ليسَ بعدَ الانَ من يُسقي نُحاساً بالنُّحاسِ

كي يُكيلَ الوعدَ في مِيزانِهِ مَوثق صدقٍ

tariq alhilafi

مرثية الارض اليباب / طارق الحلفي

 

نبحثُ في مَرثيةِ الغيبِ

سِواراً من زُحامِ الشمسِ

او اُنشودةً لِلغُرباءِ الاصدقاءِ

او خياناتِ الصَّواري

او فَساداُ قد تَهاوى من فِخاخِ الأقنٍعَةْ

نَقمَةً

اوغُلمَةً

او غيمَ اعراس الجَرادِ

شهوةً تشهدُ ميعادَ الرحيلِ

فالسلالاتُ تخوضُ الان شُطآنَ النزيفِ

نحوَ اصفارِ الخريفِ

غرماءٌ في صحارى الدَّمِ والضرعِ الشهيدِ

قوّامونَ اشباهُ حواتٍ

ليسَ بعدَ الانَ من يُسقي نُحاساً بالنُّحاسِ

كي يُكيلَ الوعدَ في مِيزانِهِ مَوثق صدقٍ

دون ان يَختِنَ من مخبأهِ السريِّ

منشورَ المزامير جُفونَ الخُرسِ

احلافَ الوطاويطِ الطحالبِ كلَّ أسماءِ الوَطَرْ

حيثُ يختالُ الغبار بين اثداءِ البراعمِ في بلادٍ من شمالِ النهرِ

لقمانُ بن عادٍ والنساءُ *

مُشتهى هذا الهياجُ

مِنْ محاذاتِ ضفاف الخَجلِ الزائدِ والناقصِ

في ذاكرةِ النهبِ المؤجلْ

ينثرُ الثلجَ على سفلسِ اسوارِ الدخان

لملاقاة جناحَ الباردِ الساخنِ في الارضِ اليبابِ

هل لتابوتِ الجِوارِ هَدأ القلبُ واَذكى دَمعَةً تحتَ الحجرْ؟

جذوةً كان وأغضى طَرفَهُ نهبَ المكائَدِ في نواميسِ الخدر

يكشفُ النارَ التي تَرعدُ في صحراءِ غدرٍ من وضوءٍ وضجر

سادرا كان المكان في معاذيرِ الامانِ

وخطاهُ لهباً في عصفِ حشرٍ ودَوار

هلكَ العائدُ بالثروةِ والتيفوسِ ـ امراضُ الزمانِ

مُسترِدا شُبهةَ النهرِ الذي أسرى بعيدا أثرا بعد القدرْ

دَغَلاً كان خُوارُ الانحسارِ

ستموتُ السنبلةْ

وتموتُ رُقيةَ التأويلِ في كُحلِ الرِهابِ

حينَ يَغشاها الوليُّ بالوليِّ

من حدودِ الصمتِ حتى الهذيان

 

طارق الحلفي

.....................

** لُقمان بنُ عادٍ كان قد تزوج عِدَّةَ نساء، كلُّهنّ خُنَّهُ في أنفسهنّ. فلما قَتَلَ أُخراهنَّ، ونزل من الجبل، كان أول من تلقّاه صُحْر ابنته، فوثَبَ عليها، فقتلها. وقال: وأنت أيضاً امرأة.

 

 

لستُ حصاناً

يهربُ من لوحاتِ الفنانين

ahmad alhili

لستُ هذا أو ذاك (3) / أحمد الحلي

 

1

لستُ وسادةً

تتباهى إذْ يستقرُّ عليها رأسُ صاحبِها

فيغطُّ  في نومٍ عميق !

2

لستُ جسراً

يُفضي بالأقدامِ

إلى متاهة !

3

لستُ مَجرى

يمتنعُ عن أن تتدفقَ  فيه

مياهٌ  جديدةٌ  باستمرار  !

4

لستُ حصاناً

يهربُ من لوحاتِ الفنانين

ويهرول باتجاهِ ساحات الحرب !

5

لستُ مرآةً

يقفُ الأعمى أمامَها

محبَطاً  !

6

لستُ صخرةً

مزروعةً  في رأسِ جبلٍ

كثألول  !

 

 

nadia almohamadawiانها مدينة الأحلام فقط تلك التي تغفو على ساحل البحر وتغتسل اشجارها بأشعة الشمس البرتقالية التي امتلأ النهار الان بضوئها:

 ..وصلت سهى هذه المدينة بعدما تعرضت في مدينتها لاضطهاد  من قبل عدد من الناس واتهامها بممارسة السحر  .لكونها كانت تتنبأ بالاشياء..

"تتمتع سهى بنظرات واسعة وشعر طويل اسود وتمتلك صوتا رخيما لطالما تغنت به حين  كانت تجوب السهول الخضراء  في قريتها وهي تسرح بالغنمات عاشت سهى مع عائلة ظنت انها ابنتهم وكبرت بينهم ولكنها (عندما قامت تتنبأ بالاشياء خافوا منها وقالت لها امها التي ربَّتها انك ليست ابنتنا عليك ان تذهبي عنا نحن لدينا اولاد أصبحوا شبابا ونخاف عليهم منك "

شدت الرحال مع بزوغ الشمس وعبرت النهر سباحة للجانب الاخر واضعة حقيبتها الجلد السوداء على رأسها وقفت بهدوءها المعهود وقامت بالتخلص من الماء بعصر ملابسها والاستمرار بالمشي حيث ودعت قريتها دون معرفتها الحقيقية لعائلتها وهي ابنه من  وكيف وصلت لهؤلاء الناس .

استغفرت ربها واستمرت بالمسير الى ان وصلت الشارع الاسفلت ووقفت تنتظر احدا يوصلها للمدينة بعيدا عن هذه القرية واهلها الذين تنكروا لها بعدما كانت هي العزيزة والجميلة فيها .

وقفت بمحاذاة الطريق  الذي يربط القرية من الجانب الاخر تنتظر اي وأسطة تقلها للمدينة .تعبت من الانتظار والوقوف طويلا الى ان تعبت فجلست على صخرة كبيرة وأخرجت من جيب حقيبتها حافظة نقودها وبدأت تعد النقود أرجعتهم الى الحافظة وهي تتلفت يميناً ويسارا واهتمت بتخبئتها جيدا في الحقيبة مع ملابسها وانهكهاالتعب  وشعرت بالجوع والعطش ولكن هاي هي الباص قد اتت فقفزت بمنتصف الشارع وقامت تحرك يديها يميناً وشمالا حتى وقفت الباص أمامها معلنا سائقها عبارات التأنيب عليها ولكنها سرعان ما اعتلت درجات الباص وأصبحت داخل الباص وهي تبكي بكاءً مريرا

 حينها أشار لها السائق بالجلوس حتى ينطلق وطلب منها ان تكف عن البكاء وتحكي له قصتها فكففت دموعها وحكت له كل مامر بها فبانت علىى وجه الرجل علامات الحيرة والتعجب ثم انطلق مغادرا المكان متوجها الى الكراج الكبير للوقوف هناك لحمل الركاب ومن ثم المغادرة لأي مكانا حسب الاولوية والمناطق .

عند حلول المساء دخلت الحافلة الكبيرة الى الكراج وتوقفت تماما حينها التفت السائق عليها قائلا هذا هو الكراج الى اين تريدين الذهاب تفرست بوجهه ثم  ترجلت من الحافلة بلا اي كلام وهذه اول مرة تغادر البيت ولا تعرف شيئا  عما يدور حولها ولا تعرف الى اين تذهب 

خطت خطوتين ثم توقفت ورفعت رأسها للسماء ثم بدأت باستخدام قوتها السحرية التي اتهمت بها جزافا وهي مغمضة العينين بانت لها تلك المدينة الجميلة التي تقع على ساحل البحر وتلون أشعة الشمس أشجارها وأرضها وماؤها .ابتسمت ابتسامة رضا ثم توجهت مسرعة الى الباص الذي يحمل رقم سبعة وخمسون وادلفت داخله واتخذت من مقعد قرب الباب مكانا لها وهدأت تماما كانها ترى الجنة الان في مقلتيها .

"انها ذاهبة الى إسطنبول ل وهي مدينة مشعة وكان يسكنها المسلمين  سابقا ولكن ياترى ماهي ديانة هؤلا الناس الان؟ وسمعت ان كلامهم باللغة التركية  ولا يسمحون لاحد بالتفوه باي كلمة خارج نطاق لغتهم ."قطع سؤال المشرف على الركاب سلسلة افكارها حين سالها عن بطاقتها فالتفتت اليه بابتسامتها المعهودة وقالت تفضل وناولته بطاقتها..

قطع منها قسما وارجع القسم المتبقي لها وتمنى للركاب جميعا رحلة سعيدة .

رجعت بجلستها الى الوراء واستسلمت للنوم حين عرفت ان الطريق لهذه المدينة تسع ساعات وعليها ان تنام وتكون جاهزة لأي طارئ لو حدث ..

ومرت الساعات بطيئة جدا ولكنها وصلت اخيراً وكان الوقت فجرا

والبرد يعصف بالأماكن ترجل الركاب  كلا ذهب بطريق وظلت هي تراقب الوقت والنَّاس والمحلات التي بدأت تفتح ابوابها وانقشع الظلام وسطعت الشمس على كل الارض فبانت لها رؤياها بشكل أوضح واتجهت نحو البحر واتخذت لها مكانا على مَقربة من الساحل الممتد على مد النظر  واخذت تتأمل المستقبل ..

 

نادية المحمداوي

 

 

almothaqafnewspaperعلى ناصية الشارع وقفت. يداعب الهواء أمواجا من زغب أنثوي جميل، تطير ندفا أيلولية، ثم تعود تنتثر على وجنتين كحد الظبا. تمسد الفوضى الخلاقة بطرف كفها، يعود كل شيء إلى موضعه تماما، وأجمل !! هادئا على جمر في انتظار موجة سفر أخرى. العباءة فضفاضة، تلتصق بالجسد البض مرة، وتطارده مرات. تتناغم في حركتها مع وثبات الشعر، تتراقص مع نسمات غربية خفيفة، انسيابية رائقة، تصل مداها الأقصى وتتكسر . ترتد كرة اخرى ناثرة عطرا ولا أحلى .

تدق الارض بطرف حذائها، ترتفع القدم قليلا ….. دقات ودقات …. ترتكز قارورة القدس على الأرض، قلقة حرون، وكأني بها تبحث عن فسحة وفية في زمن يتداعى سريعا، ويتلاشى على عتبات المضافات .اكسجين الوقت يداعب حذائها، والكعب الجميل يرفض الانتظار على محطات اللوم والتسويف .

تناظر ساعتها، تتكسر الجفون الهدباء على الزجاج الكريستالي، ترتد الى أعمق حدقاتها، سيل من ارتدادات وامضة، ثمة حوار وعتاب . حتى الساعات لا تفي، تحتفظ بكمية هائلة من وقت ثمين، تخفيه بين العقارب الراقصة، وتقذفه في نقطة سوداء أبدية .

الوقت مشروع لم يكتمل، الجميع يمتطي رهانه، ووحده يأتي، ينسل خفية من شقوق الانتظار والوجع، يجلس على كرسي الصدارة ... يستقبلونه، يحتفون به، ويجاملونه، ولكن… بعد فوت الفوت . الوقت يشبه النساء تماما، جميل وطازج ومقدس، ولكنه يحتاج رجالا يزينونه بالعقل والاستثمار . حين يغيب الرجال تموت النساء، يتحولن الى صفحة بيضاء، بلا نقطة او حتى فاصلة، نطيل البحث عنها، وعندما نعثر عليها، تغلق الساعة أبوابها على صفرة فاقعة .

تبهت ملامح الرؤية، تتوازى الخيوط، وتتقاطع، الغبار القادم من عمق الأنانية يغشى الناصية، والصبية تحاول أن ترى إلى أبعد مدى، والوقت قصير، ليس أطول من الشارع الذي احتلته دقات الكعب . تناظر الساعة وتزفر . يغيب الرجال، وتغيب الحكمة، ترتقي إلى أيد لم يأن وقتها . بيد مرتعشة، نافرة النواشر، كريمة المسامات، عريقة التاريخ تمد يدها للتكسي، يقف سريعا، يصلح السائق المرآة، وياقة قميصه وشعره . بهدوء تنزلق داخلا، تستوي في المقعد الخلفي ويغيب المشهد .

على ذات الناصية، بين زحام البشر، ولعنة الحاجات، ثمة حزن، وعتاب، وعطر قتيل ...

 

عبد الله الصانع / سحاب / الأردن

 

 

likaa mousaalsaidiقد تتساءلون ماهي الصولة؟ او تحسبونها كما ظنت زوجتي كلمة مرادفة لكلمة شجاعة، ضحكت في وقتها كثيرا حين اخبرتني. والصولة ياسادة هي اصغر وحدة عسكرية في الهجومات التي كنا نشنها على العدو، يقودها ضابط برتبة ملازم، كنت اشرف على الصولة رقم 13  المرابطة عند منطقة ديزفول المتموجة قرب تلال حمرين وسط العراق عبر الطريق من شهربان والمقدادية، التي تقع قرب حدودنا مع ايران، وكانت الارض مزروعة بالالغام، بخرائط بالغة الدقة لايعرف منافذها الا الوحدات الهندسية التي اشرفت على تصميمها، ويتم الحفاظ عليها بسرية تامة. وبينما اقوم بتمشيط الارض مع بضعة جنود ليلا والسواد يغلف الكون من حولنا، انتبهت لضوء خافت يلوح من بعيد فطلبت من احد الجنود ان يحضر المنظار الليلي الذي يسمح بالرؤية بالظلام، شاهدت عبر المنظار ثلاتة جنود ايرانيين يتسللون عبر حقل الالغام الى اراضينا مترنحين، قال لي احد الجنود: نرميهم سيدي؟

فأجبته انتظر لنرى اين يصلون فقد يموتون من تلقاء انفسهم بلغم من الغام الحقل الذي يسيرون به.

الجنود الايرانيون الثلاثة عبروا الحقل بنجاح وصاروا قريبا منا بمئة متر تقريبا، امرت احد الجنود بقنصهم وترك احدهم لاسره والتحقيق معه لنعرف كيف تمكنوا من اجتياز حقل الالغام ؟.

مات احدهم اما الثاني فيبدو انه جرح فقد اصيب بساقه لانه سقط وظل يصرخ، اما الثالث فقد رفع يديه فوق رأسه في اشارة لانه يستسلم. حين اقتربنا منهم صوب الجريح بندقيته الي فعالجه احد الجنود بطلقة في رأسه فأرداه في ارضه، وسحبنا الاخر اسيرا الى المواضع التي كنا نعسكر فيها. أقتربت من الجثتين وبدأت افتش في جيوبهم عسى ان اجد خرائط استخدموها للنفاذ بين حقل الالغام، فلم اجد شيئاً .

ربطنا الاسير بانتظار الصباح حتى يتم تسليمه للوحدات الرئيسية، وبدأنا نتناول عشاءنا وقد شاركنا الاسير الطعام فقد امرتهم باطعامه وسقايته، بعد العشاء احضرت علبة الدومنو وجلست قرب الاسير وقلت له ممازحا : هل تحب ان تلعب معي؟ فبصق بوجهي واخذ يتمتم بالفارسية كلمات لم افهمها لكن يبدو انها شتائم.

صرخ الجندي قربي سيدي خلي احط رصاصة براسه مثل الجماعة الي هسة كومناهم.

دفعته وقلت له اتركه ليس الان.

في الصباح وقد زال مفعول الغضب من قلبي توجهت للاسير وركلته بقدمي فصحا مذعورا، وجهت مسدسي الى منتصف جبهته وافرغت فيه رصاصة واحد فقط، فار الدم من راسه واختلط برائحة التراب وقطرات المطر.

 

لقاء موسى الساعدي..

 

 

المسوخُ ينصّبونَ أنفسَهم آلهة

وينقلبونَ على المطلق

saad jasem

قيامة أخرى / سعد جاسم

 

المسخُ الظلامي

الذي يُشبهُ (فرانكشتاين)

يتناسلُ الآنَ مسوخاً

المسوخُ ينصّبونَ أنفسَهم آلهة

وينقلبونَ على المطلق

ويعصفون بالقطيع هنا وهناااااااك

إنها الخليقةُ

وقد وقعتْ في الفخّ

الذي نَصَبَهُ المسوخُ لها ولأنفسهم

أمّا البقيةُ فستأتي حتماً

لا يحاولْ أحدٌ المراوغة او المكابرة

ولا يحاولْ تجميلَ المشهد

إنها اللحظةُ الأخيرةُ

ولن ينجو أحدٌ من هذه الواقعة

صدِّقوني، سوفَ لنْ يسلمَ أحد

الآلهةُ الذين كتبوا التعاليم والوصايا

وأولئكَ الذينَ لم يكتبوا

هاهم يتساقطون

واحداً واحداً يسّاقطون

وهاهم يهوونَ عميقاً .. عميقاً

في الفخاخ التي نصبوها لتماثيلِهم

وشعوبِهم الممسوخة

أما الحشودُ والقطعانُ

فانها الآنَ تنتشي وتستزيدُ

وتتلذذُ بالولائم

وأنفال المطرودين عنوةً

وتركاتِ الخيبة

وبأنهار الدم الرخيص

ياااااااااااااااااااااه

ما أبشعَ النهايات

عندما تكونُ هكذا

وماأقبحَ البدايات ايضاً

هل هذه هي النهايةُ إذَنْ؟

ام انها قيامةٌ أُخرى ؟

من قياماتنا التي دائماً

تتناسلُ برابرةً

وقتلةً بقلوبٍ ميّتةٍ

ومسوخاً ملعونين ؟

 

 

sardar mohamadغادر زورق القمرمثقلاً بالآهات،

فرغت جراره من النوروما عاد يسكب فضته

صمت همس العشاق

لملم الفضاء ما تساقط من قُبل .

نام الباعة وخرس صريرعجلات عرباتهم اليدوية الدفع .

سُلبت قواهم وبُح صوتهم :

" شلغم شلغم مايع . يلبلبي يلبلوب بعانة ترس الجيوب .خس خس أبو الطوبة يا خس ".

ولم يبق غير تقيق الضفادع،

خرير السواقي،

 ومخموريترنح، يغني بصوت هادىء شجي،وبيده زجاجة تكاد تفرغ .

كان الوقت ليلاً ونام الناس أغلبهم،

إلا المغرمون الشعراء،

و الجنيّات يطفن على البيوت في غفلة من ساكنيها،ينفذن من زجاج الشبابيك ومن ثقوب المفاتيح أو من تحت الأبواب،ويبزغن من زئبق مرايا الفاتنات ومن مكاحلهن ويرقدن على الوسائد بين حبيب وحبيبته يُلاحظنَ ولا يُلاحَظن، وينتشرن كدخان بلا رائحة لئلا يُدرَكن .

هذه جنيّة تلتقط مالا يرى من الهواء،أنفاس تناترت من اندماج عشيقين، همسات خافتة لمناجاه محب يلتقي محبوبته لأول مرة .

وهذه جنيّة ترقب نسوة يغطين من وضعت وليدها البكر ورحن يغردّن فقد اندلق الطفل صارخاً يحتج على فقدانه الأمن والدفء قبل آوانه.

يا لليلة غامضة، إسود فيها وجه الفضاء وخفقت أجنحة الريح فزمجرالهواء واندفعت كرات من نقع تتبعها كرات تندمج فيها وتكبر فتصدعت سقوف وانهدمت بيوت الطين وقذفت الصرائف  وتشتت سعف النخيل في الفضاء، سَعل البحر فانفلت الماء غامراً الأرض،فطفا الزرع والشجر وتفرق شمل البيادر ..

إتخذت ُمن ركبتها ملاذاً ورحت ُأقبّل ساقاً مرمريّة كأنها نحتت نحتاً .

 شفاهي ساخنة ولساني جمر .

صرخت من الحرارة، كانت شفتيّ لا تفارق ساقها حتى أبلغ قدمها.وأعود صاعداً.  جاء أهلها بهلع،وراحت الجدّة تتلو أذكاراً وتدلك موضع الألم، فسكن وتوقف الصراخ  .

جاء الليل بعد نهار قضيته أفكر كيف أصرح لها بحبي دون أن أشعرها بخيبة الأمل التي سببها مطلقها إذ تركها وهي نفساء،

أختي الجنيّة العانس ستعينني، وتعرف ما أعانيه .

ستزورها الليلة .

- بالله عليك لا تؤذيها، ولا تخيفيها، واهربي عندما تشعر بالخوف، ليس سهلاً عليها وهي نفساء تركها الرجل الذي أهدته إبناً، ولم يردعه ضمير .

إضطجعت وعينيها تحملق في المروحة السقفية

الفصل شتاء، لادوران ولا أزيز، لكن شيئاً يلتف ويدور،بدأ ببطء وتسارع .

دخان يتكور ويتشتت ثم يتجمع ويهبط إلى الأرض.

محال أن يصدقها أحد، فكتمت صراخها،امرأه بلا ملامح واضحة،

- من أنت ؟ ماذا تريدين مني ؟

- أريدعوضاً عن عزيز أدخلتيه في عالمك .

- أنا!!!!!!!!!؟

- نعم أنت .وتعويضي هوالوليدهذا .

- إنه ابني،

وانفلتت منها صرخة حادة، فاستحالت المرأة من جديد دخاناً وسرعان ما التفّ

دائراً وتصاعد وتشتت مختفياً.

- العرّافة العجوز،الخبيرة الملهَمة،لابد منها،نادوها فنعرف ما الذي حلّ بإبنتي، حبّة قلبي وبؤبؤ عيني،وسنعطيها أضعاف ما تحصل عليه .

- إستلق على ظهرك يا ابنتي الجميلة،

إكشفي ساقك، لا تخجلي، بلقيس كشفت عن ساقها قدّام سليمان وحاشيته، والآن أنا وأنت لوحدنا، حتى طليقك الذي حكت لي أمك قصتكما رحل إلى غير رجعة ورقد في أحضان أخرى .

ساقك جميلة يا ابنتي،محقة أنت في سترها،

ساق رخاميّ أضاعها زوجك الأبله.

رمقتني

دارت حولي، تمتمت بعض العبارات غير المفهومة،

امتقع وجهها،بثقة قالت : لا مرض فيك، جنّي داهمك واتخذ من فخذك سكناً .

راح الدمع يفيض من مقل أمي:

 - ما دواءها ؟ سأجلبه مهما كان ثمنه؟

- أتركي الأمر لي، سيهرب صاغراً بإذنه تعالى .

رسمت العرّافة دائرة على الأرض  .

أجلسي داخلها ليلاً وبأحضانك الوليد، ولا تخافي ولا تخشي من أي كائن يقترب منك فإنه غير بالغك، فأنت محاطة بجدار أقسى من الحديد لكنه أشف من الزجاج .

بعد منتصف الليل بدأت المشاهد المزعجة تتوالى

مجموعة رجال أشكالهم غريبة ومخيفة، واحد منهم يمتطي كلباً،

آخر يمتطي غراباً أجرباً،

آخر يمتطي جرذاً ضخماً،

آخر يمتطي خفّاشاً يسيل الدم من فمه،

يمتشقون سيوفاً ذربة معقوفة .

تقدّموا حتى بلغوا حدود الدائرة التي خطّتها العرّافة،

صاح الوليد : كغو، كغو، كغو،

فسالت السيوف كأنها معدن صُهر بجمر،

 ولّوا هاربين،.

بعد أقل من إغماضة جفن

أغصان تنمو وتتشابك نحوها،

غصن بأشواك مدببة ناتئة،

غصن يقطر منه سائل كريه الرائحة،

غصن حواشيه كأسنان منشار،

غصن ببثور وثآليل ينبع منها سائل لزج.

صاح الطفل : كغو، كغو، كغو،

فإذا بمارج نار يقتحمهم فاحترقوا .

هبت ريح زعزع وامطرت لكن القطر لم يبللها واندلق كخيوط على الزجاج الذي يحميها، فتفحمت الأغصان .

وقف كل شيء وسكن .

 نزل الدخان يتلوى من السقف وهبط بسهولة إلى داخل البيت الزجاجي، فكتمت صرختها، وتحول الدخان إلى أنثى

- لا تخافي،ما جئتك لآخذ الصبي، جئتك من أجل أخي الجنّي الذي يسكنك،

يرتجيك أن تهبيه صورة ساقك المنحوتة

- ساقي ؟!

لا صورة ساقك وليس ساقك، سيراها المثّال الذي قبع في أنامل " ميخائيل انجلو " وأصابع " رودان " لينحت له واحدة، فيغادرك بسلام .

في ليلة أخرى قدمت الجنيّة وهي تحمل ساقاً رخاميّة،نادت :

 أخي،أخي، هيّا اخرج لا بقاء لك في هذه الديار .

 معي الساق التي عشقت صاحبتها،أخرج، لنذهب إلى بلادنا، ناسنا، وأهلينا .

