غمرَ التيهُ القوافي وتخطى

 شُعلةَ المخفيّ من بئرِ المغيبِ

tariq alhilafi

تضليل / طارق الحلفي

 

بتعاويذِ النشيد الأمميّ

قرأ العرافُ صمتَ الزَّلزلة.

وتوشى بسوادِ العمّةِ السوداءِ في مجلسِ حكمِ الوَغَلَة.

وادعى ان التواريخَ نفاقٌ والمبادئَ مهزلة.

والصراعاتُ ستمحى

أو ستبقى هلوساتٌ في عقولِ الجهلة.

صفقتْ كلُّ الغرانيقِ وأخْفتْ حجراً تحتَ لسانِ الأسئلة.

فتهاوى قمرُ الدهشةِ وارتجَّ الزمان

غمرَ التيهُ القوافي وتخطى شُعلةَ المخفيّ من بئرِ المغيبِ

أفردَ العرافُ إفريزَ الفتاوى وتمطى

انتهت كلّ الحروف

لا مواويل مجازر

لا مهاميز مراثي

لا ينابيع فواجع

لا بتولات انفجارٍ

لا سديم لا رماد لا دمار

...لا ولا حتى غبار

صَهَلَ القردُ وأثنى الجَحْـشُ وامتدّ الدخانُ

فوقَ غاباتِ البداية

سُمِلَ الأفقَ وأغفَتْ ذاكرة

saleh alrazukاشتكت لي السيدة ليدكا من جارها الدكتور نديم، وهو طبيب عيون مشهور، له سمعته، لكنه عازب. كنت أسكن في نفس بناية السيدة ليدكا، وأعلم أنها بولونية، متزوجة من مدرب ملاكمة، وللأسف توفي من شهور خلال التدريب. ولا أحد يعلم هل حصل ذلك عمدا أم نتيجة خطأ غير مقصود. فالملاكمة مهنة عنيفة، وبصراحة هي بنظري مهنة تؤمن بفلسفة الضرب. وأيا كان الأمر، تلقى المسكين لكمة على رأسه أودت بحياته، وبقيت الأرملة هنا من أجل أبنائها.

حاولت أن أفهم من ليدكا ما هي مشكلة الدكتور؟..

ولكن كانت لغتها ركيكة، وبصعوبة فهمت أنه يعاكسها، أحيانا تضبطه وهو يضع مفتاحه في باب بيتها، تصور، قالت:  السافل يريد أن يقتحم منزلي.

ثبت نظري على وجهها وقلت باستنكار: الدكتور نديم؟.

هزت رأسها دون تردد. ولكن كيف؟. لدى الرجل مريضات من كل الأعمار والأشكال. لماذا يعاكس أرملة هي أم  لولدين؟. برأيي هنا توجد حلقة مفقودة.

***

كانت هذه أول مرة أقبل فيها قضية سخيفة من هذا النوع. لكن لم أود أن أكسر قلب السيدة ليدكا.. غير أنها بلا ظهر تحتمي به، كانت رقيقة وشفافة. وللعلم بالشيء، كنت أعمل بالمحاماة، ولدي مكتب في عبارة التوليدو في التلل، ومعي شهادة بالقانون الدولي من نوتنغهام. لكن ماذا ينفع التفكير بالعالم ونحن في هذه الحفرة؟.

نحارب أنفسنا من أجل امتلاك حارة، أو من أجل الاستيلاء على ثكنة. لقد كنت أراقب بلدي وهو يسقط في غبار المعارك، ضحية مسكينة مكتفة اليدين، الدبابات تدخل وتخرج من الحدود وكأنها أسراب من البجع أو عصافير الحب.

***

فكرت أن أزور الدكتور نديم، وأسأله بدبلوماسية عن وجهة نظره، هل تحرش فعلا بالسيدة ليدكا؟.

إنما خجلت، فهو فوق الأربعين، وله مكانته، وقررت أن أتابع تحركاته ليوم أو يومين. ولكن لم أجد أي شيء معيب،  ببساطة كان متعففا.  ويقسم يومه بين البيت والعيادة، وفي أوقات الراحة بين واحد من إثنين.. السياحي في ساحة سعد الله، قرب تمثال الأول من أيار، يجلس هناك وحده ويفرش أمامه صحيفة اليوم، وينقب فيها، ثم يقلّب الصفحات وهو يشرب فنجان إكسبريسو، وخيوط الدخان تتصاعد منه مثل أنفاس أرواح معذبة.

كان وجه الدكتور نديم يحمل آثار صراع نفسي، ولم أستبعد أنه يعاني من غرام فاشل. كلنا في هذا البلد نحمل آثار العذاب النفسي، إن لم يكن لأسباب شخصية فبسبب الأوضاع العامة، أليس الأمبير لونا من ألوان التعذيب؟. وقل نفس الشيء عن آبار المياه، والمضخات التي تحفر في الرأس ثقبا يعادل بتأثيره المزعج إكليل الشوك الذي أحاطوا به رأس السيد المسيح. لقد وضعونا على الصليب منذ أول شرارة سبقت هذه الحرب. أصبح كل إنسان منا في خندق معركته الخاصة. إن لم تحمل السلاح وتحارب فأنت مزروع في ميدان معركة بالإكراه.

استراحته الثانية كانت في نادي القصر، وهناك يخالط بعض الشعراء الشباب، وأحيانا يتكلم  معهم كأنه يلقي قصيدة. ، حرك يديه ويعبر بقسمات وجهه. وقررت بعد أن أنتهي من هذه التحريات أن أبحث عن اسمه في الإنترنت، ربما أجد له قصيدة منشورة، فالأطباء يحبون الأدب، مثل المحامين والمهندسين. كانت الحدود بين الفن ومتطلبات الحياة تذوب، وعززت الظروف من هذا الاتجاه، فمآسي حياتنا تجبر حتى الحجر على أن ينطق.

***

لم يخرج الدكتور عن هذا الروتين ولو لمرة خلال أسبوع من التحريات. وكنت أستحي منه حين نلتقي على سلالم البناية وألقي عليه التحية. كيف يواتيني وجداني أن أتلصص عليه وأمثل أمامه دور الجار المحب؟.

لم نخرب بلدنا بأيدينا فقط، إنما لوثنا أنفسنا بهذه الروح المهنية. تكنوقراط.. كذبة جديدة، ولا داعي لتهذيب الألفاظ، لقد أتقنا دورنا على مسرح الحياة، وتحولنا جميعا إلى ممثلين.

***

غاب الدكتور نديم عن مرمى عيوني في مشوار واحد. وكان هذا هو الأخير في سلسلة تحرياتي الخائبة. كنت أتابعه من بعد عدة ياردات. وكالعادة مر من أمام بريد الجميلية في طريقه إلى السياحي، ثم انعطف بلا سابق إنذار نحو عبارة  التموين (بجانب شعبة العمال). انتظرت دقيقة كي لا ألفت انتباهه  ثم تبعته.  كان الظلام  يرتع في العبّارة مع ضباب المساء. وللأسف ساعده ذلك على الذوبان من أمام نظري. لقد اختفى كأنه ملح ذاب في الماء. أسرعت نحو المنفذ الآخر. وأيضا لم أجده. كانت حركة المرور خفيفة. ولا يوجد على الرصيف غير خمسة أو سبعة أشخاص. أوسعت خطواتي إلى السياحي، وبالصدفة مررت بمحاذاة مكتبة الأصمعي، ورأيت خيالي المشوه مطبوعا على الواجهة، وخلفه لمحت مجموعة مؤلفات جديدة، منها رواية (كتيبة سوداء) للدكتور محمد المنسي قنديل.

صدفة تركت أثرها في قلبي. فهذا الكاتب طبيب أيضا مثل الدكتور نديم. أليس كذلك؟.. وهو من نفس السلالة الموهوبة التي ينتمي لها الدكتور العجيلي مؤلف (قناديل إشبيلية). من منا لا يعرفه؟؟. وسومرست موم مؤلف (الحجاب الملون)، أجمل رواية عن علاج أدران الحياة بالانغماس في الأوبئة. وفيل ويتاكير، جاري في أيام جامعة نوتنغهام، فقد كنا نسكن في بناء واحد. يا لها من أيام ذهبية لا تنسى.

***

بعد هذا الحادث بحوالي شهر كلمتني ليدكا بالهاتف. كان صوتها يرتعش وهي تحتج، فالدكتور لم يحسن سلوكه، ولا يزال يعاملها مثل....

وذكرت كلمة باللغة البولونية. طبعا لم أفهم، لكن أخذتها بأسوأ الاحتمالات، ربما قالت: مثل عاهرة.

هذا غير ممكن. حزمت الأمر في نفسي، فقد رأيته بأم عيني يعيش بطهارة قديس، وقلت لها: والله يا مدام الدكتور مثل ليرة الذهب.

قالت بامتعاض: هل تعتقد أنني أكذب؟.

- عفوا. لم أقصد.

- لكنه اليوم فقط وضع زبالته أمام باب بيتي.

وشعرت بالدهشة. ما علاقة الغزل غير العذري بالزبالة. لا بد أن السيدة ليدكا تتوهم، ولعلها بحاجة لاستشارة طبيب نفسي وليس رجل قانون. إنما لم أفتح لها قلبي. كيف يمكن أن أضرب سيدة شفافة ومخلصة بحجرة من هذا النوع؟.  يكفي أنها صامدة معنا في وجه الزوبعة. حتى بنات وأبناء عمي ركبوا قوارب الموت ولجأوا إلى كريت ومالطا وألمانيا، ودخلوا في دورة شتات غريبة وعجيبة. لقد انهاروا أمام المحنة وبقي رأس ليدكا مرفوعا. ولذلك وعدتها أن أهتم بالموضوع.

كنت مشغولا بملف بنت جامعة رماها متعصب بماء النار وشوه وجهها. وكانت الأوراق والصور المرعبة أمامي في ملف بلاستيك أصفر. أغلقته وارتديت معطفي، فقد كنا في نهايات الشتاء، والسنونو يدور في سماء حلب بأعداد قليلة وبحذر لأن الغربان تقف لها بالمرصاد. وتوجهت فورا لاستشارة عدنان، وهو زميل لي في الجنائية، وكنا ندرس معا في نوتنغهام، غير أنه سبقني بالعودة، وحصل على وظيفة في الشرطة. وهو الآن ضابط تحقيقات.

أمام باب الفرع عرفني الحارس، وابتسم لي، ورأيت سنه الذهبية تلمع في فمه. وأدى لي التحية، ثم قال أوتوماتيكيا: سيادة الرائد مشغول للأسف باجتماع.

وفورا شعرت بغصة. فكل الناس تتطور إلا أنا. ويتاكير ينشر رواياته في دور نشر مرموقة، وعدنان يصل لرتبة رائد، وأنا لا أزال أتسكع على عتبات فروع الأمن وفي ممرات المحاكم. يا لها من نتيجة!!. وضعت يدي في جيبي. كانت النسمات لطيفة في هذه الأمسية، وبدأت أسير الهوينى، وذهني صفحة بيضاء.

تخطيت كنيسة جورج سالم في شارع فيصل. ثم قاربت الباب الجنوبي للحديقة العامة. وجذبتني الأشجار القليلة الخضراء. كان نهر المدينة يسيل من بينها بشكل خيط رفيع رمادي أو أبيض، حتى المياه شحب لونها. وكان تمثال المربي خليل هنداوي يواجهني بنظراته الهادئة كأنه يعاتب أبناء هذا الجيل المارق.  وهناك كانت المفاجأة، لمحت الدكتور نديم على كرسي من الخشب تحت ظل شجرة، وبين يديه عدد قديم من إحدى الجرائد.

***

اقتربت منه وألقيت عليه التحية. فنظر لي بوجوم  وقال: نعم؟ هل تكلمني؟..

قلت له بوجه بشوش: طبعا دكتور. أنا أكلمك.

قلب نظراته في وجهي، ثم مسح وجهه بيديه كأنه يغسله وقال: وهل أنا دكتور؟.

تخيلت أنه يلهو معي، فهو أيضا لا يخلو من روح الدعابة، كل الشعراء فكاهيون. هكذا أعتقد. وقلت له: أحسدك على هذا المزاج يا دكتور.

لكن لم تتبدل ملامحه. ونظر لي باستغراب وقال: من فضلك هل أنا أعرفك؟..

وهنا انتبهت أنه لا يمثل. يا لها من مصيبة. يبدو أنه نسيان مؤقت أو عمى ذاكرة. وربما هذا ما استفز ليدكا. إنه مرض غريب، وغالبا ما يضرب في ساعات تبدل الحالة النفسية، ثم يزول كأن شيئا لم يكن. ولكن كيف لطبيب مشهور أن يسقط في حبال مرض خطير من هذا النوع؟. وحاولت أن أساعده على التذكر، ولما يئست لم يبق غير أن أحمله إلى بيته.

ركبنا أول سيارة أجرة وأنا أحاول أن أشرح له حالته. تخيلوا أين وصلنا.. المحامي يعالج الطبيب!!. وفي السيارة وضع الدكتور نديم رأسه على ظهر المقعد، وأغمض عينيه من الارتباك والخجل، وكان الراديو يعزف لحنا وطنيا، ولم أعرف المناسبة. هل بسبب دورة العنف التي لا تبدو لها نهاية، أم أنه عيد نسيت موعده؟؟. كانت ذاكرتي أنا أيضا تتراجع،  أنسى المواعيد الهامة وأرقام الأضابير وتواريخ جلسات الاستئناف، جزء منا جميعا يموت، حتى المدينة تمسح ماضيها، ولا تعرف كيف تشتري شيئا من المستقبل.

ثم سمعت صوت تنفس الدكتور. لعله شعر بالأمان وأخلد للنوم. وأخذت منه نظرة، ورأيت أن التعب لا يزال يغطي وجهه مثل هذه الشوارع التي يدب عليها الناس بلا أي أمل.

يا لها من حياة.

سيعذبه النسيان مثلما تعذبنا الذكريات المؤلمة. وبدأت أفكر كيف يجب أن أزف هذا الخبر للسيدة ليدكا..

 

د. صالح الرزوق

 

 

أتساقط فوق المنحنيات

وابقى أتقافز،

أتقافز .. ولن أطير!

majed matrod

أبي / ماجد مطرود

 

أبي ..

لم يعلمني فنَّ القفز

لم يدربني

على إلتهامِ المسافات

او

الهبوط بالبراشوت

كما أنّه لم يعلمني

كيف أنام معلقا كخفاش

هل من المعقول،

بهذه المزاجية الغريبة،

يخرجُ النسناسُ منسجما

من دمي؟

هل من المعقول

ابقى في منطقة وسطى

لا المسيحُ لي

لا البُغضُ لي؟

هل من المنطق

أن أظلّ ميّتا- حيّا

أدور في الفراغ

أنتصر وأنهزم

ارتفع واهبط

وهل من المنطق ايضا

أن أظل هكذا ..

أتساقط فوق المنحنيات

وابقى أتقافز،

أتقافز ..

ولن أطير!

*

بلجيكا

 

في الصمْتِ والجنونْ !!

خبّأتني الغربة تحت عباءتِها

Ibaa Ismail

صَهيل /  إباء اسماعيل

 

براءةُ الأنهارِ تضيء شراييني،

حين أنظرُ إلى ظلّي

في فُراتِ عينيكَ...

كلماتُكَ نورٌ

أرتشفهُ ... فأراكْ ...

النّورُ يلفُّ أحْرفكَ الممزوجةَ بالشِّعرِ والاشتعالْ ...

وروحي ورقةٌ ترفرفُ

كالنورسِ في مهبِّ روحكَ

آنَ تهطلُ أحرفُ القصيدةِ

كأمْطارِ صيفْ ...

 

معجزة اللقاء المستحيل مع شمس روحكَ،

وحوار الغريبَين في حميميّة اللقاء

تصنع جنوناً خرافيّاً،

أقربَ إلى الطّيرانْ ...

 

ثمة مفرداتٌ تعشوشبُ في عاصفة أنفاسي

أكبح ريحها

كي أبرهنَ أني ما زلتُ تائهةً

في جرياني البطوليّ

نحو شطآن يديكْ !

 

عباراتي تلاحقني كأنهارٍ جاريةْ

وأسألُ : كيف السنونُ المتراكمةُ بغبار السفر،

تُعيد ملامحَنا المائيّةْ ؟! ..

***

أتجدّدُ فيهِ أنا

أقرأهُ برْقاً وسحاباً كما لو أنَّهُ ليسَ أنا

أو لكأنّني لستُ هوَ

هي اللغةُ تتماهى فينا ...

هي الرّوح تُطيّرُ عطورَها كالبنفسجِ لتكوِّنَنا :

برْعمين في صحراءِ غيابْ ،

نجمَين تساقطا

على أوراق الشِّعْرِ

وأخْصبا سيمفونيةً حائرةْ ...

ها نحنُ ليلانْ :

كلّ ليلٍ كتابْ

كلّ رعشةٍ بَوحٌ أليفٌ كالمطَرْ !!

هكذا تتدحرجُ الأيامُ

وتسْتيقظُ المدنُ من نومها الطويل

لتكْتبَنا صفحةً مضيئةً

في تاريخها الحالمْ !!

***

حين أخرجتُ (هْيورُن)  منْ عينيَّ

رأيتُ أصابعكَ بخوراً

بضبابهِ و تعاويذهِ

يحْمي حضورنا الصّاعقْ ...

تأمّلتُك فرَساً

وصهلتُ فيكْ ...

أتراهُ غيّرَني فارِسي ؟

أمْ عجنني أسطورةً طرواديةً ؟!..

وهو يشتعلُ في حزنهِ

على أضوائي الغريبةِ

في الصمْتِ والجنونْ !!

خبّأتني الغربة تحت عباءتِها

وأنا أختتمُ سَفَري بلقائهِ الغائبِ الحاضرِ كالغيمِ

على شرفاتِ الشمسِ والمطرْ ...

أختتمُ شوق جذوري إلى جذورهِ

حين ينصهِران في أسطورة الغيب

بحثاً عن  أملٍ مجنّحٍ

أو غابةٍ تشبهُ الجنة والنارْ...

ها أنذا أسكبُ روحي الشرقيةَ والغربيةَ

من (هْيورُن) إلى (برَدى)

أتوَحَّدُ فيه سمكة ًناريّةْ

لأصبَّ جنونيَ في جنونهِ ! ..

وأنا لا أملكُ غيرَ تلك الحفنةِ المشرقةِ

من خلايايْ ...

أنا السَّاهمةُ في شِعْريَّةِ وجودي

ووجودهِ ...

نتطاير معاً كلّما ساقنا الزمنُ

إلى غيابٍ آخرَ

في سماءِ القصيدةْ ...

 

يا ثوبُ كيف على السّنى

رَغـَداً تنامْ؟

والنّهدُ في عِزِّ القلقْ!

syrawan yamalki

ألق / سيروان ياملكي

 

من عُتمة الثـّوبِ انطلقْ

خيطُ الفـَلقْ

شقّ الرِّدا

جرحَ المدى

هربَ الألقْ..

ياثوبُ كيف على السّنى

رَغـَداً تنامْ؟

والنّهدُ في عِزِّ القلقْ!

لو كان أمرُكَ في يدي

قسماً بآلهةِ الأرقْ

يا ثوبُ..

