وتعودُ في عينيهِ سومــــــرُ من جديدٍ

والعراقُ يعودُ ثانيةً الى حضنِ العراقْ

yahia alsamawi

من أقصى المقلتين حتى أقصى القلب / يحيى السماوي

 

قـد جـئـتُ مـن أقـصـى جـنـونِ الـقـلـبِ

مـن جـهـةِ الـيـقـيـنِ

مُـيَـمِّـمـاً  عـطـشـي الـى نـهـرِ  الـقـصـيـدةِ

والـقـصـيـدةَ لـلـسـمـاوةِ

والـسـمـاوةَ لـلـعـراقْ

 

مُـتـعـثِّـراً ـ  أمـشـي ـ  بِـظـلّـي

فـالـطـريـقُ الـبـدرُ نـحـو الـسّـومـريَّـةِ

مُـذ تـغَـرَّبَ حـقـلُـهـا عـن مـاءِ دجـلـةَ

لـمْ يـعُـدْ بـدراً

فـصـارَ الـى مـحـاقْ

 

وأنـا فـراتٌ ظـامـئٌ ..

أشـكـو إلـيـكِ الـغـربـتـيـنِ فـمـا أطِـيـقُـهـمـا

وقـد عـزَّ الـوصـولُ الـى نـداكِ

ولا أُطـاقْ

 

وجـهـي بـلا وجـهٍ

وأشـرعـتـي بـلا مـاءٍ ولا ريـحٍ

وسـاقـي دون سـاقْ

 

كـيـف الـلـحـاقْ

بـحـبـيـبـتـي المـائـيـةِ الـيـاقـوتِ  ؟

مـا بـيـنـي وبـيـن سـريـرهـا

خـمـسٌ

مـن الـسـبـعِ الـطـبـاقْ

 

مُـدِّي إلـيَّ الـحـبـلَ ـ صـحـتُ ـ الــبُـعْــدُ بـئـرٌ

فـاهــبـطـي

أو فـارفـعـيـنـي نـحـو خِـدرِكِ

واعْــتِـقـيـنـي مـن مـتـاهـةِ غـربـتـي

ثـقُـلـتْ عـلـى صـدري جـبـالُ الإشــتـيـاقْ

 

الأرضُ ضَـيِّـقـةٌ

وسـومـرُ لـم تُـعـدْ كـالأمـسِ سـومـرَ

شـاصَ فـيـهـا الـنـخـلُ

والـبـسـتـانُ ضـاقْ

 

وطـنـي سـلـيـمٌ مـثـلُ قـلـبِـكِ

غـيـرَ أنَّ ولِـيَّ خـيـمَـتِـهِ

مُـعـاقْ

 

لا عَـيـبَ فـي الـبـسـتـانِ

لـكـنْ

حـارسُ الـبـسـتـانِ عـاقْ

 

فـلـتـسـجـري الـتـنُّـورَ يـا مـائـيـةَ الـيـاقـوتِ

واحْـتـطِـبـي ضـلـوعـي

وابْـعـثـيـنـي مـن رمـادِ الإحـتـراقْ

 

طـفـلاً  ولِـيـداً جـاوزَ الـسـتـيـنَ

يـجْـهَـلُ مـا مـعـانـي الـخـوفِ والـقـهـرِ الـتـغـرُّبِ

والـفِـراقْ

 

لِـيـكـونَ

شـاعـرَكِ الـمُـخـضَّـبَ بـالـهـديـلِ

فـلـيـس يـقـربُ جـفــنَـهُ الـدمـعُ الـمـراقْ

 

وتـعـودُ فـي عـيـنـيـهِ سـومـرُ مـن جـديـدٍ

والـعـراقُ يـعـودُ ثـانـيـةً الـى حـضـنِ الـعـراقْ

***

هَـبَـطـتْ بـأجـنـحـةٍ مـن الـقَـصَـبِ الـمـلاكُ الـسـومـريَّـةُ ..

أوْمَـأتْ لـلـبـئـرِ : كُـنْ حـقـلاً ... فكـانَ ..

ولـلـرمـادِ : كـنِ الـحـديـقـةَ .. فـاسْــتَـجـابَ ..

ولـلـدخـانِ : كُـنِ الـبـخـورَ كـمـا زفـيـرُ الـوردِ  ..

لـلأخـدودِ : كـنْ بـحـراً .. فـكـانَ ..

ولـلـشـراعِ : كُـنِ  " الـبُـراقْ "

 

فـرَكـبـتُ صـهـوةَ مـوجـةٍ

عَـبَـرَتْ بـجـثـمـانـي تـخـومَ الـيـابِـسَـةْ

 

فـأفـقـتُ مـن صـحـوي عـلـى حُـلُـمـي :

تـنـادِمُـنـي الـمَـلاكُ الـسـومـريَّـةُ

فـي الـسـمـاءِ الـخـامـسـةْ

 

فـي جَـنَّـةٍ

مـن تـحـتِـهـا نـهـرٌ مـن الـقُـبُـلاتِ يـجـري

فـاصْــطِـبـاحـي مـن نـدى وعـبـيـرِ زهـرِ الـلـوزِ

والـلـثـمُ اغْــتِــبـاقْ

 

أغـفـو

فـيـوقـظـنـي أذانُ الـسـومـريَّـةِ :

يـانـزيـلَ الـقـلـبِ قـد حـانـتْ صـلاةُ الـعـشـقِ

حَـيّ عـلـى الـعِــنـاقْ

***

 

أديليد / الأحد 28/5/2017

 

وما الصومُ إلا طهارة قلبٍ

نقيٍّ من الإثم قبل الحِمــــام

nooradin samood

الرؤيا المباركة / نور الدين صمود

 

حَـلـَـفتُ بـربِّ جــميع الأنامْ*بـأنـي رأيْـتُ رسـولَ السـلامْ

بقلبي وروحي مَهـيبًا جليلا*وذلك رؤيــا بــدت في المنامْ

وقـد لاح في مَـسْجدٍ واقـفـا*وكــان أذانُ الـصـلاة يُــقـــامْ

وقد لاح لي إثر ذاك الأذاِن،*رســول الإلـه لكــل الأنــامْ

ووَجَّهَ نحوي كلاما جـلــيًّا*بـلـفـظ كـنــور يـَشُـق الظلــام

أشار بيمناه نحوي ونادَى* بصوتٍ جهير ٍفـَصـيحَ الكلامْ

وقالُ: (ادْعُهُمْ للصلاة! اُدِعُهُمْ؟*فترْكُ الصلاةِ حرامٌ حرامْ

وجاء المُصَلـُّونَ من كل صوبٍ*وظلوا بتلك الصفوف قيامْ

فـإنّ الصلاة وراءَ الرسـولِ*تــزيــد كــرامــةُ كـُلِّ الـكِــرامْ

ويا حظ َّ مَـنْ قام فيهم يصلي*(فأحمدُ) قـد كان فـيهمْ إمامْ

                                * * *

وقـد  أنـزل الله فــينـا كتــابًا*كـريمًا عظـيما بشهـر الصيـامْ

بهِ جاء (جبريلُ) يَسْعَى حثيثـًا*كلمْع من البَرق يفـْري الظـلامْ

(بِغـار حِــراءٍ إلـى أحْمَـدٍ)*بأمــر ٍ جَلِـيٍّ كوقعِ الحُسامْ

مِـنَ الله رَبُّ العبادِ العـليــم*وقال له: اقــرأْ بأمــرِ الســلامْ

ومَنْ نال في ليلة القـدْر قـدْرًا*من العفـوِ، جـازاهُ ربُّ الأنـامْ

بـِجنة خلـْدٍ أُعِـدَّتْ لِـمَـن قـدْ*تجنب طول الحياة الحرامْ

وصام وصلى وقام الليالي*ونال من الله أجرَ القيامْ

فطوبى لمن بالفضائل نالوا*من الله أجرًا بيوم الــزحـامْ

وما الصومُ إلا طهارة قلبٍ*نقيٍّ من الإثم قبل الحِمام

 

نورالدين صمّود

 

 

أحبتي، حتى متى سيمكث الجفافْ،

ضيفاً على أنهارنا البائسة الضفاف؟!

almothaqafnewspaper

الأجراس /  حسن البياتي

 

أحبتي، حتى متى سيمكث الجفافْ،

ضيفاً على أنهارنا البائسة الضفاف؟!

ترى ستظهر الغيوم، يهطلُ المطرْ

فترتوي سنيننا العجاف،

تبتسم الحقول، يعزف الوتر

أنغامـَه الشجية اللطاف

فتشمخ الاشجارْ،

تغرد الطيور، تنشر الازهار

عبيرَها فتنتشي النفوسْ

ويهجر الصغارْ

سوحَ القمامات ِ الى مقاعد الدروسْ،

ترتفع الاكفُّ والرؤوس

ويصدح النشيد، تقرع الأجراسْ :

فلتزدهرْ حياة ُ كل الناس !

 

لندن – 31  آذار 2012

 

أسكب ضوئي فوق ظلكَ

أرمّم صدع قلبي

وأغيب...

dikra laybie

أسكب ضوئي فوق ظلكَ / ذكرى لعيبي

 

آخر المسافات صوتكَ،

سراب اللقاء

أول نبوءة الآتي

لا قلبكَ مرساي

لا عيناك أشرعتي

أجنحتي تتكسر

كلما لامسها هواء المنافي

وأنت..

رصاصتي المخبأة

تحت ضلعي

آخر المسافات

صوتكَ واجفٌ

مواسمك تحصد خيباتها

بمنجل دمعي.

ما زلتَ "تحفر على زندي"

صمتك المخيف

وأنا..

ارسم فوق الغيم

جمرتي

أسدّد نحو فؤادك

أشواقي

أيمّم بوحي صوبك

أشاطرك اشتعال

تبغ أيامك

أسكب ضوئي فوق ظلكَ

أرمّم صدع قلبي

وأغيب...

 

وفي قاع المدنِ

يجلسُ اللصوص يتربصون

قتل الطفولة

abdulamir alebadi

طفل قبطي / عبدالامير العبادي

خذ حقيبتك، خذ انجيلا

أمسك أي أصحاحاً منه

هذه أقانيم الرب لك وحدكٓ

انتعل ما شئت في أسفارك

لقد اراد لك الرب ان تكون

قبطيا ، وما تشاؤون

خذ ما شئت وردة او دفترا

أظن انك في الطريق

كنت ترسم حمامةٍ

او زيتونة او مائدة لعشائك الاخير

اه لو علمت ماريا قاتليك

ما صارت اجمل النساء

او مريم عن موتك شيئاً

ما هزت جذع النخلة

حتى يأتي المسيح

ليرى احفاده يصلبون

احياءاً مرات اخر

اه لسيوفٍ تتناسلُ لهباً

اه لسياط خلقت تجلدُ البراءةَ

وفي قاع المدنِ

يجلسُ اللصوص يتربصون

قتل الطفولة

 

 

mohamad abdulkarimyousifهذه القصة قديمة جدا اعتاد الناس ان يرووها منذ زمن بعيد قبل أن تكتب على ورق. كان هناك ثلاثة رجال يحبون اللهو والمجون والطعام أكثر من أي شيء آخر. وفي أحد الأيام كانوا يأكلون ويمرحون بجانب طريق عندما مر بجانبهم عدد من الرجال يتثاقلون الخطو كونهم يحملون جثمان رجل متوفى .

قال الرجل الأول الشاب: "ما هذا؟"

ثم نادى أحد الفتية وسأله: "يا غلام ! تعال إلى هنا . "

اقترب الفتى كما أُمر أن يفعل . فسأله الرجل الشاب: " من الميت؟ اذهب إليهم واسألهم "

ذهب الغلام كما طـُلب منه أن يفعل ثم عاد بعد فترة قصيرة وقال: " إنه أحد أصدقائك. كنتُ أحيانا أراكما معا . "

صُدم الرجل الشاب وقال: " لماذا مات ؟ "

أجاب الفتى: " لا أعرف . الموت يأخذنا جميعا "

علق مسافر على الطريق المجاورة قائلا: " الغلام على حق. الموت سيأخذ حياتك في يوم من الأيام .ربما اليوم . ربما غدا . وفي اللحظة التي لا تتوقعه بها أبدا" .

أجابه الرجل الأول الشاب: " أنت مخطئ. الموت لن يأخذ حياتي . سأتغلب على الموت".

 لم يرغب المسافر أن يناقش أيـّا من الرجال الشباب . لكنه طلب منهم بهدوء أن يستعدوا للموت متى حضر " .

سأله الرجل الشاب الأول: " أين الموت ؟ سنبحث عنه نحن الثلاثة ونقتله . ألن تأتوا معي يا رفاق ؟ "

أجابه الثلاثة: " نعم "

مشى الرجال الشباب الثلاثة في الطريق فشاهدوا رجلا عجوزا يقترب منهم . كان العجوز يضرب الأرض بعصاه ويقول: " افتحي الباب يا أمي..."

قال له الشاب الأول: " انت أيها العجوز ! لماذا تضرب الأرض بعصاك ؟"

أجابه ببرود: " أنا عجوز . لا أريد أن أعيش. لا يريد الموت أن يأخذني والأرض لا تفتح بابها لي . لهذا السبب أمشي على الطريق وأقول .يا أمي اريد أن أموت . لكنني لا استطيع".

سأل الثلاثة: " أين الموت ؟ "

أجاب العجوز: " رأيته تحت شجرة على الجبل هناك .اذهبوا اليه . أوجدوا الشجرة . سيكون الموت هناك ".

صعد الرجال الشباب الثلاثة إلى الجبل حتى وصلوا الشجرة. لم تكن الشجرة كبيرة جدا ، ولكن تحتها كان هناك قدْرٌ صغير مليء بالمال. دُهش الرجال الشباب الثلاثة ثم توقفوا لبرهة من الزمن وسرح كل واحد منهم في أفكاره حول الطعام واللهو والمجون والثروة الكبيرة .

قدم الرجل الأول اقتراحا: " الآن يا أصدقائي. أنأخذ المال؟ أم نتابع بحثنا عن الموت لنقتله؟"

أجاب الصديقان الآخران بدون تفكير: " المال " .

قال الأول: " إلى أين سنأخذه؟ "

أجاب الشاب الثاني: " طبعا إلى منزلي . "

أعلن الشاب الثالث: " كلا . إلى منزلي. يجب أن لا يشاهدنا الناس ."

تابع الشاب الأول: " كلا. سنأخذه إلى منزلي في الليل . دعونا الآن نلهو ونأكل الكثير من الطعام . من سيذهب للمدينة ليجلب لنا شيئا منه؟ "

رد الشاب الثاني: " أنا سأذهب . اعطني بعض المال".

ثم نزل على الطريق إلى المدينة لم يشاهد أي شخص على الطريق فقد كانت خاوية . وأثناء غيابه ، قال الشاب الأول للثالث: " هل سنعطيه جزءا من المال؟"

أجابه الرجل الثالث قائلا: " كلا . دعنا نقتله ونترك المال لكلينا. كيف نقتله؟ "

رد الشاب الأول: " لدي سكين وأنت تمتلك سكينا . "

وفي الأثناء التي كان الشابان يتأمران لقتل صديقهما الذي كان ما يزال في طريقة نحو المدينة ، كان يفكر وهو في الطريق: " أريد أن أخذ كل المال . لماذا لا أخذه كله؟ أنا لست في نفس سوء الشابين الآخرين . لكن كيف لي أن أحصل عليه كاملا ؟ هما اثنان وأنا واحد " ثم خطرت بباله الفكرة: " سأقتلهما " .

ذهب إلى حانوت وطلب السم قائلا للحانوتي: " أريد شيئا ما يقتل الفئران في منزلي . إنها تأكل كل طعامي . "

أجاب الحانوتي: " لدي سم جيد للفئران ."

اشترى الشاب بعض السم ثم مشى إلى الحانوت الثاني حيث اشترى ثلاثة زجاجات من العصير . ثم وضع السم في اثنتين منها وعاد إلى صديقيه .

عندما عاد رحب الشابان بعودة رفيقهما ووضعا يديهما حوله ترحيبا وقبل أن يعلم بما حدث سقط صريعا بسكين صديقيه .

قال الشاب الأول: " والآن يا صديقي دعنا نستمتع بالعصير ."

فتحا كل الزجاجات وشربا كل العصير الذي بها , وقبل حلول الليل كان الشباب الثلاثة موتى تحت الشجرة .

تحققت نبوءة الرجل العجوز تماما كما قال: " الموت يستلقي هناك تحت الشجرة . "

 

الكاتب غير معروف

ترجمة : محمد عبد الكريم يوسف

 

أبناؤها في أعالي الــــــوجدِ أغنيةٌ

تسبي القلوبَ، وفي الهيجاءِ فرسانُ

karim alasadi

الناصريّةُ*.. / كريم الأسدي

 

الناصريّةُ ألوانٌ وألحــــــــــانُ**

وشطُّها الشطُّ  في النهرانِ نهرانُ

سالتْ مياهُ الهِ الكونِ في دمِها

كأنها سدرةٌ ، والنجمَ أغصانُ

النخلُ فيها وليدُ الرافدينِ حنا

على الضفافِ تصلّي منهُ أفنانُ

بنتُ الفراتينِ قَبل الشعرِ سامرَها

وحيٌ من الشعرِ منهُ البيتُ ديوانُ

أهواُرها عَدْنُ هذا الكونِ، سومرُها

أعــادهُ فــــي وتينِ القلبِ عدنـــانُ

وحرفُها الحرفُ مفتاحُ الدنى أبداً

وجرفُها الجرفُ رمّانٌ وريحانُ

زقورةٌ حرّةٌ نحو الفضاءِ سَمَتْ

وراصدٌ في بهاءِ النجمِ حيرانُ

أبناؤها في أعالي الــــــوجدِ أغنيةٌ

تسبي القلوبَ، وفي الهيجاءِ فرسانُ

 

شعر: كريم الأسدي

....................

* الناصريّة : مدينة الشاعر ، تقع  في جنوب العراق بين البصرة وبغداد .أرض الناصرية  كانت مركزاً من مراكز الحضارة السومرية اذ أحتوت على مدن سومرية عديدة موغلة في القدم منها أريدو و أور وقربهما أوروك. وفيها اخترع الأنسان الحرف الأول متمثلاً في الخط المسماري، وتحتوي على بحيرات دجلة والفرات المعروفة بأسم الأهوار التي أقترنت بأساطير الخليقة وبداية نشوء الحياة.

** زمان ومكان كتابة هذه القصيدة : اليوم الموافق 26 . 05 .2017  في برلين.

 

majida aldahriأكان لا بد أن تتلوني بدماء العاشقين حتى نمنحك دمنا؟

مذ وطأنا أول عتباتك كسرنا قلق الأسئلة في مخاض الضوء المنفلت من قوس الشهقات

كل أسباب الصعود قادتها قوافل الضوء والماء إلى صومعة حمراء

فكيف نكبح جماح دمنا ألا يسيح ويمضي إلى أصل اللهيب

 في أعلى الصومعة علقنا أسماءنا

نقرت النوارس كل حروفنا

صرنا بحر مراكش الذي يلزمها وما فاض على أرصفتها من ماء

حتى لا تحترق أقدام المشاة والوشاة في فور القصيد

عم صباحا أيها الظل المعجون بمزاج الأرصفة

عم مساء أيها الظل المعجون بانفعالات الموج على الشواطئ الآسرة

كم جمرة سقطت عن ظلالنا ؟

كثيرة يا رفيقي..

 وما بقي بمجمرة الليل أكثر

أسئلة في القصيد تتسع في الجواب

 في الفوانيس المعلقة في سماء الكلام

 في همسات الجمر تستدرجها الظلمة

لما كلما أغمضنا أعيننا اتضحت الرؤى؟

لما انكسرت كل الأضواء فوق وسائدنا؟

كثيرة يا رفيقي

أمنيات صغيرة كحبات قمح

تتسع الحبة لحقول كثيرة

كما ينبت قمح كثير على أرض وعدها ماء

نساء كثيرات تنازعن على ما اندلق من بهجة الطين في ثغر الندى

وكنت أنا كل القمح الذي بين كفيك نما

كنت أرسم شمسك عند عتبة القلب شعاعا شعاعا لتورق زنابق في ليل مراكش بلون مراكش

ناري مخاض الصهيل كتلال توت أعلى من صهوة الحنين

لي كل سلالها ولهن ما خلفته المواسم

كم رعشة طاردناها في فقاقيع الغبطة؟

كثيرة يا رفيقي

في كتاب الليل تزدحم تفاصيل العطش ولنا جرار ما امتلأت

مذ لامست كفي كفك صارت كل الجهات وراء

تناسلت بين شفاهنا أعمدة ماء فاضت على شقوق الجرار حبات حنين

حين علمتني الهطول قادتني دقات الصمت إلى شراك الأسئلة فمشيت خالية من كل الغيمات التي تسكعت في الصدر

هناك بين السحاب والعراء كتبنا رسائلنا إلى السماء

لسعت نحلات بريدها أناملنا

وكانت مراكش آخر الشهود

كم خيطا احتاجت كي تبرم حريقا بحريق؟

كثيرة يا رفيقي

الكلمات وخدر النعاس وكفي على كفك نفرك الموسيقى على ليل مراكش

ليل مراكش رئة خالية من الثقوب وعازف الساكسفون دليلنا إلى كل الاتجاهات

فلا تعبرني إلى غيري واقرأ كفي المخضبة بأغنيات الماء

الموسيقى تجرح ظلام مراكش على قارعة قلب مفعم بالأنين والموسيقى نوبات من رقص النوافير

يمنح العازف روحه للندى فتتهادى إلينا الينابيع

كان يلزمنا حكيم لترتيب مسيرها

كان يلزمنا حكيم يأتي صوته مسرفا بالسلام

سلام على مراكش تدلق الضوء على عتمة حمراء

سلام على مراكش تدس تمائمها في غناء العاشقين

سلام على مراكش تزف للقمر ما تيسر من صورتي

سلام علينا في هنهنات الماء حكاية

لنا في الحكاية الكلمات

وللغيمات رفعنا إشارات التأويل

مراكش

أكان لا بد أن تتلوني بدماء العاشقين حتى نمنحك دمنا؟

 

ماجدة الظاهري - تونس

 

 

 

almothaqafnewspaperساكسر سلاسل الصمت وأغني مواويل النجوم

وأعانق القمر يشع ضياء على جموع خلق الله

أبارك حرارة الشوق الى لقاء شهر الخير والتبريك

وها أنذا أسكن بحرارة الألفة وأفتن بالحواري وحور العين

وملائكة الرحمن تشدو في تسابيح العناق مع الجنان

والملك على عرشه يديم صيرورة الأشياء من نبع وخير وفير

ويصلي على عباده المحبين للخير ويباركون بعضهم بالشهر الكريم

يا خالقي أنت الجليل بلغنا رمضان مطيعين موحدين قائمين عابدين

والحور تعشق صائما محتسبا ويهنيء الناس قائلا شهر كريم يا كريم

والملائكة ترتل قولها امين امين يا أرحم الرحمين يخالق الكون الجميل

ونادي بلهجات الحب كلها يعفر عيون الشمس بالزعفران ويقبل الجبين

ويهمس للسحب تحمل رسائل الشوق وعمق الايمان الى خلق الله أجمعين

وتقول للعرب جميعا وتناجي المسلمين رمضانكم مبارك يا أهل الخير الوفير

ولا تنسو بغداد من دعائكم ودمشق والقدس الأسيرة وارض الكنانة والصابرين

وقولوا معنا ربنا باسمك وفاتحة الكتاب أن تمنحنا الأمان والأمن والعيش الكريم

موطني يحبك الناس جميعا من عشاق وملاك ومتصوفة ومتعبين والله للمتعبين

وجهي يعشق أصابع الماء تأتي من جبال اطلس والساقية الحمراء ورباط الماجدين

ورمضان يحتضن النيل والفراتين ومأرب والمغرب العربي الكبير وجبال النور والموحدين

والكروم تتشهى رحمة الله نازلة على عباد لله أولي بأس شديد والعباد والصائمين .؟؟؟

 

الأستاذ الدكتور نادي ساري الديك

رام الله... فلسطين

...................

مبارك للناس شهر الخير ورمضان يعود والناس طيبون .؟؟؟

 

ياتاجرا قد جاء يلثم رزقه

والساكنون بأرضنا تجارُ!

almothaqafnewspaper

رقصة ترامب! (رقصة الاستحلاب) / رحيم الشاهر

 

ارقصْ.. فرقصك لحنه الدولارُ

                         واضحك علينا إننا الأبرارُ!

قد جاء دورك والحالبون أعزة ٌ

                          بقرات حلبك دأبها الإكثارُ!

ارقص..(ابا خالد)، فأنتَ ميمنٌ

                        والراقصون بأرضنا أحبارُ!

واملأ جيوبك من (تنابل ) عصرنا

                        أنت العزيز بأرضنا مختارُ!

فالفتحُ أنت ومجده حين انبرى

                             لكنه في فتح غلقك عارُ!

مذ كنتم وصفيحها  فيه جهنـ

                       نم تغتلي فيها اللظى والنارُ!

بقراتناوشياهنا غزلاننا

                             هبة إليك فمالها أسعارُ!

ياتاجرا قد جاء يلثم رزقه

                         والساكنون بأرضنا تجارُ!

ارقص.. فلا لعن، ولا بأس عليـ

                        ك فأنت في ألحانها سمسارُ!

ياحالبا بقراتنا.. أكباشنا

                          قد جف ضرع ماله إدرارُ!

فالسيف اعوج خضبوه رقابنا

                        ورقابكم عزفت لها الأوتارُ!

ارقص .. (اباخالد) فأنت معرّبٌ

                       فمن احمرارك للعقال سوارُ!

(هكّرتَ) رقصي مااستطاع تألقا

                  شيطان رقصك ساحرٌ (سحارُ)!

