ا. د. ابراهيم أبراش
د. صادق السامرائي
نجوى السودة
شاكر الساعدي
عبد الخالق الفلاح
د. صادق السامرائي
د. عبد الوهاب الأزدي
د. عبد الحسين شعبان

خيـــام الحكايات

hamed-fadil (1)

خيمة الحكاء

 


 

هي خيمة نُصِبَتْ تحت سقف الليالي، فباركتها أكف السماء، وألقت على كتفيها بُرْدَة ً من زرقة صافية، وانحنت كي تفيض عليها بضوء مصابيحها الدانية.. لم تكن مثل تلك الخيام التي ينصبها البدو فوق مرايا الرمال، هي رحبة ٌفي بيت جدي، صباحا ً تكون لأحفاده ملعبا ً، وفي الليل يقصدها السامرون. وفي الليل أيضا ً تأوي الحكايات الى وكنها، فتصير لها سكنا ً، صيفا ً تفتح زيقها فتغري نسيم الشمال، وتخلع عن جيدها شالها، فيهيم إذ يراها القمر، يرفع قبعته، ويلقي برأسه في حجرها.. شتاءً تلوذ الحكايات بموقدها، تتلفع عباءة دفء تحاك بنار (الغضا1)، وكي تتقي سهام الصقيع، تمترس خيمة جدي خلف (جتري2) سميك. ورغم أن ثلة من ديوك حين يجن ليل السماوة لا تمل الصياح. فإن الصباح لا يدرك راوي الحكايات، ولا يسكته عن الكلام المباح. فللحكايات ميقاتها الذي لم تنل منه خيل الزمان.. ميعاد أولاها بعد صلاة العشاء. وميعاد أوخراها حين يرفع قطار الليل عقيرته بالغناء.. حكاؤها ساحر يخبئ في كمه ألف حكاية، وحكاية، يجيء بخرج ذاكرة مترع بالحكايات . فتنهض لاستقباله خيمته، شتاء ً كعادته يُعِدُ له جَدِيّ متكأً قبالة الموقد كي يدفئ ذاكرته.. صيفا ًيخليه على راحته، يجلس قدام باب خيمته المشرعة، لعل نسيم الشمال يرطب ذاكرته.. قدامه يتبختر (النجر3) بمعطفه النحاسي بين الدلال، والدلال تنث عطر القرنفل، فيمطر في صدور الرجال.. ثم تبدأ طقوس الحكايات، لفائف التبغ تطلق أفعواناتها. والفناجين ترقص بين أصابع القهوجي، وأكف المسنين تلاعبها قبل أن يحتسوها. وما أن تطفأ ذبالة أحدى اللفائف، حتى يدور عليهم كيس (التتن) فيصنع كل رجل لفافته ليسهم في نسج غلالة من دخان شفيف تحلق فوق الرؤوس بيضاء مثل غيمة في الربيع، لتكسي الحكاية بحلة هيبتها .. بعدها ينبري أكبرُ المسنين طالباً من الحضور الصلاة على النبي.. عندها يتنحنح سارد الحكايات، يفتل شاربه المستباح بخيل المشيب، يجس لحيته التي تشي بسني عمره، يتلبث مثل صياد يخشى نفور الطريدة، تمد العيون العديدة، أسباب ضوء الى فمه المختبئ بين عشب شاربه ولحيته، ويُلقي إليه الرجال بأسماعهم. فيرفع زير الحكايات ذلك رأسه، وينهال غيث الحكاية.. كنت مشدوداً بحبل انبهار، ودلو اندهاش، إلى بئر ذلك الرجل الذي ينز بماء قراح.. ألهث متسربلا ً باللهفة اثر / سارد / متمكن / محترف / مبهر / مدهش / ساحر / إذا جن ليل عليه، أخرج أبطاله من / قلاعهم / ثغورهم / والحصون / فاعتلوا ظهور أصايل الخيل كي يصنعوا المجد الذي لا يطال إلا على سلم من / الحلم / والشجاعة / والتضحيات.. أية خيمة تلك التي تسع كل ما ينثر في ليلها من حكايا / أبطالها خارقون / أحداثها لا تطاق / قلاعها لا تدك / حصونها لا تخترق / خيولها لا تشبه الخيول / ملوكها من أصلاب أربابها والأمراء / ملكاتها حفيدات عشتار والأميرات / أحرارها عبيد ملذاتهم / عبيدها أحرار في قرارة أنفسهم / عفاريتها يرزحون في زنازين القماقم / جنياتها يسبحن في نافورات العتمة / وفي الحكايات للسباع زئير / وللسيوف صليل / وللرماح أزيز / وفعل الكنانات والمنجنيقات في الناس فعل المناجل في الحقول / هذه الكائنات هي التي أثثت للحكايات في مخيلتي ركنها المستديم، والتي ما تزال أحداثها محفورة على جذع نخلة الذاكرة.. في زمن البراءة، كنت ألوذ بجدي، وأنا أغذي الذاكرة الغضة بحكايا الشتاء المضاءة بالفوانيس الشاحبة كوجوه الفقراء،.. وحكايا الصيف الندية بنضح الجرار