جفاف الحلق (16)

gareb_askalaniازدهرت تجارتنا، وتتابعت سفرات أبي إلى مصر، لا يكاد يحط بيننا حتى ينطلق ثانية إلى مصر،

ولم تعد مشاوير المحطة طقساً مغرياً، في البلد يمضي نهاره بين الدكان والبنوك والجمرك، وتخليص شحنات البضاعة من جمرك المحطة، علاقات مع تجار وموظفين، تنوعت الأقمشة القطنية والحريرية، وخيوط الغزل، وأقطان التنجيد التي يقوم بتصريفها ابن عم أبي حامد الذي ترك التنجيد إلى التجارة..

يوم الجمعة سوق القماشين، عطلتهم الأسبوعية يوم الخميس بخلاف تجار الأسواق الأخرى الذين يرتاحون الجمعة.. عادة نقلها القماشون معهم من المجدل، حيث تعطل القاعات قبل صلاة ظهر الخميس وينفل العمال ما نسجوا عن المطاوي، يحاسبون على أجرة عرقهم، ويتهيأون لسوق المجدل صباح الجمعة، مصطحبين أولادهم ونساءهم، يتسوقون ويتفرجون مع جموع الناس الواردة الى السوق، من القرى القريبة والبعيدة.. وفي زمن الهجرة يتوارد تجار التجزئة والناس من المخيمات، والقرى، ومدن القطاع من رفح جنوباً إلى بيت حانون شمالاً.. خالي ترك القاعة لجدي والتحق بالدكان يساعد أبي، ويدخل معمعان عالم البيع والشراء، وبانتقاله إلى السوق توقفت أعمال الصباغة والبوش في الدار.. وارتاحت النساء من العصر والنشر وتقليب شلخات الغزل على الجحوش الخشبية وجمعه في آخرالنهار قبل أن تعشش  فيه رطوبة المساء.. ارتحن من الشخط والنخط والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وهبدة كفه الثقيلة السمينة، التي لا تعرف الواحدة منهن متى وكيف تحط على صدغها، تطير الشرر عن عينيها، فلا تجد مناصاً إلا الهروب من وجهه، حتى لا تطالها هبدة ثانية، أو شلوطاً تكتم نشيجها وعويلها مهما كانت شدة الألم حتى لا يلاحقها بالرفس والدعس في بطنها، يفش غله فيها ...

ركنت جدتي فاطمة البوابير والبراميل وأحواض الصباغ، وأكياس القصرة "بودرة التبييض" وعلب الأصباغ، وفردت عليها حصيراً قديماً ثبتت أطرافه بالحجارة الثقيلة تحفظها من عبث الصغار..

وتحول ذيب المصري من "نويل" إلى أجير باليومية، يتابع شؤون البوش والصباغ في المصابغ، طويل قوي البنية بعد أن تحرر من النول، واعتدل ظهره، فوق دراجة البالون ذات القفصين.. يتنقل بين القاعة ومصبغة الزناتي تحت السدرة، ومصبغة مرزوق عند خط السكة الحديد في الشجاعية، نستغل الفرصة بين مشوارين أو وقت الغداء.. نعبث بالدراجة، نحرك دواساتها فننـزلق عنها، تقع علينا تخربشنا جروحاً وكشوطاً، وصفعات على الأقفية من أمهاتنا ومن جدي، وحتى من ذيب نفسه، فهو يعتبر الدراجة يده وقدمه، وأعز عليه من أولاده ، وخرابها يعني نقل الغزل على كتفيه، وهذا أهون من هياج خالي عليه واتهامه بالتقصير..

وفي القاعة عهدوا لأحمد شمعة تعليم صابر على النول، "فاحت رائحة صابر" وتناقل الناس أخباره مع النور، وعايرونا به، وقد وصل فساده إلى حد بيع دمه والمقامرة به.. ركب صابر النول رغم اعتراض رضوان العتيق الذي تطيّر من تغيير نوله فالمطارح ملازم تحدد الرزق ولكل مطرح ريق وريح ورائحة وريحه حطت مع ريح رفيق عمره أحمد شمعة ، يناكفه ويناوشه ويراهنه، يواصلان الليل بالنهار خلف الدف أيام المواسم والأعياد, قبل أحمد شمعة الأمر على مضض، وهو الذي يطارد وقته لتوفير مهر حسنة.. ويفرغ غله وغضبه صفعاً على ساحل صابر كلما خربش المسدية، وقطع خيوطه، جهلاً وشيطنة وعناداً على قرار العائلة، التي ربطته بعيداً عن النور ورفاق مقهى بيع الدم.. صابر البري الحرون لا يقر ولا يهدأ يستهزئ بالعمال، ويناكفهم، يستفزهم ويشتبك معهم بالأيدي، يقع تحت صفعاتهم ،وركلاتهم لا يحرك ساكناً في وجود جدي الواقف له بالمرصاد ، ينسحب ويبكي خلف دف نوله..

يوم الخميس يقف كل عامل على انتاجه، يحاسب على غلته الأسبوعية، ويقف صابر أمام فشله وقلة انتاجه، ونظرات التشفي تسوطه من كل جانب.. يتخنصر، ويشد قبضته، يثني ذراعه فتقفز عضلاته :

- شوية دم من ذراعي بتجيب مصاري قد شغلكم شهر كامل.

ويزوغ من جدي الذي يقذفه بأقرب حفاية تطولها يده..

