حيدر فوزي الشكرجي
سامي جواد كاظم
آمال عواد رضوان
ا. د. فاروق مواسي
د. صادق السامرائي

حسن رحيم الخرسان: لا أحد بإتجاه أحد

hasanrahim alkhorasaniينهضُ من جمجمتي طقسُ المقابر

تنهضُ جثثٌ تكسرُ كلَّ المرايا

 

 


 

لا أحد بإتجاه أحد.. والنخلةُ بلا رأس

/ حسن رحيم الخرساني

 

وأنا أعجنُ أختلافَ الضوء

جاءتْ إليّ نخلةٌ ـ بلا رأس ـ

حررتْ هشاشتي بوابلٍ غامض

وحررتني من هذا التآكل

في هذا البرد

النخلةُ بلا رأس

وأنا مازالتُ واقفا ً

. لا مُنحنيا ً

أعجنُ أختلافَ الضوء

تسألني طفلة ٌ

يهمسُ لها الموتُ بالنوم

ـ لماذا نجومُ العراق تصطادُ قلبي؟

لماذا قمرُ بابل كفاكهةِ الجنة؟؟

لماذا ليلُ عشتار يُغني بطعم التأمل؟

تسألني طفلةٌ

وأنا أعجنُ منتصفَ العمر

كي تطمئنَ الطفولة ُ

وحتى أُحددَ نهرَنا المنتظر

أقول لها

النخلةُ بلا رأس

ـ النخلةُ أمي ـ

دخلَ الفاتحونَ ثوبَها

وأطلقوا على عيوننا وصايا القبور!

 

في جهةِ ما

يُتابعُني الداخلُ

ويؤكدُ لي ..غيابي

 

مُترنحا أمام نفسي

غارقا في البدايات

أفتحُ نصبَ الحرية لتدخل إرادتي

عاريا كالمدى

أغوي هزيمةَ الغسق بالعودة

متمردا ًعلى الذكريات

لهذا الوطن خيط ٌ أخرس

اشتري تورطي بالخيال

 

لا لشيءٍ

إلاّ لإشباع غريزة الترنح

. وأمام نفسي

اليوم يسألني الحليبُ

حليبُ رائحة الخبز

وحياءُ القرويات

حليبُ الآس المبارك

وهيامُ النورس

اليوم يسالُني قلقي

أهربُ

ثم أعزفُ لحنُ هروبي

ورغم تورطي بالضياع

أمزجُ نشيدَ التوهج بروح ثيابي

وأرقصُ .. أرقصُ .. أرقصُ

ينهضُ من جمجمتي طقسُ المقابر

تنهضُ جثثٌ تكسرُ كلَّ المرايا

تنهضُ غيومٌ ليسَ لها لهجتي

تقصفُـني

وتقولُ:

ثملٌ هذا النور

ثملٌ .. وثقيل

 

في جهةٍ ما

يُتابعُني الداخلُ

ويؤكدُ لي ..غيابي.

 

 

وحتى أُحدد

أحتاجُ تشردي

أحتاجُ بعضا من المكان

أحتاجُ لونكَ ـ ايَّها الليل ـ

مثلما عّودتَ تبعثري

لي أختلاف الضوء

ولي طفولتي التي توصلُ معي

لغةَ الأختراق

ايّها النخلةُ

. لا مفرَّ

العطشُ جسدٌ

نصفُهُ أنا

والأخر انتِ

 

في جهةٍ ما

يُتابعُني الداخلُ

ويؤكدُ لي ..غيابي

 

سأمنحُ اللاقرارَ مسافةَ اللغة

لينطلق هذا الكهف الطيني

لا وقوفَ

في بلادٍ أمنحُها الحلمَ

وتمنحُني ديدانَ المحطات

قالتْ بغدادُ

أُعانقكَ لترطبَ انوثتي

أحسُ بخجلٍ يمسكُ مطري

الليلُ مهربٌ لتورط الكائنات

وأنتَ طيفٌ متهورٌ تُداعبُ اذنيَّ

قالتْ بغدادُ

بكارتي من شمس

. أُمارسُ اللّذةَ بالنور

بين فخذيَ يرقدُ البحر

ويتكسرُ الزفير

قالتْ بغدادُ :

كلُ الطرق تؤدي اليكَ

سأمنحُك قدميْ أيُّها المخُيف

ـ القميصُ تُشيدةُ الصحراء والسقيفةُ واحدة ـ

سأجعلُ جذعَكِ أيتُها النخلةُ

ـ والتي بلا رأس ـ موجةً لطفولتي

فورائي كتلة ٌ من المنفيين

تفتتُ ألوانَهم سفنُ الشوق

وحنين يزدحمُ بالخصوبة

لا سبيلَ لكِ ـ أيتها الارواح ـ

تاريخُنا أصلعُ الرئتين

تحملُنا الخيولُ المقدسة ـ وبلا حقائب ـ

نرشقُ الفضاءَ بالنفايات

لا نوافذَ ليُقاسمنا القمرُ لعبةَ الجمال

أنفاسُنا تفترسُنا بالضجيج

لا وسادةَ لعيوننا السوداء

نفتحُ البابَ لأمعائنا الغليظة

أحلامُنا في مستنقعِ الهزائم

نديمُنا هاجسٌ أنيق ـ يدعو لنا بالدخان ـ

لا سبيلَ لك ـ أيتها الأرواح ـ

مادامَ المكان يُزيفُ السائلَ المنوي

ليستنسخ جهنم

 

