المثقف - نصوص ادبية

تساؤلات محيرة

hawaa sakasالحلقة الثامنة من رواية

إختفاء رباب ماردين

 

 


تساؤلات محيرة / حوا بطواش

 

عند المساء، ذهبت الى غرفة شادية ماردين لفحصها وإعطائها دواءها. كانت غرفتها قريبة من غرفتي وتشرف على الحدائق. وجدتها واقفة عند النافذة التي غطّتها ستائر مخملية بيضاء. حين دخلت، التفتت إليّ وأحدّت نظرة فاحصة إلى وجهي. لم تقل شيئا.

اقتربت منها قليلا وسألتها: "كيف حالك؟"

"منذ متى تعملين هنا يا آنسة مدنية؟" سألتني وكأنها لم تنتبه لسؤالي.

"منذ حوالي شهر."

"شهر..." ردّدت ورائي، ثم سرحت تفكر. بعد لحظة، سألت: "أخبريني بصدق، كيف هي صحة والدتي؟"

"صحتها غير مستقرة. أحيانا تكون جيدة وأحيانا أخرى ضعيفة." أجبتها. ثم أضفت في محاولة لتهدِئتها: "ولكن، اطمئني. إنها بخير بشكل عام."

"أنا مطمئنة." ردّت.

أعطيتها دواءها، وكانت هادئة ومذعنة، تفعل المطلوب منها براحة تامة. إلا أنها كانت جامدة وبدت شاردة بعينيها المعلّقتين في النافذة.

"أنت لا تبدين سعيدة بمجيئك الى البيت." قلت لها بتساؤل.

تنهّدت قليلا، وقالت: "كنت سعيدة في هذا البيت يوما ما، ولكن... بدأت أحسّ أنه بيت مشؤوم."

"لماذا؟"

"أنت لا تؤمنين بوجود بيت مشؤوم؟!"

"البيوت مكوّنة من مجرد جدران نعيش بينها، فكيف يكون البيت مشؤوما؟"

"نعم، جدران. ولكن أحيانا يتحوّل الى بيت مشؤوم. ورغم ذلك، أعترف أنني اشتقت للعيش هنا، في غرفتي. لم أكن هنا منذ وقت طويل. منذ..." سرحت بعيدا بفكرها وبدت كأنها غابت عن عالمنا.

"منذ متى؟" قلت وأنا أحثها على الكلام.

فردت ساهمة: "منذ اختفاء رباب."

"هل كنت  هنا حين اختفت؟" اندهشت.

"نعم. كنت هنا، في هذه الغرفة، عند هذه النافذة، في نفس المكان الذي وجدتني فيه حين دخلتِ."

"وهل كنت تعرفين رباب؟"

"رباب المسكينة! إنها لا تستحق كل ما حدث لها. إنها إنسانة رقيقة وطيبة، ولكن للأسف، زواجها من حسام كان خطأ فادحا! أمر مؤسف للغاية. لا أفهم كيف تزوجته. أتعلمين؟ الكل هنا يراني فتاة مجنونة لا فهم لها، ولكنهم لا يعرفون عني شيئا. لا يعرفون أنني أفهم وأعرف أمورا كثيرة، رغم جنوني." لمعت عيناها فجأة ببريق حاد، كأنه بريق الذكاء... او ربما الجنون!

واصلت قولها: "رغم أنني أفهم وأعرف أشياء كثيرة، إلا أنني لم أفهم يوما لماذا تزوجته. أكانت تحبّه؟ أم أنها كانت تطمع في ماله؟ لا أدري. أتعجّب الأمر. فهي لم تبدُ لي تحبّه، وخاصة أن أخي حسام ليس شخصا... لنقُل.. يسهل حبه، ولكنها أيضا لم تكن تبدو طامعة في المال. فلماذا تزوّجته إذن؟ أحيانا كنت أحس أنها فعلت ذلك لسبب ما غامض، ليس للحب ولا للمال. شيء آخر دفعها للزواج."