- الله يلعنك واحد داشر بتتباهى ببيع دمك يا هامل..

وهرب صابر من القاعة، ولكنه لم يبع دمه كما توقعنا، ولم يمد ذراعه إلا متبرعا كما فعل عندما تبرع لإبن ذيب المصري يوم أجريت له عملية المرارة.. عمل عتالاً في الميناء، ومزارعاً مع المزارعين في قطاف البرتقال، اصطاد الفري (السمان ) على شاطئ البحر، ورافق الصيادين في الأحراش يصطاد الأرانب البرية والحساسين والهداهد، طارد السلاحف والقنافذ، وباع دمها ولحمها وصفة لمرض الجرب والقوباء والعقم ورمد العيون. . استقر به المقام في خرابة "أبو الروم " الذي لم يقبله ولم يطرده، وتركه مع كائنات الخرابة، يجوب معه الحواري يعلنان عن الأفلام في سينما السامر، ويقومان على خدمة حيوانات وطيور الخرابة، وعندما يضرب أبو الروم عن الدنيا وكثيراً ما يضرب، يرتدي صابر عدته ويعتمر زعبوطه، وينفخ في بوقه، ويدق جرسه ويثور في وجه كل من يسأله عن الرجل:

- روح شوفه حاطط عقله بعقل ديك الحبش..!!

يستفزه من يعرفه مشيراً إلى وشم ذراعه:

- أحسن منك عامل بطل ع الفاضي

يركبه جنونه، يحدق في الصبية الساكنة ذراعه، تتربع بين حاجبيه غزالة، يقبلها،ويلعق جلد ذراعه حتى نهاية ضفيرتها المشرعة مع الريح، تتعقد عروقه طارده دماً أزرق يتموج تحت أديم الجلد.. يتماوج فرس الوشم، ويهطل ماء عينيه.. يرشفه ملحاً.. يدفع العربة، صامت لا يعلن عن فيلم الأسبوع، وقد بهتت أمامه بطلة الفيلم، وباخت، لا يابه لضجيج الصغار من حوله.. وفي الليل وبعد أن يعلو شخير أبو الروم يتسلل من الخرابة إلى قشعة روجينا في الشجاعية.

***

دب الخلاف بين أبي وخالي، هدد الشركة، وكاد يتسبب في طلاق أمي، حدث ذلك على اثر دخول خالي مزاد البلدية لتأجير دكاكين سوق الأقمشة الجديدة في فراس، وما تناقله التجار المجادلة عن عناد خالي أمام تجار الجملة الكبار، حتى رست عليه الدكان بأعلى إيجاره في السوق، (ورطوه) وانسحبوا.. أبي يستنكر الأمر، ويتخذ منه دليلاً على رعونة خالي وجهله في أمور السوق وألاعيب التجار، في وقت مازال فيه عظمنا رقيقاً، ورأس مالنا لا يحتمل توسيع نشاطنا، والدخول في منافسات معلنة .

وخالي المعتد، يعتبر نفسه شريكاً كاملاً له كامل الحقوق، وهو يعرف الضارة من النافعة، ولا ضرورة لاستشارة أبي في كل صغيرة وكبيرة طالما الأمر يتعلق بالمصلحة العامة، وهو يرى سوق فراس الجديد سيشكل مركزاً هاماً لتجمع تجار التجزئة، ومن الخطأ أن نترك الساحة لأولاد الشرفا منافسينا، الذين استأجروا لشريكهم محمود الشيخ ظلام دكاناً في السوق للبيع بالجملة على زبائننا (ويلطشوهم) قبل أن يصعدوا إلينا في شارع فهمي بيك .

هاجت الدار وماجت، علا الصراخ وتراشقا التهم، كل يدافع عن وجهة نظره، ويسفه الآخر..

لاحت نذر المصيبة، والقطيعة  أبي المعروف بطول البال، تنتفخ أوداجه، ويتناثر الزبد الجاف من فمه على شفتيه، عروق رقبته النحيلة تتلوى مثل ديدان الأرض المقتولة بعد أن نفثت سمومها، تقلصات وتشنجات ورجفة، ينتفض ، تنتفخ تفاحة آدم في قصبة زوره..

 جدتي نفيسة وعلى غير عادتها تهجم عليه تسد فمه، تروض عناده مهلوعة من جفاف حلقه وجحوظ عينيه:

- يلعن أبو الدكاكين واللي كان سببها.. قتلت حالك يا عبد!

هبطت به وقعدت معه على البلاط، أسند ظهره على الحائط ، صدره يعلو ويهبط ، جدتي فاطمة شرد دم وجهها، صفراء تحدق في عين خالي السليمة التي تدلق دموعها غضباً، وقلة حيلة، واحساساً بالصغر أمام أبي.. جدي الذي يتحاشى النظر اليهما،  ينقر الأرض بأصبعه فيصدر البلاط رنيناً مكتوماً، يشي بحاله الملخوم بين حنكه أبي وحبه له وثقته برجاحة عقله، وتهور خالي على بالمجازفة، ومشاكل القاعة والعمال التي حطت عليه في الأيام الأخيرة..

يصرخ في خالي، وقد التقط صمت أبي:

- ضب لسانك يا محمود.. ابن عمك سكت، وانت مش مستحي على دمك، انتوا ناس ناكرين نعمة الله عليكم.. هذا كيف لو جارت عليكم الدنيا وقعدتوا لا أبيض ولا أسود وارتميتو في خيم الأحراش أو في المعسكرات، روحوا انضبوا وناموا والصباح رباح..

