المثقف - نصوص ادبية

بين مولاتي وموالاتي

سألتني مولاتي عن موالاتي؛ فقلت موالاتي يا مولاتي؛ هو علي الوجه الآتي

لكل انسان نبيل وللعمل الفضيل؛ للورد البهيج الجميل وللطير الهديل في الحياة

 لكل شيئ في قائمة الجمال آت؛ في الوجود للجمال والحب كالعلامات والآيات

خرير الانهار؛ حفيف الاشجار؛ وصوت الاطيار؛ للشمس والقمر والنيرّات

للنسيم العليل الاتي من بين بساتين النخيل؛ للاريج العاطر من الورود اليانعات

و كركرة بريئة من طفل؛ او قطرة ندية من طل؛ على وجوه الازهار الرقيقات

لحضن أَمٍ تمنح الحب والحنان؛ وتملأ الروح بالسكينة والاطمئنان؛ يا مولاتي

او فمٌ لحبيبة تقطر شهدا؛ او خدٌ يماثل وردا؛ او رشفة تُنسيني همومي الكثيرات

قالت : الله عليك ايها الهائم؛ في بحر العشق عائم؛ حذار الغوص في بحر الظلمات

كلكامش الباحث عن عشبة الخلود؛ عبر كل الحدود؛ غاص وعاد بأيادِ خاليات

قلت :آثر شعبه على نفسه وضع العشبة على جنبه؛ وكانت احدى اعظم التضحيات

لم ياكلها واخذه النعاس؛ واسد التراب كان يستعد للاختلاس؛ من خلف الشجيرات

تضحيته افقدته ما وجد؛ بعد جهد وكد؛ هذا الذي رأى كل شيء اصبح من الفانيات

لكن خُلّد ذكره كملك وبطل؛ وعظيم جَلل؛ وتغنت بأِسمه عذارى اوروك الجميلات

فكان هو الملك العادل والحاكم الفاضل؛ وليس كما قال القائل؛ وجاء في الروايات

قالت : لكن الرقيم يقول غير ذلك؛ قلت بل الرقيم يقول ذلك؛ لا تصدقي بالخرافات

ليس كل ما كُتب صحيح؛ ولا كل ما مُلح مليح؛ بعض الاقلام لا تكتب الا الترّهات

تقلل من شان الجليل الكبير وترفع من شأن الصغير الحقير؛ وتميل مع المائلات

فكم من باطل صار حقا؛ وكم من حق صار باطلا؛ والحقيقة دفنت كعظمة الرفات

لا يغرنك بعض الاسماء والعنواين؛ أنها اشكال بلا مضامين؛ كالكلمات الفارغات

كل قبيح يقابله جميل وكل صحيح يقابله عليل؛ هي الحياة بين الموجبات والسالبات

العاقل من يتعض بغيره ويعرف خيره من شره؛ فمن يتَّعض من دروسي وعِبْراتي

ان لكل غرام؛ عذاب لازم؛ وشر دائم؛ لذلك اتحمل طائعا في الغرام كل غراماتي

اعلم ان لكل نجاح غدر آثم؛و حسد قائم؛ لذلك لا يهمني كم ادفع ضريبة لنجاحاتي

بعض النجاح مصدر للهنات وللهّنات؛ ومجلب للشزر بالسنان بعد شزر النظرات

و لا تظنن انها تأتيك فقط من البعيدين والبعيدات؛ بل ايضا من القريبين والقريبات

قد لا يكون جزاء الاحسان بالاحسان دائما بل قد يرد عليك باكثر الشرور واللعنات

فكم سموت بالبعض الى الاعالي؛ دبّر المكائد في جوف الليالي؛ ليقصقص جناحاتي

من اسكنته في شغاف القلب واسيقته من رحيق الحب؛ ضرب بقسوة في صميماتي

اشتد بي الوجع والألم؛ ونال مني الهم والسقم؛ آه كم سالت من غير بكاء عَبَرَاتي

كمدت احزاني بين ضلوعي؛ واستضاءت بنيراني شموعي؛ وانارت جميع جنباتي