في جهةٍ ما

يتابعُني الداخلُ

ويؤكدُ لي ..غيابي

 

أربطُ السوادَ با لعزلةِ

واجلسُ باحثا

عن الرؤوس التي غطستْ بالفجيعةِ

أمزجُ طرقَ الأرامل بالفساد المبرر

أصيحُ بـ  علي الوردي ـ 1

ليُرتبَ هذهِ الولائم على طبق التاريخ

أنهضُ بلا جسد

أُسيجُ البقعةَ التي أنجبتْ تلكَ المقابر

أقفزُ بإتجاه أحلامي ـ أنا القادمُ من عشتار ـ

قدري قطارٌ يطحنُ تفككي في الليل

مرينَ بيكم حمد ـ2

القهوةُ ترفضُ المكانَ

والهيلُ نطَّ إلى الدموع

ليواصلَ التلاشي

أيتها الدلالُ اليتيمة

عاطلٌ أنا مثل نملةٍ عرجاء

أقفُ امامَ بوابةِ الدم

وأقول:

أدخلوا نجومَكم ايَّها العراقيون

لا تُحطمنّكم تلكَ الكراسي العمياء

أنا العاطلُ عن الذوبان

عمامتي من التمر

أعترفُ لأمواجي بالحب

أذبحُ لها الكلمات

قربانا لشعاع عطلي

متيمٌ أنا بتموز

لكنّ القنابلَ

أورثتْ أجسادنَا رياحَ النوم

ورغم تورطي المستمر

أربط ُ السوادَ بالعزلة

وأصيحُ بـ ..أبي ذر) ـ 3)

منفيونَ

لكننا نحملُ هواءَ العراق ببقايا الروح

نحملُ تلكَ النخلةَ ـ والتي بلا راس ـ

منفيونَ

لكنّ لنا لغةٌ تحطمُ الحجر

 

في جهةٍ ما

يُتابعُني الداخلُ

ويؤكدُ لي .. غيابي

 

قائما أُبشرُ الضوءَ بي

أنا العودةُ الباقيةْ

تعرفُني لغتي

قلمي ـ نخلةٌ بلا راس ـ

لا موتَ لي

لكنَّ الترابَ أحاطَ بصورتي

وهزَّ بجذعي الذي أدركَ اللعبةَ

وجاءَ الرمزُ بغايته ِ

ـ الغرفةُ ضيقةٌ ـ

وأنا صوتٌ من عصرٍ أخر

وشعاعْ

وأنا  حليفُ الظلام والفوضى

أتلذذُ بحريتي في جوف الليل

وأُرتلُ:

ـ لا أحد..بإتجاه أحد ـ

أرجمُ رائحةَ الصباح

بأسئلةٍ من نهر دجلةَ

أُعاكسُ ملوحةَ الفجر

بدفوف أقماري

أُحاصرُ المسافات باجتثاث الزمن

أنا المباغتُ لي

أرفضُ غيبوبة َ المذبحة

في جهةٍ ما

يُتابعُني الداخلُ

ويؤكدُ لي ...غيابي

 

وأنا أُ شاكسُ الأضطراب

أنفجرتْ فكرة ٌ مفخخة

أمامَ حوارٍ أخرس

سقطتْ حرفٌ قتيلةٌ

وكلماتٌ أصابَها التأمل

في تلكَ اللحظة

جاءني الفراتُ

يزحفُ فوقَ جثثٍ

تُشكلُ رأسي

وأُخرى

نزفتْ

نزفتْ

حتى أدركني الغرق

 

في جهةٍ ما

نخلةٌ بلا رأس

نخلةٌ

وغياب

 

.............

هامش

(1) باحث تاريخي وأجتماعي عراقي

(2) أغنية عراقية من كلمات الشاعر مظفر النواب

(3) صحابي جليل

 

 

 

تعليقات (2)

قصيدة متينة بمقاييس المتانة والفخامة. لغة راقيةٌ، صوَر رائعة منتقاة بريشة شاعر حساس، حسٌّ عالٍ شفاف، استعارات ومجازات جميلة صيغتْ بعناية لتضيف للصور جمالية تتناسب مع الحالة المعبّر عنها، استرسال يشي بما يحمل الشاعر من مشاعر تجاه وطنه، انسيابية عفوية متقنة الصنعة لم تخلّ بالقصيدة على طولها، رثائية تذكرنا برثائيات الملاحم، في تراجيديا متتابعة الأحاسيس.
لقد استمتعتُ بقراءة نصٍّ عالي الصنعة.
تحياتي مع الودّ

 

الشاعر القدير الأستاذ عبد الستار نور علي
تحية وتقدير
شكرا لك أخي الكريم هذا الأهتمام النبيل والمشاعر الناهضة بالمعرفة في الدخول للنص ..كل الحب والتقدير لك أخي العزيز

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4056 المصادف: 2016-11-30 12:13:35