الملتزم بـ" الواقعية الإشتراكية " ذات النظرة التفاؤلية الزائفة، بل يصوّر حياة الجيل الجديد من المثقفين، التي تختلف تماماً عن حياة الجيل المخدر بالبروباغاندا الستالينية والحالم ببناء الجنة الشيوعية الموعودة . أدب جديد بلغة مشرقة،وسخرية لطيفة، ومرح يتسلح به الشباب للتمرد على الحياة السوفيتية الرتيبة، وعلى البيروقراطية . كانت ملابسهم غير التقليدية، وسلوكهم البوهيمي وتعلقهم بنمط الحياة الغربية، نوعا من الإحتجاج على الواقع السوفيتي الكئيب . ولقد أتيح لي خلال دراستي الجامعية بموسكو في الستينات، أن أتعرّف عن قرب على الطلبة الروس، وأقاسمهم الخبز والملح، لذا فأن ما أكتبه عنهم حقائق لمستها بنفسي، فقد كنت معهم معظم الوقت: في الدراسة وفي السفرات الطلابية، وفي منتجعات البحر الأسود خلال العطل الصيفية . ونشأت بيني وبين عدد منهم صداقات أعتز بها .

قبل أكسيونوف كانت ثمة نوعان من الموضوعات في الأدب السوفيتي: أولهما - حياة العمال والفلاحين، وثانيهما- وقائع الحرب ضد ألمانيا الهتلرية . أما موضوعات روايات وقصص اكسيونوف فقد كانت مختلفاً تماماً . شباب لا يبنون الشيوعية، ولم يتطوعوا يوماً في الحملات الخروشوفية الكبرى لأستصلاح الأراضي البكر في الجنوب .ولا يريدون العمل في المصانع،، بل يرغبون في الألتحاق بالجامعة للدراسة، ويلبسون الجينز، ويعشقون موسيقى الجاز . روايات تعبر أصدق تعبير عما يفكر فيه الشباب وما يحلمون به . وقد أطلق النقاد على هذا الأدب الجديد، اسماء شتى منها (الأدب الساخر، النثر الجديد، نثر الشباب، نثر المدينة) .

 شق اكسيونوف طريقه الى الأدب الروسي بسرعة خاطفة من أوسع أبوابه، واكتسب شهرة مدوية في عموم البلاد خلال فترة وجيزة، اثر نشر روايته الأولى" الزملاء " في عام 1960، التي تلقفها القاريء الشاب بشوق ولهفة، وبفضل هذه الرواية البديعة، الجديدة كل الجدة في مضمونها وفي اسلوبها ولغتها، ارتفعت مبيعات مجلة " يونست " التي نشرت الرواية الى مستوى لم يسبق له مثيل . وسرعان ما تم انتاج فيلم سينمائي مقتبس من الرواية، والذي لقي بدوره إقبالاً واسعاً، ثم كتب اكسيونوف مسرحية بالأسم ذاته عرضت على إحد مسارح موسكو . وفي السنة ذاتها استقال من وظيفته للتفرغ لأعماله الإبداعية .و ترسّخ موقعه في الساحة الأدبية بصدور رواياته اللاحقة " بطاقة الى النجوم " و" برتقال مغربي " و" حان الوقت يا صديقي، حان الوقت "".

أما قي الشعر فقد فقد برز شعراء شباب موهوبون، يكتبون شعراً حقيقيا رائعاً، وهم لا يختلفون عن اكسيونوف في نظرتهم الى الحياة . شباب تتراوح أعمارهم بين 27، 28 سنة (يفتوشينكو، فوزنيسينسكي، روجديستفنسكي، أحمدولينا) الذين حملوا راية التجديد في الشعر الروسي في الستينات . كان هولاء الشعراء أصدقاء حميمين لأكسيونوف، شكلوا معاً ظاهرة فريدة في الأدب الروسي في ذروة فترة (ذوبان الجليد)، حيث فتحت بعض النوافذ على الغرب لتهب منها نسائم نمط جديد من الحياة يستهوي الشباب .

لا يمكن تصور اكسيونوف خارج دائرة من الاصدفاء،الذين سادت في حياتهم وابداعهم حرية الفكر والتعبير، التي كان الواقع السوفيتي يفتقدها .والتي تجسدت في سلوك وحياة وأعمال هذه النخبة من المبدعين .

ابداع اكسيونوف، وأصدقائه الشعراء، اصبح رمزا للصحوة والهواء النقي بعد الزمن الستاليني الخانق . كان هذا الإبداع يعبر عن رومانسية الحياة والحرية. ولم يكن عشق موسيقى الجاز، وموضات الملابس، مجرد تقليعات جديدة تستهويهم، بل احتجاجا على فرض اسلوب حياة موحد، ممل ورتيب على الجميع، خاضع لخط أيديولوجي واحد

السلطة التي كانت تغض الطرف عن هذه النخبة المتمردة في أوائل الستينات، لم تعد تحتمل أعمالهم، التي أحدثت إنقلابا في نظرة المثقفين الشباب الى الواقع والمستقبل . وحاولت تهميشهم والتضييق عليهم . وما زلت أتذكر كيف أن خروشوف - الذي جمع الأدباء في أحدى قاعات الكرملين في عام 1963 - هدد هؤلاء النوابغ الخمسة بالطرد من الإتحاد السوفيتي أن لم يتراجعوا عن مواقفهم (المضرة والمنحرفة) . البعض منهم تراخى، واخذ يكتب بحذر، في حين أن أكسيونوف إزداد قناعة بمواقفه الصائبة،التي تجلت في أعماله اللاحقة، على نحو أكثر وضوحاً.

في منتصف الستينات، كان يفكر في اسباب فشل مرحلة " ذوبان الجليد " التي علقت عليها الأنتليجينسيا الروسية آمالها في التغيير . كان الطابع النقدي لنتاجاته يزداد قوة وعمقا . ففي رواية " "أكياس التغليف المكدسة " (1968) انتقل الكاتب الى " الهجاء الشامل " وعكس بقوة تناقضات الحياة السوفيتية، ذات الطابع السوريالي . بعد انقلاب اكتوبر 1964 وعزل خروشوف، عاد الخط الحزبي المتشدد الى ممارسة سياسة اضطهاد المنشقين، ومحاكمتهم او ادخالهم الى المصحات النفسية، وشهدت هذه الفترة محاكمة الكاتبين سينيافسكي ودانيال . كل ذلك إنعكس في أدب اكسيونوف.ففي رواية " حرقة " (1976) يعرض اكسيونوف حياة المثقفين الروس خلال الستينات – السبعينات من القرن العشرين .وفي رواية "جزيرة القرم " يفضح على نحو لاذع الواقع السوفيتي، وفي الوقت نفسه يحلم بالعدالة الاجتماعية .

 وبطبيعة الحال لم يعد النظام يتحمل هذا الأدب، الذي كان يمارس تأثيراً عظيماً على عقول المثقفين الروس . ولجأ الى منع نشر نتاجات اكسيونوف الجديدة بذريعة أنها معادية للنظام السوفيتي.

في عام 1979 أصدر أكسيونوف مع كل من أندريه بيتوف، وفكتور يروفيف، وفاضل اسكندر، ويقغيني بوبوف، وببلا أحمدولينا مطبوعة سرية في أميركا، لا تخضع للرقابة بعنوان" ميتروبول" واثار ذلك غضب السلطة السوفيتية .وفي كانون الاول 1979 قدم استقالته من اتحاد الكتاب السوفيت احتجاجا على فصل زميليه فيكتور يروفيف ويفغيني بوبوف من الاتحاد .

في عام 1980 سافر اكسيونوف مع زوجته مايا الى أميركا، فجردته السلطة السوفيتية هو وزوجته من الجنسية السوفيتية . وعمل استاذا للأدب الروسي في عدة جامعات أميركية، وأصدر أهم أعماله " جزيرة القرم " وثلاثية " ملحمة موسكوفية " . ومع حلول فترة البيريسترويكا بدأت مرحلة جديدة في حياة اكسيونوف، حيث أخذ يزور وطنه كثيراً،وينشر أعماله الأدبية المحظورة في الحقبة السوفيتية السابقة..

في عام 2004 كان اول كاتب روسي ينال جائزة " البوكر" في نسختها الروسية، عن مؤلفه " الفولتيريون والفولتيريات " وهي رواية تأريخية تخييلية تسرد حكاية لقاء بين فولتير وقيصرة روسيا كاترينا الثانية،صديقة فلاسفة عصر التنوير .وعام 2005 حصل على وسام الأدب والفن من فرنسا .

اصيب الكاتب في عام 2008 بسكتة دماغية، ونقل الى المستشفي وخضع خلال عام ونصف لعدة عمليات جراحية حرجة حتى وافته المنية في السادس من يوليو 2009 . 

 

ezzeddine  anayaقد لا يعير المرء كبير اهتمام عالمَ الرموز الثقافية حين يكون داخل حاضنة الثقافة القومية. فالتفاعل بينه وبين ذلك العالم يأتي عفويا ومنسابا بشكل لا واع. ولكن كلّما افتقر المهاجر إلى ثقافة المأتى، ولا سيّما في الغرب، إلا وداهمه الذوبان وكان عرضة للاندثار المبكر، ولربما تشتدّ الوطأة مع نزول المهاجر بالغرب في سن يافعة حين لا يزال عوده طريا غضّاً ولم تكتمل مفردات قاموسه اللغوي ولم تختزن ذاكرته ما يكفي من الصور والذكريات. ما زلت أتساءل كيف استطاع ذلك الصبي الفلسطيني العابر في الرحيل من اللدّ إلى دمشق إلى روما أن ينجو من ذلك الاندثار المتربّص، ويغدو مرجعا وعلما في التواصل الثقافي العربي الإيطالي؟ أقصد بالقول الفلسطيني وسيم دهمش، فهو بحق ثالث ثلاثة، رفقة الراحليْن الأردني عيسى الناعوري والليبي خليفة محمد التلّيسي ممن أغوتهم لغة دانتي وسحرهم أدبها. شاءت الظروف أن تمتزج الثقافة العربية بالثقافة الإيطالية مع الثلاثي كما لم تمتزج مع من سبقهم ممن حطّ بهم الرحال في هذه البقاع. فهناك كلفٌ دفينٌ باللغتين والثقافتين يجمع الثلاثي، يبلغ أحيانا درجة العشق والتجلي.

 

إغواء الثقافات المبكّر

1104-wasimdihmishفقد جاء وسيم إلى إيطاليا عام 1966 ولم يكن قد أتمّ الثامن عشر ربيعا. حضرَ من دمشق حيث وُلِد عام 1948 لأبوين فلسطينيين مهجّرين كانا قد انتزعا لتوّهما من مدينة اللد. ولعل من الأسباب القوية التي دفعت وسيم للمجيء إلى إيطاليا شغف أستاذ التاريخ في مدرسته الثانوية بعصر النهضة وبثّه هذا الحب في نفوس طلابه، وقد يكون أحد الأسباب أبعد من ذلك قِدمًا، حيث أن وسيما أصغر إخوته الذين كانوا يسافرون عبر برّ الطليان في رحلاتهم إلى مواطن دراستهم، وقد كان السفر بالطائرة أيام طفولة ذاك الصبي الفلسطيني مكلفا للغاية ولم تكن ظروف عائلته بعيد النكبة تسمح بغير الباخرة كي يسافروا ليعملوا ويعيلوا أنفسهم كي يدرسوا. من هؤلاء الإخوة كانت تصل وسيم، أثناء مرورهم بالموانئ الإيطالية، بطاقات جميلة أثارت فضوله. وما أن أتم الصبي المرحلة الثانوية حتى اشتدت به رغبة السفر، وكلُّ فتى حالم توّاق إلى الرحيل، ودَفَعَه فضوله إلى السؤال عن إمكانية الدراسة في إيطاليا. صادف في تلك الأيام وجود ملحق ثقافي في السفارة الإيطالية في دمشق سهّل له تقديم طلب الالتحاق بجامعة إيطالية وهكذا جاء إلى هذه البلاد، وما زال فيها منذ زهاء نصف قرن، نذرَ فيها حياته للاشتغال بالثقافة، شيء يذكر بإيمان فرانز فانون بدربه الإنساني، الذي قاده من المارتنيك إلى الجزائر عونا للمقهورين والمعذَّبين.

عرفتُ وسيم عن قرب حين جمعنا عمل التدريس سويّا في جامعة روما، ليترك بعدها عاصمة إيطاليا ويرحل باتجاه جامعة كالياري في سردينيا، تلك الجزيرة التي يحسبها الزائر قطعة من بلاد المغرب. لكن وسيما كنت أعرفه قبل ذلك العهد من خلال نشاطه الثقافي الدؤوب، ولا سيّما بكل ما يتصل بفلسطين فهو أحد سفرائها المثقفين في إيطاليا، ولعله اختار الثقافة إيمانا بسموّ هذا العالم الرمزي وحتى لا تتحول فلسطين إلى خطاب سياسي فجّ يحجب عمقها الحضاري. فحين يحادثك وسيم تعجب لهذا الستيني الذي أتى إلى إيطاليا صبيا، كيف لا يزال يحدّثك بعربية فصيحة ممزوجة بلهجة شامية سلسة، دون ثنائية لغوية أو شوائب متسربة إلى لسانه، وقد مرّ على مجيئه إلى ديار الطليان ما يربو على نصف قرن. واللافت أن الفلسطيني حين يهاجر خارج بلاد العرب يحمل عربيته في لسانه وفلسطين بين جوانحه، لعل ذلك الكلف الدفين ما دفع إدوارد سعيد ليوصي بتلاوة قداس جنازته بالعربية، فالمثقف المهاجر تتشكل لديه حميمية مع لغة الضاد حتى وإن لم يمتلك ناصيتها وطغى لسان المقام الجديد على لسان الآباء والأجداد. وبناء على مقارنات أجريتها بين شرائح المهاجرين العرب، تبين لي أن الفلسطيني ثم يليه المصري، الأكثر إصرارا في توريث العربية إلى الأبناء في المهجر.

 

اللغات تذعن لمحبّيها

وبعيدا عن تلك الخصوصية في الحفاظ على اللسان العربي في المهجر، لا شك أن وسيم دهمش ظاهرة لغوية ذات وجهين عربي وإيطالي في الإمساك بناصية اللغتين. وقد لمست ذلك من غيرة كتّاب إيطاليين من الرجل، ولا سيما حين ينقل نصوصا عربية إلى الإيطالية بلغة راقية قلّ من يرتقي إلى مصافها من أبناء لغة دانتي. فقد كان معظم ما نقله من العربية إلى الإيطالية شعرا، وما فلسطين لديه سوى قصائد من عيون الشعر العربي سابحة في لغة دانتي. فعلاقته بالإيطالية حميمية شأنها شأن العربية، حيث يذوب التباعد بين اللسانين لتنصهر المعاني في إنتاج نص راق، مثمر أعلاه ومغدق أسفله. هكذا جاء نص "مجرّد 2 فقط" لإبراهيم نصر الله المترجم إلى الإيطالية، إليسو 2004، وكذلك نص "موظّف عادي جدا" المنقول إلى العربية لفنتشنزو تشيرامي بيروت 2009. لكن اللغة مع وسيم تبلغ ذروة صفائها في ترجمة الشعر وهو ما تجلى أساسا في نص "الشعر في المغرب" المنقول إلى الإيطالية. صحيح أن فلسطين أيقونة وسيم، لكنه يَعُدّ الشعر العربي عامة، الصوت المدوي في ثقافة مستنفرة، والصوت الساحر والآسر الذي ما زال بحوزة العرب، لذلك تجد دهمش يحرص على نقل بيت الشعر العربي الجميل. وهو يترجم يزداد قربا من فلسطين، ليس بحثا عن نسيان غربته بل لمنح فلسطين ذلك البعد الكوني الذي غفل عنه العربي في الزمن الحديث.

اختار وسيم الساحة الثقافية الإيطالية بناءً على كلفٍ لازمه منذ الصبى، ثم ترسخ مع توالي السنين حتى بات نابعا من يقين بضرورة إعمار هذه الساحة بحراك ثقافي عربي هي في أمس الحاجة إليه، نشاط ثقافي يدعم قضايا العرب ويشرح عمق حضارة تبدو واقعة تحت سطوة السياسي وحدة الصراعات التي ما أن تهدأ حتى تتفجر من جديد. فأقصر السبل لبلوغ التواصل مع الغربي هو طريق الثقافة بيد أن تلك الطريق تبدو مسدودة أو مقطوعة، فالمبادرات محدودة وقليلة جدا بين الجانبين. ولا يولي العرب كبير عناية للاستثمار في الشأن الثقافي في الغرب، ربما هذا يلوح جليا، من خلال ما يجري في أكبر جامعات أوروبا، جامعة روما "لاسابيينسا"، فالأنشطة التي تحوم حول الدراسات العربية يغيب العرب منها تقريبا، فليس هناك مشاركات من أي بلد عربي إلا ما ندر، في حين تتعدد المبادرات من جانب الصينيين واليابانيين والكوريين بشكل لافت، والدارسون والطلاب الإيطاليون المولعون بالعربية وحضارتها يشعرون بالغُبن والحسرة حين يرون الرعاية التي تلفّ لغات الشرق الأقصى مقارنة بما يحوم حول اللغة العربية والدراسات العربية. لعل هذا النقص للمشاركة العربية هو ما دفع وسيم دهمش للتعويل الذاتي على ترويج الثقافة العربية، في الجامعة وخارجها، فمئات الطلاب الذي أعدوا رسائل تخرجهم مع وسيم عن شعراء وأدباء عرب من المغرب والمشرق والخليج، كان محفزا وملهما لهم. كان مؤمنا ولا يزال بأن رسالة التعليم هي رسالة إنسانية ورسالة نضالية. يوما سألته: كثيرا ما يطرق مسامعنا، إن المثقف العربي في إيطاليا عرضة للموت السريري نظرا لفتور الحراك الثقافي بين الضفتين، رغم ذلك يعدّ كلانا إيطاليا دار قرار لا منطقة عبور خاطف. فرد مبتهجا: لكلٍّ رسالته ونحن رسالتنا في الحرف العربي الذي نبلّغه للطلاب الإيطاليين وهل ثمة بهاء يفوق ذلك البهاء.

 

سقي شجرة الشعر

لم يفل من عزم وسيم الحضور السلبي للعرب في إيطاليا، وهو ما تصنعه السياسة ويذكيه الإعلام، فتلك الصورة السلبية لا يصنعها الإعلام المغرض فحسب بل يصنعها العرب عن أنفسهم بغيابهم وصراعاتهم الداخلية التي تبدو عبثية. وترميم تلك الصورة المشروخة يحتاج إلى عمل الشاعر والأديب والفنان. من هذا الباب آمن وسيم بقدرة القصيدة والكلمة على الحضور رغم صورة القبح الطاغي. وقد كان إصراره على نقل الشعر العربي إلى الإيطالية إيمانا بأن قوة العرب الأدبية تتلخص في شعرهم. ولعل شعرهم الحامل لهمّ إنساني هو شعر فلسطين الأبية لمنزعه الكوسموبوليتي القادر على مخاطبة ذائقة العالم.

إذ ثمة بعدان يتنازعان شخص وسيم، المحلية والعالمية، لم يلغ الغرب من ذاته هاجس فلسطين وعمقها الإنساني الحاضر بشكل دائم لديه، وقد تحولت إلى قضية إنسانية منزوعة من ارتباطاتها القومية، وفي الأثناء لم يتخل وسيم يوما عن ارتباطه بالمكان بتراث إيطاليا المركب وبمنزعه الإنساني الباحث عن معانقة العالم عبر بوابة المتوسط المشرعة. نصف قرن في إيطاليا، ولعلها أطول فترة قضاها مثقف عربي في حضن الثقافة الإيطالية. قد يتصور البعض أنها ثقيلة ومرهقة لكنها مع وسيم مرت خاطفة في سقي شجرة الشعر، وترويج الحرف العربي، وإنشاد موال فلسطين الشجي. حوّل أثناءها وسيم القدس ويافا ونابلس وحيفا واللد إلى أيقونات خارج الزمان والمكان، وإلى قصائد عابرة للغات، حتى غدت فلسطين برمتها قصيدة جميلة مكتوبة بلغة دانتي.

 

أستاذ من تونس بجامعة روما

 

diaa nafieهذه الحلقة من سلسلة مقالاتي خاصة بالدكتور اسماعيل شفيق محسن – سفير جمهورية العراق في موسكو منذ عدة سنوات، والذي قلدته وزارة خارجية روسيا الاتحادية بتاريخ 21/10 /2016 (لمناسبة انتهاء مهام عمله بموسكو) وسام (التعاون المتبادل)، وهو أعلى وأرفع وسام تقدمه الخارجية الروسية للسفراء والدبلوماسيين الاجانب، تقديرا لمساهماتهم في تعزيز العلاقات وتطويرها  بين بلدانهم وروسيا (ارتفع حجم التبادل التجاري بين العراق وروسيا عشرة أضعاف خلال فترة توليه مهامه سفيرا للعراق في موسكو). وهكذا اصبح السفير الدكتور اسماعيل شفيق محسن اول سفير عراقي يحصل على هذا الوسام الروسي الرسمي الرفيع  في تاريخ العلاقات العراقية – الروسية منذ تاسيس هذه العلاقات عام 1944 ولحد الآن ، وبالتالي اصبح واحدا من العراقيين القلائل جدا، الذين حازوا على اوسمة رسمية روسية. عندما سمعت بالخبر تذكرت رأسا المرحوم عزيز شريف (1904 – 1990)، الشخصية العراقية السياسية المرموقة، الذي قلدته الحكومة السوفيتية عام 1960 وسام لينين للسلام مع مجموعة من الشخصيات العالمية، وتذكرت ايضا كيف اخبرتنا مدرٌسة اللغة الروسية في الكلية التحضيرية لجامعة موسكو المرحومة فاليريا ايفانوفنا بهذا الخبر، الذي كان منشورا على الصفحة الاولى من جريدة (برافدا) السوفيتية آنذاك، وكانت الجريدة في يدها، وكيف كنا ننظر اليها (ونحن في مقتبل أعمارنا) مزهوين وبكل فخر واعتزاز، لأن عزيز شريف  - هذا المناضل العراقي الكبير قد حاز على هذا الوسام الرفيع في الاتحاد السوفيتي آنذاك .

الدكتور اسماعيل شفيق محسن كان سفيرا للعراق  في احدى دول آسيا، وكان يتوقع - في نهاية خدمته هناك - الانتقال الى اوربا الغربية، و ربما حتى الى لندن بالذات، ولكنه استلم أمر نقله الى موسكو، وتذكرالدكتور اسماعيل رأسا ثلوج روسيا وبعدها عن العالم وغرابة لغتها وعاداتها ووو... الخ تلك الصور العالقة في أذهان العراقيين عن روسيا لحد الآن، وهكذا وصل الى موسكو وهو متوجس جدا من هذه المهمة غير البسيطة ابدا، والتي انيطت به في هذا البلد البارد الغريب و البعيد . لقد سألته بشكل مباشر ودقيق  قبيل سفره من موسكو مغادرا – هل تغير رأيك حول روسيا بعد هذه السنوات من العمل فيها أم لا ؟ فضحك وقال – طبعا، وساشتاق لها حتما . طلبت منه ان يحدثني عن انطباعاته عنها بعد هذه الفترة غير القصيرة بالعمل فيها، فقال انه مندهش جدا من جغرافيتها المتنوعة وسعتها غير الاعتيادية ومن ثرواتها الطبيعية  الكثيرة، بل والهائلة فعلا، والتي تجعلها في طليعة بلدان العالم في هذا المجال  الحيوي والمهم، فاضافة الى النفط والغاز والمعادن الثمينة الاخرى، هناك المياه العذبة والغابات الكثيفة الهائلة، التي نراها ممتدة عبر مساحات واسعة جدا في طول البلاد وعرضها، وحتى الثروات غير المكتشفة اوغير المستغلة لحد الآن في مناطقها مثل سيبيريا وغيرها، وتحدث الدكتور اسماعيل عن اعجابه و اندهاشه الدائم عندما يزور مدينة بطرسبورغ، التي يعتبرها – (من اجمل مدن العالم  واغناها حضارة وتاريخا وثقافة !) . وسألته  طبعا عن الجوانب التي لم تعجبه في روسيا ايضا، فابتسم وقال – الروتين، الذي يتم تنفيذه ببطء شديد (حكى لي كيف انه شاهد مرة أحد كبار المسؤولين العراقيين وقد كاد ان يغفو وهو جالس على كرسي بانتظار اكمال معاملة جوازه !)، واستطرد قائلا – ولكننا عالجنا هذا الروتين بالمتابعة المستمرة، وغالبا ما كنا نناشد الاصدقاء الروس في وزارة الخارجية لمساعدتنا كي نذلل هذه العقبة او تلك، وأشاد جدا بوكيل وزارة الخارجية بوغدانوف (صديقنا الذي توجهنا اليه مرارا من اجل تسهيل مهماتنا) كما قال، وحكى لي السفير كيف اتصل به مرة حول احدى القضايا العالقة، فتبين ان وكيل الخارجية في زيارة الى أفريقيا، (ومع ذلك قال لي انه سيحاول من هناك ان يساعد في ايجاد حل لتلك القضية، وفعلا، اتصل بهم بعد ساعة واخبرهم بالحل، الذي وجده في موسكو، بينما كان هو في أفريقيا) . تحدث السفير طويلا حول بوغدانوف واريحيته وشخصيته المرنة ودبلوماسيته وعمق معرفته للغة العربية، و انه (اي الدكتور اسماعيل) كان شاهدا مرة، كيف  لعب بوغدانوف دورا في تقريب وجهات النظر المختلفة (بل المتناقضة) في بيت السفير اللبناني بموسكو عندما برز خلاف بين اللبنانيين انفسهم، او كيف قام بالدور نفسه (اي تقريب وجهات النظر المختلفة) عندما كان في ضيافة القادة الاكراد في كردستان العراق، وقال الدكتور اسماعيل، انه كان يرتاح دائما عند مقابلاته معه، ويخرج راضيا بعد المقابلة (حتى ولو ان  بعض القضايا تبقى عالقة)، بينما يكون الانطباع مختلفا عند مقابلة بعض المسؤولين الآخرين . قلت له أنا، ان المرحوم الدكتور جلال الماشطة (سفير جامعة الدول العربية في موسكو آنذاك) حدثني عدة مرات حول بوغدانوف وانه كان يرتاح له ايضا ويسميه عندما يتحدث عنه بكلمة - (صديقنا)، فقال السفير – نعم، وقد حدثت اثناء علاج المرحوم الماشطة مشكلة في المستشفى الروسي الذي كان يرقد فيه، اذ طالبوه بمبالغ كبيرة وغير معقولة تماما لأنه يشغل منصب سفير، وقد اضطر الدكتور اسماعيل ان يتصل ببوغدانوف حول ذلك، و قد تدخل بوغدانوف بالموضوع رأسا، وتم تسويته فعلا .

قلت للدكتور اسماعيل شفيق محسن وانا اودعه، انني أتذكر كيف تلقيت منه دعوة لالقاء محاضرة امام موظفي السفارة، وكيف اني كنت مندهشا لهذه المبادرة التي ترتبط باسمه وباقتراح منه بالذات، وكيف انها كانت غريبة ومتفردة في مسيرة السفارة وتاريخها، والتي يمكن اعتبارها اضافة نوعية في علاقات السفارة مع المحيطين بها من عراقيين وعرب واجانب، و انها – حسب رأي الكثيرين - علامة مضيئة فعلا في تطوير تجربة العاملين في السفارة واغناء معلوماتهم وتوسيعها، وقلت له انني لازلت اتذكر تعليقه الجميل بعد المحاضرة تلك (انظر مقالتنا بعنوان – روسيا في الوعي الاجتماعي العراقي)، وقلت له كذلك، انني لازلت اتذكر الدعوة التي أقامها لي شخصيا في حدائق السفارة (وكانت مفتوحة لكل العراقيين) عندما منحني اتحاد ادباء روسيا عضوية الشرف فيه، وانني سابقى ممتنا له  دائما على ذلك الموقف المشرف.

نتمنى للدكتور اسماعيل شفيق محسن كل النجاحات في عمله الجديد – سفيرا لجمهورية العراق في العاصمة الفرنسية باريس، ونحن على ثقة من تألقه هناك، مثلما تألق في موسكو، ونقول له، انه يمتلك في روسيا قلوبا وعقولا  ترحب به دائما، لانه كان (وسيبقى) رمزا لبساطة  الانسان العراقي وموضوعيته واريحيته واخلاصه المتناهي لعراقنا الحبيب.

 

diaa nafieالتسمية الرسمية والكاملة لهذه الجامعة هي – جامعة كادحي الشرق الشيوعية، وقد تأسست بقرار من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلشفي في موسكو عام 1921، اي بعد اربع سنوات فقط من انتصار ثورة اكتوبر 1917، ثم تم تعديل هذه التسمية في عام 1923، اذ اضيف لها اسم ستالين، وهكذا اصبحت التسمية الرسمية لها – جامعة ستالين الشيوعية لكادحي الشرق (ألقى ستالين خطابا مطولا فيها عام 1925، وتم اعتماده في المناهج التدريسية  لتلك الجامعة). الغيت هذه الجامعة نهائيا في عام 1938 نتيجة لاعادة النظر في نظام التربية والتعليم الحزبي السوفيتي آنذاك ، اي ان هذه الجامعة استمرت بالعمل على مدى سبع عشرة سنة ليس الا، وهي فترة قصيرة جدا بالنسبة لاي مؤسسة اكاديمية جامعية وتاريخها في كل زمان ومكان.

تكاد هذه الجامعة ان تكون شبه مجهولة للقارئ العربي تقريبا، اذ انها تأسست والغيت في فترة كان العالم العربي آنذاك بعيدا جدا عن اخبار الاتحاد السوفيتي وما يجري فيه من احداث بشكل عام، والتي لم تكن تمتلك تأثيرا على مسيرة الاحداث في عالمنا العربي بتاتا، ولكننا نطرح موضوعنا هذا، ونحاول في مقالتنا هنا الحديث عن هذه الجامعة والتعريف بها، لانها ترتبط  بعدة خريجين متميٌزين كبار لعبوا دورا مهمٌا  جدا في تاريخ بلدانهم خاصة، واصبحوا اعلاما  في مسيرة العالم وتاريخه  بشكل عام  في القرن العشرين بعد تخرجهم في تلك الجامعة، وهم كل من (حسب الحروف الابجدية) –

خالد بكداش (سوريا)،و ليو شاوتسي (الصين)، وناظم حكمت (تركيا)، ونجاتي صدقي (فلسطين)، وهوشي منٌه (فيتنام)، ويوسف سلمان يوسف / فهد  (العراق).

من الواضح تماما، ان هذه الجامعة سياسية قبل كل شئ، وانها ترتبط بالحزب الشيوعي السوفيتي مباشرة وخططه السياسية البحتة لاعداد كوادر حزبية شيوعية عالمية تنشر اهدافه في الشرق، وقبل كل شئ في الصين وفيتنام والعالم العربي ...الخ (اكثرية الطلبة كانت من الصين)، وكان القبول في تلك الجامعة يجري عبر قنوات الحزب الشيوعي السوفيتي ولجان التنسيق مع الاحزاب الشيوعية الاجنبية . كانت مدة الدراسة في هذه الجامعة ثلاث سنوات فقط، بما فيها تعليم اللغة الروسية، وهي لغة الدراسة طبعا . ان هذه الفترة الزمنية (اي ثلاث سنوات) لم تكن كافية بتاتا لدراسة اللغة الروسية واستيعابها، ثم  دراسة المناهج المقررة في تلك الجامعة بشكل معمق، وقد انعكس ذلك طبعا على مستوى الجامعة، مما جعلها تكون أقرب الى مؤسسة تعليمية خاصة لاقامة دورات  سياسية مكثفة وسريعة، من  ان تكون جامعة اكاديمية تمنح شهادات جامعية متخصصة . كان الطلبة مقسمين الى مجموعتين – الاولى خاصة لطلبة الجمهوريات السوفيتية الشرقية لاعدادهم للعمل الحزبي اللاحق في فروع الحزب الشيوعي بجمهورياتهم السوفيتية تلك، اما المجموعة الثانية فانها تضم الطلبة الاجانب من البلدان الشرقية، الذين كانوا يعدوهم للنضال والعمل من اجل اقامة نظام شيوعي في بلدانهم عن طريق تنظيم الانتفاضات والانقلابات والثورات هناك . كانت المناهج التدريسية ذات سمات سياسية عامة وبعيدة عن التخصص العلمي الدقيق، اما الاقسام العلمية الرئيسية في هذه الجامعة فكانت  كما ياتي – العمل الحزبي / التثقيف السياسي / الحركة النقابية / الاقتصاد السياسي / الادارة القانونية / ..الخ، وكان الطلبة يخضعون للتدريب العسكري في معسكرات صيفية خاصة اثناء العطلة الصيفية، وكانت الجامعة تصدر مجلة (من عام 1927 الى عام 1938) بعنوان – الشرق الثوري .

من أبرز خريجي هذه الجامعة – هوشي منٌه، الشخصية الفيتنامية المعروفة، ومؤسس الحزب الشيوعي الفيتنامي وجمهورية فيتنام الشمالية واول رئيس لها ومؤسس حركة المقاومة ونضالها، والتي خاضت الحرب وانتصرت، والتي أدٌى انتصارها الى تأسيس جمهورية فيتنام الاشتراكية الحالية، واطلقت اسم هوشي منٌه على عاصمة فيتنام الجنوبية . يعدٌ هوشي منٌه مفكرا ماركسيا معروفا، وهو شاعر ايضا. الاسم الثاني الذي يستحق التوقف عنده هو – ليو شاو تسي، الشخصية الصينية، الذي اصبح رئيسا لجمهورية الصين الشعبية ايام ماو تسي تونغ، والذي كان يقف اسمه جنبا لجنب مع اسم  ماو، والذي اتهموه لاحقا – كما هو معروف - بانه من اعداء الثورة الثقافية وتمت تصفيته . الاسم الثالث ضمن هؤلاء الخريجين هو الشاعروالكاتب المسرحي التركي الكبير ناظم حكمت (انظر مقالتنا – ناظم حكمت وروسيا) . توفي ناظم حكمت في موسكو، بعد ان عاد اليها لاجئا سياسيا، ودفن فيها. الاسماء الاخرى في قائمة خريجي جامعة كادحي الشرق تستحق – بلا شك – التوقف عندها طويلا وتفصيلا (ولا مجال لذلك في اطار مقالتنا هذه)، فنجاتي صدقي (اول طالب فلسطيني في هذه الجامعة) هو واحد من كبار المثقفين العرب في القرن العشرين، والذي كان يتقن اللغات الفرنسية والاسبانية والروسية، والذي اختلف مع الكومنتيرن قبل الحرب العالمية الثانية حول اتفاق هتلر وستالين، ورفض هذا الاتفاق رفضا قاطعا، وانسحب اثر ذلك من الحركة الشيوعية برمتها وتفرغ للادب والصحافة، وتوفي في اثينا  . لعب  نجاتي صدقي دورا مهما جدا في تعريف القارئ العربي بالادب الروسي، وهو مؤلف أول كتاب عربي عن تشيخوف (انظر مقالتنا – نجاتي صدقي والادب الروسي)، اما خالد بكتاش (اول طالب سوري في الجامعة) فقد كان – بشكل عام -  أبرز الاسماء في الحركة الشيوعية في العالم العربي، وتشير المصادر الروسية الى انه كان يتقن اللغة الروسية بشكل جيد جدا، وقد ترجم فعلا كتاب – البيان الشيوعي لكارل ماركس الى العربية . نختتم مقالتنا هذه بالتوقف قليلا عند القائد الشيوعي العراقي الكبير - يوسف سلمان يوسف (فهد) (اول طالب عراقي في الجامعة)، والذي قضى سنتين دراسيتين في هذه الجامعة بدلا من ثلاث سنوات، وذلك بناء على طلبه الشخصي كما تشير بعض المصادر العراقية، (وهذا يعني ان نظام الدراسة في  تلك الجامعة كان يسمح بمثل هذه الطلبات)، وتشير تلك المصادر الى ان فهد  طلب تقليص مدة دراسته لانه كان يرغب بالعودة السريعة الى العراق لمواصلة نضاله، رغم ان تلك المصادر تحدثت ايضا عن زواجه من فتاة سوفيتية، وانه لم ينتظر ولادة ابنته الوحيدة منها، اذ انه سافر من موسكو عندما كانت زوجته حاملا. لا تتناول المصادر بالتفصيل الجوانب الشخصية في حياة فهد عندما كان طالبا في جامعة كادحي الشرق بموسكو، ولازالت تلك الجوانب شبه مجهولة عن القائد الشيوعي العراقي الكبير، عدا شذرات هنا وهناك، منها انه لم يكشف لزوجته مركزه الحزبي ولا مهامه الحزبية، ولا حتى اسمه  الحقيقي . لقد سنحت لي الفرصة في احدى حفلات رابطة الطلبة العراقيين في جامعة موسكو عام 1961 التحدث مع ارملة فهد ومع ابنته ايضا، وسألت ارملته عن الاصدقاء الذين كان يلتقي بهم، فقالت انها لا تعرفهم بتاتا، بل انها لم تكن تعرف حتى الجهة التي سافر اليها آنذاك، اما ابنته، فقد قالت لي عندما سألتها عن سبب عدم موافقتها على الزواج (بعد ان طلب يدها واحد من ابرز طلبة الدراسات العليا العراقيين) انها لا ترغب بتكرار تجربة والدتها المريرة.     

 

1100-basheerكنت مع العلامة الراحل السيد مرتضى العسكري، لمراجعة بحث عن السُنّة النبوية، فتوقف رحمه الله، عند عبارة أراد التأكد من صحتها اللغوية، وهو الضليغ بالعربية وأصولها وقواعدها، فطلب مني أن أتصل بالاستاذ بشير الجزائري (هاتف الجبوري) استفهم منه الرأي. وفي الدقائق التي كنت اتحدث هاتفياً مع المرحوم (الجبوري)، ومع العسكري في حوار ثلاثي، التقط أحد العاملين في مكتب السيد العسكري صورة بكاميرته. (اضعها في نهاية المقال)، ولم يخطر ببالي يوماً أنني سأحتاج هذه الصورة للاستشهاد بها في مقال كهذا أنعى به الفقيد العزيز الصادق الصدوق (هاتف الجبوري).

كان السيد العسكري يعتمد على رأي المرحوم (هاتف الجبوري)، ويطمئن اليه، لما عُرف عنه من تبحر في مجال اللغة، فكان عالماً بها ملماً بدقائقها. وقد حدثني أكثر من مرة رفيق دربه وزميله في الدراسة الجامعية الاستاذ (حسين السكافي) أنه كان يخوض النقاشات اللغوية والنحوية مع العلامة النحوي الشهير (مهدي المخزومي) مناقشة ندية علمية، مع انه كان طالباً عند المخزومي.

1100-basheerوذات يوم كان يستشيره السيد العسكري ويسأله بعض الأسئلة في اللغة والنحو، والمرحوم (هاتف) يجيبه ويخوض النقاش معه، ثم قال للعسكري مازحاً:

ـ عجبت لعالم مثلك يسأل (معيدياً) مثلي.

فضحك العسكري وقال له:

ـ نعم، أنا أرجع الى المعدان في اللغة.

في إشارة الى أن العرب بعد أن دخل اللحن الى العربية، كانوا يرجعون الى عرب البادية لنقاء لغتهم من مخالطة الأقوام الأخرى.

بين فترة وأخرى كنت مع الصديق (حسين السكافي) نتذكر مواقفه واخلاقه الرفيعة وطيبته النادرة، وطرائفه الجميلة، وذات يوم روى لي الاستاذ السكافي، أنه كان أحياناً يتغيب عن الحضور الى كلية الفقه في النجف الأشرف، وذلك لأنه لا يمتلك أجرة السيارة.

عاش عفيفاً الى أبعد الحدود، قنع من الحياة بما يكسبه من كدّ يمينه، فاذا رزقه الله رزقاً شارك به المحتاجين، ومضى يطوي أيامه على الكفاف والبساطة في أدنى مستوياتها، يمزج بها الطيبة وسمو الخلق والتواضع المشهود، خالي القلب من أهواء الدنيا وما يخوض فيه الآخرون.

 ...

مثل الكثيرين من رواد الطريق الصعب وأصحاب العطاء والتاريخ، كان (هاتف الجبوري)، فقد أهمله رفاق الدرب حين تمكنوا من السلطة والامكانات، وتركوه فقيراً يواصل مسيرة الفقر والعوز التي طبعت حياته كلها. ولم يحصل سوى النعي والتأسف عليه بعد الموت.

 

1101-salim

1100-basheerإلى ذكرى صديقي الجميل المرحوم (هاتف الجبوري / بشير الجزائري)، الذي قرأ السياسة والثورة في كتاب أبي ذر، ولم يقرأ سياسة السلطة في كتاب مكيافيلي

بلغني قبل قليل نبأ رحيل الصديق الاستاذ (هاتف الجبوري / بشير الجزائري ) إلى الملكوت الأعلى .. قبل أن التقي المرحوم هاتف الجبوري سمعت اسمه للمرة الأولى من المرحوم عبد الحميد ثامر خريف العام ١٩٧٣ الذي كان يكرر دائماً مواقف ايمانية أخلاقية انسانية نبيلة لهاتف الجبوري (حسب تسمية عبد الحميد).

لم أجد عبد الحميد ثامر مفتوناً بقدوة ملهمة كفتنته بأستاذه ابن الحي الفقير (حي رفعت)، في مدينتهما (الديوانية).

 يقول عبدالحميد ان استاذه كان شديد الجاذبية لدى المحرومين والبؤساء وذوي المهن البسيطة، إذ كان الجبوري صديقاً حميماً للعمال الفقراء المعروفين في الأسواق العراقية بالحمالين وأصحاب (العرباين). لا يتكبر على الجلوس معهم والحديث معهم لساعات طويلة في المقهى المعروف الذي يرتادونه مساء عادة. لذلك كلما لمحوه في مكان هرعوا اليه وتجمعوا حوله، وهو يحدثهم ويشاركهم همومهم كصديق حميم.

1100-basheerهاجر هاتف الجبوري مضطراً من العراق إلى الجزائر مطلع سبعينيات القرن الماضي، لأنه كان أحد الأعضاء الناشطين في حزب الدعوة وقتئذ، وعمل مدرساً فيها، ومنها اكتسب اسمه الجديد (بشير الجزائري). ثم هاجر من جديد إلى ايران بعد انتصار الثورة، ومكث فيها حتى وفاته.

التقيته للمرة الأولى كما أتذكر عام ١٩٨٥ فوجدته كما رسم صورته لي المرحوم عبدالحميد ثامر بسيطاً وليس ساذجاً، عالماً باللغة والأدب وليس مدعياً، عميقاً وليس غامضاً، زاهداً في كل شيء، إذ كان زاهداً حتى في نشر كتاباته، فقد واصلت الالحاح عليه كلما زرته أو زارني لنشر ما أنجزه من آراء ورؤى ومناقشات في اللغة والأدب، بعد أن اطلعت على شيء منها، إلاّ انه كان لا يكترث، لأنه كان كما أبي حيان التوحيدي لم تصطاده (غواية النشر)، ولم يقع في أسره، كما أنا وغيري.

لصوته هدير آسر يختص به، تتراقص بين شفاهه الكلمات كأنها تعزف على أوتار قيثارة ، أنغامها عبارات لغوي لا يتلفظ  بكلمة بلا حركاتها وسكناتها. حين تصغي إلى صوته الرخيم تتلذذ بتذوق لغته، وكأنك في مختبر لغوي يختبر كبار النحاة واللغويين.

هاتف الجبوري ينتمي إلى جيل رائد من المؤمنين الأخلاقيين من أهل الديوانية، تعرضوا للمطاردة والتشريد من وطنهم مبكراً، في مطلع سبعينيات القرن الماضي.

تعرفت في المهجر عليهم، وارتبطت بصداقات معهم، ومن الذين رحلوا منهم: المرحوم عبدالجبار شرارة، والمدرس عبدالكاظم فاضل (ابو باقر)، وكاظم عنبر.. ومن الأحياء: يوسف الهادي، وحمزة بن فزوع الديواني، ومحمد الصمياني، ومحسن الأسدي، وجابر الزيادي، وحسين الديواني .. ومن الجيل الثاني: المرحوم عبدالحميد ثامر، والمرحوم راغب طعمة، ومنهل الظالمي، وشقيقه المرحوم سلام الظالمي.. وغيرهم.

يبدو أن أصدقائي (الديوانيين) لم يتقنوا حرفة السياسة في عالمنا، وإن كانوا جميعاً ممن أتقن جيداً الفلاحة بمهارة فائقة ومثابرة مدهشة، لكنهم قبيل وقت الحصاد وجني المحصول فشلوا في ممارسة (مكر السياسة)، فلم يدركوا الحصاد، وتركوا الحقل بمحاصيله لمن يتقن حرفة (حصاد مالم يزرع). وذلك هو المصير الحتمي لكل من يقرأ السياسة والثورة في كتاب أبي ذر، ويصر على عدم قراءة السياسة والسلطة في كتاب مكيافيلي.

رسب هاتف الجبوري وزملاؤه من أهل الديوانية في سياسة السلطة، لأنهم فوجئوا بأسئلة امتحانها التي جاءت خارج كتاب ابي ذر.

 تبنى هاتف الجبوري وزملاؤه من أهل الديوانية السياسة والثورة في كتاب أبي ذر، وأصروا حتى الأخير على إهمال السياسة والسلطة في كتاب مكيافيلي.

لقد عاش المرحوم هاتف الجبوري ومات فقيراً، وهكذا هو حال من رحلوا أو معظم الذين مازالوا أحياء من أبناء مدينته.

امتدت صداقاتي في المنفى مع مختلف أبناء مدن العراق، غير اني وجدت أبناء الفرات الأوسط، و(الديوانية) خاصة من أوفى وأصدق الأصدقاء. لم يخذلني أو يغدر بي صديق منهم، ولم أسمع منهم وعنهم إلاّ ما يسرني.

للجغرافيا أحكامها واستحقاقاتها الخاصة، حتى في عصر الأنترنيت لما تزل الجغرافيا تفرض علينا نسيان أحبة مقيمين في ضمائرنا، بعد أن يفرق بيننا وبينهم المكان.

غفرانك يارب، ومعذرة إلى الرجل النبيل الجميل (هاتف الجبوري / بشير الجزائري) الذي غيبتني عنه ليالي بغداد الحزينة بعد عودتي، واصراره على البقاء في المنفى الذي لم يكرمه بما يستحق، مثلما تجاهله ولم يكرمه وطنه اليوم وأمس.

(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).

 

عبدالجبار الرفاعي

بغداد ٢٢-١٠-٢٠١٦

 

 

jasim alayffأعمال الفنان "يوسف العاني" المسرحية، تؤكد فكره المتوقد، وتعبر بجدارة عن توجهاته الفنية - التجريبية، الغنية، فليس له عمل مسرحي مكرر (الثيمة) لنتاج سبق وكتبه أو قدمه. النشاط الثقافي - الفني، المتعدد للفنان (يوسف العاني)، المسرحي تخصيصاً، يكشف، في مراحل عدة، القدرات الفنية - التجديدية في المسرح العراقي، من خلال أعمال ورؤى بعض الكتاب والممثلين والفنانين و العاملين في الشأن المسرحي، مهما كانت مساهماتهم، وفي المقدمة منهم (العاني) وجيله المسرحي. فإذا ابتدأنا في عقد الخمسينات، ويعد بمثابة النواة الفعلية، فنياً، للنشاط الثقافي- المسرحي في العراق، تستدعينا، مسرحية (آنه أمك يا شاكر)، لعبت دور الأم الفنانة الراحلة" زينب"، بثيمتها التي عملت على إبراز دور المرأة العراقية الايجابي، وتجسد ذلك في موقف (الأم)، إذ نجد التوجه الواضح للصوت النضالي- الشعبي، هو الصوت الأعلى في الساحة المسرحية في تلك المرحلة . يترافق ذلك مع اهتمام خاص بالوضع الحياتي للمواطن البسيط واحباطاته في تعامل السلطات القاهرة معه، وحقوقه المغيبة طوال الأزمان العراقية المتعاقبة، عبر الجهاز الوظيفي المتسم، دائماً، بالتعامل " البيروقراطي"مع المواطنين، كما في مسرحية "المراجع المهتوك"، وعمدنا في سنوات سابقة لتقديمها بإمكانات محدودة وفي أماكن متعددة،، يفرضها الوضع الذي كنا نخضع له، على ما يمكن أن نطلق عليه " مسرح السجون" أو" المواقـف" التي مر بها وخضع لقسوتها، عدد لا يحصى من المناضلين، و المواطنين، بداية من 1960 - 1968، وارى من الضروري دراستها من قبل الباحثين، لأهميتها في التاريخ المسرحي العراقي، خاصة من خلال اعتماد التوجه المسرحي، والحرص عليه وإدامة زخمه بين السجناء والموقوفين، الشيوعيين بالذات، والذين جهدوا، في "السجون والمواقف"، لإرساء القيم الثقافية - الفنية، أسبوعياً، وفي المناسبات الوطنية، أو تلك التي لها علاقة بتاريخ الحزب ومؤسسيه، وشهدائه.برحيل" العاني" تنطفئ مرحلة متوهجة من تاريخ المسرح في العراق، فلقد اجتمعت به الموهبة الفنية والفكر الإنساني المتنور، المنحاز لقيم التقدم والعدالة الاجتماعية- الإنسانية، والانتصار إلى المهمشين في النسيج الاجتماعي.الفنان (يوسف العاني) من أوائل المسرحيين الذين تولهوا بحياة وحكايات وآمال بسطاء الناس، وعمل في المسرح على طرح همومهم الحياتية وأحلامهم الإنسانية التي تنحصر في حياة لائقة - عادلة. لقد غاص بشغفٍ في الحياة العراقية، (الشعبية)، بخبرة عميقة، كمنت في وعيه الحاد المنفتح على التناقض الصارخ في الحياة الاجتماعية - العراقية،  واستخدمها مادة لإعماله المسرحية، المتسمة بالرؤى الفنية، المنفتحة على احدث التطورات الفنية المسرحية العالمية، وعمد فيها لتأرخة مراحل ملتهبة من تاريخ العراق، وبحث في عواملها و فواعلها، معتمداً بوعيه الثاقب، ومجسداً فنياً الرؤى، التي تركت تأثيراتها في تلك المراحل، على تاريخ العراق السياسي، و حياة الشعب العراقي. "فنان الشعب" انه استحقاق لا يدانيه أي استحقاق آخر، وهو مكافأة عمره المسرحي- الفني، ومن الفخر، انه قد تمتع به في حياته من قبل الأوساط الشعبية - الثقافية. قام العاني بتأسيس "فرقة الفن المسرحي الحديث" مع الفنان الراحل إبراهيم جلال وعدد من الفنانين عام 1952، و تم مواجهة هذه المبادرة، من قبل النظام الملكي بحذر شديد، ثم منعها من العمل، وعاودت نشاطها، بعد 14 تموز 1958، وأغلقت ثانية. بعد 1968 سمح لها بالعمل، ثم توقفت بعد الهجمة الشرسة، على القوى التقدمية منتصف 1978، تلك التوقفات، و الانبعاثات، للفرقة التي أسسها" العاني وإبراهيم جلال، برفقة بعض الفنانات والفنانين" يؤكد بأنها الشاهد تاريخياً، على إن الحركة المسرحية ونشاطها الجاد في العراق، ترتبط بنسائم الحرية والتوجه الديمقراطي مهما كان حجمه المتاح. ساهم و قدم (العاني)، في السبعينات، مسرحيات رسخت في الوجدان العراقي، و منها " النخلة والجيران، الشريعة، الخان، الجسر، الخرابة، البيك والسايق، نفوس..الخ"، وكشفت للعالم العربي القدرات الفنية التي ينطوي عليها المسرح العراقي. من المناسب أن نذكر في رحيل الفنان " يوسف العاني"، الدراسة المطولة، للناقد المسرحي " بنيان صالح" التي وثق فيها التجربة المسرحية للفنان العاني، و نشرها أوائل السبعينات في مجلة (الآداب) اللبنانية، لما وصفه بـ"مسرح العاني" وخصائصه التي أطلق عليها " العودة إلى النبع" متتبعاً الإخلاص النادر الذي يميزه. جهد الفنان "يوسف العاني" إلى الارتباط بالشرائح التي تقبع في القاع الاجتماعي، منطوية على طموحاتها،  في حياة إنسانية - عادلة، إلا أنها مغيبة عنها بفعل عوامل الصراع الاجتماعي. نتيجة لعطاءاته الفنية المتعددة، ورحلته المسرحية التي تتجاوز الـ(72 )عاماً . كرم الفنان "يوسف العاني"، من جهات مسرحية عالمية - عربية - عراقية، و أقيمت فعاليات خاصة به، وخص بقراءة شهادات عن منجزه المسرحي، شارك فيها عدد من أهم المسرحين في مصر وسوريا والكويت والمغرب والبحرين والإمارات والاردن والعراق. الموت لن يغيب ساحات الإبداع الفنية المتعددة،  التي عمل عليها بجد ومسئولية ومثابرة، وألقٍ متواصلٍ" فنان الشعب- يوسف العاني" طوال مسيرته الإبداعية، وستبقى تجربته الفنية - المسرحية ضمن أهم العلامات المضيئة، في سمو الثقافة الوطنية العراقية، متعددة الأطياف والرؤى .

