د. صادق السامرائي
أياد الزهيري
د. صادق السامرائي
ميلاد عمر المزوغي
عمار حميد
د. زهير الخويلدي
علجية عيش

عراقية في مشفى الغربة

mothaqaf-w1سلمى ذات الأربعين ربيعاً من العمر، تنتابها نوبات ألم عضوي قاسية جداً، كل الفحوصات السريرية والمختبرية تؤكد أن لا علة لديها, لاشيء مخيف إنها حالة نفسية وتعب وحزن قديم, لن تعتاد على تلك الحالة, فهي قوية الأرادة وشديدة التحمل, لكن مامر بها من ظروف عصيبة قبل سنوات, أدى الى أن تتغيير حالتها بعض الشيء بحيث كانت تبدو ضعيفة في أحيان كثيرة، نتيجة للجهد النفسي الذي بات أكثر من حد احتمالها, لهذا ففي لحظة ضعف قوية عزمت على أن تنهي رحلة عمرها, وان تسدل ستارته التي أنهكتها، فلجأت الى تناول كمية كبيرة من الحبوب كانت تكفي لأن تجعلها خارج حدود الزمن الحاضر، غير أن ارادة الله سبحانه وتعالى ولطفه بأولادها الذين هم بحاجة ماسة اليها بالرغم من أنهم في مرحلة من العمر تعينهم على ان يعتمدوا على أنفسهم في جميع أمورهم, قد حالت دون ذلك وكتب الله لها الحياة من جديد.

تمر الأيام يعاودها الألم من جديد،ها هي الآن في المشفى, أولادها يلتفون حول سريرها أما هي فعين على الأيام وعين على أولادها الذين هم قطع من جسدها تمشي على الأرض، نعم فتلك هي خصالها الإجتماعية التي تميزها كونها إمرأة شرقية أولا وتحب أولادها حباً لاحدود له ثانياً.

أثناء رقودها في المشفى تصادف وجود إمرأة ألمانية, مُسنة ذات ثمانين خريفا من العمر، ترقد الى جانبها, تلك المرأة حاولت ان تغير من جو المشفى الكئيب ولغرض ملأ الفراغ المقيت الذي يسود جو المشفى، بادرت وسألت سلمى، كم مضى من عمرك، أجابتها، سلمى40 ربيعا، أجابتها المُسنة، رائع وجميل فأنت لازلت صغيرة، سلمى برغم الألم الذي كان يعتريها ضحكت من أعماق قلبها المكلوم، أستعذبت في قرارة نفسها روعة كلمة (صغيرة) ثم أجابتها، سيدتي أنت تنعتيني بالصغيرة، أسألك بالله، أي ذكريات للصغر ظلت عالقة في تفكيرنا، نحن شعب عريق في كل الأمور، نحن شعب كبير في كل شيء، حتى همومنا تولد كبيرة، تولد معنا منذ الصغر، نولد والشيب يحتل مواطناً في القلب قبل الرؤوس، تحسرت سلمى تنهدت راحت تكلم المسنة الألمانية، أوَ تعتقدين سيدتي أن المرأة العراقية تعيش كما تعيش المرأة؟

متعبة تلك المسنّة التي كانت في المشفى الذي شيد على قمة جبل, عجيب أمرُ أولئك البشر, كل الخدمات متوفرة لديهم وكأن كل منهم ملك لاينقصه سوى التتويج, لاشيء يعكر صفو تفكيرهم فتكاليف المشفى لاتعنيهم, والتفكير في سلامة أولادهم لاتحتل حيزاً من تفكيرهم لأنه لايخطر في بالهم أنه ستختطفهم أياد الغدر, أو رصاصات المحتل, فهذا البلد سيد نفسه ولا وجود لأي إحتلال غاصب ولعين كما في بلدنا العراق, ولكن ماهذا القلق الذي يعتري النفوس هنا؟ الخوف من ماذا ؟ المستقبل؟ أنه مضمون وأكثرمن ذلك والحاضر؟ ها نحن نعيشه أنه صك في متناول الايادي ونستطيع ان نتصرف به كيف ما يحلو لنا وعلى افضل وجه.

اذاً مالذي يسيطر على تفكيرنا ليحيلنا الى قطعة من الأحزان والآهات؟ التحسر على الماضي؟ إنه صك صرفناه وأنتهى ورحل, وهيهات أن يعود, اوَ ياالهي ماهذا الغم الذي يختلج الروح والقلب؟

