alaa allami- المدارس والمعاهد والنوادي: وفي حديثه عن التعليم والمدارس في بغداد العشرينات، يخبرنا عباس بغدادي بالآتي: لم تكن هناك بنايات للمدارس بل بيوت تؤجرها الحكومة ، ثم بدأت الحكومة ببناء المدارس للأولاد والبنات واهتمت بالتعليم لدرجة ان الملك فيصل الأول سجل نفسه معلما في مدرسة المأمونية الابتدائية في الميدان وسجل ابنه الأمير غازي في فرقة الكشافة. أما الثانويات فكان منها اثنتان : الثانوية المركزية والثانوية الشرقية في محلة السنك. ولما كانت الحاجة ملحة للمعلمين فقد افتتحت الحكومة ثلاث مدارس للمعلمين : دار المعلمين والمدرسة الريفية ودار المعلمين العالية. وصدر قانون يسمح بتعيين المعلمات بعمر ست عشرة سنة بدلا من ثماني عشرة سنة. وتم التعاقد مع معلمين من سوريا ولبنان وفلسطين ومصر ومنهم على سبيل المثال : نجيب مشرقي ولبيب الاسكندراني و إدوارد جرجي و جلال رزيق و عز الدين التنوخي و عزت دروزة . وكان في الثانوية المركزية مرسم كبير لتدريس الرسم مع المدرس شوكت سليمان و في قاعة المدرسة بيانو يقوم المعلم جاك سوفير بتعليم التلاميذ العزف عليه وفيها مختبر كيمياوي أما الألعاب الرياضية فكانت تجري في ساحات المدارس. وكانت هناك مدارس دينية في الجوامع و الكنائس والكنس اليهودية  البغدادية مثل مدارس : عبد الوهاب أفندي النائب ومدرسة الآلوسي و مدرسة يوسف عطا الله و مدرسة حيدر الحيدري ومدرسة  التفيض والمدرسة الجعفرية ومدرسة الإليانس وشماس لليهود ومدرسة الكلدان ومدرسة الأرمن ومدرسة للاتين للمسيحيين. و استمرت البعثات بالذهاب إلى اوروبا أو أميركا وفقا لأحوال الدولة المالية وتبعا لمزاج وزراء المعارف. ونادرا ما يدخل المعلم صفوف الابتدائية بدون مسطرة او عصا صغيرة عدا المدارس المسائية فتلاميذها كبار في السن. وكان الأهالي ينتظرون ظهور نتائج الامتحانات فإذا نجح ابنهم فإن الهلاهل "الزغاريد"  تدوي في المحلة علاوة على أنهم (يطشون عرب ويهليه و خطار ويهلية = ينثرون الحلوى الصغيرة ) على رأسه و رؤوس صبيان المحلة.

أما النوادي التي تأسست في العشرينات ببغداد فكان اولها النادي العسكري وكان في هذا النادي زوج من طائر البجع الأبيض وهو طير نادر لم ير أهل بغداد مثله  وكانوا يأتون للتفرج عليه. والنادي العراقي وأسسه عدد من الوزراء العراقيين يلعبون فيه البوكر والكانكان وبعد كأس او كأسين تبدأ المساومات السياسية استعدادا لتلبية رغبات البلاط الملكي.

 ونادي التضامن أو " منتدى التهذيب وأسسه مجموعة من الشباب المثقف وله نشاطات رياضية ككرة القدم وكان مقره في الأعظمية . نادي العلوية وأسسه  الإنكليز لقربه من مساكنهم وكانت إدارته إنكليزية  وفيه حوض لسباحة الرجال والنساء وحتى حين تبدلت الإدارة  إلى عراقية ظلت الإدارة لا تقبل عضوية إلا من كان حائزا على شروط " معينة" . ونادي لورة خضوري  وهو ناد يهودي أقامته الطائفة اليهودية " أو الموسوية كما كانت تسمى في العراق" وكان من أشهر رواده رئيس الوزراء ياسين الهاشمي. ونادي البولو المخصص للعبة البولو العربية المشهورة (لعبة على الخيول بين فريقين من أربعة لاعبين لضرب الكرة بعصا خاصة، والمرحوم بغدادي يعتبرها عربية الأصول ولكن خبراء آخرين يعتبرونها غير ذلك. ع.ل).

ونادي جمعية الشبان المسلمين ومقره في الصالحية بجوار دار الإذاعة  العراقية. ونادي الأرمن ونادي صيد الحمام الذي تأسس في بداية العشرينات ونادي الكمارك وهو أول نادي للموظفين في العراق وفي نهاية العشرين تأسس نادي المحامين، وجمعية الشبان المسيحيين وكان فيه جناح خاص للنساء المسيحيات (لمنع الاختلاط). يتبع.

- الصحافة والسينما: كانت صحافة المعارضة هي الوحيدة التي هزت ضمير و إحساس المجتمع البغدادي لأنها تدغدغ أحلامهم وأمانيهم في الاستقلال ومقاومة الأجنبي المحتل. ومن صحف تلك الأيام نذكر: الاستقلال، و جريدة دجلة، و البدائع  جريدة سليمان الدخيل، المعارضة للحكم البريطاني، والشعب، والأمة،  وجريدة الحزب الوطني، والإخاء، والتقدم، لسان حال حزب التقدم. و قد حضر باحثون ومفكرون الى بغداد وألقوا فيها محاضرات ومن هؤلاء المستشرق الفرنسي الشهير ماسنيون والكاتب المصري أحمد أمين .  وفي أواخر العشرينات وصلت الجرائد المصرية مثل الأهرام والمقطم والسياسة والمجلات المصرية مثل اللطائف المصورة الماسونية ومجلة المصور لآل زيدان والكشكول وآخر ساعة وروزاليوسف والكواكب. وكان التمثيل في بغداد العشرينات يعتبر نوعا من ( القشمرة = النصب والخداع) وقيل أن أحد حكام الجزاء في بغداد سأل أحد المتهمين عن مهنته فأجابه أنه ممثل فقال الحاكم لكاتب الضبط : أكتب أنه " قشمر" .

وانتشرت دور السينما في بغداد ومنها يذكر المؤلف : سينما العراقي في الميدان، رويال في باب الأغا، وسنترال في محلة العمار ، سينما أولومبيا في محلة المربعة و سينما الوطني وكانت سينما رويال أفخم دور السينما فكراسيها وثيرة وستائرها مخملية تفصل بين لوج " مقصورة"  وآخر وفي واجهة كل لوج لوحة زيتية لأحد الرسامين لذلك كانت تبدو و كأنها أحد ألواج دار الأوبرا في باريس أو لندن. أما السينما الناطقة فقد وصلت إلى بغداد في الأوائل الثلاثينات ومن أشهر أفلام العشرينات فيلمان هما : فيلم خطايا البشر للممثل الألماني إميل جاننكس واستمر عرضه عدة أسابيع والناس مزدحمون على أبواب السينما لمشاهدته وأفلام شارلي شابلن وطرزان وبدأت النساء البغداديات بارتياد السينما في منتصف الثلاثينات. يتبع في الحلقة الأخيرة قريبا.

- بديعة عطش ..الموسيقى والرقص والغناء: (كانت المطربات يجلسن على الكراسي في صف واحد في آخر المسرح - في الملهى - وأمامهن الموسيقيون في الصف الأول ، وكان من أشهر المغنيات والراقصات آنذاك: رحلو، وسلطانة يوسف، وصديقة الملاية ، وبدرية أم أنور، وجليلة العراقية أم سامي، وخديجة علي، وسليمة مردخاي الإيرانية (سليمة مراد باشا زوجة الفنان الراحل ناظم الغزالي لاحقا ) التي كانت تضع على سيارتها علما خاصا بها وتقرض عِلية القوم الأموال، كذلك بدرية السواس، وبديعة عطش، وفريدة علي وجميلة دنكر وحسيبة ألماز وغيرهن . وعلى جدار مسرح الملهى كانت توضع لوحة كبيرة كتب عليها (طلب البستات ممنوع) والبستات هي الأغاني الخفيفة البغدادية الشهيرة التي تعقب أدوار غناء المقام العراقي، فما أن ينتهي المغني من أداء مقام حتى يعقبه بالبستة البغدادية. وسبب منع طلبات البستات هو شدة الطلب وحصول المشاجرات والعراك بين رواد الملهى. أما أجرة الدخول للملهى فكانت اربع آنات (الآنة أربعة فلوس)، وبعد انتهاء فصل الغناء والرقص يبدأ عادة فصل هزلي يقدمه هزليو ذاك الزمن أمثال جعفر أغا لقلق زادة وهو شارلي شابلن البغدادي في ذاك الزمن واسمه الحقيقي كامل عبد المهدي من اهالي كربلاء، بالاشتراك مع حسقيل أبو البالطوات وهو يهودي هزلي ، مختص بالترويج والدعاية آنذاك ، وكلاهما ماتا بائسين لا أحد لهما بعد أن كانا يُضْحِكان بغداد .

وقد حصل انفتاح على اللهو والملاهي والموسيقى ووسائل الترفيه في بغداد بعد عام 1908، العام الذي أعلن فيه الدستور العثماني الذي أعطى الحريات النسبية للمجتمعات والجماعات الدينية والقومية التي كانت تحت الحكم العثماني ورفعت قيودا كثيرة كانت مفروضة على الصحافة والأنشطة الاجتماعية. فظهرت الملاهي والمراقص والجوقات الموسيقية ، وتحول العديد من المقاهي الى ملاه ليلية (تياترو) وخصوصا بعد الاحتلال البريطاني الذي سمح بالكثير مما كان محظورا أيام العثمانيين ، وصار البغداديون متلهفين لحضور تلك الليالي الحافلة بالرقص والغناء والموسيقى ، وكثرت الراقصات اللواتي راح الكثير من البغداديين يتزاحمون عليهن وعلى حضور عروضهن بعد أن كانت حفلات الرقص يؤديها غلمان (ذكور) يتجملون وهم يلبسون ملابس النساء ويتشبهون بهن مثلما كان الحال في حفلات الرقص في مقهى عزاوي ومقهى سبع في الميدان ،

وكان لليهود دور في إشاعة الموسيقى والغناء ، فأغلب عازفي (الجالغي البغدادي) المرافقين لقراء المقام العراقي . وهو الغناء البغدادي العريق واللون الشائع آنذاك كان معظمهم من اليهود) .

ويقول المؤلف عباس بغدادي (كانت الملاهي تتجمع في منطقة الميدان التي اصبحت مركز اللهو والمتعة فيما بعد، فهناك أوتيل الهلال وفيه 'بدرية السواس' وفرقتها، لهذا سمي أوتيل بدرية السواس، وهناك ملهى نزهة البدور وقهوة عزاوي). وكانت الراقصة بديعة عطش من أجمل الراقصات اللواتي قدمن بغداد وهي التي خلدها الشاعر الكبير الجواهري (وكان في العشرينات ما يزال يرتدي الزي الحوزوي أي العمة والجبة) في قصيدته التي اخترت لكم منها أكثر مما اختار المؤلف عباس بغدادي، الذي اكتفى بذكر مطلعها، لتكون هذه الأبيات ختاما مسكيا لهذه السلسلة التعريفية ببغداد العشرينية والتي لا يمكن أن نأخذ عنها فكرة وافية دون أن نقرأ الكتاب الذي استعرضناه في هذه الجذاذات (بغداد في العشرينات – عباس بغدادي – ط 2 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت). قال الجواهري عن الراقصة الحسناء بديعة عطش وقد نشرت القصيدة في إحدى الصحف البغدادية ذاك العهد :

هُزِّي بنصفِكِ واتركي نصفا....... لا تحذَري لقَوامكِ القصفا

فبحَسْبِ قدِّكِ أنْ تُسنِّدَه .......هذي القلوبُ ، وإنْ شكتْ ضَعفا

أُعجبتُ منكِ بكلِّ جارحةٍ ....وخصَصتُ منكِ جفونَك الوَطفا

تُرضينَ مُقترباً ومُبتعِداً .............وتُخادعِينَ الصفَّ فالصفّا

أبديعةٌ ولأنتِ مُقبِلةً ................ تستجمعينَ اللُّطفَ والظَّرفا

ولأنتِ إنْ أدبرتِ مُبدية .............للعينِ أحسنَ ما ترى خَلْفا

هُزِّي لهم رِدفاً إذا رغِبوا........... ودعي لنا ما جاورَ الرِّدفا

ملءُ العيونِ هما وخيرُهما.............. ما يملأُ العينينِ والكفّا

وكلاهما حسنٌ وخيرُهما ..............ما خفَّ مَحمِلُه وما شفّا

هذا يرفُّ فلا نُحِسُّ بهِ....................... ويهزُّنا هذا إذا رَفّا

ونَكِلُّ عن هذا فنَطْرَحُهُ ...............ونُحِلُّ هذا الجيبَ والرفا

ونزورُه صبحاً فنلثِمُهُ ...................... ونَضُمُّهُ ونَشَمُّهُ ألفا.

شكرا لكم ولكنَّ جميعاً على المتابعة والتعليقات... وإلى اللقاء مع كتاب وكاتب آخر.

 

mujahid mnathermanshadولد الاستاذ الشاعر طالب بن الحاج فليح بن حسن الخزاعي في مدينة الناصرية سنة 1914 م،  وتوفي في بغداد سنة 1986م.

بعد اكماله التعليم في مدارس الناصرية، التحق بدار المعلمين، فتخرج مدرساً وعمل في مدارس مسقط راسه ثم الرفاعي ثم بغداد .

ويمتلك حافظة قوية وسرعة بديهية، وعرف بمساجلاته الأدبية مع أصدقائه من الأدباء والشعراء.

وعمل في دوائر ثقافية مختلفة.

شعره تقليدي وهو من الموزون المقفى، ويميل إلى المقطوعة والمنظومة القصيرة.

ونشرت له الصحف العراقية عدة قصائد منها:

«برقية شعرية»: مجلة الغري (النجفية) العددان 22، 23 في 12/7/1947.

 و«رحلت وكنت للخطباء شيخًا»: مجلة الإيمان (النجفية) - النجف 1966 (عدد خاص).

 و«يا هاتفًا بالحق عشرًا»: مجلة الهاتف (النجفية) - العدد 381.

و«تخميس»: مجلة الهاتف النجفية - العدد 512، وفي وصف مدينة الناصرية: مجلة البلاغ - المنتفك.

من مقطوعاته القصيرة التي نشرتها جريدة الهاتف 270. :

لك من بني النجف الشريف

                   تـــــــــحية الخل الودود

لي في حمى وادي السلام

                   أحبة تــــــحت الصعيد

قال عنه الشيخ عبد المهدي مطر الخفاجي في كتابه ذكر علمين من ال مطر:

هو من خيرة شباب الناصرية المثقفين وهو مدرس في مدارس العراق،  وذكر قصيدة الشاعر طالب الخزاعي التي أبن فيها المجاهد الشيخ عبد الحسين مطر  بهذه الرائعة:

                                             النفثة الحزينة

نسف الردى بك شامخ الاعلام      فطغى الاسى مــــوجا على الاكام

ومشى الغري بأسره في موكب     من خلف نعشك كالخضم الظامي

يبكي الفضائل والمكارم والعلى     بمذاب قلب في المـحاجر هامــي

وسرت بأرجـــاء البلاد مناحة         تجري الدموع بها بعين غمـام

قل ( للحسين) ليوم نعيك للورى   سهم أصاب بــــه العلاء الرامي

يافيض بحر الفضل غاض فمن اذاً   يشفي النفوس ومن لحر اوام

يا صاحب الراي المثقف حد ه     أمضى وأقطع من شبا الصمصام

              ومجندل الابطال في ساحاتها        ومنفر الاساد من أجــــــــــــــــام

             خاض المعامــــــع دون بلاده         ودعـــــــــا لخير الدين والاسلام

             وسعى لما فيه الصلاح لقومه         فعلا لـــــــه شرف  على الاقوام

            غاب ( الحسين ) وهذه اثاره         ستظل خالدة مــــــــــــــدى الايام

            ما مات من ذكره عابقة شذى         من دون نفحتها شذى الاكـــــام

          قل ( للحسين ) وأنت دوحة سؤدد      بحمى الغري لها مــــقام سامي

          لسنين يوسف جدبة تلك التي          فــــــــــــــارقتنا فيها من الاعوام

         لم ننسى موقفك المعظم بيننا          ولآنت مثل البــــــــــــدر  ليل تمام

         اذ كنت تسقينا الفضل مترعا         من كأسها الرقراق اعذب جـــــام

        كانت تفدينا المكـــــارم كفك          المبرورة الارواء والاطـــــــــــعام

        فهجرتنا وتركت منا اكبداً            تحنو لخير اب وأكــــــــرم  حامي

       قبل الاوان هجرتنا فتركتنا            كالطفل يفطــــــــــم قبل حين فطام

      وقد تركت من الفضائل عندنا        مـــــــــــــــا حف بالإجلال والاعظام

       فعلى العفات واناخت ركبها           تحنو حنـــــــــــــو اب على الايتام

       ولقد نعك لنا البريد فهزنا            نعـــــــــــــــــي يدك شوامخ الاعلام

        فتناثرت منا الدموع لدهشة         كبـــــــــــــرى وطار الهول بالأحلام

     يا برق تنعى الليث عن الشرى        والبحر غاض عن الصدى الضامي

     تنعى البطولة للميادين التي            فجعت بــــــــــــــأي مدجج ضرغام

   تنعى فتى الاقدام ما حدثنه            اقدامه يومــــــــــــــــــــــاً عن الاحجام

   ويعد للأسقام ان بارزنه             حلمـــــــــــــــــــــاً يفل مضارب الاسقام

اولم يدك الراسيات وما اشتكى       حاشاه يوماً حمــــــــــــــــــــــــــة الايام

حاشا (ابا المهدي ) يصدع صبره    سقم وان اردى بـــــــــــــــــــــــه لحام

كالعضب يصق بالمضارب حده       ويرد بريا وهـــــــــــــــــــــو غير كهام

خسرت بمنطقه العروبة حظبا         فأوت الى الـــــــــــــــــــــفافاً والتمتام

خسرت به الرمح المثقف ما به      من مطمع الغمر والاعجـــــــــــــــــام

خسرت به البلدان ( فالنجف ) ابنها      ( والناصريـــــــة ) والداً ومحامي

فعسى تطل الناصرية بعــــــــــده         بالفضل من فيض ( الجواد) الهامي

وتقر (بالمهدي) منها عينا              ويعود فيها النور بـــــــــعد الظلام

فعلى الحسين من الاله تحية                 محفوفة في رحـــــــــمة وسلام

وللشاعر قصيدة اخرى بعنوان الوداع الأخيرفي رثاء حسين الشعرباف

أبـا صـائبٍ ودَّعتَ فـالقـلـبُ مـــــــــوجَعُ       وإنَّ عَصِيَّ الـدمعِ بعــــــــــــــــدكَ طَيِّعُ

بفِيـه الثرى نـاعـيكَ لـم يــــــــدْرِ أنَّهُ           نَعَى مَنْ إلى حُبِّ الفضـــــــــــــيلةِ يَنْزَع

رحـلـتَ فـمَنْ للفضلِ يُسْديـهِ بـــــــــاسمًا    ويصطحـبُ الـمعــــــــــــــروفَ فَهْوَ مُضَيَّع

فلا تجزعـوا آلَ الشعـربـاف فـــــــالردَى       يروِّي الـبرايــــــــــــا كأسَه وهْوَ مُتْرَع

إذا وُلِدَ الإنسـانُ فـالـمـــــــــوتُ تَوْأمٌ               يرافقه أنَّى يسـير ويـــــــــــــــــتبع

وشأنُ اللـيـالـي إن أرتْه ابْتِســــــــامَةً         فلا بـدَّ أن تلقـاه والــــــــــوجْهُ أسْفَع

وإنْ كـنـتَ ودَّعتَ الـحـيـاةَ فإنمـــــــــا          صحـيفتُكَ الـبَيْضَا بكفّك تــــــــــــــنصع

ألا نَمْ قـريرَ العـيـنِ إنكَ خـالـــــــــدٌ            بأنجـالِكَ الأطـيـابِ والـبـيـــــــتُ مُمْرِع

ورأسُكَ مـرفـوعٌ لخـيرٍ أتـيـــــــــــــتَه         وغـيرُكَ مـن فَرْطِ الإســـــــــــاءاتِ مُهْطِع

وصَبْرًا أيـا آلَ الشعـربــــــــــــافِ إنَّهُ            بكلِّ فؤادٍ «يعـلـــــــــــــمُ اللهُ» مُودَع

وقصيدة أهلاً رجال العلم

أهلاً رجـالَ العـلـمِ والعِرْفــــــــــــانِ            أهلاً بكـم فـــــــــــــــي أرضِكُمْ بَغْدانِ

مـن تــــــــــــونسِ الخضراءِ يحْدو ركبُكُم    للرافديـنِ هـوًى وفرطَ حنـــــــــــــــان

يـا مـرحـبًا بكُمُ فإن لكـمْ بـهــــــــــا            أهلاً وإخـــــــــــــــــوانًا وطِيبَ مَغَانِ

أهلاً فدارُ أبـي الـمـثنَّى قـــــــــدْ زهتْ         بكـمُ وأنـتـمْ صـفـــــــــــــوةُ الإخْوان

هـي ندوةُ الأدبـاءِ أو قُلْ إنهـــــــــــا       هـي مـنـبتُ الـمعـروفِ والإحْســــــــــان

كـم مَرةٍ ضمَّت أولـي فضل لهــــــــــــــمْ      خُلُقٌ يفـوحُ بنفحةِ الريحــــــــــــــــان

يـا مـرحـبًا بـالفكر بـالعـلـم الـــــذي           يُعْلـي بنـاءَ الـمـجـدِ للأوطـــــــــــان

ولأنـتـمُ والعـلـمُ غايةُ سعـيِكــــــــــمْ           عـنـوانُ عزٍّ شـامخِ الـبنـيـــــــــــــان

إنَّ الـبـلادَ بعـلـمِهـا ورجـالِهـــــــــا         وبعزمِهـا تسمـو عـلى كِيــــــــــــــوان

أهلاً بنـي العُرْبِ الكرامِ فأنـــــــــــتُمُ           حقًا لرمزُ بطـــــــــــــــــــولةٍ وتَفَانِ

قـمتـمْ بنشـرِ العـلـم فـي أوطـانِكــــــمْ           فإذا بـهـا مـرفـوعةُ الأركــــــــــــان

بـغدادُ مـوطنِكـمْ وأنـتـمْ أهلُهــــــــــا                لستـم بـهـا واللهِ بـالضِّيفــــــــــــان

بـغدادُ مـوطنُ كلِّ حـــــــــــــــــرٍّ خَيِّرٍ           ولأنـتـمُ الأخـيـارُ مـن قَحْطـــــــــــان

وقصيدة وداعًا في تأبين محمد حسن حيدر                       

وداعًا - لا لقـاءَ له وداعــــــــــــــا              يـهدُّ القـلـبَ حـزنًا والـتـيـاعـــــــــا           

  تأمَّلْ بـالـمسـيرِ «أبـــــــــــــا جَوادٍ»        لـيَحْظَى القـومُ بـالـتـوديعِ سـاعــــــــا      

  لقـدْ عجَّلْتَ فـي مَسْراكَ عــــــــــــــــنّا      وخلَّفْتَ الـحِمَى - بـلـدًا مُضـاعـــــــــــا         

فكـم كَبِدٍ فَرَيْتَ غَداةَ شـالـــــــــــــــت           نعـامتُكـم وحـيــــــــــــــنَ نَوَتْ زِمَاعَا        

 تـركتَ مـنـاحةً فـي كلِّ بـيــــــــــــــتٍ          وأوحْشـتَ الـمـنـازل والـبِقـــــــــــاعَا         

 فـمـا مِنْ مهْجَةٍ إلا وطــــــــــــــــارتْ            غداةَ الـبـيـنِ مـن ألـمٍ شَعـــــــــــاعَا           

   نعى النـاعـي فشَكَّكْنـا وقُلنـــــــــــــا        ُمِيـتُ الـمـوتَ مَنْ يُرْدِي السبـاعـــــــــا      

ومذ صحَّ النعـيُّ وكــــــــــــــــانَ صِدْقًا         رأيـتُ بجـانـبِ العَلْيَا انْصِداعـــــــــــا           

هَوى مـن أُفْقِه بـدرُ الـمعـالــــــــــــي             فَمَنْ يُلقِي عـلى الـدنـيـا شُعـاعـــــــــا           

 تضـيـق بشأوه الآفـــــــــــــــاقُ ذَرْعًا          فكـيفَ لـدى الثَّرَى وجَدَ اتِّسَاعــــــــــــا         

 فكـانَ بنـــــــــــــــــــاءَ فضْلٍ مُشْمَخِرّ            ومكْرُمَةٍ، فـــــــــــــــــوا أسفًا تَداعَى            

وبَحْرًا زاخرًا أدبًا وعـلــــــــــــــــمًا               إلى الآراء سلسـالاً مُشَاعـــــــــــــــا             

 يجـودُ بنفسِه إنْ قـلَّ مـــــــــــــــــالٌ           وكـمْ فـي الجـودِ قَدْ أَفْنَى ضِيــــــــــاعَا          

فـمَنْ للــــــــــــــــــحقِّ يُنْطِقُه صريحًا                     ــــــــــــــــــويفْنَى دونَ بَيْضَتِ                   

 ومَنْ للـبـائسـيـنَ يُزيلُ عَنْهـــــــــــــمْ       صُروفَ الـدهـر تؤلـمهـم تِبَاعــــــــــــا          

ومَنْ بـالرأي أمْضَى مـن حُســــــــــــــامٍ        يـقـارعُ دونَ مـوطنِهـمْ قِرَاعـــــــــــــا           

  إذا انْتَسَبتْ لسؤددِهــــــــــــــــا قُرومٌ   وجـدتَ «محـمدًا» أوفَى ذراعــــــــــــــا        

 وأصلـبَهـمْ لـدى الْـحَدَثَانِ عـــــــــــودًا         وأطـولَهـم بسُوحِ الـمـجـدِ بـاعــــــــــا          

  لقـد مَحَّصْتُ أقْوامـي فلـــــــــــــــــمّا          أجـدْ فـيـهـمْ سِواه فَتًى شُجـاعـــــــــــا          

 يذودُ عـن الـحِمَى - كَيْدَ اللـيـالــــــــي       ويَسْقـيـهِ الردى صَاعـاً فصَاعـــــــــــــا         

  فـمـا حُلْوُ الـحديثِ بكلِّ نــــــــــــــادٍ           إلـيـه الـحفلُ يشـتـاقُ اسْتِمـاعـــــــــا          

 قضـيـتَ «أبـا الجَوادِ» فكلُّ شـــــــــــيءٍ    مـن الإحِسـانِ والـمعـروفِ ضَاعـــــــــــا   

وقُوِّضَتِ الـمـــــــــــــــــروءةُ واستحثَّتْ                  ركـائبَهـا فسـرْنَ بـهـا سِراعــــــــــــا     

  لكَ الشـرفُ الرفـــــــــــــيعُ سَمَوتَ فَخْرًا     عـلى الأقـوامِ فـيـه وارتفـاعــــــــــا   

 وطِيبُ شمـــــــــــــــــــائلٍ جَلَّتْ نظيرًا                   كزهْرِ الروضِ فـاحَ شذًا وضَاعــــــــــــــا  

 كشمْعٍ ذابَ لا يَرْجـو انـتِفَاعـــــــــــــا                 وكلُّ واجـدٌ فـيـه انْتِفـاعـــــــــــــــا            

وقـد سـام الـدُّنـا بـالـحـــــــــرّ تزري                وأخلاقُ الـورى سـاءت طبـاعـــــــــــــا    

  تـرحَّلَ لا يـطـيـق بـهـا مقـــــــــــامًا           ولـم يحـمـل سـوى الـتقـوى متـاعـــــــا

 

.....................

مصادر ترجمته:

1 - رياض صالح الجعفري: «حسين الشعرباف: سيرة وذكريات» بغداد 1999.

2 - يونس إبراهيم السامرائي: مجالس بغداد - مطبعة الانتصار - بغداد 1985.

3 - بعض شعر المترجم له، جمعه وأثبته بخطه عدنان الأمين، المحامي صديق المترجم له - بغداد 2001.

 

diaa nafieهناك اقاويل كثيرة حول موت الكاتب الروسي الكبير غوغول (1809-1852)، وانه تم دفنه حيٌا، وانه استيقظ في قبره وحاول الخروج، ولم يستطع، وهكذا اختنق هناك...الخ، ولازالت هذه الاقاويل شبه شائعة لحد الآن، ولا توجد في المصادر العربية اشارات جديٌة الى هذا الموضوع المثير، رغم ان بعض الباحثين العرب قد كتبوا عن ذلك بشكل وجيز (جريدة الحياة اللندنية وموقع ايلاف مثلا)، ونود ان نتناول هذا الموضوع في مقالتنا هذه.

نبدأ من قصة والده، الذي رأى مناما حول فتاة – ما، وحكى هذا المنام للاخرين، فاخبروه انه سيتزوج من فتاة ولدت في ذلك اليوم بالذات، وعرف ان فتاة قد ولدت فعلا في ذلك اليوم، وهكذا قرر ان ينتظرها، وعندما اصبح عمرها 14 سنة، أصرٌ على ان يتزوجها، وتزوجها فعلا. كل اطفالهم كانوا يموتون رأسا بعد الولادة، فتوجهت الزوجة الى القديس نيقولا وطلبت منه ان يمنحها طفلا، ونذرت ان تسميه باسمه، وهكذا  ولد نيقولا غوغول وعاش. مات والده مبكرا، اما والدته فقد كرٌست نفسها لابنها. لقد كانت متدينة بشكل متطرف، وكانت تحكي له حكايات وأساطير دينية، وقد أثٌرت تلك الحكايات على حياته، وبالطبع، على ابداعه فيما بعد. لقد تميٌز غوغول منذ طفولته بصفات ذاتية متفرٌدة، واشار الى ذلك حتى زملاؤه في المدرسة، واتهمه بعض معارفه حتى بالجنون، وانه مصاب بمرض ازدواجية الشخصية (الشيزفرينيا)، ولكن الاطباء الذين عالجوه لا يؤيدون ذلك، وقد وصل الامر الى ان أحد الاطباء الروس درس وحلل 439 وثيقة طبية تناولت أمراض غوغول وعلاجه، والتي كتبها وسجلها اطباء مختلفون عالجوه، وأكد هذا الطبيب عدم وجود مرض الشيزفرينيا عند غوغول، ولكنه أشار الى ان غوغول كان يعاني من مرض الكآبة، والذي انعكس بوجود مزاج فرح غير اعتيادي لديه بعض الاحيان، وكذلك مزاج حزن غير اعتيادي في أحيان اخر. لقد عرض غوغول نفسه على أطباء كثيرين في روسيا وخارجها، وعالج هؤلاء الاطباء غوغول من مختلف الامراض، مثل امراض المعدة والاعصاب ولكن هذه العلاجات لم تصل الى نتائج ملموسة. وتحدٌث هذا الطبيب عن اصابة غوغول بمرض الغيبوبة او السبات أثناء النوم، مؤكدا ان مصدر كل تلك الاشاعات عن دفنه حيٌا يرتبط بذلك، ومن المعروف ان غوغول كان يخشى ذلك اثناء حياته، لهذا  فانه لم يرقد في سريره أكثر من عشر سنوات، بل كان يغفو في الليالي وهو جالس او نصف راقد على كرسيه، وقد كتب غوغول جملة في كتابه الاخير الموسوم – (مقاطع مختارة من المراسلات مع الاصدقاء )، ذكر فيها الى انه يوصي ( بعدم اجراء مراسيم دفن جسده الى ان تبدو عليه علامات التفسخ).

لقد توفي غوغول بتاريخ 21 / 2 / 1852 وتم دفنه بتاريخ 24/ 2 / 1852 حسب التقاليد االروسية الارثذوكسية، اذ انهم يدفنون الميت بعد ثلاثة أيام من  وفاته، حيث يضعونه في تابوت ببيته وهو يرتدي أحسن ملابسه، ويأتي اليه الاقارب والاصدقاء لتوديعه، ومن ثمٌ، وفي اليوم الثالث يدفنوه، وبما انه لم يكن لدى غوغول بيت او عائلة، فقد وضعوا تابوته في كنيسة جامعة موسكو، ومن ثمٌ تم دفنه في مقبرة دانيليفسكايا، حيث توجد في تلك المقبرة التابعة لكنيسة قديمة قبور روس مشاهير. لقد حملوا نعشه بالايدي وساروا به الى تلك المقبرة في ذلك الشتاء الروسي القاسي البرودة حيث كانت شوارع موسكو مغطاة بالثلوج في شهر شباط / فبراير.

لقد تم تكليف النحات الروسي رمدانوف بعمل قناع له، وتردد النحات في البداية من عمل القناع لانه كان يعرف بوصية غوغول، الا انه قام بعمل ذلك،وهذا يعني عزل الوجه عن الاوكسجين كليا، وتكفي دقائق قليلة للموت، وهذا يثبت بالطبع ان غوغول قد مات فعلا، اذ ان النحات عمل القناع كما يجب، ولا زال هذا القناع موجودا لحد الآن.

قررت الحكومة السوفيتية الغاء تلك المقبرة عام 1937، وتقرر نقل بعض الجثامين منها واعادة دفنها، ومنها جثمان غوغول. وهكذا تم في 31/3/ 1937 نقل جثمان غوغول من مقبرة دانيليفسكايا الى مقبرة العظماء، وعندها ظهرت تلك الاقاويل عن دفنه حيٌا، وانهم وجدوا ان جسده قد تحرٌك، وان التابوت كان مخرمشا من الداخل، وانه قد مات في قبره لعدم كفاية الاوكسجين ولعدم استطاعته الخروج من القبر ...الخ.

عندما فتحوا قبر غوغول عام 1937، كانت هناك مجموعة من الادباء والفنانين، وكل واحد منهم – فيما بعد- قال شيئا مختلفا، وكلهم حاولوا ان يأخذوا (شيئا – ما) من قبره، مثل قطعة من ملابسه او من حذائه ..الخ، وهناك حكاية تقول ان احدهم أصرٌ على فتح قبره ثانية كي يعيد ذلك الجزء الذي اخذه من حذائه، وذلك لان غوغول كان يظهر في منامه ويطالبه بذلك، ويقال انه ذهب الى المقبرة وحفر قرب القبر واعاد دفن ذلك الجزء من الحذاء، وهكذا تخلص من ذلك الكابوس المرعب. ومن المهم الاشارة هنا الى ان الذين حضروا تلك العملية وجدوا ان جمجمة غوغول قد اختفت، ويقال ان احد الاغنياء الروس قد أخذها عام 1909، في الذكرى المئوية الاولى لموته، عندما جرى ترميم قبره وتنظيفه، وان هذا المليونير الروسي كان مولعا بجمع غرائب الاشياء، وقد ضم جمجمة غوغول الى مجموعته تلك،ويقال ايضا، ان لينين قد أصدر امرا – بعد ثورة اكتوبر 1917 – بتحويل بيت هذا المليونير الى متحف، وان يكون هذا المليونير مديرا له، وقد ضاع كل شئ، بما فيها جمجمة غوغول بعد وفاة هذا المليونير.

عرضت احدى قنوات التلفزيون الروسية (في الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوغول 2009) مقابلة مع حفيد أحد  الذين حضروا فتح قبر غوغول، واسمه تروفيموف، وقال انه سأل جده عن ذلك، الا ان الجد كان خائفا وحاول التهرب من الجواب، وقال انه لا يتذكر، وقد ذكر هذا الحفيد ان المخابرات السوفيتية آنذاك قد استدعت جده ولكنها ألغت هذا الاستدعاء قبل يوم واحد من تاريخه فقط، وان جده كان يخشى التحدث عن ذلك، وقد اختتم الحفيد كلامه قائلا، ان المخابرات السوفيتية قررت غلق هذا الموضوع. ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان أحد الاساقفة قد اعلن – في ما بعد – ان غوغول ما زال مدفونا في مكانه القديم، اذ ان التابوت قد غاص في الارض لدرجة ان الذين فتحوه لم يجدوه واقعيا، وانهم قد وجدوا بقايا لا علاقة لها بجثمان غوغول، ودفنوها في قبره الجديد بمقبرة العظماء. لقد أوصى غوغول الا يضعوا تمثالا على قبره، الا انهم وضعوا تمثالا عند قبره في مقبرة العظماء وكتبوا عليه انه (من الحكومة السوفيتية)، ويشير البعض ان وصية غوغول قد تم تنفيذها فعلا، اذ ان الذي يرقد هناك ليس غوغول، والله أعلم.

 

hashem mosawiإنه الحائز على جائزة (كتارا العالم) للأدب الروائي

الإسم الكامل: زهدي الداوودي

قاص وروائي عراقي، ولد في عام 1940 في طوزخورماتو بالعراق. تعلم في دار المعلمين الإبتدائية، بالقسم الأكاديمي في كركوك1957-1959م.

نال شهادة الدكتوراه في فلسفة التاريخ1976م.

مارس مهنة التدريس في الجامعات التالية: كلية التربية بجامعة الموصل1976-1979م، وكلية التربية بجامعة قاريونس- البيضاء/ ليبيا1979-1981م، وقسم التاريخ بجامعة لايبزك، المانيا1981-1993م، وجامعة كركوك والسليمانية2005 –2004م.

قال :” كل ما كنت أبغيه هو ربط موضوع الرواية بالحياة ربطاً جدليا غير ميكانيكيا، ربطا يصور الصراع بين القديم والجديد، بين الزمان والمكان، بين المعقول واللامعقول، بين المدينة والريف، بين التخلف والتقدم، بين الجريان مع العصر الحديث والتقهقر إلى الوراء”.

 

من مؤلفاته:

zohdi aldahoodi• الإعصار، مجموعة قصص – بغداد: منشورات اتحاد الأدباء العراقيين، 1962م.

• رجل في كل مكان: رواية – بيروت: دار الفارابي، 1974م.

• الزنابق التي لا تموت : مجموعة قصص- الموصل: دار الكتاب، 1978م.

• رحلة إلى بابل القديمة ، ترجمة عن الألمانية- دمشق : دار الجليل، 1984م.

• أسطورة مملكة السيد : قصة طويلة- لايبزك : دار سومر، 1990م.

• أطول عام: رواية – بيروت: المؤسسة العربية، 1994م.

• زمن الهروب: رواية- بيروت : المؤسسة العربية، 1998م.

• فهد والحركة الوطنية العراقية : دراسة نقدية بالاشتراك مع كاظم حبيب.

• وداعا نينوى: رواية- كركوك: مؤسسة شفق الثقافية، 2004م.

• تحولات: رواية،- بيروت: المؤسسة العربية ، 2007م.

• فردوس قرية الأشباح: رواية – أربيل: دار ئاراس، 2007م.

• ذاكرة مدينة منقرضة: رواية- كردستان: مديرية الطبع والنشر، وزارة الثقافة، 2010م.

• الأكراد تاريخ حضارة وكفاح مصيري: كتاب بالالمانية.

• سعار: مجموعة قصص- لايبزك : دار كيبنهوير، 1993م (بالالمانية).

• أطول عام : رواية – لايبزك : دار كيبنهوير، 1993م (بالالمانية).

• وداعا نينوى- هيلدسهايم: دار كولتورفيرك، 2001م

 

للاطلاع على ارشيفه في المثقف

http://almothaqaf.com/index.php?option=com_users&view=articles&id=1162&Itemid=585

 

 

alaa allami- شفتالو ودعبول البلام: دعبول هو أشهر بلام (صاحب بلم أي زورق صغير لتعبير الناس نهر دجلة الذي يشطر بغداد) حين ينزل الناس إلى شاطئ الكاورية ترفيها عن النفس وأكل السمك المسكوف (المشوي على الطريقة البغدادية) وهو قارئ جيد للمقام العراقي وفكه ظريف وقد كفانا الأستاذ – الفنان الراحل – يوسف العاني مشقة الكتابة عنه تفصيلا فقد جاء ذلك في تمثيليته المشهورة "دعبول".

- شفتالو: هو قزم إيراني يتظاهر بالبله ويشتغل في مقهى حسن عجمي. وكان يعرف جميع روادها معرفة تامة فهو يتساءل دائما وبطريقة خبيثة عن أسمائهم وحسبهم ونسبهم ونقائهم وفضائلهم . وكان له صديق حميم وعدو مبين . أما صديقه الحميم فهو القزم المعروف "خليلو" المشوه الخلق، العارف جيدا بالمقامات العراقية والأغاني العراقية وغير العراقية وقد ظهر على شاشة التلفزيون العراقي مقلدا مختلف الأغاني كشخصية بغدادية غريبة . أما عدو شفتالو فهو المرحوم حسن حراسة،  وكان يخافه خوفا شديدا ويرتجف لمجرد ذكر اسمه ويهرب من المقهى إذا رآه قادما  والسبب في ذلك هو ان حسن حراسة قد اشتهر بالمراجل والشقاوة " الفتونة" وقد التصقت به تهم قتل سياسية كمقتل وزير الداخلية توفيق الخالدي والقوميسير اليهودي سليمان افندي رغم كونه ملتزما للحراسة. ولكن التحقيق الذي أجري معه لم يثبت أنه قام بعمل من هذه الأعمال.

- الحاج خليل إبراهيم الكهوجي: كان في صباه قهوجيا في حي قنبر علي مع أبيه، وأول ما بدأ عمله مستقلا كان في المدرسة الثانوية المركزية في العشرينات. ثم انتقل إلى دار المعلمين واستأجر المقهى من الأوقاف في محلة الخشالات على شارع الرشيد. كان مثالا للكرم وحسن السلوك واللطف في المعاملة. واستمرت صداقته مع جميع الذين عرفوه من طلاب الثانوية ودار المعلمين وصارت قهوته مركزا للاستعلامات ومحطة للبريد والحوالات  والأمانات ما بين بغداد والمحافظات. فقد كانت أكثر عناوين الرسائل والحوالات المالية ترد وتصدر بواسطة قهوة خليل. وقد اعتاد  رواد القهوة كما اعتاد هو أن يترك التخت مع صينية الواردات – النقدية- مباحة للعموم حتى أن اخاه سلمان – من أم يهودية تزوجها أبوه في منطقة قنبر علي، كان سلمان هذا يترك صينية النقود تحت رحمة كل من يجلس على التخت. وجاء ذات يوم أحد المزاحمين له في المزاد الذي يقام في مديرية الأوقاف لاستئجار المقهى وزاد على المبلغ الذي كان يدفعه الحجي خليل في الإيجار فاستنكر خليل ذلك وترك المقهى واستأجر مقهى آخر بجوار مقهاه الأول ولكنه لم يستأنس به وركبته الحسرة والكآبة وترك العمل نهائيا وتوفي إلى رحمة الله).

المس كنكستن وسيروب وماكوفسكي: كان في بغداد العشرينات  مستشفى المجيدية " الملكي" وهو مدينة الطب حاليا. وقد بني في الأساس لإقامة شاه إيران وحاشيته أثناء زياراته لبغداد والعتبات المقدسة، واهم جناح فيه هو " النرسينك هوم " أي دار التمريض الذي تديره المس كنكستن المتسلطة على المستشفى وأطبائه والتي لا يرد لها طلب والراقدون فيه يلقون العناية والخدمة والغداء الفاخر بأجرة قليلة ورمزية يساعدها في ذلك (" الماسيرات = الممرضات ومفردها ماسيرة وأصل الكلمة عبارة يا أختي (Ma sœur) بالفرنسية ع .ل). وفي مدخل المستشفى جناح الأمراض العصبية ويديره سعيد الملا رجب يعاونه الأرمني سيروب صاحب الشوارب المخيفة حيث يخافه الأطباء والمرضى ومدير المستشفى نفسه، فكان سيروب مثال الرعب في هذا الجناح. المستشفى الآخر هو مستشفى المير إلياس الذي تبرع بإنشائه الثري اليهودي مير إلياس ومحله في منطقة العيواضية ولم يزل قائما. وفي أواخر العشرينات كثر الأطباء في بغداد واشتهر منهم طبيب يسمى الألماني ماكس ماكوفسكي واتخذ عيادته في شارع الأكمكخانة "المتنبي حاليا" وتزاحم الناس عليه واشتهر ماكوفسكي كذلك بزوجته الحسناء، ثم انكشف أخيرا وظهر أنه دجال فترك العراق هاربا. أما في الطب العدلي والتشريح فكان المشهور الطبيب العراقي حنا خياط ثم جاء تلميذه الدكتور القيسي يعاونه رئيس عمال التشريح ومسؤول التكفين ودفن الموتى الشاعر الشعبي الشهير ملا عبود الكرخي).

- لهمود وهدابي: وضمن عرضه لمجموعة من المهن والحرف الشعبية التي انقرضت يعرفنا المؤلف عباس بغدادي على التالي منها:

- خياط الفيرفوري = مصلح أواني الخزف بخياطتها بأسلاك معدنية.

- الصبابيغ: وهم صباغو الملابس والأقمشة

- القواصيص: الذين يقطعون الطابوق الفرشي (آجر مربع مفخور).

حياكة الحيص والتكك: الذين يصنعون الأحزمة  والتكك للباس الداخلي من القطن أو الحرير او مزيج منهما..

- الطماسون ونزاحو البلاليع: الذين ينظفون  خزانات المراحيض المنزلية.

- الكندكارية ومبيضو القدور الذين يطرقون الحديد والنحاس لصنع الأواني والوعية.

- الحف والحجامة.

- اللمبجية: الذين يضيئون الفوانيس النفطية ليلا في شوارع وازقة بغداد.

- الصيارفة على الواقف: وكان يحتكرها اليهود العراقيون ويصرفون العملات الأجنبية أو العملة العراقية الورقية الى معدنية وبالعكس.

- النقابة والمجارية: وهم أصحاب الحمير الصغيرة " الشاوية" واطلق عليهم هذا الاسم لأنهم كانوا ينقبون في الأرض بحثا عن الأحجار الصغيرة والكبيرة لغرض استعمالها في البناء.

- القصخون: قارئ القصص القديمة وسوالف ألف ليلة وليلة.

- النقارون: وهم الذين يقومون بتنقير رحى المطاحن اليدوية البدائية لجعلها أكثر فاعلية.

- قصاصو الأثر: وهم الذين يتخصصون بمعرفة آثار الدابة أو لصوص الحيوانات إذ يقتفون أثرهم. وهؤلاء يستلمون أجورهم حسب الاتفاق سواء عثر على الدابة أو على سارقها فقط وعند العثور عليه يرجع الى الفاقد ويأخذ منه الحلاوة " المكافأة" وهو شيء متعارف عليه وواجب الدفع. وأشهر قصاص أثر في العراق كانا شخصين من اهالي الديوانية: هما لهمود، وهدابي. وقد نالا وسامين من ألمانيا في زمن هتلر لأنهما عثرا بطريق قص الأثر على قاتلي سائحين ألمانيين قتلا قرب الديوانية وظل القصاصان يتجولان في المنطقة حتى شاهدا، وعلى بعد خمسين كيلو مترا من الديوانية آثار أقدام، كانا قد شاهداها قرب جثة القتيلين، فألقي القبض عليهما ووجد بحوزتهما جوازات سفر السائحين وجوازات سفرهما وحكم على القاتلين بالإعدام وحضر القنصل الألماني إلى الديوانية وقلد لهمود وهدابي الوسام.

 

- الجدتان أمونة وهندوسة:  يبدو أن سمات أو ملامح  المجتمع الاستهلاكي كانت موجودة بأشكال بارزة في المجتمع البغدادي ومن الممكن ربطها بخلفية بغداد التاريخية كعاصمة إمبراطورية آفلة. فمن البضائع المستورة الكثيرة جدا في أسواق بغداد العشرينات يذكر المؤلف عباس بغداد (شاي سيلان وزيتون يوناني، وفرفوري سكسون "خزف يصنع في مقاطعة سكسونيا الألمانية وليس الهنغارية كما كتب المرحوم بغدادي " وجوخ إسكتلدني " قماش فاخر"، ومسقول"حلوى"  حجي بكر التركي، وسجاد إيراني، وحلاوة مسقط، وجبن قشقوان البلغاري، وحرير صيني، وفرو  من استرخان،  وسماورات روسية،  وفستق حلبي وشخاط " كبريت" سويدي،  وسكاكين راجز الألمانية، والعنبة الهندية، وبخور جاوي وحيوة "سفرجل" أصفهان، وتمن "رز" رشت، وفاصونة " فاصوليا؟ " إنكليزية، وقهوة ممباسة "مدينة كينية"  والحمص المراكشي، وتتن " تبغ" سمسون، وكانت تجارة القطن والقطنيات حكرا على البريطانيين وتخصص بها شخص بريطاني سيء السمعة يدعى إيستن إيستوود. أما المشروبات الكحولية كالويسكي وغيره فمن إنكلترة وفرنسا، والساعات من سويسرا، وأشهرها أوميغا وزينيت ولوجين وأم الطمغة وأم الأنكر، وبعض هذه البضائع تستورد مع أن بدائلها العراقية متوفرة ومتنوعة ومشهورة الجودة فمثلا كانت توجد في أسواق بغداد انواع الجبن العراقي ومنها جبن الأوشاري من أربيل وجبن الثوم الكلداني وجبن الثوم الأربيلي والسليماني، وكانت الأجبان ترد مكبوسة بجلود الماعز غير منزوع الشعر. أما السمن الحيواني الفاخر فكان يرد على بغداد من لواء الرمادي في الغربية ومن علي الغربي في لواء العمارة  الجنوبي وذلك لأن مناطق الرعي في الغربية والجنوب ينبت فيها عشب زكي الرائحة وتضفي على الدهن رائحة زكية، أما الدهن النباتي " علامة أبو الخروف الهولندي" فقد دخل بغداد في الأربعينات.

ومن الصناعات البغدادية الطريفة صناعة شربت "عصير" الرمان الذي يستعمل بعد تحميضه في مرق المثرودة التي يتناولها البغادَّة  في  صباحات الشتاء للفطور،  وصناعة الشريص " الشريط اللاصق" المصنوع من أقماع البامية المجففة والمطحونة طحنا ناعما. ومن الصناعات والمهن النسائية يذكر المؤلف برم الحرير وغزل الصوف  والمداويات بالحشائش والأعشاب واشتهرت منهن السيدة رختية ومهن الحف والحجامة وبيع أدوات الزينة وكانت الحجامة امرا لا بد منه وخصوصا للصغار لاعتقادهم أن بقية دم الطفل الوليد الذي كان في الرحم يجب أن ينزل لذلك نادرا ما ترى صبيا في جانب الكرخ ليس محجوما وعلامة الحجامة ظاهرة في قفا الرقبة. ومن النساء من يقرأن المواليد النبوية أو يعملن حفلات الأعراس وكانت هناك القابلات وكان في بغداد قابلتان "جدتان"  مشهورتان هما أمونة الشعر باف في منطقة العبخانة والحاجة هندوسة رحمهما الله وتسكن جانب الكرخ وكانت بدينة جدا لا تستطيع السير لذلك كان يأتي الرجال الأشداء من أهالي المنطقة  لحملها على محفة إلى بيت الحامل التي في المخاض. يتبع.

 

diaa nafieولد الاديب العراقي الدكتور برهان شاوي في الكوت عام 1955، وحصل على شهادة الدكتوراه في فن السينما عام 1986  في موسكو، ويساهم في الحياة الفكرية العراقية بنشاط كبير، فقد أصدر العديد من المجاميع الشعرية والدراسات الاعلامية والادبية، اضافة الى مقالاته وكتاباته في الصحف والمواقع الالكترونية المختلفة، وصدرت له قبل فترة رواية أثارت ردود فعل واسعة في الاوساط الادبية. و ساهم د. برهان شاوي كذلك في عملية ترجمة الشعر الروسي  المعاصر من الروسية الى العربية، وقد اصدر كتابا يضم قصائد للشاعرة الروسية آنا أخماتوفا، وكتابا آخر يضم قصائد للشاعر اوسيب ماندلشتام، وهو الكتاب الذي نتناوله في مقالتنا هذه.

صدر هذا الكتاب بطبعته الاولى عن دار نشر (الجمل) في المانيا، وأذكر باني استطعت الحصول عليه في بغداد وتحدثت عنه بشكل سريع وعابر في محاضرة القيتها بكلية اللغات في جامعة بغداد عنوانها (الشعر الروسي بترجمة الدكتورة حياة شرارة)، واعود اليوم، وبعد مرور حوالي 15 سنة، للحديث عن هذا الكتاب في طبعته الثانية، التي صدرت عام 2009 عن دار الاصداء للطباعة والنشر والتوزيع، ولا توجد اشارة الى مكان هذا الاصدار.

يعد هذا الديوان – حسب علمنا – أول كتاب بالعربية للشاعر الروسي اوسيب ماندلشتام، ويقع الكتاب في 151 صفحة من القطع المتوسط ويضم – مقدمة وتعريف بالشاعر ومختارات نثرية ومختارات شعرية. يشير د. شاوي في المقدمة الى طبيعة شعر ماندلشتام، الذي – (يصقل الحجارة الصغيرة الناعمة)، ويؤكد – وهو على حق – بان شعره صعب جدا، وبالتالي فهو عصي على الترجمة، ويختتم مقدمته  مشيرا الى (عبثية أية ترجمة لاشعار ماندلشتام ونقلها الى غير لغتها الروسية الاصلية)، ومع ذلك، فان  د. شاوي حاول واستمر في محاولته بترجمة اشعاره، ونعتقد بانه قد نجح في محاولته تلك.ينتقل المترجم بعد المقدمة الى تعريف وجيز جدا بالشاعر ومسيرته،منذ ولادته في عام 1891 الى وفاته في معسكر الاشغال الشاقة في سيبيريا عام 1938، حيث رميت جثته مع بقية جثث السجناء الميتين (في قمامة المعسكر).ونود هنا ان نشير فقط الى مسألة غير دقيقة (ربما تكون خطأ مطبعياعلى الاغلب) ورد ت في ذلك التعريف الوجيز، وهو ما جاء في النقطة الخامسة حول التحاقه في قسم اللغة الرومانية بجامعة بيتربورغ، اذ ان هذا القسم هو قسم اللغات الرومانو- جرمانية وليس قسم اللغة الرومانية،وهو قسم يختص بدراسة مجموعة من اللغات الاوربية بشكل عام، ولا زال هذا القسم العلمي موجودا لحد الان في تلك الجامعة، وفي جامعات روسية عديدة اخرى.

في الجزء الخاص بالمختارات النثرية، يقدم لنا د. شاوي ترجمة لمقالين من مقالات ماندلشتام، الاول بعنوان (حول طبيعة الكلمة) والثاني بعنوان (عن المحاور). المقال الاول نشره ماندلشتام في كراس صغير عام 1922 بعنوان – (عن النهلستية الداخلية في الادب الروسي)، ثم نشره في ما بعد بعنوان (حول طبيعة الكلمة)، وهو مقال رائع يتناول الادب الروسي، وهل هو أدب معاصر  ومتفرد، وما هو وجه التفرد فيه، وما هي السمات الجوهرية (او ما يسمى بالمقاييس) لهذا التفرد، ولا يمكن لنا ان نعرض موجزا لتلك الطروحات الفلسفية التي جاءت في ثنايا  ذلك

المقال المعمق، والذي يتوقف ماندلشتام فيه عند اسماء كثيرة في الادب الروسي والعالمي ويحللها ويتناول (سحر اللغة) و(سلطة الكلمة) وعلاقة الادب بهما، الادب الذي ينظر اليه ماندلشتام باعتباره – (درس، وشارع، بينما علم اللغة هو محاضرة جامعية). ان قراءة ذلك المقال من قبل القارئ غير المتخصص هي عملية صعبة  ومعقدة تماما، وحسنا فعل د. شاوي، عندما كتب بعد ذلك المقال هوامش بلغت (61) نقطة، أعطى للقارئ فيها شروحا تفصيلية ومعلومات وافية عن كل اسماء الادباء الذين تناولهم ماندلشتام وعن كل المفاهيم التي جاءت في متن ذلك المقال، بما فيها المدارس الفكرية الروسية والعالمية. ان تلك الهوامش التي جاءت من الصفحة رقم 33 والى  الصفحة رقم 43 تمثٌل واقعيا عملا علميا كبيرا قام به د. شاوي متطوعا لخدمة القارئ والتعريف بمضمون مقال ماندلشتام، و في الوقت نفسه يعد هذا العمل اغناء للمكتبة العربية بشكل عام.

اما المختارات الشعرية، فقد بدأت بقصائد من ديوان (الحجر)، ثم من (قصائد من بريستيا)، ثم مختارات من اشعار 1921-1925، ثم من الاشعار الموسكوفية 1930-1937، ومن اشعار فارونش (المدينة التي تم ابعاده اليها في آخر سنوات عمره) والتي ارسلوه منها الى معسكرات الاشغال الشاقة (والتي افتتح فيها قبل سنوات قليلة تمثال رائع له).

نقدم للقارئ فيما يأتي قصيدة من ديوان (الحجر) بترجمة د. شاوي، ونعقبها بترجمة نفس تلك القصيدة (وعن الروسية ايضا) للباحث السوري د. ابراهيم استنبولي،وهو من الباحثين المعروفين في مجال ترجمة الادب الروسي، ويمكن للقارئ ان يقارن الترجمتين، وهما يمثلان اجتهادين مختلفين لنص واحد، ويبينان صعوبة ترجمة الشعر بشكل عام، وترجمة شعر ماندلشتام بشكل خاص. ونترك للقارئ الحكم النهائي.

 

القصيدة بترجمة د. برهان شاوي

 

أرقٌ من الرقة

وجهك،

أشدٌ بياضا من الابيض

يداك،

ومن العالم كله

بعيدة أنت،

 وكل شئ فيك

لا مفر منه!

 

لا مفر منه، ألمك،

واصابع كفك الدافئة،

وصوتك الهادئ،

وحديثك الذي لا يطوي كآبة،

وعمق عينيك.

 

القصيدة بترجمة د. ابراهيم استنبولي

ألطف من اللطف- وجهك،

وأكثر بياضا من الابيض- يدك،

وانت بعيدة عن مجمل العالم،

 وكل ما فيك- مما هو لا مفر منه.

 

ومما لا مفر منه-

حزنك،

واصابع يديك الملتهبتين،

والصوت الناعم لاحاديثك غير الشهية،

والبعد في مقلتيك.

 

نترك القارئ ليحكم بين الترجمتين.

اما أنا فاميل الى ...........

 

أ.د. ضياء نافع

 

jawdat hoshyarالفرد نوبل – عبقرية علمية فذة، يرتبط اسمه في المقام الأول باختراع الديناميت ومتفجرات اخرى فتاكة، وان كان له عدد كبير من الإختراعات المهمة الأخرى، التي لا علاقة لها بالأنتاج الحربي، ولكن اسم نوبل يقترن ايضا في اذهان المعاصرين وعلى نحو راسخ بجوائز نوبل العالمية ذات المكانة الرفيعة، والتي تأسست بناءاً على وصيته الشهيرة . ولا يعرف سوى عدد ضئيل من الناس كيف طرأت فكرة هذه الجوائز في ذهن نوبل، ذلك لأن حياته ظلت الى عهد قريب تكتنفها الاسرار ويلفها الغموض . ورغم ان اختراعاته المثيرة قد جلبت له مجداً عريضاً وثروةً طائلةً، فقد كشفت الدراسات التي أجريت مؤخرا، انه ظل الى اخر يوم في حياته يعاني من الوحدة والعزلة، وسنحاول في الفقرات اللاحقة القاء الضوء على حياته المليئة بالانجازات العلمية الباهرة من جهة والحزن والاحباط واليأس من جهة اخرى، أضافة الى تصحيح بعض الآراء الخاطئة الشائعة عن أسباب قيامه بتخصيص ثروته الطائلة في سبيل التقدم العلمي والثقافي وتوطيد السلام في العالم، هذه الاراء، التي لا تمت الى الحقيقة بصلة، من قبيل الرأي السطحي القائل ان نوبل قد شعر بالندم للنتائج المرعبة التي ترتبت على اختراعاته العلمية، فقرر التكفير عن (ذنوبه) بتأسيس الجوائز المعروفة بأسمه، ان الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فقد أقدم الفرد نوبل على هذه الخطوة بعد معاناة طويلة على امتداد سنوات عديدة وجاءت كمحصلة طبيعية لفلسفته ونظرته الى الحياة واِلى مستقبل الجنس البشري .

 

المليونير الحزين

في ربيع العام 1876م نشرت احدى صحف فينا اعلاناً مثيراً بمقاييس ذلك العصر: "رجل كهل، مثقف وثري يقيم في باريس ويتقن عدة لغات اوربية، يبحث عن إِمراة في منتصف العمر للعمل بصفة سكرتيرة ومديرة منزل، وقد أستجابت لهذا الاعلان سيدة نمساوية أرستقراطية جذابة تبلغ من العمر (33) عاما ¸هي "بيرتا كينسكي"، التي كانت في ذلك الوقت مضطرة للعمل كمديرة منزل لكسب قوتها .

 ربما أحست برتا بين السطور مدى الوحدة التي يعاني منها هذا السيد الكهل، وتبين ان الشخص الذي نشر الاعلان كان صادقا تماما، فقد كان ثريا ومثقفا فعلاً، ويتقن عدة لغات اوربية، وإِن كان من الصعب وصف رجل في الثالثة والاربعين من عمره بالكهل . وحين التقيا في باريس ادركت بيرتا انه يبحث عن ما هو أكثر من مجرد سكرتيرة، ربما عن زوجة، ومما يؤسف له ان بيرتا كانت تحب رجلاً آخر، وقالت ذلك لنوبل بصراحة، عندما سألها ان كان قلبها خاليا . وبعد اسبوع واحد من مباشرتها العمل عادت الى فينا ولكنها لم تستطع ابدًا ان تنسى الباريسي الكئيب، الذي كان من المحتمل أن تقترن به، لو شاءت ذلك وظلت صورة نوبل عالقة بذهنها: رجل لبق ومتواضع الى حد يكاد ان يكون تدميراً للذات، متقلب المزاج بشكل حاد وفجائي – من الانبهار الشديد الى الحزن العميق او اليأس .

لم يكن نوبل يشبه الاخرين من معارفها، وظلا صديقين طوال حياته وحتى لحظة وفاته، التي واجهها - بعد عشرين عاما من لقائهما فى باريس - وحيدا في فيلته بايطاليا، كانت الفيلا فى البداية تسمى "العش" و هى كلمة توحي بوجود زوجين، وحينئذ اطلق على الفيلا أسم " نوبل" . وعلى هذا النحو لم يتزوج ابدا، وأصبحت بيرتا التي لقبت فيما بعد بــ "البارونة فون زوتنر" كاتبة معروفة وداعية ناشطة في حركة السلام الاوربية، وربما كان ذلك احد الاسباب التي دفعت نوبل الى تخصيص جائزة للسلام، علاوة على الجوائز المكرسة للأنجازات العلمية والادبية، والتي تمنح سنويا تنفيذا لوصيته.

 في العام 1905م منحت جائزة السلام الى بيرتا، التي وصفت نوبل بأنه: (رجل قصير القامة، له لحية سوداء ناعمة وملامح وجه دقيقة، وعيناه الزرقاوان تلمعان بحيوية تحت حاجبين كثيفتين عندما كان في عنفوان شبابه، وبمضي الزمن اصبح تعبير وجهه ذاهلا، ويكاد يكون حالما . لم يكن يحب قط، الوقوف أمام عدسات المصورين، ويتجنب لقاء الصحفيين ويبتعد عن الاضواء ويحافظ دوما على مسافة بينه وبين شركائه ومرؤوسيه، وبفضل أختراعاته الخطيرة، إِستطاع ان يجمع ثروة طائلة، كانت تعتبر من أكبر الثروات خلال القرن التاسع عشر، هذه الثروة أصبحت أساس الجوائز الشهيرة التي أسسها . كان نوبل انسانا مجاملا ومرهف الحس، ومحل أعجاب كل من عرفه تقريبا . وكانت امه شديدة التعلق به . ولكن شيئا ما في قرارة نفسه كان يجعل حياته مليئة بالمرارة والاسى، ويبعث على عدم الرضا عن نفسه، حيث لم يعرف الهدوء في حياته قط، وليس أدل على ذلك من السيرة الذاتية المقتضبة التي كتبها نوبل:

-   الفرد نوبل: كان على الطبيب الذي أشرف على ولادته ان ينهي وجوده رحمةً به .

-   فضائله الرئيسية: عدم تكوين أسرة، رداءة هضم الطعام .

-   امنيته الوحيدة: ان لا يدفن حيا .

-   الحوادث المهمة في حياته: لا توجد .

لم تكن حياة الفرد نوبل تافهة على الاطلاق، كما تبدو من هذه السطور الطافحة بالتهكم واليأس، بل انها كانت في الواقع محاطة بالدفء والحنان من قبل الاقارب وحافلةً بالانجازات العلمية، التي أتاحت له جمع ثروة ضخمة ونيل شهرة مدوية . ولكن من طبع اي عبقري ان لا يرضى عن نفسه ابدا، اما الانسان النرجسي فعلى العكس من ذلك يتبجح بفضائله الموهومة ويكيل المديح لنفسه ان لم يجد احدا يفعل ذلك نيابة عنه .

 

عائلة نوبل

في العام 1827م اقترن عمانوئيل نوبل (1801 – 1872م) بكارولين اندرييتا السيل (1803-1889م) وانجبا اربعة اولاد: روبرت (1829م) لودفيك (1831م) والفرد (21-10- 1831م واخيرا اميل (1842م ) .

 كان عمانوئيل نوبل مخترعاً موهوباً ورجلاً طموحاً ومغامراً، وحياته مليئة بالانجازات العلمية والاختراعات المدوية والكوارث، اما كارولين اندرييتا السيل، فقد كانت امرأة قوية العزيمة ومرفأ العائلة في الاوقات العصيبة والشدائد .

وحين أفلس عمانوئيل في السويد، قررت هذه السيدة المكافحة فتح حانوت صغير لبيع المواد الغذائية مما ساعد على توفير الحد الادنى من متطلبات الحياة للعائلة، وأراد عمانوئيل نوبل ان يجرب حظه في بلد اخر، فسافر الى فنلندا في العام 1837م ولكنه لم يلق النجاح، فشد الرحال في العام 1842م الى بطرسبورغ عاصمة روسيا القيصرية، حيث نجح في أقامة وتشغيل مصنع لأنتاج المكائن البخارية وانواع اخرى من المعدات. وكان اهم نجاح حققه في روسيا هو توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية لتجهيز الجيش الروسي بانواع الاسلحة والأعتدة، ولكن القدر تدخل هذ المرة ايضا، فقد انتهت حرب القرم (1853-1856م) بين روسيا والدولة العثمانية بانتصار روسيا، وبذلك أنتفت الحاجة الى السلاح الذي كان يورده عمانوئيل نوبل، وقامت وزارة الدفاع القيصيرية بالغاء العقد الموقع معه، وأضطر عمانوئيل للعودة الى السويد. وهنا في ستوكهولم انهمك بحماس شديد في اجراء التجارب ودراسة امكانية الاستخدام الستراتيجي للنتورجلسيرين وكانت هذ المادة قد أكتشفت قبل ذلك ب (14) عاما، ولكن لم يتم الاستخدام العملي لها .

