المثقف - نصوص ادبية

عودة العرجون القديم

وهكذا طرد المعلم من بلدته بتهمة تخدير شباب البلدة بالفرح الكاذب .. وذلك بعد أن عم القحط وقل الرزق، وبعد الجوع وتفرق الجموع ..

تسلل تلميذه ولحق به ، توسل إليه وأنفاسه تتقطع أن يسمح له بالانضمام إلى رحلته ..

نظر المعلم إلى الأرض طويلا ثم قال: ستتعب يا فتى فرحلتي طويلة .. طويلة .. ودربي أشوال وحجارة عد إلى أمك .

تململ الفتى وترقرق الدمع في عينيه، فمسح المعلم على رأسه الحليق وابتسم .. وقال له: اتبعني ..

مشى الفتى يتأخر خطوة واحدة عن معلمه .. وبدأت الرحلة الطويلة مجهولة الوجهة ..

وبعد أن هدّهما التعب اختار المعلم أكمة بين جبلين وجلس يتبعه تلميذه .. أخرج صرة تشابكت ألوانها ،فتحها بأصابع مرتجفة وبعد البسملة الطويلة أشار لتلميذه أن يبدأ بالطعام ..

قال المعلم: بالتين والزيتون سيعود بلدنا آمناً أمينا .. لا تقنط يا بني ففي الشجرتين سر الله .. انظر إلى الطيور كيف تلاحق رائحة التين وتحمل خلودها وتزرقه في كل مكان .. انظر إلى الزيتون يخرج منه الزيت، ومن الزيت يخرج النور .. يا بني من كهف ولدنا وللكهف نعود .. سنصليّ كي يبقى السر باسطاً ذراعيه على طرقات رحلتنا ..

مسح لحيته البيضاء الطويلة وشكر ربه .. ثم وبإشارة منه قفز الفتى لمتابعة الطريق .. نظر المعلم إلى المساحات الخضراء التي وصلوا إليها وشنف أذنيه لأصوات الطبيعة العظيمة .. كانت العناصر ترتل أناشيد اللون والضوء ..

تمتم تلميذه على استحياء: معلمي لماذا لا نأتي بأهلنا إلى هنا .. انظر ما أبهى هذا المكان .. تتفجر حبات الرمان كالياقوت والأعناب دانية القطاف والماء نمير .. والأخضر ينسفح في كل مكان ..

صمت المعلم وقد أربد وجهه ثم صاح مزمجراً: تأدب يا فتى .. فما ضلّ صاحبك وما غوى .. فلهذه الأرض رب يحميها .. لا تنظر إلى ما ليس لك كيلا تفقد ما بيديك .. فأنت صلصال وماء وناء .. فكن ماء حينما تحترق وكن صلصالاً حينما تورق .. وكن ناراً حينما يهزمك الباطل .

أسقط بين يدي تلميذه ولاح من البعيد ما يشبه الكوخ فغذا السير باتجاهه .. كان الكوخ مبيناً من حجارة تتعشق بينها الأعشاب الطرية، والأزهار الندية وتحف به أشجار السرو والكينا .. أبعد الفتى الغصون التي تحجب باب الكوخ كي يمر معلمه ثم أطلق سراحها فاصطفقت بتمرد جميل .. التحق الفتى بمعلمه وراقبه وهو يمدد عباءته ويطرح عماته ثم يستلقي ويذهب في نوم طويل .. بينما بقي تلميذه مستيقظاً يهش أسراب الذباب والبعوض عن وجه المعلم الذي لوحته الشمس وخدّده الزمان والجوع ..

