المثقف - قضايا وأراء

غياب النقد وأثره على الأدب والفن في العراق و الوطن العربي

hamid _laftaلكل منتج لابد من متذوق، وهذا المتذوق هو نتاج ثقافي حضاري في مجتمع معين ولفترة تاريخية معينة من تاريخ الشعوب، مدى نباهة وموضوعية وعمق المتذوق ومدى إحساسه

بالجمال تعتمد على الغنى الحضاري والثقافي والحس الجمالي لمجتمع معين أو مكان (سوق) المنتج، وبالطبع هناك تفاوت في درجة ونوعية سيادة ثقافة ذوقية معينة بين الناس أو مستهلكي المنتج في زمان وأخر وبين شعب واخر.

 

فإذا كان هذا الكلام عن المنتَج أو الحاجة المادية (الملبس والمأكل والسكن والمتنزه...الخ) من مجالات الحياة الإنسانية المختلفة،فكلما كان هذا الذوق (الناقد) سليما ورفيعا وناشطا في تقيميه وتقديره، أو استحسانه أو نبذه لمنتج معين، سيكون المُنتج قادرا على تطوير أدواته وقدراته ليكون ُمنتَجه بمستوى الذوق الرفيع والإحساس الجمالي العالي,

 

أن ما سبق وصفه يخص ما مطلوب للمنتج بشكل عام فهو بالتأكيد يكون من الضرورات الهامة جدا في تطور وسمو المنتج الأدبي والفني بمختلف أنواعه وتفرعاته وعامل فاعل في عملية صقل وتنمية قدرات الموهوب فيوفر دافعا قويا لتقدم العبقريات الأدبية والفنية وتقديمها لمنتجات وأعمال تبقى خالدة في ذاكرة الإنسان ليس على المستوى المحلي والوطني وإنما على المستوى العالمي وما ملحمة كلكامش والالياذه والاوديسه والمونليزا ...و.. إلا أمثلة بسيطة للإعمال الفنية والأدبية في التاريخ الإنساني القديم واعمال بيكاسو ودافنشي وشكسبير وتولستوي وجواد سليم ونجيب محفوظ ...,..و..و في التاريخ المعاصر كأسماء منتجة خالدة تتباهى بها شعوبها وأوطانها أكثر من أي شيء آخر، و لعصرنا الراهن عصر اختزال الزمان و المكان في حركة الأشياء وانتقال المعلومات خصوصية خاصة جعلت من الأعمال الفنية والأدبية المتميزة ملكا لكل العالم، ولكن للأسف الشديد نلمس فقرا شيدا في ظهور اسماءا جديدة في مجال النقد في عالمنا العربي من ابناء الجيل الحاضر، هذا بالإضافة إلى كسل ولامبالاة ملحوظة للعديد من الأقلام الناقدة من الجيل السابق، وقد لا يكون في الأمر غرابة في مثل الواقع الراكد والغير فاعل لمجتمعاتنا العربية عموما في ععصرنا الراهن، نظرا لسيادة ثقافة التبعية والتقليد الأعمى وثقافة الاستهلاك الرخيص، وغياب ثقافة أو نهج أو أسلوب التفكير المتسائل الناقد المشكك وانحسار حيز الحرية العامة والفردية،حيث لم يعد إن بعض الشك إثم بل إن كل شك وتساؤل ونقد اشد من الإثم قد تصل عقوبته حد القتل البايلوجي ناهيك عن القتل الفكري والاقصاء الاجتماعي وما امثلة ما حصل لنوال السعداوي والقمني وحامد نصر ابو زيد وحتى نجيب محفوظ ومهدي عامل وغيرهم الكثير من اقمار الفن والادب الا شاهدا على مانقول، وبذلك لا يرى منتج الفن مهما كانت موهبته وعبقريته من يتناول منتجه المهمل لينفض عنه غبار الإهمال والإغفال ويغوص في بحر مضمونه المبدع ليظهر إلى السطح لآلئه وجواهره الثمينة التي لا يستطيع أن يحسها أو يلتقطها أو يصل إليها المتلقي العادي بدون حفريات وتأويلات وكشوف وأضواء الناقد المتخصص .

