المثقف - نصوص ادبية

دماثة رجل .. فظاظة امرأة

sadi sebbahتيّمته بغتة، ودون أن تخطّط له أو تنصب شبابيك مفاتنها. أغرم بجمالها الغجري، الذي تحوّل إلى صبابة بلا تخوم، عشقها حد الهلوسة ! تركيّة صارت شغله الشّاغل، لا يفكّر إلّا في محيّاها الجميل، وفي تمايل الحجلة البرّية، بين السوبيرات والبهوات .. والحمّامات، ومحلاّت العطور، شغلته. وأدمنها غير عابئة .خطفت لبّه بسحر شامتها ..الجاثمة كزنبقة ذاويّة على ربوة زاهيّة، بملابسهاالفضفاضة ..المزبرجة..الجذّابة، وبتحرّرها، من دون الأخريات، تركيّة من عائلة ثريّة مدلّلة .ومتغنّجة، من بنات الحضر، قيل أن جدّها الأول نزل من (روابي التيطري) ، كم يعذّبه حين يراها تتحدّث مع ذلك الوسيم المجوهرتي، برومنسية حانية ..، وكم يشعربالغيرة ..حين يتوقّف عندها .، بسياّرته الكات كات، وأغنية (سوج ألحمام...فوق الكاف العالية )يؤجّجها مذياع السياّرة، !يهرع إلى مقهى الحارة ..ومع براس وسجارة، يحدّث نفسه، ساخرا منها ويؤنبّها، لأنّها هامت بأسطورة تتميّز بكبريائها وغرورها..ونرجسيّتها، من عليائها، بحيث لاترى أحاديث الغدر وسفاسف البشر، على مستوى مكانتهم الوضيعة.. وبساطة عيشهم، ويعلم أنّها لا تسمع به ولم يزقزق عصفوره ..بين أفنان شجرتها، السّاكنة في الذرى والقمم العالية، وقد تكون شجرتها ولوعة بعصافير أخرى، تلقتط قوتها.. من وراء البحار، هكذا قال بموضوعية يخاطب نجواه، ولإيمانه بعمى الولع، ما زال مصرا على ولعه وغرامه، فقط ينتظر الجرأة ويفاتحها، وليأتي الطّوفان، ومرّت الأيّام بسرعة رعناء، وأبصرها على حين غرّة مارقة تتبختر .من محل النّظارات، فأعترض دربها بكل شجاعة!لم يصفّر، لأن ذلك من فعل المراهقين، ونداها بإسمها :تركية ..تركية، بصوت فيه حياء..!فالتفتت مدنقّة بكبرياء، وتأمّلته بإستخفاف، وهمست همس الياسمين :خير إن شاء الله ؟تلعثم في البداية، وبصعوبة خرجت (أحبّك)، مخضّلة بنجيع فؤاده، وأن يضع الإنسان يده على جمرة متأجّجة، أرحم من يحب من لا تبادله حبّها !لم تعلّق بالمرّة، وانشطرت إلى شطرين، شطر يفكّر في مستقبلها، والآخر في بائع المجوهرات، الّذي ذابت فيه، وهو يحلم أن يتّخذها ربيطة، تركية والكات كات .. والبحر والصابلات، نزلت من عليائها... وراحت أناملها الحريريّة تتشابك مع أنامله في الزّقاق، معجزة لم يتصوّرها في الأحلام، وكانت النيّات أن يجعل منها منارة لبيته، وهي الأن قرأته وحفظته وهظمته، ووعدتّه بعد التّفكير المقتضب طبعا، أيقنت من سذاجته أو توهمتّها، وقرّرت قبول مرامه لأغنيّة شيطانيّة في نفسها، وودّعته على التّلاقي بما يسعده ويفرحه، وفي كنف المساء، عادت له متخطّرة، وفي حياتها يسكن ذاك الأنيق ..!أثلجت صدره، ولم يصدّق، واعتبرقبولها مكسبا، وهبة منّه بها رب الورى، منحته وهم حبّها، حتى يسقط ..أو قد سقط صريعا في شبّاك مفاتنها، والحب شيطان، كما لا يختلف فيه إثنان، وفي ظرف وجيز، تمّت الخطوبة، وأضحت سالبة عقله، تنير دهاليز بيته، وترمّض بجمالها، صمادير الرّتابة والرّوتين، ولمّا تقرّب من حسنها ..وتضاريس جسدها ..ازداد إنبهارا بهيفائها ..!سقطت الحواجز بينهما، أقرّ لها بكل ما يرضيه وما لا يرضيه، عرفته أكثر وأيقنت من بلاهته ووداعته، إنّه الشّخص المسالم، الذي طالما فكّرت فيه وظفرت به دون عنا (رغيفة ساخنة لكلب راقد)، ولا ريب أنّها إزدات تحرّرا وانعتاقا، هكذا استبشرت، وصار شغوفا أكثر، ولايشبعها ولا يبارحها السّاعات الطوال، وانقضى شهر العسل، وجمّ شوقه وتوقه أكثر ممّا مضى، ومن الإفراط في حبّه لها وتعلّقه، لا مانع .