ما أبقيتُ فيكَ سوى مِزَق

 

سيروان ياملكي

 

 

شوكٌ في عمق فمي

وتيجان منه على هامتي

dikra laybie

بيت / ذكرى لعيبي

 

نداهمُ التفاصيل،

تداهمنا

ونخوضُ الحروب التي لا (خسارة) فيها!

وكلٌ يقول: انتصرت!

عذرٌ مدمّى

شوكٌ على مرفقي

وبين عيوني،

شوكٌ في عمق فمي

وتيجان منه على هامتي

نيشانٌ فوق كلامي،

فوق منامي،

وقيدان في معصمي!

أوسمة فوق صدري

وأسرابٌ حطّتْ

على كتفي كاليمام!

سألت الأنام:

أرأيتم غداً سرب شوكٍ يطير؟

فكان الجواب...

وكان العتاب

صبراً جميلا

بيتٌ

وعلى المشهدِ:

فؤوس

جرائد نخل

قماش من الثلج

ووجه عبوس

مناشير حرب

فرٌ وكر

وقنديل زيت

فنطفأ

 

 

فتتسلّق أغصان الياسمين أصابعي

و تعشّش بكفّي القصائد

najwa aldowzi

خصوبة / نجوى الدوزي

 

سيومض برق القصيد بكفّي،

هذا المساء..

وتنهمر أناملي بالكلمات ..

ستمطرني شفاهك بالنبض

ليتبرعم الحلم ورديا..

فمازال في الغصن بصيص اخضرار..

تيجان النّخيل تطلّ

من سحر عينيك ،

هذا المساء..

فتخربشني طفولتي..

عبثا على الورق

وتندلق نبعا في اليباب

ويخفق رفيف الكلمات

في حشا أناي

فأتعفّر بمسك التراب..

سأفكّ ضفائر القصيدة ،

هذا المساء..

و أنشر جدائلي للرّيح

فتهمي غيماتك..

و تفور عشتار ،

من شهوة أنثى للحرف

واحات من مداد

و يتسرمد موسم الخصوبة

فتتسلّق أغصان الياسمين أصابعي

و تعشّش بكفّي القصائد

 

نجوى الدوزي خلف الله - تونس

 

لن يلوح لك في افق او لجة !

لانك تركته خلفك قبل الابحار !!

almothaqafnewspaper

هندس / ضياء العبودي

 

كان عطِشاً ..

ربما صائماً ..

ربما يحتضر !!

يؤجل الارتشاف ..

بأنتظار لحظة !

من اجلها :

يلج في بحر من صنعه ..

يتمادى في الولوج ..

تعمد ان لا يستنشق !

يتلمس الظلمة بنشوة فاتح !!

ينزل سلم العتمة ..

لا قاع هناك أو رمال !

فكلها اختلطت في هذا الحندس !

يغوص في الطين .

يفض بكارة البحر .

الى اين ؟؟!!

لا مجهول عندك مجهول !

فكل طبقات الارض بين اصابعك كلفافة تبغ.

تمتعك الوحشة والوحدة ..

وها انت تتلذذ بالظلمة ..

تدخر ظمأك .

تكدسه كمرابٍ بخيل ..

تبحث عن ضوء يروي عطشك ..

لكنك مهما أوغلت ..

لن يلوح لك في افق او لجة !

لانك تركته خلفك قبل الابحار !!

 

MM80حاصرته عزلة مقيتة.. كادت تبلد رهافة حسه..وتجفف مشاعره منذ ان لازم بيته.. والتصق بالدار..بعد عودة مرهقة.. من مأساة نزوح مرعبة.. لم تكن ابدا في حسبانه ذات يوم.. فقد كابد معها برد شتاء قارص.. وعانى شحة زاد.. وانعدام دواء..في مخيم  نزوح مشؤوم..كأنه معسكر سخرة..

هواجس.. هموم.. استذكارات.. تطارد مخيلته كلما وضع رأسه على وسادته للنوم..لكنه آثر عصر ذات يوم حزيراني ان يهرب من هلوسات اعيت مزاجه منذ فجر ذلك اليوم..عله يجد ضالته في أطلالة على الحاوي من سفح هضبة هدامة المشراق.. كما اعتاد ان يعمل في كل مرة يتعكر فيها مزاجه في زحمة الحياة من ذي قبل..خرج اذن راجلا يتنزه بمفرده في فضاءات ديرته لأول مرة بعد عودته من نزوح أغبر ..

انفتحت اسارير وجهه... وأحس بسحر منظر  مخلط الزاب بدجلة وهو يتسلل عذوبة إلى أعماق وجدانه..فماؤهما ينساب سلسبيلا مع بعض.. دون امتزاج فيما بينهما باديء الأمر.. ويأبى كل واحد منهما ان يغير حاله ولونه..ما دام بوسعه الاحتفاظ بخصائصه في اللحظة..

سرب نوارس يحلق في الأفق بدائرة مفتوحة بين عش النداة.. وحويجة ام العصافير..وثمة نورس مشاكس يستدير فجأة يسار سربه.. ليهوي بسرعة إلى سطح ماء الشاطئ.. مقتنصا بمنقاره شبوطا.. فيزدرده بنهم على عجل.. وهو يلتحق بالسرب مزقزقا بنشوة.. دون ان يحط على الأرض..سرب قطا يرد الماء صفوا على مهل من على حصى الشاطئ الآخر.. بساتين الرقي في الحاوي.. تبهر بخضرتها اليانعة الناظر إليها.. وهي ترسم بامتدادها العشوائي لوحة زاهية على ضفاف الزاب.. والنويفة.. في حويجة السلمان ثمة بقرات تدلف نحو أم الحوالي لترد الماء عبا من شاطئ شلال منحدر النهر..الماعز بجانبه يتسلق سفح عين القير.. وهو يقفز من صخرة إلى أخرى بحثاً عن احراش يرعاها..غير آبه بخطورة انحدار شعاب مجرى العين..وهي تتدفق بماء معدني كثيف القوام.. ابيض اللون ممزوجا بصفرة باهتة.. زوارق السماكين تجوب الزاب وشقيقته دجلة.. في حركة متعرجة بحثاً عن الاسماك.. الصبيان يعبرون النهر سباحة في سباق عفوي مفعم بنشاط متوقد .. فذاك منهم من تراه يغطس بمهارة في عمق النهر برهة.. ثم سرعان ما تراه يظهر لك فجأة كأنه سمكة قرش نشطة تستعرض سبحها بخيلاء.. وذاك يطفو على ظهره الهوينا بزهو وتبختر.. في حين وصل الآخر إلى الشاطئ  على عجل.. ليدلك جلده بالطين..ثم ما يفتأ ان يقفز في عمق النهر من على تلك الصخرة الكبيرة.. الجاثمة على الشاطئ منذ الأزل.. تحكي قصة تعايشها الأبدي مع النهر للأجيال .. مشاهد خلابة حقا في بيئة ساحرة.. تجدد شحن وجد عليل.. وتنعش حسا مرهفا.. كادت عزلة ظرف قاس ان تجففهما بتداعياتها المريرة..

 

قصة قصيرة..

 بقلم: نايف عبوش

 

 

أشُــك بنأيِــها عــنِّــي مرارا

 وأذكر فَـقْــدها فيخيب ظني

jawadkadom gloom

مَلَـلٌ وعِلَـلٌ / جواد غلوم

 

مللتُ العيش منفردا كظوما –-- وغاب بخافِــقي سُـعْـدي ويُــمنِـي

أعــيشُ الشعْـر نَــعْــيا او رثـاءً –-- وتلوين التَّـغَــزّل راح مِـنِّــي

لزمتُ البيتَ محبوسا بمأوى --– كشحرورٍ ثَــوى في ضيق قِــنِّ

خِــناقٌ واعْــتكافٌ وانْــزواءٌ ----- بلا دلَــعِ النساء وستِّ حُسْــنِ

فلا أجِــدُ الرجاءَ ولا الأماني –-- ولا بشرى الترجِّــي والتمنِّــي

كأني قد دعوت الموت رغماً --- ليسلبَ مأمني ويُـــديْـم حزنِـي

أحِــسّ سِماتِـها تدنو بقربي  --– وأشعر طَـيفَها يجْـتاح عَــينِــي

تجيء اليّ طوْعــاً وانصياعاً –-- وأسمع صوتها وتقول خذنِـي

تشاركني طعامي باشتهاءٍ ----- تُعافي صحتي ويطيب صحني

تصيـح وملءُ شدقَــيها صراخٌ –-- وتعْـوِلُ عاليا وتصـمّ أذنِــي

ومشْـيتُــها الغـمامُ يريــدُ جُــدْبا –-- كشِعْــرٍ يشتهي أوتار لحن

أشُــك بنأيِــها عــنِّــي مرارا ----- وأذكر فَـقْــدها فيخيب ظني

كأن ضجيجها في البيت يعلو ---- كَـسِـربِ بلابِــلٍ فِـيهِ تغنّـي

فلا أنا مذنِــبٌ أهْـوى عقاباً –---  ولكن هذه سِــمة الـتَــجنِّـي

تُــريْـني من مباهجِـها كنوزاً ----- فيكفيني القـليـلُ ولا أمنِّـي

فما نفع الكثير وأنتِ عندي –--- ثراءُ الروح من أدبٍ وفَــنّ

نشأتُ على الضياعِ وهدَّ عمري - ومدَّ الدهر في أعوام سنِّي

ومما خفّفَ الأعباءَ حملاً ---- رحيل حَـليْـلَـتي لِـبَـديْــع كون

جنانُ الله قد فرشتْ بساطا - لتأوي زوجتي في خير حُضـنِ

يظللها الالهُ بخيرِ روضٍ --- ويحمي وجهها برطيب غصنِ

وداعاً ربّةَ القدحِ المُعَـلَّى --– فَـخلِّيْــني الـى خمْـري ودِنِّــي

 

جواد غلوم

 

hamid alhurayziفي كل إرجاء المعمورة شاعت أخبار مملكة (ملك الزمان)، حيث تمر عقود وتتلوها عقود من السنين، تذهب أجيال، ترثها أجيال، والحكم ثابت والآباء يورثون الحكم للأولاد والأحفاد، شعب يطيع ملوكه حد العبادة، فله الأرض والثروة، وله على الأرواح والأملاك السيادة ...

أثار هذا الأمر العجيب والحال الغريب احد صحفي العالم الديمقراطي المتطفلين ومن محبي المغامرة وطلب الدخول الي المملكة منفذا وملتزما بالشروط المطلوبة منه وهي:-

أن يكون ملزما بارتداء جلبابٍ خاصٍ يغطي جسده بكامله ابتداء من رقبته حتى أخمص قدميه، وان لا يخلعه أبدا طوال وجوده في المملكة وإلا سيكون رأسه ثمنا لخرق التعليمات .

ان يراقب، يرى ويسمع ولكن لا يعترض ولا يختلط بمواطني المملكة، اثناء تجواله ووجوده بينهم في الأماكن العامة او الخاصة ...

في المنطقة الحدودية استقبلته شلة من الأشخاص ضخام القامة متجهمي الوجوه، أيديهم على الزناد، ابرز لهم وثيقة السماح بالمرور بعد ان لبس الجلباب قبل رؤيتهم، اصطحبوه في عربة خاصة، مضللة الزجاج، اغرب ما شاهده ان لهؤلاء ذيولا طويلة يجرونها ورائهم، واضح ان رئيسهم أطولهم ذيلا، ففسر ذلك بكونه زي خاص يتوجب على قوات الحرس ارتدائه، فبدلا من وضع ريشة طاووس ملونة مثبتة في خوذ حراس بعض الدول والممالك، تقرر وضع ذيول في مؤخرات هؤلاء الحراس وفق نظام هذه المملكة،سارت السيارة لما يزيد على أربع ساعات، توقفت، فتح له الباب ليلج دار تبدو غير مسكونة، الا من بعض أشخاص كان يبدو أنهم من الخدم الخاصين بضيوف الدار، دار بينهم حديث لم يتمكن من حل ألغازه ولكنه يبدو توصيات خاصة به ...

تم حمل أمتعته وحقائبه وإيصالها الي غرفة معدة بشكل جيد لنوم وراحة شخص واحد، مزينة جدرانها بصورٍ للملك ِ وإخوانهِ وأبنائهِ وأحفادهِ وقسم من حاشيتهِ، في هذه الدار أيضا لاحظ ان للخدم ذيولٍ مختلفة ٍمن حيث الطولِ واللونِ، فلم تكن ردة فعله تختلف عما شاهده لدى الحراس فلازال ضمن حرس وحاشية الملك بمعنى إنها ضمن الأزياء الرسمية لموظفي الدولة ولا غرابة في ذلك .

كان يلاحظ ان الخدم بين حين وآخر يرددون عبارة كأنها هتاف، تبين له من خلال سؤال مرافقه، أنهم كغيرهم من موظفي الدولة يلهجون دوما بالهاتف بحياة الملك والعائلة المالكة قبل وبعد أداء إي عمل من إعمالهم اليومية،الغريب ان هؤلاء الأشخاص كانوا يرددون هذه الهتافات حتى مع عدم وجود الرقيب، يرددونها بنفس النغمة ونفس وقفة الخضوع والترجي والرجاء يرددها معهم دليله ومرافقه أيضا، ومن كثرة تكرارها كاد الصحفي ان يحفظها على ظهر قلب حتى انه اخذ يتوقع أوقات ترديدها بشكل تلقائي كما آلة تسجيل وفق تسجيل و توقيت مسبق .

لم يلاحظ وجود أكثر من قناة واحدة في التلفاز تعرض خطب ومؤتمرات ومحاضرات ونصائح الملك الى رعيته، جولاته، طريقة كلامه ولبسه ونوع وطريقة تناوله لطعامه، والكثير من مفردات حياته أليوميه، الجميع يجلسون يستمعون ويشاهدون بدهشة كبيرة كل ما يعرض في التلفاز ...

أمضى ليلته الأولى في هذا المنزل، ليستيقظ مبكرا طالبا من دليله ان يقوم بجولة في شوارع وأسواق وساحات المدينة كان له ذلك، وكانت أول ملاحظة لفتت نظره ان كل الناس البالغين رجالا ونساء تبرز من مؤخراتهم ذيولا مختلفة الألوان ومختلفة الأطوال، وكان صاحب الذيل الأطول يمشي وهو يختال فخرا، كما تتباهى وتفتخر الفتاة الحسناء بطول ضفائرها، فسأل مرافقه حول هذه الظاهرة التي تبدو غريبة فلم يرى ولم يسمع حول جنس بشري بذيل :-

 فأجابه مرافقه إننا نفتخر بهذه الذيول، فالذيل هو علامة الإخلاص والطاعة لملكنا العظيم، وإخلاص المواطن لملكه تتناسب طرديا مع طول الذيل، لذلك قرب وبعد الفرد عن الملك تقاس بطول ذيله، ستشاهد ان وزراء وحاشية وقادة الجيوش تم اختيارهم لأنهم الأطول ذيلا بين رعايا المملكة فرئيس الوزراء مثلا هو الأطول ذيلا بين جميع الوزراء وفترة بقائه في منصبه مرتبط باحتفاظه بهذه الميزة فان ظهر من هو أطول ذيلا منه فسيحل محله فورا وهو ينزل الي مستوى أدنى ...طبعا لكل طبقة او شريحة اجتماعية لون ذيل محدد يميزها عن سواها، يمنع اختلاطها، ويمنع تزاوجها مع الفئات والطبقات من الألوان الأخرى، تحصل عادة حالة تنقل بين هذه الفئات وفقا لمتغيرات الذيل، فقد يرفع احدهم الي طبقة أرقى إذا بلغ ذيله معدل طول أذيالهم، وبذلك تجري له مراسيم خاصة لتبديل لون ذيله، وكذا هو الحال بالنسبة لمن يصاب ذيله بالقصر حيث ينزل الي مرتبة أدنى وبنفس المراسيم ...حتى الزوجين يتم انفصالهم الفوري في حالة اختلاف طول ذيليهما، ليقترن كل منهما بشريك آخر له نفس طول الذيل ...

وهل يولد الإنسان عندكم بذيل؟

طبعا لا، فنحن لازلنا كبقية البشر من حيث المواليد، تجري الآن بحوث علمية متطورة ومتخصصة لتكون الذيول اعضاءا تولد مع المولود منذ يومه الأول إي ان تكون الذيول علامة الطاعة للملك خاصية جينية وليست مكتسبة كما نحن الآن وقد تعاقدت مملكتنا مع علماء أجانب من مختلف دول العالم من اجل الأشراف على هذه الأبحاث والتجارب في معهد الأبحاث الخاص وقد وضعت لهم ميزانية مفتوحة غير مقيدة من اجل تتويج بحوثهم بالنجاح ... الأسرة لدينا ترقب بفارغ الصبر ظهور برعم الذيل للمولود منذ سنواته الأولى إي بعد نمو أسنانه الدائمية وبداية فطامه عن صدر امه،حيث تجري مراسيم احتفالية خاصة وتكريم من قبل الأسرة ذات الاطفال الذين تنمو وتظهر ذيولهم بوقت مبكرا أي تظهر ذيولهم قبل ظهور أسنانهم اللبنية، وهناك احتفال خاص ومميز لمن يولد بذيل، تصدر المراسيم الملكية باعتبارهم من أفراد الصف الأول ضمن حراسات وحاشية الملك ويخصص لهم رواتب وعناية خاصة ويخصص لهم زيا خاصا بهم يميزهم عن سواهم، لا يحق لغيرهم حضور ديوان الملك او الاقتراب من موكبه، وإما من لم يظهر له ذيل حتى عند بلوغه سن الرشد، فأما ان يقتل من قبل عائلته لأنه عار عليها ومؤشر خطير على عدم ولائها وإخلاصها وعدم تكريسها وقتا لتربيته وترويض طباعه حتى لا يكون شاذا، وإما ان يسلم للسلطات المختصة ويكون تحت رعاية (التيوس) وهم أصحاب اللحى والذيول الطويلة ذات اللون الأزرق الغامق، ليقوموا بإعادة تربيته وغسل دماغه وتطبيعه لعدة أشهر فان لم يظهر ذيله، يرسل الي مكان خاص لا يعلمه احد،ويتم عزله تماما عن الرعية ... وما يجب الإشارة إليه:-

 لا يسمح لكائن من كان ان يطلق لحيته ليكون من التيوس، فهؤلاء طبقة خاصة يتم اختيارهم من قبل مقربي الملك استنادا لطول ولون ذيولهم وتاريخ أسرهم لعدد من الأجيال السابقة تثبت عدم وجود ولو فرد واحد من أجيالهم من (الشواذ)، وان سلالتهم نقية الذيول واضحة الميول والإخلاص للملك المعظم ... هؤلاء هم الوحيدون اللذين يسمح لهم لقاء الملك المعظم وأسرته في قصره المعظم، مرة واحدة في السنة هي تاريخ ميلاد الملك، حيث يلقي بهم كلمة هي حزمة من الوصايا والإرشادات، يلقيها من خلال كرسيه الذهب المطعم بالجواهر والدرر والأحجار الكريمة، تحف به أسرته التي لا يعلم احد عددها ولا أعمار أفرادها، تتكاثر وتتزاوج فيما بينها لا تأخذ ولا تعطي مع بقية أفراد الرعية، حتى ان الملك يظهر لهم كل عام ولألف عام بنفس الهيئة والشكل والعمر، يذكر بان الملك لا يموت، لذلك يحتفل بيوم محدد من كل عام هو الأول من نيسان كعيد ميلاد للملك تحتفل به عموم المملكة من أقصاها الي أقصاها فتعطل الدوائر الرسمية والمعامل وتعطل كافة الأعمال في المملكة ليوم واحد ...

