د. عدنان عويّد
د. صادق السامرائي
ا. د. محمد الدعمي
وداد فرحان
د. رائد عبيس
عبد الجبار الجبوري
ذكرى البياتي
حسن حاتم المذكور
ا. د. ميثم الجنابي

عارِض

asya rahahla- أبي، أبي، أخبرني ما سر هذا المطر؟ كيف يسقط فجأة بغزارة ثم ينقطع فجأة وتظهر الشمس؟

لم أدعه يلتقط أنفاسه، جريت نحوه و هو بالكاد يجتاز عتبة الباب، كان يطرد بأنامله عن كتفيه حبات مطر عنيدة التصقت بسترته الرمادية.

- دعيني أدخل أولا.. هذا يسمّونه عارض يا فاطمة.. سحاب محمّل بالمطر الغزير، يمر بسرعة شديدة .. احضري لي سترتي الأخرى وتعالي حدّثيني عن يومك في المدرسة.

أحضرت لأبي سترته.. لم أجلس لأحادثه كما طلب بل هرولت مسرعة خارج الغرفة.. وقفت في وسط الحوش.. ورحت أدور حول نفسي بحركة بهلوانية، رافعة يداي إلى الأعلى، شاخصة ببصري إلى السماء وأنا أردد "عارض، عارض"..قطرات المطر تبلّل وجهي.. أخواتي يقفن على عتبة الباب، يتضاحكن من جنوني، وأمي من نافذة المطبخ، تضرب كفا بكف وتقول "جنّت الصبيّة".

كان المطر قد هطل بسرعة وغزارة ثم توقف في رفّة جفن، كأنّ خيوطا لا مرئية سحبته إلى السماء. بعد ذلك ظهرت شمس مختلفة جدا، مشرقة الجبين، مشدودة الوجه، مورّدة الخد كأنّما اغتسلت بالذهب.

غسل العارض قرميد منزلنا فبدا أحمر قانٍ، والعصافير التي فاجأها المطر ففرّت إلى حيث لا أدري، عادت من جديد لتبدأ موّال الزقزقة والحب فوق شجرة التين العتيقة..

2

كنا نهرول في كلّ اتّجاه.

باغتنا المطر ونحن في باحة الجامعة الفسيحة..

السماء التي كانت صافية تماما تلبّدت فجأة وهطل مطر قوي غزير.

قلت لأحمد ونحن نجري باتّجاه مكتبة الجامعة:

- هل المكتبة أبعد مما كانت عليه منذ قليل أم أنه يتهيأ لي؟

- هي نفسها، يا فاطمة، لكن المطر يغيّر الأبعاد.. هو الوحيد الذي يملك القدرة على تمديد المسافات. اقتربي..التصقي بي وتذكّري دائما ألاّ تدعي المسافة بيننا تتّسع سواء تحت الشمس أو تحت المطر..

وأردف:

- انتظري، ضعي هذا الكتاب على رأسك، سيحميك حتى نصل المكتبة.

- لا..لا.مستحيل. أفضّل أن يتبلل شعري على أن نخسر الكتاب. نحتاجه للمراجعة.

- يا مجنونة، الكتاب يمكن الحصول عليه من أية مكتبة. أين سأجد شعرك لو أفسده المطر؟

تعالت ضحكاتنا وامتزجت مع المطر وسحبتها السماء مع العارض إلى الأعلى..

منذ ذلك اليوم لم نضحك سويّا بذاك الصفاء أبدا..

العارض مطر مفاجئ ترسله السماء..

الحب عارض مفاجئ ترسله السماء..

الفرق أن الحب حين يمرّ لا شمس تشرق بعده بل صقيع قاتل يحاصر القلب.

كذلك تماما مرّ عارض حبّنا ليغرق قلبي في عصر جليدي طويل..

قلت لي "هذا الوطن ليس لنا يا فاطمة..هذا الوطن للسرّاق والخونة والمنافقين والجبناء.. لقد اقتسموه قطعة قطعة كالجبن.. هذا الوطن لا مكان فيه للأذكياء والعباقرة مثلك ومثلي يا فاطمة.. هذا الوطن سيقتل طموحنا، سيسحقنا، سيسرق أعمارنا، سيحيلنا ظلالا تمشي على الجدران. أنت و أنا نستحق وطنا أفضل، يعترف بموهبتنا، يقدّر ذكاءنا، يحترمنا..تعالي معي."

قلت لك "أيها الخائن، الناكر للجميل..كيف تقول هذا عن وطننا الذي مات من أجله والدي ووالدك".