حين تتجوّل سافرة، في المحلّات كعادتها، ينتشي بتبرّجهاوتبرّمها، وتجوالها بين محلات المجوهرات، ولا يهمّه وقت العودة إلى بيتها، بقدر ما تهمّه سعادتها وراحتها، المهم سيراها ليلا، في مخدعها، تضارع عشتار . في زمن العار..تتململ في بردة الواشي .!أدمنها ..كما أدمن لعبة الدّيمنو ..مع أتراب الحي، وصار لا يأتيها إلاّ بعد العشاء، ويفرحها ذلك ويسعدها ..!ولا يهمّها غير تحرّرهاوحرّيتها المطلقة ..الذي كرّسه لها العاشق الولهان، لكن بعد أيام أحسّ من جيهتها ببعض البرودة والفتور..ولا سيما في الفراش ..!لكنّه لم يتوقّف ولم يعر لذلك أي إهتمام، المهم أن يبتهج عند النّظرة ..ووابل القبل واستنشاق العطور ..التي تنتقيها بنفسها من المحلاّت، وخشخشة سلاسلها الذّهبية ..عند الملاطفة والمداعبة ..والهدهدة، وحتى يسير قطار الحياة الزوجيّة، لم يتوقف عند صغائر الأمور، وذات لبلة...ومع أوبته من المقهى ..وعلى غير عادته، وقبل وقته المعتاد، وجد بابه الخارجي قد صكّ من الدّاخل، فحزّفي نسه بعض الرّيبة والظّنون، أطلّ من الخرم، فلمح دخاّن سجارة يتصاعد بسماء الرّدهة وأرجائها !وضع سبّابته مرتجفا ..على غفل الجرس ..فلم يرن، فأيقن أن في الأمر سرا !فأطلق العنان ليده ..وأطرق طرقات متتاليّة مدويّة، وما عليها إلا أن تفتح، (وقد جاء الفأس في الرأس)..!دخل واجلا هلوعا ، فرأه بيمن عينه، فعرف بائع المجوهرات، بلحمه ودمّه.وطلعته .وبدلته الرّمادية . وسلتلته الذّهبية السّاطعة .. !ولبلاهته ..هرع إلى المطبخ، وأخذ شوكة، ولوى ليغرزها في أوصاله، لكنّه فرهاربا متسلّلا من وراء السّياج ...!فأر نجا من حتفه، يجر أذيال الخطيئة، نظر إلى تركيّة، وهي ترتجف كدجاجة مذبوحة، لم يضربها ..ولم يناقشها، تريّث قليلاوالتّريّث فيه حكمة، فكّر مليّا، ثم فتح باب خزانته، وانتشل حقيبته، وقد وضع في جوفها كلّ أقراضه، وهي صامتة ..تتجرّع حنظل النّدم والحسرة على فضيحتها، كم يعذبّها وهي تراه يتأبّط حقيبته وأوراقه، ويهجر بيته حيث اللاّرجعة، دون جعجعة ولا تأنيب ولا شكوى، هكذا تصرّف بحكمته ..الّتي يراها الحل الأنجع، والتصرّف العقلاني، الذي يبعده غياهب السّجون، أو جريرة جريمة الشّرف، غاد ر عرينه ومدينته مكّرها، شاع خبر الفضيحة، وروّجت له ألسنة سالطة، وتركيّة ترفضها المدينة، وعشيقها المذنب يهجر إلى الأوراس ..تحت تهديد العرش وتأنيب الضّميروالنّفس اللوّامة .وخشية مكروه من الحاشيّة، ويغلق محل المجوهرات، ويودّع مراح الرّذيلة فارا بعمره، تركيّة ينبذها أهلها، فتنظر إلى السّماء فإلى الأرض، لم تهجر مدينتها، لكنّها هجرت بيت يشهد على تهوّرها ..من أجل لحظة عابرة، واكترت بيّتا، بتلك العمارة المشبوهة والمشهورة بالعاهرات، بعدما فشلت في الظّفر بسكن طاهر ..بعمارة محترمة، وبما أن الخطايا تمحوها السّنون، هاهي تركيّة تعود إلى حالتها الطبيعيّة، شاكرة حامدة على نجاتها من الخنجر و البارود ..!ومع تلاشي الصّدمة .. بدأت تلتفت لحياتها وتجملّهاوتبرّجها ..وسفورها، بعد أن عاشرت آخريات أكثرهنّ قصصا، كانت ورء ولوجهنّ في عالم البغى ..بكسر الباء، تركية إزأهنّ في حالة نفسيّة عالية، واجتثت كل ما جرى من جذوره، وكأن شيئا لم يكن، وخاصة بعدما روت لها جارتها..في البلوك قصّتها مع أحد المحارم، الذي قتله زوجها المحكوم عليه بالمؤبّد ..!