 

شعر: رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

في سلسلة، نصوص نارية من الشعر الساخر:

 

 

karim abdulahجيوشُ أفكارٍ مِنَ الصحراءِ خيولها العطشى تتدفقُ غازيةً بـ إسمِ الربّ الطائش صولجانهُ الطامع على المروجِ الآمنةِ نهباً يتربّعُ بينما الأزهارُ سبايا غنائم على ظهورِ الضامراتِ خلفهنَّ السلاسلُ الغليضة أمعاءٌ تحوي طيوراً سقطتْ أسيرة في الشباكِ حاملةً على ظهورها وشوشة السياطِ وغربةَ الرقيق  . بدوٌ في القصورِ لا أثر للرمالِ الضريرة على الأرائكِ يجرجونَ مواقيتَ الغروب نكهتهُ إصفرار المدن السعيدة يتعفّنُ فيها الموت وتستبدُّ سيوفهم الحمقى فاتحة تخترقُ الأرواحَ يروّعها هذا السيل الجارف مِنَ العمى ثقيلٌ يغطّي الزمنَ دِثارهُ مقابر دويّها يملأُ الأفق وصهيل الحروب . مِنْ بينِ الضحايا تأسريني مفتوحة العينين الى وطنٍ يغتصبهُ الجلاّد إنوثتكِ المعطّرة بـ السحرِ حرّكت إرتباك ذكورتي الهائجة تحتَ الخيامِ أنهشها نهشاً غنيمة مكبوتٌ لمْ أرَ كيفَ تنضجُ الثمار بينَ سيقانكِ تبلسمُ شَبَقي و صوتكِ الناعم يرهبهُ خنجري يكتسحُ الأحلامَ يسجنها زنزانتي تمنحها هذا الإغتراب . هنا تنبتينَ جارية يضمّكِ لوائي بـ كثرة ِالرجال أُفاخرُ القبائل نَعْلِي يسحقُ ما بقيَ مِنْ ذكرياتكِ البعيدة تؤنسينَ ضجري الأجرد كلّما يداهمني شبح الخطيئة . غبشُ الحاضر إستلّتْ ضياءهُ الغزوات وفراغُ الفتاوى إستباحت عذرية (القوارير) تستحضرني دوماً حوريّة منكوبة تستلذُّ الملذّات المتدفقة مِنْ أنهارها الجافة كلَّ بحاركَ مياهها الآسنة لنْ تعيدَ بريقَ الأيامِ وتلطّف نوافذَ الروح وهذا الهولُ يغمرها .

 

بقلم: كريم عبدالله

بغداد / العراق

(جسرُ الشهداء / كانون الثاني 1948)

(جسر الأحرار / 2015)

adnan aldhahir

الصرخةُ في عبورِ الجسرِ / عدنان الظاهر

سقطَ الحِمْلُ ثقيلا

فتساقطَ جسرٌ في نهرِ

هل من معنىً لجسورٍ تتهاوى أوراقاً صُفْرا

الجسرُ عبورُ الحاضرِ للماضي

لا يعرفُ برْداً أو حرّا

صيفاً أو قرّا

لبلوغِ المرمى والقصدِ النائي بُعْداً يمتدُّ

بنْداً بْندا

يتحدّى ...

في يومٍ مأزومٍ مشؤومِ

كان الجسرُ شهيدَ عَيانِ

يتكسّرُ ضِلعاً ضِلْعا

يتنفسُّ طعمَ البارودِ شهيقا

ورَصاصاً مصهوراً مصبوبا

سقطتْ أجسادٌ في النهرِ الجاري دمعا

لاقى مَنْ لاقى حَتْفا

إسودّتْ بغدادُ ظلاما

مالتْ قُضبانُ الجسرِ وناحتْ

في الكرخِ مطالعُ أفلاكِ الأزرارِ

(أستودعُ اللهَ في بغدادَ لي قمرٌ // بالكرخِ من فَلَكِ الأزرارِ مطلعُهُ / إبن زُريق البغدادي )

الحربُ عَوانُ

قضبانُ الجسرِ قيامُ

ترفعُ أعلاماً حُمْرا

تنحتُ في بازِلتِ الصخرِ الماسيِّ رقيما

موجاتُ النهرِ ملاحمُ نصرٍ تنغيما

تتماثلُ أوتاراً أدنى أعلى

تتكسّرُ قبلَ عبورِ الجسرِ الممهورِ شعاعاً من نورِ

الصرخةُ أعلى من صوتِ الطلْقِ الناري

الصرخةُ ذِكرى

لا تفقدُ ما في بغدادَ وفيها

وإليها نتوجّهُ بالشكوى والنجوى

أنَّ تبقى أعلى شأنا

أنْ لا يُخفي جسرُ الأحرارِ شهيدا

الصرخةُ فوق الجسرِ

الموجةُ في النهرِ الباكي

أفلاكُ الكرخِ مطالعُ أزرارِ سِرّا

الجسرُ تقادمَ عَهْدا

مُذْ أنْ آلى بشرٌ أنْ لا يعبرَ جسراً أو نهْرا

الجسرُ يُعاني

مِنْ صدأٍ فوق حديدِ الجسرِ

يتآكلُ يوماً يوما

إرتجّتْ دورٌ في الكرخِ وطاحتْ أزرارُ

صاحتْ بغدادُ " الدادا "

 

سأرقص فرحاً

لقد انتصرت اليوم

قميص عليه دم كذب

sardar mohamad

القميص / سردار محمد سعيد

 

قميص يوسف الصبي

الشيطان: تبّا ًتبّا .

ليوسعني الناس سبّا

 أيعجزني أخوة من البدو،

ولم أكن لآدم من الساجدين

ولا شيء يوقفني من العدو

 وأنا من سوّل لموسى القتل

بلا سكين

ولسالومي قتل يحيى

ولم تكن خجلى

من رأس بصحن يعب الدم الحار عبّا

ما أحلاك يا دم

أيها الدم الحار

كاللهب يرقص فوق نار

ونزغت قلب ابرهة  

أطيار ابابيل ذبت عن البيت ذبّا

اليوم لا محيص

سأجعل الجان يرقصون حول قميص

ولا يكفّون من شدو

يا لسعدهم حين يعانق يوسف الجبّا  

قميص  بدم كذب

ماذا يفرق عن طست دم

هذا دم حق وذا دم كذب

العصبة: إن يوسف بفؤاد أبينا يفوقنا حبّا

الشيطان: إذن اقتلوه أو اطرحوه أرضاً

العصبة: بل اجعلوه في غيابة الجب

الشيطان: يخلو لكم قلب أبيكم

العصبة: ونذهب إليه نبكي

الشيطان: وخذوا بقميصه هذا

وعليه دم كذب

أنا من نثرته عليه

سأرقص فرحاً

لقد انتصرت اليوم

قميص عليه دم كذب

وأغني

قميص قميص قميص

لتدّعوا بأنكم لم تشاهدوا الذئبا

العصبة: ما أنت بمصدق لنا

هذا قميصه يشهد

تركنا يوسف عند متاعنا وذهبنانستبق 

فأكله الذئب

ولم نجد غير قميصه المعفّر بالدم

هذا ما وجدنا فحملناه لك .

يعقوب: بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون

الشيطان: حتى عندما تفقدون

قميص  بدم ماذا بعد ذلك

بم تصدقون

ماذا أفعل أكثر

ولكني سعدت بما أنجزت

قميص... قميص .. قميص .

 

قميص يوسف الراشد:

الداية: اكرمت مثواه فنما

وبخير ونعيم تربى

قد نضج العود وشبّا

وماء الحياة في ترائب دبّا

ثمار يانعات وفاكهة أبّا

الشيطان:  زليخا  زليخا راوديه

وغلّقي الأبواب

واسقيه رضاباً قراحاً

والبسيه لؤلؤاً رطبا

قشري الثمار واطعميه لبّا

الملك: إياك يوسف أن تقترف ذنبا

يوسف اعرض عنه جنبا

اللهم اصرف كيدها

واستبق باباً تجد مُخرجاً

وكن صلبا

الشيطان: هنتك أنك تخذت خلفه دربا

أمسكت بقميصه من دبر فقدّ

وكان شاهداً ليثير لغطاً

 في المدينة وقيلا

ولم تجدي حرجا

فارسلت إليهن وآتيت كل واحدة سكّينا

هنتك أيتها الحسناء أنه استعصم

ما خطبكن أيتها النسوة

قدّ القميص من دبر

وكان شاهداً

قدّ القميص ..قدّ القميص ..

حصحص الحق وانتهى أمر أشر

 

قميص يوسف المعجز

المَلك: أفتوني أيها القوم

إني رأيت في النوم

موالي يعقوب:لمّا تزل في ضلالك القديم

لما تزل صبّا

شغفك يوسف حبّا

وابيضت عيناك من بكاء

يعقوب: إنما أشكو لله بثي وحزني

وأعلم من الله ما لا تعلمون

إني أشم ريح يوسف ولا تشمون

أخوة يوسف: أيها العزيز مسّنا الضر

خذ واحداً منّا بدلاً عنه

إن له أبا شيخاً عميت عيونه من الحزن على أخيه

يوسف: لا تثريب عليكم

سأستغفر لكم ربي

خذوا بقميصي هذا والقوه على وجه أبي يرتد بصيرا

يعقوب: ولما جاء البشير

ألم أقل لكم إنني أعلم من الله ما لا تعلمون

عسى الله أن يجمعني بهم جمياً

الشيطان: مذؤوووم مدحور أنا مدحور

قميص  قميص قميص من ولد مبرور

قميص قميص قميص.

نقيب العشاق بين بيخال ونياغارا

        

هــي تــخــشــى

حـيـنَ خــامَــرهـا الــجــوى

مِـنْ أن تــكــونَ جــريــمَــةً

ata mansour

هي تخشى / عطا يوسف منصور

  

فـي حـمـيـمِ الـشــوقِ

تـتـحَـمّـمُ  ذاكـرتـي  الـثـكـلـى

كـيـمـا تـجـلـي صـدأ الايــامِ الـحُـبـلـى

هـي تـخِـشــى عَــلَــقَ الــبــوحِ

بــأثـــوابِ الــحــقــيــقــهْ

فـي خــطـوطٍ وضـعَـتْ أحـرفَــهـا

كَــفُّ ابــنِ مُـــقــلــهْ

هــي تــخــشــى

حـيـنَ خــامَــرهـا الــجــوى

مِـنْ أن تــكــونَ جــريــمَــةً

حَــمَــلـتْ مَـــكــيـدتُــهـا

لــيــالــي الافــكِ

فــانـقـطـعَـتْ بــها  مِـنْ غـيـرِ

جُــرمٍ

ســاعِــدٌ خَــطّــتْ كــتـابَ اللهِ ألــفًـا

لابــنِ مُــقــلــهْ

هــكــذا أصــبـحَ ديــنُ اللهِ

فـي أيــدي ســلاطـيـنٍ

ووعــاظٍ

أرادوا الــدينَ أنْ

يــصـبـحَ للــطــاغــيـنَ بَــغــلَـهْ

ولــهُــمْ مــا دامَ غِـــلّــهْ

وعـــراقـي رازحٌ  فـي مِـثـلِـهـمْ

كَــمًّـــا

شـــعــاراتٌ

نِــفــايــاتٌ

مَــقَــرّاتٌ لأحــزابٍ

كُــلُّــهـا تــدعــو

ولــكــنْ

كُـــلَّـــهــا للـنَــصـبِ

فـــي أجـــمَــلِ حُـــلّــهْ

أيُّ حُــلّــهْ  ؟؟؟؟؟ !!!!

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور  

الـدنــمـارك / كــوبـنـهاجن

 

 

قدْ عفتِنــــي فـي دهشــــة ٍ

ثمِلا ً بحزنـــــي والتيــــاعـــي

jamil alsadi

قصيدة من الماضي / جميل حسين الساعدي

 

الصبـــــرُ ليسَ بمُستطـــاعِ               فهجــــرتهُ بعـــد َ اقتنــــــاعِ ِ

مــــا عـــــادَ غيرُ الشكّ ينـ                ـــهشُ في يقينـي كالضبـــاع ِ

قلــــــقٌ يمزّقنــــــني ويهــ                ــزأُ ُ بي، بأحلامي الوســـاع ِ

لمّــــا تألّقَ في سمــــاءِ الفــــــــــنّ نجمـــــك ِ فــــــي ارتفـــــــــــاع ِ

وفتنـــــتِ جمهــــورا ً يتـو                قُ إلــــــى لقــائكِ كالجيـــاع ِ

أنكــرتِ أني كنتُ يــــــــو               مـــا ً فــي سمائك ِ كالشــعاع ِ

فسخـــــرت ِ مـــن كتبـــي وممّـــا خطَّ منْ شعـــــــر ٍ يراعـــــــــي (1)

ونفثـــتِ في وجهـــي دخا               نـــك ِ وانصـــــرفتِ بلا وداع ِ

فكأننــــــــــي ثوبٌ عتيـــ                  ـــقٌ , بعضُ شئ ٍ مِنْ مَتــاع ِ

قدْ عفتِنــــي فـي دهشــــة ٍ               ثمِلا ً بحزنـــــي والتيــــاعـــي

وحــــــدي كأعقـابِ السجا              ئرِ فوق َ أرصــــــفةِ الضيـــاع ِ

هـــلْ تذكـرينَ الأمسَ حيـ               ـن َ جريت ِ نحوي في ارتياعِ(2)

وأملت ِ رأســــــك ِ ثمّ سـا               لـتْ دمعتــــــانِ علــى ذراعـي

أنفاســـــــك ِ الحرّى بوجـ                ــــهي في هبــــــوط ٍ وارتفاع ِ

عينــاك ِ فـي عينـــــيّ تلـ                ـتمســــان ِ أمْنــا ً فــي قلاعــي

لكنّ غيــــــــمَ الحزْنِ أمــ                 ــطــــر َ فجأة ً دون َ انقطـاع ِ

لمْ أدْرِ أنّ البحْــــــــرَ يغـ                 ـــدرُ بـــيْ ويخذلنــي شراعي

لمْ أدْر ِ يومـــــــا َ أنّ رو                 ض َ الحبِّ تسكنـــهُ الأفاعــي 

كالطفـــل ِ كنتُ أحسُّ في                 شـــــوقي إليك ِ وفي اندفــاعي

فاجأتِنـــــي مـــــا كانَ يو                مــــا ً هكذا عنـــك ِ انطباعــي 

لم تظهـــري لي مثلمـــــا                 قدْ كنتِ في الزمـن ِالمُضــــاع ِ

أصبحــتِ شيئـــــا  ً آخرا ً                وجــها ً تخفّــى فـي قنـــــــا ع ِ

يكفيــــــك ِأنّك ِنجمــــــة ٌ                 بيـــن َ الأكــابر ِ والرعـــــاع ِ(3)

قلقـــي عليكِ برغم ِ مــــا                قاسيــتُ دومــا ً فــي اتّســـــاع ِ

أخشــى ضياعـك ِ بعدَ أنْ                ألقيت ِ بِــــيْ  وســــط َ الضيا عِ

أخشــــــى بأن تغتالَ فيــ               ــك ِ النور َ أضـــــواءُ الخـــداع ِ

 

………………..

(1) يراع: قلم يتخذ من القصب

 (2 ) ارتياع: فزع

 (3) الرعاع من الناس: الغوغاء والسفلة

     

ibtesam yousifaltahirلا أدري إن كنتُ قـد رأيتها سابقا، كأنها تشبه امرأة أعرفها، بل كأني أعرفها وضيـّعت ُ اسمها، أو ربما لأنها تشبه أمي!!.. من يدري؟ قد يكون الشوق لأمي هـو الذي يتحكم في رؤيتي.... كانت تحرك نظارتـيـها كل بضع دقائق وكأنها متضايقة منهما، تغمض عينيها لثوان ٍ ثم تعاود القراءة. الكل منشغل بقراءة كتاب أو جريدة، قليل منهم من يحادث رفيقا له، والبعض الآخر يحاول تتمة نومه الذي قطعه للحاق بالعمل.

أنا فقط انشغلت ُ بمراقبة تلك العجوز... ربما كانت تلك ذريـعـة لأترك الكتاب الذي ما زلت أماطل الصفحات الأولى منه وكأنه يستعص عليَّ عقابـاً لي عـلى طول انقطاعي عـن الـقراءة التي تـضـاءل مفعولها السحري لـديَّ بـعـد كل ذلك الخراب. لكننـي في النهاية لم ألبث أن عدت ُ إليها، أستميحها العـُذرَ وقد رأيت ُ فيها الصديق َ الوحيد َ الذي لم يـُجاف ِ... 

بلـى لقد رأيتُ تلك المرأة سابقا، وفي القطار نفسه الذي أسـتـقـلـّـه يوميا. أثارت اهتمامي أكثر من مرة وهي تنتقد بعض الظواهر السلبية هنا. ربما كـان هذا مـا شدنـي إليهـا. ربمـا كـانت تعويضاً عما ينقصنـي أنـا التي صرت ُ مثـلــَهم حيث  كـلّ ٌ مـنـهـم مـشـغـول ٌ في عالمه، ومشغول بذاته.  حاولت ُ أن أعود َ لكتابي فلم يكن من  اللائق أن أراقبها إذ قد تشعر بنظراتي تتبعها، وهـو أمـر ٌ مـذمـوم ٌ هـنـا  ويعتبرونه  وقاحة ً وقلــّة َ ذوق.

اليوم كدتُ أحـيـّـيـهـا وأنا أبتسم لمرآها. هنا من النادر أن يصادفك شخص من الركاب مرتين علـى التوالـي علـى الرغم من الرحلة المكوكية التي نقومها يوميا وعلـى مدى أعوام.

الحمد لله أنها لم ترني. جلستْ في زاوية من الطرف الآخر من العربة. كانت تحتضن الحقيبة َ الـكتانيةَ القديمة َ إياها، والمحشوة َ بكتب ٍ وقـُصاصات ِ صُحـُـف ٍ وأوراق. واليوم لاحظتُ أنها تحمل تـَرْمـُـســاً(*) للشاي أو القهوة. إلـى أين هـي ذاهـبـة يا ترى؟ لا أعتقد أنها تـعـمـل،  ومظهرها لا يوحي بذلك. ربما هي متقاعدة.. مـَنْ يدري؟ ربما هي في طريقهـا لزيارة ابن ٍ أو ابـنـة ٍ أو حـفيـد ٍ أو قـريب ٍ أو ربـمـا كانت في طريقهـا لزيارة صـديقة أو صـديق. هكذا وضعت ُ سيناريو لرحلتها اليومية واقتنعت ُ به، مما عـزّز َ رغبتي في التعرف إليهـا. سعدت ُ بتلك الفكرة ورحت ُ أتابعها بين الحين والآخر لعـلـّي أجد فرصة ً للحديث ِ معها لدى مـغـادرتهـا القطار. وصـل القطارُ إلى المـحـطة التي اقصدها ولم تتزحزح من مكـانـهـا. نظرتُ صَوْبـَها بخيبة ٍ وأسرعـتُ للنزول قبل إغلاق الأبواب.

(2)

انتظرتُ الباص الذي يقلني إلى محطة ووترلو أكثر من نصف ساعة، من دون جدوى، ثم اضطررت ُ أن أمشي المسافة َ إلى هناك عـلى الرغم من المطر المصحوب بريح باردة، الأمر الذي يتساوى فيه الشتاء والصيف والذي لم نستطع الاعتياد عليه  رغم مرور كل تلك السنين.

الكل يركض في كل الاتجاهات. لماذا يركضون والقطارات تأتي كل بضع  دقائق؟ عشرات بل مئات ممن يسافرون من وإلى لندن يتراكضون للحاق بقطاراتهم، بعـضـهـم يحـمل حقيبته بيد وباليد الأخرى كوب القهوة أو الشاي، والبعض الآخر يحمل كيساً صغيراً يحتوي عـلى شـطيرة ٍ  أو فطيرة ٍ من فطـائر (الكرواسان) لفطوره، إذ لا وقت لديه لإضـاعـتـه في تـنـاول الفطور في البيت. لا مجال للـتـحـدث مع الصغار أثـنـاء تجمعهم الصباحي لـتـنـاول الفطور، لا مجال حتى لوضع المساحيق، وكـثيراً مـا ترى بعض الفتيات وهـنّ يـفـتـحـن حـقائب أدوات التجميل الصغيرة لحظـة جـلوسـهـنّ عـلى مـقـاعـد القـطـار لوضع المساحيق. ها أنا اليوم مثلهم أو مـثـلـهـنّ أركض لألحق بقطاري الذي سيمضي بعد دقيقتين والرصيف بعيد. رحـتُ أناور كـيـلا  أصطدم بالجموع المتراكضة مثلي.

تـنـاهـى إلى أسـمـاعـي صـوت مـألوف يـسـألـنـي:

- إلى أين؟ لماذا تركضين؟  كم مضى من السنين وأنت ِ تجرين للحـاق بـقطار ٍ، أو باص ٍ، أو طائرة . للوصول إلى البيت، إلى المدرسة، إلى العمل، إلى......فهل وصلت ِ؟ حتى لو ذهب القطارُ سيأتي غيره. ستتأخرين نصفَ ساعة ٍ، ساعة ً، ثم ماذا؟ هل ستتوقف الشمسُ عن المغيب ِ؟ هل سيحرن الليل ُ ويـُصِرُّ عـلى عدم الرحيل؟ كم من الليالي مرت عليك ِ أبى فيها الليل ُ أن يتزحزح َ، وكأنّ الفجرَ نسيَ موعـدَه، ولم يكن للقطار فيها ذنب ولا سبب.

تباطأتُ وأنا أنظر إلى ساعتي. لقد فاتت الدقيقتان، كنت أصغي إلى ذلك الصوت وكأني أعـرفه. تسارعـتْ نبضاتُ قلبي. هل كان صوتَ أحـدِ معارفي أو أصـدقائي؟؟ لـقد مضتْ عقود ٌ وأنا أنتظر صوتـاً يعيد لي زمنـاً تبدى، أو يفتح شبابيك َ لشوارع َ سـِـرْتُ فيهـا يومـاً مـُسـرعة ً من دون أن أدري أنـنـي لن أراها ثـانـيـة ً!

 التـفــَتُّ ! وأدْهـَـشــَتـْـني التفاتتي، فقد كانت غـاية ً في الـبـطء  وكأنها لقطة صـُـوِّرَتْ بـتـقـنـيـة " الـحـركة الـبـطـيـئة " أو" ســلو مـوشــِنْ Slow motion" كـمـا يـُطـلــَقُ عـليها في لغة السينما. ومـمـا زاد الأمـرَ غرابة ً شعوري بالخوف والرهبة لمرآها إذ أنـنـي أبـتـسـم عـادة ً لتعليق العجائز مثلها، ولكني فوجئت ُ بها. إنها هي، تتهادى في سيرها على خلاف الجميع.   

ابتسمتْ عن أسنان ما زالت بيضاء، وفي عـيـنـيهـا بريق حزن وكبرياء. تمتمت متابعة، وكأنها تحادث نفسها:

- لن يشكرك ِ أحد ٌ علـى وصولك ِمبكرة.

سرت بتؤدة (كما يمشي الوجي الوعل) ابتسمت وأنا أردد هذا البيت من الشعر. قبلا في مرحلة الصعود من العمر كنت كمن يسابق الريح في سيره، كما قال لي أخي يوما (كجلمود ِ صخر ٍ حـطـَّـه ُ الـسـَّـيـْـلُ من عـَل ِ).

لا بأس أن أتأخر قليلا ً، مهما يكن سيجدون فرصة ً للنقد والتجريح ِ، كما قالت، قد أعوّضُ ساعة َ التأخير ِ تلك مساء ً على الرغم من أنـنـي أتـجـنـّبُ العودة ليلا ً لما يـكـتـنـف ذلك من صياح السكارى الذين يتقاطرون على الحانات ليلا، والتي تسبب استفزازا وخوفا وقلقا للمتعبين مثلي، الخائفين مما يضمره الظلام لهم. "لن يجديَ الركضُ، سيجدون َ أيَّ ســبب ٍ إذا كانوا لئامـاً". قالت وهي تحتل المقعد َ الـمـقـابل لـمـقـعـدي ونحن نستقلُّ القطار َ الذي كان قـد أتى لـتـوِّه.

عقبت لأتابـع الحديث وأنا أشعر بشيء من البهجة والهدوء وقد تذكرت رغبتي في الحديث إليها سابقا:

- كنت أستغرب من حالة الركض هنا، والقطارات لم تنقطع، ولكن حين عـَمـِـلـْتُ عرفت ُ الـســبب، فمهما أبكرتُ، يتبخر الوقت بين محاولتي إنجاز أعمال البيت وتحضير الفطور لأجد نفسي بعدها أضطر إلى الركض للحاق بالباص أو القطار.

كانت تصغي بـِهــِمــَّة ٍ لم أعهدها في غـيـرهـا، بل كان هناك فرح طفوليّ بوجود مـَنْ يـبادلها الحديث، وبـمـوازاة فرحي بفرصتي لسؤالها والحديث إليها كما فكرت سابقا فهذه هي فرصتي، وما دمت قد تأخرت، وقد اعتدت تعليقاتهم وعدم تصديقـهم إيـّـايَ رغم اعتمادي الحقيقة. قالت وهي تتطلع الـى الكتاب الذي كـانت تـحـمـلـه في يدها وكأنها تحدث نفسها:

- أتذكر حماسي وهمـّتي بالعمل ومحاولتي مساعدة الكل حتى لو كان ذلك بعيدا عن اختصاصي، لعلي أكسب حـُسنَ ظنهم، وكـنتُ أُفاجأ لا بعدم المبالاة فـحـسـب بل باللوم أحياناً!

أطلقت آهة ً بثتها مشاعرَ الخيبة ِ والإحباط ِ وهي تتابع ُ: " إذا لم تكوني محظوظة، ستجدين حتـى الزلاّت التي يرتـكـبـونـهـا هم يـحـمـّـلونـك وِزْرهـا ".

وضعت ُ يدي عـلى كتفها لأواسيها، وأنا أتذكر ما حصل معي مما ذكرت، لكني شعرتُ بيدي ثقيلة ً وتتحرك بنفس بطء التفاتتي إليـهـا، فاكتفيت ُ بابتسامة ِ مواساة ٍ شاحبة ٍ.  أغـرورقـت عيناها بالدموع فـمـسـحـتـهـمـا وهي تفتح كتابها وكأنها تـتهرّب من بقية الحوار.

خــَطـَرَ لـي أن اسألها عن مـصـادفـة ِ وجودها معي أينما ذهبتُ، وهل كـانت تتبعني؟ هل تعمل لصالح الضمان الاجتماعي لترقبني إن كنت ُ جادّة ً بالبحث عـن عمل؟ لكنـنـي قمعت ُ هـذه الأسـئـلـة. شـعـرتُ أنها كـانت صادقة ً في كل ما قالت، فقلت سائلة:

- أراك تقطعين كـلّ هـذه المسافـة  كلَّ يوم ٍ تقريبا، هل لك ِ مـَنْ تزورينه؟

ثم استدركت ُ مبتسمة ً:

-  لم أقصد الـتـطـفـّـل َ علـى خصوصيتـك.

نظرتْ إلـيَّ وقـد لاحت ْ ابتسامة ٌ خفيفة ٌعلـى مـُحـَيـَّاها وقالتْ بتأنّ ٍ:

- أبداً، أنا سعيدة بالحديث إليك. اعتدت ُ الخـروج كل َّ يوم ٍ لأقرأ، لأتمتع َ برؤية الناس ِ، ليس لي مـَنْ أزوره، لكنـني لا أطيق البقاء َ في البيت. أشعر وكأنّ الجدران َ ترصدني لتطبق َ عليَّ، إضافة ً إلـى إحساسي بأنـنـي أشارك الـجـمـيـعَ رحـلاتـهـم، أي لكي أشـعرَ أنني واحـدة ٌ من هذا القطيع.