أبي يبحلق في السقف، لم يطرف له جفن، يتهدد، ويطلق زفراته، يحاور العتمة حول دوائر الضوء الباهت المنبعثة من المصباح البترولي المشبوح على الجدار.. يضرب أخماسه في أسداسه، من رعونة خالي، خوفه عليه من التهور وحزنه على نفسه الذي لا يستطيع القيام بكل الأعباء.. يلخص الأمر: "احنا الاثنين ويا دوب قادرين على شغلنا، ومشغلين الختيار معانا في القاعة، ايش بدنا نعمل لما يصير عندنا محلين"

أمي تحاول اخراجه من سهومه وهمومه:

- خليه يجرب حاله، هو مش راجل وبيفهم المصلحة ؟

- أخليه يخرب بيتنا ؟ احنا ما صدقنا ندبر حالنا في السوق، كل العيون علينا، وهو أول ما نط من جورة النول بدو يعمل شاهبندر تجار..

- يوه، وماله، يعني هم التجار طلعوا تجار، والا التجارة خلقت لناس وناس، الله يرحم أيام زمان يوم ما إنت بديت من جورة النول في قاعتنا.

- بتعيريني يا سفيرة عزيزة، علىّ الطلاق، ما باكتب هالدكان على اسمي طول ما أنا عايش..

كالقطة المفزوعة "تدشع" سم بطنها دفعة واحدة:

- انت مش قادر تشوفني بالعين، ما صدقت تاخذ الدكان حجة

جدتي تدخل الحجرة وتسحبها إلى العتمة في البراندة، قبل أن تقذف عنادها، تبطحها، تضع كفها على فمها، وتشد شعرها تدق رأسها في بلاط الدار:

- ليش بتتدخلي بين الرجال؟!

- قلبي عليه ومش هاين عليّ، يقوم يحلف عليّ بالطلاق!! يوم ماكان بدو يتجوز محلفش عليّ.. هو من يوم نجية وعينه برة ..اذا مش ملاقي يتجوزمن البلد يجيب مصرية..ولا تلاقيه متجوز في مصر..

نجية حكاية العائلة وجرحها العميق، جدلت ظفائرها بقطانات من وبر الناقة مصبوغة بنيلة سوداء، خبأت بكلها ومشابكها وشبراتها الخضراء الزاهية.. قبل الهجرة بشهر، يوم جندلت رصاصات اليهود خطيبها عزات حقي.. وفي الهجرة لم تفك ضفيرة ولا لقطت شعرة حاجب، ولا عرفت لسع "العقيدة" في ليلة حناء أو مناسبة فرح.. انكفأت على ماكنتها وصامت على حكاياتها أربع سنين، حتى مرض أبوها الحاج محمد حقي، سهرت عليه تمتص حرارة جسده الشائخ بكمادات الماء البارد، حتى انتظمت دقات صدره واستغرق في نوم عميق، وفي الفجر صحا، تجالد على نفسه وصلى الفجر حاضراً، ناداها فافترشت سجادة الصلاة تقابله، ربت على كتفها :

- يا نجية يا بنتي، الليلة زارني في المنام.. كان قلقان عليّ وزعلان منك

حدثت نفسها وقد رمت جدائلها على ظهرها:

- معقول يا بوي..وأنا بأقول زمان ما طل عليّ في المنام

- قلقان عليك، هو في الجنة حوريته معه، وانت مجدلة شعر الحداد ودافنة حالك بالحيا.. اللي مات ما بيرجع يا بنتي، وأنا مودع ، وبدي أطمئن عليك، فكي الحداد يمكن يجيك النصيب

في الحكاية قبلت يد أبيها، توضأت وصلت الفجر، وفي الحكاية رفس الرجل الموت، وقام من فوره إلى السوق، وعادت نجية على ألسنة النساء في الدار، وكأنها تتهيأ كل يوم للزفاف.. يتحدثن عن فساتين مخبأة، وعن ضفائر تصل إلى عجيزتيها، وهمس عن أبي الذي تكررت سهراته في دار الحاج، وتشعبت أخباره.. طلب يدها، وافق أبوها واخوتها.. دخلت عليهم بصينية الشاي.. وحدقت في وجه أبي.. غض بصره.. انتظرت حتى شرب كوبه..فاجأته:

- عايزني أنزل ضرة على آمنة يا عبد ؟

- بالحلال والشرع يا بنت عمي، أنا شاري، ومش مقصر في آمنة وأولادها بحق الله  وكل شيء قسمة ونصيب.

- انت قلتها يا ابن عمي، كل شيء قسمة ونصيب، والله لو ظليت في دار أبويا لما أجدل شعر الشيب ما بأنزل بعد عزات على ضرة، لا على آمنة ولا على غيرها، نجية ما تتجوز نص راجل..

