د. صادق السامرائي
أياد الزهيري
د. صادق السامرائي
ميلاد عمر المزوغي
عمار حميد
د. زهير الخويلدي
علجية عيش

صفحات من سيرة النبروكة (8)

mohammed_nassarلكن من حكم المبروكة من بعده، رجل أخر، جاء من خارجها أيضا ..من إحدى المدن المجاورة، حتى تساءل الناس مستغربين:

هل خلت المبروكة من الرجال؟، فلم يحظوا بجواب شاف ولم يلقوا غير الصدى والانتظار، لعل الغد يحمل في طياته ما يبدد ظلمة الليل الذي يلفهم، أو يجلب معه بشائر أمل تزيح عن كاهلهم أحمال واقع باتوا ينوءون تحته، دعوا الله أن لا يسلط عليهم من لا يرحمهم، فجاء الرجل خلوقا كريما، استمال إليه القلوب، حتى أن الشيخ مسعود الذي كان يرى في الإنجليز ومن والاهم شيئا واحدا، لم يجد حرجا في أن يشهد بالخير للرجل، لكنه سرعان ما اكتشف فداحة غلطته، إذ لم يمض سوى وقت قصير على تولي الرجل لمنصبه، حتى تداعى عدد من أفندية المدن المجاورة واقتنوا أو استولوا علي الحقول والبساتين، التي خلفها باشاوات العهد السالف وبدأوا غرسها بالبرتقال، تباشر الناس خيرا و لم يسأل أي منهم نفسه عن الطريقة التي جرى بها الأمر، الكل قنع بالعمل فيها وكسب قوت يومه، صحيح أن العمل مضن وشاق لكنه دائم، متنوع، ممتد على طيلة أيام السنة، موسم لقطف الثمر وأخر لتشذيب الشجر (قشبرة) وثالث لضرب الأرض وهو أشدها تعبا ومشقة، ثم الرابع للسقاية والري وهكذا دواليك، لدرجة أن بعضا من ملاك الأراضي في المبروكة، فكروا بالسير على نفس الخطا، كان أحدهم أبي، قال ذات ليلة وهو مستلق على ظهره تحت السقيفة، يتابع حلقات الدخان المنبعثة من فمه : أسمعي يا حرمة .

- خير يا أبو حسين؟

- راح أغرس أرضنا بشتل البرتقال .

- وعندك مال؟ .

- راح أبيع ما بقي من الغنم وأستثمر ثمنه في الأرض .

- يا رجل حرام عليك .. أنت كل ما حك الكوز في الجرة، عينك ع الغنم.

 - يا حرمة أفهمي .. أنا أدرى منك وعارف اللي بقوله .. البرتقال يكسب ذهب .. عارفه ايش ذهب .

- يا رجل (اللي يطلع فوق تنكسر رقبته) خلينا ع شغلك في البيارات وأبقي ع الغنم ذخر لأولادنا .

- طول عمرك فقرية وتحبي الجوع والراحة . قالها واستدار معطيا لها ظهره، فما كان منها، إلا أن همست كما لو كانت تحدث نفسها : زوج ابنك اللي شنبه خط، بدل ..

- حاضر يا حليمة .. حاضر راح أزوجه ست البنات .، ثم التفت ناحيتي وراح يحدق في وجهي بعمق أربكني وأغرقني في دوامة من الحرج، دفعتني للهروب من نظراته إلى الحصير المفروش تحتنا، أعبث في خيوطه .. أتابع تعرجاتها.. أمني النفس بما يحرف الحديث عني، حتى وإن عادا للمناكفة من جديد، لكن قهقهة أبي المدوية والتي لم أعتد سماعها من قبل، شجعتني لرفع رأسي والنظر في عينيه .

- صدقت يا حليمة .. والله كلامك صحيح، الولد شنبه خط .

- الحمد لله اللي جعل كلامي خفيف عليك .

- يا ولد .. ايش رأيك في الموضوع؟ .

الولد ساكت يا حليمة والسكوت علامة الرضى . . من بكرة اشتغلي ع الموضوع .