نشأ الفرد نوبل طفلا عليلا يعاني من آلاّم في العمود الفقري وامراض اخرى، ولك ذلك لم يمنعه من أظهار موهبة فائقة في سن مبكرة لتعلم اللغات الاجنبية .وقد تلقى تعليما ممتازاً على ايدي أساتذة متخصصين في بطرسبورغ ثم واصل دراسته لمدة سنتين (1850-1852م) في كل من فرنسا وايطاليا . وقام بجولة في عدة دول اوربية منها المانيا، كما زار الولايات المتحدة الأميركية، وأكتسب خبرة عملية واسعة . وعلى الرغم من اعتلال صحته فقد كان دؤوباً محباً للعمل، وكان والده عمانوئيل نوبل يسميه (الفرد اللبيب الدؤوب). ومع مضي الزمن أصبح يقدر العمل أكثر فأكثر، حيث كان يقول:" إن العمل يجعل كل شيئ رائعا " . كان يكره الدعة والخمول والكسل ويدرك على نحوعميق بأن كل ما ينجزه الانسان هو بفضل العمل الواعي الموجة نحو تحقيق غاية معينة وهدف محدد لذلك كان يخطط لكل خطوة يخطوها ويعرف ما يريد بالضبط .

الشاب اليافع أدرك ان الحياة ليست عملاً فقط، وأحس بذلك بقوة في باريس على وجه الخصوص. وعرف (الفرد) سعادة الحب في هذه المدينة، ولم يدم حبه طويلا . الذكرى الوحيدة عن هذا الحب هي قصيدة قصيرة، فقد كان نوبل في مقتبل حياته يكتب الروايات والمسرحيات ويجرب الشعر، ومن المحتمل انه كان سينعم بمباهج ومرارة الحياة الزوجية، ولكن حبيبته ماتت فجأة وتركت لوعة في نفس الفرد، فقرر العدول نهائيا عن فكرة الزواج والعزوف عن مباهج الدنيا ليكرس حياته للأهداف النبيلة .

 

انجازات وكوارث

 في خمسينات القرن التاسع عشر تدرب وعمل (الفرد) في مصنع والده في سان بطرسبورغ مع اخويه لودفيك وروبرت، لقد ظل الشبان الثلاثة في روسيا لبعض الوقت حتى بعد عودة والدهم الى السويد. ولقد كُلّف الفرد – بسبب معرفته اللغتين الانجليزية والفرنسية- بمهمة في كل من انجلترا وفرنسا، مهمة حساسة كتب لها الفشل مسبقا وهي الحصول على قرض مالي .

وفي هذ الفترة تقريبا اخذ (الفرد) يبدي اهتماما بعلم الكيمياء حيث تمكن من تسجيل براءة اختراع لأول مرة في عام 1857م وشرع باجراء التجارب بالاشتراك مع والده على مادة النتروجلسرين، وكان النجاح حليفهما اوعلى وجه الدقة حليف الفرد نوبل، الذي بذل جهوداً مضنية وطويلة لأثبات ان الاختراع يعود اليه وليس لوالده، لقد كانت القوة التدميرية للنتروجلليسرين معروفة قبل ذلك ولكن لم يتمكن احد من تحقيق استخدامها العملي .

 ان توصل الفرد نوبل الى اختراع كبسولة التفجير، التي يمكن بواسطتها احداث تفجير في حاوية مملؤة بالنتروجلسيرين السائل كان على جانب عظيم من الاهمية. وقرر الفرد اشراك شقيقه الاصغر اميل – وكان مايزال تلميذا في المدرسة الثانوية – في هذه التجارب وتمكن الشقيقان من انتاج عدد محدود من هذ الكبسولات في مختبر صغير قرب مدينة ستوكهولم .

كان ذلك في عام 1863م، وكانت هذه التجارب محفوفة بالمخاطر العظيمة ولكنهما واصلا عملهما دون كلل. وبعد عام واحد وفي ساعة مبكرة من الصباح عندما كان الفرد في رحلة عمل خارج ستوكهولم ووالده مايزال يتناول طعام الافطار، حدث انفجار هائل في المختبر ادى في الحال الى وفاة أميل وأربعة أشخاص اخرين، ولكن الفرد كان واثقا من النجاح ولم تثبط هذه الكارثة عزيمته ولم يتخل عن مشاريع اقامة مصانع في وطنه السويد وفي المانيا .وكان بعيد النظر سواء خلال الفترة الحرجة او في السنوات اللاحقة، عندما أنشأ مصانع في بلدان اوربا واميركا، حيث تخلى عن حقوق براءة الاختراع لقاء مشاركته في ارباح المصانع المقامة في داخل وخارج وطنه، كان الانفجار في ستوكهولم بداية لسلسلة طويلة من الكوارث المفجعة، التي كانت كافية – على ما يعتقد – للأقلاع عن فكرة انتاج النتروجلسرين على نطاق صناعي قبل ان يبدأ مثل هذا الانتاج فعلا، ان خزن ونقل النتروجلسرين كان أخطر مما كان يتصوره الفرد نوبل نفسه، ففي عام 1866م تناثرت في الهواء قرب سواحل بنما باخرة محملة بالنتروجليسرين وأدى الحادث الى مقتل (74) شخصا وبعد أقل من شهر واحد قتل (14) شخصا في انفجار مخزن في سان فرانسسكو ودمر انفجار هامبورغ المصنع الذي أقامه الفرد نوبل بعد مرور عام واحد فقط من الانتاج فيه . وحدثت انفجارات مماثلة في كل من نيويورك وسدني .

وعاد الفرد نوبل الى المختبر لإيجاد حل يضمن نقل وتداول وأستخدام النتروجليسرين بشكل اّمن . كان يبحث عن مادة صلبة على شكل مسحوق او الياف تمتص النتروجليسرين مما يزيل قابلية هذه المادة للأنفجار تلقائيا .واخيرا استقر رأيه على مادة تسمى (Kiese Lgur)، التي تكون مع النتروجليسرين مادة أقل خطورة في التداول . وأطلق نوبل على هذه المادة الجديدة أسم (ديناميت) وهي كلمة مشتقة من (ديناميك) اليونانية وتعني القوة . وعلى الفور تحولت مادة الديناميت الى اوسع المواد المتفجرة انتشارا في العالم، وأقام نوبل وشركاؤه المصانع في كل من النرويج، فنلندة، فرنسا، ايطاليا، النمسا، اسبانيا، الولايات المتحدة الامريكية، وبكلمة مختصرة في كل مكان يستخدم فيه المهندسون التفجير في حفر المناجم وشق الانفاق وكانت الارباح هائلة . فعلى سبيل المثال لا الحصر دفعت شركة (بريتش ديناميت) الى المساهمين وبضنمهم الفريد نوبل أرباحا سنوية تتراوح ما بين 12% - 20% طوال (10) سنوات .

وارتفع انتاج الديناميت من 11 طن عام 1867م الى 3120 طن عام 1874م . و كان تسجيل واستصدار شهادات براءات الاختراع وأبرام عقود المصانع الجديدة يستنزف الكثير من وقت الفريد نوبل، ولكنه كان مهتما اكثر من اي شئ آخر بتجاربه المختبرية، كان رجل الافكار الجديدة ويبدو سعيدا حينما ينهمك في اجراء التجارب فقط ولا يغادر المختبر الا في وقت متاخر من الليل، وكان يقول "اذا طرأت في ذهني الف فكرة خلال عام واحد، وتبين ان فكرة واحدة فقط من هذه الافكار ذات قيمة أكون راضيا ".

ولكن الواقع يثبت ان نتائج أعماله كنت مثمرة اكثر من ذلك بكثير، حيث بلغ عدد الاختراعات التي توصل اليها خلال حياته (355) اختراعاً .

وبعد فترة قصيرة توصل الى مادة متفجرة أقوى سماها (الجيلاتين المتفجر) . وفي الثمانينات حصل على براءة اختراع مسحوق بدون دخان وتهافتت الجيوش الاوربية لشراء هذه المادة الجديدة، ان اهتماماته العلمية كانت اوسع من نطاق المواد المتفجرة .كان يقوم بتجارب كثيرة لأيجاد بدئل صناعية للحرير والجلد والمطاط وتجارب في مجالات اخرى .

 

نوبل المواطن العالمي

كان نوبل بطبعه وبحكم الضرورة مواطنا عالميا، ويتقن ست لغات اوربية اساسية، كان يحس كأنه في وطنه وبيته في معظم العواصم الاوربية، ففي بداية حياته العملية كان يقطن في هامبورغ، ثم عاش فترة طويلة في فيلا انيقة في باريس. وفي اواخر حياته اقتنى فيلا كبيرة في أيطاليا وسكن فيها، كان دائم التنقل بين مدن اوربا في رحلات تتعلق بعمله، وكذلك للمعالجة في المصحات .وأمضى الصيف الاخير من حياته في بيته في فيركبورن بالسويد، وقد أطلق عليه الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو اسم (المليونير المتشرد) . وحين تقدم به العمر، كان نوبل يشكو من الثمن الغالي الذي أضطر لدفعه ثمنا لحياته في التنقل الدائم، قال ذات مرة " انا أجدف بلا مقود أو بوصلة، بقايا سفينة محطمة في عرض البحر".

 وفي رسالة الى خطيبته كتب نوبل يقول: " لم أكوّن أسرة . هذا المرفأ الحياتي الذي لا يقدر بثمن وليس لي اصدقاء يمكن ان احبهم، ولا اعداء يمكن ان أكرههم "، كان نوبل يهوى سباق الخيل، ولكنه كان جد معتدل في مراهاناته، لم يكن يطيق التدخين والكحول ولعب القمار وكان أشبه بالناسك في عاداته .

كان يحاول دائما ان يستقبل ضيوفه بسخاء منقطع النظير .قال احد معارفه عن الولائم التي كانت تقام في بيت نوبل " أنها مأدب كبيرة تتيح لك أوسع الفرص لأختيار الاطباق وأنواع الخمور، كان أبو الديناميت لا يطيق الضوضاء، لذا فأن عجلات عربته كانت مغطاة بالمطاط كي لا تحدث أي قرقعة ."

نوبل العصامي كان يعتمد على نفسه في كل شي، وينشد الاستقلال في آارائه ووجهات نظره، التي كانت تختلف عما هو تقليدي او سائد، كان ينظر نظرة شك وريبة الى كافة انواع الحكومات في اوربا وامريكا، وحين تقرأ مؤلفاته العديدة يبدو لك انساناً يحاول ان يخفي اوهامه، متوقعا ما هو أسوأ ويأمل - برغم لك – في مستقبل افضل، أما الموضوع الذي كان يشغل باله طوال حياته فهو بحثه المتواصل عن الحب ولكن دون جدوى . وبوسع عالم النفس ان يفترض ان أمه قد حجبت عنه النسوة الأخريات، كان الفريد وأمه أندرييتا متعلقين ببعضهما، وليس أدل على ذلك ان نوبل كان يحرص أشد الحرص ان يحضر الى السويد سنويا في يوم ميلاد أمه، وحين توفيت كان عمره (56) سنة .وحسب قول نوبل: " كانت تحبني على نحو يعجز عنه الناس هذه الايام، حيث ان الحياة الصاخبة تعمى كل الاحاسيس " ويتسم موقف نوبل تجاه المرأة بشئ من التناقض فقد كان مسحورا ومبهورا بالنساء، وفي الوقت ذاته ينفر منهن .وهو الذي كتب عن المرأة يقول: " الجنس اللطيف ولكن المفزع "، وبرغم خجله المعهود فقد كان دائما مهتما بالنساء .

 

ملك الموت

أتيحت لألفريد فرصة نادرة ليقرأ نبأ وفاته وهو حي يرزق . حدث ذلك عندما توفى شقيقه لودفيك، الذي جمع ثروة كبيرة من أستخراج النفط من الحقول الغنية قرب مدينة باكو الأذربيجانية، وقد التبس الامر على الصحفي الفرنسي الذي كتب مرثية للفقيد، وظن ان المتوفي هو الفريد نوبل وأطلق عليه الصحفي أسم " ملك الموت ". ويعتقد البعض ان هذا التنبؤ المشؤوم قد عزز الى حد كبير ميل الفريد نوبل نحو مناهضة الحروب عن طريق النضال السلمي، فقد أخذ يبدي أهتماما كبيرا بقضايا السلام العالمي، وعلى مدى سنوات طويلة دافع نوبل عن اختراعاته امام نفسه وامام المجتمع .

لقد كان طوال حياته مناهضا للحرب ووصفها بانها " أكبر وأفظع جريمة " ولكنه في الوقت نفسه كان يؤكد ان الضحايا الانسانية حتمية عند أستخدام اي نوع من المتفجرات حتى لو كان ذلك من أجل هدف نبيل .

ولقد أيد اسهام (بيرتا فون زوتنر) في حركة السلام الاوربية برغم انه كتب اليها يقول " ان مصانعي تقرب نهاية المعارك على نحو أسرع من مؤتمراتكم، ومن المحتمل جدا انه في اليوم الذي تظهر فيه امكانية لدى جيشين متقاتلين في افناء كل منهما الاّخر خلال ثوان معدودة، فأن كل الامم المتحضرة تدير ظهرها للحرب ."

في العام 1891 غادر نوبل فرنسا الى ايطاليا بسبب سخط الفرنسين العارم واحتجاجهم ضد قيامه ببيع المسحوق عديم الدخان الى البلدان الاخرى، وفي أيطاليا، واصل تجاربه على الالياف الصناعية والمواد المتفجرة في فيلته الواقعة قرب ساحل البحر في سان ريمو، رغم أصابته بمرض القلب، وفي عدد من رسائله الموجهة الى معارفه تنبأ نوبل بموته ورسم صورة قاتمة للحظة وفاته: ( بين خدم غرباء حين لا يكون في جواره انسان قريب وحميم) وفي أكتوبر 1896 أصيب بنزيف في الدماغ وخلال ثلاثة ايام لم يكن يستطيع الكلام الا بصعوبة شديدة وباللغة السويدية التي لم يكن احد من خدمه يفهمها، وفي العاشر من كانون الاول من العام 1896 وجده احد الخدم وقد فارق الحياة .

 

 وصية الفريد نوبل

ربما كانت وصية الفرد نوبل اشهر وصية في التاريخ فهي وصية فريدة، ويمكن اعتبارها أهم اختراع توصل اليه حيث لم يسبق لأحد ان كرس امواله الطائلة لغرض نبيل، هو تطوير العلم العالمي وتوطيد السلام وتكريم الادباء .

في العام 1895 أي قبل وفاته بعام واحد قام الفرد نوبل ودون الاستعانة بالمحامين بكتابة وصيته .

كان يعتقد ان الثروة الموروثة تؤدي الى زيادة العاطلين والكسالى ولهذا لم يخصص في وصيته سوى جزء صغير من ثروته، لأقاربه وللمقربين منه، أما بقية المبلغ فقد اوصى بإيداعه في البنك وتخصيص أرباحه السنوية كجوائز تمنح كل عام لاولئك الاشخاص الذين قدموا خلال العام المنصرم أافضل الخدمات للإنسانية . وتوزع جوائز نوبل – حسب الوصية – على خمسة حقول هي (الفيزياء، الكيمياء، الطب أو الفسلجة،،\الآداب، السلام) . وفي عام 1968 الجهات المانحة للجوائز تخصيص جائزة سادسة في حقل الإقتصاد بناء على إقتراح بنك السويد لمناسبة مرور (300) سنة على تأسيسه .

ان طريقة اختيار المرشحين ومنح الجوائز تختلف قليلا عما جاء في وصية نوبل، حيث تمنح الجوائز ليس للأعمال المنجزة خلال العام المنصرم، بل تلك المنجزة في الاعوام السابقة، اذا ظهرت اهميتها فيما بعد. وهذا امر مريح للجهات المانحة والمجتمع الدولي، حيث تتيح هذه الطريقة حرية أوسع في أختيار الابحاث والانجازات الاكثر أهمية خلال فترة زمنية مفتوحة .

نشرت الوصية لأول مرة في أوائل كانون الثاني العام 1897 وأثارت ردود فعل متباينة في السويد والدول الاوربية الاخرى، سرعان ما تحولت الى ضجة حقيقية، فقد أتهمه القوميون السويديون بأنه قد خذل ابناء جلدته، في حين أكد نوبل في وصيته بان تمنح الجوائز لأكثر الناس جدارة واستحقاقاً بصرف النظر عن الجنس والقومية والدين والحدود الجغرافية .

 استمرت الضجة التي أثارتها هذه الوصية، طوال فترة المحاكمات الطويلة بصددها، والتي شهدت مشادات حادة بين الاطراف المتنازعة (الجهات المانحة للجوائز وأقارب نوبل) حيث زعم البعض ان الوصية غامضة وغير قانونية، في حين زعم البعض الاخر بأنه لا يحق لنوبل ان يتصرف بثروته على هذا النحو، ولم تهدأ الضجة التي أثارتها الوصية الا بعد حوالي أربع سنوات .وبحلول عام 1900 كانت كافة الاجراءات التحضيرية لعملية اختبار الفائزين الاوائل قد أستكملت، وقد تحددت اسماؤهم بعد ذلك بعام واحد.

كان نوبل مالكا للعديد من الشركات ومساهماً في شركات صناعية اخرى، وذاع صيته في الاوساط العلمية وبين رجال الاعمال والمال والسياسة في اوربا، ولكن شهرته العالمية الحقيقية جاءت مع اختراعه الاهم وهو وصيته، ولكن هذه الوصية لم تكن تنفذ لولا جهود راغنر سولمان - معاونه وسكرتيره وأحد أثنين أوكل اليهما نوبل تنفيذ وصيته .وعلى أية حال فقد حسمت المحاكم امر الوصية وتحقق حلم نوبل بأنشاء صندوق لتمويل الجوائز المسماة بأسمه . وتولى سولمان رئاسة الصندوق اعتبارا من 1901 .

 وصندوق التمويل هذا، منظمة غير حكومية ومستقلة، تتلخص مهمتها الاساسية في تمويل الجوائز وضمان حقوق الجهات المانحة لها، واخيرا اعداد اجراءات واحتفالات تسليم الجوائز للفائزين .

ان الجوائز تعكس ميول نوبل نفسه: العلوم التطبيقية، الادب، السلم، كما تعكس نزعته الكوسموبوليتية، ان السمعة الممتازة لهذه الجوائز ربما تفسر بان الجوائز تعبر أصدق تعبير عن افكار نوبل النبيلة واهدافه واحلامه في الوصول الى "مجنمع عالمي يسوده الانسجام الذي لم يخلق بعد، ولكنه سوف يتحقق حتما، كما يقول المؤرخ المعروف دونالد فلمنغ.

 

عملية الترشيح والاختيار لجوائز نوبل

 تبدأ عملية الترشيح للجوائز في خريف كل عام . حيث تقوم لجان نوبل المتخصصة بتوجيه رسائل الى مئات العلماء والى الحائزين على جوائز نوبل في السنوات السابقة، والى المراكز العلمية المتخصصة في شتى انحاء العالم تطلب منهم ترشيح الاسماء لجوائز العام المقبل، وتوجد (6) لجان لجوائز نوبل ثلاث منها في حقول الفيزياء والكيمياء والاقتصاد لدى الاكاديمية الملكية السويدية للعلوم ولجنة واحدة للطب والفسلجة لدى معهد كارولينا وأخرى للأدب في الاكاديمية السويدية، وثالثة للسلام في البرلمان النرويجي، تتكون كل لجنة من (5) أشخاص تعينهم الجهة المختصة، ولكن من حق اللجان الاستعانة بخبراء مستقلين من ذوي الكفاءة العالية في مجالات تخصصاتهم .

 وفي شهر شباط تباشر لجان نوبل بدراسة وتحليل الترشيحات الواردة أليها . و تعقد لهذا الغرض جلسات عديدة و مطولة، و لكن يمنع منعا باتا ًتسجيل محاضرها . و تعد اللجان تقارير مسهبة عن أبرز المرشحين و ترفع توصياتها الى المراجع المعنية للبت فى الأختيار النهائى .

و تعلن أسماء الفائزين فى يوم ميلاد الفرد نوبل، المصادف للحادى و العشرين من شهر تشرين الأول / أكتوبر، و لا تعلن أسماء المرشحين الذين لم يقع عليهم الأختيار . و تتسم أعمال اللجان فى مراحلها الأساسية بالسرية التامة، و يتم تقليد الجوائز للفائزين فى يوم و فاة نوبل، المصادف للعاشر من شهر كانون الأول / ديسمبر. و يجرى تسليم جائزة السلام فى العاصمة النرويجية أوسلو بحضور ملك النرويج أو من ينوب عنه من أفراد العائلة المالكة .

أما بقية الجوائز، فأنها تسلم الى الفائزين بها من قبل ملك السويد فى قاعة الحفلات للفيلارمونيا السويدية فى أجواء أحتفالية مهيبة .

 

الأنتقادات الموجهة الى لجان جوائز نوبل

تعرضت لجان جوائز نوبل – منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا – الى انتقادات لاذعة، واسعة النطاق . و فى مقدمة الأنتقادات الموجهة الى هذه اللجان، أنها تمنح الجوائز لشخصيات أدبية و علمية بارزة، خلفوا أنجازاتهم الرئيسية ورائهم . و كما قال " برنارد شو " الحائز على جائزة الآداب لعام 1925 م، ان الجائزة بمثابة طوق النجاة يرمى للسابح المهدد بالغرق بعد صوله الى الشاطىء بسلام، فى حين أن نوبل ذكر فى وصيته بوضوح، ان الهدف من منح الجوائز هو مد يد العون الى صفوة الموهوبين الواعدين .

 

diaa nafieولد كارامزين بالامبراطورية الروسية في القرن الثامن عشر (1766) وتوفي هناك ايضا في القرن التاسع عشر (1826)، اي انه ابن قرنين بعيدين  جدا عن زماننا الحالي بالنسبة  لتاريخ روسيا، ولكنه مع ذلك لا يزال حيا لحد الان في ربوع الفكرالروسي، وذلك لانه وضع بصماته الابداعية  المتميٌزة  في  مسيرة هذا الفكر في مجالات التاريخ والسرد والشعر والصحافة والترجمة الادبية، لدرجة ان غيرتسن (انظر مقالتنا بعنوان – غيرتسن الاديب والصحفي الروسي المهاجر) أشار اليه في كتابه بعنوان – (عن تطور الافكار الثورية في روسيا)  قائلا – (ان اهمية كارامزين  في الفكر الروسي مثل اهمية يكاترينا في تاريخ روسيا ...).

تباينت الآراء بشأن الصفة الاولى والاساسية  لكارامزين في مسيرة روسيا الفكرية، فمنهم من يؤكد اولا على مكانته المتميزة في تدوين التاريخ الروسي، لانه مؤلف كتاب (تاريخ الدولة الروسية ب 12 جزءا)، والذي لا زال يعد ولحد الان مصدرا اساسيا ومهما جدا في تاريخ روسيا (تفرغ كارامزين لهذا الكتاب على مدى ال(23) سنة الاخيرة من حياته باكملها – منذ عام 1803 الى وفاته في عام 1826) . وكارامزين هو الكاتب الوحيد في تاريخ روسيا القيصرية الذي منحه القيصر الروسي الكساندر الاول  في حينه مهمة  محددة لكتابة وتدوين التاريخ  واطلق عليها تسمية دقيقة وهي بالروسية كلمة واحدة فقط (ايستوريوغراف) ويمكن ترجمتها الى العربية كما يأتي  – (متخصص في تدوين التاريخ) او(مدوٌن التاريخ) او (المؤرخ  المدوٌن) (جاءت في بعض المصادر العربية ترجمة طويلة جدا لهذه التسمية وكما يأتي – باحث متخصص في دراسة الوثائق التاريخية من أجل تدوين وقائع التاريخ الروسي، وهي ترجمة توضيحية وتفصيلية بلا شك لطبيعة العمل المرتبط بهذه الوظيفة)، وأمر القيصر ايضا  بمنحه  راتبا عاليا طيلة فترة عمله في هذه الوظيفة وتنفيذه  لمهماتها، وان تقوم الدولة بطبع مؤلفاته تلك، (وما أعظم هذا العطاء، وكم نحتاج الى مثل هذه الخطوات النبيلة في حياتنا ولحد الآن !!). لقد أصدر كارامزين عام 1818 رأسا ثمانية اجزاء من كتابه المشار اليه اعلاه هذا، اي (تاريخ الدولة الروسية)، وتم بيع  ثلاثة الاف نسخة منه خلال أقل من شهر واحد فقط، وهو حدث كبير ومتميٌز في تاريخ الكتاب الروسي لم  يحصل  سابقا في روسيا آنذاك، وأصدر ثلاثة أجزاء اخرى من ذلك الكتاب بعد سنة واحدة فقط، وقد تم بيعها ايضا وبنفس السرعة، بل وتم ترجمتها الى عدة لغات اوربية كذلك . ثم صدر الجزء الثاني عشر والاخير من هذا الكتاب بعد وفاته . لقد كتب بوشكين عن هذا الجهد العلمي الكبير قائلا، ان كارامزين (اكتشف تاريخ روسيا القديم مثلما اكتشف كولومبوس أمريكا!)، وكان بوشكين محقا بكلمته العميقة والدقيقة تلك، لان كارامزين استخدم  فعلا المخطوطات الروسية القديمة والوقائع الروسية القديمة ايضا، والتي لم تكن معروفة ابدا للقارئ الروسي الاعتيادي، بل كانت حتى شبه مجهولة لبقية المؤرخين الروس، وأعاد لها الحياة والحيوية من جديد . ولقد تلاقف القراء الروس آنذاك كتاب كارامزين هذا ايضا لان المؤرخ صاغ كتابه بلغة روسية جميلة وبسيطة وسلسلة لا تشبه لغة البحوث العلمية الجافة، وهو ما يميٌز هذا الكتاب عن الكتب التاريخية الاخرى . ولكل هذه الاسباب يرى الباحثون الروس (وليس الروس فقط) ان الميزة الاولى والاساسية لكارامزين هي صفة - ( المؤرخ)، ومن المؤكد انهم على حق فعلا. لكن توجد آراء مغايرة لذلك،اذ يرى البعض من الباحثين، ان اهمية كارامزين  تكمن - قبل كل شئ - في رواياته ونثره بشكل عام، وذلك لانه وضع هناك اسس الاتجاه الادبي الجديد في روسيا آنذاك وهو – (السنتمنتالية) اي  العاطفية ان صح التعبير (يستخدم بعض الباحثين مصطلح – ما قبل الرومانسية في تاريخ الادب الروسي  وهو مصطلح غير دقيق من وجهة نظرنا)، بعد ان كانت سائدة في الادب الروسي الكتابات التي تمجد الدولة وعظمتها وسيطرتها وجبروتها، وهي الكتابات التي كانت تنطلق من الاتجاه الادبي المعروف آنذاك والذي يطلق عليه الباحثون تسمية (الكلا سيتزيم)، هذا الاتجاه الذي كانت تحتاجه الدولة وهي في طور البناء والنهوض، اما الاتجاه السنتمنتالي فقد كان يركز على الفرد ومعاناته الحياتية البسيطة بغض النظر عن الدولة ومسيرتها، وهو الذي انعكس في رواية كارامزين القصيرة – (ليزا المسكينة) (تاتي في بعض الترجمات العربية هكذا – ليزا البائسة، ونظن ان التسمية الاولى هي الاصح) التي نشرها الكاتب عام 1792 في مجلته (موسكوفسكي جورنال) (المجلة الموسكوفية)، ثم أصدرها عام 1796 في كتاب، وتعد رمزا لمرحلة حاسمة ومتميٌزة في تاريخ الادب الروسي ومسيرته. تتناول هذه الرواية القصيرة قصة حياة ليزا الفلاحة اليتيمة الاب، والتي كانت تعيش مع والدتها معتمدة على عملها المتواضع البسيط  من الاعمال الفلاحية اليدوية، ثم تتعرف على شاب من طبقة النبلاء اثناء بيعها للزهور، وتتطور العلاقة بينهما، ولكنه يتركها في نهاية قصة حبهما، وتكتشف ليزا انه ارتبط بامرأة اخرى، وهكذا تقرر انهاء حياتها وترمي بنفسها في البركة منتحرة  . مضمون الرواية القصيرة هذه كما هو واضح بسيط جدا وهو  مقتبس عموما من اجواء الاداب الاوربية التي كان كارمزين يعرفها حق المعرفة، ولكنه يصوره في اطار الطبيعة  الروسية  البحتة، حيث يتعرف القارئ على اجواء موسكو وضواحيها لدرجة ان القراء في ما بعد اطلقوا اسم ليزا على بركة الماء التي انتحرت فيها.  لقد انعكست هذه الرواية على مجمل مسيرة الادب الروسي، واعتبرها النقد الادبي (كلمة جديدة)، وهناك لوحة مشهورة رسمها فنان تشكيلي عام 1827 تحمل اسم – ليزا المسكينة، ويرى بعض النقاد انها انعكست حتى على بعض نتاجات بوشكين النثرية، وتحولت هذه الرواية القصيرة الى مسرحية غنائية، والى ثلاثة افلام سينمائية وتلفزيونية في نهاية القرن العشرين كان آخرها عام 1998، بل ان اذاعة موسكو العربية قدمتها  ضمن المسرح الاذاعي .

 وعدا ذلك، يوجد باحثون يشيدون باهمية شعر كارامزين، والذي جاء بلغة روسية صافية وبسيطة، وعكس فيه مفردات جديدة بكل معنى الكلمة صاغها بنفسه في اللغة الروسية ومهد الطريق بذلك لبوشكين وغيره من الادباء الروس الكبار في ما بعد، ومنهم من يشير الى مساهماته المهمة في مجال الصحافة الادبية التي ساهم بوضع اسسها في روسيا، اذ ترتبط باسمه صحيفة ثقافية للاطفال ومجلتين ادبيتين واجتماعيتين لعبتا دورا بارزا في تاريخ الصحافة بروسيا . ويوجد كذلك من يتحدث عن دور كارامزين البارز في عالم الترجمة الادبية، اذ انه  واحد من اوائل المترجمين الروس لمسرح شكسبير  (هو أول من ترجم مسرحية يوليوس قيصر الى الروسية آنذاك، ونشرها عام 1790).

و كل هذه الاراء صحيحة فعلا، وكل هذا التنوع  يبين بلا شك اهمية ابداع كارامزين وقيمته في تاريخ الفكر الروسي ومسيرته بشكل عام، ويجيب عن سؤال – لماذا تحتفل روسيا الان (في نهاية عام 2016) بذكرى  مرور (250) سنة على ميلاده.

  

yaas alshmkawiكيف أنساهم وهذي آثار فؤوسِهم على رأسي .. مهما طوى الزمان صفحات غدرهم، كالجمر تبقى تلسع القلب بين حنايا الضلوعِ . ورُبَّ متخمٍ بالجهل يقول لِمَ نقلّبُ الدفاترَ العتيقة !؟

وكأني أسمع هاتفا من خلفِ أعوادِ المشانق ونقرة السلمان والزنازين الموحشة والأمهات الثكالى يقول وفي الحشا عبرة ؛ يا منْ شقّ عليه ذكرى ولدي، لازال الجرح نديّا وصدري يفيض حنانا كلما شيّعوه أو إرثا له ذكروا .

ثمة عذابات لا يسعها أن تخرج من الذاكرة ولن تمحو صفحاتها القاسية أشد انواع البلادة أو مرض الزهايمر .

وإن نسيناها نحن فسوف تذكّرنا نُدوب أجسادنا وتجاعيد الأسى على وجوه آبائنا كلّ لحظة من لحظات القهر والغربة والفراق والسحل في الشوارع ....

أن نسينا نحن فستذكّرنا صروح الذين ناضلوا ورحلوا بعزّة ولم يستكينوا ...

ستذكرنا تلك الصروح الشامخاتِ بكلِّ قطرةِ دمٍ زفّها شهيدٌ من أجل عرس حريتهِ ومن أجل وطنٍ حرّ وشعبٍ سعيد .

وأنّى لمكلومٍ ينسى حقبة البعث، مذ أنْ جثا زناة الليل على صدر الزعيم !

ثم تسللوا برداء الديمقراطية والإتحاد والجبهة الوطنية نفاقا وكذبا فغدروا، والطبعُ غالبٌ وإن أجتهدَ الرياءَ صاحبهُ .

وهنا بيت القصيد !

يذكر المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو في كتابه الطبقات الأجتماعية، قولا مقتبسا من كتابات عفلق يقول فيها (ضرورة تصفية الأشخاص الذين يقفون بوجه إرادة الحزب) .

وتلك هي الأيدولوجية الحقيقية لمنظومة العمل السياسي والفكر البعثي التي عمل بها منذ تأسيسه، إذ باتت برنامجا وسلّما لمن أراد الوصول الى دفة الحكم .

والأمر لديهم سيّان، إنْ كان الخصومُ أو المنافسون حلفاءً أو معارضين، من داخلِ الحزبِ أو من خارجِ التنظيم .

والعناوين والشعارات والديكورات والتسميات لستر الفضائح والمؤامرات حاضرة في وجدانهم !

عبد السلام، مات بحادث طائرة، عبد الرحمن، الرجل الذي جاءت به الأقدار الى السلطة، يعني ثورة بيضاء وكأن الدماء لم تجرِ في مديريات الأمن والقصور والدهاليز المظلمة، والبكر مريض ربما يشكو من العشو السياسي فتنازل عن السلطة للقائد الضرورة ثاقب النظر، أما عفلق أسلم ولم يعلن إسلامه خوفا من أبي سفيان وكفار قريش، لذلك أعتكف ولم نسمع إلا بموته، ولا نعلم أصار نبيّا بإعتكافهِ أم رحل مسلما عاديّا !

إن كانت المؤامرات تجري على قدم وساق فيما بينهم والدماء كالشلالات تجري بأيديهم من رفاقهم في قاعة الخلد وغيرها، فكيف لا يملؤون السجون بخصومهم ويجزرون الشيوعيين جزر الأضاحي، ويغدرون بهم شرّ غدرة اثناء وبعد الجبهة الوطنية 1973- 1979!؟

سبع سنوات حالكات وما بعدها، قُتِلَ منْ قُتِل وأعتُقِلَ منْ أعتُقِل ومنهم منْ ترك الأوطان وهاجر الديار على مضضٍ، ولم يبقَ إلاّ القلة القليلة من أعضاء وأنصار الحزب يواصلون عملهم السري بتنظيمات خيطيّة في غاية الحيطة والحذر، حيث لا مكان للديموقراطية أو التنظيمات الحزبية إلاّ لحزب البعث الصدامي، فتقوضت الحرية حتى تلاشت، وعلا سقف الذبح والدكتاتورية حتى سادت .

كانت المؤسسات والمراكز والجامعات والصالونات الأدبية والمقاهي تعجُّ بالعلماءِ والمثقفين .

وبعد تغييب الشيوعية إقفرّت الميادين من أهلها وساد رعاعها، فما عادت بغداد قبلة الأحرار ولا البصرة بصرة السيّاب ولا النجف للجواهري .

وكذاك الأمصار من بلاد الرافدين طولا وعرضا أمست معتقلات وسجون كبيرة .

حتى كأنّ شارع الرشيد والمتنبي ومقهى الزهاوي وسوق السراي والمستنصرية وجسر الشهداء وشارع السعدون ونصب الحرية ومدينة الأعظمية والقشلة، كل المعالم فيها كئيبة، كرخها والرصافة، لا يُسعِد صباحاتها صوت فيروز ولا يؤنس رواحها وغدوها طالبات الجامعة، لأنهنّ يحملْنَ دموعا وحسرةً لغائبٍ مرتحل لا وردا وعطرا لحبيبٍ ينتظر .

لا يختلف منصفان أن الشيوعية أثرَتْ الساحة الثقافية والعلمية والأدبية بعلومها وآدابها وفنونها .

منها ولد العالم والأديب والفنّان والشاعر والخطيب السياسي والمناضل الثائر .

ويكفي إذا إلتقى الناسُ مثقفا مهذّبا سألوه ؛ هل أنت شيوعي ؟

لغتهم العلم والثقافة والأدب، وإستذكار سفر نضالاتهم ومعاناتهم حق عند كلّ ذي حق، وتخليد راحليهم واجب إنساني ووطني .

أمّا تكريم مبدعيهم أحياءً فهو مدعاة للفخر وإشعارا لهم بقيمتهم الإجتماعية والسياسية وتحفيزا لمواكبة مسيرتهم الرائدة في الحياة .

كاتب تلك السطور ليس شيوعيا، لكن إن كان ذكر الحقائق عند البعض تهمة فمرحى بذيّاك العار ... اليوم وغدا يا هندُ !

وعلّنا اليوم نُوفّقُ بذكر واحدٍ من تلك القامات اليسارية التي سطع نجمها وتلألأ في بلاد المهجر بعد أن تربّى في أحضان الحزب وشرب من مائهِ العذبِ ونهل من تربيتهِ العلوم والفكر .

لا أدّعي أن ما سأكتب عنه تفرّد بعطائهِ، لكنه رقما صعبا بين أقرانه في نتاجاته الأدبية والفنيّة، وللأسف الشديد لم يحظَ هذا الجِهبِذ بإهتمام صحافتنا ووسائل إعلامنا العراقيّة كما حظي به الإعلام العربي والمهجريّ .

نعم ... أنه الأديب والشاعر والمخرج والمؤلف المسرحي الدكتور موفق ساوا .

كتب قصائدا للحب ... للناس ... للشعب .. للسلام .. للمحبة والتآخي، نظم نصوصا رائعة وجميلة تغنّتْ بالوطن وغربتهِ .

ألفّ وأخرج المسرحيات التي عرفتها مسارح أستراليا والجالية العربية في أوربا وسيدني ولم يعرفها أبن وطنه .

أنتج فلما من أخراجه وتأليفه (NOT FOR SALE) حصل على عدّة جوائز قيمة في سيدني ، عمل بكفاح متواصل لرفع إسم العراق ورايته عاليا في سماء أوربا، وفي جامعاتها ومسارحها ومعاهدها العلمية والفنية .

أسس أكاديمية الفنون العراقية في سيدني، درس ودرّس فتخرج من تحت يده الفنانون والمسرحيون .

أسس فرقة ساوا للمسرح التي أبهرت الجماهير بأعمالها وأعجبت النقاد وعمالقة الفن بنتاجاتها .

أنشأ وترأس صحيفة ورقية ثقافية شاملة مستقلة (جريدة العراقية)، عمرها أكثر من إثني عشر عاما حتى الأن، تصدر في سيدني وتُوزّع في أستراليا مجانا للجالية العراقية والعربية، منتشرة ألكترونيا في كل عواصم أوربا وأنحاء العالم، ولازال عطاءُها مستمرا وجمهورها مواكب على متابعتها، لتميّزها بين الصحف وتنوّع موادها ولمصداقيتها ومهنيتها، فضلا عن إنها متابِعة لكلّ هموم العراقيين وأحداث العراق السياسية والإجتماعية لحظة بلحظة .

جريدة العراقية أول من يذرف دمعا إذا ما أصاب العراق مكروها وآخر من يسكت إذا ما تعرّض شعبها للفساد والقتل والنهب والتشريد والعنصرية والطائفية .

ليس لها أعداء إلا العناصر السيئة والعصابات التكفيرية أو ممن كان سياسيا قذرا يبتزّ الشعب ويستغل طيبتهم .

صديقة الكل وهُويّتها العراق فحسب، على مسافة واحدة تقف من الجميع .

هكذا هي العراقية تحمل أفكار صاحبها وخلق مؤسّسها وشرف عمله الصحفي .

وقس على ذلك كتّابها، من نفس القماشةِ خامتهم، متألقون متميّزون في عملهم الصحفي وواجبهم الوطني والإنساني، لأنهم يحملون شرف المبدأ والكلمة .

حاز الدكتور موفق ساوا على درع الإبداع في مهرجان البيت الثقافي الفني بمدينة أديلايد الإسترالية (Adelaide) عن فلمه السينمائي (NOT FOR SALE )، ويُعد المهرجان ضخما بكلّ المقاييس حيث شارك فيه العديد من الفنّانين والمخرجين والشعراء والأدباء من العراق والوطن العربي .

وآخر ما أبدع به مخرجنا وأديبنا الشاعر، كتابة قصيدة (أنتِ مولاتي) التي نظمها بمناسبة نجاح المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي .

منذُ إطلاق أُولى صرخاَتي

هَجـَمـَتْ مَصابيحُ  طيورِكِ مولاتي

على مُـدني النائمة في دُجَى الطرقاتِ

فَـَشـَبَّ ضوؤُكِ في جسدِ الظـُلماتِ .

ويستهل الشاعر بمطلع قصيدته عن نشأته الفكرية وتربيته الماركسية التي أنارت له الوجود منذ نعومة أظفاره .

تـَرَهْـبـَـَنـْتُ في محرابـِكِ

كي لا أتدحرجُ يوماً نحو الوادي

فما زلت أغوصُ فِي بَحْرِكِ الْهَادي

مَا بَرحتُ أَشَرَبُ مَنْ يَنْبُوعِكِ الصَّافِي

فما إرتويتُ حتى غـزا الشيبُ رأسي .

ولا شك أن الصراعات الفكرية والسجالات السياسية إحتدمت أيما إحتدام سيما في عقدَيْ الستينات والسبعينات من القرن الماضي بعد أن إشتدّت وطأة البعثيين على نهضة الشباب التقدمي، فحاولت بشتى الوسائل أن تحرفهم عن مسيرتهم النضالية، تارة بالتعذيبِ والإغراءات وتزييف الحقائق وتارة أخرى بالإضطهاد والتشريد والتهجير الذي كان حصة شاعرنا .

وهنا يشير الشاعر الى إنه أتخذ من الشيوعية مصلا وعقارا ضد سموم الأفكار الرجعية والراديكالية وعمليات القمع المخيفة التي تمارسها الأجهزة البوليسية لحزب النظام الحاكم أنذاك .

ويؤكد الشاعر أنه لازال ينتهل تلك الدروس العظيمة من وِردِها الصافي حتى هذه اللحظة التي غزا الشيب فيها رأسه .

عشقتُ شموخَ قامَـتِكِ

قـَبّـلْـتُ جبينـَكِ العالي

فدبَّ الهوى في فؤادي

وراح قلبي يرقصُ بين أضلاعي .

ثم يستطرد الشاعر أعجابه المنقطع النظير بصمود الحزب معبرا عن سعادته بقامته الشامخة رغم ما ناله من التعسّف والجور والتهميش على مرّ السنين .

في صومعتي ...

في مهجري ...

الآن

أُعيدُ شريطَ  ذكرياتي

وأنا ما زلت أتلو

مزاميرَ أسطورةِ مأساتكِ 

مأساتي ....

وَأَحْـفـُرُ فِي صُخـُـور كـَهْـف الزَّمَانِ

حكاياتكِ

حكاياتي ....

ونقرعُ معاً أجراسَ الحنين

للنشيد الآتي ...

جاءت تلك المقاطع مشحونة بالألم والذكريات والمشاعر الدافئة والحنين الى رفاق عمره وممن جايلوه وعاشوا معه تجربة النضال وحكاية المآسي مع زمر البعث الفاشستي مستذكرا فيها الوجع المقدس المحفور في ذاكرة الوجدان .

إعزفي مولاتي

بمزمارِكِ لتُشفي دائي

دقي أجراسَ معبدِكِ

لتوقظي النائمينَ من غـَفـْـلـَـتِـهم

أَعَـزْفِي ...

عَلَى قِيثَارَتِـكِ وَاعْلِني

إنّ العصافيرَ وإنْ هـَجـَرَتْ

تعودُ يوماً ....

لتمزّقَ ثيابَ الليلِ البالي .

الحقبة التي حكمها النظام الدموي البعثي كانت من أشدّ الفترات سوادا وحلكة، أجبرت الشعب أن يبتعد عن أدبيات القوى اليسارية والتقدمية لدرجة أن منْ يقتني كتابا أو قصيدة لشاعر شيوعي مثل مظفر النواب او عريان السيد خلف وغيرهم يُتّهَم بالخيانةِ والعمالةِ والجاسوسيّة .

ولما كان الأمرُ كذلك، حتما ستكون لقاءات الحزب بالجماهير شبه منحسرة أو منعدمة، لكن الشاعر هنا يتحدث وفقا لجدليّة المنطق الديناميكي ولسان واقع حال الحراك السياسي والثوري الذي يجزم بعودة المدنية واليسار ثانية كي يمزّق الليل الحالك المتهرئ لمّا تعزف الشيوعية ألحانها الجميلة بلغة العصافير لا بلغة المناشير، التي طالما إفتقدتها الساحة السياسية والنخب العراقية المثقفة لسنين طوال .

وبعودة الحياة الى مدنيتها وتمدنها حتما سوف تُشفى من درنها السياسي  وأمراضها الأجتماعية المتمثلة بالعنف والكراهية والقطيعة والإحتقان العرقي والطائفي .

كيفَ ابدأُ..؟!

وَمِـنْ أين ...

وكيفَ أبوحُ لكِ مولاتي !!

أمنذُ أنْ قـَطـَّرتِ ماءَ الحياةِ

في دمائي...؟؟!!.

كلما أُحاولُ أنْ أبدأ ...

لأُسَجـِّلَ كلَّ شقائي وعذاباتي

تتساقطُ أمطارُكِ لتجرُفَ فايروساتي .

كنتُ دوماً أراكِ، مولاتي

مـُدنـاً بلا دخانِ

وواحــًة للعشاقِ ...  

حروفُكِ .. ألوانُكِ .. إسمُكِ

أمستْ راياتي

ترفرفُ فوقَ رابيتي

جِـئتِ  مولاتي

شُعاعـاً وينبوعا

ففتحتِ بجيوشكِ قلاعي

فاسْـتـَسْـلـَمـَتْ طربـاً لكِ

مولاتي

كـُلُّ مُدنِ آهاتي ...

فنذرتُ لكِ جميعَ ممالكي

فُضـْتِ كما يُفيضُ البحـرُ

على صحرائي

حطمْتِ جدراني

سَـبـَّحـْتُ بإسمـِـكِ

فـَصـَفـَّـقـَتْ لكِ تبجيلاً،

فاكهةُ بُستاني

عشـقـتـُكِ طفلاً ...

مولاتي

وما زلتُ ...

وما زلتُ ....

بَعْدَ أنْ غَزَا الْغُرَابُ الأسْوَدُّ بـِلاديْ

عشـقـتـُكِ مولاتي

فمن يعـشَـقــُكِ

لا يعرف الموتَ طريقــاً

لقامتـِكِ الشامخةِ ...

و قاماتي

مِنَ أين أَبَدَأ مولاتي

مِنْ أيَّةِ مصَادِرٍ بَاتـَتْ اقتباساتي

أمِنْ كتبٍ ممزقةٍ يقطرُ منها الدمُ القاني

أم مِنْ أوراقٍ محروقةٍ في فصولِ الدخانِ

كيف أبدأ كلماتي

لأنقشَ لكِ حكاياتي

لأتركَ على وجنتيكِ قبلاتي

لا القلبُ غادرَ نبضاتـكِ

ولا نبضاتــُـكِ تنبضُ

خارجَ نبضاتي

ولا أستبدلتُ رداءَكِ

منذ أنْ صار ردائي 

جمعتُ 

مولاتي ....

بحورَ الشعـرِ لأكتبَ قصائدي

وأُنظـُمُ لكِ بيتـاً ...

بلا قوافٍ وبلا أوزانِ

فأنطفأتْ إضاءةُ المسرحِ

أظـْلـَمَـتْ الصالة

وبقيتِ أنتِ شاهداً

على كلِّ مشاهدي

وإنْ غابَ النصُّ....

تبقَيْنَ أنتِ عنوانَ مسرحياتي

أصْغـَيـتُ لتراتيل سمفونيتك

مذ رضعتُ حليبَ الحياة من ثديك

تـَخـَرَّجـْتُ عاشقـًا من مدرستـِكِ

تعلمتُ كتابةَ حروف اسمكِ

من شينٍ الى تاءِ

وأنْ أكتبَ بلونِ دماكِ ...

أسماءَ الشهداءِ

أيا نجمةً في ظلماتي

اليكِ يا مولاتي ....

لا أشكو غربتي وأغترابي

كنتِ وما زلتِ شمس زماني

كنتِ وما زلتِ تستوطنين

كلّ أماكني

أنقذتِ مركـَبي من الطوفانِ

وأطفأتِ ما شَبَّ فيه من نيرانِ .

يبدو أن حجم علاقة الحب والعشق والوفاء الأزلي للشاعر مع مبادئ الشيوعية وأحضانها الدافئة الحنونة قد فاقت كل التسميات والمسميات .

وحتى عنوان القصيدة الذي رمز من خلاله أديبنا للشيوعية بأنها مولاته قد جاءت فيها مشاعره الصادقة والحميمية أوسع معنىً وأكثر من الدلالات الرمزية المعروفة لمفردة (مولاتي) .

ولو كنت مكانه لتركت العنوان مفتوحا كنصه ولأسميتها (سمّها ما شئت ثم أبدأ بمولاتي) .

والبوح الذي ذكره الشاعر هنا، أمّا أن يكون للحبية أو الأم، ولعله قصد الأثنين معا، وربما تحتاج الى آخر وآخر وآخر ... لأن الشيوعية تضم الجميع وتعني كل المسميات النبيلة، فهي الحبيب والأخ والزوجة والأم والصديق وأبن الوطن والجار والثائر .

ولكن غالبا ما يبوح الأنسان بأوجاعه وهمومه وآلامه للأم، لأنها أقرب للإنسان عاطفيا وروحيا، إذ يشعر أن أحضانها بلسما شافيا ودواءً لكل جراحاته وآلامهِ .

ويسترجع الشاعر، ويقول كلما حاولت أن أبوح لك عن عذاباتي، تتساقط أمطارك لتغسل فايروساتي .

وليس هناك وصفا للنقاء أبلغ من الأمطار لأنها طاهرة لم تُلوّث بفعل فاعل، وهي من صناعة الطبيعة والسماء التي ترمز الى السليقة والطهارة والعفوية، لذلك وظفها الشاعر في هذا الموضع لأنها الوحيدة المؤهلة تماما لغسل أبناءها من الفايروسات والتسمم العقائدي والفكري والترهل النظري .

وعندما حاورت الشاعر وسألته ؛ لماذا وأنت الشفاف الوديع النقي تنسب لنفسك الفايروسات !؟

قال : يا سيدي نحن لسنا ملائكة، ودائما بحاجة الى الإعتراف بأخطائنا في كل مجالات الحياة، وإعادة قراءة مواقفنا وجلد ذواتنا يجعلنا دائما على جادة الصواب .

وفعلا لا أحد يسلم من التقصير لكن من يعترف بذلك حقا هو العظيم .

وأرى أن أديبنا لم يكتفِ بجلد ذاته فحسب أنما بات على ديدنه موصولا مستمرا بتواصله مع حبيبته وأمه ومولاته روحا وفكرا وقلبا وقالبا .

إذ لم يغادر قلبه المولع بالعشق نبضاتها ولا نبضاتها تدقّ يوما خارج نبضات معشوقها، ولا هو عرف يوما رداءً غير ردائها .

شذرات الحب، كيفما قالها، بلا وزن أو قافية تخرج قصيدا بالفطرة كالدرّ منتظِما، متيما صادقا شاعرُها لا تنازعهُ بحور الشعر صنعتها ولا خليلا يحتجّ لعروضِها .

وإنْ غابتْ كلّ أنوار العالم أو غُيّبَتْ تبقى مشاعل مدرستها عناوين الطرقاتِ .

لم يخلو موضعا من أماكن أديبنا وفكرهِ إلاّ إستوطنتهُ أنفاس مولاته، التي ما برحت تلازمه رحلة الحياة منذ الرضاع وحتى غربته في أرض الشتاتِ .

خَطَّ الدمعُ  إسمَـكِ

على صفحاتِ ديواني

وما زلتُ أمشي بين الاعشابِ

أركـلُ الزوان بأقدامي

مشيتُ ... فسمّيتُكِ ....

مشينا... فسمّيناكِ ....

أنتِ ...

أنتِ مولاتي ...

يختم شاعرنا الأديب موفق ساوا قصيدته الرمزية الرائعة (أنتِ مولاتي) بإنتفاضة وجدانية وعقلية متنوّرة، بأسلوبٍ أدبي واقعي مؤثر جدا، وغالبا ما كان يكتب بهذا الأسلوب الشاعر والروائي الفرنسي (لويس أراغون) تاركا أثرا كبيرا ومنعطفا واضح الدلالات على الساحة الأدبية والسياسية سيما في روايته (المسافرون على عربة أمبريال) التي وصف من خلالها الطبقات والمجتمعات البرجوازية والأرستقراطية الحاكمة كيف تنهار وتتفسخ في نهاية المطاف .

وقد تضمنت قصيدة (أنتِ مولاتي) هذه الأطروحة في المقطع الأخير .

حيث وقف الشاعر ضد الأفكار الإنتهازية والرجعية التي أسفرت مماحكاتها عن نمو الأجساد الغريبة في المجتمع، والتي وصفها بالزوان، الأعشاب الضارة وغير المجدية، معبرا عن رؤية الأنسان العراقي المثقف الذي يركل ما يقوّض مسيرة الحياة ويعرقل حركات التحرر والتنوير الفكري، متخذا من عقيدته ومبادئه التي ترعرع ونشأ عليها عنوانا وإسما كبيرا يتسع للجميع من خلال عطفه كلمة مشينا بصيغة الجمع على مفردة مشيتُ بصيغة المفرد .

ولا تختفي سريالية القصيدة أيضا عند الدكتور موفق ساوا من خلال مناقشته لموضوعية حتمية عودة العصافير المهاجرة، حيث أمتزج حلمه بالواقع المنشود وهذا ما أكد عليه الشاعر والفيلسوف الروائي الفرنسي  أندريه بروتون في أعماله ونصوصه الأدبية في نهج السريالية الحديثة التي تعتمد الثورة ضد الواقع من أجل تغييره وأعادته الى مساره الصحيح لا الإكتفاء بالأحلام ومحاكات اللاوعي أو محاولة هدمه ورفضه بشكل عبثي وخطى إنتقامية كما فعلت الحركة الدّادائية في الثقافة والفن أثناء الحرب العالمية الأولى في زيورخ / سويسرا .

قصيدة (أنتِ مولاتي) سلكت طرقاً منتظمة وجزلة ومرنة الى حدٍ ما في نظامها التركيبي والصوتي رغم كثافة المفردة وإيحاءاتها المتعددة الدلالات والصيغ .

وذلك قطعا من شروط نجاح النص أن يكون تفاعليا مع المتلقي، متوائما مع الحركات الغنائية للروح ومع تموجات الحلم وإرتعاشات الضمير كما يعبر عنها الشاعر والناقد الفرنسي شارل بودلير .

القصيدة فرنسية بأسلوبها، شرقية بتداعياتها وإرهاصاتها ومناخاتها، لذا هي متماهية مع الفكر الحداثوي في تناول الموضوعات العاطفية والوجدانية بأسلوب علمي ونفسي مكثف ينسجم والذائقة الفنية والأدبية للمثقف الشرقي .

على قدر ما تحمل القصيدة من العواطف الجياشة حملت ما يوازيها أو يفوقها من خطاب الوعي والعقل .

وهذا اللون الأدبي قلما يلتفت اليه الشعراء والأدباء الشرقيون لتأثرهم بالنصوص المترجمة التي تفقد إيقاعها الداخلي وجرسها الموسيقي أحيانا .

وقطعا لا وجود للشعر بدون إيقاع وتناغم كما يقول أدونيس وإن كان ليس هو كل الشعر .

النص عبارة عن سفر لمجموعة من التداعيات والإرتحالات لكمٍ هائلٍ من العراقيين المعذبين والحالمين، كان واحدا منهم شاعرُ القصيدة .

 

ياس خضير الشمخاوي - كاتب عراقي

 

هذا الشاعر العصامي ولد سنة( 1331هـ ـ 1912م) في محافظة ذي قار مدينة الناصرية، وعاش في العراق طيلة حياته الى ان توفي في بغداد عام (ت 1367 هـ ـ 1947م).

كان يعمل موظفا صغيرًا في مالية مدينة الناصرية ويدرس ويتعلم ليلاً، حتى أكمل الثانوية، ثم دخل  كلية الحقوق وتخرج منها عام 1942.

مارس المحاماة، والكتابة السياسية والأدبية في الصحف والمجلات، واتخذ من مجلتي: «الراعي»، و«الهاتف»، منبرًا لنشر مقالاته وأقاصيصه، كما أنه كان يصنف الكتب.

ومن مؤلفاته :

ـ«حالة العمال في ظل الديمقراطية والنازية» - بغداد 1941.

ـ «مجانين النازية» - بغداد 1942.

ـ «وحي البيت الهاشمي» - بغداد 1942، و«فيصل الثاني» - بغداد 1945.

ـ «ذكرى الأفغاني في العراق» - بغداد 1945.

وكان محرر جريدة الحوادث : جريدة يومية سياسية مسائية، تصدر بأربع صفحات، لصاحبها عادل عوني، وقد عرفت باتجاهاتها الحكومية ومعارضتها الاحزاب وتأييدها للبلاط الملكي وسياسته، وهي من الصحف القديمة.

وشعره يغلب عليه التوجع وهو في أخريات أيام حياته، ولكن لم تحفظ انتاجاته الشعرية ما عدا مقطعات تجسد بعض هواجسه بين الحياة والموت ..

وهذه بعض الابيات من شعره :

تعـالـي مـن ربـا بـلـــــــــــــــــدي   أعـيـدي مـاضـيَ الـحـــــــــــــــــــبِّ

ففـي «بحنّسَ» لـي قـلــــــــــــبٌ      حـزيـنٌ دائم النحــــــــــــــــــــــب

فلـم يلقَ سـوى الـــــــــــــــــــوادي   يـنـاديـه عـلى الرحـــــــــــــــــــب

إلى الـمـوت بـلا حـــــــــــــــــــزنٍ   ولا عطفٍ ولا نــــــــــــــــــــــــــــد

تعـالـي برداء الـمــــــــــــــــــــو     تِ وا رحـمـاكِ غطّيـنــــــــــــــــــــي

ففـي دمع الندى غَسْلــــــــــــــي   وبـالآهـات تَلقـيـنــــــــــــــــــــــــــــي     

 وفـي أنشـودة الأحـبــــــــــــــا             بِ لا الأغراب فـارثـيـنــــــــــــــــــي

وإن قـالـوا - مـنِ الـــــــــــــــمَيْتُ؟ فقُولـي - مـن بنـي الطـيـــــــــــــــن

عـلى القبر رعـاكِ اللـــــــــــــــــــ    ـهُ خُطّي آيةَ الـــــــــــــــــــــــــــذكر

بذَوْب الرئة الأحـمــــــــــــــــــــــ    ـرِ مـن صدريَ لا الـحــــــــــــــــــبر

وقُولـي - شـاعـرٌ مــــــــــــــــــــاتَ   غريبًا فـي صـبـا العـمـــــــــــــــــر

تغنّى فـي هـوى سلـــــــــــــــــــــوا   هُ بـالآهـات والشعــــــــــــــــــــــــر

 

اليهودية المحطمة

لا تكذّب أن الـيـهـود وقـــــــــــد زا غوا عـن الـحق معـشـرٌ لؤمــــــــــــــــاءُ

جحدوا الـمـصطفى وآمـنـوا بـالطــــا غوت قـومٌ هُمُ عـندهـم شـرفـــــــــــــاء

عـرفـوه وأنكروه فـظلـــــــــــــمًا        كتـمتْه الشهـــــــــــــــــادة الشهداء

قتلـوا الأنـبـيـاء واتخذوا العِجْــــــــ    ـلَ ألا إنهـم هُمُ السفهــــــــــــــــــــاء

كـيف يـهدي الإله مـنهـم قـلــــــوبًا  حشـوُهـا مـن حـبـيبـه الـبـغضــــــــــاء

ذكره الاديب الاستاذ جعفر الخليلي في كتابه هكذا عرفتهم (جـ1) - مطبعة المعارف بغداد 1963.

و كوركيس عواد في «معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين (جـ2) - مطبعة الإرشاد - بغداد 1969.

و في مقدمة ديوان جميل أحمد الكاظمي المعنون: «آيات الولاء والإخلاص».

وقال عنه العلامة الشيخ عبد المهدي مطر (قدس سره) في كتابه ذكرى علمين من ال مطر المطبوع سنة 1957م في النجف الاشرف، ص 52 :

هو كاتب مبدع تنشر له الصحف مقالات ساحرة،فهو مفخرة شباب بلدة الناصرية .

وذكر له المرحوم الشيخ في كتابه المذكور كلمه التأبينية بذكرى رحيل الفقيد العلامة المجاهد الشيخ عبد الحسين مطر الخفاجي) كتبها الشاعر عبد المحسن القصاب في بغداد بتاريخ 29|4|1944م،وهذا نصها :

المؤمن البطل

من الاباء الثائر على الظلم والاستبداد

ومن الحق المدوي في ميدان التضحية والجهاد

ومن العزم العاصف في أودية الكفاح والجلاد

ومن الايمان بالله ومولات بيت الرسول

صاغت الانسانية (الشيخ عبد الحسين مطر)

فهو مثل رائع من امثلة الانسانية، وهو دليل من ادلتها العقلية، وهو مشكاة من مصابيح هدايتها ونفحة من روض وجدانها . ولم يكن فقده فقد أمرئ جاء وراح  كما تجيء وتروح الحياة لم يغرف منه الا وجوده المادي والا حيزه الذي يشغله في الفضاء البشري، بل كان فقده فقد ضمير طاهر وفقد مجاهد صابر وفقد وطني ثائر، فاذا تأوهت الرجولة  لفراقه فإنما تتأوه لعضبها المثلوم واذا تألمت الهداية لبعده فإنما تتألم لقلبها المكلوم واذا بكت العدالة لغيابه فإنما تبكي حقها المهضوم وهكذا فليكن الانسان، له في تأريخه الحياتي مكان مرموق وجانب مرهوب وحب ندي تتلقفه القلوب بالتقدير قبل الالسنة وتحببه الضمائر بالإجلال قبل الايدي .

  وله في تأريخه الازلي ذكر زاهر بالعمل المجيد وحديث مشرف بالموقف الحميد يبلى الزمان ولا يبلى وتفنى الاحداث ولا يفنى . ومن جاء بين بطنه وانانيته وجهله وسذاجته والحاده واشراك عقيده فقد عاد كما لفظته الحياة هو والسائمة يستويان .

   أيها الحفل الكريم

 أتريدون ان ادلكم على المسلم في سبيل الله .

  أتريدون ان ادلكم على كفاح العربي دون شرفه وعرضه .

  أتريدون أن أدلكم على تضحية المؤمن في سبيل الحق والعدل .

 ثم أتريدون ان تعلموا كيف حياة الانسان هاكم ما تريدون .

هاكم الرجل الغاضب لكرامته ينفر كما ينفر الليث فيحمل دمه بكفه وروحه على شباة سيفه ويقذف نفسه في معمعان ( الشعيبة ) و(مجينية ) و( ام الملح ) و( الزوير) ومواقف اخرى والرصاص يحصد النفوس والقنابل تفلق الهام والبطولات تزوغ تحت النار والبارود فلن تلن له قناة ولم يهن له عزم ولم تخر له همة يطلب الموت والموت خائف مذعور ولم يعد الا والدنيا تهتف له :

ولا تحسبن المجد زقاً وقينــــــة            فما المجد الا السيف والفتكة البكر

وتفليق هامات الرجال وان ترى            لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا درباً كأنمــــــا            تداول سمع المرء  أنمله العشـــــر

وهاكم الرجل الثائر لوطنيته يهب كما يهب الريح العاصف يوقظ العزمات في النفوس الغافية على شطان الفرات ويثير الحميات في الصدور المعتلجة بالألم والبأس بين بطاح الشطرة والناصرية لم يخفه التهديد ولم يروعه الوعيد له من الشهادة في سبيل حرية بلاده حياة خلدة أزهى من حياة الذل، وله اراقة دمه في سبيل استقلال امته سعادة الذ من شقاء الهوان حتى كان ما كان من هذا الكيان الوطني وهذا الحكم الشعبي وحتى بقى تاريخ الفرات يهتف اناء الليل واطراف النهار .

  ولايبنى الممالك كالضحايا      ولا يحيي الحقوق ولا يحق

  وللحرية الحمراء بــــــاب      بكل يد مضـــــــــــرجة تدق

وهاكم الرجل الناقم على ظلم اهله وعشيرته يمور في عروق شيخوخته  دم الفتوة الغلاب بين الناصرية وسوق الشيوخ لا داعيا لعصبية مذهبية كما قيل ولا لأطماع  اشعبية كما يتوهم بل مناديا للحق والعدل والمساواة يحفزه ضمير المؤمن وتشجعه عقيدة الانسانية، وبين المنفى والتشريد وبين المطاردة والتبعيد يردد لسانه بفخر .

امطري لؤلؤاً جبال سرنديب         وفيضي اباراً تكرور تبرا

انا ان عشت لست اعدم قوتاً        ولئن مت لست اعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي          نفس حر ترى المذلة كفرا

هاكم هذا الرجل في صورة البطل . وهاكم رجل الدين في صورة المؤمن، وهاكم الشيخ الروحي في صورة المجاهد الوطني ثم تذكروا انه واحد وانه لم يكن غير (الشيخ عبد الحسين مطر).

رحمك الله يا ابا (المهدي).

  لقد كنت للوطنية نبراساً وللكرامة دليلا وللإيمان مشكاة وللبطولة فيصلا وكما كنت في حياتك ستبقى بعد مماتك درساً للشباب في التضحية والمغامرات وما مات مثلك من له هذا الذكر .

 

بقلم |مجاهد منعثر منشد

 

alaa allamiهذه سلسلة من المقتبسات الطريفة والمعبرة عن زمانها وناسه، من كتاب "بغداد العشرينات" لعباس بغدادي. صدر هذا الكتاب في تسعينات القرن الماضي، وقد كتب مقدمته المهمة الروائي الراحل عبد الرحمن منيف (الذي يمت بصلة قرابة للمؤلف، وأظن أن هذا الأخير خاله مع أن عبد الرحمن  لم يصرح بذلك بوضوح كاف). وهو من الكتب المهمة والنادرة التي توثق لشخصيات ومعالم وأحداث مدينة بغداد العشرينات وما بعدها. سأحرص على تقديم هذه السلسلة من المقتبسات المختصرة كما هي مع مراعاة العرض التحريري  والتعليق التوضيحي أحيانا، تاركا لكم الاستمتاع أو التأويل أو كليهما:

- تعددية فكرية؟! (إبراهيم حلمي العمر الصحافي البارع الذي كان يكتب ثلاث مقالات في اليوم الواحد ينشرها في ثلاث جرائد تختلف في سياستها الواحدة عن الأخرى. الأمر الذي ينم عن قابلياته المدهشة، فعلى أولاده وأحفاده واجب تعريف الناس به).

- (الصحافي ميخائيل تيسي صاحب جريدة "كناس الشوارع" أقيمت عليه دعوة "التجديف" بالدين لأنه استعار العبارة القرآنية" قاب قوسين أو أدنى" بجملة "قاب مكنستين أو أدنى").

- (الصحافي داود العجيل صاحب جريدة "البدائع" المعارضة للإنكليز والانتداب البريطاني والذي انتهى أمره بأن يكون موظفا في علوة المخضر بالكاظمية).

- (الشاعر رشيد الهاشمي الذي أدخلته الحكومة إلى مستشفى المجانين لأن أشعاره في الحكومة القائمة والإنكليز لا يقولها إلا المجانين كما تدعي).