الشواذ أقلية قليلة جدا نسبة الي مجموع رعايا المملكة، فالطفل منذ ولادته، يخضع لتعاليم مشددة، يتعلم عدم الجدل، عدم رفض إي أمر يوجه إليه، لا يعترض على أكل او شراب او ملبس يرتدي، يحفظ عن ظهر قلب خطب ومقولات الملك المعظم، يهتف تلقائيا بحياة الملك ودوام ملكه، لا يسير الا مع الجماعة،لا يقرأ الا ما يقرره معلميه ومربيه، وهي لا تزيد عن تاريخ الأسرة المالكة ومعجزاتها ووجوب تقديسها وتمجيدها، وبمرور السنوات الأولى يلاحظ الصبي نمو وتبرعم ذيله فيعم العائلة الفرح والسرور، يقيم الأهل احتفالا خاصا بهذه المناسبة شبيه باحتفالات الختان للصبيان في بعض المجتمعات، توزع الحلوى وتذبح الذبائح وتقام دبكات جماعية تمجد الملك والأسرة المالكة، وعندها يتم تنسيبه الي إحدى القطعان تحت رعاية احد رعاة الملك من ذوي الذيول الطويلة وهناك تجري عملية مراقبة نمو ذيل كل فرد فجر كل يوم وقياس الطول بالمليمتر والسنتمتر وتثبيتها في سجل خاص وعبر بطاقة خاصة تعلق في رقبة الفرد ذكرا كان او أنثى، ووفق ذلك يتم فرز الأفراد ومنحهم علامات ومراتب تعبر عن مدى ولائهم للملك المعظم،تشكل من هؤلاء فرق مهمتها الأخبار عن كل من لا ذيل له،فلهذه الفرق حق قتل مثل هذا الشخص إذا حاول الإفلات من قبضتهم، فلا حياة لمن لا ذيل له في المملكة مصيره إما الموت او العزل التام عن المجتمع ...

ولفت نظره وجود صالونات فخمة في اغلب الساحات والشوارع متخصصة في تزيين وتلوين والعناية بالذيول، تشبه صالونات الحلاقة والتجميل في بقية أرجاء العالم

كما لاحظ وجود أطباء مختصين بصحة وسلامة ونمو الذيول لمختلف الأعمار وللنساء والرجال ..

لوحات إعلانات ضوئية كبيرة الحجم في اغلب الساحات كداعية لأنواع من المراهم والحبوب والإعشاب التي تساعد على نمو وصحة الذيل، كما يوزع قسما منها مجانا في الأماكن العامة، ويجبر طلبة الابتدائية على تناولها إجباريا مع وجبات الطعام

 على حين غرة يتوقف كل شيء عن الحركة وأخذت الأفواه تردد الهتاف نفسه في كل مكان، وقد لاحظ الصحفي ان مثل هذا الطقس يتردد ثلاث مرات يوميا، عند الفجر والظهيرة وفي المساء، الدليل موضحا ان هذا الطقس يمارس في البر والبحر، في المعامل، في المدارس، في المزارع، في المحلات الخاصة ..الخ فتضج المملكة بهذا الهتاف الموحد .

لاحظ زمر او ما سميت قطعان (الكلاب النابحة) مهمتها ترديد التهم والشتائم للأعداء كما يشخصهم الملك، وهناك قطعان (القردة) مهمتها ان تلهج باسم الملك تتدرب وتدرب الناس على أساليب الخضوع واستجداء عطف الملك وإسعاده وإضحاكه، وهناك قطيع (الثعالب)، و (الخيول)، وال(ذئاب)، الخ

 إما قطيع (الأسود) يتوزعون كقادة لكل هذه القطعان، ولاحظ وزارة التدجين والتدريب ومهمتها كما قال الدليل القيام بتأهيل وإكساب مهارة القيام بالواجب للفرد وحسب حاجة الملك لينظم الي احد القطعان وهنا تعطى حرية نسبية للفرد لاختيار القطيع الذي يناسبه طبعا يجب ان يحظى هذا الخيار بموافقة قطيع (التيوس)، وهناك قطيع (الغزلان) وهن من أجمل نساء المملكة مهمتهن إسعاد الملك وأسرته وتلبية رغباتهم وطلباتهم في إي وقت وفي إي مكان لهم وحدهم لا شريك لهم، وهناك قطعان العاملين في الزراعة والصناعة والصيد والتعليم وغيرها من الخدمات العامة لإدامة الحياة، هؤلاء لاحق لهم بالمطالبة بحقوق خاصة لهم الا ما يديم حياتهم اليومية فلا وقت للعمل ولا تحديد للراتب ...

لم يجد للناس بيوتا بالمعنى المتعارف عليه في بلدان العالم وإنما هناك مساكن جماعية لكل قطيع حسب صفته ومهمته، فكل شيء من اجل الملك، النساء والأولاد والغاية من الإنجاب، والتعلم، وحتى الأثاث ووسائل العمل .

 شعارهم إنا روحا وجسدا أحيا وأعيش من اجل الملك وهذا هو الكسب العظيم ...

صور الملك لا تخلو منها دار ولا مؤسسة ولا شارع ولا ساحة، وكل فرد صغير او كبير يحمل على صدره باجا خاصا لصورة الملك المعظم ...صورة الملك حاضرة أمامه ومعه دوما رغم انه لا يحلم برؤيته او مجالسته يوما، الا من كان ذو حظ عظيم ...

 وجبات الأكل مواعيدها موحدة في كل المملكة لكل (قطيع) وجبته الغذائية، وحسب ما متيسر ولا يحق لأحد الاعتراض وليس له الخيار والمفاضلة بين أنواع الأطعمة .

كان الصحفي مثار تساؤل ومحل ريبة من قبل (القطعان)، فهو لا يشبه ولا يسير مع احدها، كانت كاميرته توثق، ودماغه يضج بالكثير من الأسئلة، اخذ الخوف يدب الي نفسه فربما سينظم الي احد هذه القطعان لو طال مكوثه هنا، فاخبر دليله بأنه ينوي الرحيل، ولكن ليس قبل تحقيق رغبته بزيارة قلعة المنبوذين، التي شاهد بالصدفة قطعة تشير نحوها ...

سارت بهم السيارة مسافة طويلة حتى بانت من بعيد قلعة وسط ارض موحشة، محاطة بحرس من قطيع (الذئاب) وفصيلا من قطيع الكلاب، دخل القلعة وأتيحت له فرصة لقاء من كان في داخلها، وكانت الملاحظة الأولى أنهم بلا ذيول، ومن رافضي الالتحاق بأي قطيع من القطعان، وجد العديد منهم من ذوي الفكر الفلسفي، والأدباء والشعراء، وعقول تعشق الابتكار والتجديد وترفض التقليد، ممن لم يتمكنوا من الانسجام مع تقاليد مجتمعهم، كما لاحظ وجود قطعة صغيرة معلقة على صدر كل واحد منهم كتب عليها رقم بالدولار ...

اخبره الدليل ان بإمكانه اختيار إي عدد من هؤلاء المنبوذين مقايضة بكمية من البضائع تعادل السعر المثبت على صدره، فلا حاجة للمملكة بأمثالهم، اتصل الصحفي ببعض الشركات في بلاده عارضا على مالكيها الاختصاصات المعروضة للبيع في مملكة الذيول مع قائمة بالأسعار لبيان الحاجة، وقد أتاه الرد سريعا، بالموافقة على جلبهم جميعا وبدون استثناء وسيحصل مقابل ذلك على مكافئة سخية وقد كانت المنافسة شديدة بين الشركات للفوز بالصفقة، وعدوا الصحفي بمكافئة مغرية لو تمكن ان يعقد مع سلطات مملكة الذيول اتفاقية طويلة الأمد لتصدير (المنبوذين) إليهم مقابل ما يحتاجون إليه من حاجة .

استبشر الديوان الملكي ورحب كثيرا بالاتفاقية عارضا على الصحفي واحدة من قطيع (الغزلان) كهدية له من الملك مقابل خدمته للملكة، مما اضطره الي رفضها لأنها تتعارض مع حقوق الإنسان في بلده، وسط استغراب مرافقيه .

طلبت من مرافقي ان يقدم لي طلب للموافقة على حصولي بإذن دخول ديوان الملك ان كان ذلك ممكنا ... وعلى الرغم من استغرابه الشديد لهذا الطلب الذي يعتبر من المستحيل الموافقة عليه، ولكنه مأمور بتلبية كل طلباتي بأمر من الجهات العليا، فأرسل الطلب الي مراجعه، وقد جاءت الموافقة بعد وقت قصير وكمكافئة لي لأني تمكنت من استغفال ( الشواذ) في دولتي بعقد اتفاقية مقايضة شواذ مملكة الذيول بسلع من بلدان دول (الشواذ) كما كانوا يسمون من لا ذيول لهم في العالم الآخر ...

رافقني عدد من الحراس الي باب القصر المهيب،باب بالغ الضخامة محروس بعدد من رؤوس الأسود الذهبية، ومرصع بمختلف أنواع وألوان الجواهر، محكمة أقفاله الكترونيا ويتم التحكم بها عن بعد من داخل القصر ...

سلمني هؤلاء الحراس الي عدد من التيوس الأشداء اللذين تخط الأرض ذيولهم ولحاهم الزرقاء،ما ان دخلت حتى رأيت العجب العجاب، أبواب تليها أبواب وفي كل باب صف من الحراس المدججين بالسلاح، بعد الباب السابع، دخلت جنة الله في الأرض حيث الأشجار دانية القطوف، وأشكال وأنواع من الطيور لم تر مثلها عيوني في كل مكان، بحيرات متراصة ونافورات ملونة تعمل على مدار الساعة، تربض بين خمائلها الغزلان والطواويس، والحمام والبلابل ووو...

بعد ان اجتزنا عدة كيلو مترات من الرياض والجنان باذخة الجمال وفائقة الخيال، تم استقبالي ولوجدي هذه المرة من قبل كردوس من أجمل الفتيات كوصف الحواري في جنان الخلد، تمت قيادتي من قبلهن الي باب ضخمة من الزجاج السميك قيل انه ضد الكسر حتى من قبل قذائف مدافع الدبابات، فتح هذا الباب كلمحة البصر، سحبت من دون ان اعلم الي الداخل ولوحدي طبعا ... فشهدت ما لا تراه عين، قصر من الزجاج الشفاف والمعتم وبمختلف الألوان، ترقد عند بواباتها المضللة بالورود فتيات باذخات الجمال ولكنهن أيضا بذيول من صنف (الغزلان) ذيولهن تخط خلفهن، فتح لي الباب الأول فاستقبلت بالموسيقى وبأصوات مهللة مرحبة بضيف الملك المعظم، ومرددة هتافات المجد والحياة لعظمته،كنت أسير على أرضية مكسوة بالذهب والفضة لا تشعر وأنت تسير في دهاليزها لا بالحر لا بالبرد، كانت تسير أمامي سهام من ضوء تدلني على متابعة طريقي صوب الملك المعظم،ولا اعرف كيف أحسست ان اذرع عملاقة رفعتني عاليا،حملتني وبعد وقت قصير وضعتني أمام كرسي بالغ الضخامة قوائمه من الذهب المطعم باللؤلوء والزمرد والجواهر البراقة التي لم ار مثيلا لها في حياتي، يجلس خلفه رجل مهيب الطلعة تشع الصحة والعافية من خدوده، بريق عينيته يكاد يغشى عيوني، يرتدي لباسا من الحرير الأبيض، وعلى رأسه تاج لا يمكنني وصفه لأنه يتموج بألوان وإشعاعات مختلفة، يقف في كل جانب سبعة فتيان،لهم صفات الملائكة يبد لي أنهم لم يروا نور الشمس طيلة حياتهم، ومن أهم ما لفت نظري، ان الملك ومرافقيه ومن يحف بيه من الأمراء والأميرات جميعهم بلا ذيول ....

ابتسم ألملك وكأنه فهم ما اضمر من أسئلة، وما أصابني من الاستغراب، قائلا :-

- يكفيك ما شاهدت وما سمعت، ولا تسأل عن المزيد، فلا غرابة ان نكون بلا ذيول، فالحاكم ليس له ذيل، الذيول للرعية فقط، ومن يظهر له ذيل من الطبقة الحاكمة يقتل فورا وبلا سؤال ... والآن عد من حيث أتيت، شاكرين لك ما قمت به من جهد وتخليصنا من شواذ مملكتنا .

- ما ان لفظ لفظه هذا حتى تلاقفتني الأكف واذرع العملاقة ولم اشعر الا وآنا مرميا أمام الباب الأول وبانتظاري الحرس المذيل الذي جلبني أول مرة ومعه مرافقي ومترجمي الذي واصل حديثه السابق حول ظاهرة الذيول قائلا :-

ظهرت على شاشات التلفاز بشارة لرعايا المملكة بعقد اتفاقية طويلة المدى لمقايضة شواذ مملكة (الذيول) مع ممالك (الشواذ) في العالم ببضائع تسد حاجة الملك المعظم .

فلتحتفل كل القطعان بهذا المنجز العظيم وخلاصهم من الشواذ أول بأول من الآن فصاعدا .. .

رواية قصيرة جدا

 

حميد الحريزي

 

 

zahem jehadمثل كل يوم جلس في عين المكان من حديقة منزله الصغيرة وعلى عين الكرسي؛ كان يبدو حزينا وكان الدنيا اسودت في في عينه؛ بعد ان سافرعينه وتركه على عين بين عبيد العين واصدقاء العين؛ فرق عنده القلب ودمعت العين؛ واذا بصوت زوجته التي تعرف ما به وهي تقترب منه وهي تردد

الزوجة: عيني ..عيني على العاشقين.. حيارى مظلومين... عالصبر مش قادرين

صباح الخير يا عيني

الزوج:  وانت على عيني

وهي تحاول ان تسليه وتلهيه

الزوجة: ونعم بك الله عينا؛ لا تكن سخين العين يا عيني؛

وهي تشير الى عينيها

انظر

و ينظر ويتمهل قليلا ثم

الزوج:  يا لجمال عيناك ...لقد اتسعت وحسنت؛ هل وضعت كحلا؟

الزوجة: بل انت كحل عيوني .

الزوج : شكرا شكرا

الزوجة: عندي طلب عين

الزوج : وطلبك امر يا عزيزتي وأمرك على الرأس والعين

الزوجة: اريد ان تجلب لنا الاشياء عينها والتي سبق وان جلبتها؛ وسوف اعيّنها

لك واكتبها فيي ورقة .

الزوج: ذلك عين لبصواب؛ ولكن ما عندي من العين ...لا باس سوف اشتري بالدين

الزوجة: لالا يا عيني ولم تشتري بالدين ونحن نملك العين؟ ساعطيك ما تحتاج من العين حتى تشتري بالعين لا بالدين عينا بعين

خرج من البيت والتقى بصاحبه اول عين؛ ورحب به

الزوج : كيف حال صديقي عين القوم؟

الصديق: اشكرك يا من ملأ عيني وبرؤيتك قرّت عيني

الزوج: وماذا فعلت مع الذي اخذ عينك؟

الصديق: اتعلم لقد سقط من عيني بعدما انكر ما فعله وانا رأيته بأم عيني؛ طالبته

بعيني فلم يعين لي شيئا؛ فذهبت الى القاضي وحكم العين بالعين والسن

بالسن؛ واعاد عين عيني . دعك من هذا الامر واغمض عينيك عنه؛

اخبرني عن عين اليوم؟

الزوج: يقال ان العين بعدما نشر العين في كل مكان ونشر عيونه في كل زاوية؛ (وهو يشير)

انظر الى ذلك الواقف ..انه عين من عيون العين؛

الصديق: وكيف عرفته؟

الزوج : ومن لا يعرفه؟ انه كان عينا للعين السابق والان هو عين للعين الحالي؛

و يعرفه العين والعين؛ وعند الحديث مع احد خذ ذلك بعين الاعتبار .

الصديق: اشكرك على هذا العين من المعلومات؛ استودعك الله .

يشتري صاحبنا  ويعود وفي البيت

الزوج: انظري لقد جلبتُ كل ما طلبتِ؛ حتى عين البقر الذي تحبينه

الزوجة: اقرّ الله عينيك بمن تحب؛

الزوج: بالله عليك الا تاتين بالمرهم الخاص بالام المفاصل

الزوجة: خيرا يا رجل؟

الزوج: اشعر بألم في عين ركبتي اليسرى

الزوجة: يا ستار ..هل اصابتك الأعين يا رجل؟ كم مرة اقول لك لا تخرج بكامل اناقتك حتى لا تلفت اليك اعين الحساد

الزوج: ومن يحسدني وانا زهيد العين والملبس .

الزوجة: اذا لا يوجد لك حسود فلي حُسُدُّ يحسدنني على زوج عين مثلك . اللهم عود في عين الحسود .

في المساء بحث في مكتبته عن عيون الكتب  فاختار كتاب العين؛ وقبل ان يفتح الكتاب .

الزوجة: لقد ابيضت عيناك من القراءة يا عزيزي؛ أِمّا تقرأ وأِما تكتب وأِما تستمع الى اغانيك القديمة؛ وبصراحة....فانا .... اشعر بالغيرة حتى من كتبك واقلامك حتى الاغاني القديمة  اففففف لانها تاخذك بعيدا عني .

الزوج: انت تعلمين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين بان لا احد يسكن في قلبي غيرك يا حورعيني تملآ عيني . اما القراءة والكتابة وغيرها فهي هواياتي التي احبها

الزوجة: حب ما شئت؛ ولكن لا تصرف عيناك النظرعني؛

و فجأة تفرك عينيها .....

الزوج: ما الذي حدث لعينيك؟ دعيني ارى

الزوجة: بدلع (حكيم عيون حضرتك؟)

الزوج: يدندن

حكيم عيون افهم غي العين

و افهم كمان برموش العين

اعرف هواهم ساكن فين

و اعرف دواهم يجي منين

قاسيت كتير منهم

و قريت كتير عنهم

و للعيون بقية في اه يا ليل اه يا عين

 

 

يسترسل النغم القديم حيث كنا

أنا وأنت ورائحة النهر العتيد

samar aljobory

للمساء حديث / سمر الجبوري

 

للمساء معك حديث آخر

يتناغم وعنفوان الورود

ينسل من لون القمر

ينهي السنة المرايا

يسترسل النغم القديم حيث كنا

أنا وأنت ورائحة النهر العتيد

ولغة العيون

للمساء معك شأن مع الحب

مع تسابق الأحلام بين الأشواق

وبين مثول الحقيقة

يتحدث لتلك السنين بأيامها

ويعاتب الساعات التي أنقضت بدونك

للمساء بقربك أبجدية خلقت لإثنين

لعاشقين مابعد الضباب

لساهرين على ذمة الصباح

لأمنيتين تائهتين ضمهما الوجود

إلى حنانك

 

سمر الجبوري

 

 

يتمايلُ خطوي تتمايل أنتَ

تتمايلُ أشرعةُ الليلَ الباردِ

nadia almohamadawi

مطعم القبطان / نادية المحمداوي

 

في مقتبلِ الليلِ الباردِ

ينفضُ الروادُ تباعاً

مخمورين

ونودعُ أجواءَ الحانةِ

نتمايلُ من فرطِ النشوةِ

كالأشجارْ.

