المثقف - نصوص ادبية

شيء من الذاكرة المهجورة....

karima nooresawiعلى غير عادتها أيقظتها أمها هذا الصباح، وهي تمرر يدها على خصلات شعرها القمحي، ثم طبعت قبلة طويلة على جبينها. لأول مرة تحس بدفء صدر أمها بعدما احتضنتها بقوة، أول مرة تتحسس بشرة أمها الناعمة. لم تعهد منها هذا العطف ولا هذا السيل الجارف من الحنان. غمرتها سعادة كبيرة لا حد لها، وتمنت في داخلها لو طالت المدة، وراودتها فكرة ادعاء المرض علها تقبع في البيت، وتنعم بهذا بهذا الفيض من الحنان. حاولت أن تنقب في ذاكرتها الصغيرة عن صورة مشابهة لهذه اللحظة التي عاشتها فلم تفلح في ذلك، ذاكرتها مشحونة بصور صاخبة تمر أمامها كالبرق تباعا. فأمها إما أن تصرخ في وجهها عندما تعمد، عن قصد وإصرار، إلى تمزيق ثيابها بالمقص حتى تثير غضب أمها أو عندما تتسخ ملابسها أثناء الأكل. فهي لم تعثر عن أي صورة لأمها، وهي تحثها على الدراسة أو التحضير للامتحانات. أكبر شيء كانت مهووسة به أمها هو الحرص على نظافتها، ومظهرها الخارجي.

لم تستفق آلاء من هذه الهلوسات إلا على صوت أمها، وهي تطلب منها برفق أن تغسل أطرافها، و أن تلتحق بها من أجل أن تمشط شعرها. سيل من الأسئلة عج بها رأسها الصغير. لماذا أمي اليوم حنون؟ لماذا غابت هيبتها؟ ما السر وراء ابتسامتها الغامضة؟ ولماذا طلبت مني ارتداء فستان العيد؟ ارتدت آلاء فستانها، ولحقت بأمها لتجدها تمشط شعر أختها الطويل وتزينه بشرائط حمراء، وقد ارتدت هي الأخرى فستان العيد الوردي. أمسكتها من يدها، وسألتها ولأول مرة، هل تريدين أن يظل شعرك مسدلا أم تفضلين أن يكون على شكل ذيل حصان؟ أحست بفرح كبير، وبأنها أصبحت فتاة كبيرة تستشيرها أمها في المظهر الذي تفضله ويليق بها. فقالت أريده على شكل ذيل حصان بشريط أخضر.

بعد وجبة الفطور قربتهما الأم إليها، وأجلستهما على ركبتيها، وقالت بصوت مشحون بالأسى ونبرة لم تنسها طول حياتها: مهما طال الزمن، ومهما كانت الظروف لا تصدقا أبدا ما يُقال لكما عني، كونا متأكدتين أنني أحبكما أكثر من نفسي، وسأظل أحبكما حتى لو سافرت. ستظلان أجمل شيء في حياتي إلى جانب أختكما عهد. وإذا بها تسألها آلاء: هل ستسافرين ماما؟ لا يا عزيزتي هي فقط وصية أردتكما أن تحفظاها عني. والآن حان وقت المدرسة. امسكي بيد أختك فقد صرت مسؤولة عنها. وانطلقتا بعد أن قبلتهما واحتضنتهما بقوة، وقد ظهرت لمعة دمعة في عينيها.

في القسم، وفي حصة الرسم، أول مرة ترسم آلاء وجها بشريا بعدما كانت جل رسوماتها من مظاهر الطبيعة. ولما سألتها المعلمة متعجبة عمن في الصورة قالت دون تردد هي ماما الحنون. مرت الفترة الصباحية يسرعة، ورن جرس الخروج. انتظرت أختها طويلا بباب القسم لكنها لم تأت. شعرت بأنها أخفقت في المسؤولية التي أسندتها إليها أمها في هذا الصباح، سيطر عليها نوع من الخوف لا عهد لها به، حاولت أن تتذكر طريق العودة إلى البيت. لم تستفق إلا على صوت أبيها، وهو يناديها تعالي يا آلاء. أصابتها الدهشة. ما الذي أتى بأبي في هذا اليوم؟ حمل عنها الحقيبة، وهي لا تنبس ببنت شفة، أبي لم يزر مؤسستنا قط. ما الذي جعله يترك عمله؟ لم أكن أرى أبي إلا في الأعياد. حتى الحفلات كان يتغيب عنها. لماذا لم يلتحق بعمله اليوم؟ كنت أحظى برؤية والدي في عيد الأضحى وهو يذبح الشاة وأنا أساعده، لم تتعود أن تتحدث مع أبيها لذلك واجهت صعوبة في فتح باب التواصل معه. كانت تبدو على ملامحه الصارمة آثار الضجر والحزن والغضب. حاولت أن تسترق نظرة إليه لكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا. وفجأة وجدت نفسها أمام البيت. الشارع مكتظ بالناس. ونظرة الحسرة في عيون الجيران. سيارتا الإسعاف والشرطة مركونتان في الحي. ما الذي يجري؟ ما كل هذا الحشد من الناس؟ لماذا تبكي جارتنا أم عماد؟ ولماذا عمي خالد هنا؟ أحست بنوع من الجوع. سألت أختها الصغرى: أريد أن آكل؟ ألا تحسين بالجوع؟ وإذا بالجدة تهرول باتجاههما وهما يجلسان في باحة البيت، والدموع تنهمر من عينيها مدرارا. أهلا صغيراتي؟ ما ذنبكما وقد يتمتما دون وجه حق؟ وإذا بالعمة تقبل مقتضبة الحاجبين تعلو سحنتها موجة من الغضب الجامح.: هذا ما خلفته أمكما؟ فضيحة ولعنة. في هذه اللحظة فقط انتبهت آلاء لغياب الأم، وصرخت بأعلى صوتها، ودون أن تعير اهتماما لأبيها، قد أحست فعلا أن مكروها أصاب الأم. أريد ماما. فما كان من الجدة إلا أن رددت وهي كلها حرقة وألم: لقد ذهبت أمكما إلى دار البقاء، لتنطق العمة بصوتها الجوهري الخشن: ذهبت بعد أن لطخت سمعتنا بفضيحة مدوية. لقد انتحرت. كانت آخر كلمة وصلت إلى سمع آلاء قبل أن يغمي عليها.....