 

   

"نادرا ما يقوم الناس بما يؤمنون به. هم يقومون بما هو مناسب ثم يتوبون" .. بوب ديلن

كان أنسي الحاج صادقا حين قال: "أضع في الشعر كل ما لا يقهرني." وبذلك تكون الموسيقى أيضا وهي تخطو نحو نوبل لتحقق انتمائها الى دائرة اللاقهر، ولتجدر انتمائها في أرض الأدب، وانتمائها الى الشعر بمفهومه الموسع، حيزا شاسعا يكثف الجمال ويحرص على لاتناهيه. وحدها الأصوات التي اعتادت النظر من كوة الادب بمنظار الأخلاق لم تتطق بوب ديلن الذي نزلت أخبار فوزه بجائزة نوبل للأدب كالصاعقة، واختلفت أراء المتضلعين في ميادين الفنون والآداب بين مساند لهذا الفوز ومعارض له لأسباب لها علاقة بزوايا نظر الأفراد المختلفة ومفهومهم للآداب والفنون وقيمتهما الأخلاقية والجمالية. بدا الأمر مثيرا للضحك وأنا أتذكر ذلك المقطع القصير من فيلم "قلوب النيران" حيث يقول بوب ديلن مستبعدا إمكانية وقوع مثل هذا الحدث "لا أعتقد أنني سأكون أحد نجوم موسيقى الروك أند رول الذين سيفوزون بجائزة نوبل."  ماذا لو وقع أن فاز ديلن بجائزة نوبل للآداب كما حدث اليوم فهل سيرفضها كما رفضها جون بول سارتر لأسباب لها ارتباط وثيق بالقناعات السياسية للفيلسوف الوجودي المرموق؟ على أية حال، نحن لا يهمنا الان ما إذا كان ديلن سيرفض الجائزة أم لا، ولا تشغلنا الخلفية التاريخية لميلاد الجائزة وتداعياتها السياسة بقدر ما يشغلنا موضوع العلاقة الكامنة بين فن الغناء والكتابة الغنائية، والموسيقى عموما، بالشعر، وبالخصوص مكانة بوب ديلن وعلاقته بالأدب.

خلال إعلانها عن إسم الفائز بجائزة نوبل للأدب قالت السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية سارة دانيوس بأن انتقاء بوب ديلن "لم يكن قرارا صعبا"، وتمنت ألا يتعرض الاختيار لانتقادات الأكاديمية، ثم أضافت قائلة ""نحن نقدر بوب ديلان كشاعر كبير - وهذا هو السبب في أننا منحناه هذه الجائزة. إنه شاعر كبير من شعراء التراث الإنكليزي العظيم الذي يمتد من ميلتون وبليك إلى شعراء معاصرين. إنه شاعر تقليدي مثير للاهتمام وبطريقة أصيلة للغاية، وتقليده ليس فقط على مستوى الكتابة بل على مستوى الأدب الشفهي،" كما أنها قارنت أغاني ديلن بأعمال هوميروس وسافو، مضيفة بأن استحقاقه لهذه الجائزة العظيمة يعود لدأبه على" خلق تعبيرات شعرية جديدة ضمن تراث الاغنية الامريكية العظيم".  تبدو هذه السمات والمؤهلات المميزة مألوفة لدى مغن قضى ما يقارب خمسة قرون في خدمة الفن والفنانين، ولذلك فقد سبق أن حصد جائزة بوليتزر، والتي لا تقل أهمية من نوبل، عام 2008.

ولد بوب ديلن باسمه الحقيقي روبرت آلن زيمرمان في 24 ماي 1941 في دولوث بولاية مينيسوتا التي غادرها باتجاه غرينتش فيلاج بنيويورك باحثا عن فرص أكثر للنجاح، وبرز على الساحة الموسيقية هناك عام 1961 كفنان عرف بتقليده لمغني موسيقى الفولك أمثال روبرت جونسن وودي غوثري الذي اشتهر بغنائه الاحتجاجي. لقد كان ديلن ذكيا لأنه سبر أغوار المشهد السياسي والثقافي الأمريكي في ستينات القرن الماضي، ولاحظ حاجة ملحة لغناء ملتزم واحتجاجي ينتقد الوضع بأمريكا، واختار أن يتقمص دور المغني والشاعر التروبادور الذي يجوب العالم عازفا على قيتارته في نوادي ومقاهي وحانات غرينتش فيلاج بنيويورك. ومنذ البداية، سحر ديلن بكلماته الرائعة وأسلوبه الفريد في تأليف الأغاني العديد من الفنانين والنقاد حيث حصلت أغنيته "في مهب الريح" عام 1963 على المرتبة الثانية في سباق أحسن الأغاني. تمكن بصوته الأجش ومظهره البسيط أن يجذب جماهير غفيرة من جميع الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية ويحافظ على جذوة تعاطفهم وتتبعهم لمنتوجه الغنائي والفني. فإلى ماذا يعزى سبب نجاح ديلن السريع وما الذي يجعل منه شاعرا أو كاتبا يدعو بالضرورة إلى ترجيح كفته على كتاب آخرين أمثال مارغريت أتوود، نغوغي وا تيونغو، هاروكي موراكمي، فيليب روث ودون دوليلو؟

إن سبب نجاح ديلن السريع يعزى إلى الطفرة التي حققها من خلال إعادة بلورة التراث الفلكلوري الانجليزي والأمريكي في قالب فني فريد يميل أشد الميول إلى الشعرية منه إلى الموسيقية المبتذلة، فالمستمع يجد نفسه أمام قصيدة مغناة عندما ينصت إلى أغاني ديلن، وكأنه يقرأ قصائد والت ويتمان أو إيميلي ديكنسون بصورها الجسورة والصادمة مرفوقة بلحن شجي ومثير. كلمات ديلن الغنائية شعرية في جوهرها لأنها تعتمد الاستعارات بكل أنواعها وتستند على الايقاع الشعري الكلاسيكي، كما أنها تعتمد إيقاعا منتظما يشبه قصائد نثر مكتفة يتأمل من خلالها مواضع الحرب وتأثيرها على النفس، وحسرة الخيانة والموت والاستغلال البشع؛ وبذلك أضفى جمالا باهرا على أشد تجارب الحياة الانسانية مأساة، وتتميز الشخصيات الأدبية، والمواضيع، والصور الشعرية السريالية التي تؤثث المشهد الموسيقي لديلن بعمقها وتنوعها وجزالتها على مر السنين مما يعكس إحاطته بالتاريخ والتقاليد الشعبية. يقول الناقد والباحث كريستوفر ريكس في كتابه "رؤى ديلن للخطيئة": "يكمن وجود ديلن الفريد في فن تتعرى فيه الذنوب(وتقاوم)، وتتم فيه منح الفضائل قيمة (وتتمظهر من خلاله) وتتم فيه جلب البركات." تم يضيف قائلا: "تعاملات الانسان بشتى أنواعها متاحة له من خلال الفهم الفني". وقد جذب الأنظار وسلطت عليه الاضواء من خلال أغان احتجاجية رنانة مثل "أسياد الحرب"،" الأزمنة تتغير"، "في مهب الريح"، "مثل حجر متدحرج" و" مطر قوي سيسقط،" والتي شكلت حينها أناشيد للحركات المناهضة لحرب الفيتنام وحركة الحقوق المدنية الداعية إلى وقف التمييز العنصري بكل أشكاله. وتعتبر مشاركته كمغن في مسيرة واشنطن عام 1963، والتي نظمتها حركة الحقوق المدنية بزعامة مارتن لوثر كينغ، بمثابة بداية حقيقية لمساره كمغن ملتزم سيذيع صيته في جميع بقاع العالم.

مما لا شك فيه، أن ديلن قد تأثر كثيرا بالشعر، ويعتبر آرثر رامبو وبول فيرلين جنبا إلى جنب مع وودي غوثري من أهم الذين يستمد منهم حساسيته الجمالية وأسلوبه، ولعل أهم حدث يبين عن تأثره بالشعر تخليه عن إسمه الأصلي روبرت ألن زيمرمن وتبنيه لاسم بوب ديلن كتشريف للشاعر الويلزي ديلن توماس ومكانته في الشعر الحديث، وقد وصف نفسه ذات مرة بأنه "شاعر الستينات المتجول". وبالرغم من أن تأثير ديلن طوماس لم يكن واضحا بما فيه الكفاية فيمكن للمرء أن يتلمس سيمات هذا التأثير من خلال قصائد ديلان طوماس. على سبيل المثال، نلاحظ أن العديد من قصائد طوماس تتمحور حول الصراع القائم بين المتكلم وقارئ القصيدة، والصراع القائم بين بنية القصيدة واللغة، وحتمية الموت من جهة. في قصيدة طوماس "ولن تكون للموت أية سيطرة علي"، تعرض بوضوح هذه المشكلة كما يوضح هذا المقطع الشعري:

ولن تكون للموت على سيطرة

سيكون كل الناس سواسية في عرائهم

كما أننا نلاحظ أن العديد من أغاني ديلن الأولى تشبه في تناولها لتيمة الموت قصائد طوماس، وربما نستحضر قصيدته "دعوني أموت في خطواتي" والتي يستهلها بالأسطر الاتية:

لن أنزل أسفل التراب

فقط لأن أحدهم قال إن الموت آت

 

في حين تبدأ أغنيته "الوفاة الموحشة لهاتي كارول" والتي كتبت للرد على جريمة قتل وحشية لامرأة سوداء من قبل مزارع تبغ شاب ثري، ويستهلها ب:

قتل وليام زنزنغر الفقيرة هاتي كارول

بعصا يلوح بها حول أصبعه الذي يرتدي خاتما من الألماس

على الرغم من أن المثال الثاني يشير إلى حدث معين، ولغة قوية لا تزال تثير الصراع مع الموت، والأهم من ذلك، والرغبة في إضفاء معنى على حدث سخيف. وفي  أغنية"أسياد الحرب" يستخدم ديلن لغة جزيلة بشكل متعمد على غرار طوماس كي يظهر الصراع القائم جراء قضية الاحتجاجات ضد الحرب الباردة وتكديس الأسلحة، ويستهلها كما يلي:

تعالوا أسياد الحرب

أنتم الذين تصنعون البنادق

أنتم الذين تصنعون طائرات الموت

أنتم الذين تصنعون القنابل الكبيرة

أنتم الذين تختبئون وراء الجدران

أنتم الذين تختبئون وراء المكاتب

ويلاحظ المتتبع أن عمل ديلن انحرف عمدا الى الشعر فقد ألف في عام 1966 كتابا من القصائد والنصوص النثرية أطلق عليه " الرتيلاء،" كما أن أعماله الموسيقية تتخللها إشارات وتلميحات جمة إلى مراجع أدبية تبين عن سعة اطلاعه، ويمكن أن نستشهد، على سبيل المثال، بهذا المقطع من أغنيته "مسار الخراب،" التي صدرت مرة أخرى عام 1965 تحت عنوان "الطريق السريع 61: إعادة نظر":

الحمد لإله نبتون الذي يملكه نيرو

باخرة التيتانيك تبحر في الفجر

والجميع يصيح

"أي جهة تساند؟"

وإزرا باوند وت. س. إليوت

يقتتلان في برج القبطان

بينما مغني الكاليبسو يضحكون عليهم

والصيادون يمسكون بالأزهار

ليس الأستاذ والباحث كريستوفر ريكس الوحيد الذي يعتبر ديلن شاعرا أميركيا عظيما فقد تكررت الإشادة بعمله ككاتب كلمات أغان وشاعر وخصصت أعمال أكاديمية لتحليل موسيقاه كما أنجزت دراسات حولها في العديد من المنابر والمراجع الأكاديمية كمقدمة نورتون في الأدب التي نشرت كلمات أغنيته "الرجل ذو الدف،" وتضمن كتاب أوكسفورد للشعر الأمريكي أغنيته "مسار الخراب "، في عدده الصادر لعام 2006، وأصدرت مطبعة جامعة كامبريدج "المرافق في دراسة بوب ديلان"  عام 2009 كما نشرت جامعة ييل كتابا للأستاذ ديفيد يافي بعنوان "بوب ديلن: كنكرة مطلقة" ،  بالإضافة الى كتاب أستاذ الشعر كريستوفر ريكس بجامعة أكسفورد المعنون ب "رؤى ديلن للخطيئة" وكتاب يوجين بناوش، الباحث في الدراسات الأدبية و الثقافية، الموسوم "انكسارات بوب ديلن"، و"مختارات شعرية  حول ديلان" ، الذي ألفه كتاب محترمون كألين غينسبرغ، جويس كارول أوتس، ريك مودي، وباري هانا. هذا في الحين الذي تستعد فيه جامعة تولسا بأوكلاهوما لاستقبال أرشيف بوب ديلن الذي يشمل 6000 مادة تغطي 60 عاما من الإبداع والتأليف.

لم يقتصر مفهوم الالتزام السياسي لدى ديلن فقط على المشاركة بأغان وموسيقى تعكس الغليان السياسي الذي شهدته أمريكا خلال الستينات بل تجاوزه الى إظهار اهتمامه بالحركات المناهضة للثقافة حيث لعب دورا حاسما في نشر وعي الطبقات الشعبية بحركة الهيبي hippie، وأبان عن مساندته كذلك لحركة جيل البيتBeat Generation التي أشعل شرارتها الأولى كل من الن غينسبرغ، جاك كيرواك، وويليام بوروز. يقول ديلن في إحدى مقابلاته عما 1985: "جئت من البرية وبطبيعة الحال انسجمت مع المشهد الثقافي لجيل البيت، والبهيميين، ومع حشد موسيقى البيبوب، كان كل شيء مرتبطا الى حد كبير... كان تأثير جاك كيرواك، غينسبيرج، وكورسو، وفيرلينغيتي شديدا أكثر من إلفيس بريسلي، " مما يدل على الترابط والتلاقح الذي يوجد بين الشعري / الأدبي و الموسيقي / الفني لدي ديلن. خلال السنوات الأولى من حياته الفنية، تأثر ديلن بشكل كبير بجيل البيت وأعجب برواية "على الطريق" لجاك كيرواك، وأشعار لورنس فيرلينغيتي وألين غينسبرغ الذي سيشكل حدث الالتقاء به في بداية الستينات بداية صداقة وثيقة نتج عنها مجموعة من المشاريع الإبداعية. يقول غينسبرغ وهو يذكر أول لقاء لهما: "التقيت للمرة الأولى ببوب في حفل في مكتبة الشارع الثامن، ودعاني لأذهب معه في جولة موسيقية، إلا أنني لم أذهب، لو كنت أعلم ما أعرفه الآن لذهبت معه دون أن أفكر في الأمر. ربما دعاني أنداك الى الخشبة كي أغني معه ". ومع مرور الوقت، توطدت علاقة غينسبرغ  وديلن عبر عنها بحميمية هذا الأخير في أغنية عنوانها: "نراك في وقت لاحق، ألين جينسبيرج". وفي نونبر عام 1971، تعاون كل من غينسبرغ وديلن على كتابة أغان جديدة تم تسجيلها في ألبوم صدر للمرة الثانية هذا العام، وقد أدى غينسبرغ دور المغني بينما عزف ديلن على القيتار والهارمونيكا ودعم الغناء. تم تسجيل الأغاني في مصنع سجل في نيويورك، كما أديا معا خمس أغنيات في برنامج تلفزيوني لقناة PBS بنيويورك وسجلت بحضور كل من بيتر أورلوفسكي وغريغوري كورسو. وقد أسهمت كل هذه اللقاءات والمشاريع الابداعية بين ديلن وغنسبرغ الى دخول هذه الأخير في مرحلة جديدة من النشاط الاجتماعي والسياسي حيث ضم صوته إلى نورمان ميلر للدفاع عن الحرية الجنسية وحرية التعبير كما في حالة بوروز وروايته "الغداء العاري". وفي عام 1975 بدأ ديلن تصوير فيلم جولته الموسيقية المعنونة بمجلة الرعد المجلجل والذي يحتوي على مشاهدين لغينسبرج كمرشد لديلان في مدينة لويل خلال زيارتهما لقبر كيرواك. وأثناء احتفال لورنس فرلينغيتي في مكتبته سيتي لايتس بآجر لقاء لجماعة البيت فاجأ ديلن الجمع بزيارته قبل أن يلتحق بأفراد فرقته في سان جوزي على متن عربة الن غينسبرغ وأرلوفسكي ومايكل مكلور.

إن منح جائزة نوبل لمغن من طراز بوب ديلن يبين عن تحول في الحساسيات الجمالية ويعيد رسم حدود الأدب. إنها فرصة سانحة للاعتراف بالدور الفعال الذي تلعبه الموسيقى في تقليص هامش معاناة الإنسانية، وهي كذلك تثمين لمجهودات ديلن في توسيع هامش التلاقح والتبادل بين جميع أنواع الفنون من خلال إلهامه لأجيال جديدة من الموسيقيين والشعراء.  فهنيئا للمغنيين والشعراء.

 

الحبيب الواعي - أستاذ وباحث من المغرب

 

maymon harashمدينة الناظور، في سنوات السبعينات والثمانينات، كانت مجرد اسم مختزل في فضاء واحدٍ يتيم هو شارع "محمد الخامس". ونحن جيل هذا العهد كنا نعدم كل وسائل الترفيه، ولعل ما لا يمكن أن ننساه هو كيف كانت داران للسينما هما "الريف" و"الرويو" تحتويانا لسنوات، شكلتانا على مقاس مضامين الأفلام الهندية، التي كنا نحرص على مشاهدتها، ومع ذلك طاقة داخلية فينا كانت تجعلنا نحرن للفكر الذي يبعث على الخمول، والرومانسية النائحة، ويرجع الفضل في ذلك لجمعية "الانطلاقة الثقافية"، التي حضنتنا ونحن بعد زغب الحواصل، لا دار فكر، ولا مسرح، ولا حديقة.. واستطاعت أسماء وازنة منخرطة في هذه الجمعية أن تنتشلنا من "الخواء" الذي كنا نحياه، من جهة بسبب إقصاء مدينة الناظور لأسباب عدة، واعتبارها فضلة بلغة "سيببويه"، ومن جهة أخرى بسبب خلو هذه المدينة من كل ما يمكن أن يمنحنا بعض حقوق طفولتنا وشبابنا.. ولم يكن يتبقى أمامنا سوى اقتحام عالم الدراسة والتحصيل، وفي تصعيد درامي، كما في الأفلام، تأتي "أحداث 1984"، التي عاشتها بعض المدن المغربية الجائعة، ومنها الناظور، لتزيد في الطين بلة، وتطوح بمدينتنا في مهاوي المجهول، ولاسيما بعد أن وُصِفَ أهلها بـ "الأوباش"، ثم ليُضرب علينا الخناق بعد ذلك من كل الجهات.. وهكذا صارت الناظور "الحافية" مدينة منسية، ومهجورة... ومع ذلك، ونحن وسط الطريق ضائعون لم نُحْنِ رقابنا لأشروطة الإعدام الذي فروضوه علينا، إنما رفعنا الرقاب لشيء اسمه تحصيل العلم من باب التحدي، وكان سعْيُنا شتَّى في سبيل فرض الذات، منا من عشق الأدب بشكل جنوني، وراح يكتب على الرغم من العمر اليافع، ومنا من نبغ في مجالات العلوم، وحقق كل فريق منا بعض طموحاته، ومن ثم أعطينا الشهادة، ولو لأنفسنا، بأننا لسنا "أوباشاً"، وكسر طوق الخناق المضروب علينا، لم يكن لينهار لولا قدرة الإنسان على النهوض كلما تعثر.

في مثل هذه الظروف عرفتُ "جميل حمداوي"، هادئ كما الصمت في ليل مدلهم، من يتعرف به عن قرب يرتاح، ويجزم إذا حاوره أن في عينيه جذوة إبداع متقدة، كانت تتشكل على نار هادئة، وفي دواخله كانت تنداح هذه الجذوة دوائر، إذا تكلم يحمل الآخر على أن يسمع منه، ولم يكن يتكلم حين كان يحس بالراحة والطمأنينة إلا ليقول أشياء مهمة ذات قيمة...

في مثل هذا العمر كنت أعشق الأدب، قرأت كثيراً وبنَهمٍ، الروايات بالخصوص، وكانت روايات "أغاتا كريستي" تملأ عليَّ كياني، أما "جرجي زيدان" فكان يمتعني بقصصه التاريخية، التي كانت تستميلنا بقصص الحب التي كان "زيدان" يفلحُ في إقحامها وسط أحداث تاريخية كبرى، وما يدفعني لتذكر هذا الآن هو كثرة ما ناقشته مع "جميل" في سن صغيرة حول موضوعات ذات صلة بما كنت أقرأه، وكان كعادته لا يعقب إلا إذا أحاط بالفكرة، أنا أعرضها عليه، وهو يبسطها بسْطاً بما يضيف إليها من معارف جديدة، هي ذات المعارف التي كانت تذهل كل أصدقائه الذين يجادلونه، وعلى ألسن الجميع هذا السؤال: "متى عرف كل هذا؟"..

وكنا حين نلتقي تضمنا الأمكنة المفتوحة، والشارع نعتبره هو صالون أدبنا تأسياً بما دأب عليه أدباء  كبار، نحو الأديبة "مي زيادة"، التي كانت تفتح صالونها الأدبي والفكري، والذي كان يستقطب كبار الأدباء والمفكرين كل ثلاثاء من أجل "النميمة" في الأدب، والشعر، وكل ما له صلة بالفنون بشكل عام..

ويبدو لي أننا كنا نمتح من هذه الصالونات دون أن نشعر، جنبات  بعض الأزقة كانت هي صالوننا، وحين كان يزورني "جميل" نُسيج أنفسنا في الذي يسميه العرب "الحديث ذو شجون"، وكانت شهيته في هذه الأحاديث مرتفعة جداً، نأكل من موائد الأدب دون أن تهيض معدتنا.

"جميل" كان حين يفتح أي موضوع لا يرفع صوته (كان مثلي يؤمن بأن من يرفعون أصواتهم ليسوا على حق دائماً)، يتحدث بهدوء نَعم، لكنه صاخب، تخيلوا السكونَ الصاخبَ ممثلا في شاب يافع وطالعٍ من زوايا مدينة منسية. هو خجول، أعترف، لكنه حين يتقمص شخصية الأديب متحدثاً عن المعرفة يصبح شخصاً آخر تماماً، ففي حضرة الأدب، واللغة، والمسرح، والشعر، والرواية، يركب أجنحة، يتقد كجمرة الغضا، حتى ملامح وجهه تتغير كأنه نجم يِؤدي دوراً صعباً، عيناه يحرص على أن يحملق بهما في عينيْ محدثه، كمحارب تماماً، وهما نفس عينيه اللتين تخبوان حين يتحدث في موضوعاتٍ أخرى لا علاقة لها بالأدب.. كان بكلمة مُرشَّحاً لأن يكون ما هو عليه الآن: كاتباً، ودكتوراً، وباحثاً، وأديباً، ومتخصصاً في مجالات عدة..

الشارع، كما قلت، كان هو صالوننا الأدبي، لكنه حافٍ مثل خبز "محمد شكري"، لا طاولة، ولا كراس، ولا... ولا... وبدلا من ذلك كنا نمارس رياضة المشي، وحتى إذا أخذ منا التعب مأخذه نترك ظهورنا تركن لجدران ترتاح عليها جذوعنا، أما أقدامنا فتظل تحملنا دون أن تحرن، إنها طقوس حافية خاصة بزمن ولَّى الآن، كانت تمنحنا، على الرغم من ذلك طاقة للثرثرة حول الأدب والأدباء، تلك كانت هواية سكنت منا القلب والأهداب في سن مبكرة، وأعتبر "جميل حمداوي" أول قارئ لما كنتُ أكتبه حينئذ، وكان يلقبني (ربما غيره.. لم أعد أتذكر) بـ "حنا مينة الصغير" بسبب عشقي لهذا الروائي، وعن البحر تحدثنا كثيراً، ولا سيما بحر "إرنست همنجواي" في روايته "الشيخ والبحر"...

زارني "جميل" ذات ربيع من عام 1985، وفي يده مطبوع كبير كتبه بخط يده عن فقه اللغة، وفي الصفحة الأولى  منه كتب هذا الإهداء "إلى صديقي العزيز ميمون حرش"، وفي الصفحة الثانية كتب مقولة Buffon "الأسلوب هو الرجل"، وفي الصفحة الثالثة نقرأ البيت التالي:

ليس الفتى من يقول كان أبي     إنما الفتى من يقول ها أنذا

وقال لي بهدوء: "خذ، هذا كتاب ألفته، هدية لك".. واليوم حين أتصفحه لا أستطيع أن أمنع سؤالا يجف على حلقي دائماً، المطبوع يتكون من 172 صفحة مكتوبة على وجهين.. فكم احتاج من الوقت لكتابته، وفوق ذلك بخط جميل وأنيق، اعتمد فيه على 35 مؤلفاً بين مصدر ومرجع،  ولقلوبكم الطيبة أعترف لكم أنه الكِتاب الأول الذي ألفه وهو لا يزال شاباً يافعاً؛ هذا الحماس لدى "جميل"، والذي أريد أن ألفت القارئ الكريم إليه كان يرشحه لأن يصبح ابن مدينة الناظور، التي يشرفها الآن بكتاباته الكثيرة، والتي ترجم بعضها إلى لغات عدة، خصها للحديث عن مجالات عدة، وعدوى الكتابة بخط يده ستملي عليه أن يكتب بخط يده كذلك رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا سنة 1994/1995، الرسالة بعنوان: "إشكالية العنونة للدواوين والقصائد الشعرية في الأدب العربي الحديث (من بداية عصر النهضة إلى يومنا هذا)"، قسمها إلى جزأين؛ الجزء الأول ب 223 ص، والجزء الثاني ب 525 ص.. ولكم أن تتخيلوا معي لا قدرته على الكتابة بخطِّ يدِهِ هذا الكم الهائل من الصفحات، ولا صبره!! (عرفتُ فيما بعدُ أنَّ صاحبَ الخطِّ الجميل هو الصديقُ المشترك: "الخضر الورياشي").. إنما علينا أن ننتبه لشيء آخر وهو عشقه الشديد للكتابة، عشق سيخلق منه كاتباً متميزاً، لا شيء خارج عن دائرة اهتمامه، لا الشعر، ولا المسرح، ولا الرواية، ولا اللغة، ولا النقد، ولا... ولا... وغزارة إنتاجه إنما هي شهادة على أن الرجل موسوعة، قد لا تسمن عند بعض نقاده، ولكنها تغني من فقر الساحة من إبداع، في زمن كانت الناظور فيه مجرد نتوء في الخريطة ليس إلا، إنتاجه غزير، يكتب صحواً ومطراً، ولا شيء يحول دون أن يكتب، ولا أحد ينكر عليه هذه السمة...

آمنت منذ صغري أنَّ من يكتب لا ينتظر ضوءاً أخضر من أحد، حتى يدعوه لحمل القلم، ومن يحمل هذا القلم لا يعترف بالضوء الأحمر، ولا بعلامة (قف)، إنه اشتغال على جمع الكلمات وترصيصها، ودبجها لتنثال في ديوان شعر، أو قصة، أو مسرحية... وجمع هذه الكلمات ليس بالأمر السهل كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، وخلعُ ضرسٍ أهون من كتابة بيت شعري واحد كما قال أحد العارفين.

هذا عن بيت واحد، فما بالك بمن يكتب غزارة كما يفعل الدكتور "جميل"؟

وإذا كان الروائي السوري الكبير "حنا مينة" يعتبر الكتابة "مهنة حزينة"، فالدكتور "جميل حمداوي"، بسبب غزارة إنتاجه، يعتبر الكتابة مهنة تَسُر الكاتب والقارئ معاً... لم يتذمر يوماً من أنَّ الكتابة مصدرُ همِّه، هو يشكو همَّ تدني القراءة بشكل عام، وانحسار دوْر الكِتاب، ولا يتبرم أبداً من الجلوس إلى مكتبه، لكي يمارس طقساً يعشقه وهو الكتابة.

الكتب التي ألفها، وفي تخصصات عدة، أمارة على أن الرجل موهوب، وبغض النظر عن الهنات التي قد تُلحظ في هذا الكتاب أو ذاك، فلنا أن نجزم أن الباحث "جميل حمداوي" لم يكن يعتمد على موهبته في عشق الكتابة وحسب، إنما كان يضيف إليها الجهد، والمعرفة.

أما عن الجهد فـ "جميل" حين كان شاباً لم يكن يبرح بيته إلا لماماً، ولم يكن من هواة الاختلاف إلى المقاهي، كل وقته يقضيه في البيت، وما سواه ففي المدرسة؛ أنْ يطمر رأسه في كتاب يملأ عليه كيانه تلك رياضته المفضلة، يغرق في تصفح كتب شتى، يقرأها بنهم، وكان يتخطى بذلك عمره ومستواه، حين كان يجسُّ نبض كتب مختلفة أنواعها، منها الفلسفية، والتاريخية، والأدبية، والعلمية... ومثل هذا الجهد هو الذي سيفضي تالياً إلى اكتساب المعرفة..

وبذلك يكون الرجل قد جمع الموهبة، والجهد، والمعرفة.. فلماذا ننكر عليه هذه الغزارة في الإنتاج، ومن حق مدينة الناظور أن تفخر بأديب مثله.. وقد نحتاج لزمن طويل حتى يخلق الزمن واحداً مثله، يشتغل على الأدب، كما يفعل الدكتور "جميل حمداوي".. وفي مجالات عدة دون كلل.

صفة أخرى يجب أن نعترف بها للدكتور "جميل حمداوي" وهي غيرته على أبناء مدينة الناظور، لم يكن يتأخر أبداً في تقديم النصح أو العون عبر مساهمات عدة، إنْ على مستوى الكتابة، أو على مستوى الممارسة الميدانية... ويبدو أن الجمعية التي أسسها رفقة أصدقائه من عشاق الأدب "جسور للبحث في الثقافة والفنون" بإقليم الناظور دليل على ذلك.. ولقد قدمت الجمعية خدمات جلَّى لأدباء الناظور الشباب في التعريف بمؤلفاتهم من خلال ندوات، ومحاضرات يحضرها ضيوف كبار، ساهموا بدورهم في تسليط ضوء كاشف عن حملة أقلام ريفيين، يكتبون بصمت، لكن بدأب نملة..

كان همه أن يرى مدينة الناظور تتغير، وكمبدع آلمه كثيراً "العدم" الذي كانت تحياه المدينة، وهي التي أنجبت شعراء كباراً وكتابَ قصص قصيرة، وروايات، وممثلين، ومخرجي مسرحيات، وفنانين، ومنشطي برامج... أغنوا الساحة بإنتاجات مهمة، بعضهم تجاوز الجهة الشرقية ليشتهر على المستوى الوطني، وحتى على المستوى العالمي، والمجد لمبدعينا الكبار من الجيل الأول في مدينة الناظور، نحو "محمد شكري"، "الحسين قمري"، "الزبير مهداد"، "محمد أقوضاض"، "عبد الله شريق"، "عبد الله حرش"،  "الحسن الموساوي"، "عبد السلام المارسي"، "عمر الحسني"،  "محمد الشامي"، "مرزوق الورياشي"، "فخر الدين العمراني"، "محمد ميرة"، "البشير قمري"، الطبيب "عبد الحكيم أمعيوة"، "قاضي قدور"، "مصطفى الغديري"، "عمر والقاضي"... هؤلاء وغيرهم كثير كثير وسموا المدينة بإبداعات رائعة في الشعر، والمسرح، والفكر، والرواية، والقصة.. هؤلاء في القلب، و في الذاكرة..

والجيل الجديد من أدباء مدينة الناظور الشباب بعضهم مدَّ لهم الدكتور "جميل حمداوي" يدَ العون، منهم من خصه بكتابة تمهيد لمؤلفه، ومنهم من خص أعماله بدراسة مستفيضة، ومنهم من شارك معه في تأليفه.. كل ذلك دون أن يتأفف أبداً، وكان يمكن أن يترفع ويدير ظهره لبعض المؤلفات التي لا ترقى لمستوى محترم، ولكن الذي يتقدم على هذا، لأنه الأهم  في نظره، هو أن يرى أبناء الناظور قد ارتقوا سلم التأليف حتى تسجل أسماؤهم في لائحة "حملة الأقلام"، وما ذلك بعزيز عليهم، ولا بخارجين عن دائرة هؤلاء..

لحظة من فضلكم،

دعوني أطرح السؤال التالي: الدكتور "جميل"، وهو يقدم هذا العون للأدباء الشباب، هل كان يبحث عن الشهرة؟

في الجواب أقول: كلاَّ، ومكررة،

(كلاَّ)، لأنه ولد ليكون مشهوراً دونما واسطة.

و(كلاَّ)، لأن طبْعَ الرجل يرتاح حين يرى كتاباً، قد ينام ملء جفونه عن بعض ضرورات الحياة، لكن الكتاب، وحروفه، وكلماته، تجعله في منتهى الصحو..

و(كلاَّ)، لأنه ضعيفٌ أمام الكتب، لا يمكن أن يتلمَّسَ كتاباً دون أن ينهل منه، ومن هنا لم يكن يرفض طلباً لأي أحد كرمى لطاقة داخلية تُستثار لديه.. إنه جرّاحُ كتب، إنه طبيب، والكتاب علة، وتقديم العون لصاحب العلة واجب بالنسبة إليه..

الدكتور "جميل حمداوي" عندما يرسم على وجهه ابتسامة وهو يتصفح كتاباً.. وعندما يقرأ عنوان كتاب ما، ويستغرقُ في فكِّ شفرته... وعندما يقرأ المتن، ويحس أن جسده يتنمل كما الحشرات تخزه بسبب ما يقرأ... وعندما يقف عند معارف الكتاب يسجلها، ويعلق عليها، وعندما يحس براحة رطبة تُستثار داخله بفعل وقع الكلام الجذاب الأنيق الشاعري على نفسيته وهو يقرأ... عندئذ يصبح الدكتور "جميل  حمداوي"  شخصاً آخر، يكبر أمام الكتاب، يصبح  كما هو الآن كبيرا في مجال الإبداع..

تتبعت في رمضان الفارط برنامجاً إذاعياً بثته "إذاعة ميدي 1" عبر الأثير ذات ليلة بتاريخ 22/8/2011، خصته المنشطة لسؤال طرحته مجلة إيطالية لمناقشة ملف عن "الكاتب الناجح"، ولتقريب الموضوع أكثر طرحت عدة أسئلة لمناقشة هذا الموضوع الحساس، وأهم سؤال كان هو:

ما هو معيار الكاتب الناجح؟.. وهل هناك معيار أصلا؟..

والحق أن حلقة  البرنامج أثارتني بما طرح فيها من أفكار مهمة، و لعل أهم ما طرح هو أن الأمر قد يتعلق حين نتحدث عن كاتب ناجح بكثرة رسائل الإعجاب التي يتلقاها، أو ترجمة كتبه إلى لغات أخرى، وربما بما يولد عنده من أعداء، أوبتحويل نتاجه إلى أعمال سينمائية، وربما.. وربما...

كل هذا قد يختلف حوله الناس، ويبدو لي أن أهم شيء سيحصل حوله الاتفاق، فضلا عما سبق طبعاً، هو سمة التنوع في الكتابة، والحرص الشديد على عدم تكرار الكاتب نفسه في عدة كتب..

مناسبة هذا الكلام أن الدكتور "جميل حمداوي" كاتب ناجح؛ لأنه يرفع شعار "اقتلوا العادية"، يكتب بإسهاب، لكنه يحرص على الجدة، والفرادة، والتنوع، وهي صفات تجعل منه كاتباً نجماً في مدينة الناظور..

 

كرمت مدينة مليلة ذاتية الحكم (تقع على القارة الأفريقية، قبالة الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة الإيبيرية) المستكشف الإسباني دومينغو باديا، المعروف باسم “علي باي العباسي” من خلال الكشف عن لوحة تعريفية بقصته في الشارع الذي يحمل اسمه في المدينة.

وتكشف اللوحة عن الدور الذي لعبه في خدمة إسبانيا في القرن الـ 18 والـ19 حيث تعتبر قصة دومنغو تاريخيا من أكثر قصص الجواسيس الإسبان الذين خاطروا لجمع المعلومات، حيث قادت الصدفة إلى أن وصل إلى مدينة المنصورة في منطقة قرطبة، عام 1778 بسبب تعيين والده هناك محاسبا في الجيش وأمين عام في مجلس قضائي محلي.

وبدأ اهتمامه بالعالم العربي والإسلامي بسبب إطلاعه على إرث المورسيكيين الثقافي الذي تركوه بعد خروج المسلمين وسقوط الاندلس، وعندما تزوج عام 1791 وانتقل إلى قرطبة، كمسؤول عن مصلحة التبغ وهناك تعلم اللغة العربية وتعمق فيها.

ويعتبر دومنغو من أكثر الجواسيس الذين خدعوا العرب على مر التاريخ، وللمغالاة في التنكر والتقرب من المسلمين ختن نفسه في لندن على يد طبيب يهودي، ثم اتجه إلى المغرب متنكراً في زي عربي، وهناك ادعى أنه من أحفاد رسول الله (ص)، وأنه من مواليد حلب بالشام.

وكان هدفه تسهيل احتلال المغرب من طرف إسبانيا في حكم الملك الإسباني كارلوس الرابع، كما عرض مشروعه لاحتلال المغرب على نابليون بونابرت.

وشارك في الكشف عن اللوحة التعريفية في مدينة مليلية مستشاري التعليم والثقافة بالمدينة انطونيو ميراندا وكذلك الكاتب والباحث فينتورا غارسيا.

وقال فينتورا غارسيا إن: “المستكشف دومينغو كان يتنكر في هئية عربي يدعى علي باي وكان أول غربي يتمكن من دخول الكعبة في مكة والتي رسمها وقدم معلومات عن خصائصها”.

ويفترض أن علي باي سافر أيضا لعدة دول مثل المغرب ومصر والشام و لبنان وسوريا و الأردن، وكان يترصد معلومات عن العالم العربي ويرسل بها لسلطات بلده.

وفي بدايات القرن التاسع عشر تم اكتشاف الجاسوس دومنغو من قبل أجهزة الاستخبارات البريطانية في دمشق ودسوا له السم، وكان ذلك سببا في نهاية اخطر الجواسيس الذين مروا على العالم الإسلامي والعربي.

 

  ايناس صادق حمودي

جامعة بغداد / كلية اللغات

    قسم اللغة الاسبانية

 

alaa allami4- هو أبو حاتم الحارث بن سريج الدارمي التميمي.

 بدأ حياته مرجئيا (مذهب سلفي متشدد يقدم الإيمان على العمل، ويقول بعدم الخوض في خلافات الصحابة بعد مقتل عثمان وإرجاء البت فيها إلى يوم القيامة ليتولاه الله). ولكنه انقلب على هذا المذهب عمليا فلم يرجئ الحكم على بني أمية الى يوم القيامة بل خرج - ثار - على دولتهم.

 كان خروجه سنة 116 هجرية بإقليم خراسان في عهد الخليفة الأموي المرواني هشام بن عبد الملك وحينها كانت خراسسان مطرحا لوجود سكاني عربي كبير، لقبيلة تميم موقع متقدم فيه.

انضم إلى وثبة الحارث عدد من كبار مثقفي وفقهاء عصره، منهم مثلا جهم بن صفوان مؤسس الجهمية المعتزلية، ومقاتل بن سليمان المفسر والمحدث و عالم الكلام ذو الثقافة الواسعة والمعادي للدولة الظالمة أيا كانت، وتلقى الحارث دعما معنويا من شيعة الكوفة والبصرة على لسان شاعرهم الكميت الأسدي الذي اعترف له بالعجز عن المشاركة العسكرية (بسبب ما هم فيه من ضيق وحصار).

تحالف الحارث مع الفلاحين الفقراء الوثنيين الذين عانوا من بطش الولاة الأمويين، وخاصة أسد بن عبد الله ونصر بن يسار و الكرماني. ومن ملوك أو زعماء الوثنيين الذين تحالفوا معه خاقان ملك تركستان و كورصول الذي قاتل الى جانب الحارث فعليا.

ومن الأمثلة على ظلم الولاة والقادة الأمويين ما فعله الكرماني بعد استسلام مدينة توشكان له، بعد أن امتنع أهلها عن القتال حقنا لدمائهم كما وعدهم، ولكنه حين دخل المدنية أخذ خمسين رجلا منهم وشق بطونهم وألقى بهم في نهر بلخ، و قطع أرجل ثلاثمائة آخرين، ونهب ممتلكاتهم وباعها في مزاد علني. وحين انشق الكرماني على بني أمية وحاول الالتحاق بثورة الحارث ضدهم رفضت قيادة الحركة التحالف معه ففتح ضدهم جبهة جديدة سنرى نتائجها بعد قليل.

بلغ جيش الحارث ستين ألف مقاتل وحرر مناطق واسعة من آسيا الوسطى وانتزع أربع مدن كبرى من الأمويين هي بلخ والجوزجان والطالقان و مروالروذ. ولكنه فشل في معركة السيطرة على عاصمة خراسان مرو فانسحب بقواته الى معاقله في أعماق آسيا، و هناك، أدار مناطق حلفائه الترك الوثنيين حيث أعاد لهم أموالهم وممتلكاتهم التي صودرت و حرر عوائلهم التي استرقت. وفي ذلك الإبان جاءه خبر وفاة الخليفة الأموي الثائر يزيد الناقص فعرف الحارث أن الثورة القدرية ( نسبة إلى القدريين وهم على عكس اسمهم لا يؤمنون بالقدر والحتم بل بالاختيار والحرية الإنسانية مقابل الجبريين الذين يؤمنون بأن الإنسان مجبر ومسير لا مخير وهو المذهب الذي تبنته الدولة الأموية بشكل شبه رسمي لتبرير وجودها: نحن قدركم فارضوا بنا أو نقتلكم!) وخلافتها زمن يزيد الناقص التي دامت ستة أشهر تقريبا قد انتهت وعاد الأمويون بفرعهم المرواني بعد سقوط الفرع السفياني القصير الى الحكم واستعد الحارث للقتال فقد كان الكرماني الذي رفضت الحركة التحالف معه كما أسلفنا، قد زحف نحو معاقل الثوار بجيشه الجرار النظامي جيد التسليح والتدريب وبعد معركة ضارية قتل الحارث ونائبه بشر بن جرموز الضبي وتشتت جيشه بعد ذلك.

يعتقد المعلم العلوي أن سياسة التحالفات الجبهوية عند الحارث (تقوم على التمسك بالمبادئ – الإنسانية - والتساهل في العقائد – الدينية – التي لم تقف حائلا دون أي طرف يمنعه من دعم الحارث أو الانضمام إليه أو يمنع الحارث من قبوله. لقد ائتلفت حوله فرق وفئات كان مقدرا لها أن تحترب لما بينها من خلافات أديولوجية شديدة . وهذا دليل على أن العقائد تتراجع عند احتدام الصراع الاجتماعي تاركة للحس الإنساني والوعي الطبقي أن يقوم بدوره في تكييف العلاقات السياسية والاجتماعية / المصدر نفسه ص 116).

وهذا هو ديدن تاريخ الثوارت قديما، أما حديثا فقد شهدنا "مسلمين إسلاميين" تحالفوا مع الغزاة الأجانب ضد شعوبهم ففرضوا عليها أنظمة حكم طائفية متخلفة كما هي الحال في حكم المنطقة الغبراء في بغداد اليوم!

 

5- يزيد الناقص الخليفة الأموي الثائر على ظلم أسرته ودولته:

هو أبو خالد يزيد بن الوليد بن عبد الملك، الخليفة الأموي المرواني الثاني عشر. استطاع القدرية " المعتزلة الأوائل" التأثير عليه وكسبه الى مذهبهم. وسمي بالناقص لأنه أنقص عطاء العسكريين قليلا.

ثار على ابن عمه الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الشاب النزق الماجن والطاغية المقيم آنذاك في الأردن، فأرسل له جيشا حاصره وقتله. وبويع بالخلافة في دمشق بدعم من القدرية.

خطاب يزيد في يوم استخلافه مهم جدا وهو يتضمن برنامجه وهو " برنامج القدريين" ولأنه طويل سألخصه بالنقاط التالية :

-يبدأ يزيد خطابه بالعبارة الشهيرة التي بدأ بها الحسين بن علي"ع" خطابه قبل توجهه إلى العراق في حضرة أخيه محمد بن الحنفية، والتي تقول ( إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا... ) ويضيف يزيد ( ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك وما بي إطراء نفسي، إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي. ولكني خرجت غضبا لله ورسوله ودينه، داعيا إلى الله وكتابه وسنة نبيه لما هدمت معالم الهدى وأطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة والراكب لكل بدعة مع انه والله ما كان يصدق بالكتاب ولا يؤمن بيوم الحساب). نلاحظ انه اكتفى بقوله (داعيا إلى الله وكتابه وسنة نبيه) وتجاوز صيغة (وسنة خلفائه) و صيغة يزيد قريبة من تلك التي اعتمدها الإمام الثائر زيد بن علي السجاد.

- تعهد يزيد بن الوليد بأنه لن يبني لنفسه أو لآل بيته قصورا، ولا يتخذ لهم مزارع ويكري لها أنهارا.

- تعهد بأنه لن ينقل أموال الخراج وغيره من أي بلد إلى العاصمة دمشق كما كان يفعل أسلافه بل ينفقه على المحتاجين اليه من اهل البلد نفسه فإذا زاد منه شيء صرف على البلد القريب منها حتى الوصول إلى دمشق.

- تعهد بأنه (لا يجمر المسلمين في الثغور) أي لا يطيل مدة تجنيد الجنود والمقاتلين في جبهات الفتوحات وكانت هذه مشكلة كبيرة عانى منها المجتمع العرب الإسلامي آنذاك.

- لا يجور ويظلم أهل الجزية في الجباية والضرائب.

- ميز بين الأعطيات (رواتب نقدية) والأرزاق (تعينات من الأطعمة والتموينات) كما كانت الحال في مؤسسة "دار الرزق" التي كانت تقدم الطعام مجانا للمحتاجين في عهد الراشدين.

- تعهد بألا يتخذ له حاجبا يمنع الناس من الوصول إليه والتظلم عنده شخصيا.

تعهد بعدم احتكار السلطة والحكم ودعا الرعية إلى أن يخلعوه من الحكم إذا انحرف عن برنامجه هذا إلا إذا تاب واعترف بأخطائه.

- إعلانه استعداده للتنازل عن الحكم ومبايعة من هو أفضل منه ممن يرتضيه المسلمون بديلا له (فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت – أعلنت وتعهدت - لكم، فأنا لكم، وإن مِلْت، فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أقوى مني عليها، فأردتم بيعته، فأنا أول من يبايع، ويدخل في طاعته...) وهذه ضربة جذرية لمبدأ الحكم الوراثي الأموي ومن بعده العباسي فالفاطمي ...الخ.

- عمليا كان أول إجراء له هو إعادة اهل جزيرة قبرص الذين هجرهم أبوه، الخليفة الماجن، الوليد بن عبد الملك ونفاهم الى بلاد الشام، واعتبر ذلك ظلما وعدوانا.

مات يزيد بن الوليد ميتة غامضة يرجح أغلب المؤرخين انه اغتيل بالسم من قبل أسرته الأموية والتي كان يتزعمها داهية متحمس هو مروان الحمار الذي سيكون آخر خليفة لبني أمية قبل أن يسقطهم العباسيون المتحالفون مع خرسان.

وبعد وفاة يزيد زحف مروان نحو دمشق واستولى عليها من ابراهيم شقيق يزيد الناقص وهو قدري أيضا كأخيه ولكنه كان ضعيفا لم يقو على مجابهة مروان .

  

علاء اللامي

......................

المصادر : شخصيات غير قلقة في الإسلام/ ص 118 وما بعدها / هادي العلوي/ دار الكنوز الأدبية – بيروت . ومصادر تراثية أخرى.

 

 

khalidjawad shbaylأينَ يا أطلالُ جُندُ الغالبِ – أين آمونُ وصوتُ الراهبِ؟

شاعر الكرنك أحمد فتحي     

ها نحن نغذّ الخُطى صُعُداً ولامَحيد ولا مِناص من الهمّة والمغالبة والنشاط! أشجّعها وتشجعني وشمس اليونان قوية وضرورية لإنضاج الكروم والزيتون، وعندما أتأمل هذا البلد العريق أخال كل شيء فيه خُلِق من عنب وزيتون حتى حِسان اليونان الجميلات!.. يداً بيد مع الشاعرة وئام ملا سلمان، وكُلّما انتابنا تعبٌ نستظل أشجارَ الزيتون التي طالما منحت أغصانَها أكاليلَ لأبطال اليونان الفائزين في ميادين الألعاب الأولمبية أو للمحاربين المنتصرين! بدأنا نرتفع على سفح الأكروبول وبدأت الأطلال تلوح هنا سجن سقراط وهنا المسرح، وكلما ارتفعنا بدت أثينا جميلة وادعة وبدا البحر يلوح بزرقته البعيدة الشاحبة شيئاً فشيّا..

