يُعدّ الفقر من أخطر المشاكل الإجتماعية التي تواجه الحكومات في مختلف أنحاء العالم ويمكن اعتباره أفضل معيار لتقييم أداء تلك الحكومات، ولقد أولت المنظمات الأممية أهمية كبرى لدراسة الفقر وأسبابه ووضع السبل العلمية الصحيحة لتقليله وقد وضع علماء الاقتصاد مصطلح (خط الفقر) الذي يمثل أدنى مستوى من الدخل يحتاجه المرء أو الأسرة حتى يكون بالإمكان توفير مستوى معيشة ملائم في بلدٍ ما، وكذلك يعبّر عنه بالعجز عن توفير تكاليف المتطلبات الدنيا الضرورية من حيث المأكل والملبس والرعاية الصحية والمسكن، ووصفوا من يعيش تحت خط الفقر بأنهم يعيشون في حالة فقر مدقع، واهتم البنك الدولي باعتباره أحد المنظمات الأممية العريقة بموضوع خط الفقر وحدد له سقفاً عالمياً في آخر تحديث في عام 2015 وهو (1.99) دولار يومياً في حين كان في عام 1990 هو (1.25) دولاريومياً، وتم اعتبار كل انسان يستحصل مورداً يومياً أقل من هذا السقف يعتبر أنه يعيش في حالة الفقر المدقع.

على الرغم ان هذا السقف تم وضعه عالمياً بعد دراسات علمية مكثفة لكنني أرى انه لايصلح لتطبيقه على دول كثيرة ومنها دول العالم الثالث ومعظم الدول العربية على وجه الخصوص لأن ظروف المواطن فيها وحقوقه تختلف عن المواطن الذي يعيش في الدول الأوروبية مثلاً حيث أن الأخير تتوفر له أمور كثيرة وتعتبر من المسلمات مثل السكن والتأمين الصحي والخدمات العامة وتوفر فرص العمل بشكل كبير بينما المواطن العربي أو المواطن الذي يعيش في دول العالم الثالث يعاني من عدم توفر هذه الأمور الرئيسية للعيش بسبب سوء الأداء الحكومي لهذه الدول، لذا فأن هذا المعيار الدولي لايمكن اعتباره صحيحاً في هذه الدول ولو أخذنا العراق مثلاً واخذنا معدلات الأسعار المرتفعة في مختلف نواحي الحياة مثل السكن وأسعار الخدمات الصحية وأسعار الخدمات العامة كالكهرباء والماء والنقل وغيرها وأسعار المواد الغذائية الرئيسية ناهيك عن النقص الكبير في الخدمات الرئيسية العامة التي تزيد من ثقل المعاناة على الفقير، سنجد بأن هذا السقف الذي تم وضعه من قبل البنك الدولي بعيداً عن الحقيقة بشكل كبير ولو أردنا تطبيقه في العراق لوجدنا بأنه لايوجد مواطن عراقي واحد يعيش تحت خط الفقر، وما أريد قوله بأنه يتوجب على كل حكومة أن تحدد خط فقر خاص بها يتم وضعه بشكل علمي صحيح بعد دراسة أسعار السوق والمتغيرات الرئيسية التي لها مساس مباشر في معيشة المواطن البسيط وبعد ذلك على الوزارات المختصة أن تقوم بجمع البيانات الدقيقة لمعرفة الأعداد الحقيقية من المواطنين الذين يعيشون تحت هذا الخط وتقديمها الى الحكومة لغرض دراستها ووضع الخطط السليمة واتخاذ الإجراءات السريعة لتقليل هذه المعدلات، وفي بلدنا ومع الأسف نتيجة التناحر السياسي بين الكتل المتنازعة على السلطة والتي وضعت في أجنداتها مصالحها الشخصية والحزبية والكتلوية ولم تترك حيزاً في هذه الأجندات للمواطن الفقير ونتيجة غياب التعداد العام للسكان نجد غياب الأرقام الحقيقة لعدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر وما يطلق من تصريحات من هنا وهناك لاتعد أكثر من أرقام تخمينية لا يمكن الاعتماد عليها بشكل دقيق فمنهم من يقول بان النسبة قد تعدّت 30 % ومنهم من يقول انه يوجد أكثر من ستة ملايين مواطن عراقي يعيش تحت خط الفقر ولكن الحقيقة التي نلمسها من الواقع الذي نعيشه ومن المعطيات الواضحة للعيان بأن النسبة تتعدى ذلك بكثير ولانتردد بأن نقول بأنها تصل الى أكثر من 50%، وهذا يجب أن يقلق الحكومة والبرلمان وجميع السياسيين ويحرّك قليلاً من ضمائرهم بأن يتحركوا كلٌ من موقعه وتتضافر جهودهم للعمل على اتخاذ الإجراءات الكفيلة برفع هذا الحيف الكبير عن المواطن والعمل بكل السبل المتاحة لتوفير ولو أدنى مستوى من المعيشة الكريمة للمواطن العراقي الذي عانى الويلات من سوء أداء الحكومات المتعاقبة ولم يجني منهم غير الوعود الكاذبة وهو يعيش تحت أقسى الظروف ويتفرج على خيرات البلد تسرق من قبل الفاسدين بلا حساب ولا عقاب.

 

رائد الهاشمي

باحث وخبير إقتصادي

 

 

في ظل واقع تربوي متحرك وفي مناخات دولية تغلب عليها البولياركية  سياسيا واقتصاديا واجتماعيا تسعى تونس لشق طريقها وسط صراع كبير بين المربين في قطاعي التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي وبين وزير التربية .

وفي كل مرة يفاجئ الوزير الرأي العام بفرض اصلاح جزئي (الزمن المدرسي ونظام التقييمات) أو بسحب كتاب مدرسي وتعويضة باخر(كتب السنة الأولى والثانية) دون اخضاعهما الى المعايير الدولية والاجال والمراحل الواجب اتباعها قبل تعميمه أ, بصياغة لقانون (القانون التوجيهي) ونشره قبل عرضه على البرلمان أو  بمبادرة( شهر المدرسة- شهر المدرسة 2) كل ذلك دون الرجوع الى القيادات الميدانية من رجال التعليم ونسائه ودون موافقة البرلمان على مشروع الإصلاح ككل

اخر هذه المبادرات هي مبادرة جيل "التعلم" والسؤال هو ما حقيقة هذه المبادرة ؟؟ومن اين جيء بهذه التسمية؟؟

ان مبادرة "جيل التعلّم" التي اطلقها جلّول ليست نابعة من فشل المنظومة التربوية بل هي استكمال لمسار دولي التزمت به تونس في اطار مشروع"التعلم للجميع" منذ قمة جومتيين سنة 1990 ليشفع سنة 2000 في قمة دكار بالتزام حديدي من الدول ومنها تونس باستكمال كل التعهدات في ظرف 15 سنة والدخول في ارساء المبادئ الاساسية الاربعة في اعادة تشكيل التعليم وهي:

1-  "التعلم من أجل أن تعرف": لتوفير الأدوات المعرفية اللازمة لفهم العالم وتعقيداته على نحو أفضل، وإرساء أساس ملائم ومناسب للتعلم في المستقبل

2- "التعلم من أجل أن تفعل": لتوفير المهارات التي من شأنها تمكين الأفراد من المشاركة على نحو فعال في الاقتصاد والمجتمع العالميين

3- "التعلم من أجل أن تكون": إتاحة القدرة على التحليل الذاتي وتوفير المهارات الاجتماعية لتمكين الأفراد من تنمية أقصى إمكاناتهم من النواحي النفسية ـ الاجتماعية، والعاطفية والمادية بحيث يصبح كل فرد منهم "إنساناً كاملاً" من جميع الوجوه.

4- "التعلم من أجل العيش المشترك": توجيه الأفراد نحو القيم التي تنطوي عليها حقوق الإنسان، والمبادئ الديمقراطية، والتفاهم والاحترام بين الثقافات، والسلام على جميع مستويات المجتمع والعلاقات الإنسانية، وذلك لتمكين الأفراد والمجتمعات من العيش في سلام ووئام.

و لقد نشر الاستاذ FELIPE CALDERÓN عضواللجنة الدولية لتمويل فرص التعليم العالمي في 21 سبتمبر 2016 مقالا بعنوان "لحلق جيل التعلم"تحدث فيه عن عمل لجنة من"القادة والمفكرين بلا كلل من أجل تقييم حالة التعليم في جميع أنحاء العالم"و انتهى عملهم بنشر تقرير بعنوان"جيل التعلم: الاٍستثمار في التعليم من أجل عالم متغير" تضمن "سلسلة من التوصيات التي من شأنها تمكين البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل من تعزيز جودة التعليم ومضاعفة التسجيلات بالمدارس في غضون جيل واحد"مؤكد على التوصيات الاساسية المرفقة لهذا التقرير

ان المنظومة الحاكمة تخدع الرأي العام التونسي فهي تتلحف بالثورة التي قامت ضد اساليب الحكم والمنوال الاقتصادي والخيارات السياسية في الجانب الاجتماعي وتدعي انها انما جاءت الى تلك المواقع بفضل 17 ديسمبر من ناحية ومن ناحية ثانية تصر على ما تسميه "استمرارية الدولة " وهي لا تقصد من تلك الاستمرارية الا ضمان هيمنة اصحاب المصالح والنفوذ في تونس المتشابكة مع مصلحة "العرف الكبير" في الخارج ومسار ما سمي كذبا اصلاح تربوي انما هو جزء من التزامات الدولة بما جاء في الاتفاقيات المذلة التي حكمت تونس ولا تزال في كل المجالات ومنها المجال التربوي وهذا يؤكده ما جاء ب "التعلم للجميع في الدول العربية :تجديد الالتزام 2000-2010" في اجتماع المؤتمر الاقليمي العربي بالقاهرة في جانفي 2010 حيث اكد في المنطلقات البنذ 31 ص 48 من ضرورة طرح اسئلة حول الدور الممكن لمساهمة الهيئات غير الحكومية وتنويع مصادر التمويل وتعبئة الموارد والمساءلة" وهذا البند ليس الا مدخلا لاسماح للمؤسسات الدولية باستباحة النظم التعليمية خارجيا وبجعل التعليم في ايدي المتنفذين من جمعيات وهيئات وافراد داخليا خاصة وان الدولة تحلت عن كل ادوارها التقليدية

ان ما يفعله ناجي جلول بعد الاسناد السياسي الذي وفره الاتحاد العام التونسي للشغل لمنظوريه في مطالبتهم باقالة ناجي وزير التربية ودعوة أمينه العام للبحث عن بدائل على رأس هذه الوزارة هو محاولة للاستقواء بالمنظمات الدولية التي لها اليد الطولى في السياسات التربوية وما مبادرته "جيل التعلم" الا تطبيق حرفي للمطلوب دوليا

ان ما يفعل بقطاع بالرصيد الاستراتيجي للبلاد ورأس مالها البشري السيالة هو جريمة دولة بامتياز لابد من محاكمة المسؤولين عنها فليس مقبولا تجريد الطفل التونسي من كل اسلحته الذاتية في حماية كيان المجتمع ولا يمكن انكار ان التعليم مثله كمثل المؤسسة العسكرية لا يمكن تدويلها او تركها للتجاذبات السياسية والحسابات الحزبية الضيقة

انقذوا تونس وانقذوا مستقبل تونس

 

محجوب النصيبي - سيدي بوزيد

 

 

 

لقد بلغنا من خلال خطباء المنابر بان السيدة فاطمة الزهراء كانت تبكي أباها الليل والنهار وان شيوخ أهل المدينة قالوا لعلي عليه السلام: يا ابا الحسن ان فاطمة تبكي الليل والنهار وانا نسألك اما ان تبكي ليلا او نهارا وكانت لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء،فاضطر الامام على عليه السلام الى بناء دار لها خارج المدينة لتنقطع فيها للبكاء سماها بيت الاحزان، والخطباء لم يختلقوا هذه القصة وان بالغوا فيها ولكنهم استلهموها من بُطُون الكتب، وفي رواية ان الامام كان يأخذها في الصباح الى مقبرة البقيع لتبقى هناك للبكاء حتى الليل ثم يعيدها الى البيت، وتكون بذلك قد فرطت بواجباتها الاساسية تجاه المنزل والزوج والأولاد والمجتمع ولم تعمل عمل الصابرين المحتسبين الذين قال عنهم الله تعالى ( وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون) على اننا لا نريد هنا ان ننفي البكاء عنها تماما وإنما  نقول بأنها كانت تبكي ولكن ليس في الليل والنهار وبصوت عال يزعج الجيران وهي التي اسرّ اليها النبي عليه الصلاة والسلام بأمر فحزنت  ثم اسرّها ثانية فتبسمت وفرحت حيث علمت بأنها سريعة اللحاق بأبيها وان مصيرها الى روح وريحان وجنة ورضوان فالموت عند الزهراء ليس بمشكلة كبيرة وإنما هو انتقال من حالة الى حالة، من الفناء الى البقاء وفي القران (وللآخرة خير لك من الاولى).

لاشك بان ذلك النوع من البكاء الذي ازعج أهل المدينة هو الجزع المنهي عنه ثم لماذا كانت تبكي؟ وانا لم اجد سوى ثلاثة أسباب ممكنة للبكاء ومن عنده رابع فليأت به مشكورا وأول هذه الأسباب حرمانها من فدك وهو امر لا يستدعي البكاء المستمر عند الناس العاديين فضلا عند اصحاب المقامات الرفيعة مثل السيدة الزهراء وقد قلل الامام على من شأن فدك في كلام له  ومن شاء فليراجع نهج البلاغة، وثاني الأسباب تحول الناس عن علي في شأن الخلافة فأقول بان الحكم الذي لا يساوي عند علي عفطة عنز ولا شسع نعل لا يمكن ان يكون سببا وجيها للبكاء وأما السبب الثالث فهو وفاة الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام وهذا لا شك مصاب جلل وخسارة كبرى ولكن هذا ان صح يخرج السيدة العالمة المعلمة من الصبر والاحتساب الى الجزع والبكاء المتواصل وقد يقول احد بان السبب هو إسقاط المحسن وحادثة الباب وحرق البيت وهي احداث لم تشر اليها السيدة الزهراء في خطبتها المشهورة والخطبة بحد ذاتها فيها هنات بعضها هينات منها انها أنت ونة أبكت من في المسجد.

وأما تصوير السيدة على انها حاقدة على شخص وأنها لا تنسى الاساءة ولا تعفو عند المقدرة وان أدى ذلك الى دخول شخص او أكثر الى النار بسببها فلا تصدق لان هذا مخالف لطبائع رسول الرحمة الذي لم يدع على أحد بالويل والثبور رغم الاذى الشديد الذي تعرض له لا سيما في الطائف وفاطمة امتداد لتلك الرحمة العالمينية ان صح التعبير.

أقول يجب ان نعيد قراءة الزهراء عليها السلام من جديد لا سيما من قبل النساء المواليات ولو إنهن تعلمن منها حسن التبعل فحسب لكفاهن في الدنيا والاخرة لان حسن التبعل هو سر النجاة وسر بناء مجتمع راق سالم سليم و عليهن ان لا يبحثن عن الزهراء في المقابر وإنما في النفوس والقلوب  وهم القائلون بان قبورنا في قلوب محبينا، اذن فالزهراء بالاتباع وليس باستخدام اسمها الشريف لأثارة النعرات وبث الفرقة، أقول يجب قراءتها من جانب حقيقي  وموضوعي وليس العاطفي المأساوي الموروث وقد كنّا لزمن طويل نبكي بحرقة ونحزن بشدة عندما نسمع بأنها عليها السلام كانت تبكي الليل والنهار بصوت عال حتى اشتكى الجيران وقالوا اما ليل او نهار وهذا يعني بان الصوت كان عاليا جدا وهو خلاف الآداب النبوية ونساء أهل البيت لم يُسمع لهن صوتا ولم يُر لهن شخصا كما وصف احدهم السيدة زينب ابنة الزهراء، وهي عندما تحتجب عن الرجال تحتجب عنهم جسدا وصوتا ايضا.

ان القراءة الواعية التي أعنيها يجب ان تُخرج الزهراء بمقدار ١٨٠درجة من دائرة فدك، تخرجها الى الزوجة والام والابنة التي تعرف واجباتها جيدا، وانا ارى انها داعية كبيرة وقوية للوحدة الاسلامية في حين يستخدم البعض هذا الاسم الشريف المبارك لبث الخلافات، وأما الجانب المأساوي فيجب ان يُراعى فيه الشروط الموضوعية من صحة الروايات وتطابقها مع العقل والفائدة المرجوة من إبراز تلك الأحداث والنتائج المترتبة على إظهارها وفاطمة ليست فدكا فقط ولا يجوز لنا ان نظلمها ونجعلها اسيرة بوتقة ضيقة ونحصرها في مجالس مستمرة للطم والنياحة والبكاء، ولعل هذا المقال البسيط المبسط يكون دعوة للعقل بالتفكر وإعطاء الحجم الصحيح للأحداث التاريخية كلها وارى من المناسب هنا مناقشة متن احدى الروايات التي اشتهرت بين عوام الشيعة وخواصهم ظنا منهم بأنها من مناقب فاطمة ومن فضائلها  وهي تخفي  في طياتها ذما لمن احبها فضلا عن الرائحة الطائفية التي توحي بان اعداءها في النار والرواية وردت بعدة صيغ ولكن بمعنى واحد  أهمها ان الله سماها فاطمة لأنه فطمها ومحبيها من النار ومن رواة هذا الخبر الاربلي والخطيب البغدادي وابن حجر الهيثمي والديلمي عن ابي هُريرة،وهذا يجرنا الى القول بان الانتقائية في التعامل مع الرواة لا تصح حتى لا نُتهم بالتدليس ونحن قد دعونا في مقال لنا باسم حسبنا المتن دون السند الى التفكر بالمتن اولا اذ قد تنتفي الحاجة للخوض في متاهات السند من الوهلة الاولى اذا تبين بان المتن مهزوز، وبالنسبة لهذه الرواية أقول اولا بان اسم فاطمة لم يكن اسما جديدا وإنما كانت تطلق على فواطم أخريات سبقنها الى حمل هذا الاسم  اشهرهن السيدة الجليلة فاطمة بنت أسد والدة الامام علي بن ابي طالب  وهذا الاسم ليس كما اخبر الله تعالى في القران  بشأن يحيى بن زكريا: انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا.

ثم ان الفطام في اللغة كما في قول البوصيري رحمه الله

والنفس كالطفل ان تهمله شب على   حب الرضاع وان تفطمه ينفطم

فالفطام يسبقه رضاع وهو الفصال اي قطع الولد عن الرضاع اي تغيير من حالة الى حالة اخرى ويقال افطمت فلانا عن عادته واصل الفطام القطع ومصدره فطم فهل تريد الرواية ان تقول  بان الشيعة كلهم يذهبون الى النار ثم يفطمهم الله وان كان الله فطمها من النار فهي مفطومة والفاطم هو الله  وأي نار دخلتها السيدة لتفطم عنها، وهكذا يمكن القياس على الكثير من الروايات المتداولة التي يراد منها الغلو لا غير وهناك روايات اخرى تقطر صدقا وعدلا  وهي الاخرى مختلفة في التعبير  موحدة في المعنى منها ان فاطمة هي سيدة نساء أهل الجنة وأنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء المؤمنين وسيدة نساء هذه الأمة  وكل هذه العبارات تعضد بعضها بعضا، وهذه الروايات عليها اتفاق بين الفريقين وما عليه الاتفاق أفضل مما كان فيه خلاف او شك او ريبة ويكفيها فخرا وعزا وشرفا انها بنت اشرف البشر ويكفيها من أقوال الشعراء ما قاله فيها الشيخ الوائلي رحمه الله

كيف يدنو الى حشائش الداء       بقلبي الصديقة الزهراء

من ابوها وبعلها وبنوها              صفوة ما لمثلهم قرناء

افق ينتمي الى افق الله.               وناهيك ذلك الانتماء

وامام سيل الإضافات التي لا مبرر لها انا أقدر ما ورثناه طوال أعمارنا ولكن هذا لا يمنع من اعادة النظر وإعمال العقل في التعامل مع الشخصيات الاسلامية بعيدا عن الاهواء والمغالاة.

 

حسين أبو سعود

 

 

كثيرا ماتدور في اذهاننا أسئلة محيّرة عما يفعله المتطرفون المتأسلمون من أهوال القتل نحرا وتنكيلا وتشريدا وتخريبا شاملا ونقول؛ ماذا تبتغي هذه الزمرة وهم يرِدون إلينا زرافات ووحدانا ، أعرابا وأغرابا من كل حدب وصوب لينضموا الى منظمات متمرسة بأنواع العنف والقتل البشع لامثيل له ولا عهد لنا به من قبل؛ أقوام وكائنات بشكل بشريّ ومضمون يفوق الحيوانات وحشيةً لاتعرف سوى الدم لوناً والقتل وسيلة من وسائل الصراع وتمارس أعتى أنواع الإرهاب بحجة الجهاد والقتال في سبيل الله الغفور الرحيم الرؤوف اللطيف وفق مقاسات أسمائه الحسنى .

الأمر المحيّر الذي يراود الكثير من الناس فيتساءلون باندهاش عجيب؛ هل ان خيار الذهاب من قبل هؤلاء الى الموت خيار شخصي ام ان هناك جهات في الظلّ تعمل على لمّ هذه الشتات المبعثرة في معظم بقاع العالم لجمعها وزجّها في أتون حروب قلما يخرج منها احد سالما ، وكيف يتمّ اقناعهم لزجّ انفسهم بموت يكاد يكون محتّما؟ !

وما الدافع الذي يدفعهم الى حبّ الموت الى حدّ عدم التصديق أحيانا في التعلق باوهام وخرافات اللقاء بالحور العين او مدّ سُفرة الطعام مع الرسول الكريم وتناول الغداء او العشاء معه ومشاركته المائدة وضمان نيل الفردوس .

أيعقل ان يكون الانسان ساذجا مغيب العقل والإرادة  مطيعا طاعة عمياء ذليلا الى شيوخ أسافل وأمراء حروب بلغت بهم الساديّة مبلغا لايصدق ويكونون مثل عجينة رخوة يشكلون هذا الانسان وفق مايشتهون الى هذا الحد؟

هناك من الحيوانات الداجنة كثيرا ما تعصي أمر سيدها ولاتنفذ رغبته فيما لو اقتربت من اماكن الخطر مثل الوقوع في الهوى السحيقة او تجنب لهيب النار او اية مخاطر اخرى وتسعى الى تلافيها والابتعاد عنها حتى لو أرغمها مالكها الانسان وتحاول غريزيا ان تحمي نفسها من الهلاك او تحاشي اماكن الخطر خوف الموت والأذى .

لو افترضنا -- وقد يكون افتراضنا واقعا صحيحا وأمرا واضح اليقين--  بان تلك الجماعات الارهابية ذات ميول عبثية نهلستية وحياتهم بلا معنى ولا هدف ولا يهمهم المستقبل لبناء مجتمع إسلامي بدليل ان اكثرهم غير مؤمنين أصلا ولم يكونوا قبلا مسلمين أتقياء بدليل انحدار عوائلهم من شرائح مهمشة ولم يكن آباؤهم او المقربون منهم من دعاة الاسلام ورجاله المعروفين ولم يلتزموا بتعاليم الدين في أصوله وفروعه بالشكل الشرائعي الصحيح وليست لديهم او لدى كبار رجالهم وأسرهم اية جذور جهادية قبلا الاّ بما ينتقونه الان ومن زمن قريب من آيات الجهاد والسيف والقتل التي لقّنها لهم منظروهم مشايخ وأمراء الفتن اذ لاعهد لهم ولا عوائلهم بالجهاد من قبل فما الذي قلبَ حياتهم بهذه الصورة المرعبة . فما عدا مما بدا ؟ وهل كنّا سابقا مؤمنين وحاليا صرنا كافرين نستحق كل هذا الموت والعسف والعداوة؟

احيانا اهجس ان هؤلاء لم يعد لهم مكان بهذه الدنيا وما عليهم سوى الفرار منها نحو الانتحار وتلقّي الموت برحابة صدر للتكفير عن ذنوبهم السابقة وخطيئاتهم التي ارتكبوها في مراحل حياتهم  وقناعتهم التي تلبّست في عقولهم بان الجنة سوف تستقبلهم وستكون نسوة الجنة برفقتهم وخدمتهم في الفراش وغير الفراش وتحوطهم الوصيفات والولدان المخلدون .

إذاً هم ليسوا فاقدي الامل ويوقنون ان الجنة قاب قوسين او ادنى منهم وهذا هو مستقبلهم؛ اما الحديث عن تكوين نظام اسلامي واقتصاد اسلامي مانع للربا والفائدة واعادة الاطار السياسي للخلافة وفيما يتعلق بهيكل الدولة الاسلامية وبنائها فهذا ضرب من التخيّل لااعتقد بوجوده في مخيلة تلك الشخوص الغريبة التي نذرت نفسها كمشاريع للموت ، فالانتحاري يهمه ان يستقر في الجنة ويمارس الجنس مع معشوقته الحوراء ويعيش البذخ ويأمر وينهى مثل سلطان ويشير بإصبعه الى الولدان المخلدين كي يضعوا خمور الفردوس وملذاتها ومزّاتها امامه ويبقون طوع أمره كلما نادى عليهم .

اما الحديث عن الدين باعتباره المسبب الرئيسي لنوازع الارهاب ومظاهره التي باتت تقلق العالم كله فهذا ضرب من السطحية ووصم الاسلام بالإرهاب خطأ ومغالطة بل بالعكس ان الاسلام قد وقع ضحية لنوازع شريرة وتم تشويهه كليا من قبل مدّعي الدين من الماكرين ومؤججي الكراهية والعنف والمتاجرين به لينسفوا اتباعهم الجهلة المخدوعين مثلما ينسفون الاسلام نفسه وتمزيق المسلمين اوتشويه صورته امام العالم كله .

ومتى كان ديننا غائبا عنا؟؟؛ ألم نكن في ظلاله وتحت خيمته في العقود الاربعة او الخمسة الماضية حيث كان الناس في سلام ووئام يتعايشون معا بمذاهب شتى ويمارسون طقوسهم بل وحتى يتشاركون سوية في ممارساتهم الدينية وان اختلفوا في الفروع لكنهم وحدة واحدة في الاصول .

ليس هذا فحسب بل كانت كل الاديان الابراهيمية في ارضنا تتعايش معا في سلام ووئام ومحبة ليس في بلادنا العربية والاسلامية إنما في كل بقاع العالم ، اذ كانت احياؤنا تضم المسلم والمسيحي وحتى اليهودي والصابئي وكلهم أحباب وجوار حسن وتكاتف وعون لأحدهما الاخر فما الذي جرى ليتفككوا ويعادي احدهما الاخر وتنتشر المعاداة والكراهة بهذا الشكل المقرف الذي نلحظه الان ؟؟

اؤكد ان اصبع الاتهام يوجّه الى من تزيّى ازياء الدين ولبس الجبّة والعمامة من الشياطين البشرية وأطال مكنسة لحيته وتنكّر بلباس الدعاة ليعيث فسادا ومكرا ويمزق نسيج التآخي صارخا ناعقا في منابر الجمعة والمناسبات الدينية بانْ " لا اسلام بلا حكم اسلامي " واعادة الخلافة واخضاع الناس لنظام الدولة الاسلامية؛ وتبدو هذه الدعوات والصيحات للملأ الاكبر ظاهرا انها دعوة لاحياء الاسلام لكنها باطنا هدفٌ لتمزيق الاسلام والمسلمين وخلق الثغرات بين ابناء الامة الاسلامية الواحدة وتغذية الكراهية والعداء بين المسلمين انفسهم.

لقد دخلوا من هذه الباب ليسرقوا أواصر لحمتنا ويأخذوا منا السلام والسكينة والهدأة التي كنا نستظل بها؛ هؤلاء ناخرو الدين ، وللاسف فقد نجحوا مثلما نجح الساسة الطامعون اللصوص والفاسدون والفاشلون الحمقى في بعثرة حياتنا وتمزيقها بحيث تهلهل مجتمعنا وتفكك وبات من الصعب اعادة لحمته؛ فما زالت تتكاثر أمصال التشدد الديني التي يزرقها الدعاة في عقول الشبيبة الاسلامية المهملة العاطلة عن العمل والامل معا ، اذ لاتوجد بوادر ناجعة في زجّ الشباب والاهتمام بهم ورعايتهم وإشغالهم بما هو نافع لمجتمعاتهم ولانفسهم حتى نسينا اناشيدنا الاولى القائلة بان الشباب لهم الغد والمجد الموحّد وكنّا مغفلين حقا حينما عوّلنا عليهم بانهم سيعطفون بمجتمعاتهم نحو النجاح والرقيّ والعقلانية والتنوير واذا بهم يتسلحون بعقائد فاسدة وقاتلة ويفجرون انفسهم على اهليهم بلا اية حالة من الانفعال وصحوة الضمير والاحساس بالذنب ويعيثون خرابا وهدماً بحواضرهم ومدنهم العريقة؛ ولتنظروا بملء اعينكم ماذا اصاب مدن العراق والشام حتى غدت أكواما من الأنقاض والخرائب التي هربت منها حتى الكلاب والقطط السائبة والحيوانات الشاردة .

ليس الخراب في العمران وحده الذي حلّ في ارضنا بل ان خراب العقول والنفوس يبقى الاسوأ والاكثر بشاعة .. حين كنا فتيانا وشبابا كان غطاؤنا وسترنا وحصننا اسلام مختلف جدا عما نراه اليوم ، ايمان مشبع بالمحبة بعيدا عن الطوائف والتفصيلات العقائدية المذهبية ولم نكن نعرف التطرّف والاسلمة والتحزب الديني التي ولّدت فينا الكراهية والنفور مع المختلف ، ربما كانت الفطرة السليمة طابعنا الذي جعلنا نمتلك هذه السعة من الايمان رغم اننا كنا قليلي المعرفة في الاختلافات العقائدية والرؤى المذهبية وخصوماتها فيما يتعلق بالفروع والاصول ومايتعلق بأساس الحكم الاسلامي بشأن الخلافة والامامة وهو المشكل الخطير بين مايسمون الشيعة والسنة .

فما حاجتنا الى هذا الاختلاف امام النظم السياسية الحديثة القائمة الان لصناعة مجتمع مدني متقدم اساسه السواسية والحرية في اعتناق المرء ما يشاء وترسيخ الديمقراطية وحكم الشعوب الذي يقرره الصندوق الانتخابي؟ .

ولو سلّمنا باعتراف الشيعة بالخلافة واعتراف السنة بالإمامة وهذا هو أساس الاختلاف بينهما ، فهل هذان النموذجان العتيقان في ادارة الحكم هما الاسلم لنا ونحن نعيش في عالم يرتقي بشعوبه ويتبنى انظمة حكم ديمقراطية حديثة ويولي الشعوب الخيار في ان تحكم نفسها بنفسها بعيدا عن قداسة النصوص القديمة المتهرئة وخزعبلات فقهاء الامس وفتاوى مضحكة لاتنسجم ابدا مع ظرفنا الحالي؟؟

لنعترف وبكامل قناعاتنا ونقولها بملء أفواهنا ان الاسلام المؤسس على السياسة او مايطلق عليه التأسلم الطاغي الان هو سبب ومصدر اساسي للتخريب والتدمير والارباك الذي نعيشه اليوم وهناك زمر من الدعاة الماكرين والنافخين على الجمر لقيادة الاسلام وفق اهوائهم وتحريف مساره باتجاه العنف وبث الفوضى والحقد والعداوة بين المسلمين انفسهم ويتشدقون بكلمة ان لااسلام بلا حكومة اسلامية كما يبدو ظاهرها البريق لكن باطنها الحريق يقودهم مشعلو الفتن وتشتيت المسلمين واشاعة الفوضى من قبل المتآمرين على الاسلام ومشوهي مبادئه في تحقيق السواسية بين الناس وحرية العقيدة والجنوح نحو السلم كي يدمروا الاسلام من قبل من يدّعون انهم رعاته من المعممين والزاعقين في الجوامع وفي الفضائيات مدفوعي الاجر لاجل زعزعة الاسلام وهدمه من الاساس

هؤلاء هم منافقو الدين ومحرّفوه لمصالحهم الشخصية الذي قال عنهم أحد حكمائنا " اني  لااخاف مؤمنا ولا مشركا فالمؤمن يمنعه ايمانه من العبث بدينه والمشرك يمنعه شركهُ؛ انما الخوف من منافق الجنان وعالم اللسان فهذا يقول ماتعرفون وتقولون ، ولكنه يفعل ما تنكرون".

فالذنب لايقع على الدين – أي دينٍ – وكل المآسي والكوارث تجيء ممن يسخّر الدين لأهوائه وأهواء أسياده ممن يحرّكونه لأصدار فتوى تفعل فعلها لتمزيق العقول وترفع الايدي للتنازع والخصام وتجنيد الغوغاء والدهماء والرعاع من مغيبي الاذهان والمهملين والمهمشين وزجهم في معمعان الوغى وتصوير الجنة بانها الملاذ الارحب لهم لتحقيق مايصبون اليه خاصة انهم لم ينالوا من متع الحياة حتى أبخسها وأقلّها متعة .

وفي ظني ان اول ضربة للإطاحة بظاهرة التأسلم هي جذّ رؤوس دعاة الارهاب ومصدري الفتاوى الملغمة وقطع ألسنة ذوي التصريحات العدوانية واستئصالهم من المساجد وسنّ القوانين لمحاسبة وعقاب ايّ شخص مهما كانت منزلته الدينية وحظوته، فلنبدأ اولا من الرؤوس ولنا في بقية المعالجات الاخرى حديث اخر .

 

جواد غلوم

ان لكل شعب عاداته وتقاليده ونظام عمل خاص به.فما هو ياترى النظام الدي يتميز به الامازيغ عن غيرهم من الشعوب الاخرى..وماهو العرف وماهي تيويزي او تاويزا او التويزة الى غير دلك من المصطلحات...فهل هدا النظام فردي ام جماعي..

العُرف هو مجموعة من المعايير أو المفاهيم أو المعايير الاجتماعية أو المقاييس المتفق عليها أو المنصوص عليها أو المقبولة بشكل عام، والتي كثيرًا ما تأتي في صورة عادة.

وقد تتحول أنواع معينة من القواعد أو العادات إلى قانون، وربما يتم إدخال تشريع تنظيمي لصياغة أو إنفاذ العُرف (على سبيل المثال، القوانين التي تحدد جانب الطريق الذي ينبغي أن تسير فيه المركبات). وفي البيئة الاجتماعية، ربما يحتفظ العُرف بطابع "القانون غير المكتوب" من العادات (مثلاً، الطريقة التي يرحب بها الناس ببعضهم البعض، كالمصافحة بالأيدي. لعُرف هو الاختيار من بين بديلين أو أكثر، حيث تكون القاعدة أو البديل محل اتفاق بين المشاركين. وغالبًا ما تشير الكلمة إلى عادات غير مكتوبة يتشاركها أفراد المجتمع. على سبيل المثال، من العُرف في العديد من المجتمعات أن يتصافح الغرباء الذين يتم تعريفهم ببعض. وهناك بعض الأعراف المشرعة صراحةً، مثل أنه من العُرف في الولايات المتحدة وفي ألمانيا أن يلتزم السائقون بالسير في الجانب الأيمن من الطريق، بينما يسيرون في إنجلترا وأستراليا وموريشيوس وباربادوس في الجانب الأيسر. ويعد تحديد الوقت النمطي عُرفًا بشريًا يستند إلى الدورة الشمسية أو التقويم. وإلى أي مدى تعتبر العدالة عرفًا (على عكس الطبيعي أو الموضوعي)، فهذا مثار جدل مهم تاريخيًا بين الفلاسفة.

  وقد أثارت طبيعة الأعراف مناقشات فلسفية مستمرة. وقد نشر كواين وديفيدسون وديفيد لويس مؤلفات مؤثرة عن هذا الموضوع. وتعرض تفسير لويس للعُرف لانتقادات واسعة في كتاب مارجريت جيلبرت بعنوان عن الحقائق الاجتماعية (On Social Facts) (1989)، حيث قدمت تفسيرًا بديلاً. وقدمت روث ميليكان وجهة نظر أخرى عن العُرف في كتاب اللغة: النموذج البيولوجي (Language: A Biological Model) (2005)، وهو تفسير آخر معاكس لتفسير لويس.

وصف بوذا الأعراف - سواء اللغوية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية أو الأدبية أو حتى الدينية - على أنها تنشأ معتمدة في ظروف محددة. ووفقًا لمثاله، فعندما يتم التعامل مع الأعراف على أنها حقائق خالصة، فإنها تشارك في الوثوقية التي تؤدي بدورها إلى الخلاف. وهذا لا يعني بالضرورة تجاهل الأعراف تمامًا على أنها غير حقيقية، وبالتالي غير نافعة. وبدلاً من ذلك، ووفقًا للفكر البوذي، فإن الإنسان الحكيم يتبنى طريقة وسطًا دون التمسك بالأعراف على أنها مطلقة أو تجاهلها عندما تكون مثمرة.[1]

تويزي او التويزة فعل تضامني حضاري من الموروث الشعبي الأصيل الامازيغي بإمتياز .هي عادة من عادات الزمن الجميل.. ما زالت سائدة في عدة مناطق من المغرب العميق و خاصة لدى القبائل الأمازيغية و تسمى عادة التويزة كفعل تضامني حضاري أصيل و متأصل بدرجات متفاوتة ما بين مناطق والتويزة..مصطلح أمازيغي . وتعني كل صور التعاون والتكافل والتضامن..الذي يهدف إلى انجاز عمل اجتماعي

معين.. من أجل مصلحة فرد ما أو مصلحة جماعة.. ينخرط فيه الشخص الذي يرغب في المساعدة المادية أو المعنوية أوالعضلية .. بكل تلقائية ودون مقابل ..وهو مجال مفتوح لكل الفئات..نساء أورجالا ..صغارا أو كبارا ويحمل العمل التعاوني بنظام «التويزة» دلالات اجتماعية عميقة ويحقق أهدافا كثيرة، حيث إن هذه اللقاءات والاجتماعات العائلية تساعد على رأب الصدع وحل المشاكل وتقوي ترابط العائلات من خلال إتاحتها الفرصة للشباب للتعارف والزواج. كما إنها تحقق نوعا من الاكتفاء الذاتي للقرويين من خلال استغلال سواعدهم وطاقاتهم في العمل بجد وتطوير مزروعاتهم، والرفع من إنتاجية حقولهم بفضل تبادل الخبرات والآلات الفلاحية بين المزارعين. ..وتشمل عادة التويزة المشتقة من مطلح وز الأمازيغي و الذي يعني العون مقرونا الى التاء حرف التعريف في نفس اللهجة مناسبات معينة ..وقت الأفراح أو الأتراح ومن بين هذه الأعمال: جني الزيتون ..عملية الحصاد .. بناء بيت أو بناء مسجد ..أوأ عمال النسيج «الزربية «.. وغسل الصوف.. و تحضير ذخيرة وجبات الكسكس التقليدي المفتول باليد « العولة «.. أوالتحضير لبعض حلويات الأعراس و المواسم ... الخ» ..و يدعو صاحب الحاجة الأهل والأقارب والجيران والأحباب لمعاونته في عملية تضامنية.. يحدد موعدها من قبل..ويتم الاتفاق على كيفية أداء هذا العمل وعملية تبادل الأدوار فيه والوسائل اللازمة.

ففي موسم الحصاد مثلا.. تكون التويزة حاضرة بكل معانيها.. بحيث نجد الحقل يعج بالرجال والنساء والأطفال من مختلف الأعمار.. تم استدعاءهم وتجنيدهم من أجل المشاركة في هذه الحركة التضامنية التطوعية.. كلهم جاءوا لتقديم يد العون..كل حسب قدرته وخبرته.. وحسب ما يتمتع به من قوة .. بعضهم يستعمل المنجل لحصد السنابل والبعض الآخر يكون في الوراء يجمع ويربط الحزم .. والبعض الآخر ينقلها إلى الأماكن المخصصة لها ..كل هذا في جو من الفرح والغبطة والسرور..تؤثت فضائه ترنيمات وأغاني واهازيج مناسبة تحث على العمل والنشاط وتدعو للتضامن وتذكر نعمة الحمد والشكر لله ..

النساء أيضا تجمعهن هذه العادة الحميدة «التويزة» في أعمال شتى.. ففي عملية غسل الصوف مثلا تتفق النساء على يوم محدد .. على أن يكون في الصباح الباكر ..يجتمعن فيه.. بعد أن يتم تحضير جميع الوسائل من قصاع وصابون و في مكان يتوفر فيه الماء بكثرة .. يشرعن في العمل مباشرة في غسل الصوف الواحدة تلو الأخرى..يغسل أولا جيدا بالماء ليضاف إليه الصابون في الأخير..مع الغناء التراثي الأصيل و عند الضحي تحضر صاحبة البيت وجبة أعدتها خصيصا للمتطوعات خصيصا للفطور في فترة الراحة ثم يرجعن بعدها للعمل ..وقبل العصر يتم إحضار وليمة كبيرة من وجبة الكسكس باللحم كفترة ثانية للراحة ليعدن للعمل بكل قوة إلى أن ينتهي النهار ..و يستمر العمل للغد .. حيث يتم تقطير ونشر ما غسل في اليوم الأول وهكذا دواليك حتى تنتهي عملية غسل الصوف دون كلل أو ملل.

وأصل العمل الجماعي التضامني الذي يسمى ((التويزة)) هو التعاون والتكافل بين سكان الريف لجني المحصول الزراعي، مثل حصاد الحبوب وجني ثمارالزيتون... حيث يقوم الجميع بالعمل في أرض أحدهم، فإذا فرغوا منها ينتقلون جميعا إلى أرض أخرى... حتى تنتهي الأشغال كلها...

وهكذا ، وهذا النشاط الشعبي ظهر في القديم بسبب الحاجة، وهي عدم توفر الآلات واعتماد الناس على جهدهم العضلي فقط حيث يتم اقتسام الأعباء بينهم من جهة، واختصار زمن العمل من جهة أخرى..و ما زال العمل في التويزة مجانيا وبلا مقابل، تسبقه نية خالصة لوجه الله الكريم، إمتثالا للمثل الشائع الذي يقول يقول (الناس بالناس.. والناس بربي).وعلى هامش هذا الجهد الجماعي الرجالي، هناك تويزة من نوع آخر في جناح الحريم، حيث تشترك نسوة الفلاحين في بيت إحداهن على تحضير وليمة شهية، تتكون عادة من الكسكسي بلحم العجل أو الخروف، وبعد فراغ الرجال من العمل يتوجهون جميعا للأكل من هذا الطعام، الذي يوضع في صحون ضخمة يتحلق حولها المدعوون، فيأكلون ويتحادثون ويستمتعون بلذة المشاركة في كلّ شيء...ومع مرور الوقت أصبحت التويزة مظهرا اجتماعيا راسخا بين السكان، ومسّت نشاطات أخرى لا تقل أهمية عن أعمال الفلاحة، مثلا بناء منزل أو مسجد، إقامة الأعراس وحفلات الختان، حياكة الزرابي... مساعدة الفقراء وكفالة الأيتام... وتكون حاضرة أيضا أثناء حدوث المصائب والكوارث الطبيعية، وفي المآتم، وشهر الصيام ومواسم الأعياد والمناسبات الدينية...

وأهمّ مظهر للتويزة في الأعياد هي «الوزيعة «، وتسمى أيضا في بعض المناطق «السّهمة « وتعني المساهمة في شراء الذبائح، كلٌّ بما يستطيع،لكن عند توزيع اللّحم يكون ذلك بالعدل بين الجميع... وبذلك تطيب نفوس الفقراء والأغنياء على حدّ السواء...وللتويزة فوائد لا تعدّ ولا تُحصى ، فهي: مبدأ من مبادئ ديننا الحنيف وبالتالي تُعتبر بابا للحصول على الأجر والبركة. والثواب كما أنها توحّد الشعور بين أفراد المجتمع، وتقوي صلة الناس ببعضهم و تقضي على مظاهر العوز والحاجة والخصاص عند الفقراء وتدخل السرور في قلوب جميع الناس.فضلا على أنها تساعد على مجابهة وتخطّي المحن والبلايا وتربي الفرد على خدمة الجماعة والتضحية من أجلها وتدفع الجماعة بدورها لتحمّل مسؤوليتها تجاه الفرد.