- (كمال نصرت الذي كان يلقب بشاعر البؤساء فقد انتهى أمره بأن يعين وبالواسطة كاتب أضابير في بلدية الكاظمية، وبراتب قدره ستة دنانير شهريا، ومع هذا فقد فصل كمال من هذه الوظيفة التافهة بحجة انه غير كفء لها وكأن من يراد لشغل هذه العملية البسيطة أن يكون ذا ثقافة عالية وتكنولوجيا متقدمة).

- عبد  الكريم الشيخ علي هو أول من ترجم ملحمة كلكامش العراقية شعراً، ومن الطريف أن عبد الكريم تخرج من جامعة لندن في موضوع (الكنسروة = التعليب؟) ومارس تعليب الأثمار مدة ثلاث سنوات في معامل إنكلترا، ثم استدعي إلى بغداد بعد كل هذه الدراسة والخبرة وصدر أمر تعيينه معلما في مدرسة باب السيف الابتدائية!

ومن شخصيات بغداد القديمة الطريفة يعرفنا عباس بغدادي على (جسام أبو الهبزي: والذي كان يدعي بالمراجل والشقاوة " الفتونة". فكلما تحصل جريمة قتل يتردد جاسم على المقاهي ومراكز الشرطة  ويسأل إن كان قد ذكر اسمه في قائمة المشبوهين. وقد نال من التوقيف والضرب ما لم ينله أحد ويساق إلى المحاكم ولكنه يخرج بريئا لعدم وجود دليل عليه. ولكنه لم يرتدع بل يعود إلى ادعاءاته إلى أن تم توقيفه في حادث مقتل أحمد شنان في باب الشيخ حيث أوقف لمدة سبعة أشهر فتلقى من العذاب ما جعله يتوب توبة صادقة، اعتكف بعدها في بيته وقضى نحبه).

- وعلى (أحمد بنية : كان يلبس آنذاك العرقجين "قلنسوة على الرأس" ويرمي اليشماغ بإهمال على كتفه الأيمن، ويمشي مسرعا في شارع الرشيد باسما ومتلفتا ذات اليمين وذات الشمال، يسلم على الناس أو الناس تسلم عليه، وحين يسمع عبارات من قبيل (استريح أبو شهاب) فجوابه الدائم (لا والله عندي شغل مهم)، ولكن الحقيقة أن لا شغل لديه. وكان يتواجد بالقرب من محلات وقوع الجرائم داعيا من الله أن يُتهَم، ولكنه لم يُتهم وقد يبالغ في بعض الأحيان ويقول واليشماغ في يده (والله ما كو شي، بس جرينا أذنه). والناس يعرفون أن لا صحة لكلامه ومع ذلك فقد كان محبوبا لم يشتهر عنه أنه آذى أحداً أو اعتدى عليه).

- عرب أبو الكهوة: هو صاحب مقهى باب المعظم وكان نفاجاً نفاخاً، لا يدعي البطولات والشقاوة " الفتونة" ولكنه يدعي بالحلول السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يقدمها لكبار القوم. فيقول مثلا إنه كان مدعوا للعشاء عند الملك فيصل الأول وقدم له نصائح في حكم العراق. أو أن المندوب السامي البريطاني هنري دبس قد زاره في منتصف الليل وشرب عنده الشاي . أو أن المس بل (بل غيثرود سكرتيرة المندوب السامي البريطاني) قد عشقته وراودته عن نفسها، ولكنه رفض ذلك بكل أباء احتراما للحجي ناجي (الاسم الشعبي في العراق للمستعمر البريطاني). وكانت هذه الأحاديث الفكهة تجعل مقهاه منتدى لكثير من الأدباء والظرفاء. وبحديثه المعسول جلب الناس إليه وكثر المريدون.

ويعرفنا عباس بغدادي في كتابه " بغداد في العشرينات"  على شيخان العربنجي: وهو أشهر عربنجي في بغداد حتى الخمسينات. اشتهر (بالزيق = العفطة) يخرجه من فمه. وهو من مواليد قرية سركلو في لواء السليمانية وكان ميسور الحال ومن عائلة طيبة ولكن الزمن جفاه ونكبه بماله وعياله، فجاء إلى بغداد في أوائل العشرينات. وكان من مريدي الطريقة "الصوفية" الطالبانية في منطقة الميدان. وأصبح شاطرا جدا في إخراج " الزيق" من فمه كما اشتهر بذلك جعفر العسكري رئيس الوزراء حين ذاك. ولما كان شيخان العربنجي قد عرف الشاعر الكردي الكبير الطالباني واشتهر بشعر الهجاء باللغات العربية والكردية والفارسية والتركية وتعلم منه أن الحياة لا تساوي شيئا وأن الدنيا فانية وأن عقوبة نكد الزمان هو الاستهتار بالزمان. وكان الناس يتحرشون به ويسخرون منه ولكنه قال لي – الكلام للمؤلف-  (أنا الذي أسخر منهم ومن دنياهم، فها هي ابنتي متزوجة من أحد الضباط  المعروفين في بغداد  ولكني أرفض أن ألقاه وأرفض أي منة من أي أحد) وكان شيخان يرفض أن يأخذ أي إكرامية زائدة عند نقل الناس في العربة. يضيف  المؤلف عباس بغدادي (ولما سألته حين حين بدأنا في الافتراق ما هو موقفه مني، أجابني بزيق طويل من زياقته المشهورة، رحمه الله، فقد مات فقيرا ودفن في مقبرة باب المعظم باعتباره غريبا من الغرباء).

- أما عباس حلاوي فعمل كمعلن عن أفلام سينما سنترال قرب تكية البدوي ومن أقوله الطريفة التي كان يصيح بها (الليلة عندنا تبديل ... أربع مناظر ... ستة أدي بولو ... اثنين طرزان ... اثنين جاكي كوكان... (مسلسلات سينمائية كانت تعرض ذلك الزمان) وكان يساعده حسقيل اليهودي أبو البالطوات "بائع المعاطف" والذي يشتغل بعد ذلك بتقديم الفصول الهزلية التي كان يقدمها جعفر آغا لقلق زاده في ملاهي بغداد. وكان عباس حلاوي يركب العربة مع جوقة من الأولاد الصغار وقد صبغ وجهه بالأحمر والأخضر للإعلان عن أي شيء أو بضاعة مصحوبا بالتصفيق  ويختلق البستات والأغاني ووراءه الصبيان مخترقين شارع الرشيد من ساحة الميدان إلى حتى شارع باب الشيخ. وقد استخدمه البعض للسخرية من أحد الناس المعروفين بغرض التشهير وقد نجح في المرة الأولى حين شهر بأحد التجار  ولكنه في المرة الثانية وقد شهر بأحد الروزخونية " الملالي" فنال جزاءه ونقل إلى المستشفى لمداواة جروحه ولم يعد إليها ثانية بل لم يرَ وجهه في بغداد مرة أخرى اختفى وإلى الأبد.

يتبع

 

 

diaa nafieأصدر احد الزملاء في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد مرة كتابا، ونشر صورته الشخصية على الغلاف الاخير للكتاب وتعريفا بنفسه، وأشار الى انه – (استاذ الادب المقارن في جامعة بغداد). تناقشت معه حول هذه الجملة، وقلت له اننا لا نقوم بتدريس هذه المادة العلمية في قسمنا، ولا تقوم الاقسام العلمية الاخرى في جامعة بغداد بتدريسها ايضا، فكيف سمحت لنفسك ان تكتب هذه الجملة المنافية للواقع وغير الحقيقية بتاتا على غلاف كتاب لك صادر في بغداد؟ ضحك صاحبنا دون مبالاة، وقال لي – (انها كلمات عامة ولكنها تمتلك رنينا خاصا)، ثم أضاف – (ومن الذي سيدقق مثلك في هذه الكلمات !). تذكرت حديثنا هذا (الذي جرى قبل حوالي ثلاثين سنة في اروقة جامعة بغداد) وانا اتناقش مع احد الاصدقاء في موسكو قبل فترة قصيرة حول ذلك الزميل المذكور، اذ أكٌد لي هذا الصديق ان فلان الفلاني هو استاذ الادب المقارن في كلية اللغات بجامعة بغداد، وعندما قلت له ان هذا الامر ليس صحيحا، اجابني انه يمتلك (وثيقة!) حول ذلك، وال(وثيقة) هذه هي كتاب صادر في بغداد لفلان الفلاني نفسه، وهو يذكر ذلك على الغلاف الاخير من الكتاب.

مادة (الادب المقارن) لم تدخل ابدا ضمن مناهج التدريس في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد منذ تأسيسه بتاريخ 1 / 12 / 1958 ولحد الان، ولم تكن هذه المادة موجودة ايضا في الاقسام اللغوية الاخرى لجامعة بغداد كافة حسب علمي المتواضع، بما فيها اقسام اللغة العربية، رغم انه قد تم تدريس مادة (الادب العالمي) في بداية السبعينات في قسم اللغة العربية في كلية الاداب بمبادرة من قسم اللغات الاوربية في حينها واستمرت سنتين فقط والغيت. ولا يمكن اعتبار هذه المادة العلمية طبعا بديلا عن مادة الادب المقارن، الذي يجري الحديث عنها في هذه المقالة .

 كان الباحث عبد المطلب صالح (وهو خريج الجامعات الفرنسية) من ابرز المثقفين العراقيين في مجال الدراسات في الادب المقارن، واصدر عدة كتب (منها – مباحث في الادب المقارن / دراسات في الادب والنقد المقارن / موضوعات عربية في ضوء الادب المقارن / دراسات ادبية مقارنة ...) ونشر المقالات حوله، واقترح مرارا تدريس هذه المادة في الجامعة، الا انه لم يستطع تحقيق هذا الحلم العلمي الجميل . وكان لدينا استاذ في قسم اللغة الفرنسية اسمه الدكتور قنبر الطويل، والذي كان قد كتب بحثا ونشره في مجلة كلية اللغات حول الادب المقارن والذي تحدث عن ضرورة تدريس هذه المادة، وظل طويلا يتحدث عن ذلك ولكن دون جدوى . وبرز في قسم اللغة العربية في كلية الاداب استاذ نشر الكثير من المواد العلمية حول الادب المقارن (منها كتاب دراسات في الادب المقارن التطبيقي) وهو الدكتور داود سلوم، ولكنه لم يستطع ايضا ادخال هذه المادة ضمن المناهج العلمية للقسم، وربما توجد محاولات اخرى في هذا المجال، الا انها لم تنجح مع الاسف، ومنها اقتراح تقدمت به شخصيا الى كلية اللغات لتأسيس مركز او وحدة ادارية خاصة للدراسات العليا في مجال اللغات والآداب المقارنة، ووضعت النقاط الاساسية فيه، ومن جملتها ان يكون القبول لخريجي اقسام اللغات الاجنبية حصرا، وان يكون للطالب مشرفان – واحد متخصص بتلك اللغة الاجنبية وآدابها والثاني متخصص باللغة العربية وآدابها، وان يكتب الطالب اطروحته باللغة العربية في موضوع مقارن . واذكر ان الحديث عن هذا المقترح قد توسع جدا لدرجة، اننا رشحنا الدكتور عناد غزوان كي يكون رئيسا لهذا المركز، الا ان هذا المقترح بمجمله لم يتحقق مع الاسف .

سنحت لي فرصة السفر الى كلية اللغات بجامعة صنعاء عام 2001 للتباحث معهم حول امكانية تاسيس قسم للغة الروسية، وتم تكليفي لالقاء 8 محاضرات في مادة الادب المقارن في قسم اللغة العربية هناك (بمعدل ساعتين اسبوعيا لمدة شهر)، وكان من الطبيعي ان تتضمن محاضراتي الموضوعة العربية في الادب الروسي وانعكاسها في نتاجات بعض الادباء الروس بحكم اختصاصي في الادب الروسي، وقد تقبل الطلبة هذه المحاضرات بحماس وساهموا في المناقشات بحيوية ونشاط بعد كل محاضرة، وذلك لان الموضوع هذا كان جديدا بكل معنى الكلمة لهم، ولكني (اكتشفت!) في نهاية الفترة القصيرة تلك ان ادارة القسم كانت ترغب ان اتناول في محاضراتي ليس فقط الادب الروسي وانما كل الاداب العالمية في اوربا وغيرها، وهو شئ يتنافى طبعا ومفهوم الاختصاص العام و الدقيق في اطار العمل الاكاديمي في الجامعة، وقد فهمت - اثناء عملي لمدة شهر هناك - عدم وجود تفاصيل علمية واضحة و محددة لمفردات مناهج تلك المادة، ولا التخطيط الدقيق لاهدافها، ولا الاشارة الى مصادرها العلمية ...الخ، ولم ارغب الدخول آنذاك في تفاصيل ذلك معهم انطلاقا من المثل المعروف – يا غريب كن اديب.

ان مادة (الادب المقارن) تستحق فعلا التوقف عندها، والتفكير بادخالها ضمن مواد التدريس في الاقسام العلمية بكلية اللغات فقط، شريطة ان يقتصر كل قسم بتدريس الجزء الخاص بقسمه، كي تكون المادة العلمية تلك محددة ومرتبطة بشكل دقيق بادب اللغة التي يقوم القسم بتدريسها حصرا، اما تدريسها بشكل عام استنادا الى كتب موجهة الى القراء ليس الا(مهما تكن هذه الكتب عميقة ورائعة وواسعة)، فان ذلك يتعارض مع البنية العلمية في الجامعة، لان ذلك يلغي مبدأ التخصص العام والدقيق، وهو النهج الذي تقوم عليه الجامعة منذ بداياتها ولحد الان .

اتمنى ان تناقش اللجان العلمية في كلية اللغات بجامعة بغداد هذا الموضوع من كل جوانبه، وان تصل الى توصية علمية وموضوعية بشأنه.

 

abdulelah alyasriإلتقيته لقاءات كثيرة، ولكنّي سأقصر القول إيجازاً على أهمّها نوعاً، وأغناها دلالة.. إلتقيته أوَّل مرَّة ربيع سنة 1968م، في القاعة المحليّة بمدينة كربلاء، حيث كان هو حينئذٍ مُدرِّساً عضواً في لجنة أدبية، قد فُوِّض اليها الحكم، على مباراة بين طلاب ثانويات محافظة كربلاء؛ وكنت انا حينئذٍ طالبا، في الخامس الثانوي، أنتظر شوطي مع الطلاب الشعراء المنتظرين أشواطهم، في تلك المباراة الشعريّة السنويّة التي تأهّلت لها مُمثِّلاً ثانويات مدينة النجف (1). وقبل أن أدخل القاعة، وأتخذ مقعدي جوار ثلَّة من رفاقي الأقربين؛ فكّرت مليّاً بما يُتداول من قصص، حول الصراع الكربلائي ــ النجفي، الذي كان يبدأ بالأهازيج الشعرية، في المناسبات الدينية، ثم ينتهى بشفار السلاح الأبيض. وخشيت أن ينعكس ذلك، على قرار لجنة التحكيم الكربلائية؛ فأخسر الرهان، وأعود خائباً الى مدرستي التي أمست سمعتها الأدبيّة ديناً في ذمتي. وفجأة طفق الجو الكربلائي الهادئ المعتدل يعصف ببيارق أملي، وبدأ الورد النديّ المصطف على جانبي مدخل القاعة يشوك واخزاً همّتي. يالنحس الطالع!، وياللهزيمة!. كاد قلبي يبلغ حنجرتي تطيّراً؛ لولم يُرسّخ قدمي استاذي المشرف(2)، حين قال لي: "جئنا لنشارك إثباتاً لوجودنا، ولم نجئ لنفوز". ثم أذاع عريف الحفل فقرات البرنامج، وسبقني بضعة شعراء الى منصّة المسرح، وقد استقبلهم مؤيدوهم، من الجمهور المكتظ، داخل القاعة وخارجها، بعواصف من التصفيق والتشجيع؛ وإن لم يظهروا من جيّد الشعر ما يدعو الى كل ذلك الحماس المفرط إلا شاعرا كربلائيا واحداً، هزّ القاعة بقوة قصيدته هزّا، وأطربني شعره الغزليّ حتى اني، من فرط طربي، نسيت أنه غريمي، وانطلقت ـ من حيث لا أدري ـ أصفّق له معجباً. وكيف لا، وقد أرتني أبياته الجميلة ما أرتني من مفاتن حوّاء؛ وأنا لمّا أبلغ الثامنة عشرة من عمري بعد؟. ولم أعِ أن هذا الشاعر المُجيد حقّاً، هو أحد طلاب الأستاذ محمد علي الخفاجي، عضو لجنة التحكيم إلا بعد حين من الزمن. وتلاه شوطي مباشرة. وكان توقيتاً محرجاً بريئاً أوغير برئ. وياله من توقيت!. على اية حال خرجت الى الجمهور بلا ورقة، كما يخرج الفارس للمبارزة وهو أعزل. وأتممت إنشاد قصيدتي الموسومة بـ (الجراح تتكلم) استظهارا؛ وقد تعمّدت ذلك الإستظهار، لأفرز نفسي عن الشعراء الآخرين تنفيذا لوصيّة مدرّبي(3). كان مطلع القصيدة:     "دمٌ غلَى بعروقِ الحقِّ فالتهبا ــــ ناراً مُسعَّرةً تستنهضُ العرَبا"            وكان موضوعها فلسطينياً ساخناً، مثيرا كلّ الإثارة في ذلك الوقت؛ إذ لم تمضِ على (نكسة 6 حزيران) العربية سوى تسعة أشهر. لذا نكأ مضمون القصيدة القلوب المقروحة، وصرفها عن همومها المحلية الخاصة إلى الهمّ القوميّ الأعم، وساد القاعة شرار من التضامن الأخوي حلماً بنصر قريب. وما إن أعلنت اللجنة النتيجة، مُجيزة قصيدتي بالرتبة الأولى (4)، وانفضَّ الأساتذة مع أَفرقتهم خارجين؛ حتى بوغت فريقنا النجفيّ الصغير بكفّ فتيّة تصافحنا. وبصوت جهير يهنئنا بالفوز، مستئذناً بنشر القصيدة. إنه الشاب الكربلائي الأستاذ الخفاجي. ولم يقف عند هذا الحدّ من الأريحيّة وكرم الخُلق؛ بل جازهما بمرافقتنا، الى موقف الحافلة التي كانت تنتظرنا، لتقلّنا الى حيث نقيم.. كان مغتبطاً حقّاً. ولم تكن أستاذيته لتمنعه من أن يغبط تلميذاً على قصيدة، ويترنّم ببيت استحسنه منها:                  "فياسمائي أحيلي الشمس عاصفة ــــ تطوي الغزاة تدقّ الرأس والذنبا"           قد آن لي، بعد هذا كله، أنْ أشهد الآن أنَّ تلك النزعة المحلية التي رابني منها هاجس؛ لم تكن لتؤثّرعلى شخصيتة الوطنية الفنيّة. لقد كان مرتبطا فعلا بمدينته كربلاء، ومشغوفا بحبّها وحب أهلها؛ ولكنّ ارتباطه بوطنه العراق وبشعبه كان أعمق وأوثق. وهذا الإرتباط العميق الوثيق هو الذي صان قراره من أن يحيد عن العدالة والحق. ولقد كان ملتزما كذلك بمسؤولية تربوية محكومة بشروط رسمية. ولكنّ التزامه بحريته الفنية كان أقوى وأبين. ولهذا كان يجمع بين التزامين: التزام بواجب المهنة، والتزام بحرية الفن. واذا كان التزامه المهني جبراً؛ فانّ التزامه الفني اختيار. وهذا الإختيار الواعي هو الذي ماز شخصيته بالصدق، وبثبات الموقف، من بعد، في مواجهة سلطة الدم والقمع والإستبداد .. مضت سنة وبضعة اشهر، على وعده بأن ينشر لي قصيدتي، ولم يتحقّق شئ مما وعد. وما وعدني به، ظننته ضرباً من المجاملة العراقية التي لاتعني الكلمة فيها المعنى الحقيقيّ دائما .. وفي ظهيرة من ظهائر الشتاء البغداديّ المشمس الجميل من سنة 1969م، خرجت من الكليّة مجهودا. أطوي الخطى قاصدا (المكتبة الوطنية)، لأستريح عندها من عناء دروس السنة الأولى الجامعية الثقيلة الرتيبة؛ وأستنفد مابقي لي من الوقت الفائض في مطالعة المجلات الدورية، والصحف اليومية. وبينما أنا جالس أتصفّح مجلة (الأديب) الشهيرة؛ واذا قصيدتي (الجراح تتكلم) على أحدى الصفحات(5). لم أكد أصدّق ما رأت عيناي. ولم تريا إلا الحق الذي لاريب فيه. فاجأني نشر الأستاذ الخفاجي قصيدتي كلّ المفاجأة؛ لكن ما فاجأني أكثر، هوشخصيتة التي طابقت أقوالها افعالها مطابقة، تكاد تكون استثناء، في مجتمع موصوف بازدواج الشخصية في السلوك. وإذا كانت القصيدة قد عكست موقفي التقليدي السطحي المشبوب بثورة عاطفتي القومية، بازاء القضية الفلسطينية؛ فإن نشره إياها تطوّعاً، لم يكن انعكاساً لسطحية تقليد أو انفعال عاطفة؛ وانما كان موقفا ادبيا مسؤولاً، وفكرا ثقافيا واعيا، لم يعودا بسائدين، في ميدان الأدب والثقافة، بعد أن استولى (حزب البعث)، على الحكم في العراق صيف سنة 1968م، ودجّن أغلب المثقفين ترهيبا وترغيبا. ومن لم يستطع تدجينه كاستاذنا، اضطهده وأدانه وأقصاه. لذا تهمّش المثقف الأصيل الصدوق، وتصدّر المثقف الفارغ المنافق اهم المؤسسسات الثقافية في الدولة. وكان ماكان من الإنتكاس الثقافي العراقي الذي لم يكن نتيجة لغياب المثقفين؛ وانما لحضورهم ضمن قيود سلطوية وشروط حزبية. ولهذا أجللت في أستاذنا موقفه وفكره؛ لأنه لم يقبل بتلك الشروط، ولم يخضع لتلك القيود... والتقيته مرة اخرى شتاء سنة 1970م، في قاعة الحصري بكلية الآداب ببغداد، في امسية شعرية. إنعقدت برعاية وزير الإعلام (شفيق الكمالي) إحياء لذكرى الشاعر (السياب)، وتميزت عن سواها من الأماسي الشعرية السابقة المنعقدة في نفس المكان، بازدواج المشاركين فيها من داخل الكلية ومن خارجها. وقد شارك أستاذنا بقصيدة، وشاركت معه بقصيدة كذلك. وعندما انتهت الأمسية السيابية، هبّ معظم المثقفين الى المقاعد الامامية، وهم يتدافعون حافّين بالوزير حفَّ الفلك بمحوره. وانسحب الشاعر الخفاجي، مع نخبة قليلة من ذوي الوعي وذواته إلى الرواق الجامعي خارج القاعة بحثا عن نفحة نقية من الهواء الكانوني في ليل بغداد القارس. قال لي بصوته الجهوري المتميز:"كلما زرت كلية التربيةــ ياعبدالإله ــ تعمقت غربتي بين الطلاب والطالبات، واشتدت حاجتي الى صديق يرافقني مثلك. " (6)ولم تمضِ إلا بضع سنين على كلماته هذه حتى تعمقت غربته اكثر. ليس بين طلاب (كلية التربية) وطالباتها وحسب؛ وانما بين المثقفين المتبعثين، لاسيما قائلو الشعر المتنافسون على العطايا والمناصب والشهرة يوم انقسم الشعراء العراقيون، في نهاية السبعينيات، الى حكوميين خاضعين مهرجين، يمجدون الجلاد ويزدرون الضحية؛ لأنهم بلا ضمير. والى وطنيين مقاومين صامتين، أبقوا على ذممهم محتملين أذاه وعسفه؛ لأنهم ذوو ضمير. وما كان شاعرنا واستاذنا الخفاجي الا ذا الضمير الحيّ حتى رحيله في 17 ــ 12 ـ 2012م، ولهذا سميته شاعر الضمير. والرهان معقود، في ساحة الصراع الإجتماعي، على ضمير الشاعر لا على شعره؛ لأنّ القصيدة قد تقلب الخير شرا والشر خيرا. ومتى يرضَ الشاعر أن يبيع ضميره في سوق الحكام المجرمين؛ تكن أية مهنة مهينة في الحياة هي أشرف من مزاولته الشعر.. . والتقيته، في يوم قائظ أواخر السبعينيات، وحيدأً سائحاً بين الكتب، بشارع المتنبي ببغداد؛ فتفاجأت به حرّاً طليقا، وتفاجأ بي حرّاً طليقاً. كأننا رفيقان سجينان، قد فرّا من سجنيهما، فالتقيا صدفة، في وطن غير وطنهما، وبين قوم غير قومهما.. وشرعنا نبوح بما في صدرينا من هموم ثقيلات، باحتراس وحذر شديدين. ولم نُعرّج على الشعر طول الطريق(من شارع المتنبي حتى الباب الشرقي) إضراباً عنه ونسياناً له أو تناسياً؛ إِذ أطمع فينا السلطان، وأصارنا هدفاً لرماته. ثم تداولنا مصائب مهنتنا التعليمية، وما آلت اليه حال التعليم من هزال، بعد أن جعل الحزب الحاكم سير االمعلمين والمدرسين في ركبه شرطاً لإستمرار حياتهم اليومية. وبعد أن نصّب التلاميذ فيما يُدعى بـ (الإتحاد الوطني) في المدارس حكّاماً على أساتذتهم وزملائهم، وجواسيس يشون بهم الى منظماته السريّة. وبعد أن أكره أساتذة الجامعةعلى أن يتنازلوا عن عقولهم، وألا يفكّروا إلا بعقله الواحد. ولم نكد نفهم كيف يستطيع ان يحيا ذو الفكر مالم يكن عقله حيّاً وحرّاً؟. وأيقنا أنْ لم يعد لنا من مكان في التعليم، ولا حتى في أرض العراق الغنيّة الواسعة. ثم انعطفنا من شارع (ابو نواس)، الى شارع (السعدون)، وقد طال بنا المقام جالسينِ؛ ونحن نحاذر الرقباء محاذرة الحمائم حبائل الصيادين. ومازلت أذكر آخر ماقال لي وهو يقاوم وجع جرح عميق:"لن اتنازل عن قيمتي في الحياة. وليعتقلوني، او ينقلوني، أو يفصلوني. ماذا يستطيعون أن يجعلوني؟أيّ شئ هو أرحم من ان ينضمّ الإنسان الى القطيع المساق.. وتعانقنا عناق جنديين ينزفان في ساحة المعركة. لايريان غيرالدماء والأشلاء، ولايسمعان غير دويّ الأسلحة، ولا يرجوان غير سلامة الوطن. ولم أكن أحسب ذلك اللقاء وداعاً بيننا. بل حسبتنا سنلتقي بعد أن يزول الكابوس السياسي الجاثم على صدر العراق. وقد زال فعلاً، لكننا لم نلتقِ؛ لأن الحاكمين الجدد الذين جئ بهم الى بغداد، بغفلة من التاريخ في سـنة 2003 م، قد أعادوا الكابوس نفسه بقناع آخر، وحالوا بيننا والوطن. ولئن زعموا أن شاعرنا واستاذنا قد مات؛ فقد كذبوا. هيهات منه الموت. لن يموت شاعر الضمير. ألا انّهم هم الميتون هوناً وفساداً.

 

.................................

(1) كانت مدينة النجف يومذاك تدعى (قائمقامية النجف). وهي تابعة إداريا لمدينة كربلاء التي كانت تدعى هي الأخرى (متصرفية كربلاء). (2) هو مدرس اللغة العربية الشاعر الأستاذ زهير غازي زاهد(الأستاذ الدكتور حاليا). (3)هو الشاعر الخطيب الشيخ عبد الصاحب البرقعاوي الذي أوكل اليه استاذي زهير غازي زاهد مهمة تدريبي على فن الخطابة قبيل موعد المباراة بأيام. (4) كوفئت على القصيدة كاسا من يد المحافظ السيد جابر حسن حداد وديوان شعر للمتنبي من يد رئيس بلدية كربلاء السيد صادق الخطيب مع إهداء بخط يده في 28/3/1968م . (5) مجلة الأديب ــ ديسمبر1979م ــ الجزء 12 ــص40 ــ بيروت ــ لبنان. (6)كلية التربية هي دار المعلمين العالية سابقا. وقد ألغتها الحكومة في 1969م، لكثرة المعارضين فيها لسياستها الإستبدادية مستبدلة اسم بنايتها باسم كلية الآداب.

 

abdullh abasاذكر الاخوه القراء إني نادراً ما اتوجه لكتابة رأي حول مايحصل في بلدنا ومنطقتنا الى كلمات معقدة ولغة تفلسف وتلاعب بالمصطلحات، بل اكتب باللغة البسيطة واتوجه لامثله تاريخية لتجارب مجتمعنا و ابدي بعد ذلك راي حول الموضوع الذي اتطرق اليه، وهكذا الان  في مناقشتي لتعليق الاخ القارئ (جمال مصطفى) الذي علق على الجزء الاول من هذا الموضوع :

من هنا، نقلب صفحات احداث، يتذكرها العراقيين، ونقرأ صفحات احداث اطلع علية العراقيين اولاً واحداث حصلت في حياة  البشرية في كل القارات وتركت اثار عميقة ..!!

• في مارس 1935 تأسس اول حزب شيوعي في العراق، واعلن انه يناضل من أجل ان يكون وطن حراً وشعب سعيداً، ويخرج (الانكليز) الاستعمار من العراق، ودخل الشباب المتعطشين للحرية والكرامة والطامعين ان تكون ثروات البلد لابناء البلد وهو طريق لـ (وطن حر وشعب سعيد) .. لم يكمل الحزب  عقده الاول من عمره حيث اعدم ثلاثة من قادتة المناضلين دون ان يرون تحقيق ابسط هدف من اهدافهم وتركوا احلامهم للذين اضطر الناس تسميتهم بـ (اولاد الخايبة) اذ القت السلطة القبض عليهم و كانوا يعذبونهم في السجون، وقادتهم يفتخرون بالسوفيت ستار الحديدي اكثر من افتخارهم بالتاريخ ووضع مجتمعهم (التعبان) مع الاسف، وعندما قام (مجموعة من العسكر) بالانقلاب 1958، فقط لآن قاسم تحدث عن (الكادحين) دفع هذا الحزب (العريق ...!!!) بكل إمكانياته الى الشارع لدعم العسكر ..!! بل توجه الى سحل ابناء هذا الوطن (كان فيهم من اشترك في اسقاط الرجعيين) ولم يمر عام انقلب العسكر على (الحزب المناضل من اجل وطن الحر والشعب السعيد) واعادهم الى السجن ..!! في خضم شراستهم من خلال (المقاومة الشعبية) ومن ضمن من اختارهم الحزب المناضل للتحرش بهم ووصفهم بـ (الرجعية) هم الرموزالدينية مع ان تأريخ العراق وضمن القوميتين الرئيسيتين فيه (الكرد والعرب) معروف ان الرموز الدينية كانوا من دعائم العمل الجدي من اجل حرية الارض والعرض للعراقيين في ايام المحن، وبعد سقوطهم المدوي على يد انقلابي شباط وسقوط هؤلاء ايضا على يد العسكر، أن اول من تحالف معهم عند عودتهم الى الحكم في تموز 1968 هم الشيوعين وشكلوا في كردستان قوات مسلحة (غير نظامية) لمساعدة الحكومه للقضاء على الحركة القوميه الكردية وكان جزائهم بعد انتكاسة تلك الحركة عام 1975 انقلب الحكم عليهم واعادهم للسجون وكان نتيجة تلك الانحرافات حاملي الشعار (وطن حر وشعب سعيد) ضحى بمئات الشباب من (اولاد الخايبة)، لم يتوقف اليسار العلماني  في العراق عن الانحرافات بل عندما سقطت دولة العراق في نيسان 2003، واحتل البلد من قبل امريكا شارك سكرتير الحزب في الحكم المحتل، جالسا على الكرسي من حصة طائفتة وليس حزبه العريق،  و بعد ذلك اصبح عضوا  في البرلمان وبعد ان ضمن (اثمن راتب تقاعدي) الان هو وحزبه يحرك داعياً للحكم المدني بعد ان ساعد في ترسيخ حكم المحاصصة صاحب القرارفيها تيارات دينية خالصة .

ومع هذه القراءه الدقيقة  المبسطة لحقيقة الواقع  في العراق (كنموذج) لناتج نضال اليسار والعلماني فيها، وبعد أن سهل اليسار والعلمانين من خلال غباءهم السياسي او حبهم للحكم فقط وتصرفاتهم الطائشه لحد سحل الناس وبذلك ساعدوا القوى الخارجية للهيمنه على مقدارت بلدانهم كما فعل اليسار في العراق ، الان  تسمع أصوات (المراهقين) يعتقدون انفسهم (علمانين في عصر العولمة الذهبية، عندما يناقش وضع البلد والمنطقة يريد فقط ان يتهم التيار الديني  دون الاخرين و  يقول لك َ : (هل يستطيع عراقي أو سعودي أو أي مواطن في دولة اسلامية أن يغيّر دينه ويعلن ذلك ويتباهى به ؟ في الغرب يستطيع المواطن أن يبصق على السماء ورئيس الدولة ولا أحد يمسه بسوء . اذا اجتمع السياسي والمعمم في حكم بلد فاقرأ على ذلك البلد السلام ,  يبدأ قضم الحريات الشخصية شيئاً فشيئاً , كل شيء حرام , افعل كذا ولا تفعل كذا ولهذا انحرف المسلمون وفعلوا الرذائل وما زالوا من تحت الى تحت . ملحد واحد هادىء , مثقف قادر على مواجهة عشرين شيخاً يلوكون كلاماً لا يقدم ولا يؤخر-  مقطع مقتبس من تعليق القارئ الاخ جمال مصطفى ....!)

فمناقشة بهذا الاسلوب السطحي لايعني إلا جهل جيل (الثقافة اله جامدة خاليه من الاحساس الروحي والشعور بصلة الرحم الانساني المتواصل مع التأريخ) ، لا بتاريخهم ولا تاريخ من سبقوهم  وتجارب الاخرين، هذا الجيل الذي لايهمه الا ان يكون حر في الشتائم ويبصق بوجه كل القيم تحت عنوان الحرية .... ولايريدون ان يصدقون ان اوربا لم تصل الى هذه المرحلة الا بجهد ونظرة موضوعية ولم يكونوا ولايزالون لا يستهزئون بتاريخهم وبانتصاراتهم وانتكاساتهم، ونحن كدليل على قرائتنا الصحيحة لتاريخ قلنا في الجزء الاول من هذا الموضوع : (...... ولاحظوا، ان ظاهرة الالحاد في اوروبا، ليس موضوع مناقشة وتصادم بحيث تظهر كانها مشكله لها خطر على امن والاستقرار الاجتماعي في حياة الناس اليومية، وذلك لان المؤمنين بالرسائل الدينية المنزله من السماء منطلقين من الثقة بايمانهم لم يجعلوا منها (بعبع ..! – كما نقول باللغة الشعبية) لتجعلوها اداة يخافون منها ويخوفون بها الناس، وكذلك لم يلجأ الملحدون هناك لوضع برنامج منظم لمحاربة او استفزاز من يؤمن بالرسائل السماوية بل ينظرون الى الظاهره بانها اختيار دون فرض وبطريقة يستفز الاخر، من هنا ضمنوا لانفسهم وللاخرين الاستقرار الاجتماعي، ولكن عندنا، أن ألاغبياء ممن يعلن الالحاد يعتقد مقدماً انه عليه  ان يستفز المؤمنون بالاديان لكي يعرف الاخرين بان (حضرته ملحد على رؤوس الاشهاد ...!!)، وكذلك هناك بين مجتمعنا الذي يعاني من (التخلف) اساساً من جانب العلاقات المتعلقة بحرية الاختيار يعتقد ان طريق اختيار الايمان يبدأ بمنع الاغاني والموسيقى مثلاًَ ...!  ولا يتردد وباسم الدين ان يتدخل في جزيئات حياة الفرد ليمنع منه ما يشاء حسب مزاج مايسمي نفسه بـ (المؤمن !)،، ويقدم هذا الهدف على نشر الوعي الاجتماعي وهذا الهدف لايتحقق دون البدأ بالعمل من اجل الاستقرار الاجتماعي عن طريق التفاهم بين افراده ، من هنا  لنقيس نتيجة كارثية لاصطدام بين ظاهرتين يتحركان من منطلق فهم متخلف اصلاً لمفهومين : الايمان والالحاد – الجزء الاول من : حول الدين والالحاد)

 كل العالم يعرف ان (هتلر) زعيم حزب العمال الالماني الاشتراكي وصل الى الحكم عن طريق الانتخابات الحرة، واسم حزبه العمال والاشتراكي، ولكن تكوينه الفكري التسلطي ورط شعبه الذي اعطاه الثقة  في اشرس حرب بعد نهضة اوروبا وتخلص شعوبه من حكم الكنسية ادى الى مقتل 62 الى 78 مليون انسان، وبعد هزيمته التأريخيه، لم يؤدي نتائج الماساوية للحرب الى تكوين مجتمع عدواني يدخلون بلدانهم في صراعات، بل توحد كل المؤمنين و الملحدين والاشتراكيين والراسماليين الى تداوي الجراح  واعادة اعمار بلدانهم، ولكن هنا في الشرق  اذ ان التصرف التسلطي لمعاوية ابن سفيان وبعد ذلك ابنه العاق (يزيد) ادى الى صراع دموي لايزال ابناء المنطقة يدفعون ضريبة تصرفهم التسلطي و اصبح حجة عند كل الارادات التسلطية يتصرفون تجاه بعضهم البعض بشكل عدواني لايدفع ضريبتة الا رسالة الاسلام العظيم والابرياء من الناس  ...

والان في العراق، ان الامريكين العدوانين تسلموا مصير هذا البلد الى حكم المحاصصة كوسيلة عدوانية لتشوية الاسلام في بلد عانى ولايزال من الصراعات، ونرى الفساد اليومي يندى اليه الجبين، وصل الى سرقة مساعدات النازحين ضحايا الارهاب ومعالجة الارهاب بالفساد وهم انفسهم يعلنون ذلك، وهم في الحكم يعترفون كنموذج للفساد ضحيتة النازحين حيث اعلنت احدى عضوات البرلمان : (أن النازحين لم يتسلموا 1% من الأموال المخصصة لهم ضمن الموازنة المالية لعام 2016، مشيرةً إلى بعض العوائل النازحة عرضت أولادها للبيع رغم انه هناك نسبة 3% استقطاعات من الموظفين والمتقاعدين ضمن موازنة عام 2016 للنازحين، الا انه لم يصل الى النازحين من هذه الأموال 1% لحد الآن) يحدث هذا رغم ان العراق يحكم من قبل مجموعة احزاب محسوبين على التوجهات الدينية : (مجلس الاسلامي الاعلى،، حزب الدعوه، التيار الصدري، الحزب الاسلامي) واي واحد من مسؤولي هذه الجهات فقط باشارة يؤشر الى (قواته) لمحاربة الفساد ينهي جذوره، ولكن بدل ذلك وبمساعدة (التيار المدني) لايتصرفون الا باتجاه يزيد العراق بلاء،  وبعد خراب البصره ينزل الشيوعيين العراقين يطالبون هولاء بالحكم المدني بعد ان خربوا اي توجه للحكم المدني منذ ان طلبوا من قاسم : (يعدم ولا يقول ماعندي وقت) و اصبحوا انشط جهة في ظل الحاكم الامريكى المدني ....!!!

من كل هذا العرض المبسط والبعيد عن تصفيف الكتب  نريد  ان نقول ان مايحدث في الشرق عموماً والعراق خصوصاً ليس الدين والرسالة الاسلامية  وحتى ليست العلمانية وحتى ليس الادارة الامريكية الشريرة، بل اولاَ ناتج عن صراعات مجموعات سلطوية بعضهم يريد ان يصعد على سلم (علمانية مزيفة وليس علمانية التي بنى اوروبا) والاخرين على سلم الدين ولكن باتجاه تحقيق طموحاتهم السلطوية وفي الحالتين الضحية هم الناس، على هذا الجيل من يدعي العلمانية ومن يدعي التيار الديني يعرفون ان الصراع الذي يعيشه الان  الجيل الحالي من هذا العصر في منطقة الشرق الاوسط عموما وفي مجتمع شعبنا المنكوب على وجه الخصوص، تدار بين اتجاهين لـ (غلو مدمر) مهيمن على مسير الاتجاهين : السطحية و التشنج الفارغ احدها يدعو للالحاد الفارغ دون اي سند حتى من الماديات التى كانت تتباها بها منظري الالحاد  في الاجيال السابقة ، والثاني الداعي الى اقصى حدود العنف ايضا دون اي اسناد معنوي مقبول لادامة الحياة وبناء الانسان ومتجه علنا نحو هدف واضح امام الواعيين وهو تشوية رسالات الاديان السماوية عموماً والدين الاسلامي (الدين والرساله وبناء الحضاره) على وجه الخصوص، وان الاتجاهين المتصارعين ليسوا لهم جذور للتصالح لانها اساساَ جاءت كظاهرة مصطنعة بشكل منظم لغاية هدفها المخفي في دهاليز ظاهره تحكم العصر (الفساد المادي باشراف مافيايوين) .

 

لم يكن المستشرق الفرنسي جاك بيرك ( 1950 ــــ 1995 )  مستشرقاً من صنف آخر، الا انه عُرفَ كيف يتخلص من الاستشراق التقليدي بكل مشتقاته المثالية والتجريدية وميوله الملحاحة الى تسييد بعد الماضي الكلاسيكي ومغارات القارة القارة الدينية من خلال موسوعية نصية احادية تستقبل الثابت وتلغي المتحول.

ففي مجال التجديد الموضوعاتي والمناهجي في الدراسات الاستشراقية يمكن اعتبار بيرك رائداً ومؤسساً معاً تمكن من ان يحدث حسب تعليق المستشرق هاملتون جب تغييراً في المنحنى والاتجاه، اذ انه دفع بالاستشراق كعلم وخطاب ال استيعاب بُعد الميدانية وبطريقة اوسع واعمق مما فعله مجايليه، ثم الى تجريب مناهج العلوم الانسانية الأكثر اجرائية وتقدماً. وقد كان بيرك مهيأ اكثر من سواه للتكفل بهاتين المهمتين، نظراً من جهة لمزاولته مناصب ادارية وعلمية، ونظراً من جهة اخرى لحساسيته الكبرى، بمعنى التاريخ وانجذابه نحو التبدلات والتغييرات التي تفرض ابراز الاهتمام بالحاضر من اجل فهم الماضي واستشراف المستقبل.

لقد تهيأ له وهو يسير في اتجاهه المعاكس، ان يتفانى في معرفة الانسان بالمجهر المنوغرافي، اي حياً يرزق في بقعته المكانية وحيزه الزماني، فطالت عشرته مع قبائل (سكساوة) في الاطلس، ثم امتدت الى مدن وقرى من المغرب والمشرق، حتى انه عندما عُينَ استاذاً في الكوليج دو فرانس سنة 1956، لم يكن في جعبته العلمية في حالة طراوة واختمار الا هذه المعارف الميكروسوسيولوجية من مدونات وفق الانساب واللهجات، وهي معارف من قعر المطمورة لا يمكن توصيلها الى الآخرين، وقد ينكرها حتى اصحابها المعنيون.

ان بيرك الذي لا يرفض انتماءه الى دائرة المستشرقين، يحق اعتباره في طليعة الوجوه الأكثر حضوراً في ساحة العلاقات الفرنسية- العربية، والاوفر اسهاماً في ميدان تجديد الدراسات الاستشراقية والدفع بها الى الاحتكاك بالعلوم الانسانية والتفاعل معها.

كما ان بيرك على صعيد آخر استمد اسباب تألقه من قدرته على تشريع الاستعمار ليس كخزي او كابوس ميتافيزيقي كما يرى بعض المفكرين العرب بل كظاهرة تاريخية لها منطقها المحايث وكلحظة زمنية تستلزم جدليتها قيام نقيضها في حركات تصفية الاستعمار وتحرير العالم.

وطيلة فترة بيرك الميدانية- الادارية والعلمية- بين اواخر الثلاثينات الى الستينات. كان مستشرقنا المجدد يستشعر ازمة الاستشراق التقليدي كخطاب وممارسة، فحاول الاجابة عليها عملياً بالدراسات المندرجة كلها في التاريخ الاجتماعي للعالم العربي. اما في مرحلة بيرك التالية التي يمكن اجمالاً نعتها بالتنظيرية او التركيبية، فقد صار يعرض تلك الازمة على صعيد الفكر بكثير من الجرأة المحاطة بلياقته اللفظية الخاصة، ويسأل كما يسأل الباحثون القوميون عن الاسباب التي من اجلها لم يحظ الاستشراق بأي حضور ملحوظ ولا بأي تأثير فعلي في مجال البحوث والنظريات الانثروبولوجية التي اعادت تمثيل الحضارة الانسانية الحديثة على ضوء معرفة المصادر والروافد حتى الضاربة منها في القدم والبدائية، اي بكلمات اخرى: لماذا لم تساهم معرفة الشعوب الشرقية من طرف المستشرفين في بلورة النظريات حول تطور صور الانسان وثقافاته، فكانت شبه غائبه من سباق تنافس العلوم وتكاملها؟

جواب بيرك على مثل هذا السؤال الذي يشعر بحدته ومشروعيته هو ان "سبب ذلك التفاوت الصارخ يعود بلا شك الى كون العرب في علاقاتهم بنا يتميزون بطابع مزدوج من الصدام والتقارب. ثم ان التوترات الناجمة عن كفاح طويل التي زادت في تأجيجها الامبريالية كانت في حالتهم جداً قوية في حين لم تكن كذلك منهجيات البحث بحيث يتسنى تبيان التشابهات والفوارق والازدواجيات ثم الخروج منها بتعليم".

وتبعاً لهذا الثبت، يرى بيرك ان المستشرق او المستعرب على وجه التحديد قد "صار وحيداً، اي مفصولاً عن الباحثين الآخرين كما هو مفصول عن العرب انفسهم".

الاستشراق اذن بين عجزين، عجز عن مواكبة العلوم الانسانية ذات القدرة الاكتشافية من لسانيات وتاريخ اجتماعي وعلم الانسان، وعجز عن الانتقال من النظر الى العرب كمواضيع او كائنات محددة انطولوجياً ببعدها الديني العقيدي الى النظر اليهم كذوات مشخصة تمارس ككل الذوات الانسانية الحية اراداتها وحقها في التقدم والتغيير.

ان انتقاد بيرك للاستشراق يستمد قوته وحتى مصداقيته من عنصرين اساسيين:

1-      انصات بيرك وتفهمه لشعور التنكر والنفور عند العرب بأزاء ماضيهم القريب المتمثل في عهدهم الاستعماري وماقبله مباشرة والمشخص في صورة (الاب المهزوم والانا المهان)، وهذا الشعور قد انعكس سلباً على علوم تهتم بهذا العهد بالذات فـــ "حتى اليوم- كما يوضح بيرك- يشكو التاريخ والانثولوجيا والسوسيولوجيا في الشرق من فقدان الاعتبار. ويلزم البحث سبب هذا في النفور والحقد اللذين يشعر بهما الشرقيون بازاء مجتمعهم في العهد الاستعماري".

2-      تألق بيرك في تشريع الاستعمار ليس كخزي او كابوس ميتافيزيقي كما يرى بعض المفكرين العرب بل كظاهرة تاريخية لها منطقها المحايث وكلحظة زمنية تستلزم جدليتها قيام نقيضها في حركات تصفية للاستعمار وتحرر العالم.

فأذا كان العمل الاستعماري "يطبع كل مقولات الحياة المحلية باختلال عام، اذ يصبح الدين شعوذة والشريعة عادة والفن مجرد فولكلور وكل هذا بالقياس الى المقولات المطابقة في النظام المستورد".

واذا كانت السلبيات الاستعمارية تبلغ مداها في فصم علاقات الطبيعة والثقافة داخل المجتمع المستعمر، فان الحياة لا تلبث ان تستعيد جذورها وحقوقها ضد كل تلك الاستلابات والتشويهات، وهذا بفضل ارادة المقاومة والرغبة في الانعتاق.

وهكذا تكون القومية العربية مثلا فكرة وحركة لا تقومان في عقد الوفاء للهوية التاريخية المشتركة فحسب وانما ايضاً وبالتأكيد في سعي العرب الى التخلص من كل الهيمنات الامبريالية وتحقيق المواكبة والتكافوء مع الاخرين على صعيد اكتساب اسباب الفعالية والقوة.

بهذه العقلية المستخدمة المتولدة عن تصدع السيطرات الاستعمارية وتحقيق الاستقلالات والتي لا تختلف عن عقلية المحللين القوميين الا ببلاغتها ومرونتها بتلك العقلية.

اذن، يسعى بيرك الى محاولة اكتشاف "العرب بين الامس والغد" وعلى عتبة هذا السعي يتبدى بوضوح التثبت المطلق للباحث ويليه التعبير عن مشروعه الدراسي.

اما الشق الاول فيقوم حول انفصام الانسان العربي التقليدي المشخص في الفقيه والاديب المتشبث بالقديم او في البدوي والمزارع.

ان هذا الانسان يوجد اليوم امام "فتنة جديدة" عليه لمواجهتها ان يتخلى عن مجمل المقولات الذهنية والرؤى الحياتية التي لها طاقة تعويقية في مجال تكيفه مع واقع العالم الحديث المطبوع بالبحث عن الفعالية الاقتصادية والتقنية والمستعيض على صعيد السياسة والمجتمع بعلاقات الشفافية والعقلنة والتعاقد عن علاقات القرابة والتبعيات والحمايات. انه في اضطرام وعيه بضرورة الاختيارات الجديدة التي تفصمه هنا وهناك عن كينونته الاصلية يعيش  ، قلقاً متواتراً يفضي به اما الانزواء والرفض واما الى طلب النهضة والبعث والثورة.... وهذه المخارج الاخيرة لا زالت بعد تحقق الستقلالات السياسية تجرب نفسها وقدراتها الذاتية في معارك الحداثة الصناعية والفكرية، اي في معارك الحضارة من اجل الانتماء الفاعل الخلاق الى العالم المتطور...

ان مشروع بيرك عموماً يتجلى في محاولته اظهار انتقال العرب من دائرة القدسي الى الزمان التاريخي، اي الى العهد الصناعي وارادة التغيير، وهذا ليس بالضرورة على حساب المكون الديني بل على اساس رده الى حيزه المعقول مادام ان ازدياد ظواهر كالقوميات والطبقات والثقافات وغيرها لا تفرزها الا الصيرورة التي تفلت بالطبع من ثبوتية الموروث ودائرة التعالي "الشرق المثالي" اي التاريخي وليس الشرق الخالد - هيراقليس وليس ابراهيم-.

هنا تكمن خيارات بيرك ومنطلقات توجهه التنقيبي والفكري وان كان في مذكراته يرى من باب النقد الذاتي انه لم يذهب بها الى اقصى مداها كما لم يظهر ان شغله في الحقيقة كان هو معالجة جدلية علاقاتها بما يعارضها.

وفي اطار هذا المشروع ما يتطلبه من جهد تجديدي كان بيرك ان يعيد النظر في تأثره الاولي ب  ماسنيون وان يخضعه بالتالي لنوع من التطهير من دون ان يقدح في عبقرية (الشيخ الجليل) الخاصة او ينكر فضله في مساعدته على الاحساس بطعم الشرق.

لقد اصبح التجديد الثيماتي عند بيرك مرتبطاً اساساً بمراتبة الاحداث الحاسمة ورصد مضامينها التعبيرية والدلالية، كالانتفاضة الجزائرية ابتداءً من 1954، ومؤتمر باندونغ الافرو- اسيوي في 1955، واستقلال تونس والمغرب في 1956، وتأميم قناة السويس... كلها احداث دفعت ب بيرك الى اعادة اكتشاف العرب طي صيرورتهم، اي بعيداً ليس عن الاستشراق التقليدي فحسب بل ايضاً عن المقاربات الكولونيالية ذات المقاصد المبيتة والمناهج التقسيمية... وهذا التوجه عنده لم يضعف حتى في مرحلة عودة الاخير الى الاسلاميات التي لم تكن علاقاته بها من قبل الاعابرة وظرفية.  ف بيرك في هذا العود الذي ليس غريباً على التقدم في السن، لا يتنكر لما ميزه مثلاً عن ما سنيون او كوربان، ان القضية التي تشغلني – كما يكتب- "ليست استرجاع الماضي اي تنصيبه في الصدارة" بل النظر في النصيب المحرك او المساهم او المعوض الذي اخذه وبالأخص سيأخذه الاسلام في مسيرة الحداثة الشرقية... وبعبارات اخر يتعلق الامر بالعلاقة بين الصيروة التاريخية والاصول".

التحول في الموضوع كان يستلزم ايضاً الخوض في تجريب مناهجية مستمدة من علوم قلما يشركها الاستشراق في بحوثه وهي كما يعددها بيرك "الاقتصاد حيث يجد الاستقلال محك اختباره، التاريخ المعاصر الذي يحرر للمرة الاخيرة الشعوب العربية من كفنها الارجواني، الظاهراتية التي وحدها تقدر على القراءة في كثرة الاحداث والاشارات والاحوال كمؤشرات لتيارات الاعماق، وتطلب من كل ملاحظ ان يقيم البحث عن المنطقيات الجوفية على دقة الانطباع، علم الاجتماع وبالاخص الانثروبولوجيا اللذان يموضعان النقاش في ابعاده الشمولية ويعرضان تركيبات جديدة في ذاك المجال".

وبيرك في استفادته من كل هذه العلوم واستثمار مناهجها يتجنب بذكاء وعن وعي ان يستبيح اقواله بركام الارقام والحسابات والتشخيصات التي لا تمنع مع ذيوعها واستبدادها الا ضمانات مهزوزة وراحة مخدوعة.

ولهذا كان عموماً لا يكن للبحث الا نكلوا – ساكسون الموسوم بعلموية كاريكاتورية كبير تقدير. وبدل كل ذاك كان بيرك الى جانب اعتماده على النصوص والوثائق المحلية يقيم استباراته على المشاهد والمسموع والمحكي وكذلك المحاور فيه والسؤال المباشر، وكلها مصادر تعطي التحليل قواعده الخصبة الثرية، اذ تقضي به الى الوقائع طي اطارها النفسي ودلالاتها كتجارب معاشة.

اذا ما عرضنا كتابات بيرك على النقد، فأننا بكثير من الجهد وحتى من الصرامة المفتعلة، قد نذكر بما يعيب على اسلوبه من غموض ونزوع الى تبنى بلاغة متأنقة لتصريف مضامين تكون احياناً بسيطة او عادية، ومع ان بيرك رد على هذا النقد بنوع من الازدراء والشراسة فيبقى ان الكتابة البيركية عموماً يحق نعتها بالشفافية الصعبة او بالوضوح الممتنع الوعر على القراءة الاولى.

ان بلاغتها تقوم داخل النص المكتوب بتدرج في الكثافة والسماكة، فتنتشر هنا وهناك حجباً تدفع بالمعنى الى درجات متفاوتة من التواري والترميز، ولعل هذه الجوانب في تلك الكتابة تفسر هي ايضاً كون اربعة مؤلفات فقط من اعماله الكثيرة نقلت الى العربية لم نر منها الا ثلاثة والرابع ظل في حالة اعتقال.

كل هذه الانتقادات الجريئة واخرى شبيهة لا تقلل في شيء من قوة اعمال بيرك ولا من كون هذا المستشرق المجدد يبقى من الوجوه الاكثر جذباً وتألقاً ومن المفكرين القلائل الذين يمكن للباحثين القوميين ان يخاطبوهم ويستحضروهم في اطار التبادل والتكامل المعروفين.

* مذكرات الضفتين

مذكرات الضفتين، كتاب يجمع فنيَّ السيرة الذاتية والسيرة الفكرية، فهو يلقي اضواء كاشفة على بيرك الانسان، وبيرك العالم المفكر.

هذا الكتاب المذكرات المفعم بالصدق والحيوية يستحق منا اكثر من وقفه للاشارة اليه كمنجز او توبيوغرافي يغني او يصحح ما نعرفه عن شخصية الرجل وعلمه الوافر.

نقرأ في مذكراته في ضفتها الجنوبية وبالذات في منطقة فراندا الجزائرية، حيث قضى بيرك طفولته قبل ان ينتقل مع اسرته الى الجزائر العاصمة، وهو في طور المراهقة، فكانت له هناك اولى ذكرياته في مجال القراءة والتحصيل العلمي، واولى تنطعاته ضد نمط الحياة الاستعمارية مع انه ابن المراقب المدني (الحاكم) في الادارة الفرنسية.

وعندما نلقي نظرة فاحصة على سنوات التعليم البعيدة (1930- 1932) التي جعلته يتخلى عن الاداب القديمة ليخضع الى ما نسب في ذلك الوقت الى زخم الشباب، فان صعوبات التكيف القصوى (تصفعته) على حد تعبيره، وهذا تقريباً معاكس لما يمكن ان لازمه فيما بعد في سن النضوج.

فماذا كان يرى بيرك اذاً في المدينة؟

"كنت اجعل منها من دون شك موقعاً اسطورياً، كنا نأتي اليها لنجدد قوانا كل سنة وكنا فخورين باننا احتفظنا فيها بتلك الذكريات الحية... القريبات المتقدمات في السن، بيتان قديمان، ومناخ ما قبل الهجرة، وابناء عمومة يتكلمون طوعاً اللهجة المحلية، وبعض قطع الارض، وحتى الفأس التي يستخدمها الجوالون... كل الناس في الجزائر كانت تتفق على هذه الامانات المثيرة... والدتي كانت تعير اهتمامها اكثر من والدي لهذه الاشياء القديمة... وحتى الان كان يسود في الجزائر القانون الفرنسي والروح الفرنسية، في حين ان الاثنية المتوسطية المختلفة التي كنا نحس انها كانت تبرز الى الوجود، تسود في اوساط الفئات اللاتينية الجنوب فرنسية او الاسبانية او الايطالية او المالطية... وهذا المظهر كان يتأكد لدى الاكثرية التي يعود معظمها الى طبقة سكان المدن، ومن سحنهم المتكبرة والقاسية كان يخرج نوع من الرومانية الشرسة.

لقد مررت بسرعة في اروقة الحكومة العامة او اتكأت على شرفة تانتونفيل بذلك المقهى الذي كانت تجتمع فيه الطبقة الميسورة في فترة بعد الظهر، كانت تبدو على الكثيرين النظرة الوهاجة وكبرياء الحركة وبعض القساوة والرصانة التي كانت تنبيء بأول تحول.

الصبيات، الفتيات الشرسات، النقيات القلب، كانوا يفيضون طاقة وجودية، كان ينقصم الوقت الذي يرهف الحس والاستفهام الذي ينضج، ولكن لم يكن ينقصهم الكرم. ثم لماذا اداروا ظهورهم لأقامة حقيقية؟ ولكي يتجذر المرء فان وعي الآخر هو ما ينقصم غالباً، فالجزائر وافريقيا الشمالية بشكل عام لم تؤد الى ولادة (الكريول) بالمعنى الاسباني- الامريكي لكلمة Criollos وفي ذلك الوقت الذي اتحدث عنه وبعد مئة سنة من التعايسش لم يكن هناك واحد من هذا الجنس، ومع ذلك كان يمكن التعرف في النظام الاخلاقي الى خلاسيين مجهولين ومتجاهلين، لأن التأثير على هذا الصعيد كان يلعب دوراً من الجهتين وفي الاتجاهين ولم يكن هناك تنبيه لهذا الامر قط مما كان يجعله تناقضاً اضافياً.

وهذا ما اكتبه الآن عندما اورد اسم ألبير كامو ومرسيل سيردان والجنرال جوان، وهو ما لم أكن استطيع فهمه في ذلك الحين. ولكن كنت اختبر حيال رفاق الدراسة الباريسيين اعتدالاً لم يكن مناطقياً فحسب. وللاسباب نفسها او لغيرها كان احد اصدقائي الافارقة (الاقدام السوداء) يختبرونه اكثر ايضاً.

كنا نعرف ذلك، وكنا نستخلص منه اعتداداً بالنفس، ولم يكن احد منا يظن ان بواكير ولادة هذا الشعب ستجهض شعبياً بسبب فشل التحالف مع محتلي الارض القدامى... ومن كان يستطيع التكهن في العام 1930، ان التاريخ سيفضي هذه النتائج السوداء او هذه الاصلاحات الاكثر عدالة وتقطع الامل بوهم الاختلاط؟ لا افريقيا الشمالية لن تصبح مكسيك اخرى...

الا انه اتيحت لي الفرصة لكي انغمس في التيار المزدوج الذي لم يلبث ان تحول تناقضاً رهيباً، ثم ان ذوباني في فكر المدينة سيسمح لي بان انمي الحس المتوسطي والنداء القومي اللذين لم تعرف خاصتي ان تصغي اليهما. وهكذا فان هجرتي من الارض فادتني نحو حقيقتها الاولية، الحقيقة الاوسع، مستقبلاً".

وفي ضفته الشمالية من ذكرياته، نتابع رحلة بيرك عام 1930، الى باريس لمتابعة دروسه في السوربون، وصادفت تلك السنة احتفالات باريس بالذكرى المئوية لضم الجزائر وتنظيم ما كان يسمى بالمعرض الكولونيالي...

لم يكن بيرك مرتاحاً في السوربون حيث يسود نزوع الاعتزاز بالذات والاكتفاء العلمي والوطني، وهذا ما دفعه بعد سنتين الى التخلي عن مستقبله الجامعي وبالتالي عن امتحان التبريز، مما اثار خيبة والديه واساتذته في الجزائر. ثم بعد ذلك بقليل كانت الخدمة العسكرية في المغرب الى 1934، وهي السنة التي اجتاز فيها بيرك مباراة (المراقبة المدنية) فعين مراقباُ تابعاً للمكتب العربي في ثلاث قرى على التوالي ثم في فاس سنة 1937. وقد مكنه هذا العمل من الاحتكاك المعرفي بالارض وناسها ورجالاتها، فكان في كل شوط يقطعه يبتعد اكثر فأكثر عن منطق الادارة الكولونيالية ويفتح عينيه على اول المظاهرات وصلوات اللطيف التي اثارها في فاس نفي الزعيم علال الفاسي في نفس السنة.

لنعد الى اللحظة التي اقام فيها بيرك في باريس بعد ان بالكاد وصل اليها، وجد فيها قضية ورفاقاً غير ان ذلك بدا له خطراً على أمد معين. الخلل كما يصفه في "الذاكرة، كان يهدد بالاتساع بين حياة الشرق الاكثر ضجيجاً وسعي مدعو لأن لا يكتمل الا بموتي. لقد نقشت على اللحم ذكريات محرقة للغاية لكي اتكيف مع دراسة غيبية كان ينبغي لي القيام باتصال دائب وحوار لا ينقطع".

لقد اصبحت حياة الشرق اليومية بالنسبة له ضرورية "ولكنها بدأت شيئاً فشيئاً تغيب من حياتي وفي المقابل بدأت حركة ستحملني طوال جيل كامل من الشمال الى الجنوب ومن الفرات الى الاطلس في دورة لم يتباطأ فيها سوى الاعتكاف. كنت استفيد من كل هذه المناسبات للتخلص من منبر التدريس" .

كان جاك بيرك عهد ذاك رجلاً اخرق ومتمرد في نظر الرؤساء العسكريين والاداريين وشاباً يسارياً مسانداً للجبهة الشعبية الفرنسية وسيءالسمعة الجنسية في نظر الجالية الفرنسية. هذه هي الصورة التي كانت تشيعها الالسنة القبيحة عن بيرك للرد على سوء طويته الوطنية وتعاطفة الظاهر مع اهالي البلاد المستعمرة.

وفي 1939، وبعد زواج اول غير موفق اختار بيرك التجنيد والحرب العالمية الثانية في بدايتها، فامضى فيه زهاء سنة عاد بعدها الى مزاولة عمله السابق في المغرب الى ان ارتقى سنة 1943، منصباً في القسم السياسي للاقامة في عهد بويو  وبونيفاس، وصار هذا المنصب يلزمه بالاستخبار عن الحركة الوطنية المتنامية وجس نبضها، وذلك عن طريق صداقاته في التعاضديات الحرفية، فكان كثيراً ما يخطيء في تقاريره وتوقعاته لا بسبب قصوره المعرفي بل بسبب نفوره المتأصل من كل عمل جاسوسي من شأنه ان يفقده حلمه في اشراك المغرب مرحلياً في مشروع التقديم الذي يفضي حتماً الى الاستقلال. الا ان الاحداث تسارعت بشكل لم يتنبأ به الفرنسيون ولا بيرك نفسه، بحيث تقدم الوطنيون المغاربة بوثيقة المطالبة بالاستقلال في يوم 11/ ك 2/ 1944، معتمدين خطة تدويل الصراع المغربي- الفرنسي، كما هو الشأن في الجزائر وتونس. فلم تنته الحرب العالمية الثانية حتى اخذت الحركة الوطنية تفرغ معاهدة الحماية لـ 1912، من محتواها، لا سيما وان هذه الاخيرة ظلت قاصرة في الاصلاحات الموعودة، كما انها، ما عدا في العالم القروي الذي بقي تحت سلطة الحكام الفرنسيين بواسطة القواد المحليين، كانت متقدمة في هيمنتها على الحواضر والمدن الكبرى، وانطلاقاً من ذلك المنعطف بدأ بيرك يشعر بلا جدوى كل محاولاته في التخفيف من شروط التواجه الدموي او في اصلاح مرفق الفلاحة تحت شعار (الجماعة فوق الجرار) فكان طلاقه من الاقامة العامة أمراً لا محيد عنه، اذ اخذ زملاؤه فيها ينعتونه بـ (عار المراقبة المدنية) ولم يزد اعتزاله الا حدة بعد مجزرة سطيف في 1945 حتى اتى صيف 1947 فعرض على بيرك ان يصطحب الحجاج المغاربة، فكانت هذه طريقة الادارة لاقالته وتنحيته...

خمس عشرة سنة اذن قضاها بيرك في الاحتكاك بالميدان وممارسة قضاياه بالمجهر والمعاش، مما هيأه الى اعداد اطروحته حول (سكساوة) بمناسبة ابعاده الى ناحية امنتانوت بالاطلس الكبير كمراقب مدني تابع للمنطقة العسكرية.  وهنا اخذ يتعلم البربرية قصد معرفة البنى الاجتماعية للمنطقة المذكورة، وظل يكرس علاقات الفتور والبرودة مع الاقامة العامة، سواء في عهد جوان او جيوم، الى ان طلب تفرغاً قصد ملء منصب عرضته عليه اليونسكو في سرس الليان بمصر، فغادر المغرب في 1953، اياماً قليلة قبل نفي الملك الراحل محمد الخامس، وفي اقامته الجديدة كخبير لقسم البحوث الفنية والتجريبية التي امتدت الى 1955، لم يكن من حيث الوظيفة يشعر بالنفع والحماس الا انه تمكن من اغتنامها فرصة لتهييء كتابه حول (التاريخ الاجتماعي لقرية مصرية في القرن العشرين).

كما تعرف على وجوه بارزة من المثقفين والسياسيين، وشهد احداثاً تنذر بالمخاض الثوري داخل المجتمع والجيش، ومنها على سبيل المثال تنحية الجنرال محمد نجيب ثم عودته في ظرف اسبوع الى منصبه بفضل تدخل ضباط تقدميين من بينهم جمال عبد الناصر وعلى رأسهم خالد محي الدين... وقد وضع بيرك خلال هذه الاقامة المصرية القصيرة اللبنات الاولى لعمله الضخم الذي سيظهر بعد عشر سنوات (مصر، الامبريالية والثورة) وبعد ان عاد الى باريس في نفس السنة 1955، للدفاع عن اطروحته حول سكساوة، رحل في السنة الموالية الى لبنان ليشرف في بكفيا على معهد العربية الحديثة، ويعمق معرفته المباشرة بالشرق العربي هنا عند المارونيين وهناك عند المسلمين.