والأكروبول أو الأكروبولس تعني المدينة العالية (وبولس التي دائما ماتكون لاحقة لأسماء المدن القديمة تعني مدينة مثل تريبولي أو طرابلس...) والحقيقة كان الأغريق يعمدون لبناء حصون في المرتفعات مشرفة على المواني القديمة لأسباب دفاعية فلكل مدينة أكروبوليسها لكن إذا ذكرت مُعَرّفة " الأكروبول" فالمقصود بها أكروبوليس أثينا. يعتقد أن التل هذا كان مقطوناً حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد، لكن المباني التي مازالت شامخة فيه مثل البارثينون والبوبيلايا والأرخثيون ومعبد أثينا (نايك) ترجع الى القرن الخامس قبل الميلاد.

وكلما وقفت أمام طلل بال تنتابك الخواطر وتذهب بك بعيداً بعيدا وكم تتمنى لو تنطق هذه الأحجار لتُريَنا أين شجرة أكاديموس، وأين الأروقة والرواقيون، وأين ألمشاؤون، وأين حُوكِم سقراط "مفسد الشباب"؟ وهل تجرّع السُّم طواعية من كأس أم لدغه ثعبان قاتل؟ وتتكر الأين حتى تتذكر البيت العميق للشاعر الرومانسي أحمد فتحي أعلاه الذي هو الآخر يبدأ بها...

" الفكر اليوناني هو مرحلة الطفولة في نمو الفكر الإنساني" مأروع وما أصدق وما أعمق قولة كارل ماركس هذه! الطفولة هي سؤال جريء يؤدي إلى سؤال عن الخلق وعن مجيء الإنسان، عن الولادة والحياة والموت، هي تصورات لخيال خصب جميل .. وما الفلسفة وفن الجدل إلا سؤال؟!

كان أول مشهد هام هو مسرح ديونيسوس العظيم ورغم تآكله إلا أنه مازال محتفظاً بملامحه وأقسامه الثلاثة، قسم الإعداد والاكسسوار ثم الحلبة ومدرجات الجهور المتفرج، كان المسرح اليوناني يعتمد على الملابس العريضة التي تكبر حجم الممثل الذي لا يعتمد على حركات الوجه بل يغطيه بأقنعة وإنما على الحركة والصوت التي تشاهد ويسمع من قبل الجمهور، وكذلك اعتمد على فن الإلقاء والقدرة الخطابية وإنشاد الشعر والغناء والموسيقى وهي عناصر هامة للمسرح الملحمي! ويُعد المسرح الإغريقى هو والد المسرح العالمي بحق..

 1089-amai1

مسرح ديونيسوس/ الأكروبول

 وتبد في الصورة الشاعرة وئام ملا سلمان

كان الازدحام على أشده حيث لم تتسع مدرجات الصعود للمجاميع السياحية التي تتجمع حول الأدلاء، أضطررت أن أخرج عن الممر، كانت الصخور مرمرية (كاربونات الكالسيوم الصقيلة) ملساء واصلت الصعود هنيهة ثم انرلقت قدمي وكدت أنكفأ على وجهي لولا يدٌ قوية أمسكت بيدي ورفعتني رفعاً، ولولا هذا الرجل الكهل القوي الذي أقال عثرتي لاصبحت كسيرا!

هذا هو معبد بارثينون وهو أكبر البنايات وأظهرها في الصور التي تصور الأكربول، من الصعب وصف كل البنايات التي أصابها الكثير من التصدع بسبب الحروب وأكثر حرب أصابتها هي الحرب التي حمي وطيسها بين المهاجمين الفينيسيين والعثمانيين عام 1684 واستمرت لخمسة عشر عاماً فقد استخدِم البارثينون مخزناً للعتاد (البارود) لذا قصف بالمدفعية ذات الكرات الثقيلة .. وما زالت الإصلاحات سائرة لإصلاح ما خرّبته الحروب وما أفسده الدهر! لم يكن بوسعنا الوقوف على كل المباني فشمس الظهيرة قوية والازدحام شديد ومغادرة المكان تصبح ضرورة وهكذا آثرنا العافية ونزلنا بسلام!

 1089-jawad2

بلوغ الأكروبول

أجمل ما يمكن مشاهدته هو استخدام الحافلات السياحية المجهزة بتسجيل يشرح الأماكن باللغات الحية ومنها العربية، وبأسعار معقولة، والأسعار تعتمد على الخطوط السياحية المختار، اخترنا الخط الأحمر والأزرق ليومين، وهكذا زرنا المواقع الهامة وخاصة الميناء والبرلمان في سينداغو، وحديقة البرلمان الجميلة.. أما الميناء فهو جميل للغاية وأحسبه هو ميناء مثالي بمصدات طبيعية تمنع التيارات الموجية العالية.. ولمّا كان التسجيل العربي موكلاً لسيدة مصرية حطّمت أضلع اللغة تحطيما، فضلت سماع الموسيقى اليونانية الجميلة..

كنا قد تجولنا مشياً على الأقدام وخاصة في شارع أثينا من ساحة أومونيا فالأسواق، ثم إلى ساحة مينستراكي الشهيرة، حيث المطاعم والمشارب والمقاهي.. أما شارع فينزيلو المفضي الى سينداغو ففيه المكتبة الوطنية والجامعة والأكاديمية وهي بنايات مستوحاة من العمارة الأغريقية..

اليونانيون اجتماعيون حين التكلم معهم ويبدون أكثر انفتاحاً حين يعرفون أنك سائح وليس لاجيء وبذلك كان سؤالي الذي وجّه للمتعلمين والمتعلمات (اليونانيات أكثر انفتاحاً من الرجال) هو: لو قدم لكم نصّا باللغة الإغريقية القديمة لأرسطو أو من الألياذة كم ستفهمون منه؟ كلً من سألت أجاب بجواب واحد: لا نكاد نفهم شيئاً وبعض قال لا نفهم شيئاً رغم استطاعتنا تهجي النص!!ثم يقولون يفهمها الذين اختصوا باللغة اليونانية القديمة التي مرّت بعدة مراحل أهمها العصر الهيليني القرن الرابع قبل الميلاد وعصر البلاطمة! ما هو نصيبكم من الفلسفة والميثولوجيا الأغريقية؟ تفاوت الجواب بعضهم يقول نعم لدينا إلمام بهذا بشكل بسيط من خلا الترجمة إلى اليونانية الحديثة التي درسناها في المدارس وبعضهم قال نعم نعرف الشيء الكثير! و عندما سألت ببراءة -لا تخلو من خبث بسيط – محاولا معرفة نصيبهم من المثولوجيا: من هي ميدوزا Medusa؟ كان الجواب في "معظم" الحلات صحيحاً، هي امرأة مجنحة قبيحة الوجه لها نابا افعى شعرها من الأفاعي، عيناها واسعتان إذا التقتا بعيني إنسان تجمد بالحال وتحول إلى حجر! فتمنيتها لذاك الشاعر القديم الذي قال:

ما أطيبَ العيش  لو أن الفتى حجرٌ – تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ

أجمل ما في اليونان مقاهي الأرصفة وتناول الفطور فيها ومشاهدة الناس في الصباح  كل أمسك بفطيرة جبن وكوب قهوة وراح يقضم بها في طريقه إلى العمل، وأمسيات اليونان تشبه الى حد بعيد أمسيات بغداد النواسية حيث حليب السباع مع فستق وجبن أبيض وزيتون وأشياء أخرى..وأتعس ما في اليونان هو بائعات الهوى اللاتي في معظمهن غير يونانيات يجبن الشوارع ليل نهار! وعندما سألت عن السبب عرفت أن البغاء في اليونان مرخص على خلاف معظم دول الاتحاد الأوربي!!

ولا أنسى ذلك الصباح حين استيقضنا على أصوات نسائية عراقية وسورية ومن دول اخرى، أطللنا من الشرفة حيث ينتظرون دورهم للدخول الى مكتب كنسي يوزع عليهم أسبوعياً بعض المال والطعام والملابس المستعملة، للتخفيف عنهم!!

 

رام كم هنغ 10 ت1 /اكتوبر2016 

 

jamal alatabiفي اللحظة التي تجتاز فيها البوابة الزجاجية الثانية لـ (الروضة)، لا بد أن يأخذك بصرك نحو أول مائدة تحتل الركن الأول من رواق فسيح لهذا المقهى الشهيرة في دمشق الشام، تطلّ على شارع مورق جميل يدعى (العابد) الذي يفضي الى منطقة الصالحية، هنا في صدر المقهى يترصد أبو حالوب القادم والمغادرللمقهى، ومقهى الروضة بين ثلاث مقاهٍ في الشام، يشكل العراقيون نسبة كبيرة من روادها، وشهدت سنوات الهجرة المفتوحة في كل العهود إقبالا لهم لقضاء ساعات طويلة فيها يتلقون أخبار الأهل والوطن هناك بعد أن تركوا أغلال ماضيهم، مثلما يقتلون وقت البطالة والحيرة والترقب على عتباتها، يغرقون صمتهم في زجاجات الشاي وأكواب القهوة، أنت لاتستطيع الإفلات أبداً من نظرات أبو حالوب، حتى وأنت تدخل المقهى للمرة الأولى، ثمة جسور سرية تربطك بهذا الكائن الرابض في (العرين) يوزع نظراته في كل الإتجاهات، وكأنه يمتلك أسرار القادمين والمغادرين، ولديه إجابات عن الأسئلة كلها، حتى المبهمة أو الغامضة منها، هو عارف بهؤلاء، وبالغرض الذي جاؤا من أجله وأماكن إقامتهم، ومواعيد حركتهم،وحين يسعف طلباً لأحدهم، تلمح في عينيه شعاع الرضى والإقبال، وتشعر فجأة بموجة ضياء تغمر كيانه .

تنتفخ جيوب ملابسه بعشرات من قصاصات الأوراق التي تضمّ مئات العناوين والأسماء، هو حريص أشد الحرص على حفظها ومراجعتها بين الحين والآخر، حتى تلك التي تهرأت أطرافها أوتمزقت، توحي لك أنها تعود لسنوات مضت، أرشيف يجد فيه راحة للضمير، وكأنه كتاب يحرره من قيود العالم المعذب الذي يعيش فيه . أبو حالوب لايبارح هذا المكان منذ عقود من الزمن، إلا لبعض من الوقت للقيلولة، يعود بعدها مزهواًوبشعور في غاية الإنتشاء، يتملكه فرح طاغٍ، بهذا الإنضباط العالي والإلتزام الذي فرضه على نفسه وسخّر له كل وقته، لهذا الواجب الذي كُلف به من قبل الملائكة، لأدائه بإتقان ودقة وتفانٍ، هوشعور خاص يغمر به روحه ونفسه الطفولية، فوفّرله الآف الصداقات مع رواد المقهى،  يلمح وجهه عبر الصور المرتحلة والآتية وأضحى ظاهرة شاخصة وعلامة عراقية بإمتياز من أبرز علامات أرض الشام .

أبو حالوب ضمن هذا السياق، إنسان عاشق كبير للحياة، يقاوم إنسلاخ الحب عن الدنيا لتصبح معقلاً فضاً، وأغلالاً وجحيما، على الرغم من واقع الغربة الذي سبق به الجميع، وصُدم به منذ صباه بعد غياب طويل عن الوطن، يسكنه طفل وديع يقارب الستة عقود من التغرب، ووجع أهله المشتتين في بقاع العالم، تؤرقه الشام منذ أعوام وهي المجبولة بحرائق الإرهاب والعذاب، لم يخفِ آماله التي تسكن أحلامه بالإعلان عنها بهذه الممارسة الفريدة الممتعة، المصاحبة لمظاهر طبيعته الهادئة،هي ملاذه الوحيد، ورغبته في الوجود، وحماسه للحياة، ودعاباته اللذيذة، ومماحكاته البريئة والطريفة، يتندربتفاصيلها الثقيلة، وصرامة ضغوطها وشروطها القاسية، إن صوره تملأ العين دفعة واحدة،تقطع أربعين أو خمسين عاماً في ثوانٍ لتسقط على بقعة من خيمته لتملأها ضوءاً، لاتغيب إشراقته ولاتذبل أزهار الحياة فيها فيظل يرقب الخطى، كل الخطى التي يراها حذرة وقلقة .

أبو حالوب لا يشعر بالضياع والفراغ المؤلم، وكأن الدنيا من حوله خاملة وبليدة، ربما يعرّف إختصاصيو علم النفس هذه الشخصية على انها عاطفية، تتعامل مع الحياة بعاطفة أكثر من تعاملها بالعقل، وفي حالة التضارب بينهما يتغلب حكم العاطفة على العقل، لذلك يطغي الود والأماني الخيرة على سلوكه العام،لم تنل منه الليالي ولا تلك المفازات القصية، ووحشة الوطن .وصاحب الشخصية العاطفية شديد الحساسية ومرهف الشعور لما يجري حوله، وهو يحمّل نفسه مجالاً أوسع من التحسس بموقفه الحياتي وعلاقاته مع الناس والمحيط، لهذا فإن إنفعالاته العاطفية لاتنحصر في القضايا الشخصية، بل تمتد الى القضايا العامة والإنسانية بشكل عام، وهو ما منحه قدرة في إبتكار وصنع الصداقات ذات النزوع الأليف بعفوية العراقي وبراعته، يعرف بالضبط ماذا يفعل للتعبير عن صدق روحه .

نحن أمام تجربة لها خصوصيتها، فأبو حالوب قطب لتساؤلات عديدة، يجمع حوله مجالاً واسعا ومكثفاً من حقول تتعايش حوله، كأنه يتنفس شظايا حرائق العراق، ويمشي فوق ألغامه، وهو يلتقط شظايا حياته .

 

diaa nafieالطبيب السوري ابراهيم استنبولي يذكرني بالطبيب الروسي انطون تشيخوف، الذي قال مرة ان مهنته الطبية هي زوجته ، وان الآداب عشيقته، فمهنة ابراهيم استنبولي الطبية هي زوجته الشرعية فعلا، واللغة الروسية وآدابها هي عشيقته، (وهي – مثلما عند تشيخوف - عشيقته العلنية والتي تكاد ان تكون الشرعية ايضا !). ولا يمكن لي ان أتصور الطبيب تشيخوف دون عشيقته، وكذلك لا يمكن لي ان اتصور هذا  الطبيب السوري دون الشعر الروسي ابدا، اذ اني تعرفت عليه عبر كتاباته عن الشعر الروسي وترجماته لهذا الشعر قبل ان اعرف ما هي مهنته، وكنت اظن انه (طبيب في الادب الروسي بشكل عام، واختصاصي في تشريح الشعر الروسي بشكل خاص ودقيق). ولنبدأ من اول   الحكاية .

ولد الدكتور ابراهيم استنبولي في سوريا عام 1957، ودرس بعدئذ في موسكو وتخرٌج هناك، واصبح طبيبا، ولكنه وقع هناك  ايضا في حب الادآب الروسية، بل واصبح عاشقا متيما بها ، ورجع الى وطنه سوريا طبيبا وعاشقا للادآب الروسية في آن واحد، وأخذ يترجم مختلف اجناس الادب الروسي مباشرة عن اللغة الروسية ، وهذه ظاهرة رائعة و جديدة و غريبة و نادرة جدا جدا جدا في عالمنا العربي، وذلك استنادا  الى بيت الشعر الذي ذهب مثلا، وهو –

و ما اكثر (الاطباء!) حين تعدهم ... ولكنهم في (الترجمات!) قليل.

انتبهت شخصيا الى اسم ابراهيم استنبولي قبل اكثر من عشر سنوات، اذ اثارت اهتمامي ترجماته الجميلة والجريئة جدا للشعر الروسي بشكل عام و المعاصر بشكل خاص، وفهمت من خلال هذه الترجمات ان ابراهيم استنبولي يعرف اعماق مسيرة الشعر الروسي واسراره واهميته للشعب الروسي، ويعرف ايضا كيف يتقٌبل القراء الروس اعلام هذا الشعر بغض النظر عن كل العوامل الرسمية والسياسية الشائكة المحيطة بالشعر والشعراء في روسيا عبر كل تاريخ الادب الروسي، وقد أدهشتني هذه الخاصية عند استانبولي بكل معنى الكلمة، اذ ان هذا يعني انه كان يتعايش مع هؤلاء القراء الروس ومزاجهم من خلال معرفته العميقة للغة الروسية، وهو الطالب الاجنبي بينهم، وهذا موقف موضوعي رائع وشجاع جدا في الظروف الروسية، ويؤكد على ذكاء خاص ولامع وموهبة متميزة من طالب اجنبي يدرس العلوم الطبية في بلدهم، ولم اشاهد مثل تلك الظاهرة اثناء دراستي في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن العشرين حتى بين طلبتنا العراقيين او العرب الذين كانوا يدرسون الادآب الروسية بالذات، ما عدا بعض الحالات الاستثنائية والنادرة والقليلة جدا مثل الطالب المصري المرحوم ماهر عسل، الذي كان يدرس العلوم ولكنه كان عاشقا للغة الروسية ولآدابها واصبح في ما بعد مترجما عن الروسية يشار اليه بالبنان كما يقولون (ماهر عسل وابو بكر يوسف والمرحوم نجيب سرور كانوا يشكٌلون ثلاثيا مصريا في موسكو متناسقا فكريا، و لكني لا استطيع ان استطرد اكثر حول  ذلك ضمن هذه المقالة، واتمنى ان أعود لاحقا الى هذا الموضوع  المهم في تاريخ العلاقات الفكرية بين العرب وروسيا).

الاشياء التي تثير اهتمام القراء في النشاط الفكري للدكتور ابراهيم استنبولي ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين هي الموضوعة الروسية بشكل عام،وترجمات  متنوعة مختارة من الشعر الروسي المعاصر بشكل خاص، اذ نجد هناك اسماء تسفيتايفا وأخماتوفا ومندلشتام وغوميليوف ويسنين (كمنجة روسيا الحزينة كما يسميه، وقد أشرت في مقالتي  عن ذكرى ميلاد يسينين الى اسم استنبولي ومساهماته في ترجمة شعر يسينين – انظر مقالتنا بعنوان – 120 سنة على ميلاد يسينين)، اضافة الى بوشكين طبعا والذي يعده استنبولي معاصرا ايضا (وهي ملاحظة جديرة بالاعتبار حقا، اذ ان بوشكين هو الشاعر الحي لحد الان لكافة افراد الشعب الروسي فعلا، ومن الواضح ان استنبولي اكتسب هذا الرأي وتشبٌع به نتيجة اختلاطه العميق بالشعب الروسي وتفهمه لروحية هذا الشعب ونفسيته وخصائصه)

 ابراهيم استنبولي، الذي (يقدس العقل ولا يشرك به احدا) حسب تعبيره الجميل في تعريفه لنفسه، يرتبط بالنسبة لي بعدة مواضيع اتمنى ان احققها يوما – ما، و بعض هذه المواضيع تستحق حتى ان تكون عناوين اطاريح ماجستير في اقسام اللغة الروسية وآدابها وترجمتها، وكذلك في أقسام الادب المقارن بجامعات عالمنا العربي مثل – (ابراهيم استنبولي وتسفيتايفا – شاعرة الحب والمعاناة كما يسميها ابراهيم، حيث ندرس ديوان شعر تسفيتايفا بعنوان- كبرياء جريح ، الذي أصدره استنبولي عام 2013)، و (ابراهيم استنبولي و يسينين)، و (ابراهيم استنبولي وبونين)، و(ابراهيم استنبولي وباسترناك)، و (ابراهيم استنبولي وبوشكين)، و (ابراهيم استنبولي والشعر الروسي المعاصر)، و (ابراهيم استنبولي والموضوعة العربية في الادب الروسي)، ولابد من التوقف بعمق حول موضوع – (ابراهيم استنبولي ورسول حمزاتوف ، حيث نتناول  كتابه عن حمزاتوف - (مختارات شعرية) وملاحظاته ومتابعاته (الدائمة الخضرة!) حول الشاعر الداغستاني الكبير) .

ختاما لهذه الملاحظات السريعة حول (العاشق السوري للشعر الروسي) اود ان اقدم للقارئ نموذجا واحدا ليس الا من ترجماته الرشيقة، وهي قصيدة لمارينا تسفيتايفا –

أشكرك يارب،

على المحيط وعلى اليابسة،

على الجسد البديع،

على الروح الخالدة،

على الدم الحار،

وعلى الماء البارد.

أشكرك على الحب-

وعلى الطقس أشكرك!

 

في التاسع من تشرين أول سنة 2016 تحل الذكرى العشرون لرحيل الاستاذ الأكاديمي، الباحث والمربي النبيل الدكتور علي جواد الطاهر.

وإحياءً لهذه الذكرى الغالية هيأتُ اسهامتي المتمثلة في كتاب يحمل عنوان (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر) الذي أخذ مني غير قليل من الوقت والجهد وحاولت أن أقوم بنشره ليكون في متناول القراء مع حلول هذه الذكرى. وبذلت جهدي في ذلك مع غير دار من دور النشر العراقية والعربية وفي مقدمتها دار المدى، إلا أنني – مع الأسف الشديد- لم أجد الاستجابة المنتظرة، كأنْ لم يكن الدكتور علي جواد الطاهر (شيئاً مذكوراً). لكنني لن أكفَّ عن المحاولة- أنا الأعمى- مع اولئك المبصرين (رحمهم الله أحياء)، الناكرين جهود مربي الاجيال ثقافياً وتربوياً.

أقدم، هاهنا، للقارئ الكريم الصفحات الاستهلالية من كتابي (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر)، مسبوقة بصورة مطبوعة لكل من الوثيقتين الخطيتين اللتين افتتحتُ بهما كتابي هذا.

ا.د. حسن البياتي

لندن في 07/10/2016

.....................

صورة الوثيقة الاولى

-رسالة من الدكتور علي جواد الطاهر-

الأخ الدكتور حسن البياتي

تحية

ارسلت اليك بريداً نسخة من منهج البحث الأدبي

ارجو ان اتسع لك المجال او سافرت أن تحصل في موسكو كتاباً انموذجياً

هناك لتعليم منهج البحث (( كيف تبحث ... وتكتب رسالة ... ))

فاذا تهيأ فرجائي ان تقرأ كتابي وتقرأ ذلك الكتاب

ثم تكتب لي ماتراه من اشياء مهمة نافعة في الكتاب الروسي

ولا توجد في كتابي لأفيد من ذلك في طبعة مقبلة

كما آمل ان نلتقي بعد القراءتين لنتناقش وتتوضح الأًمور

أكثر. آسف اذ اني لم اجد لديَّ نسخة من محمود أحمد السيد

وسأكتب الى بيروت طالباً عدداً من النسخ

ارجو لك وللاخوان كل التوفيق

المخلص

علي جواد الطاهر

توقيع

16/02/1971

 

صورة الوثيقة الثانية

-في تأبين فقيدنا الأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر -

اذا ما دعا الداعي علياً وجدتُني       أُراعُ، كما راع العَجولَ مُهيبُ

وكنتُ به أُكْنى، فاصبحت كلما    كُنيتُ به فاضت دموعي على صدري

 

أجل، يا ابتي وشقيقي وأستاذي وصديقي...

و يا مْن شُرفتُ شرفاً عظيماً بأنْ يحمل ولدي الوحيد

حروفَ اسمكَ العليّ الجليل...

أجل، ياصفيَّ كلِّ امرئٍ عَرفكَ، وإنْ لحظةً من لحظاتِ الزمن.

أجل، يا حبيبَ كلِّ نَبتٍ من أغراسك السامقات،

النافحات طيباً وحباً...

أجل، لسوف يطولُ بنا الشجن

ويتواصل ذريف الدمع. فلقد كان رحيلكَ

عنا حَدثاً جللاً، فقدنا به الملاذ الآمن الأمين،

الذي كنا نأوي الى ظله الظليل فنجد الطُمَأْنينةَ والسلوان،

كلما ألَحت علينا نائبات الزمان،

وما كان أكثرها وأمرَّها!

أما الآن:

فَلِمنْ أقولُ، اذا تُلِمُّ مُلِمَّةٌ:           أّرِني برأيكَ، أم الى مّنْ أفزعُ؟

لن أنسى، مادمت حياً، رِعايتكَ السامية لي،

مذُ كنتُ تلميذكَ الأثير في دار المعلمين العالية وحتى أيامكَ الاخيرة،

وأنت على سرير المرض اللئيم، الذي ابتُلِيتَ به ابتلاءَ الكريم،

فرُحْتَ تصارعه بصمتٍ وإباء، وبروح هي اقوى من الداء،

واسمى من الألم، وأشد من وقْع البلاء،

آهِ، لو كانتِ الأعمارُ تُهدى، لوهبتكَ البقية الباقيةَ من حياتي؛

فأنتَ الأجدرُ بالبقاء، لأنكَ الأنبلُ في العطاء-

فَليتكَ كنتَ الحيَّ في الناس ثاوياً        وكنتُ أنا الميْتَ الذي ضمَّهُ القبرُ!

باطلٌ أن يغادر مِثلُكَ معتركَ الوجود!...

وباطل أن يستحيل فكرُكَ الفَّذُ محضَ تراب!

كلا، إنه مُستَقِرٌّ فينا، نحن – طلابكَ الأوفياء-

ومستَمِرٌّ عَبْرَ مسيرتنا الفكرية والثقافية، مدى الأجيال والأجيال...

لسوف نظل نحمل ذكراك العطرة النيرة في افئدتنا ومحاجرنا،

أيها العلمُ الشامخُ، أيها الشاهدُ الشهيدُ المتسامي عن كل ما ينالُ من كرامة الانسان ويَمَسُّ قيمهُ النبيلة...

إن الترابَ، الذي يضم جسَدكَ الطاهرَ هو إرثٌ مشترك للجميع.

أما إرثُك أنتَ، يا جليلَ الفعال، فانه خالد في ضمير الزمن،

وراسخ في قلوبنا النابضة بالمودة والاخلاص.

سلام عليك، يا أحبَّ حبيب!

سلام عليك، يا معَري الجهل بفكره الثاقب وعلمه الغزير...

سلام على روحك الطاهرة، ايها الملاك الوديع، المحلِّقُ في سماوات كلِّ وجدانٍ حيّ،

مفعم بعِرفانِ جميلك الجميل... و

يميناً، سأبقى أحِنّ اليكَ           حنينَ السُّراة لضوء القمرْ

سأبقى يُراود جَفني الحزين      خيالكَ أمسيَّتي والسحَر

وفي الليل، إمّا طواني الكرى    رأيتُكَ في حُلُمٍ مستمِر

تُطلُّ عليَّ بقلبٍ حنون            وبسمةِ ودٍّ لكلِّ البَشرْ

حسن البياتي/ بغداد/ تشرين الاول 1996

صفحات استهلالية

الدكتور علي جواد الطاهر أستاذاً وصديقاً وزميلاً تدريسياً

وداعية دؤوباً الى اعتناق (مذهب) الترجمة وما يترتب على ذلك من طقوس

كانت هذه الدراسة التي يضمها كتاب (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر) في الاصل بحثاً اكاديمياً عنوانه (الدكتور علي جواد الطاهر والترجمة الى اللغة العربية)، ألقيت خلاصته في (الحلقة العلمية) التي أقامها قسم اللغة العربية في كلية التربية بالجامعة المستنصرية صباح يوم الأربعاء 26/03/1997 تحت شعار (الدكتور علي جواد الطاهر انساناً واديباً وناقداً).

ولم يقدر للبحث الذي بلغ عدد صفحاته الثلاثين من القطع الكبير أن يُنشر في حينه، رغم أنه قُدم – أولَّ ما قدم – الى مجلة المجمع العلمي العراقي بناءً على رجاء أحد أعضائه البارزين (الدكتور داخل حسن آل جريو) (1)، الذي سرعان ما أعاد اليّ البحث، معتذراً – بأسف شديد– عن نشره، باصرار من رئيس تحرير مجلة المجمع العلمي (الذي لا يطيب لي ذكر اسمه هنا) لأسباب تتعلق بموقفه من الدكتور علي جواد الطاهر(2). ولم يأخذني العجب من هذا الموقف الذي طال العديد من الرموز العلمية والثقافية العراقية الشريفة، التي غُيبت عن أروقة المجمع العلمي العراقي، مثل شيخ نحاة العصر العلامة الدكتور مهدي المخزومي والباحث الموسوعي الدؤوب الدكتور علي جواد الطاهر – عميد الأدب العراقي بحق والباحث الاجتماعي – السايكولوجي الدكتور علي الوردي وغيرهم من الاعلام الشامخة التي تعتز الاوساط الثقافية والعلمية، داخل العراق وخارجه، بعطائهم المتجدد الرحيب؛ في حين راحت – وما زالت – تعشعش تحت سقوف تلك الأروقة غربان مقرفة النعيب!...

وقد أبدت مجلة آفاق عربية استعدادها لنشر البحث بعد اختصارعدد صفحاته الى النصف، ولم أوافق على هذا الشرط، وعلى العكس من ذلك ألحت سلسلة (الموسوعة الصغيرة) أن تقوم بنشر البحث، لكن بعد توسيعه. ورغم رجاحة الفكرة وجودتها، لم استطع الاستجابة لانني كنت حينها أعد العدة لمغادرة العراق. وقد حملت معي نسخة من البحث، على أمل نشره في اليمن -حيث بدأت العمل أستاذاً في جامعة حضرموت- أو في أي بلد عربي آخر. لكن الحادث الذي أودى ببصري في اليمن وقف حائلاً دون ذلك.

وبعد ان استقر بي المقام في مدينة لندن وعودتي الى نشاطي الثقافي فكرت - بعد مضي أكثر من عشرة اعوام على كتابة البحث - في أن أقوم بنشره، لكن بعد تطويره وتوسيعه ليصبح (كتاباً) مؤهلاً للنشر، وباشرت العمل الجاد الدؤوب منذ اواسط سنة 2015، لكي أوصل المهمة الى نهايتها التي تحققت بمساعدة صديق حميم بذل معي جهوداً كبيرة في اعداد المواد اللازمة بحثاً عنها اليكترونياً بخاصة.

ورب سائل يسأل: لِمَ  كل هذا الاهتمام بالدكتور علي جواد الطاهر وبموضوع (الترجمة) بالذات؟ فأقول:

ان الدكتور الطاهر كان بالنسبة لي، منذ مجيئه الينا اوائل سنة 1954 أستاذاً في دار المعلمين العالية، مثالاً كريماً للانسان الملتزم خلقاً والغني علماً والمتمكن تدريسياً والحميم تربوياً والراعي ابداعياً... وقد ربطتني به علاقة وثيقة لا لأنني كنت الطالب المتفوق دراسياً فحسب بل لأنني كنت، فضلاً عن ذلك، أحد طلابه المبدعين في حقل الشعر والمقالة الأدبية والترجمة من اللغة الانكليزية. وإني لأذكر كم كانت فرحته كبيرة حين اطلاعه على بعض القصائد التي كنت اقوم بترجمتها من اللغة الانكليزية ونشرها في الصحف العراقية معتمداً في ذلك كتاب (الذخيرة الأدبية Golden Treasury)، وبمبادرة منه ثبتُ احدى هذه القصائد المترجمة شعراً (بتصرف) في مجموعتي الشعرية الاولى (من شفاه الحياة) التي صدرت في الربع الاول من عام 1956 وعنوان هذه القصيدة هو (أغنية) للشاعرة كريستينا روزيتي (3). كان يقرأ جل ما اكتبه ويرعاه ويبدي فيه الرأي السديد قبل أن يأخذ سبيله الى النشر. كانت طريقته التدريسية ولاسيما في مادتي النقد الأدبي وتحليل النصوص الشعرية تشدنا اليه شداً جميلاً.

استمرت علاقتي بالدكتور الطاهر وتواصلت حتى بعد انهائي الدراسة الجامعية في دار المعلمين العالية سنة 1955. وكان لموقفه النبيل هو وكل من أساتذتي الكرام الدكتور مصطفى جواد والدكتور صفاء خلوصي والأستاذ كمال ابراهيم الأثر الكبير في أمر نقلي من متوسطة مندلي في لواء ديالى الى بغداد التي كان لي حق التعيين فيها لأنني كنت الخريج المتفوق الأول في دورتي. وكانت آرائي السياسية المنعكسة في العديد من قصائدي الشعرية التي كنت أقوم بنشرها أثناء سني دراستي الجامعية السبب البارز في حرماني من حق التعيين في بغداد ومن حقوق أخرى من ضمنها الإيفاد لتكملة دراستي خارج العراق.

وأثناء ذلك كنت أزور أستاذي الدكتور الطاهر غير مرة في الشهر الى أن صدر أمر نقلي مع كوكبة من زملائي حيث نالتنا عقوبة تحريض التلاميذ على الإضراب والتظاهر ضد العدوان الثلاثي على مصر في نهاية اكتوبر (تشرين اول) 1956 وكان نصيبي النقل الى اعدادية الحلة للبنين مسقط رأس الدكتور الطاهر ومرتع طفولتي الاولى (4) وقد ودعني وداعاً حميمياً (5) وقدم اليّ هدية ثمينة هي نسخة من كتاب الحماسة لأبي تمام. كما سلمني رسالة موجهة الى الشاعر الشعبي عبد الصاحب عبيد (صاحب فندق بابل) راجياً منه ان يفرد لي غرفة في فندقه وقد رحب بي الشاعر عبد الصاحب عبيد الذي أهديت اليه نسخة من مجموعتي الشعرية (من شفاه الحياة) وأهدى الي هو الآخر نسخة من مجموعة قصائده الشعبية فكان اللقاء جميلاً بين النمطين الشعريين والشخصين المبدعين.

وكان الدكتور الطاهر يلتقيني كلما أمَّ مسقط رأسه، الى أن عدتُ الى بغداد في نهاية العام الدراسي 1956 – 1957، بعد أن رفعت  عني وعن الآخرين عقوبة النقل.

وقد توثقت هذه العلاقة أكثر بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958 ورعايته أماسي اتحاد الأدباء العراقيين التي قدمني في احداها تقديماً رائعاً لقراءة بعض قصائدي.

ولم تنقطع العلاقة بيننا حتى بعد سفري لتكملة دراستي في الاتحاد السوفيتي. وكان من مظاهر هذه العلاقة أيضاً أنْ عهد اليّ مهمة مراسلة مجلة (الأديب العراقي)، لسان حال اتحاد الأدباء العراقيين. وحين زار الاتحاد السوفيتي سنة 1961على رأس وفد ثقافي من اتحاد الأدباء العراقيين عرض علي أن أنضم الى عضوية الوفد، فوافقت شاكراً.

وبعد عودتي الى العراق، تدريسياً في جامعة البصرة استمرت هذه العلاقة، اذ كانت الرسائل تأخذ مجاريها بيننا، الى جانب ما يقدمه الأستاذ الى تلميذه من هدايا ممثلة في بعض ما يصدر له من مؤلفات وما يقدمه التلميذ الى أستاذه مما ينشر من بحوث علمية متواضعة هنا وهناك.

وكان من بين ما أهدى اليّ نسخة من كتابه (منهج البحث الأدبي) في طبعته الاولى سنة 1970، مذيلاً الاهداء بتاريخ 15/02/1970 وبرفقة الكتاب رسالة منه مذيلة بتاريخ 16/02/1971، يرجوني فيها أن أحصل، إنْ سافرت الى موسكو على كتاب نموذجي لتعليم منهج البحث لكي نقارن بينه وبين كتابه لغرض الاستفادة من ذلك في الطبعات المقبلة من كتابه كما هو موضح في رسالته المثبتة في مستهل هذه الدراسة. (6)

وكان له ما أراد، وذلك بعد أن اوفدتني جامعة البصرة الى جامعة موسكو للتفرغ العلمي خلال الفترة الواقعة بين ايلول 1972 الى نهاية آب 1973. فحين زار البصرة في تشرين الاول 1973 مع قرينته وولديه رائد ولبيد قضوا يوماً كاملاً في ضيافة اسرتنا، وقد أخذ الحديث بيننا، في هذه المرة، يجري في اتجاهين هما الترجمة وشؤونها وهمومها ثم حول منهج البحث الأدبي، حيث قدمت له ما أراد من معلومات. وقد سُرّ كثيراً حين وجد أن المنهج في جملته هو واحد من حيث الاساس لكن الأختلاف في النهج. فالنهج في الأدبيات السوفيتية يجري على وفق الاسلوب العلمي (الماركسي - اللينيني)، في حين هو عند الدكتور الطاهر انطباعي خاص به. ولا ضير في ذلك فالمهم هو التزام الحقيقة الموضوعية، دون الشطط والتزييف. ومما يجدر ذكره هنا هو أن أعظم مستشرق روسي – سوفيتي بل عالمي هو إگناتي كراﭽكوڤسكي لم يكن يتبع المنهج الماركسي – اللينيني في دراساته الاستشراقية. وكثيراًما كان يُنَبه الى ذلك، ولكنه يجيب بأن له نهجه الخاص. ولم يحجب أي اثر من آثاره الجمة التي شكّل المختار منها ستة مجلدات ضخمة تحتوي على آلاف الصفحات من القطع الكبير من مجموعته الكاملة التي تركها. ولئن كان كراچكوڤسكي هو مفخرة الاستشراق الروسي، فإن الدكتور الطاهر هو الآخر مفخرة الدراسات الأدبية المتشعبة في ثقافتنا العراقية الاصيلة. فطوبى للراحلين العظيمين!

وتطورت العلاقة أكثر بعد عودتي الى بغداد في النصف الاول من ثمانينات القرن الماضي إثْر ايقافي عن مواصلة التدريس في جامعة البصرة ثم نقلي منها الى قسم الأوراق في الادارة المحلية لمحافظة البصرة، ثم احالتي على معاش التقاعد، وقد وجد هو الآخر نفسه مع اساتذة آخرين بينهم الدكتور مهدي المخزومي خارج الخدمة الجامعية، وكان ذلك في مستهل ثمانينات القرن الماضي. (7)

وفي بغداد تأكدت هذه العلاقة واشتدت ولاسيما بعد أن لاحظ نشاطي الواسع في حقل الترجمة الأدبية والنشرالمتواصل مما أبهجه وحقق ما كان يرجوه من دفعي الى العمل الترجمي وقد عبر عن ذلك فيما كتبه من مقالات عن بعض ما صدر لي من آثار مترجمة عن اللغة الروسية (8). وقد تزامنت هذه العلاقة (الترجمية) الحميمة بين التلميذ وأستاذه مع علاقة عائلية جميلة بين الأسرتين حيث لا ينقطع الحديث عن الترجمة وآفاقها وآثارها حتى على مائدة الطعام.

وتشاء الظروف ان يعود الأستاذ وتلميذه، في العام الدراسي1992-1993، الى الخدمة الجامعية من جديد وفي كلية التربية للبنات بجامعة الكوفة حيث يقل التلميذ أستاذه في سيارته الخاصة من بغداد الى النجف مرتين في الاسبوع. ولم يكن حديث (الترجمة) يتوقف حتى أثناء السفر ذهاباً واياباً. وبعد مضي ثلاثة اعوام يعودان معاً الى بغداد لمواصلة التدريس في كلية التربية بالجامعة المستنصرية وتظل أحاديث (الترجمة) القاسم المشترك الأعظم بين الأثنين.

وفي عام 1995 يضطر الدكتور الطاهر الى ترك العمل لأسباب صحية فآخذ على عاتقي القيام – اضافة الى المواد التي كنت أدرسّها لطلبة الدراسات العليا - بتدريس المواد العلمية التي كان يقوم هو بتدريسها وهي مادة منهج البحث الأدبي لطلبة الماجستير وتحليل النصوص الأدبية القديمة لطلبة الدكتوراه.

وحين يدهم الداء اللئيم جسد الأستاذ الطاهر لا ينقطع التلميذ حسن البياتي عن زيارته كل يوم تقريباً. ولم تنقطع هذه الزيارة الا في الاسبوع الاخير، قبيل رحيله لكنني كنت أواصل السؤال عنه يومياً عبر الهاتف.

ويرحل الأستاذ في التاسع من تشرين اول 1996 الى مثواه الاخير فيبكيه التلميذ بحرقة (9) ويظل اميناً على ذكراه ومعترفاً بجميل عطائه الثر ويعاهد نفسه أن يدل القارئين على صرحه الترجمي هذا.

ولم تنقطع أواصر العلاقة الثقافية والأكاديمية بين الأستاذ الراحل وتلميذه المنتظِر حتى بعد الرحيل. وكان من مظاهر هذه المواصلة أنْ تُعهد الى التلميذ الأستاذ الدكتور حسن البياتي مهمة الاشراف على رسالة للدكتوراه عنوانها (الفكر النقدي عند الدكتور علي جواد الطاهر) تقدم بها الى قسم اللغة العربية بكلية التربية في الجامعة المستصرية المدرس المساعد في كلية الآداب بجامعة بابل قيس حمزة الخفاجي. وقد صدرت رسالة الدكتوراه هذه في كتاب نشره مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية سنة 2012. (10)

وعبر معايشتي اهتمام أستاذي الدكتور الطاهر بالترجمة وشؤونها وملابساتها وعبث بعض العابثين (بقدسيتها) التي كان يريد حرصه الشديد عليها أن تكون دائماً نقية، أمينة بعيدة عن الشوائب – عبر هذا وما سواه مما كان يجري بيننا حول الترجمة، حتى أثناء المكالمات الهاتفية... كان ينمو في ضميري الثقافي – الترجمي دافع للكتابة في هذا الحقل العزيز على الدكتور الطاهر. ومن هنا وهناك بدأ قلمي يسطر سطور هذه الدراسة وصفحاتها التي لم أجد من تطرق الى موضوعها (الترجمي) قبلي، على حد علمي واطلاعي وامكاناتي. اذ لم أعثر حتى في الملفات التي خصصت للحديث عن الدكتور الطاهر ودوره الثقافي والتربوي الرائد في مجالات متعددة على شيء يذكر من نشاطه (الترجمي). من ذلك مثلاً الملف الذي خصته مجلة (الثقافة الجديدة) العراقية عام 1997 (11) ضاماً جملة الاحاديث التي قدمها عن الدكتور الطاهر عدد من المتحدثين في الامسية التي اقامها ديوان الكوفة في لندن بتاريخ 16/11/1996، بينهم الدكتور محمد حسين الأعرجي (أستاذي العلامة الدكتور الطاهر) (12) والدكتور صلاح نيازي (خطرات عن علي جواد الطاهر) (13) والأستاذ فوزي كريم (ما أحوجنا الى منحى الطاهر في الكتابة) (14).

ومن ذلك أيضاً الملف الخاص بالدكتور الطاهر، الذي أعده الأستاذ حسب الله يحيى ونشرته مجلة الأقلام  العراقية سنة 1997 (15) ضاماً – فضلاً عن تقديم الأستاذ حسب الله يحيى (هذا الملف) (16) والبيبلوغرافية  الموجزة التي قدمها اربد علي جواد الطاهر(17) - جملة من المقالات والبحوث التي نشرها كل من الأستاذ طراد الكبيسي (الطاهر: المربي.الناقد. الباحث) (18) والدكتور حاتم صالح الضامن (التحقيق ونقد التحقيق عند الدكتور الطاهر) (19) والأستاذ مهدي عيسى الصقر (علي جواد الطاهر: الانسان النموذج) (20) والدكتور سعيد عدنان (علي جواد الطاهر... مقالياً) (21) والدكتور جلال الخياط (علي جواد الطاهر .. ناقداً) (22).

ورغم تعدد الندوات التي كانت وما زالت تجري في المناسبات العديدة لذكرى رحيل الدكتور الطاهر لم يتحدث في أي منها أحد عن دوره الترجمي. وحتى الذين كتبوا عنه ناقداً لم يلتفتوا الى كتاباته العديدة في (نقد) النتاج المترجم ولا الى مقالته المشهورة (نقد الترجمة) التي ثبتناها (نموذجاً) في نهاية الركن الخامس من دراستنا هذه. (23)

قد لا أكون مصيباً في كل ما قلت او لم يصل الى علمي ما يدل على أن هناك من تناول جانباًما من جوانب نشاط الدكتور الطاهر في مجال الترجمة لكن المهم هو انني قد صممت أن أخوض في هذا المجرى ولا يهمني إنْ كان لي شرف الريادة او لمن سواي.

وقبل أن ابدأ، أقول:

إنني ما أقدمت على محاولة البدء بإقامة هذا الصرح الترجمي الطاهري الا بعدما تأكدت أنني قد وجدت نفسي مهيأة لذلك. وأهم أدواتي التي اعتمدتها وساعدتني في (عملية) هذا البناء الترجمي، هي:

1- قراءاتي المبكرة والمستمرة، منذ سني الدراسة الابتدائية لنماذج من مختلف الآثار الإبداعية والثقافية المترجمة الى اللغة العربية سواء ما كان ينشر في المجلات العراقية والعربية مثل مجلة (المجلة) ومجلة (الرابطة) العراقيتين ومجلات (الرسالة) و(الرواية) و(المقتطف) و(الفصول) و(الهلال) ... المصرية ومجلات (الأديب) و(الآداب) و(الطريق) و(الثقافة الوطنية) ... اللبنانية، هذا الى جانب ما كان يصدر عن سلسلة إقرأ وكتابي والـ 1000 كتاب وغيرها في مصر، ومنشورات دار اليقظة العربية في سوريا، ودار العلم للملايين ودار الآداب في لبنان. ومن الكتب التي أذكرها رواية (الأم) لمكسيم گوركي و(الجريمة والعقاب) لفيودر دستويڤسكي و(المعطف) لنيكولاي گوگل و(الآباء والبنون) لإيڤان تورگينف ومن الآثار المسرحية (الشقيقات الثلاث) و(بستان الكرز) لأنطون چيخوف. ومن الأدب الانكليزي رواية (صورة دوريان گري) لأوسكار وايلد ورواية (مغامرات اوليفر تويست) لچارلس ديكنز ومن الأدب الامريكي رواية (كوخ العم توم) للكاتبة هيريت ستو ورواية (شارع السردين المعلب) للكاتب جون شتاينبنك ورواية (الشيخ والبحر) للكاتب ارنست هيمنگوي ومن الأدب الفرنسي رواية (البؤساء) للكاتب ڤيكتور هوگو. ومن الآثار الشعرية أذكر رائعة الشاعر الفرنسي لامارتين (البحيرة) والعديد من قصائد اراگون منها (عيون الزا) وروائع الشاعر  پول ايلوار والشعراء الانكليز اللورد بايرون وشيلي وت. اس. اليوت والشاعرة اديث سيتول ومن الشعر الروسي العديد من روائع أليكساندر پوشكِن وميخائيل ليرمنتوف وڤلاديمير ماياكوڤسكي وغيرهم... هذا الى جانب عشرات بل مئات الأسماء والآثار الإبداعية والثقافية الأخرى. وقد بدأ اطلاعي على مسرحيات وليم شيكسبير، مبكراً، مشاهداً بعض عروضها ثم قارئاً معظمها. ويعود الفضل في ذلك الى دار المعلمين العالية (كلية التربية). وكان ذلك في اوائل عام 1948 حيث باشرت العمل بوظيفة كتابية في هذه الكلية وأنا تلميذ مسائي في السنة الثانية من مرحلة الدراسة المتوسطة ثم طالباً في الكلية نفسها منذ عام 1951 حيث كانت الفرقة المسرحية في دار المعلمين العالية تقدم نهاية كل فصل دراسي إحدى مسرحيات شيكسبير مترجمة الى اللغة العربية. وأذكر من هذه المسرحيات التي شاهدتها: روميو وجوليت، هاملت، أوديب، عطيل، تاجر البندقية وغيرها، وأذكر أنني سجلت، وأنا طالب في قسم اللغة العربية، على مقرر (كورس) لدراسة الأدب الانكليزي، وكانت المادة الأدبية المقررة لنا هي مسرحية (الملك لير) لشيكسبير أيضا ً. واستمرت علاقتي بشيكسبير قارئاً العديد من آثاره الأخرى التي كانت مكتبة دار المعلمين العالية تزخر بها.

2- خبرتي الواسعة في مجال الترجمة التي امتدت على مدى عشرات السنين من خلال تجاربي الكثيرة والمتشعبة فيما نقلت الى اللغة العربية من آثار ابداعية وثقافية مختلفة، ويدل على ذلك ما صدر لي من

مؤلفات مترجمة عن اللغة الروسية بلغت قرابة الخمسة عشر مؤلفا ً، فضلاً عن عشرات الآثار الانشائية والوصفية: الشعرية والقصصية والمسرحية والنقدية والفلوكلورية والاستشراقية وغيرها، المنشورة في مختلف الصحف والمجلات والدوريات العراقية والعربية والروسية والمواقع الاليكترونية.(24)

ولا يفوتني هنا أنْ أذكر أن بداية نشاطي الترجمي كانت مع الشعر الانكليزي، حيث نقلت الى العربية العديد من قصائد مجموعة (الذخيرة الأدبية Golden Treasury) ونشرت قسما ًمنها في مختلف الصحف العراقية خلال النصف الاول من خمسينات القرن الماضي. أذكر من هذه القصائد (اغنية) للشاعرة  كريستينا روزيتي و(جيني قبلتني) للشاعر جي. هانت و(الاشجار) للشاعر جويس كيلمر وغيرها. وكان آخر ما قمت بنقله من اللغة الانكليزية احدى أغاني پول روبسن التي تحمل عنوان (أغنية للفرحة) وذلك بعد الحفل الغنائي الذي قدمه روبسن في احدى صالات لندن الفنية في خريف 1958 وقد اسعدني الحظ ان أحضر هذا العرض الرائع. ولم ينقطع نشاطي الترجمي عن الانكليزية الا بعد ان حلت الترجمة عن اللغة الروسية بديلاً وذلك أثناء دراستي اللغة والأدب الروسي في جامعة موسكو منذ عام 1960.

3- معرفتي غير واحدة من اللغات الأجنبية التي مكنتني من الولوج في الاصول التي خاضها الدكتور الطاهر في تقديم ثمار جهوده الترجمية.

4- قراءتي كل ما نشره الدكتور الطاهر من كتابات ذات علاقة بنشاطه الترجمي المتشعب الواسع.

5- اطلاعي على أغلب آثار الدكتور الطاهر المخطوطة، التي تكرمت بتزويدي بها – في حينه- قرينته السيدة أم رائد، التي غادرت الحياة هي الآخرى.

6- علاقتي المتميزة بالدكتور الطاهر على مدى اربعة عقود ونيف – تلميذاً أثيراً لديه، وصديقاً مقرباً وزميلاً تدريسياً ومشاركاً في هموم حياتية وثقافية شتى، على رأسها (الهموم الترجمية) وتبعاتها.

بعد كل هذا أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أبدأ.

 

 

.......................

الهوامش والتعليقات

1- كان الدكتور داخل قد اطلع على البحث أثناء احدى الزيارات العائلية، التي كانت تجري بين أسرتينا بحكم علاقة المصاهرة القائمة بيننا.

2- بعد رحيل النظام السابق زارنا الدكتور داخل وأفراد اسرته حيث مقر اقامتنا في لندن ورجاني ثانية أن أسلمه البحث اياه لنشره في مجلة المجمع العلمي العراقي، دون عوائق في هذه المرة لأنه يشغل الآن منصب رئيس المجمع العلمي العراقي ولا اعتراض على ما يريد. لكنني اعتذرت، باصرار عن ذلك.