ولم يمتد وقت الحكايات في بيتنا طويلاً، حتى زارتنا نجية وأمها، وكالعادة تحلقت النساء والبنات منبهرات بنجية التركية نسبة لجدتها لأبيها الاسطنبولية, بيضاء طويلة، عيناها الزرقاوان صافيتان مثل بحر، غمازة ذقنها ضاحكة شهية، تهدل منديلها عن شعر أصفر يسرح على ظهرها، ويستريح على ردفيها.. يقرصنها حتى يعقب الله لهن ولبناتهن, اختلت بأمي في الغرفة، وكنت مقعياً على حلول مسائل الحساب يطاردني شبح "أم علي" في يد الأستاذ عوض الله، أمي تحوّط حولي مساحة حب وصلاة على النبي:

-خليه يحل واجبه، مش فاضي يسمع

سألت نجية:

- وين زواقك يا آمنة ؟ نفسي أتزوق

حملت أمي المرآة الصغيرة تقابل نجية التي انهمكت في معالجة وجهها بالبودرة ،وطبعت قرصين ورديين على وجنتيها، ومرت بالأحمر على شفتيها، وكحلت جفنيها بابرة المكحلة النحاسية، ثم هدلت شعرها ومشطته:

دارت حول نفسها تتثنى:

- كيف شايفاني يا آمنة؟

- حورية جاية من الجنة، يا بخت اللي تكوني من نصيبه

مسحت نجية ما وضعته من أصباغ على وجهها ،وأبقت على كحل العين فقط، لمّت شعرها في ضفيرتيتن ذهبيتين.. قالت:

- ليش ناسية حالك يا آمنة؟

- شغل الدار والقاعة، ما بيجي آخر النهار عليّ  إلا وأنام مثل القتيلة

- الرجل ما بدو واحدة قتيلة، بدو امرأة تضوي مثل الفتيلة، تقلب ليله نهار يا هبلة، الرجل راحته في حضن امرأته.

وهمست في أذن أمي.. وأخذتها الى صدرها، هدهدتها وتركتها مع مرآتها وأشياء زينتها المبعثرة على الفراش.. أمي تحضنني وتبكي بحرقة أفزعتني، هربت من حضنها إلى جدتي فاطمة التي كانت تودع نجية وأمها عند باب الدار أبي غاضب يحلف بالطلاق، ويبحلق في سقف الغرفة يرهف السمع، وجدتي تبخ فحيحاً في العتمة ترد الكلام إلى حلق أمي.. يفلت حنكها همهمة منقطعة:

- من يوم نجية وهو مش قادر يشوفني بالعين، ايش شايف عند النسوان ومش شايفه عندي.. يطلقني وياخذ أولاده

- اخرسي قطع لسان، بيظل ابن عمك ستر وغطا عليك

وفي مساء اليوم الثاني زارنا الحاج محمد حقي يسبقه صوته الجهوري، وقبل أن ينتهي من صعود درجات السلم إلى الدار الفوق:

- افرشي يا آمنة أنا ضيفك اليوم

أبي ينهض مرحباً به، يأخذ بيده ،يجلسه في صدر المكان، في البراندة، يضع الوسائد خلف ظهره وتحت كوعيه، يتناول عكازه ويسنده على الجدار.. جدي وجدتي وخالي يجسلون حوله وجدتي نفيسة التي تأوي إلى فراشها مبكرة تنضم إلى المجلس.. الرجل صامت يتغلب على آثار لهاث واجهاد الطريق.. وجهه الأبيض غادرته حمرة العافية، وحطت عليه صفرة المرض، وعسف الهجرة والحاجة، وهو من كان الفرس يتعب في أراضيه، لا يعرف عدد الحصادين والغمارين في بيادره.

أمي تقدم القهوة، الحاج لا يمد يده، يتشاغل بتسريب حبات المسبحة من بين أصابعه، جدي يقطع الصمت ويوقف نقرات المسبحة:

- تفضل يا حاج

- أنا ما بأشرب قهوة في دار مش متفقة على أكل عيشها..

أبي الذي خفت رجله عن دار الحاج، واقتصرت زيارته على المواسم والأعياد والمناسبات العائلية، فالحاج هو كبير العائلة، سناً وقدراً.. وإن كانت أحواله المادية تراجعت، ومالت الدنيا عليه، وهزمه الوقت.. أبي يتأمل في الرجل، يتوقف عند أصابعه الكريمة..

- توكل على الله يا عمي

شفط الحاج رشفة من الفنجان ورده إلى الصينية ،توجه لأمي :

- القهوة بردت ،هاتي دور ثاني يا آمنة.

تهرع أمي إلى المطبخ، تنسحب النساء من المجلس، تقترب الرؤوس ،ويدور الحديث همساً، تتقارب الرؤوس، ثم تتباعد، وتعتدل الظهور على الوسائد إرتياحاً واتفاقاً.. شربوا القهوة, وتناوشوا أحاديث وحكايات، تذكروا نهفات الدوتشي أبو الملش، ونصف كيلو أبو عيون في المحاكم، عرجوا على سيرة عوض ولغم الثوار، ومعركة خسة.. والكهف الذي وقّع عزات حقي، وزواج نجية من ابن ربعي المدهون، وسفرها إلى الكويت، فاضت الإبتسامات وسرعان ما تحولت إلى قهقهات، نشرت مودة على الجلسة وسقى الله على أيام زمان, أفتى الحاج محمد بخبرته بأن تسجل دكان سوق فراس باسم خالي واسمي بدلاً من أبي، وبذلك يسقط يمين الطلاق عن أبي وتظل الدكان، وتحولت الفتوى إلى نكتة ،وقد أصبحت أنا شريكاً لخالي، وتم الإتفاق على أن يتفرغ خالي لدكان فراس، يساعده أحمد شمعة، ويبقى أبي  في شارع فهمي بيك، ويعتبر الدكان مكتباً ومستودعاً.

