المثقف - نصوص ادبية

عبد الجبار الحمدي: أنا وظلي ومصباحي الأعمش

abduljabar alhamdiيا لك من مصباح دميم! طالما واكبتني حياتي، لكني لم افطن لبشاعتك إلا الساعة، مسكين أنت، عشت حياتك كلها تضيء لغير نفسك ههههههههه يا لك من اهبل! انتبه فأردف.. اعذرني ووقاحتي، أرجو ان لا تأخذني بجريرة سخريتي منك فتعمد الى الضمور ومن ثم الانطفاء انتقاما على تقريعي لك، فأنا يا رفيق ظلمتي تعام أنه لم يعد عندي من احادثه سواك، بَتَرَ المكان الذي اعيش فيه أوصال لقائي مع من يتكلم بمثل لساني، جميعهم ابتعدوا بعد وصفي بالمجنون عما اتخذته مكان لسكني بغية فرصة عمري، لذا آليت عليها ان تحظى بأصدقاء جدد، ربما ليسوا ذوي لسان او عقل، لكن بالتأكيد اصحاب قضاء حاجات ضرورية.. ها انا اكرر اسفي مرة أخرى..

لكن.. فقط لإشباع فضول يدفع بكلمات وأسئلة على طرف لساني، لا يمكنني الامساك بها وهي تسأل كيف لك ان تعيش محترقا؟ تُلقي بالضياء الى غير نفسك ولا تقرف من رائحة الزيت او دخان احتراق فتيلتك التي تعاقر زيتا نفذت في أغلب الاحيان صلاحيته؟ ولا يصلح حتى لأن يكون وقودا، كما تساءلت أنا الآخر عن سبب قمعي لك واحتكاري لحريتك طوال هذه السنين؟!! فأنت ومذ أول يوم جنيتك شاركتني حياتي، لا أنفك استخدمك دون هوادة فكما تعلم أن عالمي في هذا الكهف المظلم الذي اتخذته مقرا دائما، يجعلني وإياك كشهيق وزفير لا يمكن لأحدنا ان يستغني عن الآخر.. أليس كذلك؟؟

التفت الى المصباح وهو يهز رأسه.. أجل أني اكذب، يمكنك الإستغاء عني لكن بالنسبة لي لا يمكنني الإستغناء عنك ابدا، فدونك اتخبط بكل ما هو حولي، مع علمي بكل صغيرة وكبيرة فيه، لكني اشعر من خلالك وانا أرى ظلي المرتسم على جدران صخرية وهو يتحرك مثلي بأني لا زلت حيا، اطمح لأن يكون الغد خير من يومي، خمسة عشر عاما رافقتني في هذا المكان وأنا ابحث عن الذهب، كل محاولاتي باءت بالفشل، فكما تعلم بعد مرور السنون الأولى من الفشل تركك الجميع المكان، إلا أنا بعد أن اشتريت حقوق الملكية، وبت انت وحدك وظلي كل ما املكه من حطام الدنيا، اما البقية فقد رحلوا، نعتوني بالخبل والجنون، لا شك تتذكر ذلك وانت أيضا مشيرا الى ظله..

اعتبر نفسك يا مصباحي الأعمش وأنت ايها لظل الصامت شركائي في كل ما أجده خلال بحثي، فليس هناك مستحيل فيما إذا عقدنا العزم معا وحفرنا بجد وبكثرة دراية وجهد، صدقني عزيزي أني حتى الآن لم اصحو من حلم راودني بأن أكون ثريا، استبدل جلدي وحالي هذا بما يليق بالذهب الذي سأجده، سأغير حياتي، سأقلبها رأسا على عقب، ساهجر الظلام والضياء الاعمش الى غير رجعة، سأدخل الحياة الى نفسي من خلال معاشرة الجنس الآخر، لا اسعى للظلال بعد ذلك.. انتبه مرة أخرى لما يقول.. فاستدرك إلا انتما الإثنان، لا يمكنني التفريط بكما، سأحتفظ بكما اصدقاء اعزاء، اصدقاء مرحلة البحث عن الذهب، ساقصد لكما مكانا في قصري الذي ساشتريه، تكونا على مدخله كعنوان معانتي مع مشاركتكم إياي فيها، سأكتب بأن لولاكما لم حظيت بما أنا فيه الآن من ثروة..

خفق المصباح بضيائه فأزاح الظل عن مكانه، فقام هو ليعطي نفحة من ضياء اكثر بدفع فتيل المصباح الذي خَفَت إلا، إنه أنزلق وسقط على الارض فصاح..