شعرتُ بأسـىً وألم ٍ. تمنيت ُ أن أعانقها، فكرت ُ أن أعطيها عنواني، أن أدعوها لزيارتي، فـأنا لي مشاعرها نـفـسـهـا ورغـبتي في العمل هي بديل لقراءتـهـا الكتاب. لكننـي فوجئت بوصولي إلى مـقـصـدي فـودّعـْـتــُهـا وأنا أنزل من القطار.

(3)

كان المطر يغسل الشوارع حين عدتُ مـساء ً، شعـرتُ بالبرد ِ للرطوبة التي يشيعـها المطرُ المصحوبُ بريح ٍ باردة ٍ وإن لم تكن شديدة ً كعادتها. إحساسٌ بالـندم ِ انتابني وأنا أتذكـّر تلك السيدة لأنـني لم أعطها عـنواني أو علـى الأقـلِّ رقم هـاتـفـي. تـنـاهـتْ إلى سـمـعـي أصوات ُ خطوات ٍ متثاقـلـة ٍ خلفي لخيال ٍ كأنه يتبعني. غاص قلبي وأنا أشـعـرُ برعـشـة ِ خوف ٍ مما يمكنُ أن يكون َ والشارع خال ٍ تمامـاً، ويزيده وحشة ً صمت ُ البيوت ِ المتراصَّة ِ فيه. احتضنت ُ حقيبتي وأنا أحاول أن لا أغـيـّرَ رتابة َ خطواتي وتحاشيت ُ الالتفات َ حتـى لا أعطيه انطباعاً بـخوفي، فـفي اللامبالاة قوة في بعض الأحيان. وقد مررت ُ ببعض المتسكـّعـين والسـُّكارى، من الذين يبحثون عن أي قرش ٍ لشراء ِ الخمر ِ فيضربون كل كـشـك ٍ للـهـاتـف أو مـُحَصِّلات ِ وقوف ِ السيارات ِ لعلها تنكـسرُ ويفوزون بغنيمة ٍ ما.

شعرت ُ بـِثـِـقــَـل ٍ في قدمي وقشعريرة ٍ في جسدي، وأنا أتصور اقتراب الشبح ذاك مني لضربي أو سرقة حقيبتي، فـأنا الآن خيرُ بديل ٍ لمثل ذلك الغرض. لم أحتمل الاصطبارَ فما زال الطريق ُ إلى بـيـتـي طويلا. وقفتُ لأبدوَ وكأنـني أبحث عن مفتاح ٍ لأوحيَ بأنـني وصلتُ البيت، ولأدع َ ذلك الشبح َ يمرّ. كانت ِ الدقائق ُ تمرُّ وكأنها دهر. تطلعتُ وأنا أستجمع ُ كل شجاعتي، فـانتابتني دهشة ٌ مصحوبة ٌ بفزع! كدت أصرخ، إنها هي، فركت ُ عينيَّ لتصوري أنه مجرد وهـْم ٍ لكثرة ِ ما فكرت ُ بها اليوم، لكن ابتسامتها الهادئة أعادت لي شجاعتي لأسألها:

- ماذا تفعلين هنا؟ كنت ُ أفكر أن أدعوك لزيارتي، وها أنت هنا أمامي. هل كنت ِ تتبعينني؟

ضحكتْ وهي تجيبُ بهدوء ٍ:

- أشكرك ِ علـى التفكير بي، لكنـني أسكن هنا.

- ماذا؟.. أنا أسكن في هذا الشارع منذ سنوات، ولم أرك ِ فيه قــَط ّ.  لم أرك ِ سوى في القطار، كل يوم تقريبا. ولم أصادفك هنا من قـبل.

قالت بهدوء:

- ربما هي الصدفة!

لم تـدهـشـهـا هـذه الـمصادفة كـمـا أدهـَشـَـتـْـني، فانتابني إحساس بالخوف، لكنني أردت ُ أن أكسرَ ذلك الشعور فقلت ُ:

- حسن ٌ، مـا دمـنـا جـيـرانـاً فـسـوف نـتـبـادل الزيارات باســتمـرار، مـا رأيك؟؟ قـالت:

- شـكراً لك ِ. أنتِ طـيّـبة حـقـّـاً.  الناس هنا لا يـثـقـون بـبـعـضـهـم البـعـض، لـذا تـجديـنـهـم يـجـهـلون أسـمـاء أقرب جـيرانـهـم إليهـم، ولـو كـان جـارهـم مـنـذ سـنـوات كـثـيرة.

أحـسـسـتُ بارتـبـاك ٍ وأنا أسـايرهـا. هـل أمـشـي مـعـهـا إلى بيـتـهـا أم أدعـوهـا إلى بيتي؟ وفي هـذه الأثـنـاء كـنـّـا قـد وصـلـنـا إلى بيتي، فقلتُ لهـا بـحـمـاس ٍ:

- تفضلي معي لتشاركيني العشاء.

فوجئت بها تقول ومن دون أثر لأي دهشة:

- أنا أسكن هنا أيضـاً.

عقدت ِ الدهشة ُ لساني! هل يـعـقـل أنـهـا تـقيم في الـمـبـنـى نـفـسـه الذي أقيـم فـيه من دون أن أراها. صعدتُ درجـات ِ الـسـّـلــّم مـفـسـحـة ً لها المجال َ لتصعـد َ أمامي وأنا أتابعها. المبنى صغير ولا وجود لمصعد كهربائي فيه. ربما تـقيـم في الطابق الأول..!! أو الثاني.!!.. أو.. الثالث..!!  حيث أقـيـم أنا؟ ذهـِـلــْتُ حـين أبـصـَرْتــُهـا    تقف أمام باب شـقـتـي..

أخرجت ِ المفتاح َ من جيبها وأنا أتأملها غير مصدّقة ٍ ما أرى! أدارت المفتاح في الـقـفـل، وفــَتــَحــَت ِ الباب!!

 دَخـَـلــَتْ أمامي وَســْط َ ذهـولـي الـمـُطـبـق....

 

ابتسام يوسف الطاهر

لندن 1998

.......................

(*) الـتــَّـرْمـُـس: زجـاجة تـحـفظ درجة حرارة السوائل الموضوعة فيها سواء كانت تلك السوائل

ساخنة كالشاي والقهوة أو باردة كالعـصير.

 

 

almothaqafnewspaperإستلقى على حصير من الحلفاء داخل "الخالفة"* بالخيمة الحمراء المنتصبة بأوتادها المتطاولة عنان سماء البوادي النائية وسط كتل من الضباب الرمادي الذي أعدم فيه رغبة الشوق الثخين في البقاء طويلا أمام ما زرعته سواعده  من محصول سنابل القمح التي تقيه الفاقة والجوع القائم في البطون الخاوية بعد أن ألقى على جسده سطلا من الماء البارد لإذابة قطرات العرق المتفصد من جسد أنهكه العمل المضني والشقاء الذي لا زمه منذ أن كان طفلا يافعا يدير حقلا من أرض أجداده ويدفع عنه عيون المتلصصين المتربصين به من أبناء جلدته المحيطين به في الجيرة والكلأ والماء على بعد هكتارات قليلة لم تعد تفيه الغرض المطلوب لتسديد ما عليه من ديون إستهلك أكثرها في توفير لقمة العيش لأبنائه وأسرته الكبيرة وبعض الأغدية الموسمية للأنعام التي تعود على وجودها أمامه في مرعاه الصغير يستعين بها على نوائب الدهر حين تشح السماء ويجف ضرع الأرض .. وساوس كثيرة أعدمت وجدانه الهش و أزالت عن جفنيه النوم ولو لساعة أو أقل لكنه قضى تلك القيلولة الحامية التي تتخلل بعض ساعات الظهيرة في صحراءه القائضة يتمطط مستأنسا بالراحة المؤقتة التي يشعر بها كلما تمدد يريد قليلا من الراحة والسكينة لعله يريد لذاكرته أن تسعفه برفق وحنو يقذف فيها كوابيس ذاته المنهكة وأوجاعه المزمنة بعيدا مما هوفيه لحظة الفراغ والخواء المستبد به كلما خلى إلى نفسه يحدثها أو استسلم للصمت والوحدة الصماء الموحشة يبحث في أقاليم ذاته عن فسحة للهروب أو الغياب المندلق في أعماق الذاكرة وأغوارها البعيدة فحين جاء إلى الدنيا علم من شقيقته الكبرى نايلة التي قضى عليها داء حمى النفاس قبل إكتشاف المصل المضاد له تاركة لبعلها لفيفا من الأبناء والبنات أنه ولد في الشهر السابع وليس في الشهر التاسع كبقية المواليد ولأجل ذلك قام والده بذبح عشرة شياه كاملة وزع لحمها على الفقراء والجيران وعابري السبيل من أجل أن يراه رجلا ولا يغادر مرآه مثلما حدث لأشقائه من الذكور الذين ماتوا كلهم فور ولادتهم فقد شاع بينهم أن والدته لاح بينها وبين أن ترى الذكر الذي تمنته طويلا في البدء رجل كان ينوي الزواج بها قبل أن ترتبط بوالده عندما نهرته باصقة في وجهه فحلت بها لعنته عندما أخرج يوم جمعة "معروفا" هو عبارة عن قصعة من "المردود "* وبراد من القهوة العربية داعيا لها أن لا ترى ذكرا في حجرها لولا أنها أعتذرت منه في الأخير وسامحها على مضض ومع ذلك فقد نشأ قويا مقداما لا يهاب أحدا أو يخشى شيئا لكنه أيضا يوقر الكبير ويحترم الصغير ويعامل الناس بالحسنى …هو لا يزال يذكر كل تلك السنوات التي قضاها رفقة زوجته "الرومية" التي صادفها تحت قبة خضراء تشكو العطش والفاقة في صحراء مسعد عندما تاهت بها السبل متخلفة عن قافلة من الجنود الفرنسيين الذين لاذوا بالفرار جميعهم هروبا من غارة مفاجئة شنها عليهم نفر من جنود جيش التحريرالمرابطين بالقرب من جبل بوكحيل فأنقذها من موت محتم بعدما ناولها قليلا من الماء كان يحمله في قربة سوداء موشحة برائحة "القطران" أعاد إليها الروح والأمان ثم عاد بها إلى خيمته وإرتبط بها طالبا منها أن تنطق بالشهادتين كجواز مرور لعقد قرانه عليها فنسيت " كريستين " وصارت فاطمة التي أنجبت معه عددا من الأبناء والبنات ومع ذلك فهو يشعر بالوحدة والعزلة القاسية بعد رحيل زوجته فاطمة التي ماتت بمرض غريب ألزمها الفراش ثم غادرت إلى مثواها الأخير …لقد كان يشعر طوال السنوات الكثيرة التي قضاها معها أنها "عينه" التي يرى بها لحسن تدبيرها وحنكتها والحكمة التي إكتسبتها من خدمتها كممرضة في صفوف الجيش الفرنسي ضمن عدد من الممرضات المكلفات بإسعاف الجرحى من الجنود الفرنسيين تحملت معه شظف الحياة الشاقة في بادية جذوره الكامنة فيه ناسية باريس التي تركتها وراءها بكل مافيها من مرح وحبور وألق ككل العواصم الأوربية الرافلة في أثواب الرفاهية والسعادة البعيدة عن أعين الفقراء والأشقياء ومن لف لفهم وعندما ماتت في ذلك اليوم الصيفي القائظ أيقن أنه بقي دون تلك "العين" التي يرى بها لقد بلغ به الوفاء لذكراها أن حفر بئرا موغلا فيها أثمرت عينا من ماء أقصى التلة الترابية المطلة على "مقام النايلية" بجوار السهل الذي يتوسط الحد الغربي لأرض أجداده التي أخذت منه عمرا بأكمله لإستصلاحها وبذرها لتثمر قمحا وشعيرا تتزود منه الأسر و الرعاة والأنعام لتطفئ صهيل الجوع القائم فيها وفاءا لها قبسا ينير ظلام عزلته والوحدة القاتلة وليس معه سوى دفتر الديون التي أثقلت كاهله وصورتها الملفوفة داخل غلاف تعود أن يضعها أمام رأسه أو فوق صدره حين تسافر روحه لها أو يشده الحنين إليها وهو على ما هو عليه لا شئ يشغله سوى ذكراها مشرعا جفنيه ليرى القوافل الكثيرة فرحة مستبشرة تشرب من "ماء دافق" حفرته سواعده بقلب دامع رمى وهجه "لرومية "دوخته بصبرها فكانت "عينه" ثم أنكر نسيانها قبل أن يقذف به الموت جوارها منفرطا غير آسف على البقاء بعدها وأي بقاء … ؟

 

 قلولي بن ساعد / قاص وناقد من الجزائر

........................

* الخالفة جزء من الخيمة يخصص كمكان للضيوف

* المردود أكلة شعبية منتشرة كثيرا بالجنوب الجزائري

 

abduljabar alhamdiهاهي آلامي وأوجاعي تلقي بظلال اشباحها على ما تبقى لي من عمر، أراني معزولة عن العالم لم اختلط كما كنت في السابق، لما كانت حياتي تمر بمرحلة نسيت ان القدر يمكن ان يخبئ ما لم اكن احسبه، او لأقول تغاظيت، سعادتي طغت على كل انوثتي بت كالوردة لا احفل إلا بندى صباحات جميل وضياءات شمس، اسبغها على روحي الى من كنت احب بلا حدود، يا الله!! كم كان لذيذا عمري الذي احتسيت معه معتق البن الذي ما ان اشم رائحته حتى تورق مساماتي واساريري، هو عطوف وحنون حد الخرافة، حتى تلك اللحظة التي اختَطًفت مني سر وجودي... أنزويت الى حد الخوف من اختطاف ذكرياتي التي احفظ في ذاكرتي، صوري التي عنيت بها بألوان زيتية بعيدة عن ضوء يعرضها للتلف، كابدت الحزن والمرارة، لم اتذوق بعدها طعم ورائحة ما يحب، فذلك يعني اني سأقاسي اوجاع وآلام لجرح لم يندمل على فراقه..

حتى عملي الذي اقوم به مع رفقة حاولت الاندماج معها بحدود ضيقة، شعروا بأني افضل الوحدة فابتعدوا عني حتى تلاشت تقريبا علاقاتي معهم، إلا في حدود عمل، الى ان دخل في ذلك اليوم رجل لم اكن أعلم بأن لي انوثة منزوية في ركن تتعبد راجية انتشالي مما أنا فيه، غريب هو احساسي  حين وقعت عيناي عليه، كأن تيار سرى بجسمي صعقني الى حد ان ارتعش واتعرق، بل امتزجت رائحة رغبتي بالحديث إليه بشغف انوثتي، بداية خجلت لكن شيء ما دفعني لأن اقوم عن مكاني لاستقبله مستفسرة عما يريد، استغرب صحبي تصرفي لكني لم اعير أهمية، كنت لا اقوى على مسك حركتي التي باتت لا إرادية اتجاهه.. فقلت:

هل من خدمة اسديها إليك؟

كان هو الآخر يشعر بالاستغراب لكنه تفادى ذلك بالرد علي قائلا:

حقيقة ابحث عن معرفة آلية تقديم طلب العمل إذ تنامى الى علمي ان هناك وظيفة شاغرة في مجال اختصاصي لدى شركتكم، سحبت الاستمارة وعبئتها، لكن يبدو ان هناك بعض الامور لا اعلم كيف لي ان املئها او سير خط هذه الاستمارة.. هلا قدمتِ لي العون.. مد يده لي بالاستمارة، اخذتها مع شعور غريب ينتابي الى معرفة اسمه وعمره خاصة ان هناك بعض خيوط من الشيب قد خطت جوانب شعره المسترسل الى الخلف بشكل جميل يريح النفس، كأني فتاة مراهقة تحاول التقرب منه قدر الامكان لشم رائحة عطره الذي يرتديه، لقد كان المفضل الذي احب والباقي من ذكريات نفسي.. فقلت:

حسنا دعني ارى، تفضل اجلس حتى يمكنني اخبارك بكيفية اكمال بنود الاسئلة التي في استمارة التقديم، ومن ثم ارشدك الى اي مكتب تقدمها إليه.. جلس قبالتي وانا اقلب الورق كأني اتحسس مكانات لامست الورق باصابعه، لم الحظ ما قاله، وأنا سارحة مع نفسي الى ان سمعته يكرر قائلا:..

عفوا: هل هناك خطأ أراك قد اطلت في قراءة هذا الصفحة؟

لا ابدا .. لكني احببت ان اقرأ بشكل لا يجعل ممن يستقبلها منك لايجد صيغة التقديم غير ملائمة، فهناك العديد يقدم على ملأ الاستمارة لكن صياغته في التعبير لبعض الاسئلة لا تتوائم مع سياسة الشركة فهي كالمصيدة للمتقدم..

اوه .. شكرا لك سيدتي على معونتك سرني التعرف إليك إني ادعى...

قاطعته دون ان يكمل جملته ... احمد ... انك احمد عبد الكريم لقد قرأت أسمك، سرني التعرف عليك

عذرا .. وحضرتك إن سمحت لي بالسؤال ..

إني أدعى رونق .. كان مستغربا من الاسم يبدو انه شغله لوهلة ما، فجاء رده متباطئاُ

يا له من اسم جميل ... حقيقة لم اتخيل ان هناك من يسمى بهذا الاسم الوردي اللون بشفافية .. اسم يليق بك فعلا سررت بمعرفتك..

في اليوم التالي.. جئت الى عملي وانا ارتدي ثوبي الذي ركنت في خزانة ملابسي بعيدا مع آلامي واشباح ظلالها، طالته الظلمة كما طالت حياتي لا ادري قضيت يومي بعد اللقاء به ومساعدته لا هم لي سوى التفكير به، دون معرفة ردة فعله او مشاعره اتجاهي.. قبل خروجي من المنزل جلست اضع مساحيق التجميل لأغطي تجاعيد انبرت تجرد نضارة بشرتي من هيبتها، نعم انا في شارفت على الاربعين عاما لكني لازلت احتفظ بمسحة من الجمال ذاك ما اعرفه عن نفسي.. ليس غرورا لكنها حقيقة دفنتها خلف عدم اكتراثي، شيء ما ايقظ بداخلي عنفوان الرغبة في الحياة والتطلع الى استباق القدر الذي عكف على طرق بابي حتى كلت يداه فابتعد بعد ان لم يجد بدا سوى الكف عن ملاحقتي، ملئت فراغات تلك التجاعيد بمسحات حاولت جاهدة ان اعكس أنها نتيجة تعب وإرهاق لبست ثوبي الوردي الذي كان هوس من احب .. لا تسأليني فأنا لا اعلم ما الذي يدفعني للتصرف  بهذا الشكل.. هذا كان ردي على وسوسة في نفسي طرقت علي هذا السؤال، ادرت وجهي عنها بشكل لا يجعلها تعاوده او ترمي السخف او الرعونة على ما افعله...

دخلت كالعادة الى مكان عملي .. وقد بان بشكل جلي الاستغراب على وجوه صحبي في العمل.. لم يمنعهم من التنابز فيما بينهم عليّ لكني لم اكترث لهم .. غير ان هناك من ابتسم لي قائلا:

صباح الخير سيدة رونق، فبادر الجميع وراءه بنفس التحية... كنت سعيدة جدا بذلك فرددت اسعدتم صباحا جميعا ..

جلست وانا انظر الى ساعة يدي وساعة الجدار.. لقد كنت قد برمت معه موعدا من الامس بأن يأتي في الساعة التاسعة صباح هذا اليوم.. لازال هناك ساعة كاملة ..اشغلت نفسي باتمام وترتيب ما تركته في الامس، وبين لحظة واخرى انظر الى الساعة واتأفف .. ذلك جلب انتباه ندى والتي تجلس الى المكتب المجاور مني فقالت: تبدين اليوم كأنك فتاة في العشرين ..لم اكن اتوقع بأنك لا زلت بهذه الروعة  من الجمال يا رونق ..اسمحي لي بأن اقول إنك بثوبك هذا واطلالتك كأنك وردة كانت تنتظر الندى لتورق وها انا أراها تورق بشكل يضفي السعادة لم يراها ويشم عبق الوهج الذي يشع من كل ثناياها...

كنت لم اتعود ان يتحدث معي اي موظف بهذا الاسلوب كوني الاقدم ومسؤولة القسم لكن ندى لها مكانة خاصة في نفسي شعرت بالإثارة حين سمعت من عَلِمَت بكل خبايا اسراري بهذا الاطراء.. فقلت : لا اعلم مالذي لفاني أراني اتصرف دون إرادتي كاني مراهقة.. شئ ما يقول لي بأني قد جننت او هي نزوة من إمراة تحاول ان تعيد ما سرقته الايام منها، و واعز يقول هي الحياة فيها ما فيها، واظنني سمعت ومشيت بالرأي الآخر.. اجدني لا اسيطر على مشاعري وانوثتي التي اشبعتني قُبلا حين رأتني اتجدد بكل شيء.. اتراني على خطأ ام على صواب؟

ردت علي ندى .. إنك إمرأة بمعنى الكلمة فالحياة تتجدد كما الخلايا، وكل ما تحتاجه المحفز والوقت المناسب، وأراني قد حظيتِ به وهي تشير لي بعينيها ناحية القادم اتجاهي...

شعرت بالارتباك ما ان رأيته.. وهي تقول لي: دعي مشاعرك تقودك حيث يمكنها ان تورق من جديد يا عزيزتي رونق ثم ركنت الى مكتبها مبتعدة

صباح الخير سيدة رونق..

صباح الخير سيد احمد تفضل..

لم نتحدث كثيرا، كانت الابتسامات، العيون، وضربات القلب التي يسمعها كل منا عن صدر الآخر، كفيلة بأن تشرح كل شيء.. لحظات كانت اشبه بعالم فنتازي كل مافيه يتراقص بصورة بطيئة، مطبقا على العالم الخارجي الذي حولنا.. تحدثنا طويلا في صمتنا ذاك.. شعرت أنه قد فهم ما اريد كما علمت مشاعره اتجاهي..

برغم كل ذلك كنت ممسكة بالاوراق التي تركها بالامس لكي اعطيها إليه، سارع هو لأخذها ممسكا بيدي بقصد وهو يقول:

 لقد كان الحظ حليفي فعلا أيتها الرونق، لأدري ما اقول؟ لكن اعلمي أني ومنذ الامس لم تفارقي عقلي وخيالي وقلبي.. فحين خرجت كان هاجسي معرفة كل شئ عنك .. ما جئت اليوم إلا لأن اقول لك وأعرض عليك قلبي، هل تقبلين ان تدخلي حجراته الى الابد ليكون تحت إمرتك .. سأشرح لك تفاصيل كل اسئلتك التي يمكن ان تدور في ذهنك ... لكن فقط اقبليني الآن رافدا جديدا يحب ان ينتقي رحيق بقية الحياة الى جانبك..

صدمة ما اسمع جعلتني لا اعرف ماذا اقول!! لا زال هناك هاجس يدفع بي الى ركني البعيد الذي استفرد بي هما وحزنا... كانت نظرات الجميع تتطلع نحونا فقد سمعوا ما قاله لي.. وهم بانتظار ردِ عليه..لم اعهدتني ضعيفة مترددة .. غير اني تذكرت ما قالته لي ندى فأجبته.. لكني لم اقل شيئا او اعرفك من قبل!؟

سارع بإمساك يدي الثانية وهو يقف دون تردد او اكتراث لمن حوله.. تعالي معي هيا انهضي لأروي لك ما تودين معرفته عني.. لكن عليك فقط ان تعلمي أني لا يمكنني ان اقبل بالرفض ..

وجدتني اقف واسارع الى الخروج معه وسط تهليل الجميع وتصفيقهم .

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي   

 

haidar alhadrawiحديقة الحيوانات الوحيدة المطلة على تلك المدينة الكبيرة وارداتها لم تعد تغطي نفقاتها، غضب المالك كثيرا من سكان المدينة، فبعد ان شجعوه على إقامتها و تشيدها  ملئها بمختلف انواع الحيوانات أداروا ظهورهم لها، وتوقفوا عن زيارتها، لذا قرر المالك ان ينتقم منهم، في الليل، توجه نحو قفص الاسد، تسلقه، ثم فتح الباب، انطلق الاسد مبتعدا بعد ان وقف على عتبة الباب متأملا مستنشقا نسيم الحرية، لم يكن هناك بد الا ان يدخل المدينة، كي يخرج من الجهة الثانية، ومنها الى الغابات .

شاهده الناس يتجول في الشوارع، يزأر هنا ويمشي هناك، أبلغوا الشرطة، بل توالت البلاغات من الناس على الشرطة كما المطر، بدورهم انطلقوا نحو مكان كل بلاغ، فلم يجدوه، لأنه يتنقل، سرعان ما يغير مكانه، يدخل من شارع ليدخل في الاخر، الا ان حوادث اعتداء على بشر لم تسجل بعد .

 وقف في تقاطع طرق، أخذ شهيقا عميقا، حلل ذرات الهواء في مختبره الطبيعي، كأنه يبحث عن رائحة شخص ما يود الانتقام منه، حالما وجد ما يرشده انعطف الى اليمين، سرعان ما وصلت الشرطة الى ذلك التقاطع، لم يجدوا الاسد، فانعطفوا الى اليسار .

دب الرعب في سكان المدينة، تحت وطأ مكبرات الصوت مطالبة اياهم بملازمة المنازل ومحذرة اياهم بعدم الخروج الى ان يتم اعتقال الاسد او قتله ان دعت الظروف الى ذلك، عم الصمت والسكون في المدينة الكبيرة، وتوقفت الحركة في الشوارع، يختلس السكان النظر من نوافذ المنازل، علهم يرون الاسد في الشارع فيبلغون عن مكانه، توالى المزيد من البلاغات الى مركز الشرطة، كثيرا من البلاغات كانت متضاربة، متناقضة، بعضها يشير الى ان الاسد في الجنوب، بينما بعضها يشير الى انه في الشمال، وبلاغات اخرى تؤكد وجوده في الشرق، احتار الشرطة في امرهم، رغم تجوالهم المتكرر لم ير احدا منهم الاسد .

الفزع زاد حده، ما حدا بكثير من السكان الى الابلاغ عن كل قط يرونه على انه اسد، حتى أشرقت الشمس، جالية الظلام، كاشفة وجه المدينة بأشعتها، خرج الناس من البيوت، تجمعوا امام مركز الشرطة مطالبين بتحميل مالك الحديقة المسؤولية كاملة عما حدث، لكنه تملص من المسؤولية ملقيا اللوم على الحراس والعاملين في الحديقة، مبينا تقصيرهم في اداء واجباتهم، زُج الحراس وعمال الحديقة بالسجن، بينما احتفظت الشرطة بمالك الحديقة في مكان آمن تحفظا عليه من الشعب الغاضب .

