شـجَـري إلـى حَـطَـب ٍ ..

وأكـوابـي  مُـهَــشّــمـةٌ ..

وشـمـسـي والـنـجـومُ إلـى أفـولْ

yahia alsamawi 

قـابَ فـردوس أو أدنى / يحيى السماوي

مُـتـمـاهِـيـان:

تـرى سَـرابـيَ كـوثـرا ً ..

وأنـا أراهـا  فـي بـسـاتـيـن ِ الأنـوثـةِ  والـمُـنـى

تُـفّـاحـة َ الـفـردوسِ فـي حُـلُـمـي الـقـديـم ِ

ونـخـلـة َ الـلـهِ  الـبـتـولْ

 ***

فـيـهـا مـن الـبـحـرِ

الـلآلـئُ والـنـوارسُ والـسّـحـابُ ..

وبـيْ مـن الـبـحــرِ الـمـتـاهَـةُ والـمَـدى

والـلافـصـولْ

 ***

كـذّبْـتُ نـفـسـي

كـيْ أصَـدِّقَ مـاتـقـولُ ..

وكـنـتُ أعـرفُ أنـهـا كـذِبَـتْ عـلـيَّ

فـلـسـتُ أنـضـرَ مـن سِـوايَ ..

ولـيـس فـي حـقـلـي قـطـوفٌ لـيـس تـعـرفـهـا

الـحـقـولْ

 ***

شـجَـري إلـى حَـطَـب ٍ ..

وأكـوابـي  مُـهَــشّــمـةٌ ..

وشـمـسـي والـنـجـومُ إلـى أفـولْ

*** 

سَـكـن الـرَّبـيـعُ  حـقـولـهـا ..

وأنـا الـخـريفُ بـدأتُـهُ مـن قـبـلِ مِـيـلادِ الـمـواسِـم ِ

والـفـصـولْ

*** 

لـكـنّـهـا خَـبَـرَتْ غِـراسـي:

حـيـن تـعـطـشُ

لا تـمـدُّ ظـمـيءَ جـذر ٍ

لِـلـوُحُـولْ

*** 

صَـدّقْـتُ كِـذبـي

كـيْ

أكَـذِّبَ صِـدقَـهـا ..

فـأنـا صَـديـقـي مَـرَّةً ..

وأنـا عـدوّي والـعَـذولْ

*** 

وأنـا الـمُـغـامِـرُ  في تَـهـيُّـمِـهِ بـكـأسِ  زفـيـرِهـا

وبـلثـم  مُـقـلـةِ  نهـدِهـا الـمـائـيِّ ..

و الـطـفـلُ الـمُــشــاغِـبُ ..

والـفـتـى الـضِّـلِّـيـلُ ..

والـكـهْـلُ  الـمَـلـولْ ..

 ***

تَـعِـبَ الـمُـصـلّـي مـن تـهَـجُّـدِهِ ..

الـمُـغـنّـي مـن ربـابَـتِـهِ ..

الــرِّيـاحُ مـن الـشِّـراعِ  ولا  وُصُـولْ !

*** 

فـأتـيـتُـهـا

مُـسْـتـأذِنـا ً شَــرَفَ الـدّخـولْ

*** 

فـي بـيـتِ طـاعـتِـهـا ..

أبَـشِّـرُ بالـفـسـيـلِ الـنـخـلَ ..

والـصـحـراءَ بـالأنـعـامِ والـمـطـرِ الـهَـطـولْ ..

*** 

وأزفُّ لـلـكـأس ِ الـحَـرام ِ

بِـشـارةَ الـخـمـر ِ الـبـتـولـيِّ الـحَـلالِ

بِـزِقِّ مـائـدةِ  الـذّهـولْ

 ***

فـهـي الـبـشـيـرةُ  فـي الـهـوى ..

وأنـا الـمُـبَـشِّـرُ ... والـمُـبَـشَّـــرُ .. والـرّسـالـة ُ ..

والـرّسـولْ !

***

 

 

الشعر هذا الرجل الفوضوي

الذي يثير الزوابع اينما حل

rasmiya mhybes

طفل الشعر / رسمية محيبس

 

الشعر طفل يشبهني الى حد بعيد

يوقضني من رقادي

يقوني لاراض وعرة وافكار طائشة

اشبهه بفوضاه وهدوءه

بحضوره وغيابه بنعومته وقساوته

بحرائقه اللذيذة وانطفاءه السريع

بثرثرته وصمته برضاه وغضبه

الشعر هذا الرجل الفوضوي

الذي يثير الزوابع اينما حل

كم حملني شكوكا لست اهلا لها

كم اشعل حرائقا حولي وتركني احترق

هذا الطفل المريب

كم قادني. للبحر وعدت وقد برحني العطش

لكني اتبعه كما يتبع طفل إمه

انا العصية على الفهم

العنيدة كصخرة قاسية

تسقط كل اسلحتي امامه

واتبعه الى حدود الموت طائعة

لإنه يشبهني في كل شيء

ومن إين لي بصديق يشبهني لدرجة البكاء

سواه

احيانا احسب انه هجرني الى الابد

وامزق كل رسائله وصوره

القي في النار كل اقلامي ودفاتري

إمزق قصائدي واصنع منها طائرات ورقية

وفجإة يحضر بلا وعود

ويحتل الاماكن الخللية حولي

ولا يترك لي خيارا آخر سوى ان اتبعه كالمحموم

 

ضَجيجٌ

لحظةَ نزولِ العاشقِ الساخِنِ

في ماءِ المَعشوق ..

adil said

مَنْ .. يَتذكَّر!؟ / عادل سعيد

 

ضَجيجٌ

في اصْطِدامِ مِئذنةِ الأرضِ

بزُجاجِ السّماء ..

في شِجارِالروحِ والجَسَد

قبلَ انقِراضِ المكان ..

في رُعْبِ المسافةِ

بين اللوحة و الفرشاةِ

قبلَ أن يجفَّ اللونُ

في قَعرِ الرسّامِ ..

ضجيجٌ

في الجُملِ المحذوفةِ

مِن ضمير الشاعِر

قبلَ أن يغطِسَ

في المحْبَرة ..

في رُعْبِ القاتِلِ

وهو يرى صورتَهُ

في عَينَيْ الضحيّة ..

ضَجيجٌ

لحظةَ نزولِ العاشقِ الساخِنِ

في ماءِ المَعشوق ..

ضجيجٌ .. ضجيجٌ ..

مَن يتذكّرُ حين كان العالمُ

بالإبيض و الأسود

تُشيّدُه أصابعُ الأطفالِ

قبلَ أن تهدِمَهُ أصابِعُ السّماء ..

صافياً كانَ

كعَيْن الديكِ ..

ساذِجاً كانَ العالمُ

وديعاً كخَروف ماضٍ الى مجزرة

و الموتُ بسيطاً كان

كعُنقٍ يستعيدُ رأسَهُ .. في فِلمِ كارتون

..... بعدَ المقصلة !

بسيطاً كان العالمُ

ـ قبلَ الجَرْشِ الطَبَقي ـ

مَهروساً في لَيْمونةٍ

قطرةً

قطرةً

ينزلُ في أرواحِنا المُمَلّحَة

تقرأهُ الخالةُ فاطمة

في ..

فِنجان

 

  بين صحراءٍ وماءٍ، ويباسٍ واخضرارْ   

كانَ ناراً تحملُ الماءَ، وماءً فيه نارْ

 

مثنويات ورباعيات عربيه  /  كريم الأسدي

  

قالَ مَنْ يجهلُهُ: يلهو الفتى. قالَ وماقالَ الحقيقهْ  

والفتى لاهٍ عن الأقوالِ مهمومٌ بأن يزرع في البدرِ حديقهْ

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 لم يدُر في خلدِهِ يوما بأن تأتي النجومْ

نحو خيطِ الطائرهْ  

كانَ طفلاً عابثاً بين بساتين النخيلْ 

والمياهِ الدائرهْ

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   حينما مرَّ على العالمِ طيفٌ من سناهْ  

بين أقواسِ قزحْ 

طارَ سربٌ من طيورِ الماءِ للأعلى  

وفي الأعلى صدَحْ

 ــــــــــــــــــــــــــــــ

  موغلاً في بُعدِهِ كانَ فقالوا لانراه   

وهو ملءُ العينِ والسمعِ اذا الرائي رآه

   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في بحورِ الظلماتِ كانَ قنديلاً شفيفا

أزرقَ الشعلةِ وضاءً رهيفا

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  بين صحراءٍ وماءٍ، ويباسٍ واخضرارْ   

كانَ ناراً تحملُ الماءَ، وماءً فيه نارْ

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البحيراتُ التي تعرفُ سرَّ الكونِ، والأرضُ ابتداءْ 

عرفتْ طلعتَهُ في الريحِ محمولاً على نارٍ وماءْ

   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبما قالَ استدلَ التائهونْ، واستفاقَ النائمونْ  

واستنارتْ حينما باحَ الى الماءِ قلوبٌ وعيونْ

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

   قالَ مَن يعرفُهُ: انتبهوا !، قالَ الفتى!! 

فمضى النجمُ الى النهرين، والكونُ أتى ...

 

كريم الأسدي ـ برلين

ــــــــــــــــــــــــــــــ

* نُشر هذا النص من مشروع مثنويات ورباعيات عربية في مجلة ابداع  التي كان يرأس تحريرها الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وذلك في ملف خاص عن الأدب العراقي الحديث في عدد المجلة الصادر في  نوفمبر 1999 في القاهرة، وقد كنت كتبت هذه النصوص في برلين في العام 1998 والقيتها في عدد من الأماسي الشعرية والصالونات الأدبية التي كانت تُقام  في المدينة آنذاك!!

 

عقلي صغير جدًا

لأني أستمطر الغيم

ولا أغتسل إلا بدمعك

dikra laybie

عقلي صغير جدًا / ذكرى لعيبي

 

لأني طويت سنوات التيه

والتقيتك

عقلي صغير جدًا

لأني أذرف الدمع

عندما أشتاقك

عقلي صغير جدًا

لأني أجمع غيرةَ كُلِّ النساء

أنثُّ عليها حماقاتي

إن دنت إحداهنّ منك

عقلي صغير جدًا

لأني أنسى الكون

وأشهقُ بك

عقلي صغير جدًا

لأني أحرقُ العمر

كُلَّ سنوات العمر

وأعيش لك

عقلي صغير جدًا

لأني أطرّز الأمنيات

بعبير همسك

عقلي صغير جدًا

لأني أُلغي تاريخي

كُلَّ التاريخ

وابدأ منك

عقلي صغير جدًا

لأني أفرشُ الدروب

كُلَّ الدروب

بخطى طيفك

عقلي صغير جدًا

لأني أستمطر الغيم

ولا أغتسل إلا بدمعك

عقلي صغير جدًا

لأني أختزل حب العاشقات

وأرمّم صدع المسرّات

لأتوضأ بنبع اسمك

هل عرفت

كم هو عقلي صغير جدًا؟

 

وغربت الشمس في (راغبة خاتون)، فكان لابد أن أُتم َّ رش أشجار (الرارنج) وشجيرات (الياس) وأرض الطارمة ليتولى بعدها رياض إبن عمتي توصيل (بلك) نشرة المصابيح أم (كَلوبات) الصِفِر بألوانها الزرق والخضر والحمر الخابيات بين الأغصان. فقد آن موعد وصول أبي ببضاعته الخرافية لليلة الجمعة .

صاح أبي :

- أم سعد جيبي ميز الفورميكة الأخضر بالعجل

وقد كان تأبَّط كيسين أسمرين من أمهات الخمس فلوس ملئن بما لذ وطاب . رحنا أنا ورياض نرتب فرش الجرجف الأبيض على صفحة ميز الفورميكة مع راديو سوني المتربع عرشه . جلس أبوك يا سعد وجعل يحرك ميله حتى استوى الصوت على إذاعة صوت العرب مترقبا ً أغنية أم كلثوم الجديدة . قال رياض :

- ها خالو تحتاج شي بعد

- إي جيبولي كاستين كبار

وفتح بعدها أحد الكيسين فأخرج عبوتين من جبس البطاطا، تلاهما كيس كرزاتٍ ولبلبي وبا قلاء ثم رمان مفرَّط، ذلك قبل أن تتوج أمي الطاولة بصحني زلاطة وجاجيك بالخيار والثوم من الدرجة الأولى ومن النوع المصلاوي، فهمس لي رياض :

- سعودي يمكن خالي اليوم راح يسويهه صدكَـ ويشربله عالأقل نص بطل عركّـ، خصوصا ً الشغلة بيها رمان مفرَّط وكاسة جاجيك؟

حانت الساعة وتناول كيسه الثاني وكلنا ترقب على اتساع أعيننا أنا ورياض .. لكنه قبل أن يمد يده تذكر شيئا ً آخر فنادى:

- روحوا جيبلي دولكة مي بارد وعليها ثلج

قلت ُ والله إنه قد قرر على عرق (المستكي) الذي اعتاد عليه أخوالي وأعمامي في سهراتهم على شواطي أبي نؤاس . صدح صوت أم كلثوم بعد ان أذاقنا من كل تحف مزَّاته نصيبا ً، ومد يده الى الكيس، فأخرجها – والله - قنينة بيرة (فريدة) واحدة فقط، شامخة ً بكل هيبة الوصول آمنة ُ على عرش الطاولة !

 

سعد الصالحي

 

ودمُكِ نازفٌ

لكنَّهُ يأبى مهادنةَ الثعالبِ

بلاد مطعونة / سعد جاسم

 

وجهُكِ

مرآةُ قلبي

 

إسمُكِ

أبجديةُ ذاكرتي

 

خصوبتُكِ

طينُ جسدي

 

فراتُكِ

 ثمالةُ روحي

 

ضحكتُكِ

 مشكاةُ حضوري

 

وحشتُكِ

دمعةُ أُمي

 

دجلتُكِ

أُغنيةُ حنيني

 

والحبُّ هاجسُنا

وخلاصُنا الجميل

 

واقفٌ أنا كمحاربٍ حزين

بإنتظارِ صحوِكِ وشفائكِ

من كابوسكِ الفاتكِ

ومحنتكِ الفادحةِ

ياآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه

أَيتُها القاسيةُ ... الرؤوم

ياآآآه يابلادي المطعونةٌ

بالخوفِ والأوبئةِ

واليأسِ والخيانات

ترابُكِ مستباحٌ

ودمُكِ نازفٌ

لكنَّهُ يأبى مهادنةَ الثعالبِ

 وعقاربِ الفتنةِ

ضباعِ الطوائفِ

وذئاب ِالفضيحةِ

 والخراب

 

 

 

وعلى الرصيفِ تناثرتْ في الليلِ

هاربةً خطى الأحلامِ تجفو 

 

يا صبر روحي / جابـر السوداني

 

ستظلُ تومئُ للجهاتِ جدائلي

أسرابَ طيرٍ جامحاتً في الضبابْ.   

قدْ راعَها مني انكسارُ صلابتي  

فتقحمتْ كالسيلِ ما بين المجرةِ والسحابْ.  

وعلى خريفِ العمرِ في عثراتِها

جفلتْ وما عبرتْ إلى المأوى خطاي

وجرتْ دموعي مثلَ نهرٍ راكضٍ

طمرتهُ أتربهُ الصحاري والسديمْ.

والأرضُ لاهثةٌ تدورُ

كما تدورُ الريحُ في رئةِ الفصولْ. 

وكما النساءِ الناحباتِ على الجراحْ

تزولُ أسبابُ الوجودِ ولا تزولْ.

بكيتُ من وجعي على عتباتِ تلك الدارِ

 وانهمرتْ كطوفانٍ دموعي

وعلى الرصيفِ تناثرتْ في الليلِ

هاربةً خطى الأحلامِ تجفو 

مثلما يجفو الصدى في كل طيفْ.

وينثُّ في روحي

مرارتهُ دموعاً ساكباتٍ

كالغيم إذ يأتي به ليلُ الخريفْ.

والعاشقونَ كما الرياحِ

تجوسُ في وجدانِهم أمطارُ صيفْ.

رحلوا تباعاً سادرينَ

بلوعةِ الأمسِ المخيفْ.

متغربينَ نفـرُّ من عشقٍ إلى عشقٍ

ومن طيفٍ لطيفْ.

نسعى كما تسعى السحابةُ

جريُـنا ينتابُـهُ حلمٌ شفيفْ.

هل ماتَ في نافذتي ضوءُ النهارْ.

أمْ إن هذا العمرُ مذْ بدء المساءُ

وضاقَ بي شيئا فشيئا

لم يعدْ في جنتي مأوى

وماتتْ كلُّ أحلامي

تلاشى كلُّ ما حولي وظلَ هو المدارْ.  

نفرُّ من وجعٍ إلى وجعٍ

تُـعانقُـنا المتاهةُ باكتئابْ.