فكّرت في كلامها. أيعقل أن رباب كانت طامعة في المال؟ حسام هو رجل ثريّ جدا، رغم فظاظته، ولكن... ماذا عن حبها له منذ صغرها؟ لا يمكن أنها كانت تكذب عليّ، ولماذا تفعل ذلك؟ إنها حتما كانت تحبّه. ثم إني لا أذكر أنها تحدّثت يوما عن مال او ثراء تطمح اليه في حياتها. ولكن، حسام ماردين، رغم وسامة طلعته، ليس شخصا يسهل حبه، تماما كما قالت شادية.

أيقظني صوت شادية من أفكاري. "أنت تفكرين كم أنا غريبة، أليس كذلك؟" قالت بارتياب.

"لا، لا." أسرعت لنفيها. "فكّرت فقط في كلامك بدقة."

وجدتها تضحك ضحكة عالية، حادة، طنّت لها أذني. ثم قالت: "لا ترهقي نفسك بالتفكير يا آنسة مدنية. لم يسبق لأحد أن فكّر بكلامي بجدية."

"أما أنا فأرى أن كلامك فيه الكثير من المنطق. ولكنني أعترف أنه لم يخطر ببالي يوما أن رباب تزوّجت عن غير حب او عن دافع ما خفيّ."

رأيتها ترشقني بنظرة صلبة لسماع قولي. "أنت تتحدثين عنها وكأنك كنت تعرفينها." وفجأةً... بدت لي شادية حادة الذهن وبعيدة كل البعد عن الفتاة المريضة.

تمتمتُ قائلة: "أنا... سمعت عنها فقط... فاختفاؤها ليس أمرا عاديا يحدث كل يوم."

نظرت اليها فوجدتها تتثاءب بملل.

جلسَت على سريرها، وقالت دون أن تنظر إلي: "كم عمرك يا آنسة مدنية؟"

"خمسة وعشرون."

"ولماذا جئت الى هنا؟ أليست لديك عائلة في مكان ما؟"

"عائلتي كانت والدَي وقد توفيا."

نظرت اليّ فجأة باهتمام. "كيف حدث ذلك؟"

"حادث سيارة. كان ذلك منذ سنوات."

"ألا يوجد لديك أقارب؟"

"لدي أقاربي الذين سكنت معهم بعد موت والدَي."

"ألا تشتاقين لهم؟"

"قليلا. لم يطل مكوثي معهم فقد كنت أدرس في كلية التمريض وأعيش في مساكن الطلاب ولم أكن أراهم كثيرا."

"هل تحبين عملك؟"

"نعم. أحب عملي."

بعد وقت قصير تركتها لتنام وكنت سعيدة لما أبدت من اهتمام بي. كما وجدت أنها فعلا تفهم أكثر مما تصوّرت.

 

.......................................

 

 

 

بعد يومين، حين ذهبت الى حديقتي الصغيرة المحببة لقضاء بعض الوقت بمفردي، فوجئت بوجود العم قاسم البستاني وهو يسقي الورود.

"كيف حالك، يا آنسة مدنية؟" قال مبتسما برقة. "هذه الحديقة هي مكانك المفضل، بتّ أعرف ذلك، ولهذا، أعتني بها بشكل خاص."

"هذا لطف منك." قلت له وأنا أجلس على الأرجوحة. "فعلا، هذا المكان يبعث في نفسي الراحة بموقعه الهادئ، المنعزل، وبعطر الورود الذي يملأ الجو."

"يبدو أنك اعتدت على العيش في البيت."

"فعلا. أحسّ بالارتياح، فالجميع هنا تقبّلوا وجودي بحفاوة."

"هذا ما لاحطته، وأنا واثق أنك جديرة بذلك."

"أشكرك يا عم قاسم. تعال، اجلس بجانبي لترتاح."

اقترب وفعل كما قلت وهو يطلق من صدره تنهيدة خفيفة. ثم سألني عن صحة السيدة ماردين ككل مرة يراني فيها، وأنا أجبته أن حالتها ما تزال كما كانت من قبل دون تغيير.

ثم أضفت سائلة: "أنت مهتم جدا بصحتها، أليس كذلك؟"

"طبعا يا عزيزتي،" أجاب. "أليست سيدة رائعة حقا؟ طيبة... لطف... رقة... وجمال..."