واثناء هذه الاقامة اللبنانية اخبر بيرك بانتخابه في –كوليج دوفرانس- استاذاَ لـ- التاريخ الاجتماعي للاسلام المعاصر- ويحكى ان هذا التشريف قد اصابه في البدء بنوع من الهلع، وذلك لانه لم يكن في جعبته العلمية في حالة طراوة واختمار الا هذه المعارف الميكروسوسيولوجية من "مدونات وفقه الانساب ولهجات وهي معارف من قعر المطمورة لا يمكن توصيلها الى الآخرين وقد ينكرها حتى اصحابها المعنيون". فكان على الاستاذ المزاول للعملية التدريسية في تلك المؤسسة العتيدة كما في المدرسة التطبيقية للدراسة العليا، ان يخوض في معمعة العلوم الانسانية والمذاهب الفلسفية التي كانت باريس اذ ذاك مركزاً مشعاً لها  لسمينها،  كما كان عليه ان يحدد مواقفه من قضايا الساعة، خصوصاً بعد استقلال المغرب وتونس، والتي كانت تتصدرها القضيتان الجزائرية والفلسطينية. فعن الاولى كان بيرك يدافع بمقالاته في كبريات الصحف وبمحاضراته عن ضرورة الاعتراف بالجزائر كوطن ذي سيادة وبحق هذه البلاد في ان تندمج مع ذاتها، بدل البحث عن دمجها في فرنسا، كما هو رأي الكثير من الاحزاب والتجمعات الفرنسية. وبيرك لا يدعي السبق الى اتخاذ ذلك الموقف بل يسجل فقط انه كان من رواده الى جانب شخصية حكومية او شخصيات صحفية وفكرية... اما القضية الفلسطينية التي سكت بيرك عنها طويلاً وان كان يفكر بكثير من الروية والشك المنهجي فانها لم تأخذ الصدارة في عمله وتحركاته الا على اثر هزيمة مصر في حزيران 1967 امام الجيش الاسرائيلي، هذه الهزيمة التي كان لها في احساسه فداحة هزيمة احمد عرابي عند التل الكبير على يد الانكليز في 1882. ويعلل بيرك وقوفه الى جانب القضية العربية- الفلسطينية بهذه الكلمات "اني لم ار اي تبرير معقول لعقاب العرب على الجرائم الهتلرية كما لم أرجحه لاقامة حركة توسعية في الازمنة الحاضرة على ذكريات توراتية".

وفي نفس الفصل حول ضرورة الاختيار والتموقف لم يفت بيرك ان يسجل بنوع من المرارة كيف آلت علاقاته الى الفتور مع دولة مغاربية بسبب شجبه لسجن او اغتيال سياسيين معارضين... لكن عزاءه كما يعبر عنه في فضل آخر (تغيير الحياة) هو ان ذاكرته تحتفظ اكثر بمظاهر التكريم والتشريف التي لقيها هنا وهناك في العالم العربي كانتخابه عضواً مراسلاً في المجمع اللغوي المصري وكاستقابله بواسطة محمد حسنين هيكل من طرف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي حاوره واستمع حتى لبعض انتقاداته.

حياة بيرك كما يرويها صاحبها بكثير من الدقة والشاعرية الصادقة مليئة بالافاق المتقاطعة، آفاق حملته كزائر او كمحاضر الى السودان وسوريا والعراق ثم الى ايران حيث شعر في جولاته ان (العربية أكلته) على حساب الفارسية، وحيث ناقش مطولاً آية الله قشاني في قم، فكان اعجابه بما يسمعه ويراه يقوي احساسه الحرمان من التراث الايراني، وفي جامعة قم كرر لآخر مرة ما فعله في مسجد بضاحية كزمين العراقية بترغيب من علي الوردي، الدخول اليها متنكراً بلباس المسلم، فلتقبل دعوته القائلة أصدقائي المسلمين سامحوني" لا سيما وانه يحب اماكن الاسلام الحرام بقدر ما يكره التنكر بما فيه التنكر لاصالته هو وانتمائه الفرنسي.

محطات اخرى كثيرة في افاق بيرك، وفي كل محطة نفس الفضول العلمي والانساني ظل يحدو بيرك مع تفاوت طبعا في الاستئناس والتواطؤ.. وخلال السبعينات بالذات بدأ بيرك منذ بدايتها يبتعد عن الدراسة الميدانية لفائدة التكيف مع السفح الآخر المتمثل في العلوم المنتعشة اذ ذاك من لسانيات وسيميولوجيا ونقد ادبي جديد. ولعل الدافع الى هذا التحول هو ما يسميه بيرك بشكل مبالغ فيه بالاخفاقات المهنية التي لحقت بعض مؤلفاته... التي لم تلق ما تستحقه من انتباه وعناية في الاوساط الصحفية او في الدوائر العلمية ولا يظهر ان بيرك يلقي باللائمة على الاخرين او يكتفي بتذنيب اللوبيات المتصهينة بل يتعدى كل هذا لطرح ملاحظات على الذات، قائلاً:

"من الجائز اني اخطأت اساساً الطريق حين مزجت الايديولوجيا بما كان يلزم ان يبقى بحثاً موسوعياً. لقد كنت ازعج المتخصصين في الشرق من غير ان افرض نفسي على المنظرين".

 

................

* التوثيق

1- Jacques Berque- Mémoires des deux rives, Seuil, Pari, 1989.

2- سالم حميش – مذكرات الضفتين او سيرة جاك بيرك الذاتية- الفكرية طعم الشرق على اللسان الدافئ، مجلة اليوم السابع (باريس)، الاثنين 22/ ك 2/ 1990.

3- سالم حميش – جاك بيرك، باحثاً ومفكراً، نظرة ثانية، بعيدا عن الاستشراق التقليدي، قريبا في الزمن المتحرك، مجلة اليوم السابع (باريس)، الاثنين 18/ حزيران / 1990.

4- مروان حداد، ذكريات الضفتين، مجلة الاسبوع العربي (باريس)، عدد 6/ اذار/ 1990.

 

badr metchu"ستظلُّ أجيالٌ من الأطفالِ ..

تسألُ عن ضفائركِ الطويلهْ ..

وتظلُّ أجيالٌ من العشاقِ

تقرأُ عنكِ .. أيتها المعلِّمةُ الأصيلهْ ...

وسيعرفُ الأعرابُ يومًا ..

أنهم قتلوا الرسولهْ ..

قتلوا الرسولهْ .."

نزار قباني

(بلقيس الراوي)، تلك الفتاة الجميلة، ذات الشعر الذهبي الطويل، والقوام الممشوق، والروح الآسرة... من حي الأعظمية ببغداد. كانت هانئة في عشريناتها حينما ملكتْ قلب "شاعر المرأة" نزار قباني، في إحدى الأمسيات الشعرية في بغداد عام 1962م.

أحبَّها فأحبته، لكن قصة هذين العاشقين جوبهتْ بالرفض أوّل الأمر، لأن نزارا اخترق عُرفا عربيا قديما في رحاب العشق حين تغزّل بعينيْ بلقيس الخضراوين؛ فقبائل العرب لا تزوّج بناتها من أي شاعر تغزّل بإحدى نساء القبيلة، وقد كان التاريخ الشعري الغزلي لنزار أكبر عقبة حالت دون تقبّل أهل بلقيس لزواجه من ابنتهم.

وبعد أن أضحت قصتهما قصة رأي عام، توسطت الدولة العراقية في وفد مكوّن من وجهاء القوم: وزير الشباب الشاعر شفيق الكمالي، ووكيل وزارة الخارجية الشاعر شاذل طاقة، وبأمرٍ من رئيس دولة العراق آنذاك أحمد حسن البكر،  لخطبة بلقيس من أبيها، فوافق والدها بعد ذلك وتزوجا في عام 1969م، واستمر الزواج حتى عام 1981م، وقد أهدت بلقيس الراوي لشاعر المرأة طفلين: زينب وعمر.

وقبل زواج بلقيس بسنة، تقدمت مع زميلاتها في ثانوية الأعظمية، إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الأردن، بطلب تدريبهن على حمل السلاح، وقبولهن مقاتلات في صفوف الثورة الفلسطينية، وقد تم لهن ذلك. وكانت هذه الحادثة سرًّا لم ينكشف إلا بعد موت بلقيس، فقد أخفتْ حقيقة انضمامها إلى صفوف الثورة الفلسطينية من زوجها، حتى سمعها على لسان الراحل ياسر عرفات بعد عودتهما من الجنازة.

وفي 15 ديسمبر 1981م كانت بلقيس الراوي على موعد مع الموت الذي اغتال شبابها وجمالها، كان نزار قباني على موعد مع الصدمة العظمى، نُسفت السفارة العراقية في بيروت، تلك السفارة التي كانت تشتغل فيها بلقيس، ونُسف قلب نزار عندما نزل الخبر عليه كالصاعقة، لم يصدق أنه فقدها للأبد. يقول:

"بلقيسُ.. كيف رَحلتِ صامةً

ولم تضعي يديْكِ.. على يدَيَّا؟"

ويضيف:

"بلقيسُ..

مذبوحونَ حتى العظم..

والأولادُ لا يدرونَ ما يجري..

ولا أدري أنا.. ماذا أقولْ؟

هل تقرعينَ البابَ بعد دقائقٍ؟

هل تخلعينَ المعطفَ الشتويَّ؟

هل تأتينَ باسمةً..

وناضرةً..

ومُشرقةً كأزهارِ الحقولْ؟"

ماتت تحت الأنقاض، فماتت معها القصيدة. يقول نزار في مرثيته الأشهر:

"نامي بحفظِ اللهِ.. أيتها الجميلهْ

فالشعرُ بَعدكِ مستحيلٌ..

والأنوثةُ مستحيلهْ"

بلقيس الراوي كانت قبيلةً من النساء في عينيْ نزار، هي التي جعلته يعود للكتابة بعد توقف مفاجئ دام لثلاث سنوات قبل مجيئها، وهي التي نفثت الروح في كتاباته، كانت بلقيس هي القصيدة، وبعدعا لا شِعر يُقال. يقول:

"البحرُ في بيروتَ..

بعدَ رحيلِ عينيكِ استقالْ..

والشِعرُ.. يسألُ عن قصيدتهِ

التي لم تكتملْ كلماتها..

ولا أحد.. يجيبُ على السؤالْ"

كتب نزار في نخلة العراق الطويلة قصائد رائعة خلدها التاريخ، لكن أشهرها وأجملها وأطولها "قصيدة بلقيس" التي ودّعها بها، وفضح فيها الأنظمة العربية التي تحترف الجريمة، وتغتال القصيدة، يقول:

"سأقولُ في التحقيقِ:

إني قد عَرَفتُ القاتلينْ

وأقولُ:

إن زمانَنَا العربيَّ مختصٌّ بذبحِ الياسمينْ

وبقتلِ كلِّ الأنبياءِ..

وقتلِ كلِّ المُرسلينْ.."

ويضيف متسائلا:

"هل موتُ بلقيسٍ...

هو النصرُ الوحيدُ

بكلِّ تاريخِ العربْ؟؟..."

ويصبح تاريخ العرب وحشا دمويا يكشف عن أنيابه كلما قرأ الشاعر شيئا منه، فيقرر نزار أن يقلع عن قراءة تاريخ أمةٍ تتخلف يوما بعد يوم. يقول:

"لن أقرأ التاريخَ بعدَ اليوم

إنَّ أصابعي اشتعَلتْ

وأثوابي تغطِّيها الدماءْ..

هانحنُ ندخلُ عصرَنا الحجَرِيَّ..

نَرجعُ كلَّ يومٍ، ألفَ عامٍ للوراءْ..."

ويلوم الشاعر نفسه لأنه نقل محبوبته من حي الأعظمية حيث عاشت هانئة، لتستقر معه في بيروت التي عشقتها وقتلتها دون أن تعرف أنها قتلت عشيقتها وأطفأت القمر:

"أتُرى ظلمتُكِ إذْ نَقَلتُكِ

ذاتَ يومٍ.. من ضفافِ الأعظميّهْ

بيروتُ.. تقتُلُ كلَّ يومٍ واحدًا منَّا..

وتبحثُ كلَّ يومٍ عن ضحيَّهْ"

نحتفي بالذكرى الخامسة والثلاثين لمقتل المناضلة العراقية في صفوف الثورة الفلسطينية بلقيس الراوي بكثير من الألم، ونحن لازلنا نشهد مثل هذه الأحداث في العالم العربي، بل ربما أقسى وأعنف. نحتفي بهذه الذكرى الأليمة وكلنا أملٌ في غدٍ دون دمٍ ولا نسفٍ ولا قصفٍ ولا مدفعيّة...

 

بدر متشو

 

abdulhusan shaabanإذا كان أندريه بارو عالم الآثار الفرنسي وأول مدير لمتحف اللوفر، هو القائل: "لكلّ إنسان متحضّر وطنان، وطنه الأم وسورية"، فماذا سيقول عربي وسوراقي، عاش فترة من أجمل أيام حياته في دمشق؟ وهو المنتمي إليها وطناً ولغةً وهويّةً وعشقاً. أظنّه سيقتفي مثلي أثر محمود درويش القائل: دمشق ارتدتني يداك / دمشق ارتديتُ يديك.

كنتُ قد قلتُ في مقابلة لي مع مجلّة تحولات: أن هوّيتي سوراقية مشرقية، فبلاد الرافدين وبلاد الشام تجمعهما هوّية حضارية واحدة. ولكن لماذا أنا سوراقي؟ أجيب: "لأنني لا أستطيع وأنا العراقي إلاّ أن أفكر بطريقة أقرب إلى سورية أو قلْ إلى الشام"، وذلك لشعوري بوحدة الانتماء ووحدة المصير. وكلّما اقتربتُ من دمشق لا أستطيع إلاّ أن أفكّر ببغداد، فهما شقّان يكمّل بعضهما بعضاً. وأحياناً أقع في حيرة من أمري حين لا أستطيع أن أفاضل بينهما، وأقنع نفسي حين أتخيّلهما كما لو أنهما كالذّهب المشعشع في الميزان كفّتان، أو لكأنهما جناحا طير لا يمكنه الطيران إلاّ بهما معاً، فإن غاب أحدهما سقط أرضاً لا محال. والحق أقول بأني أحيا في حالة من التماهي في كيانيتي وعقلي بينما هو سوري وما هو عراقي.

هذه القناعة تولّدت لديّ منذ عقود من الزمان، وأخذت تترسّخ يوماً بعد يوم على نحو تلقائي وعفوي، غير متكلّف أو مُفتعل. ربما لعب مزاجي العروبي دوراً في ذلك، على الرغم من يساريتي وانتمائي "الماركسي"، وقد يكون ذلك "انشقاقاً" مبكّراً بين الثقافي الذي يقبع في داخلي، وبين السياسي الذي انضوينا تحت لوائه.

لكنني لا أكتفي بالمزاج وحده وبالعاطفة بمفردها، وإنْ كان لكلّ إنسان عاطفة، وينبغي أن يوليها اهتماماً ولا يستخفّ بها، لأن العاطفة لصيقة بالإنسان مثل الإحساس والشعور. وقلت وأنا أصف نفسي إنني حسّي، بمعنى أني فيورباخي، باستعارة نظريته في المعرفة التي اعتمد فيها على التجريبية والحسّية، ويستدخل فيورباخ الرغبة أو العاطفة إلى جانب الحسّ، فالرأس مصدر النشاط والقلب مصدر العاطفة. وحسب فيورباخ: فالأذن هي التي توصل إليك أولى الأحاسيس والإشارات، ومنها تنتقل إلى الدماغ، ومنه تتحوّل إلى فعل إرادي بمرورها على القلب أيضاً. هكذا إذن، وضمن هذا التوصيف المجازي فأنا حسّي بامتياز، وأشعر أن إحساسي مجزّءٌ بين العراق وسورية، وبين بغداد والشام، ولم يكن ذلك اعتباطاً، وإنما هو شعور بالمشتركات والمتداخلات والمتفاعلات والمتلاقحات ما بين بلاد الشام وأرض الرافدين، أكانا في جانبيهما العربي أم في جانبيهما الكردي. وكأن لسان حالي يؤكد قول الشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي: "أهوى دمشق هواي / بغداد الحبيبة لو أفيها‏".

(2)

 كنت قد كتبت في وصيّـتي في تسعينات القرن الماضي: إذا داهمني ذلك "الذئب الذي ظل يترصّدني"، مثل قدر غاشم، فانقلوني إلى النجف، وإنْ تعذّر ذلك، فإلى إربيل لعلاقتي الوثيقة مع الشعب الكردي، وإنْ كان ثمّة صعوبات أو موانع في ذلك، فدمشق هي المكان المناسب، وكدتُ أقول القدس، لكنها ما تزال محتلّة من الصهاينة، ولأن القدس شقيقة دمشق، أصل بلاد الشام وروحها وعقلها، فإن العراق وسورية يؤلفان "سوراقيا"، جوهرة العرب، وإذا كان العراق جمجمة العرب، كما أطلق عليه عمر بن الخطاب، فالشام قلبها ومصر جناحيها.

لم أعرف أن والدتي الراحلة نجاة شعبان والتي افتقدتُ رؤيتها لنحو 20 عاماً، ستستطيع أن تلتحق بي، وفي دمشق بالذات، حيث انتظرتْ مثل غيرها من العراقيين الذين كانت وجهتهم الأولى دمشق، ولكنه عندما حان موعد رحيلها، لم تختر غير الشام، وخاطبتني عشية وفاتها قائلةً: "ادفنوني" قرب مقام السيّدة زينب إنْ استطعتم. تلك هي وصيتي الوحيدة... ونزولاً عند رغبتها كان لها ما أرادت، حتى إننا أقمنا الفاتحة على روحها بدمشق في منطقة المزّة، وفي "دار السعادة"!.

لم تكن والدتي تعرف بوصيتي المكتوبة، أنني وضعت الشام في أولوياتي، إلاّ أنه إحساس الأم قلّما يخطىء، لا سيّما إذا كان الأمر يتعلّق بولدها. قلت مع نفسي كيف استطاعت أن تخمّن رغبتي؟ ولم أكن أجرؤ أن أتحدث أمامها، عن ذلك "الجهم" الذي يجلس على صدورنا، وكأنه حرسٌ على أنفاسنا حسب تعبير الجواهري، لكن دهشتي سرعان ما تبدّدت، فكيف لا وهي تعيش في قلبي وتتحسّس ما لديّ كل يوم، بل كل ساعة وكل لحظة، فكيف لا تقرأ عشقي لدمشق عيشاً أو رحيلاً، فالشام هي الملاذ الأوّل وربّما هي الملاذ والمستقر الأخير.

منذ مطلع الستينات كانت الشام قبلتنا. كان والدي مولعاً بها لدرجة الهيمان، فهي أكثر من مدينة بالنسبة له، لأنها بوابة الشرق إلى العالم، وهي التاريخ المزدان بقصص وحكايا وبطولات ومآسي. إنها أبلغُ من صُوَر اللّغة. وعلى الرغم من زيارته لبعض البلدان العربية، ولبراغ وبرلين ووارشو، إلاّ أن عشقه للشام وللقدس ورام الله، ظلّ مثل حبّه الأول يستعيده بمناسبة ودون مناسبة، وكانت والدتي تشعر أن صلاتها أكثر طهرية في مقام السيّدة زينب، وكنتُ قد اصطحبتها مرّتين من لندن إلى دمشق وعدد من الزيارات إلى دمشق من بيروت.

دمشق أو الأرض المسقية حسب معناها القديم، هي أقدم مدينة مسكونة ومتواصلة في التاريخ، وإحدى محطات طريق الحرير، وطريق البحر، وموكب الحج الشامي، والقوافل المتّجهة إلى بلاد فارس، أو آسيا الصغرى، أو مصر، أو الجزيرة العربية. وبقدر ما هي مدينة تجارية، فلها مركز سياسي مرموق تاريخاً، منذ الدولة الأموية، وأقام فيها أو دفن صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وعُرفت بأنها مدينة الياسمين، وجاء في وصف ياقوت الحموي قوله: "ما وصفت الجنّة بشيء، إلاّ وفي دمشق مثله".

ودمشق هي الشأمُ، أو: الشام: سُمّيتْ بذلك لأن أول مَن نزل بها سام بن نوح، فجُعلت السين شيناً لتغير اللّفظ الأعجمي؛ وكان اسم الشام الأول: سُورَى. وقال جماعة من أهل اللغة: (باعتبار) أنه يجوز أن لا يهمز فيقال "الشام"، فيكون جمع شامة، سمّيت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشُبِّهت بالشامات..!

وهذه الشام لا تشعرك بالغربة، فالغريب فيها مثل ابن البلد، ولم يحدث أن أحسست يوماً من أن هناك فارقاً بيني وبين أي شامي، أو أنني أختلف عنه في "الحقوق" الشخصية والاجتماعية. قد ينطبق على وصفنا هذا بيت الشعر العربي: يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا / نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل

لم أشعر بالأمان في أي بلد عربي أكثر من الشام. صحيح أن بغداد كانت آمنة في الستينات، والقاهرة أليفة، لكن حظوظ دمشق، كانت الأوفر والأكثر طمأنينة، لأنها الأكثر تعايشاً.

خلال القرون الغابرة التي مرّت على الشام كان النسيج الوطني السوري وما زال يتشكل من فسيفساء مجتمعية ذات ألوان وأشكال متعدّدة المشارب ومتنوّعة الانتماءات، وقد شكّل المجتمع الشامي أو الدمشقي تعدّدية ثقافية نوعية، دينية وإثنية تفاعلت مع بعضها بعضاً، لدرجة لا تستطيع أن تميّزها، فضمن ذلك الهارموني الموزائيكي هناك أديان وطوائف وإثنيات وأقوام ولغات، بل هناك أحياء تسمى بأسمائها، وقد حافظت جميعها على قدر من الاحترام الضروري في علاقاتها المشتركة، لا سيّما من خلال والتعايش والاختلاط، والمشترك الإنساني، وقد كان التنوّع مصدر غنىً وإثراء بتلاقح الثقافات، ولم يكن في الغالب الأعم مصدر توتّر واحتقان وعنف، إلاّ في ظروف محدّدة ومحدودة.

وإذا كانت "مقبرة الغرباء" في السيدة زينب قد احتضنت رفات عدد من الأصدقاء والأحبّة والمبدعين العراقيين، فلأنهم عاشوا فيها وقرّروا عدم مغادرتها، كالجواهري الكبير، ومصطفى جمال الدين، وغضبان السعد، وعبد اللطيف الراوي، وفاضل الأنصاري، وعلي كريم، وعبد الوهاب البياتي، وهادي العلوي، وسعيد جواد، وحسين مروّة، وغيرهم كثر..

ولأنها دمشق، فهي لا تعبّر عن ذاتها إلاّ بالتنوّع والتعدّدية والتسامح. إنها مدينة جامعة لأكثر من هويّة، وإنْ دافتها بوتقة العروبة، لكن هويّاتها الفرعية حافظت على خصوصياتها مع احترام هويّتها العامة الشاملة. والمدن مثل النّساء، فكما لكل امرأة رائحتها ومذاقها، بوحُها وسرّها، حزنها وفرحها، دمعتها وابتسامتها، سحرها وغموضها، روحها وشكلها، فلكلّ مدينة خصوصيتها وطباعها وطبيعتها، في دمشق تتجاور الكثير من الهويّات، حيث تلتقي فيها الدهشة والجمال والفتنة والإثارة، ومثلما دمشق الغوطة والربوة وسحر الشجر وعبق الحجر وذكاء البشر، وأسماء الكنائس والجوامع، فإن فيها أجمل النساء وأكثرهن عذوبةً ورقةً وصفاءً.

دمشق سرّة الياسمين حسب أدونيس، جمعت بين عظمة الماضي وروعة الحاضر، هي السندس الأخضر واللاّفندر (الخزامى)، هي الفل والياسمين والقرنفل والريحان. وكان نزار قباني على حق حين خاطبها معتذراً لأنه لم يعبّر عن عشقه لها.

آه يا شـــامُ كيفَ أشرحُ ما بـي / وأنــا فـيــكِ دائــمـاً مـَســـكونُ

سامحيني إن لم أكاشِفكِ بالعشقِ/ فأحلى مَا في الهَوى التضمينُ

 في العشق ثمّة رفرفات، رفّة فؤاد ورفّة مودّة ورفّة براءة ورفّة سلام.

من منّا لم يستحضر قصيدة الشاعر أحمد شوقي "دمشق" التي كتبها دعماً للشعب السوري ضدّ الاحتلال الفرنسي، فقد عاشت سورية في الوجدان العربي، ونستذكر منها البيتين اللذين تردّدت أصداءهما في العالم العربي كله.

سلام من صبا بردى أرقُّ / ودمع لا يكفكف يا دمشق

وللحرية الحمراء باب/ بكل يد مضرجةٍ يدق

 (3)

باستعادة سوراقيا يقول الجواهري في قصيدته "دمشق يا جبهة المجد":

شَمَمْتُ تُرْبَكِ لا زُلْفى ولا مَلَقا

وسِرْتُ قَصْدَكِ لا خِبّاً، ولا مَذِقا

وما وَجَدْتُ إلى لُقْياكِ مُنْعَطَفاً

إلاّ إليكِ،ولا أَلْفَيْتُ مُفْتَرَقا

وسِرْتُ قَصْدَكِ لا كالمُشْتَهي بَلَداً

لكنْ كَمَنْ يَتَشَهّى وَجْهَ مَن عَشِقا

قالوا (دِمَشْقُ) و(بَغْدادٌ) فقلتُ هما

فَجْرٌ على الغَدِ مِن أَمْسَيْهِما انْبَثَقا

مَن قالَ أنْ ليسَ مِن معْنىً للفْظَتِها

بلا دِمَشْقَ وبَغدادٍ فقد صَدَقا

يمّم العراقيون وجههم صوب الشام: أحمد الصافي النجفي، الجواهري، مصطفى جمال الدين، عبد الوهاب البياتي، مظفر النواب، سعدي يوسف، يوسف الصايغ، عبد الرزاق عبد الواحد، شاكر السماوي، هادي العلوي، حسن العلوي، يوسف العاني، ناهدة الرمّاح، زينب (فخرية عبد الكريم)، جواد الأسدي، شوقية، حميد البصري، كوكب حمزة، سعدون جابر، وفؤاد سالم، وغيرهم.

مَن مِن العراقيين لم يرتوي من بردى ومن منهم من لم يزر الجامع الأموي وسوق الحميدية أو يحلو له قضاء الأماسي مرتقياً قمة جبل قاسيون؟! أو زائراً في أيام الصيف بلودان أو الزبداني أو نبع عين الفيجة أو عين الخضرة.

وهذا الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي الذي اختار دمشق موطناً استقرّ فيه، فأحبها وتغنّى بجمالها يقول:

أتيت جلّق مجتازاً على عجل / فأعجبتني حتى اخترتها وطنا‏

لا يبرح الحسن يوماً عن مرابعها / كأنما الحسن من قدم بها افتتنا‏

أيقنت أني من أهل الجنان ففي / دمشق أسكن جنات تفيض هنا‏

عجبت ممن أتاها كيف يبرحها / فهل يرى في سواها عن دمشق غنى؟‏

ويقول عنها الشاعر مظفر النواب: "إنها دمشق امرأة بسبعة مستحيلات، وخمسة أسماء وعشرة ألقاب، مثوى ألف ولي ومدرسة عشرين نبي، وفكرة خمسة عشر إله خرافي لحضارات شنقت نفسها على أبوابها، إنها دمشق الأقدم، ملتقى الحلم ونهايته...".

أما الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد فيرتل شكره شعراً لدمشق التي ضمّته إلى صدرها ومحت عنه آلام الفراق والغربة:

شكراً دمشق وهبت العمر أجمعه / حسن الختام وهذا ثوبه الخلق‏

يا أخت بغداد.. مليونان من بلدي/ في طهر أرضك ما ريعوا ولا رهقوا‏

بنصفهم ضاقت الدنيا بأجمعها / وأنت تسمو بك الأرحام والخلق‏

شكراً دمشق ولا والله لا طمع / ولا ادعاء ولا خوف ولا ملق‏

بها تغزّل الشاعر البحتري والشاعر أبو تمام والشاعر أبو نؤاس، ولجمالها الساحر وجمال طبيعتها وناسها تغزل أحمد شوقي وإيليا أبو ماضي وسعيد عقل الذي تمازجت كلمات قصائده مع اللحن الرحباني والصوت الفيروزي، ليؤكدوا بأن دمشق هي تأويل هذا الشرق في اكتمال خطاه:

ظَمِئَ الشرقُ فَيَا شامُ اسْكُبي / واملأي الكأسَ لَهُ حتّى الجَمَامْ

أهلُكِ التاريخُ من فُضْلَتِهِمْ / ذِكْرُهُمْ في عُرْوَةِ الدهْرِ وِسَامْ

أُمَوِيُونَ فإن ضِقْتِ بِهِمْ / أَلْحَقُوا الدنيا بِبُستانِ هِشامْ

أنا لَسْتُ الغَرِدَ الفَرْدَ إذا / قُلْتُ طابَ الجَرْحُ في شَجْوِ الحَمامْ

أنا حَسْبِي أنَّني من جَبَلٍ / هُوَ بين اللهِ والأرض كلامْ

قِمَمٌ كالشمسِ في قِسْمَتِها / تَلِدُ النورَ وتُعْطِيهِ الأنامْ

نعم هي دمشق فيحاء الشرق وحورية المدائن وترنيمة العشق الأزلي ومفخرة التاريخ وفيض الحضارات، كما قال الشاعر سعيد عقل:

"قرأتُ مجدَكِ في قلبي و في الكُتُـبِ         شَـآمُ، ما المجدُ؟ أنتِ المجدُ لم يَغِبِ"

 إنها دمشق تراتيل الأنبياء والقديسيين:

 "شآمُ أرضَ الشّهاماتِ التي اصْطَبَغَتْ         بِعَـنْدَمِيٍّ تَمَتْـهُ الشّـمْسُ مُنسَـكِبِ"

‏فيروز غنّت وطرّبت وأطربت... وفي دمشق كان لصوتها معنى آخر "هنا الترابات من طيب ومن طربِ / وأين في غير شام يطرب الحجر".

نعم هي الشام، الياسمين والفل، هي الشام التي قال عنها الشاعر محمد كرد علي:

الفلُّ يبدأ من دمشق بياضه / وبعطرها تتطيبُ الأطياب‏

والحبّ يبدأ من دمشق فأهلنا / عبدوا الجمال وذوبوه وذابوا‏

فالدهر يبدأ من دمشق وعندها / تبقى اللغات وتحفظ الأنساب‏

ودمشق تعطي للعروبة شكلها / وبأرضها تتشكل الأحقاب‏

(4)

تتعانق العروبة من سوريا عبر الجزيرة إلى العراق حتى بطاح البصرة، هو هذا الهلال الخصيب، بلاد الرافدين وبلاد الشام التاريخية التي نعرفها. ولا تستطيع التحدّث عن سورية من دون التحدّث عن لبنان وعن فلسطين التي هي في قلب سورية. وهو ما يشكّل الهويّة المانعة الجامعة للمنطقة كافّة، وليس لدولها، لأنها امتداد لشعب واحد موحّد لغة وتاريخاً وحضارة وأدياناً، وحين تأتي إلى سوريا والعراق من الشمال لناحية مدينة دياربكر الكردية "التركية"، فستجد أنها أيضاً أرضاً موحّدة فإلى يسارك (المنطقة الكردية العراقية) وإلى يمينك (المنطقة الكردية السورية) وشمالها يوجد الامتداد التركي الكردي وتتصل بالمنطقة الكردية الإيرانية، جغرافياً ومجتمعياً وتاريخاً ولغةً.

ومثلما تعرّضت الهويّة العربية التاريخية إلى تهديدات خطرة في السابق، منذ حروب الفرنجة، وغزو نابليون لمصر وفلسطين وجبل لبنان، والاحتلال البريطاني والفرنسي، فإنها تتعرّض اليوم إلى تهديدات أشد خطورة وبأساً، تستهدف الوجود العربي والهويّة العربية، والدولة الوطنية العربية، لتجزأة المجزّء وتقسيم المقسّم، أي تمزيق الهويّات الوطنية في كل بلد عربي، وجعل الصراع بين الهويّات صراعاً تناحرياً وإلغائياً، بدلاً من حوار وجدل تكاملي بخصوص الحقوق والحريّات ومبادىء المساواة والشراكة والمشاركة.

(5)

في دمشق ازددت عروبة، وأستطيع القول إنني وبعد أن زرت جميع البلدان العربية وتعرّفت على مجتمعاتها وثقافاتها وأحوالها، وارتبطت بصداقات طويلة وعميقة مع العديد من نخبها، أن الشام هي البلد الذي تشعرك بانتمائك العروبي وبهويتك العربية وجمال لغتك العربية أكثر من أي بلد عربي، فكل شيء في الشام ينبض بالعروبة، وأقول مع نزار قباني:

دمشـقُ، يا كنزَ أحلامي ومروحتي / أشكو العروبةَ أم أشكو لكِ العربا؟                 

وفي دمشق عظُمَ اهتمامي باللغة العربية، وزاد شغفي بها وأخذت أشعر أكثر من ذي قبل ما تركت النجف عليّ من تأثيرات آسرة في البلاغة والنّحو وفخامة اللّغة وتنوّع معانيها، فازددت الاستمتاع بها مثلما ارتفعت درجة إحساسي بأهميتها وجمالها لفظاً وشكلاً ومحتوى، فمثلاً يوجد في اللغة العربية عشر مفردات للحب وعشرون لفعل الحب وأربعون لمشتقاته. أما في اللغة الفارسية فهناك ست مفردات فقط، ثلاث منها أصلية وثلاث من أصول عربية هي: العشق والوله والمحبة. أما في اللغة الإنكليزية فهناك مفردة واحدة للحب هي: Love. أما Like فهي تشبه مبدأ الشبيه، في حين أن كلمة Erotic هي للحب والغزل، وهي عروس أروس السامية.

ونلاحظ هنا الثراء في الكم اللغوي للغة العربية قياساً باللغات الأخرى، وبالطبع فإن هذا يعكس تفاوتاً في الكم الوجداني، فالإنسان يعبّر عمّا يمارسه في حياته العملية ويحوّله إلى لغة، ولذلك تجد كثرة مفردات الحب باللغة العربية، وهي دليل الوجدانية كما يقول هادي العلوي.

وفي دمشق ازددت "فلسطنةً"، فعلى الرغم من انتمائي الوجداني لفلسطين وتعلقي من باب الحقوق والعدالة بقضيتها، فقد شعرت بحرّية أكبر وأنا أتناول مواقفنا اليسارية بالنقد، بما فيها نقد الأسس التي بُنيت عليها بعض المواقف ابتداءً من قرار التقسيم وما تبعه من التباسات وارتباكات على مستوى النظرية والممارسة.

ومع أن ماركسيتي "المادية الجدلية"، أصبحت أكثر رحابة لي في التنظير والتّحليل وإعادة القراءة والانفتاح، بالانتقال التدريجي من الإيمانية التبشيرية إلى التساؤلية العقلانية، التي كانت مرحلتها الأولى براغ، فإن الوضعية النقدية كانت قد اغتنت في الشام، إضافة إلى التفسير والتأويل، وهي المرحلة الأكثر عمقاً وشمولاً، حيث شهدت حوارات عربية لقوى وتيارات عروبية ويسارية وماركسية متعدّدة ومتنوّعة ومختلفة، وكان لها الأثر الأكبر في تحرير جزء غير قليل مما تبقّى خارج نطاق النقد عندي، والذي أخضعته للفحص والتدقيق في إطار تعزيز منظومتي المعرفية.

وفي دمشق زاد إحساسي أكثر بالجمال والتّمتع به، فبعد براغ التي فجّرت فيّ الينابيع الأولى، جاءت دمشق لتحفزّني، بل تستفزني للاستمتاع أكثر بالحياة وما تزخر فيه من إبداع وتنوّع، وتدعوني أكثر فأكثر إلى التأمّل والهدوء. وأستطيع القول إنني أخذت أنظر بعمق أكثر إلى الطبيعة وأسرارها ومناخها وفصولها وأشجارها وزهورها وأنهارها وبحارها وجبالها وسهولها، فالشام هي بلد التنوّع، فما لم يكن يلفت انتباهي أو لا أتوقّف عنده، فإذا بي أبدو مندهشاً أمامه لدرجة كبيرة.

دمشق مثل بغداد شذّبتني وساهمت في اعتدالي وزادتني مرونة وتسامحاً، وملت فيها أكثر فأكثر إلى القبول بالآخر واحترام "حق الاختلاف"، وتلك سمة التمدّن، ومعنى ذلك أن دمشق دمْشقتني، مثلما بغداد بغددتني، أي أنهما مدّناني، فالدمشقة والتبغدد معناهما، التمدّن، والتحضّر.

وفي التمدّن، يكون الإقرار بالتنوّع والتعدّدية مسألة بديهية، بحكم التعايش والتجاور والاختلاط، الذي ينمّي روح التسامح وقيم الاعتراف بالآخر وقبول الحق في الاختلاف. وفي دمشق تجتمع أديان وملل ونحل ولغات، فهناك المسلم والمسيحي، والعربي والكردي والتركماني، مثلما يوجد فيها السني والعلوي والدرزي، إضافة إلى الطوائف المسيحية كافة. وفي دمشق تتجاور المساجد والكنائس والحانات، من باب توما إلى باب شرقي وحي الميدان، ومن الجامع الأموي الكبير وجامع الباشورة أو السادات أو مدرسة وجامع النورية أو جامع الشيخ محيي الدين أو مقام السيدة زينب أو مقام السيّدة رقيّة، إلى كنيسة يوحّنا المعمدان ومصلى القديس حنانيا وكاتدرائية القديس أنطونيوس والقديس بولس وكنيسة القديس يوحنا الدمشقي وكنيسة سيدة دمشق والسيدة العذراء وكنيسة الروس والكنيسة الإيطالية ودير الراهبات، وغيرها.

في الشام اغتنت صداقاتي وتنوّعت، وازددت إيماناً بالصداقة، وعرفت فيها صداقات أصيلة، ووفاء منقطع النظير، رجالاً ونساءً. ودائماً ما كنت أكرّر ثروتي في هذا العالم صداقاتي، فمن يريد أن يبحث عن الصديق قبل الطريق – كما يُقال – فسيجده في الشام. لم يترك أحد من العراقيين الشام، حسب علمي إلاّ وبكى عليها حسرة وألماً لفراقها، حتى وإن عانى فيها، وإذا كان هناك استثناء، فهذا من الشواذ عن القاعدة. أتذكر صخرة في الربوة، كُتب عليها: "اذكريني دائماً". وليس نحن الذين نتذكّر (دمشق)، بل نطلب منها هذه المرّة أن تتذكرنا، وتلك رسالة العاشق والمعشوق.!!

في دمشق ازداد شغفي بالفن والأدب، فقرأت عشرات الروايات العالمية والعربية والسورية، وشاهدت أعداداً كبيرة من الأفلام. وكنت في الستينات والسبعينات خلال زياراتي المتكرّرة للشام أحضر كلما صادفني يوم ثلاثاء عروضاً خاصة في سينما الكندي، حيث يفتح باب المناقشة بعدها، لحوار حول الفيلم وأحداثه ودور الممثلين والممثلات والإخراج والرواية، وغيرها من الأمور التي يشترك فيها الجمهور مع أصحاب الاختصاص.

وأتذكّر أنني تخلّفتُ عن المشاركة في مهرجان الشباب والطلاب العالمي في برلين (العام 1973) بسبب ارتباطي بزيارة دمشق ولقاء الأهل والأحبّة، فقد كنت على موعد في اللاذقية ورأس البسيط ومع البحر والشمس والغابات والجمال. لم أترك صيفاً يمرّ إلاّ وكنت أزور الشام، وأحياناً أستغل بعض الشتويات لأزورها وأجد ألف ذريعة وحجة لكي أجهّز نفسي للقاء الحبيبة.

دمشق علمتني حب الصباح، والصباح دليل الأمل، ويمكن القول أنّه دليل العافية وحسب المفكر هنري ديفيد ثورو تقاس صحة الإنسان بحبّ الصباح وحبّ الربيع، فالفجر والإشراق والضوء والنور والندى والهدوء تجتمع كلها مع الأمل، وحتى لو كنت متشائماً بفعل إن كل ما حولنا مدعاةً للتشاؤم، فالأمل لا يجعلني يائساً بقدر ما يمتلك من الاستمرارية والتواصل والإصرار على التغيير. وفي الأمل تشعّ الابتسامة والبهجة والإقبال على الحياة والفرح بالنهار الجديد.

إنّه الصباح الذي يهبط علينا فنسمع أصوات الحساسين مغرّدةً بشدوٍ جميل، وفيه تنبعث روائح الزهور وعطور الياسمين مثل ريعٍ مجاني يستمتع به الجميع في الحدائق الفسيحة، المضلّلة بأشجار السدر الفوّاحة حيث نمضي إلى الحب أو نعود منه وقد تذوقنا زهرة الصبّير والمشمش الحموي أو استطعمنا التين البلدي واللوز الأخضر، إنه الصباح الذي نرى فيه النساء أحلى وأجمل. وإذا كنت أميل إلى الأماسي قبل دمشق وأتأمل القمر وأراقب النجوم، فإن دمشق أخذتني إلى الصباح والإشراق، وهكذا غدوت صباحياً ومتعتي صباحيّة وعشقي صباحي، وأصبحت بفضلها مشّاءً صباحيّاً، تارة في حي التجارة والقصور وأخرى في منطقة المزّة.

 إنها دمشق سرّة الياسمين والوجه الآخر للعشق، وصدق من قال: "وعزّ الشرق أوّله دمشق".

 

diaa nafieانعقد في موسكو للفترة من 9 الى 11 ايلول / سبتمبر 2016 المؤتمر العالمي الرابع لمترجمي الادب الروسي، والذي نظمه ورعاه معهد الترجمة في روسيا الاتحادية، وشارك في اعماله الكثير من مترجمي العالم، ثم أعقبه رأسا للفترة من 12 الى 14 ايلول / سبتمبر لقاء طريف بعنوان – المدرسة الروسية – العربية للمترجمين الشباب، شارك فيه الجانبان الروسي والعربي من الذين ساهموا في المؤتمر الرابع المذكور مع ضيوف جدد من المستشرقين الروس.

لا يمكن بالطبع الحديث عن خلاصة البحوث التي استمعنا اليها من مترجمي العالم في هذا المؤتمر اذ انها واسعة ومتنوعة وتحتاج الى عدة مقالات، ولكني اود التوقف قليلا هنا عند نقطة أثارت انتباهي  - قبل كل شئ - في اعمال هذا المؤتمرالعالمي واللقاء الروسي - العربي الذي اعقبه

وهي قضية الترجمة  الادبية عبر لغات وسيطة . تحدث بعض المشاركين حول هذه النقطة بالذات، وكان مجمل حديثهم بشكل عام ايجابيا بشأنها . أشار الجميع الى ان هذه الظاهرة في الترجمة تعكس الواقع الثقافي الحقيقي السائد في البلد، الذي لا توجد فيه تلك الكوادر الثقافية المتكاملة لتحقيق الترجمة المباشرة (اي عن اللغة الاصلية مباشرة)، وبالتالي فان الترجمة عبر لغة وسيطة تكون البديل الوحيد، لانها تساهم – بشكل او بآخر -  في عملية الاطلاع على الادآب العالمية الاخرى وتوسيع معرفة القارئ بالجوانب الثقافية  والحضارية الموجودة في العالم . وقد سألت أحد الذين تحدثوا في هذا الشأن بالذات عن موقف النقد الادبي عندهم تجاه هذه الظاهرة، فقال ان مستوى الترجمة باللغة القومية هو الذي يحدد الموقف الحاسم تجاهها (اي الموهبة والكفاءة الذاتية لكل مترجم)، وان النقد الادبي اولا وأخيرا  ينطلق من جودة النص الذي يقدمه المترجم، اضافة الى ان هذا النقد يبحث ايضا عن اوليات تلك الترجمات باللغة الوسيطة نفسها ومستوياتها وموضوعيتها ...الخ، اذ ان هذا الجانب مهم ايضا وينعكس على العمل الترجمي نفسه بلا شك، وباختصار فان النقد الادبي يأخذ كل هذه العوامل مجتمعة بنظر الاعتبار عندما يتناول الاعمال الترجمية عبر اللغات الوسيطة .

 لقد ازدادت قناعتي بالترجمة الوسيطة فعلا عند  استماعي الى تلك الآراء حولها من قبل مترجمين عالميين لهم باع كبير وطويل كما يقال في عملية الترجمة الادبية في بلادهم، وتذكرت المواقف (المتشنجة جدا والمحسومة مسبقا وهنا تكمن المأساة !) تجاه الترجمة الوسيطة في العراق، والتي كانت تنطلق من النظرة العامة الساذجة والسائدة نحوها هناك، حيث ( يضيع الاخضر بسعر اليابس !) كما يقول المثل الشعبي الجميل والحكيم، وتذكرت بعض حواراتي ونقاشاتي مع بعض (مسؤولي الترجمة !) في العراق في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وكيف انهم لم يستطيعوا الاجابة حتى عن ابسط الاسئلة التي طرحتها عليهم آنذاك  في هذا الخصوص، مثل – (وكيف باستطاعتنا ان نتعرٌف على الادب الصيني والياباني والهندي والفيتنامي وحتى آداب حضاراتنا القديمة في وادي الرافدين ومصر واليونان وووو..لولا الترجمة الوسيطة تلك، والتي قام بها مترجمون كبار؟)، ولم يتحدثوا طبعا عن حل مقترح لكل هذه الاشكالات ولا عن البديل الواقعي الممكن لذلك .

تحدث بعض المساهمين العرب في هذا المؤتمر حول هذه النقطة ايضا، ولكن حديثهم كان عاما جدا وبدون التعمق والدخول في التفاصيل الدقيقة للموضوع، اذ انهم ذكروا في كلماتهم ومداخلاتهم اسماء المترجمين العرب للادب الروسي مثلا عبر لغات وسيطة، مؤكدين على جانب احادي فيها وهو - عدم الدقة في بعض تلك الترجمات هنا وهناك (مثل كتابة الاسماء مثلا)، دون التوقف المعمق والموضوعي والشامل عند اهمية هذه الظاهرة  وقيمتها في مسيرة الثقافة العربية المعاصرة في فترة معينة من تطورها، وقد شمل ذلك الحديث (وبنفس تلك الروحية غير الموضوعية مع الاسف الشديد) حتى عندما كان الموضوع يدور حول مساهمات عملاق الترجمات الوسيطة في تاريخ الترجمة الى العربية وهو  الدكتور سامي الدروبي (1921- 1976) ودوره في ترجمة الادب الروسي الى العربية عبر اللغة الفرنسية، اذ تمت الاشارة الى بعض الامثلة غير الموفقة عنده من وجهة نظرهم طبعا، وهي امثلة نادرة جدا وسط  تلك الكمية الهائلة والمدهشة من الاعمال الترجمية التي قدمها الدروبي للادب العربي الحديث (يكفي الاشارة الى ان من بينها المؤلفات الكاملة لدستويفسكي!!)، والذي جعله يشغل المكانة الاولى في عالم الترجمة الادبية العربية ولحد الان وبكل جدارة واستحقاق . كم اتمنى ان يعقد المترجمون العرب ندوة خاصة مكرسة لدراسة النتاجات الترجمية التي اعطاها لنا هذا المترجم الكبير، كي يحددوا بموضوعية وعلمية رصينة دور الدروبي في مسيرة حركة الترجمة في عالمنا العربي ويبينوا ما له وما عليه باعتباره ظاهرة كبيرة في تاريخ الترجمة في عصرنا الحديث، اضافة الى ان مثل هذه الندوة تعني من جانب آخر وبلا شك  الاعتراف الرسمي بالترجمة الوسيطة باعتبارها الوسيلة الوحيدة للعرب في الوقت الحاضر لمواصلة الاطلاع على الاداب العالمية والتفاعل الحي معها .

 

jamal alkersanفي مزاد تاريخي بامتياز بيعت احدى لوحاته عام 2012 بمبلغ قياسي وصل الى قرابة 120 مليون دولار، انه ايقونة الفن الاسكندنافي الفنان النرويجي الشهير ادوارد مونك " Edvard Munch" الذي اثارت لوحاته جدلا فنيا في شمال الكرة الارضية.

حينما كنت انقل خطواتي في احد اشهر الاحياء الباريسية وهو الحي اللاتيني تتردد بين الحين والاخر لوحته الشهيرة "شارع لافييت" لصيقة كانت بتلك المدينة كما هو الحال مع روائع البؤساء، احدب نوتردام والعديد من لوحات بيكاسو التي رسمها في باريس.

وحينما هبطت بنا الطائرة لاول مرة في العاصمة النرويجية اوسلو تذكرت قبل ان اتذكر اي نرويجي آخر.. الرائع "ثور هايردال" والفنان "ادوارد مونك"، لكلا الاثنين متحف خاص به في زوايا اوسلو.

الفتى الذي ولد لعائلة نرويجية متدينة حاولت ان تزرع فيه الضوابط الدينية لم ينسجم مع رغباتها، وانساق هائما مع تحولات اجتماعية وفكرية غريبة، غرابة التجربة في حياة مونك لم تكن بعيدة عن جنون الفن ونزعاته اللامفهومة، اللامنطق يبدو منطقيا تماما في سيرة حياة اشهر الفنانين على مستوى العالم.

لكن ذلك الجنون والهوس الفني زرع في مونك بذرة الابداع، لقد تجلى هوسه جملة من الروائع اشهرها لوحة "الصرخة" التي بيعت احدى نسخها الاربع عام 2012 بحوالي 120 مليون دولار وهو رقم غير مسبوق لاعمال فنية من هذا النوع.

يتحدث مونك عن ارهاصات لوحته الاشهر ويذكر انه استوحاها من متغيرات طبيعية مخيفة حصلت له حينما كان يتمشى بمعية اصدقائه في شتاء العام 1892. هول التغيرات المخيفة التي حصلت في السماء زرعت بداخله صرخة من الخوف.. عبّر عنها بتلك اللوحة الملفتة.

يتحدث الكثيرون عن الصرخة لكن لمونك اعمال اخرى لا تقل اهمية وروعة، من بينها اوحة "فتيات على الجسر"، تلك اللوحة تبدو من قلائل الاعمال التي بدى فيها مونك متفائلا بعض الشيء بالمقارنة لعشرات اللوحات الاخرى التي طغت فيها روح الياس والاكتئاب. اللوعة والقلق رافقت مونك في اغلب اعماله، ربما يعود ذلك الى ما مر به من ألم ومرارة في بدايات حياته، اذ توفيت امه مبكرا، لاحقا توفي ابوه ودخلت شقيقته مصحا عقليا، قسوى الايام ربما تكون سببا منطقيا ايضا للتحولات الاجتماعية والفكرية التي مر بها مونك في شبابه.

ولد مونك في 12 كانون الاول عام 1863 وتوفي في 23 كانون الثاني 1944، التقارب بين ذكرى ولادته ووفاته يدفع النرويجيين الى استذكاره على مدار شهرين سنويا، يعتز به ابناء شعبه كثيرا، هناك جائزة سنوية توزع باسمه، العديد من الفعاليات الثقافية والفنية تقام على شرف ذكراه، اكرمته الخطوط النرويجية ايضا بوضع صورته على متن احدى طائراتها كما فعلت مع المتميزين من بقية البلدان الاسكندنافية.

ان لوحات مونك التي تتوزع على اشهر متاحف اوسلو وبقية مدن العالم تمثل عوامل استقطاب استثنائية جدا للسياح ومحبي الفنون، ويكاد يشابه الزحام حول لوحة الصرخة في المتحف الوطني للفنون بأوسلو الزحام الذي يحصل بالقرب من رائعة الموناليزا في متحف اللوفر بباريس.

 

اوسلو- جمال الخرسان

 

 

qassim salihyان تعشق امرأة عشق مجنون ليليلاه..فتلك قضية قلب يتوقف فيها دور العقل عن التدخل، لكن ان تعشق (ثقافة) فيها الأب والأخ وابن العم والعشيرة قد تمنطقوا بما يفني العاشق، في وطن شاعت فيه ثقافة القبح والعنف، وصار فيه المثقف الحقيقي مهددا بكاتم الصوت، ومع ذلك لن تتخلى عن معشوقتك..فتلك حالة استثنائية فيها مس من جنون عراقي،  بطلها..محمد رشيد، الذي ما يزال عاقلا حتى اللحظة!

تتبعت صفحات من حياة هذا العاشق (المجنون العاقل، او العاقل المجنون) فوجدت فيها انه كان منذ طفولته يشعر بوجع وطنه العراق.وأن قدره قد شاء له ان يدله على انبل الطرق وأشدها خطرا..الثقافة، لاسيما في العراق.. اذ لا يوجد وطن في الارض فيه من التنوع الثقافي والمنتج الابداعي والثراء الفكري والسبق التاريخي مثل ما الرقعة المعمورة في العراق. يكفي ان نلمّح باشارت الى ان ارقى الثقافات البشرية ما تزال فيها الان نكهة من ثقافة العراق..البلد الوحيد في زمانه الذي تنوعت فيه الثقافات: السومرية،  الاكدية،  الاشورية،  البابلية.. وصولا الى اعظم مدرستين في تاريخ ثقافة العرب والمسلمين: مدرستا الكوفة والبصرة ..الى يوم كانت فيه بغداد عاصمة الدنيا في الثقافة،  وتأسيس بيت الحكمة (  832 م ) الذي كان اول مكان في العالم يلتقي فيه تيار فكري ينفتح على الثقافة اليونانية ليغني الفكر الانسانية، بتنوعاته الثقافية من الأيمانية  المتطرفة  الى الألحادية.

والمدهش ان (ميسان) التي عاش مجتمعها بجميع طوائفه بتضامن وأخوة ورقي انساني، منذ العهد العثماني، انجبت مبدعين للعراق في مختلف الاختصاصات والفنون:علماء، اطباء، صيادلة، مهندسين، رجال قانون،  قادة عسكريون، رجال شرطة، وزراء،  فنانون تشكيليون، مسرحيون وسينمائيون، صحفيون واعلاميون، ادباء وكتّاب، رياضيون، صاغة مندائيون، وشخصيات اجتماعية وسياسية ودينية. بل ان تأثيرها امتد الى بغداد في العلم والعمارة. ففي عامي 1957-1958 بني اول صرح علمي في العراق..جامعة بغداد، بان قام العالم الفيزيائي..ابن العمارة الدكتور عبد الجبار عبد الله مع زميليه العالم الجغرافي الدكتور محمد الخلف، والعالم في القانون الدكتور علي حسين الخلف بوضع قوانين اول جامعة في العراق.

لا يعنيني هنا ما انتجه محمد رشيد من تنوع في الأدب..فهذا شأن شخصي، ولا يعنيني ايضا تضخّم الأنا لدى بعض كبار المثقفين الذين لا يحبون أن يمتدح غيرهم..بل ما فعل به عشقه للثقافة من انجازات.

فالرجل استلهم من عشقه للثقافة فكرة استمدها من طائر العنقاء الاسطوري..ليمثل العراق  الذي ينهض من كل شدّة نهوض العنقاء،  يولد من رماده من جديد ليحلق في فضاءات ارحب..وقد حققها في عام 2003..بـ(جائزة العنقاء) التي طارت وحطت في (اسيا،  افريقيا، اوربا، استراليا)..فضلا عن مدن عراقية: بغداد، كركوك، سليمانية، ميسان، ذي قار واربيل.

ومع ان البعض كانت لديه ملاحظات على طريقة او معايير منح الجائزة،  فان كثيرين وجدوا فيها انها  اصبحت مرسالا ادبيا ثقافيا يمثل ثقافة العراق في المحافل المختلفة،  وثقافة متنقلة تحمل معها هموم المثقف العراقي المنشغل بالبحث عن مديات تجديد الخطاب الثقافي.

ومن ابتكاراته انه وجد  ان المكرمين من المبدعين من الرجال اكثر من المبدعات من النساء فاختار اليوم العالمي للمراة (8 آذر) لتكريم النساء المبدعات المتميزات، ليخلق به  توازنا في منح جوائز العنقاء بكل اصنافها الـ(12) بين الرجل والمرأة.

وكما يكون العاشق  مفتونا باكتشاف ما هو جميل في تفاصيل حبيبته، فان محمد رشيد كان مبدعا في ابتكار ما هو رائع في الثقافة. فمن ابتكاراته انه أسس في( 2004) اول تجربة في العراق، ورابعها في الوطن العربي هي (برلمان الطفل العراقي) هدف منه الى تطبيق اتفاقية حقوق الطفل الدولية عبر معرفة حقوقهم ونبذهم العنف وزرع قيم التسامح والسلام والمحبة وبناء الانسان العراقي من خلال محاضرات التنمية البشرية. وما كان هذا على مستوى العراق فقط، فلقد شارك مع اربعة اطفال عراقيين في المؤتمر التأسيسي لبرلمان العربي للاطفال عام (2011) ضم (12 )دولة عربية،  واختير ضمن افضل اربعة خبراء ليسجل فيه حضورا للعراق غابت عنه وزارة الثقافة العراقية..وحصل عنها على ( وسام سفير ثقافة وحقوق الطفل) و(جائزة الدفاع عن الطفولة) من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

ليس هذا فقط  فالرجل كان قد اسس (دار القصة العراقية) و(مهرجان الهربان السينمائي الدولي المتجول) و (الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف) و(مؤتمر القمة الثقافي العراقي) و (يوم المثقف العراقي )..هذه الظاهرة التي نحتفل بها اليوم (14 كانون 2016) واراد لها  أن تكون  كرنفالا يكحل عيون المثقفين العراقيين، ويعطّر أنفاسهم برائحة أهوار العمارة.

كانت فكرة الاحتفاء بالمثقف العراقي  قد راودت محمد رشيد منذ زمن طويل. وكان يريد رسم خارطة لمستقبل المثقف العراقي ومناقشة ما جرى له منذ عام 1980 وإيجاد حلول إستراتيجية تهدف الى عادة المكانة المميزة عربيا للمثقف العراقي ليكون عنصرا فاعلا في رسم التشريعات والقرارات التي تخص مستقبل العراق كونه العنصر الأساس لبناء الحياة الذي يتمتع بالمحبة والتسامح والجمال والبناء النفسي والروحي،  وسفير الكلمة الحرة للعراق  وخزينه الاستراتيجي الذي لا ينضب.

 

ولأن انتظاره للدولة ممثلة بوزارة الثقافة قد طال، فانه بادر مع نخبة من المثقفين الى عقد  "مؤتمر القمة الثقافي الأول" في تشرين الثاني(2011 ) بمنتجع جنة عدن بميسان، وها هو يعقده الآن(2016) في نفس المكان والزمان.

يذكر محمد رشيد انه اطلق في حينها استمارة للشراكة الثقافية نشرت في وسائل الأعلام للمساهمة عن هذه الاحتفالية السنوية، غير ان الجهات المعنية بالثقافة لم تشارك..بل ان بعض من تكفل بتغطيتها ماديا لم تف بوعدها. فاحدى الجهات التي أعلنت شراكتها طلبت ان يتم تكريم ثلاثين مثقفا بمبالغ  تصل عشرات الملايين من الدنانير او انسحابها..مما اضطره وزملائه  ان يدفعوا من جيوبهم خمسة ملايين دينار، مع ان المؤتمر الأول كان في زمن الخير برعاية مجلس محافظة ميسان..وعليه ان يغسل يديه الآن من الحكومة بعد ان صارت في زمن التقشف!.

كان الرجل بحجم وزارة في تقديره لدور المثقف.ولأنه كان يرى في حبيبته الثقافة انها هي التي تبني الأنسان، فقد عمد ورفاقه في الهيئة المشرفة الى تكريم رموز الثقافة العراقية..الأحياء منهم والأموات: عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)،   شمران الياسري (أبو كاطع )،  صالح اليوسفي،  دارة توفيق، عبد الجبار عبد الله..وقائمة من أقمار الثقافة العراقية.

وبرغم الخيبات القاتلة التي اصابت الناس والوطن وانين وجع الثقافة ثماني سنوات في حرب مجنونة وثلاث عشرة سنة محاصرة، وست عشرة سنة مخنوقة، فان الأحباط لم يتمكن منه. صحيح انه داهمه هذا العام(2016) واعلن انه سيطلب لجوئا انسانيا، لكنه لم يستسلم لسببين، الأول..انه وجد في محبيه انهم كانوا كثرة ومن النوع الراقي الذي يمنحه حق التباهي  بحبهم له، والثاني سيكولوجي خالص يتمثل بتوقعه لقسوة تأنيب ضمير، وقسوة العاشق ..قاتلة، ان تخلى وخذل من هي الأجمل في العراق..حبيبته  الثقافة، بكل صنوفها..التي خلدت جلجامش، الجاحظ، الجواهري، السياب، مصطفى جمال الدين، جواد سليم، يوسف العاني، جعفر علي، ملا عثمان الموصلي، القبنجي، زهور حسين، داخل حسن، وو..مسعود العمارتلي!.

وكما يقول نزار قباني الذي مشى عشرين عاما بدرب الهوى وما يزال الدرب مجهولا، فان محمد رشيد  قضى العشرين بدرب الثقافة وسيبقى بدرب مشوار عشقه لها خمسين اخرى  فيما تبقى وزارة الثقافة..في الصفحة الأولى!.

 

عضو اتحاد الأدباء والكتاب – حاصل على جائزة التنوير الثقافي لعام 2016

 

اجمل ما هذه الحياة هو التحضر في واقع مرير دعواته تسير نحو المجهول  .

مع بزوغ الصباح في وسط الازدحام المروري تقف الحافلات ومختلف انواع العجلات وهي تكتظ بالناس ... مجاميع تذهب الى العمل، واخرى لقضاء حوائجها في الدوائر الخدمية ..

واصوات المسجلات وراديو الحفلات متنوعه في موقف واحد، ذاك ترتيل القران الكريم، وهذا دعاء ...والبعض موسيقى كلاسيكيه، واخرين غناء .

والاغلب الاعظم في ذلك المجتمع  يتعامل بأسلوب اخلاقي جميل انطلاقا من الكلمة الطيبة صدقة .

ورغم الاستياء الشعبي ضد ساسة العراق، الا ان الشعب يحول خلق اجواء حضارية فيما بينه .

وبشكل تلقائي يحاولون تقديم الخدمات لبعضهم البعض، فتلك امرأه كبيرة السن ينهض الشاب من مقعده في بداية الحافلة لتجلس تلك السيدة وهو يذهب الى مقعد اخر في مؤخرة العجلة .

والسائق لا يتحرك الا بعد ان تجلس هذه المرأة لكي يحافظ على استقرارها اثناء الجلوس .

والصورة الاخرى عندما تصعد السيدة او الفتاة ان كانت موظفة او طالبه او لديها حاجة تروم قضائها في مكان ما، فأنها تلقي السلام على الركاب جميعا،وعندما تريد الجلوس على الكرسي يباشر الشخص المجاور بفتح المقعد ليسهل لها الجلوس في المكان المختار من قبلها .

وبعض الفتيات صغيرات الاعمار تستخدم اسلوب رائع عندما تتنقل لجامعتها او المدرسة ،فاذا لم تجد نساء تجلس بجوارها تختار الجلوس بجوار كبار السن، وهذا التصرف يوحي بأنهن يتجنبن المشاكل او الاحتكاك ببعض ضعفاء النفوس من المراهقين .

وهناك سائق سيارة اجره متوسط العمر اصطدمت مقدمة عجلته باخرى سائقها صغير السن،فنزل الاخير يبرز عضلاته لكنه لم يتلفظ كلمات بذيئة، فكانت كلمته ماذا فعلت يا حاج ؟

رد الحاج .. عمي بخدمتك .. ولا اقول لك من على خطاء ..لكن يكفيك 250 الف دينار للتصليح ؟

قال صغير السن .. عمو انا ليس كبير بخت اغرمك وانت على باب الله .

تصافحا واحدهم يقبل الاخر ..وقلنا لهم بارك الله فيكما وانطلق كل منهم لحاجته ..

وربما هي حالة نادرة او فريدة من نوعها لكن هذا ما رأيناه بأم اعيننا في بغداد منطقة الكاظمية .

واثناء مراجعة دائرة جنسية الكرخ في ساحة النسور وهي للمرة الثانية خلال شهر واحد، رايناها دائرة مثاليه في هذا الوقت العصيب، وفعلا يجوز لنا ان نطلق عليها دائرة نموذجية في انجاز المعاملات، فاذا علموا بالمواطن من محافظة بعيدة اسرعوا اكثر في الانجاز، فلا يتأخر الموطن فيها سوى نصف ساعة واذا كان عدد المراجعين كثير فساعة واحده، فضلا عن رقي الاخلاق الطيبة في التعامل مع الناس .

أما المشاكل المجتمعية في بعض مناطق بغداد، فغلبت عليها الحلول العشائرية دون الرجوع للاجهزة الامنية المختصة، وتكاد ان يتغلب عليها ذلك الطابع في عموم المحافظة حتى تشعر بانك تعيش بين مجتمع عشائري، ونعوز ذلك لعدم سيطرة الاجهزة المختصة على كثرة المشاكل،وبنفس الوقت غياب القانون وسط العاصمة في بعض المناطق .

وربما هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الكثير من الاسر والعوائل تعود لجذورها العشائرية لتختار ممثلا عنها ينوب عن الشيخ العام .

ولكن بعض الممثلين يستغلون هذه الحالة من أجل استنزاف اموال من يتبعونهم، وربما يغيرون الحق فيجعلونه باطل لأجل كسب الاموال .

وهذا يعيدنا الى الصور الاولى التي ذكرناها في مقدمة المقال حيث تتجنب الناس المشاكل بأسلوب التعامل الاخلاقي فيما بينهم ..فهذا هو التحضر بعينه خلق جو هادئ وقطع الطريق على كل انتهازي يحاول التلاعب بقوت الناس .

 

الليدي هستر ليسي ستانهوب Lady Hester Lucy Stanhope، كونتسة انكليزية، من ذوات الحسب والنسب، اكثر امرأة عرفها التاريخ الحديث شذوذاً على كثرة ما انجبت الطبقة الاستقراطية البريطانية من شاذات وشاذين في القرن التاسع عشر. و الليدي ستانهوب هي من هذه الطبقة في الذروة، فهي الأبنة الكبرى لايرل ستانهوب Earl Stanhope وحفيدة الكونت جاثامChatham، وأبنة اخت السياسي البريطاني المعروف وليم بت William Pitt، الذي تولى منصب رئاسة الوزارة البريطانية للفترة 1783- 1801.

ولدت الليدي ستانهوب في قصور العز والترف في لندن في 12/ اذار/ 1776م، في منطقة كنت Kent، في انكلترا. وكانت الابنة الثالثة للكونت ستانهوب المدعو ايرل (شارل) السياسي وهاوي العلوم المتأثر بالافكار الثورية الفرنسية، والمعارض في مجلس اللوردات والمخترع في حقل العلوم، بحيث كان له اختراع لعدسات الميكروسكوب، يحمل اسمه، واختراع آخر في باب الالات الحساسة واختراعات اخرى.