3- حسن البياتي، من شفاه الحياة، شعر، مطبعة المعارف – بغداد 1956، ص 52-53 و

Golden Treasury – Song، C.G. Rossetti، p450-451

4- في الواقع، كنت سعيداً بعودتي الى مدينة الحلة التي عادت لتحتضنني شاباً يافعاً. وقد انسجمت مع اجوائها وتكونت لي فيها صداقات حميمة، فضلاً عن ترحيب أمي الثانية (هدية خان) التي كنت لها - بعد والدتي الاصيلة جميلة علي- الوليد الحبيب المدلل لأنها كانت محرومة من الانجاب. وكانت زوجة لأحد  الملاكين الكبار في لواء الحلة، وقد أسعدني أيضاً وجود مدير معارف لواء الحلة الأستاذ صالح السامرائي الذي كنت أحد تلاميذه في ثانوية جمعية المعلمين المسائية في بغداد سنة 1950

5-  وكان في توديعي يومها أيضاً الشاعر المجدد بدر شاكر السياب الذي قدم اليّ نسخة من (الكتاب المقدس) تعينني ((على قتل بعض اوقات الفراغ )) – على حد قوله. وكان بين المودعين أيضاً صديقي الشاعر الجميل موسى النقدي الذي حمل الي نسخة من ديوانه (أغاني الغابة) الصادر حديثاً وكان بينهم أيضاً الناقد الأدبي ناظم توفيق الحلي والقاص نزار عباس والأديب فالح العسكري ...

6- تنظر: الوثيقة الاولى، التي افتتح بها الكتاب.

7- وما ناله الدكتور الطاهر والآلاف من أبناء شعبنا بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 من الاجراءات الحاقدة للسلطات الفاشية نالني، أنا الآخر، وإن كنت بعيداً عن متناول ايديهم حيث جرى فصلي من عضوية البعثة العلمية وصدر أمر باعتقالي.

8- من ذلك مثلاً مقالته (نبارك الترجمة عن الروسية ... مباشرة) - مجلة ألف باء، بغداد 05/07/1989 والباب الضيق– شركة المعرفة للنشر والتوزيع المحدودة، ص 87-89  بغداد  1990، و(زبد الحديد) – جريدة الثورة، بغداد  21/10/1989 و(هل قرأت (( طيور الشمس))؟) - جريدة (الثورة)، بغداد 21/11/1989

9- ومن مظاهر التعبيرعن ذلك الكلمة البكائية التي ألقاها التلميذ في الحفل التأبيني الذي أقامته الجامعة المستنصرية بمناسبة مرور اسبوع على رحيل الدكتور الطاهر. كما هو مثبت في الوثيقة الثانية.

10 - (الفكر النقدي عند الدكتور علي جواد الطاهر في ضوء القراءة النسقية)، تأليف أ.د. قيس حمزة الخفاجي، مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية 2012.

11- مجلة الثقافة الجديدة، العدد 276، مايس- حزيران1997

12- المصدر نفسه، ص 109- 115

13- المصدر نفسه، ص 116- 119

14- المصدر نفسه، ص 120 – 123

15- مجلة الاقلام، بغداد، العدد 1-4، 1997- ص  105-124، ص 128-133

16- المصدر نفسه، ص 105

17- المصدر نفسه، ص 128- 129

18- المصدر نفسه، ص 106

19- المصدر نفسه، ص 107 – 108

20- المصدر نفسه، ص 109- 112

21- المصدر نفسه، ص 113- 124

22- المصدر نفسه، ص 130- 133

23- لم يتطرق الباحثون الى نشاط الدكتور الطاهر في حقل الترجمة وقد يكون السبب هو ان مثل هذا الموضوع يحتاج الى متابعة واسعة وصبر طويل تحدوهما رغبة أكيدة في البحث. كما يتطلب ذلك الولوج الى الاصول المترجم عنها قدر تمكن الباحث من اللغة المنقول منها. زد على ذلك ان نشاط الدكتور الطاهر الترجمي كان واسعاً جداً ومتشعباً، كما هو واضح – من خلال دراستنا هذه – مما يتطلب جهوداً اضافية.

24- يمكن الاطلاع على ما نشر من هذه الآثار وما لم ينشر أيضاً، فيما أوردته ضمن سيرتي الذاتية والعلمية والثقافية المثبتة في نهاية الكتاب.

 

diaa nafieسمعت عن اللاجئين الروس خارج روسيا السوفيتية  قليلا جدا عندما كنت طالبا بالاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن العشرين، وكان جوهر ما سمعته سلبيا  طبعا، اذ كانوا يقولون عنهم  في الاوساط السوفيتية انهم ضد ثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917، وانهم كانوا الى جانب القيصر الروسي وجيشه (الابيض) في الحرب الاهلية مع الجيش (الاحمر) السوفيتي، وانهم خانوا وطنهم وانتقلوا الى صفوف الاعداء الرأسماليين وهربوا  للعيش في بلدان هؤلاء الاعداء، وانهم لازالوا ينسقون الخطط  والمشاريع المضادة للاتحاد السوفيتي ويعرقلون مسيرته وتقدمه الى امام...الخ الخ.. . وهكذا وصلت الى باريس بعد انهاء دراستي في الاتحاد السوفيتي في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي وكنت مشبٌعا بهذه الافكار والتصورات السلبية عن اللاجئين الروس هناك .

 شاهدت في الايام الاولى لوصولي الى باريس جريدة روسية تباع في اكشاك الصحف في الحي اللاتيني اسمها (روسكايا  ميسل) (الفكر الروسي)، وهي تسمية لمجلة فكرية روسية شهيرة في القرن التاسع عشر بروسيا القيصرية، وقد أثارت اهتمامي بالطبع، فاقتنيتها رأسا، لاني فهمت انها ناطقة باسم هؤلاء اللاجئين الروس في فرنسا، واردت ان اعرف ماذا يكتبون في نهاية ستينيات القرن آنذاك بعد اكثر من اربعين سنة على انتصار ثورة اكتوبر في روسيا، واكتشفت طبعا – وبكل وضوح – انهم مضادون للدولة السوفيتية فعلا ولسياستها ونهجها بشكل عام، ولكني وجدت في سطورها - مع ذلك - حبهم العظيم والمتأجج  لروسيا واعتزازهم بها وبثقافتها، وهكذا بدأت بشراء هذه الجريدة  بشكل دائم والاطلاع عليها، وحدث مرة ان اشترى احد اللاجئين الروس العدد الاخير من الكشك امامي، ولم احصل – بالتالي- على ذلك العدد، وقد لاحظ هو طبعا خيبتي عندها، وهكذا بدأنا نتكلم بالروسية، فسألته من اي مدينة هو فقال من موسكو، وانه هاجرالى باريس قبل اكثر من اربعين سنة، ولم اعرف ماذا اقول له، فسألته (كي لا استمر بالصمت) الا تشتاق لمدينتك موسكو؟ فاذا به ينفجر بالبكاء وهو يكرر جملة - (كيف لا اشتاق لها)، وتحول البكاء الى عويل وذرف دموع، ثم كاد هذا الرجل ان يسقط على الارض من شدة التأثٌر والبكاء، فحاولت اسناده  كي لا يسقط على الارض، واوصلته الى سياج حديقة قريبة، وقلت له اني اعتذرعن سؤالي، واني مستعد ان اوصله الى بيته . وقف مستندا الى السياج وهدأ بالتدريج، ثم توقف عن البكاء، فودعته وغادرت المكان مسرعا، ولا زال هذا الموقف ماثلا امامي لحد الآن، واصبحت بعد ذلك حذرا جدا من طبيعة الاحاديث معهم عند الاختلاط بهم .  

اثناء حضوري في محاضرة استاذتي المشرفة في جامعة باريس البروفيسورة صوفي لافيت (هي طلبت مني ان احضر واستمع الى محاضراتها )، جلست في نهاية القاعة لاني لم ارغب ان انافس الطلبة الفرنسيين الشباب الذين كانوا يجلسون في المقاعد الامامية، وكانت جنبي سيدة، من الواضح انها كانت اكبر مني سنا، ومن الواضح ايضا انها كانت طالبة دراسات عليا،  اي ان وضعها مشابه لوضعي . بعد المحاضرة سألتها بالروسية عن بعض النقاط التي لم افهمها بالفرنسية عن دستويفسكي، فاوضحتها لي  بكل رحابة صدر، وسألتني بعد ذلك – هل انت من القوقاز ؟ فقلت لها انني عراقي وقد انهيت دراستي في الاتحاد السوفيتي، ففغرت فاها (كما يقولون) متعجبة وقالت انها ترى لاول مرة في حياتها شخصا من العراق ويتكلم الروسية، وهكذا بدأنا نتحدث قليلا عن دراسة الادب الروسي في الاتحاد السوفيتي، ثم  دعوتها لشرب القهوة في القسم الداخلي والتعرف هناك على زوجتي . بعد ذلك اللقاء الطريف، دعتنا هي  بعدئذ للتعرف على زوجها ووالدتها، وهكذا تطورت العلاقات العائلية بالتدريج، وعن طريقها دخلت مجتمع اللاجئين الروس في باريس، واكتشفت عوالمهم الثقافية الرائعة، اذ كانت لديهم عروضا سينمائية اسبوعية، ونشاطات ثقافية وادبية حول الادب الروسي ورجالاته،  وقاعة خاصة للمناسبات المختلفة، وكانت لديهم مكتبة عامة غنية جدا بالكتب والمصادر الروسية المتنوعة، ومخزن لبيع الكتب الروسية المختلفة، ودور نشر تصدر كتبهم ومجلاتهم وجرائدهم الروسية، وكانت لديهم قاعة خاصة للعروض الموسيقية، حيث تعزف فرقهم الموسيقى الروسية الكلاسيكية ويقدمون فيها الاغاني الشعبية ايضا، وينظمون مختلف الفعاليات الفنية بالمناسبات المرتبطة بتاريخ روسيا واعلامها وفنانيها، وكانوا بشكل عام بعيدين عن السياسة وعوالمها، رغم انهم كانوا يرتبطون روحيا بتاريخ روسيا القيصرية واحداثها التي عاشوها  اثناء ثورة اكتوبر 1917 والسنوات التي اعقبتها، وكان كل واحد منهم يمتلك قصتة الخاصة به، تتناول كيفية خروجه من روسيا وسفره عبر بلدان العالم، والمخاطر التي تعرض اليها، وكيف وصل الى باريس، وكيف بدأ بشق طريق الحياة الجديدة هذه ووو ..الخ ...، وكانوا يحبون الحديث التفصيلي عن كل ذلك، وكانوا يثقون بانهم سيعودون الى بلدهم عاجلا ام آجلا، وكنت بعض الاحيان اتناقش معهم حول هذه النقطة بالذات، وأقول لهم ، ان الاتحاد السوفيتي دولة قوية عظمى وتقف بثبات على الارض، الا انهم كانوا لا يتقبلون مني تلك الافكار، بل أذكر ان الدكتور نيكيتا ستروفه – الاستاذ في جامعة باريس آنذاك قال لي مرة، انهم يتوقعون انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن العشرين، لان هذه الدولة، حسب رأيهم، مبنية على اسس غير واقعية وليست علمية دقيقة وتتعارض مع طبيعة الحياة الانسانية (الحديث عام 1968 تقريبا)، ولم اتفق معه بتاتا حول ذلك، بل رفضت تلك الاقوال جملة وتفصيلا، فقال لي مستخدما المثل الروسي، الذي يمكن ترجمته باللهجة العراقية –  (نعيش ونشوف)، وقد تحدثت طويلا بعدئذ مع زملائي حول ذلك النقاش معه، معتبرا هذا الحديث نموذجا لعدم فهم اللاجئين الروس للواقع السوفيتي، ونسيت هذا الحديث بعد فترة، ولكني تذكرته في عام 1991 عندما انهار الاتحاد السوفيتي فعلا وبمثل تلك السهولة. ولا مجال هنا – بالطبع – للخوض في هذا الموضوع المعقد والشائك، والذي لازال يثير نقاشات حادة بين المواطنين الروس انفسهم لحد الان في الصحف والندوات التلفزيونية ووسائل الاعلام الروسية المختلفة حتى بعد مرور ربع قرن على ذلك الحدث التاريخي الكبير. لقد ذكرت هذا المثل هنا، كي أقول، ان الآراء التي سمعتها من بعض اللاجئين الروس في باريس آنذاك كانت صحيحة فعلا، وانها لم تكن عاطفية او سريعة كما كنت أظن  عندها، او انها جاءت رد فعل للهجرة من الوطن ليس الا، وانما كانت تعتمد على تحليل علمي سليم وطويل النفس، ولم نستطع نحن في مقتبل عمرنا ان نتلمسه او نحس به  عندما عشنا في روسيا ودرسنا في جامعاتها، خصوصا وانه كان لدينا رأي ايجابي مسبق  حول نظامها السياسي السوفيتي، رغم اننا لم نكن نعرف – كما يجب - خفاياه وشعابه وصفاته والصراعات المخفية في اعماقه ...الخ، اذ ان ذلك كله  كان يقتضي خبرة طويلة في معترك الحياة لم نكن نمتلكها في ذلك العمر اليافع، ولم نمتلك ايضا معرفة عميقة في تاريخ روسيا وخصائص شعبها والصعوبات التي كانت تعاني منها، بل اننا كنا نشاهد في مسيرة الحياة السوفيتية بعض الظواهر السلبية الواضحة، ولكننا كنا نحاول تبريرها بشتى المفاهيم الساذجة .

موضوع اللاجئين الروس خارج روسيا يستحق التأمل الهادئ والدراسة العميقة وتبادل الآراء المتنوعة بشأنه مع الآخرين من الذين تعايشوا مع هذه الظاهرة ، خصوصا وان الهجرة اصبحت – ومع الاسف الشديد -  جزءا من حياتنا اليومية في هذا الزمن الردئ .

 

ولد الفنان طه سالم عام 1930، دبلوم لخمس سنوات في معهد الفنون الجميلة، قسم فنون مسرحية. مؤلف مسرحي ومخرج وممثل حاز على جوائز عديدة بالإبداع والريادة. آخرها تكريم الجامعة للرواد العرب الثاني في الأدب المسرحي. يعد سالم من مؤسسي نقابة الفنانين في عام 1969 وعضو أول مجلس نقابة مركزي مَثَل في كثير من الأفلام العراقية وكتب حوار وسيناريو للسينما وكذلك عمل كمساعد مخرج وطبعت له عدة مسرحيات منها: مسرحية (فوانيس)، ومسرحية (حسن أفندي)، ومسرحية ( كتاب الجدار) التي تحتوي على ثلاث مسرحيات، ومسرحية (الدولاب)، وغيرها من المسرحيات. ويهاجم طه سالم في أعماله المسرحية، التي هي (طنطل) و(مامعقولة) و(البذرة) استغلال الإنسان للإنسان والظلم الاجتماعي في المجتمع العراقي.

 أن لغة نصوص طه سالم المسرحية (المنطوقة وغير المنطوقه) التي ميزت شخوص مسرحياته لم تكن ألا شفرات تؤثث لمعطيات جديدة عبر سلسلة متصلة، ومنفصلة من البث الإعلامي، مما شكل عبئاً في طريقة التعامل معها (إخراجيا) لا سيما في فترة ظهورها.

 تعتبر مسرحيات طه سالم، نقطة تحول وعلامة فارقة في خارطة وذاكرة المسرح العراقي والعربي، لأنها امتلكت عمقاً وخيالا غريبا، مفتوحاً على أفاق من التحليل والتغيير والتأويل، وهذا ما يجعلها مشاريع دائمة لعروض مسرحية.

 تقول د. شذى سالم عن أبيها : رغم أن رحلته مضنية وشاقة، ألا أنها تحمل الكثير من الفرح ففيها من الآلام والتحدي ما يعجز عنه اللسان، لكن الحمد لله تكللت بهذه الحصيلة الفنية وبالانجاز الذي سجله طوال مشواره مع المسرح وباقي الفنون، فانا فخورة بما حققه والدي، لاسيما انه أول من كتب بالتجريب وهذا واضح في نصوص أعماله التي أخرجها كبار فناني المسرح العراقي ولكن مع الأسف لم ينل استحقاقه مثل العديد من رواد الفن العراقيين.

 تضيف د. سهى سالم في قولها بان شهادتها مجروحة، فهو أنموذج للأب والمربي الفاضل وهو نصير للمرأة .يعد طه سالم، مؤلفاً مسرحياً وذخر للوسط المسرحي. فقد كان خطابه الإبداعي لم يتغير إزاء الأنظمة السياسية.

عدم نيل حقه ما زال طه سالم وقد تعدى الثمانين من عمره يشكو من ويذكر د.عقيل مهدي بحق هذا الفنان...

 مثل رواد كثيرين وأضاف تختزن ذاكرته بالأسماء الرصينة التي غيبتها النرجسية وغباء المنافسة غير الشرعية والعملقة الفحولية الزائفة.

 خص طه سالم ملحق “فنون” بالحديث عن سيرته قائلاً: كانت الولادة في مدينة الناصرية، نزحت عائلتي الـى بـغداد أواسط الثلاثينـيات، بـعد ان توفي والدي وأنا عمري ليلة واحـدة، عملت بنـاء وحـدادا وعامـل حفر آبار ارتوازية في شمال العراق وكاتبـاً فـي مجلس الأعمار ثم عينت معلماً ومشرفاً في النشاط المدرسي لانتقل الى الفرقـة القوميـة للتمثيل لأعمل كاتبـاً وممثلاً ومخرجا. أكملت دراستي فـي معهد الفنون الجميلة العام 1957 خلال دراستي فـي المعهـد قمـت بالتمثيل، فـي العديد مـن المسرحيـات وأبرزها (يوليـوس قيـصر لشكسبير وشهرزاد لتـوفيـق الحكيـم) وهـما مـن أخراج الفنان الكبير حقي الشبلي ومسرحية” هاملـت” أخراج إبراهيم جـلال. قال طه سالم عن المسرح العراقي الآن “لم يعد هناك تلك الأيقونات الجميلة التي كانت تخاطب الناس بالروح واللهجة العراقية..المسرح في العراق بعد أن ضاعت الهوية وصار البعض يسرق الأفكار ليقدمها من اجل ان يحصلوا على فرصة السفر الى الخارج.

 سالم الذي عانى في سنواته الأخيرة من مرض ضعف الأعصاب وارتفاع ضغط الدم العالي شكا من الإهمال الذي تعرض له وهو الذي رشحت مسرحيته” سكان المستنقعات”، التي قدمتها الفرقة القومية للتمثيل، في الثمانينيات ومعها عدد من مسرحياته، لنيل جائزة نوبل. سالم لم يتحسر عندما قال.. لم اشمل بمكافأة وزارة الثقافة.                                                                                            

  

 ا.م. لقاء محمد بشير حسن    

 جامعة بغداد/ كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

 

 

khalidjawad shbaylعندما أكمل طه حسين (1989-1973) دراسته في فرنسا، قفل راجعاً الى مصر مُرّحبَّاً به في الوسط الجامعي والأدبي في القاهرة بعد أن نال الدكتوراه العالمية من أعلى المنابر الأكاديمية الفرنسية، وسرعان ما رُسِّم أستاذاً في كلية الآداب من الجامعة المصرية التي كانت يومئذ أهلية. وهكذا تحمّس الدكتور الشاب الذي عاد مرتدياً الملابس الإفرنجية وخلع زي الأزهر التقليدي دون رجعة، ولا بد أن الأمر يتعدى الجانب الهندامي لرائد التغريب، فقد أراد أن يُفيد من المنهج العلمي الحديث الذي سيكون بديلاً عمّا عاناه من مناهج الأزهر التقليدية الثقيلة المحافظة! بل سيكشف عن ثورة تعتمل في داخله سيفجرها في بحثه الموسوم " في الشعر الجاهلي"!

ويذكر الدكتور في "أيامه" أنه كُلِّف عام 1919 بتدريس التاريخ اليوناني والروماني وابتدأ بالإغريقي تاريخاً وآداباً، ووضع مفردات المنهج، وحيث أن لموقع اليونان وجغرافيته القِدْحُ المُعلَّى في تكوين أساطير هذه البلاد وثقافتها وفلسفتها، فلا بدّ من شرح جغرافية اليونان على خريطة تبين تضاريسها وحدودها وجزرها وموقع جبل الأولمب الأعلى طرّاً فيها ومدن أثينا وتوأمها اللدود سبارطة .....الخ.

 ومن يلقِ نظرة على خريطة اليونان وهي نفسها خريطة الإغريق التي لم تتغير جوهرياً سيدركْ مدى صعوبة المهمة فهي بلاد التعرجات  الساحلية المحفوفة بجزر صغَر منها ما صغر وكبَر منها ما كبر متناثرة في بحر إيجة والتي تشكل حضوراً في الأساطير والمعارك والأدب الملحمي والفلسفي الذي وصل منه إلينا ماوصل وشكّل عنصراً من عناصر فلسفتنا العربية الإسلامية وثقافتنا وطبّنا التقليدي وحتى في قراءة الأبراج والطوالع التي تزدهر في أيامنا هذه وتقدمها وجوه ناعمة في كثير من الفضائيات!!

كان الدكتور طه حسين قلق الوساد من شرح جغرافية هذه  البلاد، حتى بادر "الصوت العذب" سوزان حسين في عمل مجسم من ورق المقوى رسمت عليه الخارطة المعقدة بكل تلافيفها وتضاريسها وجزرها .. وأخذت بيد زوجها الكفيف المرتعشة توجساً وراحت الأيدي تجوس الحدود والتضاريس والجُزر.. هذا هو جبل الأولمب وهذه أثينا وهذه اسبرطة وهذه كريتا وهذه قبرص... فانتقلت اليونان جغرافية وتاريخاً الى ذهنه الوقاد وترسّخت فيه وألقى الدرس على زوجته وأعاد حتى اطمأنت نفسها قبل نفسه أنه أصبح مكيناً في إلقاء الدرس.. والقى الأستاذ على طلبة جغرافية اليونان فأبدع أيما إبداع وأدهش مستمعية وكان راضياً عن نفسه كل الرضا..

لقد أوحت هذه الدروس لطه حسين الى تأليف كتابين هامين عن اليونان ألا وهما " من أدب التمثيل اليوناني" و "نظام الأثينيين"، وبذلك كان الرائد في ما كتب عن أدب اليونان، لاعتقاده: أنْ لا يمكن للمرء أن يكون مثقفاً ما لم يُلمَّ بأدب وفلسفة وحضارة وتاريخ وميثولوجيا بلاد الإغريق! ولأجل هذا شجّع تلميذه النجيب " دُريني خشبة" ( 1903-1965) أن يترجم الميثلوجيا اليونانية متمثلة في ملحمتي الشاعر هوميروس "الإلياذة" و"الأوديسة" كأحسن ما تكون الترجمة وهناك من بالغ واعتبرها قد فاقت النصوص الأصلية! 

***

أول مرة وطأت فيها قدماي أرض بلد أجنبي هي بلاد اليونان وما زلت أذكر التاريخ 3ت1/أوكتوبر1970، يومها كان مطار أثينا صغيراً جداً والمدرجات  مداها بين البحر والجبل ضيّق أيما ضِيق؛ لقد تغيرت هذه البلاد المشكوك في أوربيتها من ناحية التاريخ والثقافة خلاف الجغرافية التي ظلت دهوراً مقسومة بين الأناضول وعاصمته الساحلية طروادة واسبرطة الأوربية! وكم من معاركَ خلّدتها الملاحم اليونانية واقعاً بسبب التنافس بين الدويلات والأقاليم من أجل السيطرة على الممرات المائية والطرق التجارية؛ وأسطورياً كما في الألياذة التي تحكي أحداث حرب طروادة – اسبرطة، حين تم اختطاف الأميرة هيلين الجميلة زوجة منيلاوس ملك اسبرطة من قبل ابن ملك طروادة الأمير باريس؛ وقد قاد أغاممنون أخو منيلاوس حرباً شعواء لاسترجاع الاميرة، واستمرت الحرب عواناً أربعة وخمسين يوماً تتوزع على اربعة وعشرين فصلا...في قسمها الأول الذي احتوته الألياذة و تعني حرفياً "حرب اليوم"..والتي انتهت بمصرع قائد طروادة هيكتور على يد البطل المقاتل الاسبارطي إيخيل..

لتبدأ "الاوديسة"؛ وبطلها المحوري المقاتل البطل عوليس صاحب فكرة حصان طروادة، الذي جهّز جيشا من المقاتلين وعبر البحر وترك زوجته بانتطاره لعشر سنين لاقى فيها من الويلات بسبب غضب إله البحر بوسيدون وتخاذل القوة البحرية فتفرق الشمل ورجع المقاتلون ووجد عوليس زوجته المخلصة بانتظاره وقد رفضت الزواج من عديد من الأبطال الأشداء فيرجعُ زوجها لها وينتقم من كل مضطهديها!...

****

لم يعد مطار أثينا ذلك المطار الضيق، بل هو واسع كبير حديث مرتبط بشبكة مترو متطورة ذات قُطٌر حديثة توصلك الى مركز أثينا بأربعين دقيقة! وربطت المدينةَ وضواحيها شبكةُ مواصلات بالحافلات والترام إضافة لشبكة تحت الأرض، وقد توسعت أثينا وتجد حركة البناء جارية على قدم وساق بما في ذلك حصن الأكروبول.. بيد أن أثينا لم تواكب هذا التوسع بالنسبة للخدمات خصوصاً من ناحية النظافة وتنظيم المرور، وبدت مزدحمة بالناس من أهل البلاد ومن الوافدين اليها لاسيّما اللاجئون الذين تقطّعت بهم السبُل في هذه المدينة التاريخية المهيبة؛ إذ يشكل السوريون والعراقيون نسبة عالية - عرباً وكرداً- وافغانُ وهنودٌ وأفارقة.. وبذلك تجد محلات بيع المواد الغذائية والمطاعم عربية، عراقية وسورية ومصرية، وستجد مطعم النارالازلية باباكَركَر يوفّر وجبات عراقية جيدة ...

وبانضمام اليونان للوحدة الأوربية ذهبت عملتها الوطنية التي بقيت متداولة دهراً وأعني بها "الدراهما" والتي منها جاءت تسمية الدرهم (وكذلك ديناريوس)، لتحل محلها الأورو قسيمة معظم دول الوحدة الأوربية. ولم يحلّ انتماؤها هذا أزماتها الاقتصادية ومديونيتها للغرب، كم بقي مؤشر البطالة مرتفعاً؛ ولوجود الأجانب بشتى الصفات ثقل إضافي يرهق كاهل الاقتصاد، حيث يزاحم اللاجئون اليدَ العاملة اليونانية، حتى أصبح الماشي في الشوارع والأسواق يسمع مختلف اللغات، كما أن ارتفاع الاسعار والتضخم أصبحت سمات ملازمة للاقتصاد اليوناني؛ على أن السياحة مازالت تجذب الأجانب من الغربيين مما يخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية فقد نمت في السنتين الأخيرتين على حساب السياحة التركية والمصرية! حتى أصبح من الصعب الحصول على فندق مالم يكون الحجز مسبّقا!

 1084-jawad

متحف الأكروبول

لقد بدأت الحداثة تزحف على الأصالة وبدأت الوجبات السريعة تنتشر لتنافس الأطباق اليونانية، وأكثر من هذا ظهرفي المعالم المعمارية الحديثة التي لم تستوح المدرسة الاغريقية ذات الأعمدة والمحمولات الهندسية التي عبّرت عنها الأوابد الأغريقة كما في الأكروبول، حتى أن متحف الأكربول الذي صممه المعماري السويسري رائد الاتجاه التفكيكي برنار جومي (1944-) ودُشن عام 2009 لم يكن امتداداً للتقليد المعماري الاغريقي ولم يكن حتى مستوحىً منه بل متعارض معه كل التعارض وقد لاقى اعتراضا كبيراً من قبل المعماريين اليونانيين حتى أن حملة معارضة واسعة قادها عالم الرياضيات اليوناني نيكوس سالينغاروس زاعماً أنها إساءة للتراث اليوناني! وفضلوا عليه ذالك المتحف الصغير القديم القابع في الزاوية الجنوبية الشرقية من الأكروبولس والذي الغي عام 2007..

احتوى هذا المتحف على مجموعة هائلة من التماثيل الحجرية والبرونزية التي عُثر عليها في الأكروبول وخاصة في معبد برثينون، وكذلك من خلال الحفريات على سفوح الجبل.. وما زالت الحكومة اليونانية تطالب بإلحاح باسترجاع مكنوناتها ومجسماتها التي استودعت في المتحف البريطاني وكذلك في اللوفر ..

 

للموضوع صلة

رام كم هنغ 6/ت1/ 20016

 

ينحدر دون بيرو لوبيث دي آيالا من احدى عائلات النبلاء التي سبق لها وان استفادت من الحروب الداخلية بين بيدرو الاول وانريكه الثاني . تولى بيرو لوبيث العديد من المناصب الدبلوماسية في السفارات، ومنها في الفاتكان وفي بلاط الملك الفرنسي – الذي تردد عليه ست مرات -، مما اتاح له فرصة اللقاء والتعرف على اكبر كُتاب تلك الفترة . وقع اسيرا في معركة الخوباروتا سنة 1385 وسجن في قلعة اوبيدوس، حيث بقي فيها مايقارب العامين والنصف، وهي الفترة التي كتب فيها الجزء الاكبر من عمله (مقفى القصر) . وفي سنة 1398 تم تعيينه مستشارا كبيرا لقشتاله من قبل الملك انريكه الثالث .

في بلاط الملكين كارلوس الخامس وكارلوس السادس، لا بد ان بيدرو لوبيث تعرف على ابرز الكُتاب الفرنسيين في عصره، امثال جريستين دي بيسان وجيان جرسون، وربما في واحدة من رحلاته الست الى فرنسا اقام علاقة مع خوان دي بيري الدوق الكبير المولع بالكتب . ومن جهة اخرى في اثناء اداء مهامه في الفاتيكان، قد التقى بالمعلم الكبير خوان فيرنانديث دي هيريديا، ناشر التيار الانساني ومترجم العديد من الكتب . وبعد عام 1400 عمل دون بيرو لوبيث دي آيالا مؤدبا لابناء قائد الاسطول البحري دون دييغو هورتادو دي ميندوثا وكان بينهم ابن اخيه انتيغو الذي سيصبح مستقبلا ماركيز سانتيانا .

لا يمكن التفكير بان المستشار آيالا قد كان منتميا الى التيار الانساني، فاعماله متأثرة بتقاليد العصر الوسيط الاكثر اصالة ولكنه بلا شك قد كان نقطة التمهيد والسند للذين جاءوا من بعده، فقد قدم وعرف بكتب لم تكن معروفة سابقا في اسبانيا، كما يشير ابن اخيه فيرنان دي غوميث، وهيأ مناخا من الاحترام للثقافة بين النبلاء في عائلته وبين بقية الانساب المهمة في قشتالة . وعدا مؤلفاته، ترجم آيالا العديد من الكتب الى الاسبانية منها: (أخلاقيات) لسان غريغوريو، و(عقود) لتيتو ليفيو، وبعض اعمال بوكاثيو، وبرهن على انه يعرف آخرين غيرهم من الكتاب الكلاسيكيين .

اما اهم مؤلفاته المستشار آيالا فهو بلا شك كتابه (مقفى القصر) والذي امضى جزءا كبيرا من حياته في تأليفه . في هذا الكتاب ينتقد المجتمع في عصره بما في ذلك رقابة الكنيسة والكثير من المؤسسات المدنية . بعد ذلك يتطرق آيالا الى مسألة الشقاق الغربي ويبرزها كنوع من الاحتجاج الكبير من قبله على الازمة الروحيه في العالم، وينتهي مستشهدا بالكثير من عبارات سان غريغوري في عمله (أخلاقيات) وكذلك بقصة النبي الصابر ايوب . وهو من خلال اسلوب محكم يدعو للعودة الى الاخلاقيات التي تم فقدها في السبيل الوحيد لاستعادة التوازن . وفي خلفية طروح كتابه هذا يمكن التعرف على كل المشكلات ومن شتى الصنوف التي كانت تعانيها قشتالة في النصف الثاني من القرن الرابع عشر والتي امتدت حتى اوائل القرن الخامس عشر .

ان استخدام المنهج التقليدي وصفة الاسلوب التعليمي – الاخلاقي في هذا الكتاب، انما يدل على انتماء المؤلف لطبيعة الجمالية القديمة . يجمه اجناسا مختلفة من كتاباته ومنها الشعر طبعا . وهو مثل آرثيبريسته دي هيتا، يوحد اشعاره على خيط شخصي، الا وهو استخدامه لضمير الشخص الاول المفرد، الا انه يختلف عن دي هيتا بكونه لا يترك مكانا للسخرية، بل على العكس من ذلك، حيث يغلب عليه طابع الجدية والثقة وروحيته المتشائمة . 

 

http://www.mcnbiografias.com/app-bio/do/show?key=lopez-de-ayala-pedro

 

استمرارا لسلسلة مقالاتي الاربعة حول رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، والتي لم يشاركني بها أحد مع الاسف الشديد، رغم النداء الذي وجهه الزميل المهندس ضياء العكيلي (الرئيس الثالث للرابطة) لجميع اعضاء الرابطة للمساهمة بكتابة تاريخها ومسيرتها ومساهمتها في حياتنا العراقية المعاصرة، قررت اختتام هذه السلسلة بقائمة باسماء الراحلين، وأضفت لها كلمة (بعض)، لأني متأكد تماما اني لا أقدر بوحدي، وعلى وفق ذاكرتي وانا في العقد الثامن من عمري، ان أذكر او اتذكر او اعرف كل اسماء هؤلاء الزملاء الذين رحلوا، وأدعو الجميع ان يكملوا هذه القائمة، احتراما لذكراهم بالاساس، وحفاظا على تاريخ رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، التي تأسست عام 1960 في موسكو ، ولعبت دورا هاما وطليعيا في مسيرة الحركة الطلابية العراقية آنذاك، والاشارة ايضا الى المكانة التي شغلها خريجو الجامعات الروسية في ما بعد في المجتمع العراقي بشكل عام.

الاسماء طبعا حسب الابجدية، وقد حاولنا فيها – قدر المستطاع – تقديم تلخيص وجيز جدا لبعض المعلومات حول كل واحد منهم .

ض.ن.

..............

د. احسان فؤاد – دكتوراه في الاداب، شغل منصب مدير عام الدراسات الكردية في وزارة الاعلام والثقافة . استاذ جامعي . شاعر وباحث ومترجم. /// د. أحمد النعمان –  دكتوراه في تاريخ الفن، فنان تشكيلي وروائي وباحث ومترجم. توفي في لندن ودفن هناك /// د. ادهام يحيى سليم – دكتوراه في الاداب . استاذ جامعي . شغل منصب رئيس قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد . /// آزا الدوغرمجي –  ماجستير في الهندسة . توفي في لندن ودفن هناك ./// د. أمين الشيخلي – دكتوراه في الطب . /// د. توفيق رشدي – دكتوراه في الفلسفة . تم اغتياله سياسيا في اليمن ودفن هناك ./// جبار حاجم – ماجستير في القانون. توفي في موسكو ودفن هناك. انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو./// د. جبار الدباغ – دكتوراه في الهندسة المعمارية . توفي في موسكو ودفن هناك . انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو . /// د. جلال الماشطة – دكتوراه في الصحافة . شغل منصب سفير الجامعة العربية في روسيا الاتحادية . سياسي و صحافي ومترجم . توفي في موسكو ودفن هناك ./// د. جليل كمال الدين – دكتوراه في الاداب . استاذ جامعي . باحث ومترجم. انظر مقالتنا بعنوان –  وداعا جليل كمال الدين، العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه. /// د. حامد الشيباني – دكتوراه في الجيولوجيا. تم اعدامه لاسباب سياسية بالعراق في سبعينيات القرن العشرين./// حسام خالص – ماجستير هندسة . /// حسن كريمي – ماجستير هندسة . /// د. حسين قاسم العزيز- دكتوراه في التاريخ . استاذ جامعي . سياسي وصحافي . انظر مقالتنا بعنوان – عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو ( 10) /// حميد البكري -  ماجستير في الكيمياء./// حميد الدجيلي – ماجستير هندسة . عضو بارز في اتحاد رجال الاعمال العراقيين./// د. حياة شرارة – دكتوراه في الاداب. استاذة جامعية . روائية وباحثة ومترجمة. انظر مقالتنا بعنوان – حياة شرارة والادب الروسي في العراق / ومقالتنا بعنوان – ثلاث نقاط حول كتاب بلقيس شرارة – هكذا مرت الايام ./// خالد الزبيدي – ماجستير في الهندسة المعمارية .  /// د. خليل الجزائري – دكتوراه في الاقتصاد . رابع رئيس رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي . تم اغتياله لاسباب سياسية بالعراق في التسعينات. /// خليل الطائي – دكتوراه في القانون . استاذ جامعي./// د. زاهد محمد – دكتوراه في الاقتصاد. شاعرشعبي مشهور وناقد ادبي وباحث . توفي في لندن ودفن هناك . /// د. سامي السعد – دكتوراه في القانون ./// د. سعد البدري – طبيب . /// د. سعد الجوهر – دكتوراه في القانون . /// سعود الناصري – ماجستير في الصحافة . سياسي وصحافي وفنان (عازف ومغني) . توفي في سوريا ودفن هناك. /// شاكر السامرائي – ماجستير في الهندسة المعمارية . توفي في موسكو ودفن هناك . انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو . /// د. شمس الدين فارس – دكتوراه في الفن الجداري . استاذ جامعي . تم اعدامه لاسباب سياسية في الثمانينات . لوحاته الجدارية لازالت موجودة في بغداد وموسكو. باحث ./// د. عباس الدباغ – دكتوراه في الاقتصاد . استاذ جامعي . شغل منصب عميد كلية في اليمن . باحث. /// د. عبد الله العامري – دكتوراه في الهندسه. /// د . عبد الجبار عطيوي – دكتوراه في التاريخ . توفي في المانيا ودفن هناك ./// د. عبد الرزاق مسلم – دكتوراه في الفلسفة . استاذ جامعي . باحث . تم اغتياله في البصرة في السبعينات . انظر مقالتنا بعنوان – عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (1)/// د. عبد الرضا الهر – دكتوراه في الفيزياء .توفي في مسقط ودفن هناك . /// د . عبد العزيز وطبان . دكتوراه في الاقتصاد . سياسي . توفي في المانيا ودفن هناك ./// د. عبد الوهاب الجواهري – دكتوراه في الفيزياء . توفي في موسكو ودفن هناك . انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو . /// د. عدنان شفيق الزبيدي –دكتوراه في الزراعة. انظر مقالتنا بعنوان – عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (9)  /// عزيز حداد – ماجستير في فن السينما . توفي في السويد ودفن هناك .///  عدي عجينه – ماجستير هندسه . توفي في موسكو ودفن هناك ./// غازي العبادي – ماجستير في الاداب . روائي وقاص وصحافي ومترجم . انظر مقالتنا – عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (12)/// غريب رياح – ماجستير في الجيولوجيا ./// فايق ابو الحب – مترجم . توفي في موسكو ودفن هناك. انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو ./// د. فتاح العاني – دكتوراه في البايولوجي. استاذ جامعي. /// فريد الله ويردي - موسيقار. توفي في ايرلندا ودفن هناك. مؤلف اول سيمفونية عراقية . /// قاسم محمد – ماجستير في الفن المسرحي . مخرج مسرحي مشهور وممثل وكاتب مسرحي. انظر مقالتنا بعنوان – عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو(11)/// د. كاوس  قفطان – دكتوراه في التاريخ . استاذ جامعي. قاص وباحث . /// كريم الراوي – ماجستير في الاداب . توفي في موسكو ودفن هناك. انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو ./// د. ماجد علوش – دكتوراه في الفيزياء . توفي في موسكو ودفن هناك . انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو ./// د. ماجدة عبد الرضا – دكتوراه في البايولوجي . /// د. محمد علي الماشطة – دكتوراه في الاقتصاد . اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي ومن مؤسسيسيها الاوائل . /// د. محمد يونس – دكتوراه في الاداب . استاذ جامعي . شغل منصب رئيس قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد . باحث ومترجم. انظر مقالتنا بعنوان – محمد يونس والادب الروسي في العراق./// د. مجيد بكتاش- دكتوراه في الاداب . استاذ جامعي . باحث./// د. معروف خزندار – دكتوراه في الاداب . استاذ جامعي . باحث ومترجم . انظر مقالتنا بعنوان – عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو (1) /// د. مكي عبد الكريم المواشي . دكتوراه في الاداب . استاذ جامعي . باحث ومترجم ./// نوار أحمد الاوقاتي – ماجستير في الفيزياء . توفيت في لندن وتم دفنها هناك. /// د. نوري السامرائي – دكتوراه في التاريخ. استاذ جامعي. باحث./// د. هادي عوض – دكتوراه في الكيمياء . استاذ جامعي . شغل منصب رئيس هيئة الطاقة الذرية، وكذلك منصب رئيس جامعة صلاح الدين في السليمانية.

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لما كتبه مبارك (باروخ) بن سعد المفرجي (المرحيڤي) بالعبرية ونُشر في الدورية السامرية أ. ب.-أخبار السامرة، عدد ١٢٠٩-١٢١٠، ١٥ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٣-٢٥. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات على الأقلّ بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

في ما يلي قصّة شاهد سماع وعيان للهزّة الأرضية التي ضربت نلبلس يوم الاثنين الموافق لـ ١١ تموز عام ١٩٢٧ بُعيد الساعة الثالثة بعد الظهر، واستمرّت سبع ثوانٍ، وأسفرت عن تدمير ثلث منازل نابلس. مركز الهزّة التي أرّخ بها كبار السنّ، طالت مدنًا أخرى مثل القدس واللد والرملة ويافا وأريحا وطبريا. يذكر أن رئيس بلدية نابلس في ذلك الوقت، كان السيّد سليمان عبد الرزاق طوقان (أغتيل في بغداد عام ١٩٥٨). 

”الوقت صيف عام ١٩٢٧، كنت عندها ابن ثلاثة عشر ربيعًا، ولكنّي أذكر كلّ شيء وكأنّه حدث لي اليوم. ليأتوا اليوم ليعلّموا كيفية تنظيم الأمور، كما كنّا منظّمين آنذاك، لا سيّما بخصوص تربية الأولاد والشباب. آونتها عملت وموّلت مدرسة تابعة لقسم التربية في الإدارة الصهيونية، استقبلت جميع الأولاد والشباب السامريين في نابلس. تعلّم الصبيان والبنات هناك التوراة والتقاليد السامرية، ودرسنا العربية والحساب أيضا. كانت هذه مدرسة عبرية-سامرية عامّة. مدرّسو المواضيع السامرية كانوا الكهنة، إبراهيم بن خضر (فنحاس) وأبو الحسن (آب حسده) بن يعقوب، أمّا معلّم العربية والحساب فكان الكاهن صدقة بن إسحق [في نهاية مخطوط في حوزتي، لتاريخ أبي الفتح السامري، فيه ١٦٦ صفحة، نسخها أبو الحسن ابن يعقوب الكاهن (ت. ١٩٥٩) في ١٩ جمادى  الاول سنة ١٣٥٢ عربية الموافق ليوم الثلاثاء ٢٠ أيلول ١٩٣٢، ص. ١٦٦ نجد الآتي: ”وهذه المدرسه كان فيها تعليم القرايه والكتابه وامور الصلوات والتراتيل والتفاسير والعلوم العربية الفنيه والصرف والنحو والجغرافيه والحساب ولغات الانكليزيه وكانت فيها من المعلمين العبرانيه تلاتة معلمين وهم ابراهيم ابن خضر الكاهن وابو الحسن ابن يعقوب الكاهن وعمران ابن اسحق الكاهن بمناظرة الكاهن الاعظم يعقوب المار ذكره الذى لم كان يبرح من المواظبه والتفتيش على هذه المدرسه يوميًا رحمه الله وعفا الله تعالى عن ماسسها المار ذكره وتوفى الامام المذكور في ليلة الشهر التانى من سنة ١٣٣٣ عربية رحمة الله عليه وربنا يعوض على هذه الطايفه بمن هو عوضه امين وكان قبل وفاته رحمه الله بسنتين اقام في الامامه قدام الجماعه ابن عمه الامام اسحق ابن عمران وبقي هو ريسًا لنت البركه فقط...“؛ لاحظ عدم ذكر الكاهن صدقة هنا، مناظرة بمعنى نظارة ، إدارة، ماسسها أي مؤسسها وهو وورن!!].

كنّا نخاف جدًّا من ثلاثتهم، وبنحو خاصّ من الكاهن صدقة، الذي كان شابًّا وأقوى من الكاهنين الآخرين. إن رأته مجموعة من الفتيان ماشيًا في طرف الشارع، أخذ كلّ واحد منها يبحث عن مخرج للهروب والاختفاء عن عينيه، كان قاسيًا جدّا.سكن جميع السامريين في الحيّ القديم، ياسمين، المعروف أكثر باسم ”حارة الياسمينة“، في بيوت كبيرة، ولكل عائلة غرفة ذات فِناء داخلي، كما كانت حال البناء في عهد الأتراك. كلّ حمولة كانت تسكن في منزل كبير خاصّ بها. عائلة مفرج (مرحيڤ) كانت في بيت كبير منفرد؛ وكذلك العائلات صدقة والطيف وسراوي (سودي) وشلبي ومسلم (مشلمه)، أمّا أسرة الكهنة فسكنت بجانب الكنيس القديم. في الأوقات العصيبة، كانوا يغلقون البوابة الرئيسية، وبقوا داخل الساحة الداخلية. 

مدرستنا كانت في بيت عائلة عزّت (عزّي) بن إسماعيل السراوي (السودي)، كنّا نتجمّع في غرفة كبيرة من الصباح وحتّى بعد الظهر. ندرس، نكتب ونحفظ عن ظهر قلب.

حدث ذلك ذات يوم، في حصّة اللغة العربية مع الكاهن صدقة بن إسحق. في حصّته كان الهدوء مخيّمًا كليًّا على الصفّ. لم ينبس أحد ببنت شفة بدون إذن، وإلا فبئس مصيره. وعندما كان الكاهن يعاقب أحدَ التلاميذ جلدًا بالسوط على المؤخّرة، تطوّع دائمًا آخرون من الصفّ، ليمسكوا بيديه ورجليه.

تعلّمنا العربية في كتاب اسمه مدارج في مبادىء اللغة. عندها، كان الكاهن صدقة يقف أمام الصفّ، يبدأ بقراءة ما فيه من قصائدَ كثيرة مبثوثة في ثناياه. ما زلت أذكر القصيدة حتى هذا اليوم. استهلّ الكاهن منشدًا: أشرقت الشمس وقد ولّى الظلام هاربا. بالطبع، نطق الكاهن صدقة الكلماتِ بنبرة هكذا: أشرقتو الشمسِِ وكد ولله الزالامو هاريبان [في الأصل بالحروف العبرية ونقحرتها كما هي؛ هذا البيت الأوّل مأخوذ من قصيدة قصيرة بعنوان: شكرًا لله للشاعر اللبناني جرجس نجم همّام، ١٨٥٦-١٩٢١، أنظر مثلًا: http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=1596 ]. ما أن لفظ الكلمتين الأخيرتين ”الظلام هاربًا“، أخذ الكاهن يصرخ بصوت عالٍ - يا لطيف، يا لطيف، كنية لله في العربية، تقال عند الاستغاثة. في الواقع، شعرنا فجأة أنّ الكراسي والطاولات الصغيرة تهتزّ والجدران من حولنا تتحرّك، وظهرت شقوق فيها. إنّه الزلزال! صاح الكاهن صدقة، هيّا اهربوا وانجوا بجلدكم!

كان الذعر الشديد سيّد الموقف، تدافعنا نحو المخرج، ولحسن حظّنا كنّا قلائل فتمكنّا من الخروج دون تزاحم إلى الشارع. وكان الكاهن صدقة، قبل أن فرّ هاربًا قد حذّرنا، يجب الصعود إلى الجبل، لأنّه  عرف أن الهزّة الأرضية تتكرّر موجة إثر موجة، وإن رغبنا في الحياة، فنحسن صنعًا إن فررنا بسرعة.

خرجت إلى الشارع المظلم الذي كان مليئًا بالغبار والسخام. عرفت أنّه عليّ أوّلًا قبل الاهتمام بنفسي، أن أتفقّد أحوال أقاربي. ركضت فورًا إلى بيت عائلة مفرج، ولم أجد هناك إلا الشيخ إفرايم (إفريم ) بن رزق (شت) الذي ضمّني فرحًا لأنّي ما زلت حيًّا أرزق، وأخبرني أنّ بقيّة أفراد العائلة قد هربوا إلى حيّ رأس العين. خرجت ثانية إلى الشارع، وقبل أن أتوجّه يمينًا أو شمالًا، صادفني الكاهن واصف (آشر) بن توفيق (مصليح) الذي حمّلني على ظهري فرشة، وأمرني بنقلها إلى المقبرة السامرية في رأس العين. لم أجرؤ بالطبع على عصيانه، قمت حالًا بما طلب، ركضت والفرشة على كتفيّ إلى رأس العين، وهناك وجدت أغلبية السامريين خائفين من هزّة أرضية قادمة في كلّ لحظة. أنزلت الفرشة وهممت بالرجوع لإحضار أغراض أخرى، إلا أنّ أفراد عائلتي حذّروني حتّى من التفكير بذلك، كيلا أُقتل كما قُتل السامريّ سليم (شالوم) بن عبد الله الدنفي.

بدأ بعض السامريين بنصب خيام كبيرة في القسيمة الفارغة من القبور، في المقبرة المعروفة باسم ’النمرود‘. كنّا نستعمل تلك الخيام في أيّام عيد الفسح على جبل جريزيم. كانت تلك خيام كبيرة - سيوانية - (خيمة كبيرة نصفها الأسفل مستدير ونصفها الأعلى مخروطي، ١٨ خيمة كهذه أهداها وورن للسامريين لاستعمالها في عيد الفسح؛ أشكر صديقي بنياميم راضي صدقة على هذه المعلومة، رسالة إلكترونية ١٣ تموز ٢٠١٦) تبرّع بها المحسن الأمريكي وورن للسامريين في بداية القرن العشرين. كانت هذه مناسبة أخرى لذكر اسمه بالخير [سهو من الكاتب، لم يذكر الاسم إلا هنا، إدوارد كيرك وورن, Edward Kirk Warren ١٨٤٧- ١٩١٩، تعرّف على السامريين سنة ١٩٠٣ وكان عرّابًا لهم حتى مماته؛ اقتنى بعض المخطوطات السامرية من الكاهن إسحق بن عمران الذي كان حينذئٍذ نائب الكاهن الأكبر]. 

كنّا نعلم أنّ الجانب الغربي من جبل جريزيم، إلى اليمين من الطريق المؤدّية إلى الجبل، أكثر أمانًا من الشارع الضيّق في الحيّ السامري القديم، هناك كان خطر انهيار البيوت على رؤوسنا قائما. هنا، ما كانت بيوت، بل قطعة أرض كبيرة فارغة، وبجانبها الجنوبي قبور آبائنا.