المعممة بعمائم الخوص، المتروكة قدام الخيمة، حيث تتعرى (أشاف) الرقي مكشوفة لمراوح النسيم، وتهفو الأكف إلى (المهفات) .. وشيوخ محلتنا إذا عسعس الليل، يتركون طيور مخيلاتهم المتعبة من كدح النهار، تلتقط ما يتساقط من نخلة الحكايات، وأنا مثلهم أَلِمُ ما تناثر منها. حتى إذا تنفس الصبح عدت لأجترها كأحلام يقظة، كلما سنحت لي فرصة في النهار.. كان نهر الحكايات يسير الهوينا، يُرّسِبُ ما يحمله من لقى، فتركد في قاع ذاكرتي، ثم يطفح بتأثير / محرض / غامض / مجهول / ليلقي بأحداثه وشخوصه إلى شواطئ المخيلة البكر / فتهتز / تربو / تتناسل / لتلد حكايات أخرى.. كنت أغور في أخاديد الأزمنة الغابرة حيث / القلاع الحصينة / السراديب المخيفة / المطمورات المظلمة / الملوك الجبابرة / عفاريت الجن / السحرة المارقين / أو أحلق بأجنحة المخيال إلى / القصور الفاخرة / الحدائق الغناء / الجنيات العاريات // الأميرات الجميلات السابحات في نافورات الحليب / الفرسان الشجعان / الخيول البيض ذات الأعراف الغزيرة / السيوف العربية / الحراب الطويلة / الرماح الفتاكة / بسط الريح / المصابيح السحرية / القماقم / المسوخ / الرخاخ / الآفات /.. كانت وجوه أبطال الحكايات تتشكل أمامي، تترأى لي من خلل غلالة الدخان الذي ينفثه الرجال وهم يحرقون سجائر اللف، وسجائر(المُزَبَنْ) التي عُرفت بالاصطلاح الشعبي (ضلوع الملة) وما تلتها من سجائر ذلك الزمان / التركي / الغازي / اللوكس / ثم الجمهوري الذي استقبلته صدور المدخنين بعد قيام الجمهورية العراقية .. كنت أرى أبطال الحكايات يتحركون أمامي في مشاهد من خيال الظل الذي ابتدعه الكمال أبن دانيال في القرن العاشر الهجري.. أرى عنترة بن شداد العبسي / سيف بن ذي يزن / المهلهل بن ربيعة / الزير سالم / الأميرة ذات الهمة /.. وآخرين غيرهم تستدعيهم الحكايات، أراهم في خيمة الحكاء / يولدون / يكبرون / يتزوجون / يخلفون / يبنون / يتقاتلون / يتغربون / يحيون / يعمرون / ثم يمتون /.. حكايات ليالي الصيف تلك التي كانت تتمرأى في مرايا النجوم، وتنثر شعرها تحت شلال ضوء القمر، ما تزال تتناسل في مخيلتي.. وحكايات ليالي الشتاء الدافئة برغم طيور الصقيع التي تنقر ستار الخيمة، ما تزال تلوذ بدفء ذاكرتي.. رأسي صندوق موصد على كائنات مخيال الطفولة. تلك الكائنات الخرافية التي أجبرتني على إطلاق عقيرتي بالغناء كلما مررت بأزقة ليل صوب السماوة الصغير، فربما ينقلب (الطنطل) المخادع إلى تيس صغير، أو كرة من الصوف، وربما كانت (السعلاة) تكمن خلف جذوع النخيل، تتحين الفرصة لاختطاف أحد الأولاد، أو قد يخرج (عبد الشط) ليستلقي على رمال شاطئ القشلة بعد منتصف الليل. أو يتجول (فريج الأقرع) بحرية بعد صمت الأزقة.. كل تلك الحكايات المكنونة في صندوق الطفولة ما تزال تتمترس خلف درقة الذاكرة من عصف النسيان، وهي ما تزال تروى لي بكرة وعشيا.. فترة طفولتي هي أجمل ما في حياتي / بيت جدي البسيط / السدرة العلوية / النخلة البرحية / الرمانة الجوادية4 / الدجاجات التي تتعفر بالتراب / الديك المتبختر على أسكفة التنور / المعزة العجوز التي تلوك اللبان / القطط التي تلطع ماء الناقوط الراشح من لحية الحِبْ / الغلايج5 البدوية / الجمر المتوهج / الدلال الذهبية / الفناجين المؤتزرة / القهوة المهيلة / شبابيك الزلابية / الكليجة المشوية بالتنور / أكياس التبغ / ورق اللفائف / المسابح السود / اللحى البيض / العُقِلْ النجفية / اليشاميخ الجنوبية / الوجوه الشائخة / الموشومة بالشمس / المحفورة بالأخاديد / الموسومة بالفقر / القانعة بالرزق / الطافحة بالسعادة / علمتني قبل أن أقرأ أي كتاب (معنى الصراع الطبقي)        