وندورُ في

زمنِ التشظي كالفواجعِ صاخبينَ بكلِ باب

 

 

وأنا لا أعرف كيف انتشلكَ من هذا التيه

لا أعرف كيف أوقف هذا الألم الموسوم بك

 

رؤى  / هناء القاضي

 

الرؤى التي لاتفتأ تعاودني وتربكني

كانت تحدّثني عنك

عن رحيلكَ الذي لم أفهمه

عن الحزن الذي صرتُ في عينيكَ أقرؤه

عن وجعي الذي لم تأبه.. به

***

تمرُّ.. مُتعبا ، مثقلا بالصمت

وأنا لا أعرف كيف انتشلكَ من هذا التيه

لا أعرف كيف أوقف هذا الألم الموسوم بك

***

تباغتني بالرحيل مثل كل مرةٍ

 تاركا نرجسك

يقتات على أرقي وقلقي

على خوفي من رؤى تعاودني

ولاتكون أنت فيها

 

د هناء القاضي

16-3-2017

 

 

الى د. حسين سرمك حسن مع التحيات

 مقدمة: من المدهش حقاً أن يكون للكاتب الكبير الراحل جليل القيسي رصيدٌ ثر من القصص القصيرة جداً دون أن يحرص أو يعتني بنشره في صحف واسعة الانتشار في العراق أو خارجه مع أنه كان قادراً على فعل ذلك، وأعتقد أنه مارس التعاطي مع هذا الجنس الأبداعي في الأعوام التي تلت 2002 على سبيل التجريب وكان فناَ حديثاً في الوسط الادبي العراقي آنذاك،، أو أخذ بنظر الإعتبار عدم إستيعاب (الهلال) وهي مجلة محلية تصدر في كركوك محدودة القراء والحجم والطبع لنشر قصص او مسرحيات طويلة فاختار القصص القصيرة جداً نزولا عند رغبة صديقه الأثير الراحل عدنان القطب الذي كان سكرتيرا للتحرير فيها، وكان بحكم ما كان القيسي يتصف به من خلق رفيع وخجل يجبره على الرضوخ وعدم صد صديقه أو تجاهل إلحاحه المتواصل عليه وعلى عدد من الأدباء والشعراء المعروفين لدعم المجلة المتواضعة مقارنة بالصحف والمجلات المعروفة في تلك الفترة فأختار القصص القصيرة جداً لإشباع التوق في نفسه الى خوض غمار التجربة في أواخر حياته، وإرضاءً لصديقه في ذات الوقت .

لتسليط الضوء على جانب مهم وغير معروف من جوانب الموهبة الأدبية التي كان الراحل جليل القيسي يتمتع بها فإنني أبادر الى نشر حزمة جديدة من قصصه القصيرة جداً، على أن أتبعها بأعداد أخرى مستقبلاً آملاً أن تمهد خطوتي المتواضعة هذه نحو المزيد من التأمل والقراءة والدراسة المستفيضة لهذا النمط الأدبي النادر في المسيرة الإبداعية لهذا الكاتب الفذ .

 

14 قصة قصيرة جدا في الحب (*)

جليل القيسي

 1- أحبك أنت

قالت: أبهذه البساطة تريد مني أن أنساه بعد حب عقد من الزمن وأحبك أنت َ؟

- لم َ لا طالما سافر بعيداً ولن يرجع .

- لكنه زرع في فضاء ذاكرتي أروع الذكريات التي لن تنضب بسهولة ... آه لو تعرف بحيرة مشاعري، وبذلك الدخان الدافئ الذي يرتفع منها .. يا إلهي، ما أسهل الكلمات .. أنساه؟ كيف بحق السماء تريدني أن أتخلص من عبئ الحنين الأسيدي الحارق الذي أكنـّه له؟ حنين يلسعني في كل دقيقة مثل أفعى مثلثة الرأس، إذا كنت تتصور أنك تعيد لي الحياة مثل بيجماليون فأنت حتماً حالم . أرجوك .. أتركني .

 2-بلاغة

قال: ألاحظ لمرات عديدة أنك تضيقين من حديثي !

أجابته بسخرية ناعمة: لا شك لديك بلاغة جيدة في الحديث .. ولكن ...!

- لكن ماذا؟

- أنا بصراحة أكره بلاغة الحديث ... إنني أحب لغة القلب وأنت لا تجيدها .

 3- لا تعرف الحب

قال: صدقني يا عزيزي أقسم لك بشرفي أن صديقتك هذه لا تعرف الحب . الحب الحقيقي يهز حتى الانسان البارد، بل يحرج حتى رجل الدين الصارم . تذكر قصة القديسة آبيلا .. صديقتك، يا إلهي، قسمات وجهها باردة، وأشك أن ثمة حرارة في داخلها . إنها بصراحة فتاة صعيقية في كل شيء .

4- إبكي

قال: إبكي يا عزيزتي حتى الثمل . هذا فقط يريحك . قلت لك أكثر من مرة أن ليس العقل وحده يخدع، فالقلب يخدع النفس أيضاً .. لكنك مثل بعض الأزهار التي بدلاً أن تتفتح تنغلق ولا تفيد معها الشمس ... كوني شجاعة وقولي وداعاً لحب نزق .

5- لأنني ضعيفة

قالت: تقول أنك تحبني لأنني فتاة ضعيفة، لماذا؟

- ياحبيبتي أن الضعفاء من الناس رجالاً ونساءً وحدهم الذين يستحقون المحبة والعطف، لأن أعماقهم تفصح عن شاعرية دفينة، وبراءة آسرة ...

 6- المخلص

قالت لصديقتها: يا عزيزتي هل ستبقين حقاً تنتظرينه، وإلى متى؟

- الى الأبد .. لقد أدمنتُ الإنتظار

- أصبحت مجرد إنتظار، نعم أنتظره مثلما ينتظر المسيحي المؤمن مجئ المخلص .

7- أحبك بجنون

قالت من خلال تنهيدة حارة: آه أحبك بجنون ..

- لماذا؟

- أنت فنان في جعل القلوب تنبض بالجذل، سيما في أوقات المحنة الشديدة .

- أحقاً أنا كذلك؟

- لا أجاملك .. ولا أتملقك .. أنت حباك الحظ بإمتيازات رائعة . حتى في الصحراء تصبح غنياً ... صدقني بسبب حظك العظيم تبقى أعظم شأناً من الجميع

- يا إلهي تتكلمين بلغة العّرافات ..

8- حكمة

قالت وهي ترسل إليه نظرة تحرش ذكية: أنت تخاطبني بلغة رزينة، مؤثرة جداً ..

إبتسم لها وقال بأجمل أدب: هكذا أنا عندما أكلـّم المرأة .

- حقاً؟ أضافت بعد صمت قصير بصوت هامس: لكن !

- لكن ماذا يا آنستي !؟

- ثمة دهاءٌ غريب يفيض في لغتك يضرب القلب .

- بل قولي حكمة ..

- آه .. حكمة .. نعم .. نعم .

- هل ثمة ضير في قول الحكمة؟

- لا لا إنها ساحرة .. لهذا تراني أستسلم لك رغماً عني .

9- نبؤات

- هل حقاً لديك نبؤات؟

- ربما ..

- كيف تمتلك النبؤات؟

- أتركُ روحي المعذبة تسافر بحرية .

- تسافر الى أين؟

- الى أماكن قاتمة، ومشرقة، الى الضياء .. الى أماكن لا تستطيع إلاّ قوة غريبة أن تذهب إليها ..

- ماذا توجد في تلك الأماكن؟

- أصوات بشرية مقدسة .

- هل أستطيع أنا الأخرى أن أعمل الشئ نفسه؟

- لا . يجب أن تكوني شاعرة حقيقية أولاً .

10- دِفِـني

تنفس بعمق بعد أن زمَ شفته بطريقة هي مزيج من السخرية والغضب الجميل: أنستي أشك جداً أن أستطيع اللحاق بك .

أجابت بغنج: لماذا؟ وهل أنا فعلاً عداءة سريعة جداً؟

- لا لا .. أنتِ دِفِـني حقيقية ..

أطلقت ضجكة هازئة وعلى طريقة النساء ذوات العزيمة والصبر قالت: لماذا تكلمني بالألغاز؟ دِفِـني؟ ما معنى دِفِني؟

- دِفِني يا أنستي هي الحورية اليونانية التي تحولت الى غاز في اللحظة التي همّ ابوللون أن يلحقها .

قالت بسخرية لذيذة: آه .. وهل كنتَ تلعبُ معي دور أبوللون؟ مسكين!

 11- العانس

قال: أنظر .. تلك هي فتاة غامضة جداً .

- نعم وعصية على الفهم ..

- أعرف ..

- إنها ما زالت جميلة .

- فعلاً .. أتعرف أنها في الأربعين؟ منذ أن شعرت أن قطار الزواج فاتها دخلت عالم الإنزواء والتبتل .

- إنه عالم صعب جداً للمرأة .

- أتعرف أن حياة الإنزواء سوف تأخذها برفق الى بقايا آمال تدغدغ خيالها ثم فجأة تصب إلى بدايات حالة عصاب .

- طبعاً .. طبعاً بل عصاب قوي وشذوذ نفسي .

- نعم .

 12- فنان

قال لها بصوت هادئ: إسمعيني إن هذا الحاجز الثلجي الذي تضعينه بيني وبينكِ، وكذلك بين الآخرين لا يذيبه سوى أنا، والزمن كفيل يا عزيزتي لمعرفة هذه البديهية .

قالت ببرودة ساخرة: بديهية !؟ أنت كثير الإعتداد بنفسك .

- لأنني فنان .. فنان .

- بماذا تتميز عليَ أنت كفنان؟

- بأشياءٍ كثيرة .

- مثلاً؟

- أنا أرفع شأناً منك ِ وأكثر غنى من كل ما تملكين، وأكثر حياة ً، وأفضل حالاً .

- يا إلهي أنت كذلك فعلاً .

13- فراق

نظر إليها طويلاً وقد أثاره شكلها الطفولي الرائع، واشتمله فجأة حنان مؤثر وهتف قائلاً مع نفسه: لكنها لا ولن تفهمني أبداً .

قالت وهي تستلقي برفق فوق الصوفا: أنا بصراحة لا أفهمك، إن كلماتك غامضة، أفكارك معقدة .

أجابها بهدوء: ولكنك ستفهمين نور كلماتي ذات يوم، لكنني لن أعير أي إهتمام إليك، إن هذا البط ء في الفهم دليل عدم تألق خيالك .

14- إنك جد وسيم

قالت: أتعرف يا حبيبي إنك جد وسيم ! أتعرف ماذا تفعل وسامتك في المرأة أقصد في المرأة الأكثر صعوبة؟

- ماذا؟

- صدقني تستطيع إغراء وإذكاء نار الشوق الغامض في قلبها مهما كان ذلك القلب متحصناً .

- إغراء .. ها ها .. لديً سلاح الشيطان وأنا لا أعرف !

 

محمد حسين الداغستاني

............................

(*) نشرت القصص القصيرة جداً في مجلة الهلال التي اكانت تصدر عن جمعية الهلال الأحمر فرع كركوك في العددين 50 الصادر في كانون الثاني 2001، و 100 في شباط 2008م .

 

 

 

 

 

 

 

ربما راهب يتهجد

ربما شاعر يستعيد ترانيمه

 

غياب  / فوزية العلوي

 

يأتيك القلب على قدمين

 متعثرتين

يتحسس في ليل الغياب

مدارج صمتك

يتوكأ على ذكرى باهتة

يشرب من اغنية

كان رددها الطريق

واستغرب لها العابرون

يصعد مرتبكا عنفوان الصخر

ثمة نجمة هناك

او قنديل

ربما راهب يتهجد

ربما شاعر يستعيد ترانيمه

ربما غريب تائه

يشعل في ليل غربته عود ثقاب.....

 

فوزية العلوي

 

 

قوافل النمل لا تهدأ عن زحزحة الارض

وأسراب الغربان غطّت قبور السماء بالعرض

 

أبواب الجليد / عبد اللطيف رعري

 

تعالت شقائق النعمان على الروابي

ورمت بحمرتها الجبال

صمت المكان في زويا الرعب يعلن خيبته

وللظهيرة لون رمادي مبتل بشح السماء

سكتت العصافير عن شدوها

وانتهى رقص الاعشاب للنهر على شجن....

فقلنا للبحر سلام...

وأمهلنا البدر أمانا...

حتى ننجو من مغص العاصفة...

تهادت الى سلوانا الاشباح

تحمل أشواكا على رأسها..

وأراقت من هولنا لحنا صدّاحا

وعانقت كسر الأقداح

فقلنا للبحر سلام...

تهاوت الى أعماقنا زفرات الانين

ونقشنا الحرف بدمنا لزمن القراح سنين

وقلنا للبحر سلام...

قوافل النمل لا تهدأ عن زحزحة الارض

وأسراب الغربان غطّت قبور السماء بالعرض

شاردة في هجرها كما هي الاحلام

تحفر بمناقيرها  قبورا أخرى للرحيل

وتنبعث من جناحيها رائحة يأس ذليل

حين تطير تسقط بذرة قبح تنمو في كف الاثير

وحين تغفو برهة على أحبال الغسيل تهدأ الزوبعة

على اليمين...

 ويتعرى تموج القلب أمام نصب العيون

لا سلام للبحر اليوم وأهل الديار يقتربن من المدى

وفوهة الخواء تلتهم الخواء كلما طلّ الريح غاضبا

لتجمع العاصفة أبنائها في سلة المهملات

ما سرقنا للظل رطوبة المكان

ولا للشمس لمعان الحريق

ولا غرسنا عوسجا داميا للقمر...

فكمين العواصف تصطاده الاشجار

فلا سلام للبحر حتى اليوم

ضاعت للوجوه نعومتها

وشاخت على أعقابها نزوات العراء

فتسمرت حركات البحر جليدا

على أعتاب الانهيار

وصارت مفاتيح الهروب بيد الشمس

موصدة هي أبواب الجليد من يفتحها؟

وخزائن أحلامنا هنا تجمدت..

من يطل من شرفة بدأت في الذوبان

فثمة أحزانا تتدفق وبياضا يسرق ضيق الأفق

من يسعدني برقصة على الجليد عاريا

أمدّه باقة ثلج بلون أبيض ؟

من يشعل فتيل العشق في صدري

أصير له سطح ماء ليقطع المحيط؟

من يكشف لي مخبأ مفاتيح أبواب الجليد

أسكنه قبة بيضاء مفتاحها الحمق

وأعلمه شروط السطو على القمر

حين تطغى العاصفة.

 

 

 

وتنهيدة موسيقى صباحات الوطن

تعبر اجراس آيا صوفيا

كوردستان "وطني" / جوتيار تمر

 

يا وطناً جزئته الذئاب

في خنادق الرصاص

عصافيره ثكلى

 وفصوله رماد جثث بين اصابع الرّيح

جنائز وطني في كل زوايا الارض

شعب منهك وحرية ضائعة..

طفولة تعلو مع حشرجة

العتمة...

هم في رقعة وطني الواسع

يكتبون بيانات الموت

ويرسمون بالفحم احلام الالهة

الكاذبة...

هكذا من كل صوب

 يعزفون وجعنا تحت

حوافر الجِمال

وبكاء ضفائر النساء

في معابد أهملت نصوصها القديمة

وتنهيدة موسيقى صباحات الوطن

تعبر اجراس آيا صوفيا

وهم يرتلون سورة الانفال فوق

الرقاب..

الى اين يا ذئب الهزائم

وسطوى الصبّار

تنزع الارض من حنجرة البهجة

فيضيع الوطن

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

 

 

 

يزعجني عقلي كثيراً، لدرجة أني أتمنى التخلّص من هذا الرأس المزعج، تتصارع فوق حلباته أفكار مستهترة، تسخر مني و تضحك بصوت مفضوح، مدن وبلدان وصحار قفار، بحار ومحيطات، أشرعة تتمزق، سفنٌ ترسو وتغرق، شوارع وأزقّة وتناقضات، هوس وحروب، جمال وقبح، خير و شر، دنيا، حدودها جبروت،  أفضل ما في الأمر، أشعر أني إنسان سجين داخل هذا الصندوق الأشيب، محيطات من إفك، عوالم وصراعات، عجائب وغرائب ملساء، خيط يفصل بين التعقل والجنون، يطارد الخير، الشر، قط وفأر، والقباحة، الجمال، والقوة، الضعف، تمسك المقارباتِ مقودُ الديمومة لتسخير استمرارية الوجود، ما بقيَ لي منه، نفخةٌ من رماد، أقسم أني أكبرُ حاسدِ للحيوان، فهو مرتاح، منحسرعن التفكير، والشجر ثابت يغفو تحت ظلاله الخيرَ، فالحركة ترخي سدولها عند بوابات مدن الضمير، و تحمل المخلوق على الإتيان بالأفك....

سعفُ نخلتنا مبهر، يحدثني بهموم الظلم، وأنا ارتشف قدح الشاي، أنشر نفحات الحياة فوق سعفاتها بنثر من مزن خفيف، تتحرّش بأنفي نسمات ربيعية مارقة، تنثّ علينا بخبث من برد لذيذ، يعطّر الجو برائحة التراب، حين يعانقه الماء، فينتشر العبق جميلاً ليداعب الأنوف، عبق التراب، خلقنا منه، وإليه نعود،  يحنّ إلينا ويدعونا، سماداً للقادمين،  رائحته الزكية تزهر أنوفنا فرحاً، فنحن لحم و دم و تراب، هو أصلنا، ننبت فيه أشجاراً، غصونها أذرع تنهش، و أسنان تلوك... تفكيري المزعج هذا، يتطوّح نحو الشارع، من خلف سياج يحرس شارعنا المقهور، فتمسّ مسامعي شفاه الهامس، و سماع بنات الأفواه الطائرة بوضوح، استدرجني صوت مواء، صدمتني! شوارب وذقن ووجه محفوف بخيط الأنثى، وبوشم فوق ذراع مكشوف، اتجه هذا المشهد سريعاً، يتحدّى صندوق العقل الأسود، ويشير نحوي بأصبع من فولاذ، من خلف جدران ذاكرتي لحكاية وشم، مرّ فيها بشكل عفوي، وصاح بصوت حانق:

- "اسمع يا هذا....!؟"

مدعّ بالشجاعة كصاحبنا،  ذهب لوشّام، وطلب أن يرسم له وشم أسد، فوق الصدر، يظن أنّه بالوشم يغدو  شبيهاً لليث، طلب منه الوشّام أن  يتسطّح بعموم جسده، فوق بساط الوشم، بدأ الوشّام العمل، يرسم رأس الليث فوق الصدر، أخذ الألم منه منالاً، من أول وخزة من إبر الوشم، احتلّ الوجع عموم الصّدر، فسأل الرجلُ الوشّامَ:

-" من أين بدأت، يا أخي...؟"

رد الوشّام:

-" أحاول أن استهل عملي برأس الليث، يا سيدي ...!"