ما العمل؟ لا يحترس الإنسان وقت الخطر. مع هذا، كانت لهذا المكان أفضلية إضافية، في مركزه نبعَ من بطن الجبل نبْع يتدفّق بقوّة. بالماء والورع يستطيع المرء أن يتدبّر أمره/يمشّي حاله. بدأنا أوّلًا بنصب خيمتين كبيرتين، خيمة للصلاة وخيمة للكاهن الأكبر، إسحق بن عمران، الذي لم ينقطع عن تهدئتنا. بعد ذلك نُصبت على الجبل بقية الخيام، ولا أحد كان يجرؤ حتّى على التفكير، بالعودة إلى الحيّ. الكنيس تضرّر قليلًا وبقي مقفلًا، أحضروا منه فقط مدرّج التوراة ليرفع عاليًا، وبعض نسخ مجلّدة من التوراة، لقراءة النوبة/فصل السبت. 

في يوم الجمعة، تذكّر الجميع أنّ الشيخ إبراهيم بن مفرج صدقة الصباحي وزوجته ليسا بيننا. سكن أولاده في يافا وهو عاد من هناك إلى نابلس، كيما يقضي آخر أيّامه في ظلّ جبل جريزيم. كان يسكن في بيت خارج الحيّ السامري.

بعث الكاهنُ الأكبر إسحق بعضَ الشبّان للبحث عنه. عادوا وقالوا إنّهم وجدوه يصلّي. انتظروا طويلًا حتّى أنهى صلاته الصباحية. تبسّم لهم مستفسرًا عن سرّ قدومهم. سألوه بقلق، فيما إذا حدث له شيء ما. استغرب من سؤالهم، وعندها أخبروه بما حدث، عن الزلزال. 

إبراهيم بن مفرج لم يُخف دهشته ممّا قالوا، وقال لهم إنّه يسمع عن ذلك للمرّة الأولى، لم يعرف شيئًا قطّ عن الزلزال. جدول أعماله، لا يسمح له بالتفرّغ لشؤؤن هذه الدنيا. يقسّم يومه بين نظم الأشعار الدينية وبين الصلاة والتعبّد. عندما سمع الخبر، رفع رأسه إلى العلى وقال: سبحانك يا ربّي الّي ما أدريتني فيها [في الأصل بالحروف العبرية: فيهه]، قصد بالطبع الهزّة الأرضية. لم يسمح للشبان مغادرته إلا بعد أن احتسوا القهوة. ولكي يخفّف من وطأة مفاجأتنا وهياج فؤادنا قال لنا: هذه هي الطريق التي بها يجازي الله مؤمنيه المتمسّكين به.

بقينا في ’النمرود‘ ثلاثة شهور، حتى مساء الشهر السابع. عندها تمنطقنا بالشجاعة ونزلنا لتصليح  ما أصاب بيوتنا من شقوق وتصدّعات، بمال قَرْض ضئيل تسلّمناه من الحكومة. سكنّا في بيوت الحيّ القديم سنتين أخريين، قبل أن ننتقل إلى حيّ السامريين الجديد، الحالي.“

 

ترجمة حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

mohamad hashimmhaisinثربانتس  مؤلف رواية (الكيخوتة El Quijote) الشهيرة التي تعد الأثر الكبير في الأدب الاسباني وأساساً للرواية الأوربية الحديثة، هو  واحد من عظماء  الادباء الذين انجبهم الادب الاسباني  كاتب مسرحي وروائي وقصصي . كانت حياته مليئة بالمعاناة والإحباطات. فوالده كان بيطاراً متواضعاً يتردد عليه القليل من المرضى، فضلاً عن كونه رجلاً نبيلاً ، وينتمي إلى طبقة فقيرة من المجتمع الاسباني.

ولد (ميغيل دي ثربانتس Miguel de Cervantes)، بمدينة (قلعة اينارس Alcala de Henares) عام 1547، وتوفي في مدريد سنة 1616، انتقل إلى مدينة ( بلد الوليد Valladolid) ومن ثم (مدريد) وترك دراسته، في عام 1569 ابحر الى  (روما Rome)، الايطالية هربا من عواقب الحزن، وعمل هناك مدة من الوقت ، وبعد ذلك التحق  في الفرقة الاسبانية العسكرية التي كانت موجودة في ايطاليا وأبحر معها من اجل النضال ضد الأتراك في معركة (ليبانتو lepanto) البحرية التي وقعت عام 1570، بين الأسبان والأتراك، وفي تلك المعركة أصيب بيده اليسرى التي ظلت مشلولة طوال حياته، ولكن ذلك كان يمثل له رمزاً ظل يتفاخر به طوال حياته،وشارك في حملات عسكرية أخرى، ومن ثم مكث مدة من الزمن في مدينة (نابولي Naplos)، وعند عودته إلى اسبانيا عام 1575، قامت مجموعة من  القراصنة باسره لأنه كان يحمل شهادات شكر وتزكية وقعها شخصيات عظيمة لذلك فقد ظن أولئك القراصنة بأنه رجل ذو شأن عظيم فقبضوا عليه وطلبوا مبلغاً كبيرا  من المال من أجل أطلاق سراحه.

خلال الخمس السنوات التي قضاها في الأسر حاول أن يهرب عدة مرات مع زملائه الآخرين، ولكن كان ينكشف في اللحظات الأخيرة، وفي أحدى المرات قرر عدد من رهبان الرحمة أن ينقذوه، ولكنه فضل أن يتم إنقاذ أخيه الذي كان معه في الأسر أيضا. وفي النهاية وبعد مرور مدة من الزمن تمكنت عائلته وبعض من الرهبان بأن يدفعوا المبلغ ليتم إطلاق سراحه بعد أن كان على وشك أن ينفي إلى تركيا. إن تجربة الأسر تلك كانت الموضوع الرئيس لبعض أعماله لاسيما في فصول رواية (الكيخوته El Quijote). وقد عاد إلى اسبانيا دون أن يحصل على شيء لذلك قرر أن يهاجر إلى أمريكا بحثاً عن الشهرة والحظ، وحاول أن يبرز نفسه في مجال الأدب حيث كتب بعض القصائد الشعرية التي كانت مستوحاة من قصائد أخرى- ماعدا البعض منها- وبين عام 1582 و1587 كتب أعمالا مسرحية وبعضاً من التراجيديا الكلاسيكية وضمن هذا الاتجاه كتب عدد من الأعمال مننها:-

(معاملة الجزائر El Trato de Argel)، و(حصار نومانثيا El cerco Numancia)، ولكن في تلك المرحلة كان الاهتمام منصب على مسرح (لوبة دي بيكا Lope de vega)، وعلى المسرح  التقليدي في العصر الذهبي، لذلك خابت كل آماله بأن يصبح كاتباً مسرحياً معروفاً. إلا أن حصل على الشهرة في أيامه الأخيرة وذلك بفضل النجاح الذي حققته روايته الشهيرة (الكيخوتة El Quijte)، ومن جانب آخر فقد تجرأ على نشر ثماني كوميديات وثمانية فواصل مسرحية جديدة لم تكن معروضة البتة، ولقد اظهر بعض من القناعة بأسلوب (لوبة دي بيكا Lope de vega). إن الكوميديات التي نشرها كانت ذات مواضيع متعددة، آما فواصله المسرحية فتعتبر قمة الفواصل المسرحية الأخرى فقد كان يصف العادات والتقاليد بأشكال هزلية. ومن بين تلك الفواصل نذكر (قصة الأعاجيب Elretablo de las maravillas)، و(المتحدثين los habladores)، و(مستشفى الفاسدين hospital de los podrios El)، وفي عام 1584، نشر الجزء الأول من روايته الموسومة (لا كالاتيا la Galatea)، وفي ذلك العام نفسه تزوج و كان له من العمر سبع وثلاثون سنة، أما زوجته فقد كانت تبلغ من العمر تسعة عشر سنة، وما من شك في آن زواجه كان غير سعيد وذلك بسبب صعوبات حياته القاسية التي دفعته ليعمل في دائرة البريد ومن ثم عمل مسؤولاً عن جباية الضرائب في عام 1597، ونظراً لوجود بعض النقص في الأموال التي يجمعها فقد تم إيداعه في السجن وبالتحديد في (سجن اشبيلية) ومكث فيه ما يقارب ثلاثة أشهر، وأثناء المدة التي قضاها في السجن ابتدع النواة الرئيسية لروايته الرائعة (الكيخوتة El Quijote) –وذلك وفقاً لما قاله هو نفسه- أما مرحلة السجن التي عاشها خلال أيام شبابه عندما كان جندي شجاعاً فأشارت إلى خيبة آماله وإحباطاته. ومن ناحية أخرى فقد كتب بعضاً من الكتب الروائية نشر اثني  عشر منها في عام 1613، تحت عنوان (الروايات المثالية Novelas E jemplares) وضمنها كانت بعض من الأعمال القصيرة والهزلية مثل:- (رينكونيته وكوتاديو Rinconete y Cortadillo) و(محاورة الكلاب El Coloquie de los perros) و(الزواج الخادع El casamiento  enganos) و(الليسانس بيدريدا El Licenciado Vidriera)، فالعمل الأول من تلك الأعمال التي ذكرناها يحكي عن صداقة بين شابين وغدين، ويعرض بنية الأوغاد التي كانت سائدة آنذاك في (اشبيلية Sevilla)، فضلا عن كونه عملاً يعتني بالعقد الروائية الموضوعية والاشياء الاخلاقية على حد سواء، وذلك العمل كتب بنثر راق جداً. أما العمل الموسوم (محاورة الكلاب El coloquio de los perros فيحكي عن مجتمعات متعددة ينتقدها كلبان- فعلى سبيل المثال فأن الساحرة وجابي الضرائب والماجنيين يشكلون تضاداً كبيراً وذلك من وجهة نظر الحيوانات). أما العمل الموسوم (الليسانس بيدريرا El licnciado)، يحكي عن شخص مجنون حيث كان يظن بأن جسمه يطير من النافذة، فضلاً عن كونه ذا أسلوب مشابه لأسلوب رواية (الكيخوتة El quijote). وبالمقابل فأن بعض تلك القصص الموجزة كانت ذات أسلوب رفيع لاسيما القصة الشهيرة الموسومة (الخادمة الشهيرة La ilustre Fregone)، التي تعرض حكاية خادمة تنجب طفلة من رجل نبيل، اسلوب هذه القصة يفضح طبقة النبلاء ويصف البيئة الشعبية. ومن اعماله الاخرى التي تستحق الذكر رواية (غيور اكستريمادورا )، والتي تعرض كلاسيكية عن رجل عجوز يتزوج من فتاة صغيرة، وتنهي نهاية سعيدة. وكذلك العمل الموسوم (قوة الدم la fuerza de la sangre)، وهو عمل ذو حبكة روائية، فضلاً عن بعض رواياته الموجزة.

وفي عام 1603، أقام (ثربانتس Cervanres) في مدينة بلد الوليد (Valladolid)، وشرع في ذلك الوقت بكتابة روايته الشهيرة (الكيخوتة El Quijote) خلال وجوده في بيئة منحطة وقد رافقه إلى تلك المدينة زوجته وابنته وشقيقاته وواحدة من حفيداته. أن البعض من أعماله تتضمن مغامرات تبين أحزانه، ومن ناحية أخرى فقد بقي مشغول الفكر في انجاز روايته التي أصبحت فيما بعد واحدة من الروايات الشهيرة، وفي عام (1605 أو 1604)، ظهرت بعض الإشارات عن الطبعة الأولى لتك الرواية حيث جاء الجزء الأول منها تحت عنوان (النيبل الذكي دون كيخوتة دي لا مانجا El Ingenioso Hidalgo Don Quijpte de la Mancha)، تلك الرواية غيرت حياة مؤلفها (ثربانتس Cervantes) الذي كان يعاني من الإحباطات وجعلته  واحد من أهم الكتاب المعروفين لقد كان (ثربانتس Cervantes)، يطل على الاجواء الادبية بشكل خجول حتى عام 1614، الذي نشر فيه واحد من أعماله المهمة وهو (الرحلة إلى البارانسو  El Viaje del Paranso)، وهو عمل يحتوي على قصائد تمدح جميع الشعراء المعاصرين له.

ولكن عندما ظهرت رواية (رواية الكيخوتة El Quijote)، اكتسب الثقة بنفسه الأمر الذي جعله أن يرى نفسه قادراً على مواجهه (لوبة دي بيكا Lope de vega) (ملك الأدب الاسباني)، في ذلك الحين، بدليل انه كتب في مقدمة احد أعماله كلام يسخر فيه من أعمال  (لوبة دي بيكا Lope de vega)، وخلال ذلك الوضع الجديد الذي عاشه كتب بعض من أعماله التي بقت غير منشورة ومع ذلك فأن الأوساط الأدبية الرسمية لذلك الحين لم تمنحه القيمة الكاملة التي يستحقها وحكمت عليه بأنه كاتب هزلي وشعبي وعديم الأهمية، وعلى الرغم من ذلك قام بتأليف صور هزلية عن كتب الفروسية، النوع الروائي الذي كان سائداً في تلك المرحلة.

اما روايته الموسومة (أعمال بيرسيليس وسخيسموندا los trabajos de presiles  y Segismunda)، التي ظهرت بعد وفاته وقد وصف فيها نفسه ومرضه  و ختمها بهذه السطور المليئة بالحزن:

(... وداعاً وشكراً، وداعاً يا هزلياتي وداعاً يا أصدقائي لأنني سأموت وأتمنى أن ألقاكم سعداء في الآخرة).

 

ترجمة : محمد هاشم محيسن اللامي

كلية اللغات /قسم اللغة الاسبانية

 

rasheed alalimتعد (دلفين أرفيلور) أول حاخامة بفرنسا خَرقت الإجماع اليهُودي والعُرفي والتقليدي القائل بأنَّ المرأة لا يحقُّ لها أن تدير معبدًا يهوديًا، كما تعد عُضوة بالحَركة اليهُودية الليبرالية التي تنادي بضرورة إعَادة قرَاءة الترَاثِ الدٍّيني اليَهُودي وإعَادة تفسير التورَاة والتلمُود، بَل وَصَلت بهَا الجُرَأة أن قالت في (رَادُيو أورُوبَا) بأنه من اللازم عَلينا أن نمَارس نوعًا من العُنف تجَاه النصُوص المقدسَة وإلا ظلمنا النـَّاس.

سَافرَت (دلفين أرفيلـُور) لدراسة الطب بإسرَائيل وتعلم اللغة العبرية،  واشتغلت حينمَا عَادَت إلى فرنسَا فِي الصِّحَافة ثم سافرَت بعد ذلك إلى الولايَات المُتحدة الأمريكيَّة لدِرَاسَة اللاهُوت اليَهُودي  والتلمُود وتكوين الحاخامات الأمرُ الذي لم يكن مَسموحًا به في فرنسا لطغيَان التيَار اليَهُودي المُحَافظ عَلى المُؤسسَات الدٍّينيّــة، فتكوين الحَاخَامَات كان حِكرًا فقط على الذكور دُون الإناث ولذلك قرَّرت السَّفر إلى أمريكا، وبعْدَ تخرجها عَادت (دولفين أرفيلور) إلى فرنسا واشتغلت بمَعبد يَهُودي بالمقاطعة الخَامسة ببَاريس، كما تعدُّ (دُولفين أورفيلور) أوَّل حَاخامة جَمَعت بينَ العَمل الأكاديمِي وتربيَة  الأسرَة والمَشَاركة في الملتقيَات الدولية، يتضمَّنُ خطابهَا ندَاءً تحرريًّا يدعُو إلى إعَادَة بنـَاء الوَعي الدِّيني الذي لا يَقبل المُسَاواة  بين الرجل والمرأة خاصَة في الشؤُون الدينية كما تدعُو إلى التسَّامح بين الأديان ونبذ شتى أشكال الكرَاهية  وإعطاء فرصَة للمرأة من أجل إظهَار إمكانـيَاتهَا  في تدبير الشأن الدِّيني والقطع مَع كافة أشكال الإكراه الديني الذي حَسَب (دولفين أرفيلور) كان عاملا جَوهريًا في بُرُوز التطرف والتشدد عِند تيَّارَاتٍ دينية حتى داخل اليهُوديَّة، كما تدعُو عبر مؤلفاتهَا خاصَّة كتابها "كيفَ يلدُ الحَاخامَات أبنائهُم''  إلى مُحَاربَة ثقافة النظر إلى الناس من خلال دِيَانتهم ورُموزهم الدينية والنظر إليهم كمُوَاطنين لأن النظر إلى الآخر من خلال الدِّين غالبًا مَا يكونُ عَامِلا في نبذهِ وكرَاهيَّته.

تعتبرُ (دولفين أرفيلور) أن حُريَّة التعبير والحُريَّة الدينية جُزءٌ مقدسٌ غيرُ قابل للتجزئة، فالحُريَّة الدينية تبدأ من حُرية التعبير عَن الأفكار والأيديولوجيات والمُعتقدات.. كمَا ترَى أنّ النصُوص الدٍّينيَّة  تمُوت وتفقد جَوهرَهَا إذا لم تجب أن الأسئلة الرَّاهِنة التِي تبرزُ وفق المتغيرَات والتطوُّرَات التي يشهدها العَالم بأسره، فحين ينطقُ النصُّ مَرَّة واحِدَة ولا يُطيق النطق مَرَّاتٍ أخرى فهَذا يَعني أن النصَّ مَات وعَلينـَا أن نعوضه باجتهادنـَا وأفكارنـَا وعقولنـَا.

وفي مسألة الراديكالية الدينية تعتبر (دولفين أرفيلور) أنها ليست مُقتصرَة على بعْض التيَّارَات الاسلامية وإنمَا هُناك أيضًا تيَّارات يمتشددة َيهُودية ومَسِيحية وبوذية وهندوسية كما ترى بأن الراديكالية تشمل حتى الأيديولوجيَّات السياسيَّة والفلسفـَات الفكريَّة.

وفي قضيَّة العَلمَانية ترى (دُولفين أرفيلـُور) أنهَا استطاعَت أن تحَقق انجَازَاتٍ هَامة فِيمَا يخص الشُغل والحرية والتعَددية والقانون والكرامة.. إلا أن المُسَاوَاة الدينية هِيَ مَا لم يتحقق لا فِي اليَهُوديَّة ولا فِي المَسيحية ولا فِي الإسلام وهُوَ ما ندافع عَنه ونصبُو إلى تحقيقه في المُسْتقبل القريب.

 

wedad farhanافتتح سلسلة مقالاتي حول نساء مميزات في جاليتنا العربية في أستراليا بشخصية لها ما لها من موقع في قلبي وقلوب العديد من ابناء جاليتنا العربية من عراقيين ولبنانيين وسوريين وفلسطينيين وخليجيين وأستراليين وغيرهم الكثير.

حول السيدة الصحافية الالمعية واول رئيسة تحرير صحيفة عربية في تاريخ الجالية العربية، العراقية المتميزة وداد فرحان، اكتب ما يصح ان يقال عنها للتاريخ ولنا ولبناتنا وابنائنا حتى يقتادوا بها، بعزيمتها واصرارها على النجاح وتخطي جميع الصعوبات التي تواجه المرأة بشكل عام وفي المهجر بشكل خاص، في مجتمع غريب عنا قد يصل به احياناً الى التعصب ضدنا او تمييزنا عن غيرنا بطريقة او اخرى.

التقيت بها، في بداية اطلالاتها كمديرة تحرير الصحيفة الاسبوعية الصادرة من سيدني-أستراليا بانوراما، في احدى المناسبات السياسية التي كنت قد نظمتها تكريماً لشخصية لبنانية سياسية بارزة في اواسط العقد الاول من القرن الحالي وكنت وقتها المرأة الوحيدة في حزب سياسي كبير محاطة بالذكور من كل جانب القي خطاباً سياسياً ترحيبياً بالموجودين، وكانت هي ايضاً هناك . امرأة واحدة بين كم من الرجال. نخلة عراقية ممشوقة القوام، حسناء ، بهية الطلة، ذات وجه قمري يطل منه نجوما لؤلؤية ناصعة البياض تكشف عن ابتسامة دائمة متواصلة، لا نهاية لها ولا تبخل بها على الحاضرات والحاضرين، تبث من خلالها علامات الجود والكرم والحب والاحسان والانسانية، اضافة الى رجاحة عقل وميزان ووفرة في الذكاء. امرأة كانت تخوض مجال الصحافة العربية في جالية اغلب العاملين بها هم من الذكور وتحديداً كل رؤساء تحرير الجرائد العربية البارزة كانوا رجالاً.

احترمتها واحببتها منذ اللحظة الاولى وكانت بداية لصداقة وتقدير متبادلين دام لاعوام ولم يقل بل زاد على مر السنين وذلك لمعرفتها المحافظة على الصداقات والبناء عليها علاقات طويلة الامد يعكس اصولها الطيبة وعراقها الازلي الاصيل.

من لا يعرف السيدة وداد فرحان في الاغتراب؟ من لا يعرفها في العراق وبعض الدول العربية؟

سفيرة السلام العالمي هي وعضو في نقابة الصحفيين الاستراليين وعضو اتحاد الكتاب في العالم ولا يكتمل هذا الا بانضمامها وعضويتها في كثير من الجمعيات المختصة الدفاع عن حقوق الانسان والضعفاء على الارض.

ليست عراقية فقط بل عربية جامعة لاصول جاليات شرق اوسطية كثيرة مع كل دياناتها وطوائفها، فلم تفرق يوماً بين مسلم او مسيحي وبين عراقي ولبناني ولم نحسسنا يوماً اننا غرباء عن بعضنا.

كلما رأيتها اتذكر كرم العراقيين وشهامتهم وعزهم الذي لم ولن ينتزعه احد منهم وستظل كرامتهم محفوظة ومرفوعة ولو كره الكارهون. واتذكر خيرات العراق التي كانت توزع بكرم وبدون تفريق على كل العرب ومجاناً ومنها واهمها العلم.

اتذكر عراقنا كما اتذكر الشهيد رفيق الحريري وما انجزه من عمران في البناء والانسان في لينان واتذكر شهداءنا العرب في كل بلد وابكي واعود لابتسم بتفاؤل حين ارى امثال السيدة وداد تقف –رغماً عن الكل- على قدميها وتثبتهما بعلمها وادبها ولسانها وقلمها الحر خصوصاً انها هي -دوناً عن معظم رؤساء تحرير جرائد عربية عدة في المهجر- تحمل شهادة جامعية في اختصاص الصحافة والاعلام.

نالت جوائز عدة في مجال الكتابة والادب والصحافة ومنها مثلاً جائزة افضل شخصية صحافية نسائية لعام 2013 من قبل مؤسسة أفاق للفنون. ونالت جوائز تقديرية لجهودها الانسانية في مجال الصحافة والنزاهة في العمل نذكر منها جائزة تقديرية من السفارة الاردنية عام 2012 وجوائز رائعة مشابهة لها كل من السفارة العراقية والسفارة الليبية والسفارة الاردنية والسورية وغيرها الكثير تعبيراً عن امتاننهم لما تقدمه السيدة من نزاهة في نقل الخبر وموضوعية طرحها للمواضيع وحرفيتها واستيعابها لكل ابناء الوطن العربي وقد جعلت من بانوراما حضناً عراقياً واسعاً يضم الجميع.

 

لا استطيع ذكر كل انجازاتها في مقال لا يتسع لاعمالها الضخمة ولكني استطيع ان اقول انها لم تكن ناجحة ومخلصة وشريفة في عملها فقط بل في بيتها مع زوجها واولادها. ان حضور زوجها معها في كل المناسبات هو اكبر  دليل على اعتزازه بها والعكس صحيح وهما نموذج متحرك لزوجيين مثاليين داعمين لبعضهما البعض لا يفترقان ولا يحضر احد منهما مناسبة من دون الاخر وهو عكس ما نرى في العادة السيئة التي يقترفونها اغلب رجالات جاليتنا في انهم لا يحضرون نساءهم معهم في المناسبات الاجتماعية وبذلك يعطون مثلاً سيئاً عن العائلة واحترام المرأة وحقوقها في مشاركة الرجل مناسباته ونجاحاته وفشله وكل مراحل حياته.

ان السيدة وداد وزوجها السيد باقر الموسوي مثال الزوجين الصالحين الذين اثبتوا عبر سلوكهم الشريف والداعم لبعضهم البعض انهم يستطيعون حضور المناسبات معاً بالرغم من انشغالاتهم وأنهما نموذج ممتاز لاولادنا عن العائلة الناجحة والمثابرة والمتماسكة وانهم فخر لنا ولاولادهم.

اختم القول اني اعتز بالسيدة وداد كما اعتز بسيدات عربيات كثيرات شقوا طريقهن بشرف وعز وجهد عظيم وان حديثي عنها لا ينتهي وهو بداية باكورة احاديثي التي ستتمحور حول نسائنا الناجحات المثابرات.

 

ميرنا عبد الحميد الشعار

................

الصورة للسيدة وداد فرحان

 

bahia abohamadلا نستطيع ان نكتب عن نسائنا المميزات ولا نذكر رئيسة جمعية إنماء الشعر، حرم قنصل لبنان العام في سيدني الدكتورة بهية. وهي بهية، وتتحلى بذكاء يفوق العادة وعلم يُزينها وهمة لخدمة المجتمع والكنيسة والناس.

جمعتنا نضالاتنا في سيدني وهي ككل النساء المتمردات على الظلم والظالمين، تمشي عكس التيار، ذاك التيار الذي لا يريد للمرأة ان يكون لها دور في المجتمع غير المطبخ. ومن الاسلحة التي تُستخدم عادة من الكثير من مجتمعنا العربي هو الثرثرة على النساء وقلب كل ما يقدموه من عمل طيب الى عمل شيطاني وان كل امرأة تريد ان تزدهر بعلمها وعملها وان تتطور في تقديم خبراتها الى المجتمع الاوسع عن طريق تبوأ مناصب اجتماعية مرموقة، فإن هذا حرام ويُعد ايضاً من الخطايا وعلى كل "شريف" عربي ان يشهر سيفه  ويستقوي على هذا الشيطان. فلم تكن التحديات العلمية والمهنية التي تواجه اي انسان كافياً بل كانت اثقال المجتمع وانتقاداته وثرثرته العبء الذي اثقل حمله على بهية ولكنها حملته وتابعت ونجحت واشرقت.

لفتني ببهية انها –وبالرغم من قوة موقعها الاكاديمي والمهني والاجتماعي- الا انها مرهفة الاحساس لدرجة انها كانت تحزن كلما سمعت بمحاولات ابناء من جاليتها على أذيتها خصوصاً هؤلاء الذين لم تبخل عليهم يوماً في تقديم مد يد العون لهم/ن. ورهف حسها يبدو جلياً في شغفها بالادب والشعر وقالت عنه الكثير ومنه يوماً في مقال لها نُشر في مجلة النجوم (شهر آذار 2016):

 "ادعو كل سياسي وكل انسان شرير ان يقرأ الشعر، ليصبحوا ملائكة."

رغم كل شيء، تابعت دراساتها وتقدمت في مهنتها القانونية وانطلقت كطائر جميل تفرد جناحيها لتحيط عدد جيد من كُتّاب وشعراء الجالية وان تدعو كل اصدقائها واصدقاء زوجها الى صالونها الادبي. وأسست كذلك الامر جمعية لانماء الشعر العامي العربي في استراليا والوطن العربي واقامت المناسبات الادبية والحفلات الشعرية واصبح لسيدني شجرة ياسمين جديدة تنضم الى اشجار جميلة فنية سبقتها تبعث من أريجها عطراً شجياً دائم الربيع ترافقه نسمة لطيفة تنشر فناً وجمالاً وتَعد بمستقبل جميل خصوصاً ان هذه الشجرة يرعاها ويحصنها زوجها قنصلنا اللبناني في سيدني الذي يفتخر بإنجازات زوجته ويشجعها ليس فقط على المتابعة بل على الإزدهار والتفوق وهذا يسعدني جداً ان اشهده ويُسعد الكثير من اللبنانيات الفخورات برجالاتها الامينين والمتحضرين والذين يعطون صورة طيبة عنهم وعن لبنان الجميل عن طريق تعاملهم مع زوجاتهم وعائلاتهم ونساء مجتمعهم وصغارها قبل كبارها.

لذلك فإني اتحين الفرصة كي اشكر قنصلنا ووممثلنا في سيدني على الوقوف الى جانب زوجته المثقفة والمهذبة وعلى رقيه في التعامل مع رغبتها في تشجيع وانماء الشعر العامي وتقديم المساندة في مشروع حفظ حقوق الشعراء والادباء في المهجر.

كما اشكرك يا بهية على انك انت كما أنتِ، امرأة لطيفة، صديقة، مثابرة وناجحة رغم كل التحديات وان قلبك مليء بالمحبة والتواضع. حبك لله وخدمتك لبيته ومساعدتك لاهل وابناء الكنيسة الذين تقدمين لهم خدمات قانونية مجانية يجعلك تستأهلين لقب "خادمة الكنيسة" وهو شرف عظيم حقاً.

 

ميرنا عبد الحميد الشعار

................

الصورة للدكتورة بهية ابو حمد

 

 

abdulh  abasلا ابالغ في القول: كصحفي صاحب تجربة ولمدة 32 عاما ولاكثر من عشره سنوات الاخيرة كنت في موقع قريب جداً من مصدر القرار في شؤون الاعلام المركزي في العراق، كنت ومنذ اواسط التسعينات القرن الماضي اشعر ان العراق واهله ينتظرون اياما صعبة ومصيريه وننتظر الانهيار وسيكون صعب على العراقيين نظرا لشعوري بأن كل شيء في الاعماق منهار ولكن كل ما فيه ان الجرأه على اعلانه كان صعبا نظرا لتقيم الوضع من منطق التعنت والغرور، وعليه يستوجب لكل من تكون لديه هذه القناعة ان يسكت ويصبر (صبرايوب) ... لذا عندما توجه الادارة الامريكية الشريره ومن معها من الاشرار  في العالم الى القوة لاسقاط دولة العراق وإذلال شعبه وتأريخه (وليس ادعاء النفاق والكذب حمل عنوان المخزي: تحرير العراق) اقول لذا استغربت عندما وجهه اول ضربة على بغداد (وهو يأن تحت اشد الجراحات اخفها الحصار القاسي) ان الهجوم  والاحتلال استمر لعشرين يوماً ...!  وماكنت اخفي شعوري بذلك المصير من المقربين مني في العمل وا لاصدقاء الموثوقين، من العاملين معي اذكر زميلي الدكتور محمد الزهاوي ومن الاصدقاء اذكر الاخ فاروق سلوم حيث كنت افتح لهم قلبي بدون اي قلق حيث كنت اضحك واسخر من كل كلام ينطلق من اعلامنا (بما فيه الصحيفة التى كنت رئيس تحريرها) تعني اننا سنهزم قوى الشر التي تخطط لاحتلال بلدنا، لم يكن  سخريتى نابع لاسامح الله من تعبير عن (تمني) لحدوث ماحدث ..! بل كان الضحك بكائي لمصير مؤلم الذي ينتظره الشعب العراقي الطيب ووطني الجريح اصلاً من ان العدو الذي يريد احتلالنا، احقر عدو على وجه الارض وهدفه الاساس احتلال الارض واذلال الناس اصحاب الارض ونحن كنا لاحول لنا ولا قوة الا (نفخ اعلامي) ولانبحث عن اي افق نرى فيه قوة المواجهة لانقاذ مايمكن انقاذه خصوصا عندما سيطر العدو على ارادة ماكانت تسمى المعارضة وكنت اعرف ان نسبة 75 % منهم كانت هدية من تصرفات الاغبياء في الحكم حيث قدموا هؤلاء المعارضين على طبق من الذهب لامريكا واعداء الحاقدين على العراق .

لعل هناك من الذين يفكرون في المكاسب الذاتية تجاه هكذا اوضاع يسألون: اذا كانت الصورة امامك كانت بهذا الوضوح، لماذا لم تفكر لتخلص نفسك من خلال اختيار (تبديل الموقع ...!) ؟ .. جوابي وبكل صدق وامانة انشاءالله وبعيدا عن كل انواع المزايدات (اخص مزايدة – خط مائل – الذي ادعى به كثير من الانتهازين بعد احتلال واذلال شعبهم:

كثيرا ما كنا عندما نتحدث عن الاختيارات الصعبة في تلك المرحلة نشبه وضعنا بحدث يروى عن النبي عيسى عليه السلام، حيث يروى (.. انه يسير مع مجموعه من مريده في الطريق شاهدوا جثة حمار ميت، فكل من كان معه غلقوا فمهم وانفهم من شدة كراهية رائحه الحمار الميت عدا النبي عيسى،، فعندما اجتازوا المكان سالوه من كان معه كيف استطاع تحمل الرائحة الكريهة ولم يغلق انفه ؟فأجابهم: لانني لم اركز مثلكم كل احساسي وتفكيري على الرائحه الكريهه وعندما اقتربت من الجثة ركزت على بياض اسنانه  الى ان عبرنا المكان ....!!) ...

في حياة البشرية، لايمكن وعلى طول الطريق، ان نكون في وضع او موقع يسمح لنا ان نحقق كل امنياتنا وطموحاتنا التي تخص عامة الناس وإرضاءهم ، يحدث كثيراً ان شخصاً يخدم جدياً في صفوف الجيش الذي تقوده سلطة مستبدة، عندما يكون اداء واجبه العسكري لاينسجم  مع ضميره كفرد ضمن المجموعة، ولكن لايستطيع ان يكون له الدور المطلوب في تغير اتجاه العملية الذي ينسجم مع ضميره كفرد، ولكن تأتيه فرصة كي لايكون مشارك مباشر في اذية الناس فيشعر ذلك الجندي بنوع من الرضا النفسي كفرد حتى ولو لم يكن موقفه لم يغيير في اساس وهدف العملية،، مثلاً اروى لكم حدث حقيقي لتوضيح ما اريد قوله: (.. في حزيران 1963 بدأت السلطة حملة شرسة واسعة في مدن كردستان لالقاء القبض على مؤيدي الثورة الكردية، كانت نصيب مدينة السليمانية اكثر ضرراً حيث  بدات الحملة من المساء واستمر الى الفجر، رأينا ان اكثرية الرجال وشباب المدينة ملقي القبض عليهم لمن عمرة 16 سنه فما فوق، في تمام الساعة 1 ليلا وصلت المفرزة المسؤولة عن تفتيش  البيوت الى دارنا، عند دخول احد الجنود الى غرفة الاستقبال في البيت شاهد صورة كبيرة للشيخ محمود الحفيد معلق على الحائط انزلها واراد ان يكسرها عندما دخل الضابط، اتذكر برتبة نقيب اخذ منه الصوره وساله لماذا نزلت الصورة، اجابة الجندي: سيدى صورة لاحد العصات ...! فكان رد الضابط وامامنا ضرب الجندي بصفعة قوية قائلاً نصاً: هذه صوره لشخص اشرف منك ومن كل عشيرتك واعتذر من ابي ورجع الصورة الى مكانها وخرج مع الجنود ودون ان يلقي القبض على احد منا ...!) عند الصباح عرفنا ان الدربونه التي كانت بيتنا ضمنها من الدرابين النادره التي لم يتم القاء قبض على احد فيها....

على اتساع الكرة الارضيه الذي منطقتنا من ضمنها على وجه الخصوص، لايوجد نظام حكم مثالي وملائكي ومبارك وعادل مطلق بمافية النظام الذي يحكم الحجاز والفاتيكان، فكان نظام العراق ومنذ 1968 الى عام 1978 تقوى بجهد ودعم عالمي  واسع من القوى والجهات التي كانت الناس تنتظر منهم الخير، وبعد ظهور التوجهات السيئة من ذلك النظام الان تدعى تلك القوى ان حكام العراق انحرفوا وخدعوهم بشعارات العدل والاشتراكية والتقدم، هذا التبرير نابع من النفاق في العلاقات المصلحية ليس الا وتهرب من دعمهم الذي ادى الى تقوية النظام ووصفه بالذكاء لمصلحته بحيث اصبح يهدد مصالحهم (وليس مصلحة العراقيين)، ان ماكان يسمى القوى التقدمية واليسار داخل العراق وفي المنطقة قاموا بتقديم نهج النظام بقوة وتقدمية بحيث كان (بريجنيف) يهدد امريكا بجرأه صدام حسين للدفاع عن الحرية والتقدم، ان الحزب الشيوعي في العراق كان يبشر العراقيين بأن صدام حسين سيصبح كاسترو العراق لبناء الاشتراكية العادلة ...!!! من هنا فان الصحفي المنتمي الى القومية الكردية في هذا العراق الملئ بالتعقيدات المستعصية في اكثر من المجالات الاجتماعية ومجتمعي الكردستاني اكثرا تعقيداً، قمت باتخاذ موقف جريء لم يستطيع ان يتخذه اي من المثقفين والصحفيين  الذين كانوا معي في صفوف الثورة عام  1974 حيث قدمت استقالتي من التنظيم الحزبي لاني اكتشفت عدم انسجام مايعاني الناس ومايجري في ارض الواقع وبقيت كمستقلا ضمن المثقفين في الجبل بانتظار النتيجة والتي كانت مؤلمة لتضحيات وطموحات شعبي حيث ان صدام حسين وعلى بعد الالف الكيلومترات وقع اتفاقية الجزائر مع الشاه وانهارت قوة انتفاضة الكرد في الجبل دون ان نفهم شيء .... بعد هذا الحدث وموقفي تجاه الالتزام الحزبي الضيق وعودتي الى موقع عملي الصحفي في بغداد ومباشرتي بالعمل، وبالاعتماد على الضمير الحي والموقف النظيف بعيدا عن الانانية وارضاء لهذا وذاك، اقتنعت في الظرف المعقد الذي يعيشه شعبي انا بهذا الموقف المهني النزيه بعون الله استطعت ان اقدم لصحافة وثقافة شعبي اكثر بكثير من الذين يتباهون بالانتماءات التنظيمية الضيقة مهما يدعون (سعتها الخدمية) من هنا اتجهت الى العمل معتمدا على المقولة (من حسابه نظيف لايخاف من المحاسبة)، وكنت على يقين راسخ بأن ضمن النظام في العراق توجد مجالات وزوايا نظيفة والناس النظيفين ممكن نعمل معهم بالممكن الذي يرضي الضمير ونخدم من بحاجه الى الخدمة، وبالنسبة لطموحات شعبي المشروعة شعرت بان المجال امامي اوسع لتقديم الخدمة المطلوبة في تلك المرحلة من خلال العمل لتطوير العمل الثقافي والصحفي بما يجعل بناء ارضية لمستقبل مشرق، وكنت ولايزال مؤمن بان هذا الاختيار (الشخصي مستقل دون لعب الازدواجية لخداع اي طرف)  صحيح ولو لم يكن راى بان داخل النظام هناك زاوية بيضاء ونظيفه للصالح الحقيقي للطموح الكردستاني، لما نجح الجهد لتشكيل ماسميت ب لجان التنسيق بين الاقليم والمركز بما يخدم متطلبات الناس في كردستان يكون اساساً لمنع الانقطاع الذي يتمناها الذين لايريدون الخير لوحدة العراق، ام ان البعض يريد ان يكون المبدأ الثابت هو: ان ما مسموح من الاختيارات للعبة السياسية ضيقة مشرو ع اما اختيارات مهما تكون مشروعة على مستوى الانساني والاخلاقي للفرد حرام اذا لم يكن ملحق بالاخرين ...؟! ، انا اخترت بقاء في بغداد باعتماد على هذا الاختيار المهني خارج تعقيدات السياسية الضيقة، وكنت اتصرف بموجبة ...

منذ نهاية تسعينات القرن الماضي رغم المحاولات (الفارغة) لاظهار: ان كل شيء بخير، بدأ ت علامات الانحلال المجتمعي والتعامل المؤسساتي بالتوسع، كمثال بسيط  كنت عائدا بسيارتي الى البيت وقرب علامة العبور الضوئي توقفت بأنتظار الضوء الاخضر عندها تحركت باتجاه الاشارة الثانية فاجاءني ضابط المرور برتبة (نقيب) اوقفني جاءني من الجانب الايمن وفتح باب سيارتي وجلس بجانبي قائلاً ليش حركت قبل ان تشتعل الاشارة الخضراء ..؟ قلت لاانا تحركت بشكل اصولي،، قال لاانت الظاهر مستعجل وانت الان مخالف ... سوق ونتفاهم .. تحركت وقلت له: ترى اني صحفي اذا عاقبتني دون الحق ساكتب عنك ...!! فاخرج هويتة من جيبه ووضعة امامي (للان اتذكر اسمة الثلاثي) وقال بثقة: اكتب وهاي اسمي صحيح ولايهمك ... انت لو تنطيني خمسةالالف لو تغديني فى المطعم القريب من الفلكة الثانية لو احجز سيارتك .....!!! فما كان مني الا ان اسلمه المبلغ المطلوب واودعوه ...

اخطر علامة انحلال انه في حين سخرت الادارة الامريكية وحلفاءها كل الامكانيات الاعلامية والدعائية ضد العراق وتحريض الناس ضد الدولة راينا في اواخر التسعينات استلام مؤسسة الاذاعة والتلفزيون لمعلم فاشل كان (وللان) ينفخ باسم  التاريخ وفي اول موقف بعد مباشرته كشف عن عنصريته عندما كتب عن مسلسل يروي ثورة الشيخ محمود الحفيد ضد الانكليز: (انه قام بالتمرد بتحريض الانكليز ضد وحدة العراق ووقع بعد ان كتب:... يرفض ....!!!) واستلم اهم صحيفه مركزية في بغداد الى شخص  عنصري جاهل اخر كان يقوم يومياً باستفزاز منتسبي صحيفة (هاوكارى) ويتهمهم بانهم يصدرون سريا نشرات لتأييد الانفصالين الى ان انا بادرت لتصدي له عندما قدمت شكوى مباشر وبحضوره امام الاستاذ الدكتور همام عبدالخالق وبحضور جميع رؤوساء تحرير الصحف اليومية والاستاذ حميد سعيد الوكيل الاقدم لوزارة الثقافة والاعلام قبل ان يصدر قرار تقسيمها الى وزارتين، والحمد الله الشهود  اكثرهم احياء وقلت نصاً: ان وجود شخص مثل هذا الدخيل في الصحافة على راس اشهر صحيفة رسمية لايعني الا اننا متجهين للانهيار .

 والان لنعود الى اصل الموضوع الاحداث:

-        تحديدا كان اخر ايام شهر شباط 2003 وكان الوقت مساءً، كنت جالساً في غرفتي اراجع بعض البرقيات الخبرية للصفحة الاولى    للجريدة  عندما جاءت الزميلة (أ ...) وهي كانت عضو فرقة في حزب البعث وتركت العمل التدريسي ودخلت عالم الصحافة في جريدة (الجمهورية)، وهي كانت تعرف مواقفي السياسية وكنت اتحدث معها عن الوضع بدون تردد وابدي ارائي حول الاحداث، وهي ايضاً شخصية مثقفة متفتحه على تقبل اراء الاخرين باحترام، جائتني وقالت بالنص: (هناك توجه حزبي لاخذ اراء الاخرين، اي غير الحزبين من خلال سؤال محدد: ماذا نفعل لكي لايحصل الحرب الذي تهدد به الادارة الامريكية ... واذا حصل الحرب لمواجهته ؟) سألتها: وهل تعتقدين يفيد هذا الاستطلاع بشيء ؟ بمعنيين: الاول هل هنا ارادة تسمع لاراء الاخرين ... وهل هناك متسع من الوقت لادراك ما يطرح والعمل بها ؟ ...هي اكدت بأن التوجه جاء من القيادة بشكل جدي، قلت: وهل توصلين ما اطرحه عليكِ ؟ اجابت بالإيجاب ....فقلت لها نصاً مايلي: (انا هنا اطرح وجهة نظري من منطلق إنتمائي القومي في العراق، وانا على يقين ان ادارة امريكا تعلن الحرب، ولكن عندي نوع من القناعة ان المقترح الذي اقدمه يمكن ان يكون احد المنافذ عند التوجه الى تنفيذه يفتح طريق لانقاذ مايمكن انقاذه، لاني اعتقد ليس امامنا اختيار من ناحية الوقت والفرصة غير التفكير الجدي بمحاولة عملية وجدية نستطيع انقاذ مايمكن انقاذه لصالح العراقيين في المرحلة اثناء وبعد الحرب، مايجري من اخفاء وتحديد مواقع بديلة والكلام الاعلامي النابع من العواطف لايفيد عندما تبداء الحرب لان من يقود الحرب احقر قوى الشر ونحن اتعب بلد وشعب نواجه عدوانيته المدفونة بطون جائعه وحاله نفسية تعبانه ومتوترة للاخر مع الاسف، اعود الى التفكير في الوقت الضائع لكسب القدرة على انقاذ مايمكن انقاذة كالاتي: اقترح وبسرعة اجراء ودون عقد التكبر ان تصدر القيادة قراراً صادق الوعد ومؤمن بالتنفيذ الفوري  بكل جدية وهو اعتراف دستورياً وقانونياَ بالوضع القائم في اقليم كردستان، اي ان الفدرالية المعلنة والمنفذه عمليا معتمد على رغبة الشعب الكردي الواسع والمشروع في الاقليم حالة دستورية مشروعه معترف بها من قبل الدولة العراقية وحل فوري لكل مظاهر غير المنسجمة مع هذا الاعتراف الدستوري والقانوني، وفي اعتقادي المتواضع ارى ان توجه جدي و(أوكد توجه جدي وليس تكتيكي فقط لدرء التوسع وتاثير التدميري للحرب) ارى ان هذا الاختيار يؤدي الى احراج موقف وخطط الاهداف الامريكية والإيرانية وكل الجهات المدعومة لاسقاط العراق) هي سالت: كيف ؟ فاجبتها: (مثل ما قلت ان ماجرى في اقليم كردستان وتم تنفيذه من قبل القيادات الحركة الوطنية الكردستانية جرى بالاعتماد على التاييد الواسع للقاعدة الشعبية،وان الحكومة المركزية شبه معترفه بها وذلك من خلال لجان التنسيقية بين وزارة المركز والاقليم فلماذا لاتحول هذا الاعتراف الى صيغة دستورية وقانونية، فان اختيار القيادات الكردية للفدرالية مرتبط بالعراق بحد ذاته جدير بالتقدير) .. هي سألت: لنفرض ان القيادة عملت هذا، ماذا سيحصل ؟ اجبته: انا لست من الذين يفكرون في مجالات السياسية من منطلق العاطفة فقط والحمد لله لي شيء من الخلفيات الفكرية واعرف موقف الاصالة لعموم الكرد وهو ليس وماكان شعب عدواني في الموقف والتصرف التاريخي مع الاحداث الا اذا شددوا علية العدوان الذي يستهدف مصيره ووجوده،من يمد له يد التعاون يقابله بيديه الاثنتين، وانا اشعر ان كثير من المسؤولين في المواقع التنفيذية يعرفون هذه الحقيقة، اضيف الى ذلك ان اكثرية القياديين الكرد يشكون بتوجهات الادارة الامريكية ويعرفون لامبدئيتها في التصرف مع اهداف شعوب المنطقة وهي لاصديق لها الا ضمان امن للكيان الاسرائيلي المسخ،لذا اعتقد ان قرار كهذا الذي اقترحته سيؤدي في الاقل في هذا الوقت الى تحيد القيادات الكردية تجاه الهدف الرئيسي للامريكين، ويضعهم امام التزام التعاون مع دولة التي اقرت بصدق  حقوق الكرد المشروعة بجد ودستوريا وليس كتكتيك كما حصل في المراحل السابقة) واختتمت كلامي بقول: (ما أ قترحته حلم ...! ولكن اعتقد ان تنفيذه ممكن جداً بوجود ارادة صادقة وعلى اساس العمل الصادق لتوجه نحوه انقاذ مايمكن انقاذه لان الحرب العدوانيه لاحتلال العراق واسقاط دولته قادم لامحال ...!) هي سكتت لفترة ... بعد ذلك قالت: تعرف .. والله فكرة جيده جدا لو اخذت بجد بنظر الاعتبار .. أنا  ا تمنى `ذلك من كل قلبي ياصديقي ... بعد مرور ا يام وعندما وجه الرئيس صدام حسين رسالته الخاصة الى الاستاذ (مام جلال) وكانت رسالة استفزازية غير مبرره في توقيتها ومضمونها، في نفس اليوم الذي اذيعت من وسائل الاعلام الرساله كنت لاازال في موقع صحيفة هاوكاري كنت في الطابق الرابع من بناية دار الجماهير وعلى السلم باتجاه الطابق الثالث التقيت ب الزميلة   (أ ...) بعد السلام هي سالت: هل اطلعت على الرسالة الموجهه الى السيد الطالباني ؟ فاجبتها: يظهر والله اعلم انتِ  ا وصلتي مقترحي بشكل معكوس او ان حزبكم يتصرف بمفهوم المثل القائل: استشيرك ولكن لااسمع ما تطرحه ....!

على اية حال، تم ابلاغنا (جميع رؤوساء تحرير الصحف اليومية: الثورة والجمهورية وهاوكارى وبغداد أبزيرفر والعراق والقادسية اضافة الى مجلة الف باء والمدراء العامين لفضائية بغداد وتلفزيون بغداد) ومنذ 1 شباط 2003 من قبل السيد محمد سعيد الصحاف وزير الاعلام بالحضور  في كل صباح وقبل الذهاب الى مقر عملنا في مكتبه للاطلاع على مستجدات الوضع، في تلك الفترة كان الاستاذ الراحل امير الحلو وبسبب اصابته بازمة قلبيه وبقرار خاص من رئيس الجمهورية نقل من موقع رئاسة تحرير مجلة الف باء الى مستشار الخاص لوزير الاعلام، فتم تاسيس مكتب خاص له مقابل مكتب الوزير، انا شخصيا كنت على علاقة جيده جدا مع الراحل امير الحلو (ابو خالد) كان رحمه الله طيب القلب متفتح على الافكار والتوجهات العصرية في السياسة وهو كان اعلامي نشط وذكي ومحبوب من كل العاملين في الوسط الصحفي، فكنا عندما نصل الى مكتب الوزير، ندخل اولاً الى مكتب الراحل الى ان ياتينا خبر من مدير مكتب الصحاف باستعداده لاستقبالنا فنذهب جميعا ومعنا الاستاذ الحلو حيث يشارك في اللقاء والمناقشات، والغريب في الامر هو الحدث الذي لااريد اغفله دون الاشارة، هو ونحن نقترب من الحرب، ونجتمع لهذا السبب، كانت مجموعة من مهندسي الديكور يعملون في تصمييم مكتب الوزير وتزينه بالزجاج الملون ونقشة بتصاميم التراث الاسلامي المستورد من المغرب خصيصاً ....!! وهذه الظاهرة بحد ذاتها دليل على لامبالاة بما ينتظره البلد من قادم الايام ....!! وكنا عندما ندخل صالة المكتب ونرى العمل في تصميم وتنفيذ تلك الديكورات  نضحك على هذا التصرف الغريب في تلك الفتره العصيبة .