"أنت تعرفها منذ زمن بعيد؟"

"بعيد جدا. كانت جميلة جدا وخلابة في شبابها ولم تتغيّر صورتها بنظري الى اليوم، رغم مرور السنين. آه على هذا العمر الهارب!" تحسّر بأسى، وأنا استغربت من كلامه الغازل عن السيدة ماردين، وكأن معرفته بها كانت خاصة جدا. تعجّبت من هذا البستاني العجوز.

سألته: "ألم تتزوج في حياتك يا عم قاسم؟"

فأجاب: "لا أحد منا يبقى دون زواج، يا آنسة مدنية. كلنا نتزوج بطريقة او بأخرى، عاجلا ام آجلا."

"وهل رزقت بأولاد؟"

"لدي ولد واحد."

"حقا؟ وأين هو الآن؟ وأين زوجتك؟"

"يا عزيزتي الصغيرة، سيأتي يوم وتفهمين أن لكل منا مشاغله الخاصة وحياته الخاصة التي تكتبها له يد خفية. هكذا تفعل بنا هذه الحياة القاسية الصعبة. ها أنت بنفسك، يا آنسة مدنية، تعملين وتعيشين في مكان بعيد عن عائلتك وأصدقائك. لكل منا عائلة، قريبة كانت او بعيدة، وأنا لا اعرف اليوم عائلة أخرى عدا عن عائلة ماردين. عشت معهم على مدى هذه السنين الطويلة وأحس أنهم عائلتي."

"اذا، لا بد أنهم يبادلونك نفس الشعور."

"أرجو ذلك. وأنا سعيد أنك بدأت تتقربين أكثر من العائلة، وخاصة وسام. إنه شاب رائع لا يشبه حسام. ألا توافقين معي؟"

"فعلا، إنه لطيف."

بعد أن تركني العم قاسم جلست وحدي أفكر. تعجّبت من اهتمامه البالغ بعائلة ماردين. ظننت أن الوقت الطويل الذي قضاه في البيت جعله يحس كأنهم عائلته. ولهذا، فهو مهتم بأمرهم الى أبعد حد. الا أن فلسفته عن العائلة والحياة كانت غريبة حقا، بنظري، ومكتنفة بالأسرار.

ثم سرعان ما انعطفت أفكاري نحو رباب. ترى، أين هي الآن؟ أهي حية؟ أم ميتة؟ هل قُتلت حقا؟ وهل يمكن أن يكون حسام ماردين هو من قتلها؟

‘هناك أشياء لا تعرفينها‘ قال لي وسام. ترى، ما هي تلك الأشياء؟ أيكون وسام يخفي عني أمورا بنفسه؟ تذكّرت ما قاله عن حسام. ‘ليس رجلا عاديا‘. ‘ليس مرغوبا فيه هنا‘. ترى، أكان يقصد أنه أصبح كذلك بعد اختفاء رباب حين اتُهم بالقتل؟ أم أنه كان كذلك طوال حياته؟

استرجعت في ذهني لقائي الأول مع حسام ماردين على شاطئ البحر. كم كان يضجّ بالحقد والازدراء، بنظراته الشامتة وكلامه المستهزئ. إنه رجل مسكون بحقد الدنيا بأكملها، وكأنه يتمرّد عليها بعد أن قست عليه.

لماذا تزوّجته رباب؟ وكيف أحبّت هذا الرجل؟

‘إنها لم تبدُ لي تحبّه‘، قالت شادية. ثم دوى في ذهني قولها: ‘أحسّ أنها تزوّجته لسبب ما غامض، ليس للحب ولا المال. شيء آخر دفعها للزواج‘.

ولكن، كيف يكون ذلك؟ وماذا عن حبها الذي كانت تحدّثني عنه منذ صغرها وكتبت لي عنه في رسالتيها؟

وفجأة، تملكتني رغبة في إعادة قراءة الرسالتين. ربما أجد فيهما شيئا ما يساعدني على حل هذا اللغز.

عدت الى غرفتي بعجل وأخرجت الرسالتين من الدُرج.

 

يتبع...

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2013-04-15 12:02:13.