وكانت القربى تربط  الليدي ستانهوب بوليم بت رئيس وزراء انكلترا المناهض الاكبر للثورة الفرنسية ولنابليون. فوالدها ايرل (شارل) هو حفيد جيمس James، اول كونت  من عائلة ستانهوب المتزوج من عائلة بت اخت روبير بت والد الكونت جاثام. ثم تزوج ايرل (شارل) من هستير بت بنت الكونت جاثام واخت وليم بت، واثمر هذا الزواج ثلاث بنات منهن الليدي هستير.

لم تكن طفولة الليدي ستانهوب سعيدة بسبب موت والدتها الشابة، وكان لها من العمر اربع سنوات ، وسبب زواج والدها مرة ثانية، وبسبب الصعوبات المالية التي اعترضت العائلة، والاهمال في تربيتها، نظراً للمشاكل التي كانت قائمة بين الاب وزوجته الثانية.

عاشت الليدي ستانهوب حتى سن الرابعة والعشرين في منزلها الابوي تهتم بتربية اخوتها من والدها. وفي عام 1800، قررت ترك المنزل والعيش الى جانب جدتها والدة وليم بت، فكانت فرصة لها للالتقاء مرات عدة بخالها وليم، والى جانب جدتها بدأت حياتها المدنية الاجتماعية، فأقامت علاقات عاطفية صاخبة كادت توسخ سمعتها. وسافرت الى فرنسا وايطاليا برفقة مجموعة من الاصدقاء.. وبموت جدتها لجأت الى خالها فعاشت معه تدير منزله بعدما كثرت مشاغله بارتقائه الى رئاسة الوزارة للمرة الاولى في 1783- 1801.

وفي عام 1804، كانت اقامتها موزعة ما بين لندن والماركاسل Walmer Castle (مقر رئاسة الوزراء البريطانية)، وقد سمح لها دخول خالها الى داوننغ ستريت، التعرف الى شخصيات انكلترا الكبيرة، وكان من بينها اللورد غرانفيل الذي سقطت اسيرة حبه.

ولم يعمر خالها كثيراً، اذ توفي في ايار/ 1806، وله من العمر 47 سنة، بسبب كثرة مشاغله، واضحت الليدي ستانهوب وحيدة وليس باستطاعتها العودة الى حياتها العائلية، فلجأت الى صديقها السير جون مور Moore، ولكن هذا الاخير قتل مع اخته في اسبانيا في 1808.

مرة اخرى، عادت الليدي  ستانهوب الى العزلة، فلم تعد لندن تعني شيئاً لها فانسحبت الى بلاد الويلز، حيث التقاها اخوها من ابيها الذي اقنعها ترك انكلترا والسفر الى بلاد الغربة، فاقتنعت واشترطت على اخيها تأمين طبيب مرافق لها، فكان لها ذلك مع الطبيب شارل مريون Meryon، رفيق طريقها وناشر مذكراتها.

عرفت الليدي ستانهوب في هذه الفترة من حياتها الباكرة وسط لندن الارستقراطي، بحيويتها الدافعة وجمالها ونزواتها. وعندما استقرت في مقر رئاسة الوزارة البريطانية مقر خالها رئيس الوزراء الذي لم يكن متزوجاً لتكون مشرفة عليه، ملأت البيت الهادئ الكئيب بالبهجة والمرح والحفلات التي لا تنقطع، ونسي رئيس الوزراء الحزين بقربها حزنه، وقد كافأتها الدولة على هذا، بأن خصصت لها بعد وفاته مرتبا سنوياً قدره (1200) جنيه استرليني، يدفع لها مدى الحياة.

لكنها سئمت الحياة في بريطانيا بعد موت خالها في عام 1810، وقيل انها اصيبت بخيبة في الحب، فآثرت السفر الى الشرق العربي. ففي 10/ شباط/ 1810، ابحرت الليدي ستانهوب على متن السفينة Jason، وبرفقتها اخوها جايمس والدكتور مريون والسيدة اليزابيث وليمس. وفي 9/ اذار وصلت المجموعة الى جبل طارق ومكثت حتى 9/ نيسان، ثم افترق عنهم جايمس للحاق بفرقته العسكرية في قادس Cadix، فابحرت الليدي ستانهوب الى الى مالطا ووصلتها في 21/ نيسان، وتعرفت الى ميشال بروس الذي اقنعها بالسفر الى المشرق العربي. وكان وراء هذا الاقناع علاقة عاطفية ربطت الليدي ستانهوب بميشال عند اقامتها في مالطا. ومن هناك سافرت الى القسطنطينية برفقة ميشال والدكتور مريون والسيدة فراي، وبقت اليزابيث وليمس في الجزيرة عند اختها.

وقد مرت المجموعة على بلاد اليونان ومكثت في اثينا حتى 4/ ت1، ووصلت استانبول في أخر الشهر، واستقرت الليدي ستانهوب ومرافقيها في Péra، ثم في  the rapia

كان ميشال بروس صديق  الليدي ستانهوب من عائلة بارونات ستنهوس  وهو في سفرة خارج انكلترا، كان يتدرب على لعب دور ما في السياسة البريطانية، لذلك كان مهتماً بالذهاب الى استانبول للتعرف على موقفها السياسي من الصراع البريطاني- الفرنسي بسبب احلام نابليون بونابرت. وعندما التقى ميشال بروس بالليدي ستانهوب، وجد انها خبيرة بالسياسة البريطانية فهي بنت اخت وليم بت الكبير وحفيدة عائلة ارستقراطية عريقة، فأعجب ميشال بروس بها  ورغب بالاستفادة من معرفتها نظراً لمعاشرتها لكبار رجال السياسة.

الفرصة كانت مواتية لميشال بروس لصقل معلوماته عبر شخص مجرب وجرئ كالليدي ستانهوب، وبعد وصولهم الى استانبول واستقرارهم في منزل في Thérapia، ترك بروس حبيبته وذهب في رحلة الى آسيا الصغرى، فاستفادت الليدي ستانهوب من الفرصة لجمع المعلومات التي دونتها في رسائل تصف الاوضاع في السلطنة.

وبواسطة القبطان باشا، قائد البحرية العثمانية، حصلت على دعوة لزيارة ام السلطان والدة محمود الثاني، وهي فرنسية من المارتينيك، تدعى ايميه دو ريفيري Aimee de Rivery، ابنة عم ورفيقة جوزفين، الامبراطورة الفرنسية، زوجة نابليون بونابرت. وكانت هذه المرأة قد وقعت اسيرة بيد القراصنة الجزائريين، فبيعت كعبدة، ثم وهبت الى السلطان واحبها واغرم بها كثيراً السلطان سليم الثالث الذي حاول القيام بالاصلاح في السلطنة، ثم قتله الانكشارية، وكان محمود الثاني قد ربي على يدها واحبها. وقد نشرت قصتها باللغة الفرنسية في كتاب مشوق صدر بعنوان (ليلة السرايا La Nuit du Serail).

وتقول عنها الليدي ستانهوب، انها امرأة كثيرة الذكاء، والقبطان باشا اكثر الاتراك اناقة، يرغب بالزواج منها، ولكن احدى نسائه الاخريات تحول دون  اتمام ذلك.

وتعرفت الليدي ستانهوب الى المجتمع التركي ورأت نماذج من العدالة التركية، وعاشرت نساء المجتمع ففهمت نفسياتهن وخالطت النصارى، ولم تكن راضية عن اليونانيين والارمن، ودرست اوضاع السياسة في استانبول، فرأت ان محمود الثاني الى جانب الانكليز، ووجدت ان ممثلي فرنسا افضل من ممثلي انكلترا في السلطنة.

وعند عودة ميشال بروس الى استانبول، ذهبت معه الى بروسه ومنها الى ببك Bebek، ثم زارت انقرة.

وكان القبطان باشا سنداً لليدي ستانهوب في زياراتها، وكانت غالباً تلبس لبس الرجال لاخفاء جنسها، وكثيراً ما كان ينتهز الفرصة لدعوتها الى الحفلات، واقامت الليدي ستانهوب علاقات حسنة مع ممثل فرنسا في القسطنطينية مما اثار لغطاً سياسياً.

ويبدو ان علاقات القبطان باشا بالانسة الانكليزية وصلت بالقائد العثماني الى حد التعلق بها وطلب الزواج منها.

في تشرين الاول/ 1811، توجهت الليدي ستانهوب وبرفقتها ميشال بروس والطبيب وشخص يدعى هنري بيرس والسيدة فراي، وسبعة خدام يونان الى الاسكندرية على متن مركب يوناني، فوصلوا رودس ومكثوا فيها حتى كانون الثاني 1812، بسبب تعرضهم للغرق وبسبب فقدان مبالغ مهمة من اموالهم.

وفي كانون الثاني 1812، ابحرت المجموعة على متن سفينة انكليزية الى بولاق والتقت بمحمد علي باشا، الذي استقبلها بقصر القلعة- هذه الفتاة الانكليزية الفارعة الطول، الزرقاء العينين- وقد دخلت عليه بلباس نبيل تركي، ولمّا تكن ارض القصر قد جفت عليها دماء، من سفك المماليك. وقد أحسن محمد علي استقبالها لانها ابنة اخت وليم بت وحفيدة لورد تشاتم، ثم زاد في اكرامها لاعجابه بشخصيتها حتى انه اقام عرضاً عسكرياً خاصاً لتشهده، وفي هذا الحفل قدمت هي نفسها عرضاً دل على براعتها في ركوب الخيل، وبلغ من اعجاب محمد علي بها، ان اهداها حصانين من خيوله الاصيلة، وقدم لها ايضاً مملوكين فرنسيين لحمايتها وفريقها في زيارتها لسوريا.

ومن القاهرة كتبت الى احد اصدقائها تقول: "لقد كان محمد علي حفياً بيّ، ولم يكن يستقبلني الا واقفاً، وقد سمح لي ان ازوره متى اردت، ولم يرفض لي طلباً طيلة اقامتي في ضيافته حتى انه سمح لي ان ازور ارامل المماليك الذين قتلهم عندما طلبت منه ذلك".

وبعد شهر من اقامتها في القاهرة غادرت هي وحاشيتها الى دمياط، ومن هناك استأجروا قارباً نقلهم الى يافا. وفي يافا كان في استقبالها حاكم المدينة والمعتمد البريطاني، وبعد استراحة قصيرة غادرت الى القدس عن طريق رام الله على رأس قافلة من احد عشر جملاً محملة بالامتعة وسبعة من الخدم ومملوكين وعدد من الجنود لمرافقتها وحراستها.

وفي الطريق الى القدس قابلت الشيخ ابو غوش، الذي احتفى بها وبالغ في الاحتفاء عندما عرف انها قريبة سير سدني سميث، الذي كانت له معه مراسلات عندما كان يحاصر عكا، وانتصر فيها على قوة نابليون، وهنا عادت الذاكرة بالليدي ستانهوب الى تلك الايام، يوم ان كانت ترتاد بصحبة قريبها سدني سميث، حفلات الطبقة الراقية في لندن، وكان وقتها اميرال في البحرية. وامعاناً في الاكرام أصر الشيخ ابو غوش، على ان يرافقها مع عدد من عشيرته الى القدس.

وفي القدس قابلت الليدي ستانهوب اسماعيل بك المملوك الذي استطاع ان يقفز بحصانه من فوق اسوار القلعة، فكان الوحيد الذي نجا من المصير الذي حل برفاقه على يد محمد علي، ومن اجله كتبت الى صديقها السفير البريطاني في استانبول ترجوه ان يتوسط لدى السلطان من اجله.

وعادت الليدي ستانهوب الى يافا ومنها سافرت الى عكا ثم الى الناصرة. وهنا في الناصرة فوجئت يوماً بدخول شاب غربي السمات عربي الملبس قدم نفسه اليها على انه الشيخ ابراهيم وأخذ يحادثها بانكليزية سليمة ولم يكن هذا الشاب سوى الرحالة الكبير بيركهارت، مكتشف البتراء وآثار ابي سمبل.

وعادت الليدي ستانهوب الى عكا ومنها الى صور فصيدا. وفي صيدا وجدت رسالة من الامير بشير الشهابي تدعوها لزيارته في بيت الدين.

وفي 29/ تموز، كانت الليدي ستانهوب على رأس قافلتها المكونة من اثنين وعشرين رجلاً وخمسة وعشرين بغلاً وثمانية خيول، تغادر صيدا في طريقها الى دير القمر حيث بيت الدين قصر الامير بشير الشهابي. وهناك اقامة في ضيافته شهراً، وكان الامير في الخمسين من العمر، فارع الطول، كث اللحية انيقاً.

وبعد ان جابت ارجاء لبنان واتصلت برجالاته، قررت السفر الى دمشق ومنها بدأت اتصالاتها ببدو الصحراء، وعقدت معهم صداقات، وكان المال يسيل من بين اصابعها كالماء..

وفي طريقها الى بلاد الشام، كان برفقتها صديقها ميشال بروس والطبيب،  وبرفقتهم اللورد نورث  والمملوكين والسيد  كومب من تولوز و روزينيانا من نيس. فزارت الليدي ستانهوب ومجموعتها الرملة والقدس وبيت لحم والناصرة وجبل الكرمل وحيفا وعكا. وكانت الليدي ستانهوب تلبس لباس الرجال الاتراك. وكان الوصول الى عكا في 10/ حزيران، فزارت الوالي سليمان باشا بلباس المماليك وقد احسن هو ووزيره حاييم استقبالها، وقدم لها هدايا جميلة وقيمة.

ومن عكا تابعت الليدي ستانهوب طريقها الى صيدا فوصلتها في 15/ تموز وكان انتقالها من مدينة الى اخرى مثاراً لفضول القناصل الفرنسيين الذين كانوا يمطرون وزارة خارجيتهم بالتقارير عن تحركاتها المثيرة للريبة خاصة لجهة استئناسها بالقناصل الفرنسيين. فالرأي السائد في اوساط الفرنسيين، ان هذه السيدة الانكليزية الكبيرة كانت تتحرك بالتنسيق مع حكومتها. ولذلك كانت ترغب بمصادقة قناصل فرنسا لاستنطاقهم. واكثر ما آثار دهشتهم كثرة استقبال حاييم اليهودي لها واقامته احتفال على شرفها.

وفي صيدا استقبلت لدى الفرنسيين بحفاوة برغم ان التقارير عنها من موظفي القنصلية كانت متناقضة بحقها وبحق من استقبلها.

في 3/ اب، سارت الليدي ستانهوب الى دير القمر بدعوة كما اسلفنا من الامير بشير الشهابي الذي وضع بتصرفها 12 جملاً و 25 بغلاً واربعة احصنة وستة حراس من دون ذكر الساسة ( جمع سائس )، وفي دير القمر استقبلت الليدي ستانهوب في احد القصور الفخمة.

وعند وصولها الى دير القمر، ارسل الامير احد الاباء الموارنة للاحتفاء بها وتأخر استقبال الامير لها من الثلاثاء الى السبت، ونهار الاثنين زارت قصر بتدين. ومكثت الليدي ستانهوب في دير القمر حتى 27/ آب، وامضت يومين في ضيافة الشيخ بشير جنبلاط، في المختارة، وخرجت من اقامته بانطباع جيد عن الجبل.

وفي دير القمر تقرر منهاج الرحلة الى سوريا. فالليدي ستانهوب كانت ترغب في ان تكون اول امرأة اوروبية تجتاز الصحراء وتصل الى آثار الملكة زنوبيا. فكان صديقها ميشال بروس يرغب في الذهاب الى حلب، فتقرر ان يذهب هو الى حلب وهي الى دمشق.

وفي 22/ آب سار ميشال بروس في طريقه ثم كان دور الليدي ستانهوب في 27/ آب، وكان عليها السير اربعة ايام لاجتياز جبل لبنان والسلسلة الشرقية ووصلت دمشق في 31/ آب، ودخلتها في اول ايلول على رأس من الخيالة، فاستراحت قليلاً في الحي المسيحي، ثم استقرت في الحي الاسلامي قرب السوق الكبير. وكان الطبيب المرافق والمترجم براتران، قد هيأوا لها الاتصالات الاولى مع السلطات المدنية ومع اوساط المجتمع. وخلال ايام تمكنت الليدي ستانهوب من الحصول على ثقة الناس بذكائها ومعرفتها التخاطب مع الناس. والحدث الاهم كان زيارتها للوالي سليمان باشا الذي اوجدته قصير القامة، متكبراً وجامداً. وقد رأت ان خدمة هذا الشاب كانت تقضي الف رجل. وزارت القصر وكانت تقود حصانتها وهي لابسة ثياب الرجال. كانت مسرورة في اقامتها في دمشق، فالناس تحييها كملكة، ومسكنها يثير كبريائها والاحتفالات على شرفها تزيدها علوا. وقد آثار فضولها جمال قصر المعظم، وقد رأت ان قصور انكلترا ليست سوى اكواخاً بالمقارنة معه.

وفي دمشق رأت الليدي ستانهوب ثورة الفرسان الدليباش، وعاشت هموم المدينة وهواجس المعارك وثورة الناس والتهديد باجتياح دمشق. كما استغلت فرصة زيارة الشيخ مهنا زعيم قبيلة عنيزة للتعرف اليه. وكان طموحها ان تعرف العرب لا في المدينة بل في الصحراء. ولذلك ذهبت مع الشيخ مهنا الى الصحراء اسبوعاً، وسارت مع عربه ثلاثة ايام وعوملت بكل احترام.

وفي تشرين الثاني عاد الصديق ميشال بروس، من حلب الى دمشق بعدما عجز عن اقناع الليدي ستانهوب بموافاته الى تدمر لانها كانت ترغب بالذهاب اليها بمفردها كزعيمة وحيدة لا يشاطرها اي اوروبي الشعور بالزعامة ولا يقلل من اهمية موكبها.

ومن دمشق سارت الليدي ستانهوب الى حماه في كانون الاول/ 1812، ومنها الى تدمر حيث مكثت من 14 الى 21 كانون الثاني، ثم عادت الى حماه. وكان الشتاء قاسياً من كثرة الثلج والمطر.

ومرضت  مرافقتها السيدة فراي، بداء الرئة. وبرغم كل هذه الصعوبات كانت عزيمة الليدي ستانهوب لا تفتر وهي تهيء لرحلة تدمر طيلة ستة اسابيع، وكان بانتظار سير موكبها 40 جملاً و 70 بدوياً للحماية. وكانت اقامتها في تدمر قصيرة، وكانت مسرورة بان تذيع وتشيع انها ملكة تدمر.  ولا سيما بعد ان استقبلها الاعراب هناك كأنها فعلاً ملكة تدمر. وكانت هي تسرف في العطاء وفي احاطة نفسها بمظاهر الابهة والبذخ كأنها تريد ان تعيد الى الاذهان اسم زنوبيا ملكة تدمر.

اثناء تواجدها في سوريا، قابلت كثيرين من الفرنسيين من عيون نابليون، واتصلت بأبرزهم واخطرهم شأناً وهو الفرنسي سكاريس واستمالته ليعمل جاسوساً للانكليز على الفرنسيين وأجرت له مرتباً شهرياً ولكنها اكتشفت بعد سنوات طويلة، انه كان يخدعها وانه كان في الواقع يعمل من اجل مصالح فرنسا في الوقت الذي كان يتقاضى فيه راتباً من الانكليز.

ابدت الليدي ستانهوب اثناء رحلتها الى تدمر كثيراً من ضروب الشجاعة واتصلت بشيوخ القبائل في بادية الشام ولم تبخل عليهم بالمال، فكانت بعملها هذا اول امرأة اوروبية وطئت قدماها ارض مدينة زنوبيا التاريخية.

وبعد ان عادت من رحلتها وجدت ان الطاعون قد انتشر في المنطقة الساحلية الممتدة حتى عكا الى جنوب اللاذقية فتوجهت الى اللاذقية وقضت الصيف هناك. وهنا حدث لها حادثان كان لهما ابلغ الأثر في حياتها. اولهما عودة حبيبها ميشال بروس الذي كان مرافقاً لها منذ خروجها من بريطانيا الى بلاده. وثانيهما امتداد الطاعون الى اللاذقية واصابتها به، وعندما شفيت منه بعد ان كاد يؤدي بها، كان قد ترك آثاره في عقلها وفي جسدها، اذ بعد شفيت من مرضها اخذت تصدر عنها تصرفات فيها شذوذ تدل على ان قواها العقلية لم تعد طبيعية، كما ان رئتيها ضعفتا فكانت بين حين وآخر تنتابها فترات من السعال الشديد. ولكن هذه التصرفات الدالة على الجنون لم تكن في رأي بعض من كتبوا عنها سوى ستار لجأت اليه لتخفي حقيقتها، والارجح ان هذا هو الرأي الأقرب الى الواقع.

وفي اللاذقية قررت الليدي ستانهوب، ان هذه البلاد هي التي تحب ان تقضي حياتها فيها واخذت تفكر في شراء بيت يكون سكناً لها فحط بها خيالها عند بيت اعجبها اثناء تجوالها في مار الياس على سفح الجبل المطل على البحر المتوسط في لبنان، وهكذا كان ولكنها بعملها هذا اثارت شكوك الامير بشير الشهابي الحاكم الذكي ولكنه لم يستطع عمل شيء، والسفير الانكليزي في استانبول يحميها.

كان المنزل الذي شيدته لنفسها قصراً يشبه القلعة فوق تل صغير على بعد ثمانية اميال من صيدا، واتخذت زي النساء المحلي، فلبست عمامة ومداساً برأس منعكف وصارت تدخن النارجيلية وتحمل السوط والخنجر وشرعت تتعلم اللغة العربية واولعت بعلم النجوم وعلم الكيمياء القديم واحاطت نفسها بحرس من الالبانيين وحاشية من الزنوج، وفرضت عليهم ان يسلكوا معها سلوك يتوافق وقواعد التشريفات الملكية.

الواقع، انها استطاعت ان تكون ذات نفوذ وسلطة كبيرة جداً بين سكان المناطق المجاورة ولا سيما الدروز منهم فكانوا يحترمونها ويطيعون امرها الى درجة تبعث على الدهشة.

ومن بيتها في مار الياس حيث كانت تعيش كملكة غير متوجة استطاعت ان تثير اهتمام السلطان نفسه اذا ارسلت اليه رسالة تقول فيها انها وقعت في رحلاتها على مخطوطة ثمينة اشترتها بمبلغ كبير، وفي هذه المخطوطة وصف لكنز عامر بالذهب والاحجار الكريمة في مدينة عسقلان. وصدق السلطان هذه الدعوى وارسل احد كبار رجال الدولة من استانبول الى مار الياس ليذهب بصحبتها ويضع تحت تصرفها كل ما يلزم للبحث عن الكنز.

وهكذا سارت الليدي ستانهوب محاطة بكل مظاهر الاجلال تطوف في فلسطين تنفق من مال السلطان وتتمتع بحمايته الى ان وصلت الى عسقلان صيف 1815م، وبدأت الحفريات التي امتدت الى اسبوعين وجمع للعمل فيها مائة وخمسون من الفلاحين يعملون بالسخرة. ولما يئس الجميع من العثور على الكنز امرت الليدي ستانهوب بالتوقف واسترضت كل من كان في الركب، ابتداء من ممثل السلطان الى اقلهم شأناً بالمنح السخية التي كانت متفاوتة تفاوتهم في المناصب. اما السلطان في استانبول فلم يأس على شيء لانه لم يخسر شيئاً، اذ ان التكاليف كلها كان يقوم بها ولاة الولايات.

ومن غريب الامور واثناء توقف الليدي ستانهوب في حيفا، حدث حادث غريب، فقد دخل عليها خيمتها انسان رث الثياب يدعي الغيب، وقدم نفسه، لها بأنه كان احد ضباط سير سدني سميث، ولكنه تخلف عن الاسطول وانقطع لدراسة النجوم وقراءة المستقبل في جبل الكرمل.

وتدليلاً على قراءة النجوم، اخبرها انه في الساعة التي يقف فيها امامها هرب نابليون من جزيرة ألبا. وتقول الرواية بعد ان وصلت اخبار هروب نابليون من ألبا، كان يوم هربه موافقاً لما قال. وقد رافق هذا الضابط الليدي ستانهوب في عودتها الى بيتها في مار الياس وبقي مقيماً فيه الى يوم وفاتها.

كما عرفت الليدي ستانهوب شخصاً يدعي الغيب هو ريتشارد براذرز الذي كان ينادي بأن الملك جورج، سيموت وستنتهي معه الملكية، فاقتيد الى مصح المجانين زمن رئيس الوزراء وليم بيت، وعند القاء القبض عليه طلب رؤية الليدي ستانهوب ابنة اخت وليم بيت، واعلمها بنبوءته التي تقول بأنها ستذهب الى اورشليم، وعند وصولها الى الارض المقدسة ستحدث تغييرات كبيرة في العالم وستمضي سبع سنوات في الصحراء وستتوج ملكة الشرق.

القارئ لمثل هذه القصص يدهش للطرق التي كانت تلجأ اليها الدول الاوروبية الكبرى، لكي تملأ بلادنا بعيونها، بحيث لا يثيرون ريبة السلطات الحاكمة.

ولكن هل كانت الليدي ستانهوب مصدقة لهذه الرواية بجدية؟ وهل يكون طبيب الليدي ستانهوب مرافقها وحفيد صديقها قد لفقوا الرواية لاعطاء قصتها تشويقاً؟!

سواء أكانت بوحي الحلم او الواقع فقد سار موكب الليدي ستانهوب الى خرائب تدمر. ولما كان أمير العرب مهنا مريضاً فقد ارسل ابنيه ناصر وحمد لمرافقة الموكب. وفي 20/ اذار، سار موكب الليدي ستانهوب المؤلف من صديقها ميشال بروس ومن الطبيب ومن ترجمان عربي وترجمان آخر ومملوك وطباخين اثنين ومن قهواتي، والسيدة فراي، وخدم متنوعين بحيث وصل العدد الى (15) مرافقاً ومعهم اربعون جملاً محملة ماء وعلفاً للاحصنة وخيماً وحقائب وطحيناً وخبز وتبغاً.. ومكثت الليدي ستانهوب في تدمر من 20/ اذار الى 13/ نيسان/ 1813، اجتازت فيها 300 كم ذهاباً واياباً.

وبعد مسيرة ثلاثة ايام، وصل الموكب الى خيام مهنا، زعيم البدو، وكانت خيامه ضاربة قرب بئر فا ستراحت الليدي ستانهوب يوماً واستقبلت الناس خاصة زعماء القبيلة، وأضيف الى الحامية المرافقة حراس آخرون من الخيالة والمشاة وخادم اسود يحرس خيمة الاميرة الانكليزية. كانت المنظمة قليلة الأمان بسبب صراع قبيلة عنيزة مع غيرها من القبائل. وعند اقترابها من تدمر خف لاستقبالها فرسان تدمر وهم يضربون الطبول. ووصلت الليدي ستانهوب بعد دخولها تدمر الى قوس النصر، وكان سكان الناحية قد اصطفوا على اعمدة هيكل الشمس، والفتيات يرقصن امام القوس، والاطفال جالسين عند قواعد الاعمدة وبايديهم الازهار. وكان احدهم واقفاً عند وسط القوس ويحمل تاجاً بيده لتتويجها عند وصولها الى الهيكل.

وبعد توقف قليل تابع المحتشدون الاحتفال والفتيات احطن بالاميرة وهن يرقصن. ومكثت الاميرة الملكة ثلاثة ايام بين الآثار الخالدة وحضرت حفلة زفاف، ثم انكفأ الموكب عن المدينة لتخوفه من هجوم مباغت من قبل القبائل المتحاربة مع عنيزة التي ستجد في الليدي ستانهوب رهينة مناسبة، وعند وصول الموكب الى مضارب الشيخ مهنا، أولم لهم وليمة كبيرة. وعند العودة الى حماه استقبلهم احد قادة الدليباش واحتفل بهم بعشاء ضم ثلاثمائة شخص.

ومن حماه بعدما حققت الليدي ستانهوب حلمها بتخيل نفسها ملكة تدمر، سار الموكب الى اللاذقية منزلاً لثلاثة اشهر، وأثارت حفيظة الناس الذين كانوا يتزاحمون عند مرورها، لابسة لباس الرجال لاعتقادهم انها ابنة ملك الانكليز.

وفي اللاذقية بدأ ميشال بروس يستلم من والده الذي كان متكفلاً بكل مصاريف الفريق منذ الرحيل من مالطا الى استانبول الى اللاذقية، رسائل تحثه على العودة الى انكلترا، هو والليدي ستانهوب، ولكنها فضلت البقاء مشجعة صديقها على الرحيل واضعة نقطة نهائية لحب دام ثلاث سنوات.

وما ان تركها صديقها حتى هاجم الطاعون مرة اخرى المدينة وسقطت الليدي ستانهوب مع حاشيتها طريحة الفراش، وكان الاعتقاد ان الطاعون سيهزمها، وبان الموت يحوم حولها، ولكنها تغلبت على المرض، و ركبت البحر الى صيدا، حيث ستستقر بجوارها، لتبدأ معها صفحات من حياتها، والذي بنتيجته حملت عن حق لقب (فاتنة الصحراء) و (نجمة جون) نسبة لقرية جون قرب دير المخلص في الشوف اللبناني.

اختارت الليدي ستانهوب مدينة صيدا مقراً لها بعد تركها اللاذقية واقراراها بعدم الرجوع الى اوروبا والاستقرار في المشرق. وكانت قد تعرفت الى المدينة اثناء تجوالها فوجدتها حسنة، وسرّت باجواء المنطقة التي يحكمها الامير بشير من جبل الشوف وحيث للفرنجة وجود فاعل من عكا الى صيدا الى بيروت.

كانت الليدي ستانهوب قد تعرفت الى صيدا وجوارها، ولفت نظرها مركز للقديس الياس تابع للروم الكاثوليك في قرية عبرا، المشرفة على صيدا، يؤمن العزلة وبأمكانها استئجاره بسعر زهيد. ولذلك ارسلت مرسالاً لهذه الغاية الى البطريرك مطر تسأله فيه عن امكان استئجار المكان. فكان جواب البطريك التأهيل لها ساعة تشاء. ولعله كان وراء رغبة الليدي ستانهوب الذهاب الى صيدا للبحث عن الكنوز المخبأة في تلك المنطقة التاريخية.

اقلع المركب، ورسي في طرابلس، حيث استقبلهم مصطفى بربر اغا بالترحاب، وفي العاشر من الشهر المذكور كان الوصول الى صيدا.

طبعاً لم يكن باستطاعة الليدي ستانهوب الانكليزية الصعود مباشرة الى عبرا، لذلك فضلت الاستراحة في خان الفرنج متمنعة عن استقبال احد بسبب ارهاقها واوجاع رأسها.

وكانت الليدي ستانهوب بسبب مرضها تعاني من حالة انهيار جسدي/ نفسي، لذلك اعتزلت في غرفتها وقد زاد من ألمها اصابة رفيقتها السيدة فراي بمرض الدازنتريا.

وبقيت الليدي ستانهوب على حالتها حتى نهاية كانون الثاني، عندها شعرت بان قواها عادت اليها فاستعادت نشاطها وخرجت من عزلتها بعد اعتناء طبيبها ومرافقها الدكتور مريون بها واحاطته لها بكل عطف.

وكان الدكتور مريون بعد نزولهم في صيدا قد زار دير مار الياس في عبرا في اليوم التالي، والدير يقع خارج حدود وابواب المدينة المحاطة بالاشجار والتي تبعد عن اول مرتفعات لبنان مسافة نصف ميل. وعلى بعد ربع ميل يصل المرء الى اول مرتفع يسرح فيه النظر بالافق الممتد مع البحر وبالجبال الشاهقة في المقابل. وفي مواجهة هذه التلة الاولى يقع نظر المرء على تلة اخرى يربض عليها الدير.

والدير المذكور تهدم بعد الزلزال الذي ضرب المدينة فيما بعد، وكان سكان الجوار قد سرقوا اكثرية حجارته لبناء مساكنهم وما تبقى منه بئر وبعض الحيطان وقناطر وكنيسة صغيرة. هكذا كان وضع الدير. اما في عام 1814، فقد وجد الطبيب مريون ديراً مربع الشكل مبنياً بالحجارة، سقوفه مسطحة يحيط بباحة مربعة ومبلطة وفيها ازهار واشجار ليمون. والغرف نظيفة مدهونة بالكلس من دون كراسي وطاولات. وفي جهة واحدة تجد فقط مقعداً من الحجر بشكل سرير مستطيل.

في الجهة الجنوبية الشرقية تضع الكابيلا على اسم القديس الياس الذي يعطي اسمه للدير. وكان آخر بطريرك للروم الكاثوليك وقتذاك، قد دفن في هذا الدير. وعلى احد حيطان الكابيلا نجد درجاً غريباً يوصل الى السطح. كانت الامطار، والليدي ستانهوب ورفاقها في عز موسم الشتاء قد احدثت بعض الاضرار في الدير، مما اقتضى بعض الاصلاحات التي اخرت استقرار الليدي ستانهوب في الدير حيث خصصت لها ثلاثة غرف تصلح لأن تكون صالوناً وغرفاً للمنامة، وفي اليسار من الدير هناك مطبخ وغرفة صغيرة في الزاوية حيث توفي البطريرك.وستكون غرفة الليدي ستانهوب.

وفي شرق الدير نجد ثلاث غرف وغرفة راهب واحدى هذه الغرف ستحول الى غرفة حمام. المجموع خمس غرف قابلة للسكن. وهذا ما جعل الطبيب يبحث لنفسه عن منزل في القرية على بعد ربع ميل من الدير، والدير بموقعه يسمح للمرء بمد ناظريه على اكبر مساحة من البحر وهو يبعد عنه مباشرة قرابة الميلين.

وقبل ان يباشر ميرون باختيار منزله قام بجولة في عبرا فوجد انها مؤلفة من اربعين مسكناً، من طابق واحد، مبنية بشكل رديء. والبلدة موقعها افضل من موقع الدير، وهي من اقليم التفاح وتابعة لقضاء جباع وبرغم هذا الواقع الاداري فالفلاحون الروم كاثوليك متعلقون بامير الجبل.

وكانت عبرا قد اشتراها البطريرك الكاثوليكي قبل وصول الليدي  ستانهوب من عائلة درزية بثمن بلغ 18 كيسا اي 450 سترلينية. والبطريرك يملك ثلثي القرية. والقرية مضطرة لدفع الضرائب ثلاث مرات، مرة للحاكم في جباع واخرى لحاكم صيدا. والسكان فقراء بشكل مدقع. وفي بحثه عن مسكن له يجد ان المنازل رديئة كليا وهي من الطين في الارض ومن اغصان الاشجار المقصوصة بطريقة سيئة لدعم السقف والحيطان المطلية برمل ممزوج بالماء من دون كلس (اللبن). وافضل مسكن كان عبارة عن غرفة واحدة، كان في طرفها بقرتان وحمار، وفي الطرف الآخر العائلة. وفي وسط الغرفة فرن والباب والنوافذ مدخنة له واربع جرار في الارض تكون احد اطراف المسكن .

العائلة كانت مكونة من رجل ضخم ومن امرأة جميلة ومن امها مع ولدين ومن الجدة. وعندما طلب الطبيب ميرون منه المنزل، وافق شرط الحصول على اذن من البطريرك.

ولم تصل الليدي ستانهوب الى مار الياس الا في اواسط شباط لان بناء الحمام استغرق وقتاً. وبعد سكنها للدير كانت صحتها جيدة وكانت اميرة الانكليز تمضي فترة النقاهة بالتنزه على ظهر الحمار وتاكل شوربة الخضار مع الرز مع الزبدة الطازجة التي يهيئها لها خادمها في الحديقة نفسها لان زبدة البلاد نوع من "السم" بسبب طعمها ورائحتها. وكانت لا تأكل اللحم. وقد جعلت الدير مربحاً وثبت له مداخن وسوراً من الحجارة يقيه من دخول الغرباء والحيوانات.

واضافت الى الدير اسطبلاً وقنا للدجاج وفي الداخل وضعت الخزائن. وبانتهاء الاصلاحات وجهت الليدي رسالة الى البطريرك تعتذر فيها عن مبادرتها بالقيام باصلاحات من دون موافقته المسبقة وتضع نفسها بتصرفه في حال عدم ارتياحه لبعضها، فهي لا تجد مانعاً بهدم ما قامت به.

كانت الليدي استانهوب، بنت بيت عريق في ارستقراطيته وهي قد ادارت منزل خالها رئيس وزراء انكلترا بدقة، لذلك كان من الطبيعي ان تكيف مسكنها حسب متطلباتها وحسب ما يقتضيه النظام المدني العام.

ولكن هذه الاجواء الراكدة وهذه الحياة الهانئة لم تكن لتروق كثيراً لليدي الانكليزية المعتادة على الحركة، فالحياة تكرر نفسها، والنشاط الذي بذل لتحسين البناء توقف مع توقف العمل فيه. وزملاؤها بعيدون عنها. بيار مهتم بشؤون المسكن وبرتران في عكا والقنصل الفرنسي لا يعجبها، والاخرون من الفرنسيين لا يثيرون شعورها. ومن اقرب اليها من طبيبها مريون.

والليدي كانت لا تعامله كرفيق او صديق او حتى طبيب بل كخادم برغم انه قضى الى جانبها ما يفوق العشرين سنة ونيف. فهي كانت ترى انه يخطئ في كل حركة يقوم بها، كانت تنظر اليه كرجل لا يهتم الا بامعائه ولا شيء آخر يعنيه، فهو في نظرها فاقد الشعور والاحساس. وهو من جهته كان غير مسرور من اقامته في عبرا حيث لا كتاب يبدد عزلته، والحديث بين شخصين يصبح تافها عندما لا يعودان يجدان مواضيع جديدة يبحثان فيها وليس باستطاعته مغادرة الليدي وتركها لوحدها بعدما تحمل تجاه اخيها، واصدقائها مسؤولية مرافقتها والسهر على صحتها.

حالة الضجر من البلاد التي كان يعاني منها الطبيب، لم تكن قد دخلت الى قلب الليدي، التي كانت تتمتع بجمال المناظر وحسن المناخ. وكان لا يزعجها سوى كثرة النور الذي يزعج النظر لمن لم يعتد عليه، ومرض الطاعون المنتشر في البلاد اجبرها مع حاشيتها على القعود في المنزل من دون حراك خوفاً من الوباء.

وبانتهاء الوباء عاد النشاط الى الليدي فتحركت من مخبئها وكان كل ما يحيط بها تحت امرها واهل البلاد واميرهم اي بشير يلاطفونها. وبرغم العرض الذي قدمه لها قائد احد المراكب البريطانية الراسية في صيدا لحملها حيث تشاء فضلت البقاء في البلاد. ولكن ما ان اطل الصيف بحره حتى شعرت بضرورة الانتقال للاصطياف في مكان ما بعيدا عن الشاطئ، فصعدت مع طبيبها مريون الى الجبل فوق صيدا في جزين واختارت قرية مشموسة مصيفاً لها.

ويعتبر ما كتبه الطبيب المرافق لليدي، والذي اضحى يحسن العربية جيداً، من اهم ما كتب في كتب الرحالة عن جزين، التي نادرا ما جاء الكلام عنها قبل القرن التاسع عشر في المصادر العربية عامة واللبنانية خاصة.

ان  سبب اختيار الليدي بلدة مشموسة مصيفاً انها  ترى بان التجار الفرنسيين قد نصحوا، ربما، الليدي او مريون بذلك لانهم كانوا يترددون على المنطقة في تجارتهم. كما ان المهندسين الفرنسيين ساهموا في بناء كنيسة دير مشموسة في القرن الثامن عشر. ولربما تأثرت الليدي بالحظوة التي كانت تلقاها عند الشيخ بشير جنبلاط الذي كانت مشموسة. وكتب طبيب الليدي  الآتي: "كانت الليدي منزعجة من شدة الحر المستمر الذي كان يتبعها بحيث وجدت من الضروري تغيير المناخ، وابداله بالبرودة في مكان مرتفع.

وقد اختيرت مشموسة، لحسن هوائها وجودة مائها، وكانت تبعد عن دير مار الياس مسافة خمس ساعات من السير، وحصلت الليدي على اذن الامير بالسكن في مشموسة. وسارت اليها  راكبة على ظهر الحمار الذي اهداها اياه الامير بشير لتتمتع برؤية جمال المناظر الجبلية، وقد اختصرت حاشيتها لان المسكن كان صغيراً فاقتصرت على الطبيب، وعلى بودان والطباخة ام رزق، وشخص آخر يدعى عيد.

انتقل وفد الليدي من عبرا الى الصالحية ثم توقف في عين الحجر الواقعة مسافة ميل في الدير حيث نصبوا خيامهم. وفي اليوم التالي وصلوا لبعا وهي قرية مسيحية تبعد 3 اميال وفيها 44 بيتاً. وفي اليوم الثالث وصلوا قرية صفارية المشهورة بتبغها وفي اليوم التالي مرّوا على قتالي ونصبوا خيامهم في بسري قرب العين ذات الماء الرائع ، وفي 29 تموزم  وصلو مشموسه.

مشموسه تقع على تلة تنهي تقريباً سلسلة من الجبال. الهواء جيد، ولكن الغمام يغطي المكان كل مساء. وعند وصول الموكب كانت الدزنتاريا والرشح منتشرين. والقرية مسكونة من 12 الى 14 عائلة تنحدر من اربعة اخوة سكنوا القرية منذ قرن لاحياء ارضها شرط اعفائهم من الضرائب. وزعيم العائلة هو جهجاه ابو يوسف (عتمة ضو) وهو يدعي الحفاظ على الفرمان الذي اعطاه اياه الامراء (اي الامير احمد معن) برغم ان الامراء لا يراعون ما جاء فيه. ولذلك فان آل عتمة يدمغون الميري ولكن منازلهم لا تزال معفاة و صادف ان اختلفت الليدي مع خادمها عيد وطردته فاشتكى للامير بشير، فارسلت الليدي سكرتيرها الترجمان بودان وطبيبها الى بتدين فاجتازوا شلال جزين ومروا عند اقدام قلعة نيجا وعلى جسر بحنين حيث يقوم قربه اربعة اعمدة من الغرانيت، ثم وصلوا مزرعة الشوف فبتدين ولما كان الامير غائباً، ومهتما بشق القناة التي ستجر المياه الى عاصمته، ذهب للقياه السكرتير بينما اكتفى الطبيب برؤية ولدي الامير خليل وامين اللذين سألا عن صحة السيدة وكانا مهتمين بمعرفة ما اذا كان ميشال بروس (صديقها سابقاً) من اصل ملكي. ثم عاد الطبيب لوحده الى مشموسه ولحقه السكرتير في اليوم التالي وحلت المشكلة بتقديم الخادم الاعتذار وطلب العفو من الليدي.

وخلال اقامتها في مشموسه ذهبت الليدي الى عبرا عدة مرات. وكانت تهتم بصحة سكان القرية فاخترعت دواء لهم من بعض الاعشاب لمنع العدوى. وكانت لاتنام في الدير بل في خيمة تحت اشجار الزيتون وتسعى لتشجيع السكان على محاربة التعصب ومحاربة الطاعون واخذ الدواء. ومن عبرا عادت الى مشموسه مروراً بمزرعة الطاحونة (المطحنة) حيث خيم الوفد لبضعة ايام ومنها الى القرية استعداداً لزيارة بعلبك  .

بعد ان استرجعت الليدي  ستانهوب قواها بفضل مناخ مشموسه، قررت زيارة بعلبك، فسارت اليها في 18 تشرين الاول. ومرت بالمختارة والجديدة وعين وزين وخيَّمت في الباروك. ومن هناك انحدرت الى البقاع الى قرية عانا حيث ضربت خيامها من 20 الى 22 تشرين الاول. ثم انتقلت الى بر الياس فألى المعلقة التي نقل السكان اليها قسراً من الخربة بأمر من أمير الجبل، وخيَّمت وفريقها في الخربة التي يقال ان لنوح (عليه السلام) قبر فيها. وفي 24 من الشهر المذكور وصلت الليدي الى بعلبك ومكثت فيها حتى 8 تشرين الثاني. في بادئ الامر نصبت الخيام عند زاوية المعبد ثم نقلت الى رأس العين خوفاً من الطاعون.

بعلبك كانت وقتذاك، بلدة صغيرة فيها حوالي 120 عائلة من اصلها 30 عائلة كاثوليكية ويتزعم عليها الامير جهجاه حرفوش الذي كان تحت سلطة والي دمشق وامير الجبل في آن معا. وقد زارته الليدي ستانهوب وتناولت الغداء الى مائدته.

ومن بعلبك توجهت الكونتيسة الى طرابلس مروراً بالارز في 8 تشرين الثاني في وقت يصبح فيه اجتياز المنطقة محفوفاً بالخطر مع تساقط الثلج. كان المرور عبر الطريق التقليدي من دير الاحمر الى عيناتا وصولاً الى بشري في 9 تشرين الثاني. فاستقبلها الشيخ "راجل" واسكنها في منزله فاستراحت يوماً، استرعى في انتباهها حمل الناس للسلاح من طفولتهم ومعارضتهم للأمير بشير. وفي 11 من الشهر المذكور وصلت الى اهدن فاستقبلها الشيخ لطوّف العشي الذي يحسن الفرنسية قليلاً. ومن اهدن صعدت  الى الارز حيث خيم اسبوعاً.

وخلال استجمامها في الارز اصرت الليدي على الهبوط الى دير مار انطونيوس قزحياً. وارسلت الى رئيس الدير رسالة تدعوه فيها للغداء على مائدتها مع المشايخ الذين رافقوها من اهدن الى غرفة الضيوف قرب الدير، على ان يكون الاحتفال في غرفة من غرف الدير. وكانت حجتها انها تحمل امراً من السلطان يجيز لها فيه ان تزور كل الامكنة التي ترغب بزيارتها. فرفض الرهبان الامر.

عندها، وعندما اذنت ساعة الاكل، ركبت الليدي  ستانهوب على حمارها ودخلت الدير وزارت المائدة برغم محاولة الرهبان صدّها عن عزمها وجلست الى المائدة وبعد اربع ساعات تركت الدير ورهبانه مسرورين.

ومن اعالي الشمال هبطت الليدي الى طرابلس فدخلتها في 15 كانون الاول 1814، وقد اثار وجودها فضول الناس وخشية القنصل الفرنسي شارل غينر الذي وصفها في تقاريره بالسيدة الغامضة.

استقرت ستانهوب  في دير الكبوشيين وحاشيتها في منزل واسع. وكانت الخطة ان تبقى بضعة اسابيع لتنعم ببعض الوقت في اجمل مدن الساحل.

بعد وصولها بدأت اتصالاتها بالمسؤولين في المدينة وبدأت تقارير القنصل الفرنسي الى حكومته تحصي حركاتها. وحاول السيد غينر مقابلتها فلم يفلح لتضارب المواعيد برغم انها استقبلت كتاب ديوان السرايا والمعتمد البريطاني. ثم زارت مصطفى بربر الحاكم الذي كان قد اهداها فرسا. وامضت وقتها بالنزهة وهي بلباس المماليك في المدينة وفي الجوار وزارت الحمام.

وفي اقامتها في المدينة راسلت صديقها السابق ميشال بروس معلمة اياه بزيارتها للمدينة وبرغبتها بالعودة الى دير عبرا، وبانها جمعت كل ما يوّد معرفته عن مصطفى بربر الذي ابدت اعجابها به لذكائه وعدله برغم استبداده. وقد جاء مصطفى لزيارتها وعاملها كشخصية كبيرة وكأنها مبعوثة استانبول .

وتروي الليدي قصة عن عدالة مصطفى بربر. فبعد ارسال تجار اليونان شحنة من القمح الفاسد الى المدينة، مرض الناس وشارف بعضهم على الموت، واصيب البعض الآخر بعوارض فقدان التوازن ولما كان يستحيل تحديد المسؤولية والمسبب فيها، امر مصطفى بمصادرة القمح في المنازل والمحلات وبرميه في الساقية تاركا للتجار ان يتدبروا امرهم بنفسهم لتحديد المسؤولية كما ان مصطفى بربر يمنع الغش، ويحدد بنفسه اسعار الحاجيات مما يسمح للفقراء بان يعيشوا، وللمدينة بان تكون نظيفة وكل شيء فيها منظماً.

وفي 16 كانون الثاني اتجهت الليدي الى صيدا على الطريق الساحلي وبرفقتها بعض الاشخاص كانوا في المدينة. فاجتازوا القلمون وخيموا في دير الناظور ثم مروا بمنطقة آنفة، فالهري فمدينة البترون حيث امضوا ليلتهم ومنها الى مدينة جبيل التي تحتوي 500 منزل نصفها مدّمر، وبعد استراحة يومين اكملت الليدي طريقها فاستراحت في طبرجا واجتازت جسر المعاملتين حيث تبدأ مقاطعة كسروان الاكثر سكاناً في مقاطعات لبنان. ولم تكن جونيه سوى مزرعة صغيرة فيها بيت صغير للتسلية تابع للأمير. ومن جونيه وصلت الليدي الى انطلياس فاستراحت. في ديره ومنه الى جسر بيروت فالشويفات. واستغلت المناسبة للقاء الست "حبوس" وهي سيدة درزية نبيلة تمتلك عدة قرى تضمنها للشيخ بشير جنبلاط.

وفي 26 كانون الثاني ذهب الترجمان "بودان" الى بيروت فعاد منها بخبر مفاده ان كبوجي باشي، موجود فيها ويحمل امرا باعتقال الليدي  ستانهوب وبسوقها خفورة الى استانبول.

وفي 27 من الشهر المذكور تابعت ستانهوب رحلتها فاستراحت في منطقة النبي يونس في الجية ومنها الى دير مار الياس في عبرا.

لم يكن مجيء الكبوجي باشي الى بيروت لاعتقال الليدي كما تصور ذلك الناس البسطاء، بل كان مرسلاً من استانبول لمقابلة ستانهوب والاتفاق معها على تنفيذ مشروع غريب يقضي بالبحث على كنز كبير خلفه الفرنجة في بقايا مدينة عسقلان الصليبية.

كان وصول الكبوجي باشي الى صيدا في 28 كانون الثاني، واثار وجوده خوف الناس وكان في اثره حاشية كبيرة. الليدي كانت الشخص الوحيد الذي لم ينتابه الخوف لانها كانت تعرف سرَ مجيئه. وملخص القصة ان الليدي عثرت على وثيقة مخطوطة باللغة الايطالية كتبها راهب يخبر عن وجود كنز ضخم في منطقة عسقلان يقدر بثلاثة ملايين قطعة ذهبية. وكانت الليدي اكيدة من القصة بعد حصولها على النسخة الاساسية للوثيقة وقد اخبرت صديقها السابق بذلك واخفته عن طبيبها فترة من الزمن. واجرت اتصالات بسفير انكلترا في استانبول لاخبار السلطان بالقصة. وقد اثار الموضوع اهتمام السلطان فقرر ارسال الكبوجي باشي للقاء الليدي والذهاب معها الى فلسطين.

وعند وصول الكبوجي باشي الى صيدا وهو يدعي درويش مصطفى اغا، ارسل في طلب السيدة، فرفضت الذهاب اليه وأصرت ان يأتي هو اليها؛ وهكذا فعل حيث مكث في دير مار الياس ثلاثة ايام.

ولتحقيق هذه العملية كان على الليدي ان تتدبر المال. ولم يكن باستطاعتها الاتكال على حكومتها او على اصدقائها في انكلترا، ولم يتحمس لمشروعها الا القنصل البريطاني في حلب المدعو جون باركر Barker الذي مدّها بـ 12000 قرش دفعها في عكا.

كان المشروع يتطلب عدة اشهر. ولتنفيذه توجهت كما توجه الكبوجي باشي الى عكا فوصلتها في 17 شباط وبقيت فيها حتى منتصف اذار بانتظار وصول المبلغ المذكور من القنصل "باركر"وغادرت المدينة في 18 اذار وبرفقتها درويش مصطفى وريس افندي ومئة خيال. وكان الكبوجي معجباً بها وبشخصيتها وطريقة حياتها ويجد فيها مثال المرأة. وكانت شهرتها تسبقها حيث تمضي وكذلك الاساطير التي تحاك حولها. وفي 31 اذار توجهت البعثة من يافا الى عسقلان.

كانت عسقلان مدينة مدمرة تنبئ بماض عظيم لكثرة ما فيها من آثار واعمدة وتيجان اعمدة. وبدأت اعمال التنقيب من اول نيسان الى 14 منه وقد تركزت اعمال التنقيب عند الحائط الجنوبي لسور المدينة، حيث تقوم بقايا مسجد قديم، لان الوثيقة المذكورة تشير الى ان الكنز مخبأ في هذا المكان، وبقدر ما كان العمال ينبشون الارض كانت معاولهم تقتلع بقايا اثرية من مجوهرات وتماثيل وحجارة منحوتة. وبعد اسبوع وصل التنقيب الى بلاط المعبد حيث بني المسجد، وكان بلاطا جميلاً استحسنه اغا يافا وشحن منه ثلاثة مراكب. وفي اليوم التاسع استهدى المنقبون على مكان الكنز المزعوم. ولكن للاسف كان قد سبقهم اليه اناس آخرون وافرغوا محتوياته منذ زمن بعيد.

كان هذا الفشل صدمة كبيرة لليدي ستانهوب التي كانت تعلل النفس بجني ربح وفير من هذا المشروع، برغم انها كانت ستقدم الكنز الى السلطان، ومع الفشل كان عليها ارجاع المبلغ الذي استدانته وصرفت قسماً منه في اعمال التنقيب.

وفي مطلع ايار عادت، الليدي الى ديرها خائبة خالية الوفاض فاعتزلت فيه وانغلقت على نفسها.

مضى شهر ايار والليدي في عبرا لم تتحرر بعد من صدمتها، وهي مسترسلة للقدر الذي تعودت الاتكال عليه لطول عشرتها للشرقيين. ومع اقبال الصيف وتعاظم الحر في شهر حزيران، قررت الصعود مرة ثانية الى قرية مشموسة في جزين. فاستأجرت ثلاث منازل مخلدة للراحة مستجمة في الطبيعة الجميلة التي تحيط بالقرية وبالمناظر، الخلابة، ممضية ايامها في التنقل بين الصخور والوديان متنشقة الهواء الناعم طيلة الصيف والخريف.

ولتمضية الوقت، وقطع رتابة النزهات، اقترح عليها طبيبها بناء كوخ من جذوع واغصان الشجر في وسط غابة صنوبر بكاسين. كان افراد الوفد يمضون النهار بالقراءة والمحادثة.

وبرغم الاخلاد الى السكينة، كانت الليدي ستانهوب مهتمة بامور كثيرة منها مشاكلها المالية، ولذلك كان مرسلوها لا ينفكون عن زيارة المعلم حاييم في عكا للحصول على مبلغ من المال لتنفيذ مشاريعها السرية دائما. وكانت توزع الهدايا على المسؤولين في اسطنبول وبلاد الشام. وقد اثارت هذه الهدايا انتباه القناصل والمبعوثين الفرنسيين. فكثرت مراسلاتهم مع الحكومة الفرنسية املا في كشف سر ذلك، وكان الفرنسيون يعتقدون ان الحكومة الانكليزية كانت وراء ذلك ولم يدر في بالهم ان الليدي كانت ارسلت صديقها السابق ميشال بروس طالبة دعمه فكان ان ارسل لها ما تطلبه في لوائح لا تزال محفوظة.

هذه الحمى من التنقلات لمساعدي الليدي كانت تثير الشبهات خاصة عند الفرنسيين ولا احد يعلم سرها. وبرغم حذر الفرنسيين منها كانت تمد يدها لمساعدتهم في المشرق، واسطع دليل على ذلك تدخلها في مسألة الانتقام لمقتل الكولونيل الفرنسي Butin الذي كان مبعوثاً لنابليون في المنطقة وقد اغتيل في شمال سوريا. وعندما علمت الليدي بالامر اهتمت به مع ان علاقتها به لا تتعدى لقاء جرى بينهما في الاسكندرية في 1812 على العشاء.

وقد دخلت الليدي على خط الانتقام للكولونيل اكثر من الفرنسيين بالذات، وكانت غامضة لتراخي الفرنسيين في القضية. ولذلك ارسلت احد موفديها الى حماه للاستقصاء عن موضوع الفرنسي، وآخر الى عكا لحث الباشا على التدخل. ولجمع معلومات خاصة بها ارسلت بعض محسوبيها الى قرى المنطقة حيث قتل الكولونيل وحثت مصطفى بربر على التدخل لملاحقة الجناة. وبعد اكتشافهم وتحديد منطقة وجودهم. نزل مصطفى بربر عند رغبتها فسار على رأس خمسة الاف رجل فاقتحموا المنطقة حيث جرى القتل.

ولتهنئة مصطفى بربر بحملته سافرت الليدي في صيف 1816 الى طرابلس فقابلت مصطفى وهنأته، ومن طرابلس سارت الى انطاكيا حيث جرى لها استقبال كبير. وكان وراء سيرها الى انطاكيا رغبة بمغادرة البلاد تهربا من استقبال اميرة بلاد الغال التي كانت في سياحة في المشرق وكانت الليدي تكرهها كثيراً.

وقد عادت الليدي  الى عبرا في 29 ايلول. وكانت الليدي تسر بزيارة الاجانب لها واستضافتهم عندها. ولذلك استضافت في 10 اذار السيدة "وليامس" التي تركتها في مالطا عند وصولها اليها من انكلترا كما استضافت الفنان الرسام وليم جون بانكس Bankes، ثم زارها جايمس سيلك Buckingham.

ويخبر باكنغهام بأن منزل الليدي كان يضم الانسة "وليامس" والسيدة "فراي" وسكرتيرا من اصل فرنسي وبعض الخدم. وكان عندها في الاسطبل بعض الاحصنة العربية الاصيلة، وبأنها كانت تنهض من النوم عند الساعة الثامنة وتتناول الفطور من الشاي او القهوة، وافضل انواع الفاكهة كان موجوداً على مائدتها. ثم كانت تنصرف الى رسائلها التي كانت تمليها على سكرتيرها وترسلها الى شخصيات مختلفة في اوربا. وعند نهاية فترة بعد الظهر كانت تقوم بنزهة على صهوة الحصان، فحديث هذه الامرأة، التي عاشرت كبار القوم كانت له جاذبيته التي لا تنتهي.

الليدي ستانهوب، لم تنس البروتوكولات الانكليزية في اقامتها في عبرا لذلك كانت تصر على تطبيقها على ضيوفها حتى في مراسلاتها وفي عادات الاستقبال والوداع. وكانت انكليزية في اقامتها في المشرق وعيونها مفتوحة على كل شاردة وواردة تراقب الاحداث لمصلحة بلادها. فتجمع الوثائق والمعلومات وتحللها وتراسل اصدقاءها ناقلة اليهم انطباعاتها. لذلك لم يكن مستغربا انها كانت تنظر الى سوريا على انها مفتاح الطريق الى الهند وبأن الحبشة هي الهند مصغرة او على الاقل كسوق مستقبلية نظرا لثرواتها عندما تصبح متحضرة. وكانت الليدي  استانهوب تذهب الى حد الاعتقاد بان لا رحالة اوروبي اخر يجاريها في الذهاب الى هذا الحد في هذه النظرة الى السياسة المشرقية التي على انكلترا ان تنتهجها.

طريقة التفكير هذه هي التي جعلت البعض يطرح الاسئلة عن مبرر وجود الليدي  ستانهوب في المشرق، وعما اذا لم تكن جاسوسة انكليزية تعمل لصالح بلادها. وقد ذكرنا مرات عدة ان التقارير التي كان يرسلها القناصل والعملاء الفرنسيون. كانت تصب في اتجاه اتهام الكونتيسة الانكليزية بالعمل بسرية لغايات غير واضحة وكانوا يراقبون تصرفاتها ويرسلون عنها التقرير تلو التقرير محاولين الامساك ببعض خيوط سر وجودها.

ولم يكن عمل الليدي مقتصراً على استكشاف السياسة الفرنسية او التركية والاهتمام الاثري والنزهات السياحية والطموحات الشخصية لمركب العظمة الذي كانت تعاني منه بل كانت تسعى للحصول على الوثائق والمخطوطات النادرة خصوصاً تلك التي تكشف اسرار بعض الطوائف والديانات الشرقية وترسل نسخها الى انكلترا.

ولكن من اين لليدي الحصول على اموال تغطي هذه المصاريف المذكورة وغيرها، ونشاطاتها متنوعة ولا تتوقف؟ 

كانت مصاريف الليدي  ستانهوب باهظة، وكانت مشاريعها وطموحاتها كثيرة ومتنوعة، وكان جزء من عملها يذهب لمصلحة صديقها السابق ميشال بروس، والمصاعب المالية تضغط عليها. وفي مراسلاتها لصديقها كانت تشرح وضعها المادي وتخبر ان المصاريف قد تضاعفت عن الفترة التي كان فيها ميشال في المشرق. طبعا كان هذا وضعها ووضع السكان ايضا الذين كانوا يعانون من فحش الاسعار. فالقمح الذي كان يباع في استانبول بـ 40 قرشاً كان يباع في لبنان بـ 90 وقد اضحى سعره في العام 1816 يوازي 180 قرشا، والناس تتوقع المجاعة بسبب قلة الامطار التي هطلت.

واضافة الى الاوضاع الاقتصادية كانت الليدي تحاول استجلاب عاطفة الحبيب السابق بوصفها لحالتها المعيشية. فهي منذ ثلاث سنوات تركب الحمار ولا حصان لديها وتلبس كبقية الناس الا عندما تفرض عليها الظروف غير ذلك.

وعندما كانت الليدي  لا تزال في انطاكيا، استدعي طبيبها، الذي كانت شهرته منتشرة في لبنان، الى المختارة لمداوة زوجة الشيخ بشير جنبلاط. ومن ضيافة الشيخ الكبير انتقل لمداواة اشخاص اخرين في قرية جون. ومن ثم ذهب الى قرية روم لاستئجار منزل لتمضي الليدي بقية الصيف فيه.

وكانت روم وقتذاك عبارة عن قرية صغيرة فيها 40 عائلة، تقع على بعد ثلاثة اميال تقريبا من مشموسة وتقع على رأس تلة بشكل مخروطي. الصعود اليها صعب. وقد استقبله فيها شيخها المدعو كليب وابنه الصغير حبيب. والكاتب لمذكرات الليدي يخطئ بجعله نسبيا للشيخ بشير، لانه بالواقع كان وكيله ويدعى كليب العازوري منازل روم، حيث ستمضي الليدي بقية الصيف، كانت مبنية بالحجر. وانتاج القرية الاساسي هو التبغ وهو الافضل في اقليم التفاح، وكان السكان يعملون في صناعة الفحم الخشبي الذي يبيعونه في صيدا. وقد استكرى الطبيب ثلاثة منازل، وكان منزل السيد يوسف الحداد مكرسا لها وقد دفع 38 قرشا للفصل. وقد دفع 8 قروش لاحد المستأجرين لتخلية منزل الحداد. وكانت المنازل واقعة في السفح الشرقي من التلة لتجنب البرد.

وفي 29 ايلول وصلت الليدي الى عبرا ثم صعدت الى روم في 6 تشرين الاول/ اكتوبر ثم هبطت منها في 13 منه لاستقبال السيد "رينيو" "Régnault" قنصل طرابلس الجديد الذي امضى بعض الوقت في الدير في ضيافتها.

واستقبلت ايضاً في 28 تشرين الاول امبرواز ديدو Ambroise Didot ابن صاحب المطبعة الشهير في باريس الملحق بسفارة استانبول وكان برفقته المدعو لاغرانج Lagrange المترجم الذي درس العربية في لبنان، والذي تقرب من الليدي فافشت له باسرار حبها السابق للجنرال مور Moore عندما كانت لا تزال في انكلترا.

وفي 15 تشرين الثاني وصل الى صيدا خادمها جورجيو الذي ارسلته الى انكلترا في 1815 لامور خاصة بها وكان قد عاد وبصحبته طبيب يدعي "نيوبري" Newberry سيخلف مريون في مهمته.

وفي 24 تشرين الثاني بدأ مريون الاستعداد للرحيل الذي تم في 21 كانون الثاني 1817.

ولم تمض سنة حتى علمت الليدي بان صديقها السابق تزوج من الليدي باركر Parker ارملة كابتن في البحرية وبان ميشال افلس ماليا. ومنذ ذلك الوقت في العام 1818 توقفت الاتصالات بين الليدي وميشال.

ولم تكن اقامة الطبيب الجديد طويلة ففي العام 1819 غادر الليدي التي كانت مهتمة جدا بتقديم المساعدات الانسانية والطبية لمرض الطاعون.

وكانت ايضا الى جانب ذلك تقدم الحماية للهاربين من اضطهاد الباشوات. ومثال على ذلك استضافتها لحاكم انطاكيا، الذي كان قد تعرف اليها ابان زيارتها للمدينة والهارب من باشا حلب. وقد استضافت المذكور وطلبت من متسلم صيدا عدم ملاحقته فكان لها ما ارادت.

كانت الليدي تختار المناسبات لابراز سموها على الزعماء المحليين. فكانت تنتقل من عبرا للسكن لمدة قليلة في مكان ما حيث تخلع الهدايا على الزعماء.

وعندما تدخل الى صيدا، كانت تصلها محاطة بالجنود. وبحاشيتها من الاجانب ومن ابناء البلاد. كانت تجتمع بالمسؤولين وتحادثهم في السياسة العالمية وتغدق عليهم الهدايا وعلى مساعديهم. طبعا، كان ذلك يثير شكوك الفرنسيين، الذين كانوا كالعادة يكثرون من التقارير عنها التي تشرح تفاصيل ما تقوم به، طارحين اسئلة من دون اجوبة عن سبب تصرفاتها.

كانت الليدي غريبة الاطوار في تصرفاتها، وهي قد احبت كابتن يدعى "جان باتيست لوستونو" J. B. Loustaunau وقصته معها غريبة عجيبة.

يظهر انها قد تعرفت الى والده في عام 1815 في حيفا. وكان الوالد المدعو بيار فلاحاً معدماً ترك منطقته في البيرنيه وذهب الى بوردو ومنها الى الهند. وبرغم عدم ثقافته العسكرية انخرط في الجندية وقام بمآثر عسكرية ضد الانكليز، فاكتسب شهرة بطل ورفع الى رتبة جنرال، ثم تزوج ابنة احد الضباط الفرنسيين الاغنياء. ثم قرر ترك الهند والرجوع الى فرنسا حيث فقد ثروته في استثمارات غير ناجحة، ثم ادت الحرب الفرنسية الاسبانية الى افقاره.

وكان ل بيار ولد يدعى جان باتيست، خدم في الجيش الفرنسي واصيب في معركة واترلو. كان الوالد بيار يهيء نفسه للسفر الى الهند وهو بعمر 56 سنة لاسترجاع ثروته فسافر الى المشرق ومر بمصر ومنها ذهب الى فلسطين حيث مكث في عكا يهيء للالتحاق بقافلة دمشق ومنها الى البصرة. وفي عكا مرض وفقد عقله وعندما عاد اليه انقلبت حياته راسا على عقب فمارس الشحادة وحياة الدروشة. واثناء ذلك تعرفت اليه الليدي وقد انعمت الليدي  على بيار واحاطته بعناية فائقة، وعندما وصل الكابتن الشاب باحثا عن والده في المشرق وكان بحوزته جواز السفر  يخوله الذهاب الى الهند، فقد وجد والده عند الليدي التي استقبلته في عبرا بانتظار ان يحين موعد السفر، ولكن الشاب لم يسافر وبقي الى جوار الليدي يهتم بخيولها. وقد تعلقت الليدي بالشاب الصغير، لانها اعتقدت انها وجدت فيه شبها غريبا بضابط انكليزي احبته سابقاً. وفي قراءتها لكفه، ولبرجه وفي شكل رجله وجدت انه ينبغي ان تلتصق حياة الكابتن بحياتها.