انصرف الحاج محمد، وامتد السهر بخالي وأبي يتشاوران في أمور التجارة، أبي يخطط، ويوجه، وخالي يهز رأسه، وانسلت أمي إلى حجرتها، وأخرجت أدوات زينتها وعطورها ..

في الليل تمحكت بأبي :

- يعني صافي يا لبن؟

- نفسي أعرف مين اللي بلغ الحاج؟

ضحكت وتدللت:

- العصفورة الغندورة..

تمتم راغباً:

-ما أقل عقل النسوان

***

وسوق فراس للأقمشة عالم له علاقاته وأعرافه، وتقاليد تجارته وتجارة المجادلة، يرده الناس على اختلاف ألوانهم وطبقاتهم، من المدن والقرى والمخيمات.. وتعرض فيه الأقمشة وتوابعها "وكل فولة ولها كيال" ولكل زبون دكان، تجار صغار يتعاملون مع بضائع رخيصة لزبائن مستوري الحال، وتجار كبار، وأباطرة وملوك السوق هم تجار الجملة، أمثال خالي ومحمود الشيخ ظلام وتجار الأجواخ وجهازات العرايس مثل جميل الفالوجي بشهرته العريضة..تاجر الجملة في السوق لا يتعامل مع زبون التجزئة، لأن ذلك يحط من قدرهم،.. ويتنافى مع أعراف السوق، وفي أيام الأسبوع يكون الرأي والراية للنساء اللواتي يتنقلن بين الدكاكين بدون مرافقة رجالهن.. أما نساء القرى والمخيمات فيأتين برفقة الرجال، ينتقين ويقررن ما يلزم، تاركات أمر الفصيلة والإتفاق على الأسعار للرجال الذين  يسلمون الراية في الجولات الأولى مع البائعين عندما يناغمون رجولتهم وكرمهم وأصلهم الكريم فترتخي قبضاتهم، وينشغلون باحتساء الشاي والقهوة، تاركين الأخذ والعطاء للنساء.. وتتجلى حالات التعاون في السوق، إذ يتعلق الأمر بتجهيز العروس وكسوة ذويها، فلا يقتصر الأمر على التاجر المستقبل للجهاز، فهو يعتبر محطة للبيع والشراء، وعن طريقه تصبح بضائع السوق كلها ملكه...

 يأمر الزبون ،فتأتي البضاعة من أي دكان حتى لو طلب لبن العصفور، ويعرف كل تاجر ما أرسله للجهاز، ويحاسب عليه آخر النهار حسب ما تقتضيه مفاهيم العمولة وهوامش الأرباح، ومراعاة شطارة البائع في توسيع رزقه حلالاً زلالاً عليه.. ويكره السوق أشد ما يكره التاجر الذي يفسد زبون جيرانه، أو يتطفل على مبيعات غيره، فيفرض عليه الحصار، بعدم التعاون معه، والمضاربة عليه، حتى يتأدب ،ويعود عن حسده، فالأرزاق موزعة من رب السماء، والتجارة سر وستر، والأسعار والأعمار بيد الله، ومن يرزقه الله بكسوة عروس يوزع بقية زبائنه على جيرانه، ويكتفي بهبة العرس.. وللدكاكين رائحة وسمعة، تصل إلى حدود الممالك، فنجد "حسن قداس " ملك البيع على الجبالية ، يظهر ذلك الأمر من بضائعهم والأصناف التي يتداولونها، والحاج علي أبو المعزة والمختار عطية عبيد محطات شيوخ البدو المخاتير لعلاقاتها القديمة مع بدو روبين والهزيل في بئر السبع، ولمعرفتها بخصال البدو وعادتهم، جميل الفوالجي ملك العرائس وأقمشة الموضة، ومخترع الأسماء للبضائع الجديدة  فهو صاحب رمش العين، ويامّا القمر ع الباب، وزنوبا على الأقمشة الهفافة الخفيفة لزوم اليافاويات واللداويات والمدنيات وبنات ونساء عائلات غزة العريقة.. رشيد عوض ملك الإكسسوارات، وكلف الخياطة، والأزرار والورود والبكل.. بالإضافة إلى الدكاكين الصغيرة في سوق الأقمشة والبسطات التي تعرض أقمشة القنابيز، والشراويل وأقمشة الفرش وكوفيات الشاش ومواد التنجيد…

وعلى مدار الأسبوع يكون البيع في محلاتنا على ما يحتاجه تجار سوق غزة  من بضائع، ويكون سوقنا الأسبوعي يوم الجمعة حيث يردنا التجار من جميع الأسواق بأكياسهم الكبيرة التي تزم فوهاتها بدكة من مرس خشن،  فتتحول الى بالات كبيرة أو صغيرة تدل على قوة ومكانة أصحابها، تنقل على العربات أو على ظهور العتالين إلى موقف السيارات في الساحة، وخالي له فلسفته في اكتساح السوق، بالربح القليل والتصريف الكثير، وبسط يده للدين..