مرّ يومان دون ان تسجل أي حوادث، عاد الناس الى رشدهم، وأخذوا يعودون الى نشاطاتهم الليلية تدريجيا، الا ان حاكم المدينة الفاسد قرر ان يستغل الوضع لصالحه، أرسل ضباعه من المرتزقة ليفتكوا بسكان المدينة وثرواتهم، قتلوا شخصا ما شر قتلة وحرصوا على ان يظهروا ان المغدور قد فتك به حيوان مفترس، فعاد الذعر والهلع الى السكان، وتحصنوا في بيوتهم مرة اخرى .

تصدى حاكم المدينة الفاسد للأمر، معلنا تبنيه الكامل للقضية، نزل يجوب الشوارع مع رجال الشرطة مرتديا زيا خاصا برجال المهمات الصعبة وحاملا بندقية باحثا عن الاسد المفترس، بينما أرسل ضباعه من المرتزقة الى اقتحام المتاجر وسرقة محتوياتها والفتك بعدة اشخاص، بطريقة تبدو من افعال الحيوانات المفترسة، لم يقتصر الامر على ذلك فقط، بل تعداه، فقد اقتحموا منزلا لرجل غني، فتكوا بجميع افراد العائلة، وسرقوا كل ما هو ثمين ولاذوا بالفرار .

يزداد الناس رعبا الى رعبهم وهم يرون تلك المناظر البشعة، حتى انهم نسوا او أغفلوا تلك السرقات التي تتكرر لليلة الرابعة على التوالي، دون العثور على اسد او حتى رؤيته، سوى في البلاغات الكاذبة او تلك البلاغات من اشخاص بلغوا من الرعب والهلع الى درجة انهم لم يميزوا بين القط والكلب .. والاسد.

صبيحة اليوم الخامس، اجتمع الناس امام مركز الشرطة حيث يقبع ويتحصن مالك الحديقة، مطالبين بإعدامه في ساحة عامة امام أعين الناس، هناك ومن على شرفة البناية، أطل الحاكم على الناس بصحبة مالك الحديقة، تناول مكبرا للصوت، طلب منهم الهدوء، بعد ان هدأوا :

-        يا مواطني مدينتنا الكبيرة ... أيها الاعزاء والاحبة .. وددت ان اوضح لكم .. حقيقة .. ان الاسد حيوان بري ... لا يمكنه الاقامة في المدن .. لابد وانه قد غادر المدينة الى الغابات بعد سويعات من مهربه .. لكن هناك اناسا من ضعاف النفوس استغلوا الوضع الراهن وقاموا بأعمال شنيعة كي يوهموكم بوجود الاسد وفتكه بالمواطنين الابرياء العزل ومن ثم يتسنى لهم سرقة المتاجر والمنازل ويلوذون بالفرار .. لقد تحرينا عن هذا الموضوع وأبشركم بأننا القينا القبض عليهم في كمين وأنتهى الموضوع بسلام .. وها أنا ذا أستغل هذه الفرصة لأعرضهم امامكم واحاكمهم محاكمة علنية .        

هناك، في الشارع قد نصبت محكمة، جلس القاضي متربعا في الوسط بين مساعدين، عرض امامه الضباع، مرتزقة الحاكم، مكبلين، مكممي الافواه كي لا ينطقوا بشيء مما يفضح الحاكم الذي أستولى على جميع المسروقات، تناول القاضي المطرقة هاتفا :

- باسم الشعب ! .  

حدق في الجمهور، ثم في الضباع المرتزقة، ومن ثم اجال بصره نحو الحاكم، الذي ابتسم له، ضرب المطرقة وقال كلمة واحدة فقط :

- اعدام ! .

هلل الشعب طربا، وازدادوا حبا لحاكمهم، الذي زادت شعبيته، فضمن الفوز في الجولة الانتخابية المقبلة، بعد ان ضمن المال الكافي والضروري لتمويلها من الاموال المسروقة .

نفذ حكم الاعدام فورا، بدون أي تفاصيل اخرى، حينها التفت الحاكم الى مالك الحديقة :

- الان يمكنك الذهاب الى البيت بسلام ! .

- شكرا ... سيدي .

قالها بنوع من الخجل وهيبة الحاكم واضحة عليه، بينما هو يروم المغادرة، استوقفه الحاكم مبتسما بخبث :

- كانت فكرة جيدة ... هل لديك افكارا أخرى ؟ .

ابتسم مالك الحديقة بخبث ايضا مع شيء من الغباء والبلاهة :

- سوف أبحث لك عن افكار جديدة .. سيدي الحاكم .

جلس في سيارته، تنفس الصعداء، مستنشقا نسيم الحرية والامان، انطلق الى البيت، فتح باب حديقة منزله واغلقه من الداخل بإحكام، سار في الحديقة عدة خطوات وتوقف فجأة، بعد ان شم رائحة اعتاد ان يشمها في حديقة الحيوانات، اجال نظره في الحديقة باحثا عن المصدر، فجأة، وبدون سابق انذار، ظهر الاسد من بين اغصان الشجيرات قائلا :

- لم يطب لي ان اغادر الى الغابات .. ما لم اودعك أولا ! .

 

حيدر الحدراوي

 

لا لن أبوحَ بشعري للصخورِ هوىً

إنــــي أبـــوحُ لأغصـــانٍ وزيتونِ

mohamad althahapy

هذا بجفنك دمعي حين فرقتنا / محمد الذهبي

 

حييتـك الآن يـاليـــلى فـحييني

              مرت على القلب آهاتٌ ستشقيني

عشر تمر وفوق العشر أربعة

              لازرتُ طيفَكِ يوماً أو تزوريني

ليل الفراق عوى كالذئب فرَّقنا

                   وكنتُ أرقب أن آتي وتأتيني

لكن طوتك عن العينين أُمنيةٌ

                  قد رافقتْ ليلها آهاتُ مجنونِ

هذا بجفنك دمعي حين فرقتنا

             وتلك روحي على خديكِ تدعوني

يامنشدَ الشعر دع للشعر قصتنا

             وعاتب القلب كيف القلبُ يسلوني

الآن جئتِ  وقد شاهدتِ اغنيتي

                   هل آلمتك عيونٌ للمها دوني

القيتِ قلبيَ في جبٍ الهوى عنتاً

                   وبعتِ مابعتِ مني للأحايينِ

لوتعلمين فؤادي كيف عذبني

                 وكيف بان مشيبي في الثلاثينِ

يانخلةً تُركتْ للريح تلفعها

                هلّا نظرتِ الى فعل الطواحينِ

وقد بكتني قلوب الناس اجمعهم

                      لكنَّ قلبكِ معجون بغسلينِ

ويحٌ لقلبيَ هذا كيف يقحمني

                ويطلبُ الآن وصلاً لابن ستينِ

 لم نقوَ بعد على سمت الهوى وبنا

               من عاديات النوى آلاف مدفونِ

القلب يهوى ولكنَّ العيون ترى

               ان الصبابةَ دربٌ غير مضمونِ

ماكنتُ مذ كنتُ   نحوياً الوكُ فمي

            اعربتُ مذ كانتِ الالحانُ تطريني

لم آتِ للشعر ياليلاي عن كبرٍ

                     بل قلته وأُمِيْ للتوِّ تجريني

كانت نواقيس كعبٍ تقرعين بها

                  بانت سعاد وهذا البين يعنيني

وأنت خلةُ كعبٍ دُفتِ من ولعٍ

                حتى قنعتِ من الأفلاك بالدونِ

هدهدتُها ثم نامتْ فوق أغنيتي

               نومَ العصافير في ظلِّ الرياحينِ

واستيقظتْ سألتْ عني فأرقها

                  إني بنيت بيوتي قربَ نيرونِ

 أحرقتُ روما على أعتاب زوبعةٍ

                 وبتُّ انشدُ في عزفي وتلحيني

لا لن أبوحَ بشعري للصخورِ هوىً

                    إني أبوحُ لأغصانٍ وزيتونِ

يزجي القلاص وأزجي ما استطعت له

                 جمع الطيور لأسقيها وتسقيني

أنا ابنُ سبعين مذ غادرتِ مئذنتي

          صليتُ وحدي على صوت البراكينِ

ردِي حياض الهوى يا نفسُ واتَّركي

                 ما قد يقال سفاها فالهوى ديني

ألفيتُ إني تركتُ العشقَ من زمنٍ

                  حتى أتيتِ فعاد الليل يحدوني

سوطٌ لديه على الأكتاف يجلدني

                  ويدّعي إنني شاختْ موازيني

حبُّ الشيوخ على ما قد يكدّره

               يعيد للقلب نبضاتِ ابن عشرينِ

وأنتِ أنتِ بلا سوطٍ تمزقني

         عيناكِ مذ صادرتْ صوتي وتكويني

لا لا اسميكِ لا تخشينَ تسميةً

             إني أخاف وحرف الواو يدعوني

ما باله اللام من خلف الحجاب لنا

                       يبدي لتاءاتنا سم الثعابينِ

حرفان بالروح لا يلتاعُ كاتبُهـــا

                  أُعيد رسمهما دوماً فتمحوني

 

تاهت في الهوان لهفة روحي

والكرامة نَزفت..

دماً وذلاً عندما انجبتُ وغدا

mahmod jasem alnajar

يا ويلتي.. / محمود جاسم النجار

سقط النجم وسط محيطيَ الهائج

ولم يعد للموتِ طقوس ولا معنى

ولا للحياة أيُّ رتمِ موسيقى ومغنى

كُسِرَ الضلع واقترب الفأس

من رأس الشيخ والحكمة

تاهت في الهوان لهفة روحي

والكرامة نَزفت..

دماً وذلاً عندما انجبتُ وغدا

كنت أظنه الغيث والعون..

على صحرائي وجَدْبِ السنين

فتبينَّ لي يا ويلتي ..

أنه سُمٌّ مبيتٌ بجوفِ أفعى

لم تحتملْ من ربّاك وصَنَعك

فغلقت الباب بوجه من رعاك

كأنك صفعت خدَّ الربِّ صَفعا

يا ويلتي ويا ويلك يا ربيبي..

ماذا أقول وماذا أُحاكي الناس

إنهم ينادوني باسم فعلتي رَفْعا

أشعرُ كأني نبيٌّ صام سنينه

وبصومعةِ الرَبّ شربتُ قهرا

نسيتُ العمرَ يجري هباءً

بتُّ كفلاحٍ توسلَّ النخلةَ تمرا

25-07-2015

  

متى يستفيق النيام

على صوت تلك الضحايا

almothaqafnewspaper

لحون الرزايا..!! / جودت العاني

 

تحت كل تلك الحكايا، هراءْ..

لأن البغايا

تعثرن في رحبها

كلما الله شاءْ..

لم يعد حالهم كالبقايا

في طريق تمادت سحاباتها

تنزل الضيم حزنًا

ونواحًا وبكاءْ..!!

*  *

بعضهم يستسيغ البقاء

جاهلاً حائرًا

يستمرأ العيش وأشكال الشقاءْ..

بين تلك السجايا

وتلك الخطايا

تراجع وقعها سافرًا

خائرًا

يعيش سباتًا مخيفًا

يجانبه الحزن والخوف

لا يعرف، أي نوعٍ

من الموت هذا الوباءْ..!!

*  *

أيَحْتَكِم الصمت أشلاءه

في الصقيع

أم الصمت يأكله الهم في الموقدِ..؟

فما بالهم يرتجون دوام العطايا..

على ذلهم يعزفون

لحون الرزايا

على موعدِ..!!

*  *

متى يستفيق النيام

على صوت تلك الضحايا

كي يرون حالهم في المرايا ؟..

حلمًا عاطرًا في الصباح

ينثر ماءه شافيًا

ويسحب من جوفهم، تلك الشظايا..

بأدعيةٍ مِن الخالد الأوحدِ..؟!

*  *  *

22 / 05/ 2017

أنتظرك اليوم بعيدا جدا

عن الصخرة الناتئة

سألقاك في أعماق البحر

hasan yazidhojazi

موعد في أعماق البحر / حسن يزيد حجازي

 

أنتظرك بكل وجل

عند حافة الصخرة الناتئة

قد آخدك في تجوال بحري

على متن نفس القارب المخروم

بهموم الصيادين،

وآهات السكارى،

وأطفال الملح،

وبائعات الأصداف،

سأدعوك لوجبة سردين مشوي

وسلطة يونانية وبوظة بطعم الفرامبواز،

بعدها سأحدثك عن

الأخطبوط اللعين،

والبيرانا الشرسة،

وسرطان البحر الماجن،

سأطنب في الحديث

عن أكلة السوشي الذي ﻻ أحبه

مع العلم أنه لم يحدث أن أكلته من ذي قبل

سأروي لك بعد ذلك قصة "سيشيليا"

تلك السمكة الصغيرة

التي تدرجت في سلم الترقي البحري

إلى أن صارت مديرة علاقات عامة

ترتب أجندة البحر

وتنظم مواعيده،

سيدتي الجميلة

أنتظرك اليوم بعيدا جدا عن الصخرة الناتئة

سألقاك في أعماق البحر

جهزي عتاد الغطس

وكوني في الموعد

حتى لاتحل علينا لعنة "سيشيليا"

تلك السمكة الصغيرة

التي تحولت لحوت ضخم

وصار لها الآن شأن

في أعالي البحار!

 

حسن يزيد حجازي

 

مـيـسـانُ عـلـى بُـعـدِ قـاراتٍ مـن عـيـنـيَّ

لـكـنـهـا قـاب صوتي مـن حنجرتي

أو أدنـى

batowl shamelallami

الـخـطـأ / بتول شامل اللامي

 

قـد أخـطـأ مَـن قـال إنّ الـبُـعـدَ

يُـطـفـئُ شـمـوعَ الأشـواق

فـأنـا

أزدادُ شـوقـاً ووجـداً

كـلـمـا ازدادتِ الـمـسـافـاتُ بـيـنـنـا

فـأطـويـهــا

عـلـى حـصـان أحـلامـي

*

مـيـسـانُ عـلـى بُـعـدِ قـاراتٍ مـن عـيـنـيَّ

لـكـنـهـا

قـاب صوتي مـن حنجرتي

أو أدنـى

*

مُـخـطـئٌ

مَـنْ يـصـفُ الـحـيـاةَ

بـأنـهـا مـسـرح

فـالإنـسـانُ

لـيـس مُـمـثِّـلاً مُـتـعـدِّدَ الأدوار

إنـهـا مَـشـغـلٌ

يـجـبُ عـلـى الإنـسـانِ فـيـه

إنـتـاجُ

أفـضـلِ الأعـمـال

***

الـخـطـأ  ضـروريٌّ أحـيـانـاً

لـنـعـيـدَ الـتـجـربـة

لـولا الـخـطـأ

مـا عـرفـنـا قـيـمـةَ الـنـجـاح

*

أكـرهُ مـقـولـةَ "خـطـأ شـائـع"

إنـهـا تـعـنـي

أنّ فـكـرَنـا عـاجـزٌ عـن إيـجـادِ الـصـواب

*

أفـدحُ الأخـطـاء

الإسـتـسـلامُ لـلـخـطأ

***

tariq alkinaniحين سأله المعلم عن معنى وطنK

اخرج من جيبه صورة امهK

وقال:

هذا معنى وطن

 

طارق الكناني

................

القصة القصيرة جدا التي شاركت بها في مؤتمر اتحاد ادباء النجف والتي فازت باحدى الجوائز الثلاث الاولى

1275 tarik

qusay askarعلى الرغم من وجود أسماء أخرى في الصف لا تثير التساؤل، فإنّ المعلمين أطلقوا عليه صفّ القادة ليس من باب السخرية بل على سبيل المزاح فحسب!

كان هناك عيسى موسى، وحسين علي، وآخرون غير أنّهم يشكلون أقلية فيما إذا ما قورنت أسماؤهم بنا، فمن حسن الطالع أننا ولدنا بعد يوم الرابع عشر من تموز، فكانت اسماؤنا ذات هيبة، فينا عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، وفاضل عباس، ووصفي طاهر، وماجد أمين، وطاهر يحيى، واسماعيل عارف...كل ما نعرفه أن الحاج قاسم آل عبود صاحب مكتب تصدير الأخشاب سمى ابنه آخر العنقود باسم عبد الكريم والعم البنَاء المشهور طاهر العطبي تيمن باسم وصفي أما صاحب معامل الآجر الشيخ عارف الحامد فكان عليه أن يختار اسما لائقا لابنه مستوحى من أحد اسماء قادة تموز !

ويبدو أن جميع أهل شط العرب انساقوا في هذا السلوك خلال عام عام الثورة!

هكذا حملنا أسماء لم تكن لتعنينا بقدر ماكانت تثير انتباه الآخرين لكن تلك الأسماء لم تعطنا أيّ امتياز ماعدا بعض التعليقات النادرة من المعلمين بخاصة أستاذ العلوم الذي عُرِفَ بطيبة قلب تدفعه إلى أن يغض النظر دائما عن مشاكسات عيسى موسى قائلا له : أنت نبي وأبوك نبي فكيف أعاقبك أما إذا لاحظ أن الإهمال والكسل استشريا في جيمع التلاميذ فإنه في هذه الحالة يخاطبنا والدهشة ترتسم على ملامحه بعبارته المعهودة: قادة وفي الوقت نفسه أغبياء!

والحق كنا كأيّ من تلاميذ الصفوف الأخرى نتشاجر ونتعارك ونتكتل ونتصالح وقد نلعب بعض الأحيان لعبة خطرة تعود نتائجها السلبية علينا لنواجه عقوبة من ذوينا أو معلمي المدرسة ثمّ نعود وننسى كلّ شيء، وقبل نجاحنا من الصفّ السادس الابتدائيّ والتحاقنا في مدارس ثانوية شتّى بعيدة عن قريتنا حدث أمر كاد يغيّر مجرى حياتنا باتجاه آخر.

تلك السنة ضمّ صفنا – نحن القادة - التلميذ فيصل غازي الأكبر منّا سنا . كان أبوه الحاج غازي عبد اللطيف الذي يملك شاحنة نقل كبيرة قد قدم من محلة العشار قبل عام ليسكن شط العرب، ويبدوأنّ فيصلا وُلِد في نهاية العهد الملكي قبل ثورة تموز بأشهر، ودخل قبلنا المدرسة بعام، لكنّه أخفق في العام الماضي فالتحقنا به.

لاندري كيف اتفقنا على تلك اللعبة أو كيف وافق هو على اقتراحنا عن طيب خاطر...بالتأكيد كنّا نجهل أيّ دافع سوى أننا نؤدي دورا أقرب إلى مشهد ما رأيناه خلال زياراتنا المتقطعة في العطل إلى سينمات العشار .ربّما ظنّ فيصل غازي أنّه يستطيع أن يمسك بعمود المروحة ليخلّص نفسه وفي ظنه أن وجود الرَحْلَة تحت قدميه يمنحه مجالا واسعا للحركة، والتخلص من الحبل.المهمّ أن نلقي القبض عليه بعد مطاردة اشتركنا فيها جميعا.عيسى موسى وحسين علي أيضا.أخرجنا مناديلنا، وباشرنا نعقد أطرافها.أصبح لدينا حبل طويل...ثمّ طاردناه....

وفق تلك الصورة حدث الأمر بكل عفوية ومن دون أي خبث ...

طاردناه وهو يضحك.عيسى موسى صاح امسكوه.حسين علي هتف لاتدعوه يهرب.عند باب الصفّ وقف عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف ووصفي ليمنعوه من الهرب.امسكوه ...عشر دقائق أمامنا فقط.كلّ شيء يجب أن ينتهي قبل أن يعلن الجرس نهاية الاستراحة، وقدوم المعلّم.

كنا نطارده ونحن نضحك ... وهو يزوغ في الممرين الفاصلين بين الرحلات ....

دقائق معدودة أصبح بين أيدينا.رحنا نعمل مثل خليّة نحل نشطة...نعمل ونضحك وهو يضحك أيضا.مجرد لعب بريء.رفعناه على الرحلة، ووضعنا الحبل في عنقه.بقي الآخرون في الممر ووقف عبد الكريم عند المروحة يلف الحبل على العمود.

كش ملك! مات!

مات الملك..

عندئذ انتهت مهمتنا، وجاء دور فيصل!

كان يقول قبل إلقاء القبض عليه وهو يشير بيديه إلى السقف إنه يقدر على أن يشد جسده إلى الإعلى كما يتسلق جذع نخلة..لِمَ يموت المشنوق في الفلم ؟ أليس الجلاد يزيح بركلة عنيفة من رجله الكرسي فيدع الضحية تتأرجح في الهواء..ربما أتنعنا جميعا بالفكرة لكنه في تلك اللحظة راح يدفع جسده برجليه فوق الرحلة، محاولا أن يمسك عمود المروحة السقفية بكلتا يديه ثمّ يبقى قابضا على قاعدتها بيده اليسرى ويفك باليد الأخرى عقدة المنديل الطويل التي لم تكن محكمة الشدّ في الكلاّب، لكنّه عجز تماما خانته يداه ورجلاه. ولم يقدر على شد جسده نحو السقف..

أما نحن فقد وقفنا حائرين أمام حشرجته ....

وذهلنا تماما لمنظر عينيه اللتين بدأتا تهملان...

رأيناه يكاد يدلع لسانه، وهو يهمّ بالصراخ، فيعجز.لحظات صمت مرّت أعقبها هياج وفوضى.اندفعنا يصطدم بعضنا بعضا إلى حيث لاندري، ولم يوقف الكارثة إلاّ مجيء الآذن والمدير وبعض المعلمين الذين هرعوا للصراخ والزعيق....

تلك اللحظة لم نكن نفكّر بالعقوبة التي سوف تنزل علينا من المدير والمعلمين وربما من أهلنا الذين سوف يصل إليهم الخبر بالتأكيد بقدر ماكنا نفكّر بنجاة زميلنا فيصل من الموت!!

 

قصة قصيرة

قُصي الشيخ عسكر

 

ali alqasimiوفي ثورة غضبي العارمة، عزمتُ على الانتقام من هذه المرأة. قرَّرتُ أن أقتلها شرَّ قتلة. صمَّمتُ على تصفيتها جسدياً وإلغاء حياتها، انتقاماً للألم الذي سبَّبتْه لي، والإهانة التي ألحقـتْها بي، ظلماً وعدواناً.

وبعد أن هدأتْ أعصابي بعض الشيء، وقلَّبتُ الأمر برويَّةٍ وأناة، وجدتُني مصرّاً  على قتلها. ولكن، ولكن سأقتلها بطريقةٍ عبقريَّةٍ لا أدفع معها الثمن. سأرتكب الجريمة الكاملة التي تمنحني الرضا والارتياح، دون أن أترك أيَّ مؤشِّرٍ أو أثرٍ يدلُّ على الفاعل، أو حتى يضعني في دائرة الشكِّ والاتهام من قريب أو بعيد.

في تلك الليلة، بعد أن أخذتُ حماماً ساخناً في المغطس مدّةً طويلةً ثمَّ أويتُ إلى فراشي الوثير، رحتُ أفكّر في طريقةِ قتلها والخطَّة التي أتَّبعها في تنفيذها. وسرعان ما ومضتْ في ذهني فكرةٌ فذَّة، تأكّد لي أنَّ لا مُخبرَ في العالم، حتّى (شارلوك هولمز)، يستطيع حلّ طلاسمها، بل ولا حتّى المخبر البوليسي البلجيكي اللوذعي (بوارو) الذي استعانت به الكاتبة البريطانية الشهيرة (أغاثا كريستي) لحلِّ ألغاز جميع الجرائم الخطيرة في رواياتها التي يربو عددها على مائة وعشرين رواية. لن يستطيع شارلوك هولمز ولا بوارو ولا غيرهما من كبار  المُخبرين وعظام المفتِّشين البوليسيِّين، العثور على أوَّل الخيط في عقدة جريمتي، حتّى لو تمتَّعوا بذكاءٍ خارق، واتَّبعوا أفضل طريقةٍ منهجيَّةٍ في التحقيق.

سأرتكب الجريمة الكاملة التي يحلم بها عتاة المجرمين وأفذاذ المخطِّطين الاستراتيجيِّين؛ يساعدني في ذلك مخزون قراءاتي لأكثر من ألف روايةٍ بوليسيَّة، ودراساتي الجامعية العليا في القانون الجنائي، وما عُرِف عني ـ بكلِّ تواضع ـ من ذكاءٍ متوقِّد، وكتاباتي عن القصة البوليسيَّة وقواعدها وطريقة بنائها، وكيفيَّة عمل المخبرين البوليسيِّين للكشف عن دروب  الجريمة ودهاليزها المظلمة واحداً واحداً، وتصنيف الوقائع واحدةً واحدة، ووضع  كلِّ واقعةٍ في مكانها، ثمَّ تُمحيصها كيما تقود إلى الواقعة التي تليها، دون إهمال أيَّةِ واقعةٍ مهما كانت صغيرة أو بدت تافهة لا أهمِّية لها، لتقودهم الوقائع في آخر الأمر إلى مرتكب الجريمة الحقيقيِّ.

لن يعثر جهابذة المخبرين ولا عباقرة المحقِّقين على الفاعل في جريمتي مطلقاً، لأنّ لكلِّ جريمةٍ دافع، وكلَّ جريمةٍ تنفّذ بسلاح: سكين، مسدّس، مادَّة سامة، إلخ.، ووراء كلِّ جريمةٍ مستفيد، وتقوم بين القاتل والمقتول علاقة ما. وهذه العناصر كلُّها يصعب التأكُّد منها، أو حتى الوصول إليها، في حالة جريمتي.

ولكن لماذا عزمتُ على قتل تلك المرأة وقرَّرتُ تصفيتها جسدياً بأبشع طريقة؟ سأضع التفاصيل كلَّها أمامك بكلِّ أمانة. وأنا واثقٌ من أنَّك ستقرّني على ما عزمتُ عليه، بل ستساعدني على قتلها إنْ لم تبادر أنتَ إلى قتلها بكلتا يديْك الكريمتيْن. إليك القصَّة بكلِّ أمانةٍ وصدقٍ، ولكن بشيءٍ من الاختصار حرصاً على وقتك الثمين:

2

في مطلع السبعينيّات من القرن الماضي،  كنتُ رئيساً لأحد الأقسام الجامعية في إحدى دول الخليج التي كانت ما زالت تعاني الفقر والعوز قبل الطفرة البتروليَّة. فأبنية عاصمتها ما زالت آنذاك من الطين، وشوارعها تنتشر فيها الأزبال. وترزح الدولة تحت فكرٍ دينيٍّ ظلاميٍّ متزمّتٍ موروثٍ من عصور الانحطاط. فالترفيه محرّم، فلا وجود لتلفزيون ولا سينما ولا مقاهٍ ولا حدائقَ عامَّة، بل لا أشجار في الشوارع، فكلُّ ما تراه العين بلون الرمل الشاحب الذي يغطّي الشوارع ويحيط بالمدينة في صحاريها الشاسعة. وطبعاً كانت المشروبات والسجائر من المحرمات التي يعاقَب مستهلكها بأقسى العقوبات. ومن حسن حظَّي أنَّني لم أكن من متناولي المشروبات الكحولية ولا من مدخِّني السكائر، ولا أقرّهما بتاتاً للضرر الذي يلحقانه بالإنسان.  ولم يكُن في وسع النساء السير في الشوارع ما لم يكنَّ مبرقعات ومتلفعات بالعباءات السوداء. ويشعر الوافد من خارج هذه الدولة أنَّه دخل سجناً كبيراً.