كان الكابتن يدير املاك السيدة وكان حب الليدي له حباً صوفياً، نقياً، ممزوجاً باولى تحركاتها العاطفية زمن الصبا، وبقناعتها بأن الغيب يحتم عليها ان تضم حياتها الى حياته. ولكن الموت ما لبث ان داهمه فدفنته في حديقة المنزل وكانت تزور القبر مرتين في اليوم ناثرة الزهر وغارقة في بحر من الاحلام.

كانت وفاة ذلك الشاب، الذي اعاد الى نفس الليدي ذكريات الصبا، في اواخر آب 1820 وبعض الكتاب الفرنسيين يميل الى الاعتقاد انها دفنته في حديقة مسكنها لانها كانت مقتنعة بروحانيته ولربما هذا جزء من خيال القصاصين الفرنسيين الذين جعلوا من حياة الليدي موضوعاً شيقاً لقصصهم العاطفية.

ومن زوار الليدي  ستانهوب الفيكونت دو مارسيلوس Marcellus الذي التقى بها في حزيران 1820.

كان مارسيلوس سكرتيرا للسفارة الفرنسية في استانبول  وهو الذي حصل على التمثال الشهير للمرأة الجميلة "Venus de Milo" الموجود في متحف اللوفر وعمل كسكرتير اول لشاتو بريان في سفارة لندن ووزيراً في دويلة ايطالية.

ويقول مارسيلوس بأنه وصل صيدا في منتصف حزيران 1820. وكان مهتما بزيارة الليدي والتهيئة لذلك بذكاء لان الكثير من الرحالة لم يتمكنوا من مقابلتهابسبب سوء اتصالهم بها.

ولذلك ارسل لها وريقة صغيرة لا يذكر فيها شيئاً عنه ويطلب مقابلتها من دون رسميات. فأثار ذلك اهتمامها وارسلت بطلبه. وقد اثار انتباه الشاب الفرنسي ان السكان يطلقون عليها لقب السيد Cid الليدي. وعند دخوله منزلها وجد بدوياً جالساً على جلد دب سرعان ما تبين له انها الليدي. التي سلمت عليه على طريقة العرب واجلسته قربها وهي بثياب الرجال وفي حديثه معها اعتاد على غرابة ثيابها ونسى جنسها. وهي تلبس ذلك لاخفاء هويتها، ولباسها هو لباس الشيوخ الاغنياء لا عامة الناس طبعا.

وكانت وراء لباسها تخفي قامة كبيرة، عيونها كبيرة وحادة ونظراتها تمزج النعومة بالبراءة. وجهها مستطيل وشاحب، وقد وجد الكاتب انها جميلة.

وداخل المنزل، وجد الدبلوماسي الشاب لوحة تمثل حصانا حرا يجتاز سيلا من الماء، ولعل هذه اللوحة هي خير ممثل لشخصية الليدي ووراء اللوحة كانت تخفي صورة لنابليون بونابرت.

كانت الزيارة مناسبة لنقاش طويل ابدت فيه الليدي امتعاضها من رغبة الاوروبيين بزيارتها ثم عند عودتهم الى اوروبا يعمدون الى نشر كتابات عنها يصورونها فيها على ذوقهم ويسيئون اليها. وابدت تفضيلها للفرنسيين على الانكليز وميلها للعرب، كما اخبرته ببعض ما رأته من اسرار الشرق. ويبدو ان الشاعر الفرنسي لامارتين، قد سرق معلومات صديقه  مارسيليوس عن الليدي واضافها الى كتابه  وتوسع بها على هواه.

وفي عام 1821 انتقلت الليدي  ستانهوب من عبرا الى قرية جون حيث استأجرت منزل جوزيف صوايا قرب القرية. والسبب وراء هذا الاختيار غير معروف، وقد يكون لدوافع اقتصادية محض.

وما ان استقرت في مسكنها الجديد الواقع على تلة في آخر جون وقرب دير المخلص حتى بدأت ورشة اعادة تأهيل المسكن على طريقتها. فنظمت الحديقة وجعلتها فائقة الجمال وبنت فيها غرفاً صغيرة واسطبلات ومكاتب خدمة وغير ذلك من امور تساعد على استقبال اللاجئين اليها. واحاطت هذا التجمع بحائط يعلو من 10 الى 6 اقدام لحماية الداخل من الفضوليين. وكان لهذا التجمع السكني بابان، واحد للزوار والخدم وآخر للنساء وللداخلين سراً.

وقد امضى لامارتين الشاعر الفرنسي يوما وليلة في ضيافة الليدي في 1832 وترك وصفاً وانطباعات عن ذلك تقرأ في كتب رحلاته. وكان الجناح الذي سكنته الليدي يطل على قرية مجدلونا وهو مكون من غرفة استقبال ومن غرفة اخرى. كان المسكن شبيها بالخلايا الديرية لجهة تقشفه والليدي كانت في السنوات الخمسة عشر الاخيرة لا تغادر الفراش الا بعد الظهر ولا تنام الا مع الفجر ما بين الساعة الثانية او الخامسة صباحاً. وكانت حاشيتها مؤلفة من سكرتير فرنسي ومن رئيس خدم ومن سبعة عبيد سود، رجلين وخمسة نساء، ومن فتاة لبنانية ومن عشر خدم اخرين يعملون في الاسطبلات والمطبخ وحمل الماء وبوابين يضاف الى ذلك العمال الذين يعيشون في خارج المسكن ويعملون في مشاريع ستانهوب .

ويبدو ان نشاط الليدي بدأ بالتقهقر منذ عام 1820 وازداد تقهقراً مع تقلص مواردها المالية. لذلك احبت ان تنسحب الى جون لتمضية بقية ايامها في هدوء.

وكان صيتها في انكلترا قد جعلها تكتسب لقب في انكلترا قد جعلها تكتسب لقب "ملكة لبنان المجنونة"، بعدما كانت تسعى وتعتقد انها ستكون ملكة اورشليم.

ومن الاحداث المهمة خلال انزوائها في جون كان استقبالها لباشا عكا عبد الله بعد هربه من امام جيش ابراهيم باشا في 1832 حليف الامير بشير، ضاربة عرض الحائط بمعارضة الامير لذلك.

وكانت علاقتها بأمير الجبل قد بدأت تسوء بالتدريج منذ عام 1818 ووصل الخلاف ذروته بعد مقتل الشيخ بشير في العام 1825. وكان الامير بشير قد وزع في القرى اعلانا يحيط به خدم  ستانهوب بتركها والا فقدوا ارزاقهم وحياتهم. وبان من يساعدها سيقطع ارباً. وهذا ما جعل خدمها لا يجرؤون على الخروج. والفلاحون لا يستطيعون مساعدتها.

وعندما حاول الامير اعادة المياه الى مجاريها معها رفضت استقبال الوسيط. ولكن تليين موقف الامير لم يكن نابعا منه بل من وساطة سفير بريطانيا في استانبول السير روبرت ليستون Liston.

سبب معاداة الامير لها هو في اعتقاده بانها جارة خطرة له وصديقة عدوة الشيخ بشير ولا تخفي رأيها السيء به. وقد حاول الامير بكل وسائل الضغط ابعادها عن جون فكان جوابها لمرسليه: "قولوا له انه وحش، واذا ما احب استعمال القوة معي، فانا مستعدة لذلك".

ولذلك، كانت الليدي تساند كل من يقع غضب الامير عليهم ويقتلهم ، وسكان الجبل يخافونها وكان تحت امرتها 400 رجل، فهي تمارس كامل سلطتها كزعيمة اقطاعية على مخدوميها.

وبرغم ضائقتها المادية كانت تستقبل كبار زوار الشرق، وكان البعض منهم لا يحظى بالموافقة على الزيارة. وما يكتب عنها كان يصلها فتقرأه وكثيراً ما كانت تجد فيه مبالغة وسوء نية. وهي عندما قرأت ما كتبه عنها لامارتين حكمت عليه حكما قاسياً، بأن ما كتبه خاطئ وكاذب. وبأنه ليس بشاعر بل ناظم اشعار ولا يقاس اطلاقا بشكسبير.

وقد زارها عالم الآثار Madden  مدير المتحف البريطاني لاحقاً والشاعر الانكليزي Kinglake الذي نقض الزعم الشائع بان الليدي امرأة مجنونة. وكان آخر زوارها الكبار الامير الالماني Muskau .

نهاية هذه المرأة النبيلة كانت تعيسة. ففي عام 1838 اشتكى عليها المدينون الانكليز ووقعت الملكة فيكتوريا امرا بالحجز على ممتلكاتها، وبعد توسل الليدي اوقفت الملكة الامر، ولكن مشكلة الديون بقيت عالقة، فالليدي من دون مال، وعليها الاف القروش دينا لسكان القرية وعندها 34 خادما عليها تأمين اعالتهم.

وفي 23 حزيران 1839 انطفأت الليدي  ستانهوب في عزلة تامة فنهب خدمها المنزل وبقيت جثتها متروكة ثلاثة ايام. ولم يجر دفنها الا في ليل 26 حزيران بعد تدخل القنصل البريطاني ومرسل امريكي.

ما بقي من منزل الليدي ستانهوب في جون خرائب بين اشجار الزيتون تذكر بتلك المرأة التي اثارت فضول اوروبا وكتابها في منتصف القرن التاسع عشر، فحاكوا حولها قصصاً كالاساطير. ويبقى السؤال الذي لا جواب واضحاً عليه.

ماذا جاءت تفعل هذه الليدي في الشرق؟

 

 

 .....................

* التوثيق

1. ألياس قطار- لغز في تاريخ الشرق اسمه الليدي هيستر ستانهوب، مجلة الصياد (بيروت/ لندن)، الاعداد- 2292 ( 7 /10 /1988) و 2293 (14 / 10 / 1988) و 2294 (21 / 10 / 1988) و 2295 (28 /10 / 1988).

2. بيير كربتيس – ابراهيم باشا، ترجمة – محمد بدران، ط1، دن، القاهرة، 1937.

3. محمود السمرة – غربيون في بلادنا، ط1، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1969.

4. ميخائيل مشاقة – مشهد العيان بحوادث سوريا ولبنان، القاهرة، 1908.

5. علي الوردي – لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (ج2)، ط1، دار الوراق، لندن/ بيروت، 2007.

6. روجيه جاويش – حسناء جون، ط1، بيروت، 1970.

7. Stanhope, Hester Lucy, Wrote- Meryom, charles lewis, memoirs of the lady Hester Stanhope, Henry Colburn, Retrived, loundon, 2014.

8. Stanhope, Hester Lucy, Wrote- Meryom, charles lewis, Travels of the lady Hester Stanhope, Henry Colburn, loundon, 2014.

9. Michel de Gréce – Aimée du Buc de Rivery- la nuit du Serail, Gallimard, Paris, 1982.

10. Philip Hitti – Lebanon in history, London, 1957.

11. Sarah Searight- The British in the middle East, London, 1969.

12. Hussein El- Mudarris, Oliver Salmon, Alphonse de lamartime voyage, en orient 1832- 1833, Aleppo Art.

13. The Encyclopedia Americana, vol 25 edition 1962- Stanhope, lady Hester Lucy.

 

 

 

emadadeen ibrahimما من فيلسوف في الفكر الإسلامي تعرض للظلم في الحكم علي فكره من الفيلسوف أبو بكر الرازي . ولقد تم انتقاص حق هذا لفيلسوف من قبل مؤرخي الفلسفة ، رغم أن الرازي يعتبر بحق من أعظم فلاسفة الإسلام ، ولقد وضع نظريات فلسفية تجعله في مصاف الفلاسفة الحقيقيين. يحكم مؤرخي الفلسفة عليه أنه طبيب بارع في الطب من خلال شهرته في وضع كتاب الحاوي. لكن هذا ظلم وجور بين وواضح لان الرازي له نظريات فلسفية عميقة تجعله من الفلاسفة الحقيقيين أصحاب المكانة المرموقة في الفكر الفلسفي الإسلامي، لا تقل هذه المكانة عن الكندي والفارابي وابن سينا. وإذا رجعنا إلي سيرة حياته لنتعرف علي فكره الفلسفي العميق ، وكيف أنه جمع بين التفوق في الطب ، والبراعة في الفلسفة. نري أن الرازي عرف عنه حبه للعلم والأدب والشعر والفلسفة والمنطق. ومع ذلك تعود شهرته إلي كتابه (الحاوي) الذي ترجم إلي اللاتينية ، وتعرفت أوروبا علي الطب العربي من خلاله. ويجب أن نشير إلي أن الطبيب في عهد الرازي كان فيلسوفا  ، وكانت الفلسفة ميزانا توزن به الأمور والنظريات العلمية. ويعتبر الرازي فيلسوفا موسوعيا له نظريات في جميع فروع الفلسفة .و كان معجبا بسقراط أيما إعجاب ، ويدافع عن سيرة سقراط فيقول أن العلماء يذكرون الفترة الأولي من حياة سقراط ، حينما كان زاهدا وسلك طريق النساك. وللرازي إسهامات في محالات العلوم الطبيعية مثل علم الفيزياء، حيث اشتغل بتعيين الكثافات النوعية للسوائل . بل كان يدعو العلماء وخاصة الأطباء إلي الآخذ بالعلوم الطبيعية ، ولقد قال عنه ابن النديم في الفهرست أنه أوحد دهره ، وفريد عصره ، قد جمع المعرفة بعلوم القدماء لاسيما الطب. أما عن فلسفته فقد تميزت بجرأة وروح نقدية عالية . فلقد انتقد مثلا أرسطو وخرج علي كثير من افتراضاته الطبيعية والميتافيزيقية. كما تمثل منهجه وروحه النقدية في انتقاد محاولة الفلاسفة في التوفيق بين الفلسفة والدين. وتمتاز أيضا فلسفته بنزعة إنسانية واضحة تعم الإنسان والحيوان، وهذه النزعة كانت من ميراث منهجه الفلسفي. كذلك يراعي الرازي في فلسفته الاعتماد علي ما تراكم من الموروث الفلسفي الشامل دون الاقتصار علي مدرسة بعينها. ولقد اشتملت إضافاته الفلسفية حقول الميتافيزيقا والطبيعيات ، وكذلك مذهب الربوبية . كذلك اهتم الرازي بالعقل وعرف مكانته وأعطاه اهتماما كبيرا. ويجب أن نشير إلي حقيقة هامة وهي ان منهج الاستقلال الفكري الذي امتلكه الرازي تجاه التراث الماضي في جميع المجالات قد ساهم إلي حد بعيد في صياغة مذهبه الخاص. ولقد ساهم الرازي بمحاولاته الفلسفية العميقة في تأسيس علم مقارنة الأديان والملل والنحل.  ومن أشهر نظرياته الفلسفية هي نظريته في الميتافيزيقا ، أي نظرية المكونات الخمسة حيث اعتقد الرازي بوجود خمس مكونات أبدية وهي الله والروح والمادة والفراغ والزمن. كما يري ان اله لم يخلق الكون من عدم. كما أن نظريته في الأخلاق تعتبر من النظريات التي توضح عمق فسفته وأرائه الرائدة في هذا المجال. من كل هذا يتبين لنا كيف تعرض الرازي لظلم بين وواضح في الحكم عليه فقط انه طبيب مشهور ، وتم التغاضي عن نظرياته الفلسفية وإهمالها . لقد تأكد بما لا يدع للشك عمق نظرياته الفلسفية. والتي لابد من إنصاف الرجل فيها .

 

diaa nafieتلقيت دعوة كريمة من معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية للمشاركة في مؤتمر الاستشراق في المعهد المذكور، وقد وافقت طبعا على هذه الدعوة للمشاركة في اعمال المؤتمر، فطلبوا مني تحديد عنوان البحث الذي أنوي تقديمه امام المؤتمر، فاجبتهم ان عنوان البحث سيكون – تشيخوف في العراق، واستلمت موافقتهم فعلا، وهكذا بدأت التحضير لالقاء  خلاصة هذا البحث في المؤتمر في حدود (15) دقيقة.

لقد أخذت بنظر الاعتبار طبعا الواقع الروسي بشكل عام تجاه موضوعة انتشار الادب الروسي في البلدان العربية عموما والعراق خصوصا، وتذكرت كيف تكلمت استاذة الادب الروسي  مرة في مناقشة طالبة من طالباتي السابقات بشأن اطروحتها حول تشيخوف  في احدى الجامعات الروسية وطرحت عليها السؤال الاتي -– ( وهل يعرف العرب تشيخوف كما يجب حتى قررت ان تكتبي اطروحتك عنه؟)، وقد كنت موجودا في قاعة المناقشة تلك بصفة غير رسمية (كضيف مدعو)، فاضطررت ان اطلب الكلمة واقول لها ان الاكاديمي كراتشكوفسكي أشار في الجزء الثالث من مؤلفاته المختارة بستة اجزاء الى ان العرب في فلسطين بدأوا بترجمة قصص تشيخوف اثناء حياته في نهاية تسعينات القرن التاسع عشر، وكان في القاعة ايضا طالب آخر من طلبتي، والذي ناقش اطروحة الماجستير في كلية اللغات حول تشيخوف وباشرافي العلمي، فناديته وسألته امام الجميع – ما هو عنوان اطروحتك في جامعة بغداد ومتى ناقشتها، فأجابني امام القاعة عن سؤالي، واختتمت كلمتي قائلا، ان هذه الوقائع يجب ان يعرفها الشخص الذي يتحدث حول الادب الروسي في العراق وبقية البلدان العربية . لم تستطع تلك الاستاذة ان تجيبني بعد ذلك وبقيت صامتة، وطلب رئيس لجنة المناقشة تسجيل كلمتي في المحضر العلمي للجلسة، رغم اني لم أكن عضوا في لجنة المناقشة تلك .

تذكرت كل ذلك عندما بدأت بالتخطيط لمساهمتي في اعمال مؤتمر الاستشراق المذكور، فاخذت ابحث عن الوثائق الملموسة لتقديمها امام المؤتمرين كي لا تكون كلمتي مثل الكلمات الاخرى التي تمر مرور الكرام على ارض اللئام كما يقولون، وتذكرت مقالتي بعنوان – ( عادل كاظم وتشيخوف)، والتي تحدثت فيها عن مسرحية كتبها الكاتب المسرحي العراقي عادل كاظم مقتبسا قصة تشيخوف القصيرة  وعنوانها – (المنتقم) وحوٌلها الى مسرحية، والمنشورة في مجلة (المثقف) العراقية في عدد تموز/ يوليو 1962 من القرن الماضي (وهو عمل رائع و مبتكر واصيل بكل معنى الكلمة قام به الكاتب العراقي)،  والتي اكتشفتها بالصدفة بين كتبي القديمة في روسيا، وقررت ان اعرض مجلة (المثقف) العراقية تلك امام المؤتمر، وان اهديها في نهاية كلمتي الى معهد الاستشراق كي تبقى في مكتبتهم باعتبارها وثيقة عراقية مهمة جدا عمرها اكثر من خمسين سنة حول تشيخوف في العراق .

قررت ايضا ان ادعو واحدة من طالباتي السابقات، والتي ناقشت اطروحة الماجستير في كلية اللغات بجامعة بغداد عن تشيخوف وباشرافي العلمي في نهاية التسعينات من القرن الماضي (وهي تسكن في موسكو الان مع عائلتها) لكي تتحدث - اثناء كلمتي- لعدة دقائق امام المؤتمر عن اطروحتها تلك والموسومة – (تشيخوف في النقد الادبي العربي)، وقد وافقت فعلا على الحضور والتحدث امام المؤتمر المذكور، وذلك ضمن الشواهد والامثلة حول التعامل العلمي والموضوعي مع تشيخوف في العراق.

 تذكرت ايضا ان وفد جامعة بغداد (وكنت أنا من ضمنهم) قد زار جامعة موسكو في نهاية القرن الماضي و أهدى نسخة من اطروحة ماجستير تم انجازها في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات عنوانها – (مسرح تشيخوف في العراق)، وكيف تقبل هذه الهدية بسرور وترحاب عميد معهد شعوب آسيا وأفريقيا التابع لجامعة موسكو آنذاك واعتبرها (هدية كبيرة من العراق) وقال انه سيضع هذه الهدية في المكتبة المركزية لمعهدهم ليطلع عليها الاساتذة والطلبة في المعهد المذكور، و قررت الاشارة الى ذلك في كلمتي.

تذكرت ايضا انني كنت مشرفا علميا على اطروحة ماجستير عنوانها – (الادب الروسي في مجلة الاقلام العراقية)، واننا وجدنا هناك كثيرا من المواد الخاصة بالادب الروسي عندما جردنا اعداد هذه المجلة منذ صدورها في ستينات القرن الماضي، ومن بين تلك المواد وجدنا ان الفنان العراقي بدري حسون فريد قد حوٌل قصة ( الحرباء) لتشيخوف الى مسرحية ونشرها في مجلة الاقلام، وهو عمل رائد وكبير (مثل عمل عادل كاظم الذي أشرنا اليه اعلاه) يدل – بما لا يقبل الشك - على التعامل الابداعي والعلمي  للادباء والفنانين العراقيين مع نتاجات تشيخوف وتفهمهم العميق لتلك النتاجات .

وتذكرت الدكتور عبد الامير الورد وهو يمثٌل على خشبة المسرح في بغداد مؤدٌيا دوره في احدى مسرحيات تشيخوف، وكيف انه شرح لي عندما التقيته في جامعة صنعاء ذكرياته عن عمله هذا ولماذا اختار تشيخوف بالذات ، وتذكرت الفنان الدكتور سامي عبد الحميد وحديثه عن تقديمه لاعمال تشيخوف المسرحية عندما كان يدرس الفنون المسرحية في اوربا، وتذكرت الاديب والباحث والاكاديمي العراقي الكبير   د. شاكر خصباك، الذي أصدر ببغداد عام 1954 وفي الذكرى الخمسين لوفاة تشيخوف اول كتاب عراقي عن الكاتب الروسي الكبير (وهو ثاني كتاب في العالم العربي عن تشيخوف بشكل عام).

وتذكرت خليل خوري الذي ترجم عن الفرنسية كتاب هنري ترويا  الضخم عن تشيخوف وبمراجعة د. علي جواد الطاهر العلمية الصارمة الدقيقة ونشرته وزارة الاعلام في بغداد، وتذكرت د. حياة شرارة التي اصدرت كتابا في بغداد بعنوان تشيخوف بين القصة والمسرحية وقالت لي في حينها ان والدها محمد شرارة هو الذي اقترح عليها عنوان الكتاب المذكور، وتذكرت كتابي الذي ترجمته عن تشيخوف وهو من تأليف ايليا ايرنبورغ وردود الفعل الايجابية حوله، وكيف طبعته طبعة ثانية في بغداد وكيف ظهرت طبعات اخرى له في مصر دون علمي...

بدأت ايضا باعداد قائمة بمقالاتي المنشورة  في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية حول تشيخوف في السنين الاخيرة، (واكتشفت!) انها  اكثر من ثلاثين مقالة، وقررت ان اطبع عناوين تلك المقالات في قائمة واحدة باللغة الروسية مع الاشارة الى مكان نشرها وتاريخه واوزعها على المؤتمرين كوثيقة من وثائق المؤتمر المذكور اثناء القاء كلمتي تلك ...

وبدأت فعلا بتنفيذ كل ما خططت له، ولكن المرض اللعين داهمني، واضطررت ان أرقد في الفراش، وكنت اتمنى ان اتعافى واعود الى تنفيذ عملي، ولكني لم استطع مع الاسف الشديد، وهكذا اضطررت ان اتصل بمعهد الاستشراق واعتذر عن المشاركة في اعمال المؤتمر المذكور بسبب مرضي اللعين هذا، وقد تأسفوا لذلك وتمنوا لي الشفاء، واعلمني بعض الزملاء الذين شاركوا في المؤتمر ان اسمي وعنوان بحثي كانا موجودين في وثائق المؤتمر ومنهاجه . الان وقد عدت تقريبا الى وضعي الصحي السابق، وتعويضا عن كلمتي تلك، قررت أن أحكي لكم هذه القصة.

 

hashem mosawiكان ذلك في بداية ستينات القرن الماضي .. فقد تعوّدتُ، بعد أن أكملتُ دراستي للغة الألمانية في معهد هيردر بمدينة لايبزك، أن أُسافر كل عام في العطلة الصيفية من برلين إلى دمشق وبيروت، وأبقى فيهما قرابة الشهرين، ثم أعود إلى برلين، وأكون قد جدّدتُ قواي، لأتحمّل هموم الجليد، ووحشتي في الشتاء، وأعباء الدراسة المضنية، كان ذلك يجري في كل عام بشكلٍ مُبهج ومُريح، هذه الممارسة تركت لديّ انطباعات حلوة عن السفر، حيث كُنتُ أستقلّ قطار الشرق السريع من برلين إلى أسطنبول ماراً بأكثر من أربع دول، حيث تتنوّع في كابينتي القوميات، والملابس، والوجوه، والأعمار، والأمزجة، فمنها المُداعِبة البشوشة، ومنها السمجة ذات الوجوه المتجهّمة.. وأحياناً تحدث علاقات وصداقات سريعة يتم من خلالها تبادل المشاعر وأرقام الهواتف والعناوين، وفي بعض الأحيان كان يتم التواصل والزيارات المتبادلة.

هناك في مقاهي بيروت ودمشق، كنتُ ألتقي  بأدباء ومثقّفين عراقيين وعرب، في مقاهي شارع الحمراء، وفي مقاهي المهاجرين المُطلّة على دمشق، ونتبادل هناك أحلى وأصخب الأحاديث والمناقشات السياسية والفكرية والفنية والأدبية.

في عام 1966، فكّرتُ، ومن باب التغيير أن أستقلّ الباخرة، لأقطع بها نصف المسافة، وكان الخيار هو أن أصل إلى أثينا بالقطار، ثم أصعد للباخرة من ميناء بيريوس القريب منها، كلّ ذلك كان مُريحاً وبهيجاً.. في القطار المزدحم، الذي كان نصف راكبيه من الألمان، وقبل أن نصل إلى الحدود اليونانية، حدثت مشادة كلامية، تحوّلت بعدها إلى شجار بين عددٍ كبيرٍ من الركاب، اُستعملت فيه الأيادي، وبعض قطع الأثاث، التي تمّ اقتلاعها من عربة المطعم. كان ذلك كلّه بسبب أنَّ اللعبة النهائية لكأس العالم لكرة القدم، كانت تجري بين ألمانيا وإنكلترا، أثناء ما كنّا راكبين في القطار. وكانت تُنقل وقائع المباراة بواسطة السمّاعات والراديو. ولا أدري لماذا اصطفّت القوميات الأخرى كلها بالتشجيع والدعاء لفوز الفريق الإنكليزي.

اضطرّ القطار للتوقّف بين يوغسلافيا واليونان، وتدخّلت الشرطة واتخذت الإجراءات المتّبعة، ثم عاود القطار السير.

وصلتُ أثينا، قبل موعد رحلة الباخرة بيومٍ واحد، وأقمتُ في أحد الفنادق المتواضعة، كنتُ قلقاً، وتُحاصرني أسئلةٌ كثيرة.. كيف سأصل في اليوم الثاني إلى الميناء؟ وكم هي المسافة؟ وهل سأركب الحافلة، أم بسيارة تاكسي إلى هناك؟

كنتُ مرهقاً من السفر، وطلبتُ من استعلامات الفندق إيقاضي صباحاً في الساعة السابعة، آملاً في إمكانية زيارة بعض المواقع الأثرية في أثينا، والتي قرأت عنها بشكلٍ متمعّن في المقرر الدراسي (تاريخ العمارة الأغريقية)، وكان ذلك في الفصول الأولى من دراستي الجامعية تفاجأت بأن  ينصحني موظف الاستعلامات بألا أقوم بهذه الزيارة، لأن المواقع الأثرية وأهمها معبد البارثينون، تقع كلّها بعيدة عن موقع الفندق.. وأنَّ وقتي لا يتّسع إلا لإجراء جولة سريعة في الأسواق القريبة.. ثم  وصف لي طريقة الوصول إلى مكان انطلاق الباخرة بعد أربع ساعات من الآن، شعرتُ بمرارة، أنّي جئتُ إلى أثينا قبل يومٍ واحد فقط من رحلة الباخرة، كل شيءٍ مرَّ بعد ذلك بهذه السويعات القليلة ببهجة وسرور، حتّى وصلتُ إلى ميناء بيروس، بحقيبتي الثقيلة المحمّلة ببعض الكتب والهدايا، لم تكن الباخرة قد وصلت بعد.. قالوا لي بأنها تنطلق من ميناء أوديسا عبر تركيا، وموانئ أخرى، ثم تصل إلى اليونان، وربما ستصل، بسبب التأخير بعد ساعة من الآن. لم يكن لديّ خيار غير أن أجلس على المصطبة الوحيدة الفارغة عند شاطئ البحر، وأضعَ حقيبتي بجانبها، وأسرحَ في أحلام وذكريات وأنا أنظر لأمواج البحر، وهي تتراقص أمامي، كنتُ أتوقّع أن ألتقي بأحد أصدقائي من مرحلة الدراسة الإعدادية في البصرة، وهو قادم من النمسا، بعدما أخبرتهُ بخطّتي للسفر بالباخرة، وأعطيتهُ موعد انطلاقها، وهو أيضاً كان عازماً السفر إلى بيروت.. خلافاً لتوقّعاتي لم يأتِ صديقي، وبقيتُ وحيداً على مصطبتي، أنظرُ إلى الشاطئ المزدحم بالمسافرين والمودّعين.

ولكن الذي حدثَ وهو بعيد عن التوقّع.. أن أرى شاباً وسيماً يتأبط ذراع فتاة جميلة.. يرتديان بدلات احتفالية، وليس لديهما حقائب، بشكلٍ لا ينمّ على نيّتهما للسفر.. وبعد أن تمشّيا بشكلٍ إيقاعي بما يوحي للمشاهد بما يتمتّعان به من مرحٍ غامر.. نظرا إلى المصطبة التي أجلس عليها، وتوجّها إليها، وجلسا بجانبي دون الاكتراث بي، وبعدما ابتدءا الحديث، أدركتُ أنّهما مواطنين من بلدي، وفهمتُ من حديثهما، أنهما يقضيان شهر العسل في أثينا.. ولم تكن لي الرغبة لتعريفهما بأنِّي عراقي أيضاً.. بقيتُ متسمراً في مكاني، فليس لديّ خيارٌ آخر، المصاطب الأخرى تكتظّ بالمسافرين المنتظرين مع حقائبهم الثقيلة. أنا الذي يعرف عنّي كل الأصدقاء، بأنّي لا أمتلكُ أي نسبة، ولو قليلة من الفضول، لا أحبّ أن أعرف شيئاً لا يُعرض عليّ، أو يتم التحدّث به إليّ.. وعندما أرى الناس يتحدّثون بصوتٍ خافت، أُحاول أن ابتعد عنهم قليلاً، حتى لا أسمع ما يتحدّثون به... ولكن المأزق الذي أنا فيه الآن، أتى بشكلٍ عرضيّ، ولا مجال للخروج منه، بدأ العروسان بالتحدّث عما جرى بينهما ليلة أمس في فراشهما الزوجي.

ذلك البحر الواسع بلون مياهه اللازوردية المهدّئة للروح، والطيور السابحة في الأجواء، والسفن الراسية في الميناء.. كل ذلك اختفى من أمامي، أصبحتُ أرى وأسمع فيلماً جنسياً بكل لقطاته المُثيرة. كأنني شاهدتهما عاريان أمامي، صرتُ أتصوّر السرير الذي تتوالى عليه الأحداث، والغرفة التي شبّت فيها العواطف والمشاعر بأعلى صورها.. عدتُ بومضاتٍ سريعة في ذاكرتي، إلى مرحلة مراهقتي الأولى، حيث كان الحرمان الجنسي ينهشني، وأنا في مدينتي المُحافظة في الجنوب، وكيف أنّي عندما كنتُ أُسافر إلى بغداد لأيامٍ معدودات كان يصطحبني بعض الأصدقاء إلى الملاهي، التي كنتُ أتلذّذ فيها بمشاهدة الراقصات البدينات، وهنّ يعرضن أفخاذهنّ.

لم يعد ذلك بالنسبة لي سوى نوعاً من الحنين الساذج إلى نزوات الشباب الأولى... بعد كلّ الذي عشتهُ وشاهدتهُ في المجتمع الجديد، الذي انتقلتُ إليه منذ سنوات، وتردّدتُ صيفاً على بعض شواطئ بحر البلطيق في شمال ألمانيا، حيث يستلقي فيها الناس عراة.

فكّرتُ بأن أقوم من مكاني... خفتُ أن ينتبها إليّ أنّي فهمتُ اللغة التي يتحدّثان بها.

والموقف الأصعب الذي تفجّر تواً.. أنهما بدءا يتشاحنان بالكلام، متّهمين بعضهما الآخر، بحصول الخبرة الجنسية قبل الزواج... هنا تصبّب العرق من جسمي، وأدرتُ وجهي إلى الجانب الآخر، خوفاً من أن تظهر على وجهي علامات التهيّج... افتعلتُ البحث في الحقيبة عن شيءٍ ما... وقلتُ بداخلي يا إلهي، إنَّ هذا أحرج موقف يواجهني، هل أقوم من مكاني، وأتمشّى، وأترك الحقيبة الثقيلة بجانب المصطبة؟ هل أبقى جالساً متظاهراً بأنّي لا أفهم أي شيءٍ عمّا يدور حولي من حديث.

الحمد لله... والحمد لله على كل شيء... بعد قليل، هدأت مشاعر الغضب والانفعال بينهما.. وبدأ الاثنان يتنازلان، وفي لهجة تساومية، يبحثان عن موضوعٍ آخر، يستبدلان به موضوع الخلاف، وأول ما نطقت به العروسة:

"ما أثقل دم هذا اليوناني الجالس بجانبنا".

 

saleh altaeiعبد الله بن المقفع أديب بليغ مشهور. كان مجوسيا، فأسلم على يد عيسى بن علي عم المنصور العباسي. قال الخليلي: "لما اجتمعتُ به، رأيت علمه أكثر من عقله"(1)

قالوا: ولد ابن المقفع في بلاد فارس سنة ١٠٦للهجرة الموافق لسنة ٧٢٤ ميلادية، ثم انتقل إلى البصرة وعاش ومات بها. وقال آخرون: إنه ولد وعاش ومات بالبصرة.

والحقيقة أن الرجل لم يمت حتف أنفه وإنما قتل قتلة شنعاء حيث مثل به، وأحرق جسده. قتله العباسيون في خروج عبد الله بن علي، على ابن أخيه أبي جعفر المنصور، بالرغم من كون ابن المقفع لم يكن مع الثوار وإنما تورط في ذلك لمجرد أنه كان كاتباً عند أعمام المنصور، وأخلص لهم حينما أحكم صياغة كتاب الأمان الذي أعطاه المنصور لعمه عبد الله. وقيل: إن المنصور أمر بتقطيع أوصاله ثم أحرقه. ومن المرجح أنه قتل بين سنتي 13 و 142للهجرة.

هكذا شاءت إرادة الطغاة أن تحرم الأمة من هذا العالم الكبير الذي لم تشفع له أفضاله العلمية الجليلة بنقل التراث الفارسي المكتوب بالبهلوية (اللغة الفارسية القديمة) في عدة كتب شهيرة، هي: (خداينامه) في سيَرِ ملوك الفرس، و(آئين نامه) وهو في قوانين الفرس القدامى ورسوم ملوكهم في قيادة الجيوش وفنون الحرب والآداب العامة، و(التاج في سيرة أنو شروان) وهو في سيرة الملك كسرى أنو شروان وأخلاقه، و(نامه تنسر) وفي تشريعات الفرس القدامى.

ولم تشفع له أفضاله الجليلة في نقل كتب الحكمة المتعالية الفارسية إلى العربية، مثل كتاب (الأدب الكبير) أي: الحكمة العالية أو اﻷدب الرفيع. وكتاب (اﻷدب الصغير)، وكتاب (اليتيمة).

ولم تشفع له أعماله بترجمة بعض أشهر كتب اليونان من الفارسية إلى العربية، وهي الكتب التي ترجمها الفرس من قبل إلى لغتهم، حيث كان الفرس كما قال ابن النديم(2) قد نقلوا في القديم (قبل الإسلام) شيئاً من كتب المنطق والطب اليونانية إلى لغتهم الفارسية.

ولم يشفع له نقله إلى العربية واحدا من أشهر الكتب في العالم، وهو كتاب (كليلة ودمنة).

المدهش في الأمر أن ابن المقفع أنجز هذه الأعمال الكبير حتى دون تمويل من الدولة، إذ المعروف أن الخلفاء العباسيين كانوا يمولون عمليات ترجمة الكتب من اللغة اليونانية إلى العربية فقط، أما ترجمة الكتب الفارسية وغيرها، فتمت بمبادرة من الكتاب الفرس أنفسهم، أو بأمر من الخلفاء، ولكن بدون تمويل. وقد ذكر ابن النديم(3) أسماء أكثر من عشرين كاتبا فارسي الأصل كانوا من فصحاء اللغة العربية، تركوا بصمة واضحة في الحضارة الإسلامية، بل وأسهموا في رفد حضارة الإسلام النامية بكم كبير من درر ونفائس تراث الإمبراطورية الساسانية وحضارة فارس.

 

إن من يقدم مثل هذه الأعمال الجليلة إلى أمة الإسلام، لا يمكن أن يكون قد قصد الإساءة إليها أو إلى الدين كما يدعي بعض المتطرفين الجهلة، ولا يمكن أن يكون قد دخل إلى الإسلام لغاية أو هدف تخريبي لكي يتهموه بالعداء للإسلام وبالزندقة، إذ قال الجاحظ: "إن ابن المقفع ومطيع بن أياس ويحيى بن زياد كانوا يُتهمون(4). ولكنه لم يذكر اسم من كان يتهمه بالزندقة!

إن هؤلاء الطاعنين والمشككين قبل غيرهم كانوا يعرفون حقيقة سرائر هذا الأديب والعالم الكبير، ولكن حقدهم وتطرفهم، ورفضهم للعلوم الحديثة، دفعهم إلى اختلاق الأكاذيب للإساءة إلى تاريخ هؤلاء العلماء الأعلام؛ ومنهم ابن المقفع صاحب الفضل الكبير على حضارتنا، ولذا تعمدوا تشويه سيرته، والطعن في صحة إسلامه؛ بما نسبوه إليه من أكاذيب ودجل، ومن ذلك قولهم: "يقال(5) أن ابن المقفع مر ببيت نار المجوس، فتمثل بأبيات(6). ولا أدري ماذا كان يفعل بيت النار بالبصرة في ذلك الوقت المتأخر من عمر الإسلام، ولاسيما وان ابن المقفع ولد بالعراق كما في بعض الروايات سنة 106 للهجرة! أي أنه لم يولد في بلاد المجوس، ولم ينشأ فيها ليعرف بيوت النار.

إن من المؤكد أن هذا التحجر هو الذي  دفع بعضهم إلى وصم ابن المقفع بالزندقة، إذ نقل عن ابن المهدي، أنه قال: "ما رأيت كتابا في زندقة إلا هو أصله"(7). ومع ذلك لم يتمكن لا ابن مهدي ولا ابن النديم ولا ابن حجر ولا غيرهم من المتقولين من ذكر ولو كتابا واحدا في الزندقة وضعه الرجل الكبير! الذي انقلب جميله الذي أزجاه للأمة هما وغما عليه.

المؤسف والمحزن أن هذا الذي علمه أكثر من عقله لم يشفع له لا العلم ولا العقل حينما غضب عليه الحاكم، بل كان علمه وعقله سبب موته، وقد روى ابن حجر قصة مقتله بقوله: "وكان قتله المنصور سنة أربع وأربعين ومائة، لأن المنصور لما ظفر بعمه عبد الله بن علي، بعد أن جهز له جيشا بقيادة أبي مسلم الخراساني الذي هزمه، استأمن لعبد الله أخواه عيسى وسليمان المنصور، فآمنه، فطلب عبد الله من يرتب له كتاب أمان لا يستطيع المنصور أن ينقضه، وكان ابن المقفع كاتب سليمان أمير البصرة، فأمره أن يكتب، فكتب نسخة الأمان ومن جملته: "ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله فعبيده أحرار، ونساؤه طوالق، والمسلمون في حل من بيعته". فاشتد ذلك على المنصور، وأمر سفيان بن معاوية المهلبي ـ أمير البصرة ـ وكان يعادي بن المقفع أن يقتله، فاحتال عليه فقتله. فاستعدى عليه سليمان إلى المنصور، فأحضر الشهود ليشهدوا أنه قتله، فقال لهم المنصور: "إن قبلت شهادتهم، وقتلت سفيان، فخرج ابن المقفع من هذا الباب، ما أصنع بكم؟" فرجعوا في الحال عن الشهادة، وبطل دم ابن المقفع(8).

وهكذا بسبب نزوة حاكم، وحقد والٍ، وجهل أمةٍ، فرطنا بعلم من كبار أعلام الأمة لمجرد أنه اخلص لولي نعمته، ونصح له، بدل أن نفيد من خبرته ونوظفها في تنمية خبراتنا، لنخدم ديننا وأمتنا. وكم من عالم قتله علمه وجاهل نال المقام الرفيع!

 

....................

الهوامش

(1) ابن حجر، لسان الميزان، ج3/ص366، ترجمة: 1465.

(2) ابن النديم، الفهرست

(3) المصدر نفسه

(4) ابن حجر، لسان الميزان، ج3/ص366

(5) أما القائل فمجهول

(6) ابن حجر، لسان الميزان، ج3/ص366

(7) المصدر نفسه، ج3/ص366

(8) المصدر نفسه، ج3/ص166ـ167.

 

jawad abdulkadomرأيت الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم عيانا وتعرفت إليه في مكتبة الفلفلي في منتصف عقد الثمانينيات بواسطة صديقنا المشترك صاحب المكتبة محمد الفلفلي (استشهد في حرب الخليج الثانية سنة 1991م) الذي عرّف بيننا عندما التقينا في مكتبته، ومنذ اللحظة الأولى شعرت بشخصيته المرموقة وسعة اطلاعه، وشدّني بأسلوبه الجميل وطبعه الهادئ، وكنت قد قرأت له قبل ذلك مجموعة غير قليلة من مؤلفاته ومقالاته المنشورة في الصحافة المحلية، ومازلت احتفظ ببعضها في أرشيف مكتبتي الخاصة ؛ كما شعرت بارتياح عزيز السيد جاسم لي ورغبته بالتواصل والحديث معي، وكان حديثنا عاما وقصيرا في عالم الكتب والمؤلفين .

لم نتحدث في السياسة على الإطلاق وتحاشينا الخوض فيها رغم حديثنا عن كتب ذات طابع سياسي أو قريبة منه، فقد ابتعدنا عن الحديث السياسي لأن الأوضاع العامة لا تشجع على ذلك، وقد ارتسمت أمامي المضايقات العديدة التي تعرض لها عزيز السيد جاسم بسبب كتاباته التي لم تعجب السلطة، وما مرّ به من معاناة شديدة، وخاصة عند صدور كتابه (علي سلطة الحق) .

كنت قد قرأت الكثير من كتب الفكر السياسي الصغيرة لعزيز السيد جاسم، ولم أتفق مع بعض ما ورد فيها، وقرأت له في الثمانينيات كتبا أخرى منها : (الاغتراب في شعر الشريف الرضي)، و(محمد الحقيقة العظمى)، و(علي سلطة الحق)، و(متصوفة بغداد)، فوجدت نفسي أقرب إليه ؛ كما كنت أتابع ما ينشر في جريدة العراق من مقالات قيمة ودراسات معمقة وكتابات لا تخلو من جرأة في طرحها ؛ فضلا عن روايته (الزهر الشقي) التي نشرت على حلقات قبل ظهورها كاملة، ورأيته كما وصفه الناقد الكبير شكيب كاظم فيما بعد (عقل باهر وفكر زاخر منذ بواكير كتاباته المعرفية).

وأذكر مقالة مؤثرة بعنوان (خواطر عن النخيل أكرم الشجر) نشرها يوم 12/6/1985م في جريدة العراق، وهي محفوظة في أرشيفي إلى الآن لشدة إعجابي بها، وقد جاء في مقدمتها (لم يحدثني أحد عن صوت النخلة الذبيحة، فقد سمعته بنفسي، فعندما يحز المنشار عنقها فإنها تصرخ صرخة العاتب الحزين الذي يتألم للذابح لا للمذبوح ؛ إنها تقول "آه" مرة واحدة، ثم تصمت إلى الأبد)، ويضيف (إنه صوت يصعب أن تجد له مثيلا في وصفه – أذن – إلا من باب استدعاء الأوصاف في اللغة، ومن بين عشرات ومئات الأصوات الكسيرة، المتألمة، المعذبة، التي تودع الحياة على مشرعة القتل ؛ يظل صوت النخلة التي احتز رأسها الصوت الأكثر تفجعا، الأكثر امتلاء بـ "الليش" والأسى والشفقة ؛ إنه الجئير الآتي من أعماق الأبدية، وهل أعجب من عناق من عناق النخلة للأبدية؟)، وتضمن المقال أحلى وأعمق عن عمتنا النخلة والوصية بإكرامها من قبل النبي (ص)، وصدق أخوان الصفا (وهم أهل علم وموجدة وألفة وصحبة واختيار حين اعتبروها أرقى مرحلة في تطور النبات، وأول مرحلة في صعود النبات إلى مملكة الكائنات الحيوانية، فهي في سلم التطور آخر ما وصل إليه النبات من رقي .

أثار كتابه (علي سلطة الحق) ضجة كبيرة، وقد بحثت عنه واقتنيته، فلم أجد فيه على محاسنه ما استوجب تلك الضجة، ولكني علمت بعد حين أن هذا الكتاب المعروض في المكتبات العراقية هو المطبوع في بغداد بعد حذف فقرات كثيرة، وهو غير الكتاب المطبوع في بيروت الذي أثار تلك الضجة، وتسبب في سخط السلطة وأثارت دوائرها الأمنية، فصبت جام غضبها على مؤلفه، وأعتبر رسالة تحد صارخ لها في زمن شاع فيه الخوف والصمت الرهيب، وليس هذا فحسب بل اشترت الكتاب ومسوداته من الناشر قبل توزيعه، ونفذت فيه حكم الإعدام !! ولكن تسربت نسخ منه، فأعيد طبعه وصدر .

لقد كتب عزيز السيد جاسم على الصفحة الأولى كلمة الإهداء التي قال فيها (رحم الله أبي كان يشطر رغيف الخبز بيننا وبين السائل، فكان نصيبنا منه السهم الأقل) !! وكانت لـ(هذه الفرادة التي قدمها المؤلف والتي عكس فيها همجية السلطة وفوضى سياستها) دفع ثمنه غاليا فـ(نال وسام الشهادة والخلود في تاريخ الثقافة العراقية الملتزمة) كما قال محقق الكتاب صادق جعفر الروازق .

عاش عزيز السيد جاسم محنة شديدة مع النظام لم يعرفها مثقف آخر غيره، فقد حوصر وحورب واحتجز، ولكنه بقي صامدا يؤدي رسالته، وصار أكثر دفاعا عن الحق والإنسانية والقيم السامية، وكانت له (جولة وكلمة حرة مع ما سجل من مداد خالد، وهو يُعلّم ويُخبر الطغاة بمنهج علي عليه السلام) .

وفي ذاكرتي لقاء مميز معه في العام الأخير من حياته أي في صيف 1990م حين التقينا في شارع السعدون مصادفة، فقد استقبلني عن بعد بقامته المديدة وابتسامة المرحبة، وتصافحنا بمودة وكان سلام بيننا وسؤال عن الحال والأحوال، وكأننا عشنا الحياة معا منذ عقود وليس بضع سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وكان أملي أن أتواصل معه في قابل الأيام فقد ارتحت له كثيرا، وارتاح لي أيضا كما بدا من ملامح وجهه الطيب وكلامه الجميل ..

ذلك اللقاء ما زال مرتسما أمام عيني ومحفورا في ذاكرتي على الدوام، وما دار بخلدي أبدا أنه اللقاء الأخير بيننا .

 

diaa nafieاثناء مشاركتي في أعمال المؤتمر العالمي الرابع لمترجمي الادب في موسكو (من 8 الى 11 ايلول / سبتمبر – 2016)، والذي انعقد برعاية معهد الترجمة الروسي، استلمت كتابا ضخما بالروسية عنوانه – (عوالم الترجمة الادبية)، ويقع في(591) صفحة من القطع الكبير، ويضم الكلمات والابحاث كافة التي القيت في المؤتمر الثالث لمترجمي الادب، والذي انعقد بتاريخ (4 الى 7 ايلول / سبتمبر – 2014) (انظر مقالتنا بعنوان – المؤتمر العالمي الثالث للترجمة الادبية في موسكو)، ووجدت في هذا الكتاب كلمتي، التي القيتها بالروسية آنذاك في المؤتمر الثالث هذا، وهي بعنوان – (تورغينيف بالعربية في اعمال المترجمين العراقيين)، و اقدم فيما يأتي خلاصة وافية لتلك الكلمة للقراء، واضيف اليها مضمون تعقيب د. الميرا علي زاده من معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية حول تلك الكلمة وجوابي بشأنه .

أشرت في بداية كلمتي الى خمسة مترجمين عراقيين كبار ارتبط اسمهم بترجمة نتاجات تورغينيف الى العربية، وقلت، ان احدهم لازال حيا ويمارس الترجمة لحد الان، وهو المترجم الكبير الاستاذ خيري الضامن، اما الاربعة الاخرون فقد رحلوا، وان واحدا منهم كان يترجم عن اللغة الفرنسية والاخر عن اللغة الانكليزية، اما الثلاثة الاخرون فعن اللغة الروسية . المترجمون هؤلاء وحسب تسلسل الحديث عنهم في تلك الكلمة هم كل من – د.اكرم فاضل وذو النون ايوب وغائب طعمه فرمان وخيري الضامن وأ.د.حياة شرارة .

توقفت تفصيلا عند رواية تورغينيف – (الاباء والبنون)، التي ترجمها عن الفرنسية د.اكرم فاضل وعن الانكليزية ذو النون ايوب، والتي صدرت في بغداد عام 1950، وأشرت الى انها اول ترجمة عربية لهذه الرواية، واننا يجب ان نتحدث عن تلك الخطوة الرائدة (والمنسية مع الاسف في الوقت الحاضر) في تاريخ العلاقات الادبية والفكرية بين روسيا والعالم العربي، واشرت الى ردود الفعل التي ظهرت في بغداد آنذاك تجاه هذه الرواية، وتوقفت عند اطروحة الماجستير التي تم انجازها في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد حول هذه الرواية باقتراحي واشرافي العلمي (انظر مقالتنا بعنوان – اطاريح الماجستيرالتي أشرفت عليها). ان صدور رواية تورغينيف هذه في بغداد بعد 88 سنة من صدورها في روسيا يعني عدم وجود (جسر فكري) بين العالم العربي وروسيا – هذا هو الاستنتاج الاول الذي وصلت اليه في كلمتي تلك، وتوقفت طويلا عنده، وأشرت الى اننا لم نستطع ولحد الان ان نقيم هذا الجسر، بل و لم نستطع حتى ان نردم هذه الهوة الفكرية بين روسيا والعالم العربي، وكلانا (العرب والروس) نتحمل مسؤولية ذلك، واقترحت ان نبدأ ولو بالخطوة الاولى في طريق الالف ميل هذا، وذلك باصدار مجلة دورية (ولتكن فصلية في البداية) باللغة العربية في موسكو، ولتكن تسميتها مثلا – (اخبار الادب الروسي) او اي تسمية آخرى، وذلك كي تنقل للعرب ما يحدث في الساحة الادبية الروسية، وضربت مثلا بلندن التي اصبحت الان واحدة من المراكز المهمة في عالم النشر العربي، وتمنيت ان تحذو موسكو حذوها بالتدريج، اذ ان كل المؤهلات موجودة بشكل او بآخر في العاصمة الروسية الان، بما فيها الكوادر العربية العلمية والمؤهلة لتنفيذ هذه الخطوة.

انتقلت بعد ذلك الى المترجمين الآخرين، وتوقفت اولا عند غائب طعمه فرمان ودوره المتميز في تاريخ ترجمة الادب الروسي الى العربية، وتحدثت عن ترجماته لابداع تورغينيف بالذات هنا، وارتباط اسم هذا المبدع العراقي الكبير بالمؤلفات المختارة بخمسة أجزاء، والتي صدرت بموسكو عن دار نشر (رادوغا)(قوس قزح) السوفيتية في ثمانينات القرن العشرين (والتي بدأت دور النشر العربية الان اعادة اصدارها)، واقترحت على المؤسسات الاكاديمية العربية والروسية دراسة هذه الترجمات ضمن اطاريح خاصة تتناول اسلوب الترجمة لدى غائب طعمه فرمان ومقارنتها بالترجمات العربية الاخرى من اجل اغناء مثل هذه الدراسات الاكاديمية المقارنة والتعمق فيها (انظر مقالتنا بعنوان غائب طعمه فرمان و تورغينيف) . انتقلت بعدئذ الى خيري الضامن وترجمته الجديدة لرواية تورغينيف – (الاباء والبنون) ضمن المؤلفات بخمسة اجزاء لتورغينيف التي أشرنا اليها اعلاه (والتي تعد افضل الترجمات العربية لهذه الرواية) (انظر مقالتنا بعنوان – خيري الضامن و تورغينيف و دستويفسكي)، وأشرت الى ان هذه الرواية قد تم ترجمتها الى العربية عن الفرنسية والانكليزية والروسية من قبل المترجمين العراقيين اكرم فاضل وذو النون ايوب وخيري الضامن على مدى الثلاثين سنة في النصف الثاني من قرننا العشرين، وان هذه الحقيقة هي مدعاة للفخرلدى المثقفين العراقيين، وتمنيت ان يقوم الباحثون الشباب (العرب والروس) بدراسة هذه الجهود الترجمية العراقية في بحوثهم واطاريحهم . انتقلت في نهاية الكلمة الى أ.د. حياة شرارة والدور الكبير الذي أدٌته في مجال الترجمة من الروسية الى العربية واصدارها لثلاثة اعمال من تاليف تورغينيف وهي - (مذكرات صياد) و(رودين) و (عش النبلاء)، ودعوت في نهاية كلمتي المتخصصين الروس والعرب الى التوقف بشكل اعمق واوسع عند ابداع تورغينيف المتنوع من قصائد نثر ومسرحيات وروايات ورسائل .

بعد انهاء كلمتي طلبت الكلمة د. الميرا علي- زاده من معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية (مؤلفة كتاب الادب الروسي والعالم العربي)(انظر مقالاتنا الخمسة حول هذا الكتاب بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي). أشادت السيدة الميرا بالكلمة، واشارت الى انها قد نشرت بحثا قبل فترة حول ترجمات تورغينيف الى العربية في البلدان العربية واشارت الى بعض هذه الاسماء طبعا، الا انها اعترضت على عدم ذكر اسم الكاتب العراقي محمود احمد السيد ضمن اسماء المترجمين العراقيين، وانها تعتبره (اول مترجم لنتاجات تورغينيف في العراق). اوضحت للسيدة الميرا، اننا في العراق نعتبر الكاتب محمود احمد السيد واحدا من رواد الادب في العراق الحديث وانه يعد فعلا من اوائل الذين تكلموا عن اهمية الادب الروسي، ولكنه لم يكن مترجما لهذا الادب وانما قدٌم خلاصات مختصرة جدا لمضامين بعض تلك النتاجات ونشرها في مجلات خارج العراق، وان التلخيص الوجيز لتلك الاعمال الادبية لا يعتبر ترجمة لها بتاتا، على الرغم من اهميتها في مجال تعريف القارئ العراقي ببعض اعلام الادب الروسي في تلك الفترة المبكرة جدا من تاريخ الادب العراقي، واختتمت جوابي قائلا، ان القارئ العراقي لا يعرف في الوقت الحاضر حتى تلك الخلاصات المبسطة التي قدمها السيد آنذاك.  

 

abdulhusan shaabanحين أهداني الدكتور فرحان باقر، الطبيب الاختصاصي الكبير في الأمراض الباطنية كتابه: (حكيم الحكّام: من قاسم إلى صدام)، قرأته باستمتاع شديد، وكنت قد عزمت العقد للكتابة عنه، ودوّنت بعض الملاحظات، لا سيّما ما ورد فيه من لقطات مثيرة، لكنني فقدتها في زحمة كتب ومشاغل وأسفار وهموم وأمراض.

وحين دعاني في المرّة الثانية على العشاء في مطعم بأبو ظبي بصحبة الدكتور كوثر الواعظ طبيب الأسنان والشخصية الوطنية العراقية، قرّرت إعادة البحث عن الملاحظات أو إعادة قراءة الكتاب مرّة أخرى للإضاءة عليه. إنه كتاب بقدر ما هو تلقائي وعفوي بامتياز، فهو عميق وغني بالمعلومات والحقائق، ناهيك عن أنه يعكس تجربة إنسانية في غاية الدقة والحساسية، لا سيّما إذا أخذناها بسياقها التاريخي ارتباطاً بظروف البلد العامة والسريّة المطبقة التي كانت تحكمه.

يضاف إلى ذلك أن للدكتور فرحان باقر مقام خاص، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو الأكاديمي، وهو ما أقدّره حق قدره، وبعد كل ذلك أن الكتاب احتوى على حوادث مثيرة ومعلومات خاصة عن حياة وسلوك الرؤساء، وقد وددتُ أن أشرك القارىء في متعة الاطلاع عليها، والاستمتاع بها من جهة، ومن جهة أخرى توخّيت الفائدة التي يمكن أن يتحصّل عليها القارىء والمتلقي من علاقة طبيب برئيس، بما تحمله هذه من تناقض في بلد مثل بلدنا، وفي ظل أنظمة مثل أنظمتنا.

وكنتُ قد كتبت عن علاقة الشاعر الجواهري بالزعيم عبد الكريم قاسم تحت عنوان: "الزعيم مرافقاً للجواهري" حين التقاه لأول مرّة في لندن العام 1949 وعن علاقة الشاعر أدونيس بعبد الفتاح إسماعيل رئيس اليمن الجنوبية، الذي قدّم له ديوانه، وعن علاقة الروائي ماركيز بالزعيم الكوبي كاسترو، وعلاقة الأديب والمنظّر أندريه مالرو بالزعيم الفرنسي ديغول، وعلاقة الروائي الروسي غوركي بلينين، فكيف كانت علاقة الطبيب بالرئيس؟

ومهما كانت أسباب هذه العلاقات ودوافعها، فإنه لا يمكن النظر إليها من زاوية ندّية أو صداقية بحتة، حين يكون أحدهم على رأس السلطة، والآخر "مجرد" أديب أو مفكّر، فالعلاقة مع إيجابياتها، لكنها ستفتقد لعنصر التكافؤ وهو أساس كل علاقة سويّة. قد تكون الصداقة بالطبيب مختلفة، وحسبي ما أقوله إنه "الدكتاتور" الوحيد الذي لا أعارضه، بل أمتثل بكل قناعة لحُكمه وأنصاع بكل أريحية لتعليماته، فـ"دكتاتوريته" محبّبة لا تستوجب المقاومة أو الرفض.

عدتُ إلى ملاحظاتي ووجدتها ما زالت طازجة وتحتفظ بطراوتها وحيويتها، وهو ما أحاول أن أدوّنه هنا من لقطات ثلاث لها دلالاتها ومعانيها:

اللقطة الأولى – اعتقال عبد الرحمن البزاز، حسبما يروي كبير الأطباء فرحان باقر الذي كان الطبيب الخاص للرئيس أحمد حسن البكر، أن الدكتور مكي الواعظ، لم يتمكّن حينها من إيصال الدواء والعلاج اللازمين إلى الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق الأسبق لمرتين: الأولى (في أيلول / سبتمبر 1965) والثانية (في نيسان / أبريل 1966)، بعد سقوط طائرة الرئيس الأسبق عبد السلام محمد عارف، وقد قدّم استقالته بعد أن تعرّض إلى ضغوط كثيرة من جانب العسكريين في (6 آب /أغسطس 1966) في عهد الرئيس عبد الرحمن محمد عارف.

وكان البزاز وهو أحد فقهاء القانون حينها، معتقلاً بعد انقلاب العام 1968 في ظروف سيئة. وعند زيارة فرحان باقر للرئيس البكر يقول: كنت منزعجاً أيّما انزعاج، وحين سألني عن سبب تجهّمي قلتُ له: يا سيادة الرئيس، إن إيصال الدواء هو من أبسط حقوق المعتقل، ليس هذا فحسب، بل إن طاقم أسنان البزاز الاصطناعية كانوا قد حرموه منها أيضاً، ويضيف قلت له: يا سيادة الرئيس ليس لي علاقة بالتحقيق، وما سيقوله القانون، (ولا أتدخّل في ذلك)، ولكن الأمر بالنسبة لي، أنظر إليه كطبيب ومن زاوية إنسانية بحتة وتلك هي مهنتي. (حديث خاص في أبو ظبي مع فرحان باقر، العام 2013).

ويضيف باقر في روايته: أن البكر فوجىء بتلك الأخبار، وقرّر جلب البزاز إلى القصر الجمهوري لفحصه، وهذا ما حصل، وحسب باقر يبدو أن الرئيس البكر لم يكن يعلم ما يجري في المعتقلات، وتكرّر الأمر مع أستاذ جامعي آخر، كما يقول، وهو استنتاج يؤكّد أن الأمن والمخابرات كانت "دولة داخل الدولة"، فهي فوق الحزب الحاكم، بل إنها بالتدريج أخذت تدير حتى الحزب بدلاً من أن تخضع إليه، وهي التجربة ذاتها التي عاشتها البلدان الاشتراكية السابقة وجميع البلدان ذات الأنظمة الشمولية.

وقد سمعت من عامر عبد الله الوزير الشيوعي (1972 – 1978) قصصاً عجيبة، بما فيها حين أصبح لبعض الوقت وزيراً للداخلية بالوكالة، وقد نقل لي شبيب المالكي، أن بعض المتشدّدين كان قد اعترض على كون عامر عبد الله وزيراً للداخلية بالوكالة لخطورة المسألة، فما كان من البكر إلاّ وأنْ خاطبهم بغضب: الجماعة معنا، فماذا تريدون أكثر من ذلك؟ وكان عامر عبد الله قد حاول تخفيف أحكام الإعدام التي صدرت بحق ظافر حسن النهر وأربعة من رفاقه من جماعة "جيش التحرير الشعبي" ومن بقايا القيادة المركزية، ووعده البكر خيراً، إلاّ أنه عند المراجعة الثانية، اتّضح أنهم أعدموا بعد لقائه ومحاولته الأولى مع البكر (العام 1974).

ويستنتج باقر أن المخابرات (ما يسمى يومها العلاقات العامة هي امتداد لجهاز حُنين السرّي، وهو جهاز صدامي) أصبحت ومعها الأمن تحت إدارة صدام حسين (النائب حينها)، ويضاف إليها مكتب الإعلام القومي، وأن البكر كان يتصل بنائبه ليطلب منه المساعدة لحل هذه القضية أو تلك (ص 44 – 46 وص 60)، وحسبما هو معروف، ليس كل ما كان يطلبه البكر كان يتم تنفيذه، وتدريجياً أصبح يسمى صدام حسين، "الرجل الأقوى في الحكم"، حتى حان الوقت ليكون "الرجل الأول" في العام 1979.

وقد سبق أن روى لي صلاح عمر العلي عضو مجلس قيادة الثورة سابقاً وعضو القيادتين القطرية والقومية، قصة تعذيب وزير الصحة السابق شامل السامرائي، وهي التي كانت إحدى أسباب الخلاف والاحتكاك بينه وبين القيادة، وأنه طلب التحقيق بشأنها، وتم تشكيل لجنة وجيء بالسامرائي إلى القصر الجمهوري، وكان في اللجنة طه ياسين رمضان (الجزراوي)، وفي اجتماع للقيادة قدّم تقريره بأن السامرائي أجاب بنفسه أنه لم يتعرّض للتعذيب، وهكذا كانت تسير الأمور (حديث خاص مع صلاح عمر العلي – لندن 1990).

اللقطة الثانية – زيارة غريشكو وزير الدفاع السوفييتي إلى بغداد، حسبما يروي فرحان باقر أن الجنرال أندريه غريشكو وزير الدفاع السوفييتي تقرر أن يزور العراق (بغداد) في أيار (مايو) 1972. وأعتقد أن التاريخ الدقيق هو العام 1971، وقد ارتبط هذا التاريخ بذاكرتي باعتقال ثابت حبيب العاني بعد خروجه من اجتماع كان قد ضمّه مع عزيز محمد (عن الحزب الشيوعي) في بيت مظهر المطلك، وصدام والرئيس البكر (عن حزب البعث) في مفاوضات بخصوص حلحلة بعض القضايا، ولا سيّما بعد حملة الاعتقال التي طالت العديد من الكوادر الشيوعية بعد بيان آذار (مارس) العام 1970، وقد رويت حادثة الاعتقال وملابساتها في كتابي عن عامر عبد الله "النار ومرارة الأمل – فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، ودقّقت المسألة لأكثر من مرّة مع منذر المطلك خلال زيارتي إلى عمّان، وهو من قام بإيصال ثابت العاني (أبو حسّان) بسيارته إلى منطقة الكرادة بعد انتهاء الاجتماع، ولكن الخاطفين الذين كانوا يتابعون السيارة، اطمأنوا إلى أن العاني ترجّل منها وأنها ابتعدت عن المكان، فقاموا باختطافه ونقله إلى "قصر النهاية" ليتعرّض إلى أبشع تعذيب. (1 أيار/ مايو/ 1971).

وكنت قد وصلت براغ قبل فترة قصيرة، وكُلفت حينها بترؤس وفد من الشيوعيين العرب لمقابلة السفير العراقي في براغ، احتجاجاً على اعتقال ثابت حبيب العاني، في حملة نظمناها في الخارج، وهو ما رواه السفير محسن دزئي في مذكراته أيضاً، وقام بنقل صورة عن مذكرتنا الموجّهة للرئيس البكر، إلى وزارة الخارجية العراقية، وقال إذا لم يكن لديكم مانعاً، فسأنقل صورة عنها إلى الملاّ مصطفى البارزاني، فرحّبنا بذلك.

كان من المؤمل أن يزور أندريه غريشكو بغداد، لكن الزيارة تأجّلت، وفهم الجانب العراقي أن السبب هو اعتقال ثابت حبيب العاني عشية الزيارة، ووعد بإطلاق سراحه، وهو ما حصل عند زيارته فعلاً، وسافر العاني بعدها للعلاج من اثر التعذيب الذي تعرّض له.

وهنا حصلت المفارقة التي يتحدّث عنها فرحان باقر، فقد أصيب غريشكو بمرض مفاجىء عند قدومه إلى بغداد (أيار / مايو/ 1971) وكان الرئيس البكر قد أسند علاجه إليه، في ظرف سرت فيه شائعات كما يقول عن تسميمه، ولذلك اهتم به المسؤولون العراقيون كثيراً وعلى نحو مبالغ. ويقول باقر: إن المرض انحسر خلال 72 ساعة (ص 69).

