المثقف - تنوير واصلاح

حضرة البليد (16)

كان أكثر ما يثير امتعاض قوم البليد، عندما يخرجون من أسوارهم الحصينة، إذ يلتقيهم فجأة رجال من الزمن الماضي، كانوا قد شطبوا أسماءهم من دفاترهم ورؤوسهم، لكنهم بقوا يعيشون الحياة،

 فيصادفونهم في مكان هنا وهناك، فترة وجيزة، لكنها تثير فيهم السخط والحنق، يشتعلون نقمةً في كل ثانية من ثوانيها، تضيق صدورهم حرجاً كأنما يصّعّدون في السماء.. يطبق الإمتعاض عليهم من كل مكان، حين يبادرهم الرجال بعتاب المخلصين، يشيرون لهم على خلل هنا، وخطأ هناك، فتتحرك الذئاب في صدورهم، تعوي حتى تملأ أجوافهم، يتمنون لو أن بأيديهم أمر الصواعق، إذن لأنزلوها على الأرض لتبيد هؤلاء.

في يوم سبت من صيف حار، أنهوا صيدهم، أكلوا ضعف ما يأكلون من سمك قابيل، تبولوا في البركة المسحورة، واستلقوا على وجوههم يتحدثون، قفزت في ذهن أحدهم حيلة ماكرة، قال لهم:

ـ إن وجدنا رجال الأمس، يبادرون عتابنا ونصيحتنا، نعمد الى الشكوى المرة، فنسايرهم باللسان، ونماثلهم في الرأي، ونلقي باللائمة على آخرين، فسينقطع كلامهم، وينتهي عتابهم، فنمضي براحة بال، ونتركهم يشفقون حالنا، ويمتدحون أمرنا.

مضوا على هذا الحال، فكان كلما جمعهم مكان بصاحب من تلك الأيام، زادوا على شكواه شكوىً، وعضّدوا عتابه بلوم الآخرين، وأطلقوا آهة مصنوعة، ودمعة مستأجرة، فيشد المسكين على أيديهم مثبّتاً، داعياً لهم بالصبر والنصر.

لكنهم أخرجوا مالك نعمتهم من العتاب والشكوى، فما كانوا يذكرونه بألسنتهم إلا بخير، وينعتونه ظاهراَ بأحلى النعوت، يحنون رقابهم ويرفعون أصواتهم حين يذكرونه، فينهون حديثهم وقد بحت حناجرهم، وتعرقت جباههم، وتلاحقت أنفاسهم.

يعودون اليه يخبرونه بما كان من أمرهم، ويزيدون قولاً على ماحدث حتى ينالوا رضاه، ثم ينعطفون على الأصهار والانسباء والصبيان، يدورون عليهم واحداً واحداً، يعيدون الكلام ثانية، يزيدون عليه ضعفه، فيصرف هؤلاء وجوههم غير مكترثين.. يرضيهم هذا ويكفيهم، فسكوتهم مغنم، وعدم غضبهم فوز كبير.

دام الأمر ثلاث سنين وشهراً، وهم على هذا الحال، حتى أصيبوا بالرغوة الصفراء.. رغوة تخرج من طرف الفم، لها لون البول ورائحته، تغمر الوجه، تقطر من طرف الذقن قطرات كبيرة، فلا تصل الآرض، تخترق ملابسهم وجلودهم، وتبقى تدور في عروقهم، حتى ينهوا حديثهم، دون ان يشعروا بها، إنما يراها الآخرون مقززة منفرة، فيتنحون عنهم مبتعدين، لا يطيقون شكلها ورائحتها.

كانو يجوبون البلدان يعلّقون حجاب الحرباء في رقابهم، فيجتمع الناس لسماعهم، يتحشدون ألوفاً يريدون معرفة ما يجري في وطنهم.. يبدأون خطبهم فإذا وجدوا الناس صامتين، مضوا في الكلام حتى يغشاهم النعاس، وإن رأوهم يشتكون ويعتبون، سايروهم في الشكوى والعتاب.

تجول أحدهم في بعض البلدان، فألتقى بأصحاب الأمس، غرق في موجة من الضجر من كثرة الشكوى والعتاب، مسح بيده على حجاب الحرباء، وراح يشاطرهم همومهم ورأيهم، ثم فاقهم بثاً للهموم، فأمسكوا عن الكلام، لقد رأوا الرغوة تطفح من طرف فمه، ضاع الكلام بين شفتيه، غمرت الرغوة وجهه، وراحت تقطر من ذقنه قطرات كبيرة نتنة، تقززوا من منظره، تراجعوا خطوات أخر، لم يتنبه لإبتعادهم، وجد فيها اللحظة المناسبة ليلقي عليهم عبارة التمجيد، عبّ نفساً عميقاً وقال:

ـ لقد تعلمتُ التقوى من مالك النعمة.