بيدَ أنَّ الدولة كانت تطمح إلى شيء من التغيير البطيء والتطوير اليسير. ففتحت جامعةً في العاصمة، واستقدمت أساتذةً وخبراءَ من البلاد العربية والغربية. وكانت من الذكاء بحيث سمحت للجاليات الغربية بفتح نوادٍ خاصَّة بها، كيما تخفِّف من رتابة الحياة على أبناء تلك الجاليات. فكان للأمريكيّين والبريطانيّين نادٍ خاصٌّ بهم، وللفرنسيّين مثله، وللألمان ناديهم. ويرتاد الخبراء الغربيون وعائلاتهم هذه النوادي في الأماسي بعد انتهاء العمل، حيث يجدون المشروبات الكحولية وغيرها، والعروض السينمائيَّة اليوميَّة، والمسبح المختلط، وغيرها من وسائل الترفيه التي اعتادوا عليها في بلدانهم. وهذه النوادي لا يرتادها عادةً غير أبناء تلك الجاليات. وطبعاً كانت محرمّةً على أبناء البلاد.

3

ذات يوم، قال لي أحد زملائي الأمريكيِّين، الدكتور روبرتسون:

ـ ماذا ستفعل هذا المساء؟

ـ لا شيء، لماذا؟

ـ أودُّ أن أدعوك للذهاب معي إلى النادي حيث سيعرض اليوم فيلم " كازبلانكا" . وإذا لم تكُن قد شاهدته من قبل، فإنّه يستحقُّ المشاهدة.

قبلتُ الدعوة شاكراً. وفي المساء، اصطحبني معه بسيّارته إلى النادي. حالما دخلنا النادي، وقعت عيناي على فتاة هندية رشيقة القوام، أنيقة الهندام، سمراء هيفاء، رائعة الجمال، ترتدي سارياً هنديّاً أخضر اللون، وقد تركت بطنها الضامرة عاريةً، ومن أُذنيْها الصغيرتيْن تدلّى قرطان أخضران على جيدها العاجي الطويل. كانت تقف عند نضد المشروبات، ويحيط بها مجموعة من روّاد النادي معظمهم من الرجال. التقت عيناي بعينيْها الواسعتيْن الكحلاويْن الجريئتيْن. فشعرتُ برعشةٍ تسري في جميع أوصالي. وأحسستُ في أعماقي أنَّ شعوراً مماثلاً قد خالجها ، وبدا ذلك جلياً من الاضطراب الذي بدا عليها وعكسته عيناها النجلاوان اللتان اعتراهما رمشٌ متسارع.

أوقفتُ زميلي الأمريكيّ، قبل أن نصل إلى النُّضد، وسألته:

ـ مَن هي تلك الهنديّة الجميلة؟

ـ مدرِّسةٌ بريطانيةُ الجنسية تعمل في كلَّية الطبّ هنا.

وأضاف بابتسامة تحدٍّ:

ـ وهي عزباء.

ـ كيف؟

ـ سأشرح لك لاحقاً.

كنتُ سأسأله عن الكيفية التي تعمل فيها تلك الشابة العزبة في البلاد، لأنَّ السلطات لا تسمح بقدوم أيّة امرأة إلى البلاد مالم يرافقها مُحرِم، أي زوجها أو أبوها أو أخوها عادةً، بل لا تسمح بسفر المواطنات داخل البلاد دون أن يرافقهن مُحرِم. ولكنَّ زميلي واصل السير نحو نضد المشروبات، وقدّمني إلى  تلك الهندية  قائلاً:

ـ دكتورة مادهو، يسعدني أن أقدّم لكِ الدكتور سمير، رئيس قسمنا.

رحّبت بي بهزةٍ خفيفة من رأسها الجميل، وبابتسامةِ فرحةٍ خفيفة ارتسمتْ على شفتيْها.

ثمَّ التفتَ إليّ وقال:

ـ الدكتورة مادهو .

فأضافتْ مبتسمة:

ـ ويعني الاسم باللغة الهندية: العسل.

قلتُ، وأنا أمدّ يدي لمصافحتها:

ـ تشرّفتُ وتلذّذتُ.

كنتُ أعرف الرجال المحيطين بها فقد كانوا من زملائي في الجامعة، فاكتفيت بهزة رأس وابتسامة، لئلا أقطع حديثهم مدَّةً طويلة. واصلوا الحديث وبقيتُ أنصتُ إليهم دون أن أشارك فيه.

سرعان ما قُرِع جرسٌ داعياً الحاضرين إلى التوجُّه إلى صالة العرض السينمائي التي كانت في الهواء الطلق. دقّ ذلك الجرس في اللحظة التي كنتُ أهمُّ فيها بالتوجّه إلى دورة المياه. فقلتُ لزميلي الدكتور روبرتسن:

ـ سألتحق بكم بعد لحظات، أرجو أن تحجز لي مقعداً بينك وبين الدكتورة مادهو.

فقال إنَّه سيفعل.

ولكنَّني عندما عدتُ إلى مكان العرض، وجدتُ الدكتورة مادهو والآخرين قد جلسوا في الصفوف الأمامية الأربعة، ولا يوجدُّ أيُّ مقعدٍ شاغرٍ بجانب الدكتورة مادهو. لا بُدَّ أن زميلي قد ترك كرسياً فارغاً بينه وبينها ولكنَّ أحدهم جلس عليه، ولم يجرؤ زميلي على الكلام معه لمنعه لأنَّ عرض الفيلم قد بدأ. ولهذا فقد جلستُ في الصف الخامس وحدي تقريباً.

بعد لحظاتٍ قليلة، التفتتِ الدكتورة مادهو إلى الخلف، وما إنْ وقع بصرها عليَّ، حتّى هبّتْ واقفةً، واتَّجهت نحوي، وجلست في المقعد الشاغر بجانبي، دون أن تقول شيئاً. أُخِذتُ  بجرأتها. فلم أقُل شيئاً، بل عبّرتُ بابتسامةٍ خفيفةٍ عن شكري وعرفاني. بتلك الجرأة العجيبة، وضعت الدكتورة مادهو نهايةً للمطاردة التقليديَّة اللذيذة التي تجري عادةً بين الرجل والمرأة، قبل أن يتأكّدا أنهما قد وقعا في الحبِّ. وبعد ذلك تبدأ مطاردةٌ من نوع آخر.

أكّدتْ لي حركتها الفريدة تلك بأنّها تتمتَّع بشجاعةٍ أدبيَّة، بل بجرأةٍ كبيرة، وثقةٍ بالنفس لا حدَّ لها، جرأة كانت تتوهَّج في عينيْها مند البداية مثل جمرتيْن عسليتيْن. فشعرتُ بشيءٍ من الوجل.

4

أصبحتُ ومادهو صديقيْن حميميْن. كنا نلتقي مساء كلِّ يومٍ بعد العمل تقريباً. لم نكُن نلتقي في مقهىً أو حديقةٍ عامّة، فليس ثمَّة مقاهٍ ولا حدائق عامَّة، بل كنا نلتقي إمّا في شقَّتي أو في الفيلا التي تسكن فيها. كانت الجامعة قد اكترت فيلا لسكنى أربع أُستاذات بدون مُحرِم، وعيّنت حارساً يجلس أمام باب الفيلا، طبعاً لمنع أيِّ رجل من الدخول. والظاهر أنَّ الجامعة كانت من الغباء بحيث اختارت لشغل هذه الوظيفة شيخاً ضعيف البصر، أو ربَّما فقد بصره منذ مُدَّةٍ طويلة. ولكن بعد أن فكّرتُ في الأمر مليّاً، تأكَّد لي أنَّ الجامعة كانت تتمتع بالذكاء والدهاء، فاختارت الحارس ضعيف البصر ثقيل السمع عن قصد وتدبير، كيلا تشدّد الخناق على الأستاذات الأجنبيات الأربع فتنفّرهنَّ من البقاء في البلاد، وهي التي بحاجة إلى خدماتهنَّ لتدريس قسم البنات في الكلية الطبية، فسمحت لهن بالقدوم إلى البلاد  من غير أن يرافقهن مُحرِم.

لهذا، كنتُ اتَّفق مع مادهو على موعد زيارتي، وتحرص هي على ترك باب الفيلا مواربا غير موصد لأدخل بكلِّ هدوءٍ عند وصولي، دون أن أسلّم على الحارس القاعد أمام الباب. كانت الفيلا مكوّنة من جناحيْن يشتمل كلُّ جناحٍ منهما على غرفتَي نوم وبقية المرافق. وكانت زميلتها في الجناح أستاذةٌ إنكليزيَّة اسمها مورين غالباً ما تشارك هي والأُستاذتان الأخريان في الاحتفالات التي تنظّمها  الدكتورة مادهو بمناسبة بعض الأعياد الهندية. والهنود من أكثر الشعوب عناية بالأعياد والمهرجانات، فهم يغتنمون جميع المناسبات، أو يخلقون المناسبات، للاحتفال بها غناءً ورقصاً. فهناك أعياد كثيرة بمناسبة ميلاد آلهتهم وما أكثرهم، وبمناسبة زفافهم، وبمناسبة سفرهم، وبمناسبة حروبهم، وبمناسبة انتصاراتهم. والهنود لا يحتفلون بأوّل أيام السنة فقط، بل يحتفلون بأوَّل كلِّ شهرٍ، وببزوغ القمر، واكتمال القمر، وأفول القمر، وبمولد الأطفال، وبلوغ الأطفال سن البلوغ، وبالحبّ والزواج. فكلّما زرتُ مادهو في فِلّتها، ألفيتُها وزميلتَها مورين قد أعدتا بعض الأطباق الهندية والإنكليزية للاحتفال بمناسبة ما. وكنتُ استمتع بسماع الموسيقى الهنديَّة مع رقصات تؤدّيها مادهو الجميلة.

كانت مادهو طبّاخة ماهرة. ومعها أخذتُ أتعرّف على الأكلات الهندية اللذيذة، وأنمّي ذوقاً خاصّاً بها. كانت مادهو تجيد إعداد الأكلات الهنديَّة الشهيرة مثل برياني الدجاج مع الروب، ودجاج تكا مسالا، والدجاج بالكاري، والكباب التندوري، والأرز البسمتي بالجمبري. وطبعاً مع السلطات الهنديَّة اللذيذة وخبز النان الطازج. والأطباق الهنديَّة حافلةٌ بالتوابل والبهارات، عابقةٌ بالروائح الزكية، مزركشةٌ بالألوان الزاهية.

وبالرغم من كثرة الأطباق التي تعدّها مادهو، فإنَّها لم تكُن تأكل شيئاً يُذكَر. كانت تمضي معظم الوقت على المائدة لا بتناول الطعام، بل بسرد الحكايات المسليّة والمضحكة. في بداية الأمر، ظننتُ أنّها تكتفي بالقليل من الطعام للمحافظة على قوامها الرشيق وخصرها الناحل الذي تُبرِز جاذبيتَه فتحةُ الساري عند البطن، ولكنَّها أوضحت لي، وهي المتمرِّسة بدراسة الطبِّ وتدريسه، أنَّ الطبَّ الهندي يختلف عن الصينيِّ والغربيِّ. فإذا كان الطبُّ الغربيُّ يعزو الأمراض أساساً إلى دخول الجراثيم إلى عضو من أعضاء الجسم فتصيبه بالمرض، والطبُّ الصينيُّ يعزوها إلى عدم وصول الطاقة (الدم) إلى أحد أعضاء الجسم فيمرض ذلك العضو؛ فإنَّ الطبَّ الهنديَّ يعزو الأمراض إلى دخول الطعام إلى الجسم، وأنَّ سرَّ الصحَّة يكمن في التقليل من الطعام ما أمكن.

وشيئاً فشيئاً، أخذتُ أعرف الكثير عن مادهو وحياتها السابقة. والدها، بهاراتا جاكهاري، من أُسرةٍ كبيرةٍ من طبقة البراهمة في الهند. والطبقات الاجتماعيَّة من مخلفات العقائد الهندوسيَّة القديمة التي اخترعها الغزاة الآريون لإحكام سيطرتهم على البلاد والاحتفاظ بالمزايا الاقتصاديَّة والسياسيَّة لهم. وتزعم هذه المعتقدات أنَّ الإله براهما قد خلق أربع طبقات من البشر: خلق من فمه البراهمة وهم رجال الدين، وخلق من ذراعه الشاترية وهم رجال السلطة والجيش، وخلق من بطنه الويشية وهم التجّار والزراع والمهنيّون، وخلق من قدمه الشودرية وهم يمارسون الأعمال الوضيعة. وهناك طبقة المنبوذين (الشانتالة) الذين لا يمسهم الآخرون ولا يختلطون بهم. وهذه الطبقات متوارثة ولا يمكن للإنسان أن ينتقل من طبقةٍ إلى أخرى. وعلى الرغم من أنَّ دستور الهند حالياً لا  يعترف  بالطبقات ويقرُّ بالمساواة بين جميع المواطنين، فإنَّ كثيراً من الهنود يمارسون هذه الطقوس الطبقيَّة، ويتأثَّر وضع الفرد الاجتماعيّ والاقتصاديّ بها، كما يمارس كثيرٌ من العرب في الدول العربيَّة التي تؤكِّد دساتيرها المساواة وحقوق الإنسان، انتماءاتهم العشائريَّة وتقاليدها البالية أو ولاءاتهم الطائفيَّة وطقوسها الخرافيّة. درس والدها القانون في جامعة لندن وعاد إلى الهند  ليعمل في السياسة والإدارة حتّى أصبح حاكماً لولاية إندور وسط الهند. ولمادهو خمسة إخوة أكبرهم عضو في البرلمان الهندي، وهي الأصغر والوحيدة في العائلة، ولعلَّ هذا أحد أسرار الدلال والغنج اللذيْن تتسم بهما. وبعد أن تخرّجتْ في  كلِّية الطبّ في إندور، سافرتْ مع زميلةٍ لها اسمها، نيليما، إلى إنكلترة، للتخصُّص في الجراحة الباطنية. وبعد أن نالتا الشهادة، حصلتْ زميلتُها على عملٍ في أحد المستشفيات البريطانية في مدينة كولتشستر، في حين لم يحالفها الحظُّ في ذلك، على الرغم من حرصها على البقاء في بريطانيا وعدم العودة إلى الهند. ولهذا قبلت المجيئ إلى تلك الدولة الخليجيَّة للتدريس في كلِّية الطبِّ. وقبلتْ تلك الكلّيةُ طلبَها للعمل فيها على الرغم من قلّة خبرتها وعدم وجود مُحرِم معها، لأنَّ تلك الكلِّية لم تحصل على عددٍ كافٍ من الأستاذات للتدريس في قسم البنات، فالكلِّية تفصل الإناث عن الذكور في الدراسة، طبقاً لقاعدة: ما اختلى رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. والكلية حريصةٌ على مطاردة هذا الشيطان الرجيم، وحماية الناس منه ومن أحابيله اللعينة.

كانت مادهو في ربيعها الثلاثين من العمر، جميلة، جذابة، طليقة اللسان، حاضرة البديهة، مثقَّفة، تمارس هواية الرسم، وتهوى القراءة، وتحبُّ الشِّعر وتكتبه أحياناً. وكانت لقاءاتنا ممتعة، استمتع فيها بالاستماع إلى أحاديثها التي غالباً ما تدور حول أيام دراستها في الهند وبريطانيا؛ وكانت تكثر من الحديث عن صديقتها الهنديَّة، نيليما، فلم تخلُ رحلةٌ لها من نيليما، ولم تفعل شيئاً ممتعاً إلا ونيليما تشاركها المتعة والهناء.

وبمرور الشهور، غدوتُ ومادهو صديقيْن حميميْن، وأظهرتْ هي عاطفةً نبيلةً حارةً بل متأججة. ولم أعلم أن الهنود يتحلّون برومانسية ومحبة عارمة تضاهي ما نشاهده في الأفلام الهندية. وبادلتها بدوري المحبَّة والاحترام.

5

بعد أن توثَّقت أواصر المحبَّة بيننا، أخبرتني مادهو بطريقةٍ لبقة أنَّ أمنيتها أن تقترن بي، ولن يكون اختلاف الدين عائقاً في طريق سعادتنا؛ لأنَّها على استعداد لاعتناق الإسلام، فالهندوسية، على حدّ تعبيرها، ليست ديناً سماوياً، بل مجرَّد أساطير عن آلهةٍ متعدِّدة بعضها يروم الخير للإنسان وبعضها الآخر يبغي إلحاق الضرر بالناس، ولهذا تندلع المعارك بين الآلهة باستمرار. وهؤلاء الآلهة لا حصر لهم حتّى إنَّ الهند تُسمّى بأرض الآلهة، أو أرض البقرة المقدسة، لأن كثيراً من الهنود يعبد بعض الحيوانات، ومنهم مَن يعبد بعض الأشجار، أو بعض الأنهار، لاعتقادهم بأنَّ مياهها مقدَّسة تغسل أدرانهم وذنوبهم.  وأكَّدتْ لي مادهو أنَّها من خلال قراءة الكتب التي قرأتْها عن الإسلام والعرب قبل التحاقها بعملها في الكلّية، أخذت تفهم مبادئ الإسلام وتشعر بانجذابٍ نحوه.

لم أكُن أفكر في الزواج في تلك السنِّ المبكرة من العمر. وفي أعماقي كنتُ أفضل الزواج، في الوقت المناسب، من امرأةٍ عربيَّة تنتمي إلى الثقافة نفسها ليسهل التفاهم بيننا. فقد وقفتُ على كثير من الزيجات المختلطة التي باءت بالفشل، لأنَّ الزوج أو الزوجة أو كلاهما يضطر إلى التحدُّث بلغةٍ أجنبيَّةٍ في المنزل فلا يشعر أنَّه في بيته، إضافة إلى اختلاف الخلفيّات الفكريَّة والنفسيَّة والقِيميَّة لكلٍّ منهما.

قلتُ لمادهو إنَّني بعد أن أنهيتُ دراستي العليا في الولايات المتَّحدة الأمريكية، أُصِبت بمرض " الحنين إلى الوطن"، وعزمتُ على أن أعود إلى البلاد العربية وأخدم البلاد العربية وأتزوج من البلاد العربية، لأنَّني لا أريد أن أعاني الغربة والاغتراب مرَّةً أُخرى. ولأنّي أَكِنُّ لها محبَّةً خالصة، فأنا لا أريد لها أن تقاسي الغربة بالعيش أبداً في رحاب ثقافة لا تنتمي إليها، مع رجلٍ لا ينتمي إلى ثقافتها.

حاججتني مادهو في أنَّها أعرف بمشاعرها، وأنَّها ستكون سعيدةً معي حيثما كنتُ. ولكي تقنعني برأيها، سردت لي حكايةً حكميَّةً من التراث الهنديِّ، مفادها أنَّ فتاةً رائعةَ الحُسن ميسورة الحال كانت تساعد رجلاً أعمى بين الحين والاخر، ثمَّ عرضت عليه الزواج منها. فأخبرها أنَّه يحبُّها حقّاً ولهذا فهو لا يريد لها أن تمضي حياتها كلَّها مع رجلٍ أعمى. فافترقا. وبعد مدَّة، استطاع طبيبٌ أن يعيد البصر إلى عينيِّ ذلك الرجل الأعمى. فقرّر أن يعود إلى تلك الفتاة التي أحبَّته ويتزوَّج منها. فذهب يبحث عنها، فقيل له إنّها انتقلت إلى بلدةٍ أُخرى، وحصل على عنوانها. ولما طرق باب دارها، فتحه رجلٌ أعمى، واكتشف صاحبنا أن حبيبته المنشودة قد تزوَّجت بذلك الرجل الأعمى.

لم تستطِع مادهو أن تقنعني بحججها المستقاة من الثقافة الهنديَّة. ولم أستطع إقناعها بحججي المقتبسة من الثقافة العربيَّة. فبقينا أصدقاء نستمتع بالصحبة والعواطف الدافئة المتبادلة. وظلّ الأمل يراودها في أنَّني سأغيّر رأيي ذات يومٍ وأطلب يدها للزواج.

6

اقتربتِ السنة الدراسيَّة من نهايتها. وكنتُ في تلك السنوات أمضي عطلتي الصيفيَّة التي تناهز ثلاثة أشهر إمّا في باريس أو في لندن. في باريس، كنتُ التحق عادةً بإحدى الدورات الصيفية التي تنظّمها جامعة باريس الأولى (السوربون) وأقيم في المدينة الجامعية بشارع جوردان وأُمضي أوقات الفراغ في حضور الحفلات الموسيقية التي تقيمها مدينة باريس في إطار ما يُسمى بـ (فَسْتِڤال أَسْتِڤال دي پاري).  وكانت جامعة باريس قد أعلنت ذلك العام أن كلية الحقوق التابعة لها والواقعة في ساحة البانتيون في الحيِّ اللاتيني بباريس ستنظم دورةً صيفيةً لمدَّة شهر حول القانون الجنائيّ. أمّا في لندن، فكنتُ أقيم في شقَّةٍ يمتلكها أحد أصدقائي الخليجيّين من رجال الأعمال، ولكنَّه لا يجد الوقت الكافي للإقامة فيها أو في غيرها من شققه الأخرى في بيروت والقاهرة ومراكش. ولهذا كان يعيرني شقَّته اللندنيَّة برحابة صدر خلال العطلة الصيفيَّة. وفي لندن أمضي الوقت في البحث في مكتبات جامعة لندن والمتحف البريطاني، وفي التنزّه. وكنتُ أميل ذلك العام إلى تمضية العطلة في لندن في شقَّة صديقي الخليجيّ.

تقع تلك الشقّة في أحد أحياء لندن الراقية الهادئة يُسمى " هَمستِد ڤيليج". وكنتُ أمارس رياضة المشي في أرجاء مدينة لندن. فأخرج حوالي الظهر من الشقّة، وأسير في شارع "فتزجونز أڤنيو" في اتجاه " سويس كوتيج". ومن هناك أسير إلى منتزه " ريجنت بارك" ومنه أتوجّه إلى شارع "أكسفورد ستريت" الذي ينتهي بحي السوهو الشهير الزاخر بالمسارح ودور السينما ومحلات الترفيه والمطاعم المختلفة من كلِّ نوع: الصينيَّة والهنديَّة والإيطاليَّة والفرنسيَّة وغيرها (لأنَّه لا توجد مطاعم بريطانيَّة ذات خصوصية مميزة، فالأكلة الإنكليزيَّة الشعبيَّة هي "فِش أند تشبس" أي السمك المقلي والبطاطس المقلية).

كنتُ في غاية السعادة وأنا أتناول ألذَّ الواجبات. في حقيقة الأمر، لم يكُن حي السوهو يشبع نهمي إلى الأكل في مطاعمه المتنوِّعة، بقدر ما كان يشبع نهمي المعرفي بمسارحه ودور الأوبرا والفرق الموسيقية المنبثّة في أرجاء حدائقه والمتاحف المتنوعة القريبة منه. كان حي السوهو يعوِّضني في أشهُر الصيف عن جفاف الصحراء الذي أقاسيه طوال شهور العام الدراسيّ. كنتُ سعيداً في لندن. ولكن لا توجد سعادة كاملة. ما كان ينقصني في لندن، الرفقة الطيّبة. كنتُ أجلس وحيداً إلى طاولة الأكل في مطعمٍ فاخر، وأتمنّى أن تكون معي رفيقةٌ تشاركني الطعام والحديث.

تحدّثتُ مع  مادهو عن العطلة الصيفية فأخبرتني بأنّها ستمضيها في بلدة كولتشستر في إنكلترة حيث تسكن مع صديقتها نيليما في شقَّتها، وأنهت حديثها بابتسامة وهي تقول:

ـ إلا إذا كان لديك اقتراحٌ أفضل.

عند ذاك، أخبرتها عن احتمال تمضيتي العطلة في لندن في الشقَّة التي يعيرني إياها صديقي رجل الأعمال، واقترحتُ عليها أن تمضي عطلتها معي في لندن.

قفزتْ مادهو فرحاً وهي تقول:

ـ طبعاً، فأنا أفضّل أن أكون معك. وأنا أحبُّ لندن ومتاحفها ومسارحها. والسفر من كولتشستر إلى لندن يستغرق أكثر من ساعة بالقطار، وأجور السفر باهظة.

7

كنتُ سأسافر إلى لندن قبل مادهو بعشرة أيام. فأعطيتها رقم هاتف الشقّة في حي " همستيد فيليج" في لندن، واتَّفقنا على أنَّها ستهاتفني حال صولها إلى مطار هيثرو في لندن، ثمَّ تستقلُّ حافلةً إلى حي همستيد ڤيلج، حيث ستجدني في انتظارها في الشقَّة.

في يوم وصول مادهو إلى لندن، بقيتُ انتظر مهاتفتها طوال الصباح. وخرجتُ بعد الظهر من الشقَّة لتناول طعام الغداء في أحد المطاعم القريبة. ثمُّ عدتُ إلى الشقَّة وقد انتابني شيءٌ من القلق. وفي العصر، هاتفتُ استعلامات مطار هيثرو سائلاً عن الطائرة، فأخبروني أنَّ الطائرة قد وصلت بعد الظهر، متأخِّرة بضع ساعات عن موعدها. وما إن وضعتُ سماعة الهاتف حتى رنّ جرس الهاتف. التقطتُه بلهفةٍ، فسمعت مادهو تقول بشيءٍ من الامتعاض:

ـ أين كنتَ بعد الظهر؟ لقد هاتفتكَ حال وصولي إلى المطار عدَّة مرّات، وكان هاتفك يرنُّ ويرنُّ، ولا من مُجيب.

قلتُ:

ـ آسف جداً، فقد انتظرتُ طوال الصباح، ثمَّ خرجتُ بعد الظهر لتناول طعام الغداء، ولم أعلم أنَّ طائرتكِ قد تأخّرت. أين أنتِ الآن؟ في المطار؟ استقلي الحافلة إلى همستيد ڤيلج.

ـ لا، لقد سئمتُ الانتظار في المطار، فركبتُ القطار إلى كولتشستر. وأنا الآن في شقَّة نيليما.

