لا يقرأُ فاتحةً لا يحفرُ قبرا

لا يشهدُ أنَّ الموتَ رهيبٌ حقّا

 

ما قبلَ الموت / عدنان الظاهر

 

1ـ كشفُ الغيب

(لا تكشفْ سرّا. ما جدوى أنْ تكشفَ سرّا؟)

الشمسُ على بحرِ الشامِ هديرُ

 أفيهدأُ في بحرٍ مدُّ

وقلوعُ سفائنَ كنعانَ توابيتٌ للغرقى؟

ما زلتُ أُقاومُ صوتَ الصرخةِ أياً ما كانتْ

التوبةُ إنذارُ

ـ ممَّ يتوبُ الراهبُ والمُختارُـ؟

لا تحملْ فأساً للثارِ

إحملْ كأسا

لا تنقلْ يمناكَ لأخرى

اللونُ الأقسى تهريجُ الفِرقةِ في السوقِ

هل عافاكَ الطبُّ

هل قوّمَ هيكلَكَ العظميَ وقوفا

لا تحزنْ ... الحزنُ طويلٌ كالظلِّ الممدودِ

الحزنُ خُلاصةُ عصفِ القادمِ والماضي

قالت " صَمْداً صمْدا "

لا تتهالكْ أنتَ الأقوى

كنتَ وما زلتَ الأنقى والأصفى 

تلتقطُ الجمرةَ والحبّةَ من زهرةِ عينِ الشمسِ

تسألُ ما جدوى أنْ أتفحّصَ تأريخَ الإنسانِ

أتقلبَ صفحةَ مأساةِ الجُرحِ الدامي

ما دامَ الأبدُ الضاربُ يبقى أزلاً كالسكّةِ مضروبا

الأفضلُ أنْ تبقى

ما كنتَ وما كان الطائشُ مجهولا

دعْ هذا الزمنَ المتلوّنَ يمضي ملويّا

يرطنُ لهجاتٍ شتَى

يرسمُ لوحاتٍ غامضةَ الجوهرِ والمظهرِ والمعنى

لا تبقَ على السطحِ طويلاً مشلولا

الجُرعةُ أكبرُ مما فيكَ وللشرفةِ أحكامُ

 

2ـ (مثلُكَ لا يموتُ / كاسترو)

قالوا ما قالوا

قالوا جفَّ البحرُ وغادرَ خلجانَ الكاريبي

أضربتُ وأضرمتُ النارَ فطارَ صوابي

الضاربُ والمضروبُ سواءُ

مُزدَوجٌ تخنقهُ شاراتٌ صمّاءُ

ماذا تنتظرُ الخيلُ السودُ؟

شاخَ الجملُ الأشقرُ إذْ جفَّ الماءُ

الماءُ صفيرُ

الطُرقُ المُثلى ضاعتْ

بدّلت الآثارَ جميعا

لم تحفلْ بالعُقبى

لم تندمْ

لم تستقبلْ شمساً أو عيدا

لم تُشركْ أحداً في حفلٍ أو عرسِ

الطرقُ الأخرى سُدّتْ

نطقتْ ثم انفجرتْ

فتفحّمَ رأسٌ يتدلّى مشنوقا

الهوسُ الباقي حفنةُ رملٍ في كأسِ

محفوفٌ برمادِ التفجيراتِ

حيثُ الخطرُ الأكبرُ لم يأتِ بعدُ

ينتظرُ الزمنَ الأنسبَ قبلَ فواتِ الوقتِ

لا يدري أنَّ المركبَ معطوبٌ مثقوبُ

هل يجنحُ للساحلِ معصوبَ العينينِ؟

 

3ـ التصفيق

كيف أُصفّقُ للرائحِ والغادي

وأرشُّ الماءَ بعتبةِ داري

هل حتفي مرهونٌ بخنجرِ جزارِ

لا ...

كلاّ ...

أنا مَنْ قيّمَ أقدارَ الجُلاّسِ

الكأسُ كؤوسٌ شتّى

تتفاوتُ لوناً أو فعلاً أو وزنا

فارهنْ نفسكَ للصوتِ المكبوتِ

لا تحزنْ

لا تيأسْ

 الحزنُ اليائسُ محكومٌ بالعزلِ

الدارُ الأولُ والآخرُ تأريجٌ مأهولُ

قفْ !

إنكَ في ساحةِ إنذارِ

في منطقةٍ لا يدخلُ فيها إلاّ المجنونُ المخبولُ

فتخيّرْ بين الموتِ جزافاً

والموتِ بإطلاقةِ جنديٍّ مخمورِ

الموتُ هو الموتُ

والجندُ سواءُ .

عينكَ كحلٌ في الليلِ وأصداءُ

تنتظرُ الآتي هل يأتي

الموتُ قريبُ

الموتُ قريبٌ جدّاً

دعهُ ...

الكائنُ لا بدَّ يكونُ.

هل أستسلمُ أمْ أبقى خارجَ تغريدِ السربِ؟

" اللهُ أكبرُ لا تكفي "

لا تروي ظمآنا

لا تُشفي جُرحا

هل أندمُ أم أعلنُ إفلاسي؟

التيهُ ينظّمُ أسفاري شرقاً غربا

حيثُ النازفُ يبقى نزفاً منزوفا

عرباتٍ تسحبها قضبانُ

يسألُ يستنكرُ قصفَ الرعدِ

الأمّةُ فوضى

صخبٌ يرتدُّ

قاصيها دانيها

سَفَرٌ يتأجّلُ جيلاً جيلا

في البرزخِ بين الصحوة والنومِ

فرّقنا حولاً حولا

لا أخشاهُ

لا أخشى عدواهُ

أيّاً ما كانتْ بلواهُ

لكني أخشى فقداني في عزِّ هواهُ

أخشى الضجّةَ في السطحِ العالي

حيثُ الأرضُ تدورُ

مثلَ اللولبِ في أجسادِ الموتى

تركونا نبكي

نطلبُ نجواهمْ

ونزورُ شواهدَ مثواهمْ

أُفٍّ يا ليلُ !

 

4 ـ حصارُ الأحزان

الصوتُ الأعلى يبقى صوتاً علويا

يتحدى ويُحاصرُ أحزاني

من شرقِ الجبِّ القطبيِّ لأخرِ بئرٍ في الدنيا

هل يتمددُ ناقوسُ الحظِّ المتعثرِ بين خطوطِ الكفِ اليسرى واليمنى

أو يتشكّى مُحتجّا

مما يجري للناسِ زمانَ مناسكِ صكِّ الغُفرانِ

 يتحدونَ الخطَّ الأقصى

أحمرَ لونا

حتى في موجِ بحارِ الظُلُماتِ

لا ندري كيفَ تُحاصرنا آمالٌ لا ريبةَ فيها

تأتينا فجرا

تسألُ عنّا

تُطلقُ صفاراتِ الإنذارِ

الموتُ يحاصرنا أشباحا

في عزِّ النارِ وبردِ صقيعِ الأقطابِ

لا مهربَ منهُ

لا الطبُ يُخففُ لا مِشرطُ جرّاحِ

إخترْ موتكَ قبلَ صياحِ الديكِ الغجريِّ الفجري.

رحلوا ...

ماذا تركوا من بعد الترحالِ

تركوا ذكرى

تنعقُ فيها غربانُ اللوعةِ والشؤمِ

وفراغاً لا يفهمني

لا أسمعُ فيهِ صوتا

سدّوا الأبوابَ وناموا .

 

5 ـ هل مات كلكامش؟

هل كُتبَ الموتُ على كلكامشَ أيضا

أمْ أنَّ الطاغوتَ استثناءُ

وقرارُ الموتِ قرارٌ فضفاضُ

يأتي أو لا يأتي شأنٌ ثانِ

لا يخشاهُ الطاغوتُ ولا يبحثُ عن حلِّ

الموتُ فِرارُ

هل أكسرُ شوكته أمْ أكسرُ مرآتي

لا أكسرُ شيئا

لا مرآةً لا أنفا

فيها أسلافٌ غابوا ...

ما زالوا أحياءَ

صعدوا لكني لم أصعدْ

فضّلتُ الهجعةَ في طاحونِ الدارِ

فضّلتُ الظُلمةَ في النارِ

لا أفقهُ ما يجري من حولي

مُحتارٌ جدّاً في أمري

ماذا سأقولُ لأهلٍ عبروا البرزخَ قبلي

تركوني في الدنيا مقصوصَ الأصلِ

مكسورَ الخاطرِ والعلّةُ في صدري

طعمُ الغيبةِ مُرٌّ مُرُّ

واصلْ كابوسَ الموتى

الموتُ ثقيلُ

يحملُ لي أخبارَ الأهلِ

يُنسيني دمعةَ مَنْ غابوا

تركوا جُرحاً مفتوحا

تركوا ذكرى

إنهضْ واحملْ تابوتكَ فوقَ الأكتافِ.

 

6 ـ الآتي

لي فيهِ شأنٌ ثانٍ

شاركني فيهِ

أو دعهُ ينتظر المغلوبينِ

ينتظرُ الفجرَ الآتي قبلَ أوانِ الفجرِ

يوماً يوما ... ساعاً ساعا

يتقلّبُ فوقَ سرير الحُمّى

يُحصي ما لا يُحصى عدّا

ينتظرُ المجهولَ الآتي .. قد يأتي

الصوتُ قريبٌ

أدنى ممّا بين القوسين

فتمهلْ لا تستعجلْ

لا تذرفْ دمعا

الآتي يأتي حتما

مهما كان الخطبُ كبيرا

أنزلْ صورَ الموتى

الحائطُ لا يكفي

يتكلّمُ لا يبكي

لا يقرأُ فاتحةً لا يحفرُ قبرا

لا يشهدُ أنَّ الموتَ رهيبٌ حقّا

أنزلها

جدّدْ أُطُراً صدئتْ حالت لونا

 

7 ـ الصور والرؤيا

جُدرانُ البيتِ متاحفُ لوحاتِ الأقدارِ

تتكاثرُ عاماً عاما

فيها مَنْ فيها

أحسبهمْ أيقاظاً أحياءَ

خبّرني:

أفلمْ أبلغ شأوي حُرّا

أتناسى .. أسلو .. ألهو .. أتغاضى

أكتمُ أنفاسي

لا أخشى إعياءَ

الصوتُ الصِرفُ قنابلُ تفجيرِ الإرهابِ

في الظلمةِ أقوى أضعافا

أكشفهُ وأُغطي أطرافي

فإلامَ أُقاسي

وأظلُّ أُقاسي حتّى تتقطعَ أنفاسي

سلّمتُ أموري للقاصي والداني

للقابضِ مفتاحَ الريحِ وفردوسِ الأرواحِ

أنْ يرحمَ داراً جمعتهمْ يوماً أحياءَ

ضربتْ كفّاً فيها أعلاهمْ شأنا

صر ختْ (ما هذي الفوضى)؟

شافتْ رؤيا

ما أقساها من رؤيا

في تلكَ الليلةِ ماتت أُمّي

هذا تأويلِ الرؤيا ! 

 

8 ـ ما بعد الموت

(لا أرفعُ صوتا)

(لا أنطقُ حرفا)

 (لا أذرفُ دمعا)

(جدرانُ الدارِ تُفسّرُ أحوالي)

...

هَبْ أني

أكملتُ نِصابَ فروضِ مداراتِ الميزانِ

هل أنزلُ فيها أمْ ينزلُ فيها غيري

القبوُ المحفورُ ملاذُ أمانٍ

وعقاربُ شاراتِ الزمنِ المتحكّمِ في ساعاتِ الحيطانِ

هل أرفضها أو أُلقي أسلحتي وأُكسّرُ أقلامي

أحرقُ سقفاً لا يحميني

أمْ أُصغي للصوتِ الغارقِ في النومِ؟

ضاعتْ واأسفا ضاعتْ

تركتني أتخبّطُ عشوائيّا

أقضي وقتي في سالفِ ذكراها

أدمنتُ الذكرى حتّى صارتْ أقوى منّي !

 

 9 ـ النكبة الأولى

ضحّتْ من أجلي

حملتْ أتعابَ الدنيا

زارتني في شتى حالات الدنيا طقساً طقسا

كانت أمّاً ـ ربّا

جئتُ الدنيا مولودا

أُمّي : هل من لقيا؟

غادرتْ الدنيا في أحضاني

لم تنطقْ حرفا

لم تفتحْ عيناً أو جفنا

لم تطلبْ شيئا

رحلت أمّي في المستشفى

 

10 ـ النكبة الثانية

يرتادُ المقهى

شيخٌ ـ شّبحٌ خانَ وغادرَ مأواهُ

هل أشكوهُ أمْ أشكو منهُ

هل يُجدي أنْ أشكو

تُخفي الظُلمةُ ما لا يُحصى

أخشاها

أتكلّمُ لا أسمعُ نجواها

فيها أحبابٌ غابوا

كانوا في الأوجِ تحيةً وسلاما

أتمنى رؤياهم أمواتاً ـ أحياءَ

فالموتُ غيابٌ موقوتٌ

مرحلةٌ فيها يرتاحُ الإنسانُ .

 

  

نفوسٌ منْ تَنافسِها اسْتغاثتْ

فصارَ النهجُ بُهتانا وغُلاّ

 

تثنّى كلّ موجودٍ بإلاّ!! / صادق السامرائي

 

تثنّى كلّ مَوجودٍ بإلاّ

وقدْ قبَضَتْ على كُلٍّ بكلا!

 

مَماتٌ في حياةٍ أمْ حَياةٌ

إذا وَجَبَتْ على مَوتٍ تولّى

 

سَتلقى حينَ تُقرنُها بيَبقى

حَياةً غادرتْ فيها ووَصْلا

 

فما خَفِيتْ عن الأذهانِ حالٌ

تُداولها مَقاديرٌ فَتُصْلى

 

كذا دارتْ بمَخلوقٍ وخَلقٍ

وكمْ حَمَلتْ مَوازينا وثُقلا

 

وما تَعِبتْ من التبْديلِ يَوْما

ألا بَعَثتْ بها نَفْسا وعَقلا

 

هيَ الأفكارُ مِنطادُ اكْتِناهٍ

تُسابقُ طائرا يَسْعى لأعْلى

 

وتكْنزُ طاقةً مِنْ ذاتِ كَوْنٍ

تُكوِّنَ مَجْدَها حتّى تَبَلّى

 

وإنّ التربَ مُنْطلقُ انْبِعاثٍ

وإنّ الروحَ مِنْ مَددٍ تُوَّلى

 

وما كسَبَتْ بمَسْعاها سَتلقى

لأنَّ التُربَ في ترْبٍ تَجلّى

 

وإنّ الحيّ منْ حَمأِ الثريا

ثَرى أثْرى فصارَ التُربُ أغْلى

 

كأنّا في غياهِبها نِياما

فكانَ الصَحْوُ برّاقا مُضِلا

 

نفوسٌ منْ تَنافسِها اسْتغاثتْ

فصارَ النهجُ بُهتانا وغُلاّ

 

وعنْ أملٍ بهِ الإنسانُ يَحْيا

تُحدّثنا سَراباتٌ بأحْلى

 

أطالَ الله أعْمارا بأمرٍ

يُدبّرها فأبْلى ثمّ أخْلى

 

وما دامَ الترابُ بها كَنوزا

فما أبْقى لنا رَسْما وظِلاّ

 

نُسابقُ رقدةً بهوى امْتدادٍ

لحانيةٍ عَشِقناها مَحلاّ

 

كأشْجارٍ بما وَهبتْ سَتَبقى

مُعاندةً بها مَوْتٌ تَسلّى

 

فتعطي جُلّ ما فيها وترقى

بقادرةٍ تزيدُ الأرضَ حُلاّ

 

وصابرةٍ إلى الإصْبارِ تاقتْ

تفتّقَ وَعْيُها حتّى تقلّى

 

براعِمُ وَمْضَةٍ مِنْ كُنهِ كنهٍ

تخبّى في كوامِنها بهَلاّ

 

فأدْرانا بما بَصَرَتْ وأبْدَتْ

فدامَ الجَهلُ سُلطانا مُذلاّ

 

تُحدّثنا النفوسُ كما اسْتطابتْ

تُخادِعُنا فتُلْبِسُنا المُعِلا

 

كأنّ المَوتَ أحلامُ ابْتداءٍ

وإنّ الحيّ مُرْتَقبٌ تمَلّى

 

د. صادق السامرائي

........................

من وحي ما كتبه الأستاذ يحيى الرخاوي عن الموت!!

 

 

القبس المنسكب من الرماد

مخاض الضوء

اغتاله الدفء السائب

 

ريثما تتناسل زهرة الصبار / بن يونس ماجن

 

ريثما تتناسل زهرة الصبار

وتقتات من عسل البراري

وتتمرغ في فقاقيع السراب

2

يمتطي الملاح صهوة الزوابع

أشرعته الزاحفة

نحو الطوفان الازرق

3

سقسقات الطائر

أزعجت الشجرة

فاصفرت اوراقها

4

القبس المنسكب من الرماد

مخاض الضوء

اغتاله الدفء السائب

5

سمروه على قطعة فولاذية

فظل يذوب

تحت لهيب المطرقة الخشبية

6

خرائب الحرب

جحافل بشر بلا رؤوس

تحوم حولها قطط الخلاء

7

غواية الخصلات الذهبية

وهج الليالي الحمراء

شمعة محتضرة

8

متوسدا أحزانه

على ارصفة التيه

يدور في محور لا قرار له

9

يفتش عن جثته في الرمال

ثم يحمل نعشه

الى مقبرة نائية في البحر

10

قبل اسدال الستار

وجب ترميم ثقوب في السحاب

كي لا يتناثر تحته الرذاذ

11

المشي بمحاذاة الريح

لا يضمن  لنا بتاتا

الركض بالاتجام المعاكس

 

بن يونس ماجن - لندن

فقري إليكِ عريقٌ يضيءُ ايامَ التهجدَ الصامتَ تحتَ أجفاني يترقرقُ رحيقُ أنفاسكِ مستوحشاً في ضجيجِ غابةٍ الحزنُ فيها أشجارٌ تتسلّقُ الذاكرة تنامُ الأحلامُ لأجلِ اللقاءِ تعلّقُ التصاويرَ على الأغصانِ أجراساً تمزّقُ ثلج القناديلِ توقظ ُ تنكّرَ المسافاتِ البعيدةِ تتجملُ تيمّناً بـ إنتهاءِ الحروب وتورّدَ التفاح في سلالكِ العذبةِ المليئة بالفجرِ يتلألأُ خجلاً على ضفافِ دجلةَ المتجمدَ بارواحنا المنسيّة فصولُ قطافها طينهُ الحُرَّ يشكّلُ هجرتها الأزليّة تلعبُ العصافيرُ خلفَ جدرانها الأسمنتيّةِ فـ يتقهقرُ الصباحُ الموعودَ في حقائبِ الرحّالةِ الخرافاتُ الجديدة رانتْ على صحراءٍ لا تعانقُ الأمطار توهّم إتساعها تسعى بينَ أيديهم مجنونة تطوّقُ أيامنا المشتعلةِ بـ هوسِ الحنين المشرئب على أصابعِ الأمنياتِ تلوّح تنتظرُ طوفانَ عشق ابيض يرزحُ تحتهُ الليل مدن الحزنِ تفيضُ حاراتها يغمرُ حرئقها المزمنة مهشّماً عروشَ الخوف .

 

بقلم: كريم عبدالله

بغداد / العراق

جدي كان إنسانا هادئا، لا يتكلّم أبدا لمجرد الكلام. وجهه كان يشعّ بابتسامة عذبة، وملامحه تنم عن هدوئه الداخلي النادر. أحيانا، كنت أراه في أزقة القرية، حين كنتُ ألعبُ مع صديقاتي، بمعطفه الكحلي الغامق وقبعته الشركسية السوداء، يمرّ بقربنا. لم يكن يقول لي شيئا، ولكن ابتسامته الواسعة كانت تقول لي كل شيء.

جدي لم يكن يغضب مني أبدا، حتى عندما كنتُ أرقد بجانبه على السرير، أمسك بأصابعي أذنه اليمنى، أشدّها. كان ذلك يريّحني كثيرا. كنت حينها في الرابعة أو الخامسة من عمري فقط. ولكن أمي كانت تغضب مني، تمنعني من فعل ذلك وتقول إن ذلك يزعج جدي، رغم أن جدي لم يتذمّر أبدا ولا قال شيئا عن ذلك ولا مرة واحدة. كان دائما يدعني أمسك بأذنه.

الناس في القرية1 كانوا ينادون جدي «تشركسا» (يعني الشركسي). جدتي أخبرتني أن ذلك لقبٌ انتقل إليه من والده. في تلك الأيام، لم يكن مقبولا عندنا في القرية أن تنادي المرأة زوجها باسمه. لذلك، كانت والدة جدي تنادي والده «تشركسا»، وانتقل اللقب إلى جدي.

بيتنا، أي بيت جدي وجدتي، الذي كنا نسكن فيه حينها، كان  في الناحية الجنوبية من المسجد، ليس قريبا جدا منه، ولكن ليس بعيدا أيضا. البيوت الأولى في القرية بُنيت حول المسجد بشكل دائرة. مع مرور السنين توسّعت الدائرة. كانت البيوت مبنية من حجارة البازلت السوداء ومسوّرة بجدران عالية. الأزقة كانت ضيّقة وجرّار جدي بصعوبة مرّت بينها. حول القرية، في أطرافه البعيدة كان هناك شوف2.

جدي كان مزارعا. كل يوم، في الصباح الباكر، كان يخرج إلى الشوف للعمل ويحضر معه الخضار: بندورة، خيار، ملوخية، لوبيا، بطيخ، عنب... حسب الموسم. كانت له دكانة صغيرة في البيت يبيع فيها الخضار. في تلك الأيام، لم تكن الخضار والفواكه متوفرة بكثرة في الدكاكين، كما في أيامنا، حتى أنه كانت هناك دكانتان اثنتان فقط في القرية. كل يوم، عند اقتراب موعد عودة جدي من الشوف، ازدحمت حارتنا بنساء القرية أو بناتهن في انتظار جدي.

لجدي كان جرّار أخضر مع عربة. كان يملأ العربة بالخضار ويعود من الشوف عند اقتراب العاشرة والنصف. أحيانا، عندما يتأخّر، كنا أنا ونادية، صديقتي، نخرج من الحارة باتجاه  الشوف، نجلس على سور أحد البيوت، نتأمّل في الناحية التي سيعود منها جدي وننتظر أن نلمح جرّاره الأخضر. وعندها، كنا نركض بسرعة إلى الحارة لنزفّ الخبر السعيد إلى الجميع.