وأبرز تجلي لعملية التويزة بالمناطق العميقة بالمملكة رغم أن ساكنة الحواضر و المدن الكبرى لم تعد تعير لهذا الموروث الشعبي عناية تذكر يمكن إستحضارواقعة محاصرة الثلوج لدواوير بكاملها بمرتفعات الأطلس شتاء السنتين الأخيرتين حيث تدخّل المتطوعون عن طريق عمل تويزة لإزاحة الثلوج وفك الحصار عن السكان ونقل المرضى وإسعاف المصابين

“لذا فإن أي مجتمع إنساني لا يخلو من مثل هذه القواعد والضوابط التي تعارف عليها أفراده في علاقاتهم وعاداتهم، وما شابهها من معاملات و أعراف وقوانين لضبط سلوكا تهم الاجتماعية وتنظيم حياتهم ومستوى عيشهم”.[13]من هنا نستشف أن نشؤ العرف رهبن بنشوء المجتمع الذي يسعى إلى المحافظة على استقرار واستمرارية الحياة المجتمعية انطلاقا من تصورات عدة. يرى البعض أن منها ما يرتبط بالشرع وبضعهم بمراعاة شروط الاجتماع “العقلنة” فيما يوفق البعض الأخر بينها.

 

الحسن اعبا

..................

المراجع

[1] الخياط عبد العزيز :” نظرية العرف “مكتبة الأقصى –عمان الأردن 1977 ص 24

[2] احدى محمد: “الاعراف المحلية بالجنوب المغربي ” مجلة – المغرب الافريقي” تصدرها جامعة محمد الخامس – السويسي – الرباط –عدد 20034 ص179

[3] عمر بن عبد الكريم الجيدي: ” العرف والعمل في المذهب المالكي”- مطبعة فضالة- المحمدية 1982 ص 31

[4] نفس المرجع ص 34

[5] أعزي الحسين : “أمود” دورية ثقافية من منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي 1990 عدد 1 ص22

[6] الصافي مومن علي نفس المرجع ص 35

[7] شفيق محمد: “لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الامازيغ “-مجلة “نيفاوت” 1993-عدد 1 ص 54

[8] ادبلقاسم حسن:” الترجمة الامازيغية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان-“منشورات الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية بالرباط

[9] -Bruno, bulletin économique et social du Maroc le droit et le fait dans la société composite

[10] عند أغلبية باحثين أجانب مثل J. Berques. H. lafond – D. J. Munie

[11] G.surdon : »esquisse du droit coutmoir » paris p 41

[12] – قسطاني بن محمد ” التنظيم العرفي للعلاقات الاجتماعية “تعقديدين” واحة “غريس” نموذجا -“القانون والمجتمع بالمغرب ” سلسلة الندوات والمناظرات- رقم 7- منشورات المعهد الملكي للثقافة الامازيغية-مطبعة المعارف الجديدة- الرباط – 2005 ص 168

[13] – إبراهيم رحالي: ” إشكالية العرف والشرع بالجنوب المغربي (قبيلة ايت اومربط نمودجا )- بحث لنيل الإجازة في التاريخ- كلية الآداب بأكادير-2003-2004 ص 6

 

المفاهيم والتوجهات، تُشابه الى حد كبير، موضوع المتراجحات، ذلك الموضوع الذي يرتبط إرتباط وثيق، بالقيمة المطلقة، وفق مانصت عليه مبادئ الرياضيات.

الغاية منه حل المعادلة، وتفادي الإشارة السالبة، لإنها كالمسافة والسرعة، لايمكن بأي حال من الأحوال، إخراجها وحلها بقيمة سالبة.

ولأن الرياضيات من العلوم التي تقوم، على الحقيقة الثابتة المنطقية، تتعدد طرق الحل فيه، إنما تبقى النتيجة واحدة لاتتغير، كالحلال والحرام، فلا يأتي علينا يوم نحلل فيه الزنى، وفق مستجدات طارئة على التشريعات السماوية، كذلك لايأتي علينا يوم نجد فيه إن قيمة، واحد زائد واحد تساوي ثلاثة، وفق مستجدات طارئة على القوانين الرياضية.

كذلك لكل إنسان مفاهيم وتوجهات في الحياة، تقوم على الحقيقة المطلقة التي يؤمن بها، توصل إليها بعد تفكير وتمحيص، وبغض النظر عن كونها، صحيحة بالنسبة لغيره أو خاطئة، تبقى حصيلة نتاجه الفكري، وماتوصل إليه في حل معادلته في الحياة، فهل يمكن لنا أن نترك حل المعادلة الرياضية، لإن معطياتها لاتتماشى مع مزاجنا الرياضي!.

ومن غير المنطقي والمعقول، أن يتخلى الإنسان عن الإيمان بمعتقداته وتوجهاته، وتفاعله مع القضايا المحيطة به، لإن الوضع لايتماشى ومزاجه.

في كل المخلوقات الحية، هناك في الاعلى، جزء يسمى الرأس، داخله عضو يسمى الدماغ، تتشابه في إجمالي هذا التكوين، كل المخلوقات الحية، ويبقى الإختلاف بين تلك المخلوقات والإنسان، منحة إلهية إختص الله بها الإنسان، ميزه ورفعه بها عن سائر المخلوقات الأخرى، تسمى العقل، متى ماأخترت تعطيلها تُصبح مخلوق أخر، في الشكل الظاهري إنسان، وفي الداخل الباطني غير ذلك.

كل شيء في هذا الكون، عرضة للتفكير والتمحيص والتقييم، مابين الحين والأخر، ليس هناك معطيات ولاقواعد ثابتة، في حل جميع المعادلات الرياضية، فلكل معادلة معطيات، يجب حلها شئنا أم أبينا، مهما كانت معطياتها صعبة، يكفينا شرف التفكير.

القائد السياسي عرضة للتفكير والتقييم، مابين الحين والأخر، بالإعتماد على معطيات كلامه ومواقفه وتصرفاته.

والمرجع الذي نُقلد عرضة للتفكير والتقييم، مابين الحين والأخر، بالإعتماد على رسائله العملية، وطريقة تعامله مع القضايا الشرعية، ومقارنتها مع غيره من المراجع، بغية الوقوف على الأعلم، لتعديل التقليد، إذا ماثبت لك من هو أعلم منه.

إنتهى زمن الأنبياء والمعصومين، وبقي الأمر لصاحب الأمر.

لايوجد شيء في الكون، لايخضع للتفكير والتمحيص والتقييم، بل وحتى الله يأمرك في التفكر فيه وفي خلقه، إذا ما أمنت بوجوده، لتقدر عظمته وتعبده على أساس ماتوصلت إليه.

نسبة غير قليلة في مجتمعاتنا العربية، بصورة عامة والعراقية بصورة خاصة، تباينت مابين من إتخذ الإتكالية منهجاً، ومابين من إختار تعطيل هذه المنحة الإلهية أصلاً!.

أما الأول فوجد أهله على دين معين، فأختار أن يتكل على ما أختار أهله له، ولم يبتعد كثيراً بمعتقده عن معتقدهم، كما ويقلد مايقلدون، ويؤمن بما يؤمنون، فأصبح تابع أعمى لايفقه شيء، ولاينوي أن يعرض على عقله شيء أخر، ولم يفكر يوماً، إن كان هذا المبدأ صحيح، فلماذا هذا الإسراف في خلق العقول، ألم يكن من الأجدر بالخالق، أن يخلق كل مجموعة أو عشيرة أو عائلة، بعقل واحد ليتكل عليه الباقين وأنتهى الامر!.

وأما النوع الثاني، إختار أن يعطي قيمة سالبة للمسافة، وقيمة سالبة للزمن، ويكفر بكل الأسباب التي دعت الى خلقه كأنسان، في التفكير والتمحيص والتدقيق، ومن ثم الإستنتاج والعمل.

وتناسى بجهله، إن واجبه الشرعي والأخلاقي، وأحد أبرز سماته الأنسانية هي التفكير، فأخذ ينحدر تدريجياً، حتى وصل الى قاع الفشل بنجاح، وأصبحت كل تدخلاته، وفي أي مفصل من مفاصل الحياة سلبية، كما وأصبح، أحد أهم وأبرز دعائم ومقومات الفشل، في مجتمعه، بل وتعدى ذلك ليصبح، أحد أهم أدوات الرسم في لوحة الإساءة والقبح، التي تُصدر عن معتقده أو دينه أو بيئته الإجتماعية.

وأختلف كثيراً مع من يجد في مُلحد خطر، او مصدر تهديد، كونه وصل إلى إلحاده نتيجة تفكير وتمحيص، وبغض النظر عن كوني أره على نور أم ضلال، فبكل الأحوال هو لايعنيني بأعتقاده، وغالباً مانجده يتمتع بثقافة وخُلق في الحوار، أكتسبها عن طريق إستعماله للإداة التي تقع في داخل الرأس.

فمن هو أخطر بالمنظور المنطقي، ملحد يعلن إلحاده، لايضر أحد في إلحاده الإ نفسه.

أم مسلم يُعلن إسلامه، يُصدر أبشع الصور عن الإسلام، لاتنجو من نظراته كل أمرأة تمشي على قارعة الطريق، ولايسلم من لسانه، كل مستمع لكلامه مار في الشارع، هو بإختصار مُلوث للبيئة، في كل جزئية من جزئيات حياته.

ورغم ذلك، كُنا بأحسن من الحال الذي نحن عليه الأن، حيث كان الإنحصار التكنلوجي، و وسائل التواصل الإجتماعي، أيام كانت محنتنا تنتهي بتجاوز الشوارع، التي إتخذوها مكان لتواصلهم الإجتماعي، فندخل الى البيت، ونحاول أن نُنسي أسماعنا، قبح ماسمعت بسببهم.

اليوم أصبح لامفر لنا منهم، وهم يسكنون مواقع التواصل الإجتماعي، مُقحمين أنفسهم في كل قضية.

مُلخصين كلامهم ورأيهم فيها، بثلاث أجهزة تناسلية، جهاز لدى كلا الجنسين، وجهاز للمرأة، وجهاز للرجل، كون عقلهم عاجز الإ عن صياغة هذه الأجهزة، وإدخالها في جمل مفيدة، محورها أم وأخت من يوجهون له الكلام.

لأنهم وبأختصار لم يعرفوا في حياتهم، الإ تلك الغريزة الحيوانية، التي تتشابه فيها كل المخلوقات، وهم في قمة الزهو والإعجاب بالنفس، لإن مخيلتهم القاصرة، تُصور لهم إنهم حققوا، إنجاز كبير، في صياغة جمل تحتوي على أحد الأجهزة التناسلية، وهو مايعجز العلم الحديث عن فعله!.

بعد زهدوا بالمنحة الإلهية، ذلك العقل الذي يميزهم عن بقية المخلوقات، مُصدرين أبشع الصور، عن المجتمع والدين والإنسانية، التي تقوم على الأخلاق.

فهل هذه الدواب، من ملة محمد (ص)؟!.

ذلك الرجل الذي نال أشرف المنازل، في الأرض والسماء، بسبب أخلاقه وطيب كلامه وسلوكه.

وهل أُعدت الجنة، إلا لمن يصون لسانه ويحفظه، متنزهاً عن السُباب والشتم وقذف الأعراض؟!.

وهل أُعدت النار الإ لمثلهم؟!.

 

سعد السلطاني

منذ بدء حملته الانتخابية في (2016) انشغل المحللون السيكولوجيون في تحليل شخصية ترامب.وتباينت التشخيصات من اخفها حدة (متهور، استعراضي..) الى اخطرها في اتهامه بأنه مصاب بالذهان..الذي يعني في الطب النفسي (اضطراب عقلي حاد، يفقد الفرد صلته بالواقع، مثل اضطراب الشيزوفرينيا).. ما يستدعي ادخال المصاب به الى مستشفى الأمراض العقلية.

ولدى متابعتنا لتحليلات علماء النفس والأطباء النفسيين، الأمريكيين بشكل خاص، وجدنا ان معظمهم يشخص حالة ترامب بأنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية.. في عشرات المقالات المنشورة في الصحف والمجلات الأجنبية.

ومع ان التشخيص العلمي الدقيق يشترط ان يكون (المتهم) باضطراب نفسي او مرض عقلي خضوعه لفحص سريري يتم فيه تطبيق اختبارات نفسية واجراء مقابلات واستقصاءات، ولم تحصل هذه في حالة ترامب،  فان التساؤل المشروع هنا هو:

- اذا كان ترامب فعلا مصابا باضطراب الشخصية النرجسية..فهل يشكل ذلك خطرا على اميركا ودول العالم؟

للنرجسية، وحكايتها معروفة لحضراتكم، اسطورة اغريقية تقول : ان " نرسيس " ابن الهة الانهار كان شابا " جميلا " جدا"،  فوقعت في غرامه احدى ربات الاغريق الجميلات واسمها " ايكو"،  لكنه لم يبادلها نفس الشعور،  فألقت عليه لعنة حب نفسه، بأن افتتن بصورة وجهه الجميل التي كان يراها كل يوم على صفحة  بركة ماء. ولأنه لم يستطيع مبادلة صورته الجميلة مشاعر الحب،  فقد خيّم عليه الحزن الشديد ومات في مكانه.وقررت ربات الطبيعة ان يقمن مراسيم تشييع لجنازة الشاب الجميل،  وهنا حدثت المفاجأة اذ لم يجدن اثرا" لجثته،  بل وجدن وردة جميلة،  اطلق عليها " نرسيس ". فيما تقول رواية اخرى ان " نرسيس " هذا كان كثير التحديق في نفسه على وجه بركة الماء حتى مرض نفسيا" بسبب هذا التعلق، ثم فقد عقله ورمى بنفسه في البركة ليمسك بصورته ولكنه غرق وفارق الحياة ونبتت في مكانه وردة اطلق عليها " زهرة النرجس ".

ونتحدث علميا فنقول، ان المرشد الطبي النفسي الامريكي (DSM) والتصنيف الصادر عن منظمة الصحة العالمة WHO) ) حددا اضطرابات الشخصية  Personality Disorders)) بعشرة انواع موزعة على ثلاثة محاور، هي:

أولا: اضطرابات الشخصية الغريبة الأطوار، وتشمل:البارانويا، والفصامية النموذجية..وعرضها الرئيس هو انماط من السلوك والأفكار الشاذة.

ثانيا:اضطرابات الشخصية الدرامية –الانفعالية، وتشمل:المضادة للمجتمع،  والهستيرية، والنرجسية، والحدية..وعرضها المميز هو السلوك الاندفاعي المتصف بالانفعال في علاقتها الشخصية.

ثالثا:اضطرابات الشخصية القلقة – الخائفة، وتشمل:التجنبية، والاعتمادية، ، والوسواسية القسرية..وعرضها الرئيس هو الخوف او القلق المتطرف بخصوص ان تكون الشخصية موضع نقد او هجران من قبل الآخرين.

ولقد وجد علماء النفس أن بين الناس اشخاصا" يعشقون ذواتهم،  ولما درسوهم وجدوا انهم مرضى نفسيا، فاطلقوا على هذا الصنف  مصطلح  (الشخصية النرجسية) وحددوا أعراض هذا الاضطراب بالآتي :

-  ردود فعل للنقد تتسم بمشاعر الغضب والخجل والاذلال (يردّ بغضب على النقد الذي يوجه اليه).

-  استغلالي في علاقاته الشخصية وينتهز الفرصة  للوصول الى غاياته الخاصة بها.

- لديه احساس بالتكلف أو الزهو بأهمية الذات ويبالغ في انجازاته ومواهبه.

-  يعتقد بأن مشكلاته فريدة من نوعها ولا يفهمها الا اشخاص مميزون.

- يسرح في أحلام يقظة ونجاحات خيالية،  فاذا كانت لديه اهتمامات أدبية مثلا فانه يتنبأ لنفسه الحصول على جائزة نوبل في الآداب، ويوحي للآخرين بأن توقعها أمر عادي بالنسبة له.

-  لديه احساس خاص بوجوده أو كينونته ويريد من الآخرين أن يتعاملوا معه على هذا الأساس، كأن لا يقف في الطابور وينتظر دوره كالآخرين.

-  يريد انتباها" واعجابا" دائمين من الآخرين، وحاله في حاجته الى الاعجاب كحال جهنم،  يسألونها : هل امتلئت،  تقول هل من مزيد.

-  نقص في التعاطف الوجداني، و"مطلبي" يريد من الآخرين الحب والاخلاص دون أن يكون معطاءا أو قادرا على ادراك مشاعر الآخرين وتحسسها، فهو ينزعج ويزعل اذا ما كان صديقه الغى موعدا" معه  بسبب وعكة صحية خطيرة ألمّت به.

-  منشغل بمشاعر القوة والجمال والحب المثالي، والحسد ايضا.

تلك هي اعراض اضطراب الشخصية النرجسية..علميا..فكيف تم تطبيقها على ترامب؟

 

مبالغة ام حقيقة؟

باستثناء تلك المقالات التي اتهمت ترامب باضطرابات نفسية وامراض عقلية، فان تلك التي اتهمته باضطراب الشخصية النرجسية لا حصر لها سنركز هنا على اهمها.

انقسم الأطباء النفسيون الأميركان الى فريقين، الأول يرى انه لا يصح الحكم نفسيا على شخص  مالم يخضع لأختبارات في الشخصية.غير انهم استدركوا قائلين بانه لا نقاش في ان الملاحظة العملية لسلوك ترامب تجعلك تقرر انه يمتلك سمات نرجسية من قبيل: التباهي المفرط، الأعتداد المتطرف بالذات، الغطرسة، ضعف التعاطف، جلب الانتباه، واكتفوا بهذا الحد (Dr. Dave Verhaagen). فيما يرى الفريق الثاني الأكبر (Dr. Herman, Dr. Gartrell and Dr. Mosbacher Dr. Lynne Meyer) ان ترامب مصاب باضطراب الشخصية النرجسية Narcissistic Personality Disorder”." وتنطبق عليه تماما الأعراض المذكورة في اعلاه، ويقررون بأن ترامب خطر جديا على الوطن والعالم.

 

النرجسية الخبيثة

كان  جون د. غارتنر  John Gartner   كبير الأطباء النفسيين بجامعة " جونز هوبكنز" اتهم ترامب بشكل مباشر بأنه  مصاب بـ”النرجسية الخبيثة  Malignant Narcissism)،  وهو مرض نفسي يختلف عن اضطراب الشخصية النرجسية، وغير  قابل للشفاء من وجهة نظر غارتنر.بل ذهب الى ابعد من ذلك بقوله إن “دونالد ترامب خطير، مختل عقليا، وغير قادر مزاجياً أن يقوم بمهام الرئيس”.

ويقرر غارتنر بأن متابعته لسلوك ترامب "تكفي لجعل هذا التشخيص صحيحاً بلا منازع”. مستندا في استنتاجاته الى تحليله لتحركات ترامب التي وجد فيها انها تميل إلى: السادية،  العدوانية،  وجنون العظمة،  فضلاً عن إظهاره أنماط سلوكية معادية للمجتمع.ويخلص كبير الأطباء النفسيين هذا الى القول بأن ترامب مريض عقليا بشكل خطير! (Dangerously Mentally Ill).

وتثني الباحثة السيكولوجية (كاري بارون) على تشخيص غارتنر لترامب في مقالة نشرت في مجلة “سيكولوجي توداي” مؤكدة بانه يتوافق مع التعريف الوارد لـمرض “النرجسية الخبيثة”،   لجهة العوارض والتصرفات التي تنطبق إلى حد كبير مع سلوكيات دونالد ترامب.وتضيف بأن هذا الأضطراب “يجعل هؤلاء الأفراد مخيفين وخطيرين، وغير رحيمين”.

تقويم موضوعي

بدءا نقول انه من الممكن تحليل شخصيات القادة الساسيين من خلال المكونات الثلاث للشخصية (السلوك والأفكار والانفعالات). وان هذا مطلوب من الأطباء النفسيين والمتخصصين بتحليل الشخصية وعلم النفس السياسي حين يتعلق الأمر برئيس دولة يكون مصير البلاد والناس بيده.ولهذا السبب فأن رابطة الأطباء النفسيين الأمريكيين ( APA ) تخلت عن التزامها بعدم تحليل شخصية فرد ما دون معاينة تشخيصية سريرية حين وجدت ان ترامب يشكل، من وجهة نظر عدد من اعضائها،  خطرا على اميركا والعالم.

وعلميا، هنالك فرق كبير بين (اضطراب الشخصية النرجسية) و (النرجسية الخبيثة). فالأول مثبت علميا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية ( DSM -IV -TR ) فيما الثاني لم يرد في هذا الدليل، بل هو حالة تشخيصية تجريبية افتراضية، تتألف من مزيج شديد من النرجسية المصحوبة بشعور العظمة، واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، والعدوان، والسادية.

ونرى ان توكيد الأطباء النفسيين الأمريكيين بوجود كل هذه الصفات المرضية الخطيرة في شخصية ترامب.. فيه مبالغة ناجمة عن ثلاثة أسباب، الأول: تشويه الأعلام الأمريكي السياسي والشعبي لشخصية ترامب، والثاني: غرابة شخصية ترامب مقارنة بأربعة واربعين رئيس اميركي سبقوه، والثالث: اغراء شخصية ترامب لعدد من السيكولوجيين والأطباء النفسيين لتحليلها بدافع وطني او حب الشهرة.

صحيح ان ترامب فيه الكثير من اعراض الشخصية النرجسية، فهو استعراضي بشكل استثنائي، يكفي انه طبع حروف اسمه بالاستنسل بطول عشرين قدما على واجهة برجه الواقع على نهر شيكاغو، والتباهي، و..ولكن ان يتهم بأنه (مريض عقليا بشكل خطير)، (ومختل عقليا)..فان الأمر يقتضي من القائلين بهذا الاتهام تقديم دعوى للقضاء تطلب اتخاذ الأجراءات اللازمة لاحالته الى لجنة عليا متخصصة بالصحة العقلية.نقول هذا دفاعا عن العلم الذي يجب ان يوظف لخدمة الحقيقة وليس دفاعا عن ترامب المصاب بعلل نفسية سنأتي عليها في موضوع قادم..ان بقي ترامب لذلك الحين!.

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

الفلامنكو هو مصطلح اطلق على فن الغناء والرقص والموسيقى، حيث اعتبر هذا الفن منذ نشأته فن الفقراء والمتمردين داخل الاقليات المضطهدة في اسبانيا من الموريسكيين والغجر واليهود في ذلك الوقت . ويذكر بعض المؤرخين لهذا الفن امثال بلاس انفانتي ان كلمة فلامنكو ذو اصل عربي وتعني – فلاح منكم – او -فلاح منكوب- او- فلاح منغو - ويقصد بها الموريسكيون الذين طردوا من اراضيهم فاندمجوا مع الغجر واسسوا الفلامنكو كمظهر من مظاهر الالم والاحتجاج .. وبالتالي وحسب المؤرخين بان الفلامنكو ذو اصل موريسكي وغجري .

شئ من التاريخ:

يذكر بعض المؤرخين ان الغجر جاءوا الى اوربا على شكل هجرات من شمال الهند حيث انتشروا في اوربا الوسطى في القرن الثاني عشر، ومنهم من وصل الى اسبانيا في القرن الخامس عشر حيث حطوا في برشلونة . كما جاءت مجموعة اخرى من شمال افريقيا ودخلت الجنوب الاندلسي .. وكانت اغانيهم تمتاز بالحزن والبؤس، وقد اندمجوا مع الغناء الشعبي الاندلسي خاصة الموريسكي وبذلك فقد كونوا الفلامنكو الاندلسي .. 

المشتركات:

يبدو للباحثين والنقاد ان هناك عناصر مشتركة بين فن الفلامنكو والموسيقى العربية فكلاهما يعتمد على الارتجال على مستوى العزف اضافة الى الارتباط بالرقص، كما ان توزيع الادوار في فرق الفلامنكو يتم على غرار مثيله في الفرقة الموسيقية العربية اي حسب الجنس حيث لا يمكن تشغل المرأة الا دور المغنية او الراقصة . كذلك فان للمغني الفلامنكو انشادا مألوفا يقترب من اسلوب الانشاد العربي، فكلاهما يعتمد الغناء المتقطع والملون بالارتفاع والانخفاض في الطبقات الصوتية، وتلك الحنجرة التي تغرد مبحوحة يا لييييييل . (وماذا يقول ناظم الغزالي عندما يطلق صوته ... (لما اناخو قبيل الصبح عيسهم - وحملوها وسارت في الدجى الابل)

يضاف الى ذلك فرقة التصفيق الخلفية وهي تشبه فرق التصفيق الخليجية. والراقصة الفلامنكو تعبر عن عنفوان وكبرياء فتحرك الايدي والارجل في حركة عنيفة منسجمة مع صوت المغني وعازف الكيثارة وتحدث قعقعة مع فرقة التصفيق تهز خشبة المسرح بضربات ايقاعية مدوية . وتلعب ايضا الصنجات في اليد دورا ايقاعيا جميلا عند الرقصات الشرقيات كما هو عند رقصات الفلامنكو والتي تنسجم مع ايقاعات العزف والرقص .

 

في عام 2010 كان هناك مهرجانا للموسيقى والتراث الاسباني الاندلسي في ابوظبي وقد حضرت المهرجان الاستاذة في تاريخ الموسيقى الاندلسية مانويلا كورتيسا غارثيا Manuela García وقد تحدثت الاستاذة عن فضل العرب في نقل الموسيقى المشرقية الى اسبانيا خاصة زرياب الذي جلب معه آلة العود واظاف الى اوتاره الاصلية وترا خامسا، ثم ذكرت تطور آلة العود على يد زرياب، ولكنها اختفت بخروج العرب من اسبانيا بفعل السلطات التي منعت كل مظاهر الفن والتقاليد العربية .. غير ان الاسبان حاولو من اعادة العود بشكل آخر حيث اخترعو الكيثارة وادت المطلوب من العود وبالتالي فان الكيثارة ولدت من رحم العود ..

و قد سألها احد حضور الحفل ان هناك كتاب وضعه احد العازفين للكيثارة في العالم هو- جون شيرانو- ذكر بان كل المقامات المستخدمة في الفلامنكو هي مقامات عربية الاصل وهي اربعة :

1 – مقام العجم الذي يعادل سلم البيجر (الكبير) في الموسيقى الغربية.

2 – مقام النهاوند يعادل المانير (الصغير) في الغرب.

3 – مقام الكرد وهو مقام عربي لم يدون في الموسيقى الغربية .

4- مقام الحجاز بمشتقاته ومنها - الحجاز – والحجاز كار - ايضا لم يدون في الموسيقى الغربية .

وقد اعترفت الاستاذة بمضمون ذلك بما ذهب اليه النقاد وان المقامات المستخدمة هي عربية خالصة .

نعود الى العنفِ كميزةٍ او خصلةٍ عراقية محاولين تلمس الغايةَ من ترويجها ان كان ثمة غاية . فنجد عند تتبعنا لها انها ليست قديمة ولا تراثية، فوصف العراقيين بانهم اهل فطنة ونظر او شقاق ونفاق، مثلا، لا علاقة له بالعنف الذي ربما كان نقيضا لهذه الصفات . فأين نجده اذن؟ اننا لا نعثر على هذا الوصف او التعميم، مطلقا، في الشحيح الذي كتب عن العراقيين، بصفتهم كذلك، في المصادر الاجنبية التي تناولت، في اغلبها، العراقيين من خلال شخصية البدوى العربي وخصاله المعروفة التي اضفى بعضهم عليها الكثير من الرومانتيكيه . او المصادر العثمانية التي تعاملت مع المشايخ القبليين والدينيين دون ان تعير اهتماما للعراقيين العاديين . او ما عاصرها او اعقبها من كتابات عراقية قليلة مثل تاريخ العزاوي او تواريخ الحسني، التي لم تعنِ، اصلا، بالشخصية، وانما بالوقائع . بل ان كتابات علي الوردي، ذاتها، التي يعّول عليها ويستند اليها اكثر من كتبوا عن عنف العراقيين لم تتطرق الى العنف كظاهرة او سمة عراقية، وخلص الوردي استنادا الى مارآه من اولوية صراع البداوة والحضارة، كمنظومتي قيم في تكوين العراقي، الى ان الشخصية العراقية ازدواجية، وعند تناوله للشخصية العراقية المدينية، وهي ما يعنينا، هنا، اساسا، باعتبار ان شخصية العراقي، يجب البحث عنها في القلب العراقي، اعني، وادي ما بين النهرين، اي السهل الرسوبي، وبالتحديد مدن هذا السهل ذلك اننا نريد الشخصية الفاعلة التي كان لها دورٌ في صناعة الاحداث . فان علي الوردي كنى عنها-الشخصية- بشخصية " خلف بن امين " اي شخصية دون كيشوت . ومن الواضح ان مثل هذه الشخصية لا تتسم بالعنف سلوكا .

 لكننا نعثر عليه، لأول مرة، كما اظن، في الصحافة العربية والمصرية بالذات، وهي الصحافة الاكثر تأثيرا في العالم العربي في الستينات وتحديدا في اعقاب ثورة تموز 1958 ووصف ما جرى من وقائع خلال عام 1959 ثم الترويج لها، على نحو اكثر، اعقاب انقلاب شباط 1963 والسنوات التي تلته والتي حفلت ببعض الانقلابات، وتلقفته، عنها، الصحافة اللبنانية التي روجت لشخصية العراقي " القبضاي " الذي لا يتفاهم الا بالقبضة والخنجر !

لقد تلقف " المثقفون !" العراقيون المولعون بالتعميمات هذا الامر وعدّوه مسلمة من المسلمات وحاولوا البحث عن اسانيد له في الوقائع التاريخية القريبة والبعيدة، فوجد بعضهم بغيته في وقائع القرن الاول الهجري (!) متمثلة في مجريات صفين والنهروان وكربلاء، مثلا، وما نسب الى الامام علي من قول بحقهم او ما كتبه المؤرخون بشأن تنصل اهل الكوفة عن نصرة الحسين، وهذه كلها وقائع، ان صحّت، او صحّت تفاصيلها، لا يجمعها والعنف جامع، كما انها لا تخص العراقيين، في حقيقة الامر، وانما القبائل العربية وقياداتها المتنازعة بشأن الخلافة والملك، عصر ذاك، وجلها زعامات وقبائل وجيوش قدمت الى العراق ابان الفتح الاسلامي . في حين ذهب آخرون بعيدا في مجاهل التاريخ فوجدوا في تقتيل ملك سومري لأعدائه او خوزقة ملك آشوري لأسراه قبل 4000 او 5000 عام ما يشفي الغليل ويمّكن المهتم منهم من اعلان البشرى بالهتاف " وجدتها ... وجدتها " ! سيما وان البعض قد حبّر الكتب باحثا في العنف العراقي !

ان اي فحص للتاريخ الانساني القديم، وفي مختلف ارجاء المعمورة وشعوبها، شرقا وغربا، يوضح، ببساطة، ان العنف والدماء كانت هي الممارسة الاكثر شيوعا بالنسبة للملوك والاباطرة والغزاة والفاتحين والاسر الحاكمة والكهنة، لكنها الاقل التصاقا بالشعوب والمجتمعات التي كانت في الغالب اهم ضحاياها . اما في العصر الحديث فقد عاشت مجتمعاتنا على هامش ذلك البحر المتلاطم من العنف والدمار الذي ذهب ضحيته الملايين بسبب حربين عالميتين كانتا اوروبيتين في الجوهر، وكانت الدوافع الاساسية لذلك العنف هي المصالح الانانية لأقلية من الرأسماليين الذين تطلبت مصالحهم اعادة اقتسام العالم والنخب السياسية والعسكرية المرتبطة بهم، في حين كانت الشعوب، معظم الشعوب ضحيتها .

لقد جُند الملايين من الالمان في الحزب والجيش النازي ومارسوا، في ظل شعارات وايديولوجيا عنصرية عدوانية العنف في ابلغ اشكاله ضراوة ضد المخالفين والمختلفين، سواء كانوا المانا او اوروبيين او يهودا بل وتعدوا ذلك الى اخضاع البشر في معسكرات الاعتقال الى تجارب اجرامية تخص الدراسات الحربية او النفسية مثل فئران التجارب دون اية مبالاة بمعاناتهم الانسانية او ابادة الكثيرين منهم، كما تثبت وثائق واقرارات نازية، لكن هذا الامر، كله، لا نجد له اليوم صدى في عدّ العنف سمة لازمة او خصلة من خصال الشخصية الالمانية وانما نجد، بدلا من ذلك، وصف الالمان بكونهم منظمين او ذوى ميل او روح عسكرية في ابعد الاحوال، كما حصل في لغة الاعلام منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى انهيار جدار برلين، او العودة، لاحقا، الى وصفهم بالشخصية المفكرة ذات العمق النظري المميز !

كذلك كان الامر مع الفاشيين الطليان الذين لم تُسحب ممارساتهم الاجرامية على الشعب الايطالي كسمات، وعُدَتْ سمات وممارسات تخصهم وحدهم، اي الفاشيين، كفكر وممارسة سياسية دون الشعب الايطالي . كذلك حال الامريكان الذين بقوا احرارا وبنائين حتى مع سلسلة الحروب التي شنت من قبلهم في مختلف ارجاء المعمورة وضد شعوب كثيرة آمنه في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية والشرق الاوسط، بل ان ضربهم لمدينتين يابانيتين غداة نهاية الحرب العالمية الثانية بالقنابل النووية وابادة عشرات وربما مئات الالوف في لحظة واحدة في صورة مروعة وغير مسبوقة للعنف البشري، لم يثلم صورتهم تلك، صورة الاحرار البنائين ! ان كل هذا،والحق يقال، لايمكن من وجهة نظر العلم ان يرتب التسليم بخصال وميزات ملازمة لشعب من الشعوب، ذلك ان مثل هذه الممارسات تظل مرتبطة بالأوساط والقوى الحاكمة او السياسية او العسكرية التي تتبناها وتدعو اليها وتمارسها .وان مثل هذه الممارسات والسياسات تكمن خلفها وتحفزها مصالح اقتصادية وسياسية في الجوهر، وهي تتخذ طابعا ايديولوجيا وتتجلبب بأردية فكرية للتمويه عن غاياتها الحقيقة . وهي، في كل الاحوال، لا تصدر عن تركيبة جينية متميزة او تكوين بايولوجي مغاير او حتى تكوين سايكولوجي مضطرب او اعداد ثقافي متكلس لشعب او مجتمع معين . وان القول بغير ذلك يعني تبني وجهة نظر عنصرية للشعوب والمجتمعات وعلاوة على ذلك فأن مثل هذا القول لن يجد له سندا علميا او دعما معرفيا حقيقيا ...فما الذي يجعل بعض العراقيين واثقين من انفسهم حد تدبيج المقالات واصدار كتب بشأن " سمة العنف " التي تميز الشخصية العراقية ؟!

ان مجمل الوقائع التي قدمت ويمكن ان تقدم لدعم هذا الادعاء تتمثل في:

1-  عنف حكومي مفرط مارسه النظام البعثي والصدامي ضد معارضيه وعموم الشعب العراقي منذ اواسط الستينات وحتى 2003

2-  وقائع العنف الدامي والتعذيب والقتل والانتهاكات التي مورست ضد الشيوعيين والقاسميين بعد انقلاب 8 شباط 1963.

3-  ممارسات العنف التي رافقت وقائع الموصل وكركوك خلال عام 1959

4-  مقتل بعض افراد العائلة المالكة و عددهم، جميعا، لا يتعدى عدد اصابع الكف الواحدة، والتمثيل بجثث بعضهم من قبل الغوغاء

5-  وقائع ثورة مايس 1941 وما رافقها واعقبها

6-  فرهود اليهود

7-  انقلاب بكر صدقي 1936

فهل هناك غير هذه الوقائع التي تساق ضمن مسعى تقديم الادلة والامثلة على القول بعنف الشخصية العراقية المميز ؟

نعم، هناك المزيد من الوقائع العنيفة التي يسدل عليها الستار ويعتم عليها لان المطلوب هو تركيز الاضواء على وقائع محدده بالذات، دون غيرها، لغرض الاستفادة من بعض هوامشها في التدليل على صحة القول ولان ذكر الوقائع الاخرى سيهتك الغاية المستورة من هذا الادعاء بسمة وثقافة عنف تسم الشخصية العراقية، وسنعرج عليها بعد تبيان حقيقة هذه الوقائع ومدى ارتباطها بالشخصية العراقية .

وللحديث صلة .......

 

 

فالنتين أو عيد الحب أو عيد العشاق أو "يوم القديس فالنتين" هو احنفال مسيحي يحتفل به كثير من الناس في العالم في 14 فبراير حسب الكنيسة الغربية أو في 6 يوليو حسب الكنيسة الشرقية من كل عام، حيث يحتفلون بذكرى القديس فالنتين ويحتفلون بالحب والعاطفة حيث يعبر فيه المحبون عن حبهم لبعضهم عن طريق ارسال بطاقة معايدة أو اهداء باقة من الزهور أو غيرها لأحبائهم، الى جانب البعد الأقتصادي أسوة ببقية الأعياد وفي كل الأديان كمناسبة لتنشيط السوق الأقتصادية لتصريف الكثير من البضائع وخاصة الورود في هذه المناسبة، فهو مناسبة لحركة تجارية واسعة لتحقيق مزيدا من الأرباح. وتحمل هذه المناسبة أسم أثنين من الأشخاص لهما نفس الأسم " فالنتين " ويعتبرهم المسيحيون شهداء في سبيل المسيحية في بداية ظهورها، بعد ذلك أصبح هذا اليوم مرتبطا بمفهوم الحب الرومانسي في الكثير من بقاع العالم. لاتوجد رواية ثابته لهذا القديس، وهو قديس روماني من القرن الثالث الميلادي، ولكن الرواية الأكثر حضورا هي ان فالنتين هو كاهن مسيحي كان يزوج العشاق المسيحيين وفق التقاليد المسيحية سرا، وبسبب أن المسيحية كانت ممنوعة في الأمبراطورية الرومانية، وكان يعاقب كل من يمارس أسرار الكنيسة، وبسبب ذلك اعتقلته السلطات الرومانية وحكمت عليه بالاعدام، فأشتهر منذ ذلك الوقت بأنه شهيد الحب والعشاق، ومنه اخذت المناسبة في الاحتفال بعيد الحب أو يوم فالنتين !!!.

لقد توارثت الحضارة الإنسانية الحب من أسلافها الحيوانية في سلم التطور البيولوجي وأعادت إنتاجه على نطاق واسع  وبتعقيد لا مثيل له يكاد يغطي كل ثنايا الحياة الإنسانية وتفاصيلها الدقيقة متأثرا بالثقافة واللغة في أشكال التعبير عنه وحدة الإحساس به، حتى باتت مفردة الحب من أكثر المفردات إلهاما في الشعر والموسيقى والغناء والأدب ومختلف الفنون، وحتى في الخطابات السياسية، وان كانت في الأخيرة غير مباشرة وغامضة، ولكنها أيضا تدعي " الحب " لتضفي على السياسة بعدا أكثر آنسنه من المصالح الضيقة، بل حتى حروب الحضارات كلها كانت تحت شعارات إشاعة العدل والحق والمحبة بين الناس، وأصبح الحب شعار معلن في الحرب والسلم وكل حسب طريقته، حتى باتت مفردة " أكرهك " في سلة المهملات، بل أصبح من العيب في اغلب الثقافات استخدامها على الإطلاق حتى مع الأعداء أو مع من تختلف معهم، فكانت كلمة " أكرهك " من العيب أن تنطق في أكثر المناسبات كراهية بين البشر، وكانت تحل محلها في مناسبات الخصام كلمات مثل " لا أرغبك "، أو ليست لدينا " لغة مشتركة "، أو " لا أستطيع التفاهم معك " أو " أشكرك نلتقي مرة ثانية " في محاولات لإعادة بناء الحب من جديد !!!!!. 

وإذا كان الحب لدى الحيوانات الدنيا بدائيا بملامحه وطبيعته البسيطة فأنه لدى الإنسان أكثر تعقيدا، بل هو احد السمات البشرية، أو السمة التي تجعل من الفرد إنسان بشري عاقل، بل هو أكثر العوامل سببا في ديمومة الإنسان وبقاءه على وجه الكرة الأرضية، فيأخذ الحب هنا مظاهرا مختلفة وثيقة الصلة ببقائه واستمراره وتحسين ظروف عيشه، فهناك حب النفس أو العقل ـ حب العمل ـ حب الجسد ـ حب الطبيعة ـ حب الطعام ـ حب المال ـ  حب العلم ـ  حب القوة ـ الحب الجنسي ـ حب الحيوان وتربيته ـ حب احترام الآخرين ـ حب الأطفال ـ حب الوطن ـ حب الفريق الرياضي ـ حب العلم وغيره من مظاهر الحب المختلفة، والحب هنا هو قوة الجذب الايجابية التي تربط أفراد الجنس البشري، بل هو الحافز الايجابي الذي يجعل الحياة جديرة بالعيش، وتسودها المتعة والسعادة ودقة الانجاز والسعي للحصول على أرقى المعارف الإنسانية وفهم العالم من حولنا كما هو الحال في فهم ذواتنا. وهذا لا يتم إلا من خلال المشاركة مع إنسان آخر نرى فيه شريكا لمختلف أوجه الحب !!!!!.

أما في الأديان السماوية وغير السماوية فقد ورد الحب ودلالته ومجالاته بتفصيلات كثيرة في أطار التوصية به في التعاملات اليومية، أو في ممارسة الطقوس الدينية، أو بالتلويح بعقوبة الحرمان منه. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد ورد ذكر الحب صريحا في القرآن مباشرة في (76) آية، عدا الحالات الضمنية الغير مباشرة والتي تشير إلى معنى الحب. وأذكر هنا فقط نماذج منتقاة من بعض الآيات: في سورة البقرة، الآية ( 305) " والله لا يحب الفساد "، وفي سورة آل عمران، الآية (32) " قل أطيعوا الله والرسول فأن تولوا فأن الله لا يحب الكافرين "، وفي سورة النساء، الآية (107) " أن الله لا يحب من كان خوانا أثيما "، وغيرها من النصوص الكثيرة التي تشير إلى التعامل بالمحبة والرحمة مع الأولاد والزوجة وذوي القربى.، وكره الإسلام فكرة الانفصال بين الزوجين ووضع لذلك شروطا محدد.

وفي المسيحية شكلت رابطة الحب من الروابط القوية في الكتاب المقدس، ولعل من مؤشرات ذلك هو عدم جواز الطلاق والقسم بإبقاء العلاقة بين الزوجين إلى النهاية، وعدم السماح بتعدد الزوجات، والحب في المسيحية من أجمل الروابط البشرية التي تجمع الرجل والمرأة بمباركة من الله، ونجد نظير ذلك في الكثير من الأديان والشرائع السماوية.

وقد ربطت الأديان السماوية ربطا محكما بين الحب والزواج، ولم تسمح بممارسة الحب أو الحب الجنسي خارج أطار شروط المؤسسة الدينية وفي أطار العلاقات الزوجية حصرا، وبهذا اعتبر الحب وممارسته من المحرمات قبل العلاقة الزوجية. يقول النبي محمد " لم يرى للمتحابين مثل التزوج "، وبالتالي فالحب هنا هو حب بين الزوجين والمتزوجين فقط. ومن هنا أيضا اعتبر الامتناع عن الحب قبل الزواج احد مصادر العفة للرجل والمرأة، كما ورد في حديث آخر للنبي محمد بقوله " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". ومن هنا دخل الحب في مجتمعنا في دهاليز السرية شبه التامة خوفا من العقاب الديني والاجتماعي !!!.

وتبقى هنا مسألة العفة والطهارة من أكثر الموضوعات حساسية في ضوء ارتباطها بمفهوم إشباع الدوافع الإنسانية ومنها دافع الحب. ففي المجتمعات الأوربية تفهم العفة والطهارة ليست بعدم الإشباع لدافع الحب والجنس، بل في إعادة صياغة هذه العلاقة بين الذكر والأنثى على أسس مقبولة اجتماعيا تنسجم مع جوهر التغيرات الفكرية و الاجتماعية والاقتصادية والتقنية والحضارية، وقد قطعت هذه المجتمعات شوطا في إيجاد علاقات بين الجنسين تتمتع بزخم وقبول اجتماعي، وإيجاد معايير أخرى للعفة والطهارة خارج أطار الدافعية للحب، كالصدق والأمانة والوفاء واحترام القوانين وعم التجاوز على حقوق الغير وحريتهم والحكم بالعدل والنزاهة الشخصية من الفساد بمختلف مظاهره الضارة للمصلحة العامة !!!.

أما العفة والطهارة في المجتمعات العربية والإسلامية عموما فظلت متأثرة بالمؤسسة الدينية أكثر مما تتأثر بظروف الحياة العامة والتغيرات الجارية وتأثيراتها على إعادة صياغة العلاقة بين الجنسين، ولا يزال النظر إلى الحب و ممارسته من مؤشرات السمعة غير الطيبة، وإفساد للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية، ويبعد الفرد عن طريق الصواب ويضيع وقته سدا، وجهل للدين وقلة الحياء من الله باعتباره هو المحبوب الأعظم ومنه تتفرع أنواع المحبة الأخرى " حسب التفسير الديني ". وهكذا يعيش الشباب اليوم في مجتمعاتنا وسط موجات من الصراع والضغوطات النفسية الهائلة في عالم منفتح على مصراعيه، وفي ظل تغيرات عارمة تعيشها، تجرف مجتمعات بكاملها، مع بقاء الكثير من مؤسساتنا الاجتماعية عاجزة عن احتواء هذه التغيرات والإلحاق بها بما فيها المؤسسة الدينية المتشددة، والتي تغذي الإرهاب ولا تغذي الحب !!!!

 

د. عامر صالح

 

 

أذا اردنا ان نتحدث عن المصطلح في اي علم من العلوم، او اي لغة من اللغات، فماذا نقصد به؟هل هو اسم ام دلالة؟

يعتقد علماء اللغة ومنهم العلامة اللغوي المرحوم مصطفى جواد ان المصطلح يعني الاسم ولا يعني الدلالة، بقوله ان المصطلح اللغوي هو اسم لا دلالة، ويدلل على قوله هذا بالاشارة الى دلالة المصطلح الذي يقول عنه انه اسم لشيء معين وليس لدلالة معينة.

فالحضارة والثقافة والمدنية كلها مصطلحات حديثة دخلت عالم المعرفة، ثم تشعبت الاراء فيها، حتى اصبح لكل منها معنىً يختلف عن المعنى الاخر تماما، وان تعارفت الناس عليها بالمعنى الواحد . فالقارىء العادي لا يفرق بينها ابدا وينسبها كلها الى عالم المعرفة او الثقافة.

بينما الحضارة تعني: أرتقاء المجتمع في نواحيه المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واليوم اضيفت لها العلوم التكنولوجية .ونتيجة للتعريفات المختلفة لها اتفق الجميع على أنها: كل ما يرث المجتمع من أجياله السابقة من نظم وقيم ومعتقدات اجتماعية وفكرية ودينية وأنماط سلوكية ومهارات فنية يسيطر بها على بيئته ويكيف نفسه لها لأشباع حاجاته الحياتية، وقد عرفها الفيلسوف الأنجليزي أرنولد توينبي بأنها "ثمرة التفاعل بين الأنسان والبيئة" .

 

والثقافة تعني: الحذاقة، وهي مجموعة المعلومات والمعارف والقيم الخاصة بشعب من الشعوب، لكونها تعبير صادق على شخصية ذلك الشعب او الشخص المعين.رغم ان المصطلح لا زال لم يحدد بعد.

أما المدنية فتعني: النشاط الاجتماعي المرتبط بالجانب العقلي والمادي للأنسان، ويسهل أقتباسه ونقله من مكان الى اخر، ,بعبارة اخرى هو المنجز المادي الملموس داخل المجتمع مثل الملبس والآلة والسيارة وكل ما يعين المجتمع على قضاء حاجاته اليومية. وهي تطور علمي ومادي تدريجي يسير في خط صاعد. أنظر: (دائرة المعارف العالمية).

وهناك مصطلحات دخلت الى عالم اللغة والثقافة منذ بداية عملية تحصين المصطلحات العربية من الخطأ في القرن الثاني الهجري ولا زالت في مرحلة تشعب الاراء والنقد البناء مثل الآيديولوجيا والتكنولوجيا وغيرها كثير..

وبنزول القرأن الكريم ولغته الرفيعة على لغة العرب المتداولة آنذاك، فهمها العرب تماما دلالة على ان اللغة العربية كانت متاصلة فيهم وأصيلة وصلت اليهم بعد ظهور حركة التجريد اي بعد مجيء التعليم الذي به تشكلت اللغة التي قامت على المنطق.، فكان رفض قريش للدعوة ليس جهلا بلغة القرآن كما يعتقد البعض، لكنها رأت فيها تحديا لها وتهديدا لمصالح الاقلية من زعمائها ضد الاكثرية المضطهدة عندها، بدليل انها وقفت من بعضه موقف المعاند منه بما كان يضرها وقبلت منه ما ينفعها، قبلت ماجاء بمدح قريش ورفضت الغاء الاصنام أنظر( سورة قريش1-4، ابراهيم 10).

وحين جاء القرأن بمصطلحات غريبة عن اللغة كالاستبرق وسندس والقسطاس والطور واليم والتنور، والأحرف المفصولة عن الآيات والتي لا زالت بلا تفسير الى اليوم.واسماء اعجمية اخرى مثل اسرائيل ونوح ولوط عدوها مصطلحات لا معنى لها لغرابتها عليهم . والقرآن الكريم لم يستعيرها من لغات اعجمية رغم أعجميتها لادخالها في لغته العربية، لكنه جاء بها على سبيل العضة والاعتبارلما كان لها من اهمية عند شعوبها، لدرجة ان المفسرين لن يستطيعوا تفسير ما غمض منها لجزالة الفاضها وصعوبة معرفة معانيها، فقال البعض منهم ان في القرآن آيات لا تفسير لها، فوقعوا في خطأ التفسيروالتقدير، حين نسوا ان بفرضيتهم هذه ادخلوا القرآن في حرج المعنى حين جعلوا بعض الايات القرآنية الكريمة جاءت حشوا لا معنى لها.

أذا نظرنا في بعض أيات السورالقرآنية التي تبدا بحروف مثل يَسَ، طَهَ، حَمَ، نَ، قَ، صَ، الَرَ، اَلمَرَ، نقف أمامها مذهولين، أهي حروف ام آيات، لكنها في الحقيقة هي اجزاء من الايات، وليست آيات مفصلة في ذاتها، لانها حروف لو جمعت بعضها لوجدت انها تمثل كلمة القرأن اوالسبع المثاني، فتشعب المعرفة فيها وضاع الفقهاء في وهم التفسير لا التأويل. فأبتدعوا نظرية الترادف اللغوي الغريبة عن القرآن والتي ترفضها مدرسة العلامة أبي علي الفارسي اللغوية، وأبن جني في الخصائص والعلامة الجرجاني في دلائل الاعجاز .(محمد شحرور الكتاب والقرآن ).

لكن لا احد من علمائنا المُحدَثين يستطيع الخوض في هذا المجال خوفا من اعتراض الفقهاء الذين تمسكوا بنظرية الترادف اللغوي وخوفا من الدخول في متاهات المناقشة اللاهوتية التي يجهلونها مثل جهل الاخرين الا الدكتور محمد شحرور الذي أجاد وقدم وفسر، وأحرج الأزهر وجعله صامتا بقهر، لذا عمدوا الى اعتماد قانون اعتمدته العامة والخاصة وهو قانون حرمة اختراق النص المقدس مستندين الى الاية 187 من سورة البقرة التي يقول فيها الحق :"وتلك حدود الله فلا تقربوها"، علما ان معنى الآية الكريمة مختلف تماماً في القصد .

وقد شمل هذا التحريم بعض الاحاديث النوية ومقولات الصحابة وهنا وقعنا في سجن فكري حديدي لا يخترق لمعاقبة المخالفين لأرائهم الخاطئة، فبقيت الايات القرآنية تقرأ وتجود، وتفسر ولاتؤول، فأضاعوا علينا فرصة التطور الحضاري الحديث.

نحن نصر اصرارا كبيرا على ضرورة اعادة تأويل آيات القرأن الكريم خارج مدرسة الترادف اللغوي بموجب الاية( 7) من سورة آل عمران "وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم"، تأويلا جماعيا من قبل علماء اللغة والتاريخ والجغرافية والرياضيات وعلوم البحار والجبال والانواء الجوية والمسطحات المائية لنُخرج من هذا الكنز العظيم كنوزا اخرى أخفوها عنا الفقهاء والمفسرين أو قل لم يدركوها، فمصطلح القرآن يختلف عن مصطلح الكتاب والفرقان والسبع المثاني، الا انها كلها جمعت في مصطلح المصحف حشرأً، فبقينا خارج نطاق التحديث.

لذا من الضروري النظر الى القرآن من منطلق رباني يعبر عنه بقوله تعالى : " ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابةٍ وهو على جمعهم اذا يشاءُ قدير، الشورى، الاية (29) .

لنرى كم نحن أغفلنا الكنز العظيم الذي جاء به القرآن الكريم. يقول البعض وما ذا نعمل بملايين الكتب من تراثنا اليوم، اذا أهملنا التفسير الفقهي القديم، أقول لهم بصدق العبارة علينا ان نقوم حالا بصياغة نظرية اصيلة في المعرفة الانسانية (جدل الانسان) وفق الآية 54 من سورة الكهف والذي يقول فيهاالحق :" ولقد صَرفَنا في هذا القرآن للناس من كل مثلٍ وكان الأنسان أكثر شيء جدلا ".

هنا المنطق الفلسفي ينتج عنه بالضرورة الحل الفقهي الجديد. ونخلص اجيالنا القادمة من وهم التفسير الخاطىء المتبع اليوم والا سنبقى في خانة اليك الى ابد الابدين، فهل من حاكم مسلم يجرأ على ما تقاعس عنه الاخرون كل هذه السنين .

فلا نحن انتفعنا من القرآن ولا القرآن ادى ما يريده لنا رب العالمين. كنا نأمل ان التغيير في العراق هو الامل في تحقيق العدالة، لأن العدل مطلق لنا، لكننا مع الاسف أصبنا بخيبة أمل كبيرة واكبر من خيبة امل حين سيطر الفكر الديني المتزمت علينا من جديد دون تحديد المفاهيم. فضاع الفكر النير وتحكمت فينا الانغلاقية لا التجديد.

وكذلك الانجيل الذي جاء بصيغة الجمع ليعني الشكر للآلهة المقدسة لتقديمها الاخبار السارة للبشرية عن طريقه. ويعني الاخبار السارة من الله لخلاص شعبه من ظلم الاخرين. ولقد عَد النصارى هذا المصطلح الرباني (المخلص)، بأنه الرسالة المسيحية في مجملها كهدية الرب للناس تحمل لهم بشائر الخير والسلام ولتخلصهم من الحروب والكوارث التي يفتعلها الطغاة من الحكام، لذا جاءت الكلمة عندهم بأكثر من 72 مرة في العهد الجديد لتعبر بصدق واخلاص عن مجيىء المسيح بن مريم المخلص. والأنجيل ليس كتاب المسيحيين وانما هو الجزء من المجمل المنزل للناس لقوله تعالى: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ".ان تعدد الديانات لا يعني الاختلاف بقدر ما يعني تسلسل الظرف الحياتي على البشر.

كما نلاحظ الفكرة عينها عند المسلمين الشيعة جاءت في مصطلح المهدي المنتظر المخلص فأذا كانت عند المسيحيين ليخلصهم من ظلم اليهود الذين لا يعترفون الا بشعبهم وحسب نظريتهم في (شعب الله المختار).، فهو عند المسلمين الشيعة اشمل واعم ليخلص العالم من الظلم الشامل فقالوا: "ان ظهور المهدي سيأتي في أخر الزمان – ولا ندري ماذا يقصدون بأخر الزمان هل هو يوم الصور - ليملأ الارض عدلاً بعد ان ملئت ظلماً وجوراً ".، ولازلنا ننتظر بعد ان اصبح الظلم والجور والاعتداء على النفس والمال حد الحناجرمن الارهابيين والخارجين على القانون وسرقة اموال الناس بدون وجه حق، من الحاكمين ورجال الدين، ..كلها روايات وأساطير اصبحت مورفين لتخدير عقول الناس ليس الا، وهي من وحي المستحيل.. ؟

ولابد للباحث المتقصي من ان يشيرالى ان هذه الافكار تنتمي في جوهرها الأبعد، الى ما تعارف عليه علماء الانثروبولوجيا بفكرة الانبعاث بعد الموت التي ارتبطت بأقدم معطيات البشرية الفكرية، ولنا أن نتسائل أليس لفكرة الأله الذي يموت في الاساطير، وبموته يحل الخراب ثم يبعث من جديد فتملأ الارض خضرة وربيعاً، علاقة بفكرة المسيح الذي سيبعث من جديد ليملأ الارض عدلا وسلاما بعد ان ملئت ظلماً وجوراً، وفكرتها عند المسلمين الشيعة متمثلة بالمهدي المنتظر بن الامام الحسن العسكري(ع).

لقد كانت المناطق التي أحاطت بحوض البحر المتوسط مكاناً لمثل هذه الافكار، فعند الأغريق القدماء يموت أودونيس ثم يبعث فتبعث معه الحياة....وهو عند البابليين في العراق القديم تموز ويبعث كل عام...وعند قدماء المصريين أزوريس ليموت ويبعث من جديد...، وعند سكان أسيا الصغرى أيتس، ويلاحظ ان هذه الاسماءكلها ليست ألا أوجهاً متعددة لتسمية واحدة وفكرة واحدة هي فكرة البعث بعد الموت (أنظر اساطير الموت والانبعاث، (دائرة المعارف البريطانية).

ويرى بعض الباحثين ان فكرة المسحية –موازية الى حدٍ كبير- في الرمز والحدث لاسطورة تموز والتي هي حجر الزاوية في الديانة المسيحية.وليس من شك في ان عقيدة المهدي المنتظر عند

المسلمين الشيعة ذات علاقة وثيقة بفكرة المنتظر المسيح الذي يبعث بعد موته والقرآن يؤكد على عدم موت المسيح او صلبه لانه شبه لهم (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم، النساء 157 )، وينبغي ان نشير الى ان الشيعة يعتقدون ان بعث المهدي المنتظر يرافقه بعث السيد المسيح وبعث السيد الخضر وانهم اصحابه الموعودون الخالدون الذين يقومون معه في يومه الموعود (المجلسي، بحار الأنوار) ولا زال للسيد الخضر مرقدا قرب الكوفة في العراق يزار حتى اليوم وقد زرته بنفسي، وفي مرقده الشريف الكثير من المخطوطات النادرة التي لم يسعفني الحظ بالاطلاع عليها، (الطبري، الرسل والملوك ج1 ص365 وما بعدها).

ولربما سرقت وبيعت للمتاحف الاخرى كما باعوا الرفاق الجدد مخطوطات التوراة وغيرها علنا دون استحياء للأعداء المعادين .

فشمولية المصطلح عند المسلمين الشيعة غيرَمن محدوديته عند المسيحيين. وظل علماء الانجيل مثلهم مثل علماء القرآن يرددون ما ورد فيه على انها آيات جاءت على سبيل العضة والاعتبار دون الغوص في معانيه العظيمة فضلوا يرددون ربوبية عيسى وهماً وخطئاً، والقرآن يرفض الاشراك بوحدانية الرب، يقول الحق:(وقال الله لا تتخذوا آلهين اثنين انما هو آله واحد، النحل51). حين جاء القرأن بعد الانجيل يؤكد على هذا الاتجاه العلمي كما في الايات الثلاث التي رافقت الانجيل كما في قول الحق : " ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل (انظرسورة آل عمران، آية 48).

ومع ملاحظتي لكلمة المصطلح فقد وجدتُ انها تشكل ظاهرة قلق في اللغة العربية، لان العرب في غالبيتهم مختلفون في المعاني اللغوية للمصطلحات الحديثة كل منهم يفسره على هواه.وتجدهم غير دقيقين في عباراتهم المصطلحية الا ماندر. فظاهرة القلق واضحة تماما عندهم وخاصة عند تحديد معنى اللفظ للجماعات او الفئات غير المحمودة او الغير المرضي عنها مجتمعياً، مثل مصطلح (الفئة الباغية) التي وردت في الحديث النبوي كما ورد في صحيح البخاري تحت رقم 2601 (تقتلك يا عمار الفئة الباغية)، ويقصد بالبغي التعدي وليس الزنا كما يصوره البعض على الاخرين (انظر لسان العرب)، وتبعتها بعد ذلك لفظة (الفئة الضالة ).

وحين نرغب في تحديد الصفة القانونية للمصطلح نجد انفسنا امام محنة الاثبات القانوني والا اصبحت الكلمة تَجَني ان هي اُطًلقت عليهم جزافاً، لان الكثير من هذه الجماعات من المغرر بهم ولم تكن اعمالهم التي يقومون بها عن اقتناع. وان هُم يعتقدون في البداية انهم يؤدون واجبا دينيا الزاميا امام الله والمجتمع.لتخليصها من الظلم و الاستعباد متناسين انهم يخرقون القوانين الالهية التي حرمت قتل النفس الانسانية، وخيانة الوطن، وسرقة المال العام بغير ذنب او فساد في الارض.هذا المنهج لم تفهمه اغلبية المُنظَمين من المغرر بهم في الجماعات الارهابية داعش وطالبان والقاعدة، ومن خان الثوابت الوطنية من أجل مصالحه الشخصية لاسيما وان هناك مؤسسات حكومية كبيرة ونشطة تُدعم هذا الاتجاه الخاطىء دعما ماديا ومعنويا لأيغالها بالطائفية والعنصرية المقيتة، متحججة خطئاً بالجهاد.

لكن مهما قيل في مصطلحات الفئة الباغية، والفئة الضالة، تبقى الحاجة ملحة وماسة لدراسة معمقة للوصول الى الهدف الاسمى في التسمية .

ويبقى المصطلح العام بحاجة ماسة للمتابعة والدراسة مادام العلم الحديث يولد لنا في اليوم الواحد الف مصطلح جديد .

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

 

"بعض الرسامين يحولون الشمس إلى بقعة صفراء، والبعض الآخر يحول البقعة الصفراء إلى شمس.".. بابلو بيكاسو

لا شك أن كل مهتم  بتدريس الفن  التشكيلي بالمغرب سيلاحظ حتما وجود تعدد وتدرج في مدارس ومذاهب تدريس الفنون التشكيلية؛ أنواعاً مختلفة من التقنيات التي تروم تقديم دروس نظرية وتطبيقية للطلاب الفنانين .

لكن السؤال الأساس لهذه الدروس يرتبط بديداكتيك تدريس الفن، والمراد به منهج تلقين الفن وطريقة تدريسه للطلاب. فهو بتعبير أكثر دقة: العلم المرتبط بعملية التدريس.  فكما أن لكل مادة من المواد التي تُدرس في المؤسسات التعليمية ديداكتيك تدريس خاص بها، مثل ديداكتيك اللغة العربية والفرنسية والرياضيات .. فإن للفن أيضاً ديداكتيك وبيداغوجيا ومناهج وطرق متعددة لتدريسه. وعلى هذا الأساس  يمكن طرح التساؤل الآتي:

 ما طبيعة وخصائص ديداكتيك الفن بالمغرب؟ وعلى أية أسس ومقومات يقوم هذاالديداكتيك؟

في تقديرنا فإنه يصعب على كل من الفن والفلسفة القبض عليهما بديداكتيك معين بالنظر إلى التخصصات المعرفية الأخرى، بل إن الفن نفسه خرج من رحم الفلسفة .

من هذا المنطلق صار الفن التشكيلي وغيره من الفنون الأخرى التي تدرس في المعاهد كالنحت والرسم والصباغة و الفنون البصرية والجميلة  في الوطن العربي عامة وبالمغرب خاصة،  مرتبطاً بعملية اجتهاد خاص بالأستاذ الفنان الذي يُدرس في غالب الأحيان مجال تخصصه، أو نفس موضوع  شهادة تخرجه من نفس المعهد أو دبلوم الدراسات العليا الذي  أنجزه خارج الوطن.. ولا نستغرب أن يدرس مادة من مواد الفن لا علاقة له بها غير الخير والاحسان وهكذا دواليك. والنتيجة أن  طالب الفن تم تنميطه وخندقته وفق أفق تفكير أستاذه، ورهين تصوره البصري. وهذه مسألة قد نقبل بها في السنة الأولى للتكوين، لكن أن يصاحب هذا التوجه جل مسيرة طالب الفن التكوينية، فهذا أكبر خطأ يعتري التوجه البصري والتكويني بمعاهد الفن عندنا .

أضف إلى ذلك تموقع الطلاب في عباءة أستاذهم الفنية وعدم السماح لهم بالخروج منها وإلا تعرض للعقاب المرتبط بالنقطة. طبعا لأن المعيار هنا هو  إرضاء الأستاذ وليس فتح أفق للتفكير البصري في وجه هذه الفئة التي حصرها هؤلاء في محطة أولى من محطات التعلم ولم ترتق للمحطات الأخرى لكي تعانق الإبداع وتكتشف أسراره الدفينة.

عجبا لكم أيها السادة الأساتذة مازلتم لم تفهموا أن طلابكم لا يفهوا ..!!

نعم لا يفهمون حقيقة الفن وجوهره، تلك المهمة الملقاة على  عاتق من يمتلك حساً وشعوراً فنياً لخلق الأفكار الجمالية. ويحكم لقد سجنتم طلابكم في زنزانة توجهاتكم ومدارسكم الفنية..!!  أتركوهم لكي ينسجوا على منوالهم و يبرزوا لنا  ما حصدوه من ثمار أزهاركم طيلة سنوات التكوين والبحث.

  إن وظيفة  الفن كما حددها  الفيلسوف الفرنسي  جيل دولوز في كتابه المشترك مع فيليكس غواتاري حول موضوع: "ماهي الفلسفة ؟"، هي وظيفة خلق الأفكار الجمالية. أما العلم فوظيفته ارتبطت بخلق التخصصات والمعارف. بينما الفلسفة فإن وظيفتها هي صناعة المفاهيم. فل تدعوهم يخلقون الأفكار الجمالية ويسارعون إلى تفعيلها.

في نظرنا لا يمكن أن يكون ديداكتيك الفن عبارة عن مقاطع جوفاء من دروس نظرية وتطبيقية، فهو ديداكتيك قائم بنفسه يساءل الفنان ويقدم له الجواب ويطرح أسئلة أخرى ترتبط بفلسفة تدريس الفن، وهي فلسفة عمادها تاريخ الفن ومذاهبه كما مارسه محترفو الفن ورواده . فضلا عن كون مستقبله رهين بما تعرفه العلوم من تطور ومعارف في شتى المجالات .أما أولائك الذين مازالوا يعتقدون أنهم قساوسة الفن ورهبانه وكرادلته، فإنهم يقولون قولا بئيساً يعود بنا إلى القرون الوسطى .

لا حرج عليكم  أيها الرهبان، لقد  صار الكل يعرف بأنكم كاتوليكيي المذهب.فل تترقبوا ثورة بروتستانتية جديدة لصغار الرهبان  والراهبات من طلابكم، وهم طلاب لا يقيمون  القداس على منوالكم، لقد تركوا لكم القداس وحطموا جذران كنيستكم وخرجوا من عباءتكم نحو عالم الحرية والتفكير الحر الذي خُلق الفن من أجله. فروحه هي  روح التجديد والتعبير عن قضايا العصر . وقد صدق الفنان التشكيلي الراحل محمد شبعة  حينما قال مخاطبا هؤلاء وهو يوجه طلابه نحو المسار الذي ينبغي عليهم إتباعه: "اجعلوا للتشكيل مكانا في حياتكم، واعملوا على تحريره من أسر النص الجاهز، وامنحوه  استقلاله وتميزه".إن  استقلال التشكيل وتميزه هاهنا يكمن حسب ملفوظ القولة في تحرره من كل ما هو جاهز ونمطي، ساد على مر عصور داخل الأعمال الفنية التي كانت نموذجا بصم على مخيلة الفنان المغربي ولم يتخلص منه، بل إنه ظل يكرره، إن بطريقة أو بأخرى. مما جعل المتلقي يصنف التشكيل في قالب بعينه من خلال  التيمات التي سادت داخل دور العروض وهي تيمات ظلت مشتركة بين الفنانين آنذاك  وما زالت إلى يومنا. فالمعنى الحقيقي للتشكيل لا يمكن أن يستوعبه طالب الفن إذا لم يعمل على بناء ركيزة فلسفية منهجية يقوم عليها تفكيره الفني والجمالي، الشيئ الذي سيؤدي حتما إلى فتح آفاق رحبة للخروج من دوامة إعادة الإنتاج نحو الإبداع.

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن سؤال الفلسفة هو الكفيل بإخراج الدرس التشكيلي في معاهد الفنون من صناعة الفنان الحرفي نحو صناعة الفنان المبدع الذي لا ينسج على منوال الآخرين، بل إنه يتجه نحو منوال خاص به وبالتالي فإنه حسب تقديرنا  يستطيع بناء  مسار  خاص به سيعطي  لأعماله تميزا وقيمة جمالية وعلمية.

 

 محمد الشاوي - فنان تشكيلي مغربي وأستاذ فلسفة

 

 

هذا عنوان كتاب للأستاذ (محمد حسنين هيكل)، صادر عن الشركة العربية للطباعة والنشر، وتأريخ طبعته الأولى، في نيسان 1958 (ألف وتسعمائة وثمان وخمسون)، وبحجم متوسط، وعدد صفحاته (166).

 وهو لقطات فوتوغرافية صحفية لما أدركه الكاتب بتجربته وخبرته آنذاك، وكان يعرف أن الزمن يتحرك والمياه تجري من تحت كوبري النيل ولا تتوقف أبدا، وأن أحداث الشرق الأوسط تتحرك بسرعة فائقة يقارنها بسرعة الأقمار الصناعية في حينها.

فالشرق الأوسط ومنذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وهو على صفيح ساخن بنيران النفط المتأجج الجمرات والجذّاب للأطماع.

وما ورد في الكتاب من رؤى صاحبها (جورج بروان) وكان في وزارة الظل، والذي صار رئيسا لوزراء بريطانيا فيما بعد، وهي تدور حول " كيف يمكن أن يخف التوتر السائد في الشرق الأوسط"؟!!

وفي حينها كان حلف بغداد ومشروع آيزنهاور وغيرها من المشاريع والمناورات، ويرى الكاتب أن الشرق الأوسط لا تحكمه المشاكل، وإنما تحكمه العقد التي خلفتها المشاكل!!

ورأيت أن أقرأ الكتاب بمنظار نفسي، وأسلط الأضواء على تلك اللقطات الفوتوغرافية الذكية، التي لا تزال فاعلة في صناعة النواكب الشرق أوسطية المتفاقمة، والتي يدير محركاتها النفط، العدو الأكبر للوجود العربي بأسره.

وعلى حد قول الأستاذ هيكل: " قلت لجورج براون، التوتر في الشرق الأوسط ليس في حاجة إلى ساسة يحلون تعقيداته، وإنما هو في حاجة إلى أطباء نفسانيين يحللون عقده"!!

أولا: يدرسون ويتأملون ويستقصون

" كان جورج براون في القاهرة يدرس ويتأمل ويستقصي"

الآخر لا ينطلق برؤاه وتصوراته وقراراته من الفراغ، وإنما يدرس بإمعان ويرى بوضوح بمنظاره وأدواته التوضيحية والإستكشافية والتحليلية لكي يصل إلى نتيجة ذات مغزى ومعنى ، ومبتدءات ترسم معالم مسيرته وخطته القادمة للوصول إلى أهدافه وبرامجه ومشاريعه التي تعزز مصالحه وتؤمّن موارده.

فهو يجرب ويبحث ويستنتج، ويطور ويبني على النتائج ويتقدم في الأبحاث، وهذه الحالة على أشدها منذ أكثر من نصف قرن ولا تزال حامية، وما حصل للعديد من الدول العربية يؤكد ذلك ويشير إليه.

ثانيا: الموقف غريب وغامض

الغرابة والغموض من مميزات الواقع العربي، وهذا الأسلوب تأكيد لسياسات " الصيد في الماء العكر"، ولهذا مضت الأمور على هذه الشاكلة لتحقق صيدا أوفرا، فالواقع أعمى العيون والأبصار ومحكوم بالمجهول والتوجسات والإضطرابات، وما يأتي من الأهوال والخطوب، والأخطار التي تتجاوز قدرات التصور والخيال لعامة الناس.

 فالموقف غريب وغامض منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، ولا يزال يزداد غرابة وغنوضا وتعقيدا وإرتيابا وأكثر.

ثالثا: المشاكل الظاهرة والخفية

المشاكل الظاهرة للتلهية والضحك على الذقون وتمرير اللعب والمخططات، وتشترك جميعها بأسلوب إشغال البشر ببعضهم لأخذ ثرواتهم والتحكم بمصيرهم، وإستعبادهم ورهنهم وأسرهم بالتبعية والخنوع والقبض على مصيرهم، وتحويلهم إلى مطايا وروبوتات، تنفذ أجندات مطلوبة وبرامج محسوبة.

فالمشاكل الخفية تصارع المصالح وتكالبات القوى المتأسدة في الأض، وهي الداينمو الأنشط لتحريك عجلات المشاكل الظاهرة، وتنمية الصراعات والتفاعلات التدميرية ما بين البشر أنفسهم، وهذه الحالة قائمة ومتطورة في أيامنا المزدحمة بالتطورات والإلهاءات الفائقة.

رابعا: أحلاف ومؤامرات

المنطقة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، محكومة بأحلاف ومؤامرات لا تنتهي، وكل ما حصل ويحصل فيها ينضوي تحت هذين الإتجاهين، فإما نتيجة لحلف أو لمؤامرة، وكل حدث مرهون بزمن وغايات يتم الوصول إليها لكي يتبدل، ويتغير الواقع بما يخدم المنطلق الجديد أو المشروع المتمخض من مفردات وعوامل سبقته وساهمت في إنضاجه.

فما يجري لايزال على ذات المنوال، ولهذا تحقق تغير متعدد للأنظمة والأحزاب في المنطقة، وحصلت حروب ونزاعات داخلية وإقليمية، أسهمت في تحقيق المصالح على أكمل ما يرام.

خامسا: سياسات سدّ الفراغ

المنطقة بدولها المتعددة تتعرض بين آونة وأخرى إلى إحداثا فراغات سياسية شاملة، تؤدي إلى إنجذابات وإحلالات خطيرة، وهذه السياسة مرسومة ومدروسة بعناية، لأنها تعمل على توظيف القوى والأحزاب السلبية والعدوانية المحقونة بالشرور، ومؤازرتها بالإعلام والسلاح لتحقيق أقصى درجات التدمير الذاتي والموضوعي.

وفي بداية القرن الحادي والعشرين تم ممارسها وتطبيقها في عدد من الدول التي تحولت إلى هباء منثور، وفي الوقت الحاضر يتم ممارسة هذه السياسة الفظيعة الفادحة بأساليب عدوانية وإمحاقية غير مسبوقة، بعد أن تكللت بالنجاحات في عقود القرن المنصرم.

سادسا: تغيير الأنظمة بالقوة

أنظمة الحكم بالمنطقة أما إنقلابية دموية عسكرية، أو عائلية صرفة، ولا يوجد غيرها، وإن حصل العكس توجهت قدرات العدوان والتدمير بعنفوانها لإعادته إلى السكة المطلوبة والمسيرة المرغوبة، فلا توجد في المنطلقة أنظمة تحترم قيمة الإنسان، وتعمل وفقا للقوانين وتنضبط بدستور، فهذه الأنظمة من المحرمات، كما أن الديمقراطية من الممنوعات، ولن يُقام نظام ديمقراطي إلا على سياق ما يحصل في العراق وليبيا واليمن وأخطر وأمَر.

فأنظمة الحكم المطلوبة إنقلابية تابعة ومحكومة بأجندات واضحة لا تقبل المناقشة، فالذي يحكم في الدول هم سفراء القوى المتأسدة فقط، وأنظمة الحكم عبارة عن صورة وأدوات لتنفيذ الإرادات، ولهذا يتغيرون بإنقلابات دموية، ويُمحق ما أقاموه ليأتي نظام آخر ويشيّد ما مطلوب ويغيب في تمثيلية إنقلابية دامية حمقاء، تسفك الدماء وتزهق أرواح الأبرياء.

سابعا: صناعة الرواسب والتراكمات المعقدة

التفاعلات تكون محكومة بآليات تمازجها بمعادلات كيميائية سلوكية وتضيف إليها عوامل مساعدة ومعجلة تساهم بتسريع النتائج وزيادتها، ويتم البناء على ما أفرزته وإدخاله في معادلات أخرى وأخرى، حتى تتمخض الحالة عن صيرورات ذات منطلقات تدميرية ونزعات هدّامة تساهم في صياغة واقع يخدم مصالح الآخرين ويناهض مصالح المواطنين.

وأحوال المنطقة بأسرها محكومة بهذه النتائج المتاركمة وما يُبنى عليها بأساليب عدوانية مدمرة، مما تسبب بضياع أصلها وأسبابها والإنغماس بمتوالياتها الهندسية، ودوائرها المفرغة، التي تمنع الخروج منها وتعزز التورط بويلاتها المتفاقمة.

ثامنا: الحكم بالعقد التي خلفتها المشاكل لا بالمشاكل نفسها

المشاكل تتوالد في المنطلقة، ولايمكن لمشكلة أن تصاب بالعقم، أو تجد حلا ومخرجا، ولكل مشكلة مؤثراتها النفسية والعاطفية والسلوكية، والعمل على تراكم هذه المشاعر السلبية يساهم بقوة في تعطيل التفاعلات الإيجابية ما بين أبناء المجتمع، ويؤدي لبناء الحواجز والمصدات الإنفعالية، ويهدم الجسور ويلغي قدرات التواصل والإنتماء الصيروراتي المعاصر.

وما نعيشه في الوقت الحاضر ناجم عن العقد النفسية والدمامل المحتقنة في الأعماق، والتي أدت إليها المشاكل الراسخة القابضة على مصير الناس، والكاتمة لأنفاسهم والمانعة لقدرات التعبير عن طاقاتهم وغاياتهم الإنسانية في الحياة.

تاسعا: المرارات الحاكمة

فالقوى الكبرى لا تذعن للفشل بل تنتقم منه وتدمر الهدف الذي أصابها بالفشل، فالأسود لا تستكين للهزيمة، وإنما تفترسها، وتسعى لمحق آثارها وتوريط أصحابها بنكبات متوالية، تزيدهم ضعفا وإنهيارا وتوسلا بالأسود التي عجزت عن إفتراسهم في أول جولة.

فالمنتصرون بالمنطقة يدفعون ثمن إنتصاراتهم، ويتم دفعهم إلى المهاوي والمنزلقات التي تحولهم إلى رهائن، وتنسي الناس نصرهم، وتجعلهم مجرمين بحق شعوبهم وأوطانهم، وقد حصل ذلك في مصر والعراق.

فأي نظام عربي مهما توهم، لا يمكنه أن يتنعم بنصره وبإنجازاته، لأن الإرادة المضادة ساعية لجعلها وبالا عليه.

فأين إنتصارات مصر وإنجازاتها الصناعية والثقافية؟

وأين إنتصارات العراق وإنجازاته العلمية والصناعية؟

كلها إنقلبت وبالا على البلدين، وتلك حقيقة تترجم منطوقا خلاصته أن المنطقة يجب أن تؤمن بأن الهزائم والإنكسارات قدرها ومصيرها، وبهذا الإتجاه تتحرك ماكنة الإعلام وتنطق العمائم والأقلام.

عاشرا: يصنعون أحداثا للشرق الأوسط:

أحداث الشرق الأوسط من أولها إلى آخرها مُصنّعة ومستوردة، وإن صح التعبير فأنها مصطنعة!!

ولا يوجد حزب أو فئة أو جماعة، أو حركة إلا وقد صُنعت ومولت من قبل الآخرين الذين يريدون تأمين مصالحهم، بل أن جميع الأنظمة التي حكمت وتحكم والإنقلابات، ممولة ومدعومة، ولا يحصل ولن يحصل شيئ في الشرق الأوسط إلا بإرادة أصحاب المصانع والشركات ومباركة المدمنين على النفط ونهب الثروات.

وحتى الحروب والصراعات وإستخدام الدين ورموزه يتحقق وفقا لآليات تصنيعية وتسويقية، تخدم إرادة المتحكمين بمصير الشرق الأوسط وما حوله من الدول، التي تُستخدم لتمرير المصالح وتأمين الوصول إلى الأهداف.

وتلك حقائق سلوكية فاعلة ونشطة في منطقة الشرق الأوسط ومتكررة ومستوطنة فيه، يساهم في إزمانها وتطورها أبناء المنطقة الذين تم تأهيلهم للسقوط في أحابيل القبض على مصيرهم، وإمتلاك وجودهم.

ويبدو أن الواقع في القرن الحادي والعشرين سيكون أسوأ وأمر، لأنه قد بنى برامجه ومشاريعه على ما تمخضت عنه التجارب والأبحاث والأحداث في القرن الذي سبقه.

ولا تزال أفكار ومنطلقات هذا الكتاب ذات قيمة وفعالية في أيام الشرق الذي ما عاد أوسطا!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

اولا قبل ان نطرق الى الموضوع لابد للقاري ان يتساءل اولا عن.. من هم ..ازناگن..او بالاحرى.. من هم الصنهاجة..ومن اين اتو.. هل هم من المشرق كما يدعي العروبيين.. ام من الغرب كما يدعي الاخرون.. يقول ابن خلدون الدي عاصر الصهاجة..ان التاريخ جم الفوائد شريف الغاية اد هو يحدثنا عن تاريخ الامم كالانبياء في سيرهم والملوك بسياستهم ودولهم.ان ابن خلدون يرجع اصل الصنهاجة الى موريتانيا وليس المشرق كما يدعي البعض..الصنهاجة المرابطون من قبيلة لمثونة احدى القبائل الامازيغية تزعم حركتهم محمد بن تيفاوت وقام فيهم يحيى الجازولي او الگدالي ودلك بمساعدة عبد الله ابن ياسين الدي يدعو الناس باسم الدين واسس دولتهم محمد ابو بكر اللمتوني الدي فعلا تنازل لابن عمه يوسف ابن تاشافين عن العرش سنة 453.غير ان الدي يهمنا هنا هو موضوع المراة.فكيف كانت المراة في عهد الدولة المرابطية..

المرأة الصنهاجية، حينما سعى الدّين لتغييب التاريخ:

لماذا المرأة الصنهاجية ؟

تشترك القبائل الصنهاجية حسب النسّابين القدماء، مع مجموعات قبلية أخرى مثل: أوربة، مصمودة، كتامة … وغيرها، في أصلها إلى البرانس (أحد الأقسام الكبرى للأمازيغيين). وتستقر قبائل صنهاجة في جل جهات شمال إفريقيا سواء في السهول المتوسطية أو المحيطية أو في الجبال، أو في الصحاري الكبرى, ومعروف أن صنهاجة كانت أول قبيلة مغربية استطاعت أن تتجاوز عتبة التنظيم القبلي لتدخل التجربة الدولتية، وذلك عندما قامت « لمتونة » بمحو التجربة الإدريسية لتقيم على أنقاضها الدولة المرابطية. (لذلك سقنا هذا النموذج ولا نعني به التخصيص أو حد تاريخ المرأة الأمازيغية فيه، كنموذج).

ومن خصال قبائل صنهاجة، حبها الشديد للبلاد ودفاعها الكبير عن العباد، وهو ما كان له أبعد الآثار في صياغة تاريخ المغرب؛ إذ رفضت صنهاجة دخول العرب إلى المغرب أثناء « الفتوحات » وبعدها، فكانت شديدة العداء للأمويين وحلفائهم الأمازيغ البتر. الشيء الذي سمح ببروز الدور التاريخي للمرأة بشكل مميز في هذه الفترة من جديد. ذلك لأن المرأة الأمازيغية حافظت دائما على زعامتها ومكانتها في المجتمع الشمال إفريقي بشكل عام.

ولإبراز مكانة المرأة الصنهاجية في بيئتها الصحراوية (والشبه صحراوية)، خلال العصر الوسيط، تحيلنا المعلومات التي ساقها الرحالة « ابن بطوطة » (الذي زار مضارب قبائل صنهاجة سنة 753هـ) إلى دورها المهم بهذا المجتمع، مما أثار استغرابه واندهاشه، بحيث لم يسبق له أن شاهد، خلال رحلاته وأسفاره العديدة، وضعية مماثلة لها. ويقول في معرض حديثه عن أحد بطون قبائل صنهاجة: « ولنسائها الجمال الفائق، وهن أعظم شأنا من الرجال، وشأن هؤلاء القوم عجيب، وأمرهم غريب… ».

إن أهم ما ميز هذا الرحّالة كونه غريبا عن المنطقة، ما سمح لنا أن نستشف من خلاله بعض العادات والتقاليد التي تمسّك بها المجتمع الأمازيغي في هذه الفترة، خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة التي يقول بأنها لم تكن تتخد الحجاب، بل من عادتها السفور حتّى أمام الرجال الأجانب. إضافة إلى شيوع الاختلاط بين الجنسين، بحيث تربط النساء علاقة صداقة مع الرجال الأجانب من غير ذوي المحارم. وحينما تتزوج إحداهن برجل أجنبي عن القبيلة، يشترطن عليه عند عقد الزواج البقاء معهن في مدينتهن أو مضارب قبيلتهن، ولا يقبلن أن يسافرن معه بعيدا عن أهلهن…إلخ.

يقول « ابن بطوطة »: ومع ذلك فإن القوم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلّم الفقه وحفظ القرآن… . بل الأدهى من ذلك أن المنطقة التي كان يتحدث عنها عرفت الإسلام منذ أزيد من سبعة قرون قبل ذلك، وهي مدة كافية لترسيخ العادات الإسلامية بالمنطقة والقضاء على العادات المحلية المناقضة للإسلام !. ولو سلّمنا بصمود بعض العادات المحلية ، فإن الحركة الإصلاحية التي قادها « عبد الله بن ياسين » في مطلع القرن الخامس الهجري، والتي أدت إلى قيام الدولة المرابطية، كانت لتقضي على بقايا تلك العادات وترسخ بدلها تقاليد إسلامية والمذهب السني المالكي. هل كان « ابن بطوطة » كاذبا فيما أورده إذن ؟

إن الرجوع إلى المصادر التاريخية الأخرى يؤكد لنا صحة جل معلومات رحالتنا عن نساء المنطقة، إلا في قضية واحدة هي قضية انتساب الأبناء إلى خالهم، فنسبهم كان يرجع لأمهم دائما وليس لأحد آخر. إذن هل ماتت المرأة الأمازيغية ؟ أم أن الحركة النسائية بالمغرب لم تبدأ بعد ؟ هل نسيت المرأة الأمازيغية زمن الأمازونات ؟ كلها أسئلة تجعلنا نقر بغرابة التاريخ الذي يكرر نفسه، وبأزلية وخلود أدوار المرأة الأمازيغي بالمجتمع الشمال إفريقي.

يقول أحد الأمثال المأثورة : « Ur da ttmunn sin iẓaṭṭn g yan uxriṭ » . بمعنى أن ثقافتين مختلفتين لا يمكن أن تتعايشا في بيت واحد، إلا إذا امتلكت إحداهما آليات غير شرعية لإخضاع الأخرى، أو التحايل عليها واستدماجها في داخلها. وهذا ما حدث مع الثقافة الأمازيغية التي لم تمت يوما رغم تأثرها بالعديد من الثقافات المجاورة لها. ومن بين مسببات عدم موثها مقاومة المرأة الأمازيغية كما سبق الذكر، إضافة إلى التجاء العديد من القبائل الشمال إفريقية إلى الجبال واتخاد نمط الترحال الذي يصعب التأثير فيه إلا بدرجات قليلة. ومن بين هذه النماذج التي ظلت مقاومة إلى حدود الفترة الحديثة من تاريخ المغرب، نعطي نموذج قبائل الجنوب الشرقي، خاصة تلك التي شكلت أهم أحلاف عرفها تاريخ ما قبل/ وبعد تدخل المستعمر الفرنسي بالمنطقة.

– ملاحظة، لابد منها:

إن ما كان يميز المرأة الأمازيغية في فترة معينة دون أخرى، هو مدى اهتمام أو إغفال المؤرخين والمحدثين لها. ذلك أن استمرارية قمع هذا الدور رغم احتفاظ المجتمع الأمازيغي بالعديد من عاداته وتقاليده، ورغم كل ما عاناه من تدخلات خارجية واستعمار وتنكيل وتحولات جلية في الديانات والعبادات.. لم يحل دون تغيرها بشكل كبير، يجعل منها خاضعة تماما للهيمنة الذكورية.

إننا إذ نقرّ بهذا، وندافع عنه؛ فذلك استنادا إلى فكرة علمنا إياها التاريخ، فما لم تكتبه بيديك كما تعيشه أنت، لا يمكن لأحد آخر أن يكتبه بدلا عنك، ويفهم كيف قمت به ! خصوصا أن الشعب الأمازيغي كما سبقت الإشارة، اكتفى بذاكرته من أجل حفظ التاريخ. فكان يورّث هذه الطريقة لأجياله اللاحقة حتى تدخلت عدة عوامل ذكرنا بعضا منها فيما سبق، أدت إلى مغادرة السهول والالتجاء إلى الجبال والاحتماء بها. لذلك فأي نموذج نسوقه هنا، لن يعبر بتاتا عن شمولية الدور الذي لعبته المرأة الأمازيغية في تاريخ شمال إفريقيا عموما، والمغرب على وجه الخصوص؛ ثم إن اختيارنا لمجال معين دون آخر في هذه المحاولة، لا يعدو أن يكون إلا إشارة بسيطة لمجالات ظل فيها الإنسان مستقلا نسبيا عن التأثيرات الخارجية الكبيرة، كما حصل في السهول والمجالات القريبة من المحيطات.

 

الحسن اعبا

....................

المراجع

المراجع المعتمدة:

– المرأة والحفاظ على التراث الأمازيغي. أعمال الندوة الوطنية التي نظمت يومي 26 و 27 يوبيوز 2005. تنسيق: الحسين أيت باحسين. منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. الرباط ة 2008.

– المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي، المواجهة المغربية للأمبريالية الفرنسية 1881-1912. تأليف: روس إ.دان. ترجمة: أحمد بو حسن، مراجعة: عبد الأحد السبتي. منشورات زاوية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2006.

– أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ). ترجمة وتعليق وشرح: الدكتور مصطفى أعشي. منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. الرباط 2009.

– مجلة: (التاريخ، الثقافة، المجتمع). عدد مزدوج: 13-14 « حلقات في تاريخ المرأة بالمغرب ». مطبعة النجاح الجديدة 1998.

– مجلة: أمل (التاريخ، الثقافة، المجتمع). العدد: 39- 40 « نساء وقضية ». مطبعة النجاح الجديدة 2012.

 

 

 

المقصود بالرسول هنا، نبي الإسلام محمد، صلي الله عليه وسلم . في هذا العصر ـ عصر العلم ـ هناك من يؤمن به نبياً رسولاً، وهناك من لا يؤمن به . وهو في اعتقاد من يؤمن به، خاتم الأنبياء والمرسلين، وحجر الزاوية الذي استكمل بناء النبوة والرسالة . يؤمن به وهو لديه من المؤيدات والمعجزات الدالة، التي اقـتـنـع بها، وارتاح لها . إلا أن من يؤمن به، يواجه في هذا العصر بحملة تشويه، لا تكل ولا تمل، في سبيل النيل من دينه، والنيل من رسوله، والتشكيك فيهما . ونظراً لتهافت مستوي التعليم الشرعي في بلادنا الإسلامية، فإننا نجد أنفسنا مدفوعين للبحث فيما ينتجه العقل غير المسلم، علي دليل نستأنس به في صحة معتقداتنا من ناحية، ونجابه حالة التشكيك والطعن التي نتعرض لها، بأدلة توصلوا هم إليها، تقدح في مبررات عدم إيمانهم بديننا، من ناحية أخري . وهذه حالة توهم ناتجة عن التهافت المعرفي الذي نعانيه .

وقد انتشرت علي مواقع التواصل الإجتماعي، مقالات تناولت نتائج أبحاث، جري الربط بينها، وبين أحاديث نبوية، للتدليل علي وقوع دلائل النبوة، في سيدنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ ودلائل صدقه، في البلاغ عن ربه، من واقع نتائج هذه الأبحاث .

من هذه الأبحاث بحث يزعم وجود علاقة قوية، بين السلوك العدواني، والنزوع إلي الإنحراف الإجرامي، والميل لإدمان الكحول، وارتكاب الحوادث، وعدم الإستقرار العقلي والعاطفي لدي الإنسان، والدورة القمرية للقمر . والعلة وراء وجود هذا الرابط بين الجسد البشري والقمر هي الماء وقوة جاذبية القمر . وقد بدأ من فرضية أن سطح الأرض يتكون من قرابة 80% من الماء، والباقي مواد صلبة، وأنه أثناء اكتمال القمر بدراً تحدث ظاهرة المد والجزر في البحار والمحيطات، بفعل قوة جاذبية القمر .

ولما كان جسم الإنسان أقرب شبهاً إلي الأرض من حيث نسبة الماء إلي المواد الصلبة فيه، فإنه هو الآخر وأثناء اكتمال القمر بدراً، تحدث بداخله ظاهرة المد والجزر، الناتجة بفعل قوة جاذبية القمر خلال هذه الفترة، ومدتها ثلاثة أيام .

وينتج عن ذلك كل المظاهر السلوكية وحالة عدم الإستقرارالتي أشرنا إليها آنفاً . فما السبيل إلي الخلاص من كل ذلك ؟ .

هنا إلتقط المتهافتون طرف الخيط، للربط بين هذه الظواهر ـ إن صحت ـ وبين صيام ثلاثة أيام من كل شهر قمري، يكون القمر فيها بدراً . فمن المعروف أن الصوم يقلل نسبة السوائل في الجسم، وتقليل هذه النسبة، يعني التقليل من حالة المد والجزر داخل جسم الإنسان، لضعف تأثير قوة الجاذبية القمرية .

والإضعاف من هذه العلاقة التلازمية يعني التخفيف من حدة الظواهر السلوكية المشار إليها، ومن ثم يصبح الصيام نوعاً من العلاج النفسي والسلوكي للإنسان . وقد ورد في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه : " أوصاني خليلي بثلاث : صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام " ـ رواه البخاري ـ .

والواقع أن ذاك الربط، وهذا  الإستنتاج يخالفان الحقيقة والواقع، فالحديث النبوي لم يشر إلي وجود علاقة بين الصوم والقمر . ولو أن الأمر مرتبط بوجود علاج لحالة الخلل النفسي والسلوكي تلك، لحمل صيام هذه الأيام علي الوجوب لا الندب . ولو كان الأمر كذلك لأوجب صيام الليل الذي يظهر فيه القمر، بدلا من صوم النهار . كما أن صيام الأيام الثلاثة غير محددة بوقت، سواء أول الشهر، أو آخره، أو أوسطه، كما لم يشترط فيها التتابع، وإنما يجوز صيامها متفرقات . وذلك كما ورد في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ الذي رواه مسلم في صحيحه .

كما أنه ثبت علمياً ثبات تأثير قوة جاذبية القمر علي مدار الشهر القمري، ولا يتأتي الإختلاف إلا بقرب المسافة أو بعدها .

وثبت علمياً كذلك أن تأثير قوة جاذبية القمر مداً وجزراً يكون علي البحار والمحيطات المفتوحة ـ المتصلة ـ وتمثل كتلة كبيرة . أما المياه الموجودة داخل الجسم البشري، فهي مياه مغلقة غير متصلة، لوجودها داخل خلايا، ولا تمثل كتلة كبيرة . ومن ثم يصبح تأثير الجاذبية القمرية ـ إن صح ذلك ـ ضعيفاً للغاية .

ومن هنا يمكننا القول بأن الربط بين صيام الثلاثة أيام، وقوة تأثير جاذبية القمر هو من باب الخرافة والوهـــم . ولا يعني ذلك إنكار الإعجاز العلمي للكتاب والسنة، وإنما فقط ننكر مالا يثبت من حقائق علمية، حتي لا نضر بالكتاب والسنة . ومن لا يؤمن بمحمد نبيا رسولاً، لن يجعله هذا الربط مؤمناً، والمؤمن به ليس في حاجة إلي هذا الربط  بين الآيات االقرآنية والأحاديث النبوية، والأوهام اللاعلمية، التي لم يستقر علي ثبات حقيقة علميتها بعد . وذلك دون الإستعانة بهذه الخرافات . والله من وراء القصد،،،

 

حــســــــن زايــــــــــد

تُحظى تطبيقات التراسل الفوري بشعبية كبيرة بين الناس نظرا للحاجات التي استطاعت هذه التطبيقات توفيرها للمستخدم من خلال التواصل مع الاخر بصورة فورية ومنحه فرصة البقاء متصلا مع الشبكة” اون لاين” على نحو مستمر يرضي حاجة سايكولوجية عميقة بدت معروفة لدى العديد من المختصين في مجالي التواصل وعلم النفس.

وقد غدت هذه التطبيقات التي تمنح مستخدميها، سواء الناس العاديين الذين يستعملونها للترفيه والتواصل او المختصين في مجال الاعلام والسياسة، حرية التراسل مع الطرف الاخر من خلال ارسال النصوص الكتابية او الصور او الفيديوات على اختلاف انواعها، غدت من اوائل البرامج التي يقوم المستخدم بتحميلها حال البدء باستخدام هاتفه الذكي وقبل تحميل اي تطبيقات او برامج اخرى مهما كان نوع اهتمام هذا المستخدم او عمره او مستواه الثقافي.

ونتيجة للتطورات التي حدثت في الاشهر الاخيرة بالنسبة لطرق واشكال ومديات الاتصالات، وكانعكاس لما وصلت له تمظهرات الثورة الرقمية التي مسّت معظم المجالات الاقتصادية والسياسية والاعلامية والاجتماعية، انبثق شكل جديد من الاعلام بدأ بالتشكل من خلال هذه التطبيقات وتبلور شيئا فشيئا بواسطة استعمال هذه التطبيقات من قبل الصحفيين لنشر الاخبار وتسويقها وايصال الرسائل المتضمنة في ثناياها.

ولذا استعان الصحفي بمثل هذه التطبيقات، وبدأ ينقل الاخبار والتصريحات والبيانات من خلال هذه المنصات الرقمية التي يتم تسميتها رسميا بتطبيقات التراسل الفوري مثل الواتساب والفايبر والتيلغرام والسكايب والتانغو والوي شات والايمو والبي بي ام وغيرها من التطبيقات التي تتنافس على انتاجها الشركات، وتقوم، كل فترة، باطلاق تطبيق جديد يتميز بمميزات مختلفة عما هو موجود في التطبيقات الأخرى، بل وتحاول ان تلبي رغبات المستخدم مما لم تستطع التطبيقات السابقة تلبيتها.

وبسبب ميزة انشاء مجموعات معينة في هذه التطبيقات، ظهرت مجموعات استفاد منها الصحفيون وعلى نحوين مختلفين ؛

الاول؛ مجموعة عامة تضم صحفيين وسياسيين وكتّاب واكاديميين وخبراء في مجالات متنوعة، وتجد فيها يتم تناقل الاخبار المختلفة والافكار المتنوعة من عدة مصادر بحيث يجد الصحفي امامه كم هائل من الاخبار والافكار يغطي احداث ومجريات الساعة، ويغنيه، ربما عن العودة، لاي مصادر اخرى، بل ان بعضها يقوم بخاصية استضافة بعض المفكرين او السياسيين ليشرح موضوع ما او يجيب على الاسئلة التي تقدم له من داخل اعضاء المجموعة.

الثاني؛ مجموعات رسمية مختصة باخبار تتعلق بمسؤول معين او جهة او مؤسسة حكومية ما، يديرها ادمن واحد او اكثر ينتمي لنفس المؤسسة، وهنا ستصل للصحفي المشترك في المجموعة اخبار خاصة بهذه الجهة الرسمية بدلا من رجوعه للموقع الالكتروني او صفحة الفيسبوك او حساب تويتر، التي عادة لاتأتي منشوراتها بتنبيه كالذي نجده في بعض التطبيقات، كالواتساب وغيره، والتي تكون فيه الاشعارات والتنبيهات فورية وتمنح المستخدم مميزات أخرى مثل تحديد نغمة خاصة بالمجموعة لكي يميز الاشعار الواصل من هذه المجموعة عن غيرها.

ولو سألت الان اي صحفي خصوصا مما يعملون في اقسام تحرير الاخبار في الوكالات او المواقع او الفضائيات، عما يفضله في العمل فيما يتعلق بتلقي الاخبار لاجابك فورا بان يفضل الاشتراك في هذه المجموعات الرقمية بدلا من الاعتماد على الايميل او الموقع او الفيسبوك وتويتر خصوصا مع وجودة معيار سرعة نشر الخبر لدى المؤسسات الاعلامية كدليل على مهنيتها ونجاحها وسرعة استجابتها للاحداث وتقديم اخبار تتعلق بها.

وفي هذا السياق وعلى النحو الذي اشرت له أعلاه، اجادت هذه المجموعات الرقمية بخدمة الصحفيين ووسائل الاعلام من خلال تسهيل وصول المعلومة لهم على نحو لايقبل الشك، وهو الامر الذي يتسق مع مقتضيات العصر الرقمي والاعلام الجديد بكل مظاهره وتطبيقاته.

 

مهند حبيب السماوي

باحث في مجال السوشل ميديا

 

 

 

كثيراً ما كنت وما ظلت أجيل بفكري، وأحلم وأردد بخواطري في أحوال الناس، وكم كنت وأكون سعيداً لسعادتهم، وأشقى لشقائهم، ولكني في حيرة وليتني أطلب في كتاباتي وأتمنى بالإخلاص في الأعمال لأهل بلدي وأمتي، وأتمنى أن يتخلصوا من كل الدركات إلى أعلى الدرجات، ولكن أسفي يزداد عندما أنظر إلى بعض من أهل وطني وأمتي يسعون إلىِ الهدم والخراب والفساد وسفك الدماء وكأن يأسي على ذلك يغالب رجائي المنتظر وقنوطي الذي يغلب أملي في الحياة، فكلاهما يغلبان (الرجاء والأمل) في إعلاء كلمة الحق والرأي ورفع مجد وفخر بلادنا وأمتنا.

يقرع في أذاننا جميعاً وأمام أعيننا هؤلاء المتعصبون للسياسة والفكر والدين الذين يختلفون في الآراء في أمور الحياة، فتجد رأيان في أمر ما إلا كان أحدهما حقاً والآخر باطلاً، لذلك فإن الحق مهما كان لديه من الظهور والبروز وسعة المجال في تواصف الأشياء والأمور والآراء، فإن أضيق الأشياء تناصفاً وتعاملاً للمتعصبون تخفى عن أعينهم مسالكهم وعدم إتزان أعمالهم وأفعالهم، لذلك فإن الحق يكون للإنسان وعليه. فيظنون أن آرائهم وأفعالهم هي ظناً منهم أنهم على حق، وقد أوجبوا الشقاء لأنفسهم وبين الناس أبناء الوطن الواحد، بل الأمة. وليست لهم كلمة أو رأي يكون فيه الإصلاح لبلادهم وأمتهم. مما يجعل النفوس ما قرت، وإن هيجان الفكر والعصبية في القلوب ما همدت أبداً، والفتنة ما أطفئت التي تنشر في وساس الذين يلقونها لنيل أغراضهم الغير نبيلة.

إن نعرة التعصب في هذا العصر التي تضطرب في المجتمع والأمة، وقد يختل ميزانها، وقد تفرق وتقسم وربما تكون رأي وفتنة في السياسة والفكر والدين وليست لصالح كل هؤلاء، فإن سوق التهم جزافاً والرمي على الآخرين بدون وجه حق يوقع هؤلاء المتعصبون في العقوبات وتهوى آرائهم وفتنتهم في الدرك السحيق. فكل إنسان من حقه حريته في إبداء رأيه في سير الأمور ولكن بحدود وإحترام، فإن حرية السياسة مثلاً تقوم على المناصب المختلفة وهي وسيلة لخدمة الناس والمجتمع. وأن ما يشغلها هو موضع الرقابة الدقيقة من المواطنين، فلا حرج أن يبدي المواطن رأيه دون عبث أو هدم أو فتنة أو سفك دماء ويعلم أن المناصب العليا هي أمانة ثقيلة يطلب لها أعظم الناس تقى وعلماً، فلا يجوز التدخل ملئه الطمع والتطلع والسيطرة، إلا إذا كان هناك أخطاء من هؤلاء الساسة فوجب إيقافهم والوقوف في وجوههم ولو تكلف الأمر، فمثلاً يسند منصب لرجل إلا كان ترفعه كفايته إليها وذلك عن طريق انتخابه، فإذا أحبه الناس عمل من أجلهم بكل صدق وأمانة وإخلاص، فالسياسي المحنك هو الذي يعمل من أجل رفعة الوطن وأمته، فإنه يتصرف تحت رقابة المجتمع والأمة التي يريد أن يطمئن إلى سلامة مصالحها وإلى استقامة رسالتها في هذه الحياة ومن أجل الحياة دون دماء أو فساد أو هدر أموال عامة، فإذا توافرت هذه المثل الإيجابية في السياسي أو الرئيس فلما الهجمة والعصبيات على كل من يعمل لصالح البلد.

فإن الحاكم إذا عمل لمصلحة الوطن والأمة، فمن حق الناس أيضاً أن تطمئن إلى هؤلاء الرجال الذين يعملون لصالح الوطن، فلما التعصب والعبث واللعب بأدمغة الناس العاديين (مع الإحترام)، هؤلاء الناس الذين يريدون الاستقرار.

ولعلني عزيزي القارئ أيضاً أتعجب من بعض العقول الفكرية المتعصبة ألا يعلموا أن حرية الفكر هي عقل وعين تبصر، فالمتعصبون لفكرهم وفي آرائهم هم في غفلة وذهول. هؤلاء مصابون بكسل فكري واسترخاء عقلي، مما يجعلهم أصحاب اضطراب في الصلات بالناس وتزداد جرائمهم الفكرية باختلاف أساليب البحث ووسائل النظر في الأمور بعقل وحكمة. فالزج بالفكر الخاطئ في عالم ما وراء المادة وإبداء الرأي المخالف ووجود تصورات خيالية كاذبة، هذا ما يجعل الفكر والعقل في خطأ وفساد، لكننا نؤمن بحرية الفكر المستنير لخدمة الوطن والصالح العام من أوسع النطاق بما فيه ضمانة لأصالة وجودة الفكر الوطني الهادف لخدمة المواطن والمجتمع. فما دمنا نملك حرية فكر محكوم بحسن نية فيه شرف الوجهة، ومنح كل امرئ حق الإبانة عن رأيه كما تكون نفسه، بحيث لا يحدث فكراً فاسداً أو شغباً وألا يظلم الفكر الناس في حياتهم فهذا فكر حق وهذا فكر ما تعرفه أعرق العقول الفكرية في أعرق الدول من حرية وغيره.

... ولعلني أذهب بقلمي في عقول المتعصبون للدين، فليعلموا أن حرية الدين التي كلفها الإسلام هي حق وعدل ورحمة ورحبة صدر وآفاق واسعة الأقطار يتعاون الجميع من أجل كل الأديان جميعها على حسن الجوار وكرم اللقاء وتتسع كل القلوب لكل دين، فنحن روح خلقنا رب واحد، علينا أن نحترم كل الديانات الأخرى، فلا يجوز العبث ومحاربة الناس من أجل الدين، فكل إنسان يعرف نسبة إيمانه لا يجوز التعصب والفتن بعصبيتك المتدهورة في مجتمع يضم أناساً من مختلف الأديان، فقد نرى من يثور في النقاش بعصبيته بين الناس، فأين إلتزام الأدب والهدوء؟ فهنا مطلوب حرية العقل والضمير في إحقاق الحق وإبطال الباطل بكل هدوء، فالجو هو جو حرية نبيلة وطمأنينة شاملة وهذا ما يجب أن ينشده المتعصبون بين الناس وللناس بتفكير هادئ واع مثقف في آفاق المجتمع، فلا يذل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان بل كل القصد أن يرتقي الإنساني بعقله وفكره وسياسته ودينه بالعلم، فيحمل الخير وهو يعرف أن الخير النافع هو رضى الله ثم الناس وأن يترك العصبية ويفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته لنفسه.

... فعلينا بكل رجاء أن نصل بأنفسنا إلى درجة من حقيقة الفهم والإدراك وعدم التعصب الذي يؤدي إلى إراقة الدماء لبعضنا البعض، وأن نتلاشى النزاع والخصام بيننا ولصالح أولادنا وأجيالنا القادمة، فكل إنسان تعروه الدهشة عندما يرى أفراد المجتمع الواحد يسّوق بعضهم البعض إلى التذمر في الآراء والتشبث بالفكر، فنحن في عيشتنا نريد أن ننصف بعضنا البعض وأن نعيش في إخاء وهناء، ريثما يعرف الجميع أن يوماً ما سوف يكون هناك الفناء.

... فهيا نجعل من عصبيتنا سبيلاً لتوحيد كلمتنا واجتماع شملنا وأخذ كل منا بيد أخيه إبن بلده وإبن أمته ليرفعه من هوة النقص إلى ذروة الكمال، فالنتعاون على البر وحب الوطن والخير لنا جميعاً وأن نترك العصبية وأن تتضافر كل الناس والبلاد على المحبة والقوة ومنافسة الأعداء الخارجيين.

 

محمد شوارب - كـاتب حـر

 

 

هناك علاقة تباعد وجفاء وفجوة كبيرة نلاحظها بين السياسيين وصانعي القرار، من جهة، وبين مراكز الأبحاث والدراسات، من جهة أخرى. وتتجلى هذه العلاقة التي عادة ما تكون غير ودية، في العديد من المؤشرات الواقعية الملموسة، من أهمها :

1.اعتماد هؤلاء السياسيين على أنفسهم بالدرجة الأولى، لاعتقادهم أنهم يمتلكون قدرات عقلية عالية، فلا حاجة بهم إلى مراكز الأبحاث والدراسات، لكنهم في أحسن الأحوال يعتمدون على أشخاص معدودين يطلق عليم " مستشارين"، وهي الطريقة القديمة التي كان يسير عليها الخلفاء والسلاطين السابقين، لكن هؤلاء المستشارين الحاليين، بدورهم ليس لديهم اهتمام بالدراسات والأبحاث.

2.إن السياسيين، سواء كانوا في السلطة، أم خارجها، ليس لديهم خلفية معرفية في البحث العلمي أو خبرة في الممارسة العملية، فضلاً عن ذلك ليس لديهم اطلاع على المفهوم الشائع الآن الذي يسمى " مخزن الأفكار" ( Think tank).

3.ليس عند السياسيين قناعة أو إيمان بنتائج مراكز الأبحاث، لذلك فهم يعتقدون أن هذه النتائج لا تعدو سوى رأياً استشارياً، غير ملزم، ولايمكن السير على ما فيه.

4.إن نتيجة الابتعاد عن مراكز الأبحاث تظهر في طبيعة القرارات التي يتخذها هؤلاء السياسيين، التي غالباً ما تكون فردية، ارتجالية، مظطربة، نتائجها ملموسة من فساد مالي وإداري وحصول أزمات وانتكاسات وأخطاء عديدة، يواجهها المجتمع باستمرار.

5.الخشية من نتائج الأبحاث، بخاصة، تلك التي يعتقد السياسيون أنها تهدد مصالحهم ووجودهم، لأنها تطرح إعادة صياغة الواقع وتغييره ببدائل واحتمالات جديدة.

  1. يعتقد هؤلاء السياسيون أنهم أدرى بالواقع على الأرض، من أولئك الباحثين الذي يعتبرهم أشخاص نظريين مجردين من الواقع، على هذا الأساس يشكك هؤلاء السياسيين، بنتائج الأبحاث والدراسات، لذلك ينطبق عليهم قول المعلم الثاني، الفارابي، الذي نعيده في كل مناسبة، وهو: أن للرؤساء همماً ينفردون بها عن سواهم من الناس، وهي أنهم يعتقدون في جميع من دونهم الاستخدام، وفي أنفسهم الإصابة في جميع ما يأتونه.
  2. إن نظرة السياسيين وتقيمهم لمجريات الأحداث في المجتمع، يكتنفها الغموض والعشوائية، سواء كانت في المستويات الإدارية والاقتصادية، أم على المستوى السياسي.
  3. لا يسمح هؤلاء السياسيون بوجود مراكز ذات مضمون سياسي، إلا إذا كانت خاضعة لهم، وأن لا تتعارض مع توجهاتهم وأفكارهم .
  4. الرغبة الشديد لدى السياسيين في الاستحواذ على صنع القرار وعدم اشراك الاخرين معهم بما فيها مراكز الابحاث، الامر الذي ينسجم مع توجهاتهم في السير على طريق المركزية الشديدة، التي ترفع من قيمتهم وأهميتهم في إدارة الدولة.

وأخيراً نأمل من السياسين أن يشجعوا ويدعموا تقديم الحوافز المادية من حيث الإنفاق الحكومي على مراكز الأبحاث التي ينبغي أن تكون مركزاً للبيانات والاحصائيات المجردة لتحليل مسيرة المجتمع ولتوقع ماذا سيحدث، من أجل أن تدعم المسؤولين في التطوير والتقييم، هذا إذا كان هناك من يسمع أو يقرأ!!

 

أحمد محمد جواد الحكيم

 

يتناول البعضُ موضوعاتٍ مهمة، بل وفي غاية الاهمية، بقدر من الاستخفاف والعجالة لا تتناسب وخطورة ما يتناولون . ومن هذه الموضوعات، مثلا، التصدي لتوصيف الشخصية الوطنية او تحديد سماتها، بكتاباتٍ سطحيةٍ يلقى فيها القول على عواهنه وتتأسس على مصادرات واحكام شخصية مسبّقة او انطباعات عن وقائع آنية او تجارب فردية، ولا تراعي مقتضى ما يتطلبه مثل هذا الموضوع من دراية ودربة وتخصص وبحث واستبيان واحصاء ومقارنة للوصول لا الى نتائج حاسمة ونهائية بل الى محض خطوط عامة وحدوس ممكنة ومقاربات مفتوحة وقابلة للإغناء والتعديل والتطوير والحذف والاضافة .

لقد تحفظ البعض من اساطين علم النفس ومدارسه على موضوعة تحديد سمات شخصية شعب من الشعوب او مجتمع من المجتمعات وقدروا ان ذلك يمكن فقط بالنسبة للأفراد لا المجتمعات التي يحكمها وضع آخر مختلف وهي منظومات مفتوحة ومتفاعلة باستمرار، ناهيك عن ان مستويات الصراع والفعل او التأثير، فيها، ابعد غورا ولا يمكن اخضاعها للتقنيات الممكنة بالنسبة للأفراد، وان جل ما يمكن الحديث عنه في هذا المقام هو اطار او تكوين ثقافي عام قد يميز هذا المجتمع عن مجتمعات اخرى يتأسس على عوامل متشابكة ومتفاعلة عديدة ولا تقع تحت حصر، وان امكن فرز العوامل الرئيسة والاكبر أثرا منها، كالبيئة الطبيعية والموقع الجغرافي والتاريخ والدين والاقتصاد وغيرها .

ولم يدّع علمُ الاجتماعِ ولا حتى الانثروبولوجيا امكانية تحديد سمات او خصال شعب من الشعوب الاّ في اعم الاطر خشية الوقوع في فخ الانماط العنصرية او تجاهل ان المجتمعات نفسها ليست معطى ثابت وانما تخضع لسيرورات تاريخية، خصوصا في العالم الحديث وخضوع المجتمعات لتأثيرات متبادلة وروابط متنامية حوّلتْ العالمَ الى قرية صغيرة بالفعل، وجعلت من صراع الاجيال، مثلا، حقيقة يومية ملموسة حتى في المجتمعات التقليدية بحيث بات الحديث عن استقرار نمط او سمة متوارثة ضربا من المغامرة .

ان مناسبة هذا الحديث وهذه المقدمات هو ما ينشر اليوم، وما نشر قبل ذلك، من كتابات متسرعة بصدد " سمة العنف الملازمة للشخصية العراقية " وتحري ما تستهدفه وتسعى اليه في الجوهر !!

***

لا يمكن عَدّ القول بأن العنفَ سمة ٌمن سمات الشخصية العراقية الاّ من ضمن الاغاليط الشائعة في تناول الشأن العراقي . . انها مصادرةٌ على المطلوب تفتقر الى الدعم والبرهان، يحذو معظم من روّج لها حذو كتابات سابقة ويتبّع احكام مسبقة، دون كبير اهتمام بآليات ومناهج المبحث الاجتماعي او السيكولوجي او حتى المنطقي، فيما يخص تأكيد سمة او ميزة لمجموعة بشرية وما يقتضيه ذلك من الفحص والتدقيق والبرهنة عبر تواتر موثّق يعتمد السجلات الجرمية او القضائية او الدراسات السلوكية والمباحث والاستبيانات الانثروبولوجية، مثلا . اذا كنا بصدد تأكيد ميزة او سمة اجتماعية . او الدراسات النفسية المتعلقة بالفرد العراقي وطبيعة تكوينه السايكولوجي ان كان الحكم بذلك يتعلق بسمة سايكولوجية . او البرهنة وفق قواعد المنطق ومقتضيات الحجّية والدلالة ان تعلق الامر بمنطق .

لقد عرف الناس الكثير من المصادرات الشائعة المشابهة والمضلله، في الصحافة الشعبية والمستوى العامي من المعرفة، تداولها الناس في عصر الاعلام الجماهيري وتعميم وسائط نقل المعلومة، وفق آليات قريبة من اليات العقل الجمعي ودون إعمالٍ للحس النقدي . فقد شاع في الصحافة الشعبوية الغربية، مثلا، منذ بدايات القرن الماضي، وهو امر ورثته وتأثرت به الصحافة العربية التي اتخذت من الصحافة الغربية نبراسا وقدوة، تعميم صفات ومزايا للشعوب وفقا لانطباعات كاتب او تعميما لسمات شخصية كبيره او تاريخية من ذلك الشعب، او استنادا الى وقائع معزولة هنا او هناك : فالإنكليزي بارد، او من وجهة نظر اخرى جنتلمان ولدى ثالثة حصيف ودقيق . والفرنسي رقيق ورومانسي . والايطالي متحرش وعربيد . والاسباني زير نساء . والالماني عميق فكر وذو نظر . والروسي دب جلف والامريكي حرٌ و متحرر لدى البعض او اناني وجشع لدى آخرين و... الخ من هذا الهراء الذي تحفل به المجلات والصحافة والكتابات وربما تستند اليه حتى سيناريوهات بعض الاعمال السينمائية الاكثر جهلا وعامية لكنها الاقل علمية والابعد عن اي نتائج محكمّة او وثوقية يعتد بها . في حين خلطت الثقافة الشعبويه والاعلام العربي الاكثر سوقية، هذه الخلاصات الوافدة، دون تمحيص او مناقشة، بما توفر لها من موروث وتعميمات من العصور السابقة حيث كان يمكن لرأي او حكم كاتب مشهور او بيت شعر يتصف ببعض الحكمة والدراية ان يصبح تعميما ويلقى قبولا وتسليما من قبل الاوساط المحدودة ذات الصلة بالكتاب والمعرفة، يومذاك، ولنتلقاه نحن بعد قرون، عبر مدرسة التراث التقليدية كمعرفة مكينة او نتيجة لا يرقى اليها شك، كقول الجاحظ، مثلا، بكون العراقيين اهل نظر وفطنة، او وصف المقريزي للمصريين بكونهم اهل خوف وجبن وقنوط، او التسليم بأن الشوام، كما وصفهم الحجاج بن يوسف: ما قاموا لنصرة رجل الا تركوه والتاج على راسه وما قاموا على رجل الا وقطعوا راسه . او ذم العراقيين بكونهم اهل شقاق ونفاق الخ، استنادا، ربما الى انطباع شخصي او مصلحة وموقف سياسي كما هو شأن الحجاج، ان صح ما نسب اليه .. او بيت المتنبي بشان السود في هجاءه لكافور الاخشيدي الذين ينبغي ان لا يشترون الاّ والعصّي معهم لأنهم انجاسٌ ومناكيد او غير الجاحظ والمتنبي والحجاج من شعراء وادباء وولاة او حكام . يضاف الى هذا، ويبدو ذا ثقل مؤثر، تعميمات ذات غايات واغراض عنصرية او متعالية او عدائية مما حفلت به كتب الرحلات وكتابات المستشرقين تخص الشعوب والمجموعات البشرية وتتصف بالشخصانية والتسرع والاعتماد على الملاحظات الفردية والوقائع غير المتواترة احيانا. ان خلت من التعالي ومركزية الذات الاوروبية او الدسائس والتبريرات التي تسوغ استعباد الشعوب واستثمار ثرواتها او مصادرتها . فآراء او قل أحكام لورنس، مثلا، بصدد العرب والترك، متأثرة بالغ التأثر بتجربته الشخصية، ففي الوقت الذي كان يكيل فيه المديح للعرب الذين ناصروه في امره ويضفي عليهم سمات رومانسية، يحط من قدر الترك ويوحي بسمات سلبية تتصف بها الشخصية التركية بسبب ان الاتراك قد عادوه وتمكنوا منه واذاقوه الهزيمة، مادية ومعنوية، هنا او هناك . رغم ما تواتر لدى غيره من الغربيين من وصف مغاير للعرب والترك . وقل مثل هذا الامر عن العديد من كتب الرحالة والمستشرقين التي لا يمكن لها ان تتجرد عن تأثيرات الهوى والمصلحة .

وللحديث صلة ......

 

عارف معروف

غريب أمر بعض المتشددين الذين يعسرون ما يسر الله من الدين، ويقذفون بالإنسان المسلم خارج إنسانيته، بما يغرقونه فيه من محرماتهم الناسفة لكل حقوقه المتاحة، الفطري منها والعرفي والقانوني والشرعي، ويمنعونه من ممارسة مشاعر المودة التي دعا الإسلام إليها، ويستكثرون عليه التشبع بمعانيها وقيمها السامية التي فطره الله عليها، ويستقبحونها عليه، بحجج ساذجة لا يصدقها العقل الناضج، وبإدعاءات غبية لا يقبلها المنطق السليم، تعتمد في مجملها على ما تعودت عليه عقولهم من نظريات المؤامرة والخوف من الغزو الفكري والثقافي الوهمي للغرب، وكأن عقيدة المسلم واهية كبيت العنكبوت، لا تقوى على وقايته من زلل الكفر، إذا هو أحب وتحاب، أو استمتع بالاحتفال بذكريات الحب الجميلة، وذلك تحت ذريعة "أنه لا حب إلا لله"، وكأن حب غير الله، يمنع حب الله.

فبأي حق ينكرون على عباد الله  مشاعر الحب والتحاب ؟ وبأي حق يكفرون من يحتفل بمشاعر الحب ؟ وهم يعلمون أن الإسلام ما جاء إلا لنشر المحبة بين الناس، وأن نبي المسلمين صلى الله عليه وسلم  أحب العجم و جعل من بلال بن رباح الحبشي مؤذنا و من بلاده مسرى لصحابته، وهل نسوا أو تناسوا أن لفظة "حب" ومشتقَّاتها وردت في القرآن أربعٍ وثمانين مرة للإخبار عن هذه العاطفة الإنسانية، كما جاء في قوله تعالى على سبيل المثال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)(آل عمران/31) وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم/96)، قوله تعالى : (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود/90)، وقوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج/14 ) وقوله جل وعلا لكليمه موسى: "وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي " طه39 .

فما الذي يمنع المسلمين من مشاركة العالم الذي نحن جزء منه، في الاحتفال بتلك المعاني الجميلة وذاك السلوك الإنساني الايجابي،  الذي يوحد الناس ولا يفرقهم، ويهذب طباعهم، ويرقق مشاعرهم، ويقيهم عن وحشية الكراهية وشرور الحقد، ويساهم في خلق الفرح والبهجة والسرور، ويبعدهم عن تشريعات المتطرفين المتصحرة وتستطيحاتهم للنصوص المسيئة لجوهر ما يعنيه الحب والاحتفال به، الذي لا يرفضه إلا من يرفض الحب نفسه، ويكره الفن والجمال وباقي القيم الإنسانية السامية، ويستهجن بأرق المشاعر التي تصيب الإنسان في حياته، والذي يعشق الحقد والكراهية وكل ما يفتح على البشرية أبواب المصائب والكوارث كلها، والتي لا يفلها إلا نقيضها "الحب" وحده، والذي الأصل فيه الإباحة لا التحريم، كرابط طبيعي عجيب ينمي بذور العطف والخير والشفقة في النفوس، ويعفي الناس من التملق والنفاق، والضيق بالمخطئين، ويجعل التسامح والود والوئام والتسامح والتواد والتضامن والتعاون والتآزر والتعاضد، كغاية كقصوى نزلت من اجلها كل الديانات السماوية وعلى رأسها الإسلام الذي لا يوجد دين آخر أكثر منه في حث بني البشر على التحاب والتواد والتآلف وإظهار عواطف المحبة  ونشرها وإفشائها على أوسع نطاق، مصداقا للحديث النبوي الشريف، "إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه" رواه أبو داوود والترمذي وهو صحيح، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تهادوا تحابوا » رواه البيهقي، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليبين له، فإنه خير في الألفة، و أبقى في المودة) السلسلة الصحيحة بسندٍ حسن، وذلك لأن إظهار المشاعر الطيبة، والعواطف النبيلة، وإشاعة السلام والتواد والتكافل بين الأفراد والجماعات ينمي قيمة الانتماء للآخرين والقبول بالعيش معهم بسلام ومحبة، ويحقق التماسك والاستقرار الاجتماعي وينشر التسامح، ويعمم خصلة الاهتمام بهموم الغير وظروفهم القاسية، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" .

وأختم بالحديث الشريف الذي يقسم فيه رسولنا ونبينا المحب المحبوب صلى الله عليه وسلم، على أنه لن يدخل الجنة غير المتحابين، حيث يقول: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا" رواه مسلم .

بالله عليكم فكيف تحرمون على الناس أن تحب بعضها وتحتفل بمظاهر تلك المشاعر، بعد كل هذه الأحاديث التي تدعو للحب و السلام و حسن الجوار و احترام اختلاف الناس في الأديان وفي الأفضلية التي ليست إلا بالتقوى، أم هي أحاديث ترددونها بينكم في المساجد، وتأتون بنقيضها، متنكرين لمضامينها، خارجها،  اتقوا الله في المسلمين، وفكروا قليلا قبل إلقاء التهم، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم، من خيرة المحبين المحبوبين...

ملاحظة، فأنا هنا حينما أدعو للاحتفال بعيد الحب، فإني لا اقصد التقليد الأعمى لكل مظاهر صرعات الموضة السائدة في زمن العولمة المقتصرة في هذه الاحتفالية على جزء من تلك العاطفة، بل أشترط أن نجعل لها من المظاهر ما يتوافق مع تطور الحياة والمجتمعات، وتتلاءم مع شريعتنا السمحة المقتدية بقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، التي تشمل جميع العلاقات الإنسانية الراقية بمفهومها الإنساني العام، حتى تعود الحميمية للحياة الاجتماعية بعد أن هربت منها لحمة التعاطف والمودة، وأصبحت الأنا هي السمة طاغية، حيث أصبح الكل يحب لنفسه كل ما يمكن أن يمنعه عن أخيه بحجة الشريعة وصونها.

 

حميد طولست

قبل الرابع عشر من شهر فبراير من كل عام وبعده، يكثر الجدل والنقاش الاجتماعي، يحتد الخلاف الفقهي حول  مناسبة عيد الحب، أو عيد العشاق، الذي تحتفل به الكثير من دول العالم المتحضر تقريبا، كما احتفلت به أقدم حضارات الأرض، وفي تواريخ ومواعيد مختلفة، من السومريين والبابليين، واليونيين، والعرب، الذين جعلوا من يوم 4 نونبر موعدا للاحتفال بهذا العيد القديم وغير المستحدث، كما يتصور الذين يقرنونه بقصة القديس "فلانتين"، الذي تعددت في الآونة الأخيرة، حوله الحكايات، والأقاويل والأساطير والفتاوى، كل الحدود، وفاقت كل التصورات، بين مؤيد ورافض، حيث يرى بعض من علماء الدين، أنه بدعة وتقليد، يُرحم على المسلم القيام بها، بحجج غير مقنعة وعلى رأسها التشبه بالغرب .

كم هو عجيب، ويدعوا للدهشة والاستغراب، أمر هؤلاء الذين يُحرمون على المسلمين المحبة، ويستهجنون مشاعر المودة والتآلف والتآخي  كسمة إنسانية فِطر الله عليها خلقه قبل أن يكتسب الصفات المُجتمعية التي تجعله عنيفا حاقدا متجهما عبوسا غليظ القلب، ليس في قلبه رأفة ولا رحمة، ويكره مد جسور والتآزر مع أمثاله، ويعوضونها بقذائف الدم وأسلحة الدمار التي تحول حياة العباد إلى جحيم..

فكيف لهذه العقول الضيقة والقلوب العنيفة، التي تعشق الظلام وتكره النور والزهور والورود، أن تتذوق لذة الحب، سواء في شقه المُطلق الشامل لكل مخلوقات الله التي تُشاركها الحياة، من إنسان وحيوان وطير ونبات وطبيعة، أو في شقه المتعلق بالمجال الرمانسي العاطفي، الذي يأتي على رأسه حب الرجل للمرأة، الذي جعله الله غريزيا بينهما، مند خلق الله آدم وحيداً وخلق له حواء التي لن يقدر على العيش بدونها ك"مُعين ونظير له" مصداقا لقوله " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

فكيف لهؤلاء الذين يقرنون الحب بالجنس الهمجي الفاحش، ويرفضون تعامل الذين الإسلامي الراقي مع ما يملأ جوانب النفس البشرية، من حب سامي مشبع بمعاني الانتماء الصادق، والولاء الخالص، والحرص الكامل على مد جسور المحبة والمودة، الحب الطبيعي المنفتح الراقي الذي لا مكان فيه للانفلات والانحلال والتنصل من المسؤوليات الأخلاقية او الحيثيات المنطقية.. كيف لهم أن يعرفوا حقيقة الحب النقي، لا ورب السماء، لن يدركوا مشاعر الجب السامية الرقيقة النبيلة التي تحول الإنسان من وحش شرس إلى ملاك خير ووديع، وتُطلق لسان العيي، وتفتح حيلة البليد، وتبعث على النظافة وتزين الملبس والمسكن، وتطييب المطعم، وتدعو الى البدل والعطاء، فتحول البخيل إلى جواد، والقطوب إلى طلق بشوش، والجبان إلى شجاع مقدام، والغليظ إلى طيب سمح، و الجاهل إلى لبق متأدب..

وأنى لهم أن يتمتعوا بتسامح وصفاء المحبين، الذي هيأها سبحانه وتعالى لعباده ليسعدوا في دنياهم ويفوزا في آخرتهم، ماداموا لا يؤمنون إلا بثقافة الموت والجهل، وبلغة الدم وأسلحة الدمار، ويسعون جاهدين إلى تحويل كل سُبل المحبة والسعادة إلى كراهية وتعاسة سوداء، بتطرفهم الشاذ الرافض لدعوات الله للمودة والمحبة بين البشر، والتي لم يحفل بها كتاب الله الكريم بالحديث عبثا، بل لغاية سامية، كما ورد فى قوله تعالى فى سورة المائدة آية 82 "لتجدنَ أشد الناس عداوةً للذين امنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدنَ أقربهم مودةً للذين أمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون" ص ق. وكما فى سورة الروم آية 21 قوله تعالى فى سورة هود آية 90 قوله تعالى "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ان ربي رحيم ودود" ص ق، أو كما جاء فى الآية 23 من سورة الشورى حيث قال تعالى "ذلك الذي يبشر الله عباده الذين امنوا وعملوا الصالحات قل لا أسالكم عليه اجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور" ص ق، وكما ورد فى الآية 7 من سورة الممتحنة قوله تعالى "عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ورحمة والله غفور رحيم" .وصدقت آيات الله الكريمة هته وغيرها كثير- والتي لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا- في كل ما جاء في كتابه المبين لإظهار قدرة المحبة على إنارة أرواح البشر وتخليصها من شرور الكراهية والبغضاء، وتذكره بإنسانيته وتميزه عن غيره من المخلوقات..