اللقطة الثالثة – سفر الرئيس البكر إلى جنيف، ويروي فرحان باقر قصة سفر الرئيس البكر إلى سويسرا، وحسب روايته: أن البكر هاتفه وأعلمه بنيّـته السفر إلى جنيف للاستشفاء والاستجمام، منتهزاً وجود صهره السيد منذر المطلك سفيراً للعراق، وعرض عليه رغبته في مرافقته، علماً بأنه كان ينوي السفر إلى براغ مع عائلته كما يقول للعلاج، واتفقا على اللقاء في جنيف حسب قول فرحان باقر.

وقد سألت منذر المطلك عن زيارة البكر إلى سويسرا، وروى ما يلي: اتصل بي (عمي) الرئيس البكر شخصياً من بغداد، وقال: أنا أحضّر حقائبي للسفر إليكم، وكانت هذه هي السفرة الأولى (تموز/ يوليو العام 1982)، ومكث فيها شهراً كاملاً في جنيف. أما السفرة الثانية، فإنها لم تتم، حيث يقول المطلك: اتصل بي عدنان خير الله وزير الدفاع في حينها، وقال لي: (عمّنا) في وضع صحي سيّىء جداً، وكنّا ننوي إرساله بطائرة خاصة إليكم، لكن الرأي استقرّ على استقدام أطباء له من بريطانيا، خصوصاً بارتفاع نسبة السكر في الدم، ويمضي إلى القول إن هؤلاء جاؤوا فعلاً، ولكنه توفي بعد فترة قصيرة. وبالمناسبة فقد توفي البكر في شهر تشرين الأول (أكتوبر) العام 1982.

وكانت قد سرت شائعات في حينها عن ضغوط كان قد تعرّض لها الرئيس البكر، بسبب اعتقاد أن الجيش ما زال يميل إليه، وبما أن العراق في حالة حرب، بل في مأزق، خصوصاً بعد معركة المحمّرة "خرمشهر"، وانسحاب القوات العراقية (في أيار/ مايو، العام 1982)، فلا بدّ من التفكير في حلول ومعالجات من شأنها أن تستجيب للتغييرات الحاصلة. وهو ما دفع الدكتور رياض إبراهيم حسين وزير الصحة الأسبق، إلى تقديم اقتراح يمنح البكر دوراً في المشهد السياسي، لا سيّما وأن نفوذه في الجيش كبير، والهدف هو استقطاب العسكريين وزيادة حماستهم، كأن يكون أميناً للقيادة القومية بدلاً من ميشيل عفلق، وهو الاقتراح الذي أودى بحياته كما قيل، فقد تمّت تصفيته في ظروف غامضة ودون تهمة محدّدة، ومرّت "الفعلة" بصمت ودون أي سؤال عن مصيره. وكان رياض إبراهيم حسين هو المشرف على علاج البكر في حينها، لكنه استبدل على نحو مفاجىء ليكون بدلاً عنه الدكتور صادق علوش.

وحسب رواية فرحان باقر أن هواجساً كانت تقف وراء استبدال سفر الرئيس بتوفير العلاج له في بغداد، باقتراح من الرئيس صدام حسين. وأياً كانت الدوافع، فإن البكر لم يسافر، كما روى المطلك، ولكن للقصة ذيول أخرى، حيث يقول فرحان باقر: لكنني مضيت في خططي للسفر، فاتجهت حسب الحجز إلى المطار، وإذا بي أفاجىء بمنعي من السفر، الأمر الذي يعني أن هناك من كان يتنصّت على مكالماتي مع الرئيس البكر ولا يريدني السفر معه.

وعلِمَ الدكتور فرحان باقر لاحقاً أن جواز سفره موجود في دُرج الرئيس صدام حسين، وذلك من خلال سكرتير رئيس مجلس قيادة الثورة طارق حمد العبد الله، الذي قضى منتحراً في العام 1986، وهو ما دوّنه الصحافي ليث الحمداني في كتابه "أوراق من ذاكرة عراقية – هوامش من سيرة صحافية" (الصادر عن مطابع دار الأديب، عمان، 2016)، والعبدالله هو من قام بإعادة جواز سفر فرحان باقر إليه بعد حين. (حديث خاص مع فرحان باقر في أبو ظبي، العام 2013 وآخر مع منذر المطلك في عمان 2007)، كذلك انظر: (ص 88 – 91 من كتاب فرحان باقر).

وبعد، فالكتاب بكل ما فيه يُقرأ من الغلاف إلى الغلاف بمتعة حقيقية، وهو عبارة عن سردية جميلة لعراق الخمسينات وحتى مطلع الثمانينات، في مجالات مختلفة من الطب إلى التعليم ومن الاجتماع إلى السياسة، ومن الاقتصاد إلى الإدارة، ومن الشارع إلى الرياسة، وهو مكتوب حسب قناعتي بلغة شفافة ورقيقة وتكاد تكون عفوية، مثلما هو مكتوب بكثير من التهذيب والأخلاقية.

إنه كتاب يستحق القراءة لشخصية تستحق التكريم والاحتفاء، والدكتور فرحان باقر، قدّم زهرة شبابه وعلمه وجهده للعراق، ورغم شيخوخته فما زال حالماً بأيام أكثر أمناً وسلاماً وعدلاً.

 

amar hamidعلى الرغم من انها عاصرت كُتَّابا مهمين امثال (جان بول سارتر) و(اجاثا كريستي) وعرفت بشكل خاص في مجال كتابة الرواية البوليسية الا انها لم تحصل على التغطية الكافية للتعريف بها في الوسط الثقافي العربي .

ولدت الروائية والكاتبة المسرحية (اليزابيث ماكنتوش)  وهو اسمها الحقيقي في اسكتنلندا عام 1896 بمدينة (انفرنس) شمال المملكة المتحدة ودرست في الاكاديمية الملكية لها ثم بعدها في كلية (أنستي) للتربية البدنية في (ايدنكتون) وهي احدى ضواحي مدينة بيرمنكهام وقامت بتدريس التربية البدنية بمدارس متعددة في بريطانيا واسكتلندا , لكنها وفي سنة 1923 عادت الى مدينتها (انفرنس) لتعتني بوالدتها المريضة وبقيت كذلك حتى وفاة والدتها كي تستمر بالعناية بوالدها ورعاية شؤون المنزل من اجله وفي تلك الفترة بدأت مسيرتها المهنية في مجال الكتابة والادب.

ان افضل اعمال ماكنتوش الادبية كُتبت تحت اسمها المستعار (جوزفين تي) حيث ان جوزفين هو الاسم الاول لوالدتها بينما بيقى الاسم الثاني (تي) مجهول المصدر

في خمسة من اعمالها الادبية التي تتسم بالغموض تقدم لنا الكاتبة بطلها الرئيسي والمحوري مفتش شرطة (اسكوتلانديارد) الذي يحمل اسم (الان غرانت) بأستثناء عملها السادس الذي يحمل عنوان (قضية الامتياز) التي صدرت الطبعة الاولى منها سنة 1948 ثم انتجت كفيلم سينمائي سنة 1951والتي يظهر (الان غرانت) في هذا العمل كشخصية ثانوية .

كتبت (جوزفين تي) أهم اعمالها الروائية بعنوان (ابنة الزمن) حيث حازت على لقب (افضل رواية بوليسية على الاطلاق) من قبل جمعية كُتَّاب الرواية البوليسية البريطانية سنة 1990 فيما احرزت روايتها (قضية الامتياز) التسلسل الحادي عشر من بين افضل مائة كتاب في هذا المجال .

اماسبب نيل روايتها (ابنة الزمن) شهرة واسعة ذلك لأنها تتناول قضية تاريخية مهمة من تاريخ انكلترا والتي يكون فيها المفتش (الان غرانت) راقدا في المستشفى فيما يقدم له اصدقائه مصادر بحثية ووثائق معاصرة لكي يبحث في لغز تلك القضية التاريخية المتمثلة فيما اذا كان الملك (ريتشارد الثالث) ملك انكلترا في القرن الثالث عشر قد قام بقتل اولاد اخيه ام لا واللذان قام بسجنهما في برج لندن في تلك الحقبة حيث يتوصل (غرانت) الى استنتاج راسخ الى ان الملك بريئ من تلك الجريمة .

في رواية (قضية الامتياز) التي تمتلك ايضا سياقا تاريخيا والتي كتب في الاربعينيات فقد اعتمدت على حادثة اشتهرت في بريطانيا في القرن الثامن عشر لقضية امرأة تدعى (اليزابيث كانينغ) التي كانت تعمل مدبرة منزلية وادَّعت انها قد أُحتجزت رغماً عن ارادتها في مخزن للقش لفترة شهر ثم تطورت قضيتها لتصبح من أشهر قضايا الجريمة الغامضة البريطانية في وقتها .

ان رواية (ابنة الزمن) الشهيرة هي اخر رواية لجوزفين تي طُبعت خلال فترة حياتها، تركت الكاتبة ما يُقارب الاثني عشر مسرحية ذات فصل واحد وبنفس العدد ايضا مسرحيات طويلة وكلها كتبتها المؤلفة تحت اسم (غوردون ديفوت) وقد قدمت الاذاعة المصرية في الستينيات جزءا من مسرحياتها تلك مثل (تذكَّر قيصر) و(التوفيق حليفنا) ولايُعرف على وجه التحديد لماذا اختارت هذا الاسم الا ان اسم (ديفوت)  يعود الى منطقة ريفية خلاّبة قرب (انفرنس) مدينتها التي ولدت فيها حيث قضت هناك اوقاتا سعيدة كثيرة مع عائلتها .

كما ان اربعة فقط من مسرحياتها تلك قُدِّمت خلال حياتها واكثرها نجاحا مسرحية (ريتشارد بوردو) التي عُرضت في بداية الثلاثينيات واستمر عرضها لمدة أربعة عشر شهرا متواصلة أكتسب من ورائها الممثل المسرحي الانكليزي (جون غيلغود) الشهرة والصيت.

كانت (جوزفين تي) تتجنب الاضواء وتميل الى الانفراد والعزلة وعدم الظهور الى العلن، وخلال سنتها الاخيرة عندما علمت انها مصابة بمرض مميت مالت نحو الانطواء كثيرا على نفسها وانقطعت عن التواصل مع اصدقائها والمقربين منها، كان عملهاالروائي ما قبل الاخير (سفينة القراصنة) سنة 1952 الذي يتحدث عن حياة قرصان يدعى (هنري مورغان) وهي رواية ذات طابع رومانسي، اما روايتها الاخيرة (الرمال المنشدة) فقد عُثر على مسودتها وقد نُشرت بعد وفاتها.

توفيت الكاتبة (جوزفين تاي) بسبب مرض سرطان الكبد في منزل اختها بلندن في الثالث عشر من فبراير سنة 1952 حيث لم يكن اغلب اصدقائها يعلمون بمرضها بما فيهم (غيلغود) الذي صُدم بقرائته لخبر وفاتها في جريدة (التايمز) .

تركت الكاتبة ما يقارب الواحد وعشرون رواية واثنا عشر مسرحية وتناول العديد من الكتّاب المعاصرين اقتباسات من اعمالها او ذكرها في مواضيع رواياتهم امثال الكاتب الامريكي (ستيفن كينغ).

 

عمار حميد

 

faysal roshdiإن التاريخ  الحقيقي، هو التاريخ الذي يعيد نفسه دائما، فتاريخ الإنسانية هو تاريخ حافل بالعديد من البطولات والأمجاد التي استطاع أصحابها أن يفرضوا وجودهم بالمعرفة والقيم النبيلة. 

ومن بين هؤلاء الرجال العظماء الذين تركوا أمجادهم ومواقفهم عبر التاريخ، رجل يعتبر  حكيم زمانه وسيد قبيلته،  وهو العارف بأصول وأحكام القضاء،  إنه المعلم والفقيه والعلامة " الولي الصالح بابيه الشيخ"، الذي يعتبر شيخ الصحراء  بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أما  نسبه، فهو بابيه الشيخ  ابن محمد ابن قاسم ابن  الولي الصالح " سيدي أحمد الركيبي"،  حفيد كل من الوليين الصالحين عبد السلام ابن مشيش و إدريس الأول.  وينتهي نسبه إلى آل البيت، فقد رأى بابيه النور عام1700   بوادي الساقية الحمراء، وهناك تربى وتعلم القيم  الفاضلة التي ورثها عن أبيه وجده رحمة الله عليهم. فللشرفاء تربية خاصة يخصون بها أبناءهم، من بينها: حفظ القرآن، والأخلاق الفاضلة، الكرم والجود، والدفاع عن المظلومين و صون الشرف . 

تتلمذ بابيه على يد والده فضيلة الشيخ محمد ابن قاسم، وحفظ القرآن، إذ لم يطل المقام بالعائلة وسرعان ما ستشد الرحال صوب منطقة " حوزة"، التي لن يظل بها  بابيه طويلا، لأن رغبة والده هي آخذ العلم، ومجالسة العلماء .

وهذا ما جعل بابيه يسافر  إلى مدينة مراكش، التي كانت تبعد قرابة ألف كيلو متر عن حوزة، سافر بابيه ولم يقوى على السفر لأن حبه لأهله كان يسكنه وحبه لإخوته خاصة الفقير وداود.

وصوله إلى مراكش  كان  مقدم خير على بلاد "السبعة رجال"، فتتلمذ بابيه على أيدي العديد من الأساتذة الذين أجازوه  في علوم القضاء وعلوم الفقه  من بين هؤلاء الأساتذة محمد بن أحمد العبادي . 

رجع الشيخ إلى أهله محملا بالعلم، ولازم مضارب حوزة وادي الساقية الحمراء، بعد وفاة والده محمد، سيترأس بابيه القبيلة، فهذه هي الرابطة التي خلفها فيهم جدهم "سيدي احمد الركيبي" الذي كان سيدا هو الآخر على أهله.

إذ سيحمل بابيه لقب الشيخ الذي سيلازمه طوال حياته، ويقال بأنه كان قاضي محترم،  عمل بما تقتضيه أعمال القضاء، في إنصاف المظلوم والأخذ بحقوق اليتيم، وإنصاف حقوق المرأة ليعتبر رجل زمانه وحكيم قومه.

ذاع صيت العلامة في الصحراء، فأصبحت الوفود تتوافد عليه للتبرك بعلمه الذي لم ينقطع أبدا، إلى حد الساعة،  فلازال حفدته أهل علم وأدب وأخلاق، وقبائل أخرى تتلمذت على يديه الكريمتين، إلى حد الآن،  لازالوا يعتبرونه المعلم الأول بكل  وفخر و اعتزاز. 

بابيه كان عالما زاهدا، ورجل تقيا نقيا، يخاف الله، وأراد لنفسه إشعاع القيم النبيلة، خاصة في رحلته الأخيرة إلى أسرير،  القرية القريبة من مدينة كلميم، التي لازمها مدة من الزمن فكان مقدمه مقدم خير لتلك القبائل، التي أكرمت وفادته، و أعلت مقامه، فكان نعم القاضي ونعم الولي ونعم النصير الناصح .

كانت فترة مقام بابيه هي فترة ذهبية لأهل أسرير وأهل  وادنون، فأحبه الناس، وتعلقوا به تعلقا شديدا، فرزق الشيخ بولدين هما علي ومحمد الملقب "بلكحل" كبرا في عزه وتتلمذا على يديه.

تتجلى حكمة الشيخ، في رجاحة عقله، عندما احتار أهل أسرير خاصة و وادنون عامة إنصاف امرأة "جارية" ضاع حقها، فما كان من  المرأة "الجارية" إلا أن قصدت الشيخ، فكان نعم الناصح فقد ساعدها على محنتها وفك مشكلتة ولدها بطريقة ذكية احتار الرجال في طريقته . فحكمته كانت لها دلالات كبيرة، فأنصفت المرأة وشكرت بابيه، على فكرته، وقالت قولتها الشهيرة في سوق أمحريش " المحادي لمدينة كلميم  أمام جمع غفير من  الناس، "إن هذا الرجل مشيرة بأصبعها إلى  (بابيه الشيخ) لولي الله، وإن لسانه لينطق بالحكمة، شجاع لا يهاب أحدا، قوله كفعله، وموقفه  سيصبح حكاية لأبنائنا  نحكيها لهم على مر العصور"

في موقف آخر للشيخ  كانت قبائل الصحراء تتطاحن فيما بينها قرب مدشر لقصابي، فجاءهم على ظهر ناقته وقال لهم كلمته الشهيرة "  أوقفوا الحرب،  فالحرب لا تولد سوى الأحقاد، املئوا هذه الأرض بالخير واسعوا إليه، فعيني لا تقدر أن ترى إمراة مكلومة، ولا ابنا يتيما فقد أباه وهو في أمس الحاجة إليه". مواقف صارت تحكى في كل زمان ومكان، وهي أيضا مواقف تحسب للشيخ بابيه، لا يمكن للتاريخ أن ينساها، إنها الذاكرة الشفهية، التي احتفظت بهذه الحكايات وبقيت إلى يومنا هذا صدا يصدح في أرجاء المعمورة. 

للإشارة فقط  بأن سوق أمحريش تعود فكرة تأسيسه إلى "الشيخ بابيه" الذي اعتبر هذا السوق سيكون سوقا عالميا تأتيه الناس من مالي و السينغال والجزائر وموريتانيا ودول جنوب الصحراء، هذا السوق هو أكبر علامة على حكمة الشيخ بابيه، الذي لن ينساه التاريخ بفضل إنجازاته التي نغفل اليوم أنه كان طرفا رئيسيا فيها.

مات بابيه عن سن الثانية والستين 1762 ليعم الحزن على الصحراء وأهلها، في موت ولي صالح، وشيخ حكيم وأب استطاع أن يكون هو أسطورة زمانه. أب حمل مشعل الأولياء،  ولازال أبناؤه يحملونه  المشعل لقوله عزوجل" أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" صدق الله العظيم سورة يونس الآية  .62

ترك بابيه ابنين  وهما علي ومحمد ، فعلي ترك خمسة أبناء وهم: أيا، لحسن، أبا حميدوش، موسى، يحيى. أما لكحل فترك أربعة أبناء وهم: حيون، سيدي لمين، سيدي بيلال، آبا أمبارك، وهم أبناء وحفدة بابيه رحمة الله عليه.

دفن بابيه  الشيخ  بأسرير الواقعة قرب مدينة كلميم، ولازال قبره اليوم شاهدا عليه وعلى عظمته ومجده، فالتاريخ يذكر الرجال الذين  بصموا فيه، وتركوا أقوالهم حكما  لعامة الناس، وزاويته هي صدر رحب لكل الوافدين باختلاف مشاربهم، إنها تأوي الغريب، وتكرم الضيف، وتنصف المظلوم، إنها باختصار  مدرسة  بابيه الشيخ أسطورة أولياء الصحراء .

 

 فيصل رشدي، طالب باحث

 

abdulhusan shaabanلا أدري كيف وجدتُ نفسي في مدينة سوون Suwon الكورية، وأنا أستعيد قصيدة الشاعر أحمد رامي التي غنّتها كوكب الشرق أم كلثوم، لأدندن بها في ذلك الجوّ الخريفي المنعش:

"بالأمل أسهر ليالي / في الخيال/ وابني علالي/ واجعلك فيها نديمي/ واملكك ليلي ويومي"

قد تكون تلك الاستعادة اللاّشعورية، جاءت بوحي من عنوان المنتدى العالمي للإنسانيات WHC الموسوم بالأمل “The Humanities of Hope”، والذي يعقد جلسة تحضيرية له وطاولة مستديرة في كوريا، تمهيداً لالتئامه في مدينة لياج Leige (البلجيكية) في أغسطس (آب) العام 2017.

المنتدى الذي تنظمه منظمة اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، سيحضره أكثر من 1800 مشارك من مختلف أنحاء العالم، من العاملين في مجالات العلوم والسياسة والفن والاتصال وفروع الإنسانيات المختلفة، وأيضاً العديد من المنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية. وقد نُظّمت تحضيراً لذلك، الطاولة المستديرة في مدينة سوون Suwon الكورية، وعنوانها: "الطريق إلى لياج Leige"، كما سيُنظّم عدد من الفعاليات الإقليمية، وصولاً إلى المنتدى العام الرابع، منها مؤتمر إقليمي في لبنان (بيبلوس) ومؤتمر إقليمي آخر في جمهورية مالي (باماكو) ومؤتمر ما قبل لياج في باريس، يضمّ خلاصات المؤتمرات التحضيرية الإقليمية.

الأمل هو المظلّة الكبرى للقاء سوون، فهل نحن محكومون بالأمل على حد تعبير المسرحي السوري سعد الله ونّوس، الذي قاوم مرض السرطان بالأمل، مثلما كان عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد يدرك أن إحدى وسائل العلاج هو بعث الأمل، فلا أمل حقيقياً إلاّ بالأمن الروحي والنفسي للإنسان، ولذلك جعله موازياً للكرامة الإنسانية، ولا كرامة حقيقية بانعدام الأمن، وسيتحوّل الأمن إلى نوع من الاستبداد والتسلّط بغياب الكرامة.

والحق في الأمل بعد حق الحياة يتقدّم على بقية الحقوق، الأمر الذي يحتاج إلى تنمية عوامل الجمال والإحساس به وتمثّله وجعله عنصراً ملازماً لحياتنا وحقوقنا الثقافية والإنسانية. ولكن دعنا نتساءل: ماذا يعني الأمل؟ وهل الأمل حق؟ وهل يحتاج إلى تنظيم فعاليات وأنشطة دولية له؟ أسئلة وإشكاليات كنت قد طرحتها في وقت سابق، خصوصاً ارتباط ذلك بالسعادة والجمال والتسامح.

ولعلّ تلك الأسئلة، بقدر ما هي بسيطة، فهي معقّدة، لأنها تتعلّق بجوهر ومحتوى الفلسفات والأديان والنظريات، التي تزعم جميعها أن هدفها هو وصول الإنسان إلى السّعادة، علماً أن حاجات الإنسان المادية والروحية لا حدود لها ولا ضفاف، لأنها حاجات متواصلة ومتطوّرة ومتخالقة، ارتباطاً بتطوّر الإنسان، وتقدّم العلوم والاكتشافات، فما بالك حين نكون أمام الطور الجديد من الثورة العلمية – التقنية الهائلة، ولا سيّما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتيل".

وإذا كانت علوم الإنسانيات قد انحسرت وهُمّشت، وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، فإنها اليوم لكي تحقق حضوراً ودوراً جديدين ينبغي أن تعود إلى الفضاء العمومي، إضافة إلى السياسات المتعلّقة بالعلم، وهو ما كانت عليه في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

يستهدف المنتدى العالمي للإنسانيات، بلورة تفكير شامل بخصوص الإنسانيات ودورها في عالم متعدّد المراكز والثقافات، يأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، لكنه يبحث عن سبل تحقّق المشترك الإنساني، وهو الهدف الذي يريد الوصول إليه في عدد من الحقول الإنسانية، وهكذا سيكون معنياً على سبيل المثال، لا الحصر بـالتزايد السكاني، وموجات الهجرة العالمية ومتطلّبات الطاقة والبيئة، والهويّات في سياق العولمة، والعالم الرقمي أو الطفرة الرقمية "الديجيتيل" وغيرها، وسيتعاون على تنظيمه، إضافة إلى اليونيسكو، المجلس الدولي للفلسفة والعلوم CIPSH و"لياج معاً" Liege Together.

وبقدر ما يجمع المنطقة العربية مع العالم من مشتركات، فإن لها خصوصيات وتحدّيات ينبغي إبرازها، لا سيّما فيما يتعلّق بالمواطنة والمساواة وحقوق المجاميع الثقافية وقضايا التنمية والحداثة والتواؤم والتعارض مع المجتمع الدولي، إضافة إلى قضايا السلام والأمن ومواجهة العدوان والاحتلال، ناهيك عن الإرهاب والتطرّف.

وقد تولى المركز الدولي لعلوم الإنسان (لبنان) وبالتعاون مع اليونيسكو سلسلة المشاورات في المنطقة العربية تحضيراً للمؤتمر، وشارك بفعالية في الأعمال التحضيرية وآخرها الطاولة المستديرة في سوون، وقدّم عدّة اقتراحات لتعزيز "ثقافة الأمل"، من بينها نشر وتعميم قيم التسامح واللاّعنف، ولا سيّما في المناهج التربوية، التي ينبغي تنقيتها عن كل ما يتعارض مع ذلك، ويمكن لليونيسكو أن تقوم بدور فعّال في مساعدة البلدان المختلفة لتحقيق هذه الغاية وصولاً للمشترك الإنساني، انطلاقاً من الإعلان العالمي للتسامح الصادر عن اليونيسكو العام 1995. ويحتفي المركز باليوم العالمي للفلسفة، كما يقيم مؤتمراً إقليمياً حول "المركزية الإثنية والتاريخ" في (كانون الثاني – يناير/ شباط – فبراير) 2017.

شارك في الطاولة المستديرة شخصيات متنوّعة، حرصت اليونيسكو على تمثيل جغرافي لاختيارها مع مراعاة اعتبارات كثيرة أكاديمية وثقافية وربما سياسية، إضافة إلى توازن في الحضور النوعي، فقد كان متحدثون لكل من: الصين والولايات المتحدة واليابان وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية (التي كان لي شرف الحديث عنها)، إضافة إلى الجهة المنظّمة (اليونيسكو) والجهة المضيفة والمشاركة في التنظيم، وهي كوريا. وقد زاد عدد المشاركين من مختلف دول العالم على ثمانين مشاركاً، إضافة إلى هيئات وجامعات ومراكز أبحاث كورية متعدّدة، وفي الوقت الذي كانت ورشات عمل ديربن وبكين العام 2015 قد بحثت موضوع التعدّدية الثقافية والشفاء ورسائل إلى عصر العلوم والتكنولوجيا التحويلية، فإن الطاولة المستديرة في سوون ركّزت على الأمل، والدور الذي يمكن أن تلعبه الإنسانيات في تجسير الفجوة بين الأكاديميين وأصحاب القرار.

وإذا كان شعار الأمل هو الأساس الذي انعقدت الطاولة المستديرة تحت لوائه، فإن لافتة كبيرة ارتفعت تحت عنوان:

 “Overcoming the crisis of civilization toward a sustainable society”.

وتعني: "التغلّب على أزمة الحضارة نحو مجتمع مستقرّ".

الأمل لا يعني التفاؤل، مثلما التشاؤم لا يعني اليأس. الأمل هو الإصرار على تحقّق الأفضل وتجاوز الواقع لما هو أحسن، وأكثر سعادة ورفاهاً للإنسان. وبقدر ما نحن محكومون بالأمل، فنحن محكومون بالحريّة حسب تعبير جان بول سارتر.

وكما يقول الطغرائي في قصيدته الشهيرة (لاميّة العجم):

أعلّلُ النّفس بالآمال أرقبُها / ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

وأختتم بقول الشاعر الفرنسي جاك بريفير: "إن كانت السعادة نَسَتْكَ بعض الشيء... فلا تنساها"، ولعلّ ذلك يمثّل جوهر فكرة التمسّك بالأمل!

 

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر عربي

 

salim alhasaniبرحيل السيد هاشم الموسوي، يكون حزب الدعوة قد خلا من المفكرين، فلا نشرة ولا فكرة حركية ولا أدبيات جديدة.

 كتب الراحل الكبير الغالبية العظمى من نشرات الحزب، في المهجر، أي من النشرة رقم 33 فما بعد. فقد كان هو منظر الحزب الأول، والأكثر غزارة في الانتاج الفكري.

بعد السيد أبي عقيل رحمه الله، تنتهي المسيرة الفكرية لهذا الكيان الحركي الذي انطلق بقوة فكرية ضخمة، يقف على رأسها الامام الشهيد محمد باقر الصدر، وتسندها عطاءات الشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ عبد الهادي الفضلي والاستاذ محمد هادي السبيتي رحمهم الله.

 ...

في عام 1984، كنت اسجل ذكرياته في زيارات اسبوعية على مدى عدة أشهر، وفي زيارات متفرقة أخرى، في منزله في مدينة قم. واحياناً يشترك في تلك الجلسات الشهيد الشيخ مهدي العطار والمرحوم الشيخ سهيل البصري والمرحوم الشيخ مجيد الصيمري.

فتأتي الذكريات على نمط آخر، حيث كانوا يأخذوني معهم الى الزمن السابق، هكذا كنت أشعر بالساعات معهم، يعودون الى هناك، الى أواخر الخمسينات، يتجولون في البصرة ويتنقلون بينها وبين النجف الأشرف. وكنت ألمح على وجوههم المتعبة، بريقاً يستمد وهجه من سنوات شبابهم الحركي.

 ...

قال السيد أبو عقيل رحمه الله، كان الشيخ الشهيد عارف البصري، يقف بين الصلاتين في المسجد، يخطب في الناس، يدعوهم الى العمل للاسلام، ويستنهضهم لتأسيس حزب إسلامي، فتثير كلماته خوف الحاضرين، ويرون فيها خروجاً على النهج التقليدي السائد ايامذاك، فيدفعه بعضهم دفعاً عنيفاً خارج المسجد، لكنه يعود ثانية وثالثة. وكان يراسل المراجع وكبار العلماء بضرورة التحرك الاسلامي، ودخول المعترك السياسي، ليكون للاسلام حضوره المؤثر في الحياة.

ويبتسم أبو عقيل بهدوء، يخلطها أحياناً بضحكة خافتة، حين يتذكر تلك السنوات القديمة، ويقول كنا نجلس نتدارس شؤون الساحة، وكيف نعمل من أجل إحداث النهضة المطلوبة، حتى جاءنا ذات يوم الشيخ مجيد الصميري من النجف الأشرف، فاخبرنا بتأسيس حزب اسلامي، ثم صار يأتيهم الدكتور جابر العطا في زيارات منتظمة الى البصرة، وأحياناَ الشيخ عبد الهادي الفضلي، فيجتمعون فيما بينهم، يتدارسون تشكيل لجنة البصرة وتنظيم شؤون العمل الجديد.

ويقول السيد ابو عقيل رحمه الله، كنا نعمل في الحزب، ونفاتح الشباب، ونتدارس الأمور وتصلنا التعليمات، من دون أن يكون قد تحدد اسم الحزب بعد، فلم يكن يهمنا الإسم بقدر ما يهمنا العمل، حتى كان عام 1959، حيث أُبلغنا بأن الاسم الرسمي هو حزب الدعوة الاسلامية.

ويقول السيد ابو عقيل في تلك الاحاديث الدافئة، وقد تلفع بعبائته اتقاء البرد في غرفته الرطبة في زقاق ضيق، أنهم ذات يوم كانوا مجتمعين في أحد البيوت، فعلم الشيوعيون باجتماعهم، فجاءوا يهتفون والحبال بأيديهم: (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة). فخرجوا اليهم وكان معهم الشهيد عز الدين سليم والدكتور جابر العطا والشيخ الصيمري والشهيد عارف البصري فتصدوا لهم بالتعنيف والثبات حتى تراجعوا.

 ...

عندما جاء البعثيون الى الحكم عام 1963، كانت البصرة قد تحولت الى معقل اسلامي وصارت أهم مناطق عمل حزب الدعوة، وقد استطاع الحزب ان ينظم تظاهرات صاخبة ضد البعثيين، استمرت ثلاثة أيام متواصلة، بحيث كانت المدينة قد سقطت مدنياً بيد المتظاهرين، وفق تنظيم وتخطيط وقيادة دقيقة من لجنة الحزب في البصرة.

وفي عام 1969، عندما اتهمت السلطة البعثية الشهيد مهدي الحكيم، نجل المرجع الأعلى ايامذاك السيد محسن الحكيم، بالتجسس، اندلعت التظاهرات في البصرة ضد السلطة، وبقيادة لجنة حزب الدعوة، وأوفدوا الشيخ مجيد الصيمري الى النجف، للقاء السيد الحكيم، والإعراب له بأن البصرة منتفضة بأكملها، وأنها تنتظر رأيه في التصعيد وتوجه الجماهير نحو بغداد. لكن المقربين من بيت المرجع الحكيم طلبوا التهدئة، حرصاً على الناس من انتقام السلطة.

 ...

في أوائل التسعينات، وكنت على موعد معه، فطرقت الباب، خرج دامع العينين، رحب كعادته باخلاقه العالية، دعاني للدخول الى غرفته، وشعرت أن أمراً قد حدث، فسألته، فاجاب معتذراً بانه لا يستطيع التفرغ لي بحسب موعده معي، لأن والدته قد توفيت قبل قليل.

كان يحاول أن يخفي دموعه الحزينة على والدته المجاهدة الصابرة، لكي لا يُقصر في آداب الاستقبال، وقد ظلت تلك المقابلة بما حوتها من خلق رفيع، باقية في ذاكرتي متجددة لما فيها من دلالات اخلاقية عالية.

وكانت والدته قد قدمت اربعة شهداء، وفي ساعاتها الاخيرة قالت في وصيتها: (لقد أديت الأمانة وخمّست حتى الملح).

 ...

برحيل المفكر السيد هاشم الموسوي، يكون حزب الدعوة قد انتهت مسيرته الفكرية عملياً، فلا يوجد من بين الحاضرين من هو قادر على تقديم عطاء حركي.

سيأتي من يحاول سرقة اسمه وتاريخه ليرتقي نحو مجده الشخصي في مجالات السلطة، ناسياً أن الراحل الكبير لم يكن من دعاة السلطة، إنما كان نموذجاً لدعاة الحركة.

وستمر فترة وجيزة ثم يدخل السيد أبو عقيل سجلات النسيان في أرشيف الدعوة، إنهم ينسون الأحياء، فكيف بمن ينام تحت الثرى؟.. تلك هي عادة أهل السلطة.

 

ali almomenبرحيل السيد هاشم الموسوي (أبو عقيل)؛ آخر مفكر مدون رائد؛ يمكن القول إن جيل المدونين الرواد من مفكري «الدعوة» ومنظريها البارزين؛ قد انتهى؛ فالسيد الموسوي هو بقية مفكري مرحلة البناء التي استمرت من العام 1957 وحتى 1980، وأفرزت كثيراً من المفكرين والمنظرين المدونين الذين يندر وجودهم في أي حزب إسلامي في العالم؛ إذا ما استثنينا جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وأبرز هؤلاء: السيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين ومحمد هادي السبيتي وعبد الصاحب دخيل والشيخ محمد علي التسخيري والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد كاظم الحائري والشيخ عبد الهادي الفضلي والشيخ أحمد الوائلي والشيخ عارف البصري وعبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي والدكتور داود العطار والسيد هاشم الموسوي وغيرهم. وكان السيد هاشم الموسوي آخر الأحياء الذين بقوا يعملون في إطار تنظيمات حزب الدعوة من ذلك الجيل.

وإذا كان قسم من أؤلئك المفكرين قد كتبوا في الفكر الإسلامي العام؛ فإن أكثر من كتب في فكر "الدعوة" الداخلي هم: السيد محمد باقر الصدر وعبد الصاحب دخيل و ومحمد هادي السبيتي السيد هاشم الموسوي. ولعل السبيتي والموسوي يتفوقان على كل المفكرين الدعاة الآخرين في حجم ماكتبوه للدعوة، وهو مايعادل ثلثي فكر الدعوة.

وحزب الدعوة؛ كغيره من الأحزاب الايديولوجية التأسيسية هو حزب نخبوي في فكره وأعضائه، ومن الطبيعي أن يكون في صفوفه عدد كبير من المنظرين والمفكرين والكتّاب. إلّا أن أربعة عوامل أساسية ساهمت في أفول ظاهرة المفكرين والمنظرين في صفوفه بعد العام 1972:

1- مرحلة الانكشاف النسبي للسلطة منذ العام 1971 وما بعده، والتي أكلت نخبة مهمة من مفكري حزب الدعوة وشخصياته التنظيرية المدونة والشفاهية؛ ممن أعدمهم نظام البعث أو طمرهم في السجون. وأبرزهم: عبد الصاحب دخيل والشيخ عارف البصري وعدنان سلمان والشيخ حسين معن ومحمد بداي السالم وهادي شحتور وعبد الأمير المنصوري ومحمد هادي السبيتي وغيرهم.

2- خروج نخبة مهمة من المفكرين والشخصيات التنظيرية المدونة والشفاهية من الحزب في مرحلة المهجر؛ وخاصة في العام 1981 وما بعده؛ لأسباب متعددة. وأبرزهم: السيد مرتضى العسكري والشيخ علي الكوراني والشيخ محمد علي التسخيري والسيد كاظم الحائري ومهدي عبد مهدي والشيخ حسين الكوراني والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله وآخرين.

3- وفاة كثير من الشخصيات الفكرية والعلمية الدعوية خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ومابعد سقوط نظام صدام؛ كالدكتور داود العطار والسيد عبد الأمير علي خان وعز الدين سليم والشيخ مهدي العطار وغيرهم.

بروز مرحلة الباحثين والكتاب وأفولها:

تزامنت مرحلة أفول المفكرين والمنظرين المدونين في حزب الدعوة الإسلامية التي بدأت بعد منتصف ثمانينات القرن الماضي؛ مع بروز ظاهرة جديدة أو مرحلة جديدة تنسجم وطبيعة الظرف التاريخي الموضوعي والتجاذبات الذاتية التي عاشتها «الدعوة»، وهي مرحلة الباحثين والكتّاب؛ والتي لم يعرفها حزب الدعوة من قبل بالكم والنوع الذي أصبحت عليه في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. ومن أبرز هؤلاء الباحثين والكتّاب «الدعاة»: السيد حسن شبر (وهو الوحيد بينهم من جيل المؤسسين)، السيد حسين الشامي، غالب الشابندر، محمد الشبوط، فخري مشكور، السيد عبد السلام زين العابدين، حسن السعيد، ياسين مجيد، السيد محمد الحسيني، عبد الجبار الرفاعي، السيد علي المؤمن، عادل رؤوف، جواد كسار، علي التميمي، صلاح عبد الرزاق، الشيخ فؤاد المقدادي، السيد سليم الحسني، ابراهيم العبادي، شلتاغ عبود، إحسان الأمين، عادل القاضي، خضير الخزاعي، طالب الحسن وغيرهم. ويضاف اليهم عز الدين سليم والدكتور عبد الزهرة البندر والسيد عبد الأمير علي خان؛ الذين ساهموا أيضاً في كتابة الفكر الداخلي لحزب الدعوة وفكره الحركي. وعدا الثلاثة الأخيرون؛ فإن جيل الباحثين والكتاب "الدعاة" الذين برزوا في عقد الثمانينات من القرن الماضي؛ اشتغلوا في حقول فكرية أخرى لاتدخل في صلب فكر «الدعوة» الخاص؛ بل تدخل في إطار الفكر الإسلامي أو الفكر السياسي العام، وكانت لهم نتاجاتهم الكمية والنوعية الملحوظة. وبالتدريج؛ لم يبق من هؤلاء الباحثين أيضاً منتظماً في حزب الدعوة إلّا القليل جداً.

 

مرحلة الفعل التنظيري والفكري:

أعقب أفول مرحلة الباحثين والكتّاب؛ ظهور مرحلة المنظرين والمفكرين الشفاهيين الذين مارسوا عملية إدارة السلطة وقيادة حركة الدولة والفعل السياسي الحكومي. فإذا طبقنا معايير الانتاج التنظيري والفكري الشفاهي؛ بما يتضمنه من بعد تخطيطي وميداني؛ كما تعتمدها كثير من مراكز الأبحاث والدوريات العالمية؛ فإن أسماء كثيرة ستبرز؛ لها حضورها أيضا؛ أمثال نوري المالكي والدكتور ابراهيم الجعفري وعلي الأديب والشيخ عبد الحليم الزهيري والدكتور خضير الخزاعي والدكتور طارق نجم وغيرهم.

ولعل الإشارة إلى هذه الأسماء ستثير كثيراً من الاعتراضات وعلامات الاستفهام؛ ولكنني لم أذكرها إلّا استناداً إلى معايير علمية عالمية معتمدة. ولعل من الدوريات المهمة التي تعتمد مثل هذه المعايير: مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية العلمية المحكمة؛ التي تنشر سنوياً قائمة بأهم مائة مفكر على مستوى العالم، وتذكر أسباب اختيارهم. وهي معايير مقبولة ومعقولة، وأنا أعتقد بصحتها؛ رغم عدم إيماني بخلفيات اختيار كثير من مصاديقها. هذه المعاييرعلى نحوين:

1- الإنتاج الفكري الإبداعي؛ سواء كان مكتوباً أو شفاهياً.

2- التنظير والتخطيط والفعل الفكري والميداني الإبداعي؛ سواء كان فنياً (الإخراج السينمائي مثلاً) أو سياسياً أو عسكرياً أو إعلامياً أو صناعياً.

فمثلاً في قائمتها للعام 2012؛ وضعت مجلة «فورين بوليسي» قائد المعارضة الميانمارية «آنغ سان سوشي» في المرتبة الأولى، كأهم مفكر في العالم لذلك العام. ووضعت مدير الموساد السابق «مائير داغان» في المرتبة الرابعة عشرة، و«رجب طيب أردوغان» في المرتبة 28، وصاحب شركة مايكروسوفت «بيل غيتس» في المرتبة 32. ولكن المفاجاة الصادمة تأتي عندما تضع الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني الشهير «يورغن هابرماس» في المرتبة 88. وهابرماس (مواليد 1929) هو أهم مفكر ألماني حي على الإطلاق، بل أحد أهم فلاسفة الاجتماع السياسي على مستوى العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، ويعتبر بمصاف «كارل ماركس» و«مارتن هيدغر». أما الفيلسوف السلوفيني العملاق «سلوفاي جيجيك» فقد حلّ في المرتبة 92. ولو كانت مجلة «فورين بوليسي» قد اعتمدت المعايير التقليدية المتعارفة في ساحتنا لوضعت «هابرماس» و«جيجيك» في أحد المراتب الخمس الأولى قطعاً.

 

مفكرو "الدعوة" الجدد:

إن مهمة النهوض بنظرية حزب الدعوة الإسلامية، وتنقيتها وتجديدها وإعادة كتابة فكر الدعوة، وإدامة الانتاج الفكري الدعوي الداخلي؛ لم يعد مهمة المفكرين والباحثين التقليديين الذين اعتاد "الدعاة" على قراءة أفكارهم العامة والخاصة؛ بل هي عملية معقدة وصعبة؛ لأنها لا تقوم على أرض مستوية منبسطة؛ بل على بناء قائم عميق ومتجذر في "العقل الدعوي"، ويعتري هذا البناء كثير من الإشكاليات والجدليات. ولذلك فإن فئة المفكرين والباحثين التقليديين؛ بحاجة الى التكامل مع فئتين اخريين؛ هما: فئة الخبراء المنظرين والقياديين الميدانيين، وفئة الباحثين الإختصاصيين؛ للقيام بالمهمة المذكورة؛ لأن توصيف المفكر الحزبي والمنظر الدعوي في مرحلة الحكم والتطبيق السياسي تختلف عن توصيفه في مرحلة البناء الأولى والتنظير العام، ومرحلة المعارضة.

ويمكن تلخيص حاجة "الدعوة" في هذه المرحلة بتكامل ثلاثة أنواع من الدعاة المنظرين والاختصاصيين:

1- القياديون الميدانيون الخبراء في إدارة الدولة والحكومة والفعل السياسي.

2- الباحثون الإختصاصيون في علم الاجتماع الديني والسياسي والثقافي، والقانون الدستوري، والعلوم السياسية.

3- الباحثون الإسلاميون؛ بشقيهم: المثقفون وعلماء الدين.

ومن تكامل هؤلاء الثلاثة يمكن تشكيل أنجح اللجان الفكرية في تاريخ "الدعوة". وهؤلاء موجودون في "الدعوة"؛ فيهم المنتظم وفيهم المنقطع، و لاتحتاج "الدعوة" الى اكتشافهم؛ لأن انتاجهم العام يدل عليهم بسهولة. ولعل الإمكاناتات الفكرية والتخصصية التي يمتلكها هؤلاء لاتقل كماً ونوعاً عما كان يمتلكه الشباب العشريني والثلاثيني الذي كتب فكر حزب الدعوة ونظّر له في الخمسينات والستينات والسبعينات.

 

بقلم: د. علي المؤمن

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها فيّاض (زبولون) بن يوسف ألطيف الدنفي (١٩٢٩-٢٠٠٢، معلّم لغة إنجليزية في مدارس نابلس، ناشط اجتماعي) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد ١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٣٠-٣٢. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّرين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”كنت في الواقع قد قصصت عليكم قصصًا كثيرة عن تلك الأيّام القاسية، التي مرّت عليّ في صباي، ولكن عرفنا فتراتٍ جميلةً أيضًا، عشنا فيها في بحبوحة في البيت، الرزق كان متوّفرًا ووالدي، أبو فيّاض، يوسف بن فيّاض بن إسحق الدنفي، تمكّن من جني أرباح جيّدة من الأعمال الكثيرة التي كان يزاولها. تسألون بالتأكيد، إذا كانت الحالة هكذا فأين  ذلك المال الوفير الذي جمعه، ولماذا لم يورثه لنا؟

عليّ الاعتراف هنا، وحياة أبي لن تعتبرها سيّئة. من الأمور التي لم يعرفها أبي قطّ في حياته كان الادّخار. لم يحسن الادّخار، كان في حياته يجني المال الوفير، وكان يبذر أكثر من ذلك، وعليه كانت النتيجة أن فترات الجوع والقلّة كانت أطولَ من فترات البحبوحة والوفرة.

لا ريب أنّكم تعلمون أنّ همّ السامري طيلةَ السنة هو تأمين الدخل الكافي، كي يقضي أيام الأعياد المركزية، الفسح والعرش وخاصّة الفسح، برغد وسعادة. اليوم، يقضي قسم كبير من أبناء طائفتنا كلّ السنة على جبل جريزيم. في الماضي، كان المكوث على جبل جريزيم لمناسبة عيد الفسح، طموح ومبتغى كلّ فرد من أبناء طائفتنا.

سبت موسم الفسح، قُبيل قربان الفسح، [ذكرى لقاء موسى بشقيقه أهرون بعد فراق دام ستين عامًا] كان السامريون يصعدون إلى الجبل، وينصبون خيامهم هناك، وهكذا كانوا يمدّدون متعتهم السنوية، إذا لا أحلى من أيّام ما قبل عيد الفسح. في كل صباح كنّا ننزل مشيًا إلى المدينة للدراسة وللعمل. هكذا كانت تلك الأيّام الحلوة. مع أنّ القرش في جيوبهم كان قليلا، إلا أنّ قلب السامري كان يحنّ على الآخر، أكثر ممّا هي الحال في هذه الأيّام.

أودّ أن أروي لكم عن إحدى فترات والدي الجميلة، في إحدى سنوات الانتداب البريطاني، حدث ما يلي في وقفة الفسح وفي غضون سبعة أيّام عيد المصّة. آونتها زاول أبي بيع الوقود، وبشكل خاصّ لوسائل نقل الجيش البريطاني. عدد السيارات آنذاك كان قليلًا جدّا، في كلّ فلسطين أيضا. أدار الدكّان الكبير لتخزين تنكات الوقود والدي وجار عربي. وفي ذلك الدكّان كان بالإمكان الحصول على تنكات زيت للسيارات. مخزون كافٍ كان دائمًا متوفرًا في الدكّان، وهكذا كان قبل موعد الفسح ببضعة أيّام، في ليلة صعود أبي إلى الجبل بعائلته، للقيام بفريضة الفسح. صعِدنا كلّنا إلى الجبل قبل حلول عيد الفسح بشهرين تقريبًا، أقام والدي تخشيبة مربّعة الشكل وهناك بتنا كلّنا. كان ينزل يوميًا إلى نابلس للعمل في بيع الوَقود.

قبل العيد بيومين، توجّه إليه تاجر وقود عربي عارضًا عليه شراء احتياط إضافي من الوقود، خمسين تنكة، وفي كلّ واحدة منها خمسة عشر لترا. في البداية مال والدي إلى رفض ذلك العرض، فهو منشغل جدًّا في التحضيرات للفسح، وعلى كلّ حال، سيتغيّب عن العمل طيلة سبعة أيّام العيد.  بعد إعادة النظر في العرض، قرّر مع كلّ ذلك الشراء. قال في نفسه، هذا المخزون لبداية استئناف العمل بعد العيد لن يضرّ. ”ما سعر التنكة هذه المرّة؟“، سأل أبي التاجرَ كعادة التجّار. ”قسمًا بالله وبحياة محمّد رسوله“ - أقسم التاجر - ”إذا كنت أجرؤ على خداعك فسأكون ملعونًا في أعينهما، سعر التنكة هو ثلاثة قروش ونصف، لكن لك، فنحن إخوان، السعر ثلاثة قروش! ”أنظر، إنّي في وقفة العيد“، قال أبي للتاجر - ”وماذا سأفعل بكل هذا الوقود، ربّما من الأفضل الانتظار إلى ما بعد العيد، وعندها لن أُحْرم نفسي من خيرك“.

فهم التاجر ما في كلام أبي من تلويح، فوافق على خفض سعر التنكة بمليمين فأصبح ثمنها ثمانية وعشرين مليمًا. بهذا السعر وافق والدي شراء مائة وخمسين تنكة. بينما كان ينقل التنكات من الشاحنة إلى الدكّان، وصل تاجر آخر بشاحنة أيضًا محمّلة بتنكات الوقود، وهو بدوره استطاع إقناع أبي بشراء مائة وخمسين تنكة أخرى بسعر ستّة وعشرين ملّيمًا للتنكة.

بعد أن ابتاع أبي كل التنكات، أخذ يفكّر بينه وبين نفسه فيما إذا كان قد أبرم صفقة ناجحة أم لا، فهناك خطر هبوط أسعار الوقود في خلال عشرة أيّام غيابه عن العمل، وينقلب الربح خسارة فادحة. أخيرًا هدّأ نفسه في التفكير بإقامة فرائض الله الهامّة جدّا، مثل قربان الفسح والحجّ، ويجوز له أن يأمل بأنّ الله، على الأقلّ، سيساعده في عدم الخسارة.أقفل أبي الدكّان بقفلين، ومزلاجين مصلّبين على الباب، وصعِد للاحتفال بالعيد مع عائلته وطائفته.

قرّب الوالد القربان بموعده ومرّ العيد عليه بسرور، شُوي اللحم كما ينبغي، وأُكل على عجل مع المصّة والمارور. كانت معنويات أبي عالية، ونحن الأولاد، أبناؤه وابنته فرحنا بفرحه. انقضى القربان وما بعده، حلّ يوم السبت بعد مضي ثلاثة أيّام قبل أن تخرج أُسَر السامريين من خيمة لخيمة لجلب بركة العيد. ּأصدقاء السامريين من عرب نابلس تكبّدوا الصعود إلى معسكر الخيام والتخشيبات على الجبل للمعايدة.

من بين القادمين من نابلس، كان تاجر من مقرّبي والدي، وطلب التحدّث مع أبي على انفراد. رافقه أبي إلى ركن في التخشيبة وطلب منه أن ينطق بما عنده. سأل التاجرُ أبي ”سمعت أنك اشتريت قبل العيد بضع مئات من تنكات البنزين وخزنتها في دكّانك، الذي أقفلته بالقفل والمزلاج، بكم اشتريت التنكة؟“ سأل التاجر.

آثر أبي ألا يجيب على السؤال. لم ينتظر التاجر جوابًا وتابع ”ربّما لا تدري يا صديقي، ولكن منذ ذلك الوقت صار سعر البنزين كسعر الذهب، إن لم يكن أكثر. إنّ ثمن كلّ تنكة يصل اليوم الليرة والنصف“. استمع أبي لكلام التاجر، وفضّل عدم أخذه على محمل الجدّ، لأنّ ذلك التاجر يميل إلى السُّكر بسهولة من بعض كؤوس العرق التي كانت على طاولة أبي. إنّه يتحدّث كالسكران، قال أبي في نفسه وودّع التاجر المتأرجح على رجليه عند خروجه من التخشيبة، بعد أن كرّر القسَم بالله وبرسوله بأنّ كلامه صحيح، لا غُبار عليه.

”نحن في أيّام العيد“ - قال أبي للتاجر المنفعل - ”لا وقت للكلام عن التجارة، بعد نهاية عيدنا سأنزل إلى المدينة لأرى ما هي الأوضاع“. انتظر أبي صابرًا حتى نهاية أيّام العيد، ولكنّ ذلك كان ظاهريًّا. لاحظت أنّه يستلقي للنوم وهو يقظ، عيناه مفتوحتان، لأنّ الشكّ أخذ ينغز مخّه، قد يكون كلام التاجر صحيحا.

في اليوم التالي لعيد المصّة، نزل أبي إلى الحانوت. وقبل أن يفتحها، توقّفت بجانبها سيّارتان كبيرتان تابعتان للجيش البريطاني. قفز منهما ضابطان وسألا بصوت واحد، فيما إذا كان لديه وَقود للبيع. أجاب أبي بالإيجاب. ”بكم تبيعنا التنكة الواحدة“؟ سأل الضابطان. ”بليرة ونصف“ ردّ أبي، متذكّرًا قول التاجر؛ ”بعنا تنكتين لكل واحد“ - قال له الضابطان. باعهما أبي كالمطلوب، وفورًا بعد سفرهما، أقفل والدي حانوته وخرج ليتحقّق من الثمن الحقيقي. كان تخمينه صائبًا [حَزَر مزبوط]، السعر كان أعلى، ليرتان ثمن التنكة!

باع أبي كل مخزونه في خلال يومين، ما اشتراه في وقفة العيد، وما كان عنده من قبل، ووصل ربحه أكثر من ألفي ليرة، مبلغ ضخم في تلك الأيّام. تقاسم أبي وشريكه الربح غير المتوقّع. شكر الشريك اللهَ لأنّه جلب له شريكًا سامريًا، عرف متى يغلق حانوته؛ أمّا أبي فقد نظر إلى الأعلى وشكر بحرارة ربّ إسرائيل“.

 

ترجمة حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

diaa nafieلم يكن لديٌ عنوان دقيق لبيتها (والذي حولته حكومة موسكو عام 1992 الى متحف)، وهكذا اضطررت أن أسأل الناس حولي عن موقعه، وقال لي أحد المارة في الشارع، ان تمثال تسفيتايفا يقع على اليمين، وان متحفها على الاغلب قربه. وهكذا وجدت التمثال، وتبين ان المتحف يقع فعلا مقابله تماما. وقفت عند التمثال هذا طويلا وتأملته بامعان. كانت تسفيتايفا تجلس وقد وضعت كلتا يديها على الجانب الايمن من رأسها ، وكانت حزينة جدا، حزينة لدرجة اني بدأت اقترب أكثر من التمثال واحدق في وجهها عن قرب،  لكي اتأكد، هل كانت دموعها تسيل على خدٌها ام لا؟  اذ بدا لي وكأنها كانت تبكي . وقلت بيني وبين نفسي، ان الفنان الذي نحت هذا التمثال ربما أراد ان يجسٌدها في اللحظة التي عادت بها لتقف امام بيتها الحبيب؟ وكيف يمكن لشاعرة رقيقة مثل تسفيتايفا ان تحبس دموعها ولا تبك  وقد عادت الى البيت الذي عاشت به مع عائلتها أجمل أيام حياتها، منذ عام 1914 الى عام 1922؟ ام ان النحات اراد ان يجسد تلك اللحظة الحاسمة والحزينة في حياتها، عندما قررت تسفيتايفا بها ان تنتحر؟ لقد حدثت هذه المأساة عام 1941 بعد ان هاجرت من روسيا عام  1922، ثم عادت اليها عام 1939، اي بعد سبع عشرة سنة من حياة الغربة وعذاباتها، ثم قررت ان تنتحر بعد سنتين ليس الا من عودتها الى الوطن، لانه (لم يكن هناك من مخرج آخر) كما كتبت في واحدة من ثلاث رسائل تركتها قبل ان تعلق نفسها بالحبل الذي قدمه لها باسترناك – كما تقول احدى المصادر عنها - كي تستخدمه لربط حقيبتها .

كانت باقات الورود تحيط بالتمثال، بل وكانت هناك باقة ورد وضعوها  في حضنها . كل الورود كانت بسيطة، ومن الواضح انها جاءت من حدائق الناس البسطاء وبيوتهم الصيفية المتواضعة، وليس من مخازن الورود الغالية الاسعار، وان هذه الورود قد انتقاها المعجبون بايديهم كي يجلبوها الى تسفيتايفا، بل اني لاحظت، ان احدى الباقات كانت ملفوفة بجريدة قديمة ليس الا، واكثر الاشياء التي أثارت انتباهي ودهشتي في تلك اللحظة  هي تلك التفاحة، التي قدمها لها أحد المعجبين بها، ووضعها على منصة التمثال  عند قدميها، وقد حاولت ان التقط  صورة للتمثال وركزٌت على تلك التفاحة بالذات، لانها كانت تمثٌل – بالنسبة لي – الحب والتعاطف والوصال الروحي بين تسفيتايفا والناس . لقد حكيت قصة التفاحة هذه الى الموظفة المسؤولة عن هذا المتحف الرشيق، فضحكت – وبكل سرور - وأجابتني، ان سبب هذه الهدايا هو مرور يوم ميلاد تسفيتايفا قبل ايام قلائل، وان جميع محبيها قد ارادوا ان يقدموا لها هدية ما في هذه المناسبة، ويبدو ان هذا الشخص لم يجد معه شيئا سوى هذه التفاحة، فقدمها لها تعبيرا عن حبه لها واعتزازه بها واعجابا بابداعها، والتفاحة (المتواضعة !) هذه هي  أجمل هدية  بلا شك في رأي، لأنها تعني ان تسفيتايفا لازالت تعيش بيننا، وانها بحاجة ان تأكل التفاح .

وهكذا دخلت الى هذا المتحف الفريد وانا غارق في اجواء تمثالها الحزين والازهار  التي تحيطه والتفاحة التي تقف (شامخة) بين تلك الازهار .

هذا المتحف هو الشقة التي عاشت بها تسفيتايفا . انها شقة غير اعتيادية تماما بالنسبة لموسكو، اذ توجد فيها ثلاثة طوابق، وفي كل طابق غرف وممرات، وقد اخبرتني احدى مسؤولات المتحف، ان تسفيتايفا نفسها لم تكن تعرف عدد الغرف الموجودة في تلك الشقة (هكذا كتب أحد الاصدقاء في ذكرياته عنها) . في الشقة المقابلة لها (والتي اصبحت الان جزءا من المتحف طبعا) وجدت كتبها ورسائلها موضوعة في واجهات زجاجية رشيقة . كتابها الاول والثاني والثالث، وكتب الشعراء الروس في تلك السنين الخوالي – بلوك وغوميليوف ويسينين وماياكوفسكي وأخماتوفا وايرنبورغ وباسترناك وبيللي ... وهناك رسائلها بخطها الجميل والناعم،حتى بطاقات بريدية ارسلتها من تشيكيا عام 1903 عندما كانت تشارك في مخيم للصغار هناك ... ووجدت هناك الكتب التي أصدرتها مع زملاء آخرين في برلين عام 1922، عندما هاجرت من روسيا، وصور عديدة لها ولزوجها وابنتها ولشعراء وادباء روس مهداة لها، وتاملت صور باسترناك وايرنبورغ وماياكوفسكي وبلوك وبقية ادباء روسيا في العشرينات عندما كانوا شبابا، بل اني وجدت نسخة من جريدة اسمها (ارادة روسيا) كان يصدرها اللاجئون الروس في براغ عام 1922. بعدئذ دخلت الى شقتها التي عاشت فيها طوال تلك السنين، وشاهدت لوحة كبيرة تتوسط الغرفة الرئيسية في الشقة وهي لوالدها بروفيسورجامعة موسكو تسفيتايف – المتخصص بالفن وتاريخه ومؤسس متحف الفنون الجميلة في موسكو ومديره الاول (لازال هذا المتحف موجودا في موسكو واسمه الان - متحف بوشكين، ويعد من أكبر متاحف الفنون في العالم). وهكذا بدأت بالتجول في تلك الشقة غير الاعتيادية تماما . كان الاثاث موجودا كما كان ايام تسفيتايفا، واللوحات تملأ الجدران (وجدت نفس اللوحة التي وصفتها تسفيتايفا في كتابها عن بوشكين، وهي اللوحة التي تجسد اصابته اثناء المبارزة، وتأملتها طويلا وتذكرت المقاطع الشاعرية المدهشة الجمال التي كتبتها تسفيتايفا عن تلك اللوحة – انظر مقالتنا بعنوان تسفيتايفا وبوشكينها) . لقد شرحوا  لي ان هذه الشقة قد تحولت الى غرف عديدة لسكن الكثير من العوائل السوفيتية في العشرينات والثلاثينات وزمن الحرب وبعدها ايضا (كل عائلة تسكن في غرفة بنفس الشقة، وتكون الخدمات مشتركة للجميع، وهو نظام جاء نتيجة الازمات آنذاك ويكاد الان ان يتلاشى تقريبا) . ثم تم اتخاذ قرار بتهديم العمارة الا ان الحرب الثانية اوقفت القرار، وحاولوا  تنفيذه في السبعينات،   ألا ان واحدة من سكنة العمارة رفضت الاخلاء رغم كل محاولات السلطات، وهكذا اتخذت حكومة موسكو بعد سقوط الاتحاد السوفيتي قرارا بتحويل البناية الى متحف تسفتايفا، وقامت بتصليح البناية واعادتها كما كانت في السابق، ووضعت الاثاث واللوحات والكتب في الشقة حسب ذكريات معاصريها، لدرجة، ان واحدة من زوار المتحف قالت لي – (عندما كنت اتجول في هذا المتحف شعرت بان من المحتمل ان تبرز امامي فجأة تسفيتايفا نفسها من احدى هذه الغرف) .

لقد تحول هذا المتحف الان الى مركز ثقافي نشيط جدا، فيه منهج شهري يوزعونه مع بطاقات الدخول، وقد استلمت هذا المنهج بالطبع لشهر تشرين الاول / اكتوبرلهذا العام (2016)، واود ان اختتم مقالتي هذه بعرض سريع لبعض فقرات هذا  المنهج ليس الا (اكرر – لبعض فقراته)، اذ ان طبيعة المقالة لا تتحمل كل تفصيلاته، وهذه المختارات  كما ياتي –

اليوم العالمي للموسيقى – حفل موسيقي ثم محاضرة بعنوان عائلة تسفيتايفا في الثقافة الروسية ///  قراءآت شعرية مختارة من تسفيتايفا وأخماتوفا وباسترناك وغوميليوف .../// مسرحية بعنوان – غريب الاطوار (عن حياة يسينين) ///  مسرحية مستوحاة من نتاجات تسفيتايفا ورسائلها ورسائل باسترناك ///  مسرحية مستوحاة من قصة تسفيتايفا (تسع رسائل) /// المؤتمر العلمي  العالمي التاسع عشر، المكرس لدراسة حياة وابداع تسفيتايفا (لمدة يومين) بعنوان – من اجل ان يكون في العالم اثنان – أنا والعالم.///  مسرحية فنية وثائقية بعنوان – والدتي مارينا تسفيتايفا /// حفل موسيقي بعنوان – في عالم الموسيقى من كل النوافذ /// عرض فلم سينمائي فرنسي بعنوان – (زوجة الخباز) انتاج عام 1938 .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

tariq alkinaniكانت الشمس قد مالت الى الغروب عندما توقفت العجلة التي تقلنا إلى مطار النجف فاليوم الرحلة إلى إيران تختلف عن باقي الرحلات التي ذهبت بها على مدى عشر سنوات مضت ،البرنامج قد تم اعداده بحرفية عالية وبموجب الخارطة السياحية التي زودني بها صديقي فهي توضح كل معالم البلد الحضارية والتاريخية والمسافات التي تفصل بين المدن وأنواع المواصلات الموجودة سواء كانت سيارات أو قطارات أو طيران ،تم وضع ثلاث أماكن للرحلة وهي شيراز التي تقع للجنوب وتبريز وأردبيل في شمال غرب إيران فالمسافة التي تفصل بين أردبيل وتبريز 240 كم والسفر اليها برّاً بواسطة السيارة يستغرق أكثر من ساعتين .

عندما نزلت الطائرة في مطار طهران كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر والنصف مساءً حيث تم تأخير موعد الرحلة ساعة كاملة وعند اكمالنا عملية إستلام الحقائب وختم الدخول حملّنا أمتعتنا في التاكسي وذهب بنا إلى طهران عاصمة البلهويين حيث حكم آخر ملوكهم شاهنشاه آريمهر (محمد رضا بهلوي) هذا الملك الذي يتحدر من عائلة سائس خيول الملك أو كما يحلو لهم أن يسمونه رئيس اسبطلات الخيول العائدة للملك ، حيث سيطر على الحكم بعد القضاء عليه وأسس مملكة قوية في الشرق الأوسط كان لها الدور الكبير في السياسة الدولية ،لم تكن اقامتنا في طهران طويلة  فقد بلغت الساعة الثانية صباحاً عندما أستقرَّ بنا المقام في الفندق وفي الصباح تجوّلنا في أحدى ساحاتها المعروفة بأسم (فردوسي) نسبة للشاعر الفردوسي صاحب الشهنامة حيث توجد ساحة في كل مدن إيران بإسم هذا الشاعر مع تمثال كبير له قد يصل ارتفاعة إلى عدة أمتار مثل تمثاله في مدينة كرمنشاه . وعند مرورنا بشارع (نجاة اللّهي) كانت مكاتب السفريات والحجوزات لوسائل النقل المختلفة تعج بالمكان فدخلنا أحداها وحجزنا تذاكر السفر على متن الطائرة المتجهة إلى تبريز في نفس اليوم  حيث كان موعد الإقلاع الساعة الثانية بعد الظهر لقد كان من المقرر أن نتناول طعام الغداء في مطعم (سُنّتي) ولكنَّ الوقت لم يسعفنا، فحزمنا حقائبنا على ظهر التاكسي وغادرنا الفندق ،ولكن المفاجأة كانت أن تلك الشوارع التي بدت مقفرة في الصباح الباكر وحتى الساعة الحادية عشرة قد غصت بالسيارات وكل الطرقات التي كنت قد مررت بها وهي فارغة أصبحت لاتطاق، لقد كان السبب في هذا الإزدحام هو إقامة صلاة الجمعة بإمامة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الخامنئي في تلك المنطقة، وبعد مرور ساعة وصلنا إلى مطار مهرآباد ،هذا المطار الذي كان مطار دولياً في حقبة آل بهلوي قد تم تحويله إلى مطار داخلي في العهد الجمهوري وهو يحتوي على أربعة قاعات لاستقبال المسافرين  فكانت رحلتنا من القاعة رقم2 ،ولم تقم الرحلة  إلاّ بعد مرور ساعة حيث حدث تأخير في موعد الرحلة .

لم تستغرق رحلتنا إلى تبريز أكثر من ساعة وربع حيث أقلّنا التاكسي إلى فندق وسط المدينة وإسمه (هتل اذربيجان) . نظرة واحدة من خلال زجاج الطائرة كانت تكفي لتعرف أن تبريز مدينة تحيطها الجبال من معظم جهاتها .فهي ترتفع عن مستوى سطح البحر بحدود 1500 متر ويسكنها حوالي 2 مليون نسمة أغلبيتهم من الترك الأذريين ،وهم سلالات مغولية، كانت تبريز عاصمة أذربيجان الشرقية عندما كانت تابعة لإيران قبيل الحرب العالمية الأولى ، لقد أعاد بنائها هولاكو وأتخذها عاصمة لملكه في القرن السابع الهجري وحتى 736 هجرية 1336 ميلادية وهي من أشهر مدن إيران وتأتي رابعة من حيث السكان والمساحة ولها إطلالة على نهر آجي الذي يصب في بحيرة أرومية ،يمتاز الجو في تبريز بالحر الشديد في الصيف والبرودة الشديدة في الشتاء لعدم وجود رطوبة .فقد كان يمر طريق الحرير بهذه المدينة ،حيث تم وضع نصب تذكاري يشير إلى هذا المعنى قرب (البازار الكبير)الذي يقع في وسط المدينة والذي يعود تأسيسه إلى  أكثر من الف سنة .