قال الرجل بمواء موجوع، وهو يتأفف من شدة الألم:

-" ارسم  ليثاً، من غير الرأس، يبدو أن الرأس مؤلم جداً....!"

تعجب الوشّام ببادئ الأمر، لكنه نفّذ أمر زبونه، مخاطباً نفسه:"الزبون دوماً على حق"، وعاد الوشام يعمل من جديد، فاستوقفه الرجل عند أول وخزة، مستوضحاً:

-" أين تعمل الآن، يا أخي ....!؟"

ردّ الوشام بعجلة و حيرة:

-" بأرجل الليث الأربعة ...!"

قال الرجل، وهو يتأفف من ألم أول وخزة:

-" ارسم ليثاً، من غير رأس وأرجل، من فضلك....!"

ابتسم الوشام،  وصمت قليلاً، ونفّذ الأمر، وبدأ يعمل، الوخزة الأولى، عدّت بخير، والثانية أيضاً، وعند الثالثة، لم يتحمّل الرجل وخز إبر الوشم، وصاح بغضب، متسائلاً:

-" أين تعمل الآن، يا أخي الوشام العزيز ....!؟"

رد الوشام ضاحكاً:

-" إني الآن، أعمل في جسد الليث، الذي يشبه جسدك تماماً ....!"

يريد الوشام بذلك استنهاض شجاعة الزبون، حتى يكمل عمله فهو إلى الآن لم يفعل شيئاً.... فقال الرجل، وهو يتأفف من الألم، ويكاد يبكي:

-" أرجوك ...ارسم أسداً من غير رأس وجسد وأرجل ....!!؟"

ضحك الوشام وقال:

-" لم يبقَ، سوى الذيل ....!!؟"

رد الرجل بمواء مؤلم :

-"  أظنّك وشاماً ذكياً، ارسم يا أخي، ذيلاً فقط، وليس كل الذيل،

طرفه فقط، إن سألوني عنه، أقول: خاف الأسد مني واختبأ تحت

قميصي.... وهذا ذيله..... هل أنتم عميان.....؟

تناصّ كلام هذا المخنث ‘ بعقال أبي، كان يفرد مسماراً خاصاً يعلقه فيه، أمام أعيننا الصغيرة، يتقصّد أن يكون مرئياً للكل، وتأتي الشكوى من والدتي، يكون هذا السلاح فعالاً، يقوم بواجبه على أكمل وجه، و بشكل جدّي قطعياً، حين  يطلق والدي جملته المخيفة في إطلاق سلاحه النووي، كإطلاق مخرج عصبي استهلال التصوير لمشهدٍ في ساحات حرب ضروس، بعبارة المشهورة (ستاند باي، أكشن)، ولا أظن أن تلك العبارة  توازي مستوى عبارة أبي حينما يغضب منا و يطلقها بعصبية (جيبو العقال) ....

عند تلك العبارة، تسكب العبارات، ويتوقف الزمن، ينقطع الصوت وتخمد الحركة، وينتشر الهدوء والسكينة، فيسمع صوت رنين الإبرة، إن وقعت على الأرض، أو صوت نملة تنادي زميلتها في الضفة الثانية من نهر الفرات، ويهدأ البيت تماماً، والكل يندلق كراتٍ من زجاج في كل الاتجاهات، منهم نحو فراشه، والآخر نحو واجبه المدرسي، الذي أهمله طوال النهار، لإكماله بعد نطق تلك العبارة، حتى اعتقدت- وأنا ابن السابعة- أن الكون يهدمه عقال أبي، والغريب أنني لم أشاهده يوماً، يستخدم تلك التقنية بشكل فعلي .... وكبرت تربوياً، أدركت أن الهيبة والوقار، أشد تأثيراً من العقاب البدني، وكانت استراتيجيتي في عملي التربوي... و تمنيت اليوم أن تحيا تلك الاستراتيجية، بشكل فعلي ليعمل سلاح أبي فوق ظهر هذا المخنث، ليعود ذكراً .....

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

 

 

جَـمَـعــتْ فـي شَــكـلِـها

حُـســنَ الــفـراشــاتِ

وأزهــارِ الـحـقــولْ

 

نــشــوةُ الــحُـبِّ / عطا يوسف منصور

 

أحـرفُ الـحُـبِّ عـلى شُــطـآنِـكِ

الــوســنى

قــنـاديـلـي

عـلـيـها أحـتـسـي خـمــري

وخـمــري هـي عـذراءٌ

بــتــولْ  

جَـمَـعــتْ فـي شَــكـلِـها

حُـســنَ الــفـراشــاتِ

وأزهــارِ الـحـقــولْ

آآآآهِ لــو يــعــلــمُ

صــحـــبــيْ

مَــنْ اُغــازِلُــهـا

ومَــنْ فــيـهــا أقــولْ

نــشــوةُ الــحُــبِّ تَـقـفْ

فـي بــابِــهـا حَــيــرى

وبــيْ شـــبـقٌ

ووصــلـي لـيــلـةٌ حــمـراءُ

يــبــدو بــــدرُهــا

حــيـنَ أرمُـــقُــهُ ويــرمُــقـنيْ

خَـــجـــولْ

يــســتـحـي مِـنْ عــاشــقٍ

أغـــراهُ حــرفٌ

فــتـــعـــرّى

إنّ عُــريَ الــصَــبِّ يـا هــذا

يـــطـــولْ

آآآآآهِ لــو يــــعــلــمُ

صَــحــبــيْ

إنَّ عُــرْيـــيْ شـــــرفٌ

يــســـعـى لــــــهُ

أهــلُ الــضــمـائـرِ والــعـقــولْ

 

الـدنـمـارك /  كـوبـنـهـاجـن

الـسـبـت فـي 11 / آذار / 2017

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

 

 

 

 

مثلما كلُّ المواني

تفتحُ الصّدرَ لأعذارِ السفينةْ

 

قِبلة كردستان / سيروان ياملكي

 

أُعذريني ..

إن كتبتُ الشعرَ فيكِ

بعد أيام ٍ حزينةْ

أُعذريني ..

مثلما كلُّ المواني

تفتحُ الصّدرَ لأعذارِ السفينةْ

أُعذريني ..

إن  تحالفتُ،

مع الأحلامِ والأقلامِ وحدي

لِنزُفَّ الشعرَ طرداً

في بريدِ اللهِ مختوماً

بآياتِ السّكينةْ

أُعذريني ..

فأنا مجنونُ ليلٍ

من لياليكِ الحنينةْ

يا سُليمانيّة ُ..

يا قِبلة العِشقِ

ويا أغلى مدينةْ

 

 

 

الورد على خد حبيبتي  يغفو، بعد ان احمرّ من حمرته واينع، فكيف لا تزداد لهفتي وتشتد

وكيف قلبي يا حلوتي لا يهفو، كلما حان اللقاء ياتي ما يمنع، واشواقي بحور تمور وترتد

وعدٌ وُعِدْتُ به من دلّوعة تحلو، اخشى يوما تمنع او تتمنع، او تميل عني  ولغيري تتودد

متى بك يا حلوة العينين اخلو، ويترفق ساعدي وبك يجمع، يطويك والاعطاف منك تتأود

ننسى لغة الكلام  ونسلو، بلغة العيون نتهامس ننعم  ونرتع، ولكل زفراتنا الحرّى نتنهد

اصغي الى لحنك وارنو، وقلبك للحني يسمع ويستمتع، وسوية لنشيد الحب نتلو ونردد

اناملي الى شعرك تدنو، لتداعب برقة من بحضني تهجع، كطفل صغير لصدر أمه يتوسد

لا شمس تشرق وتعلو، ولا بدر في السماء يظهر ويطلع، انت في حضني لن يراك احد

اذا جاء العاذل عنك يجلو، جعلتك في عيوني لها جفوني تطبع، يعود خاسئا بسهم  يصرد

واسمك ترنيمة شفاهي لها تشدو، لحنا رائعا به الاسماع تتمتع، ادندن به مع نفسي واردد

من عليك اكثر مني يحنو، قلبي طيب لكل هفواتك يشفع، الا الخيانة بعد ان اتحقق واتاكد

لن اغفر لك اوعنك اعفو، ذلك في الحب غدر يقوم به اللكع، اهجرك بلا رجعة ولن اتردد

و حنيني لم يذهب حتى يغدو، كنجم مرة يأفل ومرة يلمع، او يتلاشى كلما السحاب يتجدد

عشقي نيِّرٌ لم يغب حتى يبدو، كهلال يختفي ثم يسطع، او ينقص بعد الاكتمال ونوره يتبدد

هو كالعين في الاعالي ليس لها صنو، صفا فيها الماء والمنبع، لا كسراب يغري ويتمدد

ما اجمل القلوب حين تصفو، من شهد الزمان تشرب وترتع، ولنشيد المحبة تنشد وتردد

تعلمي من عصفور يشدو، من عندليب كيف يغني ويُمَتّع، ونملة كيف تعمل بجد ولا ترتد

من كريم واهب يعطي ويحفو، وأبيً شجاع لغير الله لايخضع، ومتواضع بنفسه لا يعتد

من حليم مسامح يغفر ويعفو،وعالم للعلم ينشر ولا يمنع،و صبور والدواهي عليه تشتد

الجميل بريق جماله لا يخبو، لطريق المحبة يمهد ويشرع، المحبة فضاء واسع لا يتحدد

 

 

 

القهوة بلسم الجرح

ترتشفه سيول البعاد

 

هذه المدينة تشتهي / كريمة نور عيساوي

 

هذه المدينة تشتهي

 أن تقطف كروم قلبي

 تعصر رضاب العشق في حانات الوجع،

أن تنسل من سبات الليل

 تراقب ندى الفجر

وتلقي التحية

 القهوة بلسم الجرح ترتشفه سيول البعاد

 هذه المدينة تشتهي

 أن تركن إلى ذلك الخدر

 ترخم على الأيام الخوالي

ترسم ملامح ليلة أنثوية

 ترقص بخلخال الصبابة

 باريس تشتهي

أن تستنشق عبقك المختوم

 يجري في بهو المواسم

 فتزهو لميلاد السؤال على شفاه الكلم

 باريس تشتهي

 أن تراك شراعا في نهر السين

 رواية في الحي اللاتيني

 وردة لوتس في حدائق اللكسمبورغ

 تلتحف بملاحف البهجة

 فأشدو لحن البعد دمعة

 تسقي مباسم الثغر

 بقوس النصر

 وقد شاقني اللقاء على خاصرة النثر.

 

د. كريمة نور عيساوي

 

 

والهواجس شاغلة كل أفْق تمرأى

ودربي ظنون .... ظنون.

 

خطاب إلى  سيدة فاتنة /  مصطفى معروفي   

 

أحبك سيدتي

ليس ذلك مني اندفاعا وليس مراهقة،

أنا سيدتي عاشق ملأتــني الحرائق

جئت من وطني والمشاعر

تغمرني

في يدي وردة

هي آخر مرثية للوجود،

جئت منبهرا بجمالك

أركب حلما بحجمك

أسحب خلفي عصور الجليد،

أفتش عن موجة في يديك

أتوق إلى مولد وانبعاث جديد.

أنت صادقة الوعد

لن تخلفي الوعد.

سيدتي

أعلن اليوم أني مصاب بحبك

إنك في نظري وردة النار

توقد في الدم/

رائحة الأرض/

ماء الحياة/

رواء الفصول/

وخصب الحقول،

لك الكون يفتح أذرعه نشوة باللقاء،

وتلقي أغاريدها في حماك

طيور الخلاص مبللة بالضياء.

هو الحب سيدتي حين يسكننا

فالمسافات لا شئ

والسجن لا شئ

والنفي لا شئ،

خضت الطريق إليك

تقود خطاي الشجون

والهواجس شاغلة كل أفْق تمرأى

ودربي ظنون ....ظنون.

أحبك.....إنك فاتنة

رائعة كالطفولة

رائقة كالصباح الجميل.

سيدتي أخبريني

إذا الوقت شردني

من يمد يدا نحو نافذة البحر

يفتحها للنوارس

من يستحم بماء المنافي وتحمل رجلاه

برد المسافات.

سيدتي أخبريني

إذا هرمت في اللسان الحروف....إذا هرمت

كيف أكتب نصا عميق الدلالة،

كيف أصوغ خطابا رقيقا ومشتعلا بالعواطف

لامرأة تعشق الموج ومفتونة

بطقوس السباحة ،

أنت دليلي إلى الكون سيدتي

أبدا لن تكوني سوى لي

 

 

 

تـبـادُ الـغـوطـةُ الخـضـراءُ شــامـخـة

وصـمـتُ الـذلِّ فـي الإحساسِ ينتحبُ

 

الغوطةُ الخضراءُ / أحمد عبد الرحمن جنيدو

 

غـريـبٌ فـي بــلادِ الـمـوتِ يـنـتـســـبُ.= وأهـلُ الـدارِ فـي الـتـكـوينِ قدْ سلبوا.

تـنـادي تـربـةُ الـهـيـجـاءِ مـن ألــــــم ٍ،= يثورُ الحزنُ في الأضلاعِ والغضبُ.

هـوَ الـتـرحـالُ فـي صــــدرٍ مغـاربُـهُ،= بـصـرّةِ ذكـريـاتٍ يُــجـهـلُ الـسـبـبُ.

أيـا وطـــنَ الـكـآبـةِ كـيــــفَ تـمـلـكُـنـا،= وتُـحـمـلُ فـي الحـقائـبِ حينَ نغتربُ.

نرى الأنجاسَ فـوق المـوتِ رقْصتـهـمْ،= عـلـى دمِـنـا يـبـاحُ الـخمرُ والـطـربُ.

تـشـــــــرّدْنا بـكـلِّ الأرضِ يـا وطـنـي،= وبـاعــونا كـــلابُ الـعـهْرِ والـعـربُ.

هـنـا دومـــــا وداريّــا،هـنــا درعــــــا،= هـنـا حـمصٌ، هـنـا نحـيـا، هنا حلبُ.

وديـرُ الـزورِ نـائـحـةٌ عـلـــى مُـــزق ٍ، = تـنـاجــي مـن فــراتٍ ههــنـا كـسـبُ.

تـبـادُ الـغـوطـةُ الخـضـراءُ شــامـخـة ً،= وصـمـتُ الـذلِّ فـي الإحساسِ ينتحبُ.

عـلـى وجـهٍ ســوادُ الـخـوفِ مـرتـهـنٌ،= عـلى دربِ الضياعِ سـواكَ يُحـتـسبُ.

تـمـرُّ دقـائـقُ الـنـســــــيـانِ نـاقـوســاً،= يـدقُّ أنـيـنَ شـــوقٍ، تَصـرخُ الكـتـبُ.

حـكـايـاتٌ مـضـمّـخـة ٌ ألـمْ تـرفـضْ!،= لـسـيـفِ الـغـدرِ، والـعـذراءُ تُـغْـتصبُ.

تـفـاصـيـلٌ وتـدمـيـرٌ ومـجــــــــــزرةٌ،= ومـوجُ الخـنْـثِ يعلـو، يُجدبُ الخصِبُ.

ضـبـابٌ فـارغٌ يـقـســـــو بـلا ردْعٍ، = وخوفُ الصنْفِ يشكو، يُخرسُ الطلبُ.

عـمـيـقٌ يـسـرفُ الإسـقاطَ في قـرفٍ،= يـداعـبُـهُ الـغـريـقُ، ويـســبـحُ الجـربُ.

هـواكَ يـنـازعُ الإنـســــــانَ مـعــذرةً،= وروحُـكَ أمُّـنـا الـفـيـحـاءُ و الـنـســبُ.

تـفـيـضُ بـحـرقـةِ الـكـلـمـاتِ فاجعةٌ،= ومـحـرقة ٌ تــســاومُ، يُـقـبـلُ الـعـجـبُ.

ضـريـحُ الـشعـبِ في الأوطانِ مقبرةٌ،= وثــوبٌ فـاقـعُ الـزهـى كـمـا يـجــــــبُ.

نـفـوقٌ فـي الـشـــعـورِ يـبـيـعُ أوردةً،= إلـى الـسـلـطـانِ فـي الإذلالِ يُـسـتـلـبُ.

وتـصـبـحُ غـربـةُ الأوطـانِ عـنـوانـاً،= هــويّـتُــهُ جـنــونُ الــذبــحِ والـكــذبُ.

نـسافرُ فـي النقـائـصِ، أيـن راشـدُنا؟!= بـفـخْـرٍ للمـهـانـةِ، كـلُّـهــمْ غـضـبـوا.

مـهـمّـشــــــــةٌ ضـفـائـرُها تـنـاديـنـا،= فـنُـبـعـثُ مـن مـآســــيـنـا، ونـلـتـهـبُ.

تـقـصُّ ذراعَـنـا المكـسـورَ في هزلٍ،= وتـسـرجُ خـيـلَـهـا الـمـغـمورَ، ترتعبُ.

هـــــراءٌ يـا خـديـجـةُ مـا يـلاحـقُـنـا،= فـنـحـنُ الـلـحـظـةُ الخرقاءُ والـقـشـبُ.

نـطـالُ مــدىً عـلـى هـامـاتِـنـا حـفـرٌ،= لـنـا فـي لـفـظـةٍ مـا قــالــتِ الـخـطـبُ.