على اية حال، خلال تلك الاجتماعات التي ا ستمرت الى يوم 3/19 لم نسمع تطرق الى اي خطة استراتيجية للاعلام اذا حصل الحرب وكيف نواجه اعلام الطرف الاخر ...كل الاحاديث تدور حول الموقع البديل للعمل وكم من الكوادر المطلوبة للعمل اثناء الحرب وكيف نحصل على وقود السيارات الصحفيين واين نخزن الوقود، وهل تصدر الصحف يومياً، فمثلا انا  ا قترحت اصدار صحيفتنا يومان في الاسبوع لعدم امكانية ضمان حضور كوادر العمل وتم الموافقة على ذلك، وبالنسبة للموقع البديل قسمنا (سرداب دار الجماهير مع جريدة الجمهورية للعمل فيه، وكان في السرداب غرفتين احدها خصص لرئيس تحرير جريدة الجمهورية واخرى لهاوكاري ... كان اجتماع 19 اذار اخر اجتماع وحصل الهجوم لاحتلال العراق بعد منتصف ليلة 20 منه، عندما خرجت من بيتي صباح ذلك اليوم متوجها الى مقر الجريدة كنت اتصور اصل الى الموقع وارى بناية دار الجماهير منهارة تماماً وذلك لشدة اصوات القصف التدميري كنت اسمعها عندما بداء الهجوم، ولكن عند وصولي الى بناية الجريدة رايتها كما كانت وان منتسبي هاوكارى كلهم ودون استثناء مجتمعين امام الباب الرئيسي وينتظروني ...! بعد السلام دخلنا الى سرداب دار الجماهير بعد ان طلبت من العاملين في قسمي الادارة والحسابات بالرجوع الى بيتهم وبدانا العمل لاصدار الجريدة واستمرينا  نصدر هاوكاري الى يوم 8 نيسان ...

يوم 24 اذار تم ابلاغي للحضور الى مقر وزارة الاعلام حسب طلب سريع من الوزير، توجهت الى المكان وعندما دخلت بناية الوزارة قيل لي ان الاجتماع في سرداب البناية، دخلت المكان رايت جميع الزملاء رؤوساء تحرير الصحف الخمسة اليومية جالسين وبعد ذلك بقليل دخل علينا الاستاذ طارق عزيز وبيده سيكارتة المشهورة  ومعه السيد محمد سعيد الصحاف، احاول هنا وبامانه انشاءالله اروي ماحدث في الاجتماع بقدر ما اتذكره دون اي زيادة او مبالغة،، مقدما الذي جلب انتباهنا ان الاستاذ طارق لم يجلس طوال فترة الاجتماع وعندما طلب منه الوزير ان يجلس رفض وطلب منه ان يجلس هو حيث بقى في صدر الطاولة التي كنا جالسين علية وبقدر مساحة عرض الطاولة ياتى ويروح ويتنفس بسكارته بين حين واخر نفساً طويلاً  ظاهرا على وجه التوتر واضح وجلي ..

رحب السيد الصحاف بحضور(ابو زياد) ورحب  بنا ايضاً طلب منا ان نشرح امامه طبيعة عملنا في الظرف الراهن ففعلنا ذلك حيث قدم كل رئيس تحرير كيفية اصدار صحيفتة ودور منتسبي كل صحيفة في انجاز العمل و....الخ بعد ذلك قال الوزير: ان السيد نائب رئيس الوزراء الاستاذ ابو زياد يشرح لكم الوضع السياسي الان ... بدأ السيد النائب بتوجه التحية لصمود والمقاومة الباسلة للجيش وجماهير الشعب العراقي وصمودهم امام شراسة العدوانين وخص بالتحية لصمود اهل جنوب العراق وتصديهم للعدوان واكد ان كل ذلك يعود لشجاعة القائد الذي يقود المعركة .....! بعد هذا احاول ان اسجل محتوى كلام الاستاذ طارق كما اتذكره، لاادعي انه نص الكامل كما كان ولكن متأكد وبثقة حقيقة المعنى والمضمون ما قاله:  قال: ممكن ان نسمي هذا الهجوم الامريكى  بالعودة الثالثة ...(تذكير مني: بعد انتهاء حرب الكويت قامت امريكا مرتين بقصف ولعدة ايام بغداد العاصمة،الاولى   كانت خلال الايام الاخيرة لحكم بوش الابن، والثانية في بداية حكم كلنتون وسمي الهجومين في اعلام العراق ب: عودة العدوانين الاولى والثانية .... عودة الى كلام ابوزياد) ولايطول اكثر من اسبوعين الى ثلاثة ...يبدأ مجلس الامن بطلب من الروس وحتى فرنسا بضغط على الادارة الامريكية وحلفائه، ويمكن مقابل ذلك ان تجبر امريكا المجلس باصدار مجموعة جديدة من قرارت العقابية ضدنا من اجل ان تبقى باب العودة واستمرار العدوان العسكري مفتوحة ......!!!!) بعد ان اكمل كلامه لم تمر ثواني حيانا تحيه مستعجله وذهب باتجاه الباب وذهب خلفه وزير الاعلام  بحيث اننا جميعاً بدأنا ننظر الواحد للاخر بحيره واضحة من هذا الحدث وفي ذلك الظرف الرهيب ...!! اتذكر جيدا ان السيدة الكريمة الاستاذة ناصرة السعدون   رئيسة تحرير بغداد اوبزيرفر جالسه بجانبي سألتها نصاً: افتهمتي شيء استاذتي ؟ واجابت نصاً: لاودعتك إبني ....!!

وخرجنا جميعا   وا لحرب لتدمير بغداد مستمره والناطق الرسمي في العراق السيد محمد الصحاف يضَحك ويبكي اهل العراق، منذ بداية شهر نيسان انتشرة ظاهرة غريبة في بغداد، حيث دفعت باليات عسكرية، سيارات نقل الجنود ومدرعات حتى في بعض المناطق دبابات في درابين اكثر محلة من محلات بغداد مما ادى الى ذعر الناس المتخوفين من ان تؤدي هذه الظاهرة الى هجمات جوية من الامريكين فكانت عائلتي من ضمن المرعوبين من هذه الظاهرة،  لذا مساء يوم بعد الاجتماع الذي تحدثت عنه، نقلتهم الى قرية (سبتي)في ديالى عند احد اقارب زوجتى الراحلة (ام شوان) وعدت نفس اليوم الى بغداد

يوم 8 نيسان تحديدا، بعد اكمال الصفحة الاولى من الجريدة خرجت موتجها الى مطبعة جريدة (العراق) للقاء الزميل الراحل نصرالله الداودي رئيس التحرير حيث انتقلت ادارتها الى المطبعة خلف بناية دار الطلبة في باب المعظم، وانا ادخل المطبعة التقيت بالراحل (ضياء حسن – ابوهدى – قبل الحرب بفترة كلف بالعمل كمساعد للمدير العام لفضائية بغداد ) بعد التحية قال لي: صدفه جيدة را يتك هنا كنت في طريقي اليكم انت وهاني وهيب رئيس تحرير الجمهورية اريدكم تحضرون لمقر فضائية بغداد الاستاذ الصحاف يريد اللقاء برؤوساء تحرير الصحف اليومية، قلت له: حسنا سأتي مع الزميل (ابوشيلان – الراحل نصرالله الداودي) .. عندما دخلت غرفته كان يحضر للذهاب فخرجنا سويا وتركت سيارتى هناك وذهبنا بسيارته، كان مقر فضائية بغداد في بناية التلفزيون التربوي في الاعظمية، عند وصولنا راينا شاب بالملابس الزيتونيه واقفا في باب البناية بعد ان عرفناه بنفسنا وسالنا عن مكان السيد وزير الاعلام طلب منا نتبعة وادخلنا الى بيت بجانب بناية التلفزيون عند دخولنا اشار باتجاه الحديقة قائلاً: سيد الوزير،   فرأ ينا السيد الصحاف يتمشى ذاهبا وايابا في الحديقة  وبيده جهاز راديو صغير وضعه على اذنه اليمنى، عندما راءنا  ا قبل وصافحنا ولاننا ولقربنا من مكان تواجده وصلنا قبل الاخرين  جاملنا بالقول:  الاكراد دائما في المقدمة  ...!! لاحظنا ارباك واضح في وجه ايضا لاحظنا ان علامات الوزير منزوع من كتفيه، بعد قليل وصل الراحل امير الحلو والاستاذ سامي مهدي رئيس تحرير جريدة الثورة وهاني وهيب رئيس تحرير الجمهورية فطلب منا نتبعة باتجاه صاله البيت كانت فيها مجموعة من المقاعد غير منسقه وفي الزاوية كانت توجد منضدة وخلفها مقعد (خيزراني) كل واحد منا سحب مقعد وجلس بعد جلوس السيد الصحاف على مقعد خلف المنضدة  ووضع الراديو امامه،سادت الصالة لفترة ليست بالقليلة الصمت كنا ننتظر ان يتكلم، لا ادري لماذا انا شعرت ان السيد الصحاف في اثناء هذا الصمت كان يتمنى ان يبادر احدنا بكسر الصمت ويفتح اي موضوع يكون بداية للحديث حول الوضع ولماذا هو ونحن هنا ...؟! لاني شعرت جازما  ان السيد الوزير ليس لديه معلومات اكثر مما نعرفه نحن من خلال رؤيا الوضع بشكل مباشر ...! اضافة الى  تصوري انه ارسل للقاءنا فقط كي يكسر الوضع المعلق المزعج الذي واقع فيه ...! بعد ان ضغط السكوت على جميع كان صوت استاذ سامي مهدي هوالذي حرك الجو المزعج وذلك عندما قال: يظهر ان قراءة وزير الدفاع صحيحه (قبل هذا اللقاء بيومين على ما اعتقد نشر تصريح عن وزير الدفاع الفريق الاول الركن سلطان هاشم معلناً بأنه يتوقع وصول القوات الامريكية  وخلال عشرة ايام الى مشارف بغداد ....) .

شعرنا وبوضوح ان السيد الصحاف ماكان يريد ان يتحدث بواقعية عن الوضع، فمد يده وسحب  احد مجرات المنضدة التي امامه واخرج (كاسيت تسجيل) وقال: في هذا الشريط خطاب للسيد الرئيس سيذاع هذه الليلة من الاذاعة  ويشرح سيادته الموقف ...،،سألت انا: من اي اذاعة سيادة الوزير ... منذ مساء امس انقطع نهائياً الكهرباء عن بغداد ؟ قال وهو لا ابالي وبعدم قناعه بما يقوله واضحا من نبرة صوته: الاتعلم عندنا عشرات محطات اف ام ممكن من خلالها ايصال حقيقة الوضع ....!! بعد صمت قليل من الجميع، قال الراحل نصرالله الدواودي رئيس تحرير جريدة العراق: انا مريت اليوم من شارع حيفا مرورا بوزارة الثقافة رايت الناس ينهبون محتويات البنايه ...! اجاب السيد الصحاف بنفس الاسلوب وقال: اي ... اذا الوزير المسؤول تارك مقر عمله ...هذه النتيجه متوقعه ...!!! فتدخل الراحل امير الحلو وقال: سيد الوزير هناك طرق عديدة لتوضيح حقيقة الوضع للناس ماذا يفعل المتواجدين في المقرات الحزبية المليئه في بغداد لماذا لايلجاؤن الى طريقة مباشرة لتوضيح الوضع بصورته الحقيقية كل مقر لاهل منطقتهم مع انه اسلوب بدائي كان المفروض نجاوزه ولكن هومحاولة لاطمئنان الناس.....

شعورنا نحن جالسين  بسقوط كل اركان جدار السلطة السياسية في بغداد واضح في وجوهنا وهو ما كنت شخصيا اتوقعه كما اشرت في البداية، وايضا كان واضحاً ان السيد الصحاف ايضا يشعر به ولكن كان يضغط على نفسه لإبتلاع مرارة الحقيقة ولا يعلنها وهو في موقع المسؤولية ...! لذا ختم الاجتماع بقوله: على اية حال كنت ارغب في لقاء بكم ...الله معكم تفضلوا روحوا شوفوا شغلكم ويمكن يصلكم بالليل نص خطاب السيد الرئيس مطبوعاً .... قام وصافحنا جميعا وغادرنا المكان عائدين الى اماكن عملنا، اوصلني الزميل الراحل نصرالله الى امام بناية دار الجماهير . نزلت الى السرداب مكان عملنا ودعوة العاملين في هاوكاري للاجتماع وبقناعة فكرية بعيدا عن كل توتر او خوف والحمدلله (وانشاءالله ان جميع الزميلات والزملاء الذين كانوا حاضرين يرون هذه الصفحات ويؤكدون صحة ما اروي) قلت لهم: من بكرى لانصدر جريدة وكلكم الان تتركون العمل وتذهبون الى بيوتكم بسلام انشاءالله انا متأكد ان كل شيء انتهى ولا ارى اي مبرر لعدم اعلان هذه الحقيقة .. اتمنى ان نلتقي وانتم بخير ...) ولم اعطي مجال لاي سؤال او مناقشة وخرجت باتجاه مطبعة جريدة العراق في باب المعظم ودخلت غرفة رئيس التحرير المرحوم نصرالله وجلست معه مبتدئين بتقليب صفحات وصور رحلة خداع النفس والناس دون مبرر .... مع الاسف)

 

........................

* ترجمة الفصل الخامس لمذكراتي الصحفية الصادره باللغة الكردية عام 2010بعنوان (ذكريات الماضي القريب: 2003 / 2009)

 

مقدمه: غاندي مارتن لوثركينج سبارتاكوس جواهر لال نهرو عبد الناصر جيفارا.. عظماء جسدت معنى الإنسانية وإضاءة طريقها نحو الخلاص من الاستعباد والاستبداد والاستعمار بكل صوره وأشكاله وكونت النواة الأولى والبذرة التي مكنت الشعوب من إشعال فتيل مقارعة الهيمنة وألبتها ووحدت صفوفها في مواجهته وأكسبتها الفضائل والسبل التي جعلت منها تواصل ثورتها وعودتها الصبر على المكارة والممارسات الفتاكة لقوى التخلف ألرجعيه العالمية والامبريالية التي أرادت فرض واقع القوة واحتكار عرق الشعوب واستغلالها استغلال يجير لفئة قليله محدودة لأتملك سوى إنضاج عفونتها وفرزها في وجوه الفقراء المستضعفين، فكان أن مهدت أفكارهولا القادة ونضالهم إلى كسر قيود الظلم والانطلاق بثوره حررت الواقعين تحت نير العبودية ومهدت إلى ارتقاء الإنسان وتبوئه مكانته في المجتمع المكانة التي تحفظ  كرامته وأدميته وتهيئ له العيش ككائن منتج تحفظ حقوقه وإبداعاته دون أن يكون هناك متحكم في كينونته وطريقة عيشه طالما وهو مؤمن بحق غيره في ممارسه الأسلوب الأمثل الذي يرتضيه وبما لا يضر بالإنسان والمجتمع والطبيعة .

مانديلا..رحيل أسطوري:

رحيل مخلدا للناسك قضى حياته يصلي لأجل انتصار قضية شعبه فلم ييئس لحظة واحده أمام جبروت الكم الهائل من النفوذ الذي يمتلكه أرباب السلطة والثروة لإيمانه أيمان مطلق أن ما بحوزتهم ليس لهم فيه شي ولا يملكونه اخذ عنوة من مستحقيه وسوف يأتي يوم لابد للحق أن يعود لأصحابه وان المسائلة مسالة وقت وهذا الوقت مرهون بمدى عزمه وإصراره وصبره وتفانيه في لملمة جراح شعبه وتؤازر صفوفه لمواجهه ذالك المستغل الذي أنتج الثالوث الرهيب الجهل والفقر والمرض، الذي كان من الإفرازات التي خلفها نظام الفصل العنصري وقعد شعبه حبس لهذه الأمراض بحيث عطلت قدراته ألجسديه والعقلية ونحت به منحى جعل منه ألعوبة بيد أصحاب النفوذ وأصبحوا مستغلين لايملكون قوت يومهم الابما تفضل به الأسياد الذين يعملون بالمقابل على شفط مجهودهم وقواهم الخائرة.

 ولم تخيفه قواتهم وبطشهم واستطاع بعد كفاح مرير وسجن دام لاكثرمن 27ان ينتزع ما ناضل من اجل ويعلن نهاية الفصل العنصري ويحقق المناضل الاممي مانديلا السلام والحرية لشعبه ويعلن عن لجنه الحقيقة والمصالحة التي أزالت مساوئ الفصل العنصري ومهدت إلى مصالحه ومساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد جنوب أفريقيا ويعلن عن انتخابه رئيسا لجنوب أفريقيا كأول رئيس اسود.

 

بداية تشكل مبادئ الثوري الأفريقي:

عندما ذهب مانديلا إلى ألجامعه لتلقي دراسة القانون كان الإفريقي من بين ألطلبه الدارسين فبداء يشعر بممارسات الفصل العنصري والتمييز في المعاملة وفي الحقوق وقد كانت ألجامعه تحوي ثقافات مختلفة اجتماعيه وسياسيه وحينها صادق الكثير من أصحاب الأفكار السياسية  من جنسيات متعددة وتعرف على المبادئ ألتحرريه وقرى الكثير عن الفلاسفة والعظماء المفكرين العالميين الذين أرسو نهجا ترتب عليه عدم الأغرار بالممارسات التي ترتكب بحق الأفارقة السود وانه يجب عليهم أن يكونوا مستغلين في كفاحهم  وبان يناضلوا لأجل حق تقرير المصير السياسي للأفارقة والتحالف مع القوى المناهضة للاستعمار والرجعية والامبريالية المتخلفة .

لم يتسنى لمانديلا النضال بلا هوادة ضد القوى التي اغتصبت حق أقرانه وأهانت حريتهم دو غطاء سياسي يستطيع عبره أن يخوض نضالاته ويستطيع أن يقنع مناصريه والواقعين تحت الظلم بأهمية التحرك لانتزاع حقوقهم وأرضهم التي تذهب خيراتها وثرواتها بيد المحتكرين وكذلك يستطيع بناء فكرهم السياسي وينظمهم في جماعات فاعله ومؤثرة في كل مكان مستعدة لتلقي التوجيهات وتنفيذها حال صدورها وتشكل مصدر إزعاج للنظام المهيمن وتظهر كقوة سياسيه في وجهه وفي الساحة من الممكن أن تجلب أنظار وتعاطف كل المعارضين لنظام الفصل العنصري والداعيين للمساواة الإنسانية وإزالة الفوارق بين أجناس البشر في العالم فانظم إلى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي .

 

توجهات مانديلا وفكره :

عرف مانديلا بميوله القومية وهو ديمقراطيا اشتراكيا وصف بابي الأمة وانظم أليه الكثير من الأصدقاء واستطاع أن يبني تحالفات مع كثير من الأصدقاء والمنظمات المناهضة للفصل العنصري ويمضي في رحلات لشرح قضيته وكسب التأييد والمؤازرة سافر إلى مصر حيث التقى بجمال عبدالناصر وأعجب بالإصلاحات التي نفذها كسب تأييد الاتحاد السوفيتي وعدد غير قليل من القادة والزعماء الأفارقة الذين ساندوه وناهضوا صراحة ممارسات الإبادة وجرائم الفصل العنصري، التقى بالعديد من الكتاب والصحفيين والسياسيين الذي شنوا بعدها حمله من الكتابات والتحقيقات لكشف التمييز العنصري .

بدا مانديلا نشاطا سياسيا صرفا قبل أن يلجئ إلى حمل السلاح مارس من خلاله التظاهرات ألسياسيه والعصيانات ألمدنيه وركز بدرجه أساسيه على ضرب مصالح النظام في المرافق والدوائر الحكومية وخطوط الإنتاج وشكلت تلك الاجرءات صداعا وانزعاج واجهته السلطات بالعنف قتلت الآلاف واعتقلت الكثير وشردت قرى من مواطنها  وأنشئت المحاكم حيث حوكم بالخيانة العظمى ثم برى منها وقد واصل نشاطه واقفا ضد أزاله قرى الأفارقة السود وتجمعاتهم والتي تحول على إثرها إلى التفكير في حمل السلاح  وإنشاء معارضه مسلحه كانت تركز في مبادئها على عدم الإضرار بالمدنيين واستغلال الأوقات المناسبة بقطع خطوط الهاتف واستهداف المنشات العسكرية و المعسكرات ومحطات الطاقة .

 

سنوات السجن:

اعتقل مانديلا مرات عده وتم الإفراج عنه إلا أن المحكمة التي كانت في 12-6-1964م حكم عليه بالسجن المؤبد واثنين من رفاقه بتهمه التحريض على العنف والانتماء للشيوعية  رغم مناشدات المنظمات الإنسانية والحقوقية وغيرها وهو الحكم الذي تم إسقاطه بعد27عام من تاريخ المحاكمة  انتقل خلالها في ثلاثة سجون كان أشهرها سجن جزيرة روبن في زنزانة منفردة مسحتها 8×7قدم  رطبه وينام على حصير جاف منعت عنه كل وسائل الاتصال بالعالم لخارجي عدا زيارة ورسالة كل ستة أشهر وتحت ألمراقبه الدقيقة ولم يخرج  إلا بعدان مضى عليه18عام تم تخفيف الاجراءت عنه بعد انتقاله في ثمانينات القرن الماضي إلى سجنين ساموا وفيكتوريا ومن ثم إطلاق سراحه في تسعينات القرن الماضي بعد تدخل المجتمع الدولي وإعلانه نهاية حكم الفصل العنصري والدخول في مفاوضات ترتب عنها انتخابات كسبها حزبه وانتخب هو رئيس لدولة جنوب أفريقيا .

أثرت سنوات السجن في صحة مانديلا وأنهكت قواه وتسببت بأمراض  شتى اجبر على العمل الشاق وتعرض للأهانات المتواصلة والاعتداءات الجسدية بالأخص في سجن روبن .

 

ثمرة النضال:

أن ما يمكن التحدث عن رحله 67 عام من النضال المتواصل والشاق فقد تكللت بالحرية للأفارقة ومكنتهم من إنها الفترة الاستعمارية وزوال نظام الفصل العنصري وأجراء خطوات سريعة لانتشال الأفارقة من الفقر والجوع والمرض فأجرى إصلاحات في المجال الاجتماعي والصحي وإصلاحات زراعيه ألغت القوتين التي سيطر بفعلها الفصل العنصري على أحقيه السود في تملك الأراضي و العمل في السوق والانتقال إلى الحياة الآمنة والتامين على حقوقهم السياسية والاجتماعية والصحية .

كما قام مانديلا بعد التحرر وأنتها نضام الفصل العنصري بعمل مصالحه وطنيه مع السكان البيض وكانت عبارته الشهيرة أن الشعب الشجاع لا يخشى ألمسامحه والمصالحة من اجل السلام .

حصل مانديلا المناضل الاممي على ما يقرب من 250جائزه كان أشهرها جائزة نوبل للسلام  والعديد من الشهادات وكرمته ألجمعيه العامة للأمم المتحدة بإعلان يوم ميلاده 18فبرايراسمته يوم مانديلا لنضاله ضد الفصل العنصري بتخصيص 67دقيقع لعمل شي للآخرين وهي الفترة التي قضاها مانديلا في النضال 67سنه   نضال ِ.

إلى العام 99م حين أعلن ترئسه لدوله جنوب إفريقيا لفترة رئاسية خلال( 94م-99م) وشغله منصب الأمين العام لدول عدم الانحياز في فتره سابقه وعين سفير للنوايا الحسنه واستمر بعد ذلك مرجعيه وطنيه ودوليه قبل أن يعلن في عام 2004م الانزواء والتفرق للجلوس مع آسرته رافضا التصريحات والمقابلات الصحفية والخروج في المناسبات العامة فقط إلى أن وافاه الأجل 5في ديسمبر2013م .

 

تقرير: بسام فاضل

 

haseeb shahadaمار إِفْريم سورْيايا، Ἐφραίμ ὁ Σῦρος، Ephraem Syrus، Ephrem the Syrian أعظم شاعر سرياني مسيحي، وأبرز آباء كنيسة السريان الأرثوذكس. يُدعى أيضًا بأفرام النصيبيني أو أفرام الرهوي أو الملفان مار أفرام السرياني، ملفان الكنائس السورية ومعلّم الأرثوذكسيين أجمع. يُكنّى بـ ”قيثارة الروح القدس“ ، ”شمس/نبي السريان“، ”نهر الفرات الروحي“، ”أبونا العظيم“، ”تاج الأمّة السريانية“، ”صاحب الحِكَم“، ”قدّيسنا المشهور“، ”النبي الفائق“، ”عمود الكنيسة“. كلّ هذا ولا ذكر لاسم أبويه أو اسم عائلته. كان القدّيس يوحنّا الذهبي الفم قد نعته بالكلمات ”أفرام كنّارة الروح القدس ومخزن الفضائل ومعزّي الحزانى ومرشد الشبّان وهادي الضالّين، وكان على الهراطقة كسيف ذي حدّين“.  وقال المؤرخ اليوناني سوزومين عنه ”إنّه أرفع من كل ثناء وقد زيّن الكنيسة كلَّها أفخر زينة، وفاق الكتّاب اليونانيين بحكمته ورونق كلامه وأصالة رأيه وسداد برهانه“. اعتبر أحد آباء الكنيسة ومعلّميها منذ العام ١٩٢٠. مار أفرام واعظ، مفسّر للكتاب المقدّس، ناظم ترانيم ولاهوتي متواضع لأبعد الحدود. تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بعيده في الثامن والعشرين من كانون الثاني.

هناك شَحّة في المعلومات الموثوقة عن حياته، ولا بدّ من فرز الواقع عن الخيال والأساطير التي حيكت حول حياته. معنى اسمه ’الخصب‘، ولد في عهد الإمبراطور قسطنطين في نصّيبين (Nisbis) السريانية في بلاد ما بين النهرين (اليوم في تركيا)، على حدود إمبراطوريتَي الفرس والروم، لوالدين مسيحيين فقيرين وهو القائل: ”ولدت في طريق الحقّ، مع أنّني في صبوتي لم أدرك عظمة الحقّ، وإنّما عرفته بالتجربة“. آنذاك كانت نصيبين مركزًا تجاريًا وعسكريا. قضى فترة شبابه كالآخرين،  بعيدًا عن العبادة والقداسة، إلا أنّ تجارب الحياة لقّنته عبرًا ودروسا. شهد عصره، القرن الرابع للميلاد، الكثير من الشدائد الدينية والسياسية من جهة، ويعتبر القرن الذهبي للمسيحية المشرقية من جهة أخرى. يُروى عنه أنّه كان دائمًا بكّاء، عابس الوجه، ولم يضحك قطّ، والكنيسة السريانية تصف المتنسّك بالبكّاء. تتلمذ أفرام لأسقف نصيبين، مار يعقوب النصيبيني (٣٠٩-٣٣٨) ويوليانوس، اعتمد وهو ابن ١٨ سنة، ثم رُسم شمّاسًا، علّم في مدرسة مرموقة بناها يعقوب عام ٣٢٥ مدّة ثمانية وثلاثين عامًا، ثم أدارها هو بعد وفاة مار يعقوب سنة ٣٢٨، إنّها أكاديمية نصيبين حسنة الصيت، التي لقّبت بـ ”أمّ العلوم“. وفيها دُرّست الأسفار التوراتية التالية: أسفار موسى الخمسة، القضاة، سفرا صموئيل، سفرا الملوك، أمثال سليمان، نشيد الأنشاد، أيّوب، أشعياء، الاثنا عشر نبيا، إرمياء، حزقيال، دانيال. وعلى الناشئة قراءة مزامير داؤود وحِكم ابن سيراخ، وبخصوص العهد الجديد فيجب تدريس الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل والرسائل الكاثوليكية الثلاث، وأربع عشرة رسالة للرسول بولس.

خدم أفرام الكنيسة في فترة أساقفتها الأربعة، يعقوب، بابو، فولوجيس، إبراهيم. يقال إنّه رافق الأسقف الأوّل وحضر معه مجمع نيقية في نفس العام، وفي المجمع أُدينت الأريوسية وكل الهراطقة. انتقل مضطرًا عام ٣٦٣، إثر احتلال الفرس لنصيبين، إلى مدينة آمد (في ديار بكر) عند أخواله، ومن ثمّ  سنة ٣٦٥ إلى مدينة الرُّها أو أودسة (Edessa) أو أورفه، التي كانت تحت سيطرة الروم، وتبعد نحو ٢٦٠ كم إلى الغرب من نصّيبين. عرفت تلك المدينة كمركز رئيسي للمسيحية في وقت مبكّر، وازدهرت فيها الثقافتان السُّريانية واليونانية، كما في نصيبين حيث عرفت تعدّد الأديان والمذاهب. وفي أودسة أقام مدرسة الفرس وعلّم فيها مادّتي التفسير والتراتيل، في كنف المطران بارسيس. ونصّيبين في القرن الرابع، كانت سريانية بالكامل، واشتهرت بمدرستها التي تخرّج فيها نوابغ. من أشهر تلاميذ أفرام:  آبا والشمّاس زينوبيوس المعروف بالجزري وآسونا وقورلونا وشمعون السميساطي ويوليان والقسّ إسحق الآمدي والقسّ عبسميا وهو ابن أخت أفرام السرياني. في عهد أفرام أُنجزت ترجمة الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد إلى السريانية. يبلغ عدد السريان اليوم قرابة الستّة ملايين نسمة، وهم موزّعون في شتّى أرجاء العالم، مثل الهند، أوروبا، أمريكا، وفي شمال سوريا حوالي المائة ألف. ولهذا الشعب السرياني أيادٍ بيضاء في الحضارة الإنسانية عامّة والعربية خاصّة، إذ أنّه كان يشيّد المدارس قبل الكنائس، وكانت الأديرة بمثابة دور علم ومعرفة وبحث. مساهمة السريان جلية في ميادين عديدة كالطبّ والكيمياء والزراعة والفلسفة والجغرافية واللاهوت والتجارة والفلك والترجمة بين اللغات: السريانية واليونانية والعربية. وكانت السريانية لغة عالمية على مدى عدّة قرون، وأدّت دور الوسيط ما بين الشرق العربي الفارسي والغرب الإغريقي اللاتيني.

يُروى عن مار أفرام أنّه عند اقترابه من الرها، بعد أن سلّمت نصيبين إلى الفرس عام ٣٦٣، صادف امرأة زانية تحدّق فيه بشكل مثير للريبة، فقال لها ”يا امرأة ألا تستحين أن تحدّقي بنظرك إليّ هكذا؟“، فأجابته ”إنّ المرأة قد أُخذت من الرجُل فيحقّ لها أن تتفرّس في أصلها، أمّا الرجل فأُخذ من التراب فينبغي عليه أن يتفرّس في أصله الذي أُخذ منه“. عندئذ قال في نفسه ”إن كانت نساء هذه المدينة حكيماتٍ هكذا فكم تكون حكمة رجالها؟“ وفي الرها، على ذمّة الرواية،  اشتهته جارة له باسم صوفيا وقالت له ذات يوم: أتحتاج إلى شيء؟ ردّ عليها: إنّي بحاجة إلى حجارة وإسمنت لبناء سور بيننا  كي لا أراك. اشتاطت المرأة غضبًا من ذلك، وهدّدته بأنّها ستتّهمه أمام الشعب بارتكاب الرذيلة معها، إن لم يستجب لتلبية رغبة جسدها. تظاهر أفرام بتلبية طلبها شرط أن يتمّ مبتغاها في سوق المدينة. دهشت المرأة وقالت: كيف يكون ذلك والناس يحيطون بنا؟ ردّ عليها: إن كنتِ تخجلين من الناس، فلم لا تستحين من الله، الذي تخترق عيناه أستار الظلام؟ تأثّرت المرأة، اتّعظت، تابت والتحقت بأحد الأديرة وخدمت الربّ. (للراغب هناك فيلم بجزئين عن حياة أفرام:

https://www.youtube.com/watch?v=vUiKHBU36rc

https://www.youtube.com/watch?v=So8RRtEPiPM

في الرها خدم أفرام عند أُسقفها برسا ٣٦١-٣٧٨، علّم وكرز للوثنيين، فسّر الكتاب المقدّس، نظم الشعر الديني والروحي، أمضى وقتًا في التنسّك، كان يهرب من هذا العالم إلى حياة الخلوة والوحدة والتأمّل، من آن لآخر، ولم يأكل سوى خبز الشعير والبقول المجفّفة. كان بمثابة الأب والراعي لمئات من النسّاك. كان الفقر عند أولائك النسّاك التزاما. قبيل رحيله عن هذه الفانية قال ”لم تكن لأفرام محفظة ولا عصا ولا كيس مطلقا. ولا امتلكت في حياتي شيئًا من الذهب أو الفضّة، لأنّي سمعت الملك السماوي يقول لتلاميذه أن لا يقتنوا شيئًا على الأرض. لذا لم أرغب بشيء بل ازدريت المجد والمال ومِلت إلى العلويات.“

وفي قصيدة معروفة وصف أفرام فلسفته الرهبانية، وفيها يتحدّث مع نفسه، التي روّضها على شظف العيش، وورد فيها:

 

كم مرّة جُعت

وكان جسدي بحاجة إلى الطعام

ولكني امتنعت عن تناوله

لكي استحقّ الطوبى التي سينالها الصائمون

عطش جسدي الذي جُبل من طين

ورغب في الماء ليرتوي

فأهملته ناضبًا لكي يستحقّ التلذّذ بندى النعيم

وإذا كان الجسد دائمًا يكثر مراودتي

فإنّي كنت أروّضه يومًا فيومًا حتّى النهاية

في مساء كلّ يوم أتصوّر أنّي لا أكون في الوجود صباحًا

فأقوم للصلاة والعبادة حتى شروق الشمس وبزوغها

عندما سألني الجسد غفوة

استهويته بالطوبى التي منحها الربّ للإيقاظ

قد صار ذهني مذبحا

وأرادني كاهنا

وكمثل حمل لا عيبَ فيه ضحيت بذاتي قربانا

تحمّلت عذاب الجوع منتصرًا عليه

إذ رأيتك بين اللصّين تذوقُ المرارة لأجلي

اعتبرت ضيق العطش وكأنه لم يكن

إذ رأيت سيّدي بسبب خطيّتي يمتصّ الخلّ

لم أُعر للأطعمة أهميّة

إذ وضعت نُصْب عينيّ وليمة ملكوتك.

 

وفي صلاة له نجد ما معناه:

أيّها الربّ وسيّد حياتي، أَعتقني من روح البِطالة والفضول، وحبّ الرئاسة والكلام البطّال . وأنعم عليّ أنا عبدك الخاطىء بروح العفّة واتّضاع الفكر والصبر والمحبّة. نعم يا ملكي، وإلهي، هَب لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي، وأن لا أدين إخوتي، فإنّك مبارَك إلى دهر الداهرين، آمين.

مات أفرام بوباء الطاعون في التاسع من حزيران عام ٣٧٣، وهو يداوي المصابين به، ويعزّي الحزانى أيام المجاعة التي حلّت بأهالي الرها في آخر حياته. وفي الخامس من تشرين الأّول سنة ١٩٢٠ أعلنه البابا، بندكتس الخامس عشر، ملفان الكنيسة الجامعة. ممّا ورد في وصيته ما يلي  ”… وارُوا جسدي التراب بثوبي وقبّعاتي وذلك في مقبرة الغرباء لأنّي غريب نظيرُهم، وكل طير يأوي إلى شكله. لا يجدر البكاء على الصالحين عند رُقادهم لأنهم يرثون الحياة الأبدية حال دخول أجسادهم غياهب القبر، إنّما يليق بكم، أيها الإخوة، أن تسكبوا الدموع  على أمثالي ممّن بدّد حياته بالأباطيل … هلمّ بسلام يا ملاك الموت، يا من تفصِل النفس عن الجسد، هلمّ افصلهما عن بعضهما حتّى يحين موعد البعث“. نقل رفاته فيما بعد إلى مَقبرة المطارنة في مدينة الرُّها الكبرى، وهناك رواية تقول إنّه نُقل عام ١١٤٥ إلى أوروبا.

لم يصلنا من تفسيراته للكتاب المقدّس نظمًا ونثرًا، سوى تفسيرٍ لسفرَي التكوين والخروج وشذرات أخرى متفرّقة. ولا يوجد في أعماله أيّ صدى لأفكار وعادات اليهود المسيحيين، أو تأثير واضح للفلسفة اليونانية. أمامنا فكر سامي رمزي. له خطب ورسائل وميامر ومداريش (memre، madrashe) . الميمر منظومة تعليمية تُقرأ ولا تُنشد، في حين أنّ المدراش ينشد، وهو ذو أبيات محدودة، ذات ردّة لازمة وأوزان كثيرة. ويقال إنّ عدد هذه المدارش/المداريش الأفرامية وصل إلى قرابة الخمسمائة. وعن الفردوس يقول مار أفرام ”… قاعُه للتائبين، ووسطه للأبرار، وقمّته للكاملين، والعرشُ لرئيسه … إنّ نوحًا في فُلكه آوى البهائم في الطابق السفلي، وأوْكر الطيور في الطابق الوسطي، وتربّع كإله في الطابق العلوي“.

عُصارة فكره الروحي تتلخّص في أن الله خلق الخليقة من أجل الإنسان، الفردوس هو خِدر العفّة، والأرض مسكن البهائم؛ الجنسية أرضية والبتولية سماوية. يشبّه الإيمان بعروس تسير في مقدّمة الجمهور، والصلاة هي العذراء في خِدرها. يعجِز الإنسان عن معرفة وجود الله بدون الله، ويشدّد أفرام على قرْن الإيمان النقي بالعمل. الإيمان والمحبّة جناحان لا ينفصلان، وفي نظره الإيمان فوق المحبّة. محبّة الله والقريب هي الوصيّة العظمى. وعن الصوم  عن اللحم وعن الخمر يقول أفرام: هناك مكافأة خاصّة في الفردوس، المقصود بالصوم هاهنا، ليس عن الأكل والشرب بل وعن الخطيئة. وللبتولية، صوم الطبيعة، أجر خاصّ في الفردوس، ويذهب إلى أنّ طبيعة الإنسان غير فاسدة.

يُعتبر انتاجه الشعري والنثري، زهاء الثلاثة ملايين من الأسطر، حوالي ١٢٠ ألف صفحة،  ١٢ ألف قصيدة و ٥٥٠ مدراشا/نشيدًا وغير ذلك من الصلوات والابتهالات،  أيّ ما يبلغ بضع مئات من الكتب، ثروة عظيمة للمكتبة المسيحية، مثل شرح كلّ الأسفار المقدّسة، مقالات ورسائل وميامر وتسابيح. ترجع أقدم مخطوطات كتابات أفرام السرياني إلى القرن السادس. ومن آثاره الهامّة ما كتبه ضد الهراطقة مثل هرطقة برديصان السرياني (ت. ٢٢٢)، وكان ابنه هرمونيوس قد نظم ١٥٠ نشيدًا لمنافسة مزامير النبي داؤود، فما كان من أفرام إلا أن عارضها بنفس العدد من الأناشيد (وكان برديصان آخر الغنوصيين قد فعل مثل ذلك من قبلُ)، كانت جوقة كنسية من العذارى أسّسها أفرام ترنّم منها في الكنيسة كلّ صباح ومساء. وفي الليتورجيا السريانية أناشيد كثيرة لأفرام. وفي كتاباته يتطرّق أفرام إلى مواضيع كثيرة جدًّا مثل: الإيمان، المسيح، الكنيسة، الجنّة، الخطيئة، الصبر والحذر، هدم الكبرياء، الطبيعة، السلطة الروحية نقيض السلطة الزمنية، الروح القدس، الحضّ على التوبة (له كتاب عن التوبة صدر بالعربية عام ٢٠٠٤ وهو متوفّر على الشابكة)، نصائح، ابتهال وتخشّع، عناية الله، معرفة الجهاد، ورود ربّنا يسوع المسيح الثاني، البتولية وصفاتها، الورع، المحبّة، ذكر الموت، أنواع الفضيلة. اندثر قسم كبير من انتاجه.

في مجال الشعر يمكن التنويه بقصائده الثلاث بعد حصار الفرس الثالث لنصيبين عام ٣٥٠ بقيادة شابور الثاني؛ قرابة الأربعين قصيدة حول آلام المسيح؛ قصيدة قصّة يوسف الصدّيق. لأفرام قصائد طويلة جدًّا وهي على البحر السباعي الخاصّ به وعلى البحر الخماسي،  يبلغ عدد أبيات بعضها الآلاف وهي بدون قافية. ترجمت معظم أعماله لأهميتها أولًا إلى اليونانية بقلم فلافيان الأنطاكي وديودور الطرسوسي، ثمّ إلى لغات أخرى كاللاتينية والأرمنية والجيورجية والحبشية والسلافية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصينية والعربية.

حول ما نقل من نتاج أفرام للعربية، لا بدّ من التنويه بمخطوط في ستراسبورغ تحت رقم ٤٢٢٦ وفيه مادّة وافرة.  الجدير بالذكر أنّ إبراهيم بن يوحنا الأنطاكي كان قد ترجم عام ٩٨٠ إلى العربية بعض المقالات التي تُعنى بالرهبنة، وبعده آخرون في القرن الحادي عشر. نذكر أن  ثلثي كتابات أفرام السرياني مترجمة عن اليونانية والثلث الأخير عن السريانية. ويذكر أنّ السمعاني وبيار مبارك كانا أوّل من نقلا مؤلفاتٍ لأفرام إلى اللاتينية، ثلاثة مجلدات، ١٧٣٧، ١٧٤٠، ١٧٤٣. يلاحظ أنّ موقف أفرام من الثقافتين اليونانية والرومانية غالبًا ما كان سلبيًا وأطلق عليهما عبارة ”السمّ القاتل“. رأى في اليهود عُبّاد العِجل وقتلة، وصارعهم  لما كان لهم من تأثير سلبي في نظره على المسيحية آنذاك. أمّا الهراطقة، مرقيون وبرديصان وماني فقد تصدّى لهم وقاومهم بكلّ ما أوتي من معرفة وفطنة، بناء على تفسيره الرمزي لكلمة الله. ويعتقد أفرام أنّه بالإيمان وحده يتسنّى لنا مشاهدة غير المنظور. ومن الجدير بالذكر أنّ أفرام في سياق تفسيره الثالوث قال إنّه كالشمس، فبقرصها هي كالآب، وشعاعها كالابن وحرارتها كالروح القدس. والأمر ذاته يسري على النار، فاللهيب هو الأب وشعاعها الابن وحرارتها الروح القدس. يُنسب النصّ ”المجد للآب والابن والروح القدس“ بإضافة الواو إلى ’الروح‘ إلى أفرام السرياني، كما يشير مار باسيليوس الكبير أسقف قيصرية قبدوقية (ت. ٣٧٩).

 

من أقواله المأثورة:

* الدموع في الصلاة موهبة عظيمة.

* إنّي ما جدّفت على الربّ كلّ عمري، ولا خرجت كلمةُ جهل من بين شفتي طوال حياتي، ولا لعنت أحدًا ولا خاصمت أحدًا من المؤمنين.

* إن سكنتِ المحبة فيك، فلا عدوَ على الأرض.

* إفصل نفسك عن الحيوانات بأعمالك لا بالكلام.

* عندما تحارب أخاك يصير الشيطان مطمئنا.

* عندما تحبّ الجدال الباطل، تكون قد أعددتَ وليمة للشياطين.

* لا تتكلّم أكثر ممّا يجب، ولو كانت الكلمات حكيمة، لأنّ كلّ شيء إن زاد عن حدّه يكون مملّا، حتّى ولو كان حكيما.

* يا لعظم وسموّ الصلاة! سعيد المصلّي بحرارة، فالشيطان لا يقرُبه أبدا.

* نحن عاجزون عن فهم المعاني العميقة للواقع.

* لا تسخر من إنسان غبي، بل صلِّ لكي لا تكون مثله.

* أقم حصنًا حول شفتيك، وضع حارسًا على فمك.

* إنّ روح الكبرياء حريص على أن يزرع في الجميع زؤانه.

* هل دخل الفقير بيتك؟ لقد دخل الله إليه!

* لا حارسَ مثل علامة الصليب، إنّها ستكون حصنًا لك.

* من يؤمن بابن الله فله حياة دائمة.

* لنتُب يا إخوة ما دام لنا وقت، فقد سمعتم قول المسيح ”هكذا يكون فرح عند ملائكة الله بخاطىء واحد يتوب“ (لوقا ١٥: ١).

* الكنيسة هي جماعة التائبين.

* إنّ الطهارة بمحبّة المسيح موهبة عظيمة.

* الحسد سهم نافذ يقضي على راميه.

* إنّ الحكيم لا يبغُض أحدًا، وإن أبغض فإنّما يبغض الجاهل. أمّا الجاهل فلا يحبّ أحدًا، فإنّه يحبُ رفيقه الجاهل.

* إبكوا عليّ أنا الذي أحبّ قريبي بالأقوال وأبغضه بالأفعال!

* اقتن المال بمقدار، أمّا العلم فاكتسبه بلا حدّ. إنّ المال يكثر الآفاتِ، أمّا العلم فيورث الراحة والنعيم.

* مثلما تتساقط الأوراق من الأشجار، هكذا يتساقط البشر من الحياة.

* مررتُ ذات يوم بباب القبر متأمّلا. فرأيت العالم في حقيقته، رأيت العبد وسيّده والتلميذ ومعلّمه سواسية. أجل، رأيت الملوك راقدين، وقد نُزع منهم سلطانهم.

* من قال إنّه لا يغلَط، فبهذا غَلِط وهو لا يدري.

* التعاظم بالفكر هو بدء الشرور ونهايتها.

* بطوفان الدموع جعلتَ الصحراء أرضًا خصبة.

* كن في فتوّتك متواضعًا لترتفع في شيخوختك.

* إنّ الحكمة أفضلُ من الزينة، والعلم خير من الأموال، والفتى الحدث الحكيم خير من الملك الشيخ الجاهل.

* من يمتلك ذهبًا خالصًا لا يخشى منِ امتحانه بالنار.

* ليس بكثرة البنين تكون الحياة للآباء.

* إذا شاء ربّ البرايا قام الولد الواحد مقام الكثيرين.

* الله كبير لدرجة ولا يمكن إخفاؤه بأيّ شيء.

* مبارك الذي خلق أجسامنا مسكنًا لطبيعته غير المرئية.

* لا أحدَ في العالم غني سوى خاشي الله.

* لم أُعر للأطعمة أهميّة، ونبذت الخمور إذ وضعت نُصْب عيني وليمة ملكوتك أيها الختن السماوي.

* الله موجود في داخلنا.

* نحن كمثل بيت كثير المصروفات وليس له من إيراد فهذا سريعًا يخرب.

* منَ الآن دعِ القول وابدأ بالعمل … هل تقول الشمس إنّها تضيء… إعلم ولا تتكلّم؟!

* لا تحسُب لك حياة إلا الزمان الذي أطعت فيه الله.

* كما يطرَب الخِنزير من التمرّغ في الحمأة هكذا تطرب الشياطين بالزنا والنجاسة.

* غذاء النار الحطب وغذاء الغضب استعلاء الرأي.

* متّقي الربّ بالحقيقة، يصير طبيبًا للآلام.

* اليوم الذي لا تجلس فيه مع نفسك لا تحسُبه من عِداد أيّام حياتك.

* في الهيكل حيث تمثال، لا تُصلّ إلى الله.

* ضلالة الرجل ألا يعرف الكتب، ويضلّ ضلالا مضاعفًا من يعرفها ويتهاون بها.

* يا ربّ لتكن نعمتك فيّ مثل النار، فتحرُق جميع الأفكار التي تباغتني.

* ما دام طعامنا لم يأت إلينا فلا بأسَ أن نذهب نحن إليه.

خلّف مار أفرام السرياني إرثا ساميًّا خالصًا، يحُقّ للسريان أن يفاخروا به الدنيا. لم يُنصَف مار أفرام بين آباء الكنيسة لبعض الأسباب، أهمّها كتابته بالسريانية، في عهد كانت اليونانية لغةَ الثقافة في الشرق، ثمّ كتاباته اللاهوتية كانت شعرًا ورمزًا في العهد نفسه، حيث هيمن الفكر العقلاني الفلسفي عامّة والأفلاطوني خاصّة على المسيحية. ويعود فضل كبير في التعريف على هذا الإرث في العصر الراهن للأب إدموند بيك (Edmund Beck)، الذي شرع في تحقيق ونشر آثار أفرام ونقلها إلى الألمانية بمنهجية علمية منذ العام ١٩٥٥ وحتى العام ١٩٧٩. أثر كتابات أفرام السرياني لا تقتصر على الشرق فقط. وقد قال أحد الباحثين ”لو نفدت ترجمة الكتاب المقدّس بالسريانية الأصلية لتيسّر جمع نصوصها من تصانيف مار أفرام...“ عُرف أفرام بمجموعة من السمات الرفيعة التي قلّما يتحلّى بها الإنسان، منها: البتولية، التعليم المستقيم، الحكمة، الحِلْم، الرزانة، الطهارة، الاعتدال، السيطرة الداخلية والخارجية على النفس، التوحّد، الفقر، التفاني في مساعدة المحتاجين.

 

 

.........................

مراجع:

أبونا، ألبير، مار أفرام الملفان. مجلة بين النهرين ٢، ١٩٧٣، ص. ٢٠١-٢٢٠.

أبونا، ألبير، أدب اللغة الآرامية. بيروت ١٩٧٠.

أيوب، الخوري برصوم يوسف، عبقرية مار أفرام. حلب ١٩٥٨.

برصوم، البطريرك أغناطيوس افرام الأول، اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية. حلب ١٩٥٦، دمشق، مطابع ألف باء، الأديب، ط. ٥، ١٩٨٧.

البرموسي، القمص اغسطينوس، القديس مار أفرام السرياني، سيرته، أقواله. القاهرة: مكتبة المحبّة ١٩٨٨، ط. ٢، ٢٠٠٦.

البستاني، كميل أفرام ، مار أفرام، سيرته، آثاره، قيمته. بيروت ١٩٧٣.

بسترس، المطران كيرلّس سليم، الأب حنا الفاخوري، الأب جوزيف العبسي البولسي، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة. ط. ١، بيروت: المكتبة البولسية، ٢٠٠١، ص. ٥٥٥-٥٦٨.

بيغوليفسكايا، نينا فيكتوروفنا، ثقافة السريان في القرون الوسطى، ترجمة خلف محمد الجراد. موسكو، دار العلم، ١٩٧٩، الترجمة، سورية - الحسكة ١٩٩٠.

ثابت ، يوحنا الأب، تفسير لسفر التكوين منسوب إلى القديس أفرام السرياني في المخطوط الماروني هونت ١١٢ في مكتبة اوكسفورد، قدّم له ونشره الأب يوحنا ثابت، رئيس جامعة الروح القدس - الكسليك، ١٩٨٢.

جبور، اسبيرو والأب أفرام كرياكوس، القدّيس أفرام السرياني - مختارات نسكية وزهدية. ١٩٩٤.

الخوري، الأب يوحنا يشوع  والأستاذ عبد المسيح قره باشي، مختارات من أناشيد مار أفرام. بيروت ١٩٧٣.

دولباني، مار فيللوكسينوس يوحنا، الشعر عند السريان. حلب ١٩٧٣.

الديراني، نزار حنا، الإيقاع في الشعر، دراسة مقارنة بين العربية والسريانية. بغداد، دار التوثيق، ٢٠٠٠.

ساكو، لويس البطريرك، آباؤنا السريان. بغداد ١٩٩٩.

