المثقف - قضايا وأراء

فاجعة فرهود اليهود وحركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 / نبيل عبد الأمير الربيعي

(إننا  الغرباء .. يا أيها الوطن .. لنا تأريخ يطردنا .. ولنا مدن تنفينا.. لنا لغة لم تعد بلاغتها تكفي لتضميد حاضرنا الذي يحتضر.. إلى أين نمضي؟ مالنا غير أجسادنا.. فيها نقيم وفيها نهاجر..

 مالنا غير أجسادنا .. ولكن أجسادنا أصبحت أجنبية إلى أين تمضي إذن؟ لبغداد!! ولكن بغداد لم تعد وطناً بل أصبحت ساحة للرماية)

 

عرفت الطائفة اليهودية كمكون من الطيف العراقي الاجتماعي الحقيقي بمناطقها القديمة منذ أزمان سحيقة ..ويرجع وجودهم في العراق الى زمن نبوخذ نصر الثاني(605-562) ق.م وفي القرن السادس قبل الميلاد تم احتلال العراق من قبل القائد الفارسي كورش وتدمير دولة بابل عام(538ق.م) فتم إعادة قسم من اليهود إلى فلسطين، بينما بقي القسم الأعظم في العراق لسنوات طويلة فعاشوا تحت ظل الحكم الساساني والأغريقي حتى الفتح الاسلامي في القرن السابع الميلادي.فقد انتشرت الطائفة اليهودية في كل أرجاء العراق من جبال كردستان الى بابل والعمارة والبصرة والديوانية . ولكتابة التلمود من قبل رجال الدين اليهود في أرض بابل كان الحب الكبير لتمسك هذه الطائفة بأرض العراق وأحد عوامل تعلقهم بتراب الوطن إلى جانب وجود أنبيائهم (حزقيال، وذو الكفل، والعزير أو عزرا) وقبر رجل الدين الكاهن يوشع في جانب الكرخ، وقد عاشوا بوئام واطمئنان مع المسلمين وحيث سادت حياتهم بسلاسة وهدوء حتى يوم تهجيرهم من العراق وإسقاط الجنسية عنهم بقرار الحكومة الملكية عام1948.

لقد لعب المكون اليهودي الدور الكبير في الدولة الاسلامية (الأموية والعباسية) والحظوة الخاصة لدى الخليفة العباسي بسبب امتهانهم للمهن العلمية من الحكيم والطبيب والصيدلي والمترجم والمعلم والتاجر والمالي، كذلك الحرف والصناعات الماهرة، كل هذه أدت إلى احترام الساسة المتبادل لهم وبينهم وبين السكان المسلمين وكأنهم طائفة واحدة متجانسة .

 

اليهود في الديوانية:

لقد لاحظت في سنوات الطفولة والصبا، العلاقات الحميمية بين العوائل اليهودية في مدينتي الديوانية والعوائل المسلمة من تحاب وانسجام، وكان من بين الجيران في حي الجزائر العم صالح معلم أبو يعقوب كنا نعرف عمله  كشريك بمعمل طابوق الديوانية الفني وله مكتب في شارع الأطباء في صوب الشامية، كانت مساعداتهم للمحتاجين  كثيرة وكذلك حل للمشاكل والتعاون والتآزر، اما في منطقة صوب الشامية كانوا من السكان اليهود العراقيين السيد الياهو معلم والسيد ساسون معلم صاحب محل لبيع الادوات الاحتياطية للسيارات مجاور لدائرة البريد والاتصالات، أما في الصوب الكبير والمقابل لنهر الفرات الذي يمر بالديوانية ويقسمها قسمين بيت  الثري  خضوري من عائلة إسحاق موسى ذات الطراز الحديث الذي يشبه الطراز البريطاني.

ويذكر مؤلف كتاب الديوانية قديماً وحديثاً الحاج ودّاي العطية ص11(إن عائلة ساسون معلم كانوا يسكنون الكفل ثم انتقلوا إلى السماوه والشامية ومنها استقروا في الديوانية عام1919 ويمتهنون تجارة الحبوب،وكان الياهو معلم رئيس العائلة وقد كرس حياته للديانة فقط وكبير العائلة المرحوم ساسون معلم شخصية معروفة لدي أهالي الديوانية كرجل أعمال ومزارع كبير).