خرج منسلاً، احتضن الساق، اعتنقها، ورحل، غادر بهدوء وعينه تترقرق دمعاً.

صغر، صغُر، وذاب في الأفق .

 

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين ذرى قنديل وقمم هملايا .

..............

* المحور الأساس لفكرة النص من عنديات الشاعرة ذكرى لعيبي .

 

يا أيها الوطن الجميل

يا شامخا مثل الجبال

ومثمراً مثل النخيل

abdulhadi alshawi

إليك أصغي / عبد الهادي الشاوي

 

أصغي إليك وأنت تصغي للمدى

ما سر أحلامي وقد ضاعت سدى

ما سر هاذي الأرض يأتيها الجراد

من البلاد القاصيات

ومن الجروح الداميّات

ومن الردى

ما سر هاذي الأرض يعشقها العباد

ما سر هذا القهر

ما معنى العناد

في كل نفس

في كل نهر

في كل سفح

في كل واد

نحن الثمار اليانعات

وأنتم أبداً لها ناراً

ونحن لها رماد

الماكثون بصلبها نحنُ

الطالعون بفجرها نحنُ

مهما استطال الليلُ

أو بعد المراد

أصغي اليك وما سواك

عراق

يا أرض أجدادي

سوى صوت بواد

يا أيها الوطن الجميل

يا شامخا مثل الجبال

ومثمراً مثل النخيل

أنت الأصيل

وأنت لي نفس و زاد

 

الدكتور عبد الهادي الشاوي

 

 

أخافُ أن يتشوّه وجهُ وطني ..

فتنطفئُ الابتسامةُ في مرايا الأطفال ..

atif aldarabsa

ثورةُ الجِراح / عاطف الدرابسة

 

قلتُ لها:

أخشى أن يَثورَ الصّبرُ ..

أن يكسرَ القيد ..

كما يكسرُ الفجرَ الظّلامُ ..

 

أخشى أن يغيبَ العقلُ ..

ويمسّني الجنونُ ..

ويهزمَني الجّوعُ ..

فأثورُ كما يثورُ الجُرحُ على الألم ..

فتتعرّى حكمتي ..

وتلبسُني قسوةُ الجاهلية ..

فأقنُتُ للشيطانِ ..

كأعمى بلا عُكّاز ..

 

أخافُ من ذاكَ الوحشِ المُخيف ..

أن يخرُجَ من جسدي ..

من أطرافِ كلماتي ..

فتغيبُ شمسُ العربِ إلى الأبدِ ..

 

أخافُ أن تفيضَ الدّموع ..

التي تجمّعت في عيون الأطفال ..

فتغرقُ الأوطان كما يغرقُ وجهُ الخائنِ ..

في زاويةِ مرآةٍ سوداءِ ..

 

أخافُ أن تتصدّعَ أركانُ ذاكرتي ..

فأفقدُ هُويتي ..

واّنسى وجهَ أمي ..

وأسماءَ أبنائي ..

 

أخافُ أن يتشوّه وجهُ وطني ..

فتنطفئُ الابتسامةُ في مرايا الأطفال ..

كما تنطفئُ في الكفن ..

آخرُ شهوةٍ للجسد ..

 

د. عاطف الدرابسة

 

 

قالتْ: في أعماقي

صمت وسكون يتجلى، يشكوني

MM80almothaqafnewspaper

الاشتهاء، ولكن ..!! / جودت العاني

 

قالت:

أتمنعُ منهُ

ولكني

أرغبُ فيه..

وأنا في هذا، أتأرجح

حلمًا ، ما

بين السهد

وبين التيه..

روحًا تعزف عن

يم الحب

وتغرق فيه..!!

*  *

قالتها :

وتهادت

كفنار

ثم ، انهمرت

دمعاتْ..

وفاضت

عيناها، بالأحلام

مع الأوهام

وارتعشت نبراتْ..!!

*  *

قالتْ :

في أعماقي

صمت وسكون

يتجلى ، يشكوني

يعبث بي

يرهق قلبي

في جوف الليل

يدفعني أصرخ :

أين تجدني خذني

إن كنتُ وميضًا

يتدفق في فكرك..

لا برقًا

يتدفق شبقًا

يلامس جرحي

ويمضي

لا يحمل شيئًا من ذكرك..!!

*  *

جزءٌ يتحدى جزءًا

لا غالب فيه

ولا مغلوب..!!

كأديم يتلهف

خيط الفجر

ندى فوق الأوراق

أوعشب مصفر

ينتظر المزنة تأتي

أو هي لا تأتي

وحشرجة الرغبة

ما انفكت تصرخ

في صمت

لا يعرفه

غير القلب المعطوب..!!

*  *

قالتها :

في صمت الناسك

في محراب الصمت

ولاذت بالصمت

ولكن ، القلب

ما انفك

يقرع ناقوس الوحدة

في صحراء

يأكلها الجدب..!!

*  *  *

 

وطردَ اليأسُ ضوء فانوسه

ولم يبقَ من العمرِ أتراب نسمه

mahmod jasem alnajar

اغتراب الروح .. / محمود جاسم النجار

 

يا لاِغترابِ الروح وسط هذه العتمة ..

لك الله يا وطني وقلبي

فمن الله السَكينة والأمان

وعند السماء زرقة ونبض رحمة

لطالما اِنتظرناه

كشوقِ فلاحٍ نثر ..

على أرضه الصَمَاء أوصاف رَسْمه

مات الفرح ..

وطردَ اليأسُ ضوء فانوسه

ولم يبقَ من العمرِ أتراب نسمه

ترى هل تاه قاموسُ الأنبياء

ونُشجت تراتيل القداسة

واستُبدلَ لون الدم ..

وباتت الأديان على الخلقِ نقمة

يا وطن الله والأنبياء

وحمورابي والسريان

والكلدان والأولياء

كيف يبعدوني عنك وأبحث

في جراب الجُدب فتات لقمة

 

محمود جاسم النجار

 

 

karima nooresawiأحس بشعاع دافئ يداعب أهدابه، فتح عينيه، إنه الضوء المنبعث من النافذة عبر فتحة التقاء الستائر. نظر إليها. كانت  لا تزال بجانبه تغط في نوم عميق. لا يظهر من وجهها المستدير سوى شفتيها الزهريتين، وجزء من وجهها المغطى بشعرها القمحي. حاول أن ينسل من الفراش دون أن تحس به. لكنها كعادتها كلما تحرك إلا وباغتته بصوت رخيم: هل أنت بخير؟ بادرته بإلقاء تحية الصباح، وسألته: هل نمت جيدا الليلة؟ أجاب وهو يبتسم: نعم عزيزتي. فردت عليه: صحيح؟ فتعجب من سؤالها وقال: لماذا؟ فردت عليه: طول الليل وأنت تهذي. ناديت على أمك وأبيك عدة مرات. طلبت الرحمة من ربك، رحمتك يا حبيبي يا الله. ارحمني يا الله. لقد كان صوتك مخنوقا، وكنت تتنفس بصعوبة. حملق في تفاصيل وجهها وابتسم وقال: ربما كنت تحلمين كالعادة، محاولا تجاوز تساؤلاتها. غير أن ملامحه كشفت عن مدى حزنه الدفين، ونفسيته المنكسرة.  نزلت بسرعة من السرير، ناولته كأس ماء، وبعض حبات الدواء، وأردفت قائلة: خذ حمامك ودعنا نكمل برنامجنا الذي خططنا له مسبقا، فالجو جميل، وقلما نجد يوما مشمسا في سماء باريس المكفهرة.

أخذ حمامه بسرعة وخرج. وجدها كالعادة اختارت له ملابسه، قميص أخضر يانع في لون الربيع، وسروال أسود، وحذاء نصف فصلي. حضر نفسه وانتبه إلى أنها تُحب شرب القهوة، فأعد فنجاني قهوة. وبعد برهة من الزمن برزت أمامه في كامل زينتها. نظر إليها مبتسما: ما يحز في نفسي هو أن أفقد هذه الإطلالة، وهذه الابتسامة في يوم من الأيام. مسحت بيدها على رأسه كأم حنون تعطف على صغيرها: أرجوك أيها الطفل المدلل، لا نريد أن نفتح الحديث عن الموت، إنه قدر محدد بزمانه وبمكانه. لا يمكن تجاوزه ولا إيقافه، إلا أن الحديث عنه يا عزيزي يخنقني، يقطع أنفاسي، أرجوك. أنت لا زلت في البداية. الطبيب أكد أن الخلايا نائمة، لم تنشط بعد. ويمكن القضاء عليها إما بالدواء أو الاستئصال. لا زلنا في مرحلة التشخيص. فلا تيأس. إن رحمة الله واسعة.

بادرها قائلا: لن أستطيع أن أتصورك أو أتخيلك مع رجل آخر، ولا أستطيع مجرد التفكير ولو للحظة أنك ستكونين لغيري عندما ألج العالم الآخر، وأذوب في غياهب النسيان، وأصبح مجرد ذكرى عابرة. مسحت عينيه، طبعت قبلة على جبينه، ناولته فنجان القهوة، قالت: أنا الأخرى لا أتصور نفسي لغيرك.  ثم أمسكته من يده وخرجا لتناول وجبة الإفطار بالفندق. كانت تصر على انتقاء المغذي من الأطعمة، بل حرصت على تغذيته بيدها، عيناها لم تفارقه ولو للحظة كما لو أنها لن تراه بعد اليوم. استقلا طاكسي، وطلبت منه إن يوصلهما إلى برج إيفل. وفي الطريق كانت تتحدث مع السائق مستفسرة عن بعض المآثر، وأماكنها، وتترجم له كل الحوار الذي دار بينهما حتى لا يحس بالملل. مر الطاكسي بجانب جسر العشاق، فاستأذنت منه أن يتوقف لبضعة دقائق. نزلا  على عجل من الطاكسي، اقتنيا قفلا، وكتبا عليه بعناية اسميهما، وهرولا مسرعين إلى الجسر، وقبل أن يعلقاه بجدار الجسر، طلبت منه أن يتمنى أمنية. همس في أذنها: أمنيتي أن أحيا لكي أسعدك طول العمر. فقالت في نفسها: أمنيتي أن أموت قبلك. سألها: ماذا تمنيت؟ أجابت: لن تتحقق الأمنية إذا ما نطقت بها. وأكملا الطريق إلى البرج.

وقفا في الطابور، قال: هذه المرة لن أهزم من هذا الحشد الكبير لأنك معي، والوقت معك يجري بسرعة الضوء. ضحكت ملء فمها: ستمل يوما ما مني عندما أصبح عجوزا، أضع طقم أسنان، وأضع نظرات طبية، واستعمل في أذني قوقعة سمعية، و لا أمشي إلا وأنا متكئة على عصا.  ستكونين أجمل عجوز، وأجمل أم، وأجمل حماة، سأراك جميلة لأنك تُحفة والتحف يزيد جمالها مع مرور السنين. وهما يصعدان أدراج البرج كانت تحس به يبذل مجهودا، بادرته قائلة: تعال نستعمل المصعد. اعترض بلباقة وقال: أريد أن استمع معك بالصعود درجا درجا. لكنها استطاعت أن تقنعه بأن يستقل المصعد في الطابق الأخير. جلسا بمقهى مدة طويلة ثم طلبت منه العودة. فقد حان وقت الدواء. أصر على البقاء هناك وتناولا وجبة الغذاء، وأبدى رغبته في البقاء إلى المساء حتى يستمتع بمشاهدة لحظة إضاءة البرج. طول الوقت كان ممسكا بيدها، يتجولان في سماء باريس، ويتحدثان عن الحضارة الفرنسية العريقة.  ودون أن يعبآ بالوقت تمت إضاءة البرج. وفي لحظة الإضاءة صرخ بأعلى صوته اشهدي يا باريس يا أكبر مدينة في فرنسا أن حبي لأمنية أكبر منك عشرات المرات. فنطقت اشهدي يا أرض وابلغي السماء أن حبي لكمال أكبر من الكون. ضحكا معا، وهمّا بالعودة.

وفي المصعد أثناء النزول من البرج، كانت تتفرس في الأعداد الهائلة من السياح من جميع الجنسيات ومن جميع الديانات، بل ومن جميع أنحاء العالم.  فتح الحارس باب المصعد، هب بالخروج فأحس بألم فظيع يقطع أحشاءه، تراجع إلى الخلف من أجل استعادة توازنه، ظل واقفا، ساندا ظهره إلى جدار المصعد. التفتت لتبحث عنه بعد أن خرجت من المصعد. وفي لحظة شعرت أن شيئا ما حملها وقذف بها بعيدا، وأن صوتا قويا أصم أذنيها، وأنها غابت عن الوعي. وبعد لحظة فتحت عينيها لتجده يمسكها بين ذراعيه وهو يقول: أمنية حبيبتي أرجوك لا تغادري لا تتركيني، وسمعت الناس تصرخ: إنها عملية إرهابية نفذها عضو من أعضاء الخلايا النائمة. نظرت إليه وقالت مبتسمة: هل استيقظت الخلايا النائمة. رد وهو يجهش بالبكاء: ما أقساها من خلايا ألعن من الخلايا السرطانية التي تفتك بجسدي. لا تتركيني حبيبتي. فردت بصوبة كبيرة: هو قدرنا أن نكون معا ضحية الخلايا النائمة، وضاع صوتها تدريجيا وسط ضجة الصراخ وأبواق سيارات الإسعاف والشرطة.

 

د. كريمة نور عيساوي

 

ترجمة لقصة الروائي

ايفان بونين

jawdat hoshyar

كامارغ / ترجمة: جودت هوشيار

 

صعدت الى عربة القطار في محطة صغيرة تقع بين مارسيليا وأرل . وسارت في ممشى العربة وهي تتلوى في مشيتها، فيرتج جسدها الغجري – الأسباني كله. جلست بجوار النافذة على مقعد منفرد، وكأنها لا ترى أحدا، ثم أخذت تكرّز الفستق المحمص .وبين حين وآخر ترفع طرف تنورتها السوداء العليا لتدس يدها في جيب التنورة الداخلية البيضاء البالية.

العربة ملأى بالناس البسطاء ولا توجد فيها قمرات منفصلة بل صفوف متراصة من المصاطب، وكان عدد من الجالسين قبالتها يحدقون فيها من وقت لأخر بنظرات نافذة.

كانت شفتاها تنفرجان فتكشفان عن صفين متناسقين من الاسنان البيضاء النضيدة . وفوق شفتيها زغب خفيف ضارب الى الزرقة يتكثف عند زاويتى فيها، كان وجهها الاسمر الغامق، الدقيق التقاطيع،الذي يضيئه الق اسنانها بدائياً ووحشياً، وعيناها اللتان تميلان الى الأستطالة كانتا في لون اللوز المشوب بالصفرة الذهبية ونصف مفتوحتين، تحت جفون بنية غامقة، تنظران بطريقة ما الى داخل ذاتها بعين فاترة ذابلة في استرخاء بدائي لذيذ .

شعرها الفاحم السواد الذي كان مفصولا بمفرق يتدلى بجدائل مجعدة على جبهتها الواطئة وبمحاذاة جيدها كانت الاقراط الفضية الطويلة تلمع، وشالها الباهت الأزرق، مسدلا على كتفيها المستديرتين بعقدة جميلة على صدرها . كانت يداها اليابستان الهنديتان ذات أنامل موميائية وأضافر فاتحة اللون، وظلت تقشر حبات الفستق بسرعة وحذق القرود بحيت أتت عليها كلها. نفضت القشور عن ركبتيها، ثمّ أغمضت عينيها،ووضعت ساقا على ساق، واستلقت على ظهر المقعد، ومن تحت تنورتها المطوية بدا قدها الاهيف المشدود بالغ الروعة، وردفاها بارزتين كنتؤين صلبين بخطوط منسابة، كانت تنتعل خفا مصنوعا من قماش أسود ومشدودا بشرائط ملونة، زرقاء وحمراء، وتبدو من خلالها، قدمها النحيفة العارية المدبوغة بالسمرة .

غادرت العربة قرب محطة ارل، قال جاري بحزن - لسبب ما - وهو يودعها بنظراته:

- أنها كامارغية

كان جاري رجلاً من بروفانس، ضخم الجسم، وقويا كالثور، وقد احتقنت خداه بالد م .

 

ترجمها عن النص الروسي

جودت هوشيار

..............................................

* كامارغ: منطقة رائعة في دلتا الرون، فيها العديد من البحيرات المالحة والمراعي الخلابة، وبعض من أروع الشواطيء في جنوب فرنسا .

** إيفان بونين (1870 – 1953) روائي وقصصي كلاسيكي عالمي، وأول كاتب روسي يحصل على جائزة نوبل في الآداب سنة 1933

 

 

انما هي واقعة،

تدنى من حبها خَجِلٌ، ضوء النهار،

akeel alabod

عاشوراء / عقيل العبود

 

عاشوراء!

مقطعان في تاريخ بصماتها سر؛

عاشَ بفتح الشين، وراء الزمان، وقبله وطر،

لذلك معناه، يلقاه مَنْ في قلبهِ الطهر،

اسم بحاءٍ، وسينٍ، وياءٍ،

والاصحابُ في حبهِ عطرُ.

***

بقعةٌ من المكان حكت اسوارها،

جرح في وصفه، تعبت اسرار الكون،

حتى سماء الدجى، وتلك النجوم الطالعات غدت،

من حزنه، ضوؤها حمر.

***

قصة، وتاريخ، وملحمة،

السجاد، والعباس، لكل فيهما اجلُ،

كما راس ابي الأحرار، ورقية أمر،

من الله قالت، ولم تخف زينب،

وهي  في ثوب الوغى مكبلة، اقدامها أسر.

***

كربلاء ليس بمعركة،

تاج يزيدٌ أطلَّ عليها،

وقادها الشمر،

انما هي واقعة،

تدنى من حبها خَجِلٌ، ضوء النهار،

فانبرى في شمسه الدهر.

***

ولادة أزلية، نهار ألطف في أعماقها،

زينب جمر،

هي ام المصائب،

هكذا ليلها، ونهارها ستر.

***

إرث، تاجه بعد اجيال مضت،

نبي سيأتي لا محالة قالها القمر،

اسمه روح، وريحان، وهو بيت الزمان،

ما بعده عمر.

***

 

عقيل العبود/ ساندياكو

 

كَحبة القمح بين دفتي الرحى

طحنت زهرة أيامي.

khalid deerik

جنازة بلا نشيج / خالد ديريك

 

أترنح في فلاة بُعدك ظامئا

أحبو إليك على زمهرير الانفراد مرتعشا

*

يتسلل صدى صوتك كالبرق إلى مداري لاهثا

يزاول فنون اللهفة على نافذة الفراغ متبرجا

*

تفرق أنامل كفيفة ....

هواجس كثيفة....

عن خلايا العقل،

تستطلع دروب آمنة

لاختراق هالة القمر ومعانقة هامة الضوء

واستعادة نعمة البصر

*

وقبل قطع وثاق القهر

تشتبك الأقدام بخيوط الدُّجنة المنسدلة

تفرط عقد الحلم في هوس الريح

تذوب قشعريرة اللقاء في دوامة العلقم

تتقلم أجنحة الأمل في كوخ الذعر

تفقد الروح مفاتيح العزم

يتعثر القلب بشظايا الجوى

فيرتديني العقم....

يأسرني اليأس....

يطاردني الطيف....

كآخر حشرجة للموت

كآخر سنبلة في حقل محترق

كآخر زقزقة لعصفور مَهيض الجناح،

احتضر تحت وطأة التيه والإخفاق

أتحول إلى جنازة بلا نشيج

كَقائد مصاب ....

لم يجني سوى الهزيمة

في معركة المصير

وقبل أن يعبر....

أكوام الجثث وسيول الدماء

جرده صهيل خيل

الوجهة والمسير

والتهمته زوبعة الحوافر

سحقا

*

كَحبة القمح بين دفتي الرحى

طحنت زهرة أيامي.

 

almothaqafnewspaperأمر ما جعل السادن يقضا تلك الليلة على غير عادته، فقد كان ومنذ أن وطئت قدماه أوّل مرّة تلك البقعة المقدّسة ينام ملء جفنيه وهو ينتظر تباشير الفجر الاولى ليفتح أبواب الضريح المقدّس لأول المصّلين. لم يفهم السادن هذا الأمر، الّا أنه كان في حالة من الشرود وشيء من الخوف رغم قدسية المكان ووقعه النفسي عليه. ومع تقدّم ساعات الليل والمدينة تغط في نومها بإنتظار نهار جديد لتبدد فيه أشعة الشمس فلول الظلام. كان الشرود والخوف يتحولان الى رعب داخلي وتوسل خفي ورغبة جامحة بصراخ قد يجلب معه شخص ما ليكون أنيسه حتى الوقت الذي يشدّ الليل فيه أسراره راحلا.

الضريح ليس نفس الضريح، قالها محدّثا نفسه وهو يتقدم بقدمين مرتجفتين بضع خطوات نحو المكان المألوف عنده منذ سنوات طويلة والذي يبدو غريبا عليه اليوم. "يا الله . يا رسول الله .. يا ابا عبدالله" ظل يبسمل ويحوقل وهو يتقدم ببطء شديد نحو الرواق المؤدي للقبر الشريف، ما لي لا أرى نور في الرواق؟ قالها وهو يحاول إشعال عود كبريت بيد مرتجفة ليتفحص موقع قدمه على البلاط الأملس. على الرغم من حالة الهلع والخوف الا أنه إستطاع أن يجمع ما تبّقى عنده من قوى على ضعفها متخطيا المتر الأخير الذي يفصل الرواق عن القبر. وما أن مدّ رأسه على ضوء عود الكبريت وهو يشاهد القبر، حتّى كتم صرخة كانت كفيلة بإيقاظ المدينة بأكملها. يا إلهي، قالها وهو ينظر الى القبر مفتوحا ولا أثر للجسد المقدّس !!! أين الجسد الطاهر، أيعقل أن يعبث به عابث؟ ولو كان هناك عابث ما فكيف دخل الضريح ووصل الى حيث القبر والأبواب مغلقة ولم أغادر مكاني للحظة؟

الدقائق كانت طويلة وثقيلة على السادن وهو يسبح في بحر من الظلمات بعد أن أكلت النار عود الثقاب الذي كان قد أشعله، كان وهو يحاول أن يرى موقع قدميه أن يتذكر جغرافية المكان ليخرج من محيط القبر الى حيث ضوء الفجر الذي بانت خيوطه الأولى تلك اللحظات. وما أن إستدار قليلا نحو ما كان يتوقعه مخرجا للرواق المؤدي الى الخارج حتى أغمض عينيه بكلتا كفّيه لشدّة النور الذي كاد أن يفقده بصره. من أنت؟ سمعها بوضوح وعن قرب. لم يستطع الإجابة للوهلة الأولى وكانت كفّاه لازالتا تغطيان عينيه ليحميهما من الضوء الساطع الذي غطّى المكان، الّا أنّه ولهدوء الصوت ولمعرفته بقدسية المكان الذين خففّا عنه حالة الرعب التي كان يعيشها لحظتها، أجاب وبصوت مرتعش وبعيد جدا: أنا سادن ضريح الإمام الحسين "ع"، فجاءه الصوت آمرا هذه المرّة  أن إرفع كفّيك لأحدثّك.

ببطء شديد أبعد السادن أصابعه وهو ينزل كفّيه عن عينيه ليرى محدثّه خلسة وليعتاد على الضوء الذي كان قد ملأ المكان، فرأى رجلا ذا هيبة وخطّ من الدماء الطرية تحيط برقبته فتلعثم بالكلام قائلا: من أنت سيدي؟ فأجابه الرجل: أنا الوتر الموتور، أنا أبا الأحرار. حينها جثا السادن على ركبتيه ووجهه نحو الأرض كالساجد قائلا: سيدي الحسين بن علي، أنا عبدك وإبن أَمَتِكْ، فنهره الإمام الحسين أن قم ولا تسجد لأحد قط الا لله. فنهض السادن ببطء وهو ينظر الى الحسين بنظرة هي مزيح من الرهبة والفخر قائلا: أين كنت سيدي، ولم عدت بعد كل هذه القرون الى كربلاء!؟

الحسين: كنت في الشام، لأعيد رأسي الذي قطع  يوم العاشر من محرم، بعد أن خذلوني شيعتي وشيعة أبي، وعدت اليوم لأرى حالهم  وهم  يطوفون حول قبري هاتفين "يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزا عظيما".

السادن: شيعتك اليوم سيدّي يمتلكون قرار البصرة والكوفة وبغداد وأحفادك بعمائمهم يوجّهون الناس من النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء الى ما فيه صلاح العامّة منهم والخاصّة ولأننا معك، ترانا سيدي قد فزنا فوزا عظيما. ونحن اليوم ننتقم من قتلتك، فمختارنا اليوم كما مختار الأمس يقود جيش شيعتك ضد جيش يزيد الذي قتلك وسبى أهل بيتك الطيبين الطاهرين.

الحسين: لا تراوغني يا هذا، فأنت تعرف جيدا ما حلّ بي وبأهل بيتي ورسولي إليكم مِنْ قتل وسبي لنساء وبنات جدّي رسول الله بعد قدومي إليكم، وكان معي حينها مئات الكتب والصحف التي بعثتموها  لي بخطكم وأنا بمكّة "أنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق" 1

السادن: ولكننا .....

الحسين: مَه، فأنا لم أنهي حديثي بعد، ثم جاءتني رسلكم بصحيفة تقول "أمّا بعد، فَحيَّ هَلاَ، فإنّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعَجَلَ العَجَلَ" 2 . وأخرى تقول "أمّا بعد، فقد أخضرّ الجَنابُ، وأينعت الثمار، وطمّت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجنّد، والسلام عليكم" 3

السادن: ولكننا اليوم غير الأمس سيدي ومولاي، فلك بالعراق اليوم جند مجنّدة وأسلحة شاهرة وعمائم ساهرة سائرة على نهجك.

الحسين: كان فقراء شيعة أبي وشيعتي وجمهور المسلمين يعانون الأمرّين عهد "معاوية " ومن تلاه من ملوك بني أمّية وبني العباس وغيرهم، وحسب حديثك فأنّ حالهم قد تغيّر نحو الأحسن إذن وأنتم تمتلكون زمام الأمور.

السادن: متلعثما، هناك على الدوام فقراء وأغنياء سيدي وأنت تعرف ذلك و ....

الحسين: دعنا ممّا تقول وأصحبني لأرى الناس وأحوالهم.

السادن: تستطيع سيدي أن ترى شيعتك في أيام محرم هذه و .. ...

الحسين: "بعصبية" أنا هنا لأرى أحوال الناس وليس شيعتي وبقية المسلمين يا هذا، فالناس كما قال أمير المؤمنين الإمام علي صنفان (إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

حينها كان الليل يودع سماء المدينة والفجر قد لاح في الأفق، فصلّى الأمام الحسين وخلفه السادن صلاة الفجر والناس في الخارج لم تجد تعليلا للسبب الذي دعا القائمين على الضريح بعدم فتح أبوابه لتأدية الصلاة. وما أن أتم الامام صلاته حتى خرج متنكرا ومعه السادن الى المدينة التي كانت الحركّة قد دبّت فيها وهي متشّحة بالسواد، والبيارق تغطّي الشوارع والساحات وأسطح المباني والبيوت.

الحسين: هلمّ بنا الى ضواحي المدينة لأتجوّل فيها فهناك دوما يعيش الفقراء.

السادن: لكنّ المدينة ليست كما الأمس مولاي، فهي اليوم مترامية الأطراف وأنا أرى الدماء لازالت تنزف من رقبتكم المباركة، فلم لا تستريح اليوم لنرى أمر الدماء فيها وتؤجل الموضوع للغد سيدي. "كان السادن يريد عدم خروج الحسين الى الناس لحين إخباره المسؤولين من ساسة ومعممين عن خبر حضوره ليتّخذوا ما يروه مناسبا".

الحسين: لست أنت من يقرر الأمر، هلم معي إن شئت أو أمكث حيث أنت.

السادن: بل أنا خادمكم سيدي.

في العشوائيات التي تحيط بالمدينة وقف الحسين مذهولا من حال الناس فيها، صور فقرهم وعوزهم  تمثّلت أمامه وهو يرى أطفالاً عراة ونسوة متّشحات بالسواد والبؤس يغطّي وجوههنّ. هناك حيث كان الجوع  هو سيد المشهد وبيوت الصفيح المتهالكة  ترفرف فوقها الأعلام وعبارة "يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما" منقوشة على كل صفيحة من صفائح البيوت البائسة ومعها صور لرجال ملتحين وعمائم تشّوه المكان المشّوه أصلا بدونها. وقف الحسين في ساحة تتوسط تلك البيوت المحرومة من كل شيء يوحي بآدمية من يعيش فيها متأملا حال الناس والذلّة التي يعيشونها.

وما هي الا لحظات حتى كان خبر وقوف الحسين وقفته تلك بوسط الساحة قد تسلل الى كل "بيت" في تلك البقعة البائسة، ولم يرى الحسين وبجانبه السادن الذي تعرّف عليه الناس هناك نفسه الا محاصرا بالآلاف من البشر بعد أن تعرفوا عليه وهم يهتفون غير مصّدقين "علي وياك علي" !! وما أن سكت الناس وجلسوا يفترشون الأرض حوله حتى خطب بهم قائلا:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين، جدي أبا القاسم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

أيها الناس أما بعد ..

لقد عدت الى هذه الدنيا الفانية بعد ما يقارب الألف وأربعمائة عام من قتلي على يد جيش الظلم والكفر وبعد أن خذلني وأهل بيتي شيعتي وشيعة أبي وسلّوا سيوفهم بوجهي، عدت بعد أن بكت حتى ملائكة السماء على حالكم وأوضاعكم المزرية وأنتم تئنون من وقع الظلم والأضطهاد عليكم وعلى أبنائكم، عدت من جديد عسى أن أنجح هذه المرّة وأنتم بالملايين في أن "أصلح الأمر في أمّة جدي" بعد أن  شاع فيها الفساد والظلم. عدت لأبثّ فيكم روح الثورة على الطغيان، عدت لأقول لكم كما قلت لجيش يزيد بن معاوية "إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم". فجاء رد الجماهير مدويّا "هيهات من الذلّة .. هيهات منّا الذلّة".

أيها الناس ...

لا أظنكم وأنتم تعيشون كما أراكم بفقر وجهل وجوع ومرض، جادّين فيما تقولون. والذي نفسي بيده أنّ من يعيش عيشتكم هذه دون أن يثور لإصلاح أمره وهو يطيع "أولوا الأمر" ويبايعهم مرّة ومرّتين وثلاثا وهم يزيودنه فقرا وتعاسة وجهل، لهو في ذلّ ما بعده ذل. لقد وقفت وأنا إمامكم على ما تدّعون والجيوش تحيط بي وبأسرتي وأصحابي على قلّة عددهم وبعد أن خيّرني الطغاة بين أمرين أحلاهما أمّر من العلقم، فصرخت بوجوههم  "ألا وأنّ الدعي بن الدعي قد ركّز بين إثنتين بين السِلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسوله".

أيها الناس ...

اليوم وأنا بينكم من جديد لآخذ بيدكم الى حيث حريتكم وكرامتكم وأنسانيتكم التي سرقها لصوص الله، لا أراكم الا بين الذلّة والذلّة. اليوم أسمع أمير المؤمنين علي يدعو ربّه قائلا "اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني"، فلله درّك يا أبا الحسن فها أنا أرى الله قد أستجاب لدعاكم وأنّي أرى القوم يجهدون أنفسهم كي يتولّى الأشرار أمورهم فيذيقونهم العذاب.

أيها الناس ....

قال جدّي رسول الله "صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي وإذا فسدا فسدت أمّتي وهما الفقهاء والأمراء"، والذي نفسي بيده لم أجد أفسد من فقهائكم ومن أمرائكم حتّى عهد معاوية وإبنه يزيد، ولكن والحق حقّ وعليّ  قوله فأنّكم أكثر منهم فسادا كونكم أعطيتموهم يدكم إعطاء الذليل الصاغر والعبد الحائر الذي يبدلّ نير بنير. مالي أراكم وقد وهبكم الله عقولا وأجساما تكفرون بنعمته فتهبون عقولكم ليفكر الفقهاء الأشرار بدلا عنكم في أمور دينكم ودنياكم، وما لكم وقد وهبكم الله أجسادا تتركوها بيد الأشرار من أمراؤكم  ليذيقوها الجوع والذل عوضا عن إستخدامها لحريتكم من عبوديتكم لهم!!

أيّها الناس ...

أني سأسير بكم من يومي هذا الى حيث قصر الإمارة وأبن زياد في خضرائه ببغداد، لأصلح الأمر في أمّة جدي  مع معرفتي بصعوبة ما أقدمت عليه وإمكانية قتلي من جديد على يد جيوش السراق والمرتشين من الميليشياويين القتلة سارقي قوت أطفالكم وخونة وطنكم.

الجماهير تقاطعه وهي تبكي وتلطم وجوهها بهتاف "هيهات منّا الذلّة .. هيهات منّا الذلة"، سر بنا على بركة الله لنطهر ذنوبنا بإنتخابنا اللصوص مرّات ثلاث ولنصلح حالنا بعد أن لَبَسَنا البؤس والجوع  لسوء إنتخابنا.

في تلك اللحظات وما أن جال الحسين ببصره  وإذا بالناس على مدّ البصر، فخبر وقوف الحسين وقفته تلك كانت قد وصلت الى  بقية العشوائيات وكامل مدينة كربلاء التي كان تموج بزوار قبره في أيام محرم تلك. ولكن أمر ما جعله يستعيذ بالله وتلى "إنّا لله وأنّا إليه راجعون"، قالها الحسين وهو يشعر بالخطر القادم بعد أن رأى رحيل السادن خلسة  ودون إذن منه.

جلس بعدها الأمام الحسين على سجّادة متهرئة والناس تتقدم نحوه لتبايعه على المسير نحو الخضراء والثورة على الطغاة والمجرمين الذين فيها، وما أن أذّن المؤذن صلاة العشاء حتى كان عدد من بايعوه من العراقيين يزيد على الخمسة مليون رجل وإمرأة من شيعته.

قصور الخضراء في بغداد

في الخضراء لم تكن الأوضاع تلك الساعة كما هي عليها كل يوم، فالسادن الذي وصلها ومعه الفقهاء من النجف وكربلاء ولحق بهم فقهاء الكاظمية وسامراء، وفقهاء قم وطهران الذين وصلوا اليها بالطائرات على وجه السرعة.  كانوا جميعا في حالة عصبية، ومعهم ساسة الخضراء الإسلاميين ورجال العصابات وهم يناقشون الخطط التي عليهم إتّباعها لمنع وصول الإمام الحسين ومعه هذا البحر المتلاطم من شيعته الى حيث يقيمون. كان الهلع سيد الموقف الى أن جاءهم خبر وصول ممثل ولي الفقيه والذي تعذّر عليه الحضور لأسباب صحّية، طالبا منهم الهدوء لسماع رأي الولي حول الأمر، ولأتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على وحدة الصف  لإستمرار السلطة بيد المعممين والعصابات في البلدين حفاظا على مصالح الجميع.

أنّ إيقاف قافلة الحسين ومن معه أو من سيلتحق به أمر لا نقاش فيه ومن دون الخوض في الأسباب، هكذا بدأ رجل معمّم حديثه وهو يوجّه كلامه الى الحضور الذين أكتضت بهم أكبر قاعات الاجتماعات في الخضراء.

أحدّهم "مقاطعا": كيف تريدنا أن نوقف القافلة وهي كالبحر المتلاطم كما نقل لنا السادن وأعيننا التي معه  أخبارها.

ممثل ولي الفقيه: بكل السبل المتاحة والتي سندرسها بهدوء، فموعد وصول الحسين والرعاع الذين معه لن يكون قبل ثلاثة الى أربعة أيام.

آخر: رعاع!! أتعني أنّ شيعة الحسين من العراقيين رعاع  قالها بعصبية ظاهرة.

نظر ممثل الولي الى باب القاعة، وما هي الا ثوان وإذا بالرجل يسحب الى خارج القاعة وصوت رصاصة تدوّي فيها. وليخيم الرعب والصمت على الحضور وكأن على رؤوسهم الطير.

إسمعوا جيدا قال ممثل الولي  بلغة عربية ركيكة، أننا نعرف من أنكم لستم سوى عصابة من السراق والقتلة، ونعرف كما تعرفون  من أنكم غير قادرين على إدارة البلد ولستم برجال دولة أصلا، وتعرفون أيضا من أنكم لستم سوى بيادق شطرنج تتحرك بأوامر منّا لحماية مصالح بلدنا. وعليكم أن تعرفوا جيدا من أنّ وصول الحسين الى هنا يعني القضاء على سلطتكم والتي ستكون وبالا علينا أيضا، لذا قررنا إرسال وفد الى الامام الحسين للتفاوض معه لثنيه عن القدوم الى الخضراء إن أمكن والّا ستكون لنا خطط أخرى في حالة إصراره على المسير الى هنا.

ماذا تقول يا مولاي "قاطعه معمم سياسي عراقي" قائلا له وبذل واضح،  أتريدون التفاوض معه!!؟؟

نعم، أجاب ممثل الولي وهل لديك حل آخر للخروج من هذه المعضلة؟

بالتأكيد لديّ حلّ، وسهل جدا.

أسعفنا به إذن.

نتركه يكمل مسيره الى هنا ثم نقتله دون أن نخوض معه أية مفاوضات.

إرتفعت الأصوات المؤيدة له في القاعة وكأن القوم كانوا بحاجة الى من يطلق هذه الشرارة ليقفوا بأجمعهم خلفه.

كيف تقتلونه!؟ قالها ممثل الولي متعجبا وغير مصدّق لِما يسمع.

لقد قتلناه مرّة بعد أن راسلناه طالبين حضوره، والأمر اليوم أسهل من ذي قبل فهو لوحده وليس معه أحد من أهل بيته أو أصحابه.

وماذا عن الملايين التي تسير بين يديه، ما أنتم فاعلون بهم؟

إرتفعت الضحكات في القاعة حتّى إهتزّت جدرانها، فقال المعمم ضاحكا ملأ شدقيه. أنّ هذه الملايين ونحن معهم أحفاد من كتبوا إليه مئات الكتب سائلين إياه القدوم اليهم وقيادتهم للثورة ضد طغيان يزيد وبني أمّية، وتركناه بعدها عطشانا مجندلا في صحراء كربلاء وقطعناه إصبعه وسرقنا خاتمه وما عليه من ملابس وجالت خيولنا على صدره . وسنعمل على أن يصلّي الحسين عند أسوار بغداد لوحده، وحينها سنقتله قتلة لا يتخيلها كي لا يعود بعدها الى الحياة مستقبلا ليهدد من جديد حكمنا وحكم من سيلي السلطة بعدنا.

حينها وبأقتراح من سياسيي خبير بدفع الرشى وشراء ذمم الناس تشكلت فرقة خاصّة بصلاحيات مالية كبيرة لشراء بطّانيات ومدافيء نفطية لتوزيعها على من خرج مع الحسين لإستمالتهم وتركهم إيّاه، كما إستمال بن زياد أهل الكوفة ورؤساء عشائرها بالدراهم الزيوف. وتشكّلت فرقة أخرى للتخطيط في الطريقة والوسيلة التي عليهم إتّباعها في قتل الحسين عندما ينفردون به. وبعد  إجتماعات مطولة وأخذ ورد ، توصّل المجتمعون لطريقة القتل على أن يشارك فيها زعماء جميع الأحزاب الشيعية وممثلي المؤسسات الدينية في الداخل والخارج كي يضيع دمه بين الفرقاء، وليقطعوا الطريق أمام تشكيل جيش للتوابين يطالب بالثأر لمقتله.

كربلاء

بعد تحرّك الحسين من العشوائيات نحو كربلاء وزيارته ومعه تلك الملايين قبر أخيه العباس  وقبور أصحابه وأهل بيته، أخذته العبرة فخطب فيهم قائلا:

أيّها الناس ...

أنّي خارج معكم الى حيث إصلاح حالكم  مع خوفي من نكوصكم وترككم إيّاي خوف السلطان وطمعا بماله، فلا زال صوت بن عبّاس يرن في أذني وأنا بمكة وهو يخاطبني "يا أبن عم أنّي أتصبّر ولا أصبر، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والإستئصال، إنّ أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنّهم، أقِم بهذا البلد فأنّك سيد أهل الحجاز". فبكى الناس وأخذتهم العبرة ورفعوا أياديهم الى السماء قائلين "اللهم أنك وقد أرسلت الينا إبن بنت نبينا ليأخذ بأيدينا الى حيث كرامتنا وحريتنا، فأننا نعاهدك على المضي معه حتى تظهر فينا وبقاطني الخضراء أمرك، وأننا بحضرتك اليوم نبايع إمامنا على أن نقاتل أمامه ومن خلفه ومن بين يديه حتّى نصل وإيّاه الى حيث قصور الطغاة في الخضراء لندكّها دكّا أو نرتفع الى السماء لنشكيك ظلم فقهائنا وأمرائنا لنا.

حينها رفع الحسين يديه الى السماء حتى بان بياض أبطيه مخاطبا ربّ العرش "اللهم  هؤلاء الفقراء البؤساء المغلوبين على أمرهم من المسلمين، بايعوني على إصلاح أمرهم أمّا سلما وأنت خير التوابين وإما حربا وأنت خير الناصرين، اللهم إني بك أستعيذ من كيد القوم في أن يغرّوني ويكذّبوني ويخالفوني ويخذلوني، وأن يستنفروا عدوك وعدوهم وعدوي عليّ فأكون حينها بين حجري الرحى، اللهم إنصرني وأنصرهم على قوم الخضراء الظالمين وخذ بيدي ويدهم الى ما فيه صلاح أمرهم وبلدهم".

ما أن أنهى الحسين دعائه حتّى كان علية القوم ورجال العشائر تحيط به كما يحيط السوار بالمعصم، وما هي الا ساعات حتى كانت خطط المسير من كربلاء الى الخضراء قد وُضِعت والتي أكّدت على سلمية المسير قدر الإمكان. وحين أنهى الحسين زيارته لقبور أهل بيته وأصحابه وشدّ المسير الى خارج كربلاء متوجها الى بغداد حيث يسكن الطغاة واللصوص، حتى كانت الصحراء الشاسعة بحر متلاطم من البشر والحسين في المقدّمة كأي قائد جسور لا يهاب الموت من أجل مبادئه.

كانت جموع المسلمين القادمين من شتّى أرجاء العراق تنظم الى قافلة الحسين المليونية ليزداد عددهها ساعة إثر ساعة، وقد أنظمّ الى تلك الجموع  رجال أرسلهم الفقهاء والساسة ورجال العصابات لفتح قنوات إتصال مع زعماء العشائر الذين خرجوا وعشائرهم مع الحسين في مسيرته المؤدية الى حيث الإصلاح والحرية والعدالة، لثنيهم وعشائرهم عن المسير معه وخذلانه وعدم نصرته والبراءة من بيعته. وفي غفلة عن الحسين الذي كان مشغولا بتنظيم صفوف المسيرة وتأمين طريق وصولها الى مبتغاها، أتّصل الرجال القادمون من الخضراء مع رؤساء العشائر بعيداً عن عيون الحسين والمحيطين به من الذين بايعوه أول الأمر في كربلاء.

كان إجتماع زعماء القبائل والبعض القليل من المعممّين الذين آثروا "حتى تلك اللحظة" الوقوف الى جانب الحسين عاصفا، فما جاء به رجال السلطة من أوامر لم تخرج عن الطلب منهم نقض بيعتهم وعشائرهم والإنظمام للسلطة مقابل وعود كبيرة ومغرية. في ذلك الإجتماع  إرتفعت أصوات بعض زعماء العشائر الكبيرة رافضة  نقض بيعتها للحسين والغدر به مرّة أخرى كما غُدِرَ به من قبل أسلافهم أوّل مرّة، فيما كانت الأخرى خجولة وتنتظر معرفة ماهية عرض السلطة. ولأن مندوبو السلطة كانوا يحملون تفويضا كاملا للأتفاق بأي ثمن مع زعماء القوم، فأنهم تركوا لزعماء العشائر ومن معهم من رجال الدين تحديد قائمة بمطالبهم. وكما توقّع الفقهاء والأمراء بالخضراء فأن القوم نقضوا بيعتهم بعد وعود بملايين الدولارات ومناصب في الدولة والجيش والشرطة لأبنائهم.

مضت قافلة الحسين في طريقها والناس تنظم اليها وتبايعه في كل مدينة تصلها حتى وصل عدد مبايعيه وهو على أطراف بغداد ليلة الجمعة العاشر من محرم الى ما يقارب الخمسة عشر مليون إنسان. وفي تلك اللحظات من الليل تذكر الحسين مسيره الى الكوفة وإستشهاد أبن عمه مسلم بن عقيل بعد أن خذله شيعته. جلس الحسين في ركن بعيد عن الناس وهو ينظر الى جموعهم المليونية متذكرا حديثه مع "مجّمع بن عبد الله العائذي" وهو يقول له "أمّا أشراف الناس فقد أعظِمَتْ رشوتهم، وملئت غرائرهم، يُستمال ودّهم، ويُستخلص به نصيحتهم، فهم ألب واحد عليك، وأمّا سائر الناس بعد، فإنّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك". فأستغفر ساعتها وهو يتخيّل بؤس حياة الملايين التي معه وضرورة إصلاح حالها لتحيا حياة آدمية، الا أنّ هذا لم يمنعه من تذكر خطبة أبيه الإمام علي في أهل الكوفة وهم من شيعته حينما خاطبهم متبرما منهم  "يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث وأثنتين: صمٌ ذوو أسماع، وبُكمٌ ذوو كلام، وعميٌ ذوو أبصار. لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا أخوان ثقةٍ عند البلاء! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها: كلّما جُمعت من جانب تفرّقت من جانب". وما أن إرتاح الحسين قليلا وتحرر من أفكاره تلك ، حتى أنزوى يصلّي وحيدا صلاة الليل، وما أن أتّم صلاته حتّى بدأ يقرأ القرآن بصوت خفيض عذب ودموعه تبلل لحيته وقطرات الدم الطرية تبلل رقبته التي نحرت بكربلاء.

هناك على أطراف بغداد وحين كان الحسين منزويا وحيدا يصلّي ويستذكر ربّه كان زعماء القبائل ورجال الدين الذين معهم يحثّون أبناء العشائر ومريديهم سرّا على ترك القافلة حفاظا على أرواحهم وعوائلهم. وفي ذات الوقت كان رجال السلطة يوزّعون البطّانيات والمدافيء النفطية على الناس، الذين كانوا يغادرون المسيرة خلسة فرحين بما حصلوا عليه. وقبل أن تبزغ شمس العاشر من محرم كان الحسين يسير في المقدّمة دون أن يفّكر بهروب الملايين من شيعته عنه ونقضهم بيعتهم له. فسار ومعه ما يقارب العشرة آلاف أنسان فقط  نحو الخضراء ببغداد فوصل الكاظمية ليعبر بعدها جسر الأئمة نحو الأعظمية وليسير بمحاذاة دجلة حتى وصل ساحة التحرير.

هناك تحت نصب الحرّية وقف ليصلي صلاة الفجر مع من تبقّى معه من رجال، وما أن أتمّ صلاته وأستدار حتّى رأى نفسه وحيدا والدبّابات تقف على الجسر مع آلاف الجنود والميليشياويين المدججين  بمختلف أنواع الأسلحة تراقبه وتراقب مجموعة من الشباب الواقفين على بعد أمتار منه وكانوا معروفين للسلطة من أنهم متظاهرون من أجل الإصلاح .  فبدأ الحسين  يبسمل ويحوقل وهو يرى نفسه وحيدا فصاح بصوت كالرعد:

أيّها الناس لقد جئت لإصلاح أمركم والأخذ بيدكم لما فيه خير دينكم ودنياكم وقد بايعتموني على ذلك أمام الله وملائكته، وها أنتم اليوم كما أسلافكم بالأمس تتركوني وحريتكم الى قتلي وعبوديتكم. أن العاقل من كان يومه أفضل من أمسه وأنتم  والله تعملون كالثور القوّي كي يكون أمسكم خير من يومكم. الا شاهت وجوه قوم يحيون حياة العبيد ويسجدون دوما  للمجرمين الذين يحرمونهم من حياة تليق بالبشر.

أيها الناس ..

إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم هذه. فوالله، أن الله لا يرى في وجه عبد يخون نفسه وعياله، وأنتم وربّ العزّة خونة لأنفسكم وعيالكم ووطنكم. ما لكم تقتلون كل ناصح لكم وتكذبونه؟ ما لكم تبايعون اللص مرّة ومرّتين وثلاث؟ والذي نفسي بيده أنكم لستم بمؤمنين بدين الله، ألم يصلكم قول نبي الرحمة من أن "لا يلدغ مؤمن من جحر مرّتين".

وما أن أنهى الحسين حديثه حتى كان إثنين وسبعين متظاهرا من متظاهري ساحة التحرير وفي تلك الساعات الاولى من فجر العاشر من محرم يحيطون به.

الحسين: من أنتم؟

متظاهر:  نحن من متظاهري هذه الساحة ضد سلطة الخضراء.

الحسين: ما إسم هذه الساحة وما هي مطالبكم؟

متظاهر: إسمها ساحة التحرير، ومطالبنا هي إصلاح الخراب الذي دمّر الإنسان والوطن.

الحسين: منذ متى وأنتم هنا تتظاهرون؟

متظاهر: منذ ما يزيد على العامين بقليل.

الحسين: تقولون أنكم تريدون الإصلاح، فلم لا يشارككم الناس مطلبكم هذا وهو خير لهم؟

متظاهر: لأننا مدنيون علمانيون نؤمن بفصل الدين عن الدولة، إحتراما للدين ولبناء دولة لكل أبناء شعبنا بعيدا عن الدين والقومية والطائفة.

الحسين: إذن فأنتم أصحاب مباديء، ولا أراكم بعيدين عني في هدفي بإصلاح أمور الناس. بل ذهبتم أبعد حينما لم تقصروا الإصلاح على المسلمين فقط. لكن لمَ تقفون معي وأنا رجل دين ورجال الدين وأتباعهم هم من سرقوكم ودمروا بلادكم. ولم تعرّضون حياتكم للخطر، وأنا صريع بعد ساعات؟

متظاهر: نقف معك لأنك طالب إصلاح كما نحن، ونحن إذ نقف هنا معك فأننا نقف مع شعبنا ووطننا الذي مزّقه قاطني الخضراء.

الحسين: إسمعوا يا أبنائي لا أقول لكم الا ما قلته لمن معي وأنا في طريقي الى كربلاء "لقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الأنصراف فلينصرف ليس معه ذمام". فأنصرفوا وأتركوني فأنني تعوّدت الشهادة من أجل المحرومين وإن غدروا بي كما الأمس واليوم.

متظاهر: لسنا جميعا من المسلمين، ففينا المسلم والمسيحي والصابئي المندائي والأيزيدي والشبكي وغيرها من الأديان والمذاهب، كما فينا العربي والكوردي والتركماني والكلداني والآشوري. صحيح أننا لسنا من شيعتك ولكننا من شيعة الإصلاح الذي تنادي وننادي به. وسنتظاهر رافعين شعارتنا المطالبة بالإصلاح والتغيير حتى نراها  تتحقق أو نموت دونها.

جلس المتظاهرون تحت نصب الحرّية والحسين وسطهم، فتناقشوا ساعة حول الشعارات التي عليهم رفعها في مواجهة جيش الفقهاء والأمراء وميليشياتهم. وعرضوا على الحسين عشرات الشعارات كي يحمل أحداها وهم يطوفون حول ساحة الكرامة. فأمتدت يد الحسين بثبات الى شعار "بإسم الدين باگونا الحرامية". وبعد أن طاف الشباب والحسين معهم حول نصب التحرير توجّهوا الى بوابّات الخضراء وقبل أن يصلوا جسر الجمهورية ، كانت الدبابات والمدافع تمطر في سماء المكان، وما هي الا لحظات حتى هدأ كل شيء، وتم جمع أشلاء جثث الحسين والشبان الطاهرة من قبل عناصر الميليشيات، وجالت الدبابات عليها في موقف مخز وجبان.

وما أن أنتهت وليمة القتل برحيل القتلة من فقهاء وأمراء وصعود أرواح الشهداء الى السماء، حتى شهدت الساحة وصول الملايين اليها متلحفين برشى الذل ونقض البيعة من بطانيات ومدافيء هاتفين وأصواتهم تسمع بالخضراء:

يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما !!!!

وفي الخضراء جلس القوم يحتفلون حينما قال المعمّم لولي الفقيه، ألم أقل لكم سيدي أن الأمر يسير. نحن نتلاعب بعقول هؤلاء منذ مئات السنين ونعرف كيف نشتريهم بما لا قيمة له مقابل بيعهم إيّانا حريتهم وكرامتهم وحياتهم. إننا السادة هنا وهم عبيدنا بل وأسوأ من العبيد. تصّور إننا سرقنا كل ما يملكون ووزعنا الفقر والذل والجهل والتخلف والمرض والأميّة عليهم وقايضناهم بها بزيارة الأربعين، فباعونا كل شيء مقابل هذه الزيارة. وما أن جاء الحسين بنفسه ليرشدهم الى طريق حريتهم ويبث الوعي بينهم حتى تركوه وخانوه وشاركونا قتله. بلغ ولي الفقيه سلامنا وليطمئن من أننا حريصون على تعليم الناس طرق الذل وسبل خيانة العراق.

وليعيد التأريخ وجهه القبيح من جديد، وليُغْرِق تجار الدين ومن معهم  "سفينة النجاة" التي يتاجرون بها للهيمنة على عقول الناس وأموالهم وسرقتها، ولتبقى سارية السفينة عندهم يرفعونها في كل محرم وعند كل إنتخابات ليضحكوا بها على جمهور الرعاع الذي أضاع بوصلته وبوصلة أجياله والوطن.

 

زكي رضا - الدنمارك

شهر محرم من العام 2017 للميلاد.

..................

1 - من كتاب أرسله سليمان بن صُرَد والمسيّب بن نُجُبة ورِفاعة بن ضدّاد  وحبيب بن مُظاهر وشيعة من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.

2- من صحيفة سلّمها كلا من هانيء بن هانيء السبيعي وسعيد بن عبدالله للحسين في مكّة.

3 -  من كتاب لشَبَث بن رِبعِيّ، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رُويْم، وعَزرة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الوبَيدي، ومحمد بن عمير التميمّي..

 

 

nabe  odaان يعيدك تلاقي نظرات غير متوقعة، الى ما كانت تظنُّ انه مُحي من سيرتك وتاريخك، تلاشى من ذاكرتك واضمحل أثره في وجدانك، وان يحيي ذلك اللقاء الصامت، ما صار منسياً ثم الاندفاع بالنظرات للبحث في القسمات والتعابير بلهفة وعبر لقاء فجائي بين زوجين من العيون، فيعود المنسي ببريق متوهج ينجلي تماما بأبهى صوره، يكثف جوهره، يتجذر وكأنك تواصل ما كان بلا انقطاع، ويسيطر بلا مقدمات... بدفقه السحري على ذهنك، ومن شدة مفاجأتك وارتعاشك تكاد تطفر دمعة، ليست دمعة فرح بعد لقاء. فلم يكن بينكما لقاء، وليست دمعة حزن على فراق، فما كنتما في لحظات فراق، كان لقاء لم تشارك فيه سوى نظراتكما وانفاسكما، ومع ذلك تمنيت ان لا تؤول اللحظات الى انتهاء، ان لا تفنى الدقائق، ان يتوقف كل ما في العالم عن الحركة، ان يتجمد الزمن.

 تتشابه كل النساء في العالم في حياتك، الا هي، تشابهت كل الاختراقات وبقي اختراقها سراً مكتوماً. تشابهت كل القبل وبقي لقبلتها طعم النبيذ المعتق، تجلس ضامة شفتيها، بهدوء رخيم، ولا يتحرك فيها الا عيناها المتنقلتان بين عينيك وبين صحن الطعام. نفس النظرات ونفس الأناقة ونفس الجاذبية. هل عرفتك؟ نظراتها تقول نعم، وقسمات وجهها لا تقول شيء. ربما تقول. ؟؟

أيقنت ان الذكريات لا تعترف بالزمن، ولا تستسلم للانتهاء، فوجئت بارتعاش اطرافك ووجيب قلبك، وغبت مجبراً عما حولك. كنت موجوداً بجسدك وغائباً بذهنك، وها انت ترحل الى حلم بعيد تكتشف نفسك من جديد تفزعك كثافة حلمك.

أهو حلم يعتريني، ام واقع غريب كالأحلام؟ كالسحر؟ هزتني المفاجأة ونقلتني من حال الى حال. كنت كمسافر اضنته الطريق واخذته بعيداً. أرهقته المسافات، تاه طويلاً في المساحات، خطفه الحزن وتنازعته شتى الأمنيات والرغبات، كرب وفوضى رغم الحقيقة الواضحة، متيبس في صحراء، تائه... وفجأة ينطلق الرذاذ الرطب الى وجهي... التقطت أنفاسي طالباً المزيد، وما كانت من وسيلة للمزيد الا نظراتي، فيزداد حلقي تيبّساً وتزداد شفتاي جفافاً، ازداد لهفة وازداد لوعة.

من لي بقاهر الزمن، يمحي من ذاكرتي فراقها، ربما يعيدني اليها، يعيدها الي لأغير ما جرى، لنغير نبض أيامنا ونعطي لما بقي من عمرنا وعشقنا رونقه المقدر، نعيد أجمل ما في العمر ونواصله .. نجدد الوصال ونجدد العشق.

كنت اظن ان الزمان كفيل بطي ما كان. ينهي الرغبات ويبدد الأحلام. فاذا الزمان يخر صريعاً امام رحيق امرأة جعلت مني غير ما انا.

زرعت في أحاسيسي رعشات قبلاتها، وملأت الهواء حولي بخمرها، بعبقها، برحيقها، بطعم النبيذ الفاخر المعطر بفعل الزمن، يبعث بمجرد التفكير فيه تخديراً لذيذاً يجري في الشرايين، يتدفّق مع دمي لكل أطرافي ولا يتوقف...

لا أدري ما يراودني. أبحث عن استراحة أرتب فيها نفسي واوراقي ويقيني لأعود أتابع حلمي البعيد.

أهو حلم حقاً؟ ربما رغبات ضائعة؟ وربما أوهام؟ أو حقيقة لم تتم؟ عدم تمامها يعذبك؟ وهل تقدر الأحلام ان تحفظ رحيق امرأة ونشوة ابتعد بها الزمن؟!  هل الزمن وهم..؟ تخيلات؟ ام حقيقة موضوعية؟

انتهى كل شيء قبل عقدين ونصف العقد. من السهل قياس حياتنا بالزمن ومن المستحيل قياس ذكرياتنا بالزمن. الزمن معادلة قهرية لا تستقيم مع الحب. ربما ما يعتريني يؤهلني لكتابة نظرية عشقية في مفاهيم الزمن والصبابة؟ لكن رحيق المرأة لا يؤمن بالزمن، لا يؤمن بالمقاييس الثابتة... كم اتمنى الاقتراب من ملتقى الرقبة بالكتف لأستنشق خمرة أنوثتها بعمق وحرية. هل أنا في عالم ملموس؟! ام في زمن خرافي؟ هل يحد الزمن سحر امرأة ؟! هل يقضي على الإحساس بالنشوة التي كانت؟! وأقول لنفسي ان الصبابة لا تؤمن بالزمن.

العاشق لا يؤمن بالزمن، لكن لا شيء يوقفه، الزمن لا يتوقف. ربما انا بحاجة الى شيء من الإدراك؟! هل في الجنون إدراك؟! وهل في هذا اللقاء إدراك؟

أحياناً تبدو الكتابة عن المحسوسات غير المادية مستحيلة عبثية، وان عالمنا المادي لا يعترف الا بالموضوعات المرئية والملموسة، وان خروجنا عن هذه القاعدة يرسلنا بعيداً نحو الغيبيات. لوهلة لم أثق انها هي. ترددت غير أني تأكدت من نفسي. هذه تفاصيلي التي أعرفها.. تمتد يدي المعروفة لي تماماً نحو كأس النبيذ. أبيض يميل الى الاصفرار.

طعمه معروف لي ولساني يعتصر بتلذذ أخر ما تبقى من الرشفات، لا أشعر بقدمي، لكني متأكد من ملكيتهما، هذه يدي اليسرى تسند ذقني وأنا مسحور من المفاجأة  وعيناي ترفضان الابتعاد والتعقل. لا ارادة لي في زجرهما، لكن ذهني يتلقى وقائع اللقاء المرئية مما يثبت انهما عيناي حقاً. تحسست رأسي متقيناً ان موقعه لم يتغير. ربما انا بحالة هلوسة من فعل الخمر؟ ولكن الخمر لم تغدر بي في السابق ولم تتغير العلاقات المتوازنة بيننا. ها انا بالكاد تذوقتها وما حان الوقت لتفصح عن نفسها ملوحة زاجرة فأي خطوب تلم بي؟! أي طقس يعتريني، أهو طقس سكر ام طقس الحب؟ أم السكر والحب بتعاون لا يعرف الخلاف؟! هل لي بشفيع يخفف حيرتي؟! يفرج كربي؟! يرشدني؟! تكررت النظرات وتشعبت الذكريات، أحياناً تبدو الذكريات كلمحات لا يمكن الوصل بينها.. كتناقضات من المحال ان تشكل وحدة واحدة، غير ان يقيني التام ان الحب لم يهجر جوانحي... والا فماذا تسمي الأحاسيس التي تدغدغني؟!

غرقت في نفسي لاستجلاء أنصع ما يكون من ترابط للذكريات التي تعصف بي اوراقها الكثيرة.. تنتعف بوجهي، فألهث وراءها لأجمعها في نسق صحيح وأرتبها بذهني، ضفيرة وراء ضفيرة. هل كنت أتمنى لقاء بلا ميعاد؟!

هل كان اللقاء ضمن توقعاتي؟! خمسة وعشرون عاماً تندفع في لحظة لا تقاس بمقاييس الزمن المتعارف عليها. تتوالد من الابعاد مشاعر ما كنت اظن انها ستعود لي. هل سأكتفي بها؟! وهل تستعاد أيامنا من التاريخ؟! أم نبقى رهائن للذكريات؟! ما تبقّى لي منها اطلال من الأحاسيس لا تغادرني. اخاف ان تغادرني. ربما توهّمت أنى نسيتها. ربما تناسيتها عجزاً من الوصول اليها؟ تناسيتها لتخفي هزيمتك؟ فجأة تكتشف ان ربع قرن يفصل بينكما وأمتار قليلة تبعدها عنك، قريبة وبعيدة المنال... ربع قرن لم ألمحها ولم تلمحني. ها هي تجمعنا لحظة مجنونة كغرباء. لا يستطيع ان يقترب أحدنا من الأخر ليتأكد بالملموس من صدق المحسوس.. ليتني اعانقها ولو للحظة، أكون قد حققت مرادي في الحياة، قلت لنفسي الحب لا يعرف الاستقرار. لا أذكر أنى لمحتها منذ تباعدنا، انا متأكد من ذلك. أنا واثق انها لم ترني منذ ودعتني بقبلة رطبتها دموعها.. وهل تنسي تلك القبلة؟!

هل يتغلب الزمن على حرارتها وملوحتها...؟ هل ينسى وجيف القلب؟!

لم يكن فراقنا تنافراً. انما كان قراراً وحيد الجانب. قالت انه إدراك للمسؤولية. رأيت به ادراكاً مشوهاً لحقيقة مشوهة، كان الأحرى بي التحدي. كنت مستعداً للتحدي ولكنها أصرت على الابتعاد. فالتزمت برغبتها. قلت لنفسي ان الانسان يحمل في داخله ضده.

كان التعارف بيننا سريعاً وغريباً وبلا مقدمات وبلا اجتهاد، بادرتني:

-انت تشدني.

كانت تتوهج بجمال فطري، اضافت اليه أناقتها البارزة وحسن الاستعمال للأصباغ سحراً أخّاذا.

لم افهم ما تعني بـ"تشدّني". ولكن بروز صفي اسنانها المرتبين بدقة ومن وراء انفراج ابتسامتها جعلني أفهم وأتغابى. اربكتني بجرأتها. لم اتوقع هجوماً بلا مقدمات. اعترف انها نجحت بإرباكي كما لم يربكني أحد من قبل. ارباك انقلب الى سعادة، ثم فراق ثم شقاء.

عرفتها في زيارة بيتيه لاحد اصدقائي. كانت تجلس في الصالون وتتبادل الحديث مع مجموعة من الصبايا في امور لا أذكرها وربما لا أفهم منها شيئاً لو تذكرتها. بعضهن ارتبك لدخولنا فصمتن اما هي فواصلت حديثها بنفس الحيوية، بعد ان توقفت للحظة لرد التحية مرفقة بابتسامتها.. فراقبتها دون ارادة بطرف عيني. كان فيها شيئاً مميزاً لا تكتشفه بسهولة ولكنه يشدك. وجدت نفسي أغوص بما لا عهد لي به، لم أستطيع مبادلة صديقي حديثه ولم يفهم ما يعتريني، ربما فهم وصمت، اخترقت أحاديث الصبايا بلحظة مؤاتيه وبمهارة، قد تكون اثارت شكوك صديقي لتحولي المفاجئ من الملل بتبادل الحديث معه، الى الحماسة بالحديث اليها... وللأخريات. بدأ الاستلطاف من حيث لا أدري. حدث التعارف من حيث لم أتوقع. النظر اليها راحة، الرغبة بالتواصل لا تعرف حدوداً. حين قامت لتذهب اعطتني يدها.. أسلمت يدي بحماس ليدها ضغطت بلطف وصعقتني بـ"انت تشدني"... بصراحة وبلا مقدمات وبلا توضيح اضافي

وقالت:

- سأتصل بك لنواصل حديثنا.

قرصني صديقي بخصري فجفلت، انتبهت فابتسمت ولم تضف، انما استدارت لتخرج وراء صديقاتها  وعدت لمللي من مواصلة الحديث غارقا بتوقعات وتحليلات سحرية.

بعدها التقينا كثيراً. ربما قليلاً. يتعلق بمفهومنا النسبي للكثير والقليل ولكنها كانت لقاءات كافية لتوحد ما بيننا. كانت الفعل وكنت رد الفعل المشابه والمساوي له بالقوة. تفاهمنا ان الاعجاب متبادل وبنفس القدر وان الاستلطاف تم واكتمل...فنعم ما حصل. قلت لنفسي ان كربي انفرج وأشرقت شمسي وهذه بداية حقيقية للحياة. سألت نفسي هل تبيع اصلك الصعلوكي ومبادئك الملتهبة مقابل عشرتها؟! قلت لنفسي ان الصبابة هي الخمر والمبادئ هي الأمر... وهما مثل الليل والنهار، لا يحل الواحد مكان الأخر، انما يلتقيان في رقصة دائرية لا فكاك منها.

اندفعنا بعشقنا، غافلين عما تخبئه لنا الأيام وكانت وقائع حياتنا تتجلى بين لقاء ولقاء. كان لقبلاتها طعم خاص لم أعهده في مغامراتي الأولى، حتى توتري وهيجاني مختلفان، اكتشفت نفسي من جديد. اكتشفت الحب من جديد. انتشيت، سحرني ما انا به وتمنيت دوام الشروق، تمنيت دوام الاستقرار وقلت لنفسي:

-   ما انا به لم يراودني حتى في احلامي. وقلت: هذا منتهى احلامي ولن أطمع بامرأة غيرها.

  كنت اريدها برغبة لا تعرف الحدود... قالت:

-   اعرف ما تريد، وانا اريده كما تريده انت ولكني لست بغجرية.

-   الغجرية حارة حتى في الشتاء وحين ترقص تصبح مرغوبة أكثر.

-  لا اعرف ما شدني اليك. ربما هذه حماقة حياتي الأولى.

- اضيفي اليها حماقة اخرى، لينزل على قلوبنا الاطمئنان والسلام وانا حاضر لأي ثمن تطلبينه.

قالت بشيء من الحدة والألم:

- هل انا بغي لتفاوضني على ثمن لحبي؟!

قلت مخففاً من زلتي:

-لا تفسري كلامي بغير معناه. انا اسير هواك... أصرخ مستغيثا ًللمزيد، فاحتملي نزوات لساني... لن اتجاوز ما ترفضينه. ولكن الرغبة مجنونة...

 ضمت راسي لمنحدر صدرها تحت الرقبة فتمنيت الا يؤول الزمن الى انتهاء، تفحّصت بنظراتي معالم وجهها وامتداد الرقبة بين الذقن والكتفين محاولا المقارنة بالأصل الذي اعرفه. اجابتني بنظرة تقول اشياء ولا تقول شيئاً، أتستعيد هي ايضاً ذكريات ايامنا الملتهبة؟ تحتفظ بطعم قبلاتي؟ بانسلال اصابعي بين خصلات شعرها؟ بتفحصي مناطق صدرها المحظورة؟ كم تمنيت ان اكتشف بالرؤية ما ينتهي به انحدار الصدر وصدتني بقوانين عشقها الصارمة المتزمتة. كنت احاول ان استجلي بالعناق عن طريق ضغط صدرها الى صدري، ما لم استجله بالرؤية المثبتة والقبض عليهما بالجرم المشهود. صبرت حبيبتي على جنوني فتماديت.. ولكنها وقفت بالمرصاد.

قالت لي ان مبادئي الثورية هي تغطية ناجحة لعبثي. قلت وهل تنفي المبادئ الثورية الحب؟! قالت ولكنك عابث. كان حكمها غير قابل للاستئناف.

حددت المسموحات واكدت الممنوعات. قلت بأني سأتقدم لطلب يدها.. فصدتني. قلت:

- انت تدفعيني للجنون، يستعصي علي فهمك...هل هناك قيمة لحبنا الا بالزواج؟

- افضل من ان تدفعني للندم.. انت مغرور. انت طفل انت مستهتراً. احياناً بلا تفكير؟

- ترفضين ما اؤمن به من افكار؟ الم تجمع افكارنا بيننا؟!

- ماذا تسوى بلا افكارك؟! ولكن ليت توازنك كأفكارك، ليت تفكيرك كأفكاري.

- أكرر اقتراحي... أريدك زوجة لي، الزواج يعيد الي توازني، يوصلنا للسعادة.

- انا خائفة! احبك وخائفة. اقول لنفسي أنى لن أستطيع ان اكون لغيرك.. وأقول لنفسي ان الحب سلطان كاذب، واقول لنفسي ان مصائرنا ليست بالضرورة ان تكون محكومة لرغبات نفوسنا. ربما ما بيننا هو طيشنا. هو لا وعينا. احبك واخاف. يهيأ لي أنى ارتكب حماقة. أتألم واقع في حيرة. لا اعرف كيف اندفعت ولا اعرف كيف اتوقف، اتمهل لأستعيد تفكيري. يجب الا نكذب على بعض. نحن مختلفان، اجتماعياً مختلفان. المسألة ليست بقدرتي على قبولك، ليس هذا ما يقلقني، ولكنك لن تقبل ذهنيتي الاجتماعية، لن تقبل اجواءنا، لن تقبل صياغاتنا ولن تقبل خصوصياتنا.

واجهشت بالبكاء، اخذتها بين ذراعي بقوة، لامست وجنتيها بشفتي. استلطفت ملوحة دموعها وحرارتها.

- سأتغير، سأتعلم ان احترم اسلوبكم... المهم انت. يؤلمني عذابك!!

- ليس هذا ما ابحث عنه. انا لم أخلق لما نحن به، اكاد أنكر نفسي أرفضها.

بدأت افهم ما يعتري فكرها. بدأت المس خطئي في الاندفاع العابث المجنون.. واعترتني كآبة وتوجس. كان واضحاً أنى رسبت في الامتحان. فهمت ان ما شدنا الى بعض ليست رغباتنا. ربما اوهمتها بفلسفتي اموراً تبخرت. تلاشت مع العناق والقبلات، فلم يتبق الا الموضوع الصعلوكي، حتى في الحب قد اكون اندفعت باستهتار لإشباع رغبة مجنونة، فلم اميز بين الحب وبين المتعة العابرة. وها هي تستعيد توازنها. تبكي وتستعيد ادراكها. تحبني ولا تستطيع قبولي. استجديها فتبتعد أكثر. لأول مرة أتوجّس ان تتركني امرأة، ان أبقي بدونها. كنت اركض من علاقة الى علاقة ومن رغبة الى رغبة، حتى وصلت اليها، حتى وصلت الي، فاتّحدنا. كانت صريحة ومقنعة وساحرة في صراحتها. اقامت حدوداً جغرافية لا يجوز تجاوزها. وافقتها معتقداً ان قدرتي وفني كفيلان باختراق المستحيل. كنت مندفعاً مغروراً، وها أنا ادفع ثمن اندفاعي وغروري، رغم أنى لم أحب امرأة كما احببتها، واعترف لازلت أحبها. وهل يكفي الحب؟! نظراتها تلتقي نظراتي ولا تقول شيئاً. ربما تقول ما لا أستطيع ادراكه. وبنظراتي اتفحص مشدوهاً المساحات التي اعرفها، واحاول ان اطابق بين الصور الباقية في ذهني والصورة المتجلية أمامي.

وعلى حين غرة، وانا غارق في توجسي من انتهاء ما بيننا، باحثا عما يزيل كربي ويثبت قربي اليها، التفتت الي، وقالت بحزم طارئ.

- انا احبك.. اعترف.. ولكن سعادتي وسعادتك بالافتراق. عرفت هذا منذ اليوم الاول، ولم اصدق حدسي... لا تقل شيئا.. لا تزد حزني... اريد ان اذكرك كما انت...

قبلتني قبلة طويلة حرارتها فوق العادة. نظرت بعيني، ثم طبعت قبلة فوق جبيني، وتركتني وانطلقت دون ان تنبس بحرف آخر. ولفني الصمت.

انتظرتها في المواعيد المتفق عليها، فلم تحضر، انتظرت بلا أمل ولم احاول الاتصال بها. وجررت نفسي بعيداً عن طريقها. اتجرع وحدتي وألمي. اضطرب توازني وثقتي بنفسي عشت عذاب الفراق. زاهداً بما يحيطني، متحسراً على ما فقدت وحزيناً لانقضاء أجمل ما في حياتي. هل من وسيلة تستعيد فيها الذات ما تحب؟! ما بدا حقيقة مجسمة تناثر بلحظة؟!

مضى ربع قرن، خمسة وعشرون عاما بالتمام والكمال. لم يفارقني حبها. لم يفارقني عبقها.

أريجها عطرها حرارتها، ملوحة قبلتها الاخيرة... ولكنه انزوى في حنايا الذاكرة. حبي لها اكتمل ولكن رغبتي لم تكتمل، وما كان لها ان تبلغ وتكتمل حتى لو وصلت لما اريد.... كنت اريدها ليس للحظة، اريدها لكل العمر، ولما بعد العمر لو تيسر؟ علمت بزواجها وهجرتها مع زوجها الأمريكي الجنسية والقريب... ربما هو السبب؟!

ها هي نظراتنا تلتقي، تقول اشياء ولا تقول شيئاً. تصمت ولا تصمت. كنت جالساً مع مجموعة اصدقاء في مطعم غير بعيد عن شواطئ البحر في عكا ورائحة السمك المقلي الذكية تخدرني. فهو ملاذي بعد فقدانها، السمك والنبيذ الابيض المائل للاصفرار. ربما فقداني لها بطريقة لا تختلف عن تملص السمكة من يد صيادها، جعلني انتقم من الاسماك... او أحبها أكثر. رفعت كأسي المليئة بالنبيذ الأبيض، مستنشقاً عطره الأخّاذ، حين التقت عيناي بعينيها. كانت أكثر من صدفة. صدمة شعرت بعدها بارتعاش أطرافي وكأني أعود الى الماضي. وملأت الخمرة انفي بعبق انوثتها. ربع قرن وعبقها لا يفارقني شربت دون وعي. اكلت دون وعي، وكنت مع اصدقائي وبعيداً عنهم، كنت معها وكانت معي... وكان بيننا ربع قرن... وأمتار قليلة!!

 

 نبيــل عــودة

 

 

يا أيها المخدوعُ  لـــــمْ تكُ منصفاً

إنّ الجراحَ طريةٌ لــــــــــــم تندملْ

abdulfatah almutalibi

يكفيكَ يا وطني النواح / عبد الفتاح المطلبي

 

يكفيكَ يا وطني النــواحُ على الطللْ

لا يأبه  الغرقانُ  يومــــــــــاً بالبللْ

 

مذ حطّتِ الأغـــــــوالُ  في أنحائنا

صرنا رقيقاً فــــــي مزاداتِ الدوَلْ

 

الغولُ عرّسَ بينـــــــــــنا فتجشأت

موتاً مقابرُنا وكــــــــــدنا نضمحلْ

 

حجبَ الضياء عـن الحقولِ فأمحلتْ

وتوطنَ الديجورُ فيـــــــــنا وانسدلْ

 

فمتى سترتجلَ العــــــــــزائمَ ثائراً

يا أيها الوطن المُخبأُ فـــــي المُقلْ

 

بعضٌ تمردَ وهــــــــــــو يعلمُ إنما

بالقيدِ ترسفُ فاستبدّ بــــــــه الخبَلْ

 

يا أيها المخدوعُ  لـــــمْ تكُ منصفاً

إنّ الجراحَ طريةٌ لــــــــــــم تندملْ

 

وحسبتُ أنكَ لا يزلَّ بــــــك الهوى

وتبيع من يهواكَ بالثمــــــــنِ الأقلْ

 

أتراكَ كنت تظنّ أنــــــــــكَ  واجدٌ

عني بديلا ســــــــــاءَ بُغيانُ البدَلْ

 

قد كنت تبريحي وعنــــــوانَ الأسى

لكنني أهواكِ يا(........) منذ الأزل

 

لم أدرِ أنّكَ فـــــــــــي المودةِ نحلةٌ

تهوى رحيق الوردِ من أجلِ العسلْ

 

ما عادتِ الأعذار تنفـــــــع عاشقاً

ولأنتَ من يبغي  ويقطعُ ما وصَلْ

 

يا أيها الوطنُ الجميــــــــلُ قتلتني

لمّا رأيت الماء ضَحْضَحَ منْ وشلْ

 

كم قد ظننتُ بأنّ حضنـَـــك دافئٌ

لِمَ فيكَ دوماً يسبـقُ الســـيفُ العذَل

 

مُذْ ألفِ ليلٍ كنــتَ تبحرُ في الأسى

بحثا عن الشطآن والرمـلِ الخَضِلْ

 

دربٌ مشى بكَ غيـــرَمكترثٍ بما

عانيتَ من عَثَرٍ ومـــــن أينٍ جلل

 

كم لذتَ بالصُبّار مــن حرّ الجوى

ووثقتَ بالأشواكِ مــن أجلِ الظُلل

 

وصبرتَ ماعاجَ الطــريقُ مكابراً

تمشي حثيثاً غيــــرَ أنكَ لمْ تصلْ

 

ووهنتَ وانهالتْ عليــــكَ مُداهمو

ووقعتَ ثم نهضـــتَ تهـزأُ بالعلل

 

الآن قد وثقوا مــــــــن القيد الذي

وضعوه في قدميك وانقطع الجدل

 

قد كنتَ قيصرَ أمـــــــةٍ وسيوفُها

دارتْ عليكَ تـريدُ ذبحَكَ يا بطلْ

 

 

ثلاثة أيام من شهر حُزيران

 1972 هَدَتْ بغداد

adnan aldhahir

هذا أو هذا .. فلماذا / عدنان الظاهر

 

الراحةُ في راحِ الصدرِالمتضايقِ أَنفاسا

لا تخنقْ قَمَراً لا تسألْ خنّاساً وسواسا

لا تفرضْ شَرْطا

قُرْبُكَ مِنّي لا يعني أنّكَ مسؤولٌ عنّي

سُدّوا الأبوابَ وطَفّوا المصباحا

التيهُ الظالمُ عَمّقَ في العَتْمةِ أقداحا

شاءَ المَلِكُ الطالحُ أغضى أو أخفى المفتاحا

لا أبرحُ داراً أعطاني من صَدْرٍ دَرّا

أزحفُ أنهضُ مُتّخذاً حيطانَ الحجرةِ عُكّازا

أمشي طفلا

أدفأني من بردِ ضراوةِ فصلِ نحولِ أشعّةِ نورِالشمسِ

عَدّلَ حَرَّ (مهافيفِ) شهورِ الصيفِ

كلّمتُ الآجُرَّ وكلّمتُ الذِكرى

لم أسمعْ إلاّ صوتاً يأتي باللوعةِ مَحرورا

يتبدّلُ إيقاعا :

في الشهرِ السادسِ لا هذا .. أو هذا !

يخفضُ للدمعةِ في موجةِ حُزنِ العينِ شِراعاً مكسورا

ينعقُ أنَّ قناةَ الموتِ المُرِّ مَرارٌ أضعافا

تتأسّنُ أجسادٌ سَقَطَتْ فيها

ولسانٌ من نارِ بتّارُ

وذئابٌ خلفَ الأبوابِ وقوفا

تشحَذُ للرائحِ والغادي أنيابا

مُذْ كانَ الدارُ مَزارا

نقرأُ فيها آياتِ صلاةِ الخوفِ على مَنْ شقَّ التابوتَ وغابا

آهٍ من ماشٍ يتخبّطُ شَرْقاً غَرْباً

يبحثُ عن طبِّ الصبْرِ المُرِّ

آهٍ آهِ ...

أهلُكَ قَبْلَكَ أمسوا أنقاضا

قدّمْ رِجْلاً أخِّرْ أخرى

إرفعْ كفّا

واأسفا ...

أسريتُ وكلّتْ أقدامي قُدّامي مشيا

الموتُ شهادةُ ميلادي

في نقشِ حِدادِ الأحجارِ السودِ مِدادا

هدَّ التابوتُ المحمولُ قواعدَ أكتافي هَدّا

مَنْ يحملُ بَعْدي أخشابيَ تابوتا؟

تكمل سهرتها في عيون الحروف

تتلصّص على المجرات بوهم

wadea shamekh2

زائرة الفجر / وديع شامخ

 

نديّة

عذبة

نجمة قطبية تطلّ من
أقاصي الروح

تطرق باب حلمي وتمحو اسوار اليقظة .

تستعير من العصافير وحشتها، من الغابة شبقها، من المحبة أجنحتها .

زائرة بلا رنين

لا ذاكرة

تعدّ مساءها خبزا للصباح

تشرق بخضرتها

الفجر الاحمق يشاطرها النزوات

...

فجرها لا تصنعه المعجزات

صبواتها طافحة بالطيران

أيّ ليلٍ يفتح بابه للمواء ؟

.....

من دهشتها تنهمر الأسئلة

حواء من ضلع وندم

تكمل سهرتها في عيون الحروف

تتلصّص على المجرات بوهم .

كيف يبدو الخراب

الأسئلة تتراكم على حروفها

يقيناً اخضر َ

زائرتي ترسم الكون فقاعة ؟

.........

الفجر أملس

هي تخربشُ على الزرقة

وأنا السؤال

تحط كعصفور على وتري

هي الجواب !!

تسأل بغنج بعيد .

لماذا يُسرقُ الصوتُ من المخادع بصمت مريب ؟

العنقاء تجهض النار

الجوقة تتهدل لسدنتها بالرماد

حافية الوجه

بلا لون ولا فجر ولا جنون

....

 

 

وتَوالتْ، مِنْ بعدِ ذاك، فُتوحٌ

عَمَّتِ الخافِقيْن حقًّا وصدقا

nooradin samood

ذكرى الهجرة النبوية / نور الدين صمود

 

طارَ بي خاطري إلى الأمْسِ شوْقَا*مثلما طارَ هائمُ القلبِ عِشْقَا

وتَطرَّقْتُ للعهودِ الخَـوالي*بخيالي، فَكِدْتُ أُبْصِرُ حَقـَّا...

مَنْ دَعَاهُ (الأنصارُ) كي ينصروهُ*إذ رأوْهُ في ما يقولُ مُحِقَّا0

وأتاهُ (بالهجْرةِ) الأمْرُ وحْيًا*رغْـمَ أنَّ الأخطار فيها سيلقـَى

ومَضَى قاصدًا، بِحَزْمٍ وعَزْمٍ،*(يَثْرِبًا) صوْبَ مطلع الشمس شرْقَا

تاركًا في الفِراشِ (حَيْدَرَ) لمَّا*ضربوا حَوْلَ (خاتمِ الرُّسْلِ) طَوْقَا1)

قاصدًا (طـَيْبَةَ) التي حَلَّ فيها*وحَباها من طِيبِهِ العَذْبِ عَبْقَا

هَجَرَ (المصطفى) المَرابعَ لمَّا*ضاقَ فيها السبيلُ عنه وشَقَّا

وَقُوَى الشِّرْكِ كلُّهُمْ لم يَشاؤُوا*نَصْرَ دينٍ أتى مِن الله صِدْقَا

10كُلُّ خَيْرٍ أرادهُ اللهُ فينا،*رَغْمَ ما كادَهُ العِدَى، سَوْفَ يَـبْقى

ويظلُّ الضِّياءِ يَرْمِي سِهامًا*في سِتارِ الدُّجَى فيُحْدِثُ خرْقا

هالَتِ (الهجرةُ) الأعادي فهبُّوا*يَمْلؤون السبيلَ سَدًّا وغَلْقَا

لاحقَتْهُ الأخطارُ في الدرب، لكنْ*ليْسَ يَخْشَى مَنْ كان منها مُوقَّى

قدْ وَقَتْهُ الأقدارُ في (غار ثورٍ)*مِنْ جُناةٍ يَبْغُونَ للحَقّ مَحْقَا

عندما حاولوا الدخولَ إليهِ*ضَلّلتهُمْ (حَمامةٌ، وَهْيَ وَرْقَـا)2)

(ونَسيجٌ لِعَنْكبوتٍ) ضَعيفٍ*ما رأيْنا، في النَّسْجِ مِنْهُ أدقَّـا

أوْهَنُ الخلقِ كان حِصْنًا منيعًا*ما استطاعوا لذلك الحِصْن خَرْقَا

ذاكَ حِفْظ ُالإلهِ يُؤْتِيهِ مَنْ قـدْ*شاءَهُ اللهُ أنْ يُثـَبِّتَ حقَّا

وأتَتْهُ (أسْماءُ) بالّزادِ لَمَّا*زاد (للهجرة العظيمة) شَوْقَا3)

20وجَزاءً ِلشدها الزَّادَ حِرْصًـا*(بِنِطاقٍ) قد فاقَ في القَدْرِ طَوْقَا

عَوَّضَ اللهُ ذلكَ (الحَزْمَ) مِنْهَا*بـ(نِطاقينِ)، عندما اللهَ تَلْقـَى

زانَ جيدَ الزمانِ مثْلَ اللآلي*فاق عِقدًا في النحْرِ يَبْرُقُ بَرْقَا

وبَدَتْ (يَثربُ) التي قد (أُنيرَتْ)*بِسَنَا (أحمدَ) الذي زادَ دفْقَـا

مِنْ (ثَنايا الوداع) هَلَّ عليهمْ*بَاسِمَ الثغْرِ، مُشْرِقَ الوجْهِ، طَلْقَا

لاحَ (بدرًا) في (يثربٍ)، ثم صارتْ*بِسَناه، (مَدينةَ النور) حَقَّا

وتوالتْ فيها عُهودُ أمانٍ*ظَلَّ فيها الإيمانُ يزدادُ عُمْقَا

وتحَلّتْ (بمسجدٍ لنبيٍّ)*كلَّ آن ٍيَزيدُ في الناس صِدْقَـا

مُنْذُ أن (هاجرَ الرسولُ) إليها*صُعِقَ المُشركونَ مِنْ ذاك صَعْقَا

ظَلَّ فيها (حَسَّانُ) ثابتَ قوْلٍ*في قِرَاعٍ لِمَنْ على الكفر يَبقَى

30ولقد كان شِعرُهُ الفحْلُ نَصْلاً*يَمْحَقُ الكفرَ والضلالةَ مَحْقَا

ولقد كان شِعرُهُ الفحْلُ نارًا*تحرق الشرك والضَّلالةَ حَـرْقَا

بلسانٍ كأنه السيْفُ حَدًّا*ظلَّ للمشركين يسْلِقُ سَلْقَا

ونَبيُّ الإسلام، مَنْ كان فيهمْ*داعيًا للهُدَى بما قال صِدْقَا،

سَلَّهُ مثلَ شعْرةٍ مِنْ عجينٍ*فهْوَ، مِنْ كلِّ ما يُعابُ، مُنَقَّى

ومضَى شِعْرُهُ لِمَنْ قاوموهُ*مثلَ فأسٍ للشرك يَجتثّ عِـرْقَا

وبَدَتْ (يثربُ المدينةُ) تَزْهُو*وبِها، في الفَخَار، نَعْلُو ونَرْقَى

كانَ سَيْرُ (المهاجرين) إليها*مثلَ سَيْر ٍعلى اللَّظَى، بل أشَقَّا

ثُمَّ سادَ الأمانُ كُلَّ مَكَانٍ*حيث سارَ الزوّارُ غَرْبًا وَشَرْقـا

فعَلَى السَّهلِ والجبالِ عُيونٌ*ساهراتٌ كي لا نَـضِلَّ ونَشقَى

40وَتمَنَّيْتُ أن أحدِّثَ جَدِّي*عن شُيوعِ الأمان: أرْضًا وأفْقَا

عَلَّهُ يَذكُرُ العهودَ الخوالي*والذي، في رحيلهِ، كانَ يَلْقَى4)

وغَدَتْ (يثربُ المدينةُ) حِصْنًا*للأولى أيّدوا الرسالةَ حَقَّا

ثُمَّ كَرُّوا لِفَتْحِ (مكةَ) لَمَّا*(جاءَ نَصْرُ الإلهِ) بالناس دفْقَا

وأزالُوا أصنامَها، وهْيَ خَلْقٌ،*كيْفَ باللهِ يَعبُدُ الخلْقُ خلْقَا؟!

وتَوالتْ، مِنْ بعدِ ذاك، فُتوحٌ*عَمَّتِ الخافِقيْن حقًّا وصدقا

(والأمازيغُ) شَعَّ فيهمْ ضِياءٌ*كسحابٍ في الليل يُرْسِلُ بَرْقَا

يَحْسِبون (التانيتَ) ربَّةَ خِصْبٍ*تَجْعَلُ الكائناتِ في الماء غَرْقَى5)

أَلَّهُوها، بجَهْلِهِم، وهْي رسْمٍ*ورسوم ُ الأطْفال تَبْدو أدَقَّا

واسْتَطابُوا الإسْلامِ، وهْوَ سَلامٌ*وأمانٌ يَعُمُّ بالخيَرِ خَلْقَا

50ورأتْهُ (إفريقيا) نُورَ فَجْرٍ*ظَلَّ فيها على المَدَى، وسيبْقَى

ومضى (طارقٌ مَعَ ابْنِ نُصَيْـرٍ)*في رُبوعِ (الإسبانِ) يَفْتَحُ أفْقَا6)

(طارقٌ) يَطْرُقُ الحُصونَ فيُهْوي*كُلُّ حِصْـن ٍمهما تمكَّنَ غَلْقَا

دولةٌ في (جزيرة الغرْبِ) قامتْ*سَبَقتْها (جزيرةُ العُرْبِ) شَرْقَا7)

في (أوروبَّا) أقامَ فِرْدوسَ أرضٍ*وفَراديسُ أرضِنا ليسَ تَبْقَى8)

لَوْ مَضَى الأمْرُ مثلما شاءَ (موسى)*كانَ وجْهُ التاريخِ أُبْدِلَ خَلْقَا

وَلَظَلَّتْ لِلْعُرْبِ رايَةُ فَخْرٍ*في سماها كالصَّقْرِ تخْفُقُ خَـفْقَا

ويَعُمَّ الفَتْحُ المُبينُ (أروبَّا)*ويُجِيدَ (الإسْبانُ) (للضَّادِ) نُطْقَا

وتوالتْ تلك الفُتُوحاتُ حتَّى*كادَ، بالفَتْحِ، أنْ يُرَى في (دِمشْقَا)

ويَكون النَّصرُ العظيمُ كَبيرًا*وتَؤُوب الجيُوشُ (للشّامِ) دَفْقَا9)

60كانتِ الهجرةُ ابْتداءً فتوحٍ*تَشْمَلُ العَالَمِين غَرْبًا وشرْقـَا

مِثْلَ صَوْتٍ قد ظَلَّ ينداح لَمّا*نشرتْهُ الأجواءُ فاجتاحَ أُفْقَا

ذاك أن الإسلام ناموسُ عَدْلٍ*لجميع الأنامِ يُثْـبـِتُ حَقَّا

(كان كالبدر) يوم هلَّ عليهم*(من ثنايا الوداع) بالبِشرِ يُلقَى

عانقتْه القلوبُ: بِيضًا وسُودًا*مُذ سَباها بـِنورِهِ واسْتَرَقَّا

66يا ضُيوفَ الرحمنِ صَلُّواعَلى مَنْ*كان فينا كالودقِ يَتْبَعُ بَرْقَا.

 

تونس 1436 هـ 2015 م - نورالدين صمود

..................

1)  حيدر: من أسماء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو الذي نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم تضليلا للمشركين الذين حسبوه ما زال نائما فيه.

2)  الورقاء: من أسماء الحمامة وقد وقع فيها القصر هنا مراعاة للروي، ووجود الحمامة الورقاء في باب الغار، ونسيج العنكبوت قد ضللا المشركين وصرفاهم من دخول غار ثور الذي يختبئ فيه الرسول عليه السلام.

3)  أسماء بنت أبي بكر شقيقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زوّدت رسول الله ووالدها أبا بكر عند هجرتهما إلى يثرب، وشدت الزاد على البعير الذي سيحملهما إلى يثرب بنطاقها، فلقبت لذلك  بذات التطاقين.

4)  حج العديد من أجداد الشاعر على الجمال والأرجل وكثير من وسائل النقل البدائية – كما تشهد الوثائق –  وقد تعرضوا للأخطار أثناء سفرهم، في الأزمنة الماضية.

5)  الأمازيغ السكان الأصليون لشمال إفريقيا، كانوا وثنيين قبل الفتح الإسلامي، ويعتبرون (التانيت) إلهة المطر والخصب، ويرسمونها على شكل مثلث على شكل هرم ويجعلون في أعلاه شبه رأس.

6)  طارق بن زياد فاتح الأندلس أمّره قائد الجيش الإسلامي في العهد الأموي على الجيش الذي عبر به المضيق الفاصل بين غرب شمال إفريقيا بغرب جنوب أوروبا، وفتح الأندلس التي اسقر المسلمون بها ثمانية قرون.

7)  شبه الجزيرة العربية التي تقع في جنوب غرب آسيا تقارن عادة بشبه الجزيرة الإيبيرية التي تقع في جنوب غرب أوروبا، ولذلك اختار ابنُ بسام لكتابه عن الأدب الأندلسي عنوان: (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) مقارنة لها بالجزيرة العربية.

8)  لقبت الأندلس، بعد خروج العرب منها، (بالفردوس المفقود).

9)  توقع الخليفة الأموي وصول قائد الجيش الإسلامي موسى بن نصير لفتح الأندلس والقائد المغاربي طارق بن زياد، في طريق فتح أوروبا، إلى دمشق عاصمة الدولة الأموية، فأرسل إليه رسولا يأمره بالعودة من حيث انطلق بحجة خوفه على الجيش الإسلامي.

10) الودق: المطر الغزير  قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ). (سورة مريم 48)

 

 

أيا ضراوة هذا الدبوس

لو جاءَ مغروزاً بوجدانيَّة الشعراء

joana ihsanablhd

خَسَارةٌ تُثَمَّنُ بقنطارٍ مِنْ العصافير

جوانا إحسان أبلحد

 

بَرَدَتْ مِجْمَرة العواطف الفردوسيَّة..

مزهريَّةٌ مشدوهةٌ

وَ

شمعدانٌ واجمٌ

وَ

رقصة تانغو ذابلة

وَ  

فنجانٌ فاترُ الثرثرة وَ طَبْعَة الشِفاه

أيا ضراوة الواو لو عَطَفَتْ على صدري أكثرُ مِنْ دلالةٍ قاتمة !

أيا ضراوة الذكرى مِنْ مُخلَّفاتهِ على طاولة الـ حَدَث:

عطرهِ العالق نثراً بأريكةِ الـ حَصَل

بقايا الذي جَرَى بكؤوس الـ جَرى

وَأعقابُ سجائرٍ نَفَثَتْ همومهِ

رؤيويَّة أم خبَريَّة،

لِمُجْمَل همومهُ مذاق الأناناس

كغذاءٍ واحدٍ

لضائعٍ وحيدٍ

على جزيرةٍ مُتَوَحِّدة

وبين الأحاديَّة وَالوِحْدَة وَالتوَحُّد ألفَ دَبْوسٍ مُشترَك!

قد لا يَبْلَعُهُ،

إلا الحَلْق المفطور على غَصَّةٍ مشرقيَّة       

قد لا يُصَدِّئهُ،

إلاهواء الانفرادي بالمعتقلات الافتراضيَّة

قد لا يُعَوِّجهُ،

إلا الفيلسوف في زمكانيَّةٍ إغريقيَّة

أيا ضراوة هذا الدبوس لو جاءَ مغروزاً بوجدانيَّة الشعراء !:

بَرَدَتْ مِجْمَرة العواطف الفردوسيَّة.. 

رُبَّما مِني :

جُرْعَاتُ اللهفة الْمُرَكَّزة،

أعْطَبَتْ شريانَ الوَصْل الوثير

حرارةُ الوَجْدِ العالية،

أحْرَقَتْ الأرغفة الدَمِثة

نزعة المثاليَّة القويَّة،

أطاحَتْ بنسبيَّة سَويَّة

رُبَّما مِنكَ :

دولابُ الأيامِ يُكَشِّفُ الخميرةَ فيكَ

لا أخالَكَ خَبَّازاً ماهراً لأرغفةِ الدَمَاثة

أيا ضراوة الاحتمالات المسعورة على تلَّةِ الغامض وَاللايقين!

:

بَرَدَتْ مِجْمَرة العواطف الفردوسيَّة.. 

لَكِنَّ..

    الْمُغْري

        الْمُعَزِّي

            الشفيف

لَكِنَّ..

    الناصع

        الناجع

            الأليف

الطاولة كانتْ:

أبنوسيَّة الأرجُل .. عريقة الأطوار..

 

30 / شباط / ألفين وَخسائر *الـ Idealism

جوانا إحسان أبلحد

...................

Idealism *:المثاليَّة كتيارٍ أو فلسفة لِمَنْ يرنو المِثال بالشؤون الكبيرة حتى التفاصيل الصغيرة.

 

 

almothaqafnewspaperربُّ العذوبة أنت وصمتك يُقشعر له الليل وصمت النهار

أرجو ألا أكون ضيفا ثقيل الظلال على نهماتك والشّفار

وموسيقا اللحن وعزف اليمام في تلابيب أبجديات الغرام

توهبين الرعشة في زمن الجدب وصمت البكم عن وعي الكلام

قلب في جسدين يتعشيان الأمنيات وتحنان الربيع وفصل السهام

هنيهات المحبّة انت أُمشّي إليك كل وجه صبيح وتعداد المرام

يداي تُرفعان لقلب الدّعاء، وغربتي ووحدتي ونزع روح الصّلاح

وطني كما يعلم الجَمعُ، لؤلؤة الأكوان والرافدان والنيل وشمس العراق

وانت البلسم تمسحين التعب المتسربل على جبيني وحزن التراب

وانت الشمس التي تُضيءُ القلوب وتنعش البدور وحواف الضياء

ظلال البنفسج انت وقناديل الترانيم ووحي الرذاذ وقسمات الحسان

وهاهي رعشات الروح تُمَرِرينها على جراحاتي تُبلسمها بالشّفاء

والطرقات تفيض بنسمات القلب وتحنان آلأماني وجوع السّحاب

الحزنُ وليدُ لحظات البُعاد، وغزلي فيك يُلطف بعض العناء، وسيح آلبلآء

طرفها آلساحرُ حبيبتي يُخفف آلآم آلجوع ولسع آلجوى، وآلسّنين العجاف

وبحلمنا في الحياة، وكركرات الحالمين، ومعاناة آلحفاة، ووعي آلماجدات

وكم تجشمنا مصاعب الأرق بخلايا الضحكات المالحات وتحنان السراب

بقبلات اليُتم نتنازع الغوص في أغوار عورات آهآتنا ودندنات الصِّفاق

وكم من آلمرآت أعلك غصّتي وأنا أتناوب مع ذاتي في تقاسم العذابات

جُرحي المالحُ يسمو مع تغاريد أناملها، وزرياب يُحبحبُ ما تبقى من عويل

دموع البلابل والفراشات الملونة وحساسين الروض اليافيّ تنادمُ المذبوحين

كم من العذابات نصطاد وأمواج آلأثير،  ونحن نتراقص مع لحن البشارات

فيروز في حالة من الشّغف السّرمديّ، والطرب يأتي من صوتها مع آلأيام

إلهي وإله ما يدبُّ على آلأرض من الكائنات،  نستحلفك بحقك علينا وعليك

أن تصون روح حبيب لنا يُسمى آلعراق، والشام واليمن وكلّ بلاد آلعباد

لأنك لطيف عزيز قوي، تحفظ نون النسوة في عشتار والسورة وآلبيلسان

ومن تعمد بجراح السؤال لوطن ترتعش له قلوب الرجال وأناملهنّ النازفات

هو آلمطر حين تُرشرشنا منه قطرات آلحياة، تُورق السيوف والبارجات

تَبكينا يا وطني حينما تُلملمُ جراحاتنا، وتسدلُ علينا من روحك البسمات

وتشيح وجهك عن آلظالمين، وتبني لنا من تُرابك عفّةً السؤالات والكرامات.

 

ا. د. نادي ساري الديك - رام الله-فلسطين

.....................

مُهداةٌ لها،  ونهر عشقي لها يُخلخلُ،  وإنّما يُبددُ الأوهام.

 

 

وعلى حشرجة

الوردة يمامة تصرخ

salem madalo

على حشرجة الوردة / سالم الياس مدالو

 

على حشرجة

الوردة

ينكمش جناحا

النحلة متالمين

بغياب

البصيص

 

بنفسجية هي في سقف

العطاء

وندى الذكرى

رياح بلا

ضجيج

 

والفرح سيقفز

خلل سلم البدء

والحزن سينحدر

صوب زمن

الانكماش

 

والذكرى الذكرى تتقلص

كلما الحنين تمادى

في انعاش سرير

غيبوبته المتاكلة

 

وعلى حشرجة

الوردة يمامة تصرخ

أيا أيا سنبلة الذكرى

اما زلت متالمة

من سوط

الانكماش

 

سالم الياس مدالو

 

 

شاغلتُ طيفك في هواك

أبغى رضاك

mostaf gharib

محطات لنصوص شعرية / مصطفى محمد غريب

 

1 - محاولة

سألتُ عنكْ صباح كل يوم

وفي المساءْ،  قررت أن أنساك لحظتين

في لحظةٍ

تقتبس النفس رضاك

ولحظةٍ أعيش مبتغاك في المباح

فكنت كالنار على الهشيم

تفضح ما بين ثناك

لست أنا من يهتدي بغويتين

لأنني احفظ في السر جفاك

فمرةً تتيه في هواك

ومرة تعود كالرضيع حينما تجوع

فلعبة الحبل تزيد حالتي نسيان كي أنساك

لأنني في الجر كالمفقود بالجراح

فاسمح لي التفكير في المساء والصباح

في اللحظتينْ..

بالفكرتين في ارتياح

***

 

2 - ببغاء في فن الخطب

هل لا ترى؟

ببغاؤنا صارت عجب

تسابق الصوت الذي

هجر اللقاء وصار كالطير المهاجر

تتوسد الأرض التي نبتت عناقيد العنب

لكل من هب ودب

ثم ارتمتْ بالقرب من ساقية الوصول

كما اعتلتْ منصات الحطب

كي تشعل النيران فيهم

فوق المتاهات التي تفننتْ شكل الخُطب

حتى يسابقها الغضب

هل لا ترى؟

هذا التداعي في أفانين الجرب

وما جرى من موبقاتْ

ثم التحايل في الرتبْ

***

 

3 - المعنى

عَنيتُ بالدفوف رنة السيوف

بشرتُ بالطيوف

من رعشة الخسوف

آمنتُ بالكلامْ،

لأنه الخروج والكسوف

حلمتُ بالرفوفْ

رفٌ على الجبين

به الوجوه معتمات

رفٌ على السقوف

به العيون ذابلات

رفٌ يحاكي القادمات

بقوة الهروب والنجاة

من السنين العاتيات

رفُ يغازل الحواري في الصنوج

رفٌ يمازح الغلمان في غنوج

رفٌ يغوي الجاريات المهملات

بطلت في الكلام والخروج والشغوف

غفلتُ سكرتَ الاثنين

وصمتُ دمعتين

وكنت قطناً معتماً مندوف

مخرط الحروف

أمنت بعد سفرة الجناح بالموصوف

أن أترك الوقوف

واُسقط  الرفوف ......!

***

 

4 - رجفة القلق

كلما جاء الأرقْ

حاملاً حزمةً، من قلق

صرتُ ريحاً

من ورق

نازفاً مهجتي

ضاغطاً كلمتي

مثل همسٍ في شفق

أتداعى كالشظايا

من ألق

في دواخل نفسي كالضجيجْ،

بيدقاً من عرقْ

صيحتي تبقى سكوناً

كالغرقْ

وشعوراً عالقاً من رحيلٍ

في علق

أنتَ من يبحث وصلاً

مثل نفخٍ في طبق

وبلا معنى قريباً

كلما جاء الأرق،

باسماً

صار نجماً يحترق

ثم شدواً يَفْترقْ

***

 

5 - مشاغلة

شاغلتُ طيفك في هواك

أبغى رضاك

ارتقبُ النجاة

خوفاً من الغل العتاة

فهل تراني قادراَ

من الحراك

وكسر طوق

عبادتي

وأنت في عز سراك

يلوحني قهر جفاك

يبان لي عبادة

كأنها ظلٌ يتابعني عداكْ

***

 

6 - هدية للتاريخ

أي بسمةْ.. في ارتياب

يا تقاطيعا من الماضي وأسراب الذباب

ونباحاً من كلاب

فبك الحقد الملازمْ للذئاب

وبك النذل عرابيداً تعاب

يا قريباً في التشفي

وبعيداً في المصاب

أترى لؤماً وفي عينيك مذاب؟..

وتقول الله يعفو من عذاب

أنا لا اجني عليك،

هو قولي: أيها الناكر حتى من يديك

في حضورٍ أو غياب

لا تسامحْ.. في النذلات التي تعلو العتابْ

***

 

7 - رجاء

رجوت أن تضعْ يديك في كفي

طمعت أن تكون لا ضجيج

لكن الذي فيك من الوسواس

كعلة الشيطان في الخناس

ورحت تسكن في العجيج

وخيط عنكبوتْ لقهر الناس

وهكذا كشفتْ يا قلة الإحساس

عن نفسك الدساس

***

 

8 - كيف.....!

كيف تكون صامتاً

ثم تقول

كان الحديث رائعاً

للامثل القبول

كيف تكون جاثماً

بلا أصول

ثم تقول

كان الطريق مشبعاً

بسرعة الجياد

كيف سترضى بالمديح

والقيم الجمال

وأنت مذموم غُرابْ

***

 

9 - نص ندبة

نَفَخَتْ وجوهٌ من قِربْ

لأنها كسلتْ، بما جنتْ بها

رؤيا عجب

فتغربتْ قيمٌ، وصارتْ في لهب

وتفننتْ، عاهاتُ مَنْ نَدَبْ

وتسامرتْ، فينا الجروح

من تعب..

وتقزمتْ، تلك الوجوه

النادبات بلا سبب

وبحقدها، نمت الطحالب

من جَربْ

 

نمشي على شمم الجراح قوافلا

فهنا العراق طفوفه الأحزانُ

almothaqafnewspaper

الحسين من حيث جراحنا / رحيم الشاهر

 

        

نشكو (الظماء) وحوتُنا ريّانُ

                     كم ياحسين يقولها الظمآنُ؟!

نمشي على شمم الجراح قوافلا

                  فهنا العراق طفوفه الأحزانُ

ولظى القصائد  مايزال مكبرا

                  وجراحنا بلظى الطفوف أذانُ!

نُسبى ونُقتلُ، والعيالُ شريدةٌ

                         وبنزفنا يتجدد  العدوانُ!

هذا رضيعٌ قلدوه بنحره

                     والكهلُ منا بالرصاص يُدانُ!

عباسنا يهبُ الكفوف تفانيا

                           بوفائه قد اقسم (الديّانُ)!

(وهبٌ) بنا صلى الحسين مسيحُهُ

                       (ولجون) في هيهاتنا إزمانُ!

وحديثنا بالموجعات مسامرٌ

                       وربيعنا خابت به الأغصانُ

وتناسلتْ بطغاتنا أوجاعنا

                        ووليدنا من نسلنا الطغيانُ!

هذا صهيلكِ ياطفوفُ مكبرٌ

                  وعلى الطفوف تبسْملَ الرحمنُ!

فاظمأ على بحر العراق مجندلا

                        فعلى فراتك أطبقتْ أوثانُ!

وامسح على غرر الجياعِ فإنهمْ

                    من عزهم تهوي بهم أركانُ!

قبضتْ على شيب العراق( حراملٌ)

                  وبصدره قد جعجع الخذلانُ!

almothaqafnewspaperاعتاد الطفل أن يجلس على الصخرة القريبة من البيت، حافي القدمين، رث القميص، ممزق العرى، بالكاد يلتصق بنطاله بخصره . بعيون دامعة يرقب التلال المنتشرة على حدود الأفق، يمسحها تلة تلة، وسفحا سفحا، ثم يعيد رسم الخريطة بما يمنحه لحظة اطمئنان وود .

لم تكن لتقف عيناه في المدى المفتوح، بل يتوغل في زرقة السماء الصافية، تدهشه القبة المتعالية، وتخطف لبه كسر السحاب الصيفي . تتسمر أحداقه على غيمتين بيضاويتين تخالطمها دكنة متناثرة . ثمة روح غريبة تسوق الغيمتين . تقتربان، تتزاحمان، تمتزجان، وتتماهيان . تغرق عيونه الصغيرة في المشهد، يطير الطفل، يتلاشى في نداء بعيد .

ينقلب البياض الى حمرة خاطفة، سجاد أصفهاني مزركش بكل أنواع الورود، ياسمين، شقائق نعمان، بانسيه لا يكاد يرى، جوري يعاند الزمن وينتصر، اوركيدا نبتت فجأة، لوتس على شفا نهر يتيم . ينعم النظر ويطيله، مطر صيفي يشق اليبوسة والمدى، يمسح طرف أنفه بكف مرتعشة، رائحة لذيذة تعلن مولد الهطول، ويتساقط عطر خفيف،ثم يشتد قليلا قليلا . تتشبع الاقدام الحافية، والقميص ذو العروة اليتيمة، والبنطال الناصل .

يقول الرواة : عبر الطفل بوابة البيت وغاب . لم يعرف أحد مصيره، لكن اللافت شجرة الكينا التي نبتت فجأة في زاوية البيت . نمت بطريقة مدهشة ؛ تتطاول أغصانها الغضة إلى مفارق السماء، وتكاد تهامس غيمة صيفية عتيقة . كل ليلة تهتز الاغصان برقص صوفي، تتناثر منها روائح رائعة، تملأ الشوارع والحارات . كل ليلة تنبت أشجار جديدة، تتسلق الأفق بوحشية وسرعة .

على الجهة البعيدة من المدينة جرت غابة، أشجار كثيفة، متعانقة، لم تبح بسرها، وثمة خيال لطفل عنيد، يعبر ظلال السيقان الضخمة، الأرض الرطبة، الأثلام البكر، في انتظار بعث جديد .

 

عبد الله الصانع

 

 

nadia almohamadawiأوكلاند الأمريكية مدينة الاخضرار والجبل عندما تحس إحساس يرفع دقات قلبك إلى أقصى مداها ويشغلك بشخص ما يمر مرور الكرام لكنه يستوطن روحك ويجعلك تتساءل بدهشة كيف يكون هذا المس الذي يمس شغاف القلب ويشعل في أعاليه حرائق قد تخمد ولكن يظل جمرها تحت الرماد الى آخر العمر . أحبت مدينته التي كانت تقرأ عنها في الروايات الأمريكية . كانت مسرعة بسيارتها المكشوفة فلحق بها بسرعة وأوقفها وكانت تتلكأ بجلستها وحديثها سألها وقبل السؤال لاطفها بكلمة وقعت في صميم قلبها ومن ثم قال لها ابتعدي بسرعةبعد ان اخذ معلوماتها وهو يودعها بنظرات ملؤها محبه لا تعرف لماذا وكيف انطلقت ساندي مسرعة مرة أخرى وأوقفت سيارتها في أولتقاطع يؤدي الى نهر جاري وارض خضراء وأشجار استظلت بهم وهي ترتعش من خوفها الذي ادخله ذلك الرجل الى قلبها جلست قربالنهر واغترفت منه غرفة ماء ملء كفها وغسلت وجهها ويديها واستلقت على العشب وراحت تستعرض ما مر بها هذا اليوم من بدايته الى ان قامت بمخالفة مرورية لم تسجل بأوراق المرور.. في الليل رن هاتفها برقم لا تعرفه ولكن يرمز لمدينة أوكلاند ردت بهدوء وحذر على الهاتف وكان على الطرف الأخر رجل الشرطة أو الشريف المسؤول على امن مدينة أوكلاند .. أهلا يا حلوة كيف أنت لحد الآن لازلت مسرعة؟ ردت بخوف على تساؤله لا أنا بخير وسوف لن أقود سيارتي بعد الآن . لماذا هل أنت خائفة؟ نعم أنا خائفة جدا . ممن أنت خائفة فردت ساندي منك أنا خائفة منك ووصلت إلى سكرمنتو وأنا لازلت خائفة جدا من أن أقوم بحادث مروري ثاني ولكن الحمد لله وصلت وأنا الآن بحضن عائلتي . لا تخافي أنا معك . كان صوته مليء بالحنان بالضوء بالأمنيات بلعت ريقها بصعوبة وأخذت تخطو خطواتها على غير هدى في غرفتها وتصفف شعرها ومن ثم تعيد الكرة من جديد واستمرت طيلة الوقت على هذا المنوال .وردت عليه ماذا تقول؟ . لأنك أنت من كنت أريدها أن تحتل قلبي وهكذا روت لي العرافة التي تفتح مكتبها في اولد سكرمنتو من أنني سأقع بغرام فتاة من تلك المدينة وأسمها يبدأ بالسين وها أنا أقع بغرامك ولا أعرف ماذا ستردين علي هل ترفضين طلبي هل ترفضين محبتي هل سترفضين قلبي؟ أنها أسئلة ليس في أوانها ولكنني معجب بك وقد دخلت قلبي . سكتت ساندي لا تعرف بماذا تجيب حينها رد عليها قلت لك لا تخافي فانا بجانبك . وفكري بالأمر وحين تقررين اتصلي بي وسأكون قريبا منك. ألم يقل الله إني أقرب لكم من حبل الوريد هكذا أنا سأكون إليك .أستأذنها جوزيف وأغلق هاتفه متمنيا لها طيب الوقت .ظلت سانديممسكة بهاتفها وتلصقه بأذنها أحست على نفسها وأدركت أنها سرحت بأفكارها لأبعد الحدود. القدر أحيانا يمنحنا الخيار فيما نحن مقدمون عليه لذا يهيئ لنا مفارقات كبيرة ومجدية بنفس الوقت . ذهب جوزيف بأفكاره لبعيد وهو يستذكر كل ما جرى بتلك اللحظات القليلة التي جمعته بتلك الفتاة متكئ على الأريكة الكبيرة التي تزين غرفة الجلوس في بيته الفخم والذي أتخذه شامخا على ربوه الجبل .التوجهلأي أحد انفصال مطلق عن رعشة الروح تهور يقود للفضيحة لا عليك بالذي تحدثت فيه الأشجار غيرت مواقعها .. بل غيرت غاياتها..بقي جوزيف يعد ساعات ليل طويل يفكر بها من أين أتت أليه وكيف والى أين سيمضي به هذا التعارف الذي يقلق قلبي وعيني

 

نادية المحمداوي 

 

غمرَ التيهُ القوافي وتخطى

 شُعلةَ المخفيّ من بئرِ المغيبِ

tariq alhilafi

تضليل / طارق الحلفي

 

بتعاويذِ النشيد الأمميّ

قرأ العرافُ صمتَ الزَّلزلة.

وتوشى بسوادِ العمّةِ السوداءِ في مجلسِ حكمِ الوَغَلَة.

وادعى ان التواريخَ نفاقٌ والمبادئَ مهزلة.

والصراعاتُ ستمحى

أو ستبقى هلوساتٌ في عقولِ الجهلة.

صفقتْ كلُّ الغرانيقِ وأخْفتْ حجراً تحتَ لسانِ الأسئلة.

فتهاوى قمرُ الدهشةِ وارتجَّ الزمان

غمرَ التيهُ القوافي وتخطى شُعلةَ المخفيّ من بئرِ المغيبِ

أفردَ العرافُ إفريزَ الفتاوى وتمطى

انتهت كلّ الحروف

لا مواويل مجازر

لا مهاميز مراثي

لا ينابيع فواجع

لا بتولات انفجارٍ

لا سديم لا رماد لا دمار

...لا ولا حتى غبار

صَهَلَ القردُ وأثنى الجَحْـشُ وامتدّ الدخانُ

فوقَ غاباتِ البداية

سُمِلَ الأفقَ وأغفَتْ ذاكرة

saleh alrazukاشتكت لي السيدة ليدكا من جارها الدكتور نديم، وهو طبيب عيون مشهور، له سمعته، لكنه عازب. كنت أسكن في نفس بناية السيدة ليدكا، وأعلم أنها بولونية، متزوجة من مدرب ملاكمة، وللأسف توفي من شهور خلال التدريب. ولا أحد يعلم هل حصل ذلك عمدا أم نتيجة خطأ غير مقصود. فالملاكمة مهنة عنيفة، وبصراحة هي بنظري مهنة تؤمن بفلسفة الضرب. وأيا كان الأمر، تلقى المسكين لكمة على رأسه أودت بحياته، وبقيت الأرملة هنا من أجل أبنائها.

حاولت أن أفهم من ليدكا ما هي مشكلة الدكتور؟..

ولكن كانت لغتها ركيكة، وبصعوبة فهمت أنه يعاكسها، أحيانا تضبطه وهو يضع مفتاحه في باب بيتها، تصور، قالت:  السافل يريد أن يقتحم منزلي.

ثبت نظري على وجهها وقلت باستنكار: الدكتور نديم؟.

هزت رأسها دون تردد. ولكن كيف؟. لدى الرجل مريضات من كل الأعمار والأشكال. لماذا يعاكس أرملة هي أم  لولدين؟. برأيي هنا توجد حلقة مفقودة.

***

كانت هذه أول مرة أقبل فيها قضية سخيفة من هذا النوع. لكن لم أود أن أكسر قلب السيدة ليدكا.. غير أنها بلا ظهر تحتمي به، كانت رقيقة وشفافة. وللعلم بالشيء، كنت أعمل بالمحاماة، ولدي مكتب في عبارة التوليدو في التلل، ومعي شهادة بالقانون الدولي من نوتنغهام. لكن ماذا ينفع التفكير بالعالم ونحن في هذه الحفرة؟.

نحارب أنفسنا من أجل امتلاك حارة، أو من أجل الاستيلاء على ثكنة. لقد كنت أراقب بلدي وهو يسقط في غبار المعارك، ضحية مسكينة مكتفة اليدين، الدبابات تدخل وتخرج من الحدود وكأنها أسراب من البجع أو عصافير الحب.

***

فكرت أن أزور الدكتور نديم، وأسأله بدبلوماسية عن وجهة نظره، هل تحرش فعلا بالسيدة ليدكا؟.

إنما خجلت، فهو فوق الأربعين، وله مكانته، وقررت أن أتابع تحركاته ليوم أو يومين. ولكن لم أجد أي شيء معيب،  ببساطة كان متعففا.  ويقسم يومه بين البيت والعيادة، وفي أوقات الراحة بين واحد من إثنين.. السياحي في ساحة سعد الله، قرب تمثال الأول من أيار، يجلس هناك وحده ويفرش أمامه صحيفة اليوم، وينقب فيها، ثم يقلّب الصفحات وهو يشرب فنجان إكسبريسو، وخيوط الدخان تتصاعد منه مثل أنفاس أرواح معذبة.

كان وجه الدكتور نديم يحمل آثار صراع نفسي، ولم أستبعد أنه يعاني من غرام فاشل. كلنا في هذا البلد نحمل آثار العذاب النفسي، إن لم يكن لأسباب شخصية فبسبب الأوضاع العامة، أليس الأمبير لونا من ألوان التعذيب؟. وقل نفس الشيء عن آبار المياه، والمضخات التي تحفر في الرأس ثقبا يعادل بتأثيره المزعج إكليل الشوك الذي أحاطوا به رأس السيد المسيح. لقد وضعونا على الصليب منذ أول شرارة سبقت هذه الحرب. أصبح كل إنسان منا في خندق معركته الخاصة. إن لم تحمل السلاح وتحارب فأنت مزروع في ميدان معركة بالإكراه.

استراحته الثانية كانت في نادي القصر، وهناك يخالط بعض الشعراء الشباب، وأحيانا يتكلم  معهم كأنه يلقي قصيدة. ، حرك يديه ويعبر بقسمات وجهه. وقررت بعد أن أنتهي من هذه التحريات أن أبحث عن اسمه في الإنترنت، ربما أجد له قصيدة منشورة، فالأطباء يحبون الأدب، مثل المحامين والمهندسين. كانت الحدود بين الفن ومتطلبات الحياة تذوب، وعززت الظروف من هذا الاتجاه، فمآسي حياتنا تجبر حتى الحجر على أن ينطق.

***

لم يخرج الدكتور عن هذا الروتين ولو لمرة خلال أسبوع من التحريات. وكنت أستحي منه حين نلتقي على سلالم البناية وألقي عليه التحية. كيف يواتيني وجداني أن أتلصص عليه وأمثل أمامه دور الجار المحب؟.

لم نخرب بلدنا بأيدينا فقط، إنما لوثنا أنفسنا بهذه الروح المهنية. تكنوقراط.. كذبة جديدة، ولا داعي لتهذيب الألفاظ، لقد أتقنا دورنا على مسرح الحياة، وتحولنا جميعا إلى ممثلين.

***

غاب الدكتور نديم عن مرمى عيوني في مشوار واحد. وكان هذا هو الأخير في سلسلة تحرياتي الخائبة. كنت أتابعه من بعد عدة ياردات. وكالعادة مر من أمام بريد الجميلية في طريقه إلى السياحي، ثم انعطف بلا سابق إنذار نحو عبارة  التموين (بجانب شعبة العمال). انتظرت دقيقة كي لا ألفت انتباهه  ثم تبعته.  كان الظلام  يرتع في العبّارة مع ضباب المساء. وللأسف ساعده ذلك على الذوبان من أمام نظري. لقد اختفى كأنه ملح ذاب في الماء. أسرعت نحو المنفذ الآخر. وأيضا لم أجده. كانت حركة المرور خفيفة. ولا يوجد على الرصيف غير خمسة أو سبعة أشخاص. أوسعت خطواتي إلى السياحي، وبالصدفة مررت بمحاذاة مكتبة الأصمعي، ورأيت خيالي المشوه مطبوعا على الواجهة، وخلفه لمحت مجموعة مؤلفات جديدة، منها رواية (كتيبة سوداء) للدكتور محمد المنسي قنديل.

صدفة تركت أثرها في قلبي. فهذا الكاتب طبيب أيضا مثل الدكتور نديم. أليس كذلك؟.. وهو من نفس السلالة الموهوبة التي ينتمي لها الدكتور العجيلي مؤلف (قناديل إشبيلية). من منا لا يعرفه؟؟. وسومرست موم مؤلف (الحجاب الملون)، أجمل رواية عن علاج أدران الحياة بالانغماس في الأوبئة. وفيل ويتاكير، جاري في أيام جامعة نوتنغهام، فقد كنا نسكن في بناء واحد. يا لها من أيام ذهبية لا تنسى.

***

بعد هذا الحادث بحوالي شهر كلمتني ليدكا بالهاتف. كان صوتها يرتعش وهي تحتج، فالدكتور لم يحسن سلوكه، ولا يزال يعاملها مثل....

وذكرت كلمة باللغة البولونية. طبعا لم أفهم، لكن أخذتها بأسوأ الاحتمالات، ربما قالت: مثل عاهرة.

هذا غير ممكن. حزمت الأمر في نفسي، فقد رأيته بأم عيني يعيش بطهارة قديس، وقلت لها: والله يا مدام الدكتور مثل ليرة الذهب.

قالت بامتعاض: هل تعتقد أنني أكذب؟.

- عفوا. لم أقصد.

- لكنه اليوم فقط وضع زبالته أمام باب بيتي.

وشعرت بالدهشة. ما علاقة الغزل غير العذري بالزبالة. لا بد أن السيدة ليدكا تتوهم، ولعلها بحاجة لاستشارة طبيب نفسي وليس رجل قانون. إنما لم أفتح لها قلبي. كيف يمكن أن أضرب سيدة شفافة ومخلصة بحجرة من هذا النوع؟.  يكفي أنها صامدة معنا في وجه الزوبعة. حتى بنات وأبناء عمي ركبوا قوارب الموت ولجأوا إلى كريت ومالطا وألمانيا، ودخلوا في دورة شتات غريبة وعجيبة. لقد انهاروا أمام المحنة وبقي رأس ليدكا مرفوعا. ولذلك وعدتها أن أهتم بالموضوع.

كنت مشغولا بملف بنت جامعة رماها متعصب بماء النار وشوه وجهها. وكانت الأوراق والصور المرعبة أمامي في ملف بلاستيك أصفر. أغلقته وارتديت معطفي، فقد كنا في نهايات الشتاء، والسنونو يدور في سماء حلب بأعداد قليلة وبحذر لأن الغربان تقف لها بالمرصاد. وتوجهت فورا لاستشارة عدنان، وهو زميل لي في الجنائية، وكنا ندرس معا في نوتنغهام، غير أنه سبقني بالعودة، وحصل على وظيفة في الشرطة. وهو الآن ضابط تحقيقات.

أمام باب الفرع عرفني الحارس، وابتسم لي، ورأيت سنه الذهبية تلمع في فمه. وأدى لي التحية، ثم قال أوتوماتيكيا: سيادة الرائد مشغول للأسف باجتماع.

وفورا شعرت بغصة. فكل الناس تتطور إلا أنا. ويتاكير ينشر رواياته في دور نشر مرموقة، وعدنان يصل لرتبة رائد، وأنا لا أزال أتسكع على عتبات فروع الأمن وفي ممرات المحاكم. يا لها من نتيجة!!. وضعت يدي في جيبي. كانت النسمات لطيفة في هذه الأمسية، وبدأت أسير الهوينى، وذهني صفحة بيضاء.

تخطيت كنيسة جورج سالم في شارع فيصل. ثم قاربت الباب الجنوبي للحديقة العامة. وجذبتني الأشجار القليلة الخضراء. كان نهر المدينة يسيل من بينها بشكل خيط رفيع رمادي أو أبيض، حتى المياه شحب لونها. وكان تمثال المربي خليل هنداوي يواجهني بنظراته الهادئة كأنه يعاتب أبناء هذا الجيل المارق.  وهناك كانت المفاجأة، لمحت الدكتور نديم على كرسي من الخشب تحت ظل شجرة، وبين يديه عدد قديم من إحدى الجرائد.

***

اقتربت منه وألقيت عليه التحية. فنظر لي بوجوم  وقال: نعم؟ هل تكلمني؟..

قلت له بوجه بشوش: طبعا دكتور. أنا أكلمك.

قلب نظراته في وجهي، ثم مسح وجهه بيديه كأنه يغسله وقال: وهل أنا دكتور؟.

تخيلت أنه يلهو معي، فهو أيضا لا يخلو من روح الدعابة، كل الشعراء فكاهيون. هكذا أعتقد. وقلت له: أحسدك على هذا المزاج يا دكتور.

لكن لم تتبدل ملامحه. ونظر لي باستغراب وقال: من فضلك هل أنا أعرفك؟..

وهنا انتبهت أنه لا يمثل. يا لها من مصيبة. يبدو أنه نسيان مؤقت أو عمى ذاكرة. وربما هذا ما استفز ليدكا. إنه مرض غريب، وغالبا ما يضرب في ساعات تبدل الحالة النفسية، ثم يزول كأن شيئا لم يكن. ولكن كيف لطبيب مشهور أن يسقط في حبال مرض خطير من هذا النوع؟. وحاولت أن أساعده على التذكر، ولما يئست لم يبق غير أن أحمله إلى بيته.

ركبنا أول سيارة أجرة وأنا أحاول أن أشرح له حالته. تخيلوا أين وصلنا.. المحامي يعالج الطبيب!!. وفي السيارة وضع الدكتور نديم رأسه على ظهر المقعد، وأغمض عينيه من الارتباك والخجل، وكان الراديو يعزف لحنا وطنيا، ولم أعرف المناسبة. هل بسبب دورة العنف التي لا تبدو لها نهاية، أم أنه عيد نسيت موعده؟؟. كانت ذاكرتي أنا أيضا تتراجع،  أنسى المواعيد الهامة وأرقام الأضابير وتواريخ جلسات الاستئناف، جزء منا جميعا يموت، حتى المدينة تمسح ماضيها، ولا تعرف كيف تشتري شيئا من المستقبل.

ثم سمعت صوت تنفس الدكتور. لعله شعر بالأمان وأخلد للنوم. وأخذت منه نظرة، ورأيت أن التعب لا يزال يغطي وجهه مثل هذه الشوارع التي يدب عليها الناس بلا أي أمل.

يا لها من حياة.

سيعذبه النسيان مثلما تعذبنا الذكريات المؤلمة. وبدأت أفكر كيف يجب أن أزف هذا الخبر للسيدة ليدكا..

 

د. صالح الرزوق

 

 

أتساقط فوق المنحنيات

وابقى أتقافز،

أتقافز .. ولن أطير!

majed matrod

أبي / ماجد مطرود

 

أبي ..

لم يعلمني فنَّ القفز

لم يدربني

على إلتهامِ المسافات

او

الهبوط بالبراشوت

كما أنّه لم يعلمني

كيف أنام معلقا كخفاش

هل من المعقول،

بهذه المزاجية الغريبة،

يخرجُ النسناسُ منسجما

من دمي؟

هل من المعقول

ابقى في منطقة وسطى

لا المسيحُ لي

لا البُغضُ لي؟

هل من المنطق

أن أظلّ ميّتا- حيّا

أدور في الفراغ

أنتصر وأنهزم

ارتفع واهبط

وهل من المنطق ايضا

أن أظل هكذا ..

أتساقط فوق المنحنيات

وابقى أتقافز،

أتقافز ..

ولن أطير!

*

بلجيكا

 

في الصمْتِ والجنونْ !!

خبّأتني الغربة تحت عباءتِها

Ibaa Ismail

صَهيل /  إباء اسماعيل

 

براءةُ الأنهارِ تضيء شراييني،

حين أنظرُ إلى ظلّي

في فُراتِ عينيكَ...

كلماتُكَ نورٌ

أرتشفهُ ... فأراكْ ...

النّورُ يلفُّ أحْرفكَ الممزوجةَ بالشِّعرِ والاشتعالْ ...

وروحي ورقةٌ ترفرفُ

كالنورسِ في مهبِّ روحكَ

آنَ تهطلُ أحرفُ القصيدةِ

كأمْطارِ صيفْ ...

 

معجزة اللقاء المستحيل مع شمس روحكَ،

وحوار الغريبَين في حميميّة اللقاء

تصنع جنوناً خرافيّاً،

أقربَ إلى الطّيرانْ ...

 

ثمة مفرداتٌ تعشوشبُ في عاصفة أنفاسي

أكبح ريحها

كي أبرهنَ أني ما زلتُ تائهةً

في جرياني البطوليّ

نحو شطآن يديكْ !

 

عباراتي تلاحقني كأنهارٍ جاريةْ

وأسألُ : كيف السنونُ المتراكمةُ بغبار السفر،

تُعيد ملامحَنا المائيّةْ ؟! ..

***

أتجدّدُ فيهِ أنا

أقرأهُ برْقاً وسحاباً كما لو أنَّهُ ليسَ أنا

أو لكأنّني لستُ هوَ

هي اللغةُ تتماهى فينا ...

هي الرّوح تُطيّرُ عطورَها كالبنفسجِ لتكوِّنَنا :

برْعمين في صحراءِ غيابْ ،

نجمَين تساقطا

على أوراق الشِّعْرِ

وأخْصبا سيمفونيةً حائرةْ ...

ها نحنُ ليلانْ :

كلّ ليلٍ كتابْ

كلّ رعشةٍ بَوحٌ أليفٌ كالمطَرْ !!

هكذا تتدحرجُ الأيامُ

وتسْتيقظُ المدنُ من نومها الطويل

لتكْتبَنا صفحةً مضيئةً

في تاريخها الحالمْ !!

***

حين أخرجتُ (هْيورُن)  منْ عينيَّ

رأيتُ أصابعكَ بخوراً

بضبابهِ و تعاويذهِ

يحْمي حضورنا الصّاعقْ ...

تأمّلتُك فرَساً

وصهلتُ فيكْ ...

أتراهُ غيّرَني فارِسي ؟

أمْ عجنني أسطورةً طرواديةً ؟!..

وهو يشتعلُ في حزنهِ

على أضوائي الغريبةِ

في الصمْتِ والجنونْ !!

خبّأتني الغربة تحت عباءتِها

وأنا أختتمُ سَفَري بلقائهِ الغائبِ الحاضرِ كالغيمِ

على شرفاتِ الشمسِ والمطرْ ...

أختتمُ شوق جذوري إلى جذورهِ

حين ينصهِران في أسطورة الغيب

بحثاً عن  أملٍ مجنّحٍ

أو غابةٍ تشبهُ الجنة والنارْ...

ها أنذا أسكبُ روحي الشرقيةَ والغربيةَ

من (هْيورُن) إلى (برَدى)

أتوَحَّدُ فيه سمكة ًناريّةْ

لأصبَّ جنونيَ في جنونهِ ! ..

وأنا لا أملكُ غيرَ تلك الحفنةِ المشرقةِ

من خلايايْ ...

أنا السَّاهمةُ في شِعْريَّةِ وجودي

ووجودهِ ...

نتطاير معاً كلّما ساقنا الزمنُ

إلى غيابٍ آخرَ

في سماءِ القصيدةْ ...

 

يا ثوبُ كيف على السّنى

رَغـَداً تنامْ؟

والنّهدُ في عِزِّ القلقْ!

syrawan yamalki

ألق / سيروان ياملكي

 

من عُتمة الثـّوبِ انطلقْ

خيطُ الفـَلقْ

شقّ الرِّدا

جرحَ المدى

هربَ الألقْ..

ياثوبُ كيف على السّنى

رَغـَداً تنامْ؟

والنّهدُ في عِزِّ القلقْ!

لو كان أمرُكَ في يدي

قسماً بآلهةِ الأرقْ

يا ثوبُ..

ما أبقيتُ فيكَ سوى مِزَق

 

سيروان ياملكي

 

 

شوكٌ في عمق فمي

وتيجان منه على هامتي

dikra laybie

بيت / ذكرى لعيبي

 

نداهمُ التفاصيل،

تداهمنا

ونخوضُ الحروب التي لا (خسارة) فيها!

وكلٌ يقول: انتصرت!

عذرٌ مدمّى

شوكٌ على مرفقي

وبين عيوني،

شوكٌ في عمق فمي

وتيجان منه على هامتي

نيشانٌ فوق كلامي،

فوق منامي،

وقيدان في معصمي!

أوسمة فوق صدري

وأسرابٌ حطّتْ

على كتفي كاليمام!

سألت الأنام:

أرأيتم غداً سرب شوكٍ يطير؟

فكان الجواب...

وكان العتاب

صبراً جميلا

بيتٌ

وعلى المشهدِ:

فؤوس

جرائد نخل

قماش من الثلج

ووجه عبوس

مناشير حرب

فرٌ وكر

وقنديل زيت

فنطفأ

 

 

فتتسلّق أغصان الياسمين أصابعي

و تعشّش بكفّي القصائد

najwa aldowzi

خصوبة / نجوى الدوزي

 

سيومض برق القصيد بكفّي،

هذا المساء..

وتنهمر أناملي بالكلمات ..

ستمطرني شفاهك بالنبض

ليتبرعم الحلم ورديا..

فمازال في الغصن بصيص اخضرار..

تيجان النّخيل تطلّ

من سحر عينيك ،

هذا المساء..

فتخربشني طفولتي..

عبثا على الورق

وتندلق نبعا في اليباب

ويخفق رفيف الكلمات

في حشا أناي

فأتعفّر بمسك التراب..

سأفكّ ضفائر القصيدة ،

هذا المساء..

و أنشر جدائلي للرّيح

فتهمي غيماتك..

و تفور عشتار ،

من شهوة أنثى للحرف

واحات من مداد

و يتسرمد موسم الخصوبة

فتتسلّق أغصان الياسمين أصابعي

و تعشّش بكفّي القصائد

 

نجوى الدوزي خلف الله - تونس

 

لن يلوح لك في افق او لجة !

لانك تركته خلفك قبل الابحار !!

almothaqafnewspaper

هندس / ضياء العبودي

 

كان عطِشاً ..

ربما صائماً ..

ربما يحتضر !!

يؤجل الارتشاف ..

بأنتظار لحظة !

من اجلها :

يلج في بحر من صنعه ..

يتمادى في الولوج ..

تعمد ان لا يستنشق !

يتلمس الظلمة بنشوة فاتح !!

ينزل سلم العتمة ..

لا قاع هناك أو رمال !

فكلها اختلطت في هذا الحندس !

يغوص في الطين .

يفض بكارة البحر .

الى اين ؟؟!!

لا مجهول عندك مجهول !

فكل طبقات الارض بين اصابعك كلفافة تبغ.

تمتعك الوحشة والوحدة ..

وها انت تتلذذ بالظلمة ..

تدخر ظمأك .

تكدسه كمرابٍ بخيل ..

تبحث عن ضوء يروي عطشك ..

لكنك مهما أوغلت ..

لن يلوح لك في افق او لجة !

لانك تركته خلفك قبل الابحار !!

 

MM80حاصرته عزلة مقيتة.. كادت تبلد رهافة حسه..وتجفف مشاعره منذ ان لازم بيته.. والتصق بالدار..بعد عودة مرهقة.. من مأساة نزوح مرعبة.. لم تكن ابدا في حسبانه ذات يوم.. فقد كابد معها برد شتاء قارص.. وعانى شحة زاد.. وانعدام دواء..في مخيم  نزوح مشؤوم..كأنه معسكر سخرة..

هواجس.. هموم.. استذكارات.. تطارد مخيلته كلما وضع رأسه على وسادته للنوم..لكنه آثر عصر ذات يوم حزيراني ان يهرب من هلوسات اعيت مزاجه منذ فجر ذلك اليوم..عله يجد ضالته في أطلالة على الحاوي من سفح هضبة هدامة المشراق.. كما اعتاد ان يعمل في كل مرة يتعكر فيها مزاجه في زحمة الحياة من ذي قبل..خرج اذن راجلا يتنزه بمفرده في فضاءات ديرته لأول مرة بعد عودته من نزوح أغبر ..

انفتحت اسارير وجهه... وأحس بسحر منظر  مخلط الزاب بدجلة وهو يتسلل عذوبة إلى أعماق وجدانه..فماؤهما ينساب سلسبيلا مع بعض.. دون امتزاج فيما بينهما باديء الأمر.. ويأبى كل واحد منهما ان يغير حاله ولونه..ما دام بوسعه الاحتفاظ بخصائصه في اللحظة..

سرب نوارس يحلق في الأفق بدائرة مفتوحة بين عش النداة.. وحويجة ام العصافير..وثمة نورس مشاكس يستدير فجأة يسار سربه.. ليهوي بسرعة إلى سطح ماء الشاطئ.. مقتنصا بمنقاره شبوطا.. فيزدرده بنهم على عجل.. وهو يلتحق بالسرب مزقزقا بنشوة.. دون ان يحط على الأرض..سرب قطا يرد الماء صفوا على مهل من على حصى الشاطئ الآخر.. بساتين الرقي في الحاوي.. تبهر بخضرتها اليانعة الناظر إليها.. وهي ترسم بامتدادها العشوائي لوحة زاهية على ضفاف الزاب.. والنويفة.. في حويجة السلمان ثمة بقرات تدلف نحو أم الحوالي لترد الماء عبا من شاطئ شلال منحدر النهر..الماعز بجانبه يتسلق سفح عين القير.. وهو يقفز من صخرة إلى أخرى بحثاً عن احراش يرعاها..غير آبه بخطورة انحدار شعاب مجرى العين..وهي تتدفق بماء معدني كثيف القوام.. ابيض اللون ممزوجا بصفرة باهتة.. زوارق السماكين تجوب الزاب وشقيقته دجلة.. في حركة متعرجة بحثاً عن الاسماك.. الصبيان يعبرون النهر سباحة في سباق عفوي مفعم بنشاط متوقد .. فذاك منهم من تراه يغطس بمهارة في عمق النهر برهة.. ثم سرعان ما تراه يظهر لك فجأة كأنه سمكة قرش نشطة تستعرض سبحها بخيلاء.. وذاك يطفو على ظهره الهوينا بزهو وتبختر.. في حين وصل الآخر إلى الشاطئ  على عجل.. ليدلك جلده بالطين..ثم ما يفتأ ان يقفز في عمق النهر من على تلك الصخرة الكبيرة.. الجاثمة على الشاطئ منذ الأزل.. تحكي قصة تعايشها الأبدي مع النهر للأجيال .. مشاهد خلابة حقا في بيئة ساحرة.. تجدد شحن وجد عليل.. وتنعش حسا مرهفا.. كادت عزلة ظرف قاس ان تجففهما بتداعياتها المريرة..

 

قصة قصيرة..

 بقلم: نايف عبوش

 

 

أشُــك بنأيِــها عــنِّــي مرارا

 وأذكر فَـقْــدها فيخيب ظني

jawadkadom gloom

مَلَـلٌ وعِلَـلٌ / جواد غلوم

 

مللتُ العيش منفردا كظوما –-- وغاب بخافِــقي سُـعْـدي ويُــمنِـي

أعــيشُ الشعْـر نَــعْــيا او رثـاءً –-- وتلوين التَّـغَــزّل راح مِـنِّــي

لزمتُ البيتَ محبوسا بمأوى --– كشحرورٍ ثَــوى في ضيق قِــنِّ

خِــناقٌ واعْــتكافٌ وانْــزواءٌ ----- بلا دلَــعِ النساء وستِّ حُسْــنِ

فلا أجِــدُ الرجاءَ ولا الأماني –-- ولا بشرى الترجِّــي والتمنِّــي

كأني قد دعوت الموت رغماً --- ليسلبَ مأمني ويُـــديْـم حزنِـي

أحِــسّ سِماتِـها تدنو بقربي  --– وأشعر طَـيفَها يجْـتاح عَــينِــي

تجيء اليّ طوْعــاً وانصياعاً –-- وأسمع صوتها وتقول خذنِـي

تشاركني طعامي باشتهاءٍ ----- تُعافي صحتي ويطيب صحني

تصيـح وملءُ شدقَــيها صراخٌ –-- وتعْـوِلُ عاليا وتصـمّ أذنِــي

ومشْـيتُــها الغـمامُ يريــدُ جُــدْبا –-- كشِعْــرٍ يشتهي أوتار لحن

أشُــك بنأيِــها عــنِّــي مرارا ----- وأذكر فَـقْــدها فيخيب ظني

كأن ضجيجها في البيت يعلو ---- كَـسِـربِ بلابِــلٍ فِـيهِ تغنّـي

فلا أنا مذنِــبٌ أهْـوى عقاباً –---  ولكن هذه سِــمة الـتَــجنِّـي

تُــريْـني من مباهجِـها كنوزاً ----- فيكفيني القـليـلُ ولا أمنِّـي

فما نفع الكثير وأنتِ عندي –--- ثراءُ الروح من أدبٍ وفَــنّ

نشأتُ على الضياعِ وهدَّ عمري - ومدَّ الدهر في أعوام سنِّي

ومما خفّفَ الأعباءَ حملاً ---- رحيل حَـليْـلَـتي لِـبَـديْــع كون

جنانُ الله قد فرشتْ بساطا - لتأوي زوجتي في خير حُضـنِ

يظللها الالهُ بخيرِ روضٍ --- ويحمي وجهها برطيب غصنِ

وداعاً ربّةَ القدحِ المُعَـلَّى --– فَـخلِّيْــني الـى خمْـري ودِنِّــي

 

جواد غلوم

 

hamid alhurayziفي كل إرجاء المعمورة شاعت أخبار مملكة (ملك الزمان)، حيث تمر عقود وتتلوها عقود من السنين، تذهب أجيال، ترثها أجيال، والحكم ثابت والآباء يورثون الحكم للأولاد والأحفاد، شعب يطيع ملوكه حد العبادة، فله الأرض والثروة، وله على الأرواح والأملاك السيادة ...

أثار هذا الأمر العجيب والحال الغريب احد صحفي العالم الديمقراطي المتطفلين ومن محبي المغامرة وطلب الدخول الي المملكة منفذا وملتزما بالشروط المطلوبة منه وهي:-

أن يكون ملزما بارتداء جلبابٍ خاصٍ يغطي جسده بكامله ابتداء من رقبته حتى أخمص قدميه، وان لا يخلعه أبدا طوال وجوده في المملكة وإلا سيكون رأسه ثمنا لخرق التعليمات .

ان يراقب، يرى ويسمع ولكن لا يعترض ولا يختلط بمواطني المملكة، اثناء تجواله ووجوده بينهم في الأماكن العامة او الخاصة ...

في المنطقة الحدودية استقبلته شلة من الأشخاص ضخام القامة متجهمي الوجوه، أيديهم على الزناد، ابرز لهم وثيقة السماح بالمرور بعد ان لبس الجلباب قبل رؤيتهم، اصطحبوه في عربة خاصة، مضللة الزجاج، اغرب ما شاهده ان لهؤلاء ذيولا طويلة يجرونها ورائهم، واضح ان رئيسهم أطولهم ذيلا، ففسر ذلك بكونه زي خاص يتوجب على قوات الحرس ارتدائه، فبدلا من وضع ريشة طاووس ملونة مثبتة في خوذ حراس بعض الدول والممالك، تقرر وضع ذيول في مؤخرات هؤلاء الحراس وفق نظام هذه المملكة،سارت السيارة لما يزيد على أربع ساعات، توقفت، فتح له الباب ليلج دار تبدو غير مسكونة، الا من بعض أشخاص كان يبدو أنهم من الخدم الخاصين بضيوف الدار، دار بينهم حديث لم يتمكن من حل ألغازه ولكنه يبدو توصيات خاصة به ...

تم حمل أمتعته وحقائبه وإيصالها الي غرفة معدة بشكل جيد لنوم وراحة شخص واحد، مزينة جدرانها بصورٍ للملك ِ وإخوانهِ وأبنائهِ وأحفادهِ وقسم من حاشيتهِ، في هذه الدار أيضا لاحظ ان للخدم ذيولٍ مختلفة ٍمن حيث الطولِ واللونِ، فلم تكن ردة فعله تختلف عما شاهده لدى الحراس فلازال ضمن حرس وحاشية الملك بمعنى إنها ضمن الأزياء الرسمية لموظفي الدولة ولا غرابة في ذلك .

كان يلاحظ ان الخدم بين حين وآخر يرددون عبارة كأنها هتاف، تبين له من خلال سؤال مرافقه، أنهم كغيرهم من موظفي الدولة يلهجون دوما بالهاتف بحياة الملك والعائلة المالكة قبل وبعد أداء إي عمل من إعمالهم اليومية،الغريب ان هؤلاء الأشخاص كانوا يرددون هذه الهتافات حتى مع عدم وجود الرقيب، يرددونها بنفس النغمة ونفس وقفة الخضوع والترجي والرجاء يرددها معهم دليله ومرافقه أيضا، ومن كثرة تكرارها كاد الصحفي ان يحفظها على ظهر قلب حتى انه اخذ يتوقع أوقات ترديدها بشكل تلقائي كما آلة تسجيل وفق تسجيل و توقيت مسبق .

لم يلاحظ وجود أكثر من قناة واحدة في التلفاز تعرض خطب ومؤتمرات ومحاضرات ونصائح الملك الى رعيته، جولاته، طريقة كلامه ولبسه ونوع وطريقة تناوله لطعامه، والكثير من مفردات حياته أليوميه، الجميع يجلسون يستمعون ويشاهدون بدهشة كبيرة كل ما يعرض في التلفاز ...

أمضى ليلته الأولى في هذا المنزل، ليستيقظ مبكرا طالبا من دليله ان يقوم بجولة في شوارع وأسواق وساحات المدينة كان له ذلك، وكانت أول ملاحظة لفتت نظره ان كل الناس البالغين رجالا ونساء تبرز من مؤخراتهم ذيولا مختلفة الألوان ومختلفة الأطوال، وكان صاحب الذيل الأطول يمشي وهو يختال فخرا، كما تتباهى وتفتخر الفتاة الحسناء بطول ضفائرها، فسأل مرافقه حول هذه الظاهرة التي تبدو غريبة فلم يرى ولم يسمع حول جنس بشري بذيل :-

 فأجابه مرافقه إننا نفتخر بهذه الذيول، فالذيل هو علامة الإخلاص والطاعة لملكنا العظيم، وإخلاص المواطن لملكه تتناسب طرديا مع طول الذيل، لذلك قرب وبعد الفرد عن الملك تقاس بطول ذيله، ستشاهد ان وزراء وحاشية وقادة الجيوش تم اختيارهم لأنهم الأطول ذيلا بين رعايا المملكة فرئيس الوزراء مثلا هو الأطول ذيلا بين جميع الوزراء وفترة بقائه في منصبه مرتبط باحتفاظه بهذه الميزة فان ظهر من هو أطول ذيلا منه فسيحل محله فورا وهو ينزل الي مستوى أدنى ...طبعا لكل طبقة او شريحة اجتماعية لون ذيل محدد يميزها عن سواها، يمنع اختلاطها، ويمنع تزاوجها مع الفئات والطبقات من الألوان الأخرى، تحصل عادة حالة تنقل بين هذه الفئات وفقا لمتغيرات الذيل، فقد يرفع احدهم الي طبقة أرقى إذا بلغ ذيله معدل طول أذيالهم، وبذلك تجري له مراسيم خاصة لتبديل لون ذيله، وكذا هو الحال بالنسبة لمن يصاب ذيله بالقصر حيث ينزل الي مرتبة أدنى وبنفس المراسيم ...حتى الزوجين يتم انفصالهم الفوري في حالة اختلاف طول ذيليهما، ليقترن كل منهما بشريك آخر له نفس طول الذيل ...

وهل يولد الإنسان عندكم بذيل؟

طبعا لا، فنحن لازلنا كبقية البشر من حيث المواليد، تجري الآن بحوث علمية متطورة ومتخصصة لتكون الذيول اعضاءا تولد مع المولود منذ يومه الأول إي ان تكون الذيول علامة الطاعة للملك خاصية جينية وليست مكتسبة كما نحن الآن وقد تعاقدت مملكتنا مع علماء أجانب من مختلف دول العالم من اجل الأشراف على هذه الأبحاث والتجارب في معهد الأبحاث الخاص وقد وضعت لهم ميزانية مفتوحة غير مقيدة من اجل تتويج بحوثهم بالنجاح ... الأسرة لدينا ترقب بفارغ الصبر ظهور برعم الذيل للمولود منذ سنواته الأولى إي بعد نمو أسنانه الدائمية وبداية فطامه عن صدر امه،حيث تجري مراسيم احتفالية خاصة وتكريم من قبل الأسرة ذات الاطفال الذين تنمو وتظهر ذيولهم بوقت مبكرا أي تظهر ذيولهم قبل ظهور أسنانهم اللبنية، وهناك احتفال خاص ومميز لمن يولد بذيل، تصدر المراسيم الملكية باعتبارهم من أفراد الصف الأول ضمن حراسات وحاشية الملك ويخصص لهم رواتب وعناية خاصة ويخصص لهم زيا خاصا بهم يميزهم عن سواهم، لا يحق لغيرهم حضور ديوان الملك او الاقتراب من موكبه، وإما من لم يظهر له ذيل حتى عند بلوغه سن الرشد، فأما ان يقتل من قبل عائلته لأنه عار عليها ومؤشر خطير على عدم ولائها وإخلاصها وعدم تكريسها وقتا لتربيته وترويض طباعه حتى لا يكون شاذا، وإما ان يسلم للسلطات المختصة ويكون تحت رعاية (التيوس) وهم أصحاب اللحى والذيول الطويلة ذات اللون الأزرق الغامق، ليقوموا بإعادة تربيته وغسل دماغه وتطبيعه لعدة أشهر فان لم يظهر ذيله، يرسل الي مكان خاص لا يعلمه احد،ويتم عزله تماما عن الرعية ... وما يجب الإشارة إليه:-

 لا يسمح لكائن من كان ان يطلق لحيته ليكون من التيوس، فهؤلاء طبقة خاصة يتم اختيارهم من قبل مقربي الملك استنادا لطول ولون ذيولهم وتاريخ أسرهم لعدد من الأجيال السابقة تثبت عدم وجود ولو فرد واحد من أجيالهم من (الشواذ)، وان سلالتهم نقية الذيول واضحة الميول والإخلاص للملك المعظم ... هؤلاء هم الوحيدون اللذين يسمح لهم لقاء الملك المعظم وأسرته في قصره المعظم، مرة واحدة في السنة هي تاريخ ميلاد الملك، حيث يلقي بهم كلمة هي حزمة من الوصايا والإرشادات، يلقيها من خلال كرسيه الذهب المطعم بالجواهر والدرر والأحجار الكريمة، تحف به أسرته التي لا يعلم احد عددها ولا أعمار أفرادها، تتكاثر وتتزاوج فيما بينها لا تأخذ ولا تعطي مع بقية أفراد الرعية، حتى ان الملك يظهر لهم كل عام ولألف عام بنفس الهيئة والشكل والعمر، يذكر بان الملك لا يموت، لذلك يحتفل بيوم محدد من كل عام هو الأول من نيسان كعيد ميلاد للملك تحتفل به عموم المملكة من أقصاها الي أقصاها فتعطل الدوائر الرسمية والمعامل وتعطل كافة الأعمال في المملكة ليوم واحد ...

الشواذ أقلية قليلة جدا نسبة الي مجموع رعايا المملكة، فالطفل منذ ولادته، يخضع لتعاليم مشددة، يتعلم عدم الجدل، عدم رفض إي أمر يوجه إليه، لا يعترض على أكل او شراب او ملبس يرتدي، يحفظ عن ظهر قلب خطب ومقولات الملك المعظم، يهتف تلقائيا بحياة الملك ودوام ملكه، لا يسير الا مع الجماعة،لا يقرأ الا ما يقرره معلميه ومربيه، وهي لا تزيد عن تاريخ الأسرة المالكة ومعجزاتها ووجوب تقديسها وتمجيدها، وبمرور السنوات الأولى يلاحظ الصبي نمو وتبرعم ذيله فيعم العائلة الفرح والسرور، يقيم الأهل احتفالا خاصا بهذه المناسبة شبيه باحتفالات الختان للصبيان في بعض المجتمعات، توزع الحلوى وتذبح الذبائح وتقام دبكات جماعية تمجد الملك والأسرة المالكة، وعندها يتم تنسيبه الي إحدى القطعان تحت رعاية احد رعاة الملك من ذوي الذيول الطويلة وهناك تجري عملية مراقبة نمو ذيل كل فرد فجر كل يوم وقياس الطول بالمليمتر والسنتمتر وتثبيتها في سجل خاص وعبر بطاقة خاصة تعلق في رقبة الفرد ذكرا كان او أنثى، ووفق ذلك يتم فرز الأفراد ومنحهم علامات ومراتب تعبر عن مدى ولائهم للملك المعظم،تشكل من هؤلاء فرق مهمتها الأخبار عن كل من لا ذيل له،فلهذه الفرق حق قتل مثل هذا الشخص إذا حاول الإفلات من قبضتهم، فلا حياة لمن لا ذيل له في المملكة مصيره إما الموت او العزل التام عن المجتمع ...

ولفت نظره وجود صالونات فخمة في اغلب الساحات والشوارع متخصصة في تزيين وتلوين والعناية بالذيول، تشبه صالونات الحلاقة والتجميل في بقية أرجاء العالم

كما لاحظ وجود أطباء مختصين بصحة وسلامة ونمو الذيول لمختلف الأعمار وللنساء والرجال ..

لوحات إعلانات ضوئية كبيرة الحجم في اغلب الساحات كداعية لأنواع من المراهم والحبوب والإعشاب التي تساعد على نمو وصحة الذيل، كما يوزع قسما منها مجانا في الأماكن العامة، ويجبر طلبة الابتدائية على تناولها إجباريا مع وجبات الطعام

 على حين غرة يتوقف كل شيء عن الحركة وأخذت الأفواه تردد الهتاف نفسه في كل مكان، وقد لاحظ الصحفي ان مثل هذا الطقس يتردد ثلاث مرات يوميا، عند الفجر والظهيرة وفي المساء، الدليل موضحا ان هذا الطقس يمارس في البر والبحر، في المعامل، في المدارس، في المزارع، في المحلات الخاصة ..الخ فتضج المملكة بهذا الهتاف الموحد .

لاحظ زمر او ما سميت قطعان (الكلاب النابحة) مهمتها ترديد التهم والشتائم للأعداء كما يشخصهم الملك، وهناك قطعان (القردة) مهمتها ان تلهج باسم الملك تتدرب وتدرب الناس على أساليب الخضوع واستجداء عطف الملك وإسعاده وإضحاكه، وهناك قطيع (الثعالب)، و (الخيول)، وال(ذئاب)، الخ

 إما قطيع (الأسود) يتوزعون كقادة لكل هذه القطعان، ولاحظ وزارة التدجين والتدريب ومهمتها كما قال الدليل القيام بتأهيل وإكساب مهارة القيام بالواجب للفرد وحسب حاجة الملك لينظم الي احد القطعان وهنا تعطى حرية نسبية للفرد لاختيار القطيع الذي يناسبه طبعا يجب ان يحظى هذا الخيار بموافقة قطيع (التيوس)، وهناك قطيع (الغزلان) وهن من أجمل نساء المملكة مهمتهن إسعاد الملك وأسرته وتلبية رغباتهم وطلباتهم في إي وقت وفي إي مكان لهم وحدهم لا شريك لهم، وهناك قطعان العاملين في الزراعة والصناعة والصيد والتعليم وغيرها من الخدمات العامة لإدامة الحياة، هؤلاء لاحق لهم بالمطالبة بحقوق خاصة لهم الا ما يديم حياتهم اليومية فلا وقت للعمل ولا تحديد للراتب ...

لم يجد للناس بيوتا بالمعنى المتعارف عليه في بلدان العالم وإنما هناك مساكن جماعية لكل قطيع حسب صفته ومهمته، فكل شيء من اجل الملك، النساء والأولاد والغاية من الإنجاب، والتعلم، وحتى الأثاث ووسائل العمل .

 شعارهم إنا روحا وجسدا أحيا وأعيش من اجل الملك وهذا هو الكسب العظيم ...

صور الملك لا تخلو منها دار ولا مؤسسة ولا شارع ولا ساحة، وكل فرد صغير او كبير يحمل على صدره باجا خاصا لصورة الملك المعظم ...صورة الملك حاضرة أمامه ومعه دوما رغم انه لا يحلم برؤيته او مجالسته يوما، الا من كان ذو حظ عظيم ...

 وجبات الأكل مواعيدها موحدة في كل المملكة لكل (قطيع) وجبته الغذائية، وحسب ما متيسر ولا يحق لأحد الاعتراض وليس له الخيار والمفاضلة بين أنواع الأطعمة .

كان الصحفي مثار تساؤل ومحل ريبة من قبل (القطعان)، فهو لا يشبه ولا يسير مع احدها، كانت كاميرته توثق، ودماغه يضج بالكثير من الأسئلة، اخذ الخوف يدب الي نفسه فربما سينظم الي احد هذه القطعان لو طال مكوثه هنا، فاخبر دليله بأنه ينوي الرحيل، ولكن ليس قبل تحقيق رغبته بزيارة قلعة المنبوذين، التي شاهد بالصدفة قطعة تشير نحوها ...

سارت بهم السيارة مسافة طويلة حتى بانت من بعيد قلعة وسط ارض موحشة، محاطة بحرس من قطيع (الذئاب) وفصيلا من قطيع الكلاب، دخل القلعة وأتيحت له فرصة لقاء من كان في داخلها، وكانت الملاحظة الأولى أنهم بلا ذيول، ومن رافضي الالتحاق بأي قطيع من القطعان، وجد العديد منهم من ذوي الفكر الفلسفي، والأدباء والشعراء، وعقول تعشق الابتكار والتجديد وترفض التقليد، ممن لم يتمكنوا من الانسجام مع تقاليد مجتمعهم، كما لاحظ وجود قطعة صغيرة معلقة على صدر كل واحد منهم كتب عليها رقم بالدولار ...

اخبره الدليل ان بإمكانه اختيار إي عدد من هؤلاء المنبوذين مقايضة بكمية من البضائع تعادل السعر المثبت على صدره، فلا حاجة للمملكة بأمثالهم، اتصل الصحفي ببعض الشركات في بلاده عارضا على مالكيها الاختصاصات المعروضة للبيع في مملكة الذيول مع قائمة بالأسعار لبيان الحاجة، وقد أتاه الرد سريعا، بالموافقة على جلبهم جميعا وبدون استثناء وسيحصل مقابل ذلك على مكافئة سخية وقد كانت المنافسة شديدة بين الشركات للفوز بالصفقة، وعدوا الصحفي بمكافئة مغرية لو تمكن ان يعقد مع سلطات مملكة الذيول اتفاقية طويلة الأمد لتصدير (المنبوذين) إليهم مقابل ما يحتاجون إليه من حاجة .

استبشر الديوان الملكي ورحب كثيرا بالاتفاقية عارضا على الصحفي واحدة من قطيع (الغزلان) كهدية له من الملك مقابل خدمته للملكة، مما اضطره الي رفضها لأنها تتعارض مع حقوق الإنسان في بلده، وسط استغراب مرافقيه .

طلبت من مرافقي ان يقدم لي طلب للموافقة على حصولي بإذن دخول ديوان الملك ان كان ذلك ممكنا ... وعلى الرغم من استغرابه الشديد لهذا الطلب الذي يعتبر من المستحيل الموافقة عليه، ولكنه مأمور بتلبية كل طلباتي بأمر من الجهات العليا، فأرسل الطلب الي مراجعه، وقد جاءت الموافقة بعد وقت قصير وكمكافئة لي لأني تمكنت من استغفال ( الشواذ) في دولتي بعقد اتفاقية مقايضة شواذ مملكة الذيول بسلع من بلدان دول (الشواذ) كما كانوا يسمون من لا ذيول لهم في العالم الآخر ...

رافقني عدد من الحراس الي باب القصر المهيب،باب بالغ الضخامة محروس بعدد من رؤوس الأسود الذهبية، ومرصع بمختلف أنواع وألوان الجواهر، محكمة أقفاله الكترونيا ويتم التحكم بها عن بعد من داخل القصر ...

سلمني هؤلاء الحراس الي عدد من التيوس الأشداء اللذين تخط الأرض ذيولهم ولحاهم الزرقاء،ما ان دخلت حتى رأيت العجب العجاب، أبواب تليها أبواب وفي كل باب صف من الحراس المدججين بالسلاح، بعد الباب السابع، دخلت جنة الله في الأرض حيث الأشجار دانية القطوف، وأشكال وأنواع من الطيور لم تر مثلها عيوني في كل مكان، بحيرات متراصة ونافورات ملونة تعمل على مدار الساعة، تربض بين خمائلها الغزلان والطواويس، والحمام والبلابل ووو...

بعد ان اجتزنا عدة كيلو مترات من الرياض والجنان باذخة الجمال وفائقة الخيال، تم استقبالي ولوجدي هذه المرة من قبل كردوس من أجمل الفتيات كوصف الحواري في جنان الخلد، تمت قيادتي من قبلهن الي باب ضخمة من الزجاج السميك قيل انه ضد الكسر حتى من قبل قذائف مدافع الدبابات، فتح هذا الباب كلمحة البصر، سحبت من دون ان اعلم الي الداخل ولوحدي طبعا ... فشهدت ما لا تراه عين، قصر من الزجاج الشفاف والمعتم وبمختلف الألوان، ترقد عند بواباتها المضللة بالورود فتيات باذخات الجمال ولكنهن أيضا بذيول من صنف (الغزلان) ذيولهن تخط خلفهن، فتح لي الباب الأول فاستقبلت بالموسيقى وبأصوات مهللة مرحبة بضيف الملك المعظم، ومرددة هتافات المجد والحياة لعظمته،كنت أسير على أرضية مكسوة بالذهب والفضة لا تشعر وأنت تسير في دهاليزها لا بالحر لا بالبرد، كانت تسير أمامي سهام من ضوء تدلني على متابعة طريقي صوب الملك المعظم،ولا اعرف كيف أحسست ان اذرع عملاقة رفعتني عاليا،حملتني وبعد وقت قصير وضعتني أمام كرسي بالغ الضخامة قوائمه من الذهب المطعم باللؤلوء والزمرد والجواهر البراقة التي لم ار مثيلا لها في حياتي، يجلس خلفه رجل مهيب الطلعة تشع الصحة والعافية من خدوده، بريق عينيته يكاد يغشى عيوني، يرتدي لباسا من الحرير الأبيض، وعلى رأسه تاج لا يمكنني وصفه لأنه يتموج بألوان وإشعاعات مختلفة، يقف في كل جانب سبعة فتيان،لهم صفات الملائكة يبد لي أنهم لم يروا نور الشمس طيلة حياتهم، ومن أهم ما لفت نظري، ان الملك ومرافقيه ومن يحف بيه من الأمراء والأميرات جميعهم بلا ذيول ....

ابتسم ألملك وكأنه فهم ما اضمر من أسئلة، وما أصابني من الاستغراب، قائلا :-

- يكفيك ما شاهدت وما سمعت، ولا تسأل عن المزيد، فلا غرابة ان نكون بلا ذيول، فالحاكم ليس له ذيل، الذيول للرعية فقط، ومن يظهر له ذيل من الطبقة الحاكمة يقتل فورا وبلا سؤال ... والآن عد من حيث أتيت، شاكرين لك ما قمت به من جهد وتخليصنا من شواذ مملكتنا .

- ما ان لفظ لفظه هذا حتى تلاقفتني الأكف واذرع العملاقة ولم اشعر الا وآنا مرميا أمام الباب الأول وبانتظاري الحرس المذيل الذي جلبني أول مرة ومعه مرافقي ومترجمي الذي واصل حديثه السابق حول ظاهرة الذيول قائلا :-

ظهرت على شاشات التلفاز بشارة لرعايا المملكة بعقد اتفاقية طويلة المدى لمقايضة شواذ مملكة (الذيول) مع ممالك (الشواذ) في العالم ببضائع تسد حاجة الملك المعظم .

فلتحتفل كل القطعان بهذا المنجز العظيم وخلاصهم من الشواذ أول بأول من الآن فصاعدا .. .

رواية قصيرة جدا

 

حميد الحريزي

 

 

zahem jehadمثل كل يوم جلس في عين المكان من حديقة منزله الصغيرة وعلى عين الكرسي؛ كان يبدو حزينا وكان الدنيا اسودت في في عينه؛ بعد ان سافرعينه وتركه على عين بين عبيد العين واصدقاء العين؛ فرق عنده القلب ودمعت العين؛ واذا بصوت زوجته التي تعرف ما به وهي تقترب منه وهي تردد

الزوجة: عيني ..عيني على العاشقين.. حيارى مظلومين... عالصبر مش قادرين

صباح الخير يا عيني

الزوج:  وانت على عيني

وهي تحاول ان تسليه وتلهيه

الزوجة: ونعم بك الله عينا؛ لا تكن سخين العين يا عيني؛

وهي تشير الى عينيها

انظر

و ينظر ويتمهل قليلا ثم

الزوج:  يا لجمال عيناك ...لقد اتسعت وحسنت؛ هل وضعت كحلا؟

الزوجة: بل انت كحل عيوني .

الزوج : شكرا شكرا

الزوجة: عندي طلب عين

الزوج : وطلبك امر يا عزيزتي وأمرك على الرأس والعين

الزوجة: اريد ان تجلب لنا الاشياء عينها والتي سبق وان جلبتها؛ وسوف اعيّنها

لك واكتبها فيي ورقة .

الزوج: ذلك عين لبصواب؛ ولكن ما عندي من العين ...لا باس سوف اشتري بالدين

الزوجة: لالا يا عيني ولم تشتري بالدين ونحن نملك العين؟ ساعطيك ما تحتاج من العين حتى تشتري بالعين لا بالدين عينا بعين

خرج من البيت والتقى بصاحبه اول عين؛ ورحب به

الزوج : كيف حال صديقي عين القوم؟

الصديق: اشكرك يا من ملأ عيني وبرؤيتك قرّت عيني

الزوج: وماذا فعلت مع الذي اخذ عينك؟

الصديق: اتعلم لقد سقط من عيني بعدما انكر ما فعله وانا رأيته بأم عيني؛ طالبته

بعيني فلم يعين لي شيئا؛ فذهبت الى القاضي وحكم العين بالعين والسن

بالسن؛ واعاد عين عيني . دعك من هذا الامر واغمض عينيك عنه؛

اخبرني عن عين اليوم؟

الزوج: يقال ان العين بعدما نشر العين في كل مكان ونشر عيونه في كل زاوية؛ (وهو يشير)

انظر الى ذلك الواقف ..انه عين من عيون العين؛

الصديق: وكيف عرفته؟

الزوج : ومن لا يعرفه؟ انه كان عينا للعين السابق والان هو عين للعين الحالي؛

و يعرفه العين والعين؛ وعند الحديث مع احد خذ ذلك بعين الاعتبار .

الصديق: اشكرك على هذا العين من المعلومات؛ استودعك الله .

يشتري صاحبنا  ويعود وفي البيت

الزوج: انظري لقد جلبتُ كل ما طلبتِ؛ حتى عين البقر الذي تحبينه

الزوجة: اقرّ الله عينيك بمن تحب؛

الزوج: بالله عليك الا تاتين بالمرهم الخاص بالام المفاصل

الزوجة: خيرا يا رجل؟

الزوج: اشعر بألم في عين ركبتي اليسرى

الزوجة: يا ستار ..هل اصابتك الأعين يا رجل؟ كم مرة اقول لك لا تخرج بكامل اناقتك حتى لا تلفت اليك اعين الحساد

الزوج: ومن يحسدني وانا زهيد العين والملبس .

الزوجة: اذا لا يوجد لك حسود فلي حُسُدُّ يحسدنني على زوج عين مثلك . اللهم عود في عين الحسود .

في المساء بحث في مكتبته عن عيون الكتب  فاختار كتاب العين؛ وقبل ان يفتح الكتاب .

الزوجة: لقد ابيضت عيناك من القراءة يا عزيزي؛ أِمّا تقرأ وأِما تكتب وأِما تستمع الى اغانيك القديمة؛ وبصراحة....فانا .... اشعر بالغيرة حتى من كتبك واقلامك حتى الاغاني القديمة  اففففف لانها تاخذك بعيدا عني .

الزوج: انت تعلمين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين بان لا احد يسكن في قلبي غيرك يا حورعيني تملآ عيني . اما القراءة والكتابة وغيرها فهي هواياتي التي احبها

الزوجة: حب ما شئت؛ ولكن لا تصرف عيناك النظرعني؛

و فجأة تفرك عينيها .....

الزوج: ما الذي حدث لعينيك؟ دعيني ارى

الزوجة: بدلع (حكيم عيون حضرتك؟)

الزوج: يدندن

حكيم عيون افهم غي العين

و افهم كمان برموش العين

اعرف هواهم ساكن فين

و اعرف دواهم يجي منين

قاسيت كتير منهم

و قريت كتير عنهم

و للعيون بقية في اه يا ليل اه يا عين