 

 (2)

خيمة القراءة

 

وحين كسى الزغب الأصفر لون الليل / سال في الخدين / تحت الأنف / وفوق العانة / تعرفت إلى ذلك اللص الظريف أرسين لوبين، والمفتش الذكي هركول بوارو، والمغامر جيمس بوند.. صرت أقتصد في مصروفي لأشتري كتب / موريس لبلان / أجاثا كرستي / أيان فليمنغ /.. ثم عثرت على بيت الحكايات (كتاب ألف ليلة وليلة) لم أطرق بابه عابراً للسبيل، بل دهمته بخيل القراءة الواعية، لأتخذ لي مجلساً بين ثلة الأصدقاء الذين حسدوني على قابلية إعادة سبك الحكايات.. في مرحلة الدراسة المتوسطة، أُسْتِهُلَتْ خيمة القراءة لروائع الأدب العالمي بروائع الأدب الروسي ، قرأت لمعظم الكتاب الروس الكبار، أعدت لأكثر من مرة قراءة ملحمة الحرب والسلم، لأقتحم تولستوي، التهمت رواية الأخوة كارامازوف برمتها، تقول فرنسزواز ساغان: (كلما قرأت دوستوفسكي، شعرت بضآلة ما نكتب).. هناك قصة قصيرة لذلك الكاتب ذو الشارب الكث الذي أبدع في رواية الأم، تتحدث عن غانية تكتب الرسائل لنفسها من عاشق اختلقته، هذه القصة ما تزال تنبت كنخلة في الذاكرة لتذكرني بعظمة مكسيم غوركي.. خيمة القراءة الممتعة التي انتصبت على عمود قصة بوليسية ما تزال تظللني ولن تتقوض إلا إذا توقف خفق جناح هذا الطائر الصغير الحبيب الذي يدعونه القلب، ستظل قوافل الكتب التي يحدو بها المؤلفون، تحل في واحة الذاكرة ولا ترحل، ما ظل القلب قادراً على التحليق في أجواء الحياة، الأسماء والعناوين القديمة تفسح للأسماء والعناوين الجديدة ، شخصيات روائية كثيرة خلقتها مخيلة كبار الروائيين حفرت أسماءها في لحاء الذاكرة / راسكولنكوف وخالقه دوستوفسكي / زيفاكو وخالقه باسترناك / جان فالجان وخالقه هيجو / ديفيد كوبر فلد وخالقه دكنز / ستيفنسن وخالقه جويس / زوربا وخالقه كازانتزاكيس / آخاب وخالقه هرمان ملفيل / هاري وخالقه كولن ويلسن (كم حاصرتني ضياع في سوهو بسطوتها في فترة المراهقة) / ثم بنجي وخالقه فوكنر / ساما وخالقه كافكا / وهذان الكاتبان أبدعا أروع روايتين أثيرتين عندي هما الصخب والعنف، والتحول أو المسخ. ثم اكتشفت ذلك الحكواتي المدهش بورخس، وذلك الساحر المحلق على بساط الواقعية السحرية ماركيز .. في منتصف السبعينات نشرت مجلة الطليعة الأدبية أول قصة لي ولما أقرأ لأي كاتب عراقي، وأدهشتني قراءة الشاعر فوزي كريم لتلك القصة التي كان عنوانها (بعض هموم الجد سلمان).. قرأت بعد ذلك لمعظم الكتاب العراقيين من الرواد الى التجريبيين لأطلع على ثالوث أساس القصة العراقية الحديثة فؤاد التكرلي / عبد الملك نوري / شاكر خصباك / ثم نزلت واحة الستينيين لأكتشف أن محمد خضير مهندس في القصة القصيرة، ضممت صوتي الى جمعة اللامي في البحث عن قتلة حكمة الشامي، تنزهت في شوارع أحمد خلف المهجورة، أعجبت بأسلوب خضير عبد الأمير الذي يدخل القلب بلا استئذان، وأسلوب عبد الستار ناصر الجرىء.. / ديوس أكس ماشينا / طقوس العائلة / بلا أبواب ولا نوافذ / ثلاث قصص / لجليل القيسي / موسى كريدي / محمد سعدون السباهي / ما تزال رائحتها في الذاكرة. وكلما قرأت