تلك المرأة الألمانية المسنة, تتفنن في سلب راحة سلمى وكأنها أجادت قراءة ملامحها من أنها شقية طيلة سنوات حياتها, فبعد ان تناولت الحبوب المسكنة للآلآم, وراحت في إغفاءة تأوهت تلك المسنَة ولن تدعها تهنيء بغفوتها, فسرعان ما أيقظتها على وقع أهاتها وتوسلاتها وهي تصرخ (هلو.. هلو) وهذه الكلمات تستخدم هنا حين يُنادى على شخص ما أو يُستفسر منه في أمر ما وانت تجهل أسمه, نهضت سلمى بسرعه مجنونة لتراها عند المغسلة وهي تئن وتبكي لأنها لاتقوى على النهوض ورغم ان هناك جرس لكل مريض وهي تستطيع أن تضرب عليه كي تأتي الممرضة التي تسهر على راحتها لكن حظ سلمى النزيلة الجديدة, جعلها تحمل جسد تلك المسنة الذي يزن حوالي التسعين كيلو غراما, وعلى الرغم من ان سلمى كانت منهكة لكنها حملتها ونسيت انها,مريضة ولاتستطيع حمل جسد بهذا الوزن، لقد تعبت من حملها لكنها لم تكن لتشعر المرأة المسنّة بهذا بل ضحكت معها, وقالت لها أنك كأمي التي ماتت في العراق دون أن أودعها بكلمات حب وفراق أبدي, حيث في وقتها كانت غربان القتل الغادر تحوم في كل الأحياء لتنشر حمامات الدم المستباح على مرأى العالم أجمع، لم يكن من تلك المسنة الا ان تحضنها لتقبلها وذلك عرفانا لها بالجميل حين ساعدتها كي تجلس على سريرها فبدأت بتمشيط شعرها, ثم جلبت لها الكريم المرطب ووضعته على بشرتها, ثم أتت بقنينة العطر التي في حقيبتها وعطرت لها ملابسها كي تشعر بالراحة, ودلكت قدميها وكأنها أبنتها البارة، كل هذا والمرأة المسنًة لازلت تبكي بفرح أو أنها تفرح ببكاء، آه كم عنيدة ياأنتِ, ياأيتها المرأة المسنًة,نعم فهي تحاول مجدداً الذهاب لوحدها وها هي تستصرخ وتستنجد ثانية وكأنها طفل أعجبته اللعبة ليعاند أمه ويتعبها.

كم شقي هذا الأنسان فهو يولد طفل ويموت وهو قد عاد طفلا. ها أن النزيلة الجديدة هرعت لنجدتها للمرأة الثانية المرأة المُسنة تغالط نفسها عسى ان تثبت انها لاتحتاج الى معونة الاخرين  حيث انها نسيت ان الزمن لعين ويجيدُ التفنن كي يسلبك قوتك ويجعلك طريح الفراش حتى وان كنت قبل ثواني بطلاً في نظر نفسك، تلك المسنة نزعت طقم اسنانها كي تنظفه  والنزيلة الجديدة تنظر اليها فلقد وهبها الله خصالاً أراها انا ارقى الخصال البشرية، بينما يراها الاخرون صفات مقززة, وقد تكون في نظر الاناس العاديين صفات غير مستحبة , لن أطيل عليكم لاخبركم بصفة سلمى وكيف انها لاتشمئز من منظر المريض ولاتتوانى في مساعدته رغم ان مظهرها الخارجي يوحي بعكس هذا تماماً فاناقتها واعتنائها في هندامها يجعلك تستبعد ان تتخايلها بتلك الصفة, ها أنها تراقب المسنة وهي تنزع طقم الاسنان من فمها, لتنظفه على أمل ان تعيده الى فمها , لكنها لن تقوى على النهوض لتنظيفه, سلمى تتابع حركاتها وبسرعة جنونية كالبرق تسرع لتأخذ طقم الاسنان, تنظفه ثم تعيده اليها وتلبسها اياه, لتعود تلك المسنّة الى حالة البكاء الممزوج بفرح غامر لايمكن وصفه ابدا، قالت النزيلة الجديدة آه والف آه, عليك ياسيدتي الالمانية فانت التي ولدت في بلد حكمه ,ظالم سادي ومجرم لازال العالم يدفع ثمن جرائمه التي ارتكبها, ومع هذا اثبتهم للعالم انكم تستطيعون صنع الحياة الجميلة مجددا من خلال الشرفاء الذين استلموا زمام الامور في بلدكم فخدموا المانيا بعيونهم ورموشهم قبل اياديهم وسنوا القوانين الراقية والصارمة كي تحد من ظالم الظالمين ومن ثراء الاثرياء حين تجبرهم على دفع الضرائب والتي هي بمثابة الزكاة التي فرضها علينا ديننا الاسلامي الحنيف الذي يبكي منا وعلينا لأننا أمسينا كل يوم نبتعد عن تعاليمه الراقية من خلال الحكام اللامسؤولين واللامنصفين، ان كنت انت تبكين فبالله خبريني ماذا عليَ أن أفعل أنا التي ولدتُ في بلد الشقاء والحزن والقحط رغم أن الخير يفيض في بلادي من كل الجهات, ولأن الخير يعم البلاد اضحى الشر يعم كل البلاد ,فأية معادلة حزينة تكون تلك , حين يجتمع المتضادان الفقر المدقع والغنى الفاحش والنفوس العفيفة والنفوس الرخيصة والمتفاني من اجل وطنه والخائن الرذيل الذي يبيع وطنه, وبهذا  فالحصيلة ستكون تناقضات في تناقضات, فالنقي القلب خارج اسوار الوطن والسارق والمشوب في حضن الوطن.

عذراً سيدتي المسنة صدعت رأسك المتوج من قبل حكامكم الشرفاء, ادعي ليَ بحاكم شريف ينصفنا وينضف البلد المُباح فأننا حرمنا من حاكم شريف يحكم هذا البلد العريق في حضارته.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1621 الأربعاء 29/12 /2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1576 المصادف: 2010-12-29 05:18:10