تـظـلّـلـهـا ريـاحُ الـقـهـرِ فـي ســـــــمِّ،= فـيـنـجـو مـن مـرارتِــهـا وتـكـتــسـبُ.

تـسـاورُنـا الـشـــكـوكُ بـأنَّـنـا شــعـبٌ،=  يُـصـلّـي، والـضـريـحُ تنيرهُ السـحـبُ.

شــآمُ حـضـارةُ الإنـجـابِ لو عـقـروا،= سـتـشـرقُ شـمـسُـنا، من جرحِنا اللهبُ.

ســلامـاً مـن بـلادِ الحـبِّ فـي حـربٍ،= شــــعوبٌ منْ عـلـى التاريخِ قدْ كـتبـوا.

15/2/2015

 

شعر: أحمد عبد الرحمن جنيدو

سورية /حماة/عقرب

حالياً: تركيا ـ ملاطياـ مخيم اللاجئين (مابك)

 

تعالَ نحترقْ معاً

ونحنُ نُدخّنُ الشعرَ

ق. ق. ج / عبد الستار نورعلي

 

 القدمان

سألَني العطّارُ المُزمِنُ على ناصية الشارع:

ـ لماذا أراكَ مسرعاً دائماً على قدميك؟

 أجابته قدماي:

ـ نحنُ إلفانِ على طريقِ الشمسِ.

 

 النـور

يتلاشى السقفُ، والغرفةُ تتسعُ. البدرُ التمامُ يهجمُ. وأنا على فراشِ التقلُّبِ يصطادُني النورُ الساطعُ.

 

 العطر

النوافذ تفتحُ عيونَها. العاصفةُ تقتحمُ الدارَ. تتطايرُ أوراقُ شجرةِ الوردِ في الزوايا. العطرُ فوّاحٌ.

 

 السباحة

كادَ يغرقُ. حملتْهُ سمكةٌ إلى الشاطئ وهي تقولُ:

ـ تعلّمْ كيفَ تسبحُ في الأعماق!

وعادَتْ.

 

 الغصّة

غصَّ بالماءِ، قالتِ الكأسُ:

ـ لا تُسرِعْ! انهلْ على مهلٍ!

 

الخمرة

هجرَ الخمرةَ منْ سنينَ طويلةٍ. همستْ في أذنِهِ:

ـ لا تهجرْني! اشربْني في الحروف!

 

السيجارة

قالتْ السيجارةُ:

ـ أنتَ لم تعتَدْ عليَّ، تركتَني وحدي أحترقُ. تعالَ نحترقْ معاً ونحنُ نُدخّنُ الشعرَ!

 

عبد الستار نورعلي

السبت 25.2.2017

 

 

 

وقد خانتِ الأمواجُ زورقَ روحهِ

فمالتْ إلى حيـث الرزايا جوانبُهْ

أقدار / عبد الفتاح المطلبي

 

خليلانِ  لُــــــــــبٌ يدّعيهِ وخالبُه

وخصمان مطلوبٌ لحـيْفٍ وطالبُه

وقلبٌ وتحنانُ الحمـــــــامِ ونخلةٌ

يحجّ إليها بيــــــــتُ شعرٍ وكاتبُه

وبحرٌ يُغيظُ النوءَ كــــــلَّ قصيدةٍ

ويَغمدُ سيفَ البوحِ وهو يحاربُه

وقد خانتِ الأمواجُ زورقَ روحهِ

فمالتْ إلى حيـث الرزايا جوانبُهْ

وظنَّ بأن الأمــــــر رهنٌ ببرهةٍ

وعَضَّ علـى حبـــل المنيةِ غاربُهْ

توقدَ فـــــــــي تلك الأحايين قلبُهُ

فما يكتوي إلا الشغافُ وصاحبُه

تداعتْ بيومِ الروعِ ذكرىً قديمةٌ

فشاغلَهُ عن حاضــرالأمرغائبُه

وسربلهُ وهنُ الحكايـاتِ فانهوى

وحطَّ على أطــلالهِ الدُهمِ ناعبُه

ولمّا رأى فــــــي كلّ شبرٍ منيّةً

تصيحُ بهِ أنّـــــــى اتقاها نواحبُه

وكانَ إذا ضاقتْ عليـــــه بأفقِها

ينادي أيا شوقاً فيأتيـــــه لائبُه

وتحتشد الآهات فــــــوق جراحهِ

فينفتقُ الشــــــافي وينزفُ لازبُه

رآها بعينيهِ وأصـــــــــغى بقلبه

تُربي المنايا وهــي تطفو قواربُه

أمانيهِ أوهامٌ  وآمـــــــــالهُ سُدى

تشابه مأمولُ المـــــرامِ وعازبُه

وحثَّ على درب التباريح خطوُهُ

وجرّبَ دهراً ثــم خابتْ تجاربُه

وليلٍ تغشّــــــــــاهُ بأحلكِ ظُلمةٍ

تنوبُ عــــن الأفراحِ فيه نوائبُه

ففيمَ إذنْ يا صـــاحِ كنتَ تلومُه

لكلِّ امرءٍ زلاّتـُــــــــهُ ومعايبُه

إذا كانت الآلام فـي المرء خلّةً

فجدْ لي امـرءاً لاتعتريه مثالبُه

إذا المرءُ لم يعشقْ طوالَ حياتهِ

فأينَ مزاياهُ وأيــــــــــنَ مناقبُه

وما الكأس إلا لذةً حيـن سكرةٍ

ولكنها بعد الحُميّـــــــا تشاغبه

تداركك الأمــــران حلمٌ ويقظةٌ

كأنهما شوكُ القتــــــادِ وحاطبُه

فما وسنتْ عيــنُ الأماني دقبقةً

ولا الحلم أطرافَ النهار يُداعبُه

كأن الهوى ديرٌ وناقوسُهُ الجوى

وأن فؤادي فـــــي لياليهِ راهبُه

تمرُّ الليالي لعنةً إثــــــــرَ لعنةٍ

وتتركُ ما يشقى بـــــه ِ ويُغالبُه

لها لهبٌ فــــي القلبِ يكتمُ سرّهُ

يعيثُ به حتـــــى تشيب ذوائبُه

فيا للنوى والشــوق كأسٌ يعبُّها

سلافتها وجــــدٌ تلظتْ رواسبُه

وساعـاتهُ أفعى هضابٍ طويلةٌ

تفحّ فحيحاً والثـــــواني عقاربُه

وما خلق الله الفـــــؤادَ محصّناً

لكل فؤادٍ فــــي الحياةِ مصائبُه

 

 

 

فإذا السنابلُ تكتبُ

على وجوهِ أرغفةِ الفقراءِ:

كلُّ السنينِ عِجاف

 حُلمٌ في خريفِ اللَّيلِ / عاطف الدرابسة

 

قلتُ لها :

أوَّلُ الحُلم ..

 

أتوسَّلُ إلى الأرض

ِالتي تحملُ

بذرةَ الجسد

إن ترأفَ بي

قبلَ أن تأفلَ

آخرُ نجمةٍ

من أُفقِ العمر ..

 

أحاولُ أن أخرجَ من التاريخِ

كقائدٍ مُنتصرٍ

على أحلامِ الأطفالِ ..

كشاعرٍ مُنحرِفٍ

عن قواعدِ الوزنِ

والقافيةِ

والرَويّ ..

كنبيٍّ

قُدَّ قميصُهُ الوحيدُ

بأظافرِ الرَّغبة

آلَ إلى السِّجنِ حُرَّاً

يقرأُ الرؤى

حينَ يغيبُ العقلُ ..

ويُوقدُ جمرَ المعنى

الليلُ

فإذا السنابلُ تكتبُ

على وجوهِ أرغفةِ الفقراءِ:

كلُّ السنينِ عِجاف

 

آخرُ الحُلُم ..

 

يدٌ واحدةٌ

تصفِّقُ

بلا أصابع

ولسانٌ مقطوعٌ

يخطبُ بالجَمعِ الغفيرِ

قُبَيلَ الرحيل :

"عَلَمٌ واحدٌ لا يكفي العراق"

"عَلَمٌ واحدٌ لا يكفي صنعاء"

"عَلَمٌ واحدٌ لا يكفي الشآم"

"إلهٌ واحدٌ لا يكفي العرب"

 

والوطنُ الكبيرُ

نائمٌ بالكهفِ

العتيق ..

والسرُّ

سفينةٌ مثقوبةٌ

وجدار ..

 

المدنُ

مزدحمةٌ بالفراغ

تواجه أقسى العواصفِ

بخيمة ..

تُحاربُ وحوشَ الظلامِ

بشمعة ..

تحاصرُ الجوعَ الكبيرِ

بابتسامةِ جُرحٍ

ودمعة ..

 

د.ع

و كضميرِ وردةٍ لم تبلُغ سنَّ العطر

أتلاشى في الهواءِ الذّي سيلتَحِقُ بأنفاسكِ

حِلولٌ صوفي / عادل سعيد

 

فقط البَسي جَمالَكِ

ونامي

سأتولّى الحُلمَ عنكِ

وافاوضُ القمرَ كي يُنهي دَوريتَهُ ويرحَل

ستكُفُّ عينايَ عن التَجوّلِ

في أساطير جسدِكِ

وايقاظِ امواجكِ التي لا تنام

سأمحو خُطوطي

واستلفُ أنحائي المعلّقةَ في سمائكِ

كدموعٍ في طورِ التكوين

ألُمُّ مافاضَ من نعاسِكِ

أُضيءُ قَدْرَ ما ادّخرتهُ فراشةٌ من ضَوء

في حريقِها الأخير

ثمَّ اطفئُ روحي

.. كي لا تسمعي تَقاطرَ دموعِها

و كضميرِ وردةٍ لم تبلُغ سنَّ العطر

أتلاشى في الهواءِ الذّي سيلتَحِقُ بأنفاسكِ

و في صَدرِكِ

.. أضِيع

 

 

 

 

أصطادُ من الغيمِ قصائدَكِ

وأنثرُها على البحرِ

لأحصدَ الزبدَ عُشباً بلا أخطاء.

أنتظرُكِ على مدرجِ الماء / ثامر سعيد

 

وأنتِ تخصفينَ الحروفَ

إلى الحروفِ

تتجولينَ بينَ مساءٍ أنيقٍ

وغربةٍ شاسعة،

ترقشينَ وسادتَكِ بالرغباتِ

وتتمرغينَ على تجاعيدِ السؤالِ .

الليلُ مرآةٌ صدئةٌ

فلا تبحثي عن وجهِكِ فيهِ

أطلقي عينيكِ للنوافذِ

ودَعي

أفعى الوساوسِ تتعرى خلفكِ

أيّتها الفارعةُ كنهرٍ حزينٍ

والممشوقةُ كسربِ حمام ،

دعيني ..

أصطادُ من الغيمِ قصائدَكِ

وأنثرُها على البحرِ

لأحصدَ الزبدَ عُشباً بلا أخطاء .

من قالَ لكِ:

إنَّ الغدَ بُعدٌ معطوبٌ

والأبيضَ محضُ خدعةٍ للبصرِ .

وأنا الهاوي كطيرٍ جريحٍ

على سريرِ عاشقةٍ

تذكي قنديلَها للبعيدِ

ما زالَ يطوحُني

من قميصِها الليليِّ

عطرٌ أزرقُ .

فتعالي ..

بأيِّ ملمحٍ تشائين ،

سأتقلدُكِ جرحاً من جناحِ وردةٍ

على أريجِها تَميسُ النجومُ

ويستعرُ السُكارى والمجانينُ .

وأتوشحُكِ نقشاً أمازيغياً

يلقنُ الصخرَ

لغةَ الرّيحِ وعواءَ الرّمالِ .

لا تتأخري ..

أنتظرُكِ على مدرجِ الماءِ .

 

 

 

 

جارتي تحسدني على شعري

وأنا أحسدها على نعناعها

 

جارتي /  فوزية العلوي

 

جارتي تبكي لشعري

وانا أقدّ القول أغلالا كي أوثقك إلى صدري

لست واثقا مني

ولكنّي أقول

هذا طيف مشرعة نوافذه على ليلي

ووامضة نجماته في مقلتيّ

وباسقة صفصافه في خيالي

الشعراء يلزمهم قلعة من الوهم

كي يصعدوا في السماء

وقليل من الحبّ

حتى يفتحوا قارّة في الشمس

وكثير من الألم كي يعلّموا الناس الصّبر

جارتي تحسدني على شعري

وأنا أحسدها على نعناعها

وشايها المسائي الخفيف

تقول لي ما اسم حبيبك

أجيبها سحاب

تسألني إن كان فعلا براحة كالمرج

وضحكة كزهر النارنج

وهمسة كطلقة بندقية

أومئ برأسي مرتين

ثم أقول لها هو أجمل من ذلك..

بكثير

هو مايجعل الليل أخضر

والشجر نواعير

والعصافير أيقونات من النور

والبرتقال بحجم الكرة الارضية

هو من يجعل الطرقات خفيفة على القدمين

والصخر الذي في القصبة معشوشبا

والنّساء العابرات في السوق

أكثر مرحا

والأقراط الفضية مركبات للحور

هو من يومئ للسّمك فيصبح حالما

وللثّلج فيذوب من العشق

تضحك جارتي ولا تصدق من أمري شيئا

تقتنع أني من وادي عبقر

وأنّي زائدة قلب

وناقصة  صبر

......

اتفقنا اخيرا أن تشرب  شعري

وأقرأ نعناعها

 

فوزية العلوي

 

 


بجرأة لم يعهدها لدى كثير من نساء الشرق أقبلت نحوه كأنها سلطانة المماليك لتقف بهيبة أمامه وكأنه أحد رعاياها، اذ أوردتها السبل نحو محل عمله في مكتب صغير داخل مبنى قديم لأحدى الدوائر الحكومية في العاصمة بغداد، لقضاء أمر يخصها..

دوى صوت انفجار بعيد اهتزت له النوافذ وارتجت منه بعض الستائر لكنه لم يهز له جفن وهو يراقب ابتسامتها تختفي من ملامحها شيئا فشيئا، فلم يجري كعادته ليستفهم عن موقع الانفجار ويتقصى أنباؤه.. بل نهض هذه المرة كالمجنون من كرسيه ليشير اليها بالجلوس..

هل يجن الانسان من النظرة الاولى، وأية نظرة هذه التي تثير فيه كل هذا الجنون.. نظرة لجسد ممتلئ مفعم بالحيوية، ونهدين بارزين، ورائحة الأنوثة هذه تكفي لايقاظ غرائزه النائمة وتشده نحوها دون ان تحرك ساكنا لتحل عليه لعناتها..

لم يرغب ان يعرف سبب زيارتها كي يطيل من أمدها، بل حاول مماطلا الدخول حتى في مواضيع ليست ذا أهمية ليرتوي من سحر أنوثتها ويملأ كأسه الفارغ من العشق.

فتحدثا في كثير من الامور في لحظات تمضي غير آبهة بهما، بل وتأبى أن يقربا من كلمات العشق.. غير ان العشق ليس كلمات فحسب، ليطغى عليه شعور في كونها أجمل اللحظات..

في ثاني اطلالة لها عليه كانت كل الاسرار مكشوفة، وكل الاغوار مسبورة.. اذ لم تكن الرغبة في ان يراوغ اكثر من اجل الوصول اليها طالما لمس منها تجاوبا، فكانت اللمسة الاولى اسرع مما كان نفسه يتوقع..

لم تكن أقل منه انجذابا حين استسلمت له لتتذوق معه طعم تلك اللحظات.. فمن اجل انوثتها تأبى المرأة الاحتفاظ بعرشها لتتنازل عنه لمملوك يستطيع كسر ابوابها الموصدة، ويتسلل بين ثناياها لتصبح اخيرا كجارية له تبحث عن رضاه ليمسي مليكا لها..

جوى يكويه مع كل نفحة من انفاسها يعرف جيدا انه ليس بشئ يذكر امام الحرائق التي تمر بها بلاده والتي لم تمنعه من الشعور بنشوة الجوى اذ منحته رحيق العشق فضلا عن الامل والاطمئنان الذي يفتقده.. فالتوافق بين طرفين لايحتاج الى اكثر من كلمة طيبة وقلب صادق ليتنازل كل عن عرشه، فما بال من يتصارع من اجل عروش يمكن التنازل عنها..

لم يكن بحاجة الى تفخيخ الحواجز المؤدية الى قلبها بعبوات ناسفة كي يحصل على قبلة من شفتيها.. كما لم يكن بحاجة الى تشكيل ميليشيات لاقتحام مشاعرها والسيطرة عليها.. فها هو يملك عرشها حين شعرت بالامان قربه..

كانت فحسب تخفي عنه الكثير من ماضيها خوفا من مجهول تأبى الاقتراب منه، رغم انه كان ايضا يكره الخوض في ذلك الماضي الذي لم يكن يحمل سوى عذابات تصرخ في نفسها لتؤرقها حتى كادت تنسيها اللحظات الجميلة.. كما انه لا يملك سلطة على ماضيها.. لذا كان يحاول الابحار بين خلجات ذاتها المرهقة ليحتوي حاضرها ويتخيل لها مستقبلا لايحمل بين طياته مايعكر صفو القلوب ويؤرقها..