ومن عوائل العراقيين اليهود في الديوانية عائلة إسحاق موسى التي امتهنت البزازه وعائلة جبران التي سكنت الديوانية عام 1878 التي امتهنت الصياغة ثم هاجرت إلى اسرائيل  وعائلة شاهين فقد سكنت الديوانية عام1858 وقد امتهنوا البزازه  وعائلة قوجمان  وعائلة شيت التي نزحت إلى البصرةعام1920  وعائلة شاؤول راحيل التي سكنت الديوانية عام1936 وعائلتي زبيده وحوكي.

ويذكر البروفسور سامي موريه في سلسلة ذكريات وشجون: (كان اليهودي بنظر العربي رجل أمانة وذمه، وإني أتذكر كيف كان بعضهم يودع نقودة أمانة عند أحد سكان المدينة المدعو الياهو جبره، وذلك قبل تأسيس في المدينة بنك بدون وصولات أو أي مستمسكات). وقد لا حظت هذه الحاله أيام سبعينات القرن الماضي وبوجود المصارف فقد كانوا أبناء الديوانية القدماء يودعون أموالهم عند السيد قربن كان يمتلك محل تجاري في شارع العلاوي قد هجرّعام1979 إلى إيران بادعاء الحكومة البعثية كونهم من التبعية الايرانية، أي إن الحكومات العراقية المتعاقبة قد ساوت بين أفراد الشعب العراقي بالظلم والتعسف والاضطهاد.

بعد عمليات التسفير  من عام1950 ولغاية مجيء  حزب البعث الظالم بدأت المساومات عل مصادرة معمل الطابوق الفني في الديوانية والضغوطات من قبل الحكومة  ومعاون الشرطة شمسي لمحاولة الترغيب والترهيب لأخذ المعمل الذي يعيّل ثلاثة شركاء من أصحابة وهم (عزت معلم و ابن أخيه صالح معلم) وقد تم اعتقال أصحاب المعمل وأمين صندوق الشركة صبيح جبرائيل بواسطة جهاز الأمن، والمحاولات هي المساومة بين محافظ الديوانية وأجهزة الأمن إلى أن عرف أصحاب المعمل لا مجال للمساومة أو الخروج من هذا المأزق الا بالتنازل عن حقهم المشروع، مما أدى الى التوقيع على محضر لم يتم قراءته بسبب الحجز والمحاربة النفسية، فتم اغتصاب هذا الحق والمصدر الوحيد لمعيشتهم، كل هذا لتلبية رغبات الحكومة الظالمة ومعاون شرطة الديوانية شمسي، وقد ذكر البروفسور سامي موريه في مذكراته ذكريات وشجون: (وهكذا سلبوا المشروع الذي كان يساوي ثروة طائلة دون تعويضنا بأي شيْ ..في اللواء شكلوا لجنة لتقدير ثمناً لمعمل الطابوق موضوع البحث وإن هذه اللجنة قدرت مبلغ خمسة آلاف دينار عراقي ثمناً للمعمل بطاقة منشآته أفرانه وأدوات المعمل المختلفة مع الطابوق الجاهز للبيع والذي في مراحل الانتاج بالإضافة إلى الأرض والبالغة مساحتها 650 دونماً  وقد أودعوا المبلغ في خزينة اللواء ولا بد أن المبلغ ينتظرنا حتى الآن، علماً بأن هذا المبلغ المقدر لا يساوي ثمن ماكينة من مكائنه  إلا أن السلطات أرادت بهذه اللعبة إضفاء الشرعية على استيلائها على المعمل.)  لقد وضح لي والدي المرحوم عبد الأمير الربيعي أهمية هذا المعمل في لواء الديوانية آنذاك وكم خسروا أصحابه الشرعيين حينما اقترضوا المبالغ لتطوير هذا المعمل باحسن حال واوفر انتاجية، كما صادرت الحكومة آنذاك أراضي اليهود في منطقة الشامية العائدة للياهو خلاصجي التي كانت تهتم بزراعة رز العنبر المشهور في الديوانية( بتمن خلاصجي)، والدور الذي كان يبدية السيد الياهو خلاصجي  في مساعدة العوائل المحتاجة من المسلمين وتقديم الخدمات لهم والتآلف مع العوائل المسلمة.

