المثقف - كتب وإصدارات

"الفحل السوسيولوجي" فالح عبد الجبار وروسيا الجبانة .. حول التضامن النقدي مع الربيع العربي (1) / علاء اللامي

alaa_allamiالمتابع للنثر الغزير والمواقف المتباينة  بعمق من الانتفاضات العربية المستمرة ضد أنظمة التخلف والقمع الشمولية في ما سمي بالربيع العربي والذي بدأ مع ثورة الياسمين التونسية،

 يلحظ نوعا من الاستقطاب الثنائي يشطر تلك المواقف في الأغلب الأعم، فإما أن يكون الموقف، وبالتالي صاحبه مؤيدا ومتضامنا مع تلك الانتفاضات دون قيد أو شرط وصولا إلى تأييد – أو أقلها  السكوت عن - التدخلات العسكرية الأجنبية وبخاصة من جانب الدول الإمبريالية الغربية المعادية تقليديا لشعوبنا العربية وللشرق عموما، وإما أن يكون مناوئا للانتفاضات الشعبية أو مشككا فيها بدعوى العداء للتدخلات الغربية ووجود مؤامرة سرية ما خلفها وبالتالي يقف صاحب هذا الموقف في خندق الأنظمة الشمولية شاء أم أبى. يخرج عن هذا الاستقطاب الثنائي التبسيطي أصحابُ موقف مركب لا يسلم يقينا من الاتهام بالتناقض من قبل أصحاب الموقفين التبسيطيين السابقين. خلاصة هذا الموقف الذي أسميناه  بالمركب تكمن في شعار التضامن النقدي مع الانتفاضات الشعبية ضد أنظمة القمع الشمولية. بمعنى أن يكون المرء مع تلك الانتفاضات الشعبية حتى إسقاط تلك الأنظمة أو إجبارها على الشروع في عملية إصلاح حقيقية وذات مغزى وفي الوقت نفسه ضد أي تدخلات غربية عسكرية أو غير عسكرية تحاول سرقتها أو الهيمنة عليها بما يؤدي لا حقا إلى ضياع الاستقلال الوطني للبلد المعني وسقوطه في شرك التبعية السياسية والاقتصادية للغرب الإمبريالي. هنا محاولة تحليلية  لرصد هذا الموضوع من خلال مثال عملي طازج :

نشر الكاتب العراقي فالح عبد الجبار قبل أيام مقالة بعنوان "روسيا الجبانة" في جريدة "الحياة" السعودية وفي "العالم" البغدادية. الأخيرة نشرتها تحت عنوان آخر أقل "شتائمية " من العنوان أعلاه فاحتج الكاتب الذي يحب أن يعرف نفسه بعبارة "سوسيولوجي عراقي مقيم في بيروت" كما يبدو، وطالب بإعادة نشر المقالة بعنوانها الأصلي وعدم الاكتفاء بالاعتذار أو التصحيح فكان له ما أراد وأعيد نشر المقالة بعنوانها الأصلي في اليوم التالي مع الاعتذار عن نشرها بعنوان آخر .. سنتعرض بالنقد والتحليل لبعض ما ورد في مقالة فالح عبد الجبار من فكرات، متجاهلين عمدا - ولأسباب تتعلق بطبيعة التعقيب ليس إلا - كل ما قيل بخصوص شخص هذا الكاتب وارتباطاته بالمؤسسات التي أنشأها الاحتلال الأمريكي في العراق  وعمله فيها سواء ضمن ما سمي "مجلس الإعمار" أو غيره، وعن اتهامات وجهت له علنا باختلاس أموال بلغت 359 ألف دولار خصصت لمؤسسة يديرها وتدعى "مركز الدراسات العراقية ومقره بيروت" وهو معهد بريطاني مغمور ومشبوه أصلا تأسس سنة 1993 باسم " المنتدى الثقافي/ فوريم كلتشر" ثم غير فالح عبد الجبار اسمه ونقل مقره إلى لبنان، وقد نشرت تلك الاتهامات في صحف  "هولاتي" و"ليفين" الكرديتين و"الأهالي" البغدادية  بتاريخ 25 / كانون الثاني 2010، حسبنا إذاً أن نذَّكر فقط بهذه المعلومة والتي قد تضيء ولو جزئيا الخلفية العامة لما نحن بصدده، وننتقل الآن لتفحص ما ورد في نص مقالته عن روسيا وموقفها من الانتفاضات العربية ضد أنظمة القمع والتخلف الشمولية في سوريا وليبيا وغيرهما:

يأخذ  الكاتب على "روسيا" أنها (تواصل الحماسة السوفيتية القديمة ضد الغرب) ساخرا من قناعة تتبناها تلك "الروسيا" ومفادها (كل ما يأتي من الغرب شرٌ وإثم) ليس مقصودنا هنا أن ندافع عن روسيا المافيات والفساد والعنصرية الصاعدة التي أنشِئَت على ركام الاتحاد السوفيتي وإنجازاته العظيمة والتي لا يقلل من ألقها الإنساني والتقدمي إلا النمط السياسي الشمولي في حكم الحزب الواحد الموروث من الحقبة الستالينية، إنما أردنا أن نتفحص السياقات المحددة التي أورد الكاتب فيها أفكاره.  نسجل أولا، أن هذا "الباحث السوسيولوجي" يضلل قارئه بشكل واسع ومسبق، دع عنك أنه يهين أمة بكاملها ويصفها بالجبن، مع أنه من المصفقين لأمريكا " غير الجبانة" ربما لأنها هي التي دمرت بلده وأذلت وقتلت مئات الآلاف من شعبه، انه يضلل قارئه حين يقول  (فإزاء المذابح في ليبيا وسورية، مثلاً، لم تكتف – روسيا- بالتزام الصمت إزاء الدم المسفوح، بل تعارض أدنى نقد، وضد أدنى عطف على مطلب الحرية السياسية. لكأن الشعب السوري أو الليبي قطيع خراف لا قيمة له بالروبل!) إنه بصريح القول يكذب هنا،  فقد أذيعت انتقادات الرئيس الروسي ورئيس وزرائه بوتين للدكتاتور السوري بشار الأسد، وكانت انتقادات حادة بلغت درجة التهديد والوعيد بأنه (سيواجه مصيرا مأساويا، إنْ هو استمر بقمع حركة الاحتجاج السلمية وتأخر في إطلاق الإصلاح الشامل) كما اجتمع مسؤولون من الخارجية الروسية عدة مرات وعلى أعلى المستويات مع قيادات سورية معارضة للنظام. ومرة أخرى نكرر أن الدفاع عن بوتين وميدفيديف ليس مهمتنا، بل هو لا يشرفنا البتة، ولكنه السياق المفترض لاحترام الوقائع والمعلومات وعدم تضليل الناس. ولأن السياسيين الروس وغير الروس لا يتقيدون بأخلاقيات معينة حين يتخذون مواقفهم السياسية ويمكن، وهذا وارد جدا وقد حدث مرارا، لبوتين أن يغير مواقفه جذريا ويقلب الأمور بتصريح معاكس واحد كالتصريح الذي ذكرناه قبل قليل وتجاهله فالح عبد الجبار عن عمد، ولكن هذا الانقلاب لا يجعل من بوتين ملاكا بعد أن كان شيطانا فتلك هي وظيفته . بكلمات أخرى، فإن رصد مواقف قادة الدول الأوروبية غربا وشرقا لا يؤدي إلى شيء ذي بال على مستوى التحليل العلمي إن هو اكتفى بما هو سطحي وعابر. فإذا كان الكاتب يهاجم المسؤولين الروس لأنهم لم يروجوا للتدخل العسكري في ليبيا وسوريا وغيرهما أو أنهم وقفوا ضده وحاولوا عرقلته، ولم يتضامنوا بما فيه الكفاية مع الشعوب المنتفضة ضد الدكتاتوريات،  وآثروا اتخاذ موقف مختلف عن موقف الرؤساء في الدول الغربية الإمبريالية والتي "يستحلي" الكاتب تسميتها بالديموقراطية  فإن هذا ليس مدعاة لتبرئة القيادات الإمبريالية الغربية مما ارتكبته بحق الشعوب المنتفضة في ساحات أخرى كالبحرين واليمن بل وحتى في سوريا ذاتها أو مما ارتكبته بحق الشعب الليبي باسم حماية المدنيين التي أسفرت عن حملة إبادة حقيقية لهم، ولا هو مدعاة للتوقف عن التضامن مع الانتفاضات الشعبية  العربية عامة والحرص على تحصينها ضد الانحرافات والتدخلات ورفدها بكل ماهو سليم وبناء يسرع من حركتها نحو النصر وإقامة الدولة المدنية الديموقراطية. ولكنه تضامن مختلف هذا الذي ندعو إليه من حيث محتواه وأهدافه عن التضامن السطحي التصفيقي. إنه تضامن نقدي قائم على الشعار المركب التالي: معكم ضد أنظمة الحكم الشمولية حتى إصلاحها إن أمكن وإلا فحتى إسقاطها،  وضدكم في دعوات التدخل الأجنبي وزج شعوبكم في الحروب الأهلية الطائفية.

هل من الصعب أو المستحيل أن يتخذ المرء موقفا كهذا ؟ لما يستسهل البعض اتخاذ المواقف المبسطة والخطية ذات الروح المانوي "إما أسود أو أبيض"، والتي خلاصتها إما أن تكون مع الانتفاضات الشعبية ضد الدكتاتوريات وبالتالي مع التدخلات الأجنبية وإما أن تكون مع الدكتاتوريات ضد الشعوب وضد محاولات الغرب الإمبريالي ركوبها واستثمارها؟

 لقد جربنا نحن العراقيين هذه الخيارات المرة، والتي روج لها فالح وزملائه  من سياسيين وكتاب في معسكر تغيير النظام من خلال الحرب والاحتلال، حين اختصروا التاريخ العراقي بماضيه وحاضره ومستقبله  إلى معادلة حمقاء مفادها: إما أن تكون مع صدام أو مع أمريكا! وها هو العراق اليوم يغوص عميقا في لجة الدم والخراب والتخلف فلا أمريكا نجحت في انتشاله مما هو فيه من شمولية وإرهاب حكومي جعل البلاد مقبرة جماعية شاسعة في عهد النظام السابق بل إنها زادته دمارا على دمار، ولا الذين جاءت بهم أمريكا إلى الحكم أنتجوا ما هو أفضل من دموية وبشاعة النظام المتخلف الذي أطاح به الغزو .

بالعودة إلى حملة فالح عبد الجبار الجديدة سنلاحظ أن حماسته في الهجوم على "روسيا الجبانة" ليس دفاعا عن دماء الأشقاء المنتفضين في سوريا وليبيا، ونضيف نحن: وفي اليمن والبحرين والأردن والمغرب والجزائر وعُمان، بل هي دفاع صريح عما يأتي من الغرب وحلف الأطلسي تحديدا.كما أنها أيضا هجوم ثأري وبعبارات صريحة على الثورة الروسية الاشتراكية والاتحاد السوفيتي السابق وكأن له ثارات متراكمة ضدهما. إن الكاتب وسواه من اللبراليين الجدد و"المتمركسين السابقين"  يتصرفون بهذه الطريقة وكأن التضامن مع الانتفاضات العربية لا تستقيم دون الدفاع عن الغرب والهجوم على روسيا الصين. فهل يتعلق الأمر بنوع من التنظيف الأيديولوجي لشعارات جذرية مناوئة للغرب موجودة أو قد يجري استنباتها في الانتفاضات العربية، أم هو نوع من الترويض الفكري الذي يقوم به ضرب من الكتبة المرتزقة لصالح أفكار وشعارات يمينية معينة؟ أم  أنه العجز عن بناء موقف مركب يقوم على التضامن النقدي مع جماهير المنتفضين المشاركين في الربيع العربي ونقد أية توجهات للتحالف أو طلب تدخل الغرب الإمبريالي كما سبق وقلنا قبل قليل؟ سيتبين لها بعد قليل أنه ليس عجزا إن شئنا الدقة بل انحياز مسبق للغرب ومشاريعه.

يتبع قريبا

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1866 الخميس 01/ 09 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-09-01 00:47:10.