وحتى نخرج من ظروف العداوة ولغة الكراهية والموت القاسية، التى فُرضت علينا، في هذا الزمن المأزوم الذي يُصدق فيه الكاذب، ويُكذب فيه الصادق، ويُخون فيه الأمين، ويُؤتمن فيه الخائن، وحتى تسود عالمنا المحبة والتسامح والصفاء والوفاء والإخلاص كل القلوب، أدعوا الجميع أن يحبوا ..ويعشقوا..ويغنوا..ويرقصوا، في هذا اليوم، وفي كل أيام الله الجميلة، وليحضن بعضنا البعض برغبة قوية في خلق عالم جديد لا يعكر صفوه مطبلي الأنظمة الظلامية الفاسدة والعتيقة، الذين ربما تصغي قلوبهم يوما لغنائنا ورقصنا، فيتسلل الحب إلى مشاعرهم، فينير النور ظلام قلوبهم ويبطل مفعول قذائفهم إلى مزهريات ورد تحول أجواء حياتهم إلى جنة على الأرض..  لأن الحب هو ما يجعلنا نتشبث بالأمل وننتظر الغد المُشرق  دون أن نيأس أبدا ..

 

حميد طولست

ان افضل قياس لمعرفه اداء العمل الامني الحقيقي وقياس الانتاجيه للامن في العراق هو مراجعه الحوادث المهمه الارهاب والقتل والاغتيال والخطف التي وقعت للاعوام من (2006 لغايه 2016) ومقارنتها مع مامكتشف منها والاحكام الصادره بحق الاشخاص المقبوض عليهم وبالتالي يمكن قياس الاداء الامني المهني، وليس بالتصريحات التي كنا نشاهدها يوميا من قبل الناطقين الرسميين، نجد تزايدا ولا يوجد انحسارا للجريمة وعند مراجعة للوثائق الصادرة من الداخلية لم نجد مايشيرالى اية دراسة ميدانية اونظرية مدونة لتحديد المشكلات التي تسبب في الميل إلى الانحراف والجريمة، او جدول سنوي يحاسب الادارات التي اخفقت بالاداء، او ندوة اواجتماع بشان الحد من الجريمة وقرارات مدونه وواجبة التنفيذ، هناك فقط قدرة بالثرثرة واللغو بالكلام، بل كانت هناك مزيدا من الاجراءات العسكرية للمدن (اسلاك شائكة وصبات وسيطرات) واصبحت مدننا (ثكنات عسكرية بائسة) بعيدة كل البعد عن الاجراءات الامنية المتبعة في العالم، او في دول الجوار على الاقل، او حتى في اقليم كردستان، والتي اصبحت مثار تندر يومي للمارة، هذه العقلية التي تدير الامن بطريقة مضحكة اصبحت صاحبة القرارومقربة من المسؤول الضعيف الذي يتم تخويفة والاستخفاف به، هذا جزء من العشوائية بمنع الجريمه، ان منع الجريمة علم ومهارات تكتسب بالممارسة، وليس (بزيادة عدد الجنرلات ومنح رتب الكوترة).

تتمثل المهمة الرئيسية لاجهزة الامن الداخلي بكافة العالم في امرين رئيسين:

الأول الأسلوب الوقائي والذي يستهدف منع الجريمة قبل وقوعها من خلال بعض اإجراءات الشرطة التقليدية والتي تؤدي بالضرورة إلى التقليل من وقوع الجرائم نتيجة لتضييق الفرص أمام المجرمين، وتركز الوقاية من الجريمة على اتجاهين رئيسيين يتناول الاتجاه الأول الوقاية الاجتماعية التي ترتكز على الخطط والبرامج التي توضع وتنفذ من قبل السلطات والهيئات المختصة بهدف تحييد دور العوامل المؤدية إلى الجريمة، أما الاتجاه الثاني فيضمن الوقاية الموقفية التي ترتكز على التدابير والبرامج التي تهدف إلى اضعاف قدرة المجرم على ارتكاب الجريمة وتقليل فرصة ارتابها فالمجتمع هو المسؤول الأول عن العوامل التي تقف وراء ظهور الجريمة ولذلك تقع عليه مسؤولية القيام بمهام الوقاية من الجريمة من خلال تدخل الأفراد والمؤسسات الأهلية المعنية بالعمل الوقائي إلى جانب الدولة في اطار تضافر الجهود الأهلية والحكومية لمواجهة الجريمة من خلال عمل جماعي منظم وفق برامج وتدابير وقائية للحيلولة دون وقوع الفعل الاجرام لدعم جهود الوقاية من الجريمة وتتمثل الاتجاهات الحديثة للوقاية من الجريمة في ثلاثة محاور مترابطة يجب تنفيذها معاً في آن واحد حيث يهدف المحور الأول إلى الوقاية من الجريمة من خلال تصميم البيئة وتغييرها بالشكل الذي يسهم في تقليل فرص ارتكابها من قبل المجرمين في حين يهدف المحور الثاني إلى اتخاذ تدابير فعالة لحماية ضحايا الجريمة المحتملين من خلال التوعية والتعليم بهدف تغيير سلوكهم وحثهم على أخذ الاحتياطات اللازمة لحماية أنفسهم ضد الاعتداء أما المحور الثالث فيهدف إلى اجراء تغييرات مجتمعية جذرية تسعى إلى الحيلولة دون توفر الأسباب والظروف التي تقف وراء الجريمة من خلال مشاركة الأهالي والمؤسسات الاجتماعية المختلفة.

الثاني اذا ما فشل الدور الوقائي يصبح من الضروري بقيام اجهزة الامن بالكشف عن الجريمة لمعاينة الجريمة وكشف جوانبها ومعرفة الفاعلين، ثم البحث عنهم والتحقيق معهم ومواجهتهم بالادلة واحالتهم للقضاء لتحديد العقوبة على افعالهم، تحقيقا لمبدا الردع العام والردع الخاص.

بما ان أجهزة الأمن الداخلي باعتبارها القوامة على كفالة الأمن والاستقرار، ومواجهة الجريمة ومتابعة تطوراتها، وان اي تطبيقات للامن تكون فاشلة ما لم يتبنى خطة للعمل وتكون مستندة إلى نظرية تقوم عليها سياسته، ثم إلى بحوث مستمرة لتطوير هذه النظرية حتى تساير المجتمع واحتياجاته في الأمن والاستقرار، وهذه النظرية الفلسفية هي القاعدة أو الدعامة التي ترتكز عليها الخطة، ولا سبيل إلى قيام تخطيط سليم مالم يستند إلى رؤية واضحة، والذي نستقرئه من الواقع اليومي الميداني في العراق هي اجراءات ارتجالية لا تستند لاي اساس او دليل عمل واضح المعالم والعشوائية بالعمل هي السائدة بالاداء، ابتداء من الشارع والفوضى العارمة الى الموسسات الشرطوية المهملة والتي لم يتم تحديثها لكي تتوائم مع ابسط التطور مع الدول المجاورة الى بلدنا، والتعددية بتوزيع مهام الامن بين الجيش والشرطة والامن الوطني وووووالعمليات، لا يبعث على الطمئنة والتي لا يسودها التنسيق، او اي فهم للامن الداخلي، من غير المعقول ان ضباط برتب كبيرة امضوا اربعة قرون بالمتخصص بالمجال العسكري يعرف عن الدبابة او المدفعية او الصواريخ او كيفية التدريب العسكري، لا يمكن له ان يحقق الامن الداخلي، لاختلاف المهام الامنية، ولهذا اقحمت شوارعنا بالاسلاك الشائكة والصبات هذه هي المعرفة التي يمكن ان يحققها هذا القائد، ولهذا مضت اكثر من ثلاثة عشر سنة وتراجع الامن في بلدنا بسبب اناطة الجيش لمهام الامن الداخلي، نحن نعيش العشوائية بالقرارات الامنية التي هي بعيدة كل البعد عن الامن الداخلي، بالوقت الذي ينتهج الامن بالدول المجاورة لنا بالتخطيط اصبح من سمات العصر الحديث بل لا نغالي إذا قلنا انه قاسما مشتركا في سائر شئون حياتنا سواء الخاصة أو العامة ومتى كان ذلك،فان التخطيط يكون واجبا من باب أولى بالنسبة للأجهزة التي تضطلع بمهام وطنية وتفرض عليها ظروف وطبيعية عملها وضع خطط تكفل لها النهوض بمسئولياتها ومواجهة مخاطرها وتحدياتها، ويمكن القول إن الاتجاهات الحديثة في الوقاية من الجريمة ترتكز على عدد من الأسس التي يمكن تلخيصها بالنصائح ادناة التي لم تتبع من المسؤولين الذين تقع مسؤوليتهم بادارة الامن الداخلي العراقي :‏

  • ضرورة التحول نحو التخطيط والبرمجة: حيث يتم وضع السياسات العامة المتعلقة بالوقاية من الجريمة من قبل السلطة السياسية العليا في الدولة ويترك أمر تنفيذها إلى أجهزة مختصة يضطلع كل منها بوضع وتنفيذ الخطط والبرامج التي تنبثق عن هذه السياسات في إطار نوع من العمل المتكامل حيث تتضمن هذه السياسات تصوراً عاماً للأهداف الأمنية الواجب تحقيقها في المجتمع والوسائل المؤدية لها.‏
  • ايجاد اليات تنسيق للاجهزة لصالح العملية الوقائية: وهذا يفترض ايجاد جهاز فني متخصص يتولى تنسيق جهود جميع الأجهزة المعنية بعمليات الوقاية من الجريمة لأن تفرد كل من هذه الأجهزة في عمله وابتعاده عن التنسيق مع الأجهزة الأخرى من شأنه أن يؤدي إلى ضياع الجهود أو تناقضها في بعض الأحيان كان يكون تنسيق العمل المناطقي بين دوريات النجدة والاستخبارات الجنائية والامن الوطني واية جهة اخرى.
  • اعداد العنصرالبشري للعملية الوقائية: فالعنصر البشري هو العنصر الأساس في نجاح عمليات الوقاية من الجريمة ولذا فإنه من الواجب الاهتمام بتدريب وتأهيل الكوادر القادرة على تخطيط وتنفيذ برامج الوقاية من الجريمة مع التركيز على الجوانب النفسية للجهاز البشري العامل في مجال الوقاية من الجريمة
  • وفي ظل متغيرات الواقع الحالي، والتي افرزت انواعا غير تقليدية من التهديدات، باتت هناك ضرورة لتبني وسائل وتكتيكات تدريبية وسياسات امنية من شانها زيادة فاعلية اجهزة الامن الداخلي المختلفة، واصبح مسالة بناء افراد الامن مهنيا وتدريبا وثقافيا امرا ضروريا، لكي يتعامل مع بيئة التهديدات،
  • التوجه نحو التجهيز الفني والتقني للعملية الوقائية: أن الشرطة باعتبارها أول جهاز في الدولة لمنع الجريمة لم يكن في وسعها أن تظل بعيدة عن التطور العلمي في كيفية مكافحة الجريمة والوقاية منها، وخاصة مع التقدم التقني الكبير الذي طال جميع المجالات الأمر الذي أتاح للجهات المختصة الاستفادة من تقنيات الاتصال وتقنيات الحاسب الآلي في أدائها لعملها.
  • التوجه نحو البحث العلمي في المجال الجنائي: فالبحوث العلمية المتعلقة بالظاهرة الاجرامية تساعد على الإلمام بطبيعة هذه الظاهرة وتمكن الجهات المختصة من الوقوف على أسبابها وعواملها من أجل معالجتها والوقاية منها بناء على خطط وقائية مدروسة مبنية على حقائق ومعطيات واقعية.
  • استثمار بعض من الموازنة المالية خاصة بالوقاية: حيث يحتاج وضع وتنفيذ السياسة الوقائية من الجريمة إلى موازنة ثابتة تمكن الجهات المختصة من الاستمرار بالعمل مع مراعاة كفاية هذه الموازنة لتنفيذ ما يوضع من برامج بالشكل الصحيح نشرت قناة السومرية احصاءات بعدد العاملين في مجال الامن العراقي، خصصت الحكومة من موازنة 2017 مبلغ 22ترليون والذي يشكل اكثر من 22% من الموازنة، التخصيص المالي (5.6 تريليون)عدد العاملين بالدفاع 292372، التخصيص المالي (10.2 تريليون) عدد العاملين الداخلية594991، التخصيص المالي (1.4تريليون) عدد العاملين الامن الوطني 9435، التخصيص المالي (800 مليار) عدد العاملين جهاز مكافحة الارهاب 12000.

وخلاصة القول ان الوقاية تعتمد على تدابير واجراءات وانشطة ومجهودات مجتمعية متكاملة لمواجهة الجريمة قبل حدوثها يرسمها مختصون، وليس اشخاص يعيش بعقلية القيادة الفردية تستلهم حاضرها من القرون الوسطى كحفر الخنادق والاحاطة بالقلاع، ويقتدي بنموذج الشيخ، أو الزعيم، اوالنماذج التي يعيش أفرادها تحت عباءة الشيخ، أو تحت قميص الزعيم، والفوضى التي تحدثها بطانتهم من اقارب وقبيلة وطائفة ومدينة وولائات حزبية ضيقة ورائها مصالح ومنافع، ابعدوهم فانهم اتخموا بالاخطاء، هم والساسة اوصلوا البلد لما نحن فيه .

 

 

"لقد تربيتُ على يد والدين كانا أميين. يُمكن للمدرسة أن تُعلم تلاميذَها لكن لا يمكنها أن تُربيهم لأنه ليس لها الوسائل و لا غايتُها ذلك. إن الغايةَ من التربية شأنُ الأُسَرِ". ساراماغو.

لقد نالت إعجابي هذه الإلماعة للكاتب البرتغالي خوسي ساراماغو الذي مُنح جائزة نوبل للآداب سنة 1998. إنه لأمرٌ ذو بالٍ أن يشير أحد المبرزين في عالم الأدب إلى أمية والديه، لأنه ينزع عن التعليم الأهمية و يُضفيها على ما له قيمة حقيقية، أي تلكم التربية التي تلقاها من طرف أسرته و ما منحه ذلك من قوة لكي يصل إلى ما كان قد وصل إليه. بخصوص هذه النقطة هناك جملة كذلك للفكاهي الأرجنتيني الكبير كِينُو و التي تقول: "أن تُربي أصعبُ من أن تُعلم، لأنه كي تُعلم تحتاج إلى أن تعرفَ أما كي تُربي فتحتاج إلى أن تكونَ".

لقد بات أمرا واقعيا إحباطُ الكثير من الآباء عندما يجلب أبناؤهم واجباتٍ منزليةً إذ هم لا يستطيعون مساعدتهم في إيجاد حل لها بحيث لا يمتلكون المعرفة الكافية للقيام بذلك. أمام هذا الوضع يحتجون ضد الواجبات المنزلية و يطالبون المدرسين و السلطات بتدبير الزمن المدرسي جيدا كي يتمكن أبناؤهم من فهم كل ما هو ضروري في ذاك الزمن و لا يأخذوا تلك الواجبات معهم إلى المنزل. غير أن المقررات الدراسية كثيفة و الزمن المدرسي غيرُ كافٍ من أجل تعميق النظر في المواضيع و إلا لن يتم استياؤُها كلُّها.

إن واجبا منزليا معقلنا يجب أن يأخذ في الحُسبان التدريبَ على المواضيع المطروقة في القسم كي يتكمن التلميذ من استدخالها و يُحولها إلى تعلم فعلي. لكن يجب أن تكون مواضيع معالجة في القسم و مفهومة من طرف المتعلمين لكي لا ترغم الآباء  على أن يصبحوا مدرسين خصوصيين لأبنائهم.

الجدلُ حول الواجبات المدرسية المنزلية قديم قِدَمَ المدرسة نفسها. و ليست هناك علاقة كبيرة له بالأهلية الأكاديمية للآباء و إنما بتصورهم للتربية و أولويتها في المحيط الأسري. لم تكن للآباء قديما أهلية أكاديمية ذات بال من أجل مساعدة أبنائهم، و كما يحدث في حالة ساراماغو، فقد كان هناك الكثير من الأميين دون أن يمنعهم ذلك من مساعدتهم فاستطاعوا في حالات كثيرة أن يجعلوا من أبنائهم راشدين ناجحين.

في يومنا هذا نجد أن الآباء باتوا يتوفرون على أهلية، يوما بعد يوم، لكن نراهم منشغلينَ كثيرا في ذات الآن. لهذا تعاظم أمرُ رفضِ الواجبات المنزلية تدريجيا متذرعين بغياب الوقت لكي يشرفوا عليها كما يفضلون كذلك أن يستريح أبناؤهم أو يقوموا بأنشطة مسلية أكثر، شاحنين إياهم، في غالبية الحالات، بأنشطة خارج مدرسية لا تعدوا كونها في بعض الأحيان شكلا من أشكال التملص من مسؤولية رعايتهم شخصيا.

إن هذا الهوسَ الما بعد حداثي المُبْعِدَ للأبناء عن بذل الجهد و الإحساس بالألم أو الحرمان ما فتئ يسبب لهم ضرراً كبيرا جدا بادية عواقبُه للعيان مع تلاميذ غير ناضجين و غير قادرين على مواجهة المشاكل مُقرِّينَ بالهزيمة بسهولة أو مُتخليين عن كل ما يستدعي منهم شحذ الإرادة التي لم يسمحوا لهم أبدًا بتشييدها.

لا يجب على الواجبات المنزلية، باعتبارها تكملةً لعمل المدرسة، أن تأخذ حيزا كبيرا من زمن التلاميذ لأنه فِعلا يجب كذلك أن يرتاحوا و يُغيروا النشاط، لكن إذا ما تم القيام بها على أحسن وجه ستكون فرصةً ملائمة لغرس سلسلة من العادات في الأبناء كالنظام و الانضباط و العمل علاوةً على أنها تسمح لهم بالتدرب على قوة الإرادة كما المسؤولية.

إن الواجباتِ المنزليةَ مناسبةٌ رائعةٌ كذلك كي يطلع الآباء على تقدم أبنائهم في المدرسة. إنها النبضُ الذي يخبرهم عن عدة أشياء و عن طريقة تربيتهم كذلك. إن لم يُكلَّف بها الأبناء فقلَّما سيكون بمقدورهم معرفة كيف يسيرون، كيف يكتبون، كيف يقرؤون و سؤالهم في غضون ذلك عن مُعلميهم، رفاقهم و أشياء أخرى. و هكذا فإنه بينما يستمعون إليهم يستطيعون تأسيس حوار جميل سيمتد على طول حياتهم لا محالة.

إن عملَ المدرسةِ الرئيسَ يتمثل في التعليم لأنها الفضاء الذي سيتعلم فيه الطفلُ لكن مهمة التربية تعود إلى الأسرة و عليه فإنه لا يهم أن يكون الآباء مثقفين أو لا ما دام عملهم ليس تعليمهم و إنما تشجيعهم و استغلال الواجبات المدرسية المنزلية لتدعيمهم و غرس السلوكات الحسنة فيهم و جعلهم يحبون الدراسة لأنه في نهاية المطاف هذا التكوين هو ما سينفعهم أكثر في باقي حياتهم.

كي نتعلم ستكون هناك فرصة دائما. تُعجبني جملة الفيلسوف الإسباني جورج سانطايانا التي تقول: "طفلٌ مُربى في المدرسة فقط هو طفلٌ بدون تربيةٍ".

 

بقلم: بِّيتْرَا يَّامَاسْ غَارْثِيَّا: مديرة المراقبة المدرسية بولاية بْوِيبْلَا بدولة المكسيك. و قد نُشِرَ هذا المقالُ في مدونتها على الشبكة العنكبوتية بتاريخ 19 يوليوز من سنة 2013.

 

ترجمة: الدكتور لحسن الكيري

كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء -المغرب.

 

 

 

 

هناك عدة تراكمات تاريخية، ساهمت في بلورة وتكوين الوعي الجمعي للمجتمع العراقي، وتحديد اتجاه بوصلته، في ما يخص تعاطيه مع الانتخابات .. أي الممارسة الديمقراطية التي تمكنه من اختيار ممثليه في مجلس النواب، الذي ينبثق من خلاله شكل وطبيعة الحكومة التي ستأخذ على عاتقها إدارة شؤون البلاد، وفق نظام سياسي برلماني، حدد معالمه وأطره الدستور العراقي الذي كتب بعد عام 2003 .. والذي يعد جزء فعال من المشكلة العراقية المزمنة، وذلك لضبابيته، وغياب القوانين والآليات التي تحدد عمل الكثير من فقراته.. ويمكن حصر هذه التراكمات كنتاج لعدة عوامل تاريخية، ضمن مجموعة من المسارات الثابتة، التي يشكل بعضها جزء لا يتجزأ من طبيعة الشخصية العراقية وتكوينها  الفطري والسيكولوجي والسلوكي.. تتحد هذه العوامل مع بعضها بطريقة عفوية ذات نزعة ميكافيلية، لحظة مواجهة الناخب العراقي لصندوق الانتخابات، فتتحول إفرازات هذه العوامل في اللاوعي إلى تبريرات منطقية، جعلت منه أداة لوصول الكثير من الفاسدين والطارئين على العمل السياسي، لسدة الحكم في عراق ما بعد التغيير.

شكل العراق منذ الفتح الإسلامي له سنة 15هجرية، بؤرة توتر كبيرة، ومسرحا لأغلب الصراعات الطائفية والسياسية التي شهدها التاريخ الإسلامي، بدءا بواقعة الجمل وصفين وحرب الخوارج وثورة الإمام الحسين (ع)، التي كانت نقطة الشروع والتأصيل لمبدأ الثورة على السلطة الجائرة، فتلت هذه الثورة عدة حركات سياسية ذات طابع عسكري، أخذت بعدا طائفيا، كان احقاق العدل، والأخذ بثار الحسين (ع) ابرز شعاراتها المعلنة، كحركة زيد بن علي، والثورة العباسية على الحكم الأموي، ومن ثم حركة محمد النفس الزكية على ابو جعفر المنصور، وهكذا توالت الانتفاضات والحركات العسكرية ضد السلطة الحاكمة، مما جعل العراق بيئة خصبة لعمليات شد وجذب طائفية وسياسية، ومصدرا ثرا لنشوء ونمو الكثير من الفرق والطوائف والحركات الفكرية الاسلامية المتقاطعة فيما بينها، وقد افرز هذا الحراك الديني والسياسي والاجتماعي إلى ان يصبح مركزا استقطاب للتشيع بأغلب أشكاله وتفرعاته، كحركة يسارية  إسلامية، مما جعل السلطة على امتداد التاريخ الإسلامي تنظر إلى اغلب سكان العراق بعين الريبة والتوجس، خلقت هذه النظرة نمطية سياسية مورست ضد هذه الأغلبية فيه،  أخذت إشكالا عدة، كان إطارها العام هو التهميش والإقصاء والتضييق، تحولت هذه السياسة المتوارثة إلى صيغة ممنهجة ومدروسة في عهد الاحتلال العثماني سنة 1532 ميلادي ، حين مارس ما يعرف (بالطائفية السياسية) ضد هذه الأغلبية وعمل على تأسيس لمنظومة اجتماعية وسياسية تصدرت المشهد السياسي العراقي، ناتجة عن تمييز طائفي وطبقي بين أبناء الشعب العراقي .. وقد أورد السياسي كامل الجادرجي في كتابة من أوراق كامل الجادرجي ما نصه (ان الطائفة الشيعية تعد في زمن الدولة العثمانية اقلية ينظر إليها بعين العداء فلم تكن يقبل لهم تلميذ في مدارسها الحربية، ولا إي وظيفة حكومية وحتى المدارس الإعدادية كانت يمنع أبناء هذه الطائفة من دخولها).. ويذكر عبد الكريم الازري في كتابه مشكلة الحكم في العراق.. (أن فتاح باشا قد تحول من المذهب الشيعي الى المذهب السني، لأنه أراد إدخال ابنه المدرسة الرشدية ومن ثم ادخاله للمدرسة الحربية العثمانية، والتي كانت محرمة على الشيعة).. وقد رُسخ هذا المفهوم بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914 حين تبنى المحتل البرجوازيات العراقية التي صنعتها الدولة العثمانية،  لتتصدر المشهد السياسي في أول حكومة عراقية وطنية عام 1921.. بعد ان اصبح فيصل الاول ملكا على العراق، وبذلك أسست بريطانيا  لنظام سياسي مشوه المعالم وغير مستقر .. كان الشيعة العرب أول المبعدين عنه، ثمنا دفعوه لقيامهم بثورة العشرين، حتى نعتهم احد اهم مٌنظري القومية العربية ساطع الحصري (بالغجر) .. ويذكر الدكتور علي الوردي في لمحاته ، أن  البيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني، حين غادر العراق عائدا إلى بريطانيا بسبب فشله في إخماد ثورة العشرين، كان على رأس مودعيه السياسي العراقي مزاحم الباججي، وقد طلب منه نقل سلامه الى الملك جورج الخامس، وان يخبره بان من قاتلوهم في الوسط والجنوب، ليسوا عراقيين ولا عرب بل عجم .. وقد انعكس هذا التوجه على سلوك والمزاج العام للحكومة الناشئة آنذاك في تعاطيها مع هذه الأغلبية .. فيذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في كتابه (تاريخ الوزارات) مذكرة للملك فيصل الأول، موجهة إلى الحكومة والنخب السياسية، تبين ازمة الهوية والانتماء التي كان يعانيها الشيعة العرب آنذاك ، وتشير الى عمق الفجوة الطائفية المتوارية بين ابناء العراق، يقول فيها .. (أن العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسَسَة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً.. وأكثرية شيعية،  وإن الاضطهادات كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم، وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين .. ويخاطب الملك النخبة السياسية قائلاً .. أخشى أن أتهم بالمبالغة، لكنه من واجبي أن لا أدع شيئاً يخامرني، خاصة لعلمي بأنه سوف لا يقرأ هذا إلا نفر قليل، ممن يعلمون واجباتهم ومسؤولياتهم، ولا أرغب أن أبرر موقف الأكثرية الجاهلة من الشيعة، وأنقل ما سمعته ألوف المرات، وسمعه غيري من الذين يلقون في أذهان أولئك المساكين البسطاء من الأقوال التي تهيجهم، وتثير ضغائنهم، إن الضرائب على  الشيعي، والموت على الشيعي، والمناصب للسني، ماالذي للشيعي؟

حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها، ويضربون الأمثلة على ذلك، مما لا لزوم لذكره) انتهى كلام الملك فيصل الاول.

وقد سُحب هذا الإجراء على جميع الحكومات العراقية التي قادت العراق حتى دخول أميركا محتلة له عام 2003.. ففي كتاب (على الله أن لا يخلق ثلاث، الفرس واليهود والذباب) لخير الله طلفاح ، يقول، (بان الشيعة ليسوا عرب ولا عراقيين) .. وقد شارك الشيعة العرب هذه المحنة شركائهم في الوطن وهم الأكراد، وبالأخص في الأربعين سنة التي تسلم  فيها البعث زمام السلطة في العراق .. حيث تحول الجزء الأكبر منهم إلى حطب لمغامرات النظام السابق  العسكرية وحروبه العبثية، واتسمت هذه الفترة بالرعب والإعدامات والتغييب في السجون والمقابر الجماعية وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات، والظلم والاضطهاد والتغييب القسري لهاذين المكونيين عن مراكز السلطة في العراق إلا ما ندر.. وقد اتضح هذا النهج جليا في سبعة مقالات لرئيس النظام السابق نشرت في جريدة الثورة بعد انتفاضة اذار عام 1991، هاجم فيها الشيعة العرب والأكراد بقسوة، واتهم الشيعة العرب في العراق بانهم ليسوا عرب ولا عراقيين، بل هم هنود استقدمهم الحجاج بن يوسف الثقفي حين كان واليا على المشرق الإسلامي، لتغيير الواقع الديموغرافي في العراق آنذاك، ونعتهم (بأهل الجريبات) في محاولة للانتقاص منهم .. كل هذه التراكمات التاريخية،  قد وجدت لها مكان في الوعي الجمعي العراقي، وأطلت برأسها  بعد 9-4-2003 ونتج عنها صراع حقيقي بين طوائف الشعب العراقي وقومياته على السلطة، وفق رؤية ضبابية لازمت الإنسان العراقي،  اتجاه مفهومي الوطن والوطنية، فغاب وغيب الوعي الوطني بمفهومه العام، وبرزت أزمة هوية كبيرة، واضطر الفرد العراقي للجوء إلى الهويات الفرعية (الهوية  الطائفية والهوية القومية والهوية القبلية) كحالة تعويضية، وتحويلهن إلى خندق يتمترس به اتجاه الآخر شريكه في الوطن.. وقد انعكس هذا التوجه بصورة واضحة في جميع الدورات الانتخابية، حين حل الوعي الطائفي والاثني والعرقي والقبلي، محل الوعي الوطني المسئول اتجاه العراق ومستقبله، فاغلب الشيعة العرب انطلقوا في اختيار مرشحيهم من عقدة تاريخية مثقلة بالظلم والإقصاء والتهميش، وحماسة دينية ذات بعد طائفي، حين تصوروا إن ما مطروح على الساحة السياسية الشيعية، من أحزاب وحركات،  هو الوسيلة الناجعة لتشبث الشيعة بالسلطة، بعد قرون من الإقصاء والتهميش، وفرصة تاريخية قد لا تتكرر، لممارسة طقوسهم الدينية بحرية، بعد منعوا من أدائها لعقود طويلة، وهذا ما فعله الأكراد أيضا، حين صوتوا لدعاة الاستقلال، والوطن المنشود،  فكان السلوك الانتخابي للشيعة والأكراد نابع عن خوف كبير من عقدة تاريخية هي، العودة إلى الماضي، وأما سنة العراق الذين انتهجوا نفس السلوك الانتخابي الطائفي، لخوفهم من المستقبل، وان ينتج هذا التبادل القسري في الأدوار، فيما يخص حكم العراق، مسلسل تهميش وإقصاء آخر سيكونون هم ضحيته هذه المرة، وكذلك لوجود قناعة راسخة لطيف واسع منهم، بأحقيتهم في حكم العراق كإرث تاريخي، وكامتداد لنمطية سياسية واثنيه تسود معظم المحيط العربي والإقليمي.. لذا وبعد كل ما تقدم فأن عقدة التاريخ، ستبقى هي المشكلة الأكبر في تحديد بوصلة الناخب العراقي، وسلوكه وتعاطيه مع الآخر، وعامل مهم في تبلور وعيه الانتخابي، المؤثر الفاعل على مستقبل العراق.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

المعرفة من حق الجميع ولكن باصولها وفروعها فليس من المنطق ان يمارس المهندس مهنة الطب او يناقش طبيب في مهنته ، اما انه يستفسر فله الحق في ذلك .

في كثير من مناقشات واراء السيد القمني مع مخالفيه ياخذ يمينا وشمالا فتارة يجانب الحق واخرى يكون في كبد الحقيقة والمشترك بينهما انه في بعض الاحيان يخونه تعبيره بحيث يقول ما لا يقصد اثارة الطرف الاخر في المسائل الخلافية.

الدكتور القمني نعم التاريخ الاسلامي فيه محطات ظلامية يحاول البعض جعلها بيضاء بل حتى مقدسة ، ومنها مثلا مسالة ما تسمى بالفتوحات الاسلامية فانها ليس اسلامية بل استيطانية .

واما ما يتعلق بالنصوص النبوية فليس من حقك التهجم او النقد على اي نص حتى وان كان ضعيفا ، فالاولى بك قراءة ما يفتي به المشايخ وعلى ضوء ذلك تستطيع الانتقاد او الاستفسار، وحتى الانتقاد دائما يكون ممن هو ضليع في هذا العلم فيكون نقده سليم، اما انه يجهل علوم الدراسات الاسلامية (فقه ، حديث، تفسير، كلام، اخلاق ، عقائد، وغيرها) فيجنح كثيرا الى الخلط بينها فتكون عباراته هجينة تثير حفيظة الاخر الذي سرعان ما يطلق العنان للسانه ليكفر الدكتور وهذا ايضا غير صحيح.

القران لكل العصور زمانا ومكانا، ومفهومك يا سيد القمني غير صحيح بجعله بالتبعيض ، واما استشهادك بملك اليمين والجواري فانه استشهاد مردود عليك .

وللتوضيح في كل زمان ومكان ، ففيهما كل العلوم التاريخ والسياسة والاقتصاد واللغة والتشريع وغيرها وكل هذه العلوم في القران ، فلو استخدمت اية لظرف معين هل يعني ان الايات الاخرى لا تصح ؟ هنا بدا الخلط لديك يا سيد القمني، واما مسالة الجواري وملك اليمين فهو تاريخ في زمن الجاهلة قبل الاسلام وجاء الاسلام بالتدريج لكي ينظم هذه العملية مع الحث على الغائها وكم من رواية تحث المسلمين على تحرير العبيد وحتى ان بعض انتهاكات المسلم للواجبات الالهية يكون جزاؤها عتق رقبة اي تحرير عبيد ، وانظر الى النبي واهل بيته وكثير من الصحابة هل ملكوا العشرات باليمين من الجواري ؟ ام تراهم حرروا العشرات من الجواري، الامام علي عليه السلام كان يحفر الابار وباجوره يحرر العبيد .

فلو لم يذكر هذه الحقبة التاريخية القران الكريم لاصبح فيه نقص تستطيع انت ان تتمسك بهذه النقطة للنقد .

لان التفسير هو علم كائن بذاته ولان القران فيه المتشابه والمحكم ، وهذا المتشابه هو لكثرة مصاديق الايات القرانية من حيث احداث العصر فيؤخذ منها فكرة الاية لتصبح اس التشريع ، ولكي اقرب المعنى لجنابكم على سبيل المثال لا الحصر، الاية " إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" الاية تتحدث عن حدث تاريخي نزلت بسببه الاية ، فهل يعني انها خاصة بالتاريخ ؟ كلا ، بل فيها امور نعتمدها في حياتنا اليوم منها مثلا ، ليس كل ما ياتي به الفاسق هو كذب ، بل يجب التبين منه فلربما يكون صحيح، عدم التبين يؤدي الى اصابة المجتمع بجهالة فلربما نصدقه فنصيب القوم بجهالة ، ولربما نكذبه ونباه صحيح فنصيب القوم بجهالة ايضا، وهذا بعينه ينطبق على الوسائل الاعلامية فمنها وسائل مشهورة بالكذب ولكن لا يصح تكذيب كل ما تبثه فلربما فيها الصحيح .

احد اساليب تفسير القران انه يفسر بعضه بعضا، فاقتطاع اية وتفسيرها بمعزل عن ايات اخرى يجعل المفاهيم خاطئة عند السيد القمني ، ففي الوقت الذي تحث بعض الايات على قتال المشركين المعتدين هنالك ايات تؤكد على احترام دين الاخرين بل خطاب الاية يكون للناس والقوم وليس حصرا بالمسلمين ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" الخطاب للناس وليس للمسلمين، قال النبي (ص): دعوة المظلوم مستجابة، وإن كانت من فاجر محوب على نفسه (أمالي الطوسي 1/317)، لاحظ اخلاق رسول الله وتعاليمه للبشرية ؟

واما الخلاف بخصوص المرتد فهل تعتقد من يرتد عن الاسلام في قلبه ولا يلتزم بالشرائع الاسلامية انه يقتل ؟ كلا بل الارتداد هو المصحوب بالعمل وانتهاك معتقدات المسلمين وجحودها ، الجحود هو تيقنها وانكارها، ولتقريب الصورة لك يا سيد القمني، انت تزوجت وكونت اسرتك بارادتك فلو كان هنالك من له راي سلبي في اختيارك لزوجتك ووقف امامك وقال لك ان زوجتك كذا وكذا فهل ستسكت لتقول انه يعبر عن وجهة نظره ام تعتبره تجاوز على خصوصياتك بل وتعتبره تجاوز على ايمانك بما اقدمت عليه وانت مقتنع ؟

اقول فمن لا يؤمن فله ما يريد ولكن التشهير والتجهير والقذف بالكلمات النابية لمعتقدات المسلمين فانه لا يسكت عليه، ومن خلال مطالعتي لما امكنني منه من كتب التاريخ لم يثبت لدي ان النبي محمد (ص) قتل مرتد .

واخيرا ارجو التفريق بين الخطاب المذهبي الاسلامي والخطاب الاسلامي

 

سامي جواد كاظم

 

بالرغم من التعاريف المتعددة والمختلفة للثقافة إلا أن الجميع يتفق على إن الثقافة بمفهومها الواسع تستند إلى العلوم المتعددة والآداب ومختلف العلوم الإنسانية والتجربة التاريخية المستمدة من حياة الشعوب.

من هنا فأن حماية مؤسسات التنمية الثقافية ضرورة وحاجة ملحة لاستنهاض الوعي الاجتماعي وبناء الانسان في المجتمع وفي تحطيم قيود الفقر والتخلف التي تقيد معصميه وتشل قواه، توجيه العلم وتطويره والاعتماد على التقنية الحديثة ووسائل الإنتاج تقضي على  الازدواجية بين الحداثة والتقليد والمدينة والريف، ومسؤولية الدولة ان تقوم بواجباتها نحو الثقافة والمثقف وان تدعمهما مادياً و معنوياً و تعمل على الحماية والمحافظة على الحريات وصيانتها وتعزيزها بالقوانين وان تنسق بين كافة المؤسسات المعنية بالتربية والتعليم والاعلام والفنون لانها احدها تكمل الاخر و صيانة للتراث الثقافي في وجه عمليات التغريب والتشويه . 

لا يمكن إنكار دور الثقافة والمثقفين، في بناء وتطوير الوعي العام للمجتمعات، لكن في نفس الوقت، لا يجب تحميلهم أكثر مما يحتملون، حيث أن الجهود الرامية إلى التقدم، هي جهود جماعية، يحمل مسؤوليتها المثقف، والسياسي، والاقتصادي، إضافة إلى العمال، وأرباب العمل،اي كل فئات المجتمع  كما لا يمكن الفصل بين النهضة الثقافية، والنهضة الأخلاقية، والاقتصادية، إضافة إلى الجوانب العسكرية، والاجتماعية، بل تعتبر الثقافة، محصلةً لكل ألاوجه تلك، لكن لا يمكن اعتبارها مقياساً مستقلاً للتقدم، أو التحضر، حيث أنها في حال تقهقر الأمة في المجالات الباقية، لا تعدو كونها انتاجات فريدة، ينسبها المجتمع إلى نفسه، ليتمكن من التصالح مع تخلفه في مجالات أخرى .

الدولة ليس في امكانها التخلي عن مسؤوليتها لان لديها المال والسلطة التشريعية لرسم السبل ولابد ان تقوم  بدور الوسيط الطبيعي في ابداع الثقافة وتشجيعها  واستيعابها و حافزا لاعطاء التنوعات الثقافية وظيفتها الانسانية في تنمية الافراد والشخصية الانسانية وتحقيق الديمقراطية الثقافية، وتساعد في تعمق أواصر الترابط العضوي الوثيق بين السياسة والثقافة وتفعيل قطاعاتها في ادارة شؤون البلاد وتطوير ابواب التنمية الثقافية التي هي الغاية التكاملية لصناعة الانسان والمجتمع وباعتبارها وسيلة لتوسيع واصلاح مفهوم اقتصادي كلي للتنمية بدلا من وضع العقبات والعراقيل التشريعية والسياسية أمام حرية سلطة الثقافة والمثقف و لكل ابداع ثقافي وان أي اصلاح ثقافي لا يواكبه اصلاح في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو اصلاح محكوم عليه بالفشل لكن الدولة التي تنتهج التعسف والقمع والحد من حرية المثقف المعارض او المفكر المستقل لخوفها من سلطة المعرفة والعلم والثقافة والتأثير في الناس تلجأ الى اسكات صوت هذا المثقف والمفكر وتعمد الى تهميش دوره الريادي والمؤثر ما يضطره الى الأغتراب والانزواء والتقوقع والاحباط واليأس والهروب من سلطة الحكومة والعرف السائد وسلطة الفكر المنقرض واحيانا تلجأ بعض الدول التي تخاف من المثقف او المفكر الى محاولة استمالته السياسية عن طريق منحه إغراءات مادية وسلطوية كأن يكون مستشارا او موظفا حكوميا واحيانا يتضاءل الدور السياسي لهذا المثقف وهذا ما هو حاصل في زماننا ويمثل أهم الظواهر البارزة في الحياة الثقافية والسياسية والفكرية .

فعلية ان معظم الاقلام تورطت في لعبة السياسة والسلطة مقابل مبالغ وحسب القيمة دون معايير حقيقية، مع التأكيد على ان اكثر السلطات والأنظمة كانت ولا زالت تريد تأكيد وجودها في الساحة استنادا إلى شرعية مبتدعة ما انزل بها من سلطان أو إلى قراءة رسمتها وفق معطيات خاصة. لذلك يصعب وجود دراسات غير خاضعة لتوجيهات السلطة ومصالحها. أحيانا يتواطأ المثقف مع السلطة وأحيانا لا تسمح له بقول الحقيقة والكشف عن المسكوت عنه، فيمارس البعض الاخر نفاقه السياسي ويساهم في تشويه الحقيقة والأحداث التاريخية نتيجة انغراقه وانغماسه بعلاقته الوطيدة مع السلطة العليا فتجد الكاتب او المثقف نفسه مندمجا في إطار أيديولوجيا سلطوية سائدة تجعل منه أداة لتمرير خطابها المشوش للحقيقة، يخدم مصلحة النخبة الحاكمة، عوض أن يقوم بدوره الرئيسي في تنوير المجتمع والشاهد عليه فهو يقوم بنشر أفكار السلطة والدفاع عنها بقصد أو بدون قصد.

 هذا ما يجعل البعض أحيانا مرهونا بالدفاع عن سياسات الحكومات ونشر الافكار القاسية التي ترمي للتخويف والترهيب، مما يجعل فكره ونظرياته يغلب عليها طابع الهيمنة الماضية وينفصل تلقائيا عن فهم المستقبل ولا يعطي أي أهمية للإعتبارات المجتمعية .

لذلك يستوجب التغيير بطريقة حضارية تؤدي الى خلق ولادة جديدة في المجتمع سياسيا واجتماعيا وثقافيا. فكيف يمكن أن نثق في هؤلاء وكيف يمكن أن نثق فيما يدونون للتاريخ للاجيال القادمة ...؟ فقد عاش معظمهم يدافع عن الأنظمة في حين من الضرورة الحفاظ على المقومات والمكتسبات من أجل سلامة وأمن الفرد دون المجتمع . مثل هؤلاء مكتوب عليهم بأيديولوجيا النفاق، يصعب عليهم الإنسلاخ من معطفهم السياسي السلطوي ومصالحهم الضيقة ليكونوا فاعلين رئيسيين بمنظور موضوعي للواقع الإجتماعي المعاش لغرض تحقيق التغيير المنشود الذي يتطلع إليه المجتمع.

إن الدور المنتظر في المثقف بناء القيم المساندة للتطوير التي تساعد المجتمع والأفراد في تحقيق الإصلاح السياسي وصولا إلى تحول اساسي واسع يمهد له خطوات فاعلة لرفع مختلف آثار وأشكال الهيمنة الحكومية - المباشرة وغير المباشرة- عن وسائله، وضمان حرية ممارسة الإعلاميين لمهامهم دون تدخل السلطة، لما في ذلك من أهمية في دعم النظام الصالح، والتجسيد الواضح لحرية التعبير، بوصفها الدعامة القوية للشفافية، عبر إصلاح التشريعات الإعلامية ذاتها التي تتولى تنظيم وممارسة النشاط الإعلامي، وتضع المعايير التي تحكمها، مثل الدوائر المسؤولة عن الاعلام والثقافة على ان تكون مهنية في عملها، في حينها تكون مسؤولة لايجاد الحلول الوسطية في جميع الإشكاليات والمعوقات التي تواجه الطروحات وايجاد الحلول ومشاريع الإصلاح الممكنة عبر وضع برامج واستراتيجيات إعلامية ووسائل لا نعكاس تلك الاطروحات الى الطبقات المختلفة ، يكون للنخب الأكاديمية والإعلامية والسياسية والثقافية المستقلة دورٌ رائدٌ فيه لا يخافون المؤثرات .

 مسؤولية المثقفين في علمنا اليوم هو رفض العنف مهما كانت مسبابته وحججه، من اجل تكوين ثقافة قائمة بصدق وعمق على السلام والتسامح والمحبة  و الكفاح من اجل الحقوق المشروعة، الوطني او الاجتماعية، بالكفاح الشعبي السلمي والثقافي الانساني الوحيد القادر على الانقاذ من مستنقع الظلم والمظلم الدامية الذي غرقت فيها الشعوب.

 

عبد الخالق الفلاح – كاتب واعلامي

 

 

 

 

نظرا للايمان القوي الذي غرسهُ التعليم  في الناس فان غالبيتهم  يرون ان العلم والتكنلوجيا، والديمقراطية، والرأسمالية - الأركان الثلاثة للحداثة - يمكن ان تؤدي الى الغايات الجيدة لكنهم فشلوا في ادراك ان هذه الانتصارات الثلاث للبشرية أثّرت سلبا على حياة الانسان الفرد.

ومع نشر كتاب"معنى الوجود الانساني" لعالم الحشرات ومؤسس السوسيوبايولوجي ادوارد ولسون، ادركنا ان شخص واحد على الاقل في كوكبنا لازال يؤمن بامكانية الازدهار لمستقبل البشرية. وبما ان ولسون غير مكترث بمصائب القرن ولا يهتز له جفن على أحداث هيروشيما ولا الهيليكوست ولا مخيمات الكولاك الستالينية ،ونظرا لثقته التامة بثمار السوق المنقاد تكنلوجيا فهو يدّعي اننا كبشر يمكننا "تحويل الارض الى فردوس لإنفسنا ولكوكبنا الذي منحنا الولادة .

اما اليكس دي توكفيل اشار الى ان الامريكيين مؤمنون "بفكرة التقدم والكمال اللامتناهي للجنس الانساني"، لكن الاكثر احتمالا هو ان الدكتور ولسون كان يعبّر عن التفاؤل الذي رافق الاساس الفلسفي للعلم الحديث.

في الماضي،اعتقد المفكرون بان عصرا جديدا قد حل  بعد انتهاء الظلام والجهل ، متنورا بالعقل والعلم، وستتأسس سعادة البشرية على الارض. فرنسيس باكون ،المهندس الرئيسي للعلم التجريبي تنبأ في كتابه المنطق الجديد (New Organon) عام 1620 بان "المهمة الحقيقية ومصير الجنس الانساني"يعتمد على "شيئين اثنين هما المعرفة الانسانية وقوة الانسان". المعرفة الحقيقية ستعطي قوة لقيادة الطبيعة " لفائدة الحياة". بالنسبة لباكون ،هدف العلم هو جعل البشرية السيد والمالك للطبيعة مثلما كان آدم في جنة عدن، لذا فان الرجال والنساء ذوي السمعة الطيبة يمكنهم اعادة الانسان العاقل Homo sapiens الى جنة الارض. وفي ضوء كارثة هيروشيما وتغيرات المناخ ،فان اوهام العيش بتلك السعادة قد ذهبت الى الابد.

غير اننا حينما نرى ان اي برنامج لإقامة الجنة على الارض ينتهي بكارثة ذلك لا يعني ان التفاؤل الحماسي لمفكري التنوير يجب استبداله بتشاؤم نيتشة للمستقبل. بدلا من ذلك، يمكننا العودة الى الحكمة التي اعلنها سوفكليس قبل 2500 سنة"لا وجود لعدد كبير من الناس يدخلون الحياة العرضة للفناء بدون ان يكون هناك بلاء لهم" وهي الحكمة التي تعترف بشكل غير مباشر بعدم امكانية خلق نظام اجتماعي كامل.

ان التحولات العظيمة الماضية في حياة الانسان  احطّت من حياته، او كما يذكر Russell Kirk مؤلف كتاب "العقل المحافظ" ،اثناء دراسته للتاريخ " عندما يتقدم المجتمع في بعض المظاهر، فهو عادة ينحدر في مظاهر اخرى". وحتى وقت متأخر ،كان الانثربولوجيون والمؤرخون يمجّدون زراعة النباتات كعنصر اساسي في القصة الطويلة للتقدم الانساني، غير انه، وكما في جميع الاختراعات التكنلوجية الاساسية، كان لإدخال الزراعة  ولايزال تاثيرا مدمرا لحياة الانسان.

الثورة الزراعية

ان الثورة الزراعية التي حدثت قبل عشرة الاف سنة استبدلت تدريجيا الصيادين وجامعي الثمار بالمزارعين ورعاة الماشية. قبل زراعة النباتات وتربية الحيوانات، كان النظام الغذائي للعصر الحجري يتألف فقط من النباتات غير المزروعة والصيد الحر، وهو نظام غني جدا بالالياف والبروتين والعناصر الغذائية الاساسية، مقابل الغذاء الحديث الغني بالسكر والكاربوهيدرات المكررة والدهون المشبعة. ان "امراض الحضارة" – السرطان وتصلب الشرايين والسكر "تسبب 75% من الوفيات في الدول الغربية لكنها نادرا ما تحدث بين الافراد الذين يعكسون في نمط حياتهم اسلوب اسلاف ما قبل الزراعة.

وخلال الـ 200 سنة الماضية "ادّى تحسين الاسكان والصرف الصحي والرعاية الطبية الى التقليل من  تاثير الالتهابات والامراض،وهما السببان الرئيسيان للوفيات منذ العصر الحجري وحتى عام 1900،مما قاد الى مضاعفة المدى المتوقع لعمر الانسان قياسا بما كان عليه قبل الزراعة".

ولكن من المدهش ان مضاعفة المدى المتوقع للحياة نتج اساسا من انخفاض معدل وفيات الاطفال واليافعين. دراسة اجريت على ما تبقّى من مجتمعات الصيد وجمع الثمار في القرن العشرين كشفت ان معظم حياة البالغين كانت بين 68 و 78 سنة،وليس كما يقال 40 سنة او اقل.

التأثير الرئيسي للثورة الزراعية كان ان زراعة الحنطة والرز والذرة والبطاطا انتجت وفرة من السعرات الحرارية  دفعت عدد كبير من السكان الى زراعة محاصيل انتجت المزيد من اطنان الغذاء لكل فدان قياسا بالجذور البرية والثمار عديمة النواة. بدون الزراعة ما كان بإمكان الامبراطوريات والمدن ان توجد. المؤرخ Yuval Noah Harari يرى ان زراعة البقوليات عززت القوة الجمعية للبشرية لكن حياة متوسط الفرد اصبحت اكثر سوءا. فمثلا،النخب في مصر القديمة بنت الاهرامات بينما الفلاحون يحفرون القنوات، يحملون الماء في اواني، ويحصدون القمح وعاشوا على نظام غذائي ادنى نوعية من طعام اسلافهم في العصر الحجري. ومقابل كل هذا العمل الشاق يقول هاراري " ان معظم الفلاحين حصلوا على غذاء اسوأ مما كان يحصل عليه جامعوا الثمار لأن جامعي الثمار اعتمدوا على ما يقارب 12 نوع من الحيوانات والنباتات والفطر وهذه زودتهم بجميع العناصر الغذائية الاساسية بما في ذلك الفيتامينات التي يحتاجونها، بينما الفلاحون اعتمدوا فقط على غلة واحدة كالحنطة او الرز او البطاطا. وفوق كل هذا، اصبح الناس يعيشون في ظل  نظام هيراركي اجتماعي جديد وبداية الاستغلال الواسع، حيث بروز النخب الصغيرة التي تستغل كل شخص آخر".

الديمقراطية

ان الترتيب الهرمي الاجتماعي لاوربا القرون الوسطى تأسس على حيازة الملكية. الفلاحون شكلوا 85% من السكان. لاشك لو اننا ولدنا في اوربا القرون الوسطى لكنا فلاحين مرتبطين قانونا بالارض التي نعمل بها وبالتالي مملوكين لصاحب الارض.

في امريكا، اتاحت الفردية الديمقراطية الحرية في ممارسة كل ما يرغب فيه الانسان على حساب العزلة عن الزملاء . الناس يشعرون دائما  بالنفور والوحدة وهو شيء غير مألوف في عالم اوربا القديمة. العديد من الأغاني الشعبية تعبّر عن الألم والشعور بالفراغ نتيجة العزلة الاجتماعية. تتسائل البيتلز(فرقة موسيقية) انت تشعر بمزيد من الوحدة مع المزيد من الناس الذين هم حولك فمن اين يأتي كل هؤلاء الناس الوحيدين؟ في عام 2008 ومع انهيار الاسواق المالية ،ذهب الفوتوغرافي الهولندي Reinier   Gerritsen الى احدى انفاق مدينة نيويورك ليراقب مزاج الناس المسافرين للعمل. هو وجد اشياءا  تبعث على الحزن  واليأس. تقريبا لا احد كان مبتسما، كأن الجميع يعبّرون عن تنبؤ توكفيل حول مستقبل المواطن الامريكي: " كما هو الحال بالنسبة لزملائه المواطنين،هو وجدهم  قريبين جدا منه لكنه لا يلاحظهم،هو يلمسهم لكنه لا يشعر بشيء، انه فقط موجود في ذاته ولأجل ذاته".

معظم الذين يبلغون عن حالات الانتحار هم المعزولون الذين يشعرون باليأس من التحدث الى شخص ما. صناعة الوحدة بما رافقها من بارات ونوادي رقص وخدمات انترنيت تلبي حاجات اولئك الذين يشعرون بالعزلة. سوزان غوردن مؤلفة كتاب "وحيدا في امريكا" تلاحظ "عندما ييأس الناس من الرفقة  فهم سوف يقومون باشياء لا يقومون بها عادة،ويذهبون الى اماكن لا يزورونها في المعتاد،ويستمعون الى وعود كانوا يعتبرونها سخيفة".

الانسان المعزول يشعر عادة بالضآلة وبالفشل اللذين لا يستطيع الاعتراف بهما في ظل ثقافة موجهة للنجاح. الحب في مثل هذه الظروف يبدو كطريقة للهروب من الوحدة. يقول احد المدراء الشباب" انا لا اعتقد هناك اي شخص في العالم يهتم حقا بي او بما يحدث لي. انا اشعر بالاستياء الشديد من الوحدة،انا فقط اريد من يعتني بي". لكن استخدام شخص آخر للهروب من الوحدة نادرا ما يحقق النجاح. يشير السايكولوجي رولو ماي لماذا ينتهي الزواج المؤسس على الرغبة بالتغلب على الوحدة  بعواطف سلبية: "الزوجان يتوقعان من الزواج ان يملأ بعض النقص والفراغ في انفسهم لكنهم يصبحون  قلقين وغاضبين لأن ذلك لم يحصل". تقول احدى المطلقات انها كانت تشعر وحيدة لكنها لا تستطيع تشخيص تلك الوحدة، كيف يمكن ان اكون وحيدة وانا متزوجة من حب حياتي؟"الأوهام الرومانسية للتودد عادة تختفي بعد الزواج:" لم يعد بعد الزواج  سبب لمحاولة الاثارة والاعجاب او الإمتاع والسحر". معظم الناس يرون الجنس كطريقة لعمل اتصال انساني ولكسر حواجز الذات المنعزلة المستقلة ، ولهذا قد تجد زوجين في سرير واحد ربما يكرهان بعضهما في اية ظروف اخرى كما يذكر ذلك محامي بعمر32 سنة من مدينة سانفرانسسكو. وبالرغم من الوحدة وفشل الزواج ،يتوق الغربيون وخاصة في امريكا للحفاظ على الخصوصية والاستقلالية. فترى البيوت تُصمم لتعزل الافراد عن بعضهم. الكثير من القصص الامريكية الرائعة مثل قصص Ann Beattie or Raymond carver تتحدث عن الوحدة حيث يأتي كل فرد  للعالم وحيدا ويسافر اثناء حياته  وحيدا وفي النهاية يموت وحيدا. هذه العزلة اصبحت تمثل مظهرا تراجيديا. انها تراجيديا خاصة بالادب الغربي الحديث حيث لم تكن التراجيديا لدى هوميروس او سوفيكلوس هي العزلة . الاكاديميون الصينيون يؤكدون ان العزلة في الادب الصيني هي فقط ذلك النوع الذي يبرز من انفصال العوائل والمحبين ولا توجد عزلة كحالة اساسية للانسان الصيني. اذاً الانتشار الواسع للعزلة في امريكا هو ظاهرة ثقافية غرستها الفردية.

الرأسمالية

قبل الثورة الصناعية كانت الرغبات المادية  مقيدة بالطبيعة والانتاج الحرفي. لكن عنصرين للرأسمالية وهما السوق الحرة وتقسيم العمل غيّرا كل شيء. وكما اكّد آدم سمث في كتابه ثروة الامم عام 1776 بان تقسيم العمل زاد بشكل كبير من القوة الانتاجية للعامل. يطرح سمث مثالا عن تقسيم العمل يتجسد في صناعة الدبوس. العامل غير الماهر يمكنه صنع 20 دبوس يوميا بينما مع التصنيع يتم تجزئة عملية صنع الدبوس الواحد الى عمليات بسيطة فيها كل عامل ماهر يؤدي خطوة واحدة او خطوتين. "احد العمال يسحب السلك، عامل آخر يجعل السلك مستقيما،بينما عامل ثالث يقوم بتقطيعه، رابع يقوم بتنحيف السلك، خامس يتولى الكبس لصنع رأس الدبوس. وفق هذا الاسلوب تتطلب عملية صناعة الدبوس الواحد 18 عملية مختلفة. وبهذا فان عشرة عمال غير ماهرين يمكنهم صناعة 48 ألف دبوس يوميا. اذا كان كل عامل يقوم بكل العملية بذاته فهو لا يستطيع عمل اكثر من 200 دبوس . وهكذا فان تقسيم العمل زاد الانتاج بـ 240 ضعف. اعتبر سمث تقسيم العمل اكبر ابتكار في تاريخ الانتاج المادي. بدون الابتكارات الكبرى المتدفقة من العلوم والتكنلوجيا لما تمكنت الرأسمالية من البقاء لأن الاسواق اصبحت فيها وفرة في السلع. ولكي يبقى ويستمر الاقتصاد الرأسمالي يجب عليه ان ينتج باستمرار بضائع استهلاكية جديدة، لا يختلف في ذلك عن سمك القرش الذي يجب ان يبقى سابحاً او يواجه الموت. التكنلوجيا والابتكارات الجديدة باستمرار تنتج سلعا جديدة لإشباع رغبات غير معروفة سلفا. خلال 200 سنة خلقت الرأسمالية    وفرة في السلع للاغنياء والفقراء. محلات (ولمرت) تحتوي على 142000 سلعة. حاليا ادّى تقسيم العمل الى انكماش الحياة الداخلية للعامل. وصف شارلي شابلن بجدارة تأثير العمليات المتكررة في الانتاج على الفرد. في خط التجميع يُطلب من العامل آداء حركات ميكانيكية مكررة. واثناء التوقف القصير لا يستطيع العامل ايقاف ذراعيه عن الحركة الايقاعية في شد او إرخاء ذلك الجزء المطلوب للانتاج،وبذلك تكون الحياة الداخلية للعامل قد انهارت مقابل خدمة الماكنة.

من المفارقة ان آدم سمث في ثروة الامم تنبأ بنقد شارلي شابلن للرأسمالية،حيث اعتبر سمث ان العامل اثناء عمله لا يكتسب الفضائل الفكرية او الاجتماعية. عندما  يؤدي العامل واحدة او اثنين من العمليات البسيطة المكررة،" هو عادة يصبح ساذجا وجاهلا كما هو ممكن بالنسبة للكائن الانساني. كسل الذهن يجعله ليس فقط غير قادر على التمتع باي محادثة عقلانية،وانما لا يستطيع ايضا خلق اي عواطف رقيقة".

ان تقسيم العمل وتأثيراته لا يقتصر على انتاج السلع المادية وانما ينطبق ايضا على العمل الاكاديمي في الجامعات. كل جامعة في العالم الغربي تتبع توصيفات آدم سمث حيث كل عالم "يصبح اكثر خبرة في الحقل الخاص به،المزيد من العمل يُنجز وكمية العلوم ازدادت بشكل كبير" الفيلسوف عمانوئيل كانط عام 1789 تصوّر الجامعة كانتاج واسع يتم عبر تقسيم العمل. اليوم كل باحث يختار بحرية مجاله التخصصي متجاهلا كل شيء خارج خبرته،ولذلك اصبحت المطبوعات الاكاديمية اكثر فاكثر حول القليل والاقل. النقود تتدفق للجامعات ،والاوراق البحثية والتقارير والدراسات وبراءات الاختراع تنطلق من مصنع المعرفة.انه نظام فعال جدا فقط حين يُصاب المرء بالعمى تجاه عيوب التصنيع الرئيسية. ان تقسيم العمل حطّم الفرد سواء  في انتاج السلع او المعرفة. القدرات الذهنية والجسدية للعامل يتم التضحية بها لأجل كمال فعالية منفردة. احد الفيزيائيين من جامعة ميشيغان ،يقول انه تعلّم ميكانيكا نيوتن والديناميكا الالكترونية لماكسويل وفيزياء الكوانتم متحررا من اي سياق اخلاقي. وبالنتيجة لم ير اي اهتمام بالاسئلة الجوهرية مثل هل انتاج اعلان تلفزيوني موجّه للاطفال او لصناعة الغذاء الرديء او لتطوير سلاح نووي هو عمل ملائم لأجل المعيشة؟ يقول ان تعليمه اعدّه لكي يكون بربريا جديدا يبيع ثمار العلم لمن يدفع اكثر.

ان العالم الرقمي يوفر طرقا رخيصة للناس العاديين لتوسيع عالمهم ،خاصة بالنسبة للناس الفقراء وفي الاماكن البعيدة. الشخص الراغب بدراسة النيروساينس او البايولوجي او الرياضيات يستطيع دراسة ذلك عبر الانترنيت في جامعة kahn Academy. التكنلوجيا الرقمية ربطت الناس بالعالم الواسع للمعلومات لكنها فصلتهم عن عالمهم الواقعي المحيط بهم.يقول احد المدمنين على الانترنيت ان عشر ساعات على الانترنيت كان لها تاثيرا مدمرا على حياته، ويضيف ان اهتمامه لإستيعاب المعلومات الموسعة كالكتب والمقالات المطولة والقصص قد تضائل بشكل كبير، مهاراته الفردية في الاتصال ضُربت في الصميم ، وانه وجد من الصعب الاحتفاظ بافكار معقدة ودائمة". الانترنيت يقود الى طوفان من المعلومات التي تسبب الاضطراب والتلوث الفكري. الحكمة الحقيقية تأتي من اختبار الذات والحوار مع الآخرين وليس من التراكم المعلوماتي الكبير.

 

حاتم حميد محسن

......................

المصدر: How modernity diminishes the human person, The Imaginative Conservative

 

 

 

علم النفس الاجتماعي هو ذلك العلم الذي يقوم بالدراسة العلمية لمظاهر سلوك الفرد وخبراته من ناحية، وتشكلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة خلال المواقف الاجتماعية، والمقصود بالمواقف أنماط تنظيم المنبهات التي تكون بيئة الفرد، ونقصد بالاجتماعية كل ما نعزوه إلى أفراد ينتمون إلى فصيلة بيولوجية واحدة يدخل فيها الفرد موضوع الدراسة .

ونظرًا لوقوف هذا العلم في موضوعه على الحدود بين علم النفس من ناحية، وبين علم الاجتماع من ناحية أخرى، ولأنه من وجهة النظر التاريخية قام ونما نتيجة لجهود علماء النفس وعلماء الاجتماع معًا، فقد ظل التأليف فيه إلى وقت قريب يكشف عن تيارين : أحدهما تسيطر عليه النظرة الأساسية لعلم النفس، ولكن مع تقدم البحوث التجريبية وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية أخذت شخصية العلم المستقلة تفرض نفسها من خلال طراز المفاهيم التي يستخدمها بوجه خاص

ولكي يفهم المؤرخ تاريخ العلوم أو الفنون في بلد معين، وفي فترة محددة، لابد من دراسة السيكولوجية الاجتماعية، لأنه بدون دراستها من العسير فهم التطور المادي في المجتمع .

وأصحاب الاتجاه المادي يقصدون بالسيكولوجية الاجتماعية العواطف والأفكار التي تسيطر في وقت ما على طبقة اجتماعية معينة في بلد معين، ويقولون أن منبع هذه العواطف هو العلاقات الاجتماعية، ومتى انبثقت أشكال الوعي الإنساني من الحياة الاجتماعية فإنها تصبح جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الاجتماعي .

والواقع أنه لا يمكن لعلم التاريخ أن يقتصر على تشريح المجتمع بل يجب أن تشمل دراسته مجموع الوقائع التي يكيفها تشريح الاقتصاد الاجتماعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة .

نقول : إنه من واقعة تاريخية إلا ويسبقها بل ويرافقها ويعقبها حالة معينة من الشعور والوعي، ومن هنا تتأتى أهمية دراسة السيكولوجية الاجتماعية للمجتمع الذي نقوم بدراسته في فترة زمنية معينة، وبدون ذلك لا يمكننا أن نخطو خطوة واحدة في مجالات فهم تيارات الأدب والفن والفلسفة والغناء والموسيقى حتى النكتة التي يقولها الناس تنفيسًا عن همومهم ومتاعبهم الحياتية، وكل ذلك يترجم سيكولوجيا الشعب تجاه قضايا معلنة أو مكبوتة .

فعندما نكتب ـ مثلا ـ أن المؤرخ الفلاني ترجم بصدق عن عصر النهضة، فهذا يعني أنه اندمج تمامًا مع الروح السائدة في الطبقات المؤثرة في نمط الحياة الاجتماعية خلال هذا العصر، ويرى الماديون أن السيكولوجية الاجتماعية تتغير بتغير العلاقات الاجتماعية، وإذا ثبتت إحداها بقيت الأخرى على حالها، وكثيرًا ما قرأنا في المراجع والمصادر تعبيرات مثل (روح العصر) و(طبيعة الأمة) التي هي انعكاس للسيكولوجية، ويحدث انعكاسها تغيرًا في ظهور معتقدات وأفكار جديدة واتجاهات فنية وابتكارات حديثة .

إن دراسة السيكولوجية الاجتماعية تساعد الباحث أو الكاتب في الدراسات الإنسانية، وكذلك الباحث التاريخي، تساعده على أمرين في غاية الأهمية بالنسبة للبحث التاريخي: أولهما تشخيص الحقائق التاريخية، وثانيهما وضع تفسير أو مبادئ لتفسيرها، فضلا على أن المؤرخ يستطيع أن يكسب ويتعلم أمور جديدة من علم النفس الاجتماعي، مثل : مفهوم عقدة انقص عند القادة والشعوب، والانطواء والكبت وغيرها من سائر الأمراض النفسية التي قد تنتشر في مجتمع معين، كل ذلك بالقطع سوف يهذب ويصقل الكفاءة الإدراكية للباحث، كما أنه يساعد على اكتشاف ما هو واضح .

لقد وضع فرويد أساس التحليل النفسي في صورة عملية طبية، ملأت فراغًا وفتحت مجالا جديدًا للبحث، وعن طريق دراسة علم الأمراض  النفسية، وتفسير الأحلام، ودراسة الخطأ الإنساني، كل ذلك كون نظرات نافذة وراء الدوافع الإنسانية نتيجة تأثير المجتمع، أو نتيجة اللاشعور، وعلى سبيل المثال فسر فرويد الإسقاط، وهي عملية ينسب بها الشخص لغيره صفاته أو دوافعه المكبوتة، والكبت هو طرد الشيء من حيز الإدراك الواعي أو الشعور، بينما يبقى في اللاشعور، وكذلك فسر رد الفعل، وفسر العزل وهو فصل الأفكار عن العاطفة مما يولد القلق، وفسر التبرير الذي هو اختراع أسباب معقولة في الظاهر لتعليل سلوك ذي دوافع باطنية .

ولا شك في أن المؤرخ أو الباحث لا بد وأن تهمه قضايا  اجتماعية / نفسية مثل : تفسيرات ظهور الزعيم أو المخلص التي يقدمها هذا الفرع من الدراسات، بالرغم من أن بعض المؤرخين الماديين يختلفون معها ويقدمون لظهور الزعيم تفسيرات اقتصادية وثقافية في المقام الأول .

وهناك دراسة أخرى يجب أن يطلع عليها أهل الثقافة وهي دراسة سيكولوجية الزعامة والقادة الذين غيروا وجه الأحداث، إذ اعتاد علماء النفس الاجتماعي أن يلتمسوا في الزعماء والقادة صفات معينة من الشخصية، كما أن له دور اجتماعي يحدده أفراد مجتمعه، ومن ثم يستطيع الباحث أن يتسلل إلى نفسية القادة، ويقرأ ما بين السطور عندما يحلل تصرفاتهم وقراراتهم .

إن مجتمعات ما قبل التاريخ حيث تندر المواد التي نكتب منها والأدلة والبراهين التاريخية، لا بد وأن نعتمد في دراستنا لهذه المجتمعات على علم النفس الاجتماعي، لأنه مع القلة القليلة من مخلفات الماضي يمكن أن نقدم صورة مقبولة للباحثين والدارسين والمثقفين .

إنه من الضروري للكاتب التاريخي أيضًا أن يعتني عندما يجمع مادته التاريخية بالمؤلفات والدراسات والأبحاث الخاصة بسير العظماء وكذلك التراجم التي تدور حولهم، فمن خلالها يستطيع استكشاف بعض المعرفة الخاصة بأساليب المعايشة النفسية، فإذا واجه الباحث مسألة وضع سيرة تفسيرية فإنه إذا كان مدربًا على المناهج النفسية فإنه يقوم بوضع تحليلات جيدة تمدنا بمفاتيح لفهم الدوافع في تصرفات الزعيم أو القائد، ونوعية الترف الذي سوف يقوم به لو واجهته حالة معينة .

وأخيرًا نقرر : إن ميدان التعاون بين علم التاريخ وعلم النفس الاجتماعي ميدان بكر وجديد، هذا الميدان المهم سوف يفتح أمام المؤرخين آفاقًا لا حدود لها للبحث التاريخي، وسيكون ذلك مدعاة لإعادة النظر في كل ما كتب من أعمال تاريخية، اعتمد كتابها على أدلة مادية قد تكون إيجابية من ناحية كونها مادة تاريخية لكنها لا تسبر الأعماق، ولا تسبر أغوار نفس الإنسان البشرية التي حركته ليقوم بما قام به من أعمال .

لقد أصبح التعاون بين التاريخ والعلوم الإنسانية في العصر الحديث أمرًا ضروريًا، وذلك من أجل استكشاف حقيقة الماضي بشكل علمي سليم .

إن مجال التعاون واسع يفتح آفاقًا جديدة للباحثين ويساعدهم على إعادة النظر في كل ما كتب من مؤلفات عن التاريخ بصورة أكثر وعيًا  ونفاذًا، خاصة أن جميع العلوم تتجه في عصرنا الحاضر إلى التعاون والتفاعل والتلاقي حتى يستفيد بعضها من البعض .

إن العلوم بالرغم من تفرقها وتخصصها تلتقي في جهة واحدة ألا وهي المعرفة الإنسانية، وعن طريق الإلمام بهذه العلوم المساعدة إلمامًا عامًا واعيًا يستطيع الباحث و الدارس والكاتب التاريخي أن يصنع لنفسه معيارًا نقديًا خاصًا وأسلوبًا منهجيًا موفقًا بنفسه ولنفسه .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني عبد الله - باحث وخبير في التراث الثقافي

 

 

تناقض غريب .. واعتراف وتصحيح: لقد قال ناجح – كما أشرت قبل قليل - إن حكاية باتا هي الينبوع الذي تغذّت منه الأساطير الخاصة بعقائد الخصوبة والانبعاث وأضفت ملمحاً أو اكثر على عدد من الآلهة في الشرق وخصوصا الآلهة الشباب الذين وردت إشارات لهم في متن الدراسة (يقصد طبعا تموز/ دوموزي وديونيسس وآتوس وغيرهم) .

هذا ما قاله ناجح على الصفحة 113، فتعالوا نستمع الآن إلى ما قاله على الصفحتين 110 و111، أي قبل صفحتين من استنتاجه المفرط السابق . يقول ناجح :

(ويمكننا الإشارة إلى أن شخصية الشاب بايتي تمثّل امتداداً طبيعياً لعدد غير قليل من الحكايات والخرافات، وكذلك الأساطير وتتبدّى من خلاله عناصر عدد من الآلهة الشباب في الشرق مثل أوزوريس /أدونيس/ديونيسيس/أتيس - ص 110) (94).

ماذا يعني "الإمتداد الطبيعي" الذي وصف به ناجح شخصية بطله باتا؟

يعني أن باتا امتداد لآلهة قبله، آلهة هم الأنموذج السابق عليه، وهو – أي باتا - امتداد للآلهة الشباب الذين سبقوه مثل أدونيس وأتيس وغيرهما .

ثم يستعير وجهة نظر من المفكر الفرنسي "مرسيا إيلاد" في كتابه "العود الأبدي" ليسند وجهة نظره هذه فيقول :

(وأقدم أسطورة تتحدّث عن عذاب إله وآلامه هي أسطورة موت الإله تموز وانبعاثه . وقد عرفت هذه الاسطورة تكرارا وتقليدا في جميع أنحاء الشرق القديم تقريبا وظلت آثار سيناريو هذه الأسطورة باقية حتى ظهور المذاهب العرفانية - الغنوصية - التي عُرفت بعد نشوء المسيحية - ص 111) (95).

هذا يعني – باعتراف ناجح وبعظمة لسانه كما يُقال – أن أقدم أسطورة لإله قتيل كانت أسطورة تموز العراقي وليس أوزوريس المصري كما كان يكرّر، وأن أسطورة باتا ليست هي الأصل والينبوع الذي تغذّت منه الأساطير الخاصة بعقائد الخصوبة والانبعاث وأضفت ملمحاً أو أكثر على عدد من الآلهة في الشرق وخصوصاً الآلهة الشباب كما قال بعد صفحة واحدة من قوله هذا .

يواصل ناجح طرح وجهة النظر الصحيحة التي سينقضها بعد صفحة واحدة :

(لقد مات "بايتي" واستعاد حياته سحريا وظل الموت يتكرر، ولكنّه تكرّر غير موسمي محكوم بعناصر البنية السردية لنص حكاية الأخوين - ص 111) (96).

أي أنّ حكاية باتا تفتقر إلى أهم ميّزة من ميّزات أسطورة الألوهة القتيلة الشابة، وهي التكرار الموسمي . فكيف سيصير أصلا وينبوعا لأساطير الخصوبة والإنبعاث للآلهة الشابة في الشرق التي تتميّز بطقوسيتها وتجدّدها وتكرارها السنوي؟؟

تناقضات جديدة

ثمّ يواصل ناجح القول :

(وقراءة الحكاية [= حكاية الأخوين] عبر المدلول الرمزي لبنية الحياة / والموت، ستجد تناظرا مع الألوهة الشابة المذكرة، والاختلافات معها طفيفة مع ضرورة ملاحظة العود الانبعاثي الحلولي في جسد آخر حيواني / نباتي والمهم هو استمرار حياته من خلال منظوم (هكذا وردت !) الخصوبة وعقائدها في الشرق لذا أشرنا إلى أن هذه الحكاية امتداد طبيعي لعدد غير قليل من الأساطير والآلهة، واستطاعت التوحيد بين السحري / الديني، الالهي وبين الاجتماعي / السياسي - ص 111 و112) (97).

وهكذا يناقض ناجح نفسه من جديد عبر صفحتين أو ثلاث .

لكن هكذا نعود – وهذه هي النظرة الموضوعية الغير منفعلة – إلى اعتبار حكاية باتا امتدادا لأساطير الآلهة الشابة القتيلة في الشرق بدءاً من اسطورة الإله تموز العراقي، وليست أصلا وينبوعا لأساطير الخصوبة والإنبعاث للآلهة الشابة في الشرق، كما سيقول ناجح بعد قليل في مناقضة صريحة لنفسه وللوقائع الموثّقة .

وناجح نفسه قال ذلك بصورة مبكرة، ولكنه نسي ما قاله . لقد قال :

(واندفاع الشاب "بايتي" لقطع ذكورته يفضي به إلى محيط الألوهية الشابة التي عرفتها ديانات الشرق الأدنى القديم - ص 76) (98).

وبعد أشواط من الكتاب يعود ناجح ليناقض نفسه مجدّداً حين يقول :

(وانطلاقا من هذه التوصّلات الجديدة، فان الشاب "بايتي" حاز على بعض من عناصر الالوهة الشابة في سوريا / واسيا الصغرى، ومصر . وهو أكثرها قرباً للاله اوزوريس لانهما يمثلان نتاجا واحدا للبنية الذهنية الاسطورية في مصر القديمة، وهذا لا يلغي خاصية التماثل مع الالوهة الشابة المذكرة الاخرى، والتي تسيدت في ديانات الشرق القديم - ص 142) (99).

وما يعنيه السطر الأول هو أن الفعل "حاز" يجعل باتا في موقع من يأخذ لاحقاً من أنموذج موجود سابقاً ؛ أي أن محيط الألوهة الشابة في ديانات الشرق الأدنى القديم كان موجودا ومؤسّساً ومعروفاً، ثم جاء باتا لينتمي إليه عبر فعله الإخصائي الذاتي كما يرى ناجح . إذن باتا لا هو منبع ولا هو أصل لعقائد الألوهة الشابة في الشرق الأدنى القديم .

وفي موضع آخر يقضي ناجح من جديد على حكمه السابق – وهو في كل الأحوال حكم متحمّس وسريع – حين يقول :

(وتاكيدا لما ذكرناه سابقا (ولاحظ أنه لا يدري أن ما ذكره سابقا يناقض ما يذكره حاليا ولا يؤكده !!)، فان الشاب بايتي انموذج مرتحل للاله الشاب القتيل - ص 145) (100).

ومن المفروغ منه أن (المرتحل) هو من ينتقل من مكان إلى آخر، وبذلك يكون باتا نتيجة وافدة، لا سبباً منتقلاً، وناجح نفسه يؤكد ذلك ليقضي على رأيه السابق حين يكمله بالقول :

(وما يعزز هذه القراءة كون بايتي زارعا للحنطة والشعير . واقترن الاله الشاب القتيل بالقمح الذي يظهر وينمو ويحصد ومن ثم يعاود ظهوره مرة ثانية - ص 145) (101).

 هل باتا إله للخصب؟:

والمشكلة أن ناجح "يندفع" لإثبات فرضيته المسبقة هذه في أن باتا من الآلهة الشابة القتيلة حتى لو كلّفه هذا الموقف ليّ عنق الحقائق وتحريفها . يقول ناجح :

(وأهم التناصات الموجودة بين حكاية الأخوين وأسطورة الاله "أوزوريس" هي خاصية الخصاء وقطع الذكورة الدالة على قوة الرجولة والمعبر عنها بافعال جنسية / تخصيبية، وفقدان الالوهة الشابة المذكرة لقضيبها يعني رمزيا تعطّل الاله عن مجاله الحيوي في نظام الخصوبة الكلي وبذلك تتوقف الحياة بشقيها الانساني / الحيواني – النباتي - ص 75) (102).

ثم يعود ليكرّر الاستنتاج نفسه فيقول :

(وكان الفرق بينهما هو أن اخصاء "بايتي" فعل ذاتي، واخصاء "اوزوريس" خارجي نفذه الاخ الشرير "ست" ولهذا الاخصاء دلالة واسعة لها صلة كبيرة بتعطل الحياة وايقاف عجلتها والقضاء عليها تماماً على نظام الخصب فيها - ص 105) (103).

وأنا أسأل القرّاء الآن :

هل تعطّلت حركة الحياة، وتوقّفت عجلة الخصب في الطبيعة، عندما قام باتا بإخصاء نفسه؟

هل هناك أدنى إشارة في الأسطورة إلى ذلك؟

والجواب هو : كلّا .

لقد كان فعله أشبه بحالة فرديّة ذات تأثير شخصي لم يتعد دائرة وجوده ووجود أخيه الأكبر وزوجته . ولكن الباحثين المتحمّسين أوديبيّاً، وأحيانا حدّ الإنعصاب، هم الذين يوسّعون دور الشخصيّة ويضخّمون الأفعال الفرديّة ليرفعوها إلى مستوى الظواهر الطبيعية أو الكونيّة . الباحث (فراس السواح) – على سبيل المثال – من الباحثين الأبناء المنحازين بحماسة مفرطة إلى الإلهة الأم – يعلّق على مقطع لا يقبل اللبس من أسطورة هبوط إنانا هو :

(اضطجع الرجل وحيداً في غرفته

ونامت المرأة على جنبها وحيدة)

علّق السوّاح على هذا المقطع بالقول  :

(يُفهم مــن ذلـك أنّ الرجال والنسـاء قـد تباعدوا جنسياً، فعشتـار هي القوة الإخصابيـة في الإنسـان والنبات، قـد غابـت عـن الوجود وغـابت معهـا كـل مظاهــر الإخصاب التـي تعكسهــا في الحياة - 23) (104).

فهـل كـانت هنـاك أدنـى إشـارة الـى مـوت القمـح وجفــاف الأرض والـزرع والضرع في المقطـع السابق؟

 

حسين سرمك حسن - بغداد

 

 

لقد تبين عملياً أن فشل وإخفاق معظمم الشركات والمؤسسات يعزى لعدم كفاءة القيادة، وكذلك فقد لوحظ أن إدارة المعرفة لم تأخذ الدور المطلوب لتعزيز قدرة الشركات على مواكبة التحديات المعرفية !

والشئ الذي أود التركيز عليه في هذه المقالة هو طرح بعض الأفكار العملية التي تساعد على رفع كفاءة الشركات وتحسين مستوى القيادة وابدأ بقانون العشر ثواني الذي ينص على تخصيص 10 ثواني مرتين يومياً للتفكير الإبداعي، فالقيادة فن ومزيج من المهارات القادرة على مزج التوازن والمرونة معاً لتحقيق الأهداف.

أذكر أنه في حالة أحدى الشركات الكبرى كانت تصدر عشر تقارير خاصة بقسم التعبئة وحيث كافة البيانات مكررة ولا يقرأها أحد، لذا فالمطلوب تحديد القيمة المضافة في أي تقرير مكتوب، وما الذي سنفعله بالبيانات المكتوبة؟ وهل هناك طريقة أسهل للحصول على الحقائق؟ وأخيراً هل تعكس هذه البيانات حاجات قصيرة الأمد أم طويلة الأمد؟

كما لا حظت وجود إرباك شديد يتعلق بالقياسات، فالمطلوب أولاً تعريفها وإيجاد بيانات وقياسات عملية موضوعية. هناك ضعف عام يتعلق بمفهوم الفرضية، حيث يجب تجريبها عملياً ووضع خطط طوارئ وإدارة مخاطر ملائمة بغرض تحقيق نتائج مفيدة. كما أن السرعة في الإنجاز لا تعني عدم التروي أو التمعن لضمان النجاح، حيث يتحول مفهوم السرعة لفعل انضباطي مبرمج: تخيل ميكانيكي يحاول بسرعة إصلاح عطب ما بدون عدة ملائمة، وبدلاً من مفاهيم الإدارة التقليدية أصبح هناك مفاهيم الإدارة الرشيقة التي تركز على القيم والإنسياب والسحب والكمال مع أهمية التركيز على عمل الفريق وفوائده الجمة، والتي يمكن تلخيصها في الحماس الجماعي والمعرفة التجميعية وحسن استخدام الحقائق والبيانات وسرعة التجاوب مع التحديات والفرص.

بدأ التركيز في السنوات الأخيرة على عنصر المخاطرة ( التي كانت مغيبة في معظم الأحيان!) وحيث يجب التركيز على التأثيرات المحتملة والدعم المتوقع والموارد الموجودة، علماً بأن الكثير من المشاريع تخفق لعدم كفاية دراسة المخاطر وعدم واقعيتها، ومن أهم ادوار القيادة الفاعلة التركيز على دراسة المخاطر بشكل عملي ووضع خطط الطوارئ والبدائل والإستعداد لتفعيلها عند مواجهة العراقيل والصعوبات.

هناك ضعف معرفي وتطبيقات عملية تفتقد لأهم مبادئ إدارة التغيير، وحيث يعتقد البعض أن مجرد تكرار هذا الاصطلاح يكفي لإقناع أنفسهم بأنه مطبق ومقال، وقد لاحظت فشل بعض المشاريع لعدم الخبرة الكافية في مجال إدارة التغيير، وهناك ثلاثة مراحل هامة لتطبيق استراتيجيات التغيير هي التحسين والتصميم والإدارة وتعالج تباعاً الفجوات التنظيمية، وتسعى للتركيز على العناصر الإبداعية وعلى توازن الإجراءات والقياسات والفعاليات التصحيحية.

مازالت حلقة ديمنغ الشهيرة المكونة من اربعة فعاليات هي خطط- اعمل- فتش ونفذ هي أساس معظم الإنجازات الناجحة، وقد ظهرت في العقدين الماضيين ديناميكيات جديدة فاعله منها " حدث التحسين" الذي يحقق انجازات ملموسة خلال خمسة إلى عشر أيام، وظهر مفهوم دوميك الذي يركز على عناصر القياس والتحليل والتحسين وغيرها من المفاهيم الكفوءة، ومن العبث تجاهل كل هذه التقنيات ومحاولة تبسيط الأمور بسذاجة مما يجعلنا نعجز عن ضبط آلية الإنجاز، فالمطلوب هنا هو اتقان مهارة استخدام هذه الأدوات والتقنيات وبشكل حرفي وضمن جدول زمني صارم.

هناك مفهوم خاطئ دارج يتعلق بأهمية رأي الزبائن أو المستخدمين أو متلقي الخدمة، والحقيقة أنه ثبت أحياناً جهل الزبائن فيما يتعلق بطريقة استخدام المنتج أو الخدمة المقدمة، حيث إنهم قد لا يملكون المعرفة الكافية ويعانون من تشتت الأولويات وحيث أنهم كثيراً ما يجهلون متطلباتهم وحتى فهم قد يكونوا خاطئين في اعتقاداتهم الخاصة بطريقة استخدام المنتج أو الخدمة، ويترتب على ذلك تغيير طريقة تفكير قادة المؤسسات واسلوب تواصلهم مع المستهلكين وبرامج التوعية المطلوبة، وهناك أمثلة عملية كثيرة فمعظم الأفكار التسويقية الإبداعية هي وليدة أفكار المصنعين والمنتجين! ولنأخذ صناعة السيارات والحواسيب كأمثلة معبرة.

يجب أن يتحلى القادة بمجموعة من الصفات والمزايا منها الوضوح، التباين، النزاهة، المرونة، الانفتاح، الثقة، الإهتمام، التوجه للأهداف، التعاون، الانضباط، التفهم، التواصل والتوازن، ونادراً ما نجد كل هذه الصفات موجودة في قائد واحد بل إن بعضهم يفتقر لمعظمها وتجده يمارس القيادة بثقة وقوة، ثم إنه قد يخفق في تحقيق النجاحات والاختراقات لمؤسسته ويحاول أن يخفي ضعفه وقلة كفاءته بالتحامل على مرؤوسيه واتهامهم بالكسل والتردد وقلة الكفاءة والمسؤولية وتراجع الحماس...الخ، وذلك يستدعي التدقيق في اختيار القادة والمسؤولين الكبار وتجنب الأساليب القديمة الفاشلة المرتبطة بالواسطة والمحسوبية والتجاوز الوظيفي والتي ما زالت مهيمنة بشكل مستمر وكامن في الكثير من المؤسسات!

هناك معادلة رياضية تنص على أن النتائج هي حاصل ضرب الجودة بالتقبل، حيث الجودة هي العنصر التقني بينما التقبل هو العنصر الثقافي الاجتماعي، ونلاحظ أنه مهما ارتفع معيار عنصر الجودة فإن التقبل المنخفض سيؤدي لفشل النتائج، لذا من الضروري التركيز على العناصر الثقافية في إدارة التغيير إذا ما أردنا تحقيق نتائج جيدة لمشروع ما، وحيث كثيراً ما فشلت مشاريع بالرغم من توفر الموارد والتقنيات بسبب ضعف الحماس والتحفيز مما أدي للإخفاق.

وحتى نكون عمليين علينا تحديد عناصر القبول الواقعية ومنها تطوير خطة عمل واضحة، تعريف الأهداف واللاعبين، التسويق الناجح المباشر للمنتجات والخدمات، ضمان الإجماع والتوافق، معالجة مقاومة التغيير، إعطاء الوقت الكافي لإنضاج المشروع وعدم التسرع.

إن المدير الفعال يمارس التفهم والاتصات والتوازن والإحترام وباسلوب متماسك تلقائي، بعيداً عن التصنع والإدعاء، وبروح عالية من تحمل المسؤولية وممارسة الإدارة بالقدوة والنموذج.

يمارس المدير الناجح جملة فعاليات تشبه العلاج الطبي الفعال وتشمل مجموعة طرائق كفوءة تبدأ من اختيار القيمة الإبداعية والتي تركز على الزبائن، وتمر خلال منهجية واضحة كالهندرة أو الكايزن، وتمارس نموذجاً معتمداً كحلقة ديمنغ (خطط، اعمل، فتش ونفذ)، وتستخدم عدة أدوات مثل الإحصاء أو بطاقات التوازن الرقمي، ضمن برنامج شامل كالحيود السداسي، الجودة الشاملة أو الرشيقة، وتنتقل لمنهج تطبيقي ناجح مثل تخطيط الموارد أو إدارة علاقات الزبائن..الخ، وقد لاحظت تخبط الكثير من مؤسساتنا في بحر الجودة الواسع بحيث تنطلق السفينة من ميناء ما ثم تفقد بوصلة الإتجاه وتتوه في المحيط وتعجز عن الوصول لوجهه الإبحار وميناء الرسو، ويحدث هذا في اعتقادي لضعف المعرفة المتخصصة وسوء اختيار المرشدين والمستشارين!.

 

وإذا ما أردت تلخيص عناصر القيادة الشخصية والتنفيذية فسأركز على عشرة عناصر: تطبيق قانون العشر ثواني، فحص الأولويات، وضع الفرضيات، معايرة السرعة، الصورة الشاملة، فهم ما يحصل، تشجيع المشاركة، تأسيس رؤيا، تطوير نظم الأداء وربط التحسين مع النتائج.

هناك فهم دارج خاطئ لإدارة المعرفة، حيث يتم التركيز على التكنولوجيا والعمليات، بينما ثبت أن العناصر البشرية تمثل حوالي 70% من مكونات إدارة المعرفة وتشمل التوجهات والابداع، المهارات والعمل الجماعي، الرؤيا والأهداف والإتصالات، وحيث ترتبط هذه بفعالية إدارة التغيير والبيئة الثقافية السائدة والسؤال هو كيف نحفز العنصر الثقافي في إدارة المعرفة والجواب هو في إطلاق حملة مبادرات منها الوعي والتدريب، إعطاء الوقت الكافي، وتطوير التفكير الابداعي، تعلم مهارات جديدة، تقبل الأخطاء، وجود منهجية لحل المشاكل، تشجيع الاتصالات، التنسيق والتعاون والعمل الجماعي، السماح بالحيود ومعالجتة....الخ.

كثيراً ما نغفل نحن تطبيق عناصر إدارة المعرفة وهي : المشاركة بالمعلومات، رسم خرائط المعرفة، المشاركة بالأفكار، تفعيل أجواء التعلم والتدريب، حل المشاكل، تحسين كفاءة استخبارات الأعمال...الخ، فالعملاء يقدمون للمؤسسة أشياء أكثر من مجرد العائد المالي مثل أفكار تطوير المنتجات، التغذية الراجعة، كذلك من الضروري قيام الشركات بنشر النجاحات بواسطة الشبكة الإلكترونية بغرض التفاعل مع الجمهور والبيئة المحلية. وتلعب بطاقات التوازن الرقمي هنا دوراً في سد الحاجة لقياس جملة العناصر المؤثرة على استراتيجية المؤسسة. وترتبط إدارة المعرفة مع إدارة التغيير من حيث الدور التحفيزي الذي يقوم بنشر الحيوية والتجديد في كافة مفاصل المؤسسة عن طريق نشر المعرفة المتخصصة، وهنا أنصح الشركات والمؤسسات بعدم تشكيل دائرة خاصة بإدارة المعرفة لأنها تفقد عندئذ دورها المتداخل والمتكامل، وهذا خطأ ترتكبه معظم المؤسسات، فالكل هنا مسؤول عن تقاسم المعرفة، ويكفي وجود ضابط إرتباط معرفي يعمل بالتنسيق مع ثلاث وحدات هي الجودة وتكنولوجيا المعلومات والموارد البشرية.

وبغرض نجاح دور إدارة المعرفة يجب التركيز على ثلاثة عناصر وهي العاملون والعمليات والتكنولوجيا، وهي قادرة على تسليح العاملين بالمعلومات الصحيحة وتؤهلهم لاتخاذ القرارات الصائبة وتخلق أجواء من التجديد والإبداع لمصلحة تزويد العملاء بالمنتجات والخدمات المميزة. اخيراً فإن إدارة المعرفة تسهل التحول والعناصر الثقافية لإدارة التغيير.

ارجو أن أكون قد وفقت في ربط عناصر القيادة الفاعلة مع كل من إدارة التغيير والمعرفة بغرض تنوير المؤسسات العربية للسمو والإرتقاء.

والله من وراء القصد

 

م. مهنـد النـابلسي

 

 

يبدو العنوان لا علاقة له بالموضوع لكنه اختراع إنكليزيّ بحت، ولكي أقرب الفكرة للقارئ الكريم أذَكِّر ببطل روايتي "ربيع التنومة" الذي يسمع بطل الفلم يصيح "kiss kiss" فينفجر ضاحكا هو وجمهور المشاهدين الذين حالما يخرجون من الصالة يبدؤون بالزعيق " kiss kiss" وما يشبه هذه الواقعة أذكر نكتة كنا نطلقها نحن تلاميذ الصف الخامس الابتدائي وهي السنة التي بدأنا نتعلم فيها الإنكليزية وتتلخص النكتة في أن المعلم يختار كلمات ويسأل كل تلميذ أن يضع له كلمة في جملة مفيدة، وعندما يسأل ذلك التلميذ البليد أن يضع كلمة "fan" وتعني مروحة فيجيب " كل من عليها فان"والحمد لله أننا ألفنا هذه النكتة في زمن البراءة الزمن الذهبي الذي لم يكن للتكفيرين والمتزمتين شأن في الحياة والتعليم وإلا لاقتحم علينا الصف أحد حاملي الأحزمة الناسفة فلم يكن هناك معلم ولا تلاميذ ولا "fan".

أعود للقول إن ما نراه نكتة في يوم ما قد يصبح بحثا علميا تقترح الكتابة فيه أرقى الجامعات، فقبل أيام اتصلت بأحد طلاب الدكتوراه، قسم اللغة الإنكليزية في جامعة ويست منستر westminster وأخبرني أن الأستاذ المشرف على دراسته اقترح عليه أن يقدم بحثا تمهيديا في 7500 كلمة عن "falls friends" وترجمته الحرفية الأصدقاء المزيفون، ولا علاقة للعنوان بالبحث الذي يمكن أن يعرف بكونه" الكلمات التي تتشابه لفظا في لغتين وتختلف من حيث المعنى" طالب الدكتوراه أخبرني أنه اختار بحثا آخر واقترح عليّ أن أكتب ولو شيئا ما عن هذا الموضوع الجديد فخطر بذهني عندها قضية القبلة في الشريط السينمائي والفان المروحة وكلمات أخرى تتساوى لفظا مع الإنكليزية وتختلف معنى كذلك بعض الكلمات التي  تتساوى لفظا في لغة أخرى مع العربية أو الإنكليزية وكلمات نجدها نفسها من حيث اللفظ في دارجة أو عامية عربية dialectفي بلد لكنها تختلف في المعنى في بلد عربي آخر.

وقد خطرت في ذهني الكلمات التالية:

هور: في العربية الهور هو المسطح المائي وجمعها أهوار يقابلها في العربية مصطلح البطائح وال"whore" في الإنكليزية تعني العاهر.

مات: الفعل مات في العربية و"mat" في الإنكليزية تعني حصيرة.

فات: مَرَّ و"  fat" سمين.

توم باللهجة العراقية تعني التوأم و "tome" رجل ضخم.

دين نقول الدين الإسلامي والمسيحي وغيرهما وكلمة "dean" تعني عميد كليّة.

جابر نقول جابر القلوب جابر الشيء و "jabber" تعني الثرثرة والثرثار.

Fuck معروف معناها في اللغة الإنكليزية وفي العربية حلّ أو فكّ فتح يقال فك العقدة وفك البرغي وقد حدثني صديق عراقي أنه حينما كان يستقل الترام مع زوجته وكانت غاضبة من ابنها الذي فك حبل الغسيل فكانت تقول فك الحبل وقلت له لايفك الحبل مما لفت نظر الجالسين في التراب الذين كانوا يسمعون الكلمة من امرأة شرقية محتشمة فيفهمونها بلغتهم!!

Air

………???

أما الدنماركية والإنكليزية فنستطيع أن نضرب مثلا بكلمة:

Gift التي بمعنى متزوج أو سُمّ  وفي الإنكليزية هدية.

وما دمنا بصدد الدنماركية فيمكن نشير إلى كلمة:

Gave الكيوة بالكاف الفارسية تعني الهدية وفي اللغة الكردية حذاء الرجل المصنوع من الكتان الذي ليس هناك فرق بين يمناه ويسراه حيث الفردة تلبس في أية قدم كانت.

Yahooمعناها في الإنكليزية شيء غريب وبالعامية العراقية " من" نقول ياهو هذا أي من هذا.

أما في العاميات العربية فهناك بعض الاختلاف في معاني بعض الكلمات مثل الكلمات التالية:

الزنبور: في العامية العراقية تلك الحشرة المعروفة وفي العامية الشامية تعني البظر.

الزامل: اسم شائع في العراق لكنه عيب في المغرب وأذكر أنه في عام 1979 زار وفد حكومي عراقي المغرب فيهم مسؤول اسمه زامل وعندما عدَّد مذيع التلفاز المغربي أسماء الوفد ووصل إلى زامل ابتسم ابتسامة ما!!

يحوي:نقول في العراق نحوي الرطب والتمر وربما اقتصرنا هذه الكلمة على النخل وحده أما بقية الأشجار فنقول " نقطف" وكلمة يحوي في المغرب تعني يضاجع ويجامع بمعناها السوقي.

العافية: تعني الصحة نقول الله يعطيك العافية أي الصحة وفي المغرب تعني العافية النار فدعاء لشخص بأن يعطية الله العافية وفق تصوّر الناس هناك هو بالدعاء على الشخص وليس له.

الكلمات السابقة يمكن أن تكون جزءا من مشروع حيث تدرس وتقارن وَتعُلَّل أسبابها ونتائجها الاجتماعية والسياسية، لقد قرأت يوما ما في مجلة مصرية أن الحكومة المصرية بعثت في ثلاثينيات القرن الماضي  سفيرا إلى إلى إحدى الدول الأوروبية فاعتذرت تلك الدولة عن استقباله لأن اسم السيد السفير عندهم عيب شديد وقبيح فراح ذلك الشخص ضحية اسمه الذي يدل على عيبب شنيع في مجتمع آخر بالضبط مثل كلمة "kiss" التي هي أجمل شيء تعلمه آدم وحواء حين التقيا بعد فراق طويل فأورثانا ذلك الشيء الذي هو عيب عندنا في سورية ومصر والعراق ولبنان!

وأظن أن هذا موضوع شيق كانت في ذهني يوما ما نكتة ولعبة وإذا بي أكتشف أنه يمكن أن يكون بحثا علميا يدخل ضمن باب " المقارنة بين اللغات".

 

قصي الشيخ عسكر

 

 

إن نجيب بنداوود، شاعر، لا ينفك أن يجعل من جسد المرأة لوحة فنية تندمج فيها كل مشاعر الإنسانية، من فرح وألم ومعاناة وطول انتظار. إذ يكتب بالفرنسية، حيث لا شيء يعلو فوق جمالية الحس المرهف والدقة في التصوير الشعري. فقصائد نجيب بنداوود ذات الطابع الحر، تميل إلى الجانب الرومانسي، حيث يكشف لنا الشاعر عمق العلاقة الوجدانية التي تربطه بالمرأة في كل تجلياتها. ولعل ديوان "حنان" من النصوص، التي دفعت العديد من القراء إلى اكتشاف الفضاء الشعري، حيث القصيدة فرصة اللقاء بين الشاعر العاشق وحبيبته البعيدة هنا وهناك. ومن ثمة، فهو لا يبحث عن الكمال في الكتابة، بقدر ما يعتبر الكتابة تعبيرا عن إنسانيته، ووجوده المتجذر في كيانه، وعقله، وفي العلاقة التي تربطه بالآخر. فتجربة الشاعر الأكاديمية والسيكولوجية تظهر بكل جلاء في وصفه لجسد المرأة، ومحاولة تحريره عن طريق التمرد على قانون التقاليد والعرف. أي أنه يجعل من حبه بحثا عن الجمال، ومحاولة لقاء الذات عند نقطة اللقاء بين الجنسين "الذكر والأنثى".

وتظهر لغة التحرر هذه، عند وصف الشاعر لجسد المرأة والتوغل في حيثياته الصغيرة، خاصة التركيز على المناطق الحساسة كـ "النهد والشفتين والعيون’". إنه، بهذا المعنى، يعتمد لغة شعرية سلسة، لكنه يجعل من الاستعارة آلية الوصف الأولى، خالقا بذلك عالما رمزيا يختلط فيه الملموس باللاملموس، والخيال بالواقع واللغة بالرمز.

إن ديوان "حنان"، ليس فقط، تعبيرا حرا عن حالة الحب والحنين، بل إنه يجعل من جسد المرأة نقطة اللقاء بين جميع عناصر الطبيعة، وليس غريبا أن يتغزل الشاعر بحبه عن طريق مناجاة السماء، أو عن طريق الليل وانتظار صباح لا يأتي إلا بحضور الحبيبة. وكل هذا، يجعل من شعر نجيب بنداوود لوحة سيريالية حيث "الأنا" في حالة من الفوضى العارمة، والروح بين مصرعين: اللقاء والانتظار. وهكذا، فإنه يجعل من القصيدة رصيف انتظار، حلما نرجسيا تخلد فيه كل لحظة بلحظة. وتخليد هذه اللحظات لا يمكن أن يتأتى إلا عن طريق التغني بمحاسن الحبيبة الغائبة/الحاضرة في النص وخارجه. فالشاعر يعكس حالته النفسية على جسد المرأة الذي يتحول الى مرآة أحاسيسه ونزواته ورغباته العاطفية. كما أنه يكتب انطلاقا من تجربة معاشة، تظهر من خلال التركيز على وصف الذات وتحولاتها النفسية في حضور وغياب الآخر "الحبيبة":

"وعينيك الهادئتين العميقة الزرقة

 تحكيان عن السكينة لعيني الحالمتين

أعشق ليلة بيضاء لا ينبلج صبحها

تحدثني عن رقصك

أعشق غناء جسدك

وارتعادة قلبك".     (تعريب محمد صلاح بنعمر)

تبعا لذلك أو بناء عليه، فإن نجيب بنداوود ينطلق بنا إلى عالم يحمل ألوان الروح المضطربة، ويتغير حسب تغير مناخ القلب الغارق في بحر من الحلم والحب. إذ يجعل من القصيدة جدار يثبت عليها كل اللحظات العابرة، ويكون البوح على إيقاع الثمالة العاطفية ورحلة البحث عن نواقص "الأنا" في أعين السماء "الحبيبة"، كما يصورها لنا غالبا في معظم قصائده. إن لغة الصمت تجتاح كل القصائد، والحلم عابر كالطيف لا يترك أثرا ولا صوتا. فالشاعر في حالة حب تتحول من العشق إلى الهيام. مما تقدم، فإن نجيب بنداوود يجعل من ديوان "حنان" أغنية الحب خلال الوداع الأخير، بالرغم من أنه ليس هناك مكان للوداع، بقدر ما هناك ولادة بعد ولادة أخرى. لذا فهو يشبه الحبيبة في بعض الأحيان بالورد، وفي بعض آخر بالعالم، أي الحبيبة تتجاوز كل الصفات رغم محاولات الشاعر العديدة لوصفها. وعادة ما يجعل الشاعر من لغة الغزل لغة تواصلية يتواصل من خلالها مع الآخر "الحبيبة"، في تجاوز واضح لكل الأزمنة والأمكنة. ولهذا كله، فهو يعتبر حبيبته الزمان والمكان الوحيدين حيث كل شيء ممكن، فلا وجود للمكان والزمان إلا بوجود أثر هذه الأخيرة:

"سأنتظرك محتشما

لن أفكر في شيء

الفراغ يعيق كأسي".

 

إذن، فالشاعر في حالة الضياع والتيه في ألوان الحبيبة، وما القصيدة إلا الفضاء الرمزي، الذي يعيد فيه الشاعر تكوين العلاقة العاطفية، التي عاشها بغية الوصول إلى الجنة الخالدة : "ما وراء الحب". وليس أعمق وأكثر أهمية من وراء الحب إلا لقاء الذات بعد فصول من التيه والضياع. فلغة الحب والغزل عند نجيب بنداوود لا تستقر إلا باستقرار الذات، واستمرار الفوضى الحسية يعني بالأساس استمرار المعاناة العاطفية، واستمرار المناجاة الساكنة لسماء ليست كالسماء. وديوان "حنان" كالرعشة بعد الوقع في الحب. فالرقة والإحساس المرهف يجعل من شعر بنداوود لونا شعريا فريد من نوعه وشكله. إذ إن هذه اللغة تستوجب إعادة القراءة، والتأمل الدقيق لفهم ألغاز القصيدة، والهدف من كتابتها. فالتشخيص من أهم مقومات الكتابة عند الشاعر، لنجد الكون كله حاضر في جسد المرأة، وجسد المرأة لا يكتمل إلا بارتداء جماليات الكون وألوانه الساحرة:

"منك، من هذه الابتسامة

لا أريد شيئا

غير بعض القطع

من سماءك الزرقاء".

 

ويرحل بنا الشاعر إلى أصيلا، حيث تختلط ألوان السماء بروائح القهوة، ويتزاوج البحر والريح في جو هادئ، حيث الحب والجنون وجهان لعملة واحدة. فمدينة أصيلا من المدن الساحرة التي عادة ما تؤثر على الشعراء والفنانين التشكيليين وتترك بداخلهم أثرا خالدا. فالشاعر يجعل من زيارة هذه المدينة لحظة التأمل في عبثية الحياة، وفرصة للنبش في نظرات الحبيبة باحثا عن السعادة المفقودة، سعادة الحب الضاحك كالطفل يلامس شفاه حبيبته. وتكرار مطلح "اللون" في قصائد نجيب بنداوود دليل على تشبع وتأثر الشاعر بالفنون التشكيلية. فالألوان في ديوان "حنان" هي تلك الكلمات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بجمال الحبيبة. ومدينة أصيلا ما هي إلا تأكيد على أن الشاعر يستلهم قصائده من جماليات الفن التشكيلي، ليتحول من شاعر إلى رسام بالكلمات.

وكما قلنا سابقا، فالقصيدة أشبه بالجدار يرسم عليه الشاعر بورتريه لحبيبته، تختلط فيه ألوان الحلم والكون والمسافات. بالإضافة إلى التركيز على الموسيقى، فديوان "حنان" يمكن اعتباره ملتقى الفنون الجميلة من شعر ونثر وتشكيل وموسيقى. وربما الغرض من خلط كل هذه الفنون، هو خلق فضاء شعري متعدد الأوجه، فاللغة الشعرية ذات الإيقاع الموسيقي الداخلي الرنان، تجعل من نصوص بنداوود أغان للجمال والحياة. فالموسيقى ليست حاضرة فقط كتيمة، وإنما حاضرة بقوة في إيقاع القصيدة الداخلي والخارجي، وكأننا أمام أغنية تنسجم فيها الأحرف مع القافية. إن نجيب بنداوود ليس فقط شاعرا، وإنما إنسانا حالما بكل اللغات والفنون، ولغته في الحب لغة عمياء حيث الكلمة للحواس، فالحبيبة هي الإيقاع الوحيد في فضاء القصيدة .

ومن الصعب ترجمة قصائده، فالترجمة من الفرنسية إلى العربية تفقدها جماليتها الموسيقية، فغالبا ما تكون ترجمة الشعر خيانة للرعشة الأولى التي كانت سبب القصيدة. لذلك يجب قراءة نجيب بنداوود بالفرنسية، لغة الجمال والرومانسية والعاطفة. هذا ويمكن القول، إن ديوان "حنان" من النصوص الشعرية المغربية الأكثر جمالية من حيث التصوير والكتابة. نص عميق، نحت من أجل الخلود في عالم الكتابة الرومانسية. وليس غريبا أن تترجم أعمال هذا الشاعر إلى العربية والإسبانية لما تشكله من إبداع وازن، تختلط فيه كل الأساليب والأشكال الأدبية والإبداعية. فالشعر رعشة الحب الأولى وبدايته ومنتهاه. والشاعر أراد أن يجعل منه سبب الحياة، فالحبيبة أشبه بالحلم يطارده في كل مكان.

وبصفة إجمالية، فإن نجيب بنداوود يكتب بلغة الروح، ويجعل من نفسه الشاهد الوحيد على كل لحظة يعيشها. وعلى القارئ أن يقرأ قصائده بوجدانه لأنها لغة من القلب إلى القلب، لغة لا لون لها ولا تستقر أبدا كالزمان العابر في متاهات الحلم. هي، إذن، لغة القصيدة، وما الخلود إلا للقصيدة. 

 

عثمان بوطسان. كاتب وشاعر مغربي

 

 

البحث العلمي هو نافذة البشرية الوحيدة إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والفكري، بل أن كل الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية ما هي إلا ثمرة من ثمرات التراكم المعرفي والعلمي القائم على أسس تطوير منهجية البحث العلمي، وما عدا ذلك فأن حياتنا لا تعدو إلا أن تكون طقوس من التنجيم والخرافة والسحر والشعوذة والاجتهاد العبثي، يعاد فيها إنتاج التخلف وتوليده على نطاق واسع في كل مفاصل الحياة العامة والخاصة، حيث يتم فيه تعطيل قيمة العقل الإنساني، الذي لا سلطة تعلو عليه، في البحث عن الحلول العلمية لمختلف مشكلات الحياة، وعندها يتوقف الزمن، حيث لا نشعر بقيمة التقدم وجدواه وتبقى حياتنا تكرارا مبتذلا لأسلافنا، وفي أحسن الصور يكون وجودنا محاكاة مشوهة لما ينجزه الآخرين دون القدرة على استنبات العلم والتقدم التقني والاجتماعي في البيئة الوطنية !!!.

أن البحث العلمي كآلية هو العملية الفكرية المنظمة التي يقوم فيها الباحث إن كان فردا أو مؤسسة بحثية أو جامعية من اجل تقصي الحقائق بشأن مسألة أو مشكلة معينة تسمى (موضوع البحث )، بأتباع طريقة علمية منظمة تسمى (منهج البحث) بغية الوصول إلى حلول ملائمة للعلاج أو إلى نتائج صالحة للتعميم على المشاكل المماثلة تسمى (نتائج البحث). فالبحث العلمي هو الطريقة الوحيدة للمعرفة حول العالم بكل تنوعاته وغناه، ولفهم الحقائق الواقعية بعبارات القوانين والمبادئ العامة. والبحث العلمي كمنهج يطال كل مفاصل الحياة بدون استثناء، الروحية منها والمادية، ولا توجد فرصة للخيار بين البحث العلمي أو عدمه، فالمراوحة في الخيار هي نوع من الباطل، وعدم الأخذ بالمنهج العلمي يعني اختيار التخلف كطريقة للبقاء والعيش، وهو ما يرفضه علنا وحياء حتى أكثر دعاة ورموز الأمم تخلفا، فأما الحياة أو الموت !!!.

ومن هنا نستطيع القول بما لا خلاف عليه بين من يلتمسوا تشخيص الحاضر ويبنوا المستقبل أن البحث العلمي هو الطريقة لمعرفة وحصر مشاكل المجتمع، وتحديد درجاتها من الأهمية، وأولويات وطرق التعامل معها، وهو السبيل الوحيد لحل تلك المشاكل بما ينسجم مع إمكانيات المجتمع وقدراته وطموحاته؛ وهو الطريق للحفاظ على القدرة التنافسية للمجتمع في عالم متحرك ومتطور بسرعة فائقة؛ وهو الطريق لتشخيص وتلبية حاجات المجتمع المستمرة والمتزايدة في كافة مجالات الحياة، عن طريق تطوير طرق الإنتاج والأداء وأدواته وخاماته ووسائله في مختلف مجالات الحياة في، في الزراعة والصناعة والخدمات وحسن استخدام الثروات الطبيعية وغيرها، بما يؤدي إلى تحقيق الكفاية أو يقترب منها ويضع السياسات الحكيمة للموائمة بين تلك الحاجات وبين الإنتاج والاستيراد، ويحقق معدلات مرتفعة من التشغيل للفئات الاجتماعية المختلفة حسب المؤهلات والكفاءات المهنية والعلمية المتاحة، مما يؤدي بدوره إلى نوع من الانسجام والتوائم الاجتماعي !!!.

والبحث العلمي ضرورة ملحة لنظام الحكم ومؤسساته ووزاراته وكل أجهزة المجتمع ومؤسساته ومنظماته، حيث لا يمكن التخطيط واستقراء المستقبل بدون بحث علمي، ولا يمكن أيضا بدونه القيام بعمليات التنفيذ والمتابعة والتطوير وحل المشكلات الطارئة؛ والبحث العلمي أيضا شرطا أساسيا على المستوى الفردي، حيث يحتاج الفرد من اجل حياة موفقة أن يفكر في كل خطواته وتحركاته من إقدام وإحجام، وان يجمع لها البيانات اللازمة ويحسب الخسارة والربح المترتب على ذلك وتأثيره المستقبلي؛ كما أن البحث العلمي بمعناه الواسع يمتد ليشمل جمع المعلومات وتوظيفها في جميع أنشطة الحياة العلمية والعملية، ويمتد ليشمل الأفراد والجماعات والمجتمع، فإذا ما ارتبطت بخطوات محكمة منظمة ومتسلسلة لجمع المعلومات وتحليلها والتأكد من صحتها بغرض الإجابة على سؤال معين أو تفسير علاقة ما أو حل مشكلة ما، كان ذلك يعرف بالبحث العلمي، أنه سلوك المجتمعات المتمدنة والمتحضرة ووسيلتها لحل مشاكلها والتغلب على أزماتها. وعدا ذلك يصبح كل شيء عشوائي، مما يزيد من فرص الفشل والإحباط والتخبط في إيجاد حلول للازمات. أن غياب البحث العلمي في بلادنا هو مصدر أساسي في التخلف والفوضى التي تضرب كل مرافق الحياة، مما يسبب في ضياع الوقت وإهدار المال وشيوع الفساد بمختلف مظاهره، ويشكل فرصا مواتية لشيوع الخرافة بكل ألوانها، السياسة والدينية وانتشار الجهل والغباء في تفسير ما يجري على ارض الواقع وفقا للمنطق المعكوس في وضع العربة أمام الحصان !!!!!. 

وفي ضوء تلك الاعتبارات لا نستغرب من الصراع الذي يجري اليوم في العالم من اجل حيازة المعرفة العلمية لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها ومن اجل صناعة الحياة وتحقيق التطور والنهوض، بل أن الكثير من دول العالم وفي مقدمتها أمريكا تسعى بطموحاتها المشروعة وغير المشروعة عبر الاستحواذ على المعرفة لقيادة العالم، لأن ذلك يشكل المدخل لامتلاك كل شيء، من تكنولوجيا و سلاح متطور إلى إنتاج نوعي في مختلف المجالات الحياتية، وهذا الجهد بطبيعته جهدا منظما لا يمكن أن يجري في الفراغ، حيث ينبغي توفير الحرية والدعم والأموال وبناء المنشآت والمعامل والأدوات، وتأهيل الكوادر البشرية، وخلق الحوافز المادية والمعنوية، التي تجعل من الإنتاج الفكري عملا يستحق المعاناة والجهد المتواصل. بل أن الكثير من الدول المتطورة تعلن عن طموحاتها في تصدر عالم المعلومة الرصينة، ولا نستغرب من المؤسسة الوطنية للعلوم في أمريكا تحدد لنفسها الأهداف الثلاثة الآتية:

ـ النهوض بالاكتشافات والنشر المتكامل وتوظيف المعلومات الجديدة في خدمة المجتمع.

ـ تحقيق التمايز في العلوم والرياضيات والهندسة وتدريس التكنولوجيا في جميع المستويات التعليمية.

ـ تمكين الولايات المتحدة من التمسك بقيادة العالم في جميع مجالات العلوم والرياضيات والهندسة.

أن أسباب تخلف البحث العلمي وتدهوره هو جزء من تخلف الحياة العامة الذي يعكسها تخلف البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والذي ينعكس بدوره على تخلف المنظومة التربوية والتعليمية والتي يرتبط بها العلم والبحث العلمي والقناعة به كمنهج للحياة وحل المشكلات. وتتضح ابرز أسباب ملامح ضعف البحث العلمي وكفاءته فيما يأتي:

ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية، فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط، فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي، ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر، ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته، فيعتبر ما عنده صالح لكل الأزمان والأمكنة، وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة، ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا إلى قمة النظم السياسية، التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه، وتحول الكيان الاجتماعي إلى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية، تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا، حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

ـ ويرتبط بالعوامل المذكورة أعلاه غياب ثقافة أهمية البحث العلمي والاكتشافات العلمية والرغبة في الإبداع والاختراع في الوعي والتفاعل الاجتماعيين، وبالتالي يغيب التفكير والتشجيع والدعم عن المسار البحثي والعلمي وعن العلماء والباحثين والمكتشفين في المجتمع، وترتبط جذور ذلك أصلا في غياب القيمة البحثية في مناهج التعليم بمراحله المختلفة والقائمة أصلا على الحفظ والتلقين والاستذكار التقليدي، وهذا النظام التعليمي التلقيني لا يحتاج إلى كفاءات عالية ولا إلى مستلزمات تقيم متطور لقياس مهارات الطلاب في الفهم والتفكير وحل المشكلات، إلى جانب كونه نظام يدفع إلى الكسل والاتكالية والخمول العقلي، ولا يستثير في الطالب فكرا أو تساؤلا بل يقتل فيه ملكة التفكير، وتنتفي في هكذا نظم تعليمية القدرة على صناعة الباحثين في الخطط التعليمية عبر التراكم المعرفي في مراحل التعليم المختلفة.

ـ ضئالة الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي وللباحثين في الجامعات وفي الدول العربية بصورة عامة بسبب من غياب إستراتيجية واضحة في هذا المجال وتخلف النظرة إلى الإنفاق باعتباره إهدارا واستهلاكا للأموال غير مجدي، وليست استثمارا طويل الأمد يأتي أضعاف ما ينفق عليه، وقد أوردنا في بداية البحث ما يعكس الضعف في هذا المجال قياسا بالمعايير الدولية.

ـ الفساد الإداري والمالي وضعف معايير الكفاءة والأهلية المهنية والعلمية في انتفاء الكادر القيادي لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، واللجوء إلى معايير الحزبية والمذهبية والطائفية والموالاة في انتقاء الكوادر الإدارية، وغالبا ما تكون هذه القيادات بعيدة كل البعد عن مفهوم الاستقلالية والنزاهة، بل هي أطراف أساسية في صراعات مصلحيه ضيقة مع غيرها، بل هي أطراف في الفساد بمختلف مظاهره، مما يحرم هذه المؤسسات من الاستقرار والنزاهة والحيادية التي هي شروط لازمة للارتقاء بالعلم والبحث العلمي. ويرتبط بذلك ويرافقه سياسات أبعاد الكوادر العلمية عن مواقعها العلمية والبحثية من خلال التهجير ألقسري والإحالة على التقاعد وانتهاء بالتصفيات الجسدية ومسلسل الاغتيالات للكوادر في مختلف التخصصات العلمية.

ـ الآثار الضارة للمركزية الإدارية الشديدة في التعليم وغياب إستراتيجية إدارية ـ علمية معاصرة، حيث ساهمت الإدارة المتخلفة وعلى مر عقود في غياب تصور علمي دقيق وشامل للعمل البحثي، انتفت فيه عمليات التناسق والتناغم والتخطيط لمكونات العملية البحثية ومقوماتها الأساسية (الباحثين، التمويل، التطورات العلمية والتقنية، الأولويات البحثية بما يخدم احتياجات المجتمع وتطوره، المعامل والأجهزة والمعدات العلمية وغيرها)، وبين المراكز البحثية المختلفة، وبين البحث واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمختلف البحوث. 

ـ أن غياب إستراتيجية شاملة للبحث العلمي في كل بلد عربي تتضح آثاره جليا في ما يسمى بالفوضى البحثية، والتي تتضح أبرز معالمها في العمل البحثي الفردي لأغراض فردية وذاتية بحتة، سواء لأغراض الترقية العلمية فقط أو للحصول على المال في أمكنة النشر، وعدم وجود فرق بحثية تتكامل بين أفرادها، وهو سمة مهمة من سمات تطور وارتقاء البحوث في عالمنا المعاصر، وعدم التنسيق بين المراكز البحثية المنتشرة في البلد الواحد، وانفصال البحوث عن المشكلات الاجتماعية واحتياجات المجتمع، مما أدى بدوره إلى تكرار واجترار البحوث السابقة، فهي لا تخدم في معظمها قطاعات صناعية أو زراعية ولا تواكب حاجات المجتمع في ميادينه الناشئة الحديثة كتقنية المعلومات والتكنولوجيا المتطورة، وكان ذلك سببا في إنتاج كم هائل من المجلات والدوريات ذات الموضوعات المتكررة في البلد الواحد بل وفي القسم و الكلية والجامعة الواحدة في البلد المعني، واغلب هذه الدوريات غير معروف عالميا ولا يضيف قيمة علمية للبحوث العالمية !!!.

ـ عدم وضوح فكرة أن الجامعات هي جزء من آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يجب أن تكون بحوثها على تماس مع مشكلات المجتمع بمختلف قطاعاته، وبسبب غياب الرؤى في هذا المجال نرى أن اغلب بحوث الماجستير والدكتوراه تستهدف تهيئة وتدريب الكادر على طرائق ومنهجية البحث العلمي، وهي بهذا بعيدة كل البعد عن المساهمة في البحث عن الحلول للمشكلات الاجتماعية المختلفة، وبسبب من ذلك تأتي اغلب الأبحاث سواء الأساسية منها أو التطبيقية تكرارا لسابقتها، إن لم يكن تكرارا مملا فهو تكرارا بحلية شكلية ترضي المشرف عليها، وقد تبدو لصاحبها أصيلة وهي  بعيدة كل البعد عن الأصالة.

ـ لا يشكل البحث العلمي إلا قدرا هامشيا أو ضئيلا من عمل الأستاذ الجامعي فهو مغرق بالساعات التدريسية مما يشغل جل وقته في التهيئة للمحاضرات النظرية أو أعمال المختبر التقليدية، كما أن الكثير منهم تضعف علاقاته بالبحث العلمي بعد حصولهم على الدكتوراه أو بعد نيل درجة الأستاذية أو الأستاذ مساعد أو أستاذ مشارك، وينصب اهتمامهم في الإشراف على الأبحاث فقط أو أعمال روتينية إدارية كإدارة قسم أو كلية أو جامعة، رغم أن دور الأستاذ يجب أن يكون مستمرا في إنتاج أفضل البحوث المفيدة سواء للمجتمع أم للعملية التعليمية في أروقة الجامعات.

ـ ضعف البنية التحتية للأبحاث النظرية والتطبيقية من مختبرات وأجهزة ومكتبات علمية، فالمختبرات وأجهزتها وصيانتها ونقص المواد الأساسية لها بمختلف التخصصات ونقص الكادر الفني ذات الصلة بذلك هو سمة بارزة لأغلب ما تعانيه الجامعات العربية وتشكو منه، إلى جانب ضعف قاعدة المعلومات الحديثة، سواء من مطبوعات ودوريات علمية عالمية أو غياب المكتبات الرقمية أو الالكترونية وقواعد البيانات البحثية وغبرها من أدوات التعليم الالكتروني للتواصل مع العالم البحثي.

ولا نستغرب من كل هذا ولتلك الأسباب حصرا عدم تبوء الجامعات العربية لمكانتها العلمية بين الجامعات العالمية رغم الجهود المبذولة من قبل مختلف الجامعات العربية، فالطموح لتبوء مكانة لائقة في وسط الجامعات العالمية شيء ويبقى طموح مجرد، وفهم أسباب التخلف العلمي والقدرة على تجاوزه شيء آخر !!!!.

أن الحديث عن إصلاح أوضاع البحث العلمي والنهوض به يبقى حديثا لأغراض المتعة المعرفية والعقلية، ما لم يكون متزامنا وقائما على خلفية التحديث السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي والفكري للمنظومة الرسمية السائدة، فلا يعقل أي باحث من أن إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية وإصلاح الجامعات وما يرتبط بها من وظائف، كالتدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع المحلي، أو اصلاح المراكز البحثية المنتشرة خارج الجامعات، أن يتم هذا كله في وسط إدارة عامة بيروقراطية متخلفة فاسدة شديدة المركزية، وفي ظل نظام سياسي لا يؤمن بالحريات الديمقراطية وحرية البحث والتنقيب عن الحقيقة، أو في ظل مجتمع تسوده الأمية والفقر والجهل والتطرف، وبالتالي فأن النضال والجهود لإصلاح أوضاع العلم والبحث العلمي هي جهود مكثفة ومتزامنة مع جهود أخرى على أكثر من صعيد، وأن أفضل المقترحات في الإصلاح، وخاصة تلك التي تستجيب وتنسجم مع معايير الجودة العالمية في الإصلاح لا ترى النور وتبقى حبر على ورق أو أمنيات مستحيلة التحقيق في أذهان مصمميها ما لم تجري في إطار عملية اصلاح شامل للمنظومة الاجتماعية، ولعل ابرز المقترحات للنهوض بعملية البحث العلمي هي:

ـ ضرورة العمل على ربط الأبحاث العلمية بمشاكل المجتمع وقطاعاته المختلفة، الصناعية والزراعية والخدمية، الخاصة منها والحكومية، من خلال المسوح الشاملة لهذه المشكلات وضرورات الحاجة الملحة لحلها بما يخدم برامج التطوير والتنمية الشاملة، ويلعب التنسيق هنا بين مراكز الأبحاث في الجامعة وخارجها دورا مهما في هذا المجال للتركيز على الأبحاث النوعية ومنع تكرار البحوث ذات المشكلات المتشابهة، مما يجب الإهدار في الإنفاق والجهد ومضيعة الوقت.

 

ـ العمل الجدي على توعية قيادات القطاع الخاص بأهمية البحث العلمي وضرورته لحلول المشكلات المختلفة، مما يسهم برفع الكفاءة الإنتاجية لهذه القطاعات، ويؤدي أيضا بدوره إلى زيادة مساهمة هذا القطاع في تمويل عمليات البحث العلمي، وليست فقط الاعتماد على الحكومة كمصدر وحيد للتمويل، أسوة بما يحصل في بلاد العالم المتقدم.

ـ استحداث ميزانية خاصة للبحث العلمي سواء في إطار وزارات أو إدارات التعليم العالي والبحث العلمي أم خارجه، وتقرير نسب معقولة من الإنفاق المالي قياسا إلى الناتج الإجمالي، والى الموازنة العامة المخصصة لقضايا التربية والتعليم العالي، وهو ما معمول به في البلاد المتطورة.

ـ التطوير المستمر لبرامج تفرغ أعضاء هيئة التدريس وتخصيص ساعات معينة لإنتاج البحوث العلمية كجزء من النصاب التدريسي للأستاذ.

ـ التشديد والصرامة في نظام الترقيات العلمية للكادر التدريسي، من مدرس مساعد إلى مدرس ثم أستاذ مساعد إلى أستاذ واعتماد الإنتاج العلمي ودورهم البحثي وقدراتهم التدريسية الفعلية من ضمن المؤشرات الرئيسية لذلك، بعيدا عن العلاقات الشخصية والمحاباة والشللية، مما يسهم في إنتاج كادر يحترم نفسه ومهنته.

 

ـ إقامة شبكات وطنية للمعلومات تربط بين الجامعات ومعاهد البحوث وبعض المؤسسات المعنية الأخرى وأهمها التجارية والصناعية والإفادة من تجارب الجامعات الرصينة في العالم في مجال إنشاء الشبكات الفعلية والافتراضية للبحث والتطوير وشبكات بين الباحثين واستحداث برامج للدراسات العليا موجهة نحو الأبحاث التطبيقية الهادفة إلى خدمة أغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية.

ـ ضرورة تطوير النشر الالكتروني ونشره على نطاق واسع وتشجيعه لمزاياه المختلفة من سهولة ورخص وتوفره في كل مكان، وشيوعه على نطاق جغرافي واسع يتجاوز محدودية النشر الورقي، ثم ضرورة إنشاء موقع الكتروني لكل مركز بحثي، أو قسم من أقسام الكليات في الجامعات المختلفة، وتطويره وتحديثه بأخر المعلومات المتاحة.

ـ تشجيع إنشاء جمعيات علمية وطنية وفق المقاييس العالمية لترويج البحث العلمي والتعاون مع الجمعيات العلمية والأجنبية، ويرتبط بذلك ويعززه حث الأستاذ على الانتماء لعضوية الجمعيات العلمية ومراكز البحوث الأجنبية ونشر البحوث لدى دورياتها العلمية وتحفيز الأساتذة على المنافسة في البحث العلمي ونشر البحوث المميزة.

ـ الحاجة الملحة لتطوير البنية التحتية للبحث العلمي، وخاصة البحوث التطبيقية لتوفير أجهزتها الضرورية وطاقمها الفني اللازم للصيانة والدعم لإجراء الأبحاث، فالجهاز العتيق البالي يأتي بنتائج مشكوك فيها، وعدم توفر المواد الأساسية للأبحاث هو الآخر يعرقل انجاز المهمة البحثية.

ـ خضوع الأستاذ للتدريب المستمر عن طريق دورات تدريب القيادات والتعاون بين الجامعات وتحتسب شهادة الكفاءة لإغراض الترقية العلمية وتطوير أساليب البحث العلمي. ويساعد التدريب على الرقابة العلمية على الأستاذ وخاصة إدخاله المعرفة الجديدة في أبحاثه ويعينه على التقويم الذاتي لانجازاته.

ـ العمل الجدي والمسئول لتخطيط البعثات العلمية إلى الخارج، وتحويلها من امتياز شخصي إلى الدارس للنقاهة والاستجمام بسبب من انتمائه المذهبي والسياسي والقبلي، إلى رحلة علمية حقا للبحث والاستكشاف، وهنا يجب اختيار المشكلات التي يحتاج المجتمع فعلا حلولا لها، وليست البعثة لإغراض دراسة التاريخ الإسلامي والعربي في جامعات الدول الأوربية والعالمية (فشر البلية ما يضحك)، أنه مضيعة للوقت والجهد والمال، ولكي يعود الدارس بمزيد من المدخرات في العملة الصعبة.

تلك هي إشارات بسيطة لواقع البحث العلمي وسبل تطويره، وتبقى الحلول الجذرية ومدايات الأخذ بها والقناعة بتحويلها إلى خطوات إجرائية رهين بمدى انهيار المنظومة السياسية التقليدية القائمة على الخرافة والقمع والاجتهاد المؤذي، فأما العلم أو الجهالة إلى حين. لقد خضت في الكثير من التفاصيل في هذا الموضوع الحيوي في مناسبات علمية وبحثية مختلفة.

 

د.عامر صالح 

 

توصلنا في الحلقة الأولى الى تحديد مؤشرات سيكولوجية مستخلصة من سيرة حياة ترامب تمثل سبع خصائص او سمات في شخصيته سيكون لها دور في مزاج وتفكير ترامب والتنبؤ بطريقته في اتخاذ القرارات .. وانتهينا بأربعة تساؤلات هي:

- ما هي حقيقة ترامب؟

- كيف يفكر وكيف يعمل عقله؟

- اي نوع هو من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية؟

- وكيف سيكون العالم في السنوات الأربع القادمة؟

 وهذا ما سنجيب عنه في هذه الحلقة.

ترامب .. تحت المجهر السيكولوجي.

 كان اشهر من بدأ تحليل شخصيات المشاهيرهو سيجموند فرويد في تحليله شخصية ليوناردو دافينشي (1910)، فيما استخدم علماء نفس آخرون (عدسات) نفسية أخرى لتحليل المشاهير.وكانت الكثير من تلك الجهود اعتمدت على افكار ليست علمية وغير قابلة للأختبار.وحصل في السنوات الأخيرة ان استخدم سيكولوجيون مرموقون ادوات ومفاهيم علمية نفسية تلقي الضوء على شخصيات قادة دول بينهم (مارك بيترسون) الذي قام في (2011) بتحليل شخصية جورج بوش الأبن.

 ولقد توصلت البحوث الحديثة الى ان مزاج (temperament (ودوافع (motivations) واهداف goals- الشخص والمفاهيم التي يحملها عن نفسه، تعد متنبئات قوية عن الطريقة التي سيفكر ويشعر ويتصرف بها في المستقبل.ويرى سيكولوجيون امريكيون بان هنالك صفات اساسية في الشخصية الانسانية مثل الانبساطية والنرجسية عملت على تشكيل أنماط القيادة لدى رؤساء امريكيين وتأثيرها في القرارات التي اتخذوها.ومع وجود مدى واسعا من العوامل او المتغيرات، من قبيل ما يقع في العالم من احداث تحدد تصرفات وقرارات القادة السياسيين، فان النزعات(tendencies) الاساسية في الشخصية الانسانية، التي تختلف دراماتيكيا من قائد الى آخر، تكون من بين اهمها.

 

تحليل اميركي لشخصية ترامب

 على وفق مقياس العوامل الخمسة الكبار(FFM )حاول عالم النفس الامريكي ( Mark Peterson) تقديم مؤشرات عن شخصية ترامب توصل من خلاله ان ترامب يمتاز بالانبساطية ( Extraversion ) .. ما يعني بأنه شخص اجتماعي، نشط، متحمس، متفائل، وأنه ليس عصابيا يعاني من قلق او نزعات اكتئابية وانفعالاتت سلبية، اوعدم التوافق الانفعالي والاستقرار النفسي، وليست لديه افكار غير واقعية.

 ويضيف عالم النفس هذا بأن تطبيق هذا المقياس على الرؤساء الامريكيين اظهر ان روزفلت كان يتصدر قائمة الرؤساء الامريكيين في (الانبساطية) يليه جورج بوش الأبن وبيل كلنتون، الا ان ترامب يعد (داينمو) الانبساط في امتلائه بالحيوية والنشاط، وان يومه كان مزدحما باللقاءات والرد على المكالمات وقلّة النوم .. وانه شخص لا يكل ولا يمل.

 وعلى العكس من ذلك فأن ترامب سجل على بعد (القدرة على الاتفاق وحسن المعشر Agreeableness) درجة واطئة ما يعني انه شخص انتقادي، حقود، بذيء، عنيف، متعجرف، قاس، غير متعاون، وشكوك في دوافع الاخرين .. بعكس الذين يسجلون درجات عاليه عليه حيث يكونون اصحاب قلوب طيبة، مسامحين، ودودين، ايثاريين، مساعدين، متعاطفين، ويثقون بالاخرين. وكان الباحثون قد وضعوا الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون في صدارة الرؤساء الامريكيين الذين سجلوا اوطأ الدرجات على بعد (حسن المعشر) غير ان ترامب يتفوق عليه وفقا لرأي عالم النفس بيترسون، ما يعني ان الصفات السلبية اعلاه تتجسد اكثر في شخصية ترامب، فضلا عن انه يكره الأصغاء الى الآخرين ولا يستمع الى النقد السلبي، غير انه لا يبدو قلقا ولا عصبيا، وأنه رجل متصالح مع نفسه، معتمدا على عقله، لا يهتم بالتفاصيل.وهاديء حين يتعرض الى ضغوط، ومباشر لا يخجل من قول ما ياتي على لسانه دون تفكير .. وفقا لوجهة نظر التحليل النفسي الأميركي لشخصية ترامب.

 وحديثا، وبعد عشرة ايام من دخوله البيت الابيض، شنّ علماء النفس الأميركان( Gartne وSmith .. .)حملة ضد ترامب اتهموه بأنه مريض عقليا وأنه لا يصلح أن يكون رئيسا، وانه يعاني من: عدم الاستقرار العقلي Mental instability، العداء الاجتماعي antisocial، اضطرابات الشخصية، السادية، العدوانية، أوهام ذهانية، ونرجسية تفقده قدرته على التفريق بين الواقع والخيال. وللمرة الأولى في تاريخ رابطة الأطباء النفسيين الأميركان( APA )يتم فيها توجيه دعوة عامة تحذر من مخاطر رئيس دولة في اول اسبوع من تسلمه مهمته الرئاسية.وبتأثير ذلك تشكلت جماعة اطلقت على نفسها Citizen Therapists Against Trumpism) انضم لها آلآف علماء النفس، وساندتها كبريات الصحف (واشنطن بوست ونيويورك تايمز) التي وصفت ترامب بأنه (مجنون خطير).وفي راينا ان الأمراض النفسية والعقلية تلك التي شخّصت في شخصية ترامب .. فيها مبالغة لأن توافر نصفها تكفي الى ان تدخل صاحبها مستسشفى الأمراض العقلية.

 

تحليل عراقي لشخصية ترامب

 بعكس الفكرة الشائعة لدى العرب والعراقيين، فان التحليل السيكولوجي العلمي الرصين يكون اصدق من التحليلات السياسية التي تتسم بالتحيز والذاتية وصراع المصالح.والدليل على ذلك اننا كنّا تنبئنا بفوز كل من اوباما وترامب مخالفين بذلك معظم توقعات المحللين السياسيين.

 لقد شغل ترامب العالم كله، واجتاحت التظاهرات المعادية له مدنا أمريكية واوربية، وحملات اعلامية مناهضة، لسبب سيكولوجي رئيس هو القلق الناجم عن خوف الناس من ان سياسة ترامب الداعية الى الكراهية ستدفعه الى ان يتخذ قرارات تشكل خطرا على حياتهم وربما وجودهم .. .فهل هذا سيحصل؟وهل ان الفكرة التي كونها عنه معارضوه .. صحيحة تماما؟

 نقرر بدءا بان الحكم على ترامب بانه سيء بالمطلق .. ليس صحيحا من منظورنا السيكولوجي .. والصحيح ان في شخصيته جانب (مظلم) وجانب (مشرق) .. وان المشكلة تكمن في أغلبية الجانب الذي يحدد طريقة تفكيره وانفعالاته والقرارات التي سيتخذها بوصفه رئيس اقوى دولة في العالم.ومن متابعتنا لترامب منذ ان بدأ حملته الانتخابية، اكتشفنا ان الرجل يمتاز بصفتين سيكون لهما دور مؤثر في أدائه السياسي، هما:

 الطموح (الذي يجسده توقيعه ذو القمم الخمس)، والقدرة الفائقة على تجاوز الأخفاقات.والدليل على ذلك ان الفرق بينه وهيلاري كلنتون كان كبيرا لصالحها، وان 78% من المشاركين في استطلاع شمل (18) بلدا عربيا توقعوا فوز هيلاري مقابل 9% توقعوا فوز ترامب، فضلا عن دور الآعلام الأميركي من قبيل موقف (سي أن أن) منه، وصحيفة (نيويورك تايمز) التي وصفته بأنه لا يليق ان يكون رئيس الدولة القدوة للعالم، وأنه اذا فاز سيكون رهيباterrible وكريها الى اقصى حد horrible .. وكذلك الاعلام الأوربي الذي صور ترامب بأنه رجل مهووس لا يصلح ان يكون رئيسا.ووصف الكثير من القادة السياسيين وكبار الكتّاب ومشاهير الفنانيين بانه سخيف، ملفق اكاذيب، عنصري فاشي، محرّض على العنف وداعية حرب، لا يعرف ما الذي يريده بالضبط، خنزير وزيرنساء .. .فانه استطاع ببراعة ان يقصي اولا خصومه الجمهوريين من حلبة المنافسة على الانتخابات الرئاسية في السباق الرئاسي، وأن يتقدم ثانيا على هيلاري في الاسابيع الأخيرة .. بطريقة كان يجسد فيها دور البطل الأمريكي في افلام هوليود، مكنته من فوز كان يراوده من سنين. فلدى سؤاله من قبل بارباره ولترز عام 1987ما اذا كان يحب ان يكون رئيسا للولايات المتحدة او مواصلة عمله التجاري اجاب: (الرئاسة هي الطريدة التي احب ان اصطادها) .. وقد اصطادها في 2016.

 ان الشخصية من وجهة نظر علمائها تتالف من ثلاثة مكونات، هي:

  1. الفكر، ويقصد به نوعية الأفكار التي يحملها الفرد ما اذا كانت عقلانية ام غير عقلانية، واقعية ام خيالية، واضحة ام غامضة، تفاؤلية أم تشاؤمية.
  2. الانفعال.ويقصد به نوعية الانفعالات والأحاسيس والمشاعر لدى الفرد ما اذا كانت ايجابية ام سلبية، منفلته ام منظبطة، وقدرته على التحكّم بها.
  3. السلوك. ويعني التصرفات او الأفعال التي يبديها الفرد في المواقف المختلفة ويلاحظها الآخرون.

 ففيما يخص الأفكار فان ترامب هو الشخصية الأكثر وضوحا وصراحة في تاريخ الرئاسات الأمريكية، للمواصفات السيكولوجية التي ذكرناها، لكن مشكلته ان لديه افكارا كثيرة وخيالات واسعة تتطلب حلولا كثيرة يكون من الصعب التنبؤ بقراراته، فضلا عن انه يتصف بالسرعة في اتخاذ القرارات، بدليل انه اتخذ خمسين قرارا تنفيذيا في اول اسبوع لرئاسته في سابقة ما حصلت من قبل في البيت الأبيض.على ان الأخطر من ذلك هو انه مصاب بعقدة (اسلاموفوبيا) وانه يبررها بأنها المطلب الرئيس لتحقيق الامن داخل اميركا، وقد نفذها عمليا باصدار قراره بمنع دخول مواطني سبع دول اسلامية، وانه مهما اشتد السخط والضغط فأنه لن يتراجع مطلقا الى انتهاء مدة التسعين يوما ليعرض على الكونغرس.

 ومشكلة اخرى فيه انه يحمل فكرة عن نفسه بأنه (سوبرمان) عززها فيه مناصروه وطاقمه الانتخابي .. ما يعني ان فيه احدى اهم خصائص الشخصية النرجسية المتمثلة بشعارها (أنا مميز).غير انه يحمل، من جانب آخر، افكارا (وردية) عن مستقبل اميركا تجعله ينشغل بها، امنيا واقتصاديا وخدميا، اكثر من اي رئيس اميركي سبقه، وانه يريد ان يجعل من اميركا صورة مطابقة لمواصفات شخصيته الاستثنائية في طموحها.والخطر في ذلك ان سيكولوجيا طموحه الأقتصادي تغريه بتطبقها في ميدان السياسة .. وفي هذا مجازفات أخطرها ان دافع كراهيته لأيران يدفعه الى الانتقام منها .. ولكن على ارض العراق .. يكون الضحية الأكبر فيها .. نحن العراقيين!.

 وفيما يخص المكون الثاني للشخصية (الانفعالات)، فان اخطر انفعالات ترامب على ادائه السياسي هي سرعة الغضب التي قد تدفع به الى اتخاذ قرارات غير مدروسة، ومن دون اكتراثه بأحاسيس ومشاعر الناس الذين تطالهم تلك القرارات.غير ان ترامب سيشعر بفرح غامر لكل قرار يعجب به الآخرون، وانه ممثل بارع في نشر الفرح بين مريديه بطريقة استعراضية يكون فيها هو مركز الانتباه وحديث الناس.

 ولأن طبيعة الأفكار ونوعية الأنفعالات تحدد السلوك، فان الذي يعنينا هنا هو القرارات التي سيتخذها.وتفيد قراءتنا لشخصية ترامب بأنه لن يلتزم تماما كما فعل سابقوه بمبدأ الحكم في اميركا القائل بأن الرئيس سواء أكان جمهورياً أم ديمقراطياً لا بد له من الانصياع لمؤسسة الحكم في الولايات المتحدة تحدد له ما يجب أن تكون عليه سياسته وفقا لأطر ثابتة .. ليس فقط لأنه يتصف بالعناد والثقة المطلقة بالذات وعدم الأخذ برأي منتقدي سياسته، بل ولأنه يرى ان مؤسسة الحكم هذه كانت هي السبب التي اطاحت بعظمة اميركا.

 في ضوء ذلك نخلص الى ان الغالب في شخصية ترامب هو توليفة من ثلاث شخصيات:النرجسية بالمواصفات اعلاه، والتسلطية الاستعلائية التي تتسم بانفعالاتها الغاضبة واندفاعيتها وتصنيفها الناس بثنائيات في مقدمتها ثنائية الأصدقاء مقابل الأعداء، والاحتوائية

التي من ابرز خصائصها : الرغبة في التأثير على سلوك الآخرين بحيث يدفعهم للتصرف على وفق افكاره وسلوكه، والسرعة في تشكيل السلوك في المواقف المختلفة، واستباق الآخرين بتقديم الاستجابة الملائمة اجتماعيا، وتحسس احتياجات الآخرين ودعمه لتحقيقها من غير أن يخسر شيئا مهمّا " من جيبه"، واستخدام الذكاء والنباهة في العلاقة بالآخرين وفقا لمبدأ الربح والخسارة، والسيطرة على الآخرين باحتواء وجودهم المعنوي وأفكارهم سواء بالإبهار أو بأساليب درامية أو التوائية .. وقد عكسها توقيعه الذي يبدأ بقمة عالية وينتهي بقمة عالية وما بينهما ملفوفة التواءات مضغوطة ومستسلمة!.

 ولأن ترامب يريد ان يعيد لأميركا عظمتها بالصورة التي تطابق صفات شخصيته بالكارزما الأمريكية، فانه وطاقمه الذي اختاره من اكبر اثرياء اميركا واشهر جنرالاتها المحالين على التقاعد، سيركز جهوده على بناء اميركا اقتصاديا و سيتخلى، ولو جزئيا، عن الدور الذي كانت تلعبه اميركا بوصفها (شرطي العالم)، والقائمة التي كان يضعها البيت الأبيض بأزاحة رؤساء دول، الا في الحالات التي تهدد أمن اميركا تحديدا.وهذا يعني ان حقيقة ترامب ليست بحجم الصورة (البشعة) التي تشكلت عنه بأنه :فاشي، يميني محافظ حد النخاع، ثور هائج ينطح كلّ من يقف أمامه، وان موجة الاحتجاجات ستطيح به قبل ان يكمل مدة رئاسته .. لأن الأمريكيين (القوميين) سيكونون معه، ولأنه سوف لن يشكل خطرا على العالم اذا كرّس جهوده على تحقيق شعاره Make America Great Again، ولان معظم الآمريكيين قد سئموا من تدخل امريكا في شؤون الدول الأخرى التي كلفتهم ضحايا بشرية وتريولنات، وضجروا من اربعين مليون مهاجر، وكرهوا سيكولوجيا معظم رؤساء دولتهم.

 لكن الخطر في هذه التوليفة بشخصية ترامب على مستوى القرارات التي تخص العالم، انها تستقطبها خاصية الاستبداد بالرأي وتحيط نفسها بمستشارين يقولون لترامب ما يحب ان يسمعه، ولأنه رجل زئبقي أدخل الناس في سيكولوجيا المفاجئات، فأنه وضع العالم كله في حالة انذار! .. ان لم تكن المخابرات المركزية الأمريكية قد خططت لتنهيه كما فعلت مع جون كيندي!.

 

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

 

 

السؤال الإيديولوجي، لا يخرج عن كونه تساءل حول أحوال المجتمع بصفة عامة، إذ لا دعوة ولاحجة تخدم الباحث في مجال الفكر، لا تجدها ضمن قائمة الجوانب السوسيوثقافي والسوسيواجتماعي، في سياق الترافع عن العنصر البشري المنبوذ والمضطهد، الذي لا يملك درجة عالية من القوة الدفاعية للترافع عن نفسه، إذ لا يمكن أن ينجو من الصراع السياسي لمجرد وجود أحكام جائرة، لا تخلو من عنصر التعصب الايديولوجي المتشبث برؤية واحدة طوباوية، لا محيد عنها.

بمجرد الوقوف على تلك المعاني التاوية في الخطاب الايديولوجي الصائب أحيانا والمجانب للصواب في فترات معينة، فالإنسان المتعصب لموقف واحد، يريد أن يعيش في حضن أفكاره الأحادية، لا يرضى دون ذلك سبيلا للتحرر من الأوهام التي تطال القضايا المجتمعية الناطقة بحال أشخاصها دوي رؤية وبصيرة عامة، تكاد تكون مشتركة بين جميع الظوائف التي يتشكل منها المجتمع الطوباوي، لا ترضى أن تنزل ولو لثانية الأرض الواقع، وتحاول أن تتجاوب وتتساءل مع المعطيات الوجودية بغية الوصول لجل المشاكل المجتمعية ومحاولة إدراك ماهية الحلول التي من شأنها أن ترقى من ناحية التقدم والتطور للمجتمع بتجاوز تلك المشاكل التي تبقى مجرد وقائع تحمل أبعاد نفسية وإجتماعية وثقافية لا مجال لملامستها من وجهة نظر نقدية، لاسيما ونحن نعيش في ظرفية لا تخلو من المشاكل التي لا حل لها لدى الساسة وأصحاب القرار، بينما لا يمكن أن نفرق بين النخبة العالمة صاحبة القرار، والنخبة الشعبية التابعة لقوى تنصب نفسها على رأس السلطة التقريرية والتشريعية دون أدنى شروط الديمقراطية التي تبقى حبرا على ورق، تطبق القوانين على فئة الضعفاء والفقراء والأميين من داخل المجتمع .

في هذا الإطار تبرز إشكالية التفرقة بين فئات عديدة المشكلة للمجتمع المغربي المكون من طبقات اجتماعية لا صلة وصل بينها سوى كونها تقطن في بيئة واحدة وتحت نظام سياسي رائع بالنسبة لفئة الأغنياء وأصحاب المناصب العليا في الوطن، ونظام سياسي يقمع كل الأصوات الحية الحرة المدافعة عن حق الفئة المضطهدة سياسيا وثقافيا واجتماعيا ولغويا بالنسبة لفئة معينة، لا يتسع المقام للحديث عن القمع الممارس على كل فئة، لكن تجدر الإشارة في كل المناسبات لهذا القمع ذو صبغة إيديولوجية تخدم مصالح الفئة الغنية .

في ظل هذا الوضع المتأزم، الغني يزداد عنى، والفقير يزداد فقرا، لا الغني يريد أن يكون فقيرا، ولا الفقير يستطيع أن يصل إلى المستوى المادي المرغوب فيه من ظرف فئات اجتماعية عاجزة عن تحقيق الرقي الاجتماعي والاقتصادي، في ظل تواجد أنظمة سياسية تقمع بشتى تلاوين القمع المادي والمعنوي من خلال القوانين الدستورية الجائرة والخادمة لطبقة اجتماعية معينة .

قد يلاحظ ملاحظ أن الخطاب السياسي المغربي لا يرقى لمستوى الخطاب الديمقراطي المتسم بروح المساواة والعدالة الاجتماعية في إطار دولة الحق والقانون، فشتان بين ما يقال في المنابر الإعلامية الدولية والوطنية، حول حقوق الإنسان والديمقراطية بالمغرب، وما يظهر على أرض الواقع من ظلم وقمع والاضطهاد الممارس على فئة الفقراء، دون المساس بشخص الفئة الغنية ماليا، والفقيرة معرفيا والمتشبعة بإيديولوجية لا صلة لها بالسياق الثقافي والعلمي والمعرفي للمغرب .

 

سليمان العثماني

الحِوَارُ ضروري لمعرفة الآخر وفهمه، طالما يوجد اختلاف بين الطرفين، فكرا وإيديولوجية ومذهبا وعقيدة، كما أن الحوار ضروري بغية الاستفادة مما لديه من أفكار وتجارب تساعد في تحقيق التعايش، وتغيير الواقع وتحويله للاتجاه الذي يرضي الجميع ويحقق المصلحة العامة،  فمشكلتنا نحن المسلمون أننا لا نقبل بالحوار، لأننا ننظر للآخر بنصف عين، ونعتقد أنه أقل منّا مرتبة، فوقفنا جامدين أمام التحولات التي يشهدها العالم، إن التعصب الفكري والعقائدي وحده يولد الخلافات بين البشر ويقود إلى انقسامات فيما بينهم، ليس بين مجتمع مسلم وآخر غير مسلم، بل حتى بين المسلمين أنفسهم، وما الأحداث الذي عاشتها بعض الدول التي حولت الخلاف من الرأس إلى اليد كما يقال  كالجزائر، تونس، مصر،  ليبيا، سوريا، والعراق، ونشب فيها الاقتتال ودبّت الفرقة، وتقطعت اللحمة بين ابناء البلد الواجد،  بسبب التعنت الفكري، ولم تخلق من التعددية الفكرية حالة حوارية عقلانية كما يقول بعض المفكرين، الذين يرون أن الاختلاف سُنّةٌ، وجعلوا من الحوار علاج للتخلص من الأزمات ومحاربة صانعيها، وإبطال الشعور بأن التغيير أمر في حكم المستحيل، من أجل أن يظل الحال على ما هو عليه.

ما تزال رائحة البارود تنتشر في كل حيِّ وفي كل بيتٍ من البلاد العربية التي تعيش الثورات، والإرهاب الهمجي، وما أصاب الشعوب من وهن وانهيار معنوياتهم، وفي كل مرة نسمع أو نقرأ هنا وهناك بأن الوقت قد حان لإطلاق صفارات الإنذار لإنقاذ الشعوب والجماهير، وحفظ ماء وجه الأنظمة والأحزاب وما زرعته من يأس في قلوب الشباب وقضت على  أحلامه وطموحاته، ووعدوه بعالم وردي، وإذا به سراب وأوهام،  وفي كل مرة نسمع أو نقرأ هنا وهناك بأنه حان التغيير ونجد أحزابا تطلق مشاريع لبناء "جدارا وطنيا" تحمي به منظومتها السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والتربوية والثقافية، وفي شتى جوانب الحياة، وإعادة النظر في الذكاء الصناعي الذي ابتكر الأداة التي تبيد  البشرية وتعطل نشاطها الإنساني..، وقد ظلت بعض الدول تعاني من حالة احتراب داخلي ناشبة بين السلطات الحاكمة التي لا تريد التخلي عن كراسيها لذلك فهي تسلك العنف سبيلا إليه، فتشعرهم بالضياع والعبثية وانسداد الأفق، ولعل ما يحدث الآن من تمرد شباني ومواقف الرفض وتصاعد حركات التطرف والتعصب الديني والسياسي سببه انهيار النظم، التي كانت سببا في تراجع مؤشر الثقة في كل المؤسسات وتراجع الضمائر بدورها كلما وقفت متفرجة على ما يحدث من أزمات، والتي تضع العالم كله أمام أخطار شاملة، يقول المؤرخ الجزائر محمد الميلي رحمه الله: " من الخطأ أن نتصور بأن ظواهر التطرف والإرهاب التي يعرفها هذا البلد أو ذاك، ناتجة فقط عن التحولات الداخلية للبلد المعني، بل إنها شديدة الصلة أيضا بالشمولية العالمية التي تؤدي إلى القضاء على الهويات، ومن ثم الانفصال عن التاريخ أو فك الارتباط به"..

معظم المثقفين العرب قلدوا الغرب في العناية بالعلوم الإنسانية ولكنهم لم يحاوروهم لفهم الماضي والتخلص من قيود الفكر الاستعماري، بل أنهم لم يحددوا موقفهم من الاستعمار، والجزائر كنموذج عجزت حتى أن تنتزع اعتذارا من فرنسا عن جرائمها التي ارتكبتها في حق الشعب الجزائري، وهاهي تبرم معها اتفاقيات عمل وعلاقات صداقة وكأن شيئا لم يحدث، بل تلجأ إلى مستشفياتها للعلاج، وهي بذلك تؤكد على أن الجامعة الجزائرية فشلت في تكوين الكوادر الطبية، ولم تعد قراءة التاريخ قراءة فاحصة، وهي قراءة تتصل بالهوية، فجميع الدول وبالخصوص العربية منها محاصرة اليوم بعدة عقد، أخطرها عقدة التعايش مع الآخر والتحاور معه لإحداث السلام، حتى أحزابها ومثقفيها لكم يتناولوا بالتشريح  الأسباب التي أدت إلى تأخرهم عن الركب الحضاري في الوقت الذي سيطرت فيه بلدان أوروبية على منافذ البحر الأبيض المتوسط.ذ، ونقف دائما مع المؤرخ  الجزائري محمد الميلي عندما وضع المثقف أو المفكر العربي  على طاولة التشريح، ذلك المفكر الذي تعرض لنار مزدوجة: " سوط الحاكم وتكفير المفتي"، هذه النار أوقفت كما قال هو كل مبادرة فكرية للتجاوب مع المتغيرات، فأصبح المثقف والمفكر يلوذان بالصمت أو يسايران نفاقا ما يقوله علماء البلاط والمفتون..، السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو أليست المبادرات الفكرية تأتي عن طريق الحوار؟ فلماذا يرفض حكامنا الحوار مع المعارضة، وكأن الأنظمة الحاكمة والمستبدة ما تزال تطبق ذهنية : " أسكت يا ولد"، وعقلية الأمر الذي لا يقبل النقاش، كما ترى مثقفيها ومفكريها بأنهم ما زالوا صغارًا على اللعب السياسي، وأن مهامهم لا تخرج عن حدود تأليف قصّة أو ديوان شعر في الغزل..

فالأنظمة الذي وضعت المفكر والمثقف جانبا وفي آخر الصفوف تخشى اليوم حتى من اتصالها بالأخر وكيفية الاتصال به، أي ممارسة "الحوار" مع الآخر والاعتراف به  رغم ما يكون بينهما من اختلاف ومغايرة، وهذان العنصران ( الاختلاف والمغايرة)  كما يقول محمد الميلي هما اللذان يبرزان أهمية حوار طرف مع آخر، فكونه مغايرا للآخر، هو الذي يجعله يسهم في تشكيل الآخر، ولأن الحوار يشترط "الندية"  فهي تبحث الآن عن المفكر الواعي والمثقف الثوري لتواجه به العولمة، لكنها لن تعثر عليه، لأنه ركن الى السلبية، و هو الآن يبحث عن طريقة تخلصه من مركب  النقص ليعيد صياغة التاريخ ورواسبه،  ويعيد النظر في المكونات الأساسية للهوية، وكذلك دراسة الواقع دراسة جيوسياسية،  ثقافية، اجتماعية واقتصادية، حتى يتمكن من تغيير قانون الغاب الذي فرضته السلطة والأنظمة الاستبدادية التي أفقرت شعوب العالم وتركت التصحر يجتاح ربوعها الخضراء فاقتلعت أشجارها وعاثت فيها فسادا، ويمكن القول أن الانحطاط السياسي الذي بلغته  الأنظمة العربية كما يقول بعض المحللين  في السنوات الأخيرة، وما ينتظرها اليوم من ضرورة تصحيح ما يمكن تصحيحه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه يجعل المهمة صعبة وشاقة وتحتاج إلى نفس طويل.

 

علجية عيش

 

 

ليس سعيدا من يأمل أن يكون سعيدا. عبارة فاجأنا بها أحد المشاركين في النقاش الذي دار بيني وبعض الأصدقاء حول السعادة، بمقهى "السي قاسم" الذي اعتدنا احتساء القهوة المعتقة بها، العبارة التي لم يقصد في الغالب بها صاحبها، ذلك المعنى الفلسفي الذي أراد به "بسكال"–الذي أنا متيقن أنه لا يعرفه، وربما أنه لم يسمع به، مجرد السماع – شرح رأيه في السعادة بمقولته الشهيرة : "إننا لن نغدو سعداء أبدا طالما بقينا نروم بلوغ السعادة"، وما أخاله يقصد بها نفس المفارقة الكبيرة المستعصية على البسطاء أمثاله، التي يقصدها "بسكال" بقوله :" إنه ليس سعيدا قط ولا يستطيع أن يكون كذلك، من يأمل أن يكون سعيدا" بمعنى أن السعادة بالنسبة للبشر، هي كمثل الظل، كلما ركض المرء وراءه فر منه، وكلما فر منه تبعه أينما اتجه، وأنها، تجعل كل متهافت عليها مستميت على تحقيقها، يعيش حياة بائسة، ولا يكون سعيدا إلا بالإعراض عنها، وفي حالة الرضا الوجداني وطمأنينة القلب، المرتبة التي لا ينالها إلا بالبعد عن قلق البحث عنها، وتوتر التعلق بها، ومتاهة البحث عنها، المتاهة التي لا تقل تعقيدا عن المتاهة الإغريقية  التي بناها "ديدالوس*" للملك "مينوس" لاحتجاز "المينوتور"، والتي يستحيل عليه الخروج منها إلا بالطيران، الفعل الذي كان ساعتها مستحيلا هو الآخر . المغزى الذي من المستحيل أن يكون صاحب العبارة أعلاه، قد استخلصه من المتاهة الأسطورية  -التي في الغالب الأعم، لا يعرف عنها شيء ولم يسمع عن الأساطير الإغريقية،– التي تدل على انغلاق أبواب الأمل وضياع الذوات في بحتها عن مخرج لها من سراديبها، التي تشبه متاهات الحياة المُكتظة بمشاعر الخوف والرجاء والألم، التي يجد الإنسان نفسه تائها في احباطاتها التي لا مخلص منها إلا بالتحرر مما يستبد به من آمال وأحلام ورغبات والتي يصعب إشباعها، والتي حتى وإن أُشْبٍعَتْ فلن تُشْبٍعَ شبقية الجانب الغرائزي الوجداني والعاطفي، الذي يتأجج كلما تعذر الوصول إليها، والذي لا يفتر ولا يأفل إلا باللجوء إلى الدين الذي التزمت نصوصه بإسعاد المتدينين في الدنيا والآخرة، شريطة التزامهم بذكر الله لقوله سبحانه وتعالى : "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" الرعد 28،  لما يبثه الذكر من صبر وسكينة في النفوس، أما إذا هم أعرضوا عن ذكر الله، فلن يسعدوا في الحياة، ويعيشون حالات عدم الاطمئنان، مصداقا لقول الله : "ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى" طه 124.

فلنعطر،إذن، أيامنا وأزماننا بالذكر الصادق الواعي المقرون بحب الخير لبني البشر، في مقابل الذكر الببغاوي الذي يحولنا لكائنات مادية بشكل تام وصرف وبحت، فنكون كــ "حزاقت العرس، ماكلات وما تفرحات" بمعنى، أننا لم نذكر ذكرا حسنا ولم نحصل على ثواب الذكر، ولن نتمتع بالسعادة الحقيقية الكاملة، لأننا لم نستطع هزم رغباتنا وتطلعاتنا المادية كما قال أرسطو: من يهزم رغباته أشجع ممن يهزم أعداءه، لأن أصعب انتصار هو الانتصار على الذات، لأن إثبات الوجود لا يأتي فقط بالتغيير الخارجي دون التغيير الداخلي، الذي هو ضرورة قصوى لتحقيق السعادة، مصداقا لقوله تعالى "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ..صدق الله العظيم

هوامش: ديدالوس في الأساطير الإغريقية هو مخترع وبناء .. ويعني اسمه باللغة الإغريقية "المخترع الماهر".ديدالوس بنى متاهة تم إحتجاز وحش المينوتور بها وذلك بأمر من الملك مينوس..ولكن بعد زمن غضب الملك مينوس على ديدالوس لسبب ما وأمر بأن يسجن مع إبنه إيكاروس في المتاهة التي بناها . ورغم أن ديدالوس هو الذي صمم المتاهة إلا أنه كان من المستحيل عليه أن يعرف طريق الخروج منها ..وبعد تفكير وجد أن الحل الوحيد للخروج من المتاهة هو الطيران فقام إبنه إيكاروس بجمع الريش الذي يجده وقام ديدالوس بصنع أجنحة والصق الريش بواسطة الشمع .. وحين اصبحا مستعدين للطيران قال ديدالوس لولده إيكاروس : يجب أن تطير على إرتفاع معتدل ..لا تطير على إرتفاع منخفض حتى لا تفسد الرطوبة أجنحتك ولا تطير عاليا حتى لا تذوب الشمس أجنحتك إبقى قريبا مني لتكون بأمان..وأخيرا وبوجه تبلله الدموع ويدان ترتعشان قبل إبنه لأخر مرة ثم طار مع إبنه إيكاروس وخرجا من المتاهة ..وحين شاهدهم أحد الرعاة ذهل وظن أنهم من الآلهة لأنهما يطيران .بداء الحماس يدخل في نفس إيكاروس حين وجد نفسه يطير فعلا فنسي نصيحة والده وطار عاليا فأذابت الشمس أجنحته وهوى نحو البحر وغرق ..

 

حميد طولست

جلست في أعلى صف أتيح لي . أنا في "الكولوسيوم"، في الساحة الدائرية كان الـ "الكلاديتر" المتصارعون حتى الموت يفترس بعضهم بعضاً، الجماهير التي كانت تقدر بعشرات الالآف من سكنة روما، وهم ربما أغلبية السكان لا يرضون إلا بأن تختتم المصارعات لا بهزيمة أحد المتصارعين وإنما موت الآخر، وكلما كان الموت أكثر بشاعة كلما كان هذا مدعاة للحبور، ولم تكن المصارعة بين بشر وبشر فقط، بل بين بشر وحيوانات مفترسة جُوعت قسراً لتكون أشد شراسة، وكان صراخ المشاهدين المنتشيين يتعالى وهم يرون اللحم البشري تنهشه الضواري الجائعة ..

هذا هو مختصر تأريخ الكولوسيوم الذي يعتز به الإيطاليون، ويزوره سنوياً ملايين السواح من أنحاء المعمورة، ويدرج ضمن المعالم الحضارية والثقافية لا في روما، وإنما على ساحة التراث الإنساني .

****

في مدينة صغيرة من مدن البرتغال كان ثمة بناء واسع بإفرط، هو المكان الذي كان ينقل إليه العبيد، هنا إسطبل بشري بمعنى الكلمة، لا إسطبل خيول، ولا ربضة يبيع فيها القوم ويشترون، البشر هم البضاعة هنا، حيث تمتهن آدميتهم، ويفرق بين الأم وطفلها، والأب وأسرته، وهنا كانت تجري أشد الموبقات وأكثرها دناءة بحق بشر أخذوا قسرا من عالم الحرية إلى عالم العبودية، من دون أن يعرفوا لماذا وكيف. ومن هنا كان العبيد يرحلون إلى أمريكا تحديداً، هذا المكان البشع بكل دلالاته أصبح معلماً سياحياً، يتحول أحياناً إلى محفل ثقافي وتجاري، ويزوره أيضاً عدد كبير من البشر من أرجاء الدنيا ..

****

ونخجل نحن (المتحضرون، الإنسانيون!)، من أن يكون المربد ملتقاً للشعراء، لأنه كان ربضة، وإسطبل، يأمه المتكسبون من مهنة الشعر ..

أنا من مدينة كانت الربضة أول ما أراه عندما أخرج من بيتي، وقبل أن ألج السوق، والربضة مكان بدائي يفترش فيه المزارعون والريفيون الأرض ليبيعوا بضاعتهم، بسعر أرخص من أصحاب الدكاكين، وكان رأس السوق عباره فسحة كبيرة، تربض فيها الأبل والحمير والجياد، وهي وسيلة النقل الوحيدة يومذاك، تماماً مثلما هو اليوم كراج وقوف السيارات في أي مول حديث معاصر .

المربد، وعكاظ، سوق بدائي، يجتمع فيه البشر ووسائل نقلهم، يبيعون فيه ويشترون، ويستغلون هذه المناسبة ليتباروا في الشعر، الذي هو ديوانهم، في الجاهلية إختاروا سبع من المعلقات وقيل عشر ليعلقوها على أستار الكعبة، وفي عصر الإسلام أسهموا في وضع لبنات علم التقييم والتقريض والنقد للمنتج الشعري، وطبيعي أنك ستجد إلى جوار هؤلاء الشعراء الذين يتبارون في الشعر، من يتكسب بشعره، وتجد السارق والمخادع، تماماً مثلما تجد أمثال هؤلاء في الحج والعمرة، وفي كل المناسبات الدينية والثقافية في كل أنحاء المعمورة، وعلى مدى التأريخ .

من أغراض الشعر المديح والرثاء، وفيهما جانب تكسبي، لكن ليس كل ما أنشد من أجل التكسب، ولا كل رثاء، فرثاء الشريف الرضي لجدته، وهو من عيون الشعر ما كان الغرض منه تكسبياً، ورثاء الشاعر لأوسط صبيته، ما كان كذلك، الرثاء مثلما الهجاء والمدح قد تكون دوافعه غير تكسبية، بل إنسانية محضة .

إلى فترة قريبة كان أي ديوان شعر، لأي شاعر يختتم بالإخوانيات، والأخوانيات قصائد تقال في عرس أو ولادة، وحتى ختان طفل، أو أي من المناسبات الإجتماعية الخاصة، وحتى هذا النوع من الشعر أنت واجد في بعضه الصدق والشاعرية العالية .

****

هل العرب لوحدهم من ظهر فيهم من يتكسب بالشعر؟

هل المنشد المداح على ربابته إنموذج عربي خاص بالعرب، أم أن هذا النموذج موجود في كل مكان؟

أدعوكم للتجوال في شوارع المدن الأوربية الكبرى، لندن وباريس، وبرلين، وأي عاصمة أخرى، وهناك ستجدون شعراء، ومغنين، وموسيقيين، وفنانيين تشكيلين، وبهلوانات، وممثلين، وكل ما يخطر ببالكم، وهم يقدمون عروضهم تكسباً، فلماذا هذا جائز ومقبول، ولا غبار عليه، في حين أنه مرفوض ومدان ومعيب عند شاعر الربابة؟!

أولم يقتل شعراء، ويحرقوا، ويطمروا وهم أحياء لأنهم رفضوا إبتذال الشعر، أو الموقف؟!

أين نضع شعر الزهد، وشعر التصوف، وهو أصدق ما كتب في الحب؟

أو يجرؤ أحد على إخراج الشعراء من بيت شعر الجواهري الكبير:

لثورة الفكر تأريخ يحدثنا بأن ألف ألف مسيح دونها صلباً

أو لم يصلب الحجاج وتحرق جثته؟

قالوا وكانوا صادقين " الشعر ديوان العرب"، وديوانهم هنا "مجلسهم" فلمصلحة من يحاول البعض تهديم ديواننا، وتشتيت مجلسنا؟

 

 

كان من ناتج كُتب (كمال الصليبي)، و(أحمد داوود)، و(زياد مُنى)، وغيرهم- التي تناسلت لمحاولة عَزْو تاريخ (بني إسرائيل) إلى (جزيرة العرب)- تأبيدُ الأساطير الإسرائيليَّة، بل تحويلها من أساطير في أسفار «العهد القديم» إلى مَواطن مزعومة في جبال جزيرة العرب وأوديتها وقُراها وقبائلها.  وبذا يترقَّى الاحتلال الإسرائيلي من احتلال أرض العرب إلى احتلال عقولهم، وذاكرتهم، وانتمائهم.  وليس يفعل العربُ والمسلمون هذا بأنفسهم وبأهليهم وأوطانهم عن سوء نيةٍ بالضرورة، لا في القديم ولا في الحديث، ولكنهم يتقحَّمون ذلك بحَفْز عاملَين:

الأوَّل: هوًى غالب، دِينيًّا، أو قوميًّا، أو قُطريًّا، أو إقليميًّا، أو إعلاميًّا تجاريًّا.

والآخَر: قصورٌ في الحِسِّ النقديِّ، نصوصيًّا ومعرفيًّا وسياسيًّا. 

كان العامل الأوَّل وراء ابتلاع كثيرٍ من كتب تراثنا المرويَّاتِ اليهوديَّةَ، لا بقبولٍ حسنٍ فحسب، بل بإجلالٍ أيضًا، مع اتِّخاذها مرجعيَّات «عِلْميَّة!» في التاريخ وتفسير القرآن وبعض العقائد.  كما كان ذلك هو العامل الأساس وراء مغامرات المؤلِّفين المعاصرين من العرب، الذين قدَّمنا ثلاثةً من أبرز نماذجهم، خاضوا هذا المهيَع من إعادة تفسير «العهد القديم» على أساس أنه يتحدَّث عن الجزيرة العربيَّة.  وأمَّا العامل الآخَر، وهو قصور الحِسِّ النقدي، فمشترَك بين هؤلاء المؤلِّفين، في القديم والحديث، ممَّن ضلَّ سعيهم الاستقرائي بين البِنَى الأُسطوريَّة والبِنَى التاريخيَّة.

-2-

يبقَى السؤال: لِمَ ليس لمؤرِّخي (المملكة العربيَّة السعوديَّة)، أو (الجزيرة العربيَّة)، أيُّ صوتٍ عِلْمِيٍّ يُذكَر في هذا المضمار، لا سلبًا ولا إيجابًا؟!

أ هم عاجزون؟  أم هم خائفون؟  فلا تنس أننا أحفاد «ثقافة النعامة»، منذ أن كان العربيُّ يدسُّ ابنته في التراب لسوء ما يتوجَّس ممَّا بُشِّر به، وإنْ لم يُجْدِه دسُّه الأوَّل، دَسَّ رأسه هو كالنعامة في التراب.  ثقافة التوحُّش، والاعتقاد أن العُزلة منجاة، والجهل أمن، والفِتنة نائمة في أشجار المعرفة، فـ«المُغَطَّى مَليح» دائمًا؛ والنور يؤذي أعين الخفافيش.. إلى آخر هذه القِيَم العريقة في الاعتقاد أن السلامة في الظَّلام.  ولا غرو، فقد ظهرَ- على سبيل الشاهد- من لام (حمد الجاسر) وفريقه العِلْمي على البحوث التي أنجزوها حول تاريخ الجزيرة العربيَّة وجغرافيَّتها؛ لأنها- بحسب منطق أعداء المعرفة هؤلاء- أتاحت مادَّةً، ربما لولاها ما كان للصليبي ولا لأتباعه أن يجدوا أساسًا ليبنوا عليه ما بنو من ادِّعاءات!  ويظنُّ هؤلاء المنخوبون من المعرفة أن وسيلة الحِفاظ المُثلَى على ذِمار الأوطان والشعوب تتمثَّل في الهرب من الحقائق، أو الكذب، إنْ لزم الأمر، أو الكِتمان، والنكران، والتعتيم، وحجب المعلومة، وتكميم الأفواه، وتكسير الأقلام، وتغفيل العقول.  وهي سياسةٌ بدائيَّةٌ مُعمِّرة، ما انفكَّت تُؤمِن بحصانة كهفها، وبنِعمة الجهل التي تغمرها، وأن خطَّ دفاعها الأوَّل هو إطفاء الأنوار، وليس فتح النوافذ والأبواب لأضواء العِلْم وقِيَم الشفافيَّة والتحضُّر.  لا تُدرِك أن التسلُّح للمواجهات إنَّما يكون بأسلحتها الواقعيَّة والحقيقيَّة، كما تُدرِك سائر الأُمم الحيَّة والفاعلة، التي لا تَفِرُّ من الشمس، بل تَفِرُّ إليها، حتى لا تُصاب بنقص الحديد وهشاشة العظام.   

أم تُرَى مؤرِّخينا مُقِرِّين بما حملتْه كُتُب (الصليبي) وتابعِيه من مزاعم؟  أم هم غير آبهين؟  أم تُراهم مشغولين بقضايا أعظم وأخطر؟

واقع الحال أنه- على حين يلتمس الخاوون من التاريخ تاريخًا في هذا العالَم، أو يدَّعونه، أو يزوِّرونه- تَزْوَرُّ (جزيرة العرب) عن تاريخها وآثارها.  بل قد تسعَى إلى طمسهما خوفًا من لوثات الشِّرك والوثنيَّة، تارةً، وقلقًا من تبعات الأضواء، تارةً أخرى!  وعلى حين يَخرج من المؤرِّخين المعاصرين من يدَّعي تاريخ العرب في الجزيرة العربيَّة لغيرهم، أو ينفيه عنهم، يَلزم مؤرِّخو هذه الجزيرة صمت اللحود، إثباتًا عِلْميًّا أو نفيًا، وكأن الأمر لا يعنيهم! 

وأغرب من هذا كلِّه: أنْ ربما بلغت السذاجة ببعض الناس إلى ساحة المفاخرة بتلك الادِّعاءات الذاهبة إلى: أن تاريخ (بني إسرائيل) كان جزءًا من تاريخ الجزيرة العربيَّة!  وبذا يتظافر الاستخفاف بالمعايير العِلْميَّة- في جديلةٍ واحدة- مع ذاك الشعور البائس بالخواء الحضاري، والنقص التاريخي، وعُقَد الدُّونيَّة، التي يسعَى أصحابها