في  أحد أيام الصيف عام1995 زرنا كعائلة أحد أصدقائنا في منطقة الحمزة الشرقي كانت منطقة زراعية عبارة عن بستان لزراعة النخيل والرمان والبرتقال والخضروات وعن سؤالي للصديق شاكر حسين من أبناء صاحب المزرعة أودعني سراً ان المزرعة عائدة لأحد اليهود العراقيين المسفرين عام 1972 وإن الدولة لا تطالبهم بأي مورد وقد تكاثرت العائلة ومعيشتهم على هذه المزرعة التي عائديتها لأحد العراقيين اليهود، وانا استفسر هل الدين الاسلامي يدعوا لمصادرة واستغال اموال وأملاك الآخرين بدون وجهة حق وإنما كونهم عراقيين يهود الديانة.

لقد اطلعت في الآونة الأخيرة عن طريق السيدة راحيل خلاصجي ان العراقي اليهودي المسفر (صالح معلم قد توفى عام1998 بعد أن عانى من مرض السكري والسرطان كنتيجة لتعذيبهُ في السجن أيام اعتقاله قبل التسفير، وقد خرج من العراق  مع عائلته بالملابس التي يلبسوها فقط وذلك بعد أن سيطرت الحكومة  على جميع أموالهم بما في ذلك النقدية والمالية وأخذت منهُ ومن أخية عزت أبو سامي مورية معمل الطابوق الفني.فقدوأ كل ما لديهم ما عدى الاسم الطيب الذي يتذكره اناس طيبون.فقد كان صالح أبو يعقوب رجلاً طيباً صالحاً بمعنى الكلمة يحب عمل الخير للجميع وكيف كان يقدم خدمات سيارته الخاصة لنقل المرضى الى المستشفى أو الحوامل للولادة. رحمه الله).

أما ساسون خلاصجي صاحب محل بيع أدوات السيارت الاحتياطية( الذي هو أيضاً ذهب ضحية للاضطهاد، فبعد أن استولت الحكومة على محله وأعطته مهلة شهر فقط للانتقال إلى بغداد ضاقت به الدنيا جداً ولم يتحمل الظلم الذي سلب منه محله الذي كرس كل حياته من أجله وبالأخص قطعت منهُ الاتصال باصدقائه بالديوانية وقطعت كل جذوره بقسوه تامة، فكان يجر الحسرات الواحده تلو الاخرى . وألف اربعة أبيات من الشعر الشعبي المؤثر جداً الذي يحكي فيها ما ألمّ به من مصائب وإلى درجة وصل به الدهر. ولم يستطيع التحمل فوافته المنية في بغداد بعمر 62 عاماً . أما أرملتهُ  فقد انتقلت الى رحمة ربها في اسرائيل عام2008 وحيدة لأنهم لم يخلفوا اولاد.

 

أما الياهو خلاصجي فقد فارق الحياة عام1967 وله عائلة من اربعة أبناء وبنت  فكان يعشق الديوانية وتذكر السيدة راحيل خلاصجي عن زوجها سلمان ابن المرحوم الياهو خلاصجي:( حيث يتذكر طفولته،  وكنت أحس نبرات الحنين في كلامه والشوق الشديد الى رائحة الأرض،الى مجرى الماء الى صوت أغاني الفلاحين الى الهدوء والسكينة والحياة البسيطة الى المجالس مع عمه ساسون، وضيوفه الذي كانوا فيها يقولون الشعر ويغنوه فهو عشق الشعر الشعبي أيضاُ).