 

و نتيجة لذلك يخبو الق الكثير من نجوم وعبقريات الفن والأدب وتموت أروع زهور وثمار الإبداع في مختلف مجالات الفن والأدب وبالتالي تهيمن الاشنات والطحالب في مستنقع السكون والتقليد على الذائقة الجمالية والفنية لمثل هذه المجتمعات وتوأد الكثير من الجواهر والنفائس الأدبية والفنية أمام عيني مبدعيها ومنتجيها وهم يكتوون بنار الألم والحسرة واليأس في مثل هذا الواقع المتردي.

 

أن حالة الفقر الملحوظ في النقاد في مجال الأدب والفن من حيث العدد والنوعية التي تملك ناصية هذا ان يكون الناقد ملما ب بعدة علوم منها ألفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وتاريخ الشعوب وحضاراتها وثقافتها بشكل عام وان يكون لديه إلمام جيد بتاريخ شعبه وبلده خصوصا وتاريخ تكونه وتطوره ونكوصه وازدهاره في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وان يكون ملما بعادات وتقاليد التي تتحكم في سلوك من يروي أو يتحدث عنهم أو يتمثلهم شعرا أو نثرا أو موسيقى وفنون حركية كالرقص والتمثيل والمسرح ولاشك يفترض أن يمتلك منهجا في النقد ليتعرف على أدواته ووسائله في النقد والبحث والتحري وقراءة ما وراء السطور وما يختفي بين ثنايا الحروف والكلل مات والحروف والحركات والصور وهذا لا يعني عبادة منهج بعينه أو الانحياز إلى منهج بعينه إلا بقدر إمكانياته على تفعيل أدوات ووسائل الناقد على الكشف والتحليل والتأويل والتركيب والاستنتاج كما يذكرا غراس((ا لفن لعب في معظمه،وليس عملية مقدسة، فإذا تصرفت على انه مقدس فانك لا تنتج كتبا بل مواعظ)[1] وكما ذكر غونتر ليتمكن من تكوين صورة واضحة للعمل أو المنتج مجال النقد أن يظهر زهوره وطحالبه جواهره وقشوره، وان لا يكون القصد الهدم والكبت والإحباط بل البناء والتطور والرقي، فللناقد دور كبير في تطور المبدع والفنان كما أن له دور كبير في تنمية الثقافة النقدية الواعية لدى المتلقي مما يعطي للمنتج الأدبي والفني القدرة على توصل رسالته إلى من يريد بشكل جيد فلا فائدة من منتج أدبي أو فني جيد بدون متلقي واعي يستطيع فهم وقراءة وحل شفرات رسالة المبدع المرسلة إليه، فغياب الناقد الكفء يجبر المبدع إلى اخذ دور الناقد ليأشر ويؤل ويحل شفرات رسالته ولكنه أيضا قلما يستطيع أن يعي وعي لاوعيه المنعكس صورة أو معنى أو حركة في منتجه الإبداعي وكما ذكر الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي(قد بدا القصاصون أنفسهم بإعلان الضوء في مدنهم للتعريف بإعمالهم وخلق تواصل ما مع قرائهم على الرغم من إن هذا العمل ليس من مهماتهم الأساسية والتي تتركز في الإبداع فقط))[2].

 

كما إن لنا قول لابد منه ألا وهو أن يكون الناقد عينا كشافة ولماحة وصائدا ماهرا ومنقبا لا يتعب في اكتشاف ورعاية وتنمية براعم الإبداع بمختلف أشكاله وتخصصاته الأدبية والفنية وعدم الترفع على البراعم التي تريد أن تورق وتزهر وتثمر منذ نعومة أظفار المبدع والموهوب وستكون لرعاية الناقد اثر كبير في مدى رقي المنتج الأدبي والفني وتطوره فلمرحلة رياض الأطفال دور كبير في تنمية قدرات أطفال المدارس واستيعابهم للمواد الدراسية في المراحل التالية، وكذا إن دور البستاني والفلاح في حراثة وتسميد وسقي النبتة دور كبير في نموها وإزهارها وإثمارها،كذلك فان دوره في إزالة الحشائش المتطفلة على الحقل ستساعد كثيرا على معافاتها ونموها وعطائها.