لم يتوقع ان تتأخر عن موعد لها معه، رغم انه لايعرف ان كانت معتادة على التأخر عن مواعيدها، فهو لم يقابلها سوى مرات قليلة، ربما ثلاث مرات فقط.. حاول الاتصال بها عدة مرات، وفي كل مرة كانت تخبره ان أعباء الحياة حالت بينها وبين لقائه، لكنها آتية لامحالة.. وهو ينتظر.. الهواجس تتحول الى وساوس توخز صدره، لكنه وجد لها مع نفسه عشرات الاعذار ليبعد الوساوس عن صدره.. غير ان شكا واحدا فحسب أوجس منه ان يدمر صرح أعذاره التي يمنّي النفس بها.. حتى اعتذرت هي اخيرا عن الحضور لتخلصه من دوامة الانتظار لكنها ادخلته في جحيم الشك الذي حاول ان يطرده من رأسه مستعيدا شريط اللحظات الجميلة التي قضياها معا، متأملا لحظات قادمة أجمل.

للمرة الخامسة.. والسابعة و.. تأخرت.. ولم يتحقق اللقاء الرابع، لابد ان يتدخل القدر ليعكر صفو اللحظات الجميلة.. الاعذار كثيرة والتبريرات اكثر حول اسباب تأخرها بل وعدم حضورها، فكان مجبرا على تصديقها ليبقى متربعا على عرشها.. لكنها في النهاية أعذار، ومايحمله مجرد قلب.. والقلب ليس محصنا من الشك مهما بلغ امتلاؤه بالعشق.. فهناك موت في الشوارع ودماء سالت بسبب شكوك وهواجس.. فكيف له ان يقتل ذلك الشك؟!.. وكيف له ان يتخلص من هواجسه لينجو بنفسه؟!..

كما ان غشاوة القلوب تعمي البصيرة لتحجب الحقيقة التي تمنع الدمار وتصد الموت وتنشر الحياة.. كل ماكان عليه فعله ان يبعد تلك الغشاوة ليكتشف ان ماكان يجول في صدره مجرد هواجس تنحر العشق على مذبح الشك.. اذ كانت اسباب غيابها مقنعة حين حل اللقاء الرابع بمجيئها ليرجع قلبه ينبض من جديد.. نبضات تدفع بالحياة نحو الامام.. ويكتشف ان اعذارها كانت حقيقة، وان كل ماكان يجول في خاطره كان مجرد هواجس..

 

جليل ابراهيم المندلاوي

 

 

نصٌّ

نثري

 

الـعـراق / يحيى السماوي

 

دَخَـلـتُـهُ وأنـا مُـنـتـصِـبٌ مـثـلَ عـلامـةِ تـعـجُّـب ..

تـجَـوَّلـتُ فـيـهِ وأنـا مُـنـحـنٍ مـثـلَ عـلامـةِ اسـتـفـهـام ..

فـغـادَرْتـُـهُ وأنـا ضـئـيـلٌ كـالـفـارزةِ

خـشـيـةَ أنْ أنـتـهـي فـيـهِ مُـجَـرَّدَ نـقـطـةٍ فـي

صـنـدوقٍ خـشـبـيّ  !

*

مـا أقـربَ الـسـمـاءَ مـن عـيـنـيَّ

ومـا أبـعـدَ الأرض عـن قـدمـي !

*

كـنـخـلـةٍ تـنـتـصـبُ وسـط الـريـح :

أتـدلّـى مـشـنـوقـاً بـحـبـلِ  الـمـتـاهـة

مُـتـَّـهَـمـاً  بـيـقـيـنـي فـي مـحـكـمـة الـظـنـون

ولـيـس مـن نـبـيٍّ جـديـدٍ

 يُـخـيـطُ جُـرحـيَ  الـمـمـتـدَّ مـن نـخـيـل الـبـصـرة

حـتـى سـفـوح " بيره مكرون " !

*

أنـا الـراعـي  ...

لا أمـلـكُ مـن  الـقـطـيـع إلآ الـروث والـبـعـر !

ومـن الـوطـن  بـعـضَ تـرابـِهِ الـعـالـق بـحـذائـي

وأمـلـكُ مـن " مـجـاهـديـه " :

وعـداً  بـمـرحـاضٍ فـي الـجـنـة !

***

 

 

 

 

الحُبُّ يَعْلُو شِغَافَ القَلْبِ يَحْرِسُهُ

وآفَةُ الصَّبِّ فِيْـهَا القُـوْلُ يَنْشَغِلُ

 

قفا نبكي.. / مالك الواسطي

 

أَنَا العِرَاقِيُّ في الآفَاقِ مُرْتَحِلُ

لله أَشْكُو فَقَدْ ضَاقَتْ بِي الحِيَلُ

عَرْيَانُ مِـنْ صُحْبَةٍ أَهْلِي مَجَالِسُهَا

ومِنْ صِحَابٍ بِهِمْ عَيْنَايَ تَكْتَحِلُ

بِالأَمْسِ كُنْتُ خَلِيْلَ الصُّبْحِ طَلْعَتَهُ

وَاليَوْمَ أَصْـغِي لِدَمْعِي وَهْـوَ يَنْهَمِلُ

أَمْشِي وفي القَلْبِ تَلْكَ الدَّارُ شَاخِصَةٌ

غَبْرَاءُ قَـدْ هَـدَّهَا في بُعْدِنَا الكَلَلُ

تَرْمِي بِنَاظِرِهَا بُعْدَ الـطَّرِيْقِ وَلَـمْ

تُخْفِ عَنِ القَلْبِ مَا بَاحَتْ بِهِ المُقَلُ

مَا أَبْصَرَتْ غَيْرَ حُـزْنٍ في تَرَيُّثِهَا

حَــوْلِي يَـدُوْرُ وَلَمْ يَفْزَعْ بي المَلَلُ

أَشْكُو إِلَيْهَا وَمَا الشَّكْوَى بِمَثْلَبَةٍ

شَكْوَاي شَكْوَى حَبِيْبٍ شَكَّهُ الغَزَلُ

 

حَدَيْتُ رُوْحِي لَهَا وَالقَلْبُ رَوْضَتُهَا

حَتَّى تَلَاشَيْـتُ فِيْـهَا وَهْيَ تَـرْتَحِلُ

خَـلْفِي وَقُدَّامِيَ الدُّنْيَا بِمَا وَسِعَتْ

وَمَا اِرْتَأَيْتُ سِوَى في حُبِّهَا أَعْتَزِلُ

بَغْدَادُ طَيْبٌ عَلى الكَرْخَيْنِ يَنْهَمِرُ

كَالمَاءِ فَـوْقَ شِفَاهِي طَعْـمُهُ عَسَلُ

 

بَاتَ الحَنِيْنُ لَـهَا جُـرْحًا يُـؤَنِّبُنِي

أَدْرَى بِجِسْمِي نَحِيْلًا وَهْوَ لِي أَمَلُ

دَارَتْ بِهَا الأَرْضُ شُؤْمٌ في مَسَالِكِهَا

يَكَادُ فِيْهَا رَحِيْقُ المُوْتِ يَشْتَعِلُ

لا شِيءَ يَحْبُو عَلى أَحْضَانِهَا زَمَـنًا

إلَّا وَعَـانَقَـهُ فـي حُـزْنِهِ الأَجَـلُ

 

دَاعَبْتُهَا وَهْيَ في العِشْرِيْنَ تَسْبُقُنِي

الى عِنَاقٍ غَفَتْ فـي ظِلِّهِ القُبَلُ

 

أَوْغَلْتُ فـي حُبِّهَا سَعْيًا وَمُعْتَمِرًا

حَتَّى صَفَا الحُزْنُ مَاءًا فِيْهِ أَغْتَسِلُ

مَا فَـزَّ قَلْـبِي بِلَيْلٍ صَـامِتٍ جَـلِدٍ

إلَّا لِصَوْتٍ لَـهَا مَـا مَسـَّهُ بَلَـلُ

 

كَانَتْ تُسَـامِرُنِي وَالقَـلبُ مُنْشَغِلٌ

فِيْهَا يُدَارِي خُطَاهَا وَهْـيَ تَنْتَقِلُ

بَيْنَ الجَوَارِحِ تَسْرِي وَهْـيَ عَارِفَةٌ

شُوْقِي إِلَـيْهَا وَفـي أَفْيَائِـهَا ثَمِلُ

هَامَ الفُؤَادُ بِــهَا غَضًّا وَمَا بَرِحَتْ

عَيْنَايَ مِنْ شُوْقِهَا ضَاقَتْ بِهَا السُّبُلُ

 

شَقَقْتُ صَدْرِي لَهَا كي لا تُفَارِقُنِي

فَلَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ صَدْرِي لَهَا نُزُلُ

خَبَّأْتُهَا تَحْتَ رِمْشِ العَيْنِ فَاِضْطَرَبَتْ

فـي المُقْلَتِيْنِ لَيَالٍ زَارَهَا الغَزَلُ

 

وَدَدْتُ أَنْ تَفْتِنَ الدُّنْيَا بِطَلْعَتِهَا

وَلَيْتَ شِعْرِي جَرَى مَا كَادَ يُحْتَمَلُ

كَانَتْ تُعَلِّمُنَا قَـوْلَ القَـصِيْدِ وِمَا

ضَاقَ القَصِيْدُ بِهَا يَوْمًا وَلا الجَدَلُ

فـي مُقْلَتِيْهَا عَرَفْتُ الحُبَّ وَطْأَتَهُ

أَنْ لا تُفَارِقْ وَإِنْ في الحُزْنِ تَنْجَدِلُ

 

الحُبُّ يَعْلُو شِغَافَ القَلْبِ يَحْرِسُهُ

وآفَةُ الصَّبِّ فِيْـهَا القُـوْلُ يَنْشَغِلُ

قَالـوا: ضَنَيْتَ وَمَا قَالـوا لِمُغْتَرِبٍ

فِيْـمَا البِعَادُ وَأَنْتَ الـصَّبُّ وَالثَّمِلُ

فَالحُبُّ لا يَقْطَـعُ الأَمْيَالَ لا يَلِجُ

إِلَّا بِقَلْبٍ رَسَا فـي الـوِدِّ يَرْتَجِلُ

 

مَا عُذْرُ مثلي على الأَيَّامِ إِنْ هَرَبَتْ

ثَكْلَى بِـهَا البُعْدُ هَـمٌّ ثَقْلَهُ جَبَلُ

 

لا تَأْسَفَنَّ عَلى الدُّنْيَا إِذَا ثَكُلَتْ

فِيْـهَا المَـحَبَّةُ والأَشْـوَاقُ والأَمَـلُ

يَا مَنْ وَهَبْتُ لَهَا رُوْحِي وَمَا مَلَكَتْ

غَيْرِي وإِنْ زَارَني في بُعْدِهَا الشَّلَلُ

فَالعُمْرُ تَقْطَعُهُ الآهاتُ إِنْ كَبُرَتْ

فِيْــهَا الفَـوَاجِعُ والآلَامُ وَالعِـلَلُ

وَالعُمْرُ دُوْنَكَ فـي الـدُّنْيَا تُقَلِّبُهُ

أَقْوَالُ مَنْ أَرْجَفُوا في الدِّيْنِ يَا جَبَلُ

مَـا لِلْـمَحَبَّةِ أَتْـرَابٌ تُعَانِقُـهُمْ

إِلا وَكُنْتَ لَـهُمْ نَجْمًا بِـهِ اِكْتَمَلُوا

أَنْتَ الـمُعِزُّ وَأَنْتَ الـعِزُّ يَا أَمَـلُ

 

فِيْـكَ الثُّرِيَّا تُطِـيْلُ اللَّيْلَ تَبْتَـهِلُ

زَارَتْ مَنَاقِبَـكَ الأَيَّــامُ رَاجِـفَةً

كَشَارِبِ الخَمْرِ في الأَشْجَانِ يَغْتَسِلُ

 

مَـا ضَرَّهُ إِنْ سَقَاهُ الـمُوْتُ رَجْفَتَهُ

فَـهْوَ الغَنِيُّ وَفـي أَتْرَاحِـهِ خَـجِلُ

مَا كَانَ حُزْنِي على الأَيَّامِ إِنْ رَحَلَتْ

حَمْقَاءَ يَلْهُو بِـهَا الكَذَابُ وَالخَـوَلُ

تَلْكَ النَّوَائِبُ في أَعْمَارِنَا وَطَـدَتْ

وَمَا اِسْتَطَابَتْ لَنَا في ظِلِّهَا المِلَلُ

نَحْنُ النُّجُوْمَ نَسُوْقُ الغَيْمَ في دَعَةٍ

وَيَسْتَفِيْـضُ عـلى أَفْـوَاهِنَا الأَمَـلُ

كَيْفَ التَّخَلُصُ مِنْ وَهْمٍ بِهِ عَلِقَتْ

نَفْسٌ بِهَا اللَّيْلُ طُوْلَ اللَّيْلِ يَحْتَفِلُ

وَالحُبُّ يَطْرُقُ أَبْوَابي عـلى مَـلَلٍ

 

فِيْـهِ تَـجَلَّى عـلى أَتْـرَابِهِ زُحَـلُ

وَالحُبُّ دَارٌ بِهَا الأَشْوَاقُ قَدْ جُمِعَتْ

فِيْـهَا اللَّـذَائِذُ والأَتْـرَاحُ وَالجَـذَلُ

 

وَالقَلْبُ مِنِّي يَفُرُّ اليَوْمَ فـي عَجَلٍ

كَالبَرْقِ فِيْهِ دَوِيُّ الصَّوْتِ يُـخْتَزَلُ

وَالقَلْبُ مِنِّي الى بَغْـدَادَ يَسْـبُقُني

كَالسَّيْلِ يَأْنَفُ أَنْ تَشْقَى بِهِ السُّبُلُ

 

يَا لَيْتَ شِعْرِي على بَغْدَادَ وَا أَسَفِي

فَيْهَا جَنَا القَلْبُ هَمًّا لَيْسَ يُحْتَمَلُ

للهِ أَشْكُو اِنْكِسَارَاتي وَمَظْلَـمَتي

فَهْوَ العَـلِيْمُ بِمَا لا يَعْـلَمُ الأَجَـلُ

فَمَنْبَعُ الـوِدِّ مَـكْتُوْمٌ بِـهِ الأَمَـدُ

وَمَنْبَعُ الحُـزْنِ مَفْضُوْحٌ بِـهِ الثَّكِلُ

يَا قَلْبُ لَيْتَكَ مَا أَسْرَيْتَ في طَلَبٍ

مِنْـهَا فَفِيْهَا يَبِيْتُ أَلـهَمُ وَالـوَجَلُ

لَكِنَّ سَعْيَكَ مَشْكُورٌ وَإِنْ بَكِيَتْ

فـي الخَافِقَيْنِ دِيَـارٌ فِيْـكَ تَرْتَحِلُ

 

فَالحُزْنُ أَهْوَنُ مَا يُثْنِي بِـهِ القَدَرُ

وَالحُبُّ أَعْظَمُ مَا يُبْلَى بِـهِ الرَّجُلُ

فَـمَا التَّغَنِّي بِـجُرْحٍ   فَـضَّ عِفَّـتَهُ

قَلْبٌ تَـجِفُّ بِــهِ الأَفْرَاحُ وَالمُقَلُ

 

يَا قَلْبُ لَيْتَكَ مَا أَحْبَبْتَ طَلْعَتَهَا

وَمَـا نَدَبْتَ عُيُونًا فِيْـكَ تَكْتَحِلُ

قَدْ عَلَّقَتْكَ وَسَـارَتْ دُوْنَ أُمْنِـيَةٍ

في أَنْ تَرَاهَا وَفِيْـهَا القَلْبُ يَشْتَعِلُ

اليَوْمَ تَذْكُرُ مَا عَانِيْتَ مِـنْ كَمَدٍ

هَـوْنَ المَسِيْرِ عـلى الآفَاقِ يَا جَمَلُ

 

كَابَدْتَ لَيْلًا أَطَـالَ الجُرْحُ مَوْضِعَهُ

ومَا تَمَلْمَلَ فِيْـكَ الـوِدُّ وَالأَمَـلُ

قَضَيْتَ عُمْرَكَ مَحْمُولَا عـلى شَجَنٍ

فِيْـهِ التَّـرَجِي عـلى أَبْوَابِـهَا غَـزَلُ

 

قَالـوا: صَبَأْتَ وَمَـا كَانَتْ بِصَابِئَةٍ

تِلْكَ الَّتِي في رِحَابِ القَلْبِ تَكْتَمِلُ

فَالنَّفْسُ تُطرِبُها الآهَاتُ إِنْ سَمِعَتْ

صَوْتَ الحَبِيْبِ وَمَا في صَوْتِهِ وَجَلُ

مَا لي أَرَاكَ حَزِيْنَ القَلْبِ مُنْكَسِرًا

والعَاشِقُـونَ بِمـَا هَامُـوا لَنَا مَـثَلُ

 

بَغْدَادُ تَبْـقَى عَـلى الأَيَّامِ كَلْكـَلَهَا

يَشْتَاقُهَا الصُّبْحُ في أَرْدَانِهَا خَضِلُ

تَمْشِـي الهُوَيْـنَةَ وَالأَيَّـامُ رَاكِـضَةً

في مَشْيِهَا   كُلُّ جُرْحٍ فِيْكَ يَنْدَمِلُ

هَا هِي عَلى الأُفْقِ نَجْمٌ طَالِعُ بَشِمٌ

فِيْهَا الثُّرَيَّا يَـرَى ضَوْءً بِـهِ يَـصِلُ

 

أَيَّامُهَا البِيْضُ تَارِيْخٌ لِـمَنْ فَـطَنُوا

وَمَا النَّوَائِبُ إِنْ عَـادَتْ فَتَحْتَمِلُ

 

بَغْـدَادُ جَمْرٌ عَلى التَّارِيْخِ إِنْ عَلِمَتْ

أَبْنَاؤُهَا الغُرُّ في أَحْلَامِـهِمْ جَفَلُوا

بَغْـدَادُ رَوْضَـةُ أَحْـلَامِي وَكَعْـبَتُهَا

قِنْدِيْلُـهَا الفِكْرُ وَالابِدْاعُ والـغَزَلُ

 