 

فاجعة الفرهود:

لقد انسجم  اليهود العراقيين مع التجمعات السكانية الكبرى في بغداد مثل  أبو سيفين وألبو شبل وقمبر علي والبتاوين و وكذلك محافظات العراق الاخرى وحتى منطقة كردستان وكلاّر، وكان اكبر  عدد سكاني للطائفة اليهودية بعد بغداد تأتي الحلة ومن ثم البصرة،     .

الفرهود: مصطلح غريب في اللغة العربية  ولم تذكر القواميس العربية هذا المصطلح ولكن يعني السلب والنهب وهذه ملصقة بالمجتمع البدوي حسب تفسير العلامة علي الوردي، بأن البدوي سلاب  وهاب،وقد يكون سلاب فهذه الطبائع موروثة بشعب العراق دون غيرة، وتشير بعض الدراسات منها للمهندس البريطاني وليم كوكس:  (إن أحداث الفرهود هي من خصال الشخصية العراقية وطبيعة وادي الرافدين في معرض تمييزه لها عن نهر النيل ر وما أشار إليه من اختلاف في مناسيبها التي ترتفع بصورة مفاجئة وفي  فترة السنة فتدمرت المحاصيل الزراعية وتحطيمها للسدود وقنوات الري الأمر الذي يؤجج الصراعات والتنازع بين السكان والعداء والاقتتال) وهذه الدراسة  لم تستبعدها السلوكيات للمجتمع العراقي وخاصة المجتمع البدوي الذي بدء أبناؤه ينسحبون الى المدن وينقلون عاداتهم وتقاليدهم الغير صحيحة معهم في التجمعات السكانية وأعمالهم في الدوائر الحكومية والتنظيمات السياسية في العراق الجديد وسلوكيات أبناءالمجتمع البدوي.

فقد استفحلت قيم المجتمع البدوي من النهب والسلب الذي يعتبر بمفهومهم الشجاعة والجرأه وكذلك ضعف وغياب القانون،ولكن بوجود القانون  تلجأ الحكومة إلى تنظيم  مهرجان الانتقام والتنكيل من معارضيها ليشترك فيها أراذل الشعب ورجال الأمن،فنجد أكثر المكونات الدينية عرضة للانتقام والسلب وعملية الفرهود من الطائفة اليهودية العراقية، إذ تعرضت للاعتداءات وأعمال العنف والفرهود مثلما حدث في الأول والثاني من حزيران عام 1941 والذي عرف بفرهود أو فاجعة اليهود، الذي رافقها أعمال قتل واغتصاب تعرض لها أخواننا اليهود العراقيين بعد انكسار حكومة مايس برئاسة رشيد عالي الكيلاني الانقلابية ودخول الجيش الانكليزي منتصراً الى بغداد  ولم يدخل الرصافة ليومي الأول والثاني من حزيران مما أدى الى تعرض العوائل الى الترويع والاعتداء، هذا أصبح وصمة عار بجبين الحكومة العراقية آنذاك، من تعرض ممتلكات اليهود العراقيين إلى السرقة والنهب، بعد هذا الترويع  شكلت الحكومة لجنة تحقيقية لوقف أعمال القتل والسلب وممنوع التجوال في بغداد، والدعوة لاطلاق النار على المفرهدين وقتلهم، حيث كان لجنة التحقيق برئاسة السيد محمد توفيق النائب،ويذكر البروفسور سامي مورية: (الأمر الذي أثار دهشة التأريخ هو إن مجموع الشعب العراقي أجمعت على التلذذ بالفرهود  اعتباره ملحمة قومية إسلامية مجيدة وظلت تتغنى به لعدة سنوات بعد عام 1941 وشاعت بين الناس إهزوجه شعبية تقول:

الله اشحلوا الفرهود يإسلام ......... يا ريته يعود وكل سنه وكل عام

وأنا بدوري أقول إن حادثة الفرهود قد حدثت في بغداد فقط ولم تتوسع في محافظات العراق كافة، ومع ذلك هو من المؤسف حقاً لهذه الأعمال الذي مر بها العراق ويمر بها حالياً منذ الغزو الكويتي من قبل نظام الاجرام البعثي والغزو الامريكي واجرام القاعدة وانتشار الفساد والقتل والارهاب والسلب والنهب على الهوية، وكان قبل هذا الوقت على اساس الدين والعرق.