 

ربما لا يكون لك فضل كبير عند إلقاء الضوء وإبداعات ونتاجا ت اعلام وقمم الفن والأدب ولا كن سيكون للناقد دور القابلة والحاضنة والراعية للفنان والأديب اليافع كي تستمر عملية الإبداع وظهور قمم جديدة ورياض جديدة ترفد حياة الإنسان بما هو جديد ومتلائم ومتلازم مع روح العصر الجديد الذي قد لا تتمكن الاسماء السابقة من استكشاف وإشباع ذوقية وإشكاليات وهموم الجيل الجديد، فلا يعني إن اهتمام الناقد الكبير ستثلم عظمته وشهرته إن هو اهتم بالأدباء والفنانين اليافعين والمبتدئين بل العكس هو الصحيح حيث نرى ان النقاد الكبار يفتخرون حينما يكون لهم السبق في الإشارة والرعاية للأدباء والفنانين اللذين اصبحوا نجوما واقمارا ساطعة في سماء الفن والادب حينما لم يكن هناك من التفت لمواهبهم في اول تفتحها.

 

نود أن نشير هنا إلى إن لكل مرحلة أو فترة تاريخية أو مرحلة تحول سياسي انعكاسها على المنتج الأدبي والفني بالإضافة إلى المجالات الأخرى، فإذا كنا نمتلك كما ونوعا مقبولا من الدراسات النقدية للمنتج الفني والأدبي في الفترة الديكتاتورية المنهارة فهل يمكننا تأشير أشكال ومواصفات وأساليب التعبير والتصوير لفترة ما بعد التغيير في 9-4-2003 وهل يمكننا أن نقول أنها فترة أو مرحلة جديدة متميزة عما سبقها من مراحل التطور الفني والأدبي وما هي شواهد وملامح ومميزات هذه المرحلة.

 

فإذا كان القامع والمانع للمبدع عن تعبيره عن إبداعاته ونتاجا ته هي السلطة الديكتاتورية المستبدة التي إرادة للمبدع أن يكون تابعا لها ومدافعا عن كرسي الحكم وتمجيد الحاكم. وقد كان المجتمع في واقع الأمر هو المتفهم والداعم والراعي للمبدع الذي يحاول أن يشاكس السلطة ويكشف عن عوراتها ومظالمها بحق المحكوم وتسلط قمعها ضد أغلبية مكونات المجتمع من النازعين للحرية والتحرر والعدل والمساواة، ولكننا نرى ان جذوة الابداع قد خبت من حيث النوع والكمية في زمن (الديمقراطية) والذي يفترض ان يكون زمن الحرية للمبدعين ودافعا قويا من اجل اثراء الذائقة العراقية المتعبة والمثقلة بثقافة اللون الواحد والحزب الواحد والاتجاه الواحد، فهل يمكن القول أن المبدع والفنان في الوقت الذي تخلص من قيود ورقابة السلطة فقد حاضنته الاجتماعية وأصبح مستهدفا من قبل ((جمهور)) جاهل مؤدلج محمل بروح سوداوية تمجد ثقافة الموت وجلد الذات وعبادة رموز ألبستها ثوب الإلوهية والتقديس، وهنا كيف سيكون شكل المنتج الأدبي والفني هل سيهبط المبدع إلى مستوى الجمهور أو يعتزل ساحة الإبداع والعمل مؤجلا كل طموحاته وانتاجاته إلى مستقبل قد لاياتي. أو يحصر فعله ومنتجه بنخبة تتناقص يوما بعد يوم ملتحقة برعيل المحبطين أو المنحطين ذوقيا أو الملتحقين برهط السلطة، أو انه سيتمكن من اجتراح طرق ووسائل جديدة يمكن أن تديم حضوره ويكون فاعلا (مثقفا عضويا) لتنمية وتهذيب ذائقة الجمهور ليواصل طريق التقدم والازدهار والحرية وهل هذا ممكن وهو بين اغراءات السلطة التي تسعى لاستيظافه لصالحها وبين قمع الجمهور المؤدلج والموجه بالضد من فكر المبدع وعقله وفعله الناقد هذا الجمهور المصادر والمستباح والمسيطرعليه من قبل رجل السلطة ورجل الدين المسيس المتحالفين مصيريا لادامة روح الخنوع والسكون والخضوع لجمهور ممهور بختمهم ومسحور باوهامهم؟؟؟؟

 

--------------------------------

 [1] - عبد الرحمن مجيد الربيعي( الشاطيء الجديد) ص 20 وزارة الثقافة والفنون دار الحرية للطباعة –بغداد – دار الرشيد للنش 1979

[2] عبد الرحمن مجيد الربيعي( الشاطئ الجديد) ص22 وزارة الثقافة والفنون دار الحرية للطباعة-بغداد –دار الرشيد للنشر 1979

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1296 الاحد 24/01/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2010-01-24 13:19:22.