 في صباح الجمعة تنقل بالات البضاعة على كارات الكتف من الدكان الفوقا في شارع فهمي بيك إلى دكان فراس، تفتح البالات على رصيف الدكان، وترتب على الأرفف ولأن السوق طارد ومطرود بصلاة الجمعة يكون الأخذ والعطاء خطفاً.. في يوم السوق آخذ مكاني عند الباب، أراقب الباعة والزبائن، وأحرس أكياسهم عندما يذهبون لصلاة الجمعة، وأساعد أحمد شمعة في ترتيب البضائع المبعثرة على الأرفف حسب أصنافها وأنواعها، وأحمد شمعة يرتاح يوم السوق من انهامات خالي له بالبلشقيك لضرورات زحمة البيع والشراء وحراسته الدكان عند الصلاة.

أحمد شمعة ترك القاعة مكرهاً على فراق حسنة، ولكنه سرعان ما اندمج مع البيع والشراء وتنازل عن قمبازه وشرواله، وتحول مثل خالي إلى القميص والبنطلون، صار خفيفاً نشيطاً في الحمل والنقل والهرولة على السلالم، والتصق بخالي أكثر، واكتشف فيه طيبته بعيداً عن الزق والنق وضيق الخلق أيام القاعة، فهو لا يعامله معاملة المعلم والأجير، يفطران سوياً، ويتغديان من طبيخ الدار.. أشد ما يكره من أيام السوق  يوم الخميس، لأن من مهامه جمع دفعات الديون من الزبائن في الأسواق، يسرح مبكراً ولا يعود إلا بعد العصر، يحاسب على ماجباه من دفع ويمضي مثل المصروع إلى مخيم الشاطئ، إلى حسنة حاملاً ما التقطه من الأسواق من فاكهة أو مكسرات، ومحارم مطرزة، وأدوات تجميل..

وفي السوق أعطت جسارة خالي وفلسفته في البيع ثمارها، زاد عدد زبائنه، واتسعت حركة الاستيرادات، وتلاحقت مشاوير أبي  إلى مصر، لا يكاد يرتاح من مشواره حتى يعود ثانية، وبرغم نجاحات خالي في السوق (لدرجة أن الزبائن لم يعودوا يرتاحون للتعامل مع أبي، وانفضوا عن الدكان الفوقا، وتحول معظم الزبائن إلى دكان فراس) الا أنه فشل في التعامل مع موظفي الجمارك، وعجز عن تخليص البضائع بسرعة وسهولة، فترك الأمر لأبي.. (جرب الأمر أكثر من مرة، وفي كل مرة تنتهي بمشادة، أو خناقة تصل أصداؤها إلى مدير الجمرك المصري، فترتد عليه تأنيباً واتهاماً بقلة ذوق، وعدم معرفة بأصول التعامل مع الأفندية الموظفين، الذين يعتبرهم خالي حرامية وقليلي دين، ويعتبرهم أبي مساكين ومربوطين برواتبهم المحدودة التي لا تكفيهم لبساً وغندرة، أبي  يقرب لخالي الأمر ويخفف من تبرمه)

- كيف لو تشوفني في مصر بأكرم الموظفين من الساعي للمدير، خرخش جيوبك بيصير الكل حبيبك ويا بخت من رزّق واسترزق..

- وكيف بيقولوا الثورة وجمال عبد الناصر قضى على الفقر ومخلاش حدا محتاج؟.

- يا راجل هو الثورة على مين بدها تكفي  في مصر ؟ الناس مثل النمل ، حط كل رجال الثورة في الشركات والمؤسسات ويا دوب ملاحق .. يا ابن عمي ..شغلتنا بدها الواحد يمشي مع الوقت ويدور مع الدنيا

أبي مقتنع لدرجة الإيمان، أن ابن عمه طيب، وبائع شاطر،  ولكنه ليس تاجراً، فالتجارة ليست تصريف بضاعة فقط لتاجر تجزئة مسكين محكوم بتوفير السلعة ودفتر الدين، التجارة مهارة في ادارة الأعمال، واصطياد الفرصة في الوقت المناسب.. وهكذا توزعت الاختصاصات، ترك السوق وزبائنه لخالي، والاستيراد والجمارك ومعاملات البنوك لأبي، أما القاعة فقد أصبحت نشاطاً هامشياً يقوم عليه جدي، الذي لم يعد يسيطر عليها ومتابعة شئونها، فقد ظل نول أحمد شمعة، ونول صابر عاريان من الغزل، وهجر رضوان العتيق مسديته وتحول بائعاً متجولاً بعد أن ترك أحمد شمعة القاعة وكأن روحه كانت معلقة مع صاحبه ،وخلع نول ذيب المصري، وردمت حفرته وسويت لنشر الغزل المصبوغ والممعوك لإكمال جفافه قبل توزيعه على المموسرات..

تراجعت القاعة إلى ستة أنوال جرارة ونول جدي، ونول أبي حسنة اليدويين..

ولم يعد الأطرش عيسى يقضي النهار واقفاً خلف الدوارة لقلة الشغل، بعد أن انتشرت السدايات في القاعات الكبيرة، وأصبح  الأطرش عيسى يجلس على مقعدته حتى يصيبه الخدر.. ينفخ زفير صدره وسحابات دخانه العربي الحامي، ويتحرش بالعمال،  ويناكف جدي حتى تطور الأمر يوماً، وطارده جدي بماسورة حديد حتى سدرة الخروبي، واختفى من القاعة أسبوعاً عاد بعدها، وهجم على رأس جدي ينهق على صدره مثل جحش رضيع، حضنه جدي، وأجلسه بجانبه، لف له سيجارة ، وأشعلها.. شهق نفساً عميقاً ،عاتبه جدي معتذراً عن غضبه:

- والله لو ما شردت يومها من قدامي كان قتلتك

- ومين مجنون يظل قدامك وإنت هايج ؟..أعوذ بالله!