«تشركسا عائد!» كانت النساء يبشّرن بعضهن البعض ويتأهّبن للهجوم على العربة،  ومن ذهبت لوهلة إلى بيتها لسبب ما كانت تسرع في العودة. كان جرّار جدي يدخل مبطئا إلى الأزقة، والعربة من ورائها ممتلئة بالخضار، يشقّ طريقه نحو البيت.

لوبيا كانت الخضرة الأكثر شعبية في موسمها، في الصيف، مثلها مثل الملوخية. من تأتِ أولا تأخذ أولا ومن تبقَ في البيت ولا تنتظر جدي لم تكن لتحظى باللوبيا أو الملوخية. بطيخ جدي كان لذيذا جدا ولا يمكن إيجاد مثله اليوم في أي محل.

عندما كبرتُ قليلا، كنا نذهب أنا ونادية إلى الشوف ونلعب تحت السقيفة الصغيرة التي بناها جدي هناك. أمي لم تكن تعارض ذهابي إلى هناك، رغم أنه كان بعيدا قليلا عن بيتنا، لكن، ليس بعيدا جدا من آخر البيوت، ولكنها كانت تمنعني من الابتعاد من هناك نحو طريق السجرة3. هناك كان يوجد دَيلا خان4. ذلك المكان، الذي سمعتُ عن وجوده هناك مرارا وتكرارا من أمي لطالما أثار فضولي.

وبعد ظهر أحد الأيام، عندما كنا أنا ونادية نلعب في الشوف، اقترحت نادية: «ما رأيك أن نذهب إلى دَيلا خان؟» لو كنتُ وحدي لم أكن لأجرؤ حتى على التفكير في ذلك حتما، ولكن مع نادية أحسستُ بالأمان، حيث أنها تكبرني بعامين، وكانت دائما واثقة من كل ما تقوله وتفعله. كنتُ أراها قوية ومثلي فضولية لرؤية دَيلا خان ومن يعيشون فيه.

«ياااه كم أريد أن أرى المجانين. ترى، كيف يبدون؟ وماذا يفعلون هناك؟» قالت نادية.

«يووو! وأنا أيضا! أنا أيضا أريد أن أراهم.» قلتُ لها.

من حولنا امتدّت مساحات شاسعة من حقول الزيتون، اللوز،القمح والشعير. الريح صفّرت في آذاننا وصفعت وجهينا. مشينا... تحدّثنا قليلا، مشينا كثيرا... ولم يعُد هناك الكثير من الكلام. ابتعدنا عن القرية كثيرا. أمامنا انحدرت الشمس إلى مغربها، وراء الجبال، ولوّنت السماء بالأصفر والأحمر. في داخلي تعجّبتُ إن كان باستطاعتنا أن نصل البيت قبل المغرب.

بقينا نمشي ولم نتكلّم.

فجأة، من بعيد، تجلّى أمام أعيننا جرّار اقترب منا أكثر وأكثر. كان ذلك جدي. توقّف ونظر إلينا بنظرات التعجّب.

«إلى أين أنتما ذاهبتان؟» سأل، ولم ينتظر الإجابة. «هيا، إركبا.»

ركبنا الجرّار وجلسنا في المقعد الخلفي وراء جدي. شعرتُ بالارتياح للعودة إلى البيت مع جدي. نادية كانت هادئة  أكثر من العادة. لم تنطق بكلمة. فقط ابتسمت.

حين وصلنا إلى البيت، لوهلة، خفتُ أن يخبر جدي أمي بما حدث. نظرتُ إليه حين هبطتُ من الجرّار وهو ابتسم لي كما دائما ولم يخبر أمي أبدا.

مرّت سنون كثيرة منذ ذلك اليوم، وجدي لم يعُد بيننا، ولكن، كلما غمرتني ذكراه، وملأت قلبي بالشجن والحنين، ورأيتُ في عيون قلبي ابتسامته، ومض في ذاكرتي سرُّنا الصغير الذي لم يخرج أبدا بيننا ولم يعرف به أحد سوانا... أنا وجدي.

 

حوا بطواش

.....................

1- هي قريتي كفر كما في الجليل الأسفل في فلسطين، قرية صغيرة سكانها من الشركس.

2- شوف- (بالشركسية) حقل.

3- السجرة- قرية فلسطينية كانت تقع غرب القرية هُدّمت وهُجّرت خلال النكبة عام 1948.

4- دَيلا خان- (بالشركسية) دار المجانين.

 

 

عندما صفع الباب سمع زوجته تقول فى صوت واضح، يبدو أنها حرصت هذه المرة أن يسمعه جيدا: روحة بلا رجعة . فكر أن يعود على الفور ويصفعها على وجهها، لكنه تراجع، فكر لأول مرة بجدية ألا يعود إليها، تلك العجوز الشمطاء، العجوز التي تزوجها لعلها  تنشله من حياة الفقر التي قهره منذ مولده .

نزل من البيت الكائن على أطراف المدينة، المعتمة الآن بعد قطع التيار الكهربائى والذى  سيستمر لثلاث ساعات طبقا لجدول انقطاع التيار المعلن على القناة المحلية، كانت الساعة الثامنة مساء ولم يسبق له أن نزل من بيت الشمطاء فى مثل هذا الوقت، حاول أن يهتدى إلى موضع خطوه عبر أضواء النجوم القليلة المتناثرة فى السماء البعيدة، لمح من مسافة غير بعيدة ضوءا، لعله كشاف يدوى أو مصباح سيارة متوقفة، عندما اقترب وجد مقهى مضاء بماكينة تدار بالبنزين، كانت الماكينة تصدر صوتا مزعجا، مما جعله يعدل عن فكرة الجلوس فى المقهى، لكنه لام نفسه، فهو يعرف هذا الشارع جيدا، كيف له أن لا يرى هذا المقهى من قبل، فكر أن يعود ويتحقق من الأمر، ساوره الشك اذا ما كان ما يراه  الآن حقيقة أم خيال ؟ خطر له أنه مكان مسحور وليس هناك من مقهى، ربما خطر له ذلك بتأثير قراءته هذه الأيام فى كتاب ألف ليلة وليلة، وحكايات السحر، كل هذا بسبب العجوز الشمطاء، شعر بأن هناك من يتعقبه، تخيل زوجته وقد سحرت كلبة أو صفدعة تتعقبه فى الطرقات باحثة عنه، التفت وراءه فى وجل، ربما تتحقق أمنيته، فلم ير شيئا سوى الظلمة الخانقة، شعر بسخونة فى قدميه، ثم شعر بهذه السخونة تسرى فى جسده وتصعد الى وجهه، تذكر نفسه وهو صغير يخاف الظلمة والعفاريت، فضحك فى نفسه وقال : أتخاف يا ولد وأنت تقترب من الخمسين ؟ لكنه بدأ يشعر حقا بالخوف، فكر أن يعود إلى البيت ويعتذر لها، لكنه خشى أن تغلق فى وجهه الباب ولا تسمح له بالدخول، فكر أن يعود إلى المقهى ويجلس هناك إلى أن تعود الكهرباء فى الحادية عشرة، إلا انه لم يفعل شيئا من هذا أو ذاك، وقف حائرا وسط الطريق،وانتابه شعور بإنه على وشك السقوط على الأرض، ربما يصاب بغيبوبة السكر فيسقط وسط الظلام،و تأتى الكلاب و تنهشه، و يصير عنواناً لمانشيت الصحف: رجل تطرده زوجته وسط الظلام، فيسقط ميتاً فى الطريق، الكلاب الضالة تنهش جثة رجل وسط الظلام،عند هذه اللحظة سقط الرجل بالفعل و لكنه لم يسقط مغشياً عليه كما توقع، سقط الرجل فوق مقعد وجده على جانب الطريق، من الواضح أنها محطة حافلات، جلس وأسند ظهره للمقعد و راح  فى غفوة  على الفور دون أن يأبه به أحد من المارة أو حتى من جاء و جلس بجواره .

عندما صحا من غفوته لم تكن الكهرباء قد عادت بعد، و لكنه وجد بجواره كلباً، كلب يجلس بجانبه فوق المقعد، جفل قليلاً و أقشعر بدنه، وعند ذلك خطر فى باله أن هذا الكلب ليس كلبا حقيقيا بل كلبا مسحوراً، لعله أميرة سحرت كلباً، ووجد نفسه  رغم الخوف يلمس الكلبة فى رفق، ربت عل ظهرها فى مودة، ويا للمفاجأة انتفضت الكلبة و تحدثت إليه فى صوت بشرى جميل :

-  أشكرك، هل يمكن أن تقبلني؟ .

لم يدهش الرجل و ظن بالفعل أن هذه الكلبة مسحورة و إنه إذا ما قبلها ستتحول إلى أميرة جميلة و سوف يتزوجها و يبتعد إلى الأبد عن العجوز الشمطاء القابعة فى بيت على أطراف المدينة، قبل الرجل الكلبة، فتحول على الفور إلى كلب، وعند ذلك قفزت الكلبة وعوت :

- يا حبيبى، منذ مدة طويلة و أنت مسحور .

ثم أضافت فى سعادة :

- أخيراً تمكنت من إنقاذك .

" انتهت "

 

قصة قصيرة

د.محمد عبدالحليم غنيم

 

النارُ تُداعِبُ مِقْعَدَةَ القِدْرِ الأسوَدْ

وصغيري ذو الغمّازةِ

الحُلْوِ كَقِطْعَةِ شِعْرٍ..

 

ممّا رسبَ في قَعْرِ الذاكرةِ من أسطورة الكراميل البرّي

 

وأَلوذُ بكَ اللهمَّ

أَجِرنِي

من شرِّ الأسرَارِ الطيّعَةِ اللَدِنَة!

ما زالت تَنْفجُ في الفَجْرِ قَميصَ الكَرَمِلِّ البَرّيْ.. أربَعَ بَلّونَاتٍ

تتَراقَصُ فِي العيدِ الثّانِيْ لِجلوسِ البُنّيِّ المَحْروقِ عَلى عَرشِ الألوانْ

مَا زَالت تَلْعَقُ في الصُبْحِ حَواسَ التّلمِيذِ السّكرانِ.. ومَا زَالَت

تًحْشُو في الليلِ جيوبَ سَرَاويلِ الوَلَدِ السّكرانِ

بِمَا عَنّ لَهَا مِنْ نيرانْ

...

وَأَلوذُ بكَ اللهمَّ

أَجِرنِي

من شرِّ الأسرَارِ الطيّعَةِ اللَدِنَة:

ما زَالتْ تَلْهُو

بِلُعَابِ الرغبةِ..

فِي حوشِ الجِيرانْ!

***

من بين دواوين الدنيا

دونَكَ قافيةً..

وُلِدَتْ

من رَحِمِ الغفوة..

وتربّت

في كَنَفِ الحُلمِ

العابِر..

دونَكَ

أطولَ عُكّازٍ في العَالم!

نَحَتَتْهُ أناملُ إحدى الوَسنَاتْ..

من خَشَبِ الأَرَقِ الأصليّ

الفَاخِرْ

هيّا

(خَلّصْنَا)

وتَعَالْ

يا (عمّ الفَجْر الأعرجْ!)

اخرُجْ

من ذاكرةِ الموتِ

إلى أنصاركَ..

فالظاهرْ

أن القمرَ المنسيَّ قَدِ استملَحَ وَجْناتِ التّرَفِ المُتَنَكّرِ في زِيّ قُرنْفُلَةٍ سَهْرَى

والظاهرُ أن النجماتِ،

وإذ تَنْكبّ عَلى ما يَترَسّبُ مِنْ نَزَقِ السُكّرِ في قعرِ اللحظة،

واثقةٌ..

مِنْ أن خَطَاياها الدَبِقَة..

ستذوبُ

وتنزلقُ

الآنَ

إلى

قاعِ

الروحِ

تشيّعها..

لعناتُ بَنِي الحظِّ العاثِر

...

ما ضاقَ بنا وطنٌ

إلا وسعتْنا..

أوردةُ الوَيلْ

.....

في كلِّ الأحوالِ:

سُررتُ برؤيتِكَ.. الليلة

ألقاكَ غدًا

إن شاءَ اللهْ

يا (سَيّد لَيْل!)

***

فإذا دَوّى البابْ..

جَفَلَ الغَبَشُ النائمُ تحتَ عَرِيشِ اللهْ

وتطايرتِ الضحكاتُ الطازجةُ

(السمراءُ)

بعيدًا..

عن متناولِ

سُكّانِ الأنّةِ

و(الآه)

لو قلتُ لها:

أستودعكِ الشمسْ..!

ستُضِيْع الشمسُ ودائعَها

وأَضيعُ

كزقزقةٍ..

معها

لو قلتُ لهم:

أترككم..

بمعيةِ رائحةِ القهوةِ

أو ما عَلِقَ اليومَ بِكَفِّ النسْمةِ

مِن همساتْ..

..

مَنْ يَنْشلُنا..

مِن داخلِ

كُوبِ الصرخاتِ؟!

....

وَمَن يُحيي ذكرى

عصفورٍ ميّت؟!

من يلقي

في الموقدِ ريشَهْ

أو ينثر

حَبًا في الجَوْ

عند مسارات (المرحوم)

في زمنٍ

سُجِّيَ للتَّوْ؟!

..

مَن ينْصب صِيوانَ عزاء

مَن يُلقي

كِلْمَة تَأبين

في الذّكْرَى الأولى..

بعد السّبعين؟!

***

وتنامُ.. تقومُ

تَدومُ

عَلى وَقعِ العَودِ الأبديِّ

وتمتَدُّ

فَتُثبتُ

ما لا يُثْبَت

أو تَنْفِيْ المَنْفِيَّ

تُغلّفُ بالرّعشَةِ ظلاً

يَ

تَ

دَ

لّ

ى

من عُنُقِ الشجرة..

تَتَعَاطَى دُخّانَ الصّمْتِ

بِرَفْقَةِ بَعْضِ الأَصْدَاءِ الهَشّة..

وبما أوتيتَ من الحكمة..

ستلوكُ

على مهلٍ

آخر طيفٍ لَبَنيْ

....

وأنا، في الواقعِ، أعلمُ أن الجَفْنَ المتربّصَ دومًا بفلولِ العشاقِ الجوعى

لن يأذنَ لي..

بِمُصَافَحَةِ العَسَلِ الغارقِ

في عَينْيهَا

...

لكنّي

أربأ بالعطرِ

عن الموتِ

بِسيفِ (العَبَثِي!)

***

النارُ تُداعِبُ مِقْعَدَةَ القِدْرِ الأسوَدْ

وصغيري ذو الغمّازةِ

الحُلْوِ كَقِطْعَةِ شِعْرٍ..

لمْ يَبلغْ

سِنَّ الغَلَيَانْ

حَبوًا..

يَمْضي

حتّى آخَر حَرْفٍ فِي اسْمِهْ

مُشْتَملاً

بِغُبَارِ اللثغاتِ الغضة..

هَوَسًا..

سيعودُ إلى لُغَتِي

ممتطيًا

صَهوَ النسيانْ

..

أمّا الآنَ..

وبعدَ اسْتِتْبَابِ الأسْطورةِ

فِي أرْضِ الهَذَيانِ

فليسَ أمَامِي

إلا أنْ أنتفَ شَعْرَ الوقتِ الأشيب..

وأوقعَ بِاسمِي الخَمْسينَ

على فَخْذِ الصيفْ

ثمّ أطير إلى (سوفَ)

عَلى متن (إذا)

لأؤكدَ للمَوتَى المُبتعثينَ إِلى الخَارِجِ من أجل دِرَاسَةِ أَلوَانِ الغَيبْ..

أنّ الفَرْقَ

نَحِيلٌ جدًا

بينَ (كَذَا وكَذَا)

وَ(يقولُ العراف!)

...

وتقولُ الأسطورة

إن الغمازةَ

قد سقطت سهوًا

من خدِّ صغيري

(لكن،

ولحسنِ الحظ،

لم تُصبِ الضحكاتُ

بأي أذى)

..

وتقول الأسطورة

أيضًا

إني استحلبتُ الكرَمِلّ البرّيَّ

طويلا

حتى صارَ لساني

سوقًا شعبيًا

يَشتهرُ اليومَ ببيعِ الصمتِ

وتحديدًا

الصمت البُنّيّ..

الجاف

 

حاتم الأنصاري- السودان

 

اكو ناس لا تخاف ولا تستحي وما عده ضمير

دخل العم وجدان وهو بحالة لاتسر الصديق متعبا، لاتفارق السيكارة فمه، وهو يردد عمي تره مايصير هجي، (الله) و (القانون) والـ (سواني) ضد المره !!!

ساله من في الديوان ..  شنو القضبه عمي وجدان شبيك اليوم، وشبيه المره ؟؟

عمي من يريد واحدنه يزوج ابنه يتعنه لبيت ابن حلال ويطلب ابد بنته لبنه، وياه حشد من أهل العمايم والعگل مشايه وهم يطلبون موافقة ولي أمر البنيه على زواج بنته من ابنهم، ويسووله الهور مرگ والزور خواشيگ .... وأم الولد تحير شتسوي حتى تحصل موافقة أم البنيه والبنيه ...

لكن بعد ما يطيح الفاس بالراس، تشتغل المشاكل بين البنيه العروس الجديدة وبين العمه والحماه وما داير مادايرها .... والعريس صور الله عليه مثل الاثول مايدري شيسوي، يصير ويه مرته لا هاي عيب فشله والمره شنه قيمته، عليه تخدم وتتحمل الاهانات والرزاله بطيب خاطر، وماتفك حلگه ويه العمه والحماه، واذا ما عجبه تولي تروح لهله، لو سويله خط طلاگه وسرحوهن بالمعروف عله گولت أهل العمايم الگاعدين بصف سور المحكمة متحضرين لكسر ارگاب المسكينات وإصدار حجج طلاگ ويسمي نفسه مجاز من المحكمة الشرعيه ....!!!

وبها الوضعيه تكون البنيه هي وبزرته الضحيه ...

لا المجتمع يرحمه وينتصرله ويگول ياعالم تره هذا ميصير حرام

واهل العمايم يگلك عمي هذا ابغض الحلال ... بس هاي هيه العصمه بيد الرجل واذا ماراد يطيه المعجل والمؤخر اقساط حسب المقدره وتروح لهله وياه خلفته !!!

والقانون هم من راي الدين والشريعه، يگلك العصمه بيد الرجال خلص ماايريده يطيه حاضره وغايبه حسب امكانيته، ويجر نفقه فلسات للزعاطيط !!!

عمي من سود الله وجوهكم هاي المسكينه بيش مطلوبه وتتحمل كل هذا الظلم، يگضي وطره وياه ويخلف ويوديه لهله مكسورة الجناح والخاطر، ويرح اجيبله امه مره جديده

والله لالعن ابو هيچ شريعه لابو هيچ سواني لابو هيچ قانون ...لكم هذا ظلم وكفر ومو انسانينه، وما يورث غير السقوط والفساد والضياع لكل الاطراف ...

... عمي وجدان وانته شجايبك عله الموضوع الحارگ اعصابك ؟؟؟

والله عمي الحارگ اعصابي هذا الي گاعد نشوفه ونسمع بيه ونقراه عن مايصير بمجتمعنه هالايام، منا نسمع فلان وفلانه ازوجوا وبعد فتره تسمع فلان وفلانه اطلگوا لان أهل الولد ما يريدون البنيه، لا يمنعهم شرع ولا سواني ولا قانون !!!!

وهاكم اقروا هذا الكتبه ابن الاچاويد (فيصل العايش) بجريدة الزمان في 16-2-2017 حول حالات الطلاگ ومصايبه بهل الأيام

(ولعل دوائر القضاء الإداري كانت محقة عندما أعلنت عن زيادة غير معهودة في نسب الطلاق بمجتمعنا قد تفوق ربما حالات الزواج، فهل يعقل إن شهراً واحداً يشهد أكثر من خمسة آلاف حالة طلاق وتفريق بين زوجين، حين استشرى الخلل الأخلاقي في صفوف الكثيرين من الشباب واستسهال الطلاق عوضاً عن معالجة الأمور لكي لا يقع ابغض الحلال ويعيش الصبية الذين هم نتائج هذا الزواج حياة مأساوية لا تنفع معها أية حلول.

ما ذنب طفل رضيع لم يتمكن بعد من السير على قدميه أو طفلة مازالت في الصفوف الأولى من مدرستها إن تكون ابنة لأبوين مطلقتين غير عابئين بمصيرها وبمستقبلها ودون التفكير بما يمكن إن يؤول إليه حال هؤلاء الأطفال من أبناء المطلقات، فلو حسبنا إن نصف هذا العدد من المطلقين لهم أبناء وبنات فأن هذا يعني إنتاج جيش كامل من الأطفال فاقدي الأبوين تأخذهم الحياة دون رحمة الي دروبها الوعرة وفي مسالكها الشائكة ويكونوك ن آخر المطاف عالة على المجتمع الذي لاستطيع إن يوفر لهم شيئاً مما ينبغي إن يتوفر لهم من التعليم والرعاية الطبية والسكنية والغذائية).

زين برأيك شنهو الحل حتى على الأقل نحد من هاي الظاهرة الخطيرة فعلا :-

أولا :-عمي لازم ما نمشي يه خطاب لبنت الناس الا نكون كفلاء لحق الطرفين مو نشرب الشربت ونذبنه حچايتين وفيمانلاه، ونكل للعايل عايل اضبط روحك هاي الشغله مو لعب زعاطيط . وانته رجله لا زم تصير رجل بحق وحقيقه وتتحمل المسؤولية وبناء اسره وبيت، مو تطبگ ويه امك يو اختك بالباطل ...

الثانيه \عله (المومن) ما يطلگ المر هالا بحضوره وموافقته، واذا ما موافقه لازم عند الطرف طالب الطلاگ عذر مشروع يحول دون استمرار الحالة الزوجية كالخيانة الزوجية لا سامح الله مثلا، مو يوزع خطوط مقابل كم فلس من هذا يو ذاك ويكسر ارگاب بنات العالم باسم الشريعه ...

