في مفهوم الانقسام الفلسطيني

حتى نلم بنتائج الانقسام يجب أن نُعرِّف الانقسام وتعريف الانقسام يستدعي معرفة الشيء الذي انقسم .لم يبدأ الانقسام مع الانقلاب الذي أقدمت عليه حركة حماس منتصف يونيو 2007 وآل لسيطرتها على قطاع غزة

وما ترتب عليه من قطع التواصل المؤسساتي الرسمي بين الضفة وغزة وتشكيل حكومتين وسلطتين متعاديتين.صحيح أن انقلاب حماس كان أسوء واخطر مشاهد الخلافات الفلسطينية إلا أن للانقسام جذورا أعمق من ذلك. ما جرى في غزة هو صيرورة لخلافات عميقة ذات أبعاد إستراتيجية واجهت النظام السياسي الفلسطيني منذ تأسيسه كمشروع حركة تحرر وطني قبل وجود السلطة ثم تعمقت وازدادت إشكالا مع وجود السلطة الفلسطينية،ووصلت لمرحلة التفجر مع انقلاب حركة حماس.

 

إن لم يكن الانقسام هو انقلاب حركة حماس فهو أيضا ليس الخلافات السياسية داخل النظام السياسي وفي إطار ثوابته،فهذه خلافات عادية تدخل في إطار التعددية السياسية وهي موجودة في كل الأنظمة السياسية وخصوصا الديمقراطية،ومن المعروف أن التاريخ السياسي الفلسطيني حافل بالخلافات وكل أشكال التعددية سواء الأيديولوجية أو تلك المفروضة بفعل الجغرافيا السياسية أو الانتماء والهوية،وإن كان ظهور منظمة التحرير الفلسطينية شكل تحولا نوعيا في العمل السياسي الفلسطيني بما مثلته من إطار مُوحِد للفلسطينيين،إلا أن وجود المنظمة لم يمنع من ظهور تباينات وانشقاقات ما بين قيادتها و بعض الفصائل المنضوية تحت لوائها كالجبهة الشعبية أو منظمة الصاعقة أو جبهة التحرير العربية،أو داخل الحزب الواحد كالذي عرفته الجبهة الشعبية حيث انشقت عنها الجبهة الديمقراطية ثم الجبهة الشعبية –القيادة العامة،أو الانشقاقات التي عرفتها حركة فتح كخروج جماعة أبو نضال وأبو موسى وغيرهم الخ.

إلى حين ظهور حركة حماس وقبل ظهور السلطة الوطنية الفلسطينية كان من الممكن إدراج الخلافات والانقسامات في إطار المشروع الوطني بمفهومه العام حيث لم تتموضع الجماعات المنشقة كحالة انقسامية حادة أو بديل للمشروع الوطني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية،صحيح أن بعض القوى السياسية ذهبت بعيدا في نقد نهج منظمة التحرير إلا أنها بقيت أعجز من أن تشكل حالة انقسام مهددة للطابع الشكلاني والرمزي للمشروع الوطني،إما بسبب ضعف التأييد الشعبي لها أو لممانعة الدول العربية بالاعتراف بأي مرجعية للشعب الفلسطيني غير منظمة التحرير أو لأنها بقيت قريبة من أسس المشروع الوطني كطابعه الوطني التقدمي.ومن جهة أخرى ولأن مركز ثقل الحركة الوطنية كان خارج الوطن فقد كانت الخلافات والانشقاقات تأخذ طابعا فكريا وتنظيما فقط ولم تترك هذه الانقسامات تداعيات جغرافية حيث كان الشعب موحدا جغرافيا تحت سلطة الاحتلال أو خاضعا لسيادة الدول العربية المضيفة .

 

الانقسام الخطير محل النقاش و الذي يهدد وحدة المشروع الوطني كمشروع حركة تحرر وطني بهدف واحد وإستراتيجية عمل وطني واحدة. إن الانقسام محل النقاش هو الذي يضرب بالصميم قدرة الشعب على الوصول لهدفه الوطني من خلال السلام العادل ومن خلال المقاومة كحالة وطنية شمولية،ولا تعارض ما بين السلام والمقاومة،بالتأكيد إن كان الانقسام يهدد مشروع أو هدف الدولة في الضفة وغزة فهو بالأحرى يهدد إمكانية تحقق ما هو أبعد من ذلك كالقول بتحرير كامل التراب الفلسطيني من البحر إلى النهر.