قهقه جدي، حتى غلبته الكحة، ووقفت في صدره، فجحظت عيناه:

- هذا انت بتسمع وعامل علينا أطرش  يا لئيم؟!

يومها فكك الأطرش عيسى الدوارة، ونقلها على كارة إلى بيته في المشاهرة، فقد اشتراها من خالي على أن يسدد ثمنها من أجرة السداة لأنوالنا.. لم يعترض جدي ،وبارك الخطوة طالما هي رغبة الرجل، والأرزاق على الله ، وكل صغير من حقه أن يكبر ويصبح معلماً وصاحب قاعة بعرقه وسهر لياليه ، ولكنه هاج وماج عندما حدثه أبي بشأن تصفية القاعة وعدم تركيب مسادي جديدة على الأنوال وتسريح العمال.

- ناكلهم لحم ونرميهم عظم، وين يروحوا وكل واحد في رقبته عائلة ؟ وين الأصول يا أولاد الأصول؟ عمرها القاعة ما بتطرد أجير، الأجير هو اللي بينط من معلم لمعلم.. القاعة بدها تشتغل طول ما العمال راكبة أنوالها، ورزقنا ورزقهم على الله.. هذول النويلة لولاهم ما صرتوا تجار ومستوردين

وزادت أعباء ذيب المصري بعد أن أضيف إلى مسئولياته نقل مواسير المسادي إلى دوارة الأطرش، وجلبها بعد السداة، ونقلها إلى أبو محمد كفينة(الملقى) يعبئ خيوطها في الأنيار والأمشاط.. كل حسب عدتها وعدد خيوطها ودف نولها.

***

صيف وشتاء ثم صيف، مرت على خطبة أحمد شمعة وحسنة، انتقل خلالها من القاعة إلى الدكان، وتحول من القمباز إلى البنطال والقميص، ونجا من الموت مرتين.. في ضربة المورتر شطبت الشظية الرجل الذي يحاذيه.. والثانية عندما انتفخ بطنه من علبة لحمة فاسدة اشتراها من سوق رفح، ورقد في مستشفى الحميات أسبوعين تحول إلى شبح ممصوص، عاش خلالها على عصير الليمون لنقص المحاليل في المستشفى.. جمع المهر وتكاليف العرس، حفيت قدماه لكثرة ما تردد على مخيم الشاطئ إلى حسنة المغلوبة على أمرها، أمام عناد أبيها، تعلمت الخياطة، وترددت على الست كوثر مع زريفة، أحبتها المعلمة وصادقتها، وعلمتها مالم تتعلمه من زريفة.. وساعدتها في تفصيل وخياطة جهازها وفساتينها، واختارت لها من السوق كل ما يلزمها من ملابس داخلية، وخارجية وأدوات تجميل، وصابون معطر رائحته ترد  الروح.. ونفضت حسنة عن بدنها الثوب المجدلاوي، وعرفت حلاوة الفساتين، وغطاء الوجه الرقيق الشفاف، يحجب وجهها ولا يستره عن فضاء الدنيا.. فاض صندوقها بهدايا أحمد في المطلات، والأعياد، والمواسم حسب عادات الخطاب في فترة الخطبة، والخطبة طالت، وتناقلت الدار أخبار لقاءات العروسين في دكان جميل الفوالجي، أو عند رشيد عوض بحجة شراء حاجات الجهاز والاكسسوارات وكلف الخياطة.. يحلو الغمز واللغز خلف الدواليب.. "توتوت" حسنة في أذن زوجة خالي عند ذهابها إلى الدكان لتوصيل الغداء.. يعلو اللغط والمداعبات والمشاغبات المتطفلة على تفاصيل التفاصيل.. تصعد حسنة على احمرار وجهها، ويصهل صدرها..

- وماله هو غريب.. مش خطيبي وتاج راسي؟.

تتسرب الهمهمات إلى القاعة تطوعاً أو تحرشاً لجر أبي حسنة الذي يرغي ويزبد، ويتوعد ابنته جلابة الفضائح.. تقف جدتي بعد أن تكون قد فوعته، وشعللت صدره.

- عقد عليها على سنة الله ورسوله، يعني صارت امرأته

- ولو لما يدخل عليها، وتصير امرأته هما أحرار

- ما انت اللي راكب راسك

وتفتح القصة من جديد، ويتصلب عند شرطه غير المعقول ولا المقبول، أن تظل حسنة في بيته بعد زواجها.. تستهجن جدتي عناده :

- هو انت مجبور باولاد الناس؟

- اللي أوله شرط آخره رضا ، وهي الدار آخرتها لمين؟

ومن شرط الإتفاق الى أصول العادات، والحفاظ على كرامة الناس:

- هي العروس بتطلع من دار أبوها لدار جوزها ؟..انت طالع علينا بسبر (عادة) جديد، ايش يقولوا للناس, وحسنة أول كناينهم وأول فرحتهم.