تململ المعلم في فراشه .. تحركت شفتاه وصاح بألم: انشق القمر وأزفت الآزفة .. اقتربت الساعة .. دثروني .. هبّ التلميذ لاحتضان المعلم الذي لملم نفسه، والإعياء باد عليه .. هرع الفتى يبحث عن إناء في هذا المدى الكبير حتى اهتدى إلى حجارة على شكل جرن، ملأها بماء الغدير ودخل الكوخ وهو يترنح .. توضأ الشيخ وصلى .. ثم خرج من الكوخ وقد صفت نفسه ورقّ قلبه .. نظر إلى القمر فوجده بدراً مكتملاً يتربع كبد السماء، يميل بوجهه الناصع، ويغمر الأرض بلونه الحليبي الصافي .. عاد إلى الكوخ وقال كمن يحدث نفسه: رأيت فيما يرى النائم أنني بين أقوام تشبه القردة .. لحاهم شعثاء وعيونهم ممطوطة للأسفل، وشفاههم غليظة وأسنانهم عريضة كبيرة .. وشعورهم مسترسلة على ظهورهم .. أقاموا مأدبة ودعوني إليها .. فرشوا السجاد ووضعوا أرائك من الحرير .. فرشوا المفارش ووضعوا فوقها الأباريق والأكواب التي يلمع ويقرقر من جوانبها حبيبات الخمر المشتهى،وتوزعت الفاكهة بكل الأحجام والألوان، وصفوا لحم الضأن في أطباق من زجاج دمشقي صقيل ثم صفقوا فدخلت قمر وبدأت تتمايل بخصر رهيف شفيف وقدّ ممشوق كنخلة .. وصدر من مارج من نار وشعر يطير بلون الزفير، تغمز بعينين تومضان وتلمعان كالفيروز وتبتسم بشفتين من زمرد ..

فجأة ودون أي مقدمات قام كبير القرود وشق القمر إلى نصفين .. أصابتني القشعريرة وصحت حتى تجرّح حلقي، فأتبعوني بها وشقوني إلى نصفين بسيف تبرز من قبضته حروف عربية كبيرة .. ثم شقوا كل نصف مني إلى نصفين .. ثم إلى ربعين حملت أنصافي وأرباعي حتى ملئ الكون بي .. همت على وجهي .. مررت بقبائل وشعوب من كافة الأجناس والألوان .. مررت بشعوب عراة، وأخرى محتشمة حد التطرف .. دخلت الأرحام وانتظرت تسعة أقمار ثم خرجت .. ثم دخلت .. وكلما بليت أعود وأمتلئ باللحم والدم ..

مرة أكون ذكراً ومرة أنا أنثى .. مرة أئم المؤمنين وأصلي كي يعود الفيروز والياقوت والزفير إلى أماكنهم ويهطل المطر على السنوات العجاف .. ومرة أرعى قدّاساً وأناول المؤمنين خمرة العشق الإلهي ..

فمن أكون يا تلميذي .. من أكون !

ركع التلميذ أمام معلمه وشهق بدموعه وقال بصوت كالعويل:

صلّ لأجلنا يا مولانا .. صلّ لأجلنا يا أبانا .. فأنت روح هاربة من جسد فان .

همهم المعلم وعيناه تجوسان في هذه المفازات اللامتناهية: أنا المشتاق يا ولدي .. أنا المطرود .. أنا العاشق .. أنا المعشوق ..

صفرت الريح .. وعجّ الغبار وتحركت عناصر الكون .. وبرق الغرب فرد له الشرق الصوت وحمحمت الجهات الأربعة .. وتجمعت السحب متلاصقة مترادفة تستجيب لصوت أمها الطبيعة .. سقط أول الغيث .. ثم تتالت خيوط المطر بالانهمار .. فتح المعلم عباءته وخلع عمامته وركع على الأرض وطلب من تلميذه أن يفعل مثله .. تهجد صوته ورتل ببكاء يقطع نياط القلب:

عليك بكتمان السر .. عليك بقلة الكلام .. عليك بالحب ..  .. عليك بالحب .. عليك بالحب اقرأ عليّ (( أبداً تحن إليكم الأرواح .. ))

فقرأ الفتى ودموعه تبلل خديه اللذين أنضجهما المطر .. فأردف المعلم كي يزيد من حماس الفتى: اقرأ .. اقرأ ولا تتوقف فإن الله يسمعنا .. ويريد منا أن نبحث عن قمر ونعيد إليها نصفها المسروق ..

قال الفتى بوجد: كم كان الطريق طويلاً يا معلمي .. هل للأقمار منازل ؟

صاح المعلم بمرح: هل تعبت يا فتى ؟

بعد هذه الرؤية سأحارب خرافات الجسد، وأخرج النور من ظلمات القلوب سنعيد نصف قمر المتشظي .. سنمر على البلدان .. سنجده ونعيده لها قمراً وحيداً .. كاملاً يضيء هذا الظلام القبيح المتفشي .. ثم نعود إلى بلدنا المعشوق الأول .. لا بد أن المطر يدق الآن فوق أسطح بيوتنا ويغمر حقولنا .. ويقف على نوافذنا وشوارعنا .. لا بد أن خيوط المطر تتراقص مع نار تنانيرنا حيث سيسمع قصص النساء اللواتي يصنعن أقماراً من خبز وفرح ..