قلتُ بلطف:

ـ لا بدَّ أنَّكِ متعبةٌ من السفر هذا اليوم. أقترح أن تستريحي هذه الليلة هناك، وفي الصباح سأكون في انتظارك في محطة قطار فيكتوريا.

قالت:

ـ لا أستطيع أن أعدكَ بذلك.

قلتُ باستغراب:

ـ لماذا؟

ـ لأنَّ نيليما الآن في المستشفى تقوم بنوبتها الليليّة. وسأتحدث إليها في الأمر غداً صباحاً عندما تعود من عملها.

كان عليّ أن أنتظر حتّى صباح اليوم التالي. فطلبتُ منها رقم هاتف شقَّة نيليما. وأوَّل شيءٍ فعلته في الصباح هو مهاتفة مادهو:

ـ صباح الخير، مادهو. أيُّ قطار ستستقلين هذا الصباح، كي أنتظرك في المحطة عند وصولك؟

قالت مادهو بانكسار:

ـ آسفة، سمير. لا أستطيع المجيئ اليوم.

ـ ومتى تتمكنين من المجيئ؟

ـ لن أستطيع زيارتك هذا الصيف مطلقاً؟

قلتُ باندهاش:

ـ لماذا؟

ـ لأنَّ نيليما تريدني أن أبقى معها طوال العطلة الصيفيَّة.

ـ لا أفهم. هل أنتِ مضطرةٌ للانصياع لأوامرها ورغباتها.

ـ نعم، لأنَّها صديقتي الحميمة.

ـ ولكنّي أنا أيضاً صديقك.

وهنا لاذتْ مادهو بالصمت.

شعرتُ بدماء الغضب تتصاعد حارَّةً إلى رأسي، فآثرتُ إنهاء المكالمة وأغلقتُ الهاتف. فعندما يضع الإنسان خطَّة أو يبني أملاً، ثمَّ يجد فجأةً أنَّ الخطَّة لا تُنفَّذ وأنَّ الأمل ينهار، فإنَّه يُصاب بخيبة شديدةٍ، وبإحباطٍ كبير، وألمٍ نفسيٍّ عميق. فمنذ أسابيع وأنا أحلم أن أمضي هذه العطلة الصيفيَّة مع صديقة جميلة ترافقني في نزهاتي في الحدائق، ومشاهداتي في المسارح، ووجباتي في المطاعم. والشعور بالوحدة يشتدّ حينما يلفي الإنسان نفسه وحيداً في مكان يعجُّ بالشبّان والشابات، وهم يتعانقون في الأسواق، ويتبادلون القُبل في المنتزهات. الحبّ ينتشر في لندن انتشار العصافير على أشجارها في الصيف، كأنَّه بإشراقته ودفئه يعوّض عن سماء لندن الغائمة دوماً، المعتمة أبداً. ونحن نؤمُّ لندن وباريس وغيرهما من العواصم الأوربية لا بحثاً عن الشمس، فشمسنا أكثر إشراقا من شمسهم، وإنَّما انجذاباً لثقافتها وفنونها وجمالها والشعور فيها بالحرِّية والانعتاق من القيود.

في صباح اليوم التالي، قرَّرتُ أن أهاتف مادهو مرَّة أُخرى، لأذكِّرها بوعودها، وأحاول إقناعها الالتحاق بي في لندن.

رنَّ جرس الهاتف في شقّة نيليما. وأملتُ أن ترفع مادهو سماعة الهاتف. ولكن الصوت الذي صدم أُذني صوتٌ خشنٌ جافٌّ مثل صوتِ رجلٍ لئيم.

ـ نعم.

قلتُ بلطف:

ـ صباح الخير سيدتي. أنا الدكتور سمير، أودّ أن أتكلَّم مع الدكتورة مادهو، من فضلكِ.

أجابت بصوتٍ متوتِّرٍ عالٍ أقرب إلى الصراخ:

ـ مادهو لا تريد أن تكلِّمك.

وأغلقتِ الهاتف في وجهي.

استشطتُ غضباً، وبعد فترة ٍمن التفكير المضطرب، قرَّرتُ أن أحاول مرَّةً أُخرى لعلَّ مادهو (العسل) ترفع السماعة، وليس نيليما (الزرقاء) المسمومة. وخمّنتُ أنَّني إذا اتصلتُ هاتفياً في الليل، ستكون نيليما في نوبتها في المستشفى، وستردّ مادهو على الهاتف. ولهذا حوالي الساعة التاسعة مساءً، عاودتُ الاتّصال. رفعتُ السماعة وأدرتُ الرقم. وحالما قلتُ " هلو"، جاءني صوت نيليما مرعداً مزبداً تنطلق منه الكلمات مدوِّيةً مثل مدفعٍ رشاش:

ـ اتركنا، أيّها الكلب، لا تزعجنا. أنتَ تنغِّص سعادتنا، أيّها الحقير...

أُصِبتُ بشيءٍ من الذهول، فلم أغلق الهاتف بسرعة، بل بقيتُ استمع بغير إرادة مني إلى أصناف الشتائم البذيئة وأنواع السباب المنحطِّ، وسيل الإهانات المتلاحقة.

طوال حياتي، لم يجرؤ أحدٌ على شتمي أو الإساءة إليّ. لا لقوَّةٍ جسميَّةٍ  أتحلّى بها، أو سلطةٍ كبيرةٍ أتمتَّع بهيبتها، بل لأنّي رجلُ تعلُّمٍ وتعليمٍ، أحترم الآخرين، وأخاطبهم بأدبٍ ولطف، فيبادلونني أدباً بأدبٍ ولطفاً بلطفٍ. ولهذا جاءت شتائم هذه الزرقاء المسمومة مفاجئةً مؤلمةً لي حزّتْ في أعماق نفسي وسبَّبت اضطراباً في صميم وجداني. ولأوّل مرة في حياتي، شعرت بالحقد يجتاح ذاتي، وبرغبة عارمة في الانتقام.

سأنتقم منها شرّ انتقام، لما ألحقتْه بي من ألمٍ ممضٍّ، ولحرمانها لي من صحبة مادهو، بحيث تحوّلتْ قصور أحلامي بعطلةٍ صيفيةٍ رائعةٍ إلى فتاتِ حطامٍ وأشلاءِ أوهامٍ. سأفكّر ملياً في أفضل طريقة للانتقام.

بيدَ أنّي لا بدَّ لي من أن أتحدث مع مادهو أوّلاً، لأعرف السرَّ في عدوانيَّة هذه المرأة اتجاهي، والأهمُّ من ذلك لأعرف ماهيَّة العلاقة بين المرأتيْن، بحيث تستطيع نيليما أن تملي إرادتها على مادهو بكلِّ سهولة.

ولهذا أخذتُ اتَّصل هاتفياً عدّة مرّاتٍ يوميّاً بشقة نيليما في الأوقات التي أحسب أنَّ نيليما ستكون في المستشفى، لعلّي أقع على مادهو مرَّة واحدةً. وكنتُ أغلق الهاتف سرعان ما أسمع صوت نيليما.

وأخيراً، وبعد أيامٍ عديدةٍ من محاولات فاشلة، رفعت مادهو السماعة ذات مرَّة. فقلتُ بلطفٍ بالغ.

ـ صباح الخير، حبيبتي الرائعة. لماذا لا تتكلّمين معي هاتفياً.

قالت بنبرة اعتذار :

ـ آسفة، نيليما لا تريدني أن أتحدّث معك. وآخر مرّة كلمتك فيها، أصيبت نيليما بنوبةٍ عصبيةٍ، وأُغمي عليها، ولكنَّها الآن في المستشفى.

قلتُ:

ـ أُغمي عليها؟ لماذا؟ وما هي طبيعة علاقتكما؟

وهنا لمعتْ في ذهني فكرةُ الجريمة الكاملة، كما يلمع البرق في ليلةٍ شتائيةٍ غائمة. سأقتل هذه الحقيرة نيليما عن بُعْد.  ولم استوعب الشرح المطول الذي أدلت به مادهو حول علاقتهما، فقد كان ذهني شارداً يضع تصوُّراً كاملاً لخطّة الجريمة.

قلتُ:

ـ مادهو، أنا آسف لأنَّني سبّبتُ لكما الإزعاج عن غير قصد. ولكنّي أُحبُّك، يا مادهو. أحبّك حتّى الموت. فبعد فراقنا وخلال هذه الأيام القليلة التي حُرمتُ فيها منك، أدركتُ كم أنا مغرمٌ بك، منجذبٌ إليك، كما ينجذب النحل إلى العسل. إنّني لا أستطيع الآن أن أتصوَّر العيش بدونك. فالحياة لا مذاق ولا طعم لها بغير وجودك إلى جانبي. إنّني أريد ان أتزوج منك، وبعد ذلك لن نفترق أبداً.

سمعتُها تقول:

ـ صحيح؟!

قلتُ بحرارةٍ وحرقة:

ـ طبعاً صحيح، فأنا أتعلَّم من الأيام والتجارب. لقد أدركتُ مدى حبّي لكِ، وعذَّبني الشوق إليك، خلال أيام الفراق. سأذهب هذا الصباح إلى وكالة الأسفار لأحجز لنا تذكرتيْن إلى الهند، لأتشرف بمقابلة والديْك العزيزيْن، وأطلب يدك منهما. ولنعقد قراننا هناك في احتفال هنديّ. فأنا ـ كما تعلمين ـ تسحرني الاحتفالات الهندية. نعم، يا مادهو، لنفرح بشبابنا وصحّتنا، فالحياة قصيرة لا تحتمل الغضب والحزن والنكد، ولنرفل بأثواب السعادة.

8

اتَّفقنا أنا ومادهو على أن تأتي إلى لندن بالقطار صباح اليوم التالي عندما تكون نيليما في نوبتها في المستشفى، ودون أن تخبرها بعزمنا على الزواج، لئلا تعرقل مجيئها بطريقةٍ أو بأخرى. وأسرعتُ من ناحيتي إلى التوجّه إلى وكالة أسفار قريبة من شقتي في حي "همستيد فيليج"، حيث طلبتُ تذكرتيْن (لندن ـ بومبي ـ إندور) بالدرجة الأولى التي تليق بعروسيْن، على أن نستريح في بومبي مدّة 24 ساعة على الأقل. وطلبتُ من الموظَّف أن يحجز لي جناحاً في فندق خمسة نجوم على شاطئ البحر، فقال في الحال:

ـ فندق "أميرة البحر". هو الأفضل. فقد حجزتُ فيه من قبل أجنحةً لرجال أعمال فحاز رضاهم، ونال ثناءهم.

في اليوم التالي ظهراً، كنت أنتظر مادهو في محطَّة قطارات فيكتوريا في وسط لندن. ووصلتْ في الموعد المتَّفق عليه. قبّلتُها بشوقِ عاشق، وعانقتُها بلهفةِ عريس، وضممتُها إلى صدري مثل هديّةٍ ثمينةٍ هبطتْ من السماء، فبدت ابتسامة رضى على محيّاها، وازدادت عيناها العسليّتان بريقاً. حملتُ حقيبتها الصغيرة، وسرتُ معها إلى مطعمٍ هنديٍّ فاخر قرب المحطَّة حيث تناولنا طعام الغداء ممزوجاً بعبارات السعادة باللقاء والأمل في مستقبلٍ زاهرٍ، ولم أفُه بكلمةٍ تنم عن ألمي وغضبي لبقائها في كولتشستر وتفضيلها الحقيرة نيليما عليَّ. وبعد الغداء،  تمشّينا إلى موقف سيّارات الأُجرة، لنستقلّ سيّارةً إلى مطار هيثرو.

وفي سيّارة الأجرة، رحتُ أُمطرها بكلمات الغزل، ولمسات الحنان، وقُبلات الشوق. فأراحت رأسها على صدري ويدها تحيط بخصري، كأنّها تبحث عن دفء جسدي في جوِّ لندن الغائم الممطر.

بعد إتمام إجراءات السفر في المطار، قلتُ لمادهو ونحن نتناول كعكة الجبن اللذيذة  والقهوة في أحد مطاعم المطار:

ـ حبيبتي، هل تركتِ رسالةً لصديقتك الدكتورة نيليما تخبرينها فيها عن سبب غيابك.

ـ لا.

قلتُ:

ـ حبيبتي، أخشى أن تفتقدِك صديقتك، فينتابها القلق. أقترح أن تبلّغيها بسفرنا هذا. وأنا متأكِّد من أنَّها ستطير فرحاً بمناسبة زفافنا...

قالت مادهو:

ـ لا أظنُّ أنَّها ستطير فرحاً، بل على العكس، فقد تموت كمداً. ولكنّي أتَّفق معك على ضرورة إبلاغها بسفري.

قلتُ:

ـ إذن سآتي إليك باستمارة برقيَّة من مكتب بريد المطار.

ونهضتُ لأتوجّه إلى مكتب البريد، فسمعتها تقول:

ـ أرجوك اجلب استمارتيْن، لأبعث ببرقيّة كذلك إلى والديّ أعلمهما بقدومنا.

وضعتُ الاستمارتيْن على المنضدة أمام مادهو. تناولت مادهو قلماً وملأتْ خانة عنوان المُرسَل إليه باسم الدكتورة نيليما. ثمَّ تردَّدت بعض الوقت. فقلتُ لها:

ـ عزيزتي مادهو، أنا أفهم شعورك تماماً. ولكنَّه مجرد واقع لا بُدَّ من أن تحيط به صديقتك الدكتورة نيليما. دعيني أملأ هذه البرقيّة، وخذي أنتِ البرقية الأُخرى واملئيها إلى والديْك العزيزيْن.

أعطتني استمارة البرقية، وتناولت هي البرقية الثانية.

استللتُ قلمي كما لو كنتُ استلّ خنجراً مسموماً، وبعد هنيهة من التفكير، دوّنت ما يلي:

" عزيزتي نيليما، بغامر الفرحة، أخبركِ عن عزمنا أنا وسمير على الزواج. نحن الآن في مطار هيثرو لنسافر بعد قليل على متن طائرةٍ متوجِّهة إلى بومبي، ثمَّ نسافر إلى إندور حيث سيقام حفل قراننا بعد أسبوع. تحياتي ومودتي. مادهو."

القت مادهو نظرةً سريعةً على ما كتبتُ. وبكلِّ الثقة الواجب توافرها بين عروس وعريسها، هزَّت رأسها موافقةً، فتوجّهت إلى مكتب البريد لإرسال البرقيتيْن.

في ذات نفسي، حرصتُ على أن تكون صياغة البرقية هادئة محايدة، ولكن في الوقت نفسه صادمة مفاجئة، أملاً في أن تفعل مفعولها المأمول في تهييج الحقيرة نيليما، فتؤدّي فجائيّة الخبر العابق بنغمة الفرح المبالغ فيه إلى نوبةٍ عصبيَّةٍ حادَّة، فتُزهَق روحها غير مأسوفٍ عليها. وأكون بذلك قد نفذّت جريمتي الكاملة، دون أن يخامر أيَّ فردٍ شكٌّ في وجود أسبابٍ خارجيةٍ للوفاة.

9

في بومبي، أمضينا بقية تلك الليلة في فندق " أميرة البحر" المطلِّ على بحر العرب. وفي الصباح كنتُ ومادهو نتناول الفطور في حديقة الفندق المحاذية لشاطئ البحر، ما فتح شهيتي ورغبتي في الحياة. فالماء هو سرّ وجودي وسعادتي، وملهمي، وباعث انفعالاتي بجميع أطيافها وأشكالها. فطوال حياتي كنتُ أبحث عن الماء، في مطرٍ أو نهرٍ أو هورٍ أو بحيرةٍ أو بحرٍ أو محيط. فانسياب الماء ودفقه وزرده وتموّجاته ومدّه وجزره وكلُّ رعشةٍ فيه تمثّل لي  نبض الحياة وحركتها. قلتُ لمادهو :

ـ آمل أن الفندق قد أعجبك؟

ـ جداً. شكراً لاختيارك.

قلتُ بإخلاصِ محبٍّ:

ـ إنَّ بومبي تمثّل طيب العلاقة بين العرب والهند. فهي عاصمة الهند التجارية وفي الوقت ذاته فهي تقع على شاطئ بحر العرب. فمنذ أقدم العصور، يا عزيزتي، كانت التجارة البحرية مزدهرة بين العرب والهنود. وكان السومريون، في الألف الثالث قبل الميلاد، يصنعون السفن العملاقة في ميناء الفاو وفي موانئ الساحل الشرقي لجزيرة العرب، لتنقل بضائعهم إلى الهند، وتعود محملةً بالتوابل والبخور والعطور والسيوف. وقد أحبَّ العرب الهند منذ القدم حتّى إنّهم أطلقوا اسمها " هند" على الجميلات من بناتهم. أمّا اليوم، فإنَّ بومبي هي كذلك حاضرة صناعة السينما الهنديَّة التي تجد إقبالاً من المشاهدين العرب.

بعد الفطور خرجنا لنزهةٍ قصيرة في مدينة بومبي التي تتألَّف من سبعِ جُزرٍ مندمجةٍ وتأوي أكثر من عشرين مليون نسمة. وعند خروجنا من الفندق أسَرَ عيوننا نصبٌ تذكاريٌّ يُسمَّى " بوابة الهند"، وهي بوابة حجرية فخمة بُنيت سنة 1911 احتفاء بزيارة ملك بريطانيا جورج السادس للهند، درة التاج الاستعماريّ البريطانيّ آنذاك. تنزّهنا في منتزه "سنجاي غاندي الوطني"، وتمشَّينا في السوق المركزيّ وسوق التوابل والبهارات الكبير في بومبي. وعدنا بعد الظهر إلى الفندق لتناول طعام الغداء ونيل قسطٍ من الراحة قبل التوجُّه إلى المطار لنسافر على متن طائرةٍ هنديةٍ إلى إندور.

في مطار إندور، كانت إحدى سيارات العائلة في انتظارنا، وقد وقف السائق في الصفِّ الأوَّل من صفوف المنتظرين في بوابة الوصول في المطار. عرفته الدكتورة مادهو، وخفّ هو نحوها ليسلّم عليها ويتناول الحقائب من أيدينا.

انطلقتْ بنا السيّارة. وفي تلك اللحظة حلّق فكري عائداً إلى انكلترة، وأنا أقول في ذات نفسي: لا بدَّ أنَّ الحقيرة نيليما قد استلمت البرقيَّة التي بعثتْ بها مادهو من مطار هيثرو. ورحتُ أؤمِّل نفسي في أنَّ تلك البرقية فعلتْ مفعولها، فصعقت الحقيرة نيليما بحيث سبَّبت لها صدمةً وكمداً يودي بحياتها. ولكن الآمال لا تتحقَّق دائماً، والأحلام لا تصدق كثيراً.

يبدو أنَّ مادهو لاحظت صمتي وشرود ذهني، فمدّت يدها لتغلق النافذة الزجاجية التي تفصل المقعد الخلفي عن السائق، في إشارة منها لرغبتها في التحدُّث معي بصورةٍ حميمةٍ، فالمطار يبعد عن ضيعة أهلها حوالي ساعة ونصف الساعة. قالت:

ـ هل أنتَ مسرور بقدومكِ إلى الهند؟

قلتُ بابتسامةٍ عريضة:

ـ أتعلمين أنّني كنتُ قبل لحظات أفكِّر في أنَّني محظوظٌ جداً، لأحظى بزوجةٍ مثلك. وكنتُ أتساءل في نفسي كيف استطاع حظّي أن يعمي الهنود والإنكليز من قبل عن رؤية حسنك الباهر وجمالك الفتّان وشخصيتك العذبة، إلى حين أن ألتقيك لتكوني من نصيبي.

ابتسمت مادهو بانشراح وقالت:

ـ لعلّنا كنّا عاشقيْن في حياةٍ سابقة، ثمَّ التقينا في هذه الحياة عاشقيْن كذلك.

وكأنّها بذلك تشير إلى عقيدة (الكارما) الهندوسية التي تنظّم تناسخ الروح في دوراتها المتكرّرة، عندما يفنى الجسم وتعود الروح إلى الحياة في صورة بشرٍ أو حيوانٍ أو حشرة، تبعاً لعمل صاحبها السابق في الحياة، كنوع من الثواب والعقاب.

قلتُ :

ـ ولكن ألم يتقدَّم أحد لخطبتك طوال هذه السنوات؟

ـ أتعلم، يا سمير، عندما كنتُ ما أزال في الكلِّية الطبيَّة، أعلن والدي في الصحف مرَّتيْن عن استعدادي للزواج، وبعث إلينا كثيرون برسائل تعبّر عن رغبتهم في الزواج مني، واختارتْ العائلة خطيباً لي في كلّ مرَّة ، ولكنَّ الزيجة لم تتم..

قلتُ:

ـ هذا من حسن حظي. ولكن ماذا تعنين بإعلان والدك عن استعدادك للزواج؟

ـ العادة لدى الطبقات الموسرة في الهند أن يُعلِن الأب في الصحف عن استعداد ابنته للزواج، محدِّداً في الإعلان طبقته الاجتماعية، وعمر الفتاة، ومهنتها، ومقدار المهر الذي يقدِّمه للعريس، وبعض المعلومات الأخرى ذات العلاقة؛ ثمَّ يتلقّى عروضاً من الخاطبين، وتختار العائلة الخطيب الأنسب، وترتب لقاءه مع الفتاة.

قلتُ:

ـ كيف يقدّم والدُ الفتاة المهرَ للعريس؟ لعلَّني فهمت العكس.

ابتسمت مادهو وقالت:

ـ ما فهمتَه هو الصحيح. ففي الثقافة الهنديَّة والثقافات الآسيوية التي تأثرت بها، كما في تايلند والفلبين، أهل الفتاة هم الذين يقدِّمون المهر للعريس. وعندما لا يفي أهلها بدفع المهر الذي وعدوا بدفعه بعد الزواج، تقوم أم العريس أحياناً، خاصَّة في الطبقات الفقيرة، إلى إحراق العروس في المطبخ، كما لو كان الأمر حادثاً مؤسفاً. وعلى كلٍّ، فهذه الطبقات ما زالت تمارس طقوساً هندوسيَّة قديمة. والمحزن أنَّ بعض هذه الطقوس يقضي بإحراق الزوجة حيّةً مع جثة زوجها المتوفى، ويُسمى هذا الطقس بـ (الساتي)، على الرغم من أنَّ القوانين الهندية الحديثة تحرِّمه وتجرِّمه. ألا ترى لماذا أنا منجذبة للدين الإسلاميِّ الذي كرّم المرأة وساواها بالرجل في الخَلق والحقوق، وأنَّني في طريقي إلى الإسلام.

قلتُ لها:

ـ لنعُد إلى قصَّة زواجك المفترض. ماذا حلّ بخاطبيْك.

قالت:

ـ كان أحدهم طبيباً، وحدَّدت العائلة له موعداً لاستقباله للاتِّفاق على تفاصيل الزواج. واقترح والدي أن أذهب بسيّارتي إلى المطار لاصطحابه كي تتاح لنا فرصة التعارف. وعندما كنا، أنا والخاطب، في منتصف الطريق إلى ضيعة أهلي، أبدى الدكتور الخاطب ملاحظةً سلبيَّة حول قيادتي السيّارة، ربما ليريني رجولته ويُظهِر مهارته. فما كان منّي إلا أن أوقفتُ السيّارة، وقلتُ له: " انزلْ حالاً من فضلك. ". لم يصدّق ما سمع، ولكنّي أنزلته، وعدتُ إلى المنزل لتناول طعام العشاء الذي أعدّته العائلة للخطيب المحترم.

قلتُ لها وأنا أضحك:

ـ أنتِ عجيبة يا مادهو. وماذا عن الخاطب الآخر؟

ـ بعد الإعلان الثاني اختارت العائلة من بين الرسائل مهندساً شابّاً، وقال والدي ليذهب أحد إخوتي لاستقباله في المطار واصطحابه إلى المنزل، لئلا تُنزله مادهو في منتصف الطريق. وهكذا كان. واستدعوني من غرفتي للالتقاء به في صالة الاستقبال في إقامتنا، حيث كان أفراد العائلة والضيف الخاطب يتناولون المشروبات قبل العشاء. وقبل أن أدخل الصالة لاحظتُ أنَّ الضيف يدخِّن سيكاراً، فلم أدخل الصالة، وإنّما ركبتُ سيارتي وذهبت لتمضية الأمسية مع صديقتي. فأنت تعرف أنَّ لدي حساسية من الدخان، ولا أعدّ المدخِّنين من المثقَّفين. وبعد ذلك توقّف والدي عن الإعلان عنّي، وقال إنّ مادهو هي التي تأتينا بعريسها. وها أنا اتيتُ بك، فما مقدار المهر الذي تريده، يا سميري؟

ضحكتُ لنكتتها، ثم قلتُ بنوعٍ من الجدّية والوقار:

ـ أنتِ، يا عزيزتي مادهو، أغلى مهر في العالم، أنتِ جوهرةٌ نادرةُ الوجود.

10

في صالة الاستقبال الواسعة المشرعة الأبواب على الجهات الأربع في إقامة العائلة، استقبلني والداها وثلاثةٌ من إخوتها . وقد لمحتُ شيئاً من الدهشة على وجوه أهلها عند رؤيتهم لي، أو هكذا خيل إليّ. ولكنّهم رحَّبو بي وأكثروا من الترحاب .

وبعد وقتٍ قصير من الاستراحة في غرفتي، جاءت مادهو تدعوني لتناول العشاء مع أهلها وعددٍ من الضيوف. اصطحبتني إلى باحة المنزل. وفي الطريق إلى المائدة الطويلة المقامة في الهواء الطلق، رأينا في الحديقة سريراً واسعاً تعلوه ناموسية (أو كُلّة، بالهندية). فأشارت مادهو إلى السرير، وقالت إنّ أهلها فهموا من البرقية التي أخبرتهم بمجيئها مع " FRIEND“  أنها فتاة، ولهذا أعدّوا سريراً مزدوجاً مع ناموسية في الهواء الطلق لأنَّ الجوَّ حارٌّ جدّاً في الصيف والناس ينامون في الحدائق وعلى السطوح. وعندها فهمت أمارات الدهشة التي علت وجوه أهلها عندما اكتشفوا أن من يرافق ابنتهم "صديق" وليس "صديقة".