قالها بصوت عال، بصراخ جرح حنجرته.. سقط غطاء رأسه، تمزق طرف من ردائه، فاحت رائحة الرغوة فملأت المكان، خرج قسم من السامعين، ساءهم المنظر والرائحة، بقي قسم آخر، إقتربوا منه، تذوقوا الرغوة بأطراف ألسنتهم، مسحوها على وجوههم، ثم سألوه أن يكونوا ركبه وحاشيته، لم يرقه الأمر، فقد يزاحمونه مكانه، طلب منهم أن يكونوا لسانه وعينه، وأن يلزموا مكانهم، فاستحسنوا الرأي، وشكروا فضله واحسانه.

وجاب آخر بعض البلدان، فألجأه المكان الى مجالسة أصحاب الأمس، فجلسوا يحدثونه بما كان وما صار الحال اليه، مسح حجاب الحرباء، فترقرقت دمعة باردة بإحدى عينيه، وراح يشكو لهم همه وألمه:

ـ يا أخوة الطريق إنكم لا ترون إلا ظاهراً، فأنا أموت في كل يوم مرات ومرات، أغلظ لهم القول فلا يسمعون، وأدعوهم للرشاد فلا يأبهون.. يا قوم أعينونا على أمرنا، فنحن في مركب واحد، إن غرق غرقنا، وإن نجى نجونا.. يا قوم ما أريد منكم إلا الصبر، وأمسكوا عن الكلام، فالأعداء كثر يتربصون بنا، ونبالهم مصوبة لنحورنا.. يا قوم إني اشارككم الرأي والشكوى، وأكتم ما تنوء الجبال بحمله، فالله الله في صفنا، وإياكم والحديث وإن صدق، فانه نار تحرق أسوارنا، وريح تكشف عوراتنا، والله أمر بالستر.. يا أخوة الأمس، إن فينا قوماً خاطئين، فاعينوننا بصمتكم على الاصلاح، ولا تفسدوا عملنا بالكلام، وسترون الخير قادماً، فالصمت الصمت تمسّكوا به لا يفلت منكم حرف، والطاعة الطاعة إعتصموا بها لا يسبقنكم اليها أحد.

تفرق السامعون، كانت الرغوة قد غمرت وجهه، وتمزقت ثيابه، فبدا عارياً تفوح منه الرائحة النتنة.

:::::::::::::::::

كانوا يعودون من جولاتهم، ترقص الذئاب في صدورهم مرحاً، يمضون نصف الليل سمراً عن حكاياتهم وماذا صنعوا، ويمضون نصفه الآخر يتقاسمون طعام الفقراء، ثم يغطون في نوم عميق.

قالت العجوز عند حافة النهر:

ـ لم أر الرغوة الصفراء أصابت من كان قبلهم، لقد رأيت أصناف الأقوام في هذا المكان، جاءوا ورحلوا، لكني لم أرّ مثل هذا.. لا في آلهة الموت، ولا سيد الغضب، ولا ملك المغول، بل أني لم أرها في صاحب بستان قريش، إن هؤلاء جاءوا بأمر عظيم، ستضرب الناس فتنة الروح بعد حفنة أشهر، فيلعنون موتاهم، ويستبدلون قبلتهم، وينامون أياماً على الجنابة، ثم يختفي قبر المعلم، فلا يراه أحد أبداً، وتذوب العظام في ترابها، ويسوء الحال بعد سنين.

سمعوا كلام العجوز، دخلوا قصورهم داخل السور، ساءهم حالهم وما وصلوا اليه، كرروا كلامها في رؤوسهم، هزتهم رعدة الخوف، تحرك في داخلهم صوت قديم، صوت كان في ما مضى يأتي ناعماً، فيعيد الغافل منهم الى رشده، انطلق هذه المرة صاخباً مدوياً يكاد يملأ الكون، ارتجت قصورهم من صداه، هزهم بعنف غاضب، فجلسوا على الأرض تكسوهم حمرة الخجل، تأكلهم عضات الندم.. أطلقوا آهات حارة، نفثوا الحسرات على الأيام القديمة، أقسموا أن يكون الغد مولدهم الجديد، عودتهم الى ما كانوا عليه.. ما هذه الدنيا إلا أياماً زائلة.. عجّل برحيلك أيها الليل، فالفجر وقت الصحوة الكبرى.

 في اليوم التالي، تحلقوا حول منضدة كبيرة، تظهر منها رؤوسهم فقط، وكان مالك نعمتهم يجلس وسطها.. بقي كل واحد ينتظر أن يبدأ صاحبه بالكلام، طال الصمت، أرهقهم السكوت.. وهو ينظر اليهم من طرف عينه، سرت رجفة في أبدانهم، هتفوا بصوت يشبه صرير الفأر:

ـ أنت لا سواك.

أخرج الختم بيساره، طبع على أعناقهم نصف وشم، خرجوا يملأهم الفرح يرددون: ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا.

قالت العجوز:

ـ داء في هذه البقعة لا ينجو منه أحد.

يتبع، لم تنته بعد.. فالحكاية طويلة جداً

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1427 الاثنين 14/06/2010)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2010-06-14 05:04:18.