الثالثه \ على القانون إن يكون شديد الحساب يه اليطلب طلاگ تعسفي غير مسبب بأسباب معقوله، واذا أصر عليه تحميل المخالف مضاعفة المهر المعجل والمؤجل لعدة أضعاف تصل الي عشرة أضعاف ولاتقل عن أربعة أضعاف وحسب درجة القهر التعسف المرافق للقضية . وتدفع فورا تصديق قرار الطلاق حتى يعرف المتعسف خطورة وكلفة ما يقدم عليه عسى ان يرتدع، ولو ان كل اموال العالم ما تعووض المره وابنه حنان الوالدين ورعايتهم ولكن شنگدر نسوي للماعنده ضمير، والله عمي صدگ (الكثوليك) عدهم حگ ...

ويلزم المتعسف براتب شهري للطفل مايقل 300-500 الف دينار قابل للزيادة والنقصان حسب الظروف الاقتصادية وصعود ونزول قيمة العملة حتى لا يضيع الأطفال بسبب لعز العاطفي والمادي .

عمي هذا الحچي حگ يوباطل، عمي الظلم هسبب كل الصار ويصير ويانه، وما اكو ظلم اشد من ظل الزوجه والام والطفل والمطلب من النسوان البرلمانيات إن يضمن صوتهن للمرة المظلومة ويشتغلن على إصدار قانون جديد يضمن حقوق المرأة ويحد من هاي الظاهرة السرطانية الخبيثة، وها ليسمونه منظمات حقوق الإنسان إن ما تظل ساكتة وملتهميه بالترهات ...

إما رجال الدين فعليهم الوزر الأكبر لان مايصير احد أسبابه سكوتهم وتبريرهم لتعسف لرجال باسم الشريعه ..

وعله الحكومة إن تسن قوانين حسب متطلبات الضعة المتغير، والبصير ألان يتطلب تشريعات جديده تحد من هاي الظاهرة الخطيرة ...

عمي الوضع ما ينسكن عليه ابد أبدا ....

فقال جميع من في الديوان والله عمي حجيك ذهب،ولا زم هل القضيه يصيرله حل وباسرع وقت . لان ماكو شريف وصاحب ضمير يرضه يوگع ظلم على ابنه وعله بنته وعله جهاله .

ش اطني جداحتك خل اورث جگارتي، والله عمي اكو وادم لاتخاف ولا تستحي ...

 

حميد الحريزي

 

 

مراكبي المحشّوة بالوجدِ

عشّشّت في موانىء الأرق

 يسيل على أشرعتها الضباب

 

رقصة القلق / فراس جمعه العمشاني

 

أغيثيني قبل زوال الملامح

قبل جفاف الذّكرى في ثمالةِ  الورد

 لا معاطف للهواء

حين ينغرس في جثةِ التاريخ

إلبسي ذبول عطري

قبل صعود الرّوح الى الغيم

لا ذنب للريح

حين تشبّعت بأجنحةِ المواعيد

إنتزعي تراتيلي

في أول الهزيع

لأنجو من هسهسةِ المواويل

لا تخلعيني من ثوبِ صبرك المبتور

أحلامي المجعّدة

تجوب أزقّة قوامك الناصع

يهتّز عود مراهقتي

كلّما غرست قُبلة جديدة

بين الضلوع

أقضم حفنةً من المطرِ

 أُبعثِرُها في الصدى

كل قطرة

 ترتق جرحاً

 تسكب بللاً

أو تسبح في الظمأ

يتوهّج مسائي الأخير

برقصة متخمة بالقلق

مراكبي المحشّوة بالوجدِ

عشّشّت في موانىء الأرق

 يسيل على أشرعتها الضباب

وأنتِ يا سيدة الغسق

يا أول القطاف

(إرجعي إلى قدح الأرتواء

فادخلي في سمائي

وأدخلي جنتي)

 

فراس جمعه العمشاني / العراق

ايتها الساحرة الحمراء

اناضل بفوهة الشعر

لعل المجد يحاصرني

 

التسول عشقا في عيد الحب / ايفان زيباري

 

هاهي حروف القمر

تنمو في

خليج عينيك 

ها هو الشتاء الحالم

يزهو في هاتين القصيدتين

كالقصيدة

تخترق افق المطر

تحبو نحو جدائل النسيان

ها انا

ايتها الساحرة الحمراء

اناضل بفوهة الشعر

لعل المجد يحاصرني

فوق

صدوع شفتيك

ها هنا

يقف الحب مرتديا مخمل العيد

يحاكي وجع رحيلك من دمي

يقتلع الزهر من احشائي

خائن هو حبيبتي

رجعي هو رفيقة الدرب

خارج عن سرب قصائدي

هذا المتسول الانيق في حضوره

المتصلب بالكبرياء في رحيله

اتذكرين

ايتها الحوراء المترنحة

 في (البكيني)

كنت متسولا واقفا امام جدرانك

متشردا ابحث عن الخلود

 في خيوط

فوضى نهديك

فعباب البحر لا يخفي

خفايا العشق بيني وبينك

كنت

متشردا فوق نوافذك

المزدحمة بالعطر والنبيذ

ثائرا كعادتي

لا اخشى النهايات

وهل

يخشى الرفاق من اعمدة الحب 

هم اقوى من العشق

وانا الرفيق

المطحون برماد الايام الخوالي 

المعتق في قوارير ملح الايام 

المجرد من هوية القاتل المقتول

فأي عيد هو

يا ناعمة الهمسات 

يا فاتنة النسمات

هذا الذي يسمى بالحب 

اي قلب سرمدي سيحتوي

نزيف رجولتي

النابض

باللقاء

بالوداع

لا عيد عندي يا عبق الارز

وانت

مهاجرة

مغتربة

حائرة

ضائعة

في امواج المتوسط 

لا عيد يجازف

بصهيل اللهفة دون

توقيعك

في اقصى اليسار

  

ايفان زيباري

شاعر وكاتب 

 

شريعة نهْــب المال أضحَــت مباحَـةً

نَـغُـضّ لَـهـا طَـرفاً ونَــسكُـتُ كُـلّــنـا

 

بيت الصفيح وقصر الجِنان / جواد غلوم

 

تَـــبَــدّدتِ الآمـــال يَـــأسَــــاً ونَــكْــسَــــةً

فــلا طَــربٌ يَــسْــلِــي ولا رنّــة الــغِــنــا

لَـيــالٍ مـن الأحْــزان عِــشْـتُ بِــغُــربَـتـي

وأيَّــام قَــهْـــرٍ تَـعْـتَـعَـتْ خـافِــقِــي هُــنـــا

وأيّ مَــكــانٍ كــان سَــــلْــوى ومُــتْــعَـــةً

وأيّ زمــانٍ ظــلّ سَــــقْــمـا مُــسَــرطَــنــا

إذا لـم يَــكُــن مِـنْــكـم رجـــاءٌ ولا مُـــنَـــى

فـأهْــجـســكـم مَـــوتــى وقَــيْــدا مُــرقَّــنـــا

فَـمـا الـعـشْــب شَــوكــاً نـسْـتـلِــذّ بِــفـيْــئِــهِ

وهـل حَــسَــك السـعْــدان يُـثمر سَـوسنـا ؟؟

اذا بَــلَــغ الــشّـــكُ الـنــفــوسَ تَــخـاذلَــــت

فـلَــسْــت جَــديْـرا ان تُــــصــرّح مُـوقِـنــا

واكْــره مَــن يَــعْــرى ويَـكْــشِــف سِــــرّهُ

ولـيـت يـكـون الـمرء حِـصْــنـا مُـحَـصّـنَـا

تَــعــلّــم صفـات النـبْــل والعِــزّ والــنـدى

لتَـرقَــى إلـى الامجــاد أعـلـى وأحْـسـنــا

وكُــن قَـلـب بَـأس لا يخـاف مـن الــردى

ولا يَـتّــقي الأعْــداء والسّـيــف والـقــنــا

وكُــل عــذاب الــمـرء خـوفٌ مُـعــتَّـــق

وكـل صفــات الـسّـوء تأتي من الـوَنَــى

ولـو مَـلَـك الــعـبْـد الـقـبـيـح كَــرامَــــةً

لصـار نقِــيّ الوجْــه أبْــهَـى من الـسنـا

وكـم اكْـره الإنسـان لـو مـال مُـعْــجَـبـا

بِـأمْــوالِـــهِ فَـــخْـــرا وقــال : أنــا أنــا

فـان عَـفـيـف الـروح كـالـنهْـــر كـلّــما

تكاثرَ ماءً ؛ زاد في الـفـيْـض واغْـتَـنى

" اذا امْـتلأت كَـف اللئـيْــم مـن الغـنـى

تَـمايَـل إعْـجـابـا ، ما أحَـبّ وما حَـنــا

ولكـنْ كـريـمُ الأصل كالغـصن  كُـلمـا

تَـثَـاقَـل أثْــمارا، تَـواضَـع وانـحـنَــى "

فَــمـا حَـطّ وجْــه الـمـرء إلاّ هَــوانُــهُ

ولو مات عِــزّاً كان أجْـدى وأهْــونــا

أريــد لأهْــلي هَــدأةً يَــشـعــرونَـهـــا

جنانا بهـذي الارضِ تخضَــرّ موطنـا

وهل تَــدّعي بيت الصفيح ملاذهُــم ؟

متى عِـشَـشُ التعْـبى لتصلحَ مسكنا !

بـلادي تُـحيِـي الـشيـخ يـلبـس عِــمّــةً

ولــو كـان لُـوطِــياً بَــذيْــئــا وإنْ زنَـا

وتســتُـر مالَ الـسحْــتِ داخلَ جُــبَّــةٍ

فـوا عَــجَـبي حتّـى اذا اللصُ أعْـلَــنـا

شريعة نهْــب المال أضحَــت مباحَـةً

نَـغُـضّ لَـهـا طَـرفاً ونَــسكُـتُ كُـلّــنـا

نُـباركها شَــرعاً ونُــفْـتي بِــخـزنِـها

أليْـسَ حلالاً ان " تفرهدَ " مخْــزنــا

فَـذاك مِــتـاعٌ لـلـسنِـيْــن اذا كَــبَـــتْ

لو اسْـودّتِ الايـام في حالك الضنـى

كذا قضت الأوغاد في وطن الذرى

نَـعــيـش زمـانــا عَــفْـلَـقياً وأرعنـا

 

جواد غلوم

 

 

 

بِئْسَ حُبٌّ يُنْبِتُ النَّارَ

ويُطْفِيْ في جَناحَيها احتمالاتِ الضِّياءْ!

 

مَرَّ عام ...! / عبد الله بن أحمد الفَيْفي

 

كُنْتُ في الماضِي،

إذا ما مَرَّ بي طَيْفٌ سَماوِيٌّ لَعُوْبٌ،

أَتـَغَـنَّى، باكِيًا أطلالَ عُمْرِيْ والسَّماءْ:

 

يا يَبَاسِيْ،

حِينما اخْضَرَّتْ حُرُوفي

بِعَبيرِ الأُغْنِياتِ،

لم أَكُنْ أَدْرِيْ بِأَنـِّي

عاشِقٌ صُوْرَةَ رُوْحِيْ وَحْدَها..

لا..

لم أَكُنْ أَعْلَمُ أَنـِّي

أَرْسُمُ الحُلْمَ وأَمْرِيْ بِعَناقيدِ الهَباءْ!

 

مَرَّ عامٌ مِنْ جِواري

مَرَّ عامْ

دُونما رَدِّ سَلامٍ أو كَلامْ

وأنا أَرْكُضُ في بَرِّيَّـةِ الرُّوْحِ وأَمْشِيْ،

كُلَّما شِمْتُ سَرابًا،

قُلْتُ:

 «... كَلَّا، هُوَ ماءٌ.. هُوَ ماءْ!»

 

ها شَرِبْتُ..

وشَرِبْتُ..

ظَمأَ العُمْرِ بِعُمْرِي

لم أَجِدْكِ،

لم أَجِدْنِـي،

لم أَجِدْ إِلَّا بَقايا مِنْ دَمِيْ فَوْقَ الشِّفاهْ

ها أنا أَشْرَبُ مِنِّي

لم أَجِدْ طَعْمَ فُؤادي في فُؤادي

لم أَجِدْنِـي

لم أَجِدْ إِلَّا دُمُوْعَ (المُـتَـنَبـِّيْ) في يَدَيْكِ:

«حببْتُكَ قَلْبِيْ قَبْلَ حُبِّكَ مَنْ نأَى

                         وقد كانَ غدَّارًا، فكُنْ أَنْتَ وافيا!»

...

حِينما قالتْ: «أُحِبُّكْ»،

صِحْتُ:

«... لا.. عُوْدِيْ إِليكِ،

والسَّلامُ لا على...

غَيْرِ يَدَيْكِ!»

 

بِئْسَ حُبٌّ يُنْبِتُ النَّارَ

ويُطْفِيْ في جَناحَيها احتمالاتِ الضِّياءْ!

 

شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

سيدة الساحل جذلة بأمواج روحها

 وأنا اعزف لحن ملوحتها الباذخ البياض

 

الى البحر / وديع شامخ

 

الى البحر

 الذي بالغ في وقاحته

 فكسى أنوثتها ملحا

 وغلّف صوتها بهديره

 وتعرى تماما

 .....

الى البحر

 الذي هطل زَبده

 طوفاناً للشهوة على قوامها

 ومضى يلكزني بلسانه الأزرق السليط

.......

الى البحر

 حين رسم على الرمل أغنيتها

 وجعلني أردد وجعي كببغاء أرعن

.........

سيدة الساحل جذلة بأمواج روحها

 وأنا اعزف لحن ملوحتها الباذخ البياض

 البحر يتمادى برعونته

 وانا أعرّي زرقته بشبق لافت

 

دار هذا الحوار، والإنسان غائب أو مغيَّبٌ لا فرق

بينما الحاضر البديل هو الروبوت

وسيتطور ويتعطَّر ويتوهَّج ويتغنّح،

 

إنقلاب السحر على الساحر / سامي العامري

 

تشاجر قلم حبر مع قلم رصاص فصاح به:

أنت متخلف

فنهرَهُ قلمُ الرصاص بالقول: وأنت أحمق،

أنسيتَ أن الفنانين نفذوا من خلالي أحلى اللوحات؟

فقال قلم الحبر: وأنت، أنسيتَ الصحف والمجلات والرسومات الفنية؟ أنا سليل الحبر الصيني. 

وبعد أن تخانقا وتجادلا طويلاً حول أيهما الأفضل

قاطعهما النت قائلاً:

كلاكما دقَّة قديمة ومكانكما الطبيعي هو المتاحف.

فذهبا يائسَين بائسَين إلى المتحف

فقال لهما المتحف: نحن لا نستضيف إلا ما يعود لما قبل التأريخ.

فعادا وكلهما حيرة

فمرَّ بهما الشعرُ مصادفةً فشكيا له همَّهما فقال:

مشكلتي نفس مشكلتكما، مع فارق في السبب.

   وما السبب يا رعاك الله؟ سألاه فأجاب:

كنتُ مقدساً مثل سِرٍّ كوني لذيذ

فأصبحتُ اليوم كراقصة الستربتيز

فتركاه واحتكما إلى القصة فقالت لهما:

نحن من حزب واحد،

فقارىء اليوم يريد قصة من سطرٍ واحدٍ فقط

فطبطبا على كتفها وذهبا إلى الرواية فقالت باكتئاب:

وأنا الأخرى ما عاد يطَّلعُ علي ولا يتطلعُ إليَّ إلا القلة

أو إذا التفتَ لي الحظ فتحولتُ إلى فلمٍ سينمائي أو مسلسلٍ تلفزيوني.

فتنفَّس الإنترنت الصعداء قائلاً للجميع:

هل تتذكرون بجماليون ومحنته مع تمثال حبيبته جالاتيا؟

وهكذا فحتى الفنون صارت من عائدياتي ...

دار هذا الحوار، والإنسان غائب أو مغيَّبٌ لا فرق

بينما الحاضر البديل هو الروبوت

وسيتطور ويتعطَّر ويتوهَّج ويتغنّح،

والبطالة المقنَّعة أخطر سرطانٍ بشري

لا ينفع معه علاج ولا دواء ولا داء ! 

 

برلين - شباط ـ 2017

 

 

 

 

مطلقَ الرغبة، معصومَ البنان ِ 

حط ّ في جنات عدن ٍ

بين آلاف ٍ من الحور الحسان ِ

 

الوهمُ /  حسن البياتي

 

أوَحقا ً، يا أحباء فؤادي، انني ـ بعد ثماني ـ 

شــُــفـتكم ثانية ً في أم عيني، فاحتواني

فرحٌ زاهي الجناحين، فتيّ العنفوان ِ

عاشقٌ دغدغ أوتار جَناني،

نـثر الأنجمَ في ليل حياتي،

ذوّب الأشجان في أعماق ذاتي

وسقاني

قدحا ً ـ عانق روحي ـ من عبير ارجواني،

خدّرتْ نكهته لبَّ كياني،

حملتني ـ ثملَ الإحساس، مرخيَّ العـِنان ِ ـ

من قذى واقعنا المرّ المهان ِ

ورستْ بي، في أمان و حنان ِ،

عند شطآن مواني

عالم ٍ آخرَ سحريّ المغاني

خلتـُـني فيها نبيــّـا ً

مطلقَ الرغبة، معصومَ البنان ِ 

حط ّ في جنات عدن ٍ

بين آلاف ٍ من الحور الحسان ِ

طوّقــتـْـهُ، في حمى مخدعها الغافي على

أهدابِ زهر الاقحوان ِ،

كلُّ حوراء بما لذ َّ و راقْ

من عناق ٍ و عناق ٍ و عناقْ ...

أوَحقا ً كان هذا أم تراهُ

كان وهما ً شاعريا ً قد عراني

أو سرابا ً خـُلــَّـبيا ً ممعنا ً في اللمعان ِ

لاح في صحراء عمري فغواني

أم تراه

كان حلـْـما ً يوسفيا ً مس جفني في منامي،

محضَ طيف ٍ عابر مرَّ أمامي،

خلسة ً، ثم تلاشى في ثوان ِ،

تاركا ً روحيَ حيرى و جـَناني

غارقا ً في الخفـقان ِ ؟!

 

شعر: د. حسن البياتي – لندن

 22/2/2007   

 

 

مهداة الى الصحفية الجزائرية

 سميرة المواقي

 

لا طائفية في مسيركِ /  عدنان عبد النبي البلداوي

 

نبعُ الأصالةِ لـ (المواقيَ) تـوْأمُ

وسَــنا الـوفـاءِ  بـعيـنها يتـرنّـمُ

طوبى لنهجٍ صـادقٍ فـي سـعيهِ

وعلى جبين الحق عِطرُه يبْصِمُ

قـد راهن العملاءُ قتـلَ رجـولةٍ

سكنتْ بقلبكِ يا(سميرةُ) تَحسِـمُ

آلـيتِ الا أن تَـرَيْهـُمُ صـفحـةً

بيضاءَ بالحشـد المجاهد تنــعُمُ

قد هالهم لما صَمَدتِ ومادروا

إن الشـهامـةَ للبطـولـة مَـنْسـِمُ

وسَمَوْتِ إذ صُنتِ الصحافة َعندما

خَـيَّـبْـتِ مـاطلبوا فخابَ المثْلَمُ

لاطائفية في مسيركِ مـذ رأتْ

عيناك سـارية َ الحقيقةِ تُـهـْدَمُ

سِـفْرُ الخلود لكل حُرٍّ مخلصٍ

ولـكل حـرفٍ للمعالـيَ يـخدمُ

يبقى صداكِ على المدى مُتَوثّبا

يخشاه مـن فَـرْطِ المذلةِ غاشِمُ

ماكلّ من مسَكَ اليراعَ بصائبٍ

ولـكل سـيفٍ قبْضةُ وعـزائمُ

 

الى الشهيد  البطل عبد الكريم قاسم

وكل شهداء الصبح الأسود

 

طقوسٌ تأمُّليةٌ عند بَوّابة الغائب الحاضر

 

لَمْلَمْتُ ما تبقى مِنْ

مٍسْبَحَة الآلهة المغدور

واقتَبَسْتُ مِنْ

فَيْض روحه

النور والعطور

أبدء الصلاة في مِحْرابِهِ ،

فساعة أُسَبّحُ

وساعة بحُبّهِ مخمور

زرَعْتُ في عتبةِ انتظارهِ

  الأمل والحب والزهور

وشربْتُ من صبرهِ المُعَتَقُ

المُرُّ، في لقائه عسل

 أحَلّقُ في فضائهِ

ثُم أغفو

ثُم أصحو

ثُم  أغفو

ثُم أصحو

عدد النجوم

آحلامي الخضراء،

وآهة تنفخ في المساء

 في موقد الضلوع

في سَماواتِ الأماني

حمامةٌ تَنوحْ

لحظة تَحُطُّ  بالقرب من جراحي

ولحظةٌ تطيرُ أو تدور

الشوق يعلو

ثُم يعلو ، ثُم يعلو

سحائبٌ حبالى

 إشراقة تمطرُ من نور

ذا أنت على صهوة بيضاء جئت

وحيدا ولم يأت العراق؟!!

_  ..............

وعلى الوسادةِ  تشتعل

آهة حرّى

والأدمع مدرارة تفور

سيّدي ..

البُعْدُ طالْ

البُعْدُ طالْ

وطالَ طالَ الأنتظارْ

الزمنُ الرّثُ

 ريحٌ وأشرعةٌ

السفن المبحرة  

 تبحث عن شواطئ الأمان

وهي بلا رُبّان

عيونٌنا الحالمة

 ذاب المدى فيها

 والأفق النائي

تسمّر في الجفون

بيوتات الكادحين

تندبُ حظها

ثمة جرذان خرافية ،

تقرض

 اعمدة السماء

الذؤبان تعوي

ولا قمر منير

عشتار تبحث في الفصول

عن ابجدية الحياة

تبحث في الحروف عن معاني

تبحث في الفضاء عن سماء

تبحث في الذاكرة

عن عالم الخلود

ولحظة البداء

تبحث في النفوس

عن ومضة من نور

تبحث عن مسلة العطاء

تبحث عن تلك اللواتي

ألْبَسَهُنَّ الغدر،

الحزن والسواد

تبحث عن مفتاح

 بابها المفقود

تبحث عن تموز

فليس سوى صدى

 عواء سربروس

في جنة النهرين

في جنة الفردوس

والحالمون هاهنا

أو هناك في الأكواخ

في البيوت

في المدن التي

رسمها تموز من شموس

أطفالها

نساؤها

اشعلوا الرموش ،

 كالشموع

والحلوى والنذور للقاء

فعسى تموز أن يعود

ويبعث الحياة في الوجود

ويطرق  الأبواب

  الأملُ، والبشرى والحبور

من أي السماوات ستأتي،

من أي الفصول قادم ،

يا سيد الفصول ؟

وأنت أدرى ..

