المثقف - نصوص أدبية

سر البيت المفتوح ... / سعدي صبّاح

sadi_sebbahليس لي يد ولا حيلة .. في أحد أبالسة الشّعر الذّي جعلني وكرا للغناء .. من اليوم الذي دخلت حياتي حسناء غضّة من بنات الرّحل،

 اسمها وحشية وتعلّقتني من أول نظرة بكواليس الرّحيل، وتعلّقتها منذ كنت خجولا لا أعرف للحب معنى وقصّت ينبوع الحنان أثر النّجع .. وراحت تطلب يدها لتجعل منها تحفة تتخطّربها على نساء الدّشرة، وداهمتني موجة من الانكسارات منذ عادت ينبوع الحنان من صحراء عين الناقة تجر أذيال الخيبة، ولاحت انهياراتي للعارفين من الأتراب، ملامحها لم ترمّضها السّنون وأسطوانتها تتردّد على مسمعي كالّلعنة كل قيلولات الصيف،إلى أن بدأ أيلول ينثر أوراقه الصّفراء على الرّوابي والمنبطحات، عصافير البيدر تطير صوب البرّية تطاردها نسمات الخريف .. طيور التّلال أعلنت رحلتها نحو الشّماريخ، فأقلعت السّاعة عن قنص العصافير التي أدمنتها منذ السّنين .. أعلنت خلوتي ببيت الطّين كالنّاسكين، أعلنت كفري بأبناء الدّشرة .. طردتهم من ذاكرتي ككل الشّحارير، أنتظر ساعة الرّحيل على أحر من الجمر.. مكرها حزينا، ينبوع الحنان تعدّ حبل الغسيل.. تتأهب لغسل بردتي المعفّرة بالثّرى، جمعت دفاتري القديمة وكتبي التي هجرتها منذ أيار .. الظلمة حالكة هذه اللّيلة وينبوع الحنان يتعبها الرّحيل .. باتت على يقظة وأيقظتني على صيّاح الدّيكة .. ناولتني قهوتها التي أعدّتها على نار الحرمل وشق كسرة من الخبز الأسمر، تأملت وجهها القمحي فعزّ علي الفراق.. قبّلت يدها الطّاهرة فتأججت جذوتي المتأجّجة بين الضلوع، ودّعت ينبوع الحنان ومراتع الطفولة وبيت الطّين العتيق وتسلّلت يماشيني قدوتي إلى محطّة الحافلة التي تنقلنا إلى المديتة النّائية، جثمنا جنب الطّريق حتى توقّفت الحافلة على حين غرة .. محرّكها يقتل صمت السّحر، ابتلعتنا وسارت وئيدة تعبر الكلخة وسد ابن قراشة، ولمّا أحسست بوعثاء الطّريق .. تذكرت أسطورة الحب العذري وقصيدة ابن قيطون التي حفظتها جنب المنبع في المساء الحزين، وكانت النّيات أن تكون وحشية رمز الحب الطّّاهر وحكاية العشق الدّفين، في ليلة عابرة حطّّ المرحول ... القافلة التي بها من وهبت لها عمري وتسلّل الشّاعر كفراشة يرفرف في النّجيع، وعلى شاطىء المدينة أحسست قلبي يتفتت .. لا لأنّني أمقت المدرسة الحرة الّتي سمّاها الشّاعر الغض وكر الفاشلين ولكن هوى دشرة رضعتها مع الحليب، انتهت دراهمنا في أخر محطّة مع إشراق صبح جديد .. دلفنا إلى مقهى تقليدي وتناولنا القهوة على الحسير، وبخار الزّنجبيل والخرجلان يوزّعان نكهتهما على الزّبائن، ولما فتحت الدّكاكين الشّعبية أبوابها لوينا إلى المدرسة الحرة .. إلى جانب قدوتي أحمل فرائص مرتعدة كعصفور هزمه الصّقيع ... سلكنا زقاقا ضيّقا رمى بنا إلى شارع طويل وقد غصّ بالبيوت المفتوحة .. وعلى العتبات نساء سافرات .. متجمّلات باسمات .. يعرضن مفاتنهنّ لأهل الهوى والشّهوات ... تعوّذنا باالله، خرجنا في الباب الكبيردق قدوتي بعصاه .. فتح الشّيخ عابسا واستقبلنا ببرودة ... وعلى الفور طلب حق التسجيل .. سدّد قدوتي الثّمن دون تعليق وودّعنا الشيخ في صمت في اتجاه سوق الماشية،علّنا نجدمن ينهي مرامنا بغرفة للكراء،التقينا رجلا يدعى بلال ..أدخلنا القيطون تكرّم علينا بقهوة هزيلة وعلى هامش الفناجين منّ علينا بغرفة للكراء.. بحي شعبي قديم ..