وَاحَرَّ قَلْـبِي عَـلى بَغْـدَادَ يَا أَجَـلُ

فِيْـهَا بَدَأْنَا وَفِيْـهَا يُـخْـتَمُ الأَمَلُ

قَالوا: رَحَلْتَ فَلا دَارٌ ولا سَكَنٌ

وَلا دُمُوْعٌ عـلى الجـُدْرَانِ تَنْهَمِلُ

الدَّارُ قَدْ عَصَفَتْ رِيْحٌ بِهَا وَغَدَتْ

جُدْرَانُهَا فـي ثَنَايَا الضُّوْءِ تَنْسَدِلُ

 

حَتَّى النَّوَافِذُ فِيْهَا قَدْ غَدَتْ حَطَبًا

النـَّارُ تَـرْمِي بِـهَا جَمْـرًا فَـتَشْتَعِلُ

الدَّارُ في ضِيْقِهَا أَبْكَتْ وَمَا بَكِيَّتْ

فِيْهَا الأَسَاسَاتُ عِطْرٌ مِنْكَ يَنْتَقِلُ

 

الدَّار أَضْحَتْ لِجـَارٍ كُنْتَ تَحْسِبُهُ

خِـلًا خَلـِيْلًا لَـهُ أَوْفَيْتَ يَا جَبَلُ

 

لَمْ تُطْـرِقِ الـعِفَّةُ الشَّـمَّاءُ هَامَتَهُ

ولَمْ يُـبَالي بِـخِزٍّ فِـيْهِ يَـرْتَـجِلُ

حَتَّى الزَّوَايَا بِتَلكَ الدَّارِ قَدْ هُتِكَتْ

فِـيْ مَـنْ أَتَاهَا بِلَيْلٍ قَـادَهُ الـزَّلَلُ

الدَّارُ دَارُكَ هـــذِي طَـالَ فُـرْقَتُهَا

مَا مَاتَ حَـقٌّ بِـهِ الآهَاتُ تَنْصَقِلُ

 

شعر: مالك الواسطي – نابولي شتاء 2017

 

 

والمُنى وهديلَ الحمائمِ فوقَ الشَجَرْ

صلاتُكِ ها لم تزلْ حيّةً في رؤايَ

 

مرثيةُ أم / عدنان الظاهر

 

أَتستسلمينَ؟

أَتستسلمينَ لقبضةِ روحٍ أُضيّعُ فيها بقايا العُمُرْ؟

أوَترحلينَ وبيتيَ فوقَ الهمومِ يعومُ

تَقاذفهُ الريحُ أنّى تشاءُ كبيتِ الشَعَرْ

سألتُكِ أُمّاهُ أنْ لا تغيبي

سألتُ لماذا التسرّعُ في السَفَرِ المُنتَظرْ؟

أَترحلُ والدةٌ عن بنيها وما حانَ آنُ القضا والقَدَرْ

أَتتركُ أُمٌّ رضيعاً لها

قُبيلَ الفِطامِ على صدرِها جائِعاً يُحتَضَرْ؟

أَسيدتي كيف هانَ عليكِ الرحيلُ …

وهل مِنْ حياةٍ خِلافَ غيابكِ هل مِنْ سرورٍ وهل مِن سَفَرْ؟

أَتستسلمينَ لداعي الفناءِ كآلهةٍ من تُرابٍ

وتمضينَ عجلى كباقي البَشَرْ؟

أَأُمّاهُ ليتكِ ما غبتِ عنّي

فبعدكِ تأتي الليالي

وبعدكِ تمضي الليالي

وهيهاتَ بعدكِ يأتي القَمَرْ.

 

صلاةُ الوالدة

قيامُكِ في الفجرِ قبلَ إنبلاجِ النهارِ

وهَمسُكِ إذْ تصبَغينَ الوضوءَ يُقرِّبُ منّي الشذى

والمُنى وهديلَ الحمائمِ فوقَ الشَجَرْ

صلاتُكِ ها لم تزلْ حيّةً في رؤايَ

تمدّينَ قامتَكِ بعد السجودِ كمدِّ وجَزْرِ مياهِ البَحَرْ

ومثلِ صلاةِ المسيحِ حلولاً

دمٌ يتساقطُ من وجههِ والعذابُ

كما

يتساقطُ

صخْرٌ

على

مُنحَدَرْ

تُدحرِّجهُ قُدرةٌ في الخفاءِ.

 

يوم الدفن

أُسائلُ نِسوةَ جيراننا

إذْ يَعُدنَ مع الليلِ من مجلسٍ للعزاءِ

أَوالدتي وحدَها لم تَعُدْ

معَكُنَّ، أما رجعتْ بعدُ والدتي يا نساءُ؟

أَفما شقّقتْ ساعةَ الحُزنِ أثوابَها

أَفما لَطَمتْ وجهَها، رأسَها عارياً والصَدِرْ؟

 

أَموكبَها والجلالُ المهيبُ على أرؤس الحزنِ مدَّ البَصَرْ

أُشيّعهُ والدموعُ جوارٍ على إثرها

فهلْ أُصدِّقُ ـ يا ناسُ ـ شؤمَ الخَبَرْ؟

 

يؤوبُ المُشيِّعُ إلاّ أنا …

أظلُّ

على

قبرِها

واقفاً

أنتظرْ !!

 

الخامس من حزيران 1972 في بغداد

 

 

واقفة تراقبُ اسمها

وهو يخرج من فمه كأغنية ريفية

 

أنا وسلمى وجارتنا النخلة / بلقيس الملحم

 

-1-

 شقيقة الصمت

 تلك التي تحلِّق في الحلم والخيال

 في كل ليلة يسكن الفرات

تُولد من نجمة بعيدة

تهبط وهي تخبئ قبلة تحت لسانها

لا تنظري إليه

منهمكاً في رسم صورتك

أقول لها وأنا البعيدة عن تلك البلاد

دعيه يخترع أسماء الأشياء

سقي النخلات

دواليب الذكريات

وحكاية الذين لا يعودون

حيث لا ضغينة بعدك

ولا دهشة

واقفة تراقبُ اسمها وهو يخرج من فمه كأغنية ريفية

 

-2-

 يتسلل ضوؤها 

إلى قلبي

ليس من فولاذ ولا من حديد

قلبي بساتينها التي تمر فيها الأنهار

كلما وُلدتْ في السماء

أحس بملحها على جلدي

هنا على موج الخليج ..

                أو هناك في أرض العراق

وجهي يبزغُ الآن من دمعها

واسعة الروح

خفاقة الأفئدة

فأستدل على حزنه الذي لا يبلى

يقول وهو يسقي نخلتها "البرحية"*

حزني عليك كبير يا سلمى

ومن خيوط هذا الفرات

أدعوك لتحيكيه

 الآن تعالي

          فأصابعي متعبة

.

.

لكنها لا تأتي

تهبط في الماء

مثل دمعة مضيئة, خاطفة

حيث الأسماك الصغيرة

تحرك ساقيها لعلها تُثبّت الحياة في عينيه

من الميت إذًا؟

خُيِّل إليها أن النطق باسمها سيوقظ الدفء في أصابعه

لكنها لم تسمع منه سوى النحيب

.

.

-3-

 كلانا فكَّر أن يشتري لها الحياة

منذ أن رحلت سلمى وأسوار الحياة تعلن عن سقوطها

 ممهَّدة لشتلات القداح

عبور البوابة الأخيرة للموت

ترى ماذا سيكون هناك؟

 هل سيختفي بخار الأسئلة أم أنه سيتكثف ويزداد؟

نقطتان تناثرتا ولمعتا كالبلور

 هي وأنتَ من شُغفت بحبها

 كأن هاتين النقطتين فقط

 هما الحقيقة المطلقة وكل ما عداهما وهم وسراب..

 

بلقيس الملحم/ شاعرة من السعودية

...................

*نص مهدى للراحلة سلمى. زوجة القاص والأديب صباح جاسم.

*البرحي نوع من النخيل المشهور في العراق

 

أغنية لنوروز

والميلاد والربيع

 

في الشّمالِ مِنْ بلادي / ابراهيم الخزعلي

 

قَرْيَةٌ هناك ..

تَحْلَمُ بالرّبيعِ

 بالطّيور

 

بالأزهارِ

 بالشّجَرْ

بالسّهول

 بالجبالِ

 بالوديان

 

بالمياهِ

بالشّلاّل

 بالمَطَرْ

وتحلمُ

بالتّينِ والزّيتونِ

 

وتَعشقُ الشّمْس والقَمَرْ

قَرْيَةٌ تَحْتَضِنُ الضياء

تُعانِقُ السّماءْ

كالجبالِ

كالطّيورِ

كالسّحابِ

كالمطرْ

شيرينُ تَرْضَعُ طِفْلها هناك

 

وعُمَر يَجْلِبُ الطّعام للصّغار

في المساء

بَعْدَ يومِهِ الطّويل

وكاكا  سَلْمان ،

ينشد مُبْتغاه

 

وحلم اللقاء

بالحَبيبةِ الحَسْناءْ

في غابِرِ الزّمان والقرون

غَيّبَها الضّحّاك

في سجونِهِ الظّلماءْ

وفي الغروب

أُم قادِرَ العمْياء

تشْعُلُ الفانوس والشّموعْ

بالشّجونِ

بالآهاتِ

بالدّموعْ

وبَيْتها الصّغير

في قِمّةِ الجبل

تَفْتَحُ النّوافِذ الصّغار

في الصّباح

وبابها

 للشّمْسِ والطّيور ،  والأمل

لَعَلَّ إبْنها الوحيد

يَطُلّ أو يَعود

لِيَلْثم الجراح باللقاء

ويَبْعَث الضّياء في البَصَر

لَرُبّما  تَكُفُّ عن عوائها الذّئاب

حين يطلع القمر

 يحلم العراق بالرّبيع

والخصب والنماء

الطيور والأشجار والأنهار

السّهول والوديان والجبال

النّملُ والنّحْلُ والضّفادع

الشّيوخ والنساء والصّغار

وثمّة سويعة

ذاتَ رُعْبٍ

ذاتَ هول

الضحّاك من أحلامه الجحيم

يكتوي..

يفيق

يرْتعب من هاجسٍ سقيم

الذّعرُ في جنباته

 الرّعب والكابوس يعتريه

النيران والدّخان

أشباحهُ سوداء

من عيونه تطير

مُغاضِباً صاح يا جنود

انّي حَلِمْت..

 مُنذُ ألفَ ألفَ عام

  هناك ..

في قريةٍ

كنجمة حمراء

ألْمَحُ الضياء

سَيُولَدُ صَبيّ اوغلام

يحملُ في كَفّيه

زَهْرةٌ وسُنْبُلَهْ

يا أيّها الجنود

يا نيام

في بُؤرِ الخمور والمُجونِ والظلام

إذهبوا ، لومضةْ الضياء

إقتلعوا الأشجار والأزهار

أقتلوا الطيور والنساء

والشيوخ والصّغار

أبقروا البطون

أحرقوا المياه والأنهار

أطفئوا الشّمس والنّجوم في السّماء

أهدموا البيوت والجبال

إجعلوا الأرض والسماء والفضاء

مقبرة الجميع

مقبرة الأموات والأحياء

 

وهَبّت الخيول والرّجال

كالرّياح

كالأعصار

وأصبحت حَلَبْجة

في وضحِ النّهار

مُحاطةُ بالموت

والأرهاب والدّمار

لكنها لم تَرْتعِبْ

حَلَبْجةُ لم تُسقط الدّموع

لم تنكسرْ أو تنحني

قاومت الخيول

والموت والأشباح

الضّحاك ما عاد يستطيع

أن يُوقف الرّبيع

أو يقتل الرّضيع

فهو لا محال

لا محال قادِمٌ

نوروز والأزهار والرّبيع

فهو لا محال

لا محال قادمٌ

آذار والميلادِ

والأزهار والرّبيع

فهو لامحال

لا محال قادمٌ

آذار والميلاد

والأزهار والرّبيع

 

الدكتور ابراهيم الخزعلي

 

 

 

 

إلى كل شرفاء الحرف

بمناسبة اليوم العالمي للشعر

 

بطاقات إلى الغاوين / عبد السلام مصباح

 

1 -

جُمٌـوعَ الأَحِـبَّـه،

خَرَجْنَـا مِـنَ الشَّرْنَقَـه

وَجِئْنَـا

لِنُرْجِـعَ لِلْحَـرْفِ أَلْوَانَـه ُالْبَاهِـيـه،

وَنَفْتَـحً لِلشَّمْـسِ

لِلْعِشْـقِ

لِلْبَـوْحِ...

بَوَّابَـةً

فِي وَرِيـدِ الْقَصِـيـدَه.

 

2 -

جُمُـوعَ الأَحِبَّـه،

أَتَيْنَـا...

لِنُوقِـدَ بِالْحُـبِّ،

بِالأُغْنِيـاتِ النَّدِيـه

شُمُـوعَ الْمَحَبَّـه،

نُعَمِّدُهَـا بِالنَّـدَى الأَخْضَــر،

وَنُخْصِبُهَـا بِالْجُـرُوحِ

بِلَـوْنٍ رَهِيـفِ

وَبِالأُلْفَـةِ الْمُشْرَعَـه.

 

3 -

جُمُـوعَ الأَحِبَّـه،

أَتَيْنَـا...

عَلَـى ثَغْرِنَـا أَلْـفُ غِنـْوَه

وَفِي كَفِّنَـا أَلْـفُ وَرْدَه

هَدَايَـا

عَطَايَـا...

وَفِـي حَرْفِنَـا يُـورِقُ النُّـورُ

وَالْحُـبُّ

وَالْحُلْـمُ...

لِلْحَامِلِيـنَ الْجُنُـونَ

وَلِلْعَاشِقِيـنَ حُقُـولَ الْغِوَايَـه.

 

4 -

جُمُـوعَ الأَحِبَّـه،

أَتَيْنَـا...

لِنَمْسَـحَ بِالْحَـرْفِ أَحْزَانَكُـمْ

وَآهَاتِكُـمْ،

وَنُشْرِكَكُـمْ عُرْسَنَـا

طَيْشَنَـا

وَأَفْرَاحَنَـا الضَّائِعَـة

وَأَوْجَاعَنَـا الْمَالِحَـه...

وَنُشْرِكَكُـمْ نَبْضَنَـا

عِشْقَنَـا

وَكُـلَّ الْمَـرَارَاتِ

كُـلَّ الْعَذَابَـاتِ

كُـلَّ فُصُـولِ الْهَزِيمَـه.

 

5 -

جُمُـوعَ الأَحِبَّـه،

أَتَيْنَـا لِنَـزْرَعَ فِـي حَقْلِكُـمْ بَسْمَـةً

قُبْلَـةً

نَخْلَـةً

سُنْبُـلاَتٍ...

تَمُـدُّ جُـذَوراً بَهِيَّـه

تُـوَزِّعُ طَاقَاتِهَـا فِـي بَيَـاضِ الْقَصِيـدَه،

فَتُرْسِلُهَـا أُغْنِيَـاتٍ،

وَنُرْسِلُهَـا بُرْتُقَـالاً

وَزَهْــراً

وَعُشْبــاً

وَحَقْـلاً مِـنَ الضَّــوْءِ...

لِلنَّائِمِيـنَ جِياعـاٍ عَلَى الأَرْصِفَـه

وَتُرْسِلُهَـا صَرْخَـةً مُقْلِقَــه

عَلَـى الأَقْنِعَـه.

 

6 -

جُمُـوعَ الأَحِبَّـه،

أَتَيْنَـا لِنَبْـذُرَ حَرْفـاً

وَحُلَمـاً

وَحُبّـاً...

مِـنَ الرَّمْـلِ لِلْمَـاءِ

فِـي كُـلِّ صَـدْرٍ

وَفِـي كُـلِّ حَبَّــه

وَفِـي كُـلِّ قَطْـرَه

فَتطْلُـعُ فِـي تربـــة الْقَلْـبِ عِشْقـاً

جُنُونـاً

وَإشْرَاقَـهً مُثْمِـرَه،

وَتَطْلُـعُ فِـي لُغَـةِ الْعِشْـقِ ثَـوْرَه،

فَتُـورِقُ... تُزْهِـرُ...تُثْمِـرُ.. .

فِـي الأَضْلُـعِ.

وَفِـي الأُفُــقِ الأَوْسَــعِ

نُجُومـاً تُبَارِكُنَـا

تُنِيـرُ لَنَـا الـدِّرْبَ

نَحْـوَ الضِّفَـافِ الْمُضيئـه.

 

 

 

في روابيك ِ الأبيهْ !

مقبلٌ نوروز كاوهْ،

 

نوروز /  حسن البياتي

 

قادمٌ موكب كاوهْ

مع آلاف المطارقْ

تـتـنامى، تـتـناغى، تـتآخى، تـتساوى،

تـتحدى كل ضحـّـاك ٍ و سفاك ٍ و مارقْ ...

اهتفي أهلا ً و سهلا ً ، يا مغاني شقـَـلاوهْ

وارتدي، يا سرچنارْ،

فرحا ً، أبهى برود الگــُلْبهارْ

في روابيك ِ الأبيهْ !

مقبلٌ نوروز كاوهْ،

زاهيا ً، يحمل أنقى النسمات (الكاكويهْ)

من شذى نرجس ِ سولافَ إلى نخل السماوهْ ...

مقبلٌ نوروز كاوهْ،

دبـّـكي، يا دار گـورانَ

وهزي هـچـعا ً، يا ناصريهْ !