جديد لطفية الدليمي ازداد يقيني بكونها مبدعة كبيرة، أما ديزي الأمير، والهام عبد الكريم فلهما متكئهما الخاص في خيمة القراءة، وأجزم أن هدية حسين قاصة وروائية مبدعة،.. في الرواية العراقية تبقى نخلة غائب طعمه فرمان تساقط رطباً جنياً، أما مهدي عسى الصقر فواقعي حتى العظم، ولا أنسى أن الوشم رواية صادقة لعبد الرحمن مجيد الربيعي أما عبد الخالق الركابي فهو بحق روائي كبير، ولا رجع يخلد صداه كرجع فؤاد التكرلي البعيد إلا المبعدون لهشام توفيق الركابي .. ساعدتني درايتي باللغتين الانكليزية والألمانية على قراءة القصص الرائعة بلغتها الأم. ترجمت عن الألمانية (تحليق بيدرو في اللامتناهي) لساحر القصة الأرجنتينية أنريكو أندرسن امبرت، ونشرتها في جريدة العرب، لتنشر بعد ذلك في أكثر من موقع وجريدة.. قرأت الكثير، وما أزال أقرأ.. لا أعرف من الذي قال: (الشيء الوحيد الذي كنت احتاجه كي أصبح كاتبا جيدا هو أني كنت قارئا جيدا).. منذ أن دحا الخالق ألأرض وأثثها بالكائنات، والعالم السفلي ينزع نحو التجديد، وهذا أمر قائم مادام الحاضر الذي يتوسط الماضي والمستقبل، هو عماد خيمة الحياة ، فمن الغد يُصبح اليوم، ومن اليوم يَصير الأمس، فالحياة إذن حالة متجددة تستبدل الزائل بالجديد، وقد أدرك الشاعر السومري ذلك وعبر عنه في ملحمة الخلود. وكذلك هو حال كل مبدع في أي فن من فنون الأدب.. عالمنا ملئ بالحكائين، لكننا لا نرى في نصاعة التأريخ الأدبي الخالد إلا الثلة من المجددين أولئك الذين يخلعون على إبداعهم السردي ثياباً جديدة ليخرج مزهواً كالطفل في العيد.. المروية متاحة للجميع، لكن سر خلودها الذي يجعلها متجددة في الذاكرة الجمعية يكمن في ما يضيفه الراوي المقتدر الذي يتمتع بمخيلة خلاقة.. حرصت دائما على أن لا أكرر ما قيل أو كُتب، فالكتابة عندي هي عملية بحث دائم عن مواضيع مغايرة.. خلود الإبداع يكمن في هذه الأسئلة الثلاثة، ماذا تكتب ؟ متى تكتب ؟ كيف تكتب ؟ والإجابة عن ماذا تأتي من انصهار / الواقعي / الغرائبي / الرؤيوي / المخيالي / في بوتقة القص، أما متى فهي عندما يستدعي الواقع المعيش / العرض / التنبيه / التحريض / الأمل /. أما كيف، فالإجابة عنها تتلخص في الابتعاد عن / السذاجة / العجالة / الإنشائية / الفوتوغرافية / قرأت أطنانا ً من الشعر طارفه، وتليده، عشقت الشعر، وتزوجت القصة .. في حكايات بيدبا مجموعتي الأولى الصادرة عام 1994، الأحداث البسيطة التي حدثت للناس البسطاء الذين عرفتهم عن كثب وعايشت همومهم، تلك الأحداث مزقت شرانقها وحلقت بأجنحة ثيمات ملونة، لتخرج من محراب القص بزينتها كحكايات جديدة استطاعت أن تأتي بقبس من نصاعة النقد العراق، رغم أني كنت قد تركت الكتابة لبضع سنين قبل نشر حكايات بيدبا الذي جاء بتشجيع من الصديق القاص وارد بدر السالم.. والتي حاولت فيها أن أكتب عن هموم أولئك الناس البسطاء الذين تربيت بينهم، والذي رحلوا اثر جدي الذي قوض خيمته، وسبقهم الى عالم ما نزال نجهل عنه الكثير، ولعله الآن في العالم السرمدي ينصب للحكايات خيمة ً ثانية.