دخلناها بسلام وكانت عبارة عن قبو أو خمّ تنوط منه رائحة لا تطاق، ودّعني قدوتي على عجل وقد داهمه وقت الاقلاع،أحسست بالغربة بعده،جلست إزاء البيت المهجور أناجي وحدتي، وعلى مرمى حجر قابلني يا للغرابة بيت مفتوح ولم أر لحظتئذمن وراء الباب الاعريشة ثكلى تتهادى أوراقها كلما هبّ النّسيم ..الى ان لاحت ملامح الغروب تنعي موت نهار دخلت فيه المدينة ..وجاء الّليل رتيبا ثقيلا توارى فيه القمر،بت واجفا تروعني خشخشة الفئران تهاجم هيكل حقيبتي البالية،نهضت مع البكور أتجرع كأس الحنظل ...إتجهت الى الوكر دون قهوة الصّباح والوكرهذاعبارة عن حجرة كبيرة منذ عهد ديغول ...جدران متآكلة وطاولات تشمئزّ لها النّفوس ..ضحايا الكفاح منشغلون حيارى في انتباه الى الأستاذ أحمد الذي جاء من أم الّدّنيا تطارده الحاجة الى بلد الأمير ...علبة الشّمة تدور دورتها تحت الكراسي حتى دق جرس الرّاحة ..خرج الموج سكارى وماهم بسكارى و احتشدوا يائسين يدخّنون العرعر بلا شفقة، لم أحتمل ..وتأبّطت دفتري وبارحت المكان في اتجاه القبو .. ارتميت بهيكلي المتعب ازاء الباب حائرا متذمرا .. أصعد بعيناي إلى الباب المفتوح، لا أرى إلى العريشة تكلّلها عصافير المدينة التي لا تلبث أن تطير وتدثّر القرميد الأحمر، تلوح بشالها الأرجواني، العصافير تعري القرميد .. يتمزّق دخّان المدخنة ... تسبح في الفضاء ... تزقزق هاويةعلى العريشة ولكن ..، لاحت جنب العريشة لوحة شكّلها رب الورى .. إبتسامتها كانت كاالسّراج بدّدت ظلمة الرّوح .. خير من امرأة من بهتان ... ترتدي ثوب العفة وهي منها بريئة، والكثير في هذه المدينة دخلن سوق الهوى مكرهات ... وشاءت الأقدار أن أرتمي جنب العريشة وأشاطرها قهوة الضحى، هدّمنا بقايا جدار، تذكّرت وردة الهاني لجبران ... تذكّرت ولادة ومري الياس، إرتجلت بيتا من الرّمل فقبّلتني في الجبين ... ردّيت بأحسن منها... فذاب جليد الوحشة الجاثم على صدري منذ دخلت هذه المدينة، رنت كغزالة مذعورة .. سدّت الباب، وسرى صوت "خليفي أحمد" "والباقي معلوم يظهر في الرقدة * ذهب مخبي نذكر غير الظاهر" ... وراحت مخالب من حرير تغازل أزرار معطفي...، حدّثتها بإيجاز عن حياة الدّشرة .. عن فرسنا ومهرتها التي أطعمتها الخدة بيدي، طلبت الكلمة لسرد يأسها باالتّفاصيل غير المملّة بعد أن أسبلت شايا بنكهتها : تربّيت ببيت من بيوت الرّحل، قد أحبّني أحد أبناء الدّشرة خلال عودتنا من التل وأنا في عمر الزّهور .. وهو المدلل الذي لا يعرف للحب معنى، وبصحراء عين الناقة لحقتنا والدته تطلبني على سنّة رب الورى، فرفض والدي دون حجة .. وعادت عبر الصّحاري يائسة متحسّرة، زوّجني والدي بالاكراه لرجل حديث العهد بالمدينة .. زير نساء وعربيد من أرذل العرابدة، أعلنت سخطي لمّا طلب مني ذات ليلة حمراء وببيته والعياذ بالله ... تمرير أقداح اليانسون على خلانه العرابدة ... ولم يكن بإمكاني المكوث عند والدي الذي دفعته زوجته المتسلّطة على إرغامي باالرّجوع فأبيت .. ولمّا صرت مطلقة في مجتمع يرفض الزواج بمن إستعملها الغير، هربت إلى مدينة الورود فالتقيت بمن دلتني على سر هذه المدينة ... وأعترف بأنّني شبه مومس بالإكراه، وأحببتك ولاأريد منك الزّواج،سألتها عن اسمها غير المستعار، قالت بتحفظ وحشية أجهشت سرا بعدما أيقنت بمن أدمنتها منذ السّذاجة وكانت لي غرة عين كما.. أيقنت بأن لا توجد إمرأة تمارس الرّذيلة على السّليقة مثل الشّعر والموسيقى.

 

سعدي صبّاح

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :208 السبت 21 / 01 / 2012)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1964 المصادف: 2012-01-21 12:11:43