ما يجري أو يدور

بعد اللتيا والّتي

والسموات السود

 الصباحات، تئن من جراحها

تنهشها ..

أنياب سربروس

 اوباش ما

 حوت القرى

من قاص

ومن دان

ووجها العبوس

صباحات شباط الراعفة

تأريخ دم وطقوس

ونزيف وجراح

أفعى الظلام

ليلنا طويل

أشباح الأساطير

في كل حيّ

 كل درب

والبيوتات..

خراب

رسموا على ابوابها

أحلامهم ذئاب

وطلاسم ملغومة

هي إرث الأولين

 

الدكتور ابراهيم الخزعلي

9.02.2017

موسكو

 

ألقيت بثقل السنين على السياج الحديدي

الصورة موحشة متوحشة

وذرات الهواء مشبعة بالرعب

 

أحزان التماثيل / حسين أبو سعود

 

ليلة البارحة

وسط تقلبات الأرق

طفحت جينات الشجاعة

وارتفع منسوب الجرأة في روحي

مررت بالمقبرة القريبة

هذا المسكن الدائمي لذوي الطباع المختلفة

من الجنسين

كاثوليك وبروتستانت

ملحدون ومؤمنون

ألقيت بثقل السنين على السياج الحديدي

الصورة موحشة متوحشة

وذرات الهواء مشبعة بالرعب

بدأ الموتى يتحركون وهم نيام

يريدون الوقوف فلا يقوون على القيام

وبدأت طقوس الضفة الاخرى

طقوس تحكي رغبات الموتى

في العودة الى الحياة

قطة سوداء مرت مسرعةً

جردتني من بقايا الثبات

كانت هاربة من ريحٍ سوداء

وتحول حفيف الشجر الى فحيح أفعى

والحشرات صارت تتطاير بكثافة

وتقلل من نقاء الصورة

ووضوح الرؤية

ورأيت الأزهار البرية بألوانها الزاهية

تتحول الى رؤوس الشياطين

وتنشر الرعب في كل جانب

حطت الخفافيش العمياء على شواهد القبور

وكأنها وجوه المجانين

واكتظ المكان بمخلوقات هلامية

ملائكة من نور

وجن من نار

ودون ان أتردد او اختار

شرعت بالفرار

تتعقبني ثعالب الليل

أي حقيقة أصل اليها بعد هذا العمر

وانا المتفرج الوحيد على المسرحية

حانت مني التفاتة نحو الوراء

فرأيت حارس المقبرة بلحيته الكثة

غارقا في ضحك هستيري

يضحك بصوت عال

انها التماثيل في الليل تبكي

وتضحك وتفرح وتحزن

ارتطمت روحي بتمثال فتح ذراعيه

وضمني

والتقط لنفسه معي صورة تذكارية

انه يشبهني في كثير من الأشياء

قلما يزور المقبرة أحد الا تراكمت في داخله تلال الشهوة

والحنين الى العناق

تسللت من بين ذراعيه القويتين

لأجد كل التماثيل تحيط بي ما بين ضاحك وباك

 

أنا "العذراء" والأشواق دربي.

وعشقي في الهوى من كل قلبي

 

الحب والأبراج / أبو بكر خليفة أبو بكر

 

أنا "العذراء" والأشواق دربي...وعشقي في الهوى من كل قلبي

إذا ماذاع في الأنحاء ذكري...تجد "أسدا" ينادي أين حبي

وذاك "القوس" يمطرني سهاما...فتسقط كلها حيرى بقربي

.......................

فتى "الجوزاء" يجتاحُ حصوني...فلو طلب العيون له عيوني

فتى الجوزاء كم فرطت فيه ...فإذا الوفاء بقلبه يدعوني

أنا "الميزان" قد أدركت حبي...فبالجوزاء قد شغلت ظنوني

.......................

حبك يلدغني مثل "عقرب"...وينقث سما ليضني ويسلب

ولكنني رغم طول عذابي...أحس بأنك أحلى وأقرب

فمزق حبيبي فؤادي وروحي...لأنني "حوتٌ" من الملح يشرب

.......................

حبيبي "الحمل" هل تشعر...وفي "الأسد" ألا تنظر

وفي الكلمات أرسلها...جيوشٌ دربها الأسطر

ففيها قد بدا قلبي...لهيبا نارهُ تكبر

وفيها ساطعٌ حبي...كنور الشمس لو تبصر

وفيها البحرُ والنهرُ...وذاك الغيمُ قد أمطر

.......................

أتذكر حبيبي عهود صفانا...وكيف رعينا برفق هوانا

وكيف ركبنا الرياح جنونا...وتهنا وضعنا وذبنا حنانا

أ"ميزان" كيف نسيت الوعود...وأنكرت "دلوا" بعذب سقانا

.......................

إذا مالحوتُ في عيني يغرق...سيحضنهُ حناني يعشق

وأمنحهُ بجود صفو حبي...لأن هواهُ في كلي تفًرق

أميري ساحري عطر وجودي...هنا "السرطان" بالأشواق ينطق

.......................

جمالي حبيبي بدونك كذبة...ووردي بغير ربيعك شوك

فأنت الحياة التي في حياتي...أجبني حبيبي هل غيروك

وهل أفسدوا صفو حب بقلبك...وعن "الجدي" يا "عذراء" نهوك

 

تأليف: د. أبوبكر خليفة أبوبكر

 

 

 

بينَ أحضانٍ تصحّرَتْ

في الطريق إلى حيث موكب العذارىِ

اراقب ما بينَ اضلعي كيف تسقطَ كلُّ النبوءاتِ

 

من وحي نجمة الصباح / رند الربيعي

 

من أول اشراقة لعشتار

انثر براعمَ أنوثتي على قيدِ وجعٍ

أتيمَّمُ بندىٰ غيابِكَ

وجهُ دورانِكَ العكسيِّ...

يضيع قِبلة حضورِكَ

اتتبَّعُ عبقَ خُطاكَ

علىٰ صهوةٍ تصطكُّ بها القبلُ

أدسُّ رأسَ وجعي

بينَ أحضانٍ تصحّرَتْ في الطريق إلى حيث موكب العذارىِ

اراقب ما بينَ اضلعي كيف تسقطَ كلُّ النبوءاتِ

في عِناقٍ مزيّفٍ على عتبة صَلَفِكَ الذي لا يرحمُ ....

تنتحر كل الاشواق في هجيرِ عشقِكَ...

ثمة نخلة على ضفاف الانتظارمنذ الازل

مثلها انا واقفة سامقةً

وفوق رأسي يختال الكبرياء زهوه

 

رند الربيعي/ العراق..يغداد

 

 

 على خطى القاص المبدع احمد ختاوي

في شوارع مدينة الضباب والاستذءاب  صرت ماديا كالتراب .. بين أحضان خالتي وأسهم شركاتها

 .. صفقتُ للميكيافلية يوميات طفولتي ..سقتني العسل المصفى .. لا عِتاب حين امْتطتْني كبراق في ليلة مقمرة  .. قطعت بي البحور السبعة من سيراف مرورا على  رأس الجمجمة ثم رأسا  إلى برج وول سترست العاجي، حيث شجر الكافور وقطوفها الدانية والخيزران والقنا وانهار الجوهر والياقوت والدولار تتقاذفها شركات الفاسدين المتعددة المذاهب والمعتقدات .

 آه ..كم كنت أحمق وأنا ألوك فوضاهم وأتعمد التَّأْتَأَة في مخاطبة أسفل السافلين وادعي أمام الرعية من الفقراء والمحتاجين بأنها التي راودتني عن نفسها وأنها التي استغلت براءتي في عزلتها .

أطلقوا لي العنان لأفعل ما أشاء ..لماذا  تتهموني بمعاقرة الأنانية وأنا على خطى المعتضد بن عباد وهو يطهر الزعماء بالحمام من الجنابة عنوة ويغرس فسائل الرؤوس بحديقته المزهرة ..ثم  ألم يكن "إخوان البنا " في شوراقراطيتهم ميكيافليون حتى النخاع مثلي .. اسألوهم لم يربطون أعناقهم هكذا مثل الرابع عشر ..قطعا ليس لتدفئه حلوقهم . .

 لا تعبث أيها الملتحي بربطة عنقك الحمراء وبصوت المآذن ..أفكارك مقتبسة من بقايا رماد "كتاب الأمير" من منفاه .. أسبل ثوبك ما شئت وطبل ما شئت فالدف حلال و الفوضى الخلاقة حلال ..والشوراقراطية حلال  ..

كن صوفي الشطحة إن شئت كن اشعري أو كن واصلا واعتزلهم

لا يجدى أن يكون المرء شريفاً دائماُ ...فطبل ..بل وزمر ما شئت.

ها قد تملصتِ اليوم نواياي الحسنة وأوراقي الثبوتية من ثنايا ميكافيليتكم  في خمسينيتي وسقطت رأسا عند دلوك الشمس برحم قريتي القابعة على خطوات من ذاكرتي...لم أجد بين بقايا حيِّنا إلا مقهى عباس العذراء في شيخوختها .. كم أسفتْ وكم أسفتُ  لأشباه رجال في مقتبل العمر وهم يقفون على عتباتها يلملمون أشلاء عذريتهم بكبرياء مقهورة  يسدون آذانهم بذكاء هواتف الصين .

لم صفقتم أيها الجبناء للخرسانة وهي تغزوكم  في غفلة من الفقراء والزهاد لم صوتم بنعم حين اتخذ منها الميكيافليون الجدد وسيلة أتوا بها على الأخضر واليابس فالتهموا الحرث واعتقلوا نسل الفقراء والمساكين بين ضلوعها .. فقبعوا  من وراء نوافذها يتمتمون،يتكاثرون ويلعنون بعضهم بعضا..

كم كان السفر من لندن إلى القرية متعبا .. وكم كانت نكهات الميكافيلية شديدة الاستثنائية وحادة القواطع والأسنان ..وأنا أتملص منها.

ارتميت في أحضان المقهى التمس أحضان أمي التي رحلت مفجوعة في ربيع وحيدها الخامس  ..

تدْسُرُ أحجار الدومينو حركاتها الصاخبة كالبَحْر دَسْراً ..تنهك أَلواحُ الجسد تشعل حقيبة موزع البريد شيبا وهو يرتشف قهوته ويقرأ فنجانه مقلبا صفحاته الناطقة بالفواحش والموبقات السبع وأخبار  فيلا وهي تتراقص على تشوري وروزيتا الغانية على بعد عشر سنين دأبا تحرضهما على إغراء القمر ليلة بدرٍ والتزاوج في غياب وصي يحفظ حق فيلا المغتربة عن الأرض والكواكب وزحل.

 مسحت عيوني  الوجوه بحثا عن آثار مازالت عالقة في أغواري ربما لم تطلها الميكافيلية بعدُ، كما لم تطل هذا الجزء الصغير من الكرة الأرضية المهدد بالغزو من جراد ايبولا  والديسيبتكون القادم من كوكب سيبرترون كما يُسِّر لي به ابني كل ليلة ...

عدت خائبا إلا من حروف معلقة تعلن أن المقهى للبيع وومضات من ضواحك القهوجي في بحثها عن بسمة ضائعة في وجهي الواجم وسط جلبة الزبائن و صَلْصَلَةِ الكؤوس والفناجين .

 القهقهة شدت انتباهي وصاحبها يتخلج عَشوْزَنُ المِشْية بين طاولات المقهى دونما وجهةٍ .. أطْلَسُ الثياب ركب الحَشَنُ شعر رأسه ولحيته المسترسل.. وهو يهز كيسا عَلاهُ الدَّرَنُ

تقزّزت منه العيون سّاخرة... تهمز تلمز تنبز ترمز تغمز

نَقَّبَ عن أعقاب سجائر لا تزال فيها بقية من روح  نفث دخانها في حلقات تلاشت في كل زمان ومكان ..انزوي في ركن قصي، ورمى بحمله غير بعيد   ..

 لا يبدو انه يحمل بقية من عقل تكون قد تسربت بين ثنايا جنونه  إلى زاوية منفية لم يطلها مس الميكافيلية.

هيه ..هيه  ثلاث  أكواب شاي بالنعناع ...قهوجي ..

يدركه القهوجي ..."هاك محمد. ..قهوتك اشرب وطير "

رائحته النتنة عطرت المكان، اجتمع عليه  الأُفُّ والكَلَعُ..  وبانت أصابع رجليه قابعة خارج نعله البالي ترقص السامبا في بحثها عن المبهم كما أمعنت أنا البحث  عن القهوجي بين دفاتري المطوية المنسية وهو يردد الكثير من ذكريات  طفولتي ..

لا شيء يوقد الشمعة يا صاحبي والشمعة يخرجها المجنون قبالتي من كيسه .. يوقدها مبتهجا .

أطفئوا أنواركم إن شئتم ..فالحضارة لن تدوم ..والبدائية ستأويكم كالصغار

جئت لزيارة محمد ولد خالتي خيرة أسررت للقهوجي وهو يسألني عن سبب عودتي

هو ذاك ..  هو ذاك... وأشار إلى المجنون قبالتي ...

اه ليت القارورة انفجرت في وجه الميكافيلية ليتها انفجرت في وفيهم وأبقت على "خالتي خيرة" ضرعي الذي لم ينضب وصدري الذي حواني سنوات وحماني من يتم أمومتي كانت أطول من عمري الميكيافلي بعد رحيل أمي .

سأكون أول عربي كابن فرناس ينْفُذُ إلى أقطار السموات رددها محمد مرارا ونحن نركب طائرات الورق المقوى.على مشارف القرية  حفاة نسابق الريح..

بخرت اللعينة بانفجارها كميات هائلة من الفيزياء كالميكيافلية وهي ترفع القوة إلى المستوى الأعلى في الوجود الإنساني  لتنفجر في وجه الرعاع والزُّهاد كلما تطاولوا في البنيان ولم يجنحوا للسلم المدني .

دنوت منه استجدي فيه طفولتي لكنه جخجخ وقهقه وظل يلهو بقمره ..... اتخذ الجنون وسيلة لأدراك قمة الانتشاء والقهقهة .. التمرد على العقل صورة ميكيافلية أخرى  ولا عبقرية دون ذرة من الجنون

"ابعدوا  هذا الكلب المسعور من المقهى..."

صاح الحاج  بوزيان في غطرسة وهو يلوح متكئا على عصاه .

لابد أن الميكافيلية  طالته هو الآخر حتى النخاع فأضحى هتلريا  يفضل أن يخشاه الناس على أن يحبوه. 

يلتفت إليه القهوجي مستعطفا

"يشرب قهوتو و يحرخ يالحاج ".. في خاطر أمه خيرة الله يرحمها "

لعله يفلت  من مسه برهة مثلما تملصت أنا من ميكافيليتي .

حدثني يا صاحب الصبا .. أهزه ..

أتذكرني ..

يفتح القهقهة ..يكررها، يعانقها كالانفصام

 آه ..  أيها المُقَهْقِه لو تفتح لي ذراعيك لاستنشق رائحتك النتنة التي عطرت جنون الاشتياق فيَّ، حتما سأتخلص من ميكافيليتي  إلى الأبد.

آه.. لو كان بإمكاني الممانعة مثلك لحبست عقلي عن جنوحه وفمي عن أقاويله و انفي عن استنشاق الضحكات الصفراء الفاقع لونها المبعثرة في وجوه ضحايا الميكافيلية.

كل محاولاتي تحطمت على جدار غيبوبته الدائمة مازال يقهقه ..ينفث كثيف الدخان في وجهي.. و مازال نور  شمعته يسقيه البهجة ..وملامح خالتي خيرة الناطقة في ثناياه تسقيني حليب الأرض بنكهة النعناع .

فجأة صرت المفتوح على أبواب المتحركين في الأرض والماء... لملمت وجهي وقررت أن أجانب البراغماتية  في خيلائها

لن ادع الحقيقية تغتصب عذريتي بعد اليوم لن تقرع نتانة إبطها مَنْخَري .. سأتجه صوبا إلى الأشياء الأخيرة . ليست سفاهة أن  تبحثوا مثلي عن العواقب فقط وفقط ..

أقسمت يمينا بطلاق بقايا الميكافيلية ثلاثا واشتريت المقهى .. منحتها للقهوجي صدقة لوجه الله جراء تحرري من عشقي ومن الأكل مِن تَعاقُرِ الأَعراب وأوصيته بالمقهقه خيرا .

كم ابتهجت حين مغادرتي والقهوجي يرمي بها كالمومس خارج مقهاه والمقهقه يقهقه قه.. قه.. قه.. قه.. قه .

 

 

 

لم يسعفه غضبه وغيرته وهو يرى انفاس الخيانة تتذوق مسامات جسدها المتراخي على فراشه، تحولت الى أنثى متغنجة كالداعرة التي احب حين تشتهي الرغبة، اسكنت نفسها دون حياء بين افخاذها آهات لذة، كلما وهن من فاعلها اجبرته على الاتيان بتكرارها، يتحرق حنقا وهو يمسك بمسدسه من اجل قتلها ومن تعشق، قبلها تساءل عن سر تغيرها من ناحيته، لقد وقف كثيرا قبل ان يقدم على فكرة الشك بها حتى لحظة الانغماس في مطارحة حب، لم تكن سوى جثة هامدة باردة، يقلبها لاهثا محاولا اثارة الرغبة في للمشاركة، غير انه لم يفلح.. سألها لأكثر من مرة عن عزوفها والتهرب عن مشاركته الفراش بعد تهوره عليها، لكنها لم تأبه لما يقول، بقيت تتحجج بترهات هكذا قال لها..

يبدو انك نسيت من تكوني؟ ويبدو ايضا انك نسيت أن انتشلتك من بؤس وقمامة نفايات كنت تتسابقين وغيرك على الحصول على قوت ساعة؟ ثم فجأة حولتك الى امرأة بشق الانفس، حرصت على أن البسك الجديد والحديث من عالم الموضة.. جعلتك تبدين كآلهة.. اسكنتك في هذا البيت الفخم بعيدا عن اعين من يعرفونك ويعرفونني، جعلت منك اسيرة في النهار وملكة في الليل، طالما سألتني عن سر انتشالي لك دون غيرك.. قلت لك لا ادري؟ هي رغبة وجنون لحظة تَمَلُك شاهدتك فيها بعد ان كشفت عن سيقانك رياح سافلة رغبت بملامسة جسدك الذي ما ان رأيته حتى توقف شعر جسمي وتسارعت نبضات قلبي الى الرغبة فيك، امرت رجالي بالانقضاض عليك واختطافك من بين بقايا لقطاء الشارع.. او ليس هكذا كنت لقيطة؟؟

كم كنت رائعة ومدهشة في ممارسة الحب معي، خاصة المرة الثانية تلك التي لا زلت استطعمها في كل لحظة وانت تهتزين كزهرة شبه بتول على جذعي العطش اليك، يا الله!! لم اشعر برجولتي إلا لحظتها، في تلك الليلة سألتك ما الذي احسست به؟ لم تري لي جواب.. اراك تتهربين وتكرهينني على ما اجبرك على فعله.. لعلك قلتِ انكِ قد تعبتِ وانا لم امل من تكرار رغبتي في جسدك، عدة مرات طرحت عليك السؤال في معرفة التغير الذي حصل، لكنك كنت تقولين: إذا اردتني ان استمر معك في رغباتك لا توجه لي اي سؤال، اقتنعت بردك مرغما فانا لم اتعود على ان يرفض اي احد الاجابة عن سؤالي حين اوجهه، غير اني خضعت لرغبتك بغية الشعور برجولتي وانت تتأوهين بشهوة عارمة.

اشهر مرت نسيت فيها كل شيء حتى عالمي ومسؤولياتي تركتها جانبا، لُذت الى عالم الذي سمعتك تقولين لي انه عالم الخطيئة، بعدها سألتني.. ألم يشعرك بأنك تغتصبني في كل مرة؟ تزداد انت فحولة وزهوا، وازداد انا انحطاطا وخسة أمام نفسي، صحيح أني كنت ألملم قوتي من حاويات النفايات ولم يُكسي جسدي اي ملابس، لكني كنت اشعر باني إنسانة مستورة العورة، وبعد ان حولتي الى مومس يكسو جسدها الحرير والماس إلا اني عارية للجميع كبائعة الهوى، الفرق الوحيد هو اني مجبرة عليك كزبون يمارس الجنس معي متى ما رغب وكيفما يشاء دون رغبة مني او ارادتي، رضيت بان اكون حاوية سيئاتك ومساوئ رجولتك التي اكاد اجزم انك لا تمارسها إلا معي وربما على الضعفاء الرافضين لمبادئ القسر التي تجبرهم كونهم يمتازون بالانفتاح والفكر والتحرر، بعد ان تعودت ان تكون عبدا وكلبا طائعا للسلطة..

اشبَعتُكِ ضربا ليلتها بكل قسوة، قسوة الجلادين الذين علمتهم ان يتجردوا من ادميتهم والانصياع لصوت التلذذ بالآه التي يأتي بعدها الموت خلاصا..