 الانقسام الذي  جرى منتصف يونيو 2007  وإن كان الأخطر في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية إلا أنه كان تتويجا لمفاعيل انقسامية وانقلابية تعرض لها المشروع الوطني. الخلافات والانشقاقات داخل فصائل المنظمة وعدم القدرة على تجاوزها ومعالجتها في حينه أوجدت المناخ المناسب للانقسام المعيق للتوصل لاستراتيجيه عمل وطني ولمشروع وطني محل توافق الجميع،مع قيام السلطة الوطنية تعمقت ونشطت المفاعيل الانقسامية ومبررات الانقلاب على المشروع الوطني التحرري،ثم مع تأزم السلطة وتعثر التسوية وتصاعد قوة حركة حماس أصبح الانقسام ضرورة من وجهة نظر حركة حماس لتأسيس مشروع جديدة وهو (المشروع الإسلامي) الذي كان في حالة كمون منذ 1987 .

لا يمكن لشعب تحت الاحتلال أن يواجه الاحتلال ومناوراته واعتداءاته إلا في إطار مشروع وطني تحرري واحد يتوسل كل السبل لتحقيق أهدافه ،المقاومة حيث تكون ممكنة وبالشكل المناسب لظروف المرحلة،والمفاوضات والتسوية السلمية عندما تتوفر شروطها ولكن في إطار إستراتيجية عمل وطني ولا تناقض ما بين نهج السلام ونهج المقاومة بمفهومها الوطني الشمولي. لم يكن الخلل في دعاة السلام أنهم ينشدون السلام والتسوية السلمية كما لم يكن الخلل بدعاة المقاومة أنهم يتمسكون بالحق بالمقاومة ولكن الخلل في الانقسام الاستراتيجي بين دعاة السلام ودعاة التسوية وهو انقسام يؤسس في رأينا على جهل بالسلام وجهل بالمقاومة ،ذلك أن كل حركة تحرر وطني هي مشروع سلام لأنها تهدف لغايات شرعية وإنسانية  نبيلة،وكل مشروع سلام يتضمن الحق بالمقاومة لأن امتلاك الحق بالمقاومة ومقومات الصمود يعزز موقف المفاوض حتى وإن لم يلجأ لممارسة بالمقاومة وقت الجلوس على طاولة المفاوضات.ولأن المشروع الوطني مشروع سلام ومشروع مقاومة فإن إسرائيل الساعية لضرب وتدمير المشروع الوطني تستهدف مشروع السلام الفلسطيني القائم على التسوية السلمية العادلة و مشروع المقاومة بمفهومه الاستراتيجي الوطني،ومن هنا يمكن اعتبار كل نهج أو تفكير متعارض ورافض للوحدة الوطنية ولوجود إستراتيجية عمل وطني واحدة يعتبر انقساما وخروجا على المشروع الوطني،كما أن كل نهج أو تصرف يؤثر سلبا على الحق بالمقاومة بمفهومها الوطني الشمولي أو يصادر هذا الحق يعتبر انقساما وخروجا عن المشروع الوطني التحرري.

 التعدد في المشاريع والاستراتيجيات سواء سُميت وطنية أو قومية أو جهادية الخ ، والانتقال من مشروع لمشروع حتى بالنسبة للحزب الواحد، يشكك بمصداقية الحقوق الوطنية للشعب وبجدية النخبة السياسية،كما أن وجود عشرة أو عشرين مشروعا وطنيا لا يعني وجود مشروع وطني فلسطيني ،فتعددية المشاريع الوطنية مظهر ضعف وليس مظهر قوة.

