ا. د. ابراهيم أبراش
د. صادق السامرائي
نجوى السودة
شاكر الساعدي
عبد الخالق الفلاح
د. صادق السامرائي
د. عبد الوهاب الأزدي
د. عبد الحسين شعبان

ابـتــسامـةٌ عـابِــرة

saida taqiكم من عبور أعاد تشكيلَ الذات في غفلة من الزمن المارق.

 


 

ابـتــسامـةٌ عـابِــرة / سعـيدة تـاقـي

 

مرّت عابرةً في حياته.. لكنها كانت تسلب منه في كل مرور ابتسامة.

 لم يكن يملك أن يقاومها..  بإصرار غريب كان يتابع كل حركاتها.

في البداية لم يهمّه أن يعرف اسمها، كان مكتفياً بإطلالتها يشرق بها صباحه. لاحقاً رغب في أن يعرف من تكون، لكنه خشي أن يغيب البهاء حين تدركُ وجوده المتلصِّص على عفويتها. في النهاية لم يعد الأمر مهِّماً لأنها اختفت دون أن تترك أثراً يدلُّه على ديارها.

كانت الابتسامة المرسومة على شفتيه غنيمتَه الصباحية، التي تعيد إليه الرغبة في مواصلة البحث عن غد أفضل.

لم تعد أيامه متشابهة، منذ أطلَّ محيّاها الجميل ذات صباح خريفي.

أصبح يمقـت نهاية الأسبوع. ودَّ لو اسـتطاع حـذفها لفـرط ما كانت مـملّة و محبطة.

ورغم أنه متيقن من أنها لن تعبر من أمام المقهى صباح السبت والأحد، لم يكن يُخْلِف موعدَه أو استئثاره بالطاولة المحاذية للمدخل والمطلّة بسخاء على ناصية الشارع.

شاء القدر أن تعبر بجوار تلك الطاولة في أول اكتشافه لذلك المقهى. فواظب على اعتياد عبورها البَهِيّ. وواظب على تصفّح كل الجرائد المتاحة للزبناء، مقابل الدراهم التي كانت تمدُّه بها أمه خلسة من أبيه.

لم يكن يشعر بالانزعاج.

كان لأول مرة منذ حصوله على الإجازة متفائلاً؛ فإن لم تمنحه الإجازة جوازاً لاقتحام سوق العـمل، ستجيز له طاولتُه الأثيرة البحثَ بين الإعلانات عن فرصة للتجرؤ واقتحام وَحْدَة تلك البهية الهاربة.

 

دامت ابتسامتُه ما دامت إطلالتها.. لكنها اختفت.. واختفت معها ابتسامته...

لم ييأس ظل ينتظرها يوماً بعد يوم.

 مر الأسبوع الأول ولم تعد.

واصل الانتظار في الأسبوع الثاني.

الأسبوع الثالث فارق طاولته الأثيرة ليتنقَّـل بين الطاولات الأخرى تلبيةً لطلبات الزبائن.

الأسبوع الرابع وهو يتوجّه إلى طاولته القديمة لتلبية نداء زبون، وجدها أمامه بكل بهائها. كانت مشرقةً أكثر من المعتاد، أو هكذا بدت له بعد طول الغياب..

ـ فنجان قهوة نصْ نصْ لِيَا وعصير باناتـشي للمَدَام.

انفتحت أساريره كرْهاً، لكنها لم تكن ابتسامةً تلك التي افْـترتْ عنها شفاهه، كانت ضحكةً مدوِّية تردَّد صداها في كل المقهى.

 

الدارالبيضاء، يوليوز 2011

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

وجدها أمامه بكل بهائها. كانت مشرقةً أكثر من المعتاد، أو هكذا بدت له بعد طول الغياب..
----------
هكذا تبدو بعد طول الغياب ....
هل كانَ حبًّا ؟؟؟
أم نزوةً ؟؟؟ أكيد ..ليسَ بنزوة...
كان عشقا من طرف ....
ما أصعبه....!
هكذا رأيته...........
ساردة ماهرة ..........
تغوصين تغوصين ...ولا تعودين إلا بالدرر.......
الأديبة الأستاذة : سعيدة تاقي
مودتي
وتقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

هي الحياة، يلتقيان دون أن يلتقيا فِعلاً.. أو هكذا بدا الأمرُ لضمائر السرد.
لم يكن لهما أن يلتقِيا بغير تلك الطريقة..
هي لا تعرف، و ما زالت لا تعرف..
ونحن نتلصَّصُ على دواخله لنعرف ما يعرف.
لك شكري صديقي الشاعر بوعبدالله فلاح،
و أجمل المنى.
مودتي.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة المبدعة
قصة جميلة , ولكن تحبط شغفنا لكل غياب وظهور مفاجئ , ووقعتنا في حيرة هل هو حب من طرف واحد ام نزوة عابرة يشترك بهما الطرفين , ام ماذا ؟

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ جمعة عبدالله

كان له أن يتدخّل قبل أن تغيب.. كان له أن يغيِّر مسار الانتظار قليلاً..
هي واصلتِ الحياة، دون أن تعرف أنّه كان هناك على هامش عبورها ينتظر.
و تظل الابتسامة بعض غنائمه.

امتناني و مودتي.

This comment was minimized by the moderator on the site

اسلوب الكتابة جميلة , و الكاتبة تجبرك على المتابعة أي النص حي . جمل مفعمة بالعواطف و الصدق (كانت مشرقةً أكثر من المعتاد، أو هكذا بدت له بعد طول الغياب.. ) .. لكن نهاية القصة !! آه يا ليت كانت غير هذه .. مودتي للكاتبة مع تقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ مامند محمد قادر

هي الحياة لا تروقنا في جميع تفاصيلها، لكننا رغم ذلك نحياها بحب.
لك فائق الشكر و كل التقدير.
أطيب المنى.

This comment was minimized by the moderator on the site

غاليتي الأديبة الرائعة سعيدة تاقي
يبدو ان صاحب الإبتسامة تبنّى المقولة: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ... في موقف لا مكان للصمت فيه...
حكاية تتجلّى بها المفارقات الدرامية من واقع زاخر بالمفاجآت.
دام لك الحرف النابض بالإحساس المرهف
محبتي وتقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

الغالية المبدعة المتألقة ميّادة ابو شنب
و لم يكن الصمت في صالحه، مثلما لم يكن الانتظار في صالحه.. لكنّ العبور كانت له غنائمه بالتأكيد.
و غنيمتي في حضورك أجمل.
دمت صديقتي بخير و إبداع و تجلٍّ.
محبتي و امتناني.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2647 المصادف: 2013-12-04 17:34:02