غير اني لمت نفسي وتوسلت عند رجليك ان تغفري لي وتسامحيني، فانا مجنون بجسدك وانوثتك، بقيت هكذا لأيام طويلة، الليل فيها عندي اقلبه على عدة اوجه، لا اخفيك جلبت بعض النساء لنسيانك فعلن المستحيل من اجل اثارتي ودفعي لممارسة الجنس معهن، لكني ما بت اشعر اني رجلا إلا معك بل فقدت فحولتي وتحولت الى رجل شبه مخنث لا يمكن له ان يصنع من فحولته سوى ان يكون عنينا، طار لب عقلي كفرت بكل من يقف امامي، رميت بجام غضبي على من حولي من رجالي ومن السجناء اجرمت بهم حتى كرهني ومقتني كل من كان له ذرة احترام لي في نفسه، لَعَنتُكِ ونفسي، وامرت بان لا يراك احدا سوى الممرضة التي تأتيك بما تحتاجينه، فعلت ذلك بعد ان اوصلتِ لي رسالتة بانك لا ترغبين برؤيتي، وعلي الابتعاد حتى تنسي ما حصل، ربما بعدها قد تبعثين في طلبي متى ما رأيتي ان لك رغبة في الحديث معي ومقابلتي.. لشدة جنوني وولعي بك وافقت غضبا.. مرت الايام كالاسابيع، والاسابيع كألأشهر حتى ذلك اليوم الذي عزمت على رؤيتك دون علمك او رغبة منك.. بعد حديث دار سمعته في رواقات حياة مراقبة، شاهدتك وانت تزيلين عبئ مرارتي بابتسامة جميلة، تداعبين طيور الحب من خلال قفصها الذي شرعت بفتح بابه والسماح لها بالخروج الى الحرية، رغم ان بعضها لم يرغب خوفا من عالم لم يألفه بعد ان احاط به عالم من حديد مزين بما يغنيه عن تجربة المجهول، لكنها طارت بعد ان عادت بعض من الطيور الاخرى وحلقت فوق القفص وهي تغرد.. لوهلة سارعت تلك الخائفة في الخروج دون تردد.. ضحكت على ما فعلتهِ وقلت.. هو شعور أرادت ان تعطيه لنفسها بأنها يمكنها الخلاص بسهولة مني، بقيت اتلصص عليك دون ان تدركِ بأن عيوني ورغبتي تسبقي كفحيح ثعبان الى ملامسة جسدك الذي ارغب، راودتني الرغبة فيك، انتصب في َّ كل شئ، التهبت كل اوردتني، اورثتني الغليان في الهجوم عليك واغتصابك كالعادة، لكني ابليس نفسي قال: ستزيد الطين بلة، ولعلها تثور ثم ترفضك وتدعوك لقتلها للخلاص منك والى الابد..

امسك ابليس نفسه مجبرا على الإتيان بأي فعل، لكنه بقي يراقب مفاتن جسدها المثير خلال ثيابها الشفافة، وهو يحتقن مرارة حتى فَقَد السيطرة على نفسه فلاعبها للخلاص من ابليسه الذي ما زاد فعل صاحبه إلا ازدياد رغبة في الانقضاض عليها.. غير انه سمعها تقول:

هيا تعال يا سيدي الى حضني، لا تكن كالذي اكره، فغر فاهه متسائلا!! من الذي تنادي عليه!؟؟ شحب لونه وعيناه مسمرتان في الاتجاه الذي تنظر إليه، يا للعنه إنه السائق!! سائق الممرضة، رمى بنفسه على السرير بين احضانها التي اوجرت جمر حقده، وما ان انغمست في مداعبة من دعته والغوص في شهوة محرمة، حتى ثارت ثورته واشتعل غضبا، حطم الباب الزجاجي وقد شهر مسدسه دون تردد، اطلق النار على السائق وهو يصرخ.. أيتها الحقيرة الداعرة كيف تجرؤين على خيانتي واستغفالي لا يمكنك خيانتي!!  أنا وحدي فقط الذي يمكنه أن يخون..

اطلق عليها النار صارخا... عليك اللعنة لقد دمرتي حياتي.. ثم رمى بنفسه الى جانبها وهو يبكي

نظرت إليه مبتسمة بإزدراء وهي تلتقط انفاسها الاخيرة قائلة: الى الجحيم انت وحياتك، اخيرا انتقمت لنفسي منك، ساتحرر من عبوديتك الى الابد،  فالموت هو رغبتي في الحياة حرة، سيبقى شعورك بالنقص لأنك من اشباه الرجال ذوي السلطة الجائرة.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي

   

حتّى البَسْمةُ تُسْتَرَقُ خِلْسَةً

 من هَديـرِ العَبَـرات،

 

أُعْطِيـكَ مَهْما مَنَعْــتَ .. / محمد المهدي

 

في وطني ..

 تُلْوى أفواهُ القِرابِ قِـبْلَــةَ

 التّـافهين والتّــافِهات،

من الرّاقصين على الجراح والرّاقصات،

 والمُطربين والمُطربات،

 والمُمثلين والمُمثلات.

في وطني ..

ليس للطّوى مــا يَـقْــتاتُ،

أو لِلْقَــرِّ ما يُـــــوقِ الآفــات.

أَو يَصْطَــلي مِن صَقيــعِ النّظَـرات.

في وطني ..

لِلْمُـقْـتات فُـتَاتُ الفُـتـاتِ..

وَ الهَمْسةُ تَسْتَـتِــرُ خَلْفَ الهَمَســات،

حتّى البَسْمةُ تُسْتَرَقُ خِلْسَةً من هَديـرِ العَبَـرات،

حتّى الغَفْـوةُ تُجترحُ قَـهْرا من سَديم الآهات.

في وطني ..

للشقيّ الشّقاوَة والقَساوة،

و"للتقي" النّقاوة والطّراوَة،

و كـلّ ما فوقَ الثّـَـــــــــرى،

وما تحت الثَّــــرى،

من البَهائم والوَرى ..

حتى الأنعامُ والأفهامُ،

و الأيّــامُ والأعوامُ .

في وطني ..

للمُعدَمِ الآلام  والأسقامُ،

و الأحلامُ والأوهامُ .

و الأزماتُ والكَدمات .

في وطني ..

للمُنْعَم الوُدُّ والوَرْدُ،

و كُــلَّما جَمعَ الوِرْدُ،

و مَا حَـازَ الصَّيْـدُ .

في وطني ..

للمُعْسِرُ الكَــدُّ والشَّــدُّ،

وَ سَرابُ الوَعْــد.

يا وَطَـني ..

لكَ المجْدُ كُلَّ يَومٍ، أُعِــدُّ

لَـكَ الأحلامَ، وأَصُــدُّ

عَنْكَ العِــدَا، وأَمُــــدُّ

لَــكَ يَدَايَ مُحِبًّــا،

مَهْمَا شَدَدْتَ عَن غَيْـرِ قَصْـدٍ..

لَكَ الوُدُّ عَنْ قَصْدٍ،

فَلَيْسَ عَنْ هَواكَ صَـــــــدٌّ،

وَ ما لِكِــلانَــا عَنْ كِلانَــا بُـــــدٌ..

عروةٌ وُثْقَـــى لَيْسَ لِـمَداهَــا حَــدٌّ .

 

محمد المهدي - المغرب

14 فبراير 2017

 

وتذكر يوم ميلادك

يوم البكاء والعويل

يوم رقصة المخبوء في حبلك السري

 

يأس صامت / مأمون أحمد مصطفى

 

اليوم

يوم أزرق

لا يشبه ألوان السماء

قاتم مربد مصوح

تتناوشه

نسور، وذئاب وصقور

فيه قصة،

وفيه غصة

يتكور، لتكتمل الحسرة

قيل لي

انهض

لا وقت في الوقت

احمل جثتك في النعش

فأنت الآن ميت

وسِرْ في جنازتك صامتًا

خاشعًا، ذائبًا، متأملاً

اتلُ فاتحة الكتاب

واذرف الدمع

يأس منسي ويأس صامت

فالبحر ممتد، واسع،

أزرق كاليوم

كي تجتازه

ستكون بحاجة لجناحي نسر أو عقاب

أو قارب صغير

لا يتسع لاثنينِ

بل لشخص واحد

وقدمين

 

(٢)

احفر قبرك قبل وصول نعشك

حدد مسافته ومساحته

لا تنسَ استواءَ التربة

وصقل الجدران

ولا تنسَ البخور

وعطر الزيت

ولا تنسَ

وردة يتيمة

أوراقها صفراء

أشواكها حزينة

لا تنسَها

فهي مثلك تسير في جنازتها

ومثلك تذرف الدمع

ومثلك لا تستطيع اجتياز البحر

ولا تنسَ بعض الأحجار

حتى تحدد ذاتك وطُولك وعرضك

ولا تنسَ أبدًا علبة السردين

لتكون مشربًا للطيور

 

(٣)

فكر بكل شيء

بالتفاصيل المهجورة

والمسكونة

فأنت الآن ميت

لديك متسع من الوقت

فكر بمن سيحملون نعشك معك

بحزنهم، بفرحهم، بصبرهم، وضجرهم

بمن سيهيل معك

عليك التراب

بمن سيجلب الماء

ومن سيعجن الطين

بمن سيسبُّك، ومن سيلعنك

لكن

لا تفكر

أو تحاول

أن تفكر

بمن سيغسلك

لأنه وحده

من يراك عاريًا، هامدًا

ووحده

من يخرج من حيز التفكير

 

(٤)

فكر بكل شيء

لا تنسَ شجرة التوت

أو حقل الشعير

وتذكر يوم ميلادك

يوم البكاء والعويل

يوم رقصة المخبوء في حبلك السري

فأنت

اليوم حر من كل القيود

لا تملِك من أمرك شيئًا

لا اختيار أو إرادة

لا اختبار أو شهادة

بوسعك أن تنام

وأن تملأ

عينيك بالتراب

فلا ذهب حيث أنت

ولا بريق

لا فرق بين شيح أو شهد

فوقك

شاهد واحد

يشير إلى ضريح

 

(٥)

فكر وفكر

بخطواتك الأولى

وفكر إن استطعت

بحبيبتك الأولى

بعاطفة تشبه رائحة اللون

بجيوش النمل والقمل

فكر بطعم الملح والليمون

بالخبز واللحم والسمك

بالعصافير حين تشوى

بالزيت والزيتون

بالشفق والغسق

وما بينهما

بالصيف والربيع

بالشتاء والخريف

بالصبح والظهيرة

ولا تنسَ الخيول والحمير

فكر بكل شيء وشيء

لكن

إياك أن تفكر ولو للحظة

بالرحيل

فالرحيل له مذاق رائع لاذع

لا شيء فيه من طعم الموت

أو طعم الحياة

هو هو

كما هو

طعم الرحيل

 

(٦)

انبش مساحات ومسافات

كليل ونهار

وكحاضر يتجهز للرحيل إلى مستقبل

ومستقبل يزحف للتحول

من ذاته

إلى ماض بعيد

وحاضر

معتقل بيمن ماض ومستقبل

كلحد، كقلاع تسقط

تتهاوى في رحم الصحراء

وكحبة سكر ذابت في محيط

أنت الآن حر وطليق

كما لم تكن يومًا

تعرف، تدرك الأشياء، تراها

لكنك، لا تقول، لا تفصح، لا تخبر

تدخل حلم السر والغامض،

تتحول سرًّا، غيبًا، ومجهولاً

لك اليوم تلال الخصوصية

ذات في ذاتها

ونفس في نفسها

انبش بمذراة قمح

ماضيًا وحاضرًا أنت فيه

لا مستقبل لك اليوم

انفتح الغيب عليك

دفعة واحدة

كبركان وزلزال

كعاصفة وزوبعة

لملم أشلاءك

من دود كنت تراه يومًا

ضعيفًا وحقيرًا

واكسر ظلمة القبر بزاوية من غرور

إن استطعت

انهض من قبرك

لتتذوق طعم الشمس

أو تكمل بناء الضريح

 

 

 

 

إنه ماؤكَ الذي فرّ نحو السّماء

بحثاً عن زُرقة أكثرَ زُرقة

 

عودة الإبن الضال / عادل سعيد

 

كُفَّ عن الصّهيلِ أيّها البحر

و أعِدْ موجَك الى حظيرته

فهذا المطرُ الذي نهضْتَ كي تلحسَ قطراتِه

مثلَ عصفورٍ عطشان

لم يَنزل

من كوكب صديق

أو قمرٍ اجتاحهُ الطوفان

إنه ماؤكَ الذي فرّ نحو السّماء

بحثاً عن زُرقة أكثرَ زُرقة

عادَ اليكَ

مثلَ مُهاجر فاشِل

اكتشفَ بعد رحلة عَناء

أن السماءَ كاذبةٌ في زُرقتِها التي

نزلت تبحثُ فيكَ عن نفسِها

فانتحرَتْ في الهواء

حين أدركَتْ ان زرقتكَ ليسَت الاّ زُرقتَها

غارقةً

في الماء

 

 

بعد مخاضات عديدة جاءت هذه القصيدة

وإذا كان وراء كل قصيدة قصة ومناسبةُ قولٍ

فهنا هامش توضيحي لا بد من قراءته

 ليسهل النفاذ إلى ثنايا النص دون إرباك ! 

 

من ذاكرتي الثانية / سامي العامري

 

ما عندي مُلكٌ،

ما عندي صاحبة وخليلْ

إلاّ أوراقي المغمورة بالسلم

ونوباتِ التقبيلْ !

*****

توقٌ لأحضانٍ مشعشعةٍ

وسعفٍ رفَّ حزناً في المغيبْ

توقٌ كخيمةِ حاتم الطائيِّ

دوماً يستظلُّ به الغريبْ

وأنا غريبْ !

*****

يا رابعَ المستحيلاتِ

يا لابتذالِ الحياةِ

وخنقِ نواصي الفراتِ

على وجعٍ وانتظارْ

متَّقدُ الحزن مثل النضارْ

لا لجوءٌ لدفقات روحي،

ولا هزة تبلعُ الدرب،

دربٌ كحلميَ منبسطاً ظلَّ

لكنهُ حين رنَّ عليه صدى قدمي

حينذاك فقط قد علا كجدارْ !

*****

يا سليمانُ

أنا الهدهدُ

ما بنى الإسكندر بيوتاً للنمل

بيوت النمل ما زالت خرائبَ متعاويةً

في صحراء من الوجوم

فهل لك بوثبةِ صولجانٍ

تطال سقف الله

فتُرجِعُ للارض النجوم؟

*****

(**)

لساني وطَرْفك صارمانِ كلاهما !

*****

بحارُ انتظارٍ أجولُ بها

وفي القاعِ أحصي دموعَ السمَكْ

*****

ها هي أصابعي

تدورعليها قناني العرق كالخواتم!

عرقٌ ولا أرخص

ولو فطنوا لهذا لجلدوني ستين جلدةً

وجلدتُ إلههم تسعين

عمائمُ كالصحون الطائرة

يشمئزّ منها اليقين

وينفر منها الأمل

عمائمُ

بلِحىً تنساب كشلالات من القمل !

*****

هم وحدهم سجنوا المكان وكل آنٍ

ثم طار مع الطيور إلى مقام الربِّ

سربٌ من أصابعِ إتهامْ

خُذني معتقةً لهم

أنا من سلالة حرفك الناري،

في ماضييِّ رعدٌ يزدهي بفصاحةٍ

والرعدُ أولُ مَن يحقُّ له الكلامْ !

*****

حينما كنت رضيعاً

وأصابعي بحجم عيدان الثقاب

كان العالم أسراراً لا تعنيني

ولم يكن عندي وقتٌ

لأهتم بمطلقٍ أو وجودٍ أو عدم

كنت فقط أهتمُّ بإطعام فراشاتٍ

تمد خراطيمها

مُدَغدِغَةً إبطَ وردةٍ ذابلة !

*****

خاطبَني نافجٌ :

(يا صديقي)،

فرددتُ عليه بأحسن منها

فما عادت الأرضُ تكفيَ خيلاءهُ وغرورَهْ

وعماهُ الذي قد أضاء طريقي

وأبعدَ عني شرورَهْ

*****

كان العالمُ قَبلَك غابهْ

الغابةُ حبلى بالعُقمْ

ضفةٌ ثالثة للجرح

والجرحُ وميضٌ متناثرْ

واللؤلؤ ذو الحظِّ العاثرْ !

 

....................

( * )

مقتطفات من نصوص تتراوح بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر كتبتها في سنوات الشباب الأول

من عام 1983 إلى عام 1986 بين طهران وقرية ألمانية على الحدود النمساوية بانتظار البت في أمر قبولنا كلاجئين.  

والجدير بالذكر أن أهالي القرية استقبلونا بترحاب أول الأمر وكأننا نازلون من كوكب آخر ولكنهم قليلاً قليلاً راحوا ينفرون منا ويشعرون بالحرج أو الخجل من الإختلاط بنا وبهذا فقد صار مسكننا في نظرهم  مشبوهاً وقاطنوه يوصمون باللصوصية والبهيمية والمتاجرة بالمخدرات  وساهم الإعلام المحلي بالمبالغة الدعائية في هذا وكانت قصائدي غاضبة تبعاً لذلك ! خاصة وأنا كنت  مع جمع من طالبي اللجوء من جنسيات مختلفة نعيش في عزلة عن العالم وعن أي أثر لمدينة أو حياة نحس فيها بالتغيير المفترض والفارق في الشروط الحياتية بين الشرق والغرب، والطريف أني بعد حصولي على الأوراق القانونية وجواز السوق الأوروبية المشتركة وانتقالي إلى مدينة كبيرة مثل هامبورغ، فكرتُ بهجر الماضي كله بآلامه وكوابيسه  وأعيش حياتي كما ينبغي أن يحياها شاب في أوج شبابه وأول شيء فكرتُ به هو تمزيق كل ما يذكرني بالماضي فبدأت بإتلاف قصائدي وفعلاً أتلفتها وبعد شهور وجدتني أحس بالندم وسرعان ما حاولتُ استرجاعها من ذاكرة منهَكة قائلاً لنفسي، ليست كلها سيئة وإذا كانت الصورة الشعرية هي المحك والحَكم فما أحراني باستلال ما أراه جميلاً من الصور أو المقاطع من كتاباتي السابقة وهكذا فما بين رغبتي في طي صفحة الماضي وحرصي على بعض قصائدي التي أحسستُ أنَّ لها وقعاً إيجابياً في نفسي، رحت أفلّي هذه الذاكرة مستخرجاً منها المقتطفات هنا وأنا في حالة يرثى لها حيث تذكرتُ ما قيل عن الشاعر الفرنسي شارل بودلير بأنه كان أحياناً يكتب وهو يسب ويلعن ! والأمر نفسه مع مواطنه الشاعر لوتريامون لاحقاً،فخرجتُ بهذه الحصيلة وبقيت محتفظاً بها طيلة ثلاثة عقود دون التفكير بنشرها،

وأخيراً إذا نالت مقتطفاتي هذه رضا القارىء فهذا جلُّ ما أطمح له وإذا لا فحسبي وفائي لماضٍ مَهما كان شكله ولونه !

  

 ( ** )

  يقول حسان بن ثابت :

 لساني وسيفي صارمان كلاهما

ويبلغُ ما لا يبلغُ السيفُ مِذْوَدي

،،،

ويريد بالمِذوَد اللسان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

برلين

شباط ــ 2017

 

 

 

 

وهكذا طرد المعلم من بلدته بتهمة تخدير شباب البلدة بالفرح الكاذب .. وذلك بعد أن عم القحط وقل الرزق، وبعد الجوع وتفرق الجموع ..

تسلل تلميذه ولحق به ، توسل إليه وأنفاسه تتقطع أن يسمح له بالانضمام إلى رحلته ..

نظر المعلم إلى الأرض طويلا ثم قال: ستتعب يا فتى فرحلتي طويلة .. طويلة .. ودربي أشوال وحجارة عد إلى أمك .

تململ الفتى وترقرق الدمع في عينيه، فمسح المعلم على رأسه الحليق وابتسم .. وقال له: اتبعني ..

مشى الفتى يتأخر خطوة واحدة عن معلمه .. وبدأت الرحلة الطويلة مجهولة الوجهة ..

وبعد أن هدّهما التعب اختار المعلم أكمة بين جبلين وجلس يتبعه تلميذه .. أخرج صرة تشابكت ألوانها ،فتحها بأصابع مرتجفة وبعد البسملة الطويلة أشار لتلميذه أن يبدأ بالطعام ..

قال المعلم: بالتين والزيتون سيعود بلدنا آمناً أمينا .. لا تقنط يا بني ففي الشجرتين سر الله .. انظر إلى الطيور كيف تلاحق رائحة التين وتحمل خلودها وتزرقه في كل مكان .. انظر إلى الزيتون يخرج منه الزيت، ومن الزيت يخرج النور .. يا بني من كهف ولدنا وللكهف نعود .. سنصليّ كي يبقى السر باسطاً ذراعيه على طرقات رحلتنا ..

مسح لحيته البيضاء الطويلة وشكر ربه .. ثم وبإشارة منه قفز الفتى لمتابعة الطريق .. نظر المعلم إلى المساحات الخضراء التي وصلوا إليها وشنف أذنيه لأصوات الطبيعة العظيمة .. كانت العناصر ترتل أناشيد اللون والضوء ..

تمتم تلميذه على استحياء: معلمي لماذا لا نأتي بأهلنا إلى هنا .. انظر ما أبهى هذا المكان .. تتفجر حبات الرمان كالياقوت والأعناب دانية القطاف والماء نمير .. والأخضر ينسفح في كل مكان ..

صمت المعلم وقد أربد وجهه ثم صاح مزمجراً: تأدب يا فتى .. فما ضلّ صاحبك وما غوى .. فلهذه الأرض رب يحميها .. لا تنظر إلى ما ليس لك كيلا تفقد ما بيديك .. فأنت صلصال وماء وناء .. فكن ماء حينما تحترق وكن صلصالاً حينما تورق .. وكن ناراً حينما يهزمك الباطل .

أسقط بين يدي تلميذه ولاح من البعيد ما يشبه الكوخ فغذا السير باتجاهه .. كان الكوخ مبيناً من حجارة تتعشق بينها الأعشاب الطرية، والأزهار الندية وتحف به أشجار السرو والكينا .. أبعد الفتى الغصون التي تحجب باب الكوخ كي يمر معلمه ثم أطلق سراحها فاصطفقت بتمرد جميل .. التحق الفتى بمعلمه وراقبه وهو يمدد عباءته ويطرح عماته ثم يستلقي ويذهب في نوم طويل .. بينما بقي تلميذه مستيقظاً يهش أسراب الذباب والبعوض عن وجه المعلم الذي لوحته الشمس وخدّده الزمان والجوع ..