فكانت ترى قصّتها، زوبعة في فنجان، و ترى أنّها لم تقم بفاحشة، مادامت تؤمن بحبّها الأول ..!أو ما قال الشّاعر: (كم من منزل في الأرض يألفه الفتى... وحنينه إلى أول منزل)، والحب الذي لاينتهي بالزّواج خياّنة عظمى لزوج المستقبل، ومادام زواجها به خيّانة، فلماذا لا تشفي غليلهاوترضي دقّات قلبهاوذروة شهوتها ؟، هكذا كانت الفاتنة تركيّة تصنع الذّرائع لخيانتها، والزّمن كان كفيلا بخرس الأفواه، عن فضيحتها، ونستها أوتناستها، وانقطعت نهائياعن ذويها، وانقطعت أخبارزوجها ..الهارب، وقرعت باب العشق والغراميات، لتنسى ولو زمنا أحقاد وتشفّي مجتمع لايرحم، ولم يلبث أن تحوّل إلى متجارة بالجسد، وعلمت المدينة، وكلّ المدائن بإحترافها للهوى ، وكان لها زبائن من جميع الشّرائح، دخلت عالم المجون بقناعتها، ولا ملجأإلى إليه، في مجتمع مسلم، همّه المواخير والخمّارات ..!ومع السّنين، تفطّنت لقنص القانيات الشّقروات والسّمروات، من غرب الوطن وشماله وشرقه، ليمكثن في بيتهابالعمارة، وتروّج لهنّ عبر الهاتف، لتنشيط اللّيالي الحمراء، مع زبائن من الطّبقة البرجوازيّة، وتكسب أموالا طائلة، إلى جانب النفوذ والجاه، وتترك سوّأتها لتستريح ..أو تكون حصريا لبعض المقاولين الكبار أو المستثمرين، علاقتها مع النّاس وحتى السّلطات، تطوّرت من خلال الخلاعة والمسافحات، وأصبحت تركية ليست داعرة فحسب، بل لها صوت في المحاكم وعند الأمن..!ترگية محميّة بثغرة في القانون..في إطار الحرّيات الشّخصيّة، ولاسيّما حريّة الجسد، وجيرانها يقرّون بأنهالاتسيئ لسمعتهم، وأنها تقف مع مصائبهم، وتتكفّل بإحتياجات فقرائهم، أفضل من المير ..!وأمور أخرى ..ثم ّلادخل لهم في خصوصيّاتهاوحرّية جسدها، تركيّة اتخذت تركيا محجا لها في كل مصيف، تعرف أنقرة زنقة ..زنقة، وتتعلّم الرّقص التّركي، في جزيرة الأحلام، وحفظت كل الموضات، والمشروبات،، وتقتني للفتيات الستيل ..والبدلة الرّيّاضية، وقطاطيف ..لا تخلو من اللّمسة العصريّة التّركية والمغربية ، ولها في كلّ ولاية شقة تستخدمها في (.....) ..وسيّارة آخر طراز كات كات تماما ...كسيّارة عشيقها المنفي، الذي أنستهافيه السّهرات، كما أنستها الصدمة، ذلك الوديع البرئ، أستثمرت في الفتيات القافلات، أشارت لهاالأنامل وذكرت في مجالس البطّالين والمتزمّتين، ولاحت ثرواتها للعيان، وهاهي تركيّة، بعد الصّحة والزّهو واللهو، تصاب فجأة بمرض خطير، بعنق رحمها !وتنقل في الحال إلى مستشفى باشا، لتعود منه جثّة هامدة ..!حضر تشييعها كل جيرانها وأعيان المدينة، وحضرت، ولفت إنتباهي ذلك الرّجل النّحيف، الّذي كان يوزّع الشّاي والشّواط، ويكفكف الدّموع، ويستقبل المعزّيين رجالا ونساء في المنحى، كنت قد عرفته من أمد، لكنّني لا أعرفه إلابالوجه، ومسحته السّنون من ذاكرتي، سألت أحدا كان إلى جاني، من يكون ذلك الرّجل الغارق في البكاء ..حد النّحيب ..؟فلم يجبني، وغمزني، فالتزمت الصّمت، لكنني في النّجوى، أبحث عمن يقتل أسئلتي، وما هي إلا هنيهات أومألي صاحبي وانثني بي ...خلف صهريج الماء، وهمس لي متحفّظا :ذلك الرّجل الذي سألتني عنه هو زوجها...الذي طلّقها بسبب الفضيحة وهجر ....!الحقيقة ذهلت ..!وفي طريق العودة إلى منزلي، أخبرت مرافقي بحضور زوجها، إلى مأتمها، فجننت لمّا أنبأني بحضور عشيقها، الذي حضر مراسيم الدفن .!

 

الكاتب الجزائري سعدي صبّاح

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-17 13:16:02.