لقد سعت الحركة النازية وجماعة الكيلاني والمفتي أمين الحسيني مستشار الحكومة  الكيلانية على التحريض للانتقام وسفك الدماء ونهب الممتلكات لأخواننا اليهود واشتعال الفتنة الطائفية، هذا فضلاً  عن الاساءه  الى الشعب العراقي وتأليب العالم عليه. فقد راح ضحيتها من اليهود العراقيين الى أكثر من 200 قتيل من اليهود، ولعلي أتساءل لماذا اشتعلت تلك الأحداث في بغداد ولم تشتعل في بقية المحافظات، مع العلم ان الطائفة اليهودية في العراق لها جذور أكثر من 2500 سنة تعيش بانسجام مع الشعب العراقي.

 

منظمات محمد يونس السبعاوي النازية:

يذكر الدكتور كاظم حبيب في كتابه اليهود والمواطنة العراقية والتي تم تشكيل منظمات شبابية شبه عسكرية لحماية  وزير الاقتصاد محمد يونس السبعاوي  في حكومة رشيد عالي الكيلاني: (إذ عمدت الى تشكيل ثلاث منظمات شبابية شبه عسكرية، والدفاع عن الحركة الانقلابية والتصدي للقوات البريطانية الزاحفة صوب بغداد وهي ( كتائب الشباب) و(الحرس الحديدي) و( فدائيو يونس السبعاوي) وهذه الكتائب  كانت في طليعة القوى التي هاجمت اليهود ونفذت الفرهود في بغداد) .فقد يذكر والدي ان هذه الفترة انتشرت فيها الحركة القومية النازية  والفكر النازي الذي ركز على تربية الشباب والطلائع بقيم الكراهية ضد اليهود والتهليل لما يقوم به النازيون ضدهم  في المانيا، فقد بدأ تثقيف الشباب في المدارس بالفكر القومي ومعادات الطائفة اليهودية بواسطة المعلمين والمدرسين الفلسطينيين العاملين في سلك التعليم في وزارة المعارف العراقية.

لقد قدرت الخسائر بالارواح والممتلكات لليهود العراقيين حسب قول رئيس الطائفة الموسوية في العراق بان الواقع يفوق ما أتت به لجنة التحقيق من خسائر فقد قدرت بأن ثمن ما نهب (271402) دينار من محلات اليهود وعددها(2500)حانوت وان عدد الدور التي سرقت محتوياته(1000) عائلة والذين قتلوا (179) قتيل .

كل هذه الأعمال اللانسانية واليهود العراقيين يشاركون اخوانهم في أفراحهم وأتراحهم وأحزانهم  مثل الأديب العراقي اليهودي إبراهيم عوبيديا الذي طلب اللجوء القسري الى إيران في فترة الأربعينات بعد مظاهرات 1948 ضد إتفاقية بورتسموث  الذي رفضت القوى الوطنية انعقادها بين الجانب البريطاني والجانب العراقي بحكومة صالح جبر والذي استشهد على أثرها جعفر الجواهري والمناضلة بهيجة وآخرين في مظاهرة صاخبة خرجت تعارض توقيع المعاهدة فنظم قصيدة باستشهاد جعفر الجواهري مطلعها:

الجسر يصخب بالهتاف  وبالصراخ وبالصياح

وكتيبة تعدو من الحرب المدّجج بالســـــــــلاح

ومكبرّات الصوت تنقل صوت بغداد  الكفـــاح

..............