تململ المعلم في فراشه .. تحركت شفتاه وصاح بألم: انشق القمر وأزفت الآزفة .. اقتربت الساعة .. دثروني .. هبّ التلميذ لاحتضان المعلم الذي لملم نفسه، والإعياء باد عليه .. هرع الفتى يبحث عن إناء في هذا المدى الكبير حتى اهتدى إلى حجارة على شكل جرن، ملأها بماء الغدير ودخل الكوخ وهو يترنح .. توضأ الشيخ وصلى .. ثم خرج من الكوخ وقد صفت نفسه ورقّ قلبه .. نظر إلى القمر فوجده بدراً مكتملاً يتربع كبد السماء، يميل بوجهه الناصع، ويغمر الأرض بلونه الحليبي الصافي .. عاد إلى الكوخ وقال كمن يحدث نفسه: رأيت فيما يرى النائم أنني بين أقوام تشبه القردة .. لحاهم شعثاء وعيونهم ممطوطة للأسفل، وشفاههم غليظة وأسنانهم عريضة كبيرة .. وشعورهم مسترسلة على ظهورهم .. أقاموا مأدبة ودعوني إليها .. فرشوا السجاد ووضعوا أرائك من الحرير .. فرشوا المفارش ووضعوا فوقها الأباريق والأكواب التي يلمع ويقرقر من جوانبها حبيبات الخمر المشتهى،وتوزعت الفاكهة بكل الأحجام والألوان، وصفوا لحم الضأن في أطباق من زجاج دمشقي صقيل ثم صفقوا فدخلت قمر وبدأت تتمايل بخصر رهيف شفيف وقدّ ممشوق كنخلة .. وصدر من مارج من نار وشعر يطير بلون الزفير، تغمز بعينين تومضان وتلمعان كالفيروز وتبتسم بشفتين من زمرد ..

فجأة ودون أي مقدمات قام كبير القرود وشق القمر إلى نصفين .. أصابتني القشعريرة وصحت حتى تجرّح حلقي، فأتبعوني بها وشقوني إلى نصفين بسيف تبرز من قبضته حروف عربية كبيرة .. ثم شقوا كل نصف مني إلى نصفين .. ثم إلى ربعين حملت أنصافي وأرباعي حتى ملئ الكون بي .. همت على وجهي .. مررت بقبائل وشعوب من كافة الأجناس والألوان .. مررت بشعوب عراة، وأخرى محتشمة حد التطرف .. دخلت الأرحام وانتظرت تسعة أقمار ثم خرجت .. ثم دخلت .. وكلما بليت أعود وأمتلئ باللحم والدم ..

مرة أكون ذكراً ومرة أنا أنثى .. مرة أئم المؤمنين وأصلي كي يعود الفيروز والياقوت والزفير إلى أماكنهم ويهطل المطر على السنوات العجاف .. ومرة أرعى قدّاساً وأناول المؤمنين خمرة العشق الإلهي ..

فمن أكون يا تلميذي .. من أكون !

ركع التلميذ أمام معلمه وشهق بدموعه وقال بصوت كالعويل:

صلّ لأجلنا يا مولانا .. صلّ لأجلنا يا أبانا .. فأنت روح هاربة من جسد فان .

همهم المعلم وعيناه تجوسان في هذه المفازات اللامتناهية: أنا المشتاق يا ولدي .. أنا المطرود .. أنا العاشق .. أنا المعشوق ..

صفرت الريح .. وعجّ الغبار وتحركت عناصر الكون .. وبرق الغرب فرد له الشرق الصوت وحمحمت الجهات الأربعة .. وتجمعت السحب متلاصقة مترادفة تستجيب لصوت أمها الطبيعة .. سقط أول الغيث .. ثم تتالت خيوط المطر بالانهمار .. فتح المعلم عباءته وخلع عمامته وركع على الأرض وطلب من تلميذه أن يفعل مثله .. تهجد صوته ورتل ببكاء يقطع نياط القلب:

عليك بكتمان السر .. عليك بقلة الكلام .. عليك بالحب ..  .. عليك بالحب .. عليك بالحب اقرأ عليّ (( أبداً تحن إليكم الأرواح .. ))

فقرأ الفتى ودموعه تبلل خديه اللذين أنضجهما المطر .. فأردف المعلم كي يزيد من حماس الفتى: اقرأ .. اقرأ ولا تتوقف فإن الله يسمعنا .. ويريد منا أن نبحث عن قمر ونعيد إليها نصفها المسروق ..

قال الفتى بوجد: كم كان الطريق طويلاً يا معلمي .. هل للأقمار منازل ؟

صاح المعلم بمرح: هل تعبت يا فتى ؟

بعد هذه الرؤية سأحارب خرافات الجسد، وأخرج النور من ظلمات القلوب سنعيد نصف قمر المتشظي .. سنمر على البلدان .. سنجده ونعيده لها قمراً وحيداً .. كاملاً يضيء هذا الظلام القبيح المتفشي .. ثم نعود إلى بلدنا المعشوق الأول .. لا بد أن المطر يدق الآن فوق أسطح بيوتنا ويغمر حقولنا .. ويقف على نوافذنا وشوارعنا .. لا بد أن خيوط المطر تتراقص مع نار تنانيرنا حيث سيسمع قصص النساء اللواتي يصنعن أقماراً من خبز وفرح ..

غن يا فتى أبداً تحن إليكم الأرواح .

 

.......................

هامش: أبداً تحن إليكم الأرواح .. مقطع من قصيدة طويلة للسهروردي.

 

 

نحن الجوازلُ

والمعاجمُ، بين أيدينا، خَلَت

من أي تعريفٍ لعينيكِ..

 

أنانغو.. / حاتم الأنصاري

 

(1)

نحنُ الجوازلُ

(معشرُ الأحلامِ والنزواتِ

والمِحَنِ الصغيرة!)

جاءنا العطشُ المكيرُ.. عَلى عجَلْ

متأبطـًا إثمَ الرمالِ

ورغبةَ الغاباتِ في لعقِ البعيدِ.. من الجليدِ

ومن شقوقٍ لطّخَتْ.. عُنُقَ الربيعِ

تسرّب الذُعر/ الصقيعُ

إلى حناجِرِنا

وفي يدِهِ.. عواءٌ

لا يساوره الصهيل

..

هَل مِن بديلْ؟!

...

قولي: أجل!

 

(2)

نحن الجوازلُ

امتطينا صهوة الضحكاتِ..

قسرًا

بل تزلجّنا على سفح الزغاريدِ البهيجةِ

غير أن الخوفَ كانَ يوزّع العثراتِ

مجانًا

على طول المسافةِ

فانزلقنا، كالصُراخِ، إلى الفراغْ..

...

(لا لست أدري.. في الحقيقة

ما إذا كانوا يبيعون هنا

موتًا

برائحة اختبائكِ

في صدى صيْحاتنا..

..

عَدَمًا..

بِطعمكِ.. يا عسل!)

 

(3)

نحن الجوازلُ

والمعاجمُ، بين أيدينا، خَلَت

من أي تعريفٍ لعينيكِ..

فقلنا:

نجتهد!

* عيناك أمٌّ.. وابْنَةٌ، تتعانقانِ، تُرَصّعانِ الحبّ بينهما

بقطْرات الحليبْ

* دلوانِ ممتلئانِ بالماء الحنونِ

* خَميلتانِ..

على فراشٍ من أنينٍ لينٍ

(كي يستريحَ العشقُ من تعبِ الفراقِ)

* قبيلتانِ عريقتانْ..

(تتساكنان منابعَ الشمسِ الحزينة..)

تعبدان الكستناءَ،

تقاتلانِ الغيبَ بالصلوات.. أحيانًا.. وبالصبوات.. أحيانا

* عيناك سلسلتان من حِيَلِ الحواةِ القادمينَ من القمرْ

"هيا.. هلمّوا

يا عيال!"

* مرثيتانِ تؤبّنان العاجَ في المدن الغريبةِ

* رقصتانِ بنكهة  الأنناسِ..

تأتلقان في استعراضِ "أورورا" الأخيرْ

* أو قُبلتانِ من الجنوب.. على شفاهِكَ يا شَمال

* أو صفعتانِ.. على جبينكَ.. يا شَمال!

* أو فرصتانِ خطيرتانْ..

* هدفانِ.. في مرمى البشاعةِ

* هِرّتانِ شقيتانْ..

تتسللانِ إلى المدرّجِ خفيةً

* عيناكِ.. لاعبتا تنس!

تتقاذفانِ المعجبينَ بـمضربينِ من السَتَانْ

تنورتانِ.. قصيرتانِ

خفيفتانْ

لم تعصيا

للريحِ.. أمرا

تركضانِ

فيركض الجمهور والحكام والإستاد والأضواء والكَـمِرات

والنفحات

واللعنات

خلفهما.. طويلا

تسقطانِ

فيسقط الظمأ الجبان!

* أو طفلةٌ، عيناكِ يا..

أو طفلتانْ

قد تَفرُكانِ،

بإصبعينِ من الكَكَاو،

حكايةَ الثلجِ المملّةَ

مَرّتَينِ..

فكيفَ لا تتقافزُ الألوانُ - في كُتبِ الصغارِ- مِن الفرح؟!

..

قُل كيفَ لا ينبث صوتُ الله

في رحم الهديلِ..

بلا خجل؟!

 

(4)

نحن الجوازلُ.. لا أجيد سوى اللعبْ

والله يعرف كيف يبكيني.. أَجَلْ

والله يعرف كيف يضحكني.. كثيرا

مِن حماقاتي الكثيرةِ.. !

...

ربما أنتِ احتفالُ الباوُبابِ

بمولدِ المطرِ العظيمِ..

أوِ اكتمالُ الإنفجارات البديعةِ.. ربما

أو ثورةُ الأبنوسِ والمنْغُو.. أَنَــنْغو

ربما!

...

الآخرون؟

الآخرونَ

تثاؤبُ الألوانِ..

من فَرطِ البياض!

لغوُ الغبارِ

على رفوفِ الذاكره

يتراكمونَ

على رصيف العمر..

أكوامًا.. مُكَوّمَةً

..

فأينَ تخبئينَ

مِقشّةَ النسيانِ..

يا؟!

 

حاتم الأنصاري- السودان

 

إلى جريحة النزف العراقي:

 (سميرة ملاقي)

 

سميرة ملاقي جريحة الحقيقة / رحيم الشاهر

 

ببلادنا جُرحتْ أميرةْ

                   هيا أعلنوا هذي الشعيرةْ!

جاءت لتُنصفَ جرحنا

                   فبجرحنا نزفت سميرةْ!

جاءت لتكتب حرفنا

                   حيث الحقيقةُ مستنيرةْ!

ياللمصائب عندنا

                   مشهودة بلظى الظهيرةْ!

من جاء يكتبُ غبننا

                   خانته بالأيدي سطورهْ!

جرس الدواعش عازفٌ

                   موت الضريرة والبصيرةْ!

هذي بنيةُ جرحنا

                   أفواهنا فيها حسيرةْ!

فمن الجزائر وحيها

                   لو نُسّبتْ هذي الأميرةْ!

من دولة شهداؤها

                   ملؤا الدنا نبلا ( وغيرةْ)

***             ***

ببلادنا بلوى خطيرةْ

                   فالنائباتُ لنا نذيرةْ!

(ثور) الحروب بأرضنا

                   متجحفلُ يلقى مثيرةْ!

والجاهلية ماتزا

                   ل تسوقنا بلظى الجزيرةْ!

والعربُ طأطأ مجدهمْ

                   صاروا أداةً للأجيرةْ!

والفتحُ أغلق بابهُ

                   فانجُ بفتحك ( يامغيرةْ)!

زمن اليهود أذلنا

                   ركلاته فينا غزيرةْ!

دربوا على تمزيقنا

                   بجهالةٍ فينا مريرةْ!

شدُّوا الرحيل لقتلنا

                   بالطائفية والجريرةْ!

طوبى لجرحك ياسميرةْ

                   أقلامنا فيه كسيرةْ!

 

شعر- رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

...................

فإن اشكر فمن فضل الشكورِ** وان أنكر فمن لؤم الشعورِ (البيت من قصيدة سابقة)

 

مُعَطّراً برحيقِكِ

وأنا أمضي صبحاً لشأني

 

زهرتي الوحيدة / أحمد الحلي

 

مثلما لن تسمحَ حصاةٌ

بأن تتسللَ إليها قطرةُ ماء

كذلكَ يتمترسُ قلبي

إزاءَ الغواية  !

 

2

ليَ الجدْبُ ولك الرواء

لي نجمةٌ

انطفأتْ في أقصى الكونِ

وما يزالُ شعاعُها

وامضاً في أعينِنا

لكِ وردتي

وليَ الرماد  !

 

 

 

3

 مُعَطّراً برحيقِكِ

وأنا أمضي صبحاً لشأني

في لحظةٍ

 تنفلِتُ الأزهارُ من أغصانِها

 تصيرُ سربَ فراشاتٍ

تتبعُ خطوي  !

 

4

شتّانَ ما بيني وبينَكِ

يا حبيبتي

في مُداراةِ الحبِّ

أنا أدَعُ النحلَ

يذهبُ إلى الحقولِ

يُناغي الزهرَ

ويطبعُ قُبلةً

على جبينِ كلِّ  زهرةٍ

ثمَّ يعود إلى خليَّتِه

مُحمَّلاً بالرحيق

أما أنتِ

فإن أردتِ أن تُبدي اهتماماً

فإنكِ تضعينَ

أمامَ الخليةِ وعاءَ ماءٍ

تُذيبين فيه قطعةً

أو قطعتي سُكّر !

 

 

 الى جميع الحبيبات

في عيدهن

 

أَنتِ تشبهينَ الحب / سعد جاسم

 

هَلْ أَنا مَنْ صيّرَكِ غابةً

تحتشدينَ بكلِّ هذا البهاءِ والخضرةِ والجنون؟

هكذا أراكِ أنا

واقفةً بنداكِ وعطوركِ وصهيلكِ

تبتكرينَ ربيعاتٍ لأجلي

وتهطلينَ بغيمِ الكلمات

فتتعالى الارضُ شجراً مستحيلاً

وتتخلقُ عصافيرُ الدهشةِ

وكلّما أخصّبكِ بملائكتي تزدادينَ فرحاً

وفراسةً وفتنةً ..

 وتفيضينَ ينابيعَ وأنهاراً

فتعاقرُك النوارسُ ...

 والأيائلُ تتعطرُ بمسككِ

ونرجسكِ وجلناركِ ...

ويتوهّجُ الجمرُ الذي أوقدتُهُ فيكِ

من نارِ أصابعي

ولهبِ لساني

ولذا أحياناً تستحيلين عنقاءً ساحرةً

ونافرةً

وصابرة

على بروق وحرائق انتظاري

 يااااه ...  ياأِنتِ

من أينَ لكِ بكلُّ هذهِ الطاقاتِ

لإبتكارِ الأحلام ؟

من أينَ لكِ بكيمياءِ الأملِ ؟

من أينَ لكِ بمزاجِ العواصفِ؟

ومن أينَ لكِ بغموضِ الصحارى ؟

ومن أينَ لكِ بأُمومةِ الحليــــبِ ؟

انت لاتشبهينَ سوى الحبِّ

تباركَ بكِ الحبُّ

 

 

 

 

سألتني مولاتي عن موالاتي؛ فقلت موالاتي يا مولاتي؛ هو علي الوجه الآتي

لكل انسان نبيل وللعمل الفضيل؛ للورد البهيج الجميل وللطير الهديل في الحياة

 لكل شيئ في قائمة الجمال آت؛ في الوجود للجمال والحب كالعلامات والآيات

خرير الانهار؛ حفيف الاشجار؛ وصوت الاطيار؛ للشمس والقمر والنيرّات

للنسيم العليل الاتي من بين بساتين النخيل؛ للاريج العاطر من الورود اليانعات

و كركرة بريئة من طفل؛ او قطرة ندية من طل؛ على وجوه الازهار الرقيقات

لحضن أَمٍ تمنح الحب والحنان؛ وتملأ الروح بالسكينة والاطمئنان؛ يا مولاتي

او فمٌ لحبيبة تقطر شهدا؛ او خدٌ يماثل وردا؛ او رشفة تُنسيني همومي الكثيرات

قالت : الله عليك ايها الهائم؛ في بحر العشق عائم؛ حذار الغوص في بحر الظلمات

كلكامش الباحث عن عشبة الخلود؛ عبر كل الحدود؛ غاص وعاد بأيادِ خاليات

قلت :آثر شعبه على نفسه وضع العشبة على جنبه؛ وكانت احدى اعظم التضحيات

لم ياكلها واخذه النعاس؛ واسد التراب كان يستعد للاختلاس؛ من خلف الشجيرات

تضحيته افقدته ما وجد؛ بعد جهد وكد؛ هذا الذي رأى كل شيء اصبح من الفانيات

لكن خُلّد ذكره كملك وبطل؛ وعظيم جَلل؛ وتغنت بأِسمه عذارى اوروك الجميلات

فكان هو الملك العادل والحاكم الفاضل؛ وليس كما قال القائل؛ وجاء في الروايات

قالت : لكن الرقيم يقول غير ذلك؛ قلت بل الرقيم يقول ذلك؛ لا تصدقي بالخرافات

ليس كل ما كُتب صحيح؛ ولا كل ما مُلح مليح؛ بعض الاقلام لا تكتب الا الترّهات

تقلل من شان الجليل الكبير وترفع من شأن الصغير الحقير؛ وتميل مع المائلات

فكم من باطل صار حقا؛ وكم من حق صار باطلا؛ والحقيقة دفنت كعظمة الرفات

لا يغرنك بعض الاسماء والعنواين؛ أنها اشكال بلا مضامين؛ كالكلمات الفارغات

كل قبيح يقابله جميل وكل صحيح يقابله عليل؛ هي الحياة بين الموجبات والسالبات

العاقل من يتعض بغيره ويعرف خيره من شره؛ فمن يتَّعض من دروسي وعِبْراتي

ان لكل غرام؛ عذاب لازم؛ وشر دائم؛ لذلك اتحمل طائعا في الغرام كل غراماتي

اعلم ان لكل نجاح غدر آثم؛و حسد قائم؛ لذلك لا يهمني كم ادفع ضريبة لنجاحاتي

بعض النجاح مصدر للهنات وللهّنات؛ ومجلب للشزر بالسنان بعد شزر النظرات

و لا تظنن انها تأتيك فقط من البعيدين والبعيدات؛ بل ايضا من القريبين والقريبات

قد لا يكون جزاء الاحسان بالاحسان دائما بل قد يرد عليك باكثر الشرور واللعنات

فكم سموت بالبعض الى الاعالي؛ دبّر المكائد في جوف الليالي؛ ليقصقص جناحاتي

من اسكنته في شغاف القلب واسيقته من رحيق الحب؛ ضرب بقسوة في صميماتي

اشتد بي الوجع والألم؛ ونال مني الهم والسقم؛ آه كم سالت من غير بكاء عَبَرَاتي

كمدت احزاني بين ضلوعي؛ واستضاءت بنيراني شموعي؛ وانارت جميع جنباتي

سحابة بارقة في السماء؛ سألتها قطرات من ماء؛ قالت ما كل بارقة تجود بالقطرات

الحبيب الذي كان حلم حياتي؛ تغافل عن هنّاته وتذكر هيناتي؛ وتعامى عن معاناتي

 ثم ارسلَ غراب البين ليقطع كل بين؛ ارسلتُ بيض الحمائم فعادت كسيرة الجناحات

نسى كل خبز بيننا وملح؛ واذاب في جرحي سبخة ملح؛ ليزيد من آلآمي وآهاتي

رُميتُ غدرا بذوات رماح؛ ولدُغتُ من عقارب برماح؛ من بني اخلاف وعلاّت

ان العشق للعاشق شرع ودرع؛ والعاشق في الاعالي نبع؛ لكل القلوب الصافيات

سقط من رماني في سرابه؛ صار يسأل الماء من سرابه؛ بكل سًرْوٍ اسقيته بالفرات

و هو على هون؛ سألني الصفح والعون؛ فرميته كما رماني لا بسهام بل بالقبلات

قال : المٌحَدِّث حرفك مُحدِث وللوقع مُحدِث؛ بيدي اني ارى احزانا خلف الابتسامات

قلت : لي لا تسل بل للقلب الذي سله السل سل؛ وسل واسل ومنه سل كل حسراتي

قال : يا لوعتي يا لهفتي يا حسرتي؛ كم تجرَّعتَ صامتا كؤوسا من مرارة الطعنات

قلت : هذا قطر من بحر؛ ونزر من كثر؛ قال : ولم لا تبثها يا صاحب المقامات ؟

قلت : ولمن ابثها يا سيدي وانت العالم؛ ان القاضي هو الظالم؛ فكيف يعيد ظًلاماتي

لكني شكوت الى الله امري؛ العالم بالعلن والسر؛ فوهبني صبرا صار من كراماتي

فتحملت الجائر حتى من جوره ملّ؛ وبعد حِلٍه خائبا ارتحل؛ راح يجرُّ اذيال الخيبات

بسيف مفلول وجيش مفلول؛ كأنه عليل غليل مغلول؛ تلاحقه حوبات الناس وحوباتي

آخرون مثله ممن فقدوا الضمير؛ لا قوا نفس المصير؛ هم من اكابر القوم والرجالات

المرء بالاخلاق يسمو ذكره؛ والاخلاق هو الحب مصدره؛ وبماء الحب اعمّد عباراتي

يا مولاتي؛ اختم بالآتي : انا من ماضي الزمان وآت؛ في موالاتي للجمال ظهرت آياتي

ان اعجبتْ ما كتبتُ آياتي من هم في الادب اصحاب المعالي والمقامات عدت الى كلماتي

العكس بالعكس سوف ابحث الموضوع بالطرد والعكس؛ واعتبره جاء عكس تصوراتي

 بكل الاحوال فان الباحث عن الجمال سوف لن يفقد الامال؛ وساعيد من جديد محاولاتي

 قد تصيب وقد تخيب ليست كل السهام تصيب؛ ولكل امرئ ما نوى أِنما الاعمال بالنيّات

قالت : قد يعرض لك عارض من بعض اهل العروض والأعاريض ويُعرّضك للأتهامات

فالبحور انحسرت والشطور انشطرت والصدور ترهلت والاعجاز عجزت في الابيات

قلت : يا مولاتي ليست قصائدا او ابياتا مقاماتي؛ ولا ضير ان ازينها بالقافيات الجميلات

اذا الوردة الجميلة تزيد من جمال جميلة؛ فكيف بها اذا تزينت بأكاليل من الورود والباقات

توسع المجال للمقال في المقامات واختفى من كان اسمه وهماً يخترع من الخيال حكاياتي

يَراعي يكتب ولا يُراعي لليراع واليراع؛ حروفا هي كاليراعات التي تضيئ في الظلماتَ

يَراعي يغني للوطن والانسان ويُراعي؛ ويراعي يراعي الجمال الذي يسترعي نظراتي

 

 

 

 

أراقص الشمعدان لأجل خريفه

الذي سيحط بعد .. حين ..

 

سفـرات ليليـة / رجاء محمد زروقي

 

حين أحتضن الكأس

ثم  ..البلد ..

أعتلي شهوة الإضطرام

لأعدّ .. حريقا ..