 

 (3)

خيمة الصحراء

 

في سنوات الحصار العجاف التي كان الناس يغاثون فيها ويعصرون.. كان أمامي طريقين للهجرة.. الأردن حيث يتوجب عليّ أن أدفع مبلغاً كبيراً للحصول على جواز سفر، أو السعودية حيث يتوجب علي عبور الصحراء.. ولأن الله أراد لي أن أراه في كائناته التي أثث فيها الصحراء التي بسطتها يده الكريمة في لحظة خلق. فقد اخترت طريق الصحراء. وفي ليلة من الليالي السود التي يتأخر فيها بزوغ القمر، شددت الرحال الى رحمة أهل المدر، مع ثلة من الهاربين مثلي من جور أهل الحضر.. قال لنا البدوي القواف الذي كنا بمعيته : بعد ليلتين سنعبر (الحفد6)، ونتنكب نجد.. تركنا النجم القطبي أو ما يسمى بالجدي الى يمينينا، وسرينا في أرض متكسرة، نعتلي متون الهضاب، أو نغور في الأخاديد.. الدب الأكبر يتابع حركتنا من متكئه في السماء، وبنات نعش ينظرن إلينا من أسكفة خيمة الله. منكرات سيرنا البطىء بحركة الصياد ــ هن لا يعرفن أن العين ترصد الحركة السريعة ــ في الصحراء أينما تولي وجهك في الليل الأليل فثمة حشود من الأفارقة التي يخلقها الخوف تطاردك .. والحكايات في الصحراء التي تنمو مثل عشب في الربيع، هي أمضى سلاح لواجهة ذلك الخوف، كنا نقص الأثر، ونقص الحكايات .. حين أوشك ذالك الليل على ضب خيمته والرحيل.. أقتحمتني عاصفة صقعية اغتالت الدفء الذي خلفته حرارة الفرح بالوصول الى (الحفد) والبدء بتسلقه حيث لا تفصلني عن الأراضي السعودية إلا بضعة كيلومترات حين سمعت إطلاق النار الذي لم أستطع تحديد مصدره.. أمرنا القواف بالركض نحو غابة السدر الصحراوي والاختباء هناك.. فشلت محاولة عبور الحدود تلك الليلة.. في صباح اليوم التالي نزعت من رأسي فكرة المغامرة بالعبور الى الصحراء السعودية.. رجعت الى صحراء السماوة. حيث مكثت في ضيافة صديق من قبيلة قشعم.. الصحراء كتاب لا يقرأه مَنْ يجهل لغة الصحراء، لا يدريه مَنْ لا يدري كيف تُقلّب أصابع الريح أوراق الرمل، لا يبصره مَنْ لا يبصر ما خط يَراعُ الله على جبين الصحراء، لا يعرفه مَنْ لا يعرف كنه ما سفحت دواة الدهر من كلمات على قرطاس الصحراء، إن للصحراء أطراساً من / الرمل / المطر / السيل / العشب /الكمأ / الحصى / الحجارة / وكتاب الصحراء يكتظ باللامرئي من الكائنات، لا يراها مَنْ لا يرى ببصيرته جمال الصحراء، لا يشعر بها مَنْ لا يشعر ما بداخله من صحراء، لا يسمعها من لا يسمع همس الصحراء، لا يجسها من لا يجس شروخ الزمن على مرآة الصحراء، لا يضم إلى صدره كتاب الصحراء، مَنْ لا يعرف دفء الصحراء، لا يكسب ود الصحراء إلا عشاق الصحراء، لا يتغنى بالصحراء مَنْ لا تُرْجِعُ ذاكرته صدى صمت الصحراء، لا يتذوق موسيقى الصحراء من لا تهزه أوتار ربابة الصحراء، لا تسحر قافية الصحراء مَنْ لا يعرف قصيد الصحراء، لا يظمأ في الصحراء من يشرب من بئر الصحراء، لا يهتدي بنجم الصحراء إلا السارب في ليل الصحراء، لا ينعم برفقة قمر الصحراء من لا يسري بليل الصحراء، لا يتبين خيطا الصحراء لمن لا يغبش في الصحراء، لا يعرف خوف الصحراء من لا يلقى ذئب الصحراء، لا يُحَدِثُ جن الصحراء من لا يمسه جن الصحراء، لا يصف حسيان الصحراء مَنْ لم يحسو ماء الصحراء، لا يستظل بظل الصحراء من لا يحرقه صهد الصحراء، لا يتبرد بفيضة الصحراء من لا تصليه شواظ الصحراء، لا يخبر شمس الصحراء مَنْ لا يضرب في ظهيرة الصحراء، لا