كانت آلاء مستلقية باسترخاء على السرير الناصع البياض حينما بادرها الطبيب قائلا: طيب مهندسة آلاء، انتهت حصتك اليوم، حاولي أن ترتاحي، تفضلي بشرب كوب من الماء. حصة اليوم أعتبرها أنجح حصة حتى وإن كنت قد تعبت كثيرا وبكيت كثيرا وتألمت كثيرا. لكننا استطعنا أن نلج لتاريخك القديم، ونحرك الذاكرة. وقد كان تجاوبك إيجابيا. منذ بداية العلاج لم تكوني تتحدثين إلا عندما أطرح عليك سؤالا. اليوم استرجعت كل شيء دون أي سؤال. لنا لقاء في الأسبوع المقبل. أعتقد أننا بدأنا الخطوة الأولى اليوم.

 

د. كريمة نور عيساوي

 

 

تعليقات (6)

  1. يحيى السماوي

ثمة في العراق مثل شائع نصه : " البيوت أسرار " .. ويبدو لي أن بيت آلاء ينطبق عليه هذا المثل .. فهو بيت لم يعرف فيه الأطفال اهتماما ورعاية كافيتين ، مما جعل الطفلة تستغرب حنوّ أمها المفاجئ ، وتستغرب زيارة أبيها للمدرسة ..
آلاء لم تستمتع بفرحها الطفولي الذي ابتدأ برسم وجه أمها ، لتلإجَع برحيل الأم .. لعل الفاجعة هي التي حملتها على التكتّم أعواما كثيرة حتى بعد تخرّجها وعملها مهندسة ودخولها المشفى لتبتدئ العودة الى حياتها الطبيعية بفضل الطبيب المعالج ( أظنه كان طبيبا نفسانيا ) .

قصة شائقة ، لكنني لم أتوصّل الى معرفة سبب انتحار الأم ... لعلها انتحرت لجفاف علاقتها بالزوج وانشغاله عنها بنفسه وعمله ..

 
  1. كريمة نور عيساوي

السامق في سماء الإبداع الشاعر يحيى السماوي النص ظل مفتوحا على كل الاحتمالات لابد للقارئ من المشاركة في بناء النهاية، وهنا عنصر الاشراك، القارئ الحقيقي هو الذي يفتح أمامه النص، مجالا للتفاعل والمشاركة ، وقد تحقق ذلك معكم دمت راقيا ، تحياتي.

 
  1. سامي العامري

نص يشي بقدرة رائعة على السرد الشاعري الذكي ... أجمل سلانم

 
  1. جمعة عبدالله

الاديبة القديرة , المحلقة بجناحي الشعر والسرد
قصة مأساوية بحق , وحبكتها الفنية القديرة , وهي تغور في اعماق المشاكل العائلية , والتطاحن العائلي , الذي يقود الى طريق مسدود بشكل مأساوي . وهذا الحنان الاموي هو حنان الوداع الاخير , ليبقى لحظات مضيئة بعد رحلة الوداع الابدية . اما مسألة انتحار الام , هو نتيجة الخلافات الحادة بين الزوج والزوجة , هذه العلاقة المتشنجة , انعكست على العلاقة العائلية , التي افتقدت الحنان والرعاية الابوية لطفليهما , بدليل عدم مراجعة حالتهم الدراسية , وعدم الاهتمام الابوي الذي يحتاجه الطفل من ابويه , وتكشف بأن المشاكل بين الزوج والزوجة , انعكست بشكل سلبي على طفليهما . قصة صيغت بأسلوب رائع من لغة السرد الشيق , الذي يحمل مهارة اسلوب القصة الحديث , قصة تحمل الفعل الدرامي والعقدة المتشنجة , في محطاتها , حتى تنتهي بالخاتمة المأساوية بأنتحار الام . . هذا الطرح الجريء في مشاكل الواقع , منها المشاكل العائلية التي تقود الى التأزم الذي يقلب مصير العائلة الى المأساة , ويدفعها الى هذا الطريق الذي يعمق الازمة بنتائجه
ودمتم بخير بهذا الابداع الرائع الذي يقدم شيء ملموس ومحسوس لمشاكلنا الاجتماعية

 

أستاذي سامي العامري أسعدني مروركم الأنيق دمتم بخير

 

الناقد المتألق صاحب القلم الفياض جمعة عبد الله ، أحس بنشوة كبيرة ، وأنا أقرأ تحليلاتكم النقدية لنصوصي المتواضعة، اجدكم تغوصون في النص لاستنطاقه، واستخلاص المغزى منه دمت راقيا أيها الفاضل.

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-18 10:13:17.