سحابة بارقة في السماء؛ سألتها قطرات من ماء؛ قالت ما كل بارقة تجود بالقطرات

الحبيب الذي كان حلم حياتي؛ تغافل عن هنّاته وتذكر هيناتي؛ وتعامى عن معاناتي

 ثم ارسلَ غراب البين ليقطع كل بين؛ ارسلتُ بيض الحمائم فعادت كسيرة الجناحات

نسى كل خبز بيننا وملح؛ واذاب في جرحي سبخة ملح؛ ليزيد من آلآمي وآهاتي

رُميتُ غدرا بذوات رماح؛ ولدُغتُ من عقارب برماح؛ من بني اخلاف وعلاّت

ان العشق للعاشق شرع ودرع؛ والعاشق في الاعالي نبع؛ لكل القلوب الصافيات

سقط من رماني في سرابه؛ صار يسأل الماء من سرابه؛ بكل سًرْوٍ اسقيته بالفرات

و هو على هون؛ سألني الصفح والعون؛ فرميته كما رماني لا بسهام بل بالقبلات

قال : المٌحَدِّث حرفك مُحدِث وللوقع مُحدِث؛ بيدي اني ارى احزانا خلف الابتسامات

قلت : لي لا تسل بل للقلب الذي سله السل سل؛ وسل واسل ومنه سل كل حسراتي

قال : يا لوعتي يا لهفتي يا حسرتي؛ كم تجرَّعتَ صامتا كؤوسا من مرارة الطعنات

قلت : هذا قطر من بحر؛ ونزر من كثر؛ قال : ولم لا تبثها يا صاحب المقامات ؟

قلت : ولمن ابثها يا سيدي وانت العالم؛ ان القاضي هو الظالم؛ فكيف يعيد ظًلاماتي

لكني شكوت الى الله امري؛ العالم بالعلن والسر؛ فوهبني صبرا صار من كراماتي

فتحملت الجائر حتى من جوره ملّ؛ وبعد حِلٍه خائبا ارتحل؛ راح يجرُّ اذيال الخيبات

بسيف مفلول وجيش مفلول؛ كأنه عليل غليل مغلول؛ تلاحقه حوبات الناس وحوباتي

آخرون مثله ممن فقدوا الضمير؛ لا قوا نفس المصير؛ هم من اكابر القوم والرجالات

المرء بالاخلاق يسمو ذكره؛ والاخلاق هو الحب مصدره؛ وبماء الحب اعمّد عباراتي

يا مولاتي؛ اختم بالآتي : انا من ماضي الزمان وآت؛ في موالاتي للجمال ظهرت آياتي

ان اعجبتْ ما كتبتُ آياتي من هم في الادب اصحاب المعالي والمقامات عدت الى كلماتي

العكس بالعكس سوف ابحث الموضوع بالطرد والعكس؛ واعتبره جاء عكس تصوراتي

 بكل الاحوال فان الباحث عن الجمال سوف لن يفقد الامال؛ وساعيد من جديد محاولاتي

 قد تصيب وقد تخيب ليست كل السهام تصيب؛ ولكل امرئ ما نوى أِنما الاعمال بالنيّات

قالت : قد يعرض لك عارض من بعض اهل العروض والأعاريض ويُعرّضك للأتهامات

فالبحور انحسرت والشطور انشطرت والصدور ترهلت والاعجاز عجزت في الابيات

قلت : يا مولاتي ليست قصائدا او ابياتا مقاماتي؛ ولا ضير ان ازينها بالقافيات الجميلات

اذا الوردة الجميلة تزيد من جمال جميلة؛ فكيف بها اذا تزينت بأكاليل من الورود والباقات

توسع المجال للمقال في المقامات واختفى من كان اسمه وهماً يخترع من الخيال حكاياتي

يَراعي يكتب ولا يُراعي لليراع واليراع؛ حروفا هي كاليراعات التي تضيئ في الظلماتَ

يَراعي يغني للوطن والانسان ويُراعي؛ ويراعي يراعي الجمال الذي يسترعي نظراتي

 

 

 

 

تعليقات (6)