يتذوق قهوة الصحراء مَنْ لم يرتشف فنجان الصحراء، لا تؤنس نار الصحراء من لا يسمر في ليل الصحراء، لا تٌسْمِعٌ الصحراء من لا يعرف مفردات الصحراء، ولا تستمع الصحراء إلا لِمَنْ ينطق بلسان الصحراء، لا يروي حكايات الصحراء إلا وارث حكايات الصحراء.. بعد بضعة أشهر تمزقت صورة الصحراء المرعبة التي رسمتها في مخيلتي ريشة الأعوام الغابرة.. سجن نقرة السلمان الجاثم كقبر خرافي، عواصف الرمال التي تقرح الجفون، وتسد المسامات / المتاهة / الذئاب / العقارب / الأفاعي / السيول / المفاجئة / السراب / العطش / الموت / بعد أن صبغت شمس البادية جلدي، وخطت أيامها سطوراً في أوراق العمر مغيرة تضاريس وجهي، واحتلت أحداثها مساحة في ذاكرتي فضضت بضع شعرات في فودي، وبنيت خلايا جديدة في جسمي، تغذت بمياه الآبار، والقهوة المرة، وحليب النوق، ولحم الضب، وتسخمت رئتي بدخان اللفائف والمواقد، وامتلأ صدري برائحة العشب، والرمل، والبعرور، وبول الأباعر، وعطر الأزهار البرية، وبعد أن أبصرت توهج عيون الذئاب في عتمة الليل، وعرفت من الزواحف ما لا يخطر على بال، واستطعت التمييز بين ألوان الحصى وألوان العقارب، وصادقت الصقور، والكلاب السلوقية، وركبت الذلول، وتلصصت على الأباعر وهي تنكح النياق، وسمعت هسهسة انسياب الأفعى، واهتديت بالنجم وشممت التراب، واقتفيت الأثر، وعرفت متى تربو كل نبتة ومتى تذبل، وتحريت حياة البدو بأسرارها ودقائقها.. حاولت أن أرسم صورة جديدة للصحراء كما رأيتها وخبرتها فكانت مجموعة (ما ترويه الشمس.. ما يرويه القمر) التي صدرت عام 2004 لتعكس ما سفح من حكايات على مرآة رمل صحراء السماوة، لتروي ذلك الإرث الشفاهي، ذلك العالم الرملي المدهش الكامن مثل الكمأ الذي ينبت بلا عروق في انتظار الكماي العارف، المقتدر الذي يفقأ أسنمته ليبزغ في نصاعة نهار الصحراء.. وإذا كانت المروية تستدعي الراوي كما يقول تودوروف، فقد اختار النهار الصحراوي المفعم / بالشواظ / الصهد /السراب /عواصف الرمل / الشمس لتكون راويته، كما اختار الليل الصحراوي / المقمر / الندي / الذي يخفي في أكمامه كائنات الصحراء كافة . ذلك الليل الخرافي الصافن كجواد مطهم، اختار القمر ليكون راويته، فالشمس تروي، والقمر يروي ما داما دائبين، ونحن المنصتون مبهورين بما نسمع من حكايات الصحراء المبثوثة على مرآة الرمل المفتوحة على الآماد وقد فازت هذه المجموعة بجائزة الإبداع لوزارة الثقافة العراقية للعام 2010.. في كتاب مرائي الصحراء المسفوحة الذي سيصدر قريبا، هناك انتقاله من الاشتغال على المروية الشفاهية لتحويلها إلى قصة فنية كما في مجموعة ما ترويه الشمس، ما يرويه القمر إلى الحفر في الخلفية الميثولوجية الصحراوية، واستغلال المكان الصحراوي كسداة لنسج غزل حكايات الصحراء، فكتاب المرائي هو بوتقة تنصهر في متون نصوصه/ الأمكنة / الأزمنة / الميثولوجيا / التأريخ / الأساطير / المرويات / الشعر / المينوغرافيا / السحر / الجن / الحداء / القصيد البدوي / لتنتج أحداثاً من عالم رملي لا يُرى سحره الباطن إلا من خلال عين المخيال، وهو محاولة في حفريات النص الصحراوي المؤثث بالكائن الحي ، نصوص المرائي هي التنصت على صمت الصحراء المكتنز بالحكايات الغرائبية ، وأحسب أنها تجربة جديدة في ثقافة الأمكنة.. هناك في المرائي مشاركة في صنع الأثر الكلي بين المتلقي والحكاء.

