ا. د. قاسم حسين صالح
د. منى زيتون
نادية المحمداوي
حميد طولست
كفاح محمود كريم
حسن حاتم المذكور
د. محمد ممدوح
د. معراج احمد الندوي
وداد فرحان
د. صادق السامرائي
هادي جلو مرعي
نادية المحمداوي

حيثُ يسكنُ الزمن

asya rahahlaترى ماذا يفعل الوقت حين يضيع وقته؟

وكيف يستدرك الزمن ما يفوته من زمن؟

 


 

حيثُ يسكنُ الزمن../ آسيا رحاحلية

 

(9)

 دائما على عجلة من أمرك كأنّك في سباق مع الزمن..

هكذا عرفتُك وعرفَتْكَ بناتك مذ وعين.

 تقصدُ باب الخروج مهرولا بخطواتك السريعة القصيرة، يشيّعك كلبك حتى الباب محرّكا ذيله بحركة متناغمة وبنسق واحد. يخلوالجوللبنات. ترفع الصغرى صوت الراديو، ترقص الكبرى على وقع الأغنية... تحاول تقليد فنانة اشتهرت في تلك الأيام، يصير العالم داخل البيت لوحة بألوان زاهية متداخلة...تشارك نورا، ابنتنا الوسطى، أختيها للحظات في مهرجان الفرح، ثم تهرع إلى قلعتك لتسرق نصيبيها من المتعة والدهشة.

(8)

أفتح الباب بحذر، أدخل غرفتك... تِكْ...تَكْ...تِكْ... تَكْ، التكتكات تدغدغ رأسي كأنها تضرّعات هاربة اليّ من ملكوت النسيان... تحدث فيه فوضى لذيذة، ساعات كثيرة... بعضها منجز ومثبّتٌ على الحائط بفترة نقاهة... حركة الرقّاص فيها ذهاباً وإيابا تبدوكنسغ الحياة... بعضها الآخر فوق الطاولة شبه ميت أو على الأرض وقد أخرجتَ قلبها فوق خرقة قماش، وانتزعتَ أحشاءها... مسنّنات بأحجام مختلفة، نوابض، أجراس، مطارق دقيقة للتنبيه. ساعاتٌ نسائية ورجالية، صغيرة وكبيرة، خشبية وأخرى حديدية. أتصوّر بأنّي دخلتُ الكهف حيث يسكن الزمن. بيت الزمن. غرفة نوم الزمن / أو غرفة يقظته!

أفكّر الآن في أمر يا أبي... كبسولة الزمن، فكرة مدهشة لو أنها تتجسد فعلاً... لو يمكنني أن أستقلّها وأسافر في الزمن، لكني لن أسافر إلى المستقبل... ليس يعنيني أن أكشف الحجب عن الآتي لأنه انتهى.

أتمنى لوأستطيع أن أعود إلى الماضي!

(7)

الماضي، الحاضر، والآتي، ألا تبدو كمعادلة رياضية؟ كنت أكره الرياضيات... وما زلت...لا، ليس الأمر هكذا تماماً.. الآن لا أحمل سوى شعور محايد تجاه الأشياء... نورا ورثت ذلك عني، هي أيضاً تكرهها، أنت تعرف بأننا نكره الرياضيات، أو لعلّك لا تعرف. معادلة من ثلاثة مجاهيل! تحاول حلّها. تحاول أن تتقدّم غير أنك تظل في نقطة البدء رغم أنك تتقدم... ربما في أحسن الأحوال / أو أسوأها؟ / تتقدّم في حل المعادلة بطريقة خاطئة، فتصل إلى نهاية خاطئة تماماً، كما وصلنا، وتغيب عن مسرح الوجود قبل أن تولد فيه، ولكنك لا تكتشف ذلك الاّ بعد فوات الأوان.

قل لي كيف سنفهم الحاضر؛ إذا كان يعوزنا فهم الماضي؟

(6)

تصوّر معي يا أبي لو أن حياتي الماضية وأحداثها كتاب أحمله الآن بين يدي، وأعيد قراءته بعيني هذه وفي زمني هذا... لن أصدر حكما، ولن أكتب أي تعليق على هامش الصفحات، وبالطبع لن أستطيع تغيير حرفٍ في الكتاب، ولا استبدال فقرةٍ بأخرى، ولا تغييرَ المقاطع أو تبديل أماكنها، ولكني ربما سأفهم لماذا حصل الذي حصل؟ سأحمل قلم الرصاص وأطلق نار السطور على كل حدث لا أدري كيف حدث وقتها، في محاولة منّي ولو متأخّرة لإدراك الذي جرى... وكيف جرى ولماذا..