جلس والدها وسط المائدة، فأجلسني إلى يمينه، وجلست مادهو إلى يميني. وعلى يساره جلس رجلٌ قدّمه إليّ أبوها باسم الدكتور كاظم، طبيب العائلة ومعه زوجته وإلى جانبها أمُّ مادهو. وجلس إخوتها الثلاثة على الجانبين. ووقف خلف المدعويين ثلاثةٌ من النُّدل، كان أحدهم يقف مباشرةً خلف السيد جاكهاري. وأمام المائدة، جلس رجلان يمسك أحدهما بآلة السيتار الموسيقية الهندية، والآخر يضع يديْه على طبلٍ صغيرٍ أمامه. وجلست معهما ثلاث راقصات. وبعد أن انتظمت المائدة واكتملت، أعطى السيد جاكهاري إشارة من رأسه لتبدأ الموسيقى والرقص. وانهالت الأطباق المتنوعة على المائدة. ثمَّ التفت إليّ وقال:

ـ على الرغم من أن إندور مركزٌ ماليٌّ وصناعي هامّ في وسط الهند، فإنَّها ليست مدينةً سياحية، أضف إلى أنّني لا أعيش في قصر حاكم الولاية باستمرار، بل أفضل أن أعيش مع العائلة في ضيعتي هذه، وهي بعيدة عن المدينة نوعاً ما. ولذلك لا توجد ملاهٍ أو فرقٌ موسيقيةٌ بالقرب منا. ولكنّي طلبتُ هؤلاء  الفنّانين من المعبد الهندوسي المجاور، إكراماً لك.

لا أدري لماذا تسحرني موسيقى آلة السيتار الهندية وآلة الكورة الإفريقية، فكلما استمعتُ إليهما، شعرت باسترخاءٍ في بدني وثقلٍ في جفوني كأنّي على وشك النوم.  ألأنّهما آلتان وتريَّتان لهما نسبٌ بآلة العود التي ابتكرها السومريون قبل آلاف السنين والتي أدمنتُ على سماعها في طفولتي حينما كان أخي الأكبر يعزفها باستمرار وأنا في فراشي على وشك النوم؟

في الصباح تناولتُ الفطور مع العائلة على مائدةٍ داخل الصالة، ولم يكُن ثمّة ضيوف، وكان ذلك اليوم عطلة نهاية الأسبوع. وجّه السيد جاكهاري كلامه إليَّ قائلاً:

ـ سأقوم بجولتي الأسبوعيَّة في مزرعتي، هل تودّ مرافقتي للنزهة؟

ولم يدعُ أي شخص آخر من الحاضرين، ففهمتُ أنّه يروم التحدُّث معي على انفراد، فقلتُ:

ـ بكلِّ سرور.

كانت ثمّة عربة "حنطور" بحصانٍ واحد جاهزةً، والحوذيّ واقف عند بابها كما لو كان في حالة استعداد، فحالما خرج السيد جاكهاري من الصالة، أسرع الحوذي إليه وتناول يده اليمنى وقبّلها بنوع من الخشوع. وعند مرور العربة بالفلّاحين والمساعدين، لاحظتُ أن بعضهم يجري إلى العربة ليقبّل يد السيد جيكهاري الذي يتبادل معه كلمة أو كلمتين" تيكا، تيكا"، وبعضهم الآخر لا يقبّل يده، بل يلمس حذاءَه، وأحيانا يغطّي أصابعه بِكُم سترته قبل أن يضعها على الحذاء، فخمّنت أنَّهم من طبقة المنبوذين الذين لا يجوز لهم لمس حذاء سيّدٍ مثل حاكم الولاية من طبقة البراهما.

كانت المزرعة واسعةً جداً فذكّرتني بمزارع تكساس الشهيرة باتساعها (Ranches). وبعد أن تحدّث السيد جاكهاري إليّ عن محصولات مزرعته التي ورثها عن أبيه، وعن ذكرياته في لندن خلال سنوات دراسته في جامعتها، وعن مسيرته السياسية والإدارية إلى حين توليه منصب حاكم ولاية إندور، سألني بصورةٍ تكاد تكون مفاجئة:

ـ منذ متى وأنت تعرف الدكتورة مادهو؟

ـ منذ سنة تقريباً.

صمتَ لحظةً كأنّه يفكِّر فيما سيقول، وقال:

ـ أنا أعرفها جيّداً منذ ولادتها قبل حوالي ثلاثين سنة.

قلتُ:

ـ طبعاً، فأنتَ والدها.

قال:

ـ إنّها ذات شخصيةٍ قوية، وتفعل ما تحسبه صواباً.

ـ لعلَّها ورثت بعض صفاتك الحميدة.

قال:

ـ ولهذا فإني لا أتدخَّل في مسألة زواجها. ولكن لديَّ نصيحة أسديها إليك أنتَ.

ـ تفضّل، سأستمع إليك بكلِّ سرور.

قال:

ـ قبل كلِّ شيء، أنا لا تمييز ديني أو طائفي لديّ. فكما لاحظتَ على مائدة العشاء الليلة الماضية، طبيب العائلة، الدكتور كاظم وزوجته مسلمان، مع أنَّ كثيراً من أقاربي الهندوس أطباء، ولكنّي اخترته لكفاءته. وما سأقوله لك لا علاقة له بالاختلاف الدينيّ بيننا.

ـ أعلم ذلك.

ـ أنتَ والدكتورة مادهو الآن في ريعان الشباب، والحبُّ هو كلُّ شيء بالنسبة إليكما. ولكن بعد بضعة شهور من الزواج، ستخمد جذوة اللهفة والرغبة، وستواجهان الحياة سافرة الوجه بواقعها المؤلم. وبما أنَّ الثقافة الهندوسية تسري عميقاً في كيان الدكتورة مادهو وشرايينها حتّى أخر شُعيرة من شُعيراتها الدمويّة، فإنّها ستجد نفسها غريبةً في مجتمعٍ لا تنتمي إليه ولا تنسجم تقاليده وعاداته مع منظومتها الفكرية. وحينذاك ستشعر بغربةٍ تلقي بظلالها القاتمة على نفسيّتها وسلوكها. وستمسي تعيسةً بائسة، وتسبِّب لك قلقاً وهمًّا وشقاءً، بدل السعادة التي تحلمان بها اليوم.

وختم كلامه بقوله:

ـ أنا لا أريد جواباً منك الآن، ولا أتوقَّع قراراً تتَّخذه. ولكن كلّ ما أرجوه هو أن تتمهّل بعض الوقت، وتفكِّر في النصيحة التي أسديتُها إليك.

قلتُ:

ـ سأفعل، وشكراً لاهتمامك.

بعد أن عدنا من المزرعة استقبلتني مادهو باشةً وهي تقول:

ـ كيف كانت جولتك في المزرعة؟

ـ رائعة جداً. تمنيتُ لو كنتِ معنا.

ـ نساء العائلة قلما يذهبن إلى المزرعة.

سألتُها بابتسامةٍ ودود:

ـ هل وصلتك برقيَّة تهنئة من صديقتك العزيزة الدكتورة نيليما.

قالت:

ـ لا، اتّصلتُ بها هذا الصباح ولم تكُن في الشقّة.

ـ لعلّها في المستشفى، أو لم تتوصَّل ببرقيتك بعد. لماذا لا تتَّصلي بها الآن في مقرِّ عملها فيما أسعد أنا بالتحدُّث مع أخيك.

قالت:

ـ سأفعل.

وتوجَّهتْ إلى آخر الصالة حيث الهاتف.

وفيما كنتُ أتحدَّث إلى أخيها، كانت إحدى عينيّ تنظر إلى حيث الهاتف لعلّني ألمح ما يسرّني.

بعد بضع دقائق عادت مادهو وهي تسير الهوينى، مطرقةً، وأمارات الأسى بادية على وجهها.

نهضتُ من مقعدي، وقلتُ لمادهو:

ـ عزيزتي، ما بكِ؟

قالت بصوتٍ فيه رنَّة حزنٍ:

ـ نيليما..

وصمتت لحظة، ثمَّ استأنفت قائلة:

ـ نيليما في غرفة العناية المركزة في المستشفى.

قلتُ باندهاش ظاهر:

ـ ماذا؟

ـ نعم. شرحت لي الممرضة في مكتب استقبال المستشفى أنَّ نيليما نُقلت إلى المستشفى أمس الأوَّل وقد أُصيبت بنزيفٍ في الدماغ.

ـ نزيف في الدماغ؟!

ـ نعم.

ـ آمل أن يكون عابراً، وتتماثل للشفاء عاجلاً.

قالت:

ـ لا أظنُّ ذلك. يستغرق العلاج بعض الوقت، وقد يتسبّب النزيف بالشلل أو يؤدّي إلى سكتة دماغيَّة.

وهنا شعرتُ في أعماقي بفرحٍ شيطانيّ، ولكنّي تظاهرتُ بالأسف وسألتها بصوت حزين :

ـ ولكن لماذا أُصيبت الدكتورة نيليما بنزيف في الدماغ؟

ـ إمّا لضعفٍ في جدران الأوعية الدمويّة لديها، أو لارتفاع مفاجئ في ضغط الدم خرج عن السيطرة، فسبَّب خللاً في إمداد المخِّ بالدم وعدم وصول الأوكسجين اللازم لأنسجته.

في تلك اللحظة، قلتُ في ذات نفسي إنّ الحقيرة نيليما قد نالت العقاب الذي تستحقُّه جزاء وقاحتها وعدوانها عليّ. ولكنّها لم يكُن في إمكانها الإساءة إليَّ لو أنَّ مادهو تصرَّفت بطريقةٍ معقولةٍ طبيعيَّة، والتحقتْ بي في شقّتي في لندن بدون أيّة تعقيدات. ولهذا فإنّ مادهو، هي الأخرى، مذنبة، ويجب أن تنال العقاب العادل. وهنا التفتُ إلى مادهو قائلاً:

ـ ومَن الذي يعتني بالدكتورة نيليما حالياً؟

ـ أطباء المستشفى وممرضاته.

قلتُ:

ـ  أعني هل يوجد أحد من عائلتها أو أصدقائها هناك يقف إلى جانبها في محنتها ويعودها بانتظام.

ـ لا.

قلتُ:

ـ عزيزتي مادهو، ينبغي أن تكوني أنتِ إلى جانبها الآن. ليس من المعقول أن تكون صديقتك الحبيبة ترقد في غرفة العناية المركزة في المستشفى هناك، وأنت هنا في فرح واحتفال. الوفاء يتطلَّب أن تكوني إلى جانبها.

ـ هذا ما كنتُ أفكّر فيه، ولكن ...

قاطعتُها قائلاً:

ـ لا تقلقي من ناحيتي. سنؤجل احتفال زفافنا، حتّى تتعافى صديقتك العزيزة. لا تتردَّدي في العودة إلى لندن ومساعدتها، فواجب الصداقة يفرض ذلك. ووفاؤك لها الآن يؤكِّد لي أنك ستكوني وفية لي كذلك في المستقبل، وأنَّكِ ستكونين بجانبي في السراء والضراء.

ـ وماذا ستفعل أنتَ؟

ـ سأذهب إلى باريس للالتحاق في الدورة الصيفية لجامعة السوربون.

كان قصدي طبعاً الابتعاد عن مكان نيليما وما يتعلّق بها، ليكون انتقامي منها جريمةً كاملة. ومن ناحية أخرى لأتعمّق في دراسة القانون الجنائي لمعرفة ما إذا كان فعلي تنطبق عليه أوصاف الجريمة.

 

تحجب عني موجه المنسابَ

 تحت شرفة القمر،

almothaqafnewspaper

الجمال /  حسن البياتي

 

أعمق من زرقته خضرةُ عينيكِ !

أريد أن أراهْ،

أصيح : يا بحَـرْ !

أغوص في مداه،

أحسهُ، أشمهُ، أشرب موسيقاه،

أصيحُ : يا بحـر !

باركْ جبيني !

إنني منكَ إليكَ، سيدي البحـرْ !

لكنما رفــّاتُ هدبيكِ،

عبْرَ سكون الليلِ، في جدائل الشجر

تحجب عني موجه المنسابَ تحت شرفة القمر،

أريد أن أراه

لكنني، يا طفلة أبدع ما أبدعه الإلهْ،

أتيه في أحداقْ

يهيم في خضرتها القمر

والموجُ والجدائل الغافيةُ الأوراقْ

وألفُ ألفِ بيتِ شعرٍ ساحر الوتر...

وهبتهُ لمسحة الجمالِ أينما يكونْ -

في هدأة الطفل على ترنيمِ أمه الحنون،

في همسة العبيرِ،

في سقسقة العصفورِ، في حفيفْ

غصنٍ نديّ مسه النسيمُ، في رفيفْ

فراشةٍ زاهية الألوانِ، في خريرْ

ساقيةٍ فتيةٍ أنهكها السفرْ

فرقرقتْ دموعها فوق بساطٍ أخضرٍ وثيرْ

عند مشارف الجبلْ...

أجل، أجلْ !

سِيـّانِ، إنهُ الجمالُ حيثما يكونْ -

في زرقة السماءِ،

في لألأة النجومِ،

في ابتسامة الزهَرْ

أو في سواد الليل أوغِلالة السحر...

لكنَّ مقلتيكِ، يا حنيــنْ

أسمى تراتيل الهوى في مهج البشر !

أحلى وأحلى... إنَّ في خلودْ

هدبيهما حقيقة َالوجودْ

وحكمة َالقدرْ !

 

شعر: د. حسن البياتي

...................

سيواسيتبل ـ شبه جزيرة القرم 1/8/1961

 

كلمّـا أرشُ الماءَ،

على عيونِ الشمسِ،

يستيقظُ، فجـرٌ جديد .

esam baram

أنا الكونُ وأنتِ الأرضُ / عصـام البــّرام

      

أنا الكونُ،

وأنتِ الأرضُ،

توحـدّنا ..

في الروحِ والجسد .

2

الفرحُ،

صبحٌ جميـل ..

والحزنُ،

ليلٌ ثقيل .

3

كلمّـا أرشُ الماءَ،

على عيونِ الشمسِ،

يستيقظُ،

فجـرٌ جديد .

4

في الفجــرِ،

أخـافُ المطـر،

كيّ لا ..

يطفأ نـورَ الشمس .

5

عنـدما أبصـرُ لوجهِ القمـرِ،

أشمُ فيـهِ رائحةِ السكون،

فأعمّدُ نفسيِّ ..

بنـوره .

6

كلـمّا لفّتْ الجذورُ،

الأرضَ إليها،

إزدادتْ الزهرة ُ،

حياتـها رحيقاً .

7

حتى الـنار،

تخافُ أنّ تُمسّدَ،

شَـعّرَهـا ..

كي لا تحترق .

8

الأرضُ دروبً وطرقات،

لعشقِ المـاء،

لـذا .. هو يسعى،

ليقبِّلُها،

رملةً .. رملة .

9

عندما،

تستيقظُ الشمسُ،

تبتسمُ الطبيعةُ،

وإنْ نامتْ ..

حزنَ الجميـع .

10

الطبيعةُ لغــةٌ،

لا يفقه،

أبجديِّتـها ..

إلا العـاشقـــون .

 

عصام البرام

         

 

سأذرّ فراشاتي!

أكياسي ملأى بأجنحة محترقة

ameen botani

الجوارح قبل عطس التراب

أو:  عنصرة التحليق

شعر وترجمة: أمين بوتاني

 

إستفقْ

قمْ يا صاح!

إنك بهذا

لن تتذكر حتى رأسك!!

لقد حان الآن

موسم حلب الوريقات

من ضروع التراب!!!،

إنه موسم تجميع الريح

تحت حظائر جناحات الألفة!!!

إنه موعد قطاف أسراب الأوز

من ثنايا حقول الأفق!!!

أنت أيضاً يا صاحبي

تفضل وأنهي لقياك هذا

و ضع أكاليل الوداع

على مكامن الأثر برمتها.

ألا ترى

بأن الفحمة

لن تخجل من النار أبداً؟!

بل إنها تعيد

جميع بساتين الكروم

الى داخل أحداق الدخان!!!

ألا ترى ماذا تفعل الرياح؟!

إنها تُبكي السقوف المتهالكة

وتنصب للغربة خيام الأمل!

أما الماء!

فلا تذكُر عنه شيئاً بالمرّة!!!

انه يثرر برهة مع التراب

وبعدها يعكر صفو الصحبة والعداء

يعكر صفو الجدّ والهزل!!!

اتركني يا صاح

إنني قررت الفرار

قررت ان أطير

وأهرب بروحي،

سأطير

آخذاً معي من سلالة التراب

قطرة دم واحدة!

ومن سلالة الماء

يرافقني

قارباً مثقوباً!

ومن سلالة النار

بإستطاعة ذنب غير مغفور له

أن يعد عّدة الرحيل!

ومن سلالة الريح

يسافر معي

خريف كهل!!!

سأطير.... نعم إنني سأطير محلقاً!.

فالتحليق لفافة خيوط أحلامي

سأرميها صوب مرتفعات القول.

سأطلق أغنية هادرة

فوق منحدرات القناعة.

قسماً

إنني سأنبت الريش

على جلود القلاع والحصون؛

قسماً

إنني سأعلق أجراس الحكمة

في عنق البلهاء والمجانين!!!

إنني لست أقلّ شأناً من أحد؛

أنظرالى البحار

كيف إنها

تجعل من الغمامة عكازة لها

وتطير!!!

وهذه المعمورة

تجعل من الدروب حجة

وهي ترقع سراويل البعد وتتهالك!!!

وهذه الينابيع

تجعل من نية الظامئين عوينات لها

ويحدقن بلا إستحياء في عورات التعب!!!

وهذه ثلوج أعالي الجبال

كيف إنها تنصهر

مغرمة بسيقان الحلابات البضة.

وهذا باخوس

إنه يتوق الى الكلام

جاعلاً من شرير مهرجاً له

بينما يملأ سعير طرافته بالمغفرة!!!

إيه.. أيتها الأرض الباردة

واريني أنتِ

وأنا أنثر العيوب والعلات.

أقسمي

إن كنتِ رأيتني ولو مرّة!

أقسمي

إن كنتُ قد حطيتُ

على غصن صخرة ولو مرّة!

لن أكذب إن قلتُ

إنني أعلم

بأن عصعص صحاريكِ

كم من الزوابع يحوي!

وكم مرّة

سهرتْ معي تلالك وذراك

الى الهجيع الأخير!

وأعاصيري

كم من المرّات

فتحت أزرار هضابكِ!.

إفعلي ما بوسعكِ

إفعلي ما تقدرين عليه؛؛

كل الشارات إليكِ

كل الضياع لي.

كل القبور لك

كل المنايا لي.

كل الإحتراق لك

كل الآلآم لي.

كل السيول لك

كل الإختناق لي.

كل البحار لك

كل الأمواج لي.

كل السفن لك

كل الأسفار لي.

كل الأبواب لك

كل فتحٍ لي.

كل النوافذ لك

كل النظر لي.

كل الأقفاص لك

كل التحليق لي.

كل الرقاد لك

وكل الأحلام لي.

أفِقْ من نومك

لا تشغل نفسك بهذا الرغيف أكثر

وإلاّ سينقض على أحشاءك يباب حقل.

كم نصحتكَ

بأن تكون حذراً

بأن تغمض عينيك

وتترك الأزقة والدروب الضيقة،

إيه....

لكنك عدت من دون شفاه

وجوارحك مليئة بالقبلات

إيه...

إنك عدت

أوبتك ملأى بالوصول

وذهابك ملأى بالتأخر!.

" إنك بأجنحتك الرطيبة هذه

لن تصل الى تخوم الرجم أبدا"!!.

أيا عزيزاااه

لا تربط فرسك

على مقربة من الينابيع.

وأرجِع لقالقك الحزينة

الى داخل وثنية الريش والرياح.

فهناك

سترى زاهداً

جالساً على بساط الخيال

وهو يهف البيوض!.

قل له

إنني لا أرى ظهري

بالله عليك

أنظر إليه بدلاً عني

كم من آثار التربيت مازالت عالقة عليه؟!.

لا تتوجس

وأرمي الخاقانات السوداء بين يديه،

صدقني لن يحدث شيء!

ستزول عنك كل المصائب..

حينذاك

بين الظل والضوء

بين الجوع والإصطياد؛؛

سترى بوهيمياً ذو وجاهة؛

مصرّ على الضياع

نادم على السفر.

نادم على الجرح

مصرّ على الخناجر.

نادم على الأودية

و مصرّ على الفيضان.

نادم على القيم

ومصرّ على العزاء.

إيه.. وا غريبااااه

لمَ أقدمت على تلقين

التلول والمرتفعات كل هذه المواويل؟!

عبثاً

أسردتَ كل هذه الأقاصيص

للأخضرار واليبوس!!

هل نسيت

ان الصخرة في البداية

كانت زرائب لتدجين الإنحدار!!

بعدئذٍ

تعرفت القمة على الحدور!!!

في البداية

لم يكن للظهر صلة قرابة

مع الأحمال والحصى!

بعد ذلك

أبتلوه بنطفة البسالة!!!

العين في البدء

لم يكن سوى ندم الأجساد!

بعد ذلك

غُررت بالأزاهير!!!

نعم إنه لكذلك

أخشى أن لا تصدقني!

فلو لم تكن الغابة الأولى

لما فكر دخان البداية بالتحليق!

لو لم يكن الدم الأول

هل فكر الجرح الأول بالفرار؟!.

إيه... واغريباااه

كفن البداية

كان منديل الرقصة الأولى.

إيه... واغريباااه

حناء البداية

كان العويل البكر للفرحة الأولى!!

ألا ترين

أيتها الشحرورة المهاجرة

صخور الأعالي

تنصب الكمائن للغزلان،

وتنشر المصيدة للشقائق!

و دم هابيل

يغسل خضابه القاني

بحيض الحمائم البيض

عند حواف الشطآن...

واغريباااه

لستُ أنا من يقول:

يُقال ان الطير الأكبر

في البداية

كان الصخرة الأكبر،

يُروى بأن تلك الصخرة

تدحرجت من سفح جبل

وسقطت على عش طير صغير

مهشمة كل بيضاته!!!

منذ ذلك الحين

أية صخرة تسقط

تلحق الأذى بروح الأعشاش

وكرمة السماء

تزهر عناقيد الطيور

والأنجم الساطعة!!!.

أيا الفضاء المليء

أيها التحليق الماكث

تعرق الشعاع

هو المايسترو

لأقواس قزح خجلى.

الخيال

يعزف على بيانو الألوان،

المطر

جوقة اليابسة.

هذا هو تحليق الشمس

صوب جنائن النور!

هذا هو تحليق الأصوات

نحو ميادين الزعل!

هذا هو تحليق ألفة المنازل

صوب ديار الغربة!!!.

وامنتظرااااه

اعاصير الجوارح

في إنتظار الغابة الأخيرة؛

تمرّ الأزمان والسنون

أعوادها تصبح أقفاصاً

بينما وريقاتها لن تغدو بلابلاً!!!

كفى

فالضجر يلوكني

سأمسح أغصان كل الفصول

بمكانس من خريف!

منذ الآن

سأطير؛

وفي تلكم الأعالي

ساُري النجومَ

السماوات التي في قلوبكم.

رمضاء أنفي

في إنتظار السعير الأخير؛

دائماً

صِرّ شباط ينجو سالماً

بينما أهداب الشموع محترقة!!!

كفى

إنني على بيدر هذا القيظ

سأذرّ فراشاتي!

أكياسي ملأى بأجنحة محترقة

فيما سأرمي تحليقها ثانية

على فخاخ الشفق!!!

ينابيع القلوب

في إنتظار البحر الأخير؛

في غضون الأطراف المائجة

الجرار متكسرة بأجمعها

والنوارس

ليست سوى

أسرابٌ مرتزقة للساحل!!!

كفى

إنني سوف

أجعل من قطرة الغيث

مرآة للتراب؛

كي تمشط أمامها جدائل التحليق

وتكفّر عن الآثام!!!

أيا أصدقاء الضيق

انتم ترون بأن العداء قد إستفحل!!

لا تزيدونني همّاً؛

أي إنتصارٍ هذا سيُغسل الدم المُراق!!!

لا بأس!

فحصاني ينتظرني

في الجانب الآخر من الإعصار!.

ومنذ اليوم

لن ترونني أبداً

بأن أغرز داخل بساتين المداراة

ثمة فزاعة حتى!.

...        ...       ...

 

فأنتَ منذُ أن كنتَ طفلاً

تغصُّ حين تبلعُ المرارةَ

atif aldarabsa

بينَ نَهرَينِ! / عاطف الدرابسة

 

قلتُ لها :

أراني بينَ نهرٍ

ونهر ..

وحمارٌ أخضرُ

يقطعُ النَّهرَ

وينادي :

أراكَ تُقدِّمُ رِجلاً

وتبترُ أخرى ..

أمامكَ

ليلٌ مُزدَحِمٌ

ووراءَكَ

بحرٌ ميَّت ..

اشرب كثيراً

منَ الماء ..

فأنتَ منذُ أن كنتَ طفلاً

تغصُّ

حين تبلعُ المرارةَ

والألم ..

 

د.ع

 

 

آه كم جزازة في وطني

جزت ابتسامات الطفولة

abdulamir alebadi

جزازة العشب / عبد الامير العبادي

 

ألبستان اعشوشب

اردت قطف ثيلة

اقلم اغصان وردة

أزيل الشوك

ربما يؤذي حمامة زائرة

أويدمي ارجل عصفورة

تنتظر تفقيس بيضها

هكذا كنت احرس أبي

واصغي لترنيمة أمي

يالهذا العشب

كيف تبكيه جزازة الموت

آه

كم جزازة في وطني

جزت ابتسامات الطفولة

أضاعت فينا نشوة الأحلام

جزت صور العشق

أخذت اجمل لوحات الأمل

 

عبد الامير العبادي

 

أمي.. كانتْ

أشرعةٌ تتصدى للريح وللإعصار

سفنٌ تتهيأ للإبحار

mostaf gharib

شظايا أم /  مصطفى محمد غريب

 

أمي.. كانتْ،

مثل مرايا الثلج

تعكس شوق الأشجار

نوّارة تُسطعُ كل الأنوار

قيثارة في زخم الأقمار

تخلقْ فرحاً في الدار..

وتضحي في القيم القربانْ

..........

أمي.. كانتْ

أشرعة تتصدى للريح وللإعصار

سفنا تتهيأ للإبحار

لتشق عباب البحر

تحمل قلباً من نار

وروائع من تذكار..

وقصائد من نوتاتٍ وأغان

..........

أمي.. كانتْ

دفئا من شمعة أنوار

سرا يتتوج بالأسرار

وكتابا مفتوحٌ في الأدوار

يتمحور بالفطنة والأفكار

يبعد وجه العار

وفصولا وخرائط من ورق الألوان

..........

أمي.. كانتْ

عَبّارات لضفاف المدن الأسطورية

ومراسيم الأوقات السحرية

ورسوماً في اللوحات الفنية

ومواضيع لا تبدو لفضية

بل أقولاً في مضمار الحريةْ

عند شواطئ من حلم المرجان

..........

أمي.. كانتْ

نبراس أبي الراقد في البانوراما

ومضى نبراس الماضين إماما

حتى نبراس الباقين قياما

أنفاس السجن الراقد في الانبار زمانا

حتى صار العهد قياماً وزمان

..........

أمي .. كانتْ

تسطع مثل المرجانةْ

تزهو حلوةْ كالرمانةْ

لكن أمي ماتت حيرانةْ

وهي الأعلى قامة

رحلتْ عنا حتى دون الاستئذان

..........