يفضح سفراتي .. إليك ..

ثم ..إليك ..

ثم ..إليك ..

ثم ...،...

ثم لا لأحد  ..

**--**--**--**

ببهو ..الحلم ..

يطيل الوقت

جلسته .. بدمي ..

يقد الكلمات .. سنابلا

تتقن الإنحناء : إليك

ثم .. إليك ..

ثم .. إليك ..

ثم ...،...

لا لأحد ..

**--**--**--**

أراقص الشمعدان

لأجل خريفه

الذي سيحط

بعد .. حين ..

لأجل المساء

القادم .. من قريب ..

لأجل اللّيل

الذي يرقبنا

دون وجوهنا .. المستعارة

.. نهــــارا ..

دون رتابة

دون  .. أيــــار ..

وأحبك :

ثم .. أحبك ..

ثم .. أحبك ..

ثم ...،...

أحبك دون .. أحد ..

**--**--**--**

هل يغفر الله

نومنا براحة .. العصافير ..؟؟

هل يغفر .. الله ..

سذاجتنا أمام ثمالات الأقداح ..

وقصة موعدنا الأخير ..؟؟

حيث أشرع في محادثتي.. عني

أشرع في نرجسية

تمحوها .. أنت ..

ثم .. أنت ..

ثم .. أنت ..

ثم ...،..

ثم لا أحــــــد ..

 

 

 

....................

الشاعرة التونسية رجاء محمد زروقي

هام : هذه خربشات رجاء الطفلة .. ذات طفولة حالمة بديمومة الحرف عالمة ..

صحيفة الصباح التونسية

2- جانفي - 1990

 

 

 

ما الحبُّ إلّا  لغةٌ

تصوغُ من بريقِ عينيكِ

حروفَ أقدمِ اللغاتْ

 

ما الحب.. ؟ / سيروان ياملكي

 

 ما الحبُ .. ؟

- تسألُني حبيبتي -

الحبُ ياحبيبتي ببساطةٍ

عافيةُ القلوبْ

كالصّدقِ ياحبيبتي

عافيةُ العقولْ

لا تخجلي..

ما الحبُّ إلّا  لغةٌ

تصوغُ من بريقِ عينيكِ

حروفَ أقدمِ اللغاتْ

ومن حيائكِ الجميلِ

تمنُّعاً.. يصيحُ هاتْ

ومن احمرارِ وجنتيكِ

صبوَةً تلتمِسُ انعتاقْ

ومن ذراعِنا ..

لخصرِكِ الوِثاقْ

ومن سكوتِنا ..

سَحابةً من القُبَلْ

وغابةً من العِناقْ

 

 

 

يبوحُ إرتيابًا وسحرًا وشوقا..!!

فماذا تقولُ نداءات

من أسكرته الرعودْ..

 

الرخام ..!! / جودت العاني

 

يا لهذا الرخام الصقيلْ..

 تجاسرَ في همسهِ حتى،

 تحدى الخيال الجميلْ..

وأبدا جلالاً وصحوًا

 يميلُ إشتياقًا

كغصنٍ نحيلْ..

*  *

يا لهذا النسيم العليلْ..

ينثُ عبقًا بسحرِ الثنايا

ونبل السجايا

وسحر القدودْ..

 وفي كلِ همسٍ

يداوي الخطايا

يداري الصدودْ ..

كأنَ سموات هذا الزمان

أماطتْ، دعاباتها

وأدمت سحاباتها

بذاك الجحودْ..

وغَنَتْ بإشتعالِ الجليدْ..!!

*  *

يا لهذا الرخام المديدْ..

يطاوله السحر عندَ الصباحِ

وعندَ المساءِ

يبوحُ إرتيابًا وسحرًا وشوقا..!!

فماذا تقولُ نداءات

من أسكرته الرعودْ..

وحامتْ تطاولها الحاديات

تولولُ

كلما يعتليها الهوى

والنوى

ثم تجتاحها دفقة

من صديدْ..!!

*  *

يا لهذا الزمان العنيد

يقولُ سلامًا

فيمطرها حزمة من حديدْ..

يحاصرها،

ثم يملئها

رعبًا ورعدًا وبرقا..!!

*  *

 هو  ذا الرخام العريق

تلازمَ فيهِ الحزن والشوق

حتى سَفَ في عشقهِ

عبرَ كل النهارات

وأحلامها

 والمشاوير

ساورت حالنا

صبرًا وقهرًا وعبقا..!!

*  *  *

 

د. جودت العاني

6 / 01 / 2017

 

 

تولّى مَجدُها وأتى انْحطاطٌ

أصابَ الروحَ بالوجعِ المُساقِ

 

وَثبَ الزمانُ على العُراقِ!! / صادق السامرائي

 

لقدْ وثبَ الزمانُ على العُراقِ

فعانى مِنْ سَعيرات ِاحْتراقِ

 

تؤجّجُها ضَلالاتٌ تواصتْ

بعدوانٍ ومِنهاجِ اخْتلاقِ

 

وأطماعٌ مُحجّبةٌ بدِينٍ

تُسَوّغها أحابيلُ النفاقِ

 

فأضْحى كلُّ مَعْزوزٍ ذليلا

ومَرهونا بقاضيةِ احْتناقِ

 

تولّى مَجدُها وأتى انْحطاطٌ

أصابَ الروحَ بالوجعِ المُساقِ

 

وغابَ الكِبرُ خَلفَ سَوادِ أفقٍ

يُهددُ ذاتَها بقوى انْمِحاقِ

 

تراءَتْ مِنْ مَساوئها عَدوّا

لغايتها وما أبْقتْ لباقي

 

وكمْ جَثمَتْ على عُصُرٍ توالتْ

فأرْدتها بقيعانِ العَواقِ

 

وقدْ عَزّ الوَصيبُ على رُباها

لأنّ الأرضَ تُسْقى بالمأقي

 

دماءُ عروقها صارتْ كماءٍ

وإنّ النهرَ في ألمِ اغْتباقِ

 

عِراقٌ مِنْ عَراقتهِ تردّى

بموجبةٍ لعاديةِ الخَلاقِ

 

فأيْنَ العقلَ والفكرَ المُسنّى

أ يَدْحوها التجاهلُ بالْخَراقِ؟!

 

عَلائمُ بؤسِها بَرزتْ كوَحْشٍ

يُداهمُ خَلقها برؤى انْشقاقِ

 

وما هَجَعتْ سوابغُها بليلٍ

ولا شبعَتْ ودامتْ بانْطلاقِ

 

تخلّى جَمْعُها عَنْ تاج باءٍ

فصارَ الشرُ مِهمازَ انْفتاقِ

 

تناشدُنا الحياةُ إذا وَردنا

وتَدعونا لصالحةِ اتّفاقِ

 

فَصُنْ وَطنا بآخيةٍ تسامتْ

وكنْ أملا يُشافي بالعناقِ!!

 

د-صادق السامرائي

5\2\2017

 

 

اتصلتْ متوجسة بالكاتبِ الذي بدا لها ذات يوم كأنه مستودع لذاكرة لا تبور، ومشعل للطاقة الإيجابية من خلال بوحهما الذي انساب بينهما أثناء المكالمات الدافئة، هي تحرث اللحظات فيما يبذرها الكاتب بالشعر الدافئ. وكانت تزداد بهاءً بذلك فتحلق أمام مرآة غرفة نومها كأميرة حقيقية تكحلت بها الأساطير، تتلمس ذلك الجسد المرمري بأناملها الرقيقة وترطبه بنظراتها المفضية إلى سحابات الروح وهي تمطر قمحاً، وأنفها المدبب الأقنى يظلل فمها المبتسم، وقد سحب بغمازتين ناعمتين إلى حدود الفرح، فبدا الأنف كغزالة ترتوي من نبع السعادة الغامرة لترفع رأسها كأنها تبوح بأسرار الورد، وبدا جسدها المرمري البض كأنه أيقونة تستحم بنور الكلمات، لتورق الروح في انسيابية تفاصيله المرسومة بخيوط الشوق، وروح فنان مغموسة بالوجد وهو يحاور بقلبه الملوع حمرة الغسق في الربيع. وكانت هذه الأميرة تنتعش وهي مأخوذة بجمالها أمام المرآة كلما لمعت في عينيها كلمات الكاتب؛ فتميل بوجهها المحمر خجلاً، حتى يتراقص شعرها الطويل المنسدل من رأسها حتى ما دون الركبتين، كأنها عشتار تحرض الغيم على المطر..  ولهذا كان الكاتب قد ظفر ببطلة جديرة بروايته التي افتقد شخوصها أميرتهم المجهولة.. وكان أن توقف القلم عند كلمة" فجاءت الأميرة...".ثم سكت الراوي عن البوح متسائلاً أثناء حيرته التي ألجمته:

تراها من هي!؟ وكيف تكون!؟

  لم يجد حينها الإجابة الشافية وظلت الحيرة تأكل رأسه فتُعَثر من مسيرة الأحداث حتى أدمن الراوي النوم على مقعد الانتظار، إلى أن جاءت الصدفة التي جمعته بالحورية ذات الشعر الطويل.. فلم يجد بداً من اختيارها لتشاركه فردوسه الروحي المتواري خلف الزمان والمكان في غياهب قلبه المرهف، وكان يدرك أيضاً أن لكل مبدع فردوسه الذي يلوذ إليه في الأزمات حيث الخيال المنفتح على كل اتجاه.

فماذا جرى حتى تصدمه الأميرة بقرارها المفاجئ!؟ هل كذبت عليها المرآة! فما الذي خدش مزاجها إلى درجة أنها لم تملك أن تسامح رجلاً أدخلها جنة روايته! هي تدرك ذلك لأنها تقرض الشعر وتدمن نبيذه.

 ها هي في حيّز وعيه تلقي إليه بحجر. كانت تتغافى في أحضان السؤال الذي لازمها طويلاً حتى تحررت منه، فيتشاقى معربداً على لسانها قبل أن يدمي قلب الكاتب المغبون.

هل كانت قبل هذه المكالمة الحاسمة تجاريه حتى لا تجرح مشاعره فتقول له:

"هذا فراق بيننا، فقد بت تزودني بالطاقة السلبية فاغرب عن وجهي.".. فيسألها عن السبب فلم يحر جواباً. وبعد إلحاح شديد، رمته بتهمة أنه تقصد التقليل من شأنها.. لا بل واتهامها بالغرور في إحدى ومضاته التي اعتاد نشرها على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، وقدرت أنها تلك الجميلة التي صارت تزوده (كما يلمح الكاتب) بالطاقة السلبية كونها جميلة وفق وصفه لها.، فهل كانت كلماته فيها مجرد تفريغ لطاقة الملل السلبية أم هي عبث وتزويق أجوف لا عمق فيه، قالت له معاتبة:

"أتعبني جمالي الذي بات في نظر البعض كتاج على رأس طاووس.. ألم تلمح إلى ذلك!؟ وقد كنت قبل ذلك في نظرك غزالة قلبك"!

ألم يصفها بالسنونو الذي يضج قلبه بالحكايات الجميلة!؟ 

وها هي تسأله بقسوة:

"ألم تتلفَحْ بكلامك الجميل شَعَرِيَ الطويل ووصفته بأنه منسدل على قدّي المياس!

 حتى أنك أرسلته ببوحك الجميل ليتشاقى مع الريح!

فما دمت في نظرك مغرورة بجمالها، ومصدراً للطاقة السلبية، فأخرجني من روايتك ولا تسكب مشاعري في نهرها الذي سيأخذه البحر إلى غياهب الحكايات التائهة في دروب السندباد الذي لن يعود".

 لكنها لم تصدق بأن الكاتب لا يطلق الكلام كالرصاص على أحد.. يستطيع هو أن يواجه الظلم ويتمترس إلى جانب الحقيقة؛ لكنه سينأى بنفسه عن تصفيد الزهور بالقيود، أو تكميم البلابل كي تُخرَسُ الغابة .. فماذا يفعل الكاتب إذاً  إزاء قلب أميرته الذي ما زال نابضاً في روايته! فهل يخرجها عنوة من ظل سنديانة الروح المتجذرة في حشاياه، وهي تفترش فضاءات خياله، في فردوسه الذي يتنعم به المًلهِمُوْن، ليتسللوا إلي عالم  رواياته ودوَّاماتِها أثناء غيبوبة الكتابة!

هذه المرة كانت كالريح إذ تمتطي صهوة الجواد، متحررة من عبء السؤال الذي ألقته على الكاتب عبر سماعة الهاتف صارخة:"إخرجني من النص لو شئت فقد جرحتني بالأمس وما عدت أحتمل.. فزودتني بالطاقة السلبية التي تذبل الوردة وتجول الحديقة إلى يباب.. تركتني أعوم في دوامة البحث عن الذات".

كانت أميرته كالسنونو يضج قلبها بالحكايات المنثورة كالرحيق في مباسم الزنابق والرياحين. كانت امرأة جميلة، اقتحمت وجدانه المفتوح على فضاءات الروح ، امرأة غاية في الروعة والبهاء.. محجوبة عن عيون الفضوليين.. لكنها ما أن تنسمت عبير حديقة الكاتب الغناءة بالشعر.. حتى فردت جناحيها لتبدي ألوانها.. كفراشة تتهادى على الخزامى كي تعِبَّ من نبيذها الفواح.. تهيم في ظلال المكان أسيرة للكلام المورق كشقائق النعمان على ضفاف النهر.. كأنها أغنية أندلسية تحررت من قيود الوزن في شعر ابن زيدون لتعود إليه كلما جن إليها الليل.. أو حَنَّتْ إلى عبقِها روحُهُ التي يأنفها الغياب . فالتقط الكاتب السؤالَ وطواه تحت لسانِه قبل أنْ تجرح أشواكُه قلبَه المفعمُ بالوجد. ويتذكر الكاتب كيف أغرقتهما الحيرة في الصمت، ونمت بينهما عبر الهاتف دهشة طفولية أخذت تتحرر من قماطها.

 يتساءل الكاتب كيف يخرجها من روايته وهي مغروسة في حرثها كحبة قمح! حتى استحوذت على أجوائها السنابل.

 و يهمس في قلبه الرجاء:

" لا ترحلي يا أميرة الوجد، فشخوص الرواية سيأبون التفاعل مع قلمي لو باغتك الغياب.. بعد أن نثرتِ بذور الحب بينهم.. وملأتِ المكان بطاقة الحياة، وتعلموا منك كيف يضاء النهار.. وكنت تختالين بينهم راكبة فرس البهجة بشعرك الطويل، وهي تصهل بالأحلام الجامحة.. فتتباهى به النسائم وهو منسدل على قوامك الممشوق، وهذا الوجه الذي انتزعه الشِّعْرُ من أعماق الأساطير، وقد اغتسل بابتسامة المنوليزا.. ثم تلقين شَعَرَك على ذراع الريح، فيملأ الفراغ بتكوينات حلزونية تسر البال وتبهج القلوب، كأنها طاقة كونية لخصتها ابتسامتك بالأمل الذي يجلب المطر. تتأملين الحقل فتبتسم السنابل وتبتهج القلوب.. الرواية بدونك يا أميرة الروح أمل مفقود.. وشقاء لكاتب أدمن على نبيذ الوجد واستباح بقلمه قطف الورود كي يصنع للمارة عطر المحبة المعبق بطاقة الحياة".

الآن هي على الهاتف إذ أقفلته على جرح لم يتجاوز اللسان.. لم تدْمِ أشواكُه بَعْد قلبه الشفوق.. فأغلق باب حديقته كي يداوي جرح الفراشة قبل أن تخطفها رياح الهجر فيتوه عنترة خلف الوهم، وتنتهي شخوص الرواية التي أقحمت في مصائرها إلى بركان السؤال وفِي أعماقه حمم تتمطى.. وتتساءل الحيرة كأنها تبحث عن قنديل في بهيم الموقف العصيب:

" أين فراشة الوجد لتبث الحياة فينا!!!؟ أين الأمل والرجاء".

سيوهم الكاتب شخوص روايته أن الفراشة قد تركت في الحديقة ظلالها وعبقها الآسر،، حتى يستمر نبض الرواية فلا تصحو على خيبة.

 

بكر السباتين

 

 (في احدى ليالي الصيف البعيدة، كُسف القمر، وفيما كنت اراقب ذلك المشهد رافعاً نظري نحو الظلام الزاحف مع كل لحظة يغورها في اللاشيئ،ممسكاً بقدر نحاس يعود لجدتي وعصا أبي أستعداداً لتلاوة النشيد مع أولاد الجيران، سقطت ورقة من السماء انقل لكم بعض تفاصيلها - بتصرف- فيما ساحتفظ ببعض اسرارها حتى الاقي الله، قريباً على ماأعتقد)

كان الملاك رقم (69451) الأكثر تعباً من بين زملائة السبعين الفاً المكلفين بسحب عربة كبيرة تحمل القمر على سكة تحيط بالارض، ضامنين بعملهم هذا وصول ضوئه الى البشر كل ليلة، يتغنى الشعراء والعشاق بملامحه غير مدركين عناء الملائكة الموكلين بحمايته ليبقى ملهماً لهم مئات من قرون مضت واخرى تغفو في حضن المجهول، تحول التعب الى تململ متخذاً شكلاً من أشكال الحديث غير الودي بينه وبين ذاته المبرمجة على الطاعة :

منذ الاف السنين وانا اسحب تلك العربة بحرص الأم على رضيعها، مساهماً بأبقائها متزنة تحفظ للقمر مكانه الذي قرره له الله، وأن لايقع فريسة لأمواج بحر الضلمات الجاثم على صدر الكون، لكني لم اعد قادراً على الاستمرار واشعر ان اجنحتي السبعين الفاً فقدت مرونتها، بل تيبست بتأثير الرفرفة كل تلك الاعوام التي ماعدت قادراً على احصائها بدقة.

استفزه الشعور بالاهانة وهو يشاهد علامات النشاط والحيوية في وجوه زملائه، فيحث الخطى مغالباً اوجاعه، لكن هذا الاستفزاز لم يكن بالقوة الكافية ليمنع عنه تلك الوساوس التي تشبه فحيح الافاعي:

هل عجزت قدرته على جعل القمر يدور وحده فيغنينا عن هذا الجهد؟ واذا كان ذالك صعباً فلماذا لاتتم ترقيتي لعمل أكثر بساطة؟ فملايين من الملائكة الاعلى رتبة لاعمل لهم سوى التسبيح تحت العرش.

شعر ان مفاصل جسده أو روحه (لم يحدد ماهيتها في الرسالة) تصدر صوتاً يشبه صوت مزلاج باب صدئ أنه أزعاج ممزوج بكثير من الأذى، ترنح قليلاً فاضطرب نظام السحب الدقيق وأهتزت العربة بعنف أدى الى سقوط القمر منها محطماً أسوار الفضة المثبتة على جوانبها في طريقه الى لجة البحر المتلاطم، لكنه مع شدة الريح لم يغرق بل ظل طافياً على احدى الموجات، ابهرت الصورة الملائكة وخطفت ابصارهم لدرجة شغلتهم عن التفكير بسحبه، لكن القمر فقد قدرته على السباحة وبدأ يغطس ببطئ تتلاقفه الامواج بلا شفقة مشكلة لوحة من الجمال والقسوة بريشة فنان محترف يعرف كيف يصدمنا بقوة تدرج الضل والضوء.

مع كل خطوة يبتعد فيها القمر كان سحره يتلاشى ونوره يخفت فاسحاً المكان لندوب مقززة تملأ وجهه، رغم بشاعة منضره فقد اغرى حوت ضخم للأنقضاض عليه قاضماً نصفه لينعم بوجبه من نور العتمة، أنتبه الملائكة أخيراً من سكرتهم مدركين بعد فوات الأوان حجم الخطيئة التي أرتكبوها بتركهم القمر ينحدر الى مصير بائس بين جنون بحر وشراهة حوت، أستسلموا لقدرهم منتظرين عقوبتهم بوجوه متجهمة، لكن صوتاً شجياً طفولي الملامح من الارض أعاد لهم الامل بعودة القمر، لم يكن الصوت مفهوماً بادئ الامرثم مالبث ان اصبح صاخباً (يا حوتة يامنحوتة هدي كمرنة العالي)*، لم يكن الصخب ناتج عن حناجر الاطفال الغضة بل عن القدور والطناجر التي استخدموها كألات ايقاع يفزعوا بها الحوت وحدث لهم ماأرادوا فالرعب دب سريعاُ الى قلب الحوت الضخم الخائف من صوت الطناجر مبادراً الى قذف القمر من بين فكيه بسرعة الى عربته، التقط الملائكة انفاسهم وشرعوا بتثبيت القمر في مكانه بشكل جيد بينما استغل ملاكنا فسحة الوقت ليكتب رسالة ويرميها من فوق السكة.

 

علاء فالح ابو رغيف

...................

أنشودة عراقية مرتبطة بميثلوجيا كسوف القمر والمستندة لأحد المفسرين الذي حاول تفسير هذه الضاهرة من منضور ديني

 

 مسرحية من فصل واحد

تأليف: ديانى جرانت

الجنس والعنف (3) / ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

(تضع سماعة التليفون، يخرج جيروم. يُسلط الضوء على منطقته. يوقف مارك عمل الخلاط، ويرفع الدورق نحوه، يشمه، يلاحظ دورثى وهى تحدق فيه بقوة. فيضع السماعات على كتفيه)

مارك: من الذى كنت تتحدثين إليه؟

دورثى: أحياناً تجيب و أحياناً لا. لماذا بحق الجحيم تسلك مثل هذا السلوك؟ أنا أسمى ذلك عشوائية التصرفات.

مارك: (مزمجراً) أنا لم يسبق أن سميت أى شيء

دورثى: الدمدمة شكل سلبى من أشكال السلوك العدوانى. أتخيل أنك تعلم ذلك.

مارك: هل أنت مستاءة من شيء ما يا دوت؟

دورثى: لا.

مارك: تبدين مستاءة.

دورثى: لست مستاءة.

مارك: أنت لست مستاءة.

دورثى: أنا لست مستاءة.

مارك: أنت حقاً تبدين مستاءة.

دورثى: (باستياء شديد) نعم.

مارك: لو كنت مستاءة. هذا سيجعلك تشعرين بتحسن كبير.

 (يشير إلى الدورق الذى أمامه) إنه مضبوط هذه المرة. شميه.

دورثى: ليس لدى الوقت.