تاريخ تبريز حافل وموغل بالقدم حيث كانت هذه المدينة موجودة قبل الإسلام في العهود الإشكانية والساسانية  ومن ثم في العهود العباسية والخوارزمية والمغولية والاليخانية والتيمورية والجلائرية والقره قويونليّة والصفوية والقاجارية وقد إتخذها الصفويون والقاجاريون في مراحل حكمهم عاصمة لهم ويقال أن سكانها قديماً كانوا من أصول إيرانية (الطورانيون) ومن ثم أستوطنت بها بعض القبائل العربية عند الفتح وأهم القبائل العربية التي سكنتها هم (الأزد).

صباح يوم السبت كان متحف أذربيجان فاتحة الكرنفال تجولنا فيه ومن أهم مشاهداتي في المتحف كان لوحة حجرية عليها نقوش قديمة من العهد الإشكاني حيث يعود تاريخها إلى حوالي 2000 سنة ،سألت أحدى المترجمات في المتحف عن بعض المعروضات وكانت تجيد الإنكليزية وعندما باشرت بالشرح جاء السائق الذي إستأجرته كمرشد سياحي فتدخل في الشرح مما جعل هذه المرأة تتوتر منه وتتوقف عن الشرح بسبب تطفله وفضوله حيث حدثت مشّادة كلامية بينهما إضطررت معها أن اعتذر للسيدة وأتنازل عن سؤالي إياها ، ولمّا كان الأخ غير خبير في التاريخ فقد أكتفيت بالإيماء وأنتهى الموضوع ،تحركت بإتجاه مَعْلَم أثري آخر وهو الجامع الأزرق حيث يقع في وسط المدينة وعلى مقربة من المتحف ويعود تاريخه إلى حوالي سبعمائة سنة بناه جيهانشاه وسميَّ بالجامع الأزرق لأنه قد تم تغليفة بالقاشاني  الأزرق من الداخل والخارج ويحتوى هذا الجامع على قاعة كبيرة كمصلى والطابق العلوي مصلى للنساء وهناك قاعة أخرى ملحقة بالجامع يتخذها الملك لإدارة المملكة ولقاء الوفود والنظر في القضايا الخاصة بالمملكة ،حيث كان يفصل بين هذه القاعة والمصلى ستار وفي الطابق العلوي مكان للملكة وحاشيتها ،وهناك أيضا سرداب بالقرب من مجلس الملك أتخذه  فيما بعد كمقبرة لزوجته ومن ثم دفن هو أيضاً بهذا المكان ،لقد كانت هذه القاعة قد غلّفت بخزف شديد الزرقة وأعتقد أنه من الخزف الصيني الغالي الثمن ولكن هذا الجامع تعرّض للتدمير مرتين بسبب الزلالزل التي تضرب المنطقة بأستمرار ،حيث يذكر التأريخ أن تبريز كانت تحتوي على ( 350) مسجد تم تخريب أكثرها بفعل الزلازل.وقد شاهدت عملية إعادة ترميم هذا الجامع وقد وصلت مراحل متقدمة وتم وضع كل الهياكل القديمة المرمرية التي سقطت بفعل الزلازل أمام باب الدخول كما تم الاحتفاظ بالكاشي الأزرق الذي يشبه الخزف الصيني إلى حد بعيد في نفس القاعة التي كان يغلف جدرانها حيث مازالت أجزاء كبيرة منه تغلف سقف القاعة المذكورة .

المتاحف في تبريز كثيرة ولايمكننا أن نستمتع بمشاهدتها على هذه العجالة فنحن في عجلة من أمرنا والوقت المخصص إلى تبريز لايكفي للإلمام بكل هذه المعالم الجميلة التي تمت العناية بها بشكل يليق بمكانتها التأريخية ،ففي المسجد الأزرق التقيت بالعديد من السائحين الأوربيين فمنهم من أسبانيا وفرنسا وألمانيا وأستراليا حيث كان أغلبهم يسكن بنفس الفندق معنا ،ومن ثم مررت بمعلم حضاري آخر تمتاز به مدينة تبريز ألا وهو متحف السجاد الكاشاني التبريزي والذي يعد السجاد الأول في العالم لايمكن أن ينافسة أحد ،وهناك متحف آخر ملحق به وهو للألات الموسيقية القديمة وغيرها من الأجهزة القديمة التي كان يستخدمها أهالي تبريز حيث يحوي هذا المكان على عدة متاحف ،لقد أكتفى الأطفال ووالدتهم بالجلوس في حديقة المتحف التي كانت غاية في الجمال من حيث التصميم ونوع الزهور والأشجار التي تم غرسها فيها ،بينما تنقلت أنا من متحف إلى آخر ،لم يطل بنا المقام هناك فقد كانت المتاحف الأخرى بانتظارنا ،حيث توجهنا إلى منزل بهنام وهو مبنى تاريخي في تبريز  بني خلال القاجاري جزء الأخير من سلالة زاند وبداية العهد القاجاري لقد تم تجديده في عهد القاجاريين وقد تم تزينه بلوحات فنية في تلك الفترة ،منزل بهنام وهو من المعالم الأثرية المعروفة في تبريز وهو غاية في الروعة من حيث التصميم المعماري ويتكون من طابقين وقد أتخذ كمتحف للفن الإسلامي فقد أكتشفت مؤخراً فيه لوحات لايعرف عن تاريخها شيء والدولة الإيرانية الآن تقوم بتجديد هذا المنزل بعناية فائقة .

كانت قلعة تبريز هي آخر المعالم الأثرية التي شاهدتها في عصر ذلك اليوم حيث يبلغ إرتفاع تلك القلعة 28 متر ويقال ان  الزلازل لم تبق منها سوى هذا الارتفاع والجهات الأثرية المختصة مهتمة بترميمها وأعادت هيكلها القديم  ،تأملنا هذه القلعة التي يزيد عمرها على 700 سنة حيث كان تصميمها وبنائها يطابق البناء التبريزي إلى حد بعيد وخصوصاً الطراز المغولي في البناء والذي تأثر إلى حد بعيد بالطراز الإسلامي ولكن تتجلى فيه عظمة هذا الشعب المقاتل من حيث فخامة البناء وإرتفاعه، فهم يتركون بصمتهم في كل شيء حتى في صناعة الملابس وغطاء الرأس .

كان الناس ودودين جداً معنا لدرجة أنهم دعونا ولعدة مرات إلى دورهم لنكون ضيوفاً لديهم ،ولطالما كرروا سؤالهم المعتاد مع كل غريب (كوجا رفت حاج أغا) من أين أنت ياحاج أو سيدي وبمجرد أن تقول من العراق يبادر بسؤالك السؤال الثاني من أي محافظة بالعراق هل أنت من المنطقة الشمالية ويذكرون على وجه التحديد السليمانية كركوك أو الجنوب  وما أن يعلم أنك من كربلاء حتى يطلق لنفسه العنان ويصبح أكثر ودّاً والتصاقاً بك وكأنه يعرفك منذ دهر ويبدأ بالكلام معك بحرية عجيبة مانحاً أياك ثقته كما لم يمنحها لآخيه ،والحقيقة أنا إستغربت هذه الحالة لأول وهلة وأعتبرتها إستفزازاً لي حتى اتحدث عن المحظور ولكني وجدت العكس .

لقد أتاحت لي هذه الثقة التي منحها لي هؤلاء الأشخاص ن أتعرّف على الكثير من خفاياهم وطبائعهم ،فهم يتحدثون اللغة التركية فيما بينهم ويشعرون بإنتمائهم القومي التركي أكثر من انتمائهم الفارسي ،وتمثل لهم أذربيجان قبلة حقيقية يسعون للوصول اليها فهي منبتهم الأصلي والشعور بالغربة في إيران نابع من الموقف العدائي الذي تتخذه الجمهورية الإسلامية من أذربيجان فقد توَّضح لي وبشكل لايقبل الشك أن إيران لاتساند الأذريين أو جمهورية أذريبيجان في صراعها مع أرمينيا حول مرتفعات (ناكاروني كاراباخ ) نابع من خوفها أن تبدأ أذربيجان بالمطالبة بتبريز عاصمتها التأريخية وتتلوها أردبيل وجزء كبير من الساحل الإيراني على بحر قزوين ،وكذلك الموقف التركي من أرمينا والموقف العدائي منها ومساندتها إلى أذربيجان بالرغم من كونها دولة شيعية إلا أن الموقف نابع من الولاء للقومية التركية فهم من نفس الأصول المغولية ، إيران يسكنها (38) مليون تركي من أصول أذريه وهذه نسبة عالية تمثل أكثر من 38% في حين يشكل العنصر الفارسي نسبة قليلة لاتتجاوز 17% وبالرغم من هذا فهم العنصر المتسيد والمسيطر ويدير دفة الحكم . والنصيحة للباحث الذي يريد أن يدرس تأريخ أذربيجان أن يأتي إلى تبريز ومن ثم يعرّج على أردبيل فهناك التأريخ الحقيقي المتجذر لهذه الدولة الفتية ، فعزل الروس لأذريبيجان عن عاصمتها الروحية تبريز أضاع الكثير من معالم هذه الدولة وجعلها تفقد الكثير من أصالتها، فقد قرأت مرة مقالاً للباحث حسن عبيد خلال زيارته لأذريبيجان وكان يستغرب لعدم وجود أسواق قديمة في باكو وغيرها من المدن الاذريبيجانية الأخرى ، وكذلك كان قد أشر البعض بعدم وجود مساجد للصلاة .

تبريز عاصمة الصوفية والشعر والجمال تجبرك أن تتماهى مع فضائها الجميل وهوائها النقي ،كبيرة هذه المدينة حيث يبلغ طولها اربعين كيلومتر يسكنها( 1،8 ) مليون نسمة والباقي 200 الف موزعين على القرى المحيطة بها ،فهي تنتج كل شيء بسحر الماضي ،تجبرك أن تتوقف طويلاً لتتأمل ماذا صنع التبريزيون !!! عتيقة هذه المدينة فهي تشعرك بأمتدادها التأريخي العميق لدرجة أنك ترى كل عظمائها يمرون من أمامك ،فلا أستبعد أن أكون قد رأيت هولاكو خان أو جنكيزخان أو شمس التبريزي بملابسه الصوفية وهو جالس عند بائع القطن أو يبتاع الصوف لبعض الفقراء من مريديه في (خانكته)، إنتهى اليوم الأول في تبريز وأنا اخوض صراعاً مريراً بين ما أعشق من حب التراث وبين مايريد أطفالي .

كان من ضمن برنامجي التبريزي أن أزور أسواقها فهي تحوي على اربعة أسواق كبيرة ، أقدمها (البازار الكبير) ويبلغ عمر هذا البازار أكثر من الف سنة يحتوي على أكثر من 8000 محل لاتنافسه المولات الحديثة من الروعة والصناعات الموجودة فيه ومن حيث الحجم ،فهنا لكل مهنة وكل بضاعة سوق خاص بها، شأنها شأن الأسواق القديمة ،وهنا يباع كل شيء وأي شيء يمكن للأنسان أن يقتنيه فالملابس والمفروشات والصناعات اليدوية القديمة وتجار الصوف والقطن والصناعات المرتبطة بها والحرير وصناعة السجاد التبريزي الذي جعلني أتوقف عن الحركة لأتأمل هذا الإبداع البشري للجمال، كيف تتحول هذه الخيوط الصماء إلى لوحات فنيّة تنطق بل تعج بالجمال والروعة ،لقد إستوقفتني لوحة لسيدة مجتمع فارسية تمت حياكتها على سجادة كاشان تبريزي ،بالرغم من اللوحات الجميلة الكثيرة والتي كانت تمثل لوحات لفنانين كبار إلاّ أن هذه اللوحة قد بهرتني وقد فكرت جدياً بإقتنائها ،لم يكن سعرها يوازي قيمتها الفنية الرائعة ولكنه كان فوق قدراتي المالية وحين عرف صاحب المحل برغبتي بشرائها حاول تخفيض السعر جاهداً حتى يرضيني ولكن دون جدوى بقيَّ السعر باهضاً بالنسبة لي ولم أملك إلاّ أن اغادر وعيني تلتفت إلى الوراء متعلقة بهذه اللوحة الفنية الرائعة.

 لقد ادركتنا صلاة الظهر ونحن لم ننه ولو جزء يسير من البازار حتى ولو بنسبة 20%  توجهنا إلى المسجد الذي صلي فيه تجار البازار وأديّنا الفريضة ومن ثم أكملنا بقية الظهيرة في التبضع وتناولنا غدائنا وعندها طلب الأولاد فسحة حيث قال أمثلهم طريقة ،هل جئت بنا لنرى هذه الأشياء العتيقة والبالية أين المتنزهات والألعاب التي وعدتنا بها لماذا لاتشعر بنا فنحن مازلنا أطفال، ونريد أماكن للترفيه، ألا تشبع من هذه الأشياء ،سألني السائق والدليل ماذا قال هذا الطفل وماذا يريد فهو غاضب، فأخبرته بما يريد ،قال حسناً سآخذكم إلى التلفريك وهو يصعد بكم إلى أعلى قمة في جبل عون بن علي ففرح عندها الأولاد ،وعند ركوبنا التلفريك وانبهارنا بالمناظر التي نطل عليها من خلال زجاج التلفريك ،جعلت تلك المناظر زيد ينسى حقيبته المحمولة والتي تحوي على كل أجهزته مثل الاي باد والتاب والهاتف النقال والهاتفون والكاميرا وووو) المهم هو لم يتذكرها، كانت الإطلالة على تبريز من فوق( جبل عون بن علي) ساحرة فأنت ترى على امتداد البصر مدينة تبريز وكل بناياتها ومعالمها الحضرية ،كانت المرافق الخدمية بمستوى رائع ونظافتها المعهودة وأناقتها ،تناولنا المرطبات بالرغم من برودة الجو وعند عودتنا تذّكر زيد فقدانه للحقيبة ،وهنا كانت مأساته الحقيقة حيث أتخذناه هزواً وجعلنا منه أضحوكة وخصوصاً أخته شمس فقد تلاعبت بأعصابه على طول المسافة مما أضطرني إلى التدخل لصالحه وأقنعته بأن حقيبته بقيت في السيارة ،عندها أبتسم زيد محاولاً تصديقي لأنه لم يجد بداً من ذلك ،فعند وصولنا إلى محطة النزول بادر إلينا أحد الموظفين ليستقبلنا وهو مبتسماً فطلبت منه الحقيبة وقد قام بإعطائها لنا وهو مسرور ولم أجد زيد سعيداً أكثر من تلك اللحظة ،فقد عثر الموظفون عليها عند نزول الكابينة ومن حسن الحظ انها كانت فارغة وإلاّ لم نعرف مالذي كان يحدث .

لقد أطلق على الجبل أسم عون بن علي نسبة إلى صاحب الضريح المدفون فيه هذا الشخص ويعتقد أنه من السادة الأشراف وأحد أبناء الأئمة الأطهار حيث لم أسأل عنه ولكن حين ترى الضريح القديم المبني من الآجر والجص وسط تلك الحدائق الغنّاء والزهور المتنوعة تشعر بعظمة المكان وروعته .

كان المساء قد حلَّ عند وصولنا إلى مقر اقامتنا وما أن استقر بنا المقام حتى غط الجميع بنوم عميق لم يوقظهم سوى سعالي ،كان الغروب لم يزل يسير بطيئاً فقد حجبته الجبال عنا ولم يقوى على مصارعة الشمس فهي الأعلى وهي الأكثر إشراقاً في تبريز ،لم يتبق لنا سوى سواد الليلة حتى نمضي إلى عالم آخر من عوالمنا المختلفة التي قررنا أن نزورها ،ولنستغل هذا الوقت بزيارة السوق الثاني بالمدينة حيث يبعد عن مقر اقامتنا حوالي 500 مثر ،كانت الشوارع متشحة بالسواد وبدأ الناس يمارسون الشعائر الحسينية فقد كانت أيام المحرم هناك في تبريز تشابه إلى حد كبير الشعائر في كربلاء فأهل هذه المدينة إنتمائهم الحسيني واضح جداً فهم بعد الله وتبريز هناك قيمة ثالثة عليا لديهم هي الثورة الحسينية فهم حسينيون حد النخاع فأغلب المدينة رحلت إلى كربلاء لزيارة العتبات وهم يفتخرون بهذا الإنتماء ،لم أر أي تعطيل للحياة أثناء ممارستهم الشعائر فهم منظمون لدرجة أن لايضايقوا أحداً أو يعطلوا مصالحهم فالعمل لديهم عبادة والشعائر كما يبدوا لي هكذا أيضاً وكلتاهما تجريان بخطين متوازيين دون تقاطع .

وصلنا البازار الثاني والذي سمح لنا الوقت بزيارته وأدركتنا صلاة المغرب ونحن في بداية السوق حيث كان هذا السوق هو الآخر لايقل جمالاً عن البازار الأول فهو أيضا قديم ويقع هذا السوق في (خيابان تربيت ) يقطع هذا السوق شارع مغلف ببلاطات حديثة تتوسطه أشجار الزينة والزهور وهناك المقاعد الخشبية المنتشرة قرب الحديقة الممتدة على طول السوق وقد لفت انتباهي أنهم قد وضعوا تماثيل لكل مهنة قديمة في السوق وأول تمثال كان لـ (صبّاغ الأحذية) وهو يتوسط حديقتين وتم وضع كراسي أنيقة بالقرب من هذا التمثال ،وكذلك بقية المهن قد تم تجسيدها بتماثيل مشابهة من البرونز وكما قلنا فالعمل عندهم مقدس أيضا فهم يهتمون بعملهم وينجزونه على أتم وجه وقد رأيت ذلك بشكل عملي في كل حرفة تعاملت معهم بها فهو لايقبل بأي شيء سوى الكمال . لقد نودي لصلاة المغرب فأضطررت إلى الرجوع إلى المسجد الذي يقع في بداية السوق لأداء الفريضة ،والحقيقة أن المساجد في إيران غاية في التنظيم ورعاية لمتطلبات المصلين من حيث وجود اللوكرات لحفظ الأحذية والحمامات وأماكن الوضوء ووجود (النعال) مايلبسه المصلي كبدائل عن الأحذية ،كما يخصص الطابق الأعلى للنساء أو يفصل الجامع بستار للتفريق بين مسجد النساء عن مسجد الرجال .

كانت تلك الليلة الأخيرة التي قضيتها في تبريز عدنا إلى الفندق وقد غيرنا طريقنا سهواً فقادنا الطريق إلى معالم أكثر جمالاً وأناقة لم نكن نراها لو عدنا بنفس طريقنا ولكن وقت العودة إستغرق وقتاً طويلاً وقد أخذ البرد يشتد على شمس حيث كانت تشعر به بشكل مختلف عنا ...

سألتها لم لاتنزلين البحر في الليل

قالت لأني لأأثق بالبحر

لم لاتثقين بالبحر جميلتي

لأني لا أثقّ بالليل

فالليل يستر عني ضوء الشمس

تبتعد دامية خلف جبل (عون )*   جبل يحيط بتبريز سميَّ بهذا الإسم نسبة إلى

                                        صاحب المرقد المدفون على هذا الجبل.

ليقضي منها الليل وطراً

فتعود حبيبتي الشمس

اليَّ في الضحى مقطعة الأوصال

يستغرقها البرد

ترتجف في كبد السماء

لا دفء بين جوانحها

يتغشاها حياء العذارى

ففي صمتها تسكن الريح

في كل ليل يغتصب القمر شمسنا البتول

تبريز ياحلماً راود مراهقتي

ها أنا أسير بين طرقاتك

التي خذلتها كل خيول الشرق

خذلتها كل الجمال المحملة بالبخور

لم تعد فراشات دودة القز

تعشعش بين أشجارك

فالعمر قصير والزهد غادر فنائك

في كل أزمنة الشقاء والخوف

كان الملوك يمرون في أروقة القصور

يتحلوّن فيها بأساور من حرير

أنت اليوم عانس من ورق وحبال

تتقاذفك الذكريات

لا(خان) ولاملك ولا خليفة ولا أمير * لقب للملوك المغول

يمتلك مفتاح القلعة في تبريز.

هذه الكلمات سطرها قلمي وأنا أهم بجمع أمتعتي لمغادرة تبريز متوجها نحو أردبيل العاصمة الصفوية التي أشتهرت بطرائقها الصوفية والمتصوفين،عرجت في طريقي على منطقة سرعين التي تشتهر بعيون الماء الساخنة المعدنية حيث تغفو هذه القرية السياحية على العديد من هذه العيون وتحتوي على الكثير من الحمامات والمسابح لهذه المياه ،بقيت هناك ليلة واحدة ،كانت المدينة خالية من  أهلها ولا وجود لأي سائح فنحن تقريباً الغرباء الوحيدون في هذه البلدة ،لم يبتدأ موسم السياحة الشتوي فهم بأنتظار نزول الثلج حتى يبدأ الموسم الشتوي في رياضة التزلج على الجليد ، كان الصوت حزينا والنغم حزيناً ذلك الصوت الذي يتردد عبر شباك الغرفة التي أقطن بها ، فأنا لم أسمع بتلك الآلة التي يصدر عنها الصوت حيث يصاحبها صوت حزين هو الآخر كم كان جميلا ذلك الصوت ، لم أستطع أن أتبين منه سوى كلمة (ياحسين)  عرفت حينها أن هذا الصوت كان لقارئ يقرأ مصيبة الحسين .

في جولة مسائية حول هذه العيون المعدنية التي تبعد عن مركز الناحية حوالي 28 كيلومتر كحد أقصى والعودة إلى المدن المائية التي تعج بها البلدة ،دخلنا أنا وزيد إلى إحدى هذه المسابح الجميلة حيث يوجد بالإضافة إلى المسبح الكبير هناك أحواض مائية كبيرة مفردة حارة وباردة وغرف للساونا الحرارية والساونا البخارية بقينا ساعتين هناك فقد أهتم بنا القائمون على ادارة هذا المرفق الخدمي بشكل استثنائي عند معرفتهم هويتنا وأسم مدينتنا ، فنسبة كبيرة من سكان البلدة رحلوا إلى كربلاء لحضور مراسيم زيارة عاشوراء وهم يستغربون تواجدنا في ديارهم أثناء هذه المناسبة وقسم كبير منهم جعل تواجدنا فرصة للتعرف الينا ومجاملتنا حيث علمت بأن الجزء المتبقي من سكان هذه البلدة والذين لم يذهبوا في المحرم إلى كربلاء سيتواجدون فيها خلال الزيارة الأربعينية ،حاول الكثير منهم دعوتنا إلى دورهم لكننا اعتذرنا لعدم وجود فرصة كافية للإطلاع على بقية معالم البلدة وأسواقها الجميلة والقديمة حيث قمنا بالتسوق منها وخصوصاً الصناعات اليدوية التي تمتاز بها أسواقهم وتعتبر كتحفيات يمكننا أن نضعها كتذكار في إحدى غرف الدار،أهالي البلدة كلهم من الأتراك الأذريين يرتبطون روحياً وولائهم المطلق لأذربيجان وأصولهم التركية، كنت لا أجد أي صعوبة بالتعامل مع الأشخاص الذين يتكلمون الفارسية ولكن منذ قدومي إلى تبريز وسرعين عانيت من مسألة اللغة حيث أكتشفت أنهم يتكلمون التركية فيما بينهم دون حرج ويسألك هل تتكلم التركية وعندما تجيب بالنفي يبدأ بالتكلم معك بفارسية مختلطة بالتركية ، إنقضت الليلة التي كانت مقررة لنا في سرعين وغادرناها صباحاً متوجهين نحو أردبيل .

كم أنت حزين أيها المحرم ففي كل صوب من هذه البقعة من العالم أجد الحزن علامة فارقة في الوجوه التي يعلوها الأسى والدمعة التي تتحدر على تلك الخدود ،يضيف الترف الموجود على تلك الوجوه الحزينة الكثير من الجمال ،حين تتأسى المرأة هناك وتنادي بصوتها (ياحسين) لاتمتلك عيوننا إلاّ أن تفيض دمعاً رأيت ذلك الحزن على وجه أحد السواح وهو فرنسي وقد فاضت عيناه بالدمع حين رأى تلك الدموع والأصوات وسمع تلك الأنغام الحزينة وللمرة الأولى رأيت هذه الآلة التي تصدر تلك الأنغام وهي تشبة (آلة الهورمونيكا) ولم اسأل عن إسمها.

وصلنا عند الضحى إلى مركز أردبيل ،مدينة تتشح بالسواد ومواكب العزاء في مركز المدينة التي يقع فيها البازار القديم الكبير ،لم ندَّخر جهداً بالدخول إلى البازار بالرغم من شدة الإزدحام ومواكب العزاء التي تخترق السوق لتصل إلى الحسينية الموجودة في وسط السوق ،تجولنا في السوق ساعة من النهار تبضعنا خلالها على عجالة لضيق الوقت ،فلديَّ الكثير من الأماكن لأزورها ، غادرنا السوق القديم حيث عثر الأولاد وأمهم على سوق حديث أعجبهم ،فأستأذنتهم للذهاب إلى أبرز متاحف المدينة وهي الخانكة التي كان يقيم فيها المتصوف المعروف الشيخ صفي الدين الأردبيلي ،كانت المسافة التي تفصلني عنها هي 500 متر سرت حثيثاً للوصول إلى مبتغاي ،كانت هذه الخانكة أو كما يطلق عليها (بقعة مباركة الشيخ صفي الدين الاردبيلي) حيث تحتوي على قبره وقبور أولاده وقبور 14 أربعة عشر من آخرين من عائلته منهم زوجته وبناته ،وكذلك قبر حفيده المتحدر من سلالته إسماعيل شاه الصفوي مؤسس الدولة الصفوية حيث يمثل هذا الشاه الجيل السادس لصفي الدين الأردبيلي .

كانت الساحة الأمامية عبارة عن حدائق غنّاء ومحلات على جانبي الحديقة ،عند نهاية الحديقة يقع سور (الخانكة) وفيها مدخل متوسط ،يقف في هذا المدخل شرطي وهو يتكلم العربية ،وخلفه يقع مكتب صغير لموظف يبيع تذاكر الدخول إلى هذا المكان فدفعت عشرين تومان سعر التذكرة وسألت الشرطي كيف الوصول إلى المقبرة فقال لي أن هناك مجموعة من الفتيات من دائرة الآثار يتكلمون اللغة الإنكليزية بإمكانك الإستعانة بإحداهن للتعريف بهذا المكان ،ففي بداية المدخل  كانت هناك حدائق وورود جميلة تقع قبل الدخول إلى الخانكة وعند دخولي إلى المكان المقصود فعلا كان لي ما أردت حيث تفرغت لي أحدى الفتيات كمرشد سياحي فكانت خير دليل حيث أوضحت لي كل تاريخ المكان وكل تفاصيله وعرفتني بأسماء أصحاب القبور المدفونين بالقرب من الشيخ الأردبيلي وكانوا اولاده وأحفاده ،بينما يقع قبر إسماعيل شاه الصفوي بالقرب من قبر جده إلى جهة الشمال حيث وضعت صورته وكتب على باب القبر إسمه وتحته مؤسس السلالة الصفوية ،كانت مرشدتي تتحدث بلباقة وإسترسال قلَّ نظيره فهي تحفظ تاريخ السلالة الصفوية، عند الفراغ من القبور قادتني إلى قاعة غاية في الروعة حيث التصميم الذي أثار استغرابي كونه لاينتمي إلى الطراز المغولي أو الإسلامي ، عند سؤالي عن سبب إختلاف هذه القاعة عن بقية البناء ذكرت لي أن هذه قد تم بنائها من قبل الصينيين كهدية من ملك الصين للشاه إسماعيل الصفوي حيث تم تغليف الجدران بالطابوق الأزرق واللون الذهبي، ولكن تقادم الزمن جعل من اللون الأزرق مائل للسواد وبما أنهم لايعرفون نوعية الأصباغ المستخدمة في طلاء هذه الجدران فأنهم لم يتقربوا منها خشية عليها من التلف ،كما كانت هناك  العديد من معروضات الخزف الصيني التي تمثل بقايا الهدايا التي أهداها ملك الصين للشاه والتي تعرض الكثير منها للتلف والسرقة، إستمعت بشغف إلى تلك المعلومات التي حفظتها المرشدة عن ظهر قلب ،ويبدو من ملابسها أنها كانت تعمل في الترميم فآثار مواد البناء عالقة على ملابسها وحجابها ،شكرتها بكل إمتنان وغادرت المكان مسرعاً فقد تعطلت شبكة الهاتف ولم أستطع الإتصال بالأولاد وأمهم ولم تتاح لي الفرصة من زيارة قبر عباس شاه الصفوي وهو ثاني أشهر الملوك الصفويين بعد إسماعيل شاه .

أشتد الزحام في أردبيل فمواكب العزاء مازالت مستمرة ولم يظهر أي أثر لنهايتها فهي ستستمر حتى ساعة متأخرة من الليل ففي مثل هذه الأيام (السابع والثامن والتاسع والعاشر) تكون المواكب مستمرة ليل نهار ،غادرت أردبيل على أمل العودة لها مرة أخرى لكي أحظى بفرصة أكبر للإطلاع على معالمها الحضارية وبقية متاحفها وأسواقها التي لم أتمكن من التجول بها بحرية أكبر لوجود المواكب .

في مثل هذه الظروف حيث تسير الأمور بما لاتشتهي السَفن لابد من إجراء تعديلات على البرنامج المعد سلفاً ووسط هذا الضجيج والحزن كان لابد لي أن أبحث عن مكان مناسب للسكن والراحة فقال لي السائق الذي أقلني إلى أردبيل دعني أوصلك إلى مدينة قريبة هي عبارة عن جنة الله في الأرض وهي ميناء وحدودية مع أذربيجان وفيها سواحل وغابات جميلة اسمها (أستارا) قلت له لابأس فالنفس تحتاج إلى هكذا أجواء فنحن قد حرمنا من البحر والغابات فالنخيل قد تم تجريفه بحمد الله من قبل أصحابه والبحر سُلبناه على يد إخواننا العرب فلم نعد نملك غير 50 كم من السواحل وهذه أيضاً نازعونا عليها .

سارت بنا السيارة بأتجاه الشمال وكلما ابتعدنا عن الغرب كان الجو يتغير شيئا فشيئاً ولم يدم الأمر طويلاً حتى بدت لنا الجبال وغاباتها وقد عرشت عليها الغيوم وأتخذت منها مسكنا مرت ثلاثون دقيقة عندما دخلنا نفقاً وسط الجبال بطول كيلومتر واحد عندها وجدنا أنفسنا وسط الغيوم وفي غابات لم أر لها نظير فالغطاء النباتي كان مذهلاً وكثيفاً ونحن نسير وسط الغيوم ،عندما أشرفنا على وادي عميق مليء بالغابات طلبت من السائق التوقف لنرى ماذا يحدث حولنا ،ضحك السائق من ذهولنا وأشار إلى منطقة ومساكن قريبة جداً في الطرف الآخر من الوادي قائلاً هذه مساكن الاذربيجانيين ،فهذه المدينة حدودية مع أذربيجان ،سرنا بمحاذاة الشرك الحدودي ونرى النقاط الحدودية والحرس الذين يقفون على بعد ثلاثة أمتار من الشارع الذي تسير به العجلة التي تقلنا وعلى طول الطريق مكتوب عبارات بالفارسية ممنوع التوقف وممنوع التصوير .

أستأجرنا شقة مطلة على بحر قزوين وقريبة على المدخل الحدودي الذي تتدفق عبره البضائع الإيرانية إلى الغرب وتدخل البضائع الأجنبية إلى إيران ،لهذه المدينة الجميلة التي تتقاسمها الجبال والبحر قصة تشبه قصة برلين حين أقتطعت منها روسيا وبنت جدارها العازل في لحظة غفل فيها المجتمع الدولي عن شيء أسمه الإنسانية ،هذه المدينة العامرة بغاباتها وزراعتها وعمرانها الجميل كان يخترقها نهر يشطرها إلى شطرين يطلق على هذا النهر (أستراچای) هکذا تم لفظ الأسم فقد أصبح هذا النهر الجدار العازل بعد الحرب العالمية الاولى فالجزء الغربي من المدينة بقي تحت رعاية إيران البلد الأم والجزء الثاني تم ضمه إلى أذربيجان فصارت المدينة تحمل نفس الأسم في الجانب الإيراني والجانب السوفيتي ،حتى تحررت في النهاية من الهيمنة الروسية ولكنها لم تعد كما كانت فمازالت منقسمة ، وجدت بعض الاذربيجانيين  يدخلون ويخرجون من بوابة الكمرك الحدودي ويحملون معهم أشياء ،سألت عنهم قيل لي أنهم يأتون للتسوق من البضائع الإيرانية مثل الرطب والعسل وغيرها من المواد الغذائية .فالعلاقات العائلية مازالت قائمة بين المدينتين فهم أخوة وأبناء عمومة ونسب قديم ،تبعد هذه المدينة عن باكو حوالي 500 كم . 

لم ينقطع المطر في استارا فمنذ وصولنا إليها والمطر يهطل تارة بشدة وتارة على شكل رذاذ وهذا لم يمنعنا من الذهاب إلى الساحل الذي لايبعد عنّا سوى 60 متر ،كنت أستمع إلى صوت الموج الذي تزعجه الريح فهي توقظه من سبات دام قرون ،لتحرك منه كل أشكال القوة والعنفوان ، البحر كان غاضباً وحزيناً ،منزعجاً حتى النوارس لم تجرأ أن تدنو منه ،قذف كل القواقع إلى الساحل لم يعبأ بزينتها ولا بلؤلؤها  ،فالكل يخشى غضب البحر المغلف بالحزن ،السماء هي الأخرى لم ينقطع دمعها، ترى هل تضامن البحر مع السماء في حزنها أم كانت السماء متضامنة مع البحر في حزنه ،جلست طويلا عند الساحل استمع إلى صوت الموج حين يعلو ،يكون الصوت القادم من الساحل ينعى النجوم التي تساقطت هناك وحين يهدأ يكون البكاء نشيجاً . 

كان اليوم الأخير في أستارا يصادف العاشر من المحرم لم نشهد هذا اليوم في إيران من قبل ففي اليوم التاسع تم تعطيل الدوام الرسمي لكافة انحاء الجمهورية الإسلامية ،حيث يعاني السائح الأجنبي صعوبة كبيرة في فهم هذه الحالة لأنه يتفاجئ بتعطيل الحياة بكل مرافقها وخدماتها وهذا شيء غير معروف عن الإيرانيين ،المطاعم والمخابز ومكاتب السفر ،كل شيء متوقف منذ عصر يوم التاسع من المحرم ،لم نتفاجئ بهذا الشيء فنحن نعرف المراسيم بشكل جيد ،سافرت صباح يوم العاشر لمطار أردبيل التي تبعد 75كم عن مدينة أسترا كانت الغيوم تغطي الجبال حتى وجدنا أنفسنا وسطها ومدى الرؤيا لايتجاوز الخمسة أمتار فكان السائق يقود عجلته بحذر شديد وبمجرد وصولنا إلى حدود أردبيل تكشف الجو وظهرت الشمس وأختفت الغيوم وكأننا في عالم آخر ، دخلت إلى المطار لحجز التذاكر ،طالبني موظف الإستقبال بالجوازات باعتباري أجنبي فقدمت له اجوازات إلا أن جوازي لم يكن بينهنّ ،أخبرهم السائق بأن جوازي بقي لدى صاحب الشقة التي أستأجرتها ،وبعد مفاوضات دامت حوالي خمسة عشر دقيقة وافق الموظف المسؤول عن الحجز  وتمت عملية الحجز فطلبت من السائق أن يسأله عن موعد الرحلة لأني أريد العودة إلى طهران يوم الخميس ،لكن الموظف قال موعد التذاكر اليوم ،طبعا لم أكن متهيأ للسفر فحقائبي وجوازي في أسترا فطلبت منه الغاء الحجز وأعتذر عن عدم وجود شاغر في رحلات يوم الخميس وغادرنا المطار وعدنا أدراجنا ،فطلبت من السائق الذهاب إلى أردبيل مركز المدينة لإستكمال التجوال فيها إلا إنني فوجئت بأن المدينة خالية والشوارع مقفرة إلا من بعض المارة كان قد انهوا لتوهم مراسيم العزاء وعادوا ادراجهم .

هكذا عدنا أدراجنا إلى أستارا لنقضي بقية اليوم على الساحل الذي شهد يوما فيه لمسة من البرودة حيث جذبت هذه البرودة النوارس، فرأيتها لأول مرة منذ قدومنا على الساحل .

كان هذا اليوم الأخير لنا وقررنا أن نرجع إلى طهران بالسيارة لأني أعرف أن الطريق إلى طهران عبارة عن قطعة من الجنة وفيه من المناظر الساحرة التي تذهل الإنسان مهما كانت مشاهداته في الطبيعة حيث وجدت هذه الدهشة قد ارتسمت على وجوه الاسبان والفرنسيين والاستراليين وغيرهم من الجنسيات الأوربية .

كانت بداية الرحلة الساعة الثامنة صباحاً ومن المؤمل أن نصل طهران الساعة الثانية ظهراً ،لم يكن أختياري موفقا لنوع السيارة حيث كانت صغيرة لم تكن كافية لنقل حقائبنا ولكننا حشرنا فيها حشراً ،سارت بنا العجلة وسط الجو الممطر الذي لم يتوقف خلال فترة تواجدنا في هذه المدينة الساحلية ....كثيرة هي المدن التي مررنا بها ومتنوعة الانتاج مدينة سوبر وحويق وتالش كلها تختص بالفواكه مثل العنب وغيره من الفاكهة مشينا على طول الساحل الشمالي لإيران لساعات طوال لم يكن الوقت عاملا نشغل بالنا فيه فنحن اساساً جئنا لنرى ويالها من خطوة موفقة ،لقد كانت المدن والقصبات المزروعة على الطريق كل واحدة تختص بشيء من الفاكهة أو الانتاج النباتي وأما الإنتاج الحيواني فالكل يربي الماشية مثل الأبقار والأغنام وللتاريخ لم أجد للماعز في هذه السهول أي وجود ولربما كانت في الجبال ،كانت استراحتنا الأولى في مدينة تقع قرب تالش تشتهر بصناعة الطرشي والمربيات والأواني الفخارية تسوقنا منها وأخذنا من الفخاريات الشيء الكثير فهي صناعة جميلة تدل على ذوق عالي في النقش والتلوين وتستخدم لبعض الأكلات المعروفة لدينا .

ومن ثم واصلنا سيرنا وسط هذه المناظر والغابات والجو الممطر يضفي على هذه الأجواء الكثير من السحر حتى وصلنا إلى مدينة رودبار ،لقد لفت انتباهي شيء مهم وهو أن هذه المدينة تشتهر بزراعة وصناعة الزيتون تكاد تكون محلات المدينة عبارة عن سوق لهذه الفاكهة ،تناولنا غدائنا فيها وواصلنا مسيرنا عبر رشت حيث كانت حقول الرز الواسعة ومحلات بيع هذا المحصول الحقلي تعج بها المدينة ويعتبر  رز الشمال (برنج شمال) من أجود انواع الرز الموجود في إيران ،وشمال إيران مقر لزراعة هذه المحاصيل الحقلية كالذرة والحنطة والرز.

تلتها عدة مدن للحمضيات والرمان حتى شارفنا على مدينة كرج والتي تبعد عن طهران 45 كيلو أضطر السائق لتغيير مسيرته بإتجاه مطار طهران الدولي والذي يبعد عن طهران 25كيلو وسلك بنا طريقا مختصرا خدميا تجنباً لزحمة المرور ،عندها رأينا الوجهة الخلفية لطهران وريفها الجميل الذي لم أزره يوما كما فعلت في اصفهان وغيرها من المدن سات بنا السيارة وسط هذه الحقول حوالي ساعة ونصف الساعة حتى وصلنا للطريق السريع الذي يوصلنا إلى المطار.

هناك كانت نهاية الرحلة التي كانت غريبة بكل ابعادها وسلكنا فيها طرقاً لم نسلكها من قبل ودخلنا فيها إلى عوالم لم ندخلها من قبل ،اردت الحجز للعودة وطلبت من أحد المسافرين أن يساعدني وكان يحمل جوازاً ايرانياً ويتكلم الإيرانية بطلاقة وكذلك العربية باللهجة النجفية ،سألته أن يقوم بمساعدتي في الحجز من الكاونتر مباشرة ،ضحك الرجل وقال لابأس أنا مثلك فقد فاتتني طائرتي لأني لم اقرأ التوقيت بشكل جيد وها أنا اريد أن احجز من جديد ،وأنصحك بأن لاتحجز من داخل المطار ،لأن سعر التذكرة هنا 110 دولار بينما من الخارج يكون سعرها 50 دولار والأمر يعود اليك ،قلت كيف أذهب واحجز،قال لاعليك انت اعطني الأسماء وسيكون لك ماتريد ،ولكن كيف سأدفع ،قال: أنا سأدفع بواسطة الفيزاكارد خاصتي وانت تسدد لي ،قلت :حباً وكرامة ،لك هذا المعروف في عنقي ،قال لاعليك قام بحجز التذاكر وبالسعر الجديد وهو 50$ ودفع وبقي صامتاً حتى بعثوا له التذاكر عبر الانستغرام وتأكد منها،بقي معي حتى موعد فتح الميزان للرحلة وسلم التذاكر للموظف المختص من خلال جهاز الموبايل والذي بدوره قام بعملية شحن امتعتنا وتسليمنا (البوردن) غادرت المكان ولم أكن اتوقع أنه مازال بعض من أهلنا يحمل هذه الطيبة ،فالرجل من خلال حديثي معه تبين أنه مواطن عراقي قام بتسفيره النظام السابق وهو حفيد الشيخ الآخوند صاحب المدارس الدينية الصغرى والوسطى والكبرى وبالرغم من مرور عقود طويلة على تهجيره هو وعائلته واعدام اخوته لكنه لم يتغير وبقي وفياً لوطنه العراق وأهله في العراق . لم يكتف بهذا فقد أتصل بي عند وصولي إلى الدار للاطمئنان عليَّ .

       

yaas alshmkawiعُثِرَ في يومٍ ما على لوحٍ عند مقبرةٍ أثريّةٍ وقد كُتِبَ عليهِ العبارة التاليةِ ؛

أيّها الواقف على قبري، إعلمْ أنني كنتُ كما أنت الآن، فأفعلْ شيئا لنفسك وللآخرين قبل أنْ تتبعني .

لا إغراق إنْ قلت، أنّ أحمد شوقي أفضلُ من صنّف قيمة الإنسان الحقيقية شعرا ؛

الناسُ صنفانِ موتى في حياتهم ... وآخرون ببطن الأرضِ أحياءُ .

ولو قلت لي ما حجم رسالتك وما نوعها في الحياة سيسهل عليّ أن أجد وزنك الحقيقي بين معايير المنطق السليم بعيدا عن المتلذذين بصناعة الوهم والزيف الذي سطا بسفسطتهِ على عقول السُّوقة فخطر ببالهم إنّ الباب الذي خرج منه تراجان هو ذاته الباب الذي طرقهُ أوغسطين .

ولعل هذا اللون من الفكر هو نفسه الذي يسبّحُ بحمدِ معاوية ويتبرّكُ بشتم عليّ ويُنبذُ أبا ذر، طالما الشوكُ يُدمي الوردَ والوضيعُ باقٍ والقدّيسُ لم يلبث مشرّدا .

ولكن، هل تستقيم تلك المعادلة العرجاء دائما، وهل فعلا مات عليا فذوى صوتُ أبي ذر، أم ملأ الدنيا والرَّبذة عبقا فأستمر !؟

وقس على ذلك الذين تركوا ديارهم وهجروها خوفا من طغاتهم أو الذين هربوا من جرائم داعش وتفاهة معتقداتهم .

طاقات إبتزّها الجاهلون في أوطانها فأبهرت العقولَ من منفاها .

كثيرةٌ هي الأسماء التي يجب أن نفخر بها، والدكتور موفق ساوا كان واحدا من تلك الرموز الثقافية والعناوين الفنية التي إقتحمت دائرة الضوء بثقة وثبات وعزيمة قلّ نظيرها .

 عرفناهُ شاعرا، مسرحيا، سينمائيا، وأنسانا عذبا.

نظم النصوص الشعرية باللغة السريانية فصدحت بها حناجر المغنين.

وِلِدَ والأبداع توأمان معا، من حاضرةِ الموصِلِ إذ نبتَ الشِعرُ فيها والأدب، ومن فيضها خُلِقَ المسرح وترعرع .

حدباء، ما أحدودبَ ظهرُها إلا لتُرضِعَ المجد فتاها، غيداء منحها موفقٌ وردا بلون شفتيها فأعطتهُ ربيعين بطعم دُنياها .

لا غرو إنّ الأجواء صقلت مواهبه، لكن المَلكة منذ الصبا حتما رافقتهُ.

لأجل امثاله قال أبن كلثوم شعرا ينادينا ولا لغير أقرانهِ يُنظم الفخر بنادينا .

إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ ... تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا .

قد لا يحتاج دكتور موفق لإطرائنا بقدر ما نحن بحاجة لذلك اعترافا منّا بما حققه من مجدٍ وسؤددٍ لنا ولأصدقائهِ وأبناء جلدتهِ .

تنفسنا عبق مودتهِ بقصائد العشق للوطن .. لبغداد وضوع حدائقها وللفيحاء ونخيل بصرتها .

(أرسمُ لحبيبي حُلما، وأفرشُ الطرقات زهورا وسلاما) .

شاطرناه أوجاعه وأحلامه بعراقٍ خالٍ من الأحزان وصور الموت وشعارات التفرقة .

(هاتِ فرشاتك يأبن الأنسان ..هاتِ وأرسم لي وطنا لا يُشبهُ وطني الآن) .

ثوّرَ أديبنا الكلمة والنصوص بوجه الخرافات وخفافيش الظلام التي أبعدت الناسكين قسرا عن أحضان الوطن، فشبّه غربة الأهل بالرحيل الى الموت . 

الربيع على الابواب مشنوق .. والخريف الاسود جاثمٌ في الازقة

وفي العمارات وفي الدور ... خفافيش الليل تعانق الزهور،

تستنشق انفاسي ورائحة العطور ....

في الطرقات العابرة ... نهرب من محطة الى اخرى،

والوطن يبحث فينا عن قميص يشبه قناديل الراحلين قسرا .

ولن يوقف نباحُ الكلابِ قافلةَ الإبداعِ لموفق ساوا ولا صليل سيوف المتوحشين وضجيج العربات المفخخة، ولا حتى ظروف القهر والغربة .

لوى أعنّة المسرح الجامح بالتهريج فعاد به الى خشبة الأصالة وأساطين الفن حيث الزمن الجميل لسامي عبد الحميد والراحل يوسف العاني ومدرسة حقي الشبلي .

أستهدف بمسرحيته الكوميدية الرائعة (انتبهوا القطار قادم) قوى الظلال وديدانهم التي تنخر بجسد الوحدة الوطنية فسخر منهم بفكره المتحرر وشمس تطلعاته الكونية، منطلقا من هُويتهِ الإنسانية التي قفزت على كل الحدود الضيقة .

وبيت القصيد في أنتمائهِ الوطني وعشقه الأزلي للتراث كان حاضرا في روحهِ شعرا ومسرحا وسينما .

وقد سما فتجلّى فأبدع من خلال فلمه (NOT FOR SALE) من إخراج وسيناريو الى كتابة القصة، بمجهوداتٍ فردية وعقلية عراقية معهودة بالتميّز والإبداع، مما أجبر النقاد ولجان التحكيم في المهجر أن تمنحه خمسة جوائز قيّمة .

فأضاف لتألقه النخبويّ وسجله الإبداعيّ في مجال الصحافة والأعلام والأدب وساما آخرا يحتفي به العراقيون والعرب .

ويبدو أن قطار أشواقهِ للحرية والتحرّر لن يتوقف عند أصدار صحيفتهِ العراقيّة في سدني، بل أتوّقع منهُ المزيد، وأنّي لواثقٌ من ذلك، هنا أو في بلاد المهجر، سيبقى عطاء ثر .

 

ياس خضير الشمخاوي

 

jasim alayffتناول المدن عبر رؤى وتوجهات متعددة، يعني أن تُضفي عليها أواصر تتشكّل عبر الوقائع التاريخية - السياسية - الثقافية- الحياتية - الشعبية..الخ، ولمقاومة اندثار شواخصها يتم التنقيب، والحفر الموثق، في ذاكرتها لتزداد صلابة ومناعة، أرواحها وأجسادها، وهي تواجه التجاهل، المقصود، عبر التقلبات، التي تجهد كثيراً، في هذا الزمن العراقي المر، للتعتيم على الذاكرة- الجمعية، لأسباب، نفعية - دينية، طائفية في غالبية توجهاتها وممارساتها. وفي محاولة لمغالبة هذا الأمر، بدأ مشروع " كتب بصرية"،  لما للبصرة من مكانة متميزة من الناحية التاريخية والآنية، فالمصادر، الكثيرة جداً بشأنها، تفيد بأنها كانت إمارة تابعة للدولة (الساسانية)، تسمى إمارة (ميشان) وتضم بلدتي (ميشان) و(الأبلة) وبعض الحصون. وبعد الفتح الإسلامي سنة 14 هجرية، بني فيها مسجد ودار للإمارة، من القصب غرب نهر الفرات. كما تُعدّ ثاني أهم محافظة في العراق لما تتمتع به من ثروة طبيعيّة (نفطيّة) هائلة تمثل القاعدة الحيويّة لاقتصاد العراق، ولموقعها الاستراتيجي المهم على الخليج العربي، فضلاً عن مكانتها السياحيّة التي عززتها آثار وأضرحة دينية ومقامات، خاصة بالأغلبية المسلمة بكل طوائفها، وكذلك الأقليات الدينية، المتعددة التي تتميز بها،  كون سكانها خليط متنوع من الأعراق، وأتباع الأديان والمذاهب، والأقليات الدينية، ومنها "معبد لليهود"، و"كنائس متعددة"، وثمة "محفلان للبهائية"، وأكثر من "مندى للصابئة"، وكان:السريان الكاثوليك، والسريان الأرثوذكس، والإنجيليين الأرمن، واللاتين، والكلدان، والصابئة، والبهائية، يقيمون طقوسهم الدينية،  بمنتهى الحرية والتسامح.وقد أستثنيَّ من ذلك " البهائية"، بعد أن حُرمتّْ، بموجب القانون رقم 105 لسنة 1970، وتعرض بعض (البهائيين) فيها، للإعدام شنقاً حتى الموت لعدم تخليهم عن معتقدهم.هذه الأقليات الدينية- العرقية، ساهمت بفعالية في الحراك الاجتماعي - السياسي- الثقافي فيها، لكنها شهدت تناقصاً كثيراً، منذ سنوات الحروب والحصار وتزايدت هجراتها، بعد 9 - 4 -2003. البصرة من المدن المهمة من الناحية العلمية- الأدبية فقد أخرجت العديد، من المدارس الفقهية - الإسلامية، ومن العلماء والأدباء والفقهاء، ومن الذين لا يمكن تصور الخارطة الفكرية - الفقهية في العالمين العربي- الإسلامي دون مساهماتهم، وما تركوه من أثار. وكان يقام فيها منذ بداية السبعينات، سنوياً، مهرجان المربد، الذي يمتد تاريخه إلى" 1400" سنة، قبل الاستحواذ عليه في الحرب العراقية- الإيرانية، إذ تم نقل فعالياته خارجها، وتم إعادته لها عام 2004 بتصميم وتخطيط "اتحاد أدباء وكتاب البصرة" الذي أعيدت هيكلته، في مؤتمر موسع للهيأة العامة، عقد بتاريخ 23 -5 -2003 على قاعة" نقابة المعلمين" في العشار. " ذاكرة البصرة-1 "*، قدم له الأستاذ الدكتور"عامر السعد"، مدير "مركز دراسات البصرة"، الذي تفضل وأكد لنا بأن وزارة الثقافة، وبسبب الظروف المالية الراهنة قد أوقفت هذه السلسة الخاصة بالبصرة، حالياً. احتوى "ذاكرة البصرة-1 "، على:" من الذاكرة الرياضية - بقلم الرائد الرياضي " كريم علاوي"، يتناول فيه " أم البروم" منذ ثلاثينيات القرن المنصرم..وتحولها من مقبرة إلى "جفرة" مصارعة، ثم حديقة عامة، وبعد احتلال البصرة الثاني من قبل القوات البريطانية، عام 1941، تمّ تسوية بعض الساحات العامة، لغرض ممارسة "كرة القدم" للفرق الشعبية المنتشرة في المدينة ومنها: السراجي، وفريق أسرى الحرب الايطاليين، وفريق القوة البريطانية في الشعيبة..الخ. الأستاذ عبد الغفور النعمة أرشف لـ"الذاكرة الفنية " في المدينة، ووجوه أنشطتها المتنوعة " المسرحية، والتشكيلية، والسينمائية، وفن الخط، والموسيقى، ثم يختم ببحث مطول عن فن " الهـيـوة". الشاعر حسين عبد اللطيف تناول الحركة الأدبية (1940-1941 )، و(1941 -2011 )، ووثق النشاطات الأدبية- الثقافية والجهود الفردية لبعض الأدباء والكتاب، ومنهم: محمد جواد جلال، وعبد الرزاق العائش، وعبد الرزاق حسين، ويوسف يعقوب حداد، وإحسان وفيق السامرائي، واللواء الركن مزهر الشاوي، وعلي عباس خفيف، وغيرهم، ويَذكر إن أول فرع لاتحاد الأدباء في البصرة تشكل في بداية الستينات برئاسة القاص محمود عبد الوهاب، وعضوية الشعراء سعدي يوسف، وعبد الرزاق حسين، وكاظم نعمة التميمي، والقاص مهدي عيسى الصقر، والسيدة نهوض إسماعيل، وهم أعضاء هيئته الإدارية، الأولى، وكان مقره في المكتبة المركزية، وأقام الاتحاد فيها حفلات فنية - غنائية، في المناسبات الوطنية، وكانت أول جلساته الأدبية الاحتفال بالشاعر "الرصافي"، ولكن الاتحاد هذا لم يدم طويلاً إذ أوصدت أبوابه، بعد حوالي عام، على تأسيسه. ونلاحظ إن الشاعر حسين عبد اللطيف، عند تناوله المشهد الثقافي البصري- السبعيني، من خلال توثيق إصدارات الأدباء والكتاب، فيها، وخارجها، وكتاباتهم في الصحف والمجلات العراقية، مع الجهد الكبير الذي بذله في التوثيق، وهو ما يحسب له، لكنه تجاهل بعضها، لأسباب غير مبررة، ونؤشر على انه لم يتطرق إلى مقهى " هـاتـف"، الشناشيل حالياً، والتي تقع في منطقة(السِيف)، وتميز فضاء هذا المقهى، باستقطابه، لعدد كبير، من الأدباء والكتاب، والمثقفين والسياسيين البصريين، بمختلف توجهاتهم، وكانوا يعانون أزمات عميقة، تسبب بها مسار الصراعات الدموية، خلال الربع الأول من عقد الستينات؟!. كما لم يهتم بشكلٍ مناسبٍ بالنشاط الثقافي- الفني الذي انطلق من " نادي الفنون" قبل منتصف سبعينات القرن المنصرم، وفي الأهم " مقهى أبو مضر"، والذي تحول إلى مقرٍ دائمٍ، لعدد كبير من الأدباء والكتاب والمثقفين، لعدم الموافقة الرسمية، على فتح فرع لـ"اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة "، لأسباب معروفة حينها، خاصة إذا علمنا انه قد حصلت موافقة "الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين - بغداد"، على تأسيسه، بموجب الكتاب المؤرخ 13 /7 / 1973، والموجه إلى أستاذنا "محمود عبد الوهاب"، من قبل سكرتير الشؤون الإدارية، "إبراهيم اليتيم"، ويعيد الشاعر حسين عبد اللطيف عدم فتح فرع للاتحاد إلى:" تهافت بعض الأسماء وتنازعها، فانسحب محمود عبد الوهاب من المهمة"؟!. وفي الواقع أن الأسباب التي أدت إلى عدم فتح الفرع أكثر عمقاً مما ذكر، ولها علاقة وطيدة بالاصطفاف الفكري - السياسي، الذي ميز تلك المرحلة.ولم تحصل الموافقة على فتح فرع للإتحاد إلا في منتصف الثمانينات، وقد جرت انتخابات هيئته الإداريّة في قاعة السياب - المجمع التلفزيوني، وفاز الشاعر الراحل " كاظم نعمة التميمي" رئيساً، مع (5 )من الأعضاء، تألفت منهم الهيئة الإدارية، الثانية، لاتحاد أدباء وكتاب البصرة، ومثل المركز العام الناقد "محمد الجزائري"، ويمر حسين عبد اللطيف مروراً عابراً على "مقهى أبو مضر"؟ّ!. وهنا لابد من التطرق، إلى إن هذا المقهى، المسمى شعبياً بـ"الـدَكّْـة" الضئيل حجماً والشهير صيتاً، كان في فضائه الضيق مساحة، المنفتح اجتماعياً، قد وسع كل أفكار ورؤى وتوجهات اليسار الثقافي - السياسي - العراقي، الماركسي تحديداً، وأطروحاته واجتهاداته المتعددة، في تلك المرحلة، وبعضه،  كان يخوض صراعاً محتدماً عبر مواجهته، لعنف وقسوة السلطة، حتى أفاض" المقهى " رؤاه باتجاه نهر(العشار)، وأصبحت عليه " دَكَّـتـه" التي تقع في الطرف المقابل من الشارع، الضيق، وطاولات المقهى الخشبية، والتي تميزت، بالحوارات الساخنة،، وكما كانت إفاضة المشاريع الأدبية - الثقافية - الفنية، والأفكار السياسية، تناغم موجات النهر الصاخبة - الهادئة، كل ذلك كان مؤشراً، على إن" اليسار البصري- الثقافي- السياسي" قد أمتص كارثة 8 شباط 1963، وإن لم تلتئم جراحه كلياً، لكنه خرج في مواجهة علنية، بعزيمة- صلبة، وروحية إبداعية لم تنل منها، المجازر الدموية المروعة السابقة، والجروح الشخصية، والتي خضع لها غالبية رواد المقهى، وامتد اسم" دَكّْـتَـها" ليشمل العراق وخارجه، ولا يمكن، تحت أي ذريعة، تجاهل المصائر المحزنة والفاجعة لكثير من الأدباء والفنانين والمثقفين والسياسيين البصريين، من رواد تلك الـ"دَكّْـةَ"، نتيجة قسوة الأحداث ومرارتها، بعد منتصف عام 1978، والبدء معهم أولاً بالترغيب، ثم الترهيب، ومَنْ لم يستجب، أو يهادن، خضع للقسوة المروعة، أو للتغييب الأبدي، وبعضهم هرب من البصرة أولاً، والعراق ثانياً، بوسائل شتى وعبر مغامرات خاصة، تم التطرق لها من قبلهم في كتاباتهم، بعد أن أصبحوا خارج العراق، أوفي جبال كردستان العصية على الترويض، ولا يمكن إطلاقاً المرور بتلك" الـدّكّْـة" الإسمنتية، ونسيان، أو تجاهل، تلك التحولات والأحداث التي مرّت على عدد كبير من روادها، ونُذَكّْر، انه بعد تموز عام 1979، تغيرت الخارطة الثقافية- الفنية - الاجتماعية، وبات من المخاطر، حتى الهمس، بأسماء الكتاب، والشعراء، والفنانين، والمثقفين، من رواد المقهى و"دَكَّته"، والذين عرف عنهم "الانتماء"، و"المولاة" أو مجرد "الصداقة" مع جهة سياسية، كانت، خلال تلك الحقبة ((حليفة)) للنظام، أما مَنْ نأى بنفسه بعيداً عن النشر، أو التواجد في المهرجانات الثقافية - الأدبية، والتي كانت، بعد عام 1979 في حقيقة توجهاتها، إعلامية- دعائية، فتم تجاهله وإهماله تماماً، وسبق أن تناولنا هذا الأمر، في سلسلة مقالات متعددة بعنوان" مقهى (الـدّْكّْـة) فضاء ثقافي ..زمن سبعيني". كما احتوى الكتاب على " ذاكرة التمر" - علي أبو عراق، و"من ذاكرة الأحداث" د. عامر السعد، و"من ذاكرة المكان" ساهم فيه د. طالب محمد الغريب، والكاتب إحسان وفيق السامرائي، و" من ذاكرة العمارة " ساهم فيه د. جنان محمد احمد، وباسم حسين غلب، و" منوعات من ذاكرة البصرة" ساهم فيه " عبد السادة البصري، كاظم فنجان الحمامي، وعالية محمد باقر، ود. حسين مزهر حمدي. " ذاكرة البصرة -1" يضيء بعض ذخائرها التي تمتاز بالغنى الحضاري، المعرفي، الإبداعي، المتعدد، المتجدد.

 

*وزارة الثقافة - بغداد - ط1- الغلاف هاني كاظم - دار تموز للطباعة والنشر- دمشق.

 

fawzia mousaghanim• الولادة: بغداد، 1941م.

• حصل على بكالوريوس آداب من قسم اللغة العربية في الجامعة المستنصرية سنة 70- 1971 م، بتقدير "جـيد جدا" وكان الأول على قسمه.

• حصل على دبلوم عال في اللغة والأدب من معهد البحوث والدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة سنة 1975م، بتقدير "ممتاز".

• حصل على الماجستير في الأدب الحديث والنقد من كلية الآداب / جامعة القاهرة سنة 1976م، بتقدير "جيد جدا".

• حصل على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (الأدب والنقد) من كلية الآداب جامعة بغداد في 5/1/1987م، مع التوصية بطبع رسالته.

 

الكتب المطبوعة :

abdulreda ali1- عبد الرحمن مجيد الربيعي بين الرواية والقصة القصيرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1976م.

2- الأسطورة في شعر السياب، ط1، وزارة الثقافة والفنون، الجمهورية العراقية، بغداد، 1978م، ط2، دار الرائد العربي ، بيروت، 1984م.

3- الجواهري في جامعة الموصل كلمات ومختارات، ط1، منشورات المركز الثقافي الاجتماعي بجامعة الموصل، دار الكتب، الموصل 1980م، (بالاشتراك مع د. سعيد جاسم الزبيدي).

4- نازك الملائكة دراسة ومختارات، ط1، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد 1987م.

5- العروض والقافية .. دراسة وتطبيق في شعر الشطرين والشعر الحر، ط1، دار الكتب بجامعة الموصل 1989م.

6- في النقد الأدبي الحديث .. منطلقات وتطبيقات (بالاشتراك مع د. فائق مصطفى)، مطابع التعليم العالي / جامعة الموصل، العراق 1989م.

7- نازك الملائكة الناقدة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1995م.

8- دراسات في الشعر العربي المعاصر، التوليف والقناع والأصول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1995م.

9- محاضرات في الأدب العربي الحديث / الشعر، ط4، مكتبة البيان / صنعاء 2000م.

10- أوراق في تلقي النص الإبداعي ونقده، دار الشروق، عمان – الأردن، 2007م.

11- الذي أكلت القوافي لسانهُ وآخرون، شخصيّات ومواقف في الشعر والنقد والكتابة، ط1، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، 2009.

12- محمود البريكان كاتم أصوات الكلمات، مختارات شعريّة (تقديم) ط1، مؤسّسة شرق غرب، الإمارات العربيّة-دبي، 2009.

13- من رسائل عليّ جواد الطاهر (بالاشتراك مع إيمان محمّد) ط1، مؤسّسة شرق غرب-ديوان المسار للنشر، بيروت 2010م.

14- غبار السباع، قراءات نقديّة في نصوص شعريّة، دار العارف للمطبوعات، بيروت 2011م.

15- رؤى نقديّة في الشعر وما حوله، ط1، دار ضفاف بالشارقة، 2013م.

 

The Academic People and Literature

Written and Translated by : Fawziya Mousa Ghanim

 Prof. Dr. Abdul Ridha Ali: Biography and Works

Prof. Dr. Abdul Ridha Ali was born in Baghdad 1941.

- Received B.A. in Arabic literature from Al-Mustansiriya University in 1970-1971 and achieving " Very Good Grade" and attained the first place among his colleagues.

-Received a higher diploma in English language and literature from The Institution of Higher Arabic Researches and Studies in Cairo 1975، achieving "Excellent Grade". ----Received a master's degree in modern literature and criticism from the Faculty of Arts / University of Cairo in 1976، with "very good grade".

- Received a doctorate in Arabic Language and Literature (Literature and Criticism) from the Faculty of Arts، University of Baghdad، on 01/05/1987، with a recommendation to print his letter .

His Published Works:

1-Abdul Al-Rahman Majeed Al-Rubaie: Between Novel and Short stories ، Arabic Institution for Studies and Publishing ، Beirut 1976.

2- The Myths in Al-Sayyab's Poetry، 1st.ed.، The Ministry of Culture and Arts، The Republic of Iraq، Baghdad، 1978، 2nd. Ed. ، The House of Arabic Raid،Beirut، 1984.

3- Al-Jawahiri in University of Mosul : Words and Selections، 1st.،ed.، the Publications of the Cultural and Social Center، University of Mosul، the House of Books، Mosul 1980(Sharing with Dr. Said Jassim Al-Zubaidi).

4-Nazik Al- Malaika: Study and Selections ، The House of Culture Affairs، Baghdad، 1987.

5- Rhythm and Rhyme: Study and Application of the Classical and Blank Verse Poetry،1st.ed.، The House of Books، University of Mosul 1989.

6- In the Modern Literary Criticism : Theories and Applications ، (sharing with Dr.Faiq Mustafa)، Higher Education، University of Mosul، Iraq، 1989.

7- Nazik Al- Malaika، Arab Institution for Studies and Publishing، 1995.

8-Studies of the Contemporary Arabic Poetry، Arabic Institution for Studies and Publishing، 1995.

9-Lectures in the Modern Arabic Literature/ Poetry، 4th.ed.، the library of Al-Bean، Sanaa،2000.

10- Papers about the Reception of Creative Text and Its Criticism، the House of Al-Sharooq، Oman، Jordan، 2007.

11-The One Who his Tongue Was Eaten by Rhymes and Others، Characters and Situations in Poetry، Criticism and Writing ، 1st، ed.، Arabic Institution for Studies and Publishing، Beirut ، 2009.

12-Mahmud Al-Braikat: Muffling the Sounds of Words :Selected Poems، 1st. ed.، the Institution of East-West، Arab Emirates، Dubai 2009.

13- From the letters of Ali Jawad Tahar، (Sharing with Iman Mohammed )،1st.ed.، Institution of East-West، Dewan Al-Massar of publication، Beirut 2010.

14-The Dust of Lions :Critical Reading of Poetic Texts، the House of Al-Alarf for publications، Beirut 2011.

15-Critical Visions of Poetry and Around it، 1st.ed. the House of Dafaf in Sharjah 2013.

 

 بقلم وترجمة :فوزية موسى غانم