ما الجدوى من كل ذلك؟ قد تسألني... ما نفعُ أن أفهم الآن الذي حدث وقتها؟

بصراحة لا أدري يا أبي... أخبرني أنت... لماذا يتعب المؤرّخون ويرهقون أنفسهم بتدوين التاريخ؟ لكي يتركوه للأجيال القادمة ستقول لي..عبرة وتذكرة ودرسا.... جميل... إذا كانت الأجيال ستهتم بتاريخ لم تكن فيه... ولا يعنيها؛ فأنا أولى بأن أراجع تاريخا كان لي وكنتُ فيه... بل كنتُ بطلته.

يبدو هذا منطقيا جدا.. سببا مقنعا لكي أحلم بالعودة إلى هناك.

(5)

أتمنى لو أعود أيضا... أحمل لك القهوة في المساء، وأنت تجلس في حوش البيت غير بعيد عن شجرة التين الضخمة... أضع الفنجان بكل هدوء على المائدة... أقف لبرهة أراقبك وأنت - كما دائما - في حالات ثلاث لا رابع لها: أمّا تلمّع بندقية الصيد أو تبحث عن محطتك المفضلة لتستمع للأخبار من الراديو الأسود الصغير أو تصلّح ساعة من الساعات، وقد ثبّتت المكبّر - ناظورك الصغير- بطريقة محترفة على إحدى عينيك، وأحنيت رأسك.

لن أعود أدراجي مسرعة كما كنت أفعل. سوف أجثو على ركبتي أمامك وأسألك: هل نذرت للرحمن صمتا يا رجل؟ أيّ شيء أغناك عن الحديث إلينا، والتقرّب منا؟ بل أي سرّ في الصمت أغراك بتغييبي؟ وأين ترصّني وبناتك في هرم عالمك، ما هو ترتيبنا في سلّم اهتماماتك وأولوياتك وفي دائرة هواياتك: بندقية الصيد، الكلب، أشجار الحديقة، المصحف، الكتب القديمة المصفرّة، الراديو، نشرات الأخبار، الصمت، التأمّل؟

أم ترانا خارج الدائرة تماماً؟

(4)

بارعا كنت في تصليح الساعات يا أبي... يقصدك أناس كثيرون لتصلح ساعاتهم.

في ذلك الزمن كان للزمن قيمة، وكنت أعتقد أنّه يمكنك أن تصلح الزمن... أيضا.

لكنك رحلت قبل أن تساعدني في رأب صدع زمني.

الزمن خديعة كبرى يا أبي... مجرم يحثّك على بدء السباق معه... يوهمك بأنّك الرابح الأكبر، ثم في منعطف خطير يزحلقك فتقع. يتركك شظايا... ويمضي ضاحكا من غبائك.

زمني تكسّر يا أبي... خدعني الماضي، والآتي مضى قبل أن يأتي.

وها أنا ألملم أطراف الثواني وأعبر نهر الحروف بزورق من ورق...

إنّني اليوم صامدة وصبورة وهادئة، أغري عقرب الوقت بخبز الكتابة، وأتحايل على الزمن المارثوني باحتساء نبيذ الحرف.

أقتربُ بحذر وشوق من ركن في غرفتك، أقرفصُ في مواجهة كتبك... أتحسّسُها بقلبي...

أمسحُ عليها بأناملي بمنتهى الحب، أفتحُ كتابا وأقرأ.

أظلُ هناك أقرأ وأقرأ وأقرأ.

أنسلخُ عن العالم.

(3)

فجأة يركض الكلب باتجاه الباب الخارجي للحديقة.

يرتفع نباحه، أعرف وتعرف البنات بأنك ستدخل بعد ثوانٍ.

آه نسيت... كانت لك هواية أخرى أيضا... تربية كلاب الصيد.

/ لذلك ربما لم أكن في عالمك ولم تكن تربية بناتك همّك الأكبر./

تخفض الصغرى صوت الراديو. تجلس الكبرى بكل وقار وهدوء في ركن من الصالة.

