المثقف - نصوص ادبية

تعاليْ نكسّر الصُّحون في المطْبخ

أريد أن أخبرك سرا، أنا اشتقتك؛ هل بإمكانك أن تتخيلي كم هو صادق هذا الاعتراف وثقيل في هذا الصباح الربيعي المخضّب بالغيوم، اشتقتك، هذا سري، تعلمين أن لا أسرار لديّ، شفاف كفكرة، ولكني اشتقتك، لقد شعرتُ كأني أبوح لك بسر. سرّ كأنه سيغير كل شيء، تعالي.

احترم سرك بشدة، لكن ليس كافيا أن تشاقتني لآتيَ إليك، ألا يبدو لك الأمر أنانية؟. اقصد أنانية الرجال.

هل تعرف أن لا فرق لدي بين فصلين سوى ابتسامة، وكل السنة فصل وحيد؛ فصل الرثاء. لا تعاقُب للفصول : مطر، مطر، مطر فقط، لا نوارس ولا أعراس. لا عسكر ولا رصاص، لا هدير طائرات ولا بيانات تتلى على شاشات "العاجل"... ممل هذا السكوت، تعالي إذاً.

تعالي نكسر الصحون في المطبخ، تعالي والبقية عليّ.

أنا امرأة على الحياد؛ ميؤوس مني، أصبحت أمقتكم أيها الرجال،  اقسم، وأعتذر.

لا تعتذري؛ حق عليك ما لم يحق علينا. لكنك لستِ على الحياد، بامكانك أن تمقتي وأن تكرهي وأن تحبي، ها أنت الآن تعتذرين، أنت لستِ على الحياد، أنتِ تعبتِ فقط من شظف العيش، تعبتِ من مسافات، أفشلتك في جعلها حطب التدفئة لبردك الطويل، أنتِ على التّعب، عند نقطة التماس بينك وبين رؤية خاطفة إلى الوراء، لو وجدتِ معنًى لكل الذي حصل، لأتممتِ الحياة.

اعتذر بالفعل، ما افتقده الآن في رجل، لن أجده أبدا. في بحثي تحولت إلى مومس، تتقلب من فراش لآخر، دون أن تأخذ حقها من الجماع، لذلك أنا في فترة نقاهة. واعلم أن ليس هناك رجل على الأرض سيأويني دون أن يطلب مضاجعتي، أو دون أن يوحي بذلك. أنا في فترة نقاهة حتى أتعلَّم قول "لا"، أتعلَّم قولها حتى لنفسي.

أنت عزيزة على قلبي، يكفيني أن أتأملك وأنت تدخنين بتلك الشراهة الجميلة، تلفين الساق بالساق، في تلك الحركة اللولبية الغريبة، وكأنك تقدمين عرضا معجزاً، تردين على انبهاري بضحكتك الغريبة تلك. يا لك من ماكرة عذبة.

سأخبرك أمراً، كم رجلا في مدة شهر أغراني بصداقته، لنيل فرجي، وكثير منهم أغروني بأشياء أخرى إنسانية، وجميلة أكثر، من أجل قنينة نبيذ، يشربها ثم يعتلي جسدي، وعيبي الأبدي؛ أنّي أقع في فخ جشعي.

لا أعلم كم من الوقت أحتاج لأستعيد كل ما اضعته في ركضي، جسدي...أنا...وأشياء أخرى.

علمني كيف لا أبكي الموتى كذلك، فربما ذاك هو الطريق الوحيد للانعتاق.

أحتاج مصادقة الرجال؛ أن أنغمس في صدر أحدهم، كحبّة قمح، أن أبكي أن أرقص على صدره، أن أتلعثم وأنا أردد أبيات الشعر  أو آيات القرآن، دون أن أضاجعه؛ كم أشتاق ذلك.

زوريني وفكي أزرار قميصي.

لم يغريني شيء، لا للسفر، ولا لتسلق المرتفعات، أمّا أزرار الرجال؛ فتلك عادة قديمة تركتها.

أريد أن أزورك، ولكني لا أريد أن آتيك أشلاء.

 

سعيد غيدَّى / صحافي مغربي حر

 

  

تعليقات (2)

  1. سونا

أخبرني، من أين لك بكل هذه العظمة، وكل هذا الجلال؟!

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1. مروة بفيس

رفيق سعيدٌ، قال لمحبوبته:" هيا نكسر الصحون". قرأتها بإستغراب، نظرت لها بإستغراب، أبديت إستغرابي لسماء زرقاء. الإستغراب صار ظاهرا لمن يبصر ملامحي. توقفت لحظة، أوقفت الإستغراب، أحللت مكانه السؤال، بعد الدهشة الأولى، يحل السؤال الأول، يتبعه جواب أول، ثان و ثالث، لكل جواب تظهر أسئلة جديدة. السؤال الأول كان "ما معنى أن تكسر الصحون رفقة من تحب؟". تخيلت المشهد، تصورته في إحتمالات عديدة، كلها تقود إلى نهاية حتمية سرمدية. النهاية حضنها، البداية حضني. ربما في هذا الزمن و الزمن الأخر، قد أكسر الصحون رفقة من إمتلكت هذا القلب. ربما قد لا أكسر الصحون البيضاء، قد نفعل شيأ أخر له أثره البديع، ربما قد أخطف منها قبلة و هي نائمة، ربما قد أستسلم لها فأكون عبدا لحبها، ربما و ربما، الإحتمالات عديدة، ربما قد أكسر الصحون غضبا و أقبلها شغفا، ثم أرفع عنها ثوبها القصير حتى أبحث عن عسلها أتذوقه أو حليبها أشربه. كثير ما يمكن فعله، في نهاية الأمر أنا مّروة العاشق. أليس كذلك أيها الرفيق السَّعيدُ؟
رَفِيقُكَ مَرْوَةُ بِفِيسْ

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

Sign up or login to your account.
0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-03-19 10:56:44.