وعليه ،وبما له علاقة بالانقسام، فإن أخطر ما يواجه المشروع الوطني بصيغته الراهنة - المشروع المرتهن بالتسوية التي أسست لها اتفاقات أوسلو ولواحقها – هو الخلل التكويني المرتبط بالجغرافيا السياسية ،فهذا المشروع وبحكم الجغرافيا منقسم بين الضفة وغزة و مفتاح التواصل والربط بينهما بيد إسرائيل،وعليه ستكون إسرائيل جزءا من النظام السياسي المرتبط بالتسوية مما يجعل أيضا الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة محل شك.هذا الخلل هو الذي جعل انقلاب حماس والانقسام الناتج عنه سهل الحصول فالجغرافيا وإسرائيل كانا خير داعم ومعزز للانقسام.ومن هنا فإن فشل المشروع الوطني المنبثق عن تسوية مدريد وأسلو لا يعني التخلي عن المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني لا يسقط ما استمر الاحتلال، بل البحث عن صياغة جديدة له تحرره من الارتهان لإسرائيل.

اتفاقات أوسلو أسست للانقسام

انطلاقا مما سبق من تعريف للانقسام  كتهديد وخروج عن المشروع الوطني فقد شكل وجود السلطة ونهجها حالة انقسام وخروج عن المشروع الوطني.مع توقيع اتفاقية أوسلو تم الانتقال من مشروع وطني مستقل-نسبيا-  ومقاوم، لمشروع وطني خاضع لشروط تسوية غير متوازنة أو تسوية مغامرة  مما أدى لحدوث تصدع للإجماع الوطني حول هذا المشروع وبالتالي غياب لإستراتيجية فلسطينية واضحة سواء إستراتيجية سلام أو إستراتيجية مقاومة، وأصبح المشروع الوطني رهينة عملية تسوية سلمية انحرفت عن مسارها، وما أنتجت من اتفاقات، والأخطر من ذلك أن النظام السياسي الذي مثلته السلطة  أصبح أسير الموافقة الإسرائيلية حتى يجوز القول بأن إسرائيل أصبحت أحد مكونات النظام السياسي الذي مثلته السلطة الفلسطينية، فلم يعد من الممكن إنجاز هذا المشروع الذي يقول بدولة مستقلة في الضفة وغزة إلا بانسحاب إسرائيل من هذه الأراضي، والانسحاب مرتبط بنجاح عملية التسوية ونجاح العملية السلمية في ظل التوازنات الدولية الراهنة مرتبط بالموافقة الإسرائيلية،وما يجعل الشرط الإسرائيلي شرط لزوم وضرورة لقيام الدولة الفلسطينية هو الجغرافيا السياسية، حيث تفصل أراضي إسرائيل ما بين الضفة وغزة، وبالتالي استحالة التواصل ما بين شطري الدولة إلا بموافقة إسرائيل. ولنتصور أن الفلسطينيين في الضفة وغزة قاموا بتحرير هاتين المنطقتين من الاحتلال أو أجبر المنتظم الدولي إسرائيل على الانسحاب منهما، فكيف سيحدث التواصل بين المنطقتين دون موافقة إسرائيل؟.

الانقسام والانقلاب على المشروع الوطني بدأ يلقي بثقله على الحالة الفلسطينية قبيل محاصرة ثم اغتيال الرئيس أبو عمار حيث سادت حالة من الانفلات الأمني والصراع على السلطة ما بين الراحل أبو عمار من جهة، المتمسك بآخر خيوط المشروع الوطني التي بدأت بالانفراط ،ومن جهة أخرى تيار من فتح متحالف مع نخبة جديدة راهنت بالمطلق على خيار التسوية السياسية ضمن الاتفاقات الموقعة.ثم جاءت  مرحلة حكومات تسيير الأعمال برئاسة الدكتور سلام فياض وكأنها امتداد وتعبير عن انتصار نهج الرئيس أبو مازن ،إلا أن الدكتور فياض كان من خارج البيت الفتحاوي وله مشروعه الخاص ،وعليه،ما أن تمكن الدكتور فياض من رئاسة الوزراء بعد انقلاب حماس على السلطة حتى بدا يشتغل مستقلا عن حركة فتح ومستغلا ضعفها وتهلهلها وتأكد الخروج على المشروع الوطني مع تشكيل سلام فياض الحكومة الحالية التي لا تعترف بها حركة فتح –سواء كان موقفها مناورة مكشوفة أو مبدئيا واستراتيجيا- والجبهة الشعبية وحزب الشعب بالإضافة لحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي.