- ربنا يسهل .. أنا في هذا اليوم اللي أدور لأبني على عروس .

 -ديري بالك وأبعدي عن اللي خالها هامل وأبوها محكوم .

 

لم أذق للنوم طعما في تلك الليلة .. وجوه كثيرة مرت من أمامي .. بت أتأملها كما لو كنت أراها للمرة الأولى .. خديجة بنت خالي محسن .. شفيقة بنت فهيمه .. صبحة ابنة خالتي حسنة .. وضحه الشيخ يونس، حتى الفتاة الغجرية، التي رأيتها لمرة واحدة في تلك الليلة التي لا تنسى، أطلت بوجهها بين هذه الوجوه وراحت تزاحم لتفسح لنفسها مكانا بينها، حرت بين الوجوه ولم أعد قادرا على التمييز بينها، نفس الملامح والقسمات .. نفس الابتسامة والنظرات، نفس البراءة ذاتها تطل من العيون جميعها .. تلح علي بإصرار عنيد كي أختار بينها، وأنا أعجز من أن ألبي النداء .

علا أذان الفجر، فتنحنح أبي .. بسمل وحوقل، ثم نادى على أمي : صحي الولد يا حليمة .، فتناومت .. لم أـستجب إلا بعد النداء الثالث، لملمت أغراضي .. ناولتني الصرة التي أعدتها على عجل وخرجت أسوق أغنامي إلى المرعى .

نسيم الصبح أزال ما علق بين جفوني من بقايا نعاس، ووصية أبي التي ألقاها على أمي، عادت ترن في أذني من جديد، فسحت معها أتفحص معانيها مرة أخري، لعلي أجد من بينها واحدا يناسبه شرط أبي، فلم أجد .. استحضرت وجوها أخرى، لكنها كانت باهتة .. شاحبة .. مطموسة المعالم .. كأنها تطل من غور سحيق، أعياني الأمر ولم أعد قادرا على المواصلة، آثرت الانتظار لأرى ما ستخرج به أمي، غير أني لم أقو على الانسلاخ كلية من الموضوع، بعد أن أحدث لي نقلة لم تكن في واردي حتى الأمس القريب وكأن حديث أمي عن شاربي الذي خط، كان ناقوسا أيقظنا جميعا من غفوة أوشكت أن تطول .

قبيل الغروب بقليل قفلت عائدا وفي نفسي آمال عريضة .. أحلام زاهية .. بشرى تزفها أمي .. عروس أفتش عنها بين قوائم كثيرة تداخلت في رأسي ولم أجدها .. أتأمل الوجوه التي تقابلني في الطريق بتفحص كاد يحرجني، لدرجة أني لم ألتفت للعبوس الذي كان يلف بعضها ولا السخط الذي يشع من وجوه أخرى، عالمي انحسر في وجه جميل، أفتش عنه بين ثنايا واقعي المحدود، فلا أهتدي و لا أجد غير الاتكاء على مسعى أمي، لعلها تفاجئني بما يثلج القلب ويسعد الروح، خصوصا أنها صاحبة الفكرة والداعية لها، لكن المفاجأة كانت من القسوة بحيث لم تبق أثرا لكل ما كان يراودني قبل لحظات من تجاوزي عتبة الدار .

كانت أمي قابعة في الركن تحت السقيفة، وقد أسندت خدها الأيمن على راحة يدها، بينما الدموع تبلل وجنتيها، لم يكن أحد إلى جوارها سوى أخي مرزوق وشقيقتي صفية، التصقا بها على نحو يثير الفزع ويشي بتعرضهم لشيء مخيف، ألجمني المشهد لبضع ثوان تداركتها على عجل وأقبلت على أمي أسألها بنبرة ملؤها القلق : شو اللي صار .؟ .

- أبوك . خرجت كأنها آتية من جب عميق .

- ما له؟ .

- اعتقلوه الإنجليز .

- مرة ثانية ! .. ما لهم وأبوي؟ .. ولا ما في حد في المبروكة غيره يتسلطوا عليه؟ .

- يا حسرة عليه.. أكل ضرب يفرق ع المبروكة كلها .. رجالها ونسوانها .. حميرها ودوابها .