 

(4)

خيمة المدينة

 

 في المدينة المذهلة، استقبلتني الوجوه المقنعة، وسلقتني الألسن الحداد بالأسئلة، والشعارات والأكاذيب واللافتات والمكننة، وأيد شداد غلاظ راحت تقود خطاي الى مختلف الأمكنة، المستباحة منها والمحصنة.. فاحترت واليم حولي مليم، الى أية سوداء ألقي بمرساة قلبي، تلبثت والاختيار صعب.. فأنا فطرت على أن أكون، حذرا ً كثير الظنون، فعيون المدينة لا كباقي العيون، هي مثل عيون الذئاب لا تضيء إلا لتقتل، ووجه المدينة، وجه مومس في الغبش.. المدينة غابة والصيد فيها وفير، وحين يُطلق النفير،الكل يتنكب كنانته، وأنا من زمان جردتني الليالي من درقتي، فبمن أتقي السهام التي لا تطيش.. أجنح للسلم، أبسط كفا ً كفرخ حمام ، فتصافحني سمكة نافقة ً.. المدينة قفص خرافي بعدة أبواب، وعدة أقفال، معبأ بالحيوات، مفاتيحه في جيوب الذين يمتلكون القصور والأرصدة، فلا رحمة في القلوب التي من الحجارة قدت، ولا نظرة عطف تجود بها الأعين الجامدة، وليل المدينة غارق في الظلام، المصابيح مفقأة، ومشنوقة بأسلاكها، الشوارع يحيك لها المقاولون الثياب، والجدري يفتك بالأرصفة، وعلى الحيطان المسودة كوجوه الحدادين، يرسم السكارى بالبول خرائطهم، ويكمن في العتمة بعض اللصوص، والشقاوات و والعاهرات.. وصوت المدينة في الليل / بكاء الأرامل / نواح الثكالى / صراخ الأطفال / نباح الكلاب / صياح الديوك / هلوسات المجانين / تأوهات المحبين / شوق العذارى /.. ونهار المدينة مارثون الفقراء، الكل يركض نحو رزق قد يجىء أو لا يجىء، ثم ها فجأة (بم) ويتناثر كل شىء.. وسرعان ما يعود السكون، كأن ما كان لم يكن، ولن يكون، والناس كالنمل تسعى، الكل صرعى ولا يشعرون، ولا يملكون من الكلام غير (الله كريم)، والى السماء هم ينظرون، وحتى السماء نست أنهم ولد آدم، وآدم لم يكن أفعوان، فمن أي رس أتت هذه الأفاعي التي تكمن لنا في الجحور.. وألفيتني أعيش المدينة بواقعها المفروض، وأفرض لها واقعا ً في مجموعة (المفعاة) التي صدرت عام 2010 في دمشق، ربما تكون تلك المدينة هي السماوة، ربما هي بغداد، أو ربما هي العراق برمته، من هامة أعلى جبل في الشمال، الى أخمص قدم الهور في الجنوب الأغر، وما بين الواقع المفروض ، والواقع المفترض، يمكن ملاحظة ما تخفي المدينة بين أكمامها من غرائب الحكايات والقصص المقارنة من خلال الامتلاء الداخلي والخارجي للواقعين بالأحداث المعلن منها والمخفي.. والقارئ للمجاميع الثلاثة سيرى وبكل وضوح سيماء التجديد واللغة الشعرية، والمواضيع المغايرة، وطريقة طرحها.. أما أنا فما زلت غير راض عما حاولته لحد الآن، ومن فضائل عدم الرضا البحث الدائم عما هو جديد، والحفر في اللغة والمواضيع وخلفيات القص.

 

................

1-      الغضا: شجر يكثر في بادية السماوة بوادي الغضا أو وادي بني تميم.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (15)

This comment was minimized by the moderator on the site

هائل أنت سيدي ، اللــــــــــــــــــــــــه اللـــــــــــــــــــــــــه عليك ماأروعك، اردت اقتطاف زهرة من احدى روضاتك فاحترت بينها ولم اوفق في الاختيار ، فعببت منها مايفوق القلب بكثير وساعود لاحقا لارتمي ثانية وثالثة ولم أعرف بعد أأرتوي أم لا ،؟الاستاذ الكبير حامد تفخر بك الفرس الاصيلة مادمت شامخاً على صهوتها....

This comment was minimized by the moderator on the site

يالك من حفار ماهر صديقي العزيز حامد لا املك الا ان احييك بحرارة

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي و معلمي
حامد فاضل
كيف بنا اليوم؟؟؟؟وانتم تعودون بنا الى ايام لا و لن تعود ولا اعتقد بان اي جيل سوف
يتمتع بوقته و زمانه و لاحرف الذي يدرسه و يقرأه مثلما كنا بالرغم من كل الماسي.
السيدة الفاضلة الراقية بشرى البستاني ذكرتني بمرتفعات وذرنك وانت الان تذكرنا بكل الروائع من القصص و الروايات التي احببتنا للحرف الجميل الحقيقي و المعبرمن تروتسكي الى تولستوي الى الى اجاثا كريستي و ارسين لوبين و و و و الخ ومن العرب نجيب محفوظ ومحمد حسنين هيكل و احسان عبد القدوس و الزيات و المنفلوطي و الحكيم و و و و و من ثم العراقيون العباقرة الذين هم اساس العبقرية و العلم و المعرفة و الشعر.
يا بن السماوة البار
و بن العراق البار
انحني لك و لكل من يحب العراق و اهله
و قبلة على جبينك