مارك: هل أنت مستعجلة يا دوت؟

دورثى: لا

مارك: دقيقة. ما رأيك؟

(تشمه دورثى)

دورثى: هل يوجد به خمر؟

مارك: يمكن.

دورثى: أوه حسناً. صب لى كأساً صغيراً. ربما يكون جيداً.

(تخرج. يلبس مارك السماعات بانتصار. يرقص و يصب المخلوط فى الكأس. يدخل جيروم و بيده التليفون يُسلط عليه الضوء.يضرب رقماً يرن التليفون مرتين)

صوت جهاز الأنسر ماشين: مارك و دورثى دانسون. اترك رسالة. بيب

جيروم: (فى التليفون و فى الأنسر ماشين) دورثى. لم أستطع العثور على مفاتيح المكتب.

(تدخل دورثى و تحمل التليفون)

دورثى:(فى التليفون) هل نظرت فى حقيبة سفرك؟

(يبتسم مارك فى مرح وهو يحمل المشروب)

جيروم: (فى التليفون) لقد بحثت فى كل أرجاء المنزل الملعون ولم أستطع العثور عليها.

دورثى : (فى التليفون) أريدك أن تفكر جيدا جدا، يفقد الناس الأشياء لعلة ما. أنت تعلم.

جيروم: (فى التليفون) أتقولين أننى نسيت مكانها عن عمد؟

 (يقدم مارك المشروب لدورثى، فتزيحه بعيدا عنها، يعود مارك بالصينية، يلتقط مظلة ورقية صغيرة)

دورثى : (فى التليفون) أنا أخمن ذلك، ما أسمعه هو التردد، وذلك طبيعى.

جيروم: (فى التليفون) هذه نقلة كبيرة يا بيبى، أنا عصبى قليلا، ذلك كل ما فى الأمر.

دورثى:: (فى التليفون) فقط غير الكلمة، خذ نفسا عميقا وقل:

" أنا لست قلقا، أنا مثار "

(يضع مارك المظلة على حافة الكاس، و يضع الكاس فوق منشفة الكوكتيل، ثم يقدم الكأس لها، الى مارك)

ليس الآن.

جيروم:(فى التليفون) أنا لست قلقا، أنا مثار.

دورثى: (فى التليفون) قل ذلك كما لوكنت تغنى: " أنا لست قلقا، أنا مثار "

(يحوم مارك حولها والشراب فى يده)

جيروم:) فى التليفون)" أنا لست قلقا، أنا مثار "

دورثى : (فى التليفون) مرة أخرى.

(يقدم مارك المشروب لها من جديد، تكتم السماعة) أنا معى تليفون.

(تمشى بعيدا عنه، فيسير وراءها)

جيروم: (فى التليفون) " أنا لست قلقا، أنا مثار "

دورثى و جيروم معا:(فى التليفون)

 أنا لست قلقا أنا مثار.

أنا لست قلقا أنا مثار.

جيروم: (فى التليفون) يا مسيح. دورثى، لقد صرت قلقا جدا.

(يقدم لها مارك المشروب من جديد، تكتم السماعة)

دورثى: (الى مارك) لا. لا أريد ذلك الآن.

(يقف مارك هناك بإصرار والمشروب في يده)

جيروم: (فى التليفون) وجدتهم. كانوا فى جيبى.

دورثى: (فى التليفون) ذلك رائع !

جيروم: (فى التليفون) يا للقرف. إنها هناك فى كل وقت، هل أفزعتك يا بيبى

دورثى: (فى التليفون) كنت سأصاب تقريبا بنوبة قلبية أخرى.

جيروم : (فى التليفون) لا مزيد من القلق. سآخذ جواز السفر وأسبقك سريعا الى مايك.

دورثى: (بحدة فى التلفيون) لا سنأخذه ونحن فى الطريق.

جيروم : حسنا، عشر دقائق يا حبيبتى، اجهزى.

(يضع السماعة، يخرج، يُسلط الضوء عليه، تضع دورثى السماعة، وتبدأ فى التحرك، يخلع مارك السماعة ويضعها على كتفيه، ويمشى وراءها والمشروب فى يده)

مارك : إلى أين؟

دورثى: أحاول ارتداء ملابسى، عليك محاولة ذلك أحيانا.

مارك: ماذا عن مشروبك الصغير؟

دورثى: أنت لا تتخلى أبدا عما فى رأسك؟ تصر وتصر. لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟

 (تخرج)

مارك: سأحتفظ به، لسوف أجمده من أجلك.

(يضع مارك المشروب على المنضدة، ويرتدى السماعات، ثم يصفع ظهر المقعد بمضرب التنس عدة مرات، يسحب الخلاط ويصب بعضا من المخلوط على المشروب)

هل تأخذ مشروبا أيها النبات الصغير؟

(تدخل دورثى بحقيبة السفر، الآن تحزمها. معها جاكيت)

لقد حزمت حقيبة سفرك !

(تلبس دورثى الجاكيت، يضع مارك السماعات فى أذنيه)

 دورثى؟

دورثى: ماذا؟

مارك: ما الذى جرى؟

دورثى: لا شىء.

مارك: هل أنت ذاهبة الى مكان ما؟

دورثى: أنت فى الواقع لا تستطيع أن تسمع وأنت بهذه الاشياء، هل يمكن؟

(يحدق فيها)

لا أعرف السبب. ينتابنى أحيانا الشك أنك تسمعنى طوال الوقت.

مارك: ما الذى يجرى؟

دورثى: أنا خارجة، هذا هو ما يجرى.

مارك: خارجة الى أين؟

دورثى: إلى كانكن

مارك: حتى متى؟

دورثى: إلى الأبد، سأهرب بعيدا.

مارك: ومن الذى ستهربين معه؟

دورثى: جيروم.

مارك: جيروم؟ هل تهربين مع زوج أختك؟ هل تعرف لينا هذا؟

دورثى: سيرسل إليها فاكسا.

مارك: منذ متى وذلك يحدث؟

دورثى : منذ ستة أشهر.

مارك: أو حقا تهربين الآن؟

دورثى: عليه أن يكون متأكدا الآن، هو متأكد.

مارك: أذلك كل ما لديك من أقوال؟

دورثى: وماذا هناك لكى يقال؟ لست فى حاجة إليك الآن، لدى جيروم جرادل من الأموال.

مارك: أوه.

دورثى: فى هذه العالم يوجد رابحون وخاسرون، وجيروم هو الرابح.

مارك: أليست تلك قسمة زائفة؟ تقسيم الناس إلى فائزين وخاسرين طبقا لمادة نجاحهم؟ ألسنا كلنا جميعا مجرد بشر؟

دورثى: أوه، رجاء، أكره هذا النوع من الحديث.

مارك: آه

دورثى: من لديه الظن أنها تزوجت شخصا ناجحا؟ لقد كانت دائما غبية جدا؟ هل رأيت بندقيتى؟

مارك: هل تأخذين بندقيتك مع حبيبك إلى كانكون؟

دورثى: إنه عالم خطير هناك يا مارك.

مارك: ماذا عن أمن المطار؟ لن يسمحوا لك بدخول الطائرة.

دورثى: أوه. يوو. يمكن لجيروم أن يعمل أى شيء فى سبيل ذلك.

(تخرج. يقفز مارك فى الهواء و يخبط عقبيه معاً)

مارك: هوو هو هوو هو

(يخلع مارك السماعات، يقذف بالريموت فى الهواء ثم يمسك به. يخلع السلك من الراديو. يرتفع جدار من الصوت. رنة طويلة للتأكيد على نهاية الأغنية. يخرج قائمة من جيبه)

3 = تم إنجازه

(يصلب على رقم ثلاثة، يعيد القائمة إلى جيبه. يحمل الخلاط ويصب بعض السوائل على النبات)

أتأخذين مشروباً آخر إنه نبات صغير، ذلك كل ما فى الأمر.

(يصبه كله على النبات. صوت غناء أغنية بطيء)

هل تحب هذه الرقصة؟

(يرقص مع النبات. تدخل دورثى و معها مسدس)

دورثى: ماذا تفعل بذلك؟ هل جننت؟ تلك كانت هدية لى.

(تضع المسدس على المنضدة و تخرج. حاملة النبات، يوقف الموسيقى. مرعوباً يحمل المسدس بحذر ويغلق عليه الخزانة مع زجاجات.. بيتو بيسمول. و يخرج و الخلاط فى يده)

 (تدخل دورثى حاملة النبات، زهوره مكرمشة و أوراقه متساقطة فوق الوعاء)

دورثى: نباتى الجميل، لا أستطيع تصديق ذلك.

(يدخل مارك)

دورثى: لقد فعلت أشياء غبية لهذا النبات. أليس كذلك؟ التربة مبتلة. لقد انتهى النبات

مارك: (مدمدماً و مرعوباً) مات = 11

دورثى: (تدفع النبات نحوه) ارم به فى الخارج

(تمسك بمعدتها)

مارك: هل أصيبت معدتك بآلام؟

دورثى: لا أعرف السبب. لقد كانت مجرد هدية صغيرة (بعبث) هناك الكثير و زيادة من حيث أتت.

(يخرج مارك حاملاً النبات) إنه وقتى، الآن. أنا أفضل و أستحق المزيد. إنه وقتى الآن . أنا أفضل من هذا، أستحق الكثير، إنه...

(تجر حقيبة السفر إلى الباب الأول وتخرج بها)

(يدخل جيروم ومعه تليفون، يتصل. يرتدى روبا حربريا، وبنطلونا قصيرا وجوارب. يُسلط الضوء عليه. يرن الهاتف مرتين)

جهاز الأنسر ماشين: مارك و دورثى دانسون. اترك الرقم، بيب.

(يدخل مارك، يرى المشروب فوق المنضدة، فيتعامل معه )

جيروم: (فى التليفون) دورثى لا أعرف كيف أقول لك هذا

(يستمع مارك إلى جيروم، يعيد المشروب إلى المنضدة)

 إنه بخصوص لينا. لقد حضرت إلى المنزل قبل غلق المحلات. و يابوى فاجأتنى

(يضحك)

لن أخبرك ماذا كانت ترتدى تحت معطفها. كنت على حق بخصوص المرة الأولى. كانت كلها حول الجنس. كل ما أريده هو وقتاً طيباً. و أنت تستحقين أكثر من ذلك يا دوتى. أنت أفضل من ذلك.

مارك: أنت كنت.

جيروم: (فى التليفون) أعرف أنك ستفهمين يا دورثى و ستغفرين.

     (يغنى)

     أنت جعلتينى أحبك.

     لم أكن أريد أن أفعل هذا.

     لم أكن أريد أن أفعل هذا.

     أنت جعلتينى أريدك.

     و طوال الوقت كنت تعلمين ذلك.

     أخمن أنك كنت دائماً تعلمين ذلك.

     لقد جعلتينى سعيداً أحياناً

(يضع مارك المفتاح فى الدولاب لكن بسبب غضبه لم يستطع إدارة المفتاح فى قفل الدولاب. يصفع جهاز الأنسر ماشين بيده. ينظر جيروم إلى تليفونه، يضع السماعة و يخرج. يُسلط الضوء على مكانه . يسحب مارك سلك التليفون من جهاز الاستماع، يتوتر)

مارك : دورثى. أين أنت؟

(يخرج إلى غرفة الحمام)

دورثى: أين بحق الجحيم البيتو بيسمول؟

(يخرج داخلاً المطبخ. يخرج مارك من الحمام ويبدو خارجاً. تدخل دورثى وتحاول فتح باب الدولاب)

أوه. الله !

(ترى المشروب فوق المنضدة. تحمله)

حسناً، رائع  

 (ترفع المظلة من فوق الكأس و ترفعه نحو حلقها)

 من أجل الهروب على الأقل .

(تشرب. تضع الكأس. يرن التليفون. تتوقف دورثى فجأة. مندهشة بم تشعر به. يرن التليفون مرة ثانية. تترنح دورثى. تلهث. تتعثر وهى تتوجه نحو الهاتف)

جهاز الأنسر ماشين: مارك دورثى دانسون. اترك الرقم بيب

(تحاول دورثى الامساك بالتليفون فيسقط من يدها)

دورثى: مارك؟

الدكتور مورياما: (عبر الأنسر ماشين)

السيد مارك دانسون؟ هل هذا هو الرقم الصحيح؟ هذا هو الدكتور هيروشي مورياما يتصل.

(يدخل مارك، حاملا سلكا مشدودا)

أنا المدير الجديد لمعهد الأديان فى منطقة جاكورين فى أوساكا.

(يسقط مارك السلك)

لقد راجعنا المتقدمين لشغل المنصب من الخارج وقد جئت طبقا لسيرتك الذاتية.

(يحدق مارك فى دورثى. التى كانت تسعى جاهدة للتقدم للأمام وهى تلهث مقطوعة الأنفاس)

مارك: الله قادر !

(تحاول دورثى الاتصال لكن لا صوت يأتى)

الدكتور هيروشى ميرياما: أنا معجب جدا بدراستك الخاصة عن الجنس والعنف فى الكتاب المقدس. إنها جيدة جدا جدا، إذا كنت ماتزال مستعدا فإننا نود منك أن تركب الطائرة إلى أوساكا لمدة اسبوع بداية من اليوم الاثنين.

(يمسك مارك بالتليفون)

مارك: (فى التليفون)

موشى (موه شى) موشى (موه شى) د. مورياما   

(إلى دورثى) تتفق فى القافية مع بيجاما. 

[فى التليفون] معذرة، مورياما سما. مزحة صغيرة. كونشى وا. (كون ــ نى ــ شى) (واه). أوجيننكى ديس كاه؟ (أو ــ جن كى) (دس) (كاه). أنا بخير شكرا لك.

(يحاول التماسك) فقط ادخل نعم.

(يغلق الباب الأمامى)

كارى جاه فوكياسو(كاه ــ زين) (جاه)(فو ــ كى ــ ماش)

(يستمع، ثم فى التليفون)  

 هايا (هى / هيا / هى)

(يشير بعلامة الصليب إلى حامل الكتاب المقدس، تصل دورثى إليه. تجذب بنطلون بيجامته. يكتم صوت السماعة بيده، و إلى دورثى)

أنا على التليفون.

(تلهث دورثى. تموت، لا يلحظ مارك ذلك، فى التليفون)

النسخة الإنجليزية والنسخة الأمريكية للكتاب المقدس، كلاهما ذو ترجمة ممتازة.

(ينصت، ثم فى التليفون)

نعم. الجنس والعنف. أفكارى بالضبط يا سيدى.

(يخطو فوق جثة دورثى ويتجه نحو مقعده. يجلس ويضع ساقاً فوق أخرى)
تُوجد فكرتان لابد أن أتخلص منهما. لكنى سأكون هناك دومو (دوه – موه) أريجاتو (آه – رى – حاه – توه) جوزايماس (جوه – زاى – ماس)

(ينظر إلى أسفل نحو جثة دورثى.أقل ما يُقال أنه فوجئ لرؤيته الجثة هناك. يأخذ قطعة من وبر فستانها، ينصت ثم عبر التليفون)

عازب؟ أوه .. نعم...

(فى رعب)

أنا رجل عازب.

(يأخذ القائمة من جيبه يطبقها، ثم يقذف بها فى الهواء بعيداً)

ظلام

النهاية

*نوع من الخمر بطعم اليانسون.

 

المؤلفة: ديانى جرانت / Diane Grant

كاتبة مسرح وسيناريو كندية مشهورة، فازت بالعديد من الجوائز، وهى عضو نقابة المسرحيين الكنديين، من أشهر مسرحياتها: حياة كلب و عشاء الأحد و هل رأى أحد منكم روى، ومسرحية: الجنس والعنف، التى تعدها المؤلفة أهم مسرحياتها واقربها الى نفسها

 

وأنت َ تشاهد ُ الرماد َ الملغم َ بالليل.

الملغم َبالموت حتى الصباح.

 

لغة ٌ خلعتْ اسمَها في خبر كان

   

A   

حتما ً أنّ .. خبر  كان يعرفـُك َ جيدا ً

والدخول كذلك ...

حتما ً تشهق ُ من الشوق ِ إليك َ :

ميسلون والفردوس

الميدان والحرية

الرصافة والشهداء

الإذاعة .... وليستْ وزارة الدفاع ..

فأنت َ نشوة ٌ من حلم ٍ ترقص ُ فوق َ أروقة ِ المكان

تنثرُ عطرك َ العراقي...وتغرد كماء دجلة .. وتحزن مثل الفرات ...

تنهارُ أمام وجع الأرامل .. تتوكأ على حروفك َ وتغص بالكلمات  ..!!

كلنا كلمات ٌ ... لكنها سوداء ..بعدما لوّث بكارتـَها الدخان ُ.. وحيض الحرب ..

الحروب ُ التي أحالتْ عشتار َ إلى ظلام ٍ ..

ظلام ٌ عاطل ٌ عن السكون ..!!

أحالتْ نجومـَنا بلا عيون ٍ .. والقمر َ العراقي أميرا ً يتيما ً ...

الحروب ُ التي زرعتْ بأرواحنا الظلام .. وبأضلعنا إرثها المقيت .

حروب ٌ تجوع ُ ... وقياصرة ٌ تضخ ُ لها الدم ..!!

قياصرة ٌ من حجر . أحلامهم رمال ... وطرقهم مبلطة ٌ بالذهب .!

أمراء ٌ شواربهم بلا ثمر تتوزع ُ فوق الوجوه بلغة ٍ صماء.

لغة ٌ خلعتْ إسمـَها وأحاطتْ بأبي نواس والمتنبي وشارع الرشيد.

إنها لغة ُ الفصول .

(وما من نداء ٍ وما من مجيب) 31

ويبقى خبرُ كان والدخول  يعرفونك َ جيدا ً

وكذلك نوارسي .

نوارسي اللواتي استفقن َ على صوت  ِ كان وليس خبرها .

 استفقن َ

وأنت َ تشاهد ُ الرماد َ الملغم َ بالليل .

الملغم َبالموت حتى الصباح .

الصباح ُ سجائرك َ الباقيات ... سجائرُك َ التي تقول ُ :

(ومرَ علينا المماليك ُ والأنجليز

سلاجقة ٌ... بويهيون .. برامكة ٌ .. وحنابل ..

خوارج ٌ .. أمويون ..

كل ٌ تفـنن في القتل والسخل والجلد ,,) 87

ويبقى حفيفك َ يرسم ُ كل َ السنين .. وتبقى أصابعـُك َ خيمة ٌ للنخيل

وأنت َ الحقيقة ُ والحلم ..

وأنت َ الذي لايـُجيد ُ الثبوت ... تشيد ُ للتوازن ِ

وتعزف ُ لحن َ الوصول ِ إلى نقطة ٍ .

(نقطة ٌ لا تجيد التحرك

إلا على الدوران ...) 76

 

(ليس لنا

 موعـد للرحيل .. ولا للرجوع ولا للوصول

للموت ولا للحياة ... هكذا نحن ...) 76

نعم

 

هكذا نحن نرقص ُ حد الثمالة

ونبني العراق .

نرقص ُ حد الثمالة

لنخيط َ ثوبا ً للقمر

وثوبا ً لكل البشر .

(ياوردة القلب .. لاتستفـيقي ..دعي الحلم َ ينمو ...) 88

لماذا إذن؟

لماذا يريدون قتل َ القمر؟

لأني الوحيد ُ الذي ألبس َ الطير َ أغنية ً

وفاز َ بامرأة ٍمدت ْ جدائلها إلى الشمس

كي يستريح َ النور .

بعدما أختنق َ التراب ُ بالدم .

هكذا نحن ـ أيها العبيدي ـ

أمامنا ـ وبالتأكيد ـ غابة من الوحوش ..

لكنه ُ النهر يبقى هو السيد المستمر

وتبقى السماء ُ

تشهد ُ لبابل َ بالخلود !

 

 

B

إننا تلك المسافة الحبلى بالنشيج

والنشيج ُ المستمر ...

وتأريخ ذاكرتي منح َ لوطنه فرصة الدخول والغوص

في التأمل ولكن على حساب (الدخول في خبر كان)

الدخول ُ هنا

لا يعـني سوى الخروج من منطقة سلـّمتْ للشاعر العبيدي مفايتحـَها

بكل خشوع ٍ وهو يتوحد ُ فـيها بكل نوافـذ الروح وأنهار القـلب ...

(منْ يضمني حتى أنام .

منْ ذا يعيد بدمعه صفـو الحياة

وبهجة الرمان في زهو البساتين ..) 32

وحيثما يوجد التوحد تنتشر ُ جيوش ُ الفـراق

لتسوق َ بعصاها الزبد َـ وهل يذهب ُ جـُفاء؟ ـ

(منْ ذا سيحملني إليك

وقد نأت بيننا الدنيا) 32

(الليل ُ يصرخ ُ في عـيوني والشوارع والأزقة) 34

الصراخ ُ هو تقهقر ُ الذات للوصول ِ إلى الهدف ولكن عن طريق الرؤيا الثابتة

من خلال العيون حتى تطمئن النفس ُبعدما تسد الحاجة التي افـتقدت ْ مملكتها في اللحظة التي كانتْ هي تتجلى في الجسد عن طريق الحلم!

لكن صراخ الليل

لا يعني أن هناك حاجة أراد َ صاحبـُها أن يشبع َ رغباتـَه ُ من رحيقـها، بل هو إعلان عن انهيار ثابتْ ومستمر .. وموجها ً

 

حرائقـَه ُ أمام عيون الشاعـر

مجرجرا ً معهُ الشوارع َ والأزقة َ

حتى لا يبقى حيز يلوذ ُ به الشاعـر

إلا من هذا النزيف المبرمج بأيد ٍ خانت ْ أظافرَها لتختزل العناكب والخفافيش أيضا ً ..

ويبقى صراخ ُ الليل

وتبقى أنوثة ُ النهر

ويبقى البرتقال ُ السابح ُ مع القداح

وتبقى ـ عاشوراء ـ  والغربة ُ... ولون ُ الذل.

هناك  تشقـق َ قلب ث الشاعـر

إلى كتب ٍ .. جدار ٍ .. وطريق

ليخلق َ لنا رغـيفا ً

أحاط َ به ِ كل ُ الشهداء ِ ... ولكن:

(ما من نداء ٍ ولا من مجيب!)

 

بقلم: حسن رحيم الخرساني - السويد

..........................

هامش

(31 ـ 87 ـ 76 ـ 32 ـ 34) مقاكع من مجموعـة الشاعـر

وديع العبيدي ـ الدخول في خبر كان ـ

دار الأمين للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2004