أمي.. أنت الرؤيا..  كالنجم السابح في عمق الليل

أمي .. يا سيدتي الغائبة المنظورةْ

لحنٌ أنت بأصوات الوتر الناطق بالمعمورةْ

أنت يا سيدتي.. أطياف شظايا في أغنيةٍ مسحورةْ

ومرايا أنت على  ذكرى من عشقٍ وجنان

 

سأُسْرِجُ جِيَّاد الرّوح فَجراً،

وأَمْتطي صَهوةَ الغَدِ الوَليد..

mohamad almahdi

جَفاءٌ و وَفاء / محمد المهدي

 

تَتَجافى عيناكِ

عَن مَضاجعِ النّجوم ،

و تَتَغَافَى عَن تَثَاؤُب اللّيل

بين جَنْبيْك ..

قَد يَطول امْتِشاقُ الصّبحِ

مُهَنّدَ النّور،

لِيَجْلُوَ سُوء الأَحلام ..

و يُعلنَ لثَكْلَى العِشق

انتهاءَ مواسمَ السّمَر .

قَد تَنأى الليالي بَيْنَنا ،

ويَعودُ الظّل إلى ظِلّه ،

وَقَد تَؤُوب الشّمسُ إلى مِزْراب

تَخَلّلَهُ النّوى بالثُّقوب .

فأضحى نَوَالاً للنّهايات .

سَأَرْقُبُ ميلادَ الفَجر البَعيد،

وأَمُدُّ يَدي لأُعِيدَ الماضي التّليد..

سأُسْرِجُ جِيَّاد الرّوح فَجراً،

وأَمْتطي صَهوةَ الغَدِ الوَليد..

إليكِ مُنْتهى الهُروب حَبيبتي

وإليكِ يَلوذُ الأملُ الوَحيد .

سأُرَتِّبُ لِلغَدِ لَيَاليَ البَوح

وأَسرارَ العُشاق .

سأُفرِشُ القصائدَ السّاهرةَ

نَوايا للحُب و دَعاوى للفِراق .

و على نَخَبَ الكلمات،

أُدَحْرِجُ الحِكاية

بين سِيقانِ الأَملِ و مُنحدَرَ الأَشواق.

و أَعلنُ للغَوّاصِين عن بَيانات العِناق،

وإشارات الغُبْنِ المُسَجَّى عند الفِراق .

وأُسَجِّر المعاني مِن بُحور الشّعر،

فأُخرج الحقيقةَ الغارقةَ منَ الأَعماق .

 

محمد المهدي

تاوريرت  المغرب  22/05/2017

 

nabe  odaحيرتني زوجتي.. سمعُها بات ثقيلاً.. لم تعد تفهمني، وتثرثر كلمات لا معنى لها.

أقول لها ان كلامك غير معقول.. ما تقولينه ليس صحيحاً. ولكنها تعيد نفس الجمل بصوت مرتفع ظناً منها أن رفع صوتها سيجعلني أقتنع أخيراً بما تقوله. وللأسف عصبيتها تزداد حتى بات الحديث معها مستحيلاً.

راقبتها أثناء عملها المنزلي. بالتأكيد لديها مشكلة عويصة.. أتحدث إليها ولا تسمعني، هل يكون السببَ مشكلةٌ في سمعها، أم أنها ترفض الحديث معي؟

قلت لها أننا يجب أن نذهب إلى طبيب مختص لفحص سمعها. غضبت مني وثرثرت كلاماً لا رابط بين جمله. فهمت منه ومن إشاراتها أنها تتهمني بأنني أريد أن أجعلها مريضة بالقوة، وأنني أنا مريض في رأسي.. وقد عافت نفسها من تصرفاتي.

سامحها الله. صرت أقلل من الكلام معها حتى لا أربكها.. ولكنها كلما مرّت بي تثرثر بدون صوت، أنظر إليها وأقول: "سامحك الله" وهذا يغضبها لسبب لا أدريه. ومرة لم أعد أصبر. قلت:

- إ كان لديك شيء ضدي قوليه لأسمعه.

فانفجرت بالضحك.

- لم أقل شيئا مضحكاً؟

- ....

- قولي بصوت مرتفع وواضح لأسمعك جيداً.

- ....

فأعطتني ظهرها مفضلة الصمت.

شاورت أولادي حول حالة أمهم.. فضحكوا بشدة. سألت: "ما الداعي للضحك؟" ابني الصغير كان أوقحهم.. قال بصوت قوي جداً مقرباً فمه من أذني:

- المشكلة لديك يا أبي.

- كدت تطرشني، لا تفعل هذا مرة أخرى.

قال الابن البكر:

- سنذهب لزيارة الطبيب.. سأحجز لك دوراً عنده.

- احجز لأمك هي التي لا تسمع.

- حسناً.. أمي ترفض.. سنشاور الطبيب عن طريقة لعلاجها. أنت ستشرح له المشكلة.

- فكرة جيدة

في اليوم الموعود جاء ابني لمرافقتي. عبثاً حاولت إقناع زوجتي لمرافقتنا. ألححّت، فصرخت بأذني:

- الله يساعدني عليك.

- أنت حرة.. نريد اأن نساعدك ولا تريدين أن تساعدي نفسك.

خرجت من المنزل مع ابني البكر الذي لم يتوقف عن الضحك، ربما بسبب عناد أمه ورفضها العلاج.

استقبلنا الطبيب مبتسماً، شرح له ابني مشكلة أمه ولكنه قرر فحصي. لا أعرف كيف سيساعد فحص الزوج في علاج الزوجة؟

أدخلني غرفة زجاج مغلقة، بعد أن أفهمني ابني بأن أرفع إصبعي كلما سمعت صوتاً... وهذا ما فعلته.

عندما انتهى فحصي سألت الطبيب:

- كيف سيساعد هذا الفحص زوجتي؟

ضحك وقال بصوت واضح:

- سيساعدنا على تحديد المشكلة.. ولكن أنت أيضاً لديك مشكلة في السمع.

- ربما.. ولكن المشكلة الصعبة لدى زوجتي.. نادراً ما تسمعني!!

نظر الطبيب مبتسماً إلى ابني، وشاوره قليلاً دون أن أسمعهما، ثم قال لي بصوت واضح:

- أنت ستساعدنا على علاج زوجتك، بما أنها ترفض المجيء للفحص، سنوكلك بإجراء فحص لها.

- حسنا... كيف أفعل ذلك؟

- عندما تكون منشغلة قف خلفها على بعد 6 أمتار. واسألها:" ماذا تفعلين؟". ثم اقتربْ لمسافة أربعة أمتار واسألْ نفس السؤال.. وإذا لم تسمعك اقترب لمسافة متر واحد واسألها نفس السؤال وانتبه.. لا تغير قوة صوتك في الثلاث مرات.. ولنرَ النتيجة..

- فكرة جيدة..

في اليوم التالي كانت تحضّر صينية بطاطا بالدجاج، ومشغولة بإعداد الفطائر لأن أحفادنا سيحْضرون للغداء عندنا.

وقفت على بعد ستة أمتار وسألتها:

- ماذا تفعلين؟

لم تسمعني... اقتربت لمسافة أربعة أمتار وسألتها:

- ماذا تفعلين؟

لم تسمعني... اقتربت لمسافة متر وراء ظهرها وسألتها:

- ماذا تفعلين؟

التفتت إليّ غاضبةً جداً.. ويكاد الشرر يطير من عينيها وصرخت بوجهي بقوة:

- للمرة الثالثة أقول لك صينية بطاطا بالدجاج.

انسحبت بهدوء..

غداً سأخبر الطبيب بنتيجة الفحص!!

......................

توضيح للقراء حول فكرة القصة

فكرة القصة تنطلق من مبدأ فلسفي يعتمد الإحساس ضمن نظرية المعرفة، أي أن المعرفة تنطلق من الإحساس الشخصي الموجود كله في فكرنا وان معلوماتنا الوحيدة عن عالمنا هي التي تصلنا عبر حواسنا. أهم فيلسوف لنظرية الإحساس (أو فلسفة الإحساس) كان جورج براكلي الذي عاش في القرن الثامن عشر، وكان مطرانا مسيحيا أيضا.

اكتب هذا التوضيح لأن البعض ظن أني مجرد أروي طرائف.

إن قصصي الساخرة وغير الساخرة، تتناول جوانب الفلسفة بمختلف مدارسها، عبر تخفيف النص الفكري الفلسفي بطرفة مطابقة للفكرة الفلسفية، وهي طريقة كان يتبعها أستاذي السوفييتي للفلسفة (1968 – 1970) ومن وقتها صرت أصنف الطرائف حسب مضمونها الفلسفي، وتبين لي مؤخرا أن أساتذة فلسفة من مختلف أنحاء العالم يتبعون أسلوبا مشابها في تسهيل تفسير الفلسفة ونظرياتها.

الوصول إلى صياغة قصص فلسفية لم يكن ميسرا، بل خضت تجربة طويلة جدا استغرقت عدة سنوات حتى نجحت بالوصول إلى الصيغة السردية المناسبة.. مقتحما نهجا قصصيا جديدا في مسيرتي القصصية.

طبعا هذه القصة تسخر من مبدأ أن لفلسفة الإحساس كقاعدة علمية.. القصة تبين عقم الاعتماد على منطق الإحساس لأن الواقع يختلف عما يحس به الزوج من صمم زوجته. طبعا لا انفي نهائيا دور الإحساس لكن الخطأ أن نجعله القاعدة الوحيدة لحكمنا على الظواهر!!

 

نبيل عودة

 

غنّوا لمَوْلانا قصيدتَــهُ:

يا عابرَ الظُلُماتِ تَوفيقا

jamal moustafa

طاءُ الطريق / جمال  مصطفى

 

تَنْتابُني كَقبابِ موسيقـــــــــا

بِرحـــــــابِها رَقْصَاً وتَحليقا

 

في جامِـعِ التلْــوينِ نافـــــذةٌ

شغَفَتْ زجاجَ الروحِ تَعشيقا

 

بالنثِّ، يـــا تَجْويدَ خَلْوتِهـــا

قَطَّـــرْتَ مـاءَ الروحِ إمبيقا

 

درويشُهــا : مـــا ذقتُها أبداً

لكنّني مجنونُهــــــــــا ريقا

 

نافورةٌ مِن صحْنـهِ اندَلَعَتْ

رَشَّتْ سمـــــاءَ اللهِ تَشريقا

 

صلّتْ دفوفي خلْفَ وصلتِها

وتوضـــــأتْ بالنارِ إبريقا

 

درويشها، لَكَأَنَّ أجْنحَــــةً

عَلّقْنَني في الجَوِّ تعليقــــا

 

لكِنَّهــــا قــد غَيّبَتْ جسَدي

أَنّى إذَنْ سأعـــــودُ فيزيقا

 

قد أبرَقتْ وتَرَعّدَتْ سُحُباً

كيْ أسمعَ اللّاريبَ تَحديقا

 

والبرقُ إنْ لاثَمْتَهُ قَدَحـــاً

تَعْيا يدُ السَكْرانِ تَطويقــــا

 

هلْ ذاك طيرُ النار مُنسكبٌ

أمْ سَرَّحَتْ في الليلِ فينيقا

 

لَكَأنّها دمعُ الشموع نَدَىً

يَهْمي على نجْوايَ تَحريقا

 

متَرنّحاً وذُبالَتي انطَفأتْ

وابتلَّ إبطُ الوَهْمِ تعريقا

 

وتَكَأكَأتْ أصداءُ هاوية ٍ

مِنّي عليَّ تَوسّعتْ ضيقا

 

نَقَرَ الحمامُ عيونَ قافيتي

مُتَمادِياً، وانهَدَّ تَذريقا

 

نَبَذَتْ هيَ الهيهات أوْ جَذَبَتْ

لا بُدَّها جَمْعاً وتَ ف ري قا

 

هيَ هكذا : مَدٌّ ويَعْقبُــــــــهُ

جَزْرٌ لأنَّ الماءَ قدْ سِيقــــا

 

وَعْداً كَتَسْنِيم ٍ يصومُ لَــهُ

مَن آثروا لِلنَفْسِ تَرشيقـا

 

وروايةً يا طالَما افْتُرِعَتْ

عذراءَ لا تَنْفَكُّ تَشويقـــا

 

غنّوا لمَوْلانا قصيدتَــهُ :

يا عابرَ الظُلُماتِ تَوفيقا

 

جمال مصطفى

 

nooradin samoodتمهيد للقصيد: أعَدَّ الشاعر التونسي الأشهر أبو القاسم الشابي ديوانه (أغاني الحياة) للنشر قُبَيْل وفاته بسنة واحدة، وطلب من صاحب مجلة أبللو أحمد زكي أبو شادي أن يكتب مقدمته، كما كان الشابي قد كتب مقدمة ديوان الينبوع لأبي شادي ووكل له الإشراف على طبعه، لكن المنية  فاجأته، فظل ديوانه مخطوطا لدى أسرته يتلهف محبو أشعاره على جمعها حيث ما وجدوها، ولم يطبع الديوان إلا سنة 1955 بعد وفاة صاحبه بإحدى وعشرين سنة غداة الاستقلال، فإلى روح شاعر الثورة صاحب قصيدة إرادة الحياة ابن بلاد النخل بالجنوب التونسي (تُوزَر) في الذكرى المائوية لمـيلاده، (1909/ 2009) والمُتوفَّى سنة 1934 في ربيعه الخامس والعشرين أهدي هذه القصيدة كتبتها بمناسبة إشرافي على نشر جميع أشعاره وطبعها بخطه في مسوداتها وميبضاته مع كتاباته النثرية في مجلد واحد كبير، سميناه المداد الحي، لأن الحبر الذي كتب به كأنه كتب بالأمس القريب.

..................... 

المِداد الحي

 

ما انفكَّ حِبْرُكَ فوق الطرس ينسكبُ

                    كأنـه الدمُ في الأعصابِ يَـضْطَربُ

يا مَن كتبتَ بنبض القلب مضطربا!

                    مِدادُكَ الحـيُّ هـذا؟ أم دمٌ سَـرِبُ؟

في كل حـرف مَنارٌ ظلَّ يسْـطع في

                    ليـلِ الشُّعوبِ، كما قد شعَّتِ الشُّـهُبُ

لطالما نعقـتْ غِربانُ مَن زعـموا،

                    والزعمُ يفضح مَن في الناس قد كذَبوا:

أخْفَيْـتَ، خلفكَ غابًا ظَلْتَ تستـرها

                    فأنت دَوحٌ عظيـمٌ سامــقٌ أَشِبُ

ونخلة ٌحَـجَـبَتْ غابَ النخيلِ, ولوْ

                    كانت نخيلا، فكيفَ النخل يَحتَجـبُ؟

الذنب ليس لأهل الشـعر في وطني

                    بل ذنبُ مَن قصَّروا في السعيِ أو تعَبوا

راقتْهمُ نخلة ٌفي الواحة ارتـفـعـتْ

                    وراقهمْ من جناها التـَّمْـرُ والرُّطـَبُ

يا ليـتهـمْ دخلوا غاب النخيـلِ لكي

                    يـروا ثِـمارَ نخيلٍ كلُّها عَجَـبُ

الشـرقُ سَـدَّ عليها بابَ شُهـرتَها

                    فكان مِنّا، على مَنْ قصّروا، العَتَبُ

لكـنّ شاعرَنـا قد ظل رائدَنـا

                    أشعارُهُ دونها الأموالُ والـذهـبُ

غَنَّى لنا رُبْعَ قـرنٍ ثُم راح إلى

                    دنـيـا الخلـود  بشعرٍ كله طربُ

وكـان دنيـا من الأشعار نابضة ً

                    لكنما عُمْـرُه في الشعر مقتضَـبُ

أعلى به في "أبُوللُّو" شِعْرَ تونِسنا

                    فأصبحت باسْمهِ الأشعار تُنْتَخَبُ

إنّا نـُمَجِّدُ رمزَ الشعر ِفي وطن ٍ

                    ما انفكَّ، في عالَم الفُصْحَى، له نسَبُ

قرنٌ مضى مذ أتى للكون في زمَن ٍ

                    كانت بلادي به في كَفِّ مَن سَـلبوا

فـقـاومَ الظُّلمَ والظُّلاَّمَ، وانطلقتْ

                    أشعـارُهُ، ولهـا في سمـعـنا صَخَـبُ:

(الشعب إن شاء أنْ يحيا استجاب له

                    حُكْمُ القـضاءِ، ولم يَقْعُـدْ به التعَـبُ)

فأيقظ الشعرُ أحرارَ الحمَى فحَمَى

                    حِـماهُمُ بدمٍ، واسْتُرجِعَ السَّـلَبُ

إرادة الشعب، إن شاء الحياة مضَى

                    نحو الخلود، ففيها النصرُ والغلَبُ

وسار شعرُكَ في عزم الشباب دمًا

                    فـليس تُفزعُـه الأهوال والـنُّـوَبُ

يا شاعر الحب إن الشِّعر علـَّمنا

                    حبَّ الحياة، ومنـهُ هَزَّنا الطـّـرَبُ

ومَن يكـُنْ بالمِداد الحَي يكُتـُبه

                    فسـوف تَحْفَظـُهُ الأجيالُ والحِـقَبُ

إني أحيّي شبابَ الشعر في عَلَم ٍ

                    قد ظل يرفعهُ، باسم الحِمَى، العَرَبُ

مُذْ قاله (ابن بلاد النخل) في وطني

                    غنّتْ  به مِصرُ أو بغدادُ أو حلبُ

بَكلُّ صوتٍ حِيال الظلم يرفعُـهُ

                    جـِيلُ الكرامةِ فيه العزمُ يلتهبُ

 

 

حدّثت زنبقة تَتهادى

 على فنن قالت:

naima alhamami

زنبقة .. سرمدية / نعيمة الحمّامي

 

"وَجْهِي حَديقَةٌ

فِي عُنْفُوَانِ الرَبِيعِ.

تَتَكحَّلُ

بِاِخْضِرَارِ النَخِيلِ.

تَنْسَابُ

كما الزَّقْزَقَاتِ

كما الطُيُّوبِ

فَيُورِقُ الغُصْنُ

بيْنَ أحْضَان العاشِقينَ

تُزَغْرِدُ

أسْرابُ الأُمْنِياتِ

2

" ذَاتَ مَسَاءْ

دوَّى طَلٌّ

مِزاجُهُ انْحَرَفَ

دَكَّ أَسْوَارَ الحَديقَهْ.

هَزِيمُ الطَّلِّ

طَلْقٌ ، سليلهُ "أبولون"

صِيغَتُهُ: ذِئْبٌ، نَائِبُ الفاعِلْ....

ارْتَكَسَتْ أَشْجَارُ الحَديقَةِ.

غَارَتْ شَقائقُ النُعْمان

وما استيقظ أدنيس....

ناحتْ الحَدِيقَةُ:

لا أَظْلَمَ من طَلٍّ انْحَرَفَ.

طوبى لِلْهَارِبِينَ

إلى جَذْوَةِ السّواقي المُتَّقِدَة

طُوبَى لِلْمُمْتَطِي

صَهْوَةَ المَآقِي

عِنْدَ مَعابِدِ تانِيتْ....

مَنْ يَقْتَلِعُني من اغْتِرابي؟

من يُوَشِّحُ غُرْبَتي؟

مَنْ يُوَشِّحُ بالطَّيْفِ’

غُرْبَتِي المَرْصُوفَةِ في حَقائِبي؟

وأنَا...

أنا الضّارِبَةُ في ارْتِبَاكي

أَتَلَفَّحُ بِاكْتِضاضِي

أَتَسَرْبَلُ في طقوسٍ سُرْيَاليَهْ

أَخُبُّ...

بيْنَ اليَقينِ والحنينِ

أُسافِرُ:

بيْنَ الكَلِماتِ من آشور...

إلى القيروانِ...

أُبْحِرُ بِكُلِّ لُغاتِ الانسانية.

أبْحَثُ...

في التَّراتيلِ...

عنِ الخَرِيرِ...

وأرْكُضُ...

أرْكُضُ بَعيدًا

عَلَّني....

أُعانِقُ

عُبَابَ الرِّياحِ القادِمَةِ...

مِنْ فِجاجِ ....

الغَدِ السَّعيدِ

فَتُزْهِرً شقائقُ النُعْمانِ

مُذَرّحةٌ بِخَجَلِ العَذارى

وعلى سُوقِها، تَصْدَحُ

مَوَاويلُ الفَرَاشَاتِ الحُبْلَى

بالأنَاشيدِ

حينَها يَسْطعُ النَّجْمانِ....

وأتَحَمَّمُ

بِرَحيقِ نَخْبِ الحديقه..."

3

وأقولُ:

"وَداعا... وَدَعًا ...

يَا مَسَاءَ الغُرَبَاءِ.

وَدَاعًا... وَدَاعًا...

يَا أَنِينَ الكَائِناتِ.

إنّي أُولَدُ

في الصَّهيلِ الاهً" "صَنَوْبَرًا"...

أميدُ

بالسِينِ : نَوْرَسًا

بالنّونِ : نَرْجَسًا

وَبِالتّاءِ : شعارا ورايَةً

إنِّي تُونِسُ

في سِفْر الأَلْواحِ اُبْعَث:

زِنْبقَةً سَرْمَدِيَهْ."

 

نَعيمة الحمَّامِي من تونس

 

almothaqafnewspaperيقولُ العراقيُّ تمهل، فشوارعنا ملآ بالسّيارت المفخخة وحُطام حصادالأيام

جمالُ البلاد يتبخر من عضّات الذّئاب وهزهزرات أبناء آوى في الحروب

يُعاقرنا آلوجع مع تلازمات الوعي المصطنع وندوبات الوجه القبيح في آلمرآة

دماء الشّهداء يتناثرُ منها الوجعُ السرمديُّ، وعمائم العهر تتناغم مع فكر الجزّار

حياتنا هشّة كحبيبات الرّمل المبعثر في ملاعب الجنون بين فُرقاء العهد الدّفين

شوارعنا باردةٌ كمنافي الوجل المصطنع في حقول زراعة الشّوفان في الصّحراء

قلبُ آلأرملة صاخب كأمواه دجلة حينما لا يصدّها الردع على جنبات السّمّار

أعناق الطّفولة في نينوى تجزها سكاكين العهر مع فتاوى العمائم من الصوبين

عنقُ عروس مندلي يقارع الصّلف آلمتجدد في تباريح أضرحة أمهات الوقار

آهات الشّبلي يُرددها آبن آلعربي الملتحف برداء بردى وتحصينات قاسيون

ضريح الطّفل المغدور حقلُ زهور يربه الكاظم بدمعه من سردابه آلأثير

أجنّة المغدورات ترفل في عزّ السّماء وبوابات عشتار وآشوريات العناق

أمّي تُلملمُ شعثها آلمغبرِّ وتديم حالات آللقيا مع أنين عطش آلحسين والعبّاس

تجلسُ الدّمشقيات في آلمسآءآت تنتظر قوافل نصر العائدين من شهداء الغدر

وأطفال حلب ينتظرون آلعيد آلقادم كي يرتقون إلى السّماء مع ألعاب النّار

ألأحصنة الخشبية يقودها أطفال حمص القديمة وهم يرددون ألحان حماة

إبن الوليد لا يغادر ضريحه وإن اشتدّ الوجل وتعالت صيحات شيوخ الحكام

أمي تنهض من غفوتها آلممتدة على أنين وجع الثّكالى في دير الزور وصنعاء

وجدّتي تُرشرشُ صباحات القحط من جور حصار آلّلحى آلمأجورة والمستوطنات

أعصاب النّدامة هشّة مع آقتراب المدى الكحليّ في تعز وشبوة والحديدة وظفار

جوع الطّفولة حارٌّ كدماء شهداء قلعة الشّقيف ومدينة الفداء والغوطتين والشرقيّ

وطني الذّبيح ممتدٌّ من جاكرتا حتى طنجة الفتح تتناهشه حالات التسلّط والحروب

بلدي يعاقره آلألم المتجدد والمرض المخفيّ يدبُّ في أوصال الإثنيات من الشّعب

النّاس يُعاقرون آلمرض المتفشي بين ثنايا أرواحهم ومواجع التّنويم المغناطيسيّ

متى يعود آلأسرى يحتضنون الأهل ويحفنون العنبر من وحي التراب بعد غياب

صرخات (بن غازي) تُنهض الخيّام ليروي علاقاته بالرّب وينحني لمختار الفداء

كلمات آلحبِّ ما عادت مُتداولة بين أشلاء آلوطن آلواحد تُمزّقه فِتنٌ وفتنةُ الجيوب

وطني..أمّتي، يقتات المساء من أرواحنا، وتقتات الغربان من أجسادنا ونوح الغروب

وهل للإنبعاث سكونٌ بعد هدير الوجع في طقوس الحضرميين وبوابات الشّام

كُثبان الرّبع الخالي تتحرّك رافضة خنوع الحكم القائم لتصدّ حالات غدر الزّمان

تعشقنا حالات شموخ النّخيل في البصرة وسرمديات الزيتون وجبال آلأوراس

نوارسُ آلحولة وتباشير الفجر السّاطع على أبواب يافا وخاصرة المسيح وبغداد

تُرشرشنا بحبّها السرمديّ وتسدِلُ علينا بعبق آنبعاث آلعطر في تفاح الجليل.

 

الأستاذ الدكتور نادي ساري الديك

رام الله - فلسطين

...............

مُهداةٌ لها وهي تطوي مظلّآت آلأزمنة، لترشرش ارواحنا شذوات آلأمطار.

 

عند احتلالك ياعراق فقدتَها

فمتى تعودُ كرامةٌ ٌ لاتُبدلُ؟!

MM80

جرح هيبة العراق! / رحيم الشاهر

 

رأس العراق بذنبه يُستقبلُ!

                  عجبا لنا ، حتى ذرانا يُقتَلُ!

الأجنبيُّ مُقبّلٌ من كفهِ!

                  وابن العراق كفوفهُ لاتعملُ!

ما كان من خُلِق العراقِ تصاغرٌ

                   وهو العظيم بكبره يُتوَسّلُ!

عند احتلالك ياعراق فقدتَها

                  فمتى تعودُ كرامةٌ ٌ لاتُبدلُ؟!

ياسيدا كل (المروءاتِ) دلالهُ

                  وهو الأميرُ بمجده يتدللُ!

قد أبدلوك مذلةً بكرامةٍ

                  زعموا بأنك للذيول مذللُ!

ولقد سقطْتَ بكيدهم وحبالهمْ

                  وأبوك (يعقوبٌ)، وذئبك يؤكلُ!

قد كنتَ سيدهم تقولُ وتفعلُ

                  غدرَ الزمانُ فصرْتَ فحلا يُعذَلُ!

 

شعر:رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق