د. منير لطفي
ا. د. عبد الله الفيفي
ميلاد عمر المزوغي
د. علي المرهج
ا. د. محمد الدعمي

بنية الاختلاف والتأسيس .. في اللغة الشعرية عند فائز الحداد / عدنان النجم

adnan_alnajimالمفردة هي كائن موجود قبل ولادة النص الشعري  فهي مادة أولية تحتاج الى اعادة تصنيع وصياغة وتزويق، والشاعر هو وسيلة تنضيد المفردات باطار يشبه انفعالاته ويعبر عن توجهاته،

حيث ان للتركيبة الشعرية اختلافها التام عن الخطاب العادي المجرد، إذ يسمو فيها الهتاف البلاغي والابداعي المعانق للوظيفة الجمالية، والغاية هي اولا واخيرا توجيه الاثر بمقدار غير معين لنفس القارئ .. وللغة الشعر الدور الهام في بناء القصيدة عموما، ولعل اللغة الشعرية هي عنوان تفرد قصيدة النثر ومهماز عنفوانها خصوصا، ولم يبتعد كولوريدج عن الحقيقة عندما قال عن لغة الشعر (إنها أعظم عنصر في بنائية القصيدة في الآداب جميعها، ففي أرضها تتجلى عبقرية الأداء الشعري، ومن لبناتها تبنى المعمارات الفنية التي تتآزر على إبداعها مجموعة عناصر متعاضدة متلائمة). وقد تكون الدلالات المعجمية للمفردة بعيدة عن لونها كما هي في السياق الشعري، لانها تكون محكومة بمعطيات التركيب في القصيدة .. ولا يدخل هذا التأطير محددا بالشعر كفن ادبي وانما لجميع الوان الادب الاخرى .. وبما أن اللغة الشعرية هي الاطار الفاعل في تكوين قصيدة النثر لذا يعدها النقاد باب الدخول لقراءة هذا اللون من الشعر .. كما لا تكون اللغة الشعرية هنا ذكية في تصريف انفعال الشاعر ما لم تسلك الانزياح وهو العدول عن الدلالة المطابقية الى التضمينية والالتزامية (والخروج عن تقديس اللغة) الى واحات الاثر الجمالي فيها، وهو عنوان التمييز بين (النثر والشعر)، وهكذا وُجدتْ اللغة الشعرية في النص لابراز مفهوم الابداعية لدى الشاعر، ويشير رولان بارت في كتابه لذة النص الى ان اللذة محكومة بلغة الشاعر فالشاعر الفنان هو من يخلق اللذة للقارئ ولو من انهمار الدمع، ثم يستدرك رولان متسائلا وهل للدمع لذة ؟ ولكن الشاعر سيخلق من لغته لذة في اقسى تراجيديات الوجع، وما الشعر الا حالة إيقاظ المعنى باطار لغوي ليتسنى للمتلقي الوصول الى مساحات الشاعر في المعنى الذي ينسجم وذائقة القارئ .

وعند الخوض في كل نصوص فائز الحداد، لا تسعف القارئ مجاديف ثقافته اللغوية في ادراك الصور المتراكمة، نظرا لفخامة المفردة والانزياح الحاد في جميع تراكيبه الشعرية .. وهي ميزة يتفرد بها الحداد في صناعة القصيدة الحديثة .. ولعله وهو يشير في مقاله " اللغة الشعرية بين الهيكل والمضمون " الى اعتماد المفردة بشعريتها متجاوزة اطارها كاداة ووظيفة ضمن سياق جمالي كاشف للمعنى .. هو ذاته الذي يثبت تلك الفرضية في حدود ابداعاته ونصوصه،  وكان لمجموعته قبعة افعى والتي تعد الاولى  له في قصيدة النثر وان سبقتها عام 1989 القمر الغائب، هي البداية لهتاف اللغة الشعرية الحديثة وقد تأكد من ذلك  شيخ النقاد العراقيين " ناظم السعود " في قراءته لهذه المجموعة  بقوله : (يعمد الحداد الى تدوير معنى ما بغير دلالته المشاعة في محاولة منه لاشاعة دلال جديدة ... وذلك اجتهاد شعري يحسب له وحده .. كما فعل ويفعل مرارا في معنى (المطر) الذي يعرف بالخصب والنماء، بينما جاء به  (ثورة) دلالة للفجيعة والانتهاك والموت والشرور المستمرة!!)، اما شاكر مجيد سيفو فقد وجد (ان الشاعر الحداد يكاد يؤسس لمشهدية صورية شعرية شخصية في لمعانات هذه الشاعرية في اقامته للعلاقات الثنائية بين الصوت والمعنى، والشكل والمضمون بقوة الدلالة المحتشدة بعناصرها البنائية التي ترسخ لقضية الشاعر الانسانية ووجوده ذاتاً ممتلئة شعراً وفناً وفكراً وإرادة ورغبة جامحة للكتابة الجديدة...) ويتم هذا التأسيس وفق قاعدة ترتكز على بنية العاطفة والتخييل، والصورة الشعرية، والبناء الشعري، ولم يجتهد شاكر مجيد سيفو بذلك وانما استطاع تلخيص قبعة الافعى في بناء نظرية الابتكار والتجديد والحداثة عند فائز الحداد،  بينما تفرد " قاسم العزاوي " في ابراز رؤية قصصية لهذه المجموعة من خلال سرد مميز اجاد فيه اختراع لذة اخرى لنصوص فائز الحداد، وقد كانت هذه المجموعة نقطة انطلاق فائز الحداد في اكتشاف الشعر ضمن المفردة، وحين قراءتي لبعض نصوصه فيها اكتشفت النزعة المثالية لاقتناص المعنى في حدود لغة مميزة .. فهو حين اراد ان يصنع من الجوع ثورة الشاعر كان يقول: (فلا سواي قمر في المدينة .. سأسرج الحقول .. خيولا للجياع .. واكتب بالخبز شعري ..)، ويستحيل على النبوة اطلاقا ان تتجلى في " المياه " لكنها لغة الحداد التي انزاحت الى تعميد اللغة بطهر الشعرية، وهكذا رأي الناقد العراقي حسين سرمك حسن (والحدّاد من الشعراء القلائل الذين يعمدون على توفير أواصر رابطة بين أبيات أو مقاطع قصيدته وصورها اعتمادا على " التصرّف " بمرادفات المفردة الواحدة من جانب، وعلى التوليد الصوري المعتمد على إيحاءات تلك المفردة أو مرادفها في موضعها الجديد من جانب آخر وهي سمة أسلوبية مضافة تحسب اليه كشاعر كبير). وكذلك حين قراءته لنصه الذي يرثي فيه صديقه " رعد مطشر " يشير د. حسين سرمك حسن الى التفاتة رائعة في مقدرة الحداد في صناعة الصورة التعبيرية من خلال عنوان القصيدة " طشار الرعد " والذي يشير اليه  د. حسين سرمك حسن بتوظيف المفردة العامية في قلب مضمون اسم الشهيد من مطشر رعد الى سمة المقاومة في " تطشير الرعد " ذاته ..

ولا يمر نص جديد من نصوص الحداد الا فيه اشارة لامعة للقدرة الاحترافية في اعتماد مرونة المفردات من اجل بناء اشكال تعبيرية جديدة، وعندما نقرأ نصه الاخير  نجده يصنع لنفسه مفردة مميزة من خلال نظرة جانبية للنص فمثلا نجد: (سراب السيدة – سبيل الرؤى – غرور الشجن – فصاحة الشرار – جام كأسي – بأدعية البخور – نبي الربابات – فخاخ الدرابين – بائعات النخاس – تباريك المعمات – بسملة الريق – شفاه الشفير – رحم البيت – قراصنة الدمى – دفء المنابر – بريد الكذب – قداسة السقوف – ذهب القلوب – بسالة الذبيح – نزير الجباه ...) ولعلي لا اريد ابراز تلك المفرادت على احادية الابداع في نصه " صوابك .. خطأي الجليل " ولكنها اضافات تحسب لفائز الحداد كاختراع جديد ضمن ابجديات اللغة الشعرية في قصيدة النثر .. وعندما تتم مقارنة أي من تلك المصطلحات بواقع اللغة الالتزامي نجد انها حضرت في ذهنية الحداد في انتقالة الى اللاوعي الشعري والهيام المصحوب بزخات الايحاء، والتي تنم عن شاعرية عميقة جدا لا يمكن فك طلاسمها الا الحداد نفسه لانه القائم على صناعة مغاليق لغته الخاصة ..

وعندما ننتقل الى طريقته في التعامل مع الفعل نجد انه يسوق الفعل وفق ابتكار ابداعي نادر الحصول في الكثير من  نتاجات شعراء قصيدة النثر، ان لم نقل انه يتفرد بتلك القابلية دون سواه فمثلا: (يطارد المنى شيخا – يحلق بالحلم سؤلا – تبلغ الاعين فصاحة الشرار – لا أحد سيصل ريعه – يرصف الاصابع بالقير – يطير بادعية البخور – يعزفك حليبا – يخنقني ثغرك التتري – تبارحني القوارير – يعين كهرمانتي على حملها – والزيت يتقاطر من جيوب اللصوص – يهب الاعالي قداسة السقوف – تمأزق اليمام بآيات الغربان – يختبر الخبز في التقى -) فجميع الافعال المضارعة الواردة هي تجتمع في زمكانية واحدة هي لحظة تمركز الشاعر في ذاته فحصولها آني ربما يزول بزوال المؤثر الموجود حتما في ثيمة النص .. اذا فالحداد له لغته الخاصة في التعامل مع الفعل ايضا ضمن الجملة الشعرية، ناهيك عن اكتشاف الفعل ذاته كما في (تمأزق – وتكنن – و تزمن ...) وهو بحد ذاته ايضا خصوصية يمتاز بها الشاعر في التعامل مع الزمن بمفردته المناسبة والمؤثرة ..

ولست هنا بصدد تناول نص الشاعر فائز الحداد بقراءة نقدية او تفسيرية، اذ كيف بدفق عيون الينابيع ان يبلغ عنفوان الشلالات، ولكنها محاولة لبيان التميز والاختلاف لدى فائز الحداد في توجيه اللغة الشعرية ضمن قصيدة النثر باعتبارها الواحة المناسبة لهطول اللغة .. كما ادرك تماما اني لم اتمكن اطلاقا من الانتماء لفصيل النقاد كي ارتقي سماوات المبدعين امثاله، وكيف لا وهو الذي يؤسس لقصيدة النثر قاعدتها المتينة .. 

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1641 الثلاثاء 18 /01 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1596 المصادف: 2011-01-18 06:32:03