تعيد نورا الكتاب إلى مكانه. تقبّله بنظرتها.تخرج.

أعودُ أنا الى سديمي..

(2)

 تك...ت... ك... ك... أغلق القلعة على الساعات.

أبتسم. أتصوّر حوارا سيكون بينها بعد أن أخرج..

بين ساعة معطّلة مثلا وساعة تمّ إصلاحها.

ترى ماذا يفعل الوقت حين يضيع وقته؟

وكيف يستدرك الزمن ما يفوته من زمن؟

يدخل أبي. تتبدّلُ سحنة الزمن. تسيحُ الألوان.

 يصيرُ العالم داخل البيت لوحةً بلونٍ واحد.

(1)

رأتك نورا في منامها البارحة.

كان وجهك دائرياً... وعيناك ساعتين.

ساعتين بلا عقارب.

 

(0)

وكنتَ... بلا فم.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

هناك العديد من الأمور والأشياء التي يعنى بهما نص القاصة المبدعة آسيا رحاحليه (حيثُ يسكنُ الزمن)، وأحسب بأن القصة كما الحياة أو قطعة من الزمن .. فكيف بمكن اختزالها في سطور، لذا توخيت في تناولي البسيط والسريع هذا، فقط محاولة التطرق الى المفارقات التي يطرحها النص.. مما له ارتباط وثيق في ماهية الزمن.
وهي لاريب مفرقات تثير الدهشة، وتسير بالوعي نحو الذهول في ذائقة المتلقي، خاصة وإن ثيمة النص تناولت في جانب منها البحث في ماهية الزمن المتحركة أصلا، والتساؤلات المرتبطة به، والأسئلة المحيطة به، كجدلية سيره وتوقفه، سرعته وتباطؤه، طوله وقصره.. الخ.
وهو متفاوت من شخص لآخر، ومن ذات الشخص في فترات وحالات مختلفة، وأول تلك المفارقات هي رغبة القاصة بعكس التسلسل الزمني الميقاتي بسيره الطبيعي من الماضي صوب الحاضر فالمستقبل، بدلاً عن الاستجابة لرغبة الاطّلاع، وشوقه لكشف مفاجآت الآتي وأسراره، كرغبة إنسانية طبيعية في معرفة مخبآت المستقبل في أبراج الحظ أو قراءة الطالع و في غيرهما.. وهي رغبة أفرزت رواجاً لتنبؤات المتنبئين، وتطلعات العرّافين، وأعمال المشعوذين حتى.. بينما النص بدا لي هنا في سعيه الحثيث الى إعادة اكتشاف الماضي من جديد كأنه مستقبل ..بل ويهمش المستقبل!.
وثانيها .. ترقيم المقاطع بتسلسله العكسي، وليس كما هو مألوف في تصاعدية الأرقام من الأدنى نحو الأعلى 1-2.......وهكذا، بينما نجد ترقيم القصة يبدأ هكذا تنازليا من ( 9 -0 ) أي من الحاضر نحو الماضي، وهو يشير الى وعي القاصة بأنها يجب أن توظف حتى أرقام المقاطع بطريقة مغايرة في التعاطي مع الأرقام .. لتعلن عن تفردها في محاولة البحث عن ماض تريد أن تكتشفه من جديد، وإغفال المستقبل لقناعتها الذاتية بأن إذا ما كان هناك خللا في نتائج المستقبل؛ لابد وإنه مرتبط أصلا بانحراف في أسس الماضي، وإن اصلاح خيبات الحاضر والمستقبل، لا يمكن أن يكون دون فهم الماضي فهما يؤدي الى فهم نتائج الحاضر والمستقبل على فرض إن الحياة مجموعة أسباب ونتائج.
وثالثهما.. إن هناك صوتين متفاوتين يتناوبان التداعي واستحضار الماضي وسحبه نحو الحاضر.. وهما صوت الأم الغائبة الحاضرة، وصوت البنت نورا.. وحضورهما في زمن تواجدهما المتوازي على مسرح الأحداث/ القصة، ولكنهما في الحقيقة بعيدين كل البعد عن بعضهما وإن كان حضور البنت أقوى في تداعيات ذاكرة الأم .. وربما هو حضور للبنت فقط كصوت وصدى.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3163 المصادف: 2015-05-04 04:41:26