ولأشهر طويلة بقيت تحاول إقناعي بالهجرة، الآن أستطيع أن أعترف بالحقيقة.. الفرصة التي جاءتنا لمواصلة الدراسة في أمريكا كانت ذهبية فعلا، من الغباء المصفّى أنني ضيّعتها..كنت تحلم بأنّ تصبح من أشهر المهندسين المعماريين في العالم.. كنت الأول على الدفعة ولم يكن حلمك صعب المنال.

قلت لي كل الأحلام الجميلة تتبخّر في هذا الوطن..قلت لك يبقى وطننا رغم كل شيء وقد كان هو نفسه الحلم ذات زمن..قلت لي الوطن ليس التراب، ليس الحدود الجغرافية..ليس العلم ولا النشيد الوطني ولا الرئيس ولا الملك..قلت لي الوطن هو حيث نستطيع أن نثبت وجودنا وقدراتنا، حيث نستطيع أن نمارس حياتنا اليومية بكل راحة و حرية، هو حيث نكون سعداء وأحرار وآمنين نحن الاثنان.

وكنت أقول لك الهجرة نوع من الهروب والهروب وسيلة الجبناء..

لن يغفر لك والدك الذي لم يخن وطنه ورفاقه والجنود الفرنسيون يقتلعون أظافره وشعر رأسه في سجن "سركاجي"..

هل حقا كنت أدافع عن الوطن و أنا أدرك بأنّ معظم ما تقوله صحيح؟ كنت في الحقيقة أدافع عن الحب..الوجه الآخر للوطن.. أنثى تدافع عن حبها..قطة تحاول حماية صغيرها من الغرباء.. نعم الغرباء..كنت أتساءل.. حبّنا الذي ولد فوق هذه الأرض وتشبّع برائحة هذا التراب هل سينمو ويزهر فوق أرض أخرى، وتربة أخرى، ومناخ آخر؟ كان هذا هاجسي في الواقع.. أن أسافر معك وراء البحر لكي نبني ذاتنا و مستقبلنا فأخسر حبك و أخسر الوطن.

بقينا لوقت طويل بين أخذ ورد.. لا أنا اقتنعت بحتمية الرحيل ولا أنت اقتنعت بضرورة البقاء.

ثم سافرت.

قلت لي كلاما كثيرا..عن القضاء و القدر، عن المستقبل، عن الحب، عن الوفاء..قلت إنك ستكون تعيسا بدوني.. نثرت في دربي تلك الكلمات التي نوزّعها عند الوداع على عتبات الزمن لكي تحرقها نار الفراق فتصبح بعد وقت قصير مستحاثة بلا روح.

مرت أعوام كثيرة بعدها، وكنت كلما تذكرتك وبكيت شعرت بالمسافة بيننا تتوسّع أكثر.

الدمع أيضا يمدّد المسافات يا أحمد.

 

3

- دعيني أغلق النافذة يا سيدتي..المطر يسقط داخل الغرفة.

- لا تفعلي أرجوك. أريد أن أستمتع برؤية هذا المنظر للمرة الأخيرة..أليس اسمه "عارض"..؟

لم تجبها الممرضة. اكتفت بأن صوّبت نحوها نظرة إشفاق ثم غادرت الغرفة. كان وجهها شاحبا كأن ليس به قطرة دم واحدة.. تبدو في العقد السابع من العمر..جاء بها أحدهم في صبيحة يوم شتوي بارد إلى دار المسنّين.دفع كل مستحقات الدار بسخاء. قال أنه من طرف فاعل خير ورفض إعطاء أية معلومات أخرى. لم تكن تتحدّث إلا نادرا..تقضي وقتها ساهمة محدّقة في اللاشيء ولم يكن على لسانها سوى سؤال واحد.."في أي فصل نحن؟"

بعد قليل، حين عادت الممرضة إلى الغرفة لكي تتفقّد العجوز تفاجأت بوجود عدة رسائل و صور مبعثرة على الأرض قرب السرير..

كانت فاطمة قد أغلقت عينيها إلى الأبد.

و كان العارض قد مرّ.

 

آسيا رحاحليه

جوان 2015

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (13)

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة لطيفة. و تذكرني بقصة لي أقل نجاحا كتبتها و انا سنة اولى جامعة بعنوان (انا و سعاد و المطر و اشياء اخرى). عنوان طويل لشلة من الطلبة يتنزه ن في شارع رئيسي في دمشق ثم ينعطفون إلى شارع فرعي فيداهمهم المطر. فيتجمعون الكتف على الكتف في مدخل بناية ضيق و مظلم.