هل الصيف، ودق أحمد شمعة قدمه بالأرض، ودعم ظهره للحائط، وطلب حسنة، وتفجرت مشاحناته مع أبيه وأقاربه، الذين اعتبروا سكناه في بيت زوجته نقيصة وفضيحة، وهددوه بالقطيعة، بل وضغطوا عليه أن يترك حسنة معلقة ويتزوج عليها.. وتدّخل جدي، وانتصر محمد فارس كفيل الشرط لأبي حسنة، وتدخل أكثر من وجه وأكثر من مختار، ورتبت الأمور بحيث تكون ليلة النقش،والحناء،والدخلة، والنقطة، والمباركة، والأسبوع في دار أهل العريس في مخيم جباليا.. ثم تقوم العروس بالافراد عند أهلها، وتبقى مع زوجها في بيت أبيها ضيفة إلى ماشاء الله واتفق الطرفان على ذلك، وأخذ محمد فارس حمام العريس في حمام السمرة، وأخذ أبي عشاء العروسين "الضلعه" وأجل سفره يومين للقيام بالواجب، ولأن حسنة من بنات الدار فلا بد أن تكون صمدتها في دارنا.. ولم يعترض أحد على ذلك لاتساع براندة الدار من ناحية، وموقعها المتوسط بين مخيم الشاطئ ومخيم جباليا.

***

تهيأت الدار للعرس، وعطلت القاعة أعمالها، ورش حوشها بالماء، وأشعل ذيب المصري كانون النار، وجهّز القهوة السادة، وتم استئجار كراسي قصيرة وأخرى عالية من السوافيري (في حارة الفواخير) لجلوس المعازيم، الرجال على الكراسي القصيرة والنساء على الكراسي العالية...

 ونصب لوج العروسين وزين بالورود، وحضرت "سارة كلش" وأمها قبل الظهر للإشراف على تجهيزات الصمدة، وعند صلاة العصر توافد المعازيم، أنهت الست كوثر تلبيس العروس وزواقها، ورافقتها على اللوج، ودقت الطبلة مع بخترة العروس.. ولعلع صوت سارة يبهج النساء والصبايا يرعش أبدانهن، دلعون(وسقى الله على أيام المجدل)

يا بنات المجدل ما تزعلنش

انتن بتغلن ومابترخصنش

وبنات برة ما بينفعنش

كل يوم والثاني بيحردونا

يرن الطبل ويحن ويعلو صوت أم سارة آمراً مهيجاً:

- الله يكسر ايدها اللي ما بتزكف (تصفق)

ونزلت أخت العريس طويلة بيضاء  ُفرعة مُدرعة، تعرض فنونها وشبق فرحتها، صدرها ينـز عرقاً، شقلت طرف ثوبها في حزامها..

ودارت ترافقها سارة:

لابسة الحبيبة وثوب البلتاجي

ورايحة تتفرج على الحجاجِ

طلبت  البوسة قالت تآجي

                         أهلي ورايا بيطّلعونا..

هاهت جدتي، وردت عليها أمي..

وناغمتها زوجة خالي، رفعن رايات أبي وخالي وجدي وكل رجال العائلة فرداً فرداً، ولعلعت الزغاريد، ولعلع رشاش محمد فارس في حوش الدار التحتا، وسحبت سارة أختي زريفة ،ولحقت بها أمي، وقابلتهما زوجة خالي بالشمعدان

حبيبي بسك حبيبي بسك

وحاطط في جيبه صابون إمّسّك

وطلعت الموسم سمعت حسك

صفيت في الدبكة تلعب دلعونا..

هبطت حسنة عن اللوج إلى الحلقة وسط مهاهاة النساء، والزغاريد، ودارت في الحلقة خجلة في البداية.. تدور حولها سارة بالطبلة، تنثر دقات خفيفة.. سريعة ثم بطيئة.. يشتد التصفيق، تتحنجل حسنة على أطراف أصابعها.. تهدئ إيقاعها.. تتمايل على مدقات كعبيها.. تسبل جفونها.. تحممها سارة في بحر الجورة..

وعَ بحر الجورة نزلت بناتِ

أحلى من عليا وسعدى الزناتي

وكم من قتيل في الهوا مات

وكم من بنية ماتت محروما..

حسنة تخطف الأبصار.. لدرجة أن جدتي نفيسة التي لا يعجبها رقص المجدلاويات الرخو المايع قياساً لرقص الحماميات الرجاليات شهدت لها..

- والله الملعونة رقاصة وغناجة، تقولش كانت واقفة على قشة هالفاجرة .

تحدثت الدار عن الصمدة والجلوة في دار شمعة، وأحسسنا بوحشة غياب حسنة، وبقي دولابها ساكناً صامتاً بين الدواليب، بقايا أغراضها في غرفة البنات، وأخذت الدار على عاتقها يوم الأسبوع حتى لو تكلف الأمر أجرة اضافية لسارة كلش وأمها..

الوحيد الذي كان متبرماً هو خالي، فقد عاش أسبوعاً ملخبطاً ملخوماً، وحيداً بدون أجيره الذي يفهمه بالإشارة.. أما جدي فقد استضاف أبا حسنة وفرش له في الليوان الغربي طيلة أيام الأسبوع، يصطحبه إلى مقهى السدرة يشربان الشاي ويسمعان الأخبار، يبدد وحشته لغياب حسنة حتى لا يشت عقله...

 وفي نهاية الأسبوع طلب الرجل من جدي نقل نوله إلى داره في المخيم حتى لا تبقى حسنة وحدانية في الدار.

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1372 الاثنين 12/04/2010)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2010-04-12 05:48:04.