This comment was minimized by the moderator on the site

وفي الليل أيضا ً تأوي الحكايات الى وكنها، فتصير لها سكنا ً، صيفا ً تفتح زيقها فتغري نسيم الشمال، وتخلع عن جيدها شالها، فيهيم إذ يراها القمر، يرفع قبعته، ويلقي برأسه في حجرها..
.............
لغتك شاعرية بل تتعابق شعراً وتصويراً يدفع بالقارىء الذي يحب الشعر فقط إلى حب القص أو السرد الفني شاء أم أبى !!
تمنياتي الطيبة وتقديري للأديب البديع حامد فاضل

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وأستاذي الشاعر القدير والمقامي الذي لا يجارى:
أخجلتني يارجل كنت وما أزال أتلمس طريقي في نهج الكتابة الصعب هذا العذاب الجميل كما وصفه أخي الأعز عبد الستار ناصر.. ألف شكر لك على كلماتك الطيبة المشجعة دمت لي أستاذا وأخاً وصديقاً أعتز بصداقته

This comment was minimized by the moderator on the site

شهادة أعتز بها ايما اعتزاز لأن مصدرها شاعر مائز قدير هو سامي العامري .. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

اديبنا الكبير حامد فاضل
لو نادتني حبيبتي وانا ابتدات بدخول خيام حكاياتك لما التفت اليها .. فقد تنفست عبق الامكنة رغم قفرها .. وعطر الابداع في وجوه العمالقة رغم رحيلهم .. ذاكرتك مشحونة بالجمال وانت تقرأ لنا أسفارك المكانية والفكرية.. سلمت لنا وايد ابداعك بالمزيد منه لتمتعنا ولنغترف منه زادا ثقافيا مائزا.
تقبل تحياتي وتقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

ثلاث توهجن في ليل حالك الظلمة ، صنعن هالةً من النور تبهر النفوس وتذيب سخام الظلام السميك الجاثي على القلوب المغتربة وتستفز بواكير الذكريات الخابية تحت جمر الوجد ، أدخلتني حقاً في خيمة جدك وخيمة الصحراء الاكثر من رائعة ومن بعدها خيمة المدينة ... أعجبنني بما يفوق الدهشة ، وبالمناسبة قد علقت يوم أمس ، لكن تعليقي صادره ال (النت ) تحياتي لك أيها الكبير وأشكر السماوة الحبيبة التي لاغرابة ان تنجب العمالقة حقاً وبما اني ذكرتها أهدي تحيتي للعملاق يحيى السماوي من خلالك
دمت لنا وأمنياتي لك بالتألق المستمر.
مهدي الخاقاني

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الأعز وأستاذي المائز مهدي الخاقاني:
بأنفاسكم هذه أكتب بكلماتكم هذه أزداد ثقة على ثقتي فأكتب سأواصل ما دمتم تشدون على يدي لتثبتوا يراعي.. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز حمودي الكناني والله مشتاق الكم لكن يبدو أنكم هذه الأيام تجتمعون من دوننا ألم تغزر المسموطة؟

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ والقاص البارع بمهارة حامد فاضل
عندكم تقف منبهرة فنون قوة السرد وبراعة القص بأبهى تجلياته ...سلمتم ودام تألق ابداعكم تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي ومودتي لكم .... وبهاء الجمال وسعة الخيال وعمق الدلالة لخيامكم الرائعة .... استاذنا المبدع دوما حامد فاضل

الحريزي حميد

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وأستاذي الرائع حسن البصام
رغم كل ما كتب عن تجربتي المتواضعة في عالم السرد الكبير الواسع.. تبقى نصاعة تعليقاتكم هذه تضىء طريقي وهي تأتيني من خلال نافذة قبة المثقف .. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخت المبدعة المائزة سنية عبد عون رشو:
ألف شكر لك على مرورك الكريم.. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

يا لجمال وسحر هذه النصوص الحرة التي تقف خارج التجنيس، وهي تتدفق بصورها ومفرداتها الجديدة!
مبدع متفرد وخلاق أنت صديقي الشاعر القاص حامد فاضل
أشد على يدك وأطلق فراشاتي لترفرف في رياضك الغناء .. تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2407 المصادف: 2013-04-08 11:29:01