غن يا فتى أبداً تحن إليكم الأرواح .

 

.......................

هامش: أبداً تحن إليكم الأرواح .. مقطع من قصيدة طويلة للسهروردي.

 

 

تعليقات (8)

الاديبة القديرة
قصة مشبعة بالايحاء والرمز , في مقارنة الخير والشر , العلم والخرافة ,ترجمت مشكل العالم العربي . بالسطرة عليه روح الباطل والشر ومطاردة اصحاب الحلم والخير , الواقع الذيوهزم الحب والخير والروح النقية , واصبح طريهما مجهول ومعقد . ومكروه لا يتآلف مع شرور الباطل والخرافة , التي سيطرت على العقول والواقع . رغم ان روح الخير والحب , تخرجنا من الظلمات الى النور , ورغم ان الخير الصالح والحب , هو الذي يعيد للحياة وجهها الحقيقي , ويعيد للقمر بكامل بدره . لكن الواقع متشبث باصحاب الخرفات , والعقول الظلامية القبيحة بكل صورها . ولا يمكن الخروج من هذه الدهاليز الظلامية . إلا بعودة الروح الى اصلها , الى الحب الذي سيكون عودة الحياة والاقمار الى حلتها الكاملة
ودمتم بخير

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

ممتنة لك أستاذ جمعة عبد الله لهذه القراءة الجميلة

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

فاديا
ارجو ان تكوني بخير
باسلوبها المتميز الميتكر و بقدرتها الفنية الخارقة على توليف الرموز الزمانية و المكانية المختلفة القديمة منها و الحالية و ربط الحاضر و الماضي و الواقع بالخيالي لتنسج نصا يبدوا للقارئ الداخل الى عالم فاديا وكانه يدخل عالما سورياليا يجهل تفسيره ؛ و لكن بشئ من الصبر و التاني و التامل يجد المتلقي نفسه امام زخرفة جمالية مبهرة تنشد فيها الالوان و تترنم اشعة الضياء وهي تشير الى اسرار الواقع الذي عشناه او الذي ما نزال نعيشه ؛ هذا الواقع الذي فرض علينا وحوشا تحمل الموت و الدمار و الحريق لكل ما هو جميل و بهي في دواخلنا ؛ و لكن لا بد من انحساره يوما ؛ و بدون شك فانه شق في القلوب اخاديد الاحزان و الاوجاع التي لا يمكن نسيانها بسرعة الايام .
دمت يا فاديا و دام نصوصك المعبرة عما عانيناه و ما نعانية من وحشية و همجية و فكر متطرف لا يؤمن بالفضائل .
محبتي و تقديري

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1.    زاحم جهاد مطر

كل الشكر والامتنان للمبدع زاحم الذي تعلمت منه الكثير .. ربما يأتي النهار بكل ما نبغي

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

مساء الأنوار والأقمار فاديا
لازالت شهر زاد الحمصية تتململ داخل روحك المملوءة بالسؤال الباحثة عن الحب الآملة في غد أفضل ولا زالت تسرد بكل ذكاء ما كان وماسيكون
أكيد أن الأمطار ستغسل كل الأدران وأن شطري القمر سيلتقيان في يوم كان مقداره الحب
هنيئا لنا بهذا الخيال الجميل وهذا الإبداع السلسبيل
تحياتي فادو لعودتك للنشر من جديد
استمعت كثيرا بقصتك فلك الحب والورد والأقمار يا شهرزاد

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1.    فاطمة الزهراء بولعراس

كل الشكر الراقية فاطمة لما جاد قلمك الباهر وأضاف لنصي كل هذا البهاء

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

سفر في الروح وفي الوطن في الذات وفي الآخر.
نص طقوسه قرآنية، انجيلية، صوفية.
سفر ألم وعودة أمل.
تحياتي
قارئ

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1.    قارئ

شكراً لقارئي الغالي تمنياتي لك

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-02-15 12:11:52.