ويسود صمتّ حين ينطق الرصاص على الرعايا

وهناك فوق الجسر صاح مناضلّ بين الضحايا

نادى بأعلى صوتهُ: ياقوم إن سالت دمايــــــــا

فلقد نذرت دمي لصوت كرامتي بين البرايــــا

 

التهجير والقسر ليهود العراق عام1950:

لقد تركزت أكثر الدراسات التي أدت الى هجرة اليهود العراقيين في عام1950 من القرن الماضي والنتائج التي تمخضت عن هذه الهجرة، اذ للحكومة العراقية الدور للتخلص من الطائفة اليهودية والمنظمات الصهيونية التي شجعت على الهجرة للشباب اليهودي ومساهمتهم في هذا النشاط، ودور الهجمات الظالمة من بعض القوميين على اليهود والتعرض لهم والاعتداءات السافرة  على العوائل اليهودية وخاصة في العاصمة بغداد، كما اجراءات الحكومة المبغضة ضد اليهود المتورطين ببعض النشاطات الصهيونية  واعدام بعض اليهود بتهمة التعاون مع دولة اسرائيل مثل  التاجر شفيق عدس، فقد أصدرت الحكومة العراقية قانون إسقاط الجنسية  في التاسع من آذار عام1950 وينص القرار: (على تخويل مجلس الوزراء بتجريد أي يهودي يرغب باختياره ورغبته بترك العراق من جنسيته العراقية .) فترك مائة ألف يهودي عراقي العراق بين عامي 1950 وعام 1951، وشهدت هذه السنه النهاية التقريبية للطائفة اليهودية بعد أكثر من 2500  سنه من وجودهم في العراق. وقد جردت أملاك وأموال اغلب اليهود الذين هاجروا من العراق، وقد تحدث أكثر ممن هجروا من العراق بمذكراتهم، وعن حبهم لوطنهم وخاصة  الادباء منهم أمثال أمير شاؤول ومير بصري وأنور شاؤول الذي يشترك مع الأديب والاقتصادي مير صبري في نظرية العلمانية في مكانة الدين في بناء وطن مشترك، فقد عبروا عن ولائهم للعراق في عدة مناسبات حيث استخدم الاديب والشاعر والصحيفي أنور شاؤول  اسماً مستعاراً  هو ( إبن السموأل) عندما كان يعمل في جريدة ( المصباح)، وإبن السموأل، هو ابن السموأل بن عدّي  الشاعر العربي اليهودي الديانة، الذي شاهد ابنهُ يقتل على يد الأمير الغساني بعد أن رفض تسلّم درع ضيفه امروء القيس وفقاً للتراث العربي  في الوفاء، فقال في قصيدة منها:

إن كنت من موسى قبست عقيدتي ............ فأنا المقيم بظل دين محمد

سأظل ذياك السموأل في الوفــــــا............. أسعدت في بغداد أم لم أًسعد

لكن مع أسفنا الشديد كشباب واعي منفتح على الحضارات الأخرى نؤمن بالعلمانية  والرأي والرأي الآخر واحترام الأديان والمذاهب، بحادث الفرهود  الذي حدث والذي أدى الى توقف  تطور الهوية  للفرد العراقي اليهودي، فقد سبب جرحاً عميقاً للشباب والمجتمع اليهودي، وإنعدام الثقة بين اليهود والمسلمين، لكن لو نقرأ أدب العراقيين اليهود المهجرين والمهاجرين لنلاحظ اصرارهم على الهوية العراقية وحب تراب وأرض العراق بسبب الانسجام والتعاون بين الطوائف الدينية المتنوعة،وقد قللوا هؤلاء الادباء آثار الأحداث الخطرة مثل حادثة الفرهود لإلتزامهم بعمق الكفاح من أجل الاستقلال الوطني وعبرّوا عن حماسهم الوطني الكبير بتلك الأدبيات.

 

التمسك بأرض الوطن:

تذكر بعض الروايات عن يهودي عراقي،البعض ينسب الحاثة لمدية الديوانية والبعض ينسبها لمدينة الحلة، عند ساعة إبلاغهم عن تهجيره من ارض الوطن الى خارج العراق، كيف أتى لابلاغ جيرانه المسلم  بوقت رحيله وعلية أن يأخذ ما يرغب المسلم ببعض الآثاث النفيس من بيته  قبل مصادرة الدولة للآثاث، فطار عقل المسلم وأجابهُ ( شلّي بالمال والآثاث وبيت أخوي راح ينهجم) هكذا كانت العلاقات الاجتماعية بين العوائل العراقية ومكوناتها والطيف العراقي سابقاً.