اللعنة كُدتُ اصاب بركبتي، هل جننت يا أعمش؟؟؟ ألم يعجبك كلامي، حتى انت وهو ينظر الى ظله يبدو ان كلامي لا يعجبك انت الاخر.. أمن الجنون مشاركتكم أملي وحلمي في الحياة

فما ان عاد الى مكانه دون ان يمس فتيل المصباح حى استطال الظل واقفا، أما هو فقد تصفصفت اوصاله، خرس ولم يحرك ساكنا، إلا من عينيه وهي ترى الظل قد صار كمارد لمصباحه الأعمش، وبعد ان سمع تنفسه وحشرجة ضيائه  حتى قرأ الفاتحة على حياته فقال الظل:

يبدون أنك فعلا جننت؟!! إني اتحدث عن نفسي التي رافقتك وهي تراك ترمي بأيام عمرك من أجل حلم أخرق مثلك، ولولا أنانيتك لكنت الآن تعيش كما هم أقرانك الذين ايقنوا أنهم يقارعون صخور صماء عقيمة لا يمكن ان تلد ذهبا، كنت تظنها فرصة مواتية للنيل من احباطهم وجزعهم، لكنك اشتريت اضغاث احلام لم ترد على غيرك، بعد ان اتخمت نفسك بأحلام سقيمة لا يمكنها ان تعين نفسها فكيف بك؟ ها انت تُلقي على مصباحك الاعمش هذا الذي زامنني اكثر منك وتلبسني رفيقا لك على غير رغبتي، كنت قد طلب منه ان يتركني في عتمتي، حيث لا أرى نفسي المخدوعة من خلالك،  غير انه قال لي:

إنه يشعر بالآسى عليك وهو يراك في كل يوم حتى وإن أشرقت الشمس لا تراها إلا من خلاله، بعد أن قبعت ومالت عيناك تحيا الظلام الخافت وتخاف بريق الشمس، حدثني عن احلامك ، غرورك، وعن هذيانك، حتى عن رائحتك النتنة التي لا استسيغها لولا دخان فتيلهِ الذي يطغى على رائحتك، بكل وقاحة انت الآن تجعل منا سخرية لك، كوننا لا نعينك في مرادك الميؤوس منه..

هلا سألت مرة المصباح عن تعبه؟ عن همومه؟ ماالذي يحب وما الذي يكره؟ إنك تقوده الى العمى، ما عمشه هذا إلا نتيجة خذلانك له ونسيانك ان تعمل معه كشريك وصديق، لو كنت تواضب على تنظيفه، وحسن معاملته بما يليق لكانت حياتك أكثر ضياء، وربما اخبرك عن مكان عرق الذهب الذي انخرطت بعيدا بالبحث عنه، إنك انت من أتلفت الطموح بداخله بحجبك مسح زجاج نافذته التي كان يشتعل نارا من اجل ان ينير لك زاوية مظلمة هنا أو هناك، غير أن جنونك دفعك لأن تكون مستغلا لمن هم حولك، تسخرهم ليكونوا عبيد مهامك ومصالحك الخاصة، والدليل بقاءك في هذا القبر الذي اخترت رغم وجود وسائل يمكنها ان تخدمك اكثر لو فكرت في طلب المشاركة او المعونة، غير أن التفرد وشعورك بالسلطة وأنك المتسيد قادتك لأن تكون دكتاتورا بلا منازع..

دار برأسه بحذر نحو المصباح الاعمش الذي بات يخبو ضيائه شيئا فشيئا، سمعه ينفق حياته من خلال نزعات موت واتته رغم علمه انه قد دس له ترياق لحياته بيد انه مغشوش، فقال له:

لا أخفيك يا أنت حقيقة مشاعري التي كَبَتَها كما كَبَتُ الرجاء منك، كنت اعلم جيدا أنك لست جديرا بالصداقة او منحك الثقة، غير أني لا اتخذ قرار إلا بعد أن اعطي من اكون معه فرصة طويلة كسنينك في التعامل، فإن كنت جديرا بأن تعي ما هو تحت قدميك وما يحيط بك، سارعت في تبيان شرعيتك للحصول على الثروة، كنت ادرك عن اسلافي ان بنو الإنسان جاحدين حتى على انفسهم وبني جنسهم، رغم اننا من صنعهم، لكننا لا نمتلك صفات الحقارة باستغلال الآخرين لمصالح ذاتية، أو كما تسمونها شخصية، لكني معك والظل قد وصلت الى نهاية مطاف الطريق، لم يعد بإمكاني البقاء تحت ظلمتك وشم رائحة انفاسك الكريهة، لذا سأخرجك رغما عنك كي تكتشف حقيقة نفسك التي لا تعرف، بأنك جرذ اتخذت جيوب الكهوف وطنا بظل صامت ومصباح أعمش، ظنا منك أنهما لا يمكنها التأثير في حياتك او التغير، ها أنا قد أديت مهمتي بعد اعطائك الكثير من الفرص، سأركلك الى الداخل لتحيا ظلمتك الابدية حالما بالخلود الدنيوي الذي لا يناله سوى مختالي النفوس.

 

بقلم القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-01-07 10:54:06.