- ليه .. هو قتل حد منهم؟ .

 - قلبي ذاب يا بني وما ظل عندي حكي .. روح ع ديوان جدك إبراهيم وهناك تعرف الصافي .

 

بدا الأمر أخطر مما اعتقدت وتأكد ظني حين اقتربت من المضافة، كان لغط الرجال أشبه ما يكون بالصراخ وأحيانا يدفع المار من هناك إلى التريث والتحقق من الأمر، ظنا منه بأن إشكال أو شجارا يحدث في المكان، عدد من الصبية دفعهم الفضول للتجمهر عند الباب وآخرين ممن هم أكبر سنا راحوا يبعدونهم كي يفسحوا الطريق للداخلين والخارجين من المكان، دفعت الباب وإذ بالدار ممتلئة عن أخرها والشيخ إبراهيم معصوب الرأس مجبور اليد، يجلس عن يمينه المختار وعن شماله الشيخ مسعود، الذي بدا هائجا إلى أبعد الحدود، كان يخاطب مجالسيه بوجه منتفخ وفم يتطاير منه الزبد، حتى أنه لم ينتبه لدخولي عليهم، ولم يتوقف للحظة عن شتم الإنجليز ومن والاهم، إلا حين جلست بين يدي جدي الشيخ إبراهيم، مد يده نحوي مصافحا وقال : شد حيلك .. أبوك رجل ولا كل الرجال .، ثم عاد ليكمل ما بدأ .

- لكن يا شيخ الكف ما تناطح مخرز . قال أبو جمعة البقال .

- أسمع يا أبو جمعه هذا كلام فاضي ولو ركن له الناس، لما تبدل حالهم .

- هذا صحيح يا رجال؟ . التفت الرجل موجها سؤاله إلى الحاضرين، فساد لغط بينهم، بعضهم أيد الشيخ وبعضهم ساير البقال في قوله والبعض استشهد بما أصاب أبي وجدي الشيخ إبراهيم، الأمر الذي خلق حالة من الفوضى، لم يعد معها بمقدور أي من الجالسين سماع الأخر أو فهم ما يريد، حتى تدخل الشيخ إبراهيم، أشار بيده، فأنصت الجميع .. اعتدل في جلسته وعدل من هيئته، ثم قال : ما قصده الشيخ أن الكف إذا عجزت عن مناطحة المخرز، فالعقل أقدر وكلنا عنا عقول والحمد لله، ولا مش هيك يا شيخ؟ .

- هو بعينه يا شيخ إبراهيم .

من مجمل الحديث الذي سمعت، خلصت إلى أن أبي قد جرى اعتقاله بعد أن تعارك مع رجال المغفر، الذين جاءوا بصحبة عدد من الجنود الإنجليز لتحصيل الضرائب من الناس، كانت البداية في احتجاج الناس على ضخامة المبالغ المطلوبة ، خمسة جنيهات عن الدونم الواحد شيء لا يمكن تدبره، حتى لو تداعت المبروكة كلها لدفع ضعف هذا المبلغ، فلن تخرج به، استشاط أبي من فظاظة أحد رجال الشرطة، حين لوح بكرباجه في وجه أمي، جذب الكرباج من يده وجره إليه، فسقط الرجل من على ظهر جواده، أحاط البقية بأبي وراحوا يلهبون ظهره بكرابيجهم .. تدخلت أمي، فنالها بعض مما أصابه .. هجم الشيخ إبراهيم محاولا إنقاذ أبي، فضربه أحد الجنود بعقب بندقيته في رأسه، ظل أبي يقاوم حتى تكاثر عليه الجند .. أطلقوا بضع رصاصات لتفريق الحشد الذي راح يرميهم بالطوب والسباب، أطبقوا على أبي من كل جانب .. كبلوه وألقوا به في إحدى العربات، ثم انسحبوا من المكان على عجل .