الانقسام الذي أحدثته حركة حماس

انقلاب السلطة على المشروع الوطني وتوفيرها لمناخ انقسام متعدد الأبعاد فيه وعليه، لم يكن بخطورة الانقسام الذي أحدثته حركة حماس.لا شك أن الانقسام الذي أحدثته التسوية ساعد حركة حماس في انقلابها على المشروع الوطني إلا أن الفكرة والمخطط كانا متواجدين منذ تأسيس حركة حماس التي كانت تعمل كل ما فيه إساءة وإفشال للمنظمة وللسلطة وللمشروع الوطني،و كل متابع للأحداث منذ أن بدأت الحركة عملياتها الاستشهادية داخل الخط الأخضر عام 1996 ثم عندما قررت المشاركة بالانتخابات المحلية ثم التشريعية وبعد ذلك فوزها بهذه الانتخابات ،سيلمس أن قيادة الحركة في الخارج كانت تسعى لإفشال مشروع السلطة وتأسيس نظام سياسي جديد ومرجعية جديدة يقطعان مع المشروع الوطني ومع مجمل التاريخ النضالي الوطني ويرتبطان بمرجعية حركة حماس وأصولها أي بجماعة الإخوان المسلمين،وجاءت الانتخابات لتكشف ما خفي من أمور.

لا نشكك بأن حركة حماس فازت بجدارة ولا نشكك بحقها بناء على ذلك بتشكيل الحكومة،ولا ننفي أن وضع السلطة قبل الانتخابات كان من التردي بما يبرر التغيير بالانتخابات أو غيرها،ولكن النوايا المسبقة عند حركة حماس والفصل الجغرافي الواقع ما بين الضفة وغزة، جعل الانتخابات عاملا معززا للانقسام وأطلق رصاصة الرحمة على مشروع السلطة والمشروع الوطني المرتبط بالتسوية وكل فرص الوحدة الوطنية.لقد وظفت حركة حماس الانتخابات لتكتسب شرعية جديدة وظفتها للانقلاب على مجمل النظام السياسي بما في ذلك مرجعياته،وهنا تقاطعت أهداف الحركة مع أهداف ومخططات إسرائيل و قوى ودول إقليمية .كانت انتخابات نزيهة  ولكنها خلقت الانقسام والفصل بين غزة والضفة وهو الانقسام الذي أضعفت من قدرة حماس على المضي قدما بنهج المقاومة وأضعف أيضا من قدرة السلطة الوطنية والرئيس أبو مازن على المضي قدما في مشروع التسوية.

  ويمكن القول بأنه مع سيطرة حركة حماس على السلطة في القطاع انتهى المشروع الوطني الفلسطيني بمحدداته ومرجعياته التي صاغتها وثيقة الاستقلال عام 1988 ثم مشروع السلام الفلسطيني المبني على الشرعية الدولية، كما أن مشروع المقاومة الذي تقول به حركة حماس وصل لطريق مسدود،وبات وكأن ما تريده حركة حماس هو السلطة والسلطة فقط أما تحرير فلسطين والدولة فهي أمور مؤجلة وبهذا التقت حركة حماس مع مناوئيها السياسيين عند هدف السلطة.منظمة التحرير بدأت بشعارات كبيرة حول تحرير كل فلسطين وانتهى أمرها بسلطة خاضعة للاحتلال وتنسق مع الاحتلال في الضفة ،وحركة حماس بدأت بالحديث عن الجهاد وبعمليات استشهادية داخل إسرائيل وآل أمرها لسلطة محاصرة في قطاع غزة وتهدئة غير مشرفة مع العدو.

وخلاصة يمكن القول بان وضع حد للانقسام لن يكون إلا بالرجوع لأسبابه وجذوره وهي سابقة لانقلاب حركة حماس ،الانقسام هو غياب إستراتيجية وحدة وطنية،إنهاء الانقسام لن يكون إلا بالاتفاق على ثوابت وأسس مشروع وطني تحرري يفاوض دون أن يُسقط الحق بالمقاومة،ويقاوم دون أن يُسقط خيار التسوية والسلام العادل.

‏05‏/06‏/2009

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1073  الثلاثاء 09/06/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2009-06-09 02:34:06.