 

لندن - آذار 2006

 

 

 

يا لتعاستي اصحو من نومي

لم اجد سواي وصورة امي

 

في عيد الأم .. تلتهب زفراتي / زاحم جهاد مطر

 

صباحك يا أمي عيد

وعيدك يا أمي سعيد

جئتك طفلا على العاشرة يربو

يزحف اليك لاهثا ويحبو

 فامسحي يا امي على رأسي

 ليذهب عني بؤسي ويأسي

ضميني اليك واجمعي اوصالي التي تقطعت

ولملمي آمالي التي تبعثرت

كفكفي دموعي

وهدأي من فزعي وروعي

 دعيني انام على وسادتي الناعمة

على ركبتيك بعيون ناعسة حالمة

وهدهديني كي ارتاح واسكن

ويهدأ قلبي ويطمئن

وانا القلق المتعب الذي ضاع  بين الشتات

وبدد العمر واضاع  بين المحطات

 لاهثا خلف السراب

سالكا دروب الضباب

اين انتِ يا امي الحنون؟

اناديك ولا تردين

 هل لصوتي لا تسمعين

و بوجودي لا  تشعرين

في غرفتك التي بها ادور

لا يزال قبس من نور

من قلبك الطهور

عطر طيبك المنثور

ورائحة البخور

ونكهة خبز التنور

ها هي سجادتك وسبحتك الصغيرة فوق السرير

وصوت ملاك يردد صلواتك ودعائك الاثير

امي اين انت لم لا تجيبين؟

مشغولة انت ام تصلّين؟

ها هو وجهك المنير

 دعيني الثمه وعند قدميك اسجد

والساجد عند قدم الام ليس بكافر او ملحد

 يا لتعاستي اصحو من نومي

لم اجد سواي وصورة امي

فنفيض عبراتي

وتلتهب زفراتي

 

 

منذ قرابة الشهرين و خديجة تحتكر مصروفها كي تشتري كمبيوتر محمول فوالدها يقولان بأن هناك أشياء أهم بكثير من الحاسوب عليهما شراؤها حاليا و اليوم تعود للبيت تغمرها نشوة الفرح والإنتصار وهي ترى بأنها تميزت على صديقاتها و جاراتها فمن الصعب أن تمتلك فتاة لم تبلغ العشرين في حي شعبي حاسوب محمول. في الحافلة التي تعج بالركاب و أصواتهم المتضاربة تمعن خديجة النظر في ذلك الكيس الذي يحمل هدفا حققته بأن حرمت نفسها حتى من شراء ملاس العيد الفارط وتقول في نفسها:"لقد تغلبت عليكما و اشتريته لنفسي وأنا لا أستغرب أنكما أردتما حرماني منه أو من شيء آخر فمنذ الطفولة أعلم انكما والدان غريبان و لم أرى فيكما تلك الصفات التي تكررها الأغاني و القصائد في حب الوالدين، مبارك علي انتصاري ولتغاري مني يا أمي ولتذهب للجحيم يا أبي".

اجتمع الواللدان و أختها حولها فرحين بإنجاز خديجة الذي أوحى لهما بأنها نضجت و أصبح بإمكانها تدبير أمورها وهي برمقهم بنظرة الإستعلاء و الفخر وكأنها محارب قد قضى على الفارس الأسود الذي لم يصارع أحد من قبل إلا وقتله.

الساعة تشير إلى الثالثة صباحا و خديجة تتجول بكل حرية في حائط الفايسبوك و تكلم أصدقائها و صديقاتها و تخبر الجميع بأنه صار بإمكانها الإتصال طول الوقت وبإمكانهم التحدث على الشبكة دائما. وخصت بذلك صديقتها "إيزابيلا" السويدية التي أصبحت توأمها ومخبأ أسرارها وقد كان سبب تعارفهما تبادل المعرفة لغويا أي أن البنتان كانتا تريدان تطوير اللغة الإنجليزية لهما فتطور ذلك إلى أن أصبحتا صديقتان لا يمر يوم إلا و تتحادثان على الفايسبوك. يبدأ الحوار بأن أرسلت خديجة لصاحبتها رسالة مفادها أنها ستخبرها بمفاجئة وهي تتذكر أنها لم ترسل لها صورها قط لأن ذلك عيب و حرام ويجب على الغرباء أن يرونها فقط الحجاب و من العيب أن ترسل صورها للغرباء ولكن فرح خديجة تلك الليلة جعلها تخبر صديقتها بأنها سترها الليلة ومن ثم اتصلت بها باستعمال تقنية مكالمات الفيديو وأمضيا الليلة يتكلمان بكل فصاحة باللغة الإنجليزية و خديجة تخبرها بأنها قد رسبت في بعض المواد وهي في عامها الأول في الجامعة وإيزابيلا تقدم لها نصائح تساعدها على تخطي ذلك وتحقيق نتائج أعلى وبينما الحوار قائم و تتخلله كل حين بعض الضحكات العفوية إذ رأت خديجة أب إيزابيلا و أمها يتبادلان القبل من خلفها فأنهت الإتصال على الفور. تتصل بها إيزابيلا فلا تجيب و في المرة الثانية أجابت و كلها خجل ووجنتيها احمرتا حتى تخالهما أصيبا بسقم وتسألها إيزابيلا بكل حيرة: لماذا أنهيت الإتصال و لم تجيبي؟ هل فعلت شيئا خاطئا؟ أنا أعتذر إن قمت بشيء ما رغم أنني أعلم أنني لم أخطئ. تجيب خديجة بأنها قد رأت مشهد أحرجها جدا و ذلك ما جعلها تنهي الإتصال تحتار إيزابيلا فتكمل خديجة الكلام قائلة: في العادة حينما نجتمع في بيتنا لنشاهد فلم ما –وذلك نادر الحدوث- ويأتي مشهد مخل بالآداب كأن يقب رجل امرأة –تقول ذلك و هي تنظر للأسفل وعليها بوادر الخجل- نقوم إثر ذلك بالخروج من الغرفة أنا و أختي و يير أبي القناة فورا أو يقوم بإطفاء التلفاز و تتظاهر امي بأنها تقوم بشيء ما غير مشاهدة التلفاز في تلك اللحظة.

وبينما خديجة تخبر صديقتها بذلك فإيزابيلا قد فتحت فمها بكل دهشة و لم تقل شيئا و حين أكملت خديجة سرد تلك الحادثة انفجرت إيزابيلا ضحكا ثم أنشأت تقول: لماذا ترون بأن ذلك أمر محرج؟ ثم لماذا تتحاشون حتى الحديث عنه؟ إن القبلة هي تعبير عن الحب فحين تقبل أحدهم فأنت تقول له انا أحبك بلغة أخرى فقط. إن القبلة وسيلة تواصل و لغة لا يتقنها إلا من ملء قلبه بالحب و النور ثم إن الزواج يبدأ بقبلة و أول ما نفعله لمن يلد أن نقبله و نحن نعبر عن حبنا للأطفال الصغار بالتقبيل و حين يبكي طفل ترضيه أمه بقبلة. أترين في القبلة حرج بعد هذا؟

خديجة كانت تستمع لتلك الكلمات بكل لذة و هي تداعب خصلة شعرها و مال خدها على كفها وحين رأتها إيزابيلا كذلك أكملت: إن العاشق قد يضحي بكل ما يملك وبحياته كي ينال قبلته الأولى من محبوبته. تتذكر خديجة حبيبها الذي لم تخبر عنه أحد حتى إيزابيلا فهو يقول بأنه صديقها لمقرب وهي تقول ذلك أيضا ولكن الليل لا يمضي دون أن تتذكره وتتذكر كلماته ونظراتها و كل التفاصيل التي تحيط به بل أنها انزعجت من نفسها لأنها لم تعد تتقبل ان يحادث فتاة غيرها لأن الغيرةتنساب إليها و تهاجمها لتذهب وتقطع ذلك الحديث كي تظفر به لوحدها.

على طاولة الغداء تقول خديجة بأنها تريد أن تعزم صديقاتها و أصدقائها لوجبة عشاء لأنهم قد كانوا سندا لها في بحث لم تستطع إكماله لوحدها في الجامعة ففرح الوالدان بذلك لأنهما يران في ذلك تقدم ملحوظ في نضجها و اتفقا على أن تكون عطلة نهاية الأسبوع هي موعد العزيمة.

على طاولة العشاء و الحديث يدور عن السياسة بين الطلبة و الوالدين ينتاب خديجة شعور بان الزمن يتوقف وكأنها تخرج من ذاتها و تباطئ الزمن في عينيها وكأن كل شيئ توقف ولا أحد غيرها يستطيع الملاحظة فترمق الكؤوس على الطاولة و كأنهم يتحادثون أيضا ورذاذ العطر ينتقل من جلدها لأنف عشيقها في رسائل مشفرة وبأحرف لا يستطيع اباها أن يقرأها فتناديها أمها لتخرجها من ذوبانها وخشوعها و اندماجها في ذاتها فتقول بأن عليها مصاحبة أصدقائها في جولة منزلية تحكي لهم فيها عن القصص التي تجسدها الصور المعلقة على الجدران و التحف الفنية الموروثة و الصبغة الجديدة لغرفتها و خاصة أن عليها أن تريهم حاسوبها المحمول.

تنتشر الأصوات و الضحكات في المنزل و البهجة قد سكنت كل الجدران حتى التي تحجرت فيها دموع خديجة في الليالي الحالكات أمست و كأن لها وجنتين و قد أبرقتا. تقف خديجة و إحدى صديقاتها أمام صورة لجدها أخذها مع جثة أسد بعدما صرعه و تبدو عليها ملامح الفخر و هي تحدثها عن أمجماد جدها و شجاعته  والكرم الذي امتاز به حتى يباغتها عشيقها بقبلة فتلتفت له و يحضر في ذاكرتها مشهد والدا ايزابيل الذي رأته بعيناها فتلتفت له بكل أنوثة تمسكه يد في لحيته الخفيفة و أخرى في عنقه وكأنها ليست القبلة الأولى و تفرغ فيه كبت عشرون سنة لتشعر في لحظة أنها امرأة وناضجة و أنها مهمة و هناك من يتمنى منها التفاته فتشعر بأن شعرها يشد للخلف بقوة تفتح عينيها فتجد والدها هو من يمسك بها و يشرع في ضربها وكأنه يضرب ثور هائج بلا رحمة و يسبها بأقبح الألقاب ثم يتركها ليحمل كرسيها و يرمي به عشيقها الذي يهرب خائفا فيخرج جميع أصدقاءها من المنزل وكل يهرع وفي قلبه حيرة و خوف و شفقة على خديجة التي خضعت لقرار والدها و هو القرار الشرعي و الذي عادة ما يقوم به أجدادها و كما يقول الدين فخديجة يجب أن ترجم حتى الموت.

ترفع رأسها لترى الحجر الأخير يتقدم نحوها فتقول: يا ليتني كنت إيزابيل.

 

للكاتب بورزق ضياء الدين

 