 

ثلاثة أشهر مضت ولا أحد يعلم شيئا عن أبي، ثلاثة أشهر كانت المبروكة خلالها، تغلي غلي القدر فوق النار، بطش الإنجليز وجبروتهم لم يرع حرمة أو دين .. حملات الدهم والتفتيش طالت كل شيء، وكلما أبدى الناس تذمرا، زادوا في غيهم .. عرفوا أن الناس أعجز من أن يلبوا مطالبهم المجحفة، لكنهم أصروا عليها .. طاردوا الناس في كل مكان.. أخرجوا زوج فهيمة من قن الدجاج، حين ظن أنه بمنأى عن عيونهم واعتقلوا المبروك لساعات، ثم أخلوا سبيله، حتى الشيخ مسعود لم تشفع له وساطة أخيه عندهم، بل دعاه الميجر شخصيا ووجه له لوما عنيفا على تراخيه في أداء واجبه، لم يكفه ذلك، بل أتبعه بتهديد يشمل سحب المخترة منه .

- شفت يا شيخ إبراهيم البلاء اللي إحنا فيه . قالها المختار بنبرة مفعمة بالأسى

- الصبر مفتاح الفرج يا مختار .. بلادنا هذا حالها، من يوم ما خلقت وهي سبع سمان وسبع عجاف .

- ما ظل فيها سمان يا شيخ .. المبروكة خربت و ما ظل فيها حدا، رجالها تشتتوا .. بعضهم في الحبس ما ندري عنه خبر وبعضهم ساح في بلاد الله الواسعة .

- من المحال دوام الحال يا مختار .. ربنا يغير ولا يتغير .

- حي . صاح المبروك بملء فيه، فانتفض الجميع وراحوا يرمقونه بنظراتهم، التي تحاشاها بالتمتمات المبهمة والعبث بحبات سبحته .

 - طل حولك .. ما ظل في المبروكة غير الصبية والعجزة من أمثالنا وهذا الدرويش .

- اللي جاي أسود ومر .

 - مرار يطب في حلقك يا غراب البين، قم .. قم وانصرف من هان . صاح المختار والزبد يتطاير من فمه .

- له يا مختار .. له .. تحط عقلك بعقل المبروك . قال عمي الشيخ إبراهيم مستهجنا تصرف المختار .

- ما سمعت بشايره؟ .

- راح أسامحك هذه المرة، لكن دير بالك تعيدها .

انتفض المختار هاما بالانقضاض عليه .. لم يعد في مقدوره أن يضبط نفسه .. حتى حرمة المضافة والمضيف غابت عن خاطره.. تدافع عدد من الحاضرين وأنا من بينهم، لتهدئة المختار وتطييب خاطره، بينما المبروك في مكانه، يتابع ما يدور بعين المتفرج،الذي لا يعنيه من الأمر شيء، إلى أن أقنعنا الرجل بالجلوس، قال ببرود قاتل : بالله اتركوه حتى تشوفوا اللي راح يصير له .

هب المختار كالملدوغ وانطلق صوب الباب، ناداه الشيخ فلم يجب إلا حين أمسك بالمقبض .. استدار نحونا وطلق ثلاثا ألا يعود للمكان طالما هذا المخلوق فيه، مشيرا بيده نحو المبروك، ثم فتح الباب وهم بالخروج، لكنه عاد وأطل برأسه و قال موجها حديثه للمبروك : كان بينت مراجلك على الإنجليز اللي بغو… يا أبو شخه .

اللي صار في أيوب الراضي، راح يصير فيك عن قريب إن شاء الله . رد المبروك بنبرة لا تخلو من وعيد .

فصفق المختار الباب خلفه بغضب، طغى دويه على دوي الضحكات،التي انفجرت بفعل التهديد الذي أطلقه المبروك، خصوصا حين اقترن ذلك بشاهد يعرفه الجميع، فالقصة لم تمح من الأذهان بعد، ربما لا يعيها صغار السن لكنهم سمعوا بها، فما من أحد في المبروكة إلا وناله شيء من الوليمة التي غرمها أيوب في حينه، يومها هدد المبروك بأن يستلب من الرجل فحولته، حتى يكون عبرة لغيره، وأقسم ألا يعيدها إليه، إلا مقابل سبعة خراف تنحر من بعد صلاة الجمعة، وتحديدا لحظة أن يهم الأمام بالنزول عن المنبر، ثم توزع على المبروكة بيتا بيتا وإن لم تكف يزد عليها، لكن الرجل استخف بالأمر ولم يلق له بالا وإمعانا منه في التحدي زاد من مناكفته للمبروك والتنغيص عليه، حتى أن البعض لامه والبعض حذره من سوء العاقبة، فكان جوابه المعتاد : هذا واحد نصاب .. يأكل خيركم ويضحك عليكم .