السرياني، الراهب القمص سمعان، القديس العظيم ما افرام السرياني، قيثارة الروح. القاهرة ١٩٨٨.

عيواص، البطريرك زكّا، سيرة مار أفرام السرياني. ط. ٢، دمشق ١٩٨٤.

كامل مراد وآخر، تاريخ الأدب السرياني من نشأته إلى الفتج الإسلامي. القاهرة ١٩٤٩.

المخلصي، منصور، مار أفرام الشماس. بغداد ٢٠٠٣.

نجم، بيار، مريم العذراء في فكر القدّيس افرام السرياني. جامعة سيدة اللويزة ٢٠٠٤.

اليسوعي، الأب بطرس قرماج ، مروج الأخبار في تراجم الأبرار. طبع عام ١٨٨٠.

يعقوب الثالث، آغناطيوس، أعجوبة الزمان أو مار أفرام نبي السريان. دمشق ١٩٧٤

 

http://arabic.coptic-treasures.com/patrology/ephram-syrian.php

http://syri.ac/brock/ephrem

Brock، Sebastian، Introduction، St. Ephrem in Hymns on Paradise. Crestwood، NY: St. Vladimir’s Seminary Press، 1990.

Brock، Sebastian P. ، The Luminous Eye: The Spiritual World Vision of Saint Ephrem (Revised Edition)- Kalamazoo: Christian Publications، 1992.

McVey، Kathleen، Introduction in Ephrem the Syrian’s Hymns. New York: Paulist Press، 1989.

Griffith، Sidney H. Faith Adoring the Mystery. Reading the Bible with St. Ephraem the Syian. Marquette University Press Milwaukee، Wisconsin، 1997.

Matthews، Jr.، Edward G.، and Joseph P. Amar (trans.). Saint Ephrem the Syrian: Selected Prose Works. Catholic University of America Press، 1994

 

abdulelah alyasriشرع الأستاذ المصريّ إبراهيم السنوسيّ يدرّسنا اللغة العربيّة، في الصف الثاني المتوسّط، في ثانويّة الخورنق، في مدينة النجف، للسنة الدراسيّة 64 ــ1965م. وما إِنْ حان درس الإنشاء، فدخل الصفّ مشيداً بموضوع لأحدنا، حتّى ظننتت أنّ موضوعي هو المعنيّ. وبينما أنا قد هيّأت نفسي لقراءته، دعا الأستاذ زميلي باسم حميد الصفّار، ليقرأ علينا موضوعه المشاد به. ساءني ذلك، واغتظت آملا في أن أدحر غريمي الصفّار، في الشوط القادم من درس الإنشاء. لكنّه لم يندحر. بل دام هو السبّاق في كلّ الأشواط.. كان زميلي الصفّار يميل إلى الشغب البرئ في الدرس. واذاما تلبّس على الأستاذ الأمر، اعترف بشغبه صادقا جريئا. وكنت أُجلّ فيه خصلتي الصدق والجراءة. ومن شغبه أنْ طفق الأستاذ يشرح قول شوقي:"وسقى الله صبانا ورعى". فسأله عن معنى "الله". فردّ الأستاذ المؤمن عليه سؤاله باللهجة المصريّة :"ده كفر وإلحاد ياصفّار! ده شيوعيّة!". فاحتجّ تلميذ منا:"الشيوعية خير لك يااستاذ. لولا اعتقال المدرسين العراقيين الشيوعيين في 8 شباط 1963م، لمَاجئتَ الى العراق، ولمَا سمعنا منك هذا الكلام". لعل استاذنا المصريّ الكهل الطيّب لم يدرك عقبى الاتهام بالشيوعية في العراق حينذاك. ولكننا نحن التلاميذَ الأغرار أدركنا عقبى قوله. فضجّت حناجرنا تظاهراً عليه، حتى بلغ ضجيجنا ادارة المدرسة، فأقبل الاستاذ محسن البهادلي مُغضَبا، وطرد الصفّار والآخر المحتجّ من الدرس فورا. وتوعّدنا منذراً، لكنّ الإحتجاج لم ينتهِ بطرد زميلينا، ووعيد المدير، بل استمرّ مُغيّراً مجراه الإنفعاليّ، إذ دسّ أحد شياطين الصفّ صورة بيننا، للممثّلة المثيرة "بريجيت باردو"، وهي عارية. فتلاقفتها الأيدي سرّاً وعلانية. فراب الأمر الأستاذ. واضطرّته الحال، إلى أن يوقف الدرس مذهولاً بإزاء القوّة الخفيّة التي زلزلت التلاميذ، وصرفت عقولهم عن الدرس. حينئذ رغبتُ بالغياب عن الحضور. فاستأذنت الأستاذ خارجاً، ووقفت حيث يقف زميلاي المطرودان. سألني زميلي الصفّار:"ما الخبر ؟". ولمَّا سمع مني الخبر اليقين. قال:"لو لم يحسب المدير أني أتملّقه، ليعفو عني، لأعلمته اسم صاحب الصورة العارية، لينال جزاءه. ماذنب هذا الأستاذ المصريّ المسكين؟". أعجبني قوله، ووقع مني موقعاً حسناً، بنَى أساسا لصحبة طويلة. . . قضيت عطلة الصيف، أقرأ كتب "المنفلوطيّ" و"جبران"، واتمرّن على "البيان" فيهما استعداداً لمنازلة صاحبي في الإنشاء، حتى مضت العطلة واستُؤنفت الدراسة، لسنة 65 ــ1966م. وبيناً أنا أفكّر في هزمه أدبياً في الأشهر الأولى من الثالث المتوسّط، فإذا هو أصبح بطل درسي الهندسة والجبر، إذ أبدى تفوّقاً عجيباً فيهما. لاحول ولاقوّة لي عليه. فاستسلمت له طوعاً، وجعلت أستدرك غلطي بصوابه في حلّ تمارينهما. ولم يعد يحفل بدرس الإنشاء، إذ تجاوز الخاطرة والقصة القصيرة، الى ماهو أعمق واغنى، متأثراً بالرواية والمسرحية. وكاد مسرحنا المدرسيّ يعرض له مسرحيّة. لكنّها رُفضت. وأنّى لمثل صوته أن يُسمع، وقد أصمّ أولو الأمر سمعهم؟، ولكم ضقنا صدراً بصممهم! . ولم نتنفّس الصعداء، وتنشرح الصدور، حتى تاسسست"ندوة شموع الأدب" في صيف 1966م، لتحتضن مواهب أدبيّة، لفتيان غِضَاض، لمَّا يبلغوا العشرين بعد. فياحبّذا تلك الندوة الأدبيّة، التي رحبت لطموحاتنا، وأنمتها شعرا ونثرا!. ولئن عرفت صاحبي قاصّاً من قبل، فقد عرفته في أماسي هذه الندوة المباركة ناقدا طامحاً. وبين القص والنقد بات شعاعه الأدبي يسطع بين لِداتنا، في كلّ أمسية. وماكان نجمه ولا مثله ليأفل، لولم تستولِ عصبة 8 شباط على السلطة ثانية، في عام1968م، فتطفئ تلك الشموع الأدبية المضيئة توجّساً، واستهانةً بالأدب، وبقيمة الإنسان وكرامته. . . حين جزنا الثالث المتوسط ناجحينِ، ووقفناعلى مفرق طريق. ذهب صاحبي الى مدينة كربلاء، ليدرس في مدرسة المعلّمين، ومكثت أنا بمدينة النجف، لأدرس في اعداديّة النجف. وبعد أربع خلون من السنين، تعيّن معلّماً في كركوك في عام 1970م، بعد أن أنهى سنة من الخدمة الإلزاميّة في الجيش. وعلى الرغم من التباين الدراسي والمكاني بيننا، لم يقطع صلته الفكرية والروحية بي. ولم ينِ عن أن يحضّني على التكلّم بالمسكوت عنه في نوادي الشعر، والتفكير في اللامفكر فيه اجتماعيا وسياسيا ودينياً، . كنّا اثنين يبدوان كالواحد، انقطاعاً الى بعضهما في عمق الإخاء وصدق المودّة. . . وفي يوم من ايّام السبعينيات السود، تعجّل في طلبي قادماً من شماليّ العراق الى الكوفة، وتعجّلت في تلبيته، وكلانا تحت مطرقة الحزب الحاكم، ومجهره السريّ. لا لشئ، إلا لأننا لا نريد ان نفكّر في شئ، بعقل غير عقلنا. وانطلقنا نتحدّث بما يتحدّث به الجنديّان المجروحان في جيش منهزم. ومافتئت أذكر من الحوار الطويل بيني وبينه أشياء. سألني:"ماأخبار التعليم في النجف والكوفة؟". قلت له بهمس ووجل محاذراً عيون السلطة المبثوثة، في كل مكان من حولنا:"دخل المعلّمون والمدرّسون في الحزب الحاكم ابتغاء النجاة من الموت، ولم يفضل من أصدقائنا إلا القليل القليل الذي لايرى معنى لحياته، من دون حريّتة الفكريّة، كمثل الذين سافروا ولم يعودوا الى العراق، وكمثل الإستثناء الأستاذ محمّد تركي المعمار. ذلك المعلّم البطل الذي تحدَّى قرار تبعيث التعليم، وآثر السجن على العبودية والخنوع للسلطة، معطياً درساً تاريخيّاً في البطولة لمعلمي العراق. لله درّه!كأنّه جيش وحده . ". قال لي بصوت خفيض:"إنّ الحبل يوشك أن يلتفّ على كلّ الأعناق الباقية. لعلّك لن تراني، أو لن اراك بعد اليوم. حان أن يقول كلّ للآخر:وداعاً. "ثم أطرق وقال بألم شديد:"أيّ حزب هذا الحزب الحاكم؟أيدعو الى الحريّه شعاراً، ويُكره الناس على الإنتساب إليه بالقوّة، ويرهبهم بالموت؟ ". قلت معلّقاً:"من ينتسب اليه يمت أكثر ممن لاينتسب. نحن لا نرفض الإنتساب اليه، لأننا نكره الحياة، ونحبّ الموت بل لأننا نحبّ الحياة، ونجلّها عن أن تكون به رخيصة وتافهة. "قال:"نعم. أعتقد أن الإبادة الجسدية هي أقلّ قسوة من الإبادة الفكرية والروحية للشعوب. أيّ حياة للإنسان مع القطيع؟". . . ثم نجوت من الموت الزؤام في العراق لوذاً بموت مختلف الأسم في المغرب. في عام 1979م. وانقُطِع بي. فلا بريد بيني والعراق. لكنّي لم اكفف عن السؤال عن أهلي وأصدقائي وتلاميذي، ما استطعت الى ذلك، بين السيّاح العراقيين القادمين الى المغرب. ولم أقف على أثر لصاحبي، حتى تهيأ لي زائر عراقي كركوكيّ في المغرب، واطمان له قلبي، فسالته عنه واصفاً إياه (هو معلم نجفيّ اسمه باسم لكن اسمه الرسميّ عبدالأمير حميد الصفار. . .) قال:"ان كنت تسأل عن باسم، فاني لم اسمع به بين المعلمين في كركوك. وإن كنت تسأل عن المعلّم عبدالأمير، فانه قد قُتل في الحرب قبل سنين.. ".. أضحت إقامة المواطن العراقيّ في المغرب، أواخر الثمانينيات، مشروطة بصلاحية جواز سفره، أي برضا الحكومة العراقيّة عنه، بعد أن تقاربت حكومتا الرباط وبغداد، زمن الحرب العراقية الإيرانية، فإذا أنا في مرمى الحكومتين. ولم أشعر بالأمان من بغتاتهما، حتى التجأت الى الزمهرير الكندي في عام 1989م . وإذا ضمّدت كندا كثيراً من جراحي النازفات، فان جرحاً نازفاً على صاحبي لمّ يتضمّد . وفي يوم قارس من شتائها في عام 1994م، حمل إليّ البريد رسالة من دمشق، من المفكّر هادي العلوي طاب ذكره يقول لي فيها:" أدعوك لأن تدعم مجلة"عشتار" النظيفة جداً في استراليا. وهذا عنوان رئيس تحريرها:باسم حميد (..) " كتبت مستجيباً له، وأنا شاكّ في ماهيّة المكتوب اليه. أهو صاحبي القديم أم غيره. ؟ولم أكد أصدّق أنه هو عينه، حتى وصلت إليّ من السويد رسالة أخرى من أ. د. فاخر جاسم طال بقاؤه ــ. وفي طيّتها بطاقة لي، من استراليا، ذُيِّلت بإمضاء "باسم حميد الصفار". فكان ماكان من فرح لايكاد يصفه حرفي. ثم انعقد حبل الوصل لنا مجدّدينِ ما بليَ من حبّ، وباعثينِ مامات من أمل .. وبينما نحن نتساجل في مختلف الشؤون مكاتبة حيناً، ومهاتفة حيناً آخر، باغتتني رسالة قادمة من صاحبي، في حزيران 2000م:"عندي خبران لك ياعبدالإله:جيّد وسيئ. أمّا الجيّد:فقد أتممت رقن مخطوطتك الشعريّة (أرق النجم)إعدادا لطبعها. وامّا السئ، فإني أريد أن أراك، في استراليا او كندا، حسب ظروفك، بعد سفري للسويد، في تموز القادم ، لأن مرض السرطان لايمهلني إلا قليلا".. لم أكن على يقين، من أنْ سيتاح له من الوقت في الحياة لأراه، فاعتزمت السفر إلى السويد، قبل فوات الأوان. ووجدته ينتظرني في مدينة "هلسنك بورك" السويدية، وقد هدّ جسمه الإعياء، وغيّره المرض. وماكدت أعرف منه إلا ابتسامته الجميلة، التي أضاءت وجهه المرهق بالعراق والمرض. ولكنّه كان رابط الجأش، راسخ الكلمة، دمث الخُلق. . . وقبيل عودتي أشار عليّ، وعلى صديقنا أ. د. فاخر جاسم، أن نجتمع لأمر ما في نفسه، فاجتمعنا. قال:"نحن نعيش بخير. ولنا أصدقاء يعيشون في جحيم، تحت الحصار الإقتصادي في العراق. ولهم حق علينا. فلنتعاهد على مساعدتهم بالمال شهريا، ولنبدأ الآن قولا وفعلا. . . ". . . رحم الله أبا أحمد، الأستاذ باسم حميد الصفار راحلا في13 ــ9 ــ2003م، وإنّي لثكلان ومُرَزَّأٌ برحيله. المجد والخلود لروحه، في ذكراه السنوية الثالثة عشرة، والصبر الجميل لذويه ومحبيه.

 

عبد الإله الياسري

 

diaa nafieتعارفنا عام 1961 في موسكو (حيث جاء اليها للدراسة وبقي فيها لحد الان)، وفي عام 2016، اي بعد خمس وخمسين سنة من تعارفنا، سنحت الفرصة ان نلتقي معا مرة اخرى، وان نتنزه سوية في شوارع موسكو، وان نتحدث بهدوء عن شذرات من الماضي والحاضر والمستقبل، وقد حدث هذا اللقاء اثناء مشاركتنا معا في اعمال المؤتمر الدولي الرابع لمترجمي الادب برعاية معهد الترجمة الروسي، والذي انعقد في موسكو (من 8/9 الى 11/9 – 2016).

قال لي عبدالله انه – لو بقي في بغداد – كان سيصبح فنانا تشكيليا او قاصا، قلت له - لقد شاهدت مرة عدة لوحات جميلة له منشورة في احدى مقالاته، ولكني لم أقرأ اي قصة له، اجابني ضاحكا – عندما زرت بغداد قبل عدة سنوات وجدت في بيتنا القديم قصة كنت قد كتبتها وكان عمري 17 سنة. قلت له – انني أشعر وكأنك نادم الآن لانك بقيت في موسكو طوال حياتك ؟ قال مبتسما - لا ابدا، ولكنه نادم فعلا – قلبا وقالبا - لانه أضاع كثيرا من سنوات عمره في موسكو بترجمة نصوص سياسية وتعليقات اخبارية عامة في وكالة انباء (تاس) وغيرها من المؤسسات الاعلامية السوفيتية آنذاك، وذلك من اجل كسب (فلوس !) المعيشة ليس الا . ذكرني هذا الموقف بما قاله لي مرة الروائي الكبير والمترجم المرحوم غائب طعمه فرمان حول ذلك الموضوع ايضا، وقلت هذا لعبد الله، فاجابني مؤيدا – نعم، لقد عانى غائب من ذلك طبعا، بل اني شاهدت كيف كان غائب (يجبر نفسه) ان يترجم تلك النصوص البعيدة كل البعد عن عوالمه ونفسيته واهتماماته الثقافية والفكرية، ومن اجل نفس الهدف . الكلام عن غائب جرٌنا الى الحديث عن مخطوطته التي ترجمها ولم يمهله الموت كي ينشرها، وهي رواية أليكسي تولستوي - (بطرس الاول) . تحدث عبد الله عن هذه المخطوطة، وكيف انه أراد ان ينقحها ويشرف على نشرها باعتبارها خاتمة أعمال غائب الترجمية، وقال بأسى ان أرملة غائب لم تتفهم موقفه بتاتا، وأخذت تتحدث عن حقوق مالية ومبالغ خيالية تطالب بها (لم يطلبها حتى ورثة همنغواي! كما قال عبد الله)، وشرح لي بالتفصيل – وهو متألم جدا – معاناته من جراء موقف ارملته الساذج هذا وتخبطها العشوائي وثرثرتها الفارغة ايضا، وقال انه يريد الانسحاب من هذه القضية برمتها حفاظا على ذكرى المرحوم غائب . حاولت تغيير موضوع الحديث المؤلم هذا (لاني أعرف طبيعة العلاقات الحميمة والصادقة لعبد الله بالمرحوم غائب والاحترام المتبادل بينهما طوال حياتهما معا في موسكو، بل واعرف ان عبد الله كان شاهد زواج غائب آنذاك)، وقلت له انني معجب جدا بنشاطه الترجمي الاخير، والذي بدأه في مجال تاريخ العراق المعاصر في الوثائق الروسية، وان ذلك موضوع مهم جدا، اذ لم يسبق لاحد من العراقيين ان تناوله بهذا الشكل سابقا، وهو يذكرني بما قام به المؤرخ العراقي نجدة فتحي صفوة بالنسبة للعراق في الوثائق البريطانية . قال عبد الله ان التقرير الذي ترجمه عن الروسية ونشره لقاسم حسن هو بداية لنشاط يريد القيام به في هذا المجال شبه المجهول للقارئ العراقي تقريبا . قلت له انني اؤيده تماما، وسألته عن الخطوة اللاحقة في هذه المسيرة، فقال انه عثر على وثيقة لخالد بكداش يطالب فيها من منظمة (الكومنتيرن) ان يكون هو (اي بكداش) مسؤولا عن كل الاحزاب الشيوعية العربية، ولكن ديميتروف (المسؤول الاول في تلك المنظمة آنذاك) اعترض على هذا الطلب ولم يوافق عليه، واخبرني عبد الله انه يخطط للقيام بترجمة الوثائق الخاصة بالعراق والموجودة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي (وفيها اسرار كثيرة !)، وكذلك الوثائق الخاصة بالعراق في وزارة الخارجية الروسية، فتمنيت له الموفقية بانجاز هذه العملية الكبيرة والمهمة للتاريخ العراقي الحديث، والتي ارى انها بحاجة الى مساندة الدولة العراقية نفسها، او في الاقل بعض الجهات العراقية الرسمية، وانها بحاجة ايضا الى جهود لجان علمية متخصصة باكملها، رغم قناعتي التامة ان الحماس الشخصي يبقى هو العنصر الاول والاهم في تنفيذها، فقال لي عبد الله، ان هناك جهات عراقية مستعدة لنشر هذه الوثائق فعلا، ومنها دور نشر محترمة مثل (دار المدى) في بغداد وغيرها.

تحدثنا ايضا عن زملاء لنا درسوا معنا في الستينات من القرن العشرين، وتوقفنا عند المرحوم الفنان والكاتب المسرحي قاسم محمد، الذي قال عنه عبد الله حبه انه كان ألاقرب روحيا له بين كل الفنانين المسرحيين العراقيين الذين درسوا معه في موسكو (تذكرت طبعا انني كتبت حلقة خاصة عن قاسم محمد ضمن سلسلة مقالاتي بعنوان – عن بعض العراقيين الذين مروٌا بموسكو)، وذكرنا المرحوم عزيز حداد، الذي توفي في السويد، وقال لي عبد الله اننا كنا ندعوه – عزيز سينما، نتيجة تعلقه واندماجه بفن السينما، وذكرنا مقالاته المترجمة في الصحف والمجلات العراقية آنذاك، وتحدثنا عن عبد القادر رحيم، الذي لا نعرف – كلانا- ما مصيره واين هو الآن، وتذكرنا ادوا ره الشعبية المعروفة في المسرحيات التي قدمتها فرقة المسرح الفني الحديث في بغداد، وخصوصا مسرحية (النخلة والجيران)... تحدث عبد الله حبه ايضا عن علاقاته الواسعة مع الادباء العرب، الذين مروا بموسكو في عهدها السوفيتي مثل محمود درويش ومواهب الكيالي وغيرهم، وكيف التقى ببعضهم خارج الاتحاد السوفيتي، وهي حكايات تستحق التسجيل والتحليل ايضا، لأنها تعكس واقعنا العربي الثقافي بكل ما فيه من وقائع مريرة وتعيسة وتراجيدية .

انهي هذه المقالة بما ابتدأنا به من ذكريات عبد الله حبه حول حياته في بغداد قبل السفر الى موسكو، اذ انني سألته عن تلك الفترة، التي لا اعرفها عنه، فقال لي، انه كان تلميذا في الاعدادية المركزية، وانه ساهم برمي الحجارة مع تلاميذ آخرين (منهم الصحافي العراقي الكبير محمد كامل عارف) من على سطح المدرسة، على موكب الملك فيصل الثاني عندما كان يمر من قرب المدرسة في طريقه الى البرلمان لالقاء خطاب العرش (يعرف العراقيون اين تقع الاعدادية المركزية ولحد الآن، واين كان يقع البرلمان الملكي آنذاك، الذي تحول الى المحكمة العسكرية الخاصة (المهداوي).. ثم ..ثم.. ثم، واخيرا اصبح – بيت الحكمة) . تم اعتقال التلاميذ طبعا من قبل الشرطة، وتدخل وزير المالية (وهو زوج شقيقة عبد الله حبه) وأنقذه من التوقيف، ولكن ادارة الاعدادية المركزية فصلته لمدة سنة، فاخذ يعمل في احدى المصارف الاهلية في بغداد، وعاد بعد سنة الفصل تلك الى الاعدادية، واكملها، وتم قبوله في قسم اللغة الانكليزية بكلية الآداب في جامعة بغداد، والتحق في الوقت نفسه في قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة / القسم المسائي، وساهم في الحركة المسرحية العراقية آنذاك بشكل او بآخر، واختلط برموز تلك الحركة وتعامل معها مثل حقي الشبلي وجاسم العبودي وغيرهم من الاسماء الكبيرة في عالم المسرح العراقي ...وحدثني عبد الله عن كلية الآداب ومرسمها الذي كان يمارس فيه هوايته، وهي الرسم، وتوقف عند بعض طلبة تلك المرحلة في كلية الآداب، وكان من بينهم طارق عزيز، وخالد طبره الذي انقذه عبد الله حبه من موت محقق، عندما طاردوه اعضاء من اتحاد الطلبة في كلية الآداب بالمسدسات، وكيف احتمى خالد طبره بعبد الله حبه في المرسم، وكيف قام عبد الله بتهريبه من شباك المرسم بمساعدة شقيقة الشاعر الفريد سمعان، وكيف شكره طارق عزيز بعدئذ على ذلك، وكيف أراد خالد طبره في ما بعد ان يقتل شقيق عبد الله حبه باطلاق الرصاص عليه ...

الحديث مع عبد الله حبه ممتع ومتشعب وواسع جدا، اذ انه يتناول تاريخ العراق الحديث في نهاية العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري الاول، وكذلك تاريخ العراقيين الذين يقطنون في روسيا ومشاكلهم العديدة والمتشابكة جدا وتاريخ علاقاتهم الواسعة والمتناقضة مع بعضهم البعض ومع الادباء والسياسيين العرب الذين مروا بموسكو في الفترة السوفيتية وما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، ولا يمكن لي في أسطر قليلة ان اعرض ابعاد هذا الحديث الشائق كله والوقائع التي تناولها، لهذا فانني مضطر ان اتوقف الآن، واتمنى ان اعود اليه في يوم- ما ...  

 

أ.د. ضياء نافع

 

jawadkadom gloomبعد انحلال ماسُـمّيت جزافا الجبهة الوطنية في العراق بين حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي العراقي والتي تأسست في عام /1973 بدفعٍ وإلحاح من لدن رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي ألكسي كوسيجن وقتذاك صاحبتْـها اشتراطات بعثية قاسية لكنها قُبلتْ رغم أنف الكثير من الشيوعيين الذين أبدوا عدم رضاهم على هذا الاتفاق المتعجّل حتى سُميت تندّرا واستخفافا واستهزاءً باسم " الݘبحة " الوطنية وهذه المفردة باللهجة العراقية تعني (الكبوة) إذ بدأت المطاردات والاعتقالات العشوائية للشيوعيين وأنصارهم بدءاً من منتصف عام / 1978 ودون ان يعلن ايّ طرف عن إلغائها رسميا

حينها ضاق بي المقام في بلادي مثل حال بقية صحبي بعد أن أطيح بالجبهة حيث كانت القوات الأمنية التابعة لسلطة البعث الحاكمة وعناصر البعث ورفاقهم تعتقل ايّ شيوعي صغيرا كان ام كبيرا من الكوادر والاصدقاء والمتعاطفين دون اي اتهام او جنحة سوى انه منتمٍ ولم يسلم أيّ فرد من هؤلاء من الملاحقة وتـتبّع أثرهم والسعيد السعيد من انسلّ هاربا الى شمال العراق للانضمام مع " البيشمركة " مقاتلا في صفوف المعارضة بشمال العراق وهناك من يمّم وجهه شطر سوريا ولبنان في عمليات هرب غاية في الارهاق اذ كانوا يقطعون هذه المسافات وعبور الحدود مشيا على الاقدام

انا عن نفسي فقد كنت أناور هنا وهناك داخل بلدي ولم أشأ الاغتراب مهما سيحصل تراني مرة عند صديق في الريف مختفيا ومرة اخرى أعود الى مدينتي في النجف لأقيم عند قريب لي ردحا من الزمن وحالما اشعر بثقل ضيافتي على احد ألملم حاجياتي وحقيبتي لاستقر في مكان اخر بعيدا عن اعين الرقباء والمتلصصين

كان الجميع يخاف من إيواء المطلوبين للسلطة ووصل الامر ببعض الناس ان تطرد حتى أفراد أسرتهم ممن يشك في انتمائه وكونه مطلوبا للسلطة وبين هذا التشتت وذلك الخوف العارم من العيون المتجسسة اضطرني الظرف القاسي وقذفَـني حظي ان انام في غرفة على السطوح في اقدم واعرق حي ببغداد القديمة هذا الحيّ الذي يعرفه العراقيون والبغداديون خاصة يسمى " الحيدرخانة " العتيق وكل فروعه وأزقته تتفرع الى شارع الرشيد وساحة الميدان وسط بغداد القديمة

تلك الغرفة التي أهجس انها مصممة اساسا قِـنّاً للطيور الداجنة ثم تم توسعتها وإعلاء سقفها بهدف تأجيرها سكنتُـها قرابة الشهرين وكنت ارتقيها بواسطة سُـلّـمٍ خشبي مُـتّكئ على الجدار عدة مرات في اليوم لأنها تخلو من حمّام أو مرفق صحي حتى اضطررت الى حمل وعاء كبير نسميه " السطل " اثناء صعودي ونزولي لأملأه بالماء من المقهى الصغيرة القريبة من غرفتي

هذه المقهى كان معظم زبائنها من العميان وجلّهم اصحاب مواهب في العزف على الآلات الموسيقية وقدرات لايستهان بها في الشعر والتأليف ويمتلكون قدرة محببة في مخيالهم الواسع والعريض وتقع المقهى في ساحة الميدان غير بعيدة عن مخبئي اذ كانت ملاذي بعد الغروب وموئل إناء الماء الذي أحمله الى مأواي

أحد هؤلاء العميان ومازلت اتذكر اسمه " عبد الصمد " ولايغيب شكله وهيأته عن ذهني ما حييت له من الحدس مايثير العجب ومن السليقة الشعرية مايدهش بفطرته المطبوعة في نفسه حيث كان يتقن الإيقاع بأذنه الموسيقية ولا يفوته الزحاف في الوزن مهما كان خفيفا ويصطاد الخلل في الوزن بلمحة عجيبة قبل وصول الشعر الى الأسماع مع انه لم يدرس عَروض الشعر العربي وأوزانه الخليلية لكنه بارع في رصد النشاز والخلل في الوزن والإرباك في الايقاع وفي موسيقاه بأسرع من سرعة البرق اضافة الى قدرته وملَكَـتِه في العزف على النايّ ومن المحال ان تسمعه دون ان تهيج في دواخلك بواعث الشجى والأسى وتلتحم بأنفاسهِ وزفيره الذي يمرّ من قصبة الناي لتلقاه أنامله ذات الحساسية المفرطة وهي تتراقص على ثقوب القصبة لتبعث صوتا غاية في الشجى وكأن هاروت ينفث فيه سحرا

كان يدسّ نايَه الصغير في جيبه ويأتيني أول الليل وحالما يتناقص روّاد المقهى ننزوي في ركن قصيّ قبيل اغلاقها لنستمتع معا الى عـزفِـه المؤثر لكن من بقي من رواد المقهى سرعان ما يتحلقون حوله انجذابا حالما يسمعون نفثاته

من نوادره ايضا انه كان يدندن في صدر بيت شعري يبتكره واحيانا يتعثر ويعجز عن اكمال شطره الثاني بالصيغة التي يراها محببة فيها مسحة من الابداع وحالما يتحسس مجيئي الى المقهى نازلا من السّلّم يناديني طالبا مني اكمال العجز فأكمله له بالشكل الذي يرضيه ويعود مجددا الى البيت الثاني ويرجوني ان اكمل البيت اللاحق ولا ادري كيف يدرك جليسي المحبب " عبد الصمد " الاعمى وجودي قربه ويبدو انه يتحسس وقع خطواتي المرتبكة وانا انزل الى الارض من الدرج المخيف بحذر شديد غير مألوف لدى الاخرين لقلة مهارتي في استخدامه صعودا ونزولا خاصة اذا كنت احمل متاعا أو ماءً

وخلال إقامتي في هذا " القنّ " المسمّى جزافا غرفة قرابة الشهرين وقبل مغادرتي بغداد مرغما هاربا من بلادي التي أحبّها بجنون رغم الواقع المزري جدا الذي عشته شريداً دائم التنقّل وحقّ لي ان أصفه حبّا من طرف واحد كما يقول العشاق ولم تنفع معي كل المغريات والضغوط والتوسّلات على مغادرة العراق لكن الامر وصل الى حدّ عدم الاحتمال فإما السجن ويلحقه الاعدام او الاغتراب فـقبيل مغادرتي كتبنا انا وهو قصيدتين من قريض الشطر والعجز ونحن نقتنص الاجواء في اول الليل التي نحدسها آمنة في المقهى وننزوي في ركن ناءٍ ونكمل مابدأنا حتى انهينا قصيدتين مشتركتين وقتذاك

ذكرتُ تلك الايام السود وقد مررتُ مؤخرا بالمكان الذي استقررت فيه قبلا وأنا أجرجر جسدي عنوةً حينما اشعر ببعض قوة تحلّ في كياني فأزور شارع المتنبي وألتقي ببعض أصدقائي وقلت في نفسي لماذا لاأمرّ على المقهى وأدخلها لعلها مازالت قائمة في مكانها فالأمر لايكلفني مشقة لاسيما ان الطريق الى المتنبي يمرّ عبرها لذا عزمت على زيارتها وفوجئت ان المقهى لازالت على حالها مع بعض التغييرات الطفيفة في ديكورها الحديث رأيت القسم الكبير من روّادها العميان يـقـتعـدون تختها الخشبيّ القديم وبعض كراسيها البلاستيك الجديدة التي تم تأثيـثها لها

وزادت رغبتي أكثر بالسؤال عن جليسي السبعيني الشاعر والعازف البصير سريرةً " عبد الصمد " ولكن لمن أوجّه سؤالي فكل من يعمل في المقهى هم من السعاة والنادلين الشباب وجالت عيوني في الرواد والزبائن لعلي أجد أحدا من كبار السن يسعفونني من وعكة سؤالي وإرضاء رغبتي العارمة في معرفة مصير هذا الاعمى العالق ذكره في مخيلتي

دنوت من احدهم ملقيا التحية عليه وسألته بلطفٍ وبالتفصيل والشرح المملّ لكنه لم يقنع فضولي حتى مررت على اربعة من الجالسين سائلا دون ان اعثر على ايّ اثر

عدت ادراجي يائسا ميمما وجهي صوب شارع المتنبي لأشارك أصدقائي جلساتهم عسى ان انسى هذا التخاطر الذي أربكني وأهاجني وأقضّ مضجعي هذا اليوم.

هذه بعض ابيات القصيدة الاولى التي أتذكرها الى الان عندما كتبناها معاً وقد يكون سبب تذّكري إياها ما نعانيه الان من وضع مماثل وفق منظور القول المشهور (ما أشبه الليلة بالبارحة) اما القصيدة الثانية فقد غمرها وعث النسيان وضاعت في مسالك شيخوختي وقد أمسك بعض أذيالها يوما ما متشبثا بمرور الصدفة وحنوّها عليَّ كما حصل لي في القصيدة الاولى:

بــغــدادُ دمـعـة أيـامـي ولـوعـتُــهــا

وفـي ثَـراها أرى الحـلاّج قد صُلبــا

ما ضرّني جَـمرةٌ تجْثـو على جسدي

بل شـاقَـني صحبةٌ صاروا لها لَـهَبـا

دمـوعُ يعـقوبَ تجْـري في مَـرابعـنا

دماءُ يـوسـفَ ما كـانـت دمـاً كَـذبــا

يا خمرة الرَّوْح والريحان تُسكرنـي

فـأنهـلُ الـزِّقَّ حـتى ألْـعَـقَ الـحـبَـبا

تـشدو المقـاماتُ فـي أفْــيائِـنا نغَما

كـرْداً بَـياتاً نَـهاونْدا، وثم صَبـا

أكاد أربأُ من قــولٍ حــوى سَـفَــهـا

يقضي بأنّ الـدنى تأتي لمن غـلَــبـا

وفـي الـسماواتِ أذكــارٌ وأدعِــيـةٌ

تـقول لي : إنـما الـدنيا لِـمن وهَـبـا

تـجـاوزتْـنـا بَـهـيْــمٌ كـان جُـلُهـمُـو

لا يعرفُ الشعْـرَ مجْـتَـثّاً ولاخَبَـبـا

لـكنـما الـسعْـدُ لا يـبـقى إلـى أمَــدٍ

فـفي الحنايا بـكاءٌ لامـسَ الطرَبــا

وفـي الـجـوانِـحِ قـلـبٌ هـدّهُ ظـمـأٌ

لا يرتضي الماء إلاّ زمْزماً عـذِبا

وفي المنافي حبـيـبٌ أنَّ مُـبـتعـداً

وترقص الروحُ جذلى كلما قـربا

كـأنّــنـا فـي رحـيــلٍ دائــمٍ أبــدا

يبقى فـتانا يعـيش العمْـر مغتربا

لا مستـقر لـه في أرضهِ وطَـرا

يضيع كالتائهِ الولهان مضطربا

يا لَلأعاصير تعرونا وتُـرعـدنا

وتـأخـذ الصبرَ مِـنا غِـيلةً نهَبــا

تؤرجح الريحُ أحلامي وتحملني

إلى الفـتـوّةِ أُملي سُـوحَـها لعِـبـا

وتـستبــيحُ هـزيعَ العـمْرِ، آخِـرَهُ

تذيقني الشهْدَ والأطيابَ والرطَبا

لكنها الريـحُ مهْـوى حـبِّها قـلِـقٌ

ترى رضاءً وحيناً تلمحُ الغضبا

 جواد غلوم

 

عشرون عاما مرت على رحيل الشاعر أحمد بركات، وهي نفسها السنوات العشرون التي لم تستطع بمرورها تغييب قصيدته. هذه القصيدة التي تَلمع بشهوة الشعر وطراوته. قصيدة بمَسلكيات، فَذة اتخذت لنفسها رفا مميزا وسط مكتبة الشعر العربي المعاصر.

فلغة أحمد بركات التي تحضر دائما في نصوصه مُعتَدة بقلقها ونبيذها، والتي طالما حاول نقاد كثيرون فك شيفرتها التي يَدسّها من غير تخطيط، وهي شيفرات رَوّضت الخطاب النقدي على إعادة صياغة مقولاته من داخلها.

فقصيدة هذا الشاعر، المزدانَة بمُعجم شعري وضيء، يَنطلق من وجدانية صداحة، ومَعرفة آهلة عَرفت كيف تُفيد من المنجز الشعري العربي والكوني وتَهضمه تمام الهضم، لتتقدم به خطوات إلى الأمام داخل علبة / لعبة التجريب في قصيدة النثر العربية، فالتجريب سِمة أساسية تَلتصق بكل شعرية ذات نسغ مغاير وعظيم ،وكذلك كان فعل الكتابة عنده بِنزوحه نحو تَنسيب الثوابت، واختراق البداهة، إلى جانب كبح المتعاليات البلاغية ليجنح إلى السؤال بحثا واختيارا وطلبا للأجمل، وهو جنوح يُؤثث تأسيسه بدِربة كبيرة من التجربة والاختمار، تَحرقها الرغبة الأكيدة في اندغام الشاعر ذاتا بلغته لهَذا تجد هذه اللغة لا تَستريح في شكل مستقر. لغة يعلوها دائما غبار المغامرة ..كلماتها تتناسل تلقائيا ..بيضاء كجبنة القرية .

يعتبر أحمد بركات، أحد أوائل مجايليه ممن ركبوا غمار التجريب، في قصيدة النثر بمعناها الحديث والمعاصر ..التجريب عند هذا الشاعر لا يمكن النظر إليه إلا بِوصفه -وهذا مما لا يمكن اغفاله- مشروع رؤية فنية تَحُثّ بعضها البعض على المغامرة والاجتهاد، وتَجَاوز الجاهز في تَحَد واضح لتقليدانية مُتَرسخَة في الأدْهان، لم يسلم منها مدّعون كثيرون حتى يَومنا هذا.

فالقصيدة هنا، والتي تَحتفظ بِنكهتها الخاصة، المُتأسسة على ضوء المغايرة والإجتهاد - بجوهرية تأملية مضاعفة - لا تَنغمس في خَانة التزويق والإئتلاف، الأشبه بطرق تعليب المواد الإستهلاكية .. قَصيدة لا أحفل كَثيرا بإضافتها إلى مُذكر مُعرّف مَجازا هو النثر، فقصيدة أحمد بركات يليق بها أكثر وصف: القصيدة الكرستالية أو القصيدة البيضاء ..قصيدة بدون ألقاب أو نياشين ..بصفاء يفتعل تقويض النمذجة، والتَمرد على الإنتماطية موصول بنظافة اللغة الممهورة بلمعان أساليبها، وغزارة معانيها، وهو ما يَهبها الحيوية والجدالية المُستمرة بتدبيج دهشتها. فتجربة هذا الشاعر وجيزة من حيث الإمتداد الزمني، وكَبيرة فيما يهم قوة ما سطرته من منجز شعري وجمالي له ما يؤكده ويدل عليه .

يقول في مستهل ديوانه " أبدا لن أساعد الزلزال "، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 1991

«حذر كأني أحمل في كفي الوردة التي توبخ العالم/الأشياءَ الأكثر فداحة: قلبَ شاعر في حاجة قُصوى إلى لغة/ والأسطُح القليلة المتبقيةَ من خراب البارحة/ حذرٌ، أخطو كأني ذاهب على  خط نزاع..»..» ص. 5

يذهب الإعلامي عبدالحميد جماهير إلى  أن الشاعر الراحل أحمد بركات، عاش سريعا وعاش طويلا وعاش في قسوة ورحل سريعا أيضا، لكن حياته كانت ذاكرة لحياة جيل، بمعنى أنه كان يمتلك نفس ملامحه، وهو عوض أن ينشغل كثيرا بالأسئلة والماهيات، كان يحتفل بالنصوص التي تتموقع فيها ملامح جيل أو قصيدته الشخصية، فعاش دائما على حافة الألم، وعلى مقربة كبيرة من العذاب، أتوقع اليوم أننا نعيش ميلادا جديدا له، كان يبحث في الواقع عن اللغة التي سيفاجئ بها العالم، وحين لم يجدها في الحياة، ربما وجده في النفس الأخير من العدم...

يقول الشاعر : وأعرف بالبَداهة أني عمَّا قريب سأذهبُ مع الأشياء/ التي تبحث عن أسمائها فوق سماء أفضل»  "(ص7) أبدا لن أساعد الزلزال "،

يضيف الشاعر: «ربما حتى أصل إلى القرى المعلقة في شموس طفولتكم/ علي أن أجتاز هذا الجسر الأخير وأن أتعلم السهر مع أقمار/ مقبلة من ليالٍ مقبلة حتى أشيخ» "(ص6 )  أبدا لن أساعد الزلزال "،

سؤال الموت والرحيل، ضل تيمة أساسية في شعر أحمد بركات، الذي كان ارتباط وعييه في دخيلته راسخا بمُمارسة السؤال، الذي لم تخنه المسافة الجمالية والمعرفية،  ليَندغم به وله في فعلانية إبداعية، قلّ وفائها عند كثيرين من المشتغلين على القصيدة.

  يقول في نص:

 «ربما حتى أصل إلى القرى المعلقة في شموس طفولتكم/ علي أن أجتاز هذا الجسر الأخير وأن أتعلم السهر مع أقمار/ مقبلة من ليالٍ مقبلة حتى أشيخ»  "(ص6 )  أبدا لن أساعد الزلزال "،

ويقول في نص أخر

 لذي شيء ما أشبه بخبز إلهي، وأريد أن أقتسمه مع أي كان في عشاء أخير (ص87) / أريدُ من يسمع مني ما رآه الشاعرُ في منامه إذ قال: «... وتحولَ جسمي إلى كلمات...» "(ص89 )  أبدا لن أساعد الزلزال "،

 نصوص بركات شقراء الروح بالضرورة كرغوة "البيرة"، والتي أنظر إليها - كرجل رائع حديث العهد بالحانات. فالشعر يأتي من المنسي والمِفجاج والابْتعاد ما أمكن عن البلاغة وعَضلاتها، أما هنا فَهو مَحض نِيابة عن الذات. ذات الشاعر التي تَحضر كسند لقصيدته، وهو حضور مُصاحب لرؤية تستطيع أن تستأنس بإضافة صفة خلاقة لها.

 فتجربة هذا الشاعر، المتميزة بالتصاقها الحميم بجوهرية الشعر الطافح عن الحياة والألم ،الذي كان صَليب هذا الشاعر. وهو نفسه الصليب الذي عبر عَنه بشفافية لامعة، تُسعف على الاقتراب من مكنون ما يعتمل في خاطِرِية المنطق الإبداعي لديه.

بافتتان بالغ، تابعت ما رصده الشاعر عبد الدين حمروش، في كتابه "المكان الفني في شعرأحمد بركات " وهو الإصدار الذي عمل على مصاحبة نصوصه، برؤية معرفية رصينة، وأدوات اشتغال أضاءت حيزا مُهما في تجربة هذا الشاعر الرّكيز، في سياق المشهد الشعري المغربي والعربي، ومما ألمَحَه عن بركات قوله: «لقد عاش شاعرنا حياة قصيرة جدا، لكنها مكثفة في شعريتها ورمزيتها. فلكأن حياة الشاعر، بقدريتها تلك، كانت شرطا ضروريا لكتابه نص متميز في عمقة واختلافه، وذلك لعمري هو مكمن اصالة شاعر يسمى احمد بركات» فهذا الأخير، الذي يُعدّ ضمن كوكبة الشعراء الأشقياء، المهووسين بقلق الشعر ودفئه، خلّفَ لنا أثرا بارزا بدوانيه (أبدا لن أساعد الزلزال ) الأول الذي كان البشارة البكر على بزوغ شاعر مختلف، والثاني (دفاتر الخسران) الديوان الذي بات يرمز، إلى دفاتر جيل لم تُسعفه مرحلة الثمانينات ولا المراحل الزمنية التي تلتها، على البوح الشعري في جو ثقافي مغربي صحي وفاعل .

إني وأنا أقرأ كتاب عبد الدين حمروش، أتذكر عديد المقالات والدراسات التي كُتبت عن شعر أحمد بركات، الذي باستحضاره نستحضر أحد الشعراء المغاربة البارزين والأساسيين: فقصيدته وهبت لحياة الشعر المغربي، معاني جديدة، أغنت وجددت أشكال التعبير، لا الشعري فحسب بل الجمالي بصفة عامة.

ومن هنا، أتكلم عن أحمد بركات لا كشاعر أو نص يحمل معياره في صلبه، بل كصوت لأصالة نادرة في المشهد الثقافي المغربي، الذي صار شديد الشبه، بحفلة عزاء حُسَيْنِيّة بارعة في اجترار بكائياتها طوال العام.. لا أستظل منها إلا بفيء شعراء نادرين ومضيئين، وأحمد بركات أحدهم

         

 

jawdat hoshyarقرأت في عام 1963  – وانا طالب في موسكو – نتائج إستطلاع للرأي بين القراء الروس عن أحب كاتب الى قلوبهم . وكم كانت دهشتي عظيمة، عندما تصدر الكاتب الروسي  قسطنطين باوستوفسكي القائمة، التي كانت تضم أشهر كتاب روسيا والعالم . 

كنت قد سمعت بأسم هذا الكاتب أول مرة من مدرسة اللغة الروسية في الكلية التحضيرية بجامعة موسكو، وغلب على ظني حينئذ انه من الكتاب الذين يحظون بمباركة رسمية . ونسيته بعد ذلك تماما . وقد دفعني هذا الإستطلاع الى البحث عن أعماله الروائية والقصصية في متاجر الكتب بالمدينة، ولكن دون جدوى، لأن كل كتاب جديد له كان ينفد بعد أيام من عرضه للبيع، رغم صدوره في مئات الآلاف من النسخ . فما كان مني الا أن أبحث في المكتبة العامة القريبة من مسكني عن نتاجاته . وما أن شرعت بقراءة أعماله حتى سحرني أسلوبه وعالمه القصصي، الذي يشغل فيه وصف الطبيعة الساحرة لروسيا الوسطى جانباً كبيراً منه، وهو لا يقص أحداثاً خطيرة أو وقائع عظيمة، بل يجعل الأحداث الصغيرة، والأشياء العادية مثيرة للأهتمام .

قسطنطين باوستوفسكي (1892- 1968) كاتب غزير الأنتاج، كتب عشرات الروايات والقصص الرائعة، كما كتب للأطفال مجموعة من الحكايات الجميلة، وحولت السينما الروسية العديد من قصصه ورواياته الى أفلام سينمائية ناجحة .

وقد استوقفتني روايته الرائعة " الوردة الذهبية " (1955)  المكرسة لجوهرالكتابة الإبداعية. وهي على شكل فصول مستقلة، وكل فصل مكرس للحديث عن تجربة ابداعية معينة للمؤلف .وكما يقول في مقدمة الكتاب، فأن هذه الرواية ليست بحثا في قواعد كتابة الرواية او القصة، مؤكداً أنه لا وجود لمثل هذه القواعد، بل يدعو القاريء الى الدخول في مختبره الإبداعي.

 وفي الفصل المعنون " ندوب على القلب " يتحدث عن خلفية كتابة أشهر قصة قصيرة له وهي " البرقية " عندما قضى عدة اشهر في دار امرأة عجوز مريضة ببلدة ريفية، وتفرغ فيها للكتابة .ولكنه ازال نفسه من القصة، وكتبها بالضمير الثالث،واضاف اليها شخصيات من وحي الخيال . والقصة اعمق واغنى من الواقع بكثير. قرات قصة " البرقية " بتمعن،واعدت قراءتها المرة تلو المرة، وأنا مأخوذ بأناقة لغة الكاتب  وجمال اسلوبه، وعمق تصويره السايكولوجي ، الذي يحرك مشاعر القاريء ويترك في نفسه أثراً عميقاً، ويدفعه الى تأمل الحياة من حوله برؤية جديدة .

ويبدو أنني لم أكن وحدي من هزتّه هذه القصة السايكولوجية، فقد كرست المغنية والممثلة الألمانية - الأميركية الشهيرة مارلين ديتريتش، اسطورة هوليود، صديقة همنجواي وريمارك، فصلاً كاملاً  في كتاب لها بعنوان " تأملات" (1985)، للحديث عن هذه القصة وكاتبها باوستوفسكي ولقائها بالكاتب في موسكو عام 1964، عندما أحيت عدة حفلات غنائية على مسرح " دار الكتّاب .

تقول ديتريتش: " ذات مرة قرأت قصة لباوستوفسكي – الذي لم اسمع به من قبل - بعنوان " البرقية " تركت في نفسي انطباعا قويا، وجعلتني لا أنسى القصة ولا اسم كاتبها مدى الحياة . لم أعثر على  أعمال أخرى لهذا الكاتب المدهش . وعندما سافرت الى روسيا في جولة فنية، ووطأت قدماي أرض مطار موسكو، أخذت أسأل عن باوستوفسكي . 

كان هناك مئات الصحفيين الذين لم يوجهوا لي أي أسئلة غبية من قبيل الأسئلة التي ابتليت بها في البلدان  الأخرى . وكانت اسئلتهم مثيرة للأهتمام . استغرق حديثنا أكثر من ساعة، وعندما وصلت الى فندقي، كنت أعرف كل شيء عن باوستوفسكي . كان مريضا، وراقدا في المستشفى في ذلك الوقت . وقد قرأت لاحقاً  كلا المجلدين لسلسلة رواياته المعنونة " قصة حياة " وكنت منتشية بنثره الفني . قدمنا عدة حفلات للكتّاب، والفنانين، والممثلين . واحياناً كنا نقدم أربع حفلات يومياً.

وفي أحد هذه الأيام، وأنا خلف الكواليس، أستعد للظهور على خشبة المسرح، جاءت مترجمتي (نورا)، وقالت . ان باوستوفسكي موجود في القاعة . لم اصدق ذلك . وقلت: "هذا مستحيل "، فهو يرقد الآن في المستشفي بسبب نوبة قلبية، كما قيل لي في المطار. ولكن (نورا) أكدت : نعم أنه هنا برفقة زوجته . كانت الحفلة جيدة، ولكنك لن تحقق ما تنشده، عندما تحاول بكل جهدك أن يكون أدائك على أفضل وجه . طلبوا مني البقاء على المسرح، بعد انتهاء الحفلة. وفجأة صعد باوستوفسكي الدرج الى خشبة المسرح . ذهلت عندما رأيته شاخصاً أمامي، وانعقد لساني، ولم أستطع ان اتفوه بكلمة واحدة بالروسية . ولم أجد طريقة أخرى للتعبير عن اعجابي به سوى الركوع على ركبتي امامه. كنت قلقة على صحته، وأريد أن يعود الى المستشفي حالاً . ولكن زوجته طمأنتني: " هكذا سيكون أفضل له . لقد بذل جهدأ كبيراً لكي يأتي لرؤيتك " . وقد توفي بعد ذلك بوقت قصير . بقيت لدي كتبه وذكرياتي عنه . كَتَبَ باوستوفسكي برومانسية، ولكن بوضوح، ومن دون تزويق . لست على يقين أنه معروف في أميركا، ولكنهم سيكتشفونه يوماً . أنه من أفضل الكتاب الروس الذين أعرفهم . لقد التقيت به في وقت متأخر جدا.