ورواية أخرى عن تهجير يهودي من أهالي البصرة جنوب العراق تقول(قبل أن يترك بيته أحد اليهود المهاجرين نهائياً، مغادراً الى دولة اسرائيل عام1950 خط بنيامين إسحق اليهودي العراقي ذو الستين عاماً، الذي كان يسكن محلة الباشا في البصرة، خط على جدار بيته بيتاً من الشعر قال فيه:

عاوني على الروح نجرّها بالمار ............... ما ترضى عنها تروح محرّجة بالدار

ومن الواضح إن إسحق كان يتوسل بالناس المارين قرب داره من الجيران أن يعينوه على أخراج جسده وروحه التي لا تسع الباب لخروجها، في إشاره لكلمة مجرجّه، أي ضاقت الباب على خروجها، وهي إشارة إلى صعوبة تركه البلاد التي ولد وترعرع فيها، بل يفضل أن يدفن  فيها ميتاً على الخروج منها حياً.

لقد ذكر الباحث  احسان السامرائي (إن نسبة اليهود الذين عاشوا في البصرة تبلغ 12 ألف نسمه والتي تركت بصماتها على دنيا المال والاقتصاد والفكر والثقافة والمجتمع  بشكل عام في البصرة، فتعتبر طائفة اليهود في البصرة  لها العمق الاجتماعي والاقتصادي في البصرة، فقد كان السيد  يوسف يعقوب صوينخ من أحد قائمة الشخصيات البصرية التي لها الدور الكبير ببناء مستشفى الملك فيصل سابقاً (الجمهوري حالياً) في البصرة وكذلك مستشفى السجن المركزي  والتي تضم مقبرة اليهود العراقيين، التي زحف عليها  البناء العشوائي وأضاع معالمها حسب مشاهدة أبناء البصرة.)

لقد طالت يد الدولة للمتبقي من المكون اليهودي في العراق عام 1972 وتهجيرهم القسري الى دولة إسرائيل أو الدول الاوربية لمن لم يرغب بالهجرة الى إسرائيل، وما تبقى منهم إلا أفراد يعدوا على عدد أصابع اليد، ثم الذي توفى في بغداد لكبار السن والذي هاجر بعد سقوط النظام البعثي عام2003، ولم يبقى أي فرد يهودي عراقي في العراق بفضل النعرات القومية سابقاً والطائفية حالياً،  ودعوة السياسيين حالياً الى منح العودة للعراقيين المهجرين والمهاجرين والموافقة على ازدواجية الجنسية إلا  دولة إسرائل، أي بمعنى رفض عودة اليهود العراقيين إلى العراق، وهذا تعسف بحق اليهود العراقيين لمنعهم من العودة والمطالبه بحقوقهم وأملاكهم التي صودرت منهم سابقاً.

كما لم يسلم بقية المكونات للطيف العراقي اليوم بسبب التهجير الذي طال العراقيين من الديانة المندائيه  والكلدانيين  بسبب الارهاب الذي دخل مع الغزو الأمريكي للعراق، فأين منطق حقوق الإنسان ولائحة المواطنة العراقية، إذ بدأ يعامل الشعب الكلداني في وطنه كأنه غريب عن تربة هذا الوطن وهو أصل من إصول المكون الاجتماعي، حيث يجري سلب الحقوق القومية الواضحة، حيث أصبحنا والحمد لله نمتلك وزارة تسمى وزارة الهجرة والمهجرين لما قام به النظام السابق من تعسف بحق المواطن العراقي بعيداً عن قوميتهُ أو ديانتهُ، فمتى نتعايش بسلام ووئام ونحن نحمل هذا الحقد الديني الطائفي القومي الأعمى إتجاه أخوتنا  من الطائفة اليهودية والكلدانية والمندائية  ومسلمين من مذهب آخر.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد:1808 الثلاثاء: 05 / 07 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-07-05 12:45:25.