إلى أن جاء يوم احتجب فيه الرجل عن الأنظار.. التزم بيته ولم يعد يغادره، حتى في المناسبات التي تستدعي حضوره تغيب عنها وإن كان البعض قد شاهده في واحدة أو اثنتين من تلك المناسبات، فقد شاهدوا ما أثار انتباههم ودفعهم للتساؤل عن السر، الذي أحال الرجل إلى كتلة من الوجوم والصمت، بعد أن كان يضج حيوية وحياة .

 لم يعد الأمر قاصرا على قلة من الناس، بل أصبحت سيرة الرجل على كل لسان، أضحت شغل المبروكة الشاغل، كل يفسر الأمر ويؤوله على هواه، البعض أرجع الأمر إلى ضيق الحال والبعض أرجعه إلى المرأة، التي قد تكون دست لزوجها عمل ما في طعامه أو شرابه، خشية أن يملها أو يقترن بثانية، غير أن المرأة لم يكن يشغلها سوى شيء واحد، أن يستعيد زوجها طبيعته الأولى، لم تبق على بط أو حمام في بيتها ولم تدع لأمها سوى ديك هرم وبضع دجاجات عجاف، ومع ذلك لم تحقق شيئا مما كانت تصبوا إليه، حينها كاد الشك أن يصبح حقيقة، فذلك الإحساس الذي يراودها منذ بداية الأزمة وتطرده، عاد الأن بقوة أشد، فما المانع أن تكون إحداهن وراء هذا البلاء الذي أعيش، همست المرأة محدثة نفسها، ثم راحت تستدعي كل الأسماء المخزونة في الذاكرة وحين أعياها الأمر، لم تجد أمامها بدا سوى الذهاب إلى وطفة الشيخ يونس، امرأة عانس في الخمسين من عمرها، غلب الطمع على اخوتها، فلم يزوجوها، خشوا أن يذهب نصيبها من الأرض إلى غيرهم، فاختلقوا الذرائع والمعوقات أمام كل من تقدم لخطبتها، لم تشعر وقتها بفداحة المصاب الذي ألم بها، وجود أبويها العجوزين آنس وحشتها والقيام على رعايتهما أزاح عن كاهلها وطأة التفكير في مصيرها، لكن الأمر تبدل حين أضحت وحيدة، لزمت البيت ولم تغادره، حتى بيوت اخوتها أمست من المحرمات، ظلت حبيسة بيتها، ترد إليها النساء فرادى وجماعات .. بأطفالهن أو من دونهم، كل تحمل ما تيسر لها من رزق الله .. تضعه أمامها بصمت، ثم تعرض ما لديها من مشاكل ، قد يكون الأمر متعلقا بطفل خائف، أو أخر لا يرضع وأحيانا بالمرأة ذاتها، فتلقي به على مسامعها إن كان الوضع يسمح بذلك،أو تهمس به في أذنها إن هي تحرجت من قوله أمام الأخريات .

انتظرت اللحظة المناسبة وتسحبت خارجة، يتبعها شخيره المتواصل باسترسال عجيب حتى باب الحوش الخارجي، ردته خلفها بهدوء حذر، ثم أحكمت غطاء رأسها على نحو دارى الكثير من ملامح وجهها وانطلقت تحث الخطى مستغلة عتمة الليل وخلو الشوارع من المارة، دقت الباب فجاء الصوت من ورائه أجش قلقا : مين؟ .

- افتحي يا وطفة .. أنا جميلة .

- جميلة مين؟ .

