المثقف - نصوص أدبية

ألوان الحرب الداكنة

حين هاتفني سعيد طالباً أن أرتّب له ولصديقته سعاد ألأسيوية الأصل، موعداً مع رشيد الشاعر الذي أضاع نصف عمره في المعتقلات والنصف الآخر إستهلكه الشعر والعرق العراقي ..

سررتُ  كثيراً لمعرفتي بحاجة رشيد الطريح الفراش الى لقاء إمرأة .. أيّاً كانت هذه المرأة ..

لقد تعرّف سعيد أثناء إجازته بسعاد في أحد المهرجانات الفنيّة، وتعلّق بها رغم قصر الفترة ورغم تواضع شكلها ذو البشرة السمراء الداكنة ورغم نحافة جسدها الذي يخيّل للمرأ وكأنّه قادم للتو من زمن غابر عصفت به رياح الجوع، لكّن سعيد الذي وسمت جبهته سخائم البارود وهو لائذ في مواضع الخطوط الأمامية، والذي لم يصدّق أنه لا زال حيّاً وقد نجا حتى ألآن من كل المسالخ البشرية التي كانت تجري أمامه كلّما دخل فوجه معركة في القاطع الجنوبي الساخن ... لم يكن يهمّه من تكن سعاد هذه بقدر ما يهمّه إنها إمرأة ممكن أن تنسيه في أوقات اللقاء مرارة الواقع الفاجع .. إمرأة قد تعيد الأعتبار الى حيويته كرجل التي فقدها يوم تسلّم أوّل قطعة سلاح ليُحشر في الحشود المساقة الى المذبحة .

وفي المساء زرتُ رشيد في غرفته المتواضعة المخصصّة له من بيت أبيه الواسع، حيث دأبتُ على زيارته دائماً للوقوف على إحتياجاته وللأستمتاع بآخر نصوصه الشعرية الأخيرة، وإذا بسعاد هي من يقوم بعنايته، وعرفتُ إنها كانت منذ زمن تجمع قصاصات الجرائد المنشورة بها قصائد رشيد، وإنها مغرمة بشاعريته الغنائية وأحزانه ومكابداته .. وقد فوجئتُ بقرارها الغريب إنها دخلت غرفته ولن تخرج منها، وسوف تبقى معه لازال حيّاً، وحين سألتها عن سعيد أخبرتني إنه يأس من إقناعها  بالمغادرة وبأن وقت الزيارة قد إنتهى، فجمع شتات روحه وخرج مكلوماً معتبراً إيّاها قد خذلته وإنها تنكّرت له بعدما ألتقت برشيد .. رشيد الذي طفق يعيد ترتيب أولوياته بعدما أقتحمت  خلوته هذه المرأة الهاربة من بيت الحريم والمنفلتة من إستحكامات حجراته الموصدة .

في صباح اليوم التالي جاءني سعيد وقد أحتقنت أوداجه وبان الشرر في عينيه، وبعد ان أدّى تحيّة الصباح سحب كرسياً وجلس ..

ـــ الله بالخير أبو السعود

لم أكد أن أنهي جملتي هذه حتى سمعتُ شتائمه وقد ملئت رحبة المكان ..

ـــ اللعنة على النساء جميعهّن من حواء الى سعاد فكلهنّ يمارسن الغواية والخيانة والأثم ... لقد كرهتُ حتى أمّي التي أنجبتني .. يا أخي أصبح أمراً مستحيلاً أن تحظى بأمرأة تستحق محبتك .

ـــ هوّن عليك ... نموذجك الذي اخترته لا يستحق ضياعه كل هذا الغضب والأحساس بالغدر... إنها إمرأة طارئة وليس من النوع الذي يمكث في الذاكرة .

ـــ أنا أعرف ذلك جيداً .. ولكن في الزمن الأغبر الذي نحياه الآن تمثّل حالة نجاة من السقوط في وهدة الضياع .

ـــ عجيب أمرك سعيد .. أضحيت تقنع بأقل القليل بعدما كنت تختار عين القلادة .

ـــ هذا ما فعلته الحرب فينا .. لو كنتَ قد ذقت طعم النار ساعة، وهذا ما لا أتمنّاه لك، لمثّلت سعاد لك طوق نجاة وحبل خلاص .

ـــ لعنة الله على الحرب .