بعواء ذئب خُتِمَتْ آيةُ الليل، وآية الصباح بدأت بصياح ديك.. فإذا الضوء المندلق من جَرَّةِ المشرقِ، ينضو الثوب  الأسود عن جسد البادية، ليلبسها ثوباً أبيض كوبر ناقة وضحاء، وإذا السماء تنسكب بمرآة الفيضة، وبيوتُ الشَعْرِ الهاجعة تُبْعَثُ ثانية للحياة.. الغبش المتشبث بأذيال عباءة الليل يفلتها، فتمزقها أنصال الصبح، الشمس ناقة شقراء تقضم ظلال البر الشاسع، فينكشف الأفق قدام الأبصار. صيحة الديك يا سيدة القصور، كأنها نفخة في الصور، وكأنما حلَّ في كائنات مرايا الرمال النشور.. الوكنات تطلق الطيور، السماء تَستقبل الصقور، الأجمات تُخرج الظباء، الحظائر تُحرر الماشية، المراعي تُضَيّف الرعاة، الكلاب تهز الذيول، تشم الأرض، تتبع الأثر، نسيم الصباح يهز أرجوحة القطا، سُرب يحلقُ وسُرب يحط، الرمال تعفر مرآة الصحراء، العشب يرسم طريقاً إلى الماء، الآبار تستقبل الدلاء، الشجيرات تنهض للضياء، الأزهار تميل إلى الشرق، الأوجار تأوي الضباع، الكهوف تخفي الذئاب، الجحور تلفظ الزواحف، النمل ينوء ببضاعته، النسور تحلق فوق الأفاعي، الأفاعي تنساب خلف اليرابيع، اليرابيع تلبد في حفر كالمتاهات، الأرانب تستطلع على قائمتين، الثعالب كامنة في الجوار، الشجيرات تنفض البرد عن عباءاتها، السحالي تلحس الندى عن جلود الحصى، تتسلق الجلاميد، تعرض دروعها لعين المُشْرِقْ. أصابع الأفق يمشطن شعر الشقراء الجالسة على عرشها، ويخلينه يسرح على أكتاف سفوح التلال.. وكعادتها في كل صباح، تنهض البادية. صياح رعاة، رغاء جِمال، ثغاء شياه، صهيل أحصنة، نهيق حمير، نباح كلاب.. هكذا هي يا سيدتي طلة الصباح على البادية، الشمس هنا تطلع سافرة لا كشمس المدينة التي تختلس النظر من وراء حجاب.. أنظري إليها كيف تسير على أصابعها حذراً كي لا تخدش ظل الخيام. تطرق بالضوء جفون بنات حواء، فينهضن، لتخلو من دفئهن أحضان أبناء آدم، فينهضوا، والوجوه ما تزال تصطبغ بالانتشاء، والمسامات تنز بعرق لهاث ليل مضى، ورائحة الحب كامنة في الثياب، وتحت الثياب أسرار تأوه، ودفء أنفاس، وتعب اصطراع، توهج وانطفاء، لذة وانتشاء.. والنساء بعد همس ولمس وآه. ينهضن ثقالاً، تاركات في ثنايا الألحفة رائحة أسرار الليل.. والرجال ينهضون خفافاً بعدما دلقوا دلاء  نواعيرهم في سواقي النساء.. الفيضة هي هكذا في الصباح. العبيد لإضرام النار، الرعاة لسوق القطعان، النساء لإعداد الفطور، الرجال لاحتساء القهوة، الأطفال إلى رحبة اللعب.. الدلال تُدار، الفناجين تُملأ، اللفائف تُلف. أفاع الدخان تنساب الى سقوف الخيام.. يا سيدة حكايات الليل، هكذا يعلن الصباح عن نفسه ليستهل يوماً بدوياً جديداً يلحقه بقافلة عمر الصحراء.. وأنا المرواتي الذي تعودتي أن تجيئي الى خيمته كل صباح، ليفطر سمعك بحكاية جديدة، أستهلها فأقول: بلغني أيتها الراوية السعيدة، أن رجلاً حضرياً كان يجوب بسيارته بادية السماوة العتيدة.. سأترك ــ لو سمحت ــ راوي الحكاية يروي حكايته، فأنا مهما بلغت من التمكن من زمام الحكاية ــ وأنت خير مَنْ تعرفين ــ أعجز عن  نفخ روح مَنْ عاشها.. ها هو ــ كما أراه ــ يتربع في صدارة خيمة الذاكرة.. سأطوي لساني وأصمت، فتهيئي فقد تُرعبين بهذي الحكاية.. ها، أرأيته وهو يستعد ليحكي حكايته التي جعلتْ الآخرين يفسحون له في المجالس، ويجلونه لبئر حكاياته الذي لا يُغَوَّرُ. لا تغمزي لي بطرف عينك. أدري، أقسم بالله ومحمد رسول الله.. أدري أنَّ علي السكوت عن الكلام المباح، ما دمنا في حضرة هذا الصباح، إذن سأسكت أنا، واسكتي أنت  لنكون كلينا من رهط سامعي حكاية السائق التي يستهلها عادة بذكر الله ورسوله، ثم يعتذر من السامعين: صبراً عليَّ ريثما أُنهي لف لفافتي وأجهز على فنجان قهوتي، فالحكاية التي سأحكيها لكم الآن حدثت ذات ربيع من رباع سنين الخير، التي أعقبت سنين القحط، التي أهلكتْ الزرع والضرع، وأقسم أني كلما مررت بمكان حدوثها بعد مرور قوافل كل هذي السنين التي أوهنت العظم مني، تذكرتها فعقد الخوف رجليَّ.. أنتم تدرون أني كنت في شبابي أجوب البادية بسيارتي (على باب الله ) وقد قادني اعتلال الشمس إلى بيت شَعْرٍ لرجل صياد ذئاب..  طلع عليَّ من عتمة الخيمة طلوع قمر الرابع عشر بجمال وجهه المؤطر بلحية بيضاء زادت الرجل جمالاً ووقاراً.. انبهرت به قبل أن تمتلئ عيناي بدرقة صدره، ورمح قامته، ولبدة شعره، التي جمعت بين الليل والنهار.. رحب بي، ناولني كيس التبغ، وسقاني من قهوته المهيلة.. كنت منشغلاً بجماله وهو يطل على أهله من فوق شك الخيمة يوجههم لتحضير طعام العشاء، حتى إذا جلس قبالتي في فيض ضوء الفانوس.. استحضرتْ ذاكرتي صورة قديس جميل رأيتها ذات غروب ملصقة على جدار حجرة طينٍ كانت بمثابة مقهى تقع على المفرقٍ بين سين السماوة، وصاد الصحراء.. ما علينا، أنتم تدرون أن الحكاية ملحُ  الليل، وأنا رجل حكاء لا تكاد الحكاية عندي تنتهي إلا وتبعتها أُختها، لكني في تلك الليلة التي نزلتُ فيها ضيفاً عند ذلك الصياد الجميل الذي زاده الخالق بسطة في الجسم، ونصاعة بالوجه، وغرة شهباء.. توقفت عن سرد الحكايات، حين انتصبتْ سبابته متوسطة شفتيه مشيراً عليَّ بالصمت والاستماع إلى حكايته المخيفة المرعبة التي كانت عن ذئب أسود متوحش، ذكي، حذر،  خطر.. استهل الرجل حكايته تلك كالمعتاد في حكاياتنا كافة بمقدمة عرفت منها أن الحكاية تدور حور الذئاب التي وصفها برغم شراستها بالجمال، قال: أنت تعرف أن الذئاب رغم شراستها جميلة، وهي من أدهى و أذكى حيوانات الصحراء المتوحشة وأمهرها في صيد طرائدها.. هكذا عرفناها مذ فتحنا أعيننا على هذا الأفق الرملي، وهي تهاجمنا في مجموعات يتقدمها من هو أكثر قوة وشراسة وخبرة تؤهله لقيادة القطيع، ومحدثك رجل من عائلة نبتت خبرة صيد الذئاب في أصلابها فتوارثتها أباً عن جد، وقد استوت خبرتي واستغلظت بعد أن اصطدت أشرس ذئاب الصحراء، يشهد لي فراءها الذي أحتفظ به، إلا أني عجزت عن اصطياد ذئب أراه كلما أغمضت عينيَّ.. إذا جَنَّ الليل عسعس الذئب كما تعرف، وذئبي الذي أحكي عنه إذا مَلَّ الطواف أتى إليَّ ليربض بين أجفاني، ذئب أسود شرس وحيد نفر عن قطيعه. يزن حوالي ثمانين كيلوغراماً، وطوله بحسب تقديري يقارب المترين، يقف قدامي، يضرب الأرض بذيلٍ طوله نصف متر، ثم يختفي في كل مرة أصوب بها بندقيتي لأرديه.. يكمن في مغارة كائنة في سلسلة تلال تحيط بغابة سدر صحراوي لا يخرج منها إلا إذا اصطبغ الأفق بالأحمر القاني ولا يعود إلا بفريسة من البشر.. استفز الرجل حواسي وجعل الدم ينط في عروقي، كان يصف ذئباً مشهوراً يُعرف بذئب اللهب.. سألته إنْ كان قد زار منطقة اللهب أو سمع بها، فأجابني أنه لم يزرها أو يسمع بها.. اتسعت دهشتي حتى ناشت الأفق المعتم، فالرجل كان يتحدث عن ذئبٍ أستوحش في منطقة اللهب التي كانت في زمن الحكاية غابة سدر كثيف يضيع فيها الخَيّال، وكانت كهوفها مؤلاً للضواري المستوحشة المرعبة، تلك هي لهب الأمس التي لم تروها، لا لهب اليوم  المكشوفة صلعتها لعيون السماء ــ ما علينا ــ عدت أسأله وأنا ما أزال متسربلاً بدهشتي. إذا كان لم يسبق له الذهاب إلى منطقة اللهب، فكيف رأى ذلك الذئب الذي وصفه وصفاً دقيقاً؟ فأجابني بمنتهى الهدوء أنه لم يذهب إلى منطقة ذلك الذئب.. الذئب هو الذي يأتي إلى خيمة أجفانه كلما داهمته خيول المنام.. عندما أنهى الرجل حكايته، كانت خيول الوسن قد دهمت أجفانه، واختفت هالة ضوء الفانوس، كأنما حطت عليه حَدْأْة سوداء، حتى إذا لفضت ذبالته آخر أنفاسها، صرت أبصر مضيفي كشبح تحيط برأسه هالة ضوء شاحبة من صنع ما تبقى من نار الموقد، ثم اختفى عن نظري، واختفيت عن نظره، حين خمد الموقد.. لكني كنت أشعر بوجوده في مطرحه بعد أن  أطارت حكايته النوم من عيني رغم تعب نهار كامل قضيته في قيادة السيارة.. كان الليل يسيل ببطء على مرآة الصحراء. فكرت بتدخين لفافة، مددت يدي أتلمس كيس التبغ، لكني ما أن قبضت عليه حتى تركته يسقط من يدي أثر صرخة انطلقت من مضيفي الذي استيقظ مرعوباً.. نَفختُ الروح بالفانوس، وهرعتُ إليه لأسقيه الماء، شرب جرعة وأردفها بأخرى، ثم سمعته يقول: ما أن غزت قافلة نمال النوم أجفاني حتى تصدى لي ذلك الذئب الأسود المرعب.. طمأنته: ما دامت الكلاب صامتة فلا ذئب في الجوار، وأردفت: سأترك الفانوس مضاء. تَلَفَّظَ بكلمات لا أتذكرها الآن ثم سقط رأسه على الوسادة، فعدت إلى مطرحي.. قبل أن ترفع يد الشمس نقاب الليل عن وجه البادية، كان مضيفي قد أذكى النار في الموقد، فأيقظتني رائحة القهوة ولما أنام.. خرجت إلى الخلاء المتلفع بعباءة الغبش. أفرغت ما في مثانتي وأمعائي. دعكت مؤخرتي بالرمل، ثم مسحت وجهي وعفرت ذراعيَّ بصعيد طيب، انتصبت بحذاء رواك بيت الشَعْرِ ووليت وجهي نحو بيت الله، حين انتهيت من صلاة الفجر. هرول نحوي جرو جميل، ظل يقفز حولي محاولاً عضَّ عباءتي.. في الخيمة كان مضيفي قد أحضر (الكدوع1) بعد أن امتلأت معدتي بالطعام، وامتلأ صدري بالدخان، تفقدت السيارة وعزمت على مبارحة المكان.. فاجأني الصياد بطلب التريث، أخبرني أن صرخته من كابوس الذئب الذي كان بطل حكاية الليلة البارحة، لم تكن خوفاً من ذلك الذئب الشرس، بل كانت تعبيراً عن الانتصار، حين سقط الذئب على بعد قامة رجل بعدما فتحت رصاصته عيناً ثالثة بين عيني الذئب. صعد إلى السيارة، قال: خذني إلى منطقة اللهب.. أجبته معتذراً: إنها تبعد عن أوتاد خيمتك مسافة ما بين الضحى والعصر. وأن الطريق إليها وعرة، فرشتها البراكين منذ آلاف السنين بالحجارة المحروقة ولذا سميت باللهب، وذكرتُ لأُثنيه عن عزمه، التلال وصعودها والشعاب ونزولها. لكنه كان عازماً على الذهاب ومصمماً على قتل ذئب منطقة اللهب:  سأزرع رصاصة بين عينيه، سأقتله في اليقظة كما قتلته في المنام.. حين دب الدفء في سجاجيد العشب التي نسجتها يد الربيع. كنا والشمس ثالثنا نقطع الطريق إلى تلال منطقة اللهب، وطوال الطريق كان الرجل الجميل يحدثني عن عدد الذئاب التي أين وكيف قَتَلْ، وكنت أسمعه والشمس تسمعه وهي ظاعنة في هودج المشرق تروم المغرب تطلبه حثيثا، حتى إذا بركت ناقتها الوضحاء في واحة العصر، لاحت لأعيننا تلال اللهب.. دخلنا في غابة السدر، أوقفت سيارتي تحت لبدة سدرة، ونزلت والصياد الجميل ما يزال يحدثني عن الذئاب وطباعها، ثم قطع حديثه وتقدمني نحو التلال فتبعته، أشار إليَّ أن قف في مكانك، وراح يفكر وهو يجس كهوف التلال بنظرات الصياد المتمرس، وكأنه تذكر كهف كوابيس لياليه، فأشار إليه وأشار إليّ، فهت قصده فأسندت ظهري إلى جذع سدرة معرشة واختفيت عن النظر.. عاد إليَّ وراح يحذرني بصوت خفيض. أبق هنا، هذا مكان غير مكشوف، والريح تهب من التلال باتجاه السدر فلا تصل رائحتك إلى الذئب، ركز نظرك على ذلك الكهف وانتبه لأية حركة، إذا رأيت الذئب ولم يهاجمك أبق في مكانك، أما إذا هاجمك فاركض بكل القوة التي تسعفك بها رجلاك واعتصم بسيارتك، أركض بشكل دائري ولا تركض بشكل مستقيم، ، فالدوران السريع يتعب الذئب. عموده الفقري المتصل برقبته لا يسمح له بالالتفات، فيضطر إلى التوقف. عندها يمكنك اللجوء إلى سيارتك، أطلق العنان للمنبه، ذلك سيرهب الذئب فيضطر إلى  النكوص والعودة إلى وجره حيث سيجدني بانتظاره، قلت: أنا لست خائف فسيارتي قريبة، إنما أنا قلق عليك.. افتر ثغره عن ابتسامة تليق بوجهه الجميل: لا تقلق أنا أعرف هذا الذئب كما أعرف نفسي. سأهديك فروته.. تركني بعد أن أنهى إرشاداته ومضى باتجاه وجر الذئب الكائن في كهف كوابيسه، وسمعته يقول سأكمن له على بعد رصاصة، وكنت أراه وهو يتقدم بخطوات الصياد الواثق من نفسه، ثم فقدته حين انحرف باتجاه المغرب ودخل في فيضة السدر المجاورة للمغارة.. ساعة زمان قضيتها وأنا في حالة ترقب وانتظار، حين رأيت سحابة غبار تعلو من أسفل التل حيث تتشابك أشجار السدر، صرخت يا ويلي، ثم فقدت قدرتي على الكلام، ولم تصدر مني سوى همهمة غير مفهومة.. كان الذئب يسحب جثة، أقسم انها جثة رجل، حتى إذا وصل إلى باب مغارته دفع يديه تحت أبطي الجثة، رفعها وأوقفها قبالته محتضناً إياها وهو يقف على قائمتيه الخلفيتين. كان فرو ظهره الأسود يحجب الجثة عن عينيّ، شل الخوف يديَّ ولم استطع إيقاف ارتجافَ رجليَّ حين بدأ الذئب بدفع الجثة إلى داخل المغارة، وفي اللحظة التي أمالها فيها ليسحبها إلى الداخل.. في تلك اللحظة المرعبة،  ضوء المغيب الشاحب، أمكنني  من رؤية الذئب وقد غرز أنيابه في عنق القديس الذي رأيته ذات غروب في الصورة  المعلقة على جدار المقهى الفاصل بين سين السماوة وصاد الصحراء  

 

قصة

حامد فاضل 

 

 

 

 

 

 

رأيت ريمة يومها زهرة ثلج ..

في صحراء من البياض ..

 

زهرة الثلج / محمد الصالح الغريسي

 

   كانت كالفجر ريمة

حسناءَ يغار من جمالها البهاء

تقيم في مسكنها الصغير

في قرية جميلة غنّاء ...

جارة السحاب

ريمة

ساكنة الجبل ...

يزورها الثلج كلّ عام

بياضا يمتدّ..

ينتشر .. يملأ الأفق ،

تتراجع أمامه الألوان ..

 تتداعى .. تتلاشى ،

فلا لون غير البياض

الثلج هذا العام

ككلّ عام

 كسا الجبال و السهول بالبياض ..

أعلن نفسه ملكا للنّقاء

رأيت ريمة يومها زهرة ثلج ..

في صحراء من البياض ..

مشيت إليها

مبهورا بالصفاء .. بالنقاء ...

ناديت عاليا:

أبشري " بلانشناج "

أنا أمير الثلج

جئت .. لأرسم المدينة الجديدة

لأبني أسوارها.

مدينة .. لا تعرف الكذب ..

 لا تعرف الخداع ...

وسط نقاء لا يشبهه سوى قلب ريمة ..

نحتّ لها من الثلج ، قصرا جميلا ..

و لكن ..

أين لي أن أقيم لها حديقة

تليق بقلبها النقيّ ..

كيف للزهور أن تنبت في الثلج !

قال سيّد البياض :

لا تحزن أيّها العاشق الشهم

قلت : مللت اللون الواحد

و عاودني الشوق إلى الألوان.

قال :

مهلك .. لا تتعجّل فلكل شيء أوان .

ثمّ برزت من خلال الثلج زهرة جميلة ألوانها

لا يشبهها إلاّ جمال ريمه

ثمّ برزت أخرى ..

ثمّ أخرى .. ثمّ أخرى ..

فكانت حديقة أجمل من الحلم ...

يا زهرة الثلج ريمه

يا سليلة البهاء و النقاء ..

يا حُسْنًا أذاب جليد العمر

و أعطى للنقاء نصاعة المعنى ..

خذوا حظّكم من العشق يا أيّها الفقراء

إنّه زمن الصفاء ..

زمن النقاء ....

......

كانت أيّام الثلج زمنا فيه ذقنا طعم السعادة :

أنا و "ريمة"  زهرة الثلج ...

و لمّا جاء الربيع

ذاب القصر

ونام الحلم

و بقي الجبل

و لبست ريمة حلّتها القديمة.

 

05/03/2017

محمد الصالح الغريسي

.......................

https://www.youtube.com/watch?v=nonJnoCCG7Y

 

 

وصوتُ فؤادِها صَدَحٌ بغُصْنٍ

يُرنّم جوهرا فيهِ تماهتْ

 

وحوش النار!! / صادق السامرائي

 

وحوشُ النارِ مِنْ جَزعٍ تلاحَتْ

فأجّتْ جَمْرَها وبهِ اسْتقادتْ

 

وألْقتْ حِمْلها فوقَ اسْتعارٍ

ومِنْ حَنقٍ على وَطنٍ تداعتْ

 

هيَ الأحقادُ مُنْطَلقُ انْتقامٍ

تُعَصِّفها عَفاريتٌ تآوَتْ

 

وإنّ الجُرحَ نزّافُ اقتدارٍ

يُباغِتُ أمّةً جَهَلتْ فهانتْ

 

وفرْطُ العَقدِ مَرهونٌ بضَعفٍ

وكلّ عَليّةٍ يوما تهاوتْ

 

عقائدُ مَجْدِها ذاتُ اعْتصامٍ

بآصِرةٍ إذا افترَقتْ تآختْ

 

وإنّ الفِعلَ جلاّبٌ لفِعلٍ

يُذكّرُها  بما كسَبتْ تساقتْ

 

كأنّ الخيرَ من شرٍّ تأتّى

وأنّ شرورَها برزتْ وسادتْ

 

وما وردتْ لرافدها وأرْوَتْ

مُصاديةً على رمَضٍ ترامتْ

 

أقاسِمها الشواردَ دونَ عِلمٍ

فتمنحني مفاتيحا توارتْ

 

أسيرةُ كنهها ظهرتْ كبَرقٍ

يوامضُ نورَها وبهِ أبانَتْ

 

وقد شَربتْ من الأقداح قَطرا

وفي قدحٍ مِنَ الأنوار فاضتْ

 

مُسرْمدةً وما فيها تغاضى

يُجاهرها بغامضةٍ تناءتْ

 

وشاردةٍ عن الإدراكِ تسعى

بدائرةٍ بها الأكوانُ دارتْ

 

ومِنْ أزلٍ إلى أبدٍ هواها

 يُغالبُ رغبةً عنها أشاحتْ

 

فكمْ جَلبتْ لنا الأهوالُ عُسْرا

وما انْكسَرتْ ولا عَثرتْ وخارتْ

 

تدوّرنا دواليبُ اعْتصارٍ

فتأكلنا صِراعاتٌ تنامتْ

 

مساوؤها على سوءٍ تَعدّتْ

كأنّ السوءَ مِنْ عُصُرٍ أساءتْ

 

وصوتُ فؤادِها صَدَحٌ بغُصْنٍ

يُرنّم جوهرا فيهِ تماهتْ

 

أيا سِرّا لهُ الأعماقُ نثّتْ

فأبْدَتْ كامِنا حتى اسْتطارتْ

 

نمرُّ خلالها والروحُ غابتْ

ومِنْ عَجَبٍ بغيْبَتِها أماتتْ

 

فهلْ بَصَرتْ وهلْ نَبَضتْ بخلقٍ

بهِ الأسْبابُ أغْيابٌ تماْحتْ!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

مهداة الى:

 بشرى البستاني

 

يا بشرى .. انها البشرى / زاحم جهاد مطر

 

يا بنت نينو ي ... يا بشرى

زفرت مع زفراتك الحِرّى

و سالت دموعي مع دموعك الحَرّى

على ما يجري وما جرى

اتيتك الان مرة اخرى

لأبشرك  يا بنت نينوى يا بشرى

وانت بالبشارة احرى

الليل البهيم عن الحدباء سرى

لا تسألي من ازرى بقومه وازدرى

ولا تسألي من باع الحدباء أو أكرى

أو للعداوة بين الاهل أغرى واشرى

فمنهم من للخيانة  تولى وللفتن شرى

ومنهم من ادبر وولّى بعد ان قميص كذبه هرى

ومنهم من للشرف والغيرة عنه اسرى

ومنهم من جعل من نفسه كمن لا يسمع ولا يرى

و فاقد الشئ لا يعطيه وانت اعلم وادرى

هم من جاء بالدواعش تترى

فماذا حدث يا تًرى؟

الذي حدث يا بشرى

ان ابن العراق من كل صوب أتى وحرى

الى فيالق التحرير جرى

سار نهارا  وفي الليل اسرى

في زمن اليأس الذي تسلل في القلوب وسرى

 ببأس صنع ملحمة التحرير الكبرى

في قمة الاتحطاط عبر الصراط سار ولكتاب التحرير قرى

وجعل داعش يرجع القهقرى وجمعه فُرَّى

انها بشارة التحرير يا بشرى