- يوه يا وطفة .. جميلة أيوب . ردت المرأة بحنق .

- عساك بخير؟ . قالت المرأة وهى تمسح بوادر نعاس عن وجهها .

 - خير .. أي خير هذا؟ .، ثم واصلت طريقها إلى الداخل، من دون أن تنتظر إذنا منها، هبطت على حصير قديم، يفترش مساحة صغيرة، أمام واحدة من غرفتين صغيرتين، كانتا في يوم من الأيام بيت العائلة

- خير إن شاء الله؟ .

 - أي خير يا وطفة .. الرجل ضاع مني . ثم أجهشت بالبكاء .

- اذكري الله .

- الرجل انطفأ يا كبدي عليه .. صار مثل الشريطة لا ينفع ولا يشفع .

- متى حسيتي بالموضوع؟ .

- من شهر تقريبا .. قبلها كان مثل الحصان .. كنت في الأول أشرد منه يا أختي ، أما اليوم فيا حسرتي عليه، يتركني وينام كفي على وجهه . ثم عاودها البكاء مرة أخرى .

- بسيطة .. بسيطة بإذن الله .

- لا بسيطة ولا نيلة .. أكيد واحدة من بنات الحرام عملت لزوجي عمل .

- يمكن مريض .. مهموم .. مشغول، مش دائما العمل هو السبب .

 - لا يا حبيبتي .. زوجي وأنا عرفاه، عمره ما شكا من شيء .. لكن بنات الحرام ربنا يجازيهن .

- إذن انتبهي لأكله وشربه .

- يا حسرتي .. من يومها وأنا أعلف وأكلف، حمام محشي بالجوز واللوز .. ديوك محمرة .. زنجبيل وعسل، حتى حليب النوق سقيته وما نفع .

- يمكن محسود؟؟.

- محسود !! .. نعم هو محسود .. ذاب مثل الشمعة يا ويلي عليه . ردت المرأة بلهفة من وجد ضالته .

- خذي هذا البخور .. بخري البيت ثلاث ليال متتالية، ودسي هذا الحجاب تحت الوسادة اللي تناموا عليها، وبعدين بشريني .

- لك البشارة بإذن الله .. أحلى بشارة في الدنيا .

- توكلي على الله .

-دخلك خلي الموضوع سر بينا .

غير أن المبروكة لا تعرف للسر وجودا، فما هي سوى أيام، حتى أصبحت سيرة الرجل على كل لسان، لدرجة أن وصل الأمر ببعضهم ، للتعرض له وتقريعه بنبرة لا تخلو من تهكم واستفزاز : يا رجل اشتري نفسك وارضي المبروك.

إلى أن تفاجأ الناس ذات جمعة بالرجل وهو يسوق الخراف قاصدا المسجد .. البعض قذفه بكلمة والبعض دارى ضحكته، بينما قلة أشفقت على الرجل الذي بدا منكسرا إلى أبعد الحدود .

أقبل المبروك منتفخا .. دار حول الرجل عدة دورات دون أن ينبس .. تحسس الخراف .. عدها، ثم دنا منه حتى أوشك أن يلامسه .. نظر في عينيه بصمت، فنكس الأخير رأسه، عندها أمسك المبروك بشحمة أذنه وضغطها بين أصابعه، فلم يبد الرجل حراكا، مما أثار شفقة الواقفين وتعاطفهم، حتى أن أحدهم صاح في المبروك محتجا : اتق الله يا رجل.

- قول التوبة . قال المبروك وأصابعه تطبق على أذن الرجل .

- التوبة . قال الرجل بانكسار مهين .، فانتفض الرجل الذي احتد قبل لحظات مغادرا وفي فمه سيل من السباب، طال كل من حضر .

- خذ الخرفان ناحية الساقية ووقف عند طرفها الغربي، انتظر لحين ما ينزل الإمام من على المنبر وابدأ بنحرها، بعدها أغرس السكين في قلب الأخير، وامض في سبيلك من دون ما تلتفت وراك .

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1133  السبت 08/08/2009)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1068 المصادف: 2009-08-08 01:34:18