كانت الساعة تشير الى السابعة مساءاً عندما كنّا أنا ونصير منشغلان  بتعليق لوحات معرضي الشخصي الذي سيفتتح  بعد يومين، عندما دخل حسن وقد بانت على سحنته علامات الحيرة والوجوم ..

ـــ أهلاً حسن .. ما بك ؟ أراك مذعوراً وكأن خطراً ما يترصدّك

قلت له هذا بعد ان فرغت من تعليق لوحة .. ثم سمعته يقول بصوت خفيض مرتعب

ـــ أتدرون ماذا جرى لي طيلة هذا اليوم ؟

ـــ يا ساتر .. خيراً .. قل ماذا جرى  ؟

ـــ تصوّروا .. منذ الساعة الثانية عشر من ظهيرة هذا اليوم وحتى قبل نصف ساعة من الآن كنتُ ضيفاً على مديرية الأمن العامة .

أرتعب نصير وتعثّرت كلماته ..

ـــ هل أنت جاد فيما تقول ؟ أم هي مُزحة من مُزحك الثقيلة ؟

ـــ ثقوا إنها الحقيقة

ـــ وكيف تمّ ذلك ؟ ولماذا ؟

ـــ كنتُ وسعيد في مقهى حسن عجمي، وبعد أن سئمتُ من ثرثرات سعيد الحانقة وشتائمه الجارحة لصاحبته التي تنكّرت له، حملتُ مجلتي وأوراقي وخرجت مطرق الرأس أفكّر بواحدة من قصائدي الجديدة التي أبت أن تكتمل، وبعد مضي دقائق وقفت سيارة مظللّة الزجاج بجانبي ونزل منها ثلاثة رجال وبسرعة خاطفة وجدتُ نفسي محشوراً بين أثنين منهم في المقعد الخلفي بعدما عصبوا عينيّ وساروا بي حتى فتحوا باباً ورموني داخل غرفة رطبة يفوح منها رائحة عفن قديم بعد أن أوثقوا يديّ الى الخلف، مكثتُ  هناك  حتى قبل ساعة من الآن تحوّل رأسي فيها الى وكرٍ للهواجس والظنون ومرتعاً  خصباً للشكوك والريب حتى وصل بي الأمر الى أن أعيد شريط لقائي ببقّال محلتّنا يوم أمس وأنا أساومه على الأسعار خشية من إحتمال خروج كلمة منّي يُشمّ منها رائحة تذمّر أو شكوى بخصوص إرتفاع الأسعار .. ووسط هذه الدوّامة المرعبة من الظنون، فُتحت باب الغرفة وسمعتُ دعسات أقدام تقترب منّي .. تمّ فتح وثاقي أولاًّ ثم رُفعت العصابة عن عينيّ .. بادرني رجلٌ بدين كث الشارب تتربّع على أنفه الكبير نظارة طبيّة بسؤال سريع ..

ـــ نعم أستاذ .. تكلّم ما بجعبتك ؟

وبعد جملة من الأسئلة والردود تيقّن ببراءتي من كل الشكوك التي واجهني بها، وبعد أن رأى هويتي وعرف إنّني صحفي .. قال ..

ـــ إذن بماذا كنت تفكّر لحظة القبض عليك ؟..

ـــ في قصيدة عصيّة كنتُ أحاول أن أجد لها خاتمة .

ألتفت َ الى صاحبه وهمس في أذنه شيئاً، ثمّ قال لي وهو يبتسم ..

ـــ نعتذر أستاذ على هذا الخطأ .. ونأسف لما جرى لك .. وسنوصلك الآن الى بيتك. أجبته بعد أن تأكّدتُ من حقيقة إطلاق سراحي القريب ..

ـــ أستاذ .. لديّ سؤال اتمنى ان تجيبني عنه .. لماذا قبضتم علي ؟

أشعل سيكارة وسحب نفساً منها وقال ..

ـــ شوف أخي .. نحنُ دائماً ما نقوم بجولات في شوارع بغداد هدفها رصد ومراقبة الناس، وإذا ما وجدنا مثلاً واحداً مستغرقاً بالتفكير نعتبره مثيراً للريبة ويصبح هدفاً لنا، فإذا كان لديه ما يخفيه فسوف يعترف به نتيجة الخوف .. وكنتَ أنت مع الأسف الهدف الخطأ .. لذا نكرّر أسفنا وأن لا تنقل ما سمعته مني الآن الى أي كائن بشري خارج هذه الغرفة .