  1. جمعة عبدالله

الاديب الكبير
رائد المقامة الحديثة
جمالية ابداعية مركبة على مكونين , المقامة والشعر ( المقامة الشعرية ) وحافظت على جمالية هذين المكونين , في تدفق ابداعي جميل وشفاف , مما حمل النص المشترك يتربع على قمة النضوج الابداعي والفني , وبدعامة ناصية الوضوح والصدق في التعبير في الرؤى والمتخيل الفني والادبي . فجاءت محملة كالحبلى , في ايقاعها ونغمها الموسيقي , في التعبير والوصف والتصوير , كأن كل مقطع يحمل لوحة رسمية رائعة الجمال الفني , في دعامة الابتكار والتحديث والتجديد , في خميرة الاشكال والاصناف الادبية , ووجدت هذا التوافق المنسجم في الشكل والمضمون , في دهشة المؤثرات السمعية والمرئية والصوتية , مما عمقت عوامل وافعال , التأثير والاثارة والانفعال , لتيقظ احاسيس المتلقي وتحفزه , بهذه الطاقة المشحونة , في التألق في انغام السجع وانغام الشعر . في لوحة انسجامية سيمائية مدهشة من روائع فنون البديع ومحسناته . لتظيف شحنة ذائقة في المشاعر , لتجعل القارئ يتحسسها بانسجام , حي مؤثر في التعبير والايحاء البليغ , كأن المتلقي الفكري , نسج نفسه بنفسه , ليخلق هذه الوليد , ليطير من جديد كالطير العنقاء , الذي يحترق ليولد من جديد في فتوة الشباب وعنفوانه . مما جعل النص المشترك ( المقامة الشعرية ) تنسج افكارها السديدة من واقعنا المعفر بالغبار الاصفر , وغياب الرؤية , في البصر والبصيرة . هذه الافكار جاءت من عقل خبير ومجرب ومن محترق بوجعها ولوعتها , صاغها كأنه نساج حاذق وماهر ومحترف في صنعته الابداعية , في تطريز وتلوين لوحاته وتشكيلها , بشكل مدهش من البناء والتركيب والصياغة . لاشك وظف خزين امكاناته اللغوية والاديبة والفنية , لتخرج هذه اللوحات الرسمية عميقة في المعنى والمضمون الواقعي , دون حاجة الى تلوين بالرسومات السريالية , فقد كانت من الوضح المبهر , في الوصف والتصوير , وهي تغور الى اعماق في مثلبات الواقع الوخيم . لتصور اشياءه دون تزويق وتجميل . في استخدام مبدع في كل المؤثرات , التي تجعلنا عرايا امام مرأتها , فقد وظف المؤثرات ( التاريخية والحصارية والموروثات الدينية والشعبية ) في الانزياح البلاغي والتعبيري المؤثر , مما تدغدغ احاسيس المتلقي وتفعل فعلتها في النفوس . مما اعطى عامل المحاكاة لمفردات الانزياح , كأنها وليدة اليوم , في الواقع المحسوس والموجود والمعنوي والمجازي . هذه مقومات النص المشترك ( المقامة الشعرية ) , كأنها تغرف من علم الجمال وخصائصه البديعة بشكل ناضج , في رؤيته الخاصة والعامة . وفي بنية الدلالية للشكل والمضمون . لاشك ان الابعاد الفكرية ل ( موالاتي ) اجابت على تساؤلات ( مولاتي ) بكل وضوح وانسجام وتوافق بين الحاس والمحسوس , او بين الدال والمدلول , في صفاء ذهني مدهش , لايقبل الغش والتزوير , ولا يقبل التلاعب على العقول والذقون , ولا تقبل التأويلات الغامضة المبهمة . استطيع ان اقول بأن النص المشترك ( المقامة الشعرية ) جاءت متكاملة من عدة وجوه ومقومات , ولعب بها الابتكار والتجريب والتحديث العامل الاول . ونجحت بشكل مدهش من الاعجاب , وتجاوزت كثير على السائد المألوف . ان غايتها الاساسية الجمال الابداعي المبتكر ,
ودمتم في خير وصحة وعافية

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1. سامي العامري

كلكامش الباحث عن عشبة الخلود؛ عبر كل الحدود؛ غاص وعاد بأيادِ خاليات
قلت :آثر شعبه على نفسه وضع العشبة على جنبه؛ وكانت احدى اعظم التضحيات
ــــــــــ
فهم بديع رفيع مفارق لما أوصت به الملحمة ! وطبعا اقتباسي هنا شذرة واحدة من عقد زمردي ذي لألاء ...
دمت في هناءة ورائع إبداع