ويروي بعض الكتّاب الروس الذين حضروا الحفلة ذكرياتهم عن هذا الحادث.وهم يختلفون في بعض التفاصيل، ولكنهم يجمعون، بان الجمهور أصيب للحظات بالذهول، وساد القاعة الكبيرة صمت غريب، ثم صرخت فتاة داخل القاعة بكلمات مبهمة، دوّت بعدها عاصفة من التصفيق المتواصل . ويقول هؤلاء الشهود بأن ديتريتش ارتمت على المسرح جاثية على ركبتيها وأخذت تقبّل اليد التي كتبت قصة " البرقية "، ثم وضعت يد باوستوفسكي على خدها المبللة بالدموع .

 كانت ديتريتش ترتدي فستاناً ضيقاً، ابيض اللون،وكان من الصعب عليها النهوض، فساعدها بعض الحضور على ذلك، ثم  خاطبت الجمهور قائلة : " كنت أحلم بلقاء باوستوفسكي، من اجل سداد دين له في عنقي، وانا في غاية السعادة لأن حلمي قد تحقق ."، كان في القاعة العديد من المصورين، ولكنهم كانوا في حالة ذهول ولم يفطن احد منهم لألتقاط صورة لهذا المشهد النادر سوى احد الحضور،الذي التقط صورة واحدة، نشرت فبما بعد في الصحف السوفيتية .

قصة " البرقية " :

تتناول القصة الأيام الأخيرة في الحياة لأمرأة عجوز مريضة تدعى كاترينا بتروفنا،التي  تعيش وحدها في في دار بناها والدها الفنان التشكيلي الراحل في بلدة (زابوريا)  بعد عودته من العاصمة الروسية القديمة بتروغراد .

كانت كاترينا في شبابها في غاية الجمال والنشاط والحيوية، زارت باريس مع والدها وعاشت فيها عدة أشهر، وشاهدت جنازة فيكتور هوجو، وكانت لعائلتها علاقات اجتماعية واسعة بالفنانين والكتاب والشعراء، اما اليوم فأنها تقضي ايامها في استعادة صور الماضي، ولولا  بنت الجيران "مانوشكا" التي تأتي لأداء الأعمال المنزلية، ولولا عامل الإطفاء، الذي يهيأ لها الحطب للشتاء الروسي القاسي، لماتت في غرفتها من البرد والجوع دون أن يدري بها أحد . ادارة البلدية حجزت على الدار بذريعة انها تراثية، وعلى اللوحات الفنية الثمينة فيها . لكنها لا تبدي أي اهتمام، لا بالدار ولا بصاحبتها .

ناستيا الإبنة الوحيدة لكاترينا بتروفنا تعيش في لينينغراد، المرة الأخيرة التي جاءت فيها لزيارة امها كانت قبل ثلاث سنوات . لم تكن كاترينا بتروفنا تراسل ناستيا الا ما ندر، فهي لم تكن راغبة في التدخل في حياة إبنتها، ولكنها كانت دائمة التفكير فيها .. ناستيا ايضاّ لم تكن تكتب اية رسائل لأمها، وتكتفي بأرسال حوالة مالية لها بمبلغ مائتي روبل كل شهرين أو ثلاثة اشهر .

في اواخر اكتوبر، وفي ساعة متأخرة من الليل،  سمعت كاترينا بتروفنا دقات على باب الحديقة، وذهبت لتفتح الباب ولكن لم يكن هناك احد . في تلك الليلة كتبت رسالة لأبنتها ترجوها ان تأتي لزيارتها .

كانت ناستيا تعمل سكرتيرة لأتحاد الفنانين التشكيليين في لينينغراد، وكان الفنانون يسمونها " سولفيك " لشعرها الأشقر وعيونها الوسيعة الباردة .عندما استلمت رسالة امها كانت جد مشغولة بتنظيم معرض للوحات فنان موهوب ومغمور اسمه تيموفييف، ولهذا فإنها دست الرسالة في حقيبتها لتقرأها فيما بعد . الرسالة طمأنتها بأن امها ما زالت على قيد الحياة ما دامت قد كتبت لها رسالة.

عند زيارتها لمرسم الفنان تيموفييف كان ثمة تمثال نصفي لجوجول وخيل اليها بأن جوجول يحدق فيها بنظرة تهكمية ساخرة . انشغلت ناستيا اسبوعين كاملين في تنظيم المعرض . وخلال حفل الافتتاح جلبت ساعية البريد برقية عاجلة لها بتوقيع تيخون :" كاتيا تحتضر". لم تفهم فحوى البرقية على الفور، الى أن قرأت اسم بلدة (زابوريا) التي صدرت عنها البرقية .. وكاتيا هي اختصار لأسم كاترينا . كوّمت ناستيا البرقية في قبضتها، وخيل اليها مرة اخرى ان جوجل ينظر اليها نظرة عتاب وتقريع. وفي مساء اليوم نفسه قررت السفر الى (زابوريا) .توجهت الى محطة القطار مشيا على الأقدام، كانت الريح المثلوجة تضرب وجهها،ولكنها لم تكن تبالي بها . 

كانت كاترينا بتروفنا طريحة الفراش منذ عشرة ايام، وظلت "مانوشكا" الى جانب المريضة لليوم السادس . ذهب تيخون الى دائرة البريد في البلدة واخذ استمارة برقية، وفكر طويلا قبل ان يكنب شيئا ما على الاستمارة،ثمّ جلبها لكاترينا بتروفنا وقرأ في رهبة : " انتظريني .انا في الطريق . إبنتك المحبة دائما . ناستيا " شكرت كاترينا بتروفنا تيخون لكلماته الطيبة واستدارت تحو الحائط وكأنها قد غلبها النعاس.

تم تشييع كاترينا بتروفنا في اليوم التالي، والذي حضره العجائز والصبيان . وفي الطريق الى المقبرة شاهدت المعلمة الشابة في مدرسة البلدة  النعش، فتذكرت امها العجوز، التي تركتها وحيدة في المدينة. اقتربت المعلمة من النعش وقبلت يد كاترينا بتروفنا الصفراء الجافة.

وصلت ناستيا الى (زابوريا) في اليوم الثاني لدفن امها . ووجدت بدلا منها كومة تراب على قبرها، وغرفة فارغة باردة ومظلمة ظلت تبكي فيها طوال الليل .ومع حلول الفجر غادرت (زابوريا) خلسة لكي لا يشاهدها او يسألها أحد . وخيل اليها ان لا احد يستطيع ان ينزع عنها ثقل الذنب،الذي لا يمكن اصلاحه سوى امها الراحلة.

هذه هي القصة التي ابكت الكثيرين . وهي قصة كالجبل الجليدي، لا يظهر منها على السطح سوى جزء بسيط، والبقية بين الاسطر وما ورائها . باوستوفسكي مثل تشيخوف وهمنجواي يترك القاريء ليكمل القصة ينفسه كل على طريقته الخاصة، اما الكاتب فيكتفي بالتلميحات والتفاصيل الدّالة . ومن هذه التفاصيل ان الفنانين كانوا يطلقون على ناستيا اسم "سولوفيك " وهو اسم  بطلة مسرحية " بير جينت " للكاتب النرويجي هنريك ابسن.ومن قرأ هذه المسرحية يعرف المقصود ب" سولفيك ".

ومن هذه التفاصيل ايضا ان كاترينا بتروفنا كانت تحمل دائما حقيبتها اليدوية، وتفتحها بين حين وآخر لتتطلع الى صورتها وهي شابة، والى صورة ابنتها، والى بعض  الاوراق الرسمية يداخلها . وهذا تلميح إلى أن زوج كاترينا، الذي تجاهل المؤلف الاشارة اليه ربما يقبع في المعتقل وهذه الاوراق تخص قضيته . وثمة تلميح آخر وهو ان كاترينا، حين خيل اليها ان احدا يدق باب الحديقة، في وقت متأخر من الليل و ذهبت لتفتح الباب ولم تجد احدأ، انما كانت تنتظر عودة زوجها. والقصة زاخرة بهذه التفاصيل الموحية .

باوستوفسكي أحد الكتّاب القلائل الذين حافظوا على استقلاليتهم وحريتهم الداخلية، في ظروف بالغة القسوة في ظل النظام الستاليني الشمولي . لم ينتم الى الحزب الشيوعي، ولم يكن عضوا في مجلس السوفييت الاعلى،كما العديد من زملائه الكتّاب . بل أنه لم يكن عضوا قيادياً حتى في اتحاد الكتاب السوفييت. لم يكتب كلمة واحدة في مديح ستالين أو النظام البلشفي، ولم يحاول التسويق لنفسه بالتملق لذوي النفوذ . وظل ضميره حياً، يقظاً، ونقياً . واستطاع أن يحافظ على سمعته ككاتب صادق وانسان نزيه.

لم  يترجم شيء يذكر من أعمال باوستوفسكي الرائعة الى اللغة العربية، رغم أنه ومنذ الخمسينات معروف عالميا، وترجمت أعماله الى اهم لغات العالم، وكان في مقدمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للآداب لعام 1965، بل أن لجنة نوبل أتمت كل التحضيرات لأعلان فوزه بالجائزة، ولكن الأتحاد السوفييتي مارس ضغطاً  دبلوماسياً واقتصادياً هائلاً على السويد، لصرف النظر عن منح الجائزة لباوستوفسكي . وفعلاً أثمر ذلك عن منح الجائزة الى مرشح الدولة السوفيتية ميخائيل شولوخوف.

 

alaa allamiهذه سلسلة من التعريفات التراثية الموثقة هدفها التعريف بعدد من الشخصيات والمواقف والوقائع المضيئة في تاريخينا العربي الإسلامي أرجو ان تكون مفيدة:

1- أبو حنيفة النعمان، هل هو النقيض المبكر للفكر السلفي التكفيري المعاصر بأنواعه؟

استذكر الصديق منير التميمي في منشور على مواقع التواصل له يوم أمس الإمام أبا حنيفة النعمان، وقد أعوزه التوثيق بخصوص أحد فتاويه التي ذكرها أستاذنا الراحل هادي العلوي فوثقت له ذلك، ولكني رغبت في التعريف أكثر بهذا الإمام الفذ والمهم في التراث العربي الإسلامي. إليكم أولا توثيق ما ذكره الصديق منير، وبعد ذلك سأورد لكم أمثلة ومعلومات أخرى عن ولأبي حنيفة:

ذاكرتك جيدة - أبا يوسف - نعم، وقد ورد ما ذكرته بخصوص فتوى أبو حنيفة بعدم عقوبة من سبَّ النبي من أهل الذمة في كتاب أستاذنا الراحل هادي العلوي (شخصيات غير قلقة في الإسلام / دار الكنوز الأدبية - بيروت ص 134) واليك نص ما كتب (ومن أقيسة أبو حنيفة النادرة إفتاؤه بعدم عقوبة من سب النبي من أهل الذمة خلافا لبقية الفقهاء الذين اوجبوا فيها القتل واستند في هذا الحكم إلى أن الذمي مسموح له بالكفر أي بعدم الإيمان بالإسلام ، والكفر أشد من السب).

- كما أباح أبو حنيفة لغير المسلم - ذميا او محاربا - دخول المساجد العادية بما فيها المسجد الحرام وبقية الفقهاء يترددون بين السماح في المساجد العادية ومنعه بتاتا وهو مذهب الشيعة).

- وأيضا (وأفتى أبو حنيفة بأن الحج راكبا أفضل من الحج مشيا وعلله بان من حج ماشيا ساء خلقه فيؤذي الناس ومن ركب حسن خلقه فيتحمل الناس ولعله يعبر بهذا التعليل عن معرفته بسوء مزاج المتدينين وكثرة إدلالهم على الناس بسبب ما يبذلونه من جهود في أداء الفرائض ... ص133).

ومن المصدر نفسه أورد لكم هذه المقتطفات التي تؤكد بشكل ما أن هذا الفقيه الإمام، بما عرف عنه من تفتح وشجاعة وانحياز للفقراء وغير المسلمين والنساء بلغ درجة التأييد العلني للثورات المسلحة ضد الدولة الاستبدادية في طوريها الأموي والعباسي، هو النقيض المبكر والناضج للفكر التكفيري السلفي بكافة أنواعه:

- لم يُجز الفقهاء تعيين المرأة في القضاء قياسا على عدم جواز مبايعتها بالخلافة. ولكن أبو حنيفة أجاز ذلك فيما تصح به شهادتها من الأحكام مما يعني جواز تعيينها قاضية في المحاكم الشرعية.

- اعتبر أبو حنيفة علة تحريم الخمر في الإسكار فنقل التحريم من شرب الخمر إلى السكر وبهذا القياس أباح النبيذ لضعف قوة إسكاره، وكانت هذه الفقرة في مقالة العلوي هي التي دفعت بأحد خطباء الجمعة السلفيين اللبنانيين إلى الإفتاء بوجوب قطع يد الكاتب – العلوي – فعلق العلوي ساخر: نلاحظ – هنا - أنهم يخلطون حتى في الأحكام الشرعية فقطع اليد عقوبة قال بها الفقهاء للسارق وليس لمن يكتب مقالة رأي !

- أبو حنيفة هو الذي رد ورفض مبدأ " الأجر على قدر المشقة" ففضل الحج راكبا على الحج ماشيا.

- أوجب القصاص للمسلم وغيره فالمسلم إذا قتل مسلما يقتل به قصاصا، وهو حكم عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز، وساوى في الدية بين المسلم وغيره إقرارا لمبدأ التكافؤ في الدم بغض النظر عن الدين وساوى بين دية الرجل والمرأة.

- عدَّل أحكام الخمس المتفق عليها بين المذاهب السنية والشيعية، فأسقط سهم ذوي القربي الذي كان لأقرباء النبي من بني هاشم، من بني عبد مناف، ونقله الشيعة إلى الإمام المعصوم، ولكن أبا حنيفة أسقطه وجعله لليتامى والمساكين وقال (إن فقراء بني هاشم يأخذون نصيبهم منه أسوة بالآخرين ولا يُعطى أغنياؤهم منه...) وهنا يكمن السبب الرئيسي في الموقف السلبي منه والتشنيع عليه من قبل الفقهاء والكتاب الشيعة المتقدمين والمتأخرين كما نجد في " زهر الربيع" لنعمة الله الموسوي الجزائري.

- أيد أبو حنيفة الخروج المسلح والثورة ضد الخلفاء الجائرين، فأفتى بتأييد ثورة زيد بن علي في الكوفة ضد الدولة الأموية في زمن هشام بن عبد الملك ودعمه بالرأي والمال كما أفتى بتأييد وثبة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، شقيق الثائر محمد النفس الزكية، الفاشلة في البصرة ضد الخليفة العباسي المنصور، ويعتقد بعض المؤرخين أن رسالته السرية الى إبراهيم وقعت بيد مخابرات المنصور فكانت سببا لنقمة الخليفة عليه قد سُجن أبو حنيفة وهو في السبعين من عمره ويعتقد انه قتل غيلة بالسم في سجنه.

........................................

 

2- القطب الصوفي عامر العنبري (النباتي المقاطع للحكام، المدافع عن غير المسلمين، والمتخلي عن عطائه "راتبه" للفقراء:

تلبية لطلب عدد من الأصدقاء الأعزاء، واستمرارا لمنشوري السابق عن الإمام الفذ أبي حنيفة النعمان، سأنشر تباعا سلسلة من التعريفات المقتضبة بعدد من الأعلام المهمين في التراث العربي الإسلامي ممن يدخلون في باب " التصوف القطباني" وهذا المصطلح هو من مبتكرات معلمي الرحل هادي العلوي ويقصد به التصوف كما أسس له سلوكا وقولا أقطاب التصوف بفرعيه " الاجتماعي النضالي" والعرفاني الفلسفي " وستكون وقفتنا اليوم مع القطب عامر العنبري:

- هو عامر بن عبد قيس أبو عبد الله ويقال أبو عمرو التميمي العنبري البصري، تابعي بصري عاش واشتهر في عهد الخلفاء الراشدين / خلافة عثمان بن عفان، وقيل إنه توفي منفيا في بلاد الشام في زمن معاوية، ويعتبر من مؤسسي الإرهاصات الأولى للتصوف القبطاني.

- قاطع الحكام وامتنع عن الخدمة الحكومية والتعامل مع الحكام.

- كان يوزع عطاءه " راتبه كمقاتل في جيوش الفتح" على الفقراء ولا يبقي منه إلا ما يسد الرمق.

- كان نباتياً لا يأكل اللحم.

- اختار العزوبة فلم يتزوج.

- لا يحضر صلاة الجمعة/ برر ذلك بأنه يحضرها ولكن في الصفوف الخلفية.

- قيل بأنه فضَّل نفسه على آل عمران " الأنبياء " ولكنه نفى التهمة والعلوي يرجح عدم صحة التهمة لأنه (متواضع ولم يكن يحب التباهي على طريقة الشعراء).

- عرف بدفاعه عن غير المسلمين " أهل الذمة بالمصطلح التراثي" / رواية: شاهد مرة عونا من اعوان حاكم البصرة يظلم ذميا فتدخل وخلصه منه وقام خطيبا في الناس، نهى في خطبته عن اضطهاد الذميين لأنه من اعمال المنكر. وختم بالقول (لن تنقض ذمة محمد وانا حي) في إشارة الى الحديث النبوي (احفظوني في ذمتي ... ومن آذى ذميا فقد آذاني ومن آذاني كنت خصمه يوم القيامة).

استجوبه أحد الولاة ودار بينهما هذا الحوار :

الوالي: ألا تغشانا؟ (ألا تزورنا؟)

عامر: إن سعد ابن أبي العرجاء يحب الرفعة "الوجاهة "!

الوالي: ألا نستعملك؟ (نوظفك عندنا؟)

عامر: حصين بن أبي عامر يحب العمل "الوظيفة "!

الوالي: ألا نزوجك؟

عامر: ربيعة بن عِسل تعجبه النساء!

الوالي: إن هذا الرجل يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلا!

عامر (يفتح المصحف ويقرأ الآية التالية): إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين.

يمكن أن نستنبط – والكلام هنا لي وليس لأستاذي العلوي - من رد عامر الأخير نفيا لتهمة تفضيل نفسه على آل إبراهيم ويمكن ان نستنبط منها تأكيدا بالاعتماد على تقديم القرآن لآدم على الآخرين وبما أن عامر من بني آدم فهو مقدم عليهم بموجب الآية !

ختاما: يبدو ان اضطهاد أعوان الحاكم وحمايات المسؤولين والنواب اللصوص صار شاملا في عصرنا فهؤلاء لم يعودوا يميزون بين المسلم وغير المسلم فهم يضطهدون الجميع ويطلقون النار عليهم دون تمييز تطبيقا للنسخة الطائفية من ديموقراطيتهم الأميركية، وهم لا يملون ولا يشبعون من الاستعمال و"العطاءات / الرواتب الفضائية والبرية " ومن اللحم – بكافة أنواعه حياً وميتا – فسلام على روحك وذكراك، شيخنا النبيل عامر العنبري، كم نحن بحاجة لأمثالك!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

amar hamidأونوريه دي بلزاك (Honoré de Balzac) .. من أعمدة الأدب الغربي والعالمي ولد في مدينة (تورْس) على ضفاف نهر اللوار في فرنسا عام 1799، سطع نجمه في ذروة الحركة الأدبية الأوربية أبان القرن التاسع عشر فهو كاتب شامل جمع بين فنون متعددة من مجالات الكتابة، تنقل مابين الرواية والصحافة والمسرح والنقد لكنه أختص في كتابة الرواية بشكل أوسع وتباينت مواضيع رواياته مابين الفلسفة والخيال والواقع والشعر وكتب سلسلة روائية تميًزت في ثيمتها بعنوان (الكوميديا الأنسانية) والتي أصبحت لصيقةً بأسم بلزاك والأدب الفرنسي بشكل عام والتي ذاع صيته من خلالها وهي مجموعة صور بانورامية لما كانت عليه الحياة في فرنسا في الفترة التي تلت الحقبة النابليونيًة حيث شهدت تلك الحقبة صراعا بين الطبقة الارستقراطية المؤيدة للملكية والمعارضة التي تدعم فكرة الجمهورية في فرنسا .

يُنظر الى بلزاك على انه احد مؤسسي (الواقعية) في الأدب الاوربي والتي طغى فيها اسلوب تصوير الاشياء واضحة كما هي وبيان الجوهر الداخلي لها وتأثر عدد من الكتَاب بطريقته أمثال الكاتب والروائي أميل زولا، كذلك فريدرك أنجلز الفيلسوف الألماني الشهير.

بدايات بلزاك كانت عندما عمل على تأليف نصً خاص في فن الأوبرا يدعى (الليبريتو) استخدم في أوبرا كوميدية تدعى (القرصان) مستوحاة عن الشاعر الانكليزي اللورد بايرن، ثم انطلق من بعدها سعيا الى كتابة اعمال ادبية اخرى حيث حقق الشهرة عندما أنهى المقطوعة الشعرية (كرومويل) عام 1820 التي أثنى عليها النقاد ثم تبعها بعد ذلك بكتابة ثلاثة روايات بقيت غير مكتملة، وفي السنة التي تلتها ألتقى بلزاك بالكاتب والمسرحي الفرنسي (أوغست لِ بوتيفين) الذي أقنعه بكتابة القصص القصيرة وتقديمها الى دور النشر لكنه سرعان ما تحوَل الى كتابة الروايات وبحلول عام 1826 كان قد أنهى تأليف تسع روايات أنجزها بأسماء مستعارة وبتعاون من كُتَاب اخرين .

مارس بلزاك في حياته بعض الاعمال التجارية التي شهدت فترة انهيار انتقل على اثرها الى مقاطعة (بريتاني) شمال فرنسا وهناك كتب احد اعماله المهمة (الشوان les chounas) سنة 1829 التي تتحدث عن مشاهد من الحياة العسكرية في منطقة (بريتاني) وهي اول رواية كتبها بلزاك بأسمه الصريح واصبحت ضمن اعمال الكوميديا الانسانية فيما بعد حيث كان هذا العمل كما علَّق احد النقاد في وقتها بأنه "الطرق الى الارض الموعودة" واعطى له هذا العمل لأول مرة صفة المؤلف المشهور بأسمه بعيداً عن ماضي الاسماء المستعارة التي كان يكتب بها .

بعد ذلك بوقت قصير من وفاة والده سنة 1830 كتب بلزاك رواية (el verdugo الجلَّاد) وهي رواية تراجيدية عن رجل عمره ثلاثون عاما يقوم بقتل أباه (بلزاك كان عمره ثلاثون عاما لدى كتابته تلك الرواية) وكان هذا العمل هو الاول الذي يحمل الأسم الكامل (Honoré de Balzac)

 وبعد كتابة عدة روايات وفي سنة 1832 تبلورت لديه فكرة كتابة سلسلة هائلة من الكتب يستعرض فيها صور بانورامية متعددة لكل جوانب المجتمع واشتهرت الشخصيات في هذه السلسلة بأنها ذات وجوه متباينة تنتقل ما بين طابع حسِّي انساني وغموض يكتنف السلوك الاخلاقي لها وقد اطلق على فكرته هذه (دراسة الأعراف) والتي اصبحت تُعرف فيما بعد (الملهاة الانسانية) وهي أعمال جمع فيها بلزاك كل أدبه القصصي والتي اُعتبرت عمل حياته واعظم انجازاته الأدبية التي لم ينهيها قبل نهاية حياته، كان لدى بلزاك طموحا لأن يكمل العديد من الأعمال الادبية وقسم منها لم يبدأه اصلا وانحصر في كونه مجرد فكرة حيث توزعت اوقاته ما بين روايات لم تكتمل ومقالات مكتملة .

يوجد لدى كل كاتب نوعا من العادات او الطقوس التي يمارسها عند كتابة اعماله وقد كان بلزاك مميزا في هذا الامر حيث لم يكن يتبع اسلوبا مستعجلا بل اعتمد التركيز والتفاني في الكتابة فقد كان يتناول وجبة طعام خفيفة عند الخامسة او السادسة مساءاً ثم ينام الى منتصف الليل يستيقظ بعدها ليمارس عملية الكتابة لساعات مستمرة وهو يشرب القهوة بكميات كثيرة (ويعتقد انها كانت السبب في وفاته بشكل مبكر) وكان في بعض الاحيان يبقى مستمرا في الكتابة لمدة خمسة عشر ساعة متواصلة او اكثر وقد أدعى مرة انه عمل لمدة ثمانية واربعون ساعة كان بينها استراحة فقط لمدة ثلاث ساعات .

يتملَّك بلزاك هاجسا متواصلا في مراجعة نصوصه وتنقيحها حتى خلال عميلة طباعة الرواية مما يسبب له زيادة في النفقات وعبئا اضافيا عليه وعلى الناشر ونتيجة لذلك كان الكتاب المطبوع في النهاية مختلفا بدرجة كبيرة عن اوراق مسودات النص الاصلي الذي يكتب في البداية وهذا كان ايضا سببا في عدم اكتمال عدد من اعماله ورغم ذلك فقد خضع بعض من تلك الاعمال الغير منتهية لرأي النقاد لأهميتها.

توفي بلزاك بعمر واحد وخمسين عاما ليلا في الثامن عشر من شهر اب سنة 1850ودفن في مقبرة العظماء (بيير لاشيز) في باريس تاركاً وراءه تأثيرا مستمرا سواء اثناء فترة حياته اوما بعدها مما دعى النقاد الى تشبيهه بـ(تشارلز ديكنز) الذي كان معاصرا له واطلقوا عليه تسمية (ديكنز الفرنسي) فيما اطلقوا على ديكنز بالمقابل تسمية (بلزاك الانكليزي) .

 بعض من اقواله:

- من السهل ان تجلس وتلاحظ، اما الصعب فهو ان تنهض وتعمل .

- الطلاقة في الحديث علامة اكيدة على النفاق .

- الحب امرأة ورجل وحرمان .

- القوة ليست ان ان تضرب بقوة او بكثرة، لكن ان تصيب الهدف .

- قلب الأم هُوّة عميقة، ستجد المغفرة دائما في قاعها .

- الزواج المثالي يكون بين زوجة عمياء وزوج أصم .

- القوانين شباك عناكب، يجتازها الذباب الكبير ويعلق فيها الذباب الصغير .

فكر فيما سيكون عليه شعورك في الغد، فالأمس قد مضى، واليوم يوشك على الانتهاء .

 

عمار حميد

 

diaa nafieولد فلاديمر فلاديميروفتش نابوكوف في عائلة ارستقراطية غنية بروسيا عام 1899، وهاجر منها مع عائلته عام 1919 (بعد ثورة اكتوبر 1917) ولم يعد لها ابدا، وتوفي عام 1977 في سويسرا وتم دفنه هناك . عاش نابوكوف في المانيا اولا مع اكثر الادباء والمثقفين الروس بعد 1917، وهناك ظهرت اولى رواياته بالروسية،  ثم هاجرمن المانيا الى فرنسا هروبا من النازيين الالمان، وقبيل سقوط باريس بايدي هؤلاء الالمان  هاجرالى امريكا، واصبح مواطنا امريكيا في اواسط الاربعينات (قال نابوكوف عن نفسه  - انا كاتب امريكي ولدت في روسيا وتعلمت في انكلترا، حيث درست الادب الفرنسي ...)، وعندما برز امام الادباء اللاجئين الروس في اوربا بعد ثورة اكتوبر 1917 السؤال المصيري  الكبير وهو – هل يستمرون بالكتابة بالروسية للقراء الروس المهاجرين معهم ليس الا، ام  ينتقلون الى الكتابة  بلغات الدول التي يعيشون فيها، وبالتالي، ينشرون نتاجاتهم بين مواطنيها ؟، وقد  اختار نابوكوف الكتابة بالانكليزية دون اي تردد، وهو الذي قال عن نفسه – (رأسي يتحدث بالانكليزية وقلبي بالروسية واذني بالفرنسية)، اذ انه خريج

جامعة كامبريدج الانكليزية الشهيرة، حيث درس وتخصص في الادب الروسي والادب الفرنسي وعلم الحيوان (الاسماك والحشرات)، وكانت هوايته لعبة الشطرنج، وقد برز ونشر بشكل متألق ومبدع في كل هذه المجالات المتنوعة واثبت بما لا يقبل الشك انه رجل متعدد المواهب. ولهذا، فعندما يريدون تعريف نابوكوف الان يقولون عنه انه – شاعر وروائي واختصاصي في علوم الحيوان وخبير في لعبة الشطرنج ومترجم وكاتب مسرحي وكاتب سير ذاتية وكاتب سيناريو واستاذ جامعي وناقد ادبي وصحافي وكاتب خيال علمي، وكل تلك الجوانب متفق عليها بين جميع الذين يهتمون بدراسة سيرته الذاتية واعماله الادبية والعلمية في العالم كله، الا ان هناك موضوع كبير بشأن نابوكوف يثير الخلافات حوله ويثير النقاشات الحادة بشأنه، وهو – هل يعتبر نابوكوف كاتبا روسيٌا ام امريكيا؟ اذ يؤكٌد الروس انه كاتب روسيٌ ويدخل اسمه ضمن تاريخ الادب الروسي والكتب المنهجية في روسيا، بينما يؤكٌد الامريكان انه كاتب امريكي لدرجة انه توجد في امريكا جائزة ادبية كبيرة باسمه تمنحها جمعية تحمل اسمه، وذلك باعتباره رمزا للادباء الاجانب الذين احتضنتهم امريكا واصبحوا فيما بعد ادباء كبار يكتبون بالانكليزية.

نابوكوف روسي القومية بالطبع، ولد في روسيا وترعرع لمدة عشرين سنة في احضانها، وهو روسي الثقافة بكل ما تعني هذه الكلمات من معنى، وهو ابن الامبراطورية الروسية، التي مزقتها احداث القرن العشرين الهائلة من ثورة 1905 والحرب العالمية الاولى 1914 وثورة اكتوبر 1917، ومن ثٌم الحرب الاهلية داخل روسيا نفسها والجوع والقحط بعد ذلك...الخ..، هذه الاحداث التي أدٌت الى هجرة الملاين من الروس الى اصقاع العالم كافة (والذين وصلوا حتى الى بغداد في عشرينيات القرن الماضي) . لكن نابوكوف اصبح امريكيا منذ اواسط الاربعينات وأخذ يكتب بالانكليزية، واشتهر عالميا باعتباره كاتبا امريكيا، بل ان اشهر رواية نشرها وهي (لوليتا) ظهرت بالانكليزية في باريس، وعلى الرغم من عدم الاعتراف بها في امريكا في البداية، الا انها تحولت فيا بعد الى اوسع نتاجاته واشهرها عالميا (وحتى مادة لدراسة علم النفس!)، وتم ترجمتها الى العديد من لغات العالم، بما فيها الى لغتنا العربية، واصبحت معروفة لدرجة ان الشاعرالسوري نزار قباني كتب قصيدة عنها بعنوان – لوليتا، دون اي اشارة الى اسم كاتبها، وهناك رواية بعنوان (اصابع لوليتا) بقلم الجزائري واسيني الاعرج، وترجمت العراقية ريم قيس كبة (لوليتا في طهران / سيرة في كتاب) بقلم الايرانية آذر نفيسي، بل ان الكثير من القراء في العالم يعرفون الان اسم لوليتا اكثر من معرفتهم باسم مؤلفها، الذي تم ترشيحه مرتين لجائزة نوبل للآداب وكاد ان يفوز بها، ومن الجدير بالذكر هنا الاشارة الى ان الكاتب الروسي العالمي الشهير سولجينيتسن هو الذي رشحه لنيل تلك الجائزة . ومع ذلك، اود القول الى اني كنت حاضرا  مرة في نقاش بين مجموعة من القراء الروس حول نابوكوف بشكل عام، وحول هذه الرواية بالذات، حيث هاجموها بشدة واعتبروها رمزا للانحطاط والتفاهة وحتى الشذوذ  الجنسي غير اللائق بالانسان، ولهذا السبب – كما قالوا – اشتهرت هذه الرواية ليس الا من وجهة نظرهم، الا انهم جميعا تحدثوا عن نابوكوف باعتباره استاذا جامعيا ناجحا ومتميزا جدا لمادة تاريخ الادب الروسي في الجامعات الامريكية، وأشادوا جميعا بذكائه وعمق معرفته وروحه الابتكارية في هذا المجال ، وتحدثوا باعجاب عن مؤلفاته المنشورة في كتب منهجية جمعت تلك المحاضرات، وقد أعجبتني جدا (وسائل الايضاح !) التي قدمها نابوكوف عندما ألقى محاضرته حول الادب الروسي مرة وبالشكل المبتكر الجميل وكما يأتي -

عندما دخل نابوكوف الى قاعة المحاضرات في احدى الجامعات الامريكية لالقاء محاضرته حول تاريخ الادب الروسي، أمر باطفاء كل الانوار واسدال كل الستائر في تلك القاعة، وعندما تم تنفيذ ذلك  وحل الظلام الدامس في القاعة، أمر بفتح مصباح واحد فقط وقال – هذا بوشكين، ثم امر بفتح مصباح آخر وقال – وهذا غوغول، ثم امر بفتح كل المصابيح الاخرى وفتح كل الستائر باجمعها وقال – وهذا تولستوي، وقد اندهش الطلبة جميعا طبعا من (وسائل الايضاح هذه !)، والتي استطاع نابوكوف ان يوضح للطلبة – بهذه الطريقة البسيطة والمتميزة والجميلة والمدهشة فعلا -  قيمة هؤلاء الادباء الروس الكبار واهميتهم في تاريخ الادب الروسي ودورهم الكبير في مسيرته . ولا زالت كلمات أحد اساتذتي الروس الكبار ترن في اذني وقلبي وعقلي عندما قال لي مرة، ان نابوكوف هو رمز لتعاسة الادباء الروس في القرن العشرين ومأساتهم، لانه اضطر ان يتجرع الغربة، وان يكون مواطنا لدولة اجنبية، وان يكتب بلغة اجنبية ، لان الاحداث التراجيدية الهائلة في بلده روسيا دفعته الى هذا المصير، وقد تذكرت طبعا مصائر الكثير من الادباء والفنانين والمفكرين العراقيين العظام والكبار، والادباء والفنانين والمفكرين العرب العظام والكبار ايضا، وما حل بهم نتيجة قسوة الاحداث ومرارتها في بلداننا، هذه الاحداث التراجيدية العاصفة التي مرٌت ولا تزال تمرٌ في  عراقنا الحبيب وعالمنا العربي المعاصر  ... 

 

karim alasadiتنقَّلتُ في سفرتي الى العراق كثيراً بين مدينتي الصغرى الفهود حيث بيت أبي وأمي ومسقط رأسي وبين مدينتي الكبرى الناصرية التي يسكنها جمع من أقربائي والتي أكملتُ في أعداديتها المركزية الصف السادس العلمي وبهذا المرحلة الثانوية أيضاً .. الناصرية مدينة والفهود مدينة ـ قرية ..والأثنان يشتركان بجود العطاء وقلة الأخذ رغم ان هذه الميزة جنوبية بأمتياز، فالجنوب أول مَن يمنح، أول مَن يضحي، أول مَن يهِبُ ويهبُّ، ولكنه آخر مَن يأخذ وآخر مَن يستفيد . ولكي أربط المدينتين بهذا الصدد لا أجد مثالاً أفضل من الطريق الرابط بين المدينة الفرع والمدينة المركز، بين الفهود والناصرية وامتداده من الفهود الى قضاء الجبايش، فقد بقي هذا الطريق ترابياً لسنوات طويلة بل ولعقود منذ تأسيس العراق الحديث الى و قت قريب وحين عُبد في زمن الحروب جاء تعبيده لأغراض عسكرية وللمساعدة في القضاء على الأنتفاضات والمقاومة الجماهيرية التي تنطلق من هذه المناطق ولم يزل الى الآن في حالة مزرية ويتكون من جانب مروري واحد ضيق وخطر، رغم ان مناطق الفهود والجبايش كانت تصدِّر مايعادل نصف كمية الأسماك  النهرية التي يستهلكها العراق يومياً.. ورغم ان المنطقة كلها الناصرية ومدنها التابعة الفهود والجبايش مناطق سياحية طالما وفدَ اليها السيّاح من مختلف أنحاء العالم ...

ذهبتُ الى الناصرية في سفرتي هذه للعراق مراراً زائراً لبيوت أقربائي ومدعواً من قبل أتحاد أدباء الناصرية ومن ثم من مركز الجنوب لأقامة فعاليات ثقافية وأحياء أماسٍ شعرية. وهالني ان ولع  جمهور الناصرية القديم الذي أعرفه جيداً بالأدب والشعر والفن والثقافة لم ينقص أبداً بل تزايد رغم كل أهوال الحروب والحصارات والقمع والأهمال . انه جمهور مولع بالتعلم والحوار والمشاركة الى أبعد حد، وقد تأكد لي فضول جمهور الناصرية المعرفي وعشقهم للحوار الثقافي واكتشاف ومعرفة ثقافات وآداب الأمم والشعوب الأخرى وذلك في الأمسية الثقافية التي دعاني اليها الأخوة في أتحاد أدباء ذي قار بعد ان زارنا في بيتنا في الفهود وفدٌ كريم منهم واقترحوا عليَّ أقامة أمسية ثقافية أدبية وليكن الموضوع أدبياً فكرياً حيث اتفقنا على اقامة الأمسية حول ترجمة الأدب الألماني الى العربية، والحقيقة ان هذا الموضوع هو موضوع رسالتي لنيل شهادة الماجستير من جامعة برلين الحرَّة  في فروع الأدب العربي والأدب العام والأدب المقارن والذي كان في حالتي الدراسية في ثلاث لغات الألمانية والعربية والأنجليزية، وحيث كان عنوان الرسالة: (نظريات الترجمة : وجهات نظر حول ترجمة نصوص بعض الشعراء الالمان الى العربية). لم يهدأ الحوار طوال الفترة المخصصة للحوار بل ان بعض الزائرين كان لديهم من الآراء والأفكار والأسئلة مايحتاج الى وقت اضافي آخر، ولم يكن الموضوع غريباً عليهم رغم عدم معرفتهم باللغة الألمانية مما دعاني الى تذكر رأي لي في مدى تعلق أبناء الناصرية بالفكر والأدب والعلم والثقافة وهذا الرأي هو انه لو كان عند المثقف من أهالي الناصرية مبلغ من المال  قد خصصه لشراء قميص جديد، وهو متضايق مالياً في هذا الوقت ولايملك سوى هذا المبلغ،  ثم رأى في محل بيع الكتب ـ وقبل ان يشتري القميص ـ كتاباً جديداً أثار فضوله المعرفي واهتمامه الأدبي أو الثقافي فأنه سيؤجل شراء القميص الى وقت آخر ليشتري الكتاب!! وهوسُ أهل الناصرية بالثقافة والمعرفة والشعر والأدب قديم وهذا مايفسر كثرة الآدباء والشعراء والفنانين والمفكرين الذين أنجبتهم هذه المحافظة . وحين أعود بالذاكرة عقوداً الى الماضي أتذكر ان أخي الكبير أصطحبني طفلاً في أحدى المرّات معه من الفهود الى الناصرية لحضور مهرجان للشعر الشعبي العراقي في المحافظة وأقمنا في مركز المحافظة  ليومين في فندق سومر وسط المدينة، وفي ذلك الوقت كانت فنادق المدينة مليئة بالزوار من نواحي وأقضية الناصرية ومن مدن العراق الأخرى وان مهرجان الشعر كان شغل الناس الشاغل في المدينة، وكأن اهل الناصرية  كلهم شعراء أو حافظو شعر!!

ولك ان تتصور ان موظفين أومعلمين أو مدرسين شباباً وفي بداية تعيّنهم يفدون الى مدينة مؤجرين في فندق وآكلين في مطعم ليومين أو أكثر كي لايفوتهم حضور مهرجان شعري!!

من الأشياء التي لفتت انتباهي أيضاً ان الحديث عن الشعر في الناصرية يتضمن دعوة غير مباشرة الى السامع في ان يشاركك الحديث، ففي أحدى المرات وبينما كنتُ استقل سيارة أجرة  مع أقرباء لي وهم حفظة شعر شعبي وأبوذيّة وزهيري بامتياز وكنّا نتحدث وقتها عن الشعر الشعبي وأذا بسائق التاكسي يشترك معنا في الحديث ويطلب منّا الأصغاء الى جهاز المسجل في السيارة حيث امسية للشعر الشعبي يقرأ فيها شاعر من أهل الشطرة أبوذيات لاحد لعذوبتها وجمالها، وليخيم علينا السكون حيث تحوَّل الحديث الى أصغاء لاتشوبه الّا صيحات الأستحسان  والأعجاب !!

وحين انتقلُ هنا من جو الى جو ومن باب الى باب وبالمناسبة أيضاً وقد تحدثت قبل قليل عن  سيارة التاكسي فقد أذهلني كرم سائقي سيارات التاكسي في الناصرية وتهذيبهم وربما كان عدد غير قليل منهم من أصحاب المهن الأخرى وربما حتى من الأكاديميين الذي لجأوا الى هذه المهنة جزئياً أو كلياً لأعالة أسرهم بعد ان أصبح الحصول على مهنة ضامنة وكافية في الأختصاص الأكاديمي أمراً صعباً في العراق كله، أقول أذهلني كرم وتهذيب سوّاق التاكسي في الناصرية لأنك ماصعدت مع أحد منهم وأردت ان تدفع الأجرة في نهاية الطريق الّا ان عرض عليك باخلاص وصدق وأحياناً برجاء والحاح ان تترك دفع الأجرة لتبقى على حسابه، وفي أحدى المرات وبينما كنت مع أقرباء أيضاً في سيارة تاكسي وحاولنا دفع الأجرة في النهاية عرض علينا السائق وبكل صدق ان نترك الأجرة على حسابه وحينما رفضنا أكَّد علينا ذلك بقوله: خلوها على حسابي أروح لكم فدوة!!

فكّرتُ حينها كم مرَّ على الناس هنا من الضنك، من الشقاء، من الفقر المادي، من النقص في الغذاء والدواء، من عدم اليقين ماذا يخبيء الغد ومع هذا يتوسل بك كادحُهم ان تترك عنك  دفع أجرة أتعابه  وكدحه ليتكفل هو بأيصالك مجاناً .. أحياناً يقول لك أحدهم أرجوك أترك الأمر على حسابي وحين ترفض يقول لك ربما انك لاتملك الكثير أو: أخاف ماعندك !!! .  وفي هذا دعوة صريحة للفقير ان لايدفع أجرة التاكسي،  فالفقير بأمكانه ان يقول مثلاً : شكراً ..جزاك الله الف خير، ومن ثم يمضي الى سبيله دون ان يدفع!!

هذا الكرم نفسه الذي يصدر عن الروح والنفس والقلب عشته في بيوت في الناصرية دعيت اليها أو أقمت فيها حيث موائد الطعام العامرة كماً ونوعاً  وحيث الداعي الى الوليمة يقول لك انت مدعو واجلب معك مَن تشاء ولايهم العدد، وحيث الطعام في كل وليمة يكفي لأطعام عدة أضعاف عدد الحاضرين ... وهنا اتذكر أيضاً شيئاً من الماضي وأرى من الجميل ان أربط في هذا الموضوع بين الماضي والحاضر طالما ان الحديث عن نفس المكان وأهل نفس المكان وان تعاقبت الأجيال ومرَّ زمان !! . أقول  اتذكر ذاك اليوم من عطلة عدتُ فيها من جامعة البصرة الى بيتنا في الفهود فأقترح عليَّ أخي الكبير جادر ان أرافقه الى مضيف بدر الرميض  شيخ عشائر بني مالك في عموم العراق وأبرز قادة ثورة العشرين وأخر معاقل المقاومة العراقية ضد الأستعمار البريطاني . قدَّم لي أخي مقدمة رائعة عن بدر ـ رحمه الله  ـ وطبائعه وكرمه وشجاعته وسجايا أهله وعلاقتنا العائلية بهم وتبادله الشعر وأبيات الأبوذية مع جدي والد أبي ـ رحمهما الله ـ، تلك الأشعار والأبيات التي لم يزل يحفظها غيباً بعض أبناء المنطقة، ثم أخبرني ان سبب زيارتنا هو المباركة بزواج حفيد بدر، صبري  حامد  بدر الرميض، وصبري حامد الرميض كان قد درس الفيزياء وتخرج في كلية العلوم جامعة البصرة في نفس القسم الذي كنتُ أدرس فيه بيد أنني لم أعاصره لتخرجه قبل دخولي الى الجامعة ثم ذهابه الى العمل في الكويت بسبب علاقة عائلتهم القوية تاريخياً مع أهل الحكم هناك . بعد هذا أكد لي أخي ان هذه فرصة ومناسبة لي للتعرف على هؤلاء الناس وشمائلهم وهم يسكنون قرب مدينتنا في ضاحية من ضواحي ناحية الأصلاح التابعة للناصرية .  كان قد مرَّ على الزواج حوالي شهر من الزمن لكن أخي معذور لكونه موظفاً مرتبطاً بدوام ... كان الأخ صبري يومذاك مسافراً في شغل ما فاستقبلنا أهله وأخوته . و حينما وصلنا وجلسنا وحان وقت الظهر وكان يوم جمعة هممنا بالأنصراف والأعتذار بيد انهم اخبرونا ان الغداء أُعد وهو على وشك ان يكتمل .. وحينما جاء  الغداء محمولاً الى المضيف  كانت المائدة  المعدَّة  لنا كشخصين عبارة عن خروف كامل طُبخ على شكل قطعة واحدة وطبق رز عملاق وضع الخروف كاملاً فوقه مع صفرية مرق مع الخبز والملحقات الأخرى . كل هذا لرجلين اثنين مع العلم ان مناسبة الزواج قد مرَّ عليها حوالي شهر من الزمان، ولم يكن أحد منهم على علم بمقدمنا في زمان قلَّ فيه التلفون آنذاك! هذا قضلاً عن حفاوة الأستقبال وعبارات الترحيب التي لاتنقطع وكرم الأخلاق وعذوبة الأحاديث التي تعبر من التاريخ الى الذكريات الى الحكايا الى الشعر وهذا مايتمم كرم المنح المادي كرماً روحياً هو الأهم والأجمل.

كرم بدر الرميض وسالم الخيون وثامر الحمودة وكَاصد الريسان  مازال موروثاً عند أبناء الناصرية ـ وأنا لاأمتدح هؤلاء هنا كشيوخ اقطاعيين بل كرموز وطنية وانسانية وأهل نخوة وشيم وكرم ـ  لهذا يستحي سائق التاكسي ان يأخذ اجرته دون ان يقول لضيفه  ومؤجره انه على استعداد ان يتنازل عن أخذ النقود، هذه النقود العزيزة  عند كثيرين  أو الفليسات التي مسخت ثلاثة أرباع البشرية وحولت بعض الأحرار الى عبيد وكلفت البعض ضمائرَهم وأرواحَهم وشيمَهم الأنسانية والوطنية بل حوَّلت البعض الآخر الى خونة ومرتزقة  وعملاء، وهذا ماحدث بالفعل حتى مع بعض المثقفين الذين كانوا يسخرون من كل ما لايمت  بِصلة الى معتقداتهم الفكرية بصلة ويضحكون من القيم العشائرية !!

ولم يقتصر الأمر على التاكسي بل وحتى المطاعم والمقاهي،  فوالله لم أدفع طوال سفرتي ثمن قهوة أو شاي أو مشروب بارد طوال فترة اقامتي في العراق وفي الناصرية وضواحيها، بل ان حساباً ثقيلاً تكفل به صاحب مطعم يقع على فرات الناصرية عني وعن قريبين كانوا معي، وصاحب المطعم أخ لشاعر صديق كان قد علم بوجودنا في الطابق الثاني الصيفي من مطعمه فقرر ان تكون جلستنا على حسابه رغم محاولتنا دفع الحساب لأحد عمّالِه ِدون علمه !!

حتى الحلّاق الذي ذهبت اليه لقص شعري رفض ان يأخذ اجرة الحلاقة مني لأنه علم ان أباه  كان زميلي وكنّا نلعب في فريق كرة قدم واحد، وذلك رغم ان محلَّه البسيط في بداية التكوين.

الناصرية، الى هذا كله، مدينة التسامح الديني والأختلاف الطائفي والفكري ..هناك مكان للجميع فيها . أغلبية سكانها من المسلمين وفيهم الشيعة والسنة وان كانت الأكثرية من الشيعة، فهناك الكرماء من آل السعدون يعيشون منذ أكثر من قرن بين أخوانهم من قبائل بني أسد ومالك وكعب وطي وتميم وربيعة وخفاجة وزيد وشمر وسعيد وخاقان وخزاعة،  أتذكر هنا قول الكبير محمد خضير في رائعته بصرياثا حين يكتب : الناصرية مدينة الأصول ..

وهناك أخوتنا الصابئة وهم في الناصرية وأقضيتها ونواحيها في ديارهم وبين أهلهم وقد أقاموا بيوتهم عند دجلة والفرات !! وهناك اخوتنا المسيحيون ووجودهم قديم قدم الناصرية، وهناك الكرد الفيليون الذين يتركزون خصوصاً في الرفاعي والقلعة ويعيشون بوئام تام الى جنب أخوتهم العرب، وبين كل هذه الأطياف جمعت صداقات وعلاقات حميمة بل وأواصر تزاوج في كثير من الأحيان..بل انك لتجد في بعض الأحيان أحد أبناء الناصرية ممن تجري في عروقه دماء لثلاثة أو أربعة مكونات سكّانية، وماهذا بالمستبعد والغريب!!

أميل الى الأعتقاد ان قبول أهل الناصرية للآخر ولبعضهم على اختلاف المذاهب والأديان  والقوميات والأفكار راجع الى ماضي هذه المدنة العريق والمدن التي قامت على أرضها  والى جوارها منذ زمن دول الدويلات السومرية عبر تأسيسها الحديث نسبياً قبل 147 عاماً والى الآن...فمنذ اكثر من ستة آلاف عام والأرض السومرية في أور وأريدو وأوروك تستقبل الهجرات والوافدين وتضمهم الى قلبها الكبير الطّيب وتطعمهم من نخيلها وأشجارها وماتجود به تربتها الحانية ومياهها الواهبة الكريمة . أو ليست مدينة ابراهيم قبل نشوء الأديان ومدينة الحرف الأول قبل الكتابة ومدينة الفلك قبل مراكب الفضاء ومدينة الطب قبل المستشفيات ومدينة العدالة قبل المحاكم ومدينة الزقورات قبل المعمار ومدينة الشعر قبل دور النشر؟!

وللحديث صلة في حلقة قادمة...