ضحكتنا السكرا

ببطءٍ تتسربُ في نسغِ الليلِ

الصامتِ

وتغازلُ أشرعةَ المرفأِ

وتغازلُ أسرابَ السمكِ

الوافدِ من أعماقِ الماءْ.

حشوداً داكنةَ اللونِ وأخرى فضيةْ.

تتلألأ

تحتَ شعاعِ القمرِ النازلِ للأعماقْ.

وأنت ، تتمايلُ مثلي

وتحاذرُ ان اقتربَ بخطوي المرتبكِ

المسرى صوبِ اللجةِ

صوبِ الأشرعةِ الصماءْ.

يتمايلُ خطوي تتمايل أنتَ

تتمايلُ أشرعةُ الليلَ الباردِ

يتمايلُ وجهَ اللجةِ تتمايلُ كلُّ الأشياء.

 

ومَعَ المُغيراتِ صُبحًا

اِمتطتْ صَهوةَ حِصانِهَا

souf obid

الفارسة / سُوف عبيد

 

عندما تَبيّنَ الخيطُ الأبيضُ

مِنَ الخيطِ الأسودِ

ومَعَ المُغيراتِ صُبحًا

اِمتطتْ صَهوةَ حِصانِهَا

وشَدّتْ عليهِ

بَينَ الصُّلبِ والتَّرائبِ

مِكَرٌّ...مِكَرٌّ

لا مَفَرٌّ

فِي الرَّكضِ يداهُ

يداهَا

وفي ركابهِ رجْلاهَا

كلّما زادَ في العَدْوِ مَدًّا

ضَبْحًا وَقَدْحًا

زادتْ عليهِ شَدًّا

ثمّ

أرختْ له العِنان

...لا تُبالي

............

* رَاكْــبَ لْخَـــيَّـــالـِــي

وشْـــعَــــرْهَا

مْـــلَــوْحِـــتُّـــو إلْـــتــــالِــــي

 

................

* مطلعُ أغنية شعبيّة تونسيّة ـ راكبةُ الحصان وشَعرُها ألقت به خلفها

 

الصخور التي تحترق في أعماقها الحركة،

يعتري أوصالها الكسل

akeel alabod

توافق المتلازمات / عقيل العبود

 

اللانهاية، قباب ليس في كهوفها الا زرقة مبهمة،

الغيوم، قطع تتشكل من ألغازها الحركة،

الكون ابجدية،

معادلاتها تحتاج الى تدقيق.

****

الجغرافية كواكب،

تناقضاتها ازمنة،

العالم يسوده العنف.

****

النيران،

الصخور التي تحترق في أعماقها الحركة،

يعتري أوصالها الكسل.

المحيطات، كتل مائية يجتاحها الخوف.

****

الطفل الصغير، صراخه بركان،  يقبع في أقصى لغة الليل،

امي نهضت توا من نومتها.

الأموات مساحات،

الصمت يتنفس فيها صعيد الحياة،

املا في استقبال ولادات جديدة.

****

الليل تحررت عباءته توا من الخوف،

اما النهار، فقد تقرر ان تغيب شمسه خلف الأفق،

المرجان صخور من نار.

****

الساحل الصخري، من ضفافه،

تلك التعرجات، تشكلت..

****

الاشجار، تلك الامتدادات الشاهقة،

في سيقانها اثار،

الأحجار شهيقها ينتظر مسميات جديدة.

****

الأوراق الميتة تتحرك بناء على جريان الساقية،

المرأة تلك التي تحمل طفلها الوليد،

تماما جف حليبها.

****

الانفاس قررت ان تستعيد صمتها الأزلي،

الشيخ الطاعن في السن،

عصاه مسها الجنون.

لذلك تلك الجزيرة استغرق أعماقها الصمت.

****

 

عقيل العبود/ ساندياكو

 

حورية البحر تأبى انتفاضة العقل

والشعب يفترش ناصية الخوف

husam abdulhusanaltimimi

ضاجعوا الاموات / حسام عبد الحسين

 

ضاجعوا الاموات لصحوة الذات

الذات قتلت في غرائب العز

العز ثورة في اوجه الطغاة

القبر كفا الوذ فيه من ظلم الطغاة

المقابر من هيبة الشباب ملئت

الشباب اعلنوا الصمت

التغيير صولة دماء حارقة

وهنا اريقت دماء العذارى

دماء افترشت سماء المؤامرة

حورية البحر تأبى انتفاضة العقل

والشعب يفترش ناصية الخوف

المراة شعب واع رغم نير اضطهادها

الحرية رسمت عشقها الهائم في الصحاري

وهيمنت على قلبي المرصع بالرماد

رماد الصحراء اذاب جليد التفكر

التفكر عبادة تبجل سؤدد الرب

الرب في الجمال تعتلي جلالته

وفي المبادئ تهيم عدالته

العدالة نهج تبحر في تجسد الأرواح

وبحر العدالة قاحل في خلود العنجهية

انا شاب قد نلت منال عشقي

فلا عدالة تعزني ولا مبدأ يفنيني.

 

 

sardar mohamad همساتُك دبابيس تخترق الجلود.

وهن العظم، وكفّت العصافير عن الزقزقة .

جاءت السفن العذراء صوب ساحلك الشبقي يقودها الضمير الإواري وموسيقى الرياح، وتواصل حريّة التعرّي من أشرعة القهر .

فكيف تنام ؟

وقد سعل الغمام

فتعمّد ريش الحمام

والندى تبلل والماء

طفا الرصاص زبد

لمَ سقوف معابدالعراق غابات مخاط للعناكب، وتتبارى فيها الوطاويط التي ألفتها .

صارحونا يا قراصنة ؟

لمَ رست سفائنكم بساحلنا، والقراصنة الذين جابوا العهربالوادي .

خدعتمونا، ركبتم عربة الدين وعلى رؤوسكم تيجان العرب كديوك روميّة .

ما الذي حُرّم في حجة الوداع ؟

لا تشعلي ما تبقى فيّ من حطب

سألثم ساقك المنحوتة

لا تهزّيها فلن يسقط الرطب

على بغداد هطلت حجارة من سجّيل .

قالوا لنا أن السماء في مخاض

غداً ستمطر بساتين تفاح

ورياض ورد وقدّاح

فأمطرت فياغرا

ومناشف ورقية

وواق ذكري ملوّن كُتب عليه صنع في أمريكا

يا أولاد ال..... من مسيلمة و سجاح

وأنبتت الأرض حناجر

تعوّدت النقيق

فهربت الضفادع

وكلاباً تلتهم المحابر

فغادرها النباح

تأنسنت

والشعراء توسّدوا المقابر

أخذ مكانهم اللئام

سماءنا أيها الساسة يتيمة

قمرنا يتيم

سحائبنا يتيمة

فعلامَ يخفق جناح الريح

ومشكاة السماء ترمي بالشرر

فلا ورق يكلّل الأغصان

ولا عشب يعشق الإخضرار

وقوس قزح بلا ألوان

وأجنحة الفراشات

وريش الطواويس

وساد الضباب

إندفعت كرات التراب

إنتشر الصقيع

فضمّيني حبيبتي كالوليد

واسمعيني " نامي جياع الشعب نامي "

فأنا اليوم طريد

أشك أن الضياء المذعورقريب

وحزن اليتامى سينقشع

ودموع الثكالى تنضب، أشك بالأخاديد والخدود

عراق ياعراق

إني رأيت " قاسم "

يتقاسم خبز الشعير مع "أبي جويدة "

وصاحت زوجته حين مات جوعاً

" هذه موش يومك يومك بعيد يومك يابو جويده بالطراريد "

والظهرتغدى - الكبّة - في الموصل

وعشاء اكتفى بقدح من لبن " أربيل "

رأيته صلّى الفجر

 في مرقد "الحسين "

والظهر عند "أبي حنيفة " النعمان

والمغرب تعبّد في كنيسة العذراء

ورأيته

يقرأ القرآن مساء مع المكدين بباب الشيخ

ويحمل الطابوق على ظهره مع الشغيلة نهاراً يبنون مدرسة

ويلعب " الغميضة "مع الأطفال،

ومات غدراً

ألا تستحون يا ساسة

وامتازوا اليوم أيها المجرمون

أهربي ذات الساق الرخاميّة من المتحف

إستقلّي قطار قبلاتي

لا تدعي صداها ينتثر

أخنقي الشفتين بالشفتين

فلقد تشتت نداءات عشتار، ونغمة " هربجي " وصريخ قطارالموت .

صوت : مكبرات الجوامع، نواقيس الكنائس، التلاميذ في المدارس، رنّات المطارق في سوق الصفافير، لغط الباعة و الطيور في سوق الغزل، هلاهل أم العروس حين اغلق عليها باب المخدع .

ما الذي تبقى إذن؟

بقي "عباس بيزة " و"حسنة ملص "

يتنازعان دولارات سقطت من جيب سياسي .

 

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين ذرى قنديل وقمم هملايا .

 

 

لا شمس تفرح

باحتراق سنبلة

salem madalo

وجهي يؤلمني / سالم الياس مدالو

 

1 -

وجهي يؤلمني

حينما اصرخ بوجه زهرة

وفراشات اصابعي

تبتسم لي

حينما احرق

عنجهية

شوكة

2 -

لا شمس تفرح

باحتراق سنبلة

ولا ماء يروي

الا ماء

الحب

3 -

لمن لمن

تشكو الغزلان

الحزينة

وحدتها

اللاشجار العارية

ام لنسيمات الهواء

الملوثة

بغضب

الريح

وعواء ؟

 

سالم الياس مدالو

لستُ شجرةً

تهتزُّ أغصانُها طرَباً

لمقولةِ الشعراءِ

ahmad alhili

لستُ هذا أو ذاك (2) / أحمد الحلي

 

1

لستُ غيمةً

تمرُّ مثقلةً بالوعود

ثمَّ تمضي محتفظةً برشاقتِها !

2

لستُ مفتاحاً

لبابٍ

ينفتحُ على دهليزٍ

يعجُّ بخفافيش !

3

لستُ شجرةً

تتقبّلُ أن يتّخذَ له فيها عُشّاً

بلبلٌ أو غرابٌ

على حدٍّ سواءْ !

4

لستُ قمراً

يفتحُ قلبَهُ دوماً لتأوّهات العاشقين

ولا أحدَ يُصغي لندائِهِ !

5

لستُ شجرةً

تهتزُّ أغصانُها طرَباً لمقولةِ الشعراءِ

بشأنِ طريقةِ موتِها الباذخةِ

بينما ليسَ بوسعِ أحدٍ منهم أن يفعلَ ذلك !

6

لستُ ديكاً

مطمئنُّ البالِ دوماً

أنه ليس بوسعِ أحدٍ

أن يقفَ وإيّاهُ موقفَ المنافسِ أو الند

في صداقتِهِ مع الفجر ؛

لا  منبّهِ الساعةِ أو صوتِ المؤذّنِ  !

 

MM80- تصحري يا ابنة الخطيئة ، فمثلك لم تخلق للمطر.

- وما ذنبي إن كنت  توقا يسبح في هطل لا يقف؟

- ما كان للحلم مكانا يوم ولدت، فكيف يسري  في محياك التعس؟

- إن غاب ما غاب يوم ابتدأت، فهل هو في حكم العدم؟

- أرزاق الخلائق قسمت، لك منها ما قسم .

- وهل أطغى على غيري أن ارتويت بعد عطش؟

- لماذا لا تستوعبين أن الأمر قد حسم؟

- دعوتني بابنة الخطيئة، وما كان أبي امرأ سوء وما كنت أنت بغيا .

- خلقت من فقر  وماء.

- بل من روح و حلم .

- يجرفك التيار إن اقتربت من البحر .

- بل يحملني في سفينة نجاة .

- الصبار يحيا في صحراء الحياة عمرا أطول .

- وانا أريد عمر الوردة في حوض ندي، لا أمد الشوك في أرض اليباب .

 

د. عبير خالد يحيي

 

 

والبَحرُ شَفَّ عنْ جِراحاتٍ زرْقاء

طالما أخْفاها زبَدُ الوهْم

في جُبّة الكِبْرياءْ.

mohamad shakir

أنت أفسح من ضيق الهنا والهناك / محمد شاكر

 

لستَ مِن هَذا الْهُنا..

وإنْ نَقّلْتَ الخَطْوَ..

ومتاعَ القلب

مِن رِفاقٍ، لِزُقاقْ. .

لِتَفِيءَ إلى كنَف واضِحٍ

عاشِقًا ومعْشوقًا

تَقْتَفي أثَركْ

بِكامَل الخُيَلاءْ..

ولستَ مِن هُناك ْ

لِتحْفظَك في صُندوقِ العُمْر

بِكامِل الْعَبقْ.

تُرتِّب أحْلامَك الْقَديمة..

مَتى تَشاءْ..

وكيْف تَشاءْ

وِفْقَ عُذوبَة..

تُسْتَساغُ في هَذه الْحَياة

لِبهْجَة أجَّلتْها مَواسِم الغيْم،  والبَلاءْ.

قدْ زادَ البرْزخُ اتِّساعًا بيْن الهُنا ،

والهُناك..

والبَحرُ شَفَّ عنْ جِراحاتٍ زرْقاء

طالما أخْفاها زبَدُ الوهْم

في جُبّة الكِبْرياءْ.

وانْتَفخَ الماءُ..

بِهَدير الأهْواءْ.

*

بهَذا وَشَتِ الرّيحُ عنْد الْمَغيب

كما لوْ أنَّ السِّرَ..

خَبا عنْه الألَقْ.

وَعليْك أنْ تَتهَجّى حَنينكَ

في كِتابِ الْعَتماتْ.

وَتسَوّي البَوْحَ

بَحبْر الأرَقْ.

وأنتَ الذي أسْلستَ روحَكَ

تَمْحو كُشوفاتٍ ..

تَدلجُ فيها مُضاءً بالْحُرقْ.

لِغَذائر النَّخْل ِ

وطوْق العَراجينِ على جيدِ الواحَة الْعَذراءْ.

أسْرَرْتَها في النَّفْس..

وقلتَ ما أوْحَش العاشِقَ

في غيْم الأهْواءْ..

حين يَسْري بِرقَّة حِسٍّ شَفيف

يَسْمع هَمْس الأفْياءْ..

ولا يُسْعِفه الجَناحْ.

يَحسبُ المَحْبوبَ في هَبَّة شوْق عارِمٍ

أدْنَى إليْه ..

مِنْ رجْعِ النِّداءْ.

وهْو ناء في سَراب البيْداءِ

ورمْلٍ ..

يَتيهُ الخَطْو فيه، ويَغْرقْ.

كأنْ لا مَكان ..لا زَمان تعتَّقتْ  في كأسِه الأدْواءْ..

كأنْ لا هُناكْ ..

يَفْتح الْمَعارجَ لِطْفلٍ آيِبٍ. .

مِن مَتاهاتِ الْوَراءْ.

ها أنتَ، الآنَ، تَراكَ

كالَّذي يُخْرج نفْسَه في شاهِقِ الْفَضاءْ

فلا يَحُطّ على طُمَأنينةِ عَرْشٍ

ولا يَرْقى إلى سدْرَةٍ جَديرة. .

بِرغْبتِه في الْبَقاءْ.

*

أنتَ أفْسحُ مِن ضيْقِ الْهُنا..

والْهُناكْ.

في انْفِراجِك بِخفَّة الكائِن الشَّفيفْ

تمْسَح حُدودَ الضَّيْق

في اللاّمكانْ.

في انْعِتاقِك مِنْ أسْر الهُويّات ِ

وداءِ الْحَنينْ

تَدْحر جيْشًا مِن الأحْقادِ

بِلُطفِ النَّشيدِ..

ورِقَّة قلب أمينْ.

 

محمد شاكر

 

هَفَــا سَعْيُهَـــا صوبَ

 الأهوالِ والأخطار

mohamad almahdi

مطاوحــة / محمد المهدي

 

بعيون من نار.

يمسح فضاءات الغُبار ،

و يُجلي أفق الانتظار ..

يُطاوح بأحلام الصّبا ذاتَ الصّبر الجميل،

و ذات الانفجار .

تَنحَثُ الغُصّةُ أخاديدَ الغُبن

على طابور الانتظار .

و يَسرِق النّورَ خِلسةً كلَّ ليلة،

يُخادعُ عَسَسَ الأقدار .

زهرةٌ من عنفوان تموتُ وقوفا .،

تُعاندُ ريــحَ الرّدى إذا ما عَصَفَتْ،

وتأبى الانتحــــار .

ذاكَ أملُ الغَـدِ الهَرُوب فِينا،

شبابٌ مثلَ رَذاذ الصبح يُحينا،

ويَمحُو من على مُحيانا آثـــــــــار الغبار .

سامِقاتُ الهَامِ هي أحلامُهــم ..

ليس يَمنعُها دُروبُ الصّعاب،

ولا عتمةُ الأغوار ..

هِمة تَسمْو كُـلما،

هَفَــا سَعْيُهَـــا صوبَ الأهوالِ والأخطار .

 

محمد المهدي - تاوريرت

 

 

hamodi nashmiوصلتُ الى صنعاء مطلع تموز 1997، مُثقلاً  بالديون وفي جيبي 20 دولارا فقط لا غير، بحيث لم اتمكن من الاتصال بأهلي لطمأنتهم على حالي بعد أشهر من الانقطاع، ومع ذلك، اتذكر أنَّ ذلك اليوم كان ماطراً وجميلاً، رقصتُ فيه مع زخات المطر وأنا غير مصدّق من إمكانية نزول المطر في تموز!

حين توجّهنا من إيران الى صنعاء أنا وصديقي عباس، لم نكن نمتلك أدنى معلومة عن اليمن، لكنّنا سمعنا عن توفّر فرص العمل للأطباء، كما كنّا نعرف اثنين أو ثلاثة من أصدقائنا الأطباء هناك، معرفة مجرّدة فقط، من دون عنوان أو أي وسيلة اتصال.

أعطانا صديق من إيران، اسم طبيب عراقي قريب له يعمل في مستشفى بلقيس، الاسم فقط، من دون ذكر العنوان أو أي تفاصيل أخرى!

كان من الطبيعي أن نستأجر تكسياً خاصاً ليأخذنا الى مستشفى بلقيس، فعلنا ذلك، وأوقفنا أحدهم، فلفّ بنا عدّة لفات في صنعاء، وسأل بعض المارة عن المستشفى دون جدوى.

أخيراً وبجزع ربّما، قال صاحب التكسي: سأنزلكم هنا وتدبّروا أمركم، في هذا المكان كثير من الأطباء العراقيين.

نزلنا أمام فندق الوطن ويظهر أنّه المقرّ الرئيس للأطباء العراقيين باليمن، لكننا لم نسمع به من قبل.

كان يدير الفندق شاب يمني اسمه رشاد، يتحدّث بلهجة أهل مدينة تعز القريبة من لهجة أهل الموصل بالعراق.

يا لحُسن الأقدار!

اتّضح لنا لاحقاً، أن مستشفى بلقيس خارج صنعاء!