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1. زاحم جهاد مطر

الاستاذ جمعة عبد الله
قبل كل شيئ اشكرك على هذه الدراسة التحليلية المعمقة كعادتك في البحث و التقصي المضني و المتعب في التفاصيل الدقيقة و تشعلات النص الظاهرية منها و الباطنية واهدافها و غاياتها المكشوفة و المستورة لتخرج اخير بدراسة علمية معرفية تستوعب كل شاردة و واردة .
اعتقد بان الاطر الادبية التي تعودنا عليها تحتاج الى تطوير و تحديث و بما يتلائم مع عصرنا العلمي التقني بالاضافة الى ذلك فان الرتابة التي تعودنا عليها في كتابة الشعر و المقامة و المقالة بكل صنوفها و انواعها تدعونا الى التحرك لايجاد وسائل اخرى تدعم ما موجود و تطوره و تبعث فيه روح التجديد و التحديث و اضفاء جمالية اكثر الى ما موجود ؛ وقد يثير هذا الشيئ بعض الاخوة و الاخوات من المتمسكين بما موجود ؛ ولكن الموجود هو نتاج اخر ما نوصل اليه العقل الانساني بصورة عامة و العربيى بصورة خاصة بعد التطوير و التجديد المستمرين من قبل الاجيال ؛ وحتى الشعر العربي القديم لم يستقم امره بشكل نهائي الا بعد ان تم تحديد يحوره من قبل الفراهيدي ؛ و بالرغم من ذلك بدات اصناف اخرى من الشعر يظهر على الوجود مثل المرسل و الحر وووووالخ وهذا الشيئ ينطبق على صنوف الادب الاخرى ؛ تطبيقا للمثل القائل : و لكل مقام مقال و لكل زمان دولة و رجال ؛
ان الامر ليس بالسهل ان تقدم على مشروع ادبي قد يعتبره البعض مخالفا و قد يعتبره البعض الاخر كفرا ؛ و لكن التعامل بهذه الصيغة بدون شك و بلا مناقشة و الحكم بلا روية و تبصر لهو نوع من التدمير لكل شيئ جديد و تطور ؛
انه نوع من المجازفة كما تعلم ؛و استفزاز لافكار بعض الاحبة ؛ وكما ترى فانه ليس مساسا بالقديم ابدا بل استلهاما منه ؛ ومن خلال غوصي في بحر المقامة و اغراضها و اساليبها وجدت من المستحيل على الكاتب ان يكتب بنفس الطريقة لاختلاف كل المقاييس الاجتماعية و الثقافية ووو الخ ؛ و واحدة من اهم اسباب تاخر المقامة الادبية عن مثيلاتها هي محاولة كتابتها بنفس الطريقة و الاسلوب ؛ و لذلك عزف الكتاب الا ما ندر عن التقرب منها ؛ طبعا الاضافة الى اسباب اخر.و التجديد ضرورة وهي اتية لا محال مثل ( المودة ) ؛ وعلينا ان نستوعبها ؛
اشكرك مرة اخرى ولنكتب معا ما نشعر به انه الجمال و كفى ؛

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1. زاحم جهاد مطر

سامي العامري
ايها الرقيق المحمل بطيب الشذى وحروف الحرير المعمدة بنهر الرقة
لا اخفيك فان حروفي المتواضعة هذه صدى لقصيدتك التي قرأتها و قلت لك : الهمتني ايها الجميل ؛ و لكني لا اعرف كنه ؛ ولكن ات ات .
اسعدتني بتعليقك .
انا لم اخالف الملحمة ؛ بل قلت قولتها ؛ و صرحت بما صرحت بها ؛ بكل وضوح و شفافية ؛ و لكن المعظم و ليس البعض من لا يقرأ بصورة كاملة ؛ و يردد صوت من يريد تشويه صورة العراقي الحاضر من خلال تشويه صورة رموزه الاصلية مثل كلكامش ؛
محبتي لك ايها الجميل

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1. رند الربيعي

وانا اتنقل بين زهور عطرات وانا اعشق الزهور أتلفت

أيهما اقطف لازين بها حديقتي المتواضعة من هذا

النبع الغزير حقيقة أقف أمام مبدع من الدرجة الأولى

في هذا الفن الذي كاد أن ينقرض في أدبنا الحديث
تقديري واحترامي لك أستاذي ومعلمي

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1. زاحم جهاد مطر

رند الربيعي
الشاعرة الرقيقة
اشكرك جدا على تعليقك الجميل .
انها محاولة متواضعة للخروج من شرنقة القوالب الجاهزة التي تعودنا عليها نحو فضاء اوسع و اجمل ؛
ادبنا و تراثنا الخالد كالبحر الزاخر بمكامن الجمال و البهاء ؛ فقط نحتاج الى شيئ من الجنون لنغوص و نستخرج .
شكري و تقديري

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-02-14 12:10:57.