ثم ساروا بي في نفس السيارة الى حيث الشارع العام، طلبت منهم ان يتوقفوا بحجة أن لديّ موعد مع صديق قريب .. وفعلاً نزلتُ وها أنا أمامكما بقايا إنسان أسترجع آدميته للتو ..

ندّت من نصير وهو جالس على كرسيه حركة تنمّ عن قلقه لسماع ما جرى لحسن ثم تنهّد وقال ..

ـــ عزيزي حسن .. أنت أصبحت ضمن دائرة إهتمامهم، لذلك لا تزعل منّي إذا قلت لك إن المجيء الى هذا ( الكاليري ) أصبح محظوراً عليك على أقل تقدير خلال هذا الشهر لحين ما تتأكّد تماماً من سلامة موقفك ..

لم يتوقّع حسن أن تأتي كلمات نصير خائفة وجارحة في ذات الوقت ..

ـــ كنتُ واثقاً من شجاعتك هذه !! .. فأنت آخر ما تبقّى من الفرسان والمبارزين الأفذاذ الذين لا يمتلكون ساعة المواجهة غير قبضة سيفهم ولا يطربون الاّ لصوت إمتشاقه من غمده ..

ـــ حسن لا تسخر مني .. كأنّك لا تعرف إننا نحيا في زمن الخوف .

حاولتُ أن أفتح باباً جديدة للحوار كي أهديء من روع نصير وأن أطمأن حسن وأزيح عنه مشاعر الهضيمة ..

ـــ يا جماعة .. بعد غد سيكون إفتتاح المعرض، وانا للآن لم أسمع رأي حسن بأعمالي ..

ـــ دعني أستعيد شيء من حيويتي ورونقي كي أعيد حالة الصفاء الى روحي بحيث أستطيع أن اتمتّع بما أشاهد، فعينيّ حتى الآن لا ترى سوى اللون الأسود !

ثم قطع حسن حديثه بعد أن بدى سعيد له وهو يعرج وقد همّ بالدخول ..

ـــ سلامتك ..

ـــ السلام عليكم .. لقد ألتوت ساقي وأنا أضع قدمي على الرصيف التي سحبتها لزوجة الوحل الذي لم أتبيّنه في العتمة ممّا دفع ساقي الأخرى الى الألتواء وأنا أحاول تفادي السقوط .. وكل هذا بفعل الغشاوة التي أسبلتها على عينيّ تلك التافهة من النساء .

لم أتمكّن من الأكتفاء بأنصاتي لما يقوله سعيد الذي يبدو قد باشر في مسلسل شتائمه التي مللنا الأستماع إليها .. فقلت بأنفعال ..

ـــ سعيد .. من الأفضل لك أن تقطع إجازتك وتلتحق حالاً .. وهناك على السواتر الأمامية ستنسى سعاد وتتبخّر ذكراها وتخرج من مسامات جبينك كما ينزُّ العرق منه فتمسحه بأردانك ..

علّق نصير...

ـــ هذا أفضل حل.. فمثل هذا النوع من النساء لا تستحق سوى أن تطردها من ذاكرتك كما تطرد ذبابة من على ساعدك .. وإنشغالاتك بمخاوفك ومحاذيرك القتالية ستنسيك كل شيء ..

وأضاف حسن من بعيد وهو يتأمّل إحدى اللوحات ..

ـــ وحتّى في أسوأ الحالات إذا أصبت بشظية أودت بحياتك، فسيندبنّك كل النساء التافهات وكل نقّاد الفن التافهين، وسأواري التراب بكفيّ هاتين على جثمانك العفن وأكتب على شاهدة قبرك قتله الحبُّ التافه !!

ضحك الجميع ..وأتمّ حسن مشاهدة جميع اللوحات .. وتوجّه الى دفتر الزائرين ليدشّن صفحاته البيضاء قبل الأفتتاح بتعليقه الذي اعتبرته بمثابة رأيُ نقدي جميل أستحقّ ان يأخذ موقعه في ارشيفي الخاص ..

(صديقي الرسام

أجمل ما فيك إنك ترسم ما لا نراه، وتؤكّد على قيم جماليّة لم تمر في بال أحد .. حتّى يخيّل لي إنك قد ترسم الهواء يوماً ... شكراً لألوانك التي شذّبت رؤاي وعلّمتني ان الحياة لازال فيها ما يستحق ان نحياه.)

 

وائل المرعب

wail.murib@gmail.com

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1333 الثلاثاء 02/03/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2010-03-02 22:29:27.