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة لطيفة. و تذكرني بقصة لي أقل نجاحا كتبتها و انا سنة اولى جامعة بعنوان (انا و سعاد و المطر و اشياء اخرى). عنوان طويل لشلة من الطلبة يتنزهون في شارع رئيسي في دمشق ثم ينعطفون إلى شارع فرعي فيداهمهم المطر. فيتجمعون الكتف على الكتف في مدخل بناية ضيق و مظلم.

This comment was minimized by the moderator on the site

الذكتور الأخ الكيرم صالح الرزوق
شكرا لكرم المرور و القراءة ..
تحياتي و خالص التقدير و المودة .

This comment was minimized by the moderator on the site

الصديقة المبدعة آسيا رحاحلية
سلام وتحيات

أحيي سردك الجميل ولغتك الدافئة التي عبرت عن فكرة
غدت اليوم في غاية الأهمية هي فكرة الوطن والمنفى
وأضفت إليها إشكالية الحب في صدى الزمان والمكان

دمت مبدعة غاليتي
ودام هذا الألق,,
بشرى

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقتي الغالية المبدعة الدكتورة بشرى البستاني..
مرورك ملأني بالفرح
شكرا لك
كل التقدير و خالص المحبة ..

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة القاصة المبدعة آسيا رحاحلية ، كان عارضاً لكنه يترك فينا أكثر من بلل
تحياتي لقلمك المبدع ، دمت بخير.

This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع الصديق عبد الفتاح المطلبي ..
شكرا لمرورك الكريم..
تحياتي و تقديري و ومودتي .

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة القديرة
روعة ومهارة الحبكة الفنية بهذا السرد الجميل المشوق والملهف , الذي يترك اثراً على بصمات مشاعر القارئ , وهذه الانتقالات الشفافية من شذها المطري , الى قمة المأساة بهذا ( العارض ) الذي اغرقنا بمطره بين النعمة والنقمة , من المرح الطفولي البريء , الى الوحدة المتصابية , من الانتماء الى جذر الوطن والانفصال عنه , من الدفاع عن الوطن الى بيعه من اجل تحقيق اطماع شخصية , من الحب النقي الذي ينتمي الى الارض , الى الحب المزيف الباحث عن الشهرة والمجد الفارغ , بين البقاء في الوطن الى الهجرة والتشتت والضياع , هذه الميلودراما في تراجيدية الزمن والمطر , والخاتمة الفاجعة ( كانت فاطمة قد اغلقت عينيها الى الابد , كل هذه التحولات العاصفة والمضطربة , جرت في انسيابية رائعة من الترابط والتنسيق في الحبكة الفنية الراقية في تكنيكات فن القصة في التنسيق الجميل

This comment was minimized by the moderator on the site

اأستاذ المبدع القدير جمعة عبد الله ..
أتابع مرورك على نصوصي و نصوص غيري ..
في مداخلاتك دائما ما يثري و يمتع ..
شكرا كثيرا لك ..
دمت بكل خير .

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتبة المبدعة اسيا رحاحلية...احلى تحية واطيب سلام...الحدث واحد..والزمن هو المختلف...وارواحنا هي الاداة للحسّ بالتغير في التاثير. الحدث كان (( عارض المطر)) من خلاله تناولت برقة تداعيات مجتمع وتفاصيل واقع مؤلم طالما رافقنا...الوطن ..الهجرة...اللصوص...اثبات الذات...الغريب في الامر انك تتحدثين عن شيء يصلح لكل العرب...كانك كنت تتحدثين عنا في العراق...لماذا هذا التطابق ؟؟ قصة جميلة واستحداث لعبة ال((اللازمة)) (( العارض)) كانت حلوة وملهمة...دمت مبدعة ومتألقة

This comment was minimized by the moderator on the site

واقع العرب هو نفسه من المحيط إلى الخليج أخي الكريم احمد فاضل فرهود..
سررت جدا لأن النص نال اعجابك
كل الشكر لك و عميق مودتي .

This comment was minimized by the moderator on the site

طريقتك في السرد رائعة آسيا...وكذا ربط الظواهر الطبيعية بإحساس البشر
المطر الذي هو كله خير قد لا يكون كذلك عند البعض
الوطن الذي ليس التراب....قد نتخلى عنه كي نعيش أفضل
وضعت يدك على الجرح
وظلت أحلامنا أحلاما رغم التضحيات
محبتي آسيا....دام لك الإبداع وسلمت لروحك الشفافة التي تنثر هذه الأشعة الجميلة

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقتي البهيّة فاطمة الزهراء
شكرا و كل الحب.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3290 المصادف: 2015-09-08 06:13:01