باشر زميلي عباس العمل في اليوم الأوّل لوصولنا، تمكّنت من الحصول على فرصة العمل في اليوم التالي، بعد أن جاء طبيب يمني اسمه محمد الشامي الى الفندق باحثا عن طبيب لإدارة عيادته، تفاجأت باسمه المطابق لاسم مطرب عراقي اشتهر حينذاك، بأغنية يقول مطلعها:

يفر بيه هوى المحبوب يا يمه

يفر بيه وانا الماتوب يا يمه

خامرني شعور باستمرار دورة أيامي الى حين.

سألني الشامي عن أصولي، وما اذا كانت ريفية أم حضرية، فالعمل مع أبناء الريف يتطلّب فهم أولوياتهم، فأجبته بنعم، أنا فلاح وابن فلاح وأدرك أهمية البقرة والحمار في حياة الفلاحين.

ضحك من جوابي ولم يسأل أي أسئلة أخرى، ثم قال: هيا بِنَا الى مكان العمل وستكون شريكي في ما نحصل عليه من أرباح!

ذهبت رفقة الشامي الى مقر عملي الجديد في قضاء خولان الذي يتبع محافظة صنعاء ويبعد عنها نحو ساعة بالسيارة، وفي قرية صغيرة اسمها مسوّر.

كانت منطقة ريفية جميلة تتألف من تلال صغيرة وتشرف على وادٍ مليء بأشجار القات الشهيرة.

كان مكان العمل عبارة عن مستوصف مكون من أربع غرف، واحدة للصيدلية وأُخرى للفحص والمعاينة واثنتان للمرضى، مبنية من الطابوق، تعلوها غرفة صغيرة لسكن الطبيب.

في اليوم التالي لمباشرتي العمل، طلبت من الشامي مبلغاً مقدماً من المال كي استطيع الاتصال بأهلي بعد انقطاع سبعة أشهر.

اتصلت بأهلي وتكلّمت مع أبي وأخي عباس، كانت المكالمة عبارة عن دموع وليس كلمات، فأبي لم يصدق أنَّني ما زلت على قيد الحياة!

باشرت العمل على مدار الساعة، فعندما تعيش في المستوصف نفسه، يكون من الصعب أن يستمرّ نومك حتى الصباح، إذ إنَّك غالباً ما تضطر للنهوض نتيجة لبعض الحالات الطارئة أو حتى لعلاج صداع الرأس.

معظم الناس لا يميّزون بين حالات المرض الصعبة وتلك التي تحتمل الانتظار حتى الصباح.

ذات مرًّة، طُرق باب المستوصف عند منتصف الليل، تصوّرت أن في الأمر حالة علاج طارئة، فأخبرني الطارق بوجود بقرة تنزف كثيراً بعد ولادتها! وعندما أخبرته بعدم تخصّصي ومعرفتي بالحيوانات، طلب مني مجموعة كبيرة من إبر فيتامين K ليقوم بزرقها هو كما حصل مع البقرة السابقة!

في أول شهر، من وجودي في اليمن، دعيت لحضور حفل زفاف بالقرب من العيادة، وفيه شاهدت للمرّة الأولى رقصة "البرع" الشعبية، حيث يتقابل شخصان أو أكثر ملوحين بخناجرهم، ويدبكون بحركات متناسقة جميلة على وقع طبل صغير، ذكّرني ذلك، برقصة الچوبي العراقية على طريقة أهل الجنوب التي أحّبها جدّاً وأجيدها.

بعد أشهر من وصولي الى اليمن، التحق بي عدد من أعز وأقرب أصدقائي في كلية الطب، وهم كلّ من بهاء حسين وصباح حسن وسلمان محمد ومؤيد كاظم.

لكنّهم وصلوا بالأسماء المستعارة التالية:

صباح حسن، باسم علي عبد الحسين!

سلمان محمد، باسم فرج ليلو!

مؤيد كاظم، باسم مهند كاظم!

أفرحني خبر وصولهم، وأزعجني سماعي بخبر إلقاء القبض على صديقي المقرّب الدكتور خضير عباس بعد هروبه الى الأردن في الأسبوع نفسه، فأُعيد الى العراق وسُلّم الى المخابرات العراقية وسجن 6 أشهر.

في تلك الأيام، صرت أذهب الى صنعاء بشكل منتظم للقاء الأصدقاء الذين أرى فيهم وطناً جديداً، برغم أنَّ صديقي عباس تحّول في تلك الفترة الى مدينة ذمار وأصبحت لقاءاتي به قليلة.

حرصت على أن أشهد أي فعالية اجتماعية ممكنة لاكتشاف أصل العرب في اليمن كما يقال.

حضرت أكثر من صلاة جمعة في جامع القرية، ولاحظت أنَّ الخطيب يقوم بقراءة الخطبة من كتاب وبلا إضافات أو توضيح، الأمر الذي لم استسغه ولم أشهده من قبل في العراق أو إيران.

شاركني السكن في الحجرة الصغيرة، مضمد المختبر اليمني طاهر يحيى، وهو الآخر ذكّرني باسم رئيس الوزراء العراقي الأسبق طاهر يحيى، حتى أنّي فكّرت بالتشابه الكبير بيننا نحن العرب.

كان طاهر غاية في الأدب والطيبة، يسكن صنعاء وهي ليست بعيدة، لكنّه يفضّل النزول الى الأهل في أيام الجمع فقط لأنّها آمنة وأقل كلفة، وغالبا ما كان يردّد على مسامعي أنَّه يشبهني من حيث الشعور باغتراب حتى وهو وسط اهله، ويقول باستمرار: كم أرغب في العيش كما أحبّ واشتهي، وليس ما يشتهي أبي أو أخي أو زوجتي، عليك أن تعيش كما تشتهي يا حمودي!

شاركتني العمل أيضاً، ممرضة يمنية شابة اسمها سيدة الباردة، وهي من قرية المسّور نفسها، من بيت الباردة، وغالباً ما كانت تتندّر على اسم عائلتها! وكانت فعلا سيدة في عملها وأخلاقها، شاطرة وتعرف حدودها جيّداً.

ذات يوم، دخل أب غاضب جدّاً يحمل بندقية، مهدّداً بقتل الطبيب العراقي، فوقفت الممرضة سيدة أمامي لحمايتي وتكفّل طاهر بالحديث مع الأب وتهدئته. كان سبب فورته الغاضبة تلك، حدوث "صرع حراري" لطفله، اعتقد أنّه بفعل علاج البنسلين الذي وصفته له برغم تحسّسه منه! وبعد جهد ومشقّة أقنعته بعدم إعطائي البنسلين لطفله أصلاً، وأنَّ الموضوع يتعلّق بالصرع الحراري.

كان الفقر يمنع كثيرين من الحصول على خدمة طبية جيدة ولا يفضلون الذهاب إلى صنعاء إلآ بعد استفحال المرض، ومعظمهم لا يؤمن بالأمراض المزمنة مثل، الربو والسكري وضغط الدم، وتشيع بينهم أمراض مستوطنة، كالملاريا والتهاب الأمعاء ومضاعفاتها، وعادة ما يحمّلون الطبيب مسؤولية بعض الأعراض الجانبية للدواء.

أما المعارك القبلية في اليمن فحدث ولا حرج، أذكر أن إحداها دارت بين قريتنا (مسوّر) وقرية (جحانة) التي تقع على الجانب الآخر من الوادي.

في تلك المعركة المشؤومة، قُتل صديقي محمد المسوّري، وكان متعلّماً محبّاً للرياضة، حتى أنَّه يعرف الكثير عن تاريخ كرة القدم العراقية ويحدّثني بمحبة عن اللاعبين العراقيين، خاصة فلاح حسن وحسين سعيد!

بعد انتهاء المعركة، جاؤوا به محمولاً ببطانية وأنفاس متقطعة، ومن أوّل معاينة رأيت مخّه منثوراً خارج قحف رأسه بفعل طلقة نارية.

كان يوماً حزيناً وكئيباً للقرية ولي شخصياً، لكن المفارقة، أنَّ مقتله جاء بخبر خروج أخيه من السجن بعد أن أمضى 3 سنوات فيه في قضية قتل أيضاً، إذ تنازل ذوو القتيل عن أخيه المسجون أحمد لإعالة العائلة بعد فقدان محمد!

معظم المعارك تدور حول الأرض والعرض بين قبائل يعرف بعضها جيّداً وقد تكون بينهم عملية نسب ومصاهرة، برغم أنَّ بعض الشباب المتعلمين يعارضون ذلك، ولا يرغبون في أن يكونوا جزءاً من حرب؛ طرفها الآخر زملاؤهم في المدرسة أو الجامعة، وغالباً ما كانوا يقولون لي سرّاً، أنَّهم يذهبون رغما عنهم، وإلا تعرضوا للنبذ من القبيلة.

حضور مراسم العزاء لا يشبه ما تعوّدت عليه أبداً، فالرجال يجلسون في صالة كبيرة، يخزّنون القات ويتحادثون في شتى المواضيع، ويقوم بعضهم بقراءة المدائح النبوية أو سورة من القرآن بين فترة وأُخرى.

مضت سنتان من العمل المتواصل بجدّ وحرص شديدين، أُجهدتُ جدّاً وقلّ حماسي مع مرور الوقت، لكن عزائي الوحيد في العمل المتواصل، هو الحصول على دخل مالي جيّد، استطيع من خلاله مساعدة أهلي في أيام الحصار القاسية، حتى أنَّي تمكّنت من شراء بيت في بغداد، وطلبت من أخي ناجي وعائلته الانتقال اليه لتخفيف الضغط عن منزل الأسرة المتواضع.

حسنا، العمل في اليمن وضعني في خانة أصحاب العقارات، إنَّه شيء جميل حقّاً! برغم أنَّي لم استطع نقل ملكية البيت باسمي أو باسم أحد إخوتي بسبب قرار 57 السخيف، الذي أصدره نظام صدام ويقضي بعدم السماح للمواطنين بتملّك عقارات في بغداد، إن كانوا غير مقيمين فيها أثناء التعداد السكاني لعام 1957 ، وتم تسجيل ملكية البيت باسم زوج عمتي.

كان الراديو الذي يعمل بالبطاريات، حيث لا وجود للكهرباء، والجرائد والمجلات التي يجلبها لي طاهر نوافذي الوحيدة على العالم وأخبار الوطن الأم.

أما بقية احتياجاتي فكنت اعتمد فيها على جارتي الشابة سيدة بنت صالح الازرق،  اذ تقوم بجلب الماء من بئر أسفل الوادي على ظهر حمار مقابل بعض النقود التي أحاول أن أزيدها قليلاً حبّاً بهذه القروية الخام والفقيرة، لكن ذلك، أثار حسد فتيات أخريات، بحيث عرضن عليّ جلب الماء بسعر أقل!

كان جوابي لهن دائما:إنَّ ماء سيدة له طعم مختلف!  

شأن كثير من العرب، يسعى اليمنيون الى التودّد وإظهار صفة الكرم من خلال الدعوة في البيت لتناول وجبة الطعام، ودعاني معظم أهالي قرية مسوّر إلى بيوتهم.

الحقّ،إنّني أحببت الطعام اليمني جدّاً، فهم يستخدمون الفلفل الحار كثيراً، وربّما ذلك بفعل تاريخ تجارتهم الطويل مع الهند، على أنَّ عاداتهم الغذائية مختلفة تماماً عن الطريقة العراقية، إذ إنَّهم يقدمون أنواع الطعام الواحد تلو الآخر، فيقدمون"الشفوت" أوّلاً، وهو ثريد باللبن الممزوج بالفلفل الحار، بعد ذلك يأتونك بـ"السلتة" أو "الحلبة"، المصنوعة من خليط الخضرة الممزوجة بعشبة الحلبة وتؤكل مع خبز (الملوج) الأسمر.

بعد ذلك، ترفع الحلبة ويأتي الرز، بعده "بنت الصحن" وهي شبيهة بقطعة الكيك، وأخيراً يأتون لك باللحم!، فيضعونه وسط الغرفة ويقوم شخص بتقطيعه بخنجره المعقوف (الجنبية) ويناول كلّ شخص قطعة لحم!

أما وجبة العصيد اللذيذة، فهي الطعام اليومي للعوائل الفقيرة تقريباً، مصنوعة من عجينة الذرة البيضاء، توضع وسط صحن كبير وتحاط بمرق أبيض، تأخذ قطعة من العجين وتغمسها بالمرق لبلعها بسهولة.

يقف "السحاوگ" في مقدمة قائمة المقبلات، وتصنع من الطماطم المسحوقة مع الفلفل الحار والثوم، وتقدّم مع وجبات الدجاج دائماً. 

ربّما، لم اتعرّف على صنعاء بما يكفي، لكنّي أحببتها كثيراً، لما وجدت فيها من ترحيب وقبول بإنسان همّه البحث عن الأمن والعمل ولاشيء غير ذلك.

أحببت صنعاء القديمة؛ بأبوابها وتحفها التاريخية وطريقة بناء بيوتها وتخطيط طرقها، الى جانب هيئة ولباس أَهلها، اللذين يحيلانك الى ألف عام من التاريخ، حتى أنّني كنت أحياناًاتخيّل أنّي اكلّم معد بن يكرب حين أُحدِّث بائع العنّاب بلحيته الشقراء المُحنّاة.

دخول بلاد الشام بورقة كهرباء!

أكملت سنتين في اليمن، وأوشكت صلاحية الجواز على الانتهاء، هو مزيّف على أي حال، ويجب أن أجد مخرجاً لهذا المأزق.

في تلك الأيام، وصل صديق الى أستراليا عن طريق ماليزيا، بعد أن خرج من اليمن دون أن يخبر أحداً، عرفنا أنَّه في أستراليا فقط، بعد أسابيع من اختفائه.

يعمل كثير من العراقيين وفق قاعدة لا تُخبر أحداً، لدوافع مختلفة، بعضها مفهوم ربّما، وأغلبها لا يخرج عن شعور مبالغ بالأنانية!

حصلنا على رقم هاتفه وتكلّمنا معه، فنصحنا بالاتصال بمهرّب إيراني مقيم في ماليزيا اسمه (همايون)، معروف بأنَّه (أبو المضمون)، أي إنَّه يوصلك قطعاً الى أستراليا مقابل مبلغ كبير جدّاً في حينه، مقداره 8000 دولار!

لحسن الحظ المبلغ بجيبي، أما بهاء فاستدان نصفه من أصدقائنا وتكفّل بمهمة الاتصال بهمايون.

بعد انتظار لأسابيع وأكثر من اتصال ووعد بالوصول الأكيد، رحّب همايون بقدومنا.

تركت عملي، قمت بتصفية كلّ متعلقاتي، وذهبت رفقة بهاء لحجز بطاقة السفر الى ماليزيا.

كانت ماليزيا في حينها، لا تطلب سمة دخول "فيزا" عن العراقيين، لكن وقبل الدخول الى مكتب حجز التذاكر، طلبت من بهاء الاتصال مرَّة أخرى للتّأكد من أنَّ كلّ شيء على ما يرام، وأن همايون مستعد لاستقبالنا فعلاً.

بعد أكثر من محاولة اتصال، ردّ همايون بلغة إنكليزية ولكنّة إيرانية... فاري دانجورس ، دونت كم هير ما براذرس، وأغلق الهاتف!

في رحلات البحث عن المجهول، غالباً ما تتعرّض للفشل، كثير من محاولات التعلّق بخيوط الخلاص الواهية، وها هي ذي خيوط أملنا تتقطّع مرّة أخرى.

مجدّداً، صرنا محاصرين بهواجسنا البعيدة، وها نحن أولاء، بلا عمل وجواز سفر، وكأنَّ الرحلة ابتدأت الآن!

عدنا الى مقر تجمّعنا في الشقّة الأرضية البسيطة، حيث يسكن أصدقاء مقربون يعملون في صنعاء.

سمعت يوماً، من صديق مقرب قوله: "من يريد الَحج حَج ومَن يريد أن يهج هج"، فقرّرت أن أهجّ ولا بدَّ من أن أكمل "هجيجي"!

لا شيء يشغل البال أكثر من فكرة متسلّطة، وقد تسلّطت عليَّ فكرة الهروب من العالم العربي كليّاً.

في رحلة البحث عن منفذ ومنقذ للخروج من اليمن، سمعنا عن وجود مهرّب وصل حديثاً لليمن يدعى أبو مهند، وهو عراقي مُرَحَّل من الاْردن الى اليمن في قضية تتكرّر باستمرار مع العراقيين الذين تحدث لهم مشاكل في الأردن فيتم ترحيلهم الى اليمن.

انطلقنا في اليوم التالي للقاء المنقذ الجديد، ظهر أنّه طويل كلقلق، مقوّس الظهر لفرط طوله، يقف شابان في غرفته، ويجلس هو خلف طاولة متواضعة، ليترك انطباعاً لدى زبائنه بأهمية عمله وشخصيته.

رحّب بِنَا وبدأ يشرح خطّته بثقة واطمئنان، على أنَّه سعى لإقناعنا بالذهاب الى لندن وليس أستراليا! ثم شرح لنا طريقة الخروج على النحو التالي:

نخرج بجوازات عراقية من صنعاء، ننزل في الشام بجوازات يمنية مختومة بـ"سمة دخول" الى إندونيسيا، ثم نطير من الشام الى إندونيسيا، ومنها عن الطريق البحر إلى أستراليا.

وكم يكلفنا ذلك من الوقت والمال يا منقذنا العزيز؟

تستغرق العملية من الوقت أسبوعاً واحداًأو أقل، ومن المال 6 آلاف دولار عن كلّ شخص، ثم أعود من إندونيسيا بعد الاطمئنان على وصولكم الى أستراليا! قال أبو مهند تلك العبارة بثقة وحزم.

يا سلام عليك أبا مهند، لكن ماذا تعني بالشام؟ نعم، نعم، أنتم معشر الأطباء فقراء وطيبون، الشام هي دمشق يا عزيزي!نعم، فقراء وطيبون، وخشيت أن يضيف ساذجين!

ومع ذلك، لم تمنعني ثقته المفرطة بنفسه من القول: لكن يا أبا مهند، دمشق أو سوريا دولة بوليسية بعثية ولا اعتقد أنَّ عملية الدخول لها بجواز مزيّف وغير عراقي بالسهولة التي تتحدّث عنها، شخصياً أفضل النزول في موريتانيا أو جيبوتي!

يبدو أنَّ كلامي حرّك مياه بركته النرجسية، فإجاب بشكل قاطع: لا تخف أبداً، استطيع دخول الشام والخروج منها بورقة الكهرباء!

عدنا بعد أسبوع لاستلام جوازاتنا اليمنية، أنا باسم (فؤاد) وبهاء باسم (بشير)

قلتُ: معوّد ابو مهند، صارلي سنتين باليمن ما عرفت واحد اسمه فؤاد أو بشير، سمينا صالح أو ناجي على الأقل؟ فكرّر عبارته الخالدة... اطمئن دكتور، الشام تدخلها بورقة الكهرباء!

في تلك الظروف واللحظات المعتوهة، لا تستطيع الا أن تحاول تصديق هذا الكذب الأخرق، ولا تملك الا أن تتمسك بأهدافك...وفوت بيها وعالزلم خليها.

 

 

............

الحلقة (7) من رواية بين شتائين

 

 

ibrahim ameenmouminيتسم حمزة بحسن الخلق وذكاء حاد وبُعد النظر مع قوة الجسد ورباطة الجأش علاوة على ذاكرة ثاقبة وتحليل للأحداث منقطع النظير فهو أشبه بالإنسان الآلى المبرمج الذى لا يُخطئ أبداً .

حمزة يستعد للعملية الجديدة بعد نجاح عمليتيه السابقتين والتى استطاع من خلالهما إحراز أكثرمن مليون دولار أمريكى.

فخرج من منزله  قاصداً مراقبة المعلم جرموزا الذراع الأيمن للمعلم أبو عسلة أكبر تاجر مخدرات فى منطقة الشرق الأوسط كله.

جلس حمزة ليلاًعلى أحد المقاهى الفاخرة القريبة من فيلا جرموزا يفكر كيف يصل إليه ويصاحبه ليُنفذ خطته.

وفى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل عاد جرموزا من ملهاه وكان يترنّح ويتمايل يميناً وشمالًا، هجم عليه رجلٌ تبدو عليه علامات الإدمان الشديد والرعشة فى جسده بسبب عدم وجود جرعة الهيروين، هجم  عليه   من الخلف ليقتله فيشفى غليله انتقاما منه، لكن حمزة كان أسبق إليه من وصول السكّين لظهرجرموزا فأخذها من يده ثم أوما للرجل أن يهرب .

وقال جرموزا الحمد لله ثم أداروجهه إلى حمزة وقال له "أنت راجل مجْدع"

فأحبه وأخذه إلى بيته.

وما تمر الأيام إلا ويزداد جرموزا حباً بحمزة ويتودد إليه، وهذا ما أراده حمزة.

عكف حمزة فى دراسة تطبيقى التجسس والاختراق ss7 protocol ،  zealspy لكى يستطيع مراقبة هاتف جرموزا.

علم حمزة من خلال تجسسه على هاتفه  كل صفاته وعاداته ولاسيما حجم معاملاته فى تجارة المخدرات بل عرف حجم السموم التى دخلت البلدان العربية ولاسيما منطقة الشرق الأوسط .

ومن خلال أحد الإتصالات الواردة من ابو عسلة  عرف ان معلمه ابو عسلة سيعقد صفقة مع الأمريكى ستيفن تقدر بخمسة ملايين دولار بعد حوالى ثلاثة شهور.

فبدأيفكر ويضع الملابسات الأولى لقتل جرموزا وتسلُّم مال الصفقة من معلمه أبو عسلة بدلًا منه.

ذهب أولا إلى صديقه خبير التجميل الدكتور فادى ليخبره بالتأهب للعملية القادمة وهى زرع وجه جرموزا على وحهه.

وكان حمزة يقوم بعمل حميّة غذائيةإستباقية ليصل إلى وزن جرموزا  حتى إنّ جرموزا سأله لِمَ تفعل ذلك فقال له لأكون مثلك يا صديقى، فكذَبَهُ حمزة وهو صدوق .

ومن خطواته الإستباقية أيضًا دراسة عاداته وانفعالاته وتقليد حركاته ولهجته ومشْيته وتغيير نبرة صوته بترقيق أحباله الصوتية عند خبيرأصوات  فقد كان جرموزا رقيق الصوت أيضاً، وقد كان جرموزا يظن أنّ حمزة يحبه جداً بسبب ذلك فأزداد قُربا منه أكثر وأكثر .

ووضع حمزة اللمسة الأخيرة لقتل جراموزا .

وحانتْ لحظة الصفر وكانتْ فى بيته فاجتثّ رأسة وفصلها عن جسده ووضعها فى شوال ثم وضعه فى شنطة السيارة قاصداً صديقه الدكتور فادى خبير التجميل.

قام هادى بخلع وجه حمزة وزرع له وجه جرموزا ووضع وجه حمزة بعد تبريده الى  130درجة مئوية تحت الصفرفى سائل نيتروجينى درجة حراراته 196 مئوية تحت الصفر  بعد حقنه بحقنة الهيبارين،  وذلك لاستعادته مرة أُخرى.

أتصل أبو عسلة بجرموزا "المقتول "فرد عليه حمزة كأنه جرموزا وأخبره بأن يأتى إلى الفيلا .

فذهب إليه حمزة متقنًا دور جرموزا ببراعة وخاطبه بترتيبات الصفقة وأعطاه أبو عسلة خمسة ملايين دولار لإعطائهما ستيفن وإحضار الهيروين.

أخذها حمزة وعاد وكان معه رجال أبو عسلة فاستأذنهم لدخول دورة المياه، وتظهر هنا عبقرية حمزة إذْ أنه بنى أربع دور مياه بالقرب من فيلا أبو عسلة فى الإتجاهات الأربعة لتكون له ملاذاً ومهرباً لأنه صممها كلها بوجود باب خلفى.

هرب بالمال، وهكذا اختفى أيضا جرموزا المزيف  بلا عودة.

هرب به قاصداً صديقه الحميم وشريكه أيضاً فى المشروع ليستردّ وجهه ، ذاك الوجه النبيل.

ذهب حمزة بالمال بعد ذلك إلى سبيله المعهود بعد كل عملية ناجحه قاصداً، المرضى فى المشاف ٍولاسيما المدمنين منهم لدفع نفقات علاجهم وإقامتهم، والوقوف بجانب الشرفاء المزجون بهم فى السجن ظلمًا، وكذلك دفع رشاوى كبيرة جداً لبعض اللواءات فى الداخلية للقبض على المتاجرين فى الأغذية الفاسدة وكذلك المتاجرون فى الأعضاء البشرية،  وإيواءاللاجئين من سوريا وسائر بلاد العرب التى طالتها الحرب بسبب ثورات الربيع العربي الغير محسوبة.

ومرت السنون وما زال حمزة يقطن بيته الآيل للسقوط وما زال يُنفق من ال ستة مليون دولار التى لديه حتى جاء اليوم الأسود اذ قبضتْ عليه أمن الدولة من بيته، وكان معد له ملف من قبل من أحد اللواءات المرتشين الذي طلب منه مالًا مبالغاً فيه فلمْ يعطْه حمزة  ، قبضوا عليه بتهمة محاولة قلب نظام الحكم وتلقىْ أموالاً من جهات أجنبية لنشر الإرهاب، وذكر فى الملف انه كان يتواصل مع خلاياه الإرهابية من خلال المستشفيات والمساجد بل وقيل فى التقرير انه بنى لهم أماكن إيواء.

قُبض عليه وأُودع فى السجن حتى حانتْ لحظة المحاكمة ...........

" المحاكمة"

" المحاكمة"

قال القاضى : حمزة يا حمزة أنت متهم بتلقىْ أموالاً أجنبية لنشر الإرهاب وقلْب نظام الحكم ، فما قولك ؟

وأين هيئة الدفاع الخاصة بك

بعد صمت طويل وقف حمزة فى شموخ وقال:

أيها القاضى أعترف بأنى أُريد قلب نظام الحكم  أما الارهاب فأنتم الذين صنعتموه.

فقال له القاضى حاذرْ فى كلامك يا حمزة فالجلسة يتابعها الملايين فى وطننا العربي عبر شاشات

التلفاز بل وخارج الوطن العربي.

وهل يا سيادة القاضى لم تصلهم رائحتنا العفنة حتى أصبحنا موضع سخرية العالم،

وهل وصلك رئيسهم الذى جاء ليبتزَّ أموالنا ، هل وصلتك فتنتهم التى يلقونها بيننا ليفرّقونا

وهل وصلك أنت وأنا وهو وهى  نفاياتهم الذرية ، لحومنا أصبحتْ أرخص لحوم العالم.

فتلعثم القاضى ولجلج فى  حرف الالف وقال له حمزة أأأُدخل فى الموضوع على طول

قال حمزة : نعم أيها القاضى أنا مجرم ، مجرم لأنى أردتُ قلب نظام الحكم ، أردتُ إصلاح ما

أفسدتم ومعاقبة ما أصلحتم .

شردتم شعوبكم وأنا آويتُ

عريتموهم وأنا كسيتُ

جوعتموهم وأنا اطعمتُ

حبستموهم وأنا حررتُ

أردتُ قلب نظام الحكم فى التخلص من تجّارالأعضاء والجنس الأسود،  أردتُ قلب نظام الحكم فى التخلص من تجار المخدرات وأصحاب الجنس الأسود  .

أيها القاضى لقد قلّدتم المنافقين والفسدة الأوسمةَ وأصبغتم النعوت الحسنة على أصحاب الطغيان والسلطان.

وتكلم التافه وأُخرس المصلح .

قلتُ لكَ يا حمزة أُدخل فى موضوعك بس .. قال القاضى

قال حمزة : هذا هو الموضوع ولا تنسْ بعد أن تعدمنى أنْ تذهب إلى بيتى فهو آيل للسقوط فرممه، فالجهات الأجنبية لم يعد عندها مالاً لترممه

الحكم بعد المداولة ..قال القاضى

***

وانى اتسائل واسال القارئ الم يحن بعد، خروج حمزة ام سيظل حبيسا؟

 

..قصة قصيرة

إبراهيم أمين مؤمن

 

كل ما أردتُ قوله، لم أقله

اِكتفيتُ بفكرةٍ مشوّشة

majed matrod

لا أريد أن أكون حذاءً بقدم رجل اشقر

ماجد مطرود

 

منذ البارحة،

وأنا اسير في الغابات

كلما استبردتْ روحي،

قطعتُ أحدَ أصابعي

علقته على شجرة يابسة،

وأحرقته

 

لماذا لا استغلّ لوعتي

وأضعُ حدّاً لحياتي؟

 

مثلا ..

ادفع رأسي الى الأمام،

لأمزّقَ عضلات الرقبة

اسمح للحبل الشوكي

أن ينقطع

وللكعب العالي

أن يسقط

 

افتح ذراعيَ

بأقسى حدود الممكن

كي امنح فرصة للذئاب،

أن تقول شيئا

 

اتركُ فرصة للقلب

أن ينجرح،

فأموت، ولا اسأل

أيّهما افضل

أن أكونَ تحت الأرض في قبرٍ

أم أكونَ فوق الأرض في مزبلة؟

 

لم أكن في طفولتي مدلّلا

لذلك اِطمأنّتِ الروح بما يكفي

 

لم أكن طمّاحا للثراء

لذلك تجردتُ مثل شجرة

وانسكبتُ مثل ماء

 

كل ما أردتُ قوله، لم أقله

اِكتفيتُ بفكرةٍ مشوّشة

 

أمّا أن أكونَ ماركةً معلّقةً

فوق ناطحاتِ السحاب

أو

أن أكونَ حذاءً

بقدمِ رجلٍ أشقر

***

 

ماجد مطرود

بلجيكا

 

الى كل من يسعى

الى نصرة الباطل

adnan albaldawi

المال لا يمحو عارا / عدنان البلداوي

 

إن النفوس اذا ما مسـّها خَسـَـفٌ

واستسلمت، نهجتْ في مثل ما خَسفا

 

والنقصُ يبقى بجرح القلب ينكؤه

والمال لايمحو عارا عِرقه نَـزفا

 

يامــن يـلوذ بـأذيـالٍ مُـنَجّسـةٍ

في نهش سيرةِ مَن بالطهر قد وُصِفا

 

مهلا فللحُرّ صولاتٌ يجول بها

في حومة الحق حتى يبلغ الهدفا

 

فلايـظنّـن مَن في فِـيه  ناقصةٌ

ان المُصَوَّبَ في ليلاه عنه غَـفا

 

مَن يبدأ الرّميَ لالوم على هَدفٍ

ان يفقأ العينَ او يجدع له الأنـُفا

 

جُرح السّنان له مَشفىً يُطبـبه

لكن جُرحَ اللسان، الطبّ عنه جفا

 

استيقظي ياقوافي واسكبي حِمما

واستصحبي السيف كي تحمي به الشرفا

 

شعر: عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

يُغالبني الحنينُ...ويغلبني

فترفلُ حواءُ في عباءةِ الشّوقِ

alamira sadallah

تراتيل الحنين / العامرية سعدالله

 

يناديني الحنينُ

يطرقُ نبضي ..كنواقيسَ الكنائس...

كمطرقةٍ على سندانِ حدادٍ يُغالبُ أوجاعَ ٓالزّمانْ...

كأصوات المدافعِ على عراق ٍليلةَ قُصِفَ السلامْ ...

يُغالبني الحنينُ...ويغلبني

فترفلُ حواءُ في عباءةِ الشّوقِ

تُحدّثُ الليلَ الكئيبْ..

عن آدم..

عن تفاحةٍ فتحتْ مجاهلٓ في الطريقْ

وانحنيتُ.. أقبّلُ ذكرياتي

وأحزمُ ما تلاشَى من متاعها

وحدُها المرايا لا تخونْ...

وحدُها الفصول تأتي متعاقباتٍ متتالياتْ

وحدُها الشمسُ لا تضلُ طريقها

وأنا ما تخليتُ عن ذكرى أرتَميسَ

أنا ما تخليتُ عن ذكرياتِ إيزيسَ الرحيمه

أنا عشتارُ...

وذا حنيني يدفعني إليك

فكُنْ سنابلي الخضراءَ في قحطِ الفصولْ

كُـنْ هديرٓ الموجِ في صمتِ القبورْ

يا مُزُنا تدفّقتْ في وريدي

وتدافعتْ في  همسِ القصيدِ

كُوني غيمةَ حلمٍ تسْري إليه

تعطّرُ بضيائِها ليلاً كئيباٌ....

 

العامرية سعدالله

 

 

ويزهر زندي موجاً أخضراً

يمتد إلى ضفاف صبحها العاري

hassan alaasi

أشرقت يقظتي بياضاً / حسن العاصي

 

1

كنت أشرّع لها ربيعي

كي يمطر مدارها

ماء الهوى

ويزهر زندي موجاً أخضراً

يمتد إلى ضفاف صبحها العاري

حين أدارت مرايا الهجر

ضفائرها

أشرقت يقظتي بياضاً

في قصيدة متأخرة

والليل يسعل

رسمت على جسد الإنتظار

مواعيد لا تأتي

وأودعت في صندوق الغياب

أشياؤها المبعثرة

2

أحتسي تفاصيل اشتعالها

من كؤوس الشوق

هنا

في الشمال البارد

تتثاءب أجنحة الهيام

المسافة إلى بخور رحلتها

اشتعال لحن

والوصول هدير شاطئ

وقيد جمرة

3

من أغوى شهرزاد

في سفر الحكاية

تقشّر الحلم الأخير

شهريار على كف الضوء

يعاشر لذة الصبر

مسرور على بعد عنق

من اللوحة المشطورة

يقبض على الوقت

ونحن ننتظر قرباناً

أن يراق الدم المنذور

أو يعتصم الفجر القادم

بمحراب الموت

4

متدثراً أغفو بالرعشة الممتدة

بين جناح الخدّ والخصر النحيل

تطلق حقول جسدها المبلّل

عصافير الغرام

فتحلق زنابق الضوء بوجدي

ويغشاني الدوار

يبتدع الليل توابل الهوى

والعتمة تأوي مجون العشاق

أكابد شوقي متضرعاً

ولجت روض كنت أشتهي

فأشعلت أنفاسي مباهج الحسن

انسدلت بزهوٍ على كتفي

كطيور الماء

فهدر موجي لحظة الإبحار

الصدر المتموّج ينشطر نصفين

بدر قمحي وثغر شبق

بلا تعليل

ينتصب الزهر بوعد القوارير

هل من فرار؟

أستمحيها دلالاً

وموتاً جميلاً

فالعاشق في روض الصبابة

يحتار

على كؤوس النار

يمتطي ممالك العسل المبارك

أو جهة الأنفاس الرطبة

يميل

 

حسن العاصي

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

mohamad aldahabiكانت أصابعنا تتشابك عند بداية الرصيف

المارة جميعهم أصدقاء الشارع

هي لا تتحرج

ربما سحبتني إلى عرض الشارع تتحدى المركبات

ليتها تراني حين أسير على الرصيف خائفا أترقب

هنالك عربة وحصان

بالاتجاه المعاكس (ستوتة) تحمل جوقا من المراهقين

يهزجون بلوازم بذيئة

وهناك امرأة تصعد في (التكتك) يميل بها وهي تتذكر آخر

مرة ركبت فيها حماراً

كنت أراها في البساتين القريبة

عندما كانت مراهقة

كانت تثير الحمار بحركاتها على ظهره

هي أيضا وقفت على الرصيف تنتظر مركبة تأتي مسرعة عكس السير

الضجة التي يثيرها صاحب المطعم

تجلب الزبائن

(شيش الكص) المتعرض لدخان المركبات كان أكثر نضجاً

ولونه أصبح يميل إلى السواد

جميعهم يأكلون

هناك الكثير من (الخضراوات) المرمية على قارعة الطريق

منتصف الشارع صار مكباً للنفايات

في آخر جولة لي على الأرصفة

كانت أغلفة الكتب في شارع السعدون والرشيد تستهويني

الآن لا تجذبني اللحوم الموضوعة

حتى الذباب صار لا يميز بين رائحة الدخان ورائحة الشواء

في مرة من المرات أكملت قراءة مجموعة السياب (شناشيل ابنة الجلبي)

وأنا أقف بقرب بائع الكتب على الرصيف

فاعترضني وهو يقول: هذه ليست مكتبة عامة

نحن على باب الله

واتفقنا أن أعطيه نصف ثمن الكتاب

لا ادري لماذا أعجبني السياب على الرصيف

ولم يعجبني في المكتبة العامة

تصورته فقيراً معدماً في كل الأحوال

وليس منتشياً جالساً على الرفوف تحيط به المجلدات الأنيقة

الرصيف كان يليق بالسياب والبياتي وحسين مردان

ربما مجاميع الجواهري كانت أكثر أناقة

لكن ديوان الحصيري أشرعة الجحيم كان أيضاً من رواد الرصيف

يا لذاكرة الرصيف كم تختزن من الكتاب والشعراء

اغلب كتبي في البيت اقتنيتها من الرصيف

اكره أن ادخل إلى المكتبة وارى سعر الكتاب مكتوباً بالدولار أو الليرة على حافته الأنيقة

ويضطر البائع أن يجلب حاسبته ليحوله إلى الدينار العراقي

أحب الكتاب الذي أرخ له كاتبه بإهداء بسيط إلى صديق له

ولم يتحرج الصديق في ساعة عوزٍ أن يعرضه على الرصيف

اشتريه مع إمضاء الكاتب وخيانة الصديق

ما أتعس أن تجتمع الخيانة بالوفاء

حينها فقط اعرف أنني لن أتنازل واضع قدمي في وسط الشارع

لان الرصيف حياً يرزق

وأنا لم أتعلم قيادة السيارات

بعد أن انتحرت الأرصفة

لم تعد هناك من نزهة خارج البيت

 

محمد الذهبي

 

 

أعلم جيداً أن قطرة من ماء الضباب

لا تروي زهرة نمت على جدار الذاكرة

haidar alhashimi

ليلة من أيلول / حيدر الهاشمي

 

لا أدري ماذا يدور في ذهنكِ الان!؟

وأنتِ تغلقين الأبواب والشبابيك !

مرة أخرى ترتكبين حماقات جديدة

والمسافات تطول بيننا ..!!

أعلم جيداً أنني كنت جزءاً من مرض خطير

المرض الذي تحدث عنه ماركيز في روايته

(الحب في زمن الكوليرا)

ثمة شيءٍ ما يلاحقني، ربما هو الجنون أو شيءٍ أخر لا أعرفه!؟

أعلم جيداً أن قطرة من ماء الضباب

لا تروي زهرة نمت على جدار الذاكرة

يحاصرني واقع مرير

يمر حلمك سريعاً، كنسمة من ليالي أيلول الباردة

ثم يختفي، وتبقى يدي

ممدودة في السراب ...!!

 

حيدر الهاشمي

 

 

ameen sabahkobaمشى محملاً بالهموم، على ضوء النجوم. قال وقد سبّح وحمد، وبكى وتهجد، وصلى على المختار أحمد (ص):

يا صاحب المجد بلا ولد، يافرداً ياصمد، ويامن له الثناء بلا عدد، قد ذقت ذرعا بهذا البلد. لافرح فيه ولا طرب، ولم أجد منذ أن دخلته غير البؤس والكرب .

 أجبته بعد أن ناح وعدّد، وتحزّن وتمدد:

برئت من الأسقام يا ضيف السعد، ويا قادم الرفد وأنشدت:

بالأمس كان العيد عيد الزهور

الزاد تحثوه الربى والخمور

و الرقص والأغنيات

و الحب والكركرات

ثم انتهى إلا بقايا طيور

تلتقط الحبّ وإلاّ دماء

مما نماه الحقل طير وشاء

قال خبّرني بما جرى. قلت أفاضلنا تحت الثرى، وعدونا قد بغى وطغى، وأكثر فينا الكذب واللغى.

و لا تسأل عن الشهداء، ولا عن فيض الدماء. ولا عن أصحاب القيل والقال، ودعاة الإقتتال. ولا عن الكذب والرياء، والميل الى الغرباء، واهمال الإنتماء،ولا عن النازحين والفقراء وعوائل الشهداء .

 والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين

ساواه والحيوان ثم رماه أسفل سافلين

قال قد مشيت في هذه الديار، فلم أجد غير الدمار. ولم أجد غير بعض العابرين، يبكون على قبور الراحلين .

قال هذا وهو يبكي وأنا أراقب دموعه وهي تغمر تعاريج وجهه التي رسمتها السنوات. قال وهو يمسح دموعه: دعك من القتلى والدماء وخبرني بما جرى للبقية . أين مجالس السرور؟ وأين الأهل ؟

قلت:

 ساد البغض والعداء. فقُطعت الأرحام، وزال الحب والوئام، واصبحت معايداتنا ترديد كلام .

قال أطلب ما شئت.

ولمما قاربتُ على الكلام قاطعه جمع من الناس وقالوا:

 دعك من العاشق المفتون .الموهوم بالحب، المصاب بالسغب، الداعي إلى الإئتلاف، والمشغول بحب إيلاف.

فقاطعتهم وأجبته :إيلاف.

و بثثت شكواي إليهم .ثم أنشدت وقد صوبت بصري نحوهم:

وإن بي وجعاً شبهتُه بصدىً

إن رنَّ ران، وعشبٍ حينَ نمَّ نما

كأنني علَمٌ لا ريحَ تنشره

أو ريح أخبار نصرٍ لم تجد عَلما

يا من حسدتم صبياً بالهوى فرحاً

رفقاً به، فهو مقتولٌ وما علما .

٢

أخذ بيدي ومشى،وروى أحاديثه حتى أنتشى،قال من التي صورتها أحلى من الرشا؟ .قلت :بلسم جروحي، وسلطانةُ روحي. بها أتعزى، اذا ما أُصبت ببلوى، وهي السلوى،اذا ما الحزن طغى. قال وقد أنشد وتغنى:

طلبك مجاب أيها الفتى، ستحضر

اذا أنشدت بطربٍ وشجى.

عندها وقفت وارتجفت وانشدت :

أيّ شيء في العيد أهدي إليك

يا ملاكي، وكلّ شيء لديك؟

أسوارا؟ أم دملجا من نضار؟

لا أحبّ القيود في معصميك

أم خمورا ؟ وليس في الأرض خمر

كالّتي تسكبين من لحظيك

ليس عندي شيء أعزّ من الروح

وروحي مرهونة في يديك

قالت :بكلماتك أُسرت، وبها وتعلقت. هب لي هذه المقامات يا صاحب الجود والمكرمات.

ثم أضافت ومن أصلح سريرته،أصلح علانيته .وإنما الطيب من فاض جوده، فأشتد بالذكر الطيب عوده.

 قلت :ما أنا إلا حبيب مهجور، وشاعر مطمور، لا يرجو شهرة أو جمهور.قد عاد عليه الدهر. فأصاب من الحياة علقمها وبؤسها، ولم يذق يوما حلوها وسعادتها. اغطوطشت أيامي ببعدك، وأغطش ليلي بهجرك وصدك. ثم أضفت :

والطيب من ليده أسخى، ولجوده أخفى، وبخمار الأخلاق تغشى .والعاقل من أتعظ وأهتدى .والجاهل من كذب وهوى. ومن لم يتبع قلبه لن يدرك المسعى، وسيعيش عمره متحسرا على ما مضى.

 قالت:

أنا أهواك نشيدا

أزليا

يتغنى

فيه ذوبت شبابي الرائع الألحان لحنا

ولنفن بعده

فالحب عمر ليس يفنى

قلت:

أحبيني معذبتي

 وذوبي في الهوى مثلي كما شئتي

أحبيني بعيدا عن بلاد القهر والكبت

بعيدا عن مدينتنا التي شبعت من الموت

بعيدا عن تعصبها

بعيدا عن تخشبها

أحبيني .. بعيدا عن مدينتنا

التي من يوم أن كانت

إليها الحب لا يأتي

ولما أقتربتُ منها، صفّق العجوز وظهر رجل وإمرأة .وامسكت المرأة بيد إيلاف وسارت بها حتى أختفت. بينما كان الرجل يربت على كتفي مواسيا.

عندها بحثت عن العجوز فلم أجده. وسألت عنه وعن أسمه، فأخبرني الرجل أن العجوز قد تبرع بثيابه لرجل نازح وخجل من أن يراني وهو عاري.

وقد ترك ورقة كتب فيها:

(وإن ليس للإنسان إلا ما سعى،وإن سعيه سوف يرى،

ثم يجزاه الجزاء الأوفى)

 ولما تحايلت على الرجل بالكلام وأستحلفته قال وقد قلّب طرفه في السماء:

إنه العيد!.

 

امين صباح كبة

 

 

solayman omayratأخيرا، وصل فوج المجاهدين إلى دوار بوهمدان، القرية خالية على عروشها، منازلها منتشرة على الربوة في صورة مبعثرة هنا وهناك، لا ترى غير بعض النظرات من خلف الباب، يلوص منها النساء في استحياء وخوف من الجنود غير مسلحين ولا معروفين في المنطقة كلها، شكلهم مريب وزيهم غريب، حمر طوال، القائد أرزقي يحمل مسدسا لا يكاد يحمي به نفسه، والفوج مكون من قائد وستة عشرة جنديا هم من بلاد القبائل، جاؤوا عابرين إلى الحدودية التونسية بنية جلب السلاح الجديد إلى ولايتهم من أجل الحرب ضد الاستعمار وحماية منطقتهم من بطشه بالشعب ومحاصرة المجاهدين في الغابات وعلى قمم الجبال العاتية.

هنا انتهى عملي كمرشد للفوج، بعد أن رافقته طويلا وسايرته من القل إلى هذا المكان، عبر هذا الطريق الخطير الذي ألفته من كثرة ما عبرت منه مع سلاسل العبور، فنحن لا نمل الحرب، مثل الأطفال الذين لا يملون ألعابهم، يتمسكون بها رغم تشوه بعض أجزائها، ونتمسك نحن بقضيتنا رغم فراق بعض الأحبة وأشخاص أعزاء علينا، وكم أخذ هذا الطريق المحفوف بالمخاطر، فمن منا لم يستشهد له عضو من العائلة في هذه الثورة التي أخذت الشباب من على الجبال والشيوخ في دواويرهم بعد تعذيب وتنكيل يقوم عليه الجنود والحركى بأمر من القائد الفرنسي، سواء بالقتل والتعذيب أو الإبادة للعنصر الجزائري الحر.

يأمرني أزرقي بالعودة من حيث أتيت ويرى في التعب والارهاق، فلم أعد قادرا على السير طويلا ولا مجاراة الجنود الشبان، فقد تقدم بي العمر وزاد علي الأعمال العسيرة منذ الصغر، فالمعمر لم يرحمنا لا في وقت السلم ولا عند الحرب، والحقيقة أنه بطلبه كان يشكرني عن العمل الذي قمت به في نهج الطريق بسهولة وأنه عبر كل الطريق معي في أمن وطمأنينة على جنوده، وكم كنت سعيدا لأنني وفقت في مهمتي التي أرجو دائما أداءها على أحسن وجه، وأن كل الجنود معافين وسالمين.

الآن نحن بدوار بهمدان على مقربة من مدينة قالمة التي سيقطعها الفوج من ناحية جبل ماونة مع المرشد السعيد، لم يحضر المرشد بعد ولا أثر لمجموعة القائد سي خليفة التي تسيطر على هذه المنطقة الخطرة، لم أبغي ترك الفوج قبل حضور المرشد والتأكد من عبورهم جبل ماونة، لكن أرزقي ألح علي في العودة ونصحني بالحيطة والحذر في الطريق من جهة عزابة وجبل فلفلة من خلفه، وخاصة الألغام التي يزرعها جيش المستعمر في كل مكان ولا يعلم مؤشراتها إلا عساكره بالمنطقة.

ودعت أرزقي وأصحابه وقد آنستهم واعتدت على صحبتهم منذ الوهلة الأولى التي تعرفت عليهم، فقد رأيت فيهم الشجاعة والرجولة وحب الوطن، تركت الفوج فرحا سعيدا فقد وصل إلى منتصف الطريق، وهو يكتشف كل مكان يراه لأول مرة، وقلبي منقبض متوتر، خفت عليهم من مباغتة العدو، مكثوا في المكان قليلا لأخذ وجبة قليلة وقسط من الراحة قبل أن يتحركوا بحثا عن المرشد، وإذ بي ألتقي مع طفل وقد أبصر الجنود وعرف هويتهم عندما التقى بي، لكنه أضاع طريقه ولا يعرف أين يذهب ولا من ّأين أتى، فسألته عن اسمه ووجهته، فكان جوابه:

- أنا رشيد بن السعيد، تركت أبي عند الجبل، ولكني نسيت طريقي إلى دوار الركنية.

- لا تخف، أنا صديق والدك، والطريق إلى الركنية ليس بعيد عنا، سأوصلك إلى نصف المسافة، ولقد كنا ننتظر أباك للقدوم إلينا لكنه تأخر نوع ما.

- عمي، هل أولئك هم المجاهدون المتوجهين إلى تونس؟

- كيف عساك أن تعرف ذلك؟

- أبي هو المرشد الذي سيقودهم إلى ناحية سوق أهراس، وهو ينتظرهم على ذلك الجبل المقابل لنا.

في تلك اللحظة، سمعنا دويًا كبيرًا وحركة عربات عسكرية للعدو، قلت للطفل هيا بنا هذا فوج من العساكر الفرنسية وهم متجون نحونا، لا بد أن نغيّر مكاننا بسرعة قبل أن يتفطنوا لنا ويقتلوننا أو يعذبونا، وها هم قادمون ومعهم الكلاب المدربة علينا الفرار سريعا.

اقتربت العساكر منا شيئا فشيئا، وعرفت القائد جون بيار العنيد الذي يقتل بلا رحمة ويعذب بلا شفقة، الجميع يخافه هنا بسبب حنكته العسكرية ودهائه في الوصول إلى المعلومة حول المجاهدين المبحوث عنهم في الدوار، فقررت الاختباء وسط غابة الضرو من جهة الواد الذي يقل ماؤه في هذا الوقت من أواخر شهر ماي، لا أعلم بالضبط التاريخ الذي نحن فيه ولكن موسم الحصاد قد اقترب لهذا نحدد الأيام بما نراه من محصولنا ومن تحول وحركة الأشجار المثمرة والحشائش وغيرها مما تنبت الأرض ومن جوها.

اختبأت مع الصبي قريبا من الوادي، ولما رأى العسكر قادما نظر إلي وقال في خوف وهلع:

- عمي أنظر، العسكر قادم إلينا مباشرة وسوف يلقي علينا القبض عاجلا أم أجلا ويعذبنا أشد التعذيب.

- لنختبئ جيدا كيلا ترانا كلابهم المدربة وتكشفنا.

- عمي، خذ سكينك واذبحني، إني أخاف إن عذبوني قد أوشي بالمجاهدين خلف الجبل، أنا لا أريد ذلك يا عمي.

- ماذا تقول يا طفل؟ لن يفعلوا بك شيء، فأنت صغير ولا يجرؤوا للاقتراب منك.

- افعلها يا عمي أرجوك، اسرع قبل أن يصلوا، هيا هيا لا تخف.

- اسكت ولا تقل مثل ذلك أبدا.

- لماذا، أليس لي الحق في الشهادة مثل الجميع، دعني أحمي هذا البلد من الاستعمار، أريد مثل الكل الحرية لهذه الأرض التي يعيش عليها نعاجي وبقرتي، وتنبت عليها الخضروات والزرع التي منها نحيا، وهذا الماء العذب الذي نشربه هو من هذه الأرض الطيبة.

أمسكت بالسكين ثم تركته وأنا أرتجف من هول من قاله الطفل وما أثر به في نفسي. وهنا يغير العسكر طريقه بعد أن اقترب منا، وها هو حركي من أصول جزائرية يوشوش في أذن القائد الفرنسي وكأنه يوجهه إلى المجاهدين القبائل، يا للمصيبة ويا لخوفي عليهم، ما كان عدونا أقوى منا في يوم من الأيام، بل نحن أشداء على بعضنا، وقد ملئت الغيرة والحقد قلوب الحاسدين فأصبحوا وشاة، مبغضين مبغوضين، يكرههم الإنس والحيوان، بل حتى تراب هذا البلد الطيب لا يريد منهم العيش فوقه ولا دفنهم يوم موتهم فيه.

تركت الطفل في المكان تحت غابة الضرو وقلت له إن لم أعد بعد ساعة أو سمعت رصاص الرشاش اتجه شرقا ولا تخف فقد ابتعد العسكر ولن يأتوا من أجلك، اذهب إلى ناحية الواد كي تصل إلى قريتك.

ولما رفعت رأسي، ماذا أرى إنه موقف مرعب وصورة واقعية مذهلة وغريبة عجيبة، رأيت وقد قصد العسكر الدوار بعد أن وصلتهم وشاية على سرعة البرق، أن مجاهدين غرباء وصلوا القرية ولا أحد يعرف هويتهم ولا مقصدهم واتجاههم.

هذا الفوج الذي كنت أقوده أراه الآن في مأزق كبير، ومن شدة الهول والفزع لم يدري أين يتجه، هذا الفوج القبائلي الذي لا يتقن سوى الأمازيغية لم يستطع التواصل مع سكان الدوار ليدلوه على مخرج أو يبحثوا له عن المرشد، رأى أهل القرية جنودا حمرا طوالا، بملابس جديدة ونقية لم يروا مثلها عدا عند العساكر الفرنسية، ويتكلمون بلغة لم يفقهوها، فخاف السكان واختبئوا منهم، ولأن في كل قرية رجل خسيس واش باع بلده بثمن بخس، لما رآهم ذهب مباشرة على بغله إلى الركنية وبلغ رئيس المركز الفرنسي عنهم.

سمع القائد أرزقي دبيب العساكر تجر خيولها ودبابتها مع صوت سيارة عسكرية معدة للقائد من نوع جيب، فأمر جنوده البحث عن مخرج بسرعة والهروب من العساكر، لأنهم لا يحملون سلاحا وليس لهم الكفاءة العسكرية لقتال عساكر العدو مهما قل عددهم، صعدوا إلى أعلى الدوار راكضين مسرعين، فما وجدوا طريقا يخرجهم فولوا على أعقابهم وهبطوا إلى أسفل القرية ثم تحولوا إلى غربها فما وجدوا إلا طريقا مسدودا أمامهم، فلم يجدوا ما يفعلوا وعرف القائد أن أمرهم انتهى وأنهم هالكون لا محالة، وهنا بادرت إلى ذهنه فكرة غاية التضحية والوفاء لهذا الوطن.

رجع الفوج إلى وسط الدوار وكان توسطه مدرسة ابتدائية من قسمين بها ساحة مكشوفة للدوار، هنا وقفت من أعلى الجبل والدوار أسفل مني والساحة في أسفله تقريبا، وقف القائد وطلب من الجنود الوقوف في صف كالتلاميذ، ثم ناد على جنديين وأخرج علم الجزائر وسلمه إليهما مشيرا لهما أن ارفعا العلم على عمود المدرسة.

اقتربت عساكر العدو أكثر فأكثر وظننت أنهم سيرمونهم بالقنابل ومدفع الدبابة لكنهم لم يفعلوا واستمروا في التقدم لعلمهم أن الجنود لا يحملون سلاحا، توقف قائد العساكر الفرنسية على بعد مائة متر تقريبا وأمر من خلفه التوقف وهو يشاهد ماذا سيفعل الجنود، ليرى بأم عينه الأمر الهائل والرائع، وكاد أن يرجع أدراجه لولا المهمة المنوطة له بقتل كل مجاهد أو مسبل في جبهة التحرير.

وقف القائد أرزقي أمام العمود والجنود خلفه، وبدأ علم الجزائر يرتفع وهنا رفع يده لتحية العلم وينشد "قسما" والجنود خلفه يرددون النشيد معه، فقرر القائد الفرنسي الاقتراب أكثر حتى وصل أمام المجاهدين وهم ينشدون "قسما" ويكررونه، فأمر العساكر الوقوف في صف والاستعداد بالسلاح الموجه إلى المجاهدين لإعدامهم مع سماع الأمر.

وبلكمة واحدة قالها القائد الفرنسي "نفذ" تم إطلاق النار عليهم، لم يرد أرزقي السقوط على الأرض وبقي واقفا رغم وابل الرصاص الذي اخترق صدره، وتبعه جنوده المغاور يسندون بعضم البعض، وهنا رفع القائد الفرنسي مسدسه وصوبه نحو أرزقي ورمى عليه عدة طلقات فسقط وسقط معه جنوده من رصاص العساكر، فسقط الفرج القبائلي شهداء في سبيل الوطن، في أبهى صورة للتضحية بالنفس والنفيس، والشعب في هذا الدوار محتار مما يجري وحزين لأنهم لم يفهموا هذا الفوج المجاهد والشهيد، ولا وقت للندم والحسرة.

سقط كافة المجاهدين الأشاوس في معركة لم تكن معركتهم وفي ساحة لم تكن ساحتهم، ترى منهم من يرفع أصبعه إلى السماء بالشهادة، ومنهم من ينظر في وجه أخيه مبتسما، ولما جمعت العساكر سلاحها إلى جنبها خرج من خلفهم طفل يجري وينادي بصوت عالي:

- لا تموتوا يا رجال فأنتم الذين ستحررون بلدي، لا تموتوا قبل أن تحرروا دوار بوهمدان والركنية من المعمرين.

استدار إليه العساكر وقائدهم  واقفا مبهوتا، رافعا مسدسه إلى السماء مرعوبا مرهوبا. فرفع الطفل يديه فوق رأسه وصار ينادي تحيا الجزائر، تحيا الجزائر، وبطلقة واحدة المتبقية في مسدس القائد سقط مع الشهداء وصوته يدوي السماء ويعبر صدور الجبابرة أقوى من سلاحهم وقنابلهم فغرس في نفوسهم الخوف والفزع، وهو ينادي لا أريد العيش مع الجبناء والخونة ولا مع الطغاة الظالمين، وتعالت زغاريد النساء من خلف الأكواخ فارتدوا على أعقابهم هاربين من نهوض الشعب أو خروج مجاهدي المنطقة من خلف الجبال.

عدت مسرعا لتبليغ القادة في القبائل ونواحيها على طريقة استشهاد أرزقي وفوجه الذين ألفتهم وأحببتهم كإخوتي، حزنت كثيرا على الطفل البطل الشهيد، ومن يومها قررت ألا أترك أي فوج عبور وأصبحت عنصرا منهم لجلب السلاح من خلف الحدود، ولكن الأمر لم ينتهي هنا ففي كل مرة يسقط لي أخ عزيز شهيد، رأيت الموت يتبعني مع الطريق الطويل والمحفوف بالمخاطر أو عند عبور الأسلاك الشائكة والمكهربة على الحدود مع تونس.

 

سليمان عميرات

 

 

فهـذي رُبُوعُكِ تـشـكو الظما

ونهري قـريبٌ لِـمَنْ يـسـتزيـدْ

ata mansour

قصيدتان إليها / عطا يوسف منصور

 

إلـيـهـا

ظِـلالُ هـواكِ على الـنافـذه

تُـعَـطّـرُ شــوقي وبــيْ نـافـذَهْ

 

وتَحملُ روحي بـعطرِ الـسنينِ

لـذكـرى حـبـبيبٍ بـهـا لا ئــذَهْ

 

أحـاولُ جَـهـدي ألِـمُ الـبـعـادَ

وتـبـقى ظــروفـي لـهُ نـــابِـذَهْ

 

فـأينَ وأنّـى يـتِـمُّ اللـقـــاءُ

وفي مَـنْ تَـعوذُ بـهِ الـعـائـذَهْ

 

سـلامي سـيـبقى وذكري لها

أرشُّ بـعـطري من الـنـافـذَهْ

***

 

إلــيـهـا اُشــيـرُ

إلـيـهـا اُشـيـرُ بـهـذا الـقـصيـدْ

لأرسِـمَ شـكـلَ هــوايَ الــولـيـدْ

 

وفـوقَ ظِـلالِ هـوايَ الـقـديـمِ

عزفـتُ بلَحني وشـوقي العتـيـدْ

 

إلـيـهـا اُشــيـرُ أنــا هـاهُـنـا

تَـعالي نُـعـيـدُ الـقـديمَ جـديـدْ

 

فهـذي رُبُوعُكِ تـشـكو الظما

ونهري قـريبٌ لِـمَنْ يـسـتزيـدْ

 

أقولُ تـعالي نعـيشُ القليلَ

بعُـمرِالربـيعِ قـصـيرٍ سـعـيـدْ

 

تـعاليْ لِـنَـغـنَمَ  هـذا القليلَ

لأنَّ الـزمـانَ بـخـيـلٌ بـلـيـدْ

 

ونرمي بكُلِّ رُكامِ الـسنينِ

نُـغـني الحـياةَ بأحلى نـشـيـدْ

 

تـعالي وحَـقّـكِ لنْ تـنـدمي

وكوني بقـلبٍ جـريئٍ حـديـدْ

 

فعـيشُ الـحيـاةِ بـلا غـايةٍ

غُـثـاءً عـليكِ يعـودُ الحصيـدْ

 

الـيها اُشـيـرُ ويكفي اللبيبَ

بمغـزى الاشـارةِ ماذا يُـريـدْ

 

فـساعةُ وصلٍ على شـاطئي

كضربةِ حـظٍّ لأعـلى رصيـدْ

 

إلـيها اُشـيـرُ ويأتي الصدى

يُـرددُ صَوْبـي بـعـيـدٌ بـعـيـدْ

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن 

 

باللغتين ......

العربية والانكليزية

hashem mosawi

لا تفتحي نوافذ المطر / هاشم الموسوي

 

أما رأيت بأن العُشب ..

يحلم بالغيومْ

فبأي فألٍ ..

تزرع الكلماتُ ..

اشجاراً وأحزاناً ..

تخافُ من الغيومْ

وأي نجمٍ ساهرٍ

قد غابَ عن تلك العيون

الناعساتِ ..

الساهراتِ ..

على لظىً وسَط الهمومْ

في الصمت اسمع دمعكِ ..

هَادراً وسط الظلامْ

أحزنت أحزاني ..

وضجَّ تَوسلي

فصرت أخشى ان أنام

أخاف أنْ تقتلني ..

هواجس الظنون

أقفلت في الظلماء ..

حُزن نوافذي

وبقيتُ لا خوفاً علي

عيناك هُن نوافذي

وبها أطل على اللالئ والنجوم

ببحيرةٍ زرقاءْ ..

لا يؤنسها ..

غير هديلٍ للطيورْ

كعصافيرٍ من الجنةِ تأتي

كبذورٍ لقْحت في الارضِ ..

آلاف الحقولْ ..

كشموسٍ أيقظت في الصُبح ..

أحلامَ العذارى الحالمات

فتعالي ..

لا تخافي

أمطري كل أبتهالات الصورْ

إنه الشوق الذي يجلدنا

والى أقدارنا ..

يَدفعنا

نبئِينا ..

أن صُبحاً طالعاً من فألنا ..

يجمعنا

وأبشري ..

حتى ولو كَفَر المطرْ .

***

 

Haven't you seen

the herbs dreaming of the clouds?

What an omen that changes the words into trees and grieves afraid of clouds!

What a sleepless star that deserts those dozy eyes!

Wandering in the flames of my concerns,

I hear your thunderous tears in an overwhelming silence

They have propped up my sorrow and dinned my entreaty

I have turned out to be a sleep fearer

Afraid of being killed by my doubts

In darkness, I have closed the grief of my windows

No more fear as your eyes are my windows to overlook at pearls and stars in a blue lake

It has been so lonely

Nothing makes it happy but birds cooing

Like heaven's sparrows landing on thousands fields as planting seeds

Like suns that have woken up the dreams of many virgin dreamers

So, don't be afraid and come on to run all the pictures' begging

It's our longing who whip us to push us towards our destinies

Tell us that there will be a gathering morning comes out of our omen

Cheer up and disregard the rain disbelief

 

 

اِنتظرناهَا عامًا فَعامَا

لتُرفرفَ فَراشةً أو حَمامَهْ

souf obid

الغزالة / سُوف عبيد

 

منذُ صِبانَا عَشِقناهَا

اِنتظرناهَا عامًا فَعامَا

لتُرفرفَ فَراشةً أو حَمامَهْ

فَجاءتْ غزالهْ

قُلنا لا بأسٌ

راحتْ تَرتعُ في الأخْضرِ واليابسِ

وتَركُضُ

لا بأسٌ

سَتكبُرُ يومًا ونُروّضُهَا

بِسُرعةٍ لم نَدرِ كيف... وبينَ عشيّةٍ وضُحاهَا

عَظُمَ قَرناهَا

صارتْ ثورةً

ونَطحتْ

كلَّ مَنْ رَعاهَا...

 

الفضاء يطوف كما

اجنحة طائر مسّه الهلع،

akeel alabod

البصمة / عقيل العبود

 

روحي كما جسد بلا رأس،

وقلبي كفن بلا جنازة،

الملائكة، احياء أصواتها مخفية.

***

الفضاء يطوف كما اجنحة طائر مسّه الهلع،

الريح حطت عند أطراف نخلة،

جف ريقها،

لذلك خوفا، قرر جذعها ان يموت.

***

الكوخ أحشاء،

اشلاؤه تحتاج الى سرير،

الارض قررت استقبال امرأة، وليدها،

من شمسه، القمر احس بالامان.

***

المجرات، مملكة يسبح في ضوئها السكون.

الحركة، فيزياء تنمو عند سراب عالم مضطرب.

الكواكب معادلات رياضية.

***

الآخرون، نظراتهم صور،

تسبقها انطباعات مجهولة،

العالم قياساته،

مقادير،

من ليلها يندلع النهار.

***

 

عقيل العبود/ ساندياكو

 

almothaqafnewspaperلم يكن الأمر حلما، وليس تخيلا، ها أنا الآن امسك نفسي، أضغط بقوة على لفافة التبغ، وأمتصها حد الثمالة . أحيانا قليلة أتبخر في مسالك غريبة، أسافر إلى مدائن بعيدة … مجرد كتاب معطر بالبخور في زاوية متحف هندي، أو قارورة نبيذ أسكتلندية معتقة تحت شجرة وحيدة، وربما لهفة عاشقة لندنية في انتظار موعد مضى . في بعض “القلائل” أسامر غسان كنفاني، ويفتح صدره، يقول أشياء عن غادة، يعترف ويبكي، ويقسم علي أغلظ الإيمان أن أخرس ... يفرك أصابعه، ويتنهد، ويهمس لي : قتلتني الخيانة .

أعترف لكم أنا أنا، فارقني الحلم، واقعي، أصدق كل ما يقال، وما زلت أحبها، وأظنها تعشقني . لم أغادر ثيابي، وحاجاتي البيولوجية تشغلني طول الوقت، أذرع زماني، وأعلق أشيائي في الأمكنة، أفقدها أو لا أفقدها سيان، وأعرف أن أركب جملة، كأن أقول : لست أحلم . ما يزعجني أن كمية جنوني زادت، يقولها الجميع، أقسم بالله لم أشترها، الكميات في السوق متوافرة، يوم الجمعة امتلأت البسطات بكميات عجيبة، والجميع يشتري، أنا فقير، كنت أنظر بحسرة، وأتمنى كمية وافرة .

ما يزعجني مرة أخرى جاري أبو العبد، يناديني بالمجنون، ويذكرني بمراسم موت الحبيبة . كيف رفضت العريس الجديد، سيارته، وشقته . " أصرت عليك، كل شيء نصيب، ولكنها ماتت يا مجنون" . غادرت يوم أن رفضت سلطة زائفة، توقعت منك أن تكون رجلا، أن تتبعها، ولكنك ظللت تقشع ضباب العمر، تنادم عتبات الشوارع بلحيتك الكثة، وعمرك الضائع .

لست مجنونا، منذ شهر لم يلامس جسدي ماء، نسيت إن كان يحمل رأسي شعرا ... ما أجمل ان تعانق " حافيتان" لزوجة الاسفلت، ودينار الإحسان، تنظر إليه وتغيب في ذهب مكدس بالقصور !

لست مثلكم ، لم أتعر يوما واحدا، ولم أنهزم أمام نفسي ... أعرفها وتعرفني وكلانا يعشق الصراحة والغناء والجنون . صدقوني لست مجنونا، وعندي من الأدلة ما يكفي ... دخلت الصف، يحملق في ثلاثون مشروع عاقل، هزمهم جميعا إيقاع حذائي، رنة تلوها رنة، تتعالى الرنات، ثم تنتظم في رأسي لحنا يشبه شهوة قديمة ، جارفة وغامضة، يتكاثف اللحن، يتلون بجمال قوس قزح، وينزلق نحو الأرداف، موجة مقدسة من حركة خفيفة، تشتد الحركة ... تتكسر زويا الغرفة، دائرية تغدو، تتوقف عقارب الساعة، ويغرق الجميع في نوبة رقص . المعبود يبتسم، والقرابين تئن ...

لم يعد المكان ، غاب الراقصون، سعير اللهاث يطاول عنان السماء، الشهقات تعتلي الغيوم ... والصخب المجنون يرتحل الى الساحة الخارجية ، يتقاطر أنس المدينة، عرائس البحر، جنيات الصحراء، الجميع يتوحد ... غابت الكؤوس والأنخاب .

جاري غبي، عاقل من عواقل الحضارة، هجين مستحدث، بصراحة نسخة لئيمة من عولمة عاهرة، ونموذج ذكوري جديد تحاول أمريكا خلقه وتجريبه . يملأ رأسي بحكايا غريبة عن موت الحبيبة .... سقطت على الأرض، بلا حراك وماتت . نسي قصة انتحارها . كم هو غبي، قصة اغتصايها ذات صبيحة أيلولية ... كانت تجري عارية، وخيط الدم يلف رقاب الجميع، هل أعيد عليه المشهد كاملا، سأعيده ... أعدكم، كي يتذكر ويحتفظ بشيء من نبله، ورقيه، وإنسانيته . أبو العبد نسخة رديئة ، يكاد يفقدني عقلي، كي أصير لست أنا، ويصير هو العاقل الوحيد ....!!!

 

عبد الله الصانع

 

 

almothaqafnewspaperنام مرهقا، تخيل الجنين المتكون في احشاء زوجته، فكر بعملية الاغتيال التي تتم في  وضح النهار، وبالحشود العسكرية المتكالبة، وتذكر صورة الكلب الرئاسي الأسود الذي تساوي قيمته قيمة الف انسان، ثم انتقل بتفكيره للوظيفة الروتينية ولنكد الحياة اليومي ... فكر بايقاع الزمن، وبالصوت الميكانيكي لدقات الساعة، وكأنها جرس انذار بخطر الشيخوخة والموت القادم لا محالة ... فكر بسيارته القديمة، وسرح بخياله فتخيل نفسه مستثمرا كبيرا في أسواق المال العالمية ... حتى عندئذ لن يكون سعيدا ن لأنه سيقضي ليله أرقا يفكر في  العقارات والرصدة والاستثمارات، وماذا لو انهارت البورصات العالمية وفقد عندئذ ثرواته الخيالية؟!

قرر أخيرا ان ينام مطمئنا ويلوذ بايمانه، فقد تصالح أخيرا مع الله، تذكر انه حقق اعظم انتصار له في  الحياة منذ حوالي عشرين عاما، عندما تفاوض  مع الموت، وقد نجح باقناعه في ان يتركه بحال سبيله  ولو مؤقتا على الأقل، فقد استدرك مرعوبا انه كان يجب ان يكون ميتا وعظاما رميمة، فقد تجاوزته حينئذ شاحنة هائلة كادت ان تسحق  سيارته المازدا الرياضية على أطراف  الربع الخالي، فقد أخطا التقدير عند الغروب وضلله بصره المرهق، فتخيل الأضواء الباهتة للشاحنة القادمة باتجاهه  وكأنها تسير على نفس  المسرب امامه، فتخطى بثقة الشاحنة التي تسبقه، وفوجىء متاخرا عندئذ  بقدوم "شاحنة الموت"، فتفاداها برباطة جأش  نادرة لا يعرف من اين أتته ! وداس بعنف على المكابح منحرفا باتجاه كتف الطريق الترابي، متفاديا بانشات اصداما مروعا مرعبا، وقد نتج عن انحرافه المفاجىء السريع  ودوسه العنيف على المكابح اهتراء كبير  في  الاطارات وفقدان لافت لاتزان السيارة ... فأكمل الرحلة لمكان عمله في  بلدة صحراوية منسية  بالطرف الشرقي، وكان جسمه  كله مع يديه يرتجف مع ارتجاج مقود السيارة ! اذن فقد نجا من موت محقق، فلابد ان يكون هناك مغزى من ذلك، فهل يحمل يا ترى رسالة انقاذ؟!

دخل المطبخ لتجهز الشاي، فشاهد على "شبك" النافذة المعدني المغبر سحلية رمادية ضخمة تلتهم فراشة كبيرة ملونة، ثم شعر  بوجود صرصار أشقر كبير بدا وكانه يراقب بحذر مشهد الافتراس، فأصابه اشمئزاز، وعندما غلي  الماء، اقترب   خلسة من الصرصار، وسكب الماء الساخن فوقه بهدؤ، فسمع حشرجة الم قاتل ... ثم جلس يرتشف الشاي، ويداه ما زالتا ترتجفان بايقاع بطيء، وفكر بفلسفة وتحذلق :

ما نفع السحلية والفراشة والصرصار؟ ولماذا خلقها الله؟!

وهل سيأتي  يوم تنتقم فيه الفراشة من السحلية  والصرصار من الانسان؟!

ومتى سيتم تبادل الأدوار  بين الضحية والجلاد ؟ ثم فكر بواقعية : بما ان الموت حق ويمكن وقوعه في أية لحظة  وأي  مكان " ولا تدري نفس بأي أرض تموت "، اذن لأكتب  وصيتي، تناول ورقة وقلما وكتب عدة مسودات ومزقها، وعاد لكتابة العبارة التالية : اني ابتدأت ثرى وعدت هباء منثورا !، اذن اكتبوا هذه العبارة على شاهد قبري  بعد أن تكتبوا: انا لله وانا اليه راجعون ! ووضع الورقة في  غلاف وكتب  " وصيتي ... لا تفتح الا بعد موتي " !

 

مهند النابلسي

كاتب  فلسطيني مقيم في  الاردن

 

 

sardar mohamadهي: عشقتكَ مذ كنتُ مضغة في رحم أمي .

هو: وأنا مذ كنتُ بين الصلب والترائب .

 

هو:  رفعت الراية البيضاء، فشباك مقلتيك كفيلة بأسر قلبي .

هي:  وأنا رفعت الراية السوداء حزناً على اندحار جيوش عواطفك .

هو: سلالك خاوية سيدتي، فمن سرق الفاكهة؟ .

هي: أنسيت أنك التهمت بالأمس خوخاً .

هو: تساقطت ملايين النجيمات، فكيف ألقاك؟

هي: لا تتعب نفسك، ما زال القمر معلّقاً .

هي: إذا كنت تحبني فاعبرالبحر إليّ .

هو : نشف يا سيدتي من سعير جوانحي .

هي: كل الزهورتذبل يوماً .

هو:  إلاك فيانعة أبداً .

هو: أخشى على شَعرك من لمس الفراشات .

هي: ما عساك تفعل إذا هب النسيم .

هي: أنا مشكاتك تنير دربك فوق الثرى .

هو: وكذلك تحت الثرى .

هو: حديثك حلو كالعسل .

هي: وحديثك أحلى، ليت عشره صدقُ، فيبقى طعمه آلاف السنين .

هي: كان ظنك تبترد بزلال ولم تدر أنه نار بلا لهب .

هو:  لا تتعبوا فكركم . إنه رضاب حبيبتي .

هي: لو كان المصباح السحري بحوزتك، فماذا ستطلب من العفريت؟.

هو: لملمة همساتك المتساقطة .

هي: لو كان الفراق بحراً، فكيف سأجتازه إليك .

هو: ساجمع ساحليه .

هو: أحب التجارب، جرّبي أن تكرهيني مرّة .

هي: لا، لا أريد خسارة بضع شمّات .

هي: ماذا ستشعر ليلة لا آتيك في الحلم إلا بعد منتصفه ؟

هو : ضياع نصف عمري .

هو: كل شيء قاتلي هندُ ..غربتي والليل والسهد ُ .

هي: رب ّ ظلم بعده سعدُ .

هي: عاشرت الجنيّات والإنسيّات فخضعن لك،إلاواحدة، أتعرف مَن؟

هو: وهل أشك ُ في غيرك .

هو: بالله أسألك كم مرّة أحسست أني مغرم بك ؟

هي: إنتظر، أسأل خفقات قلبي .

هو: أصعبٌ أن تصرّحي لي بحبك ؟

هي: لا ولكن يمنعني الحياء .

هي: لماذا لم أسمع منكَ كلمة " أحبك " مرّة؟.

هو: أترغبين أن تدفن معي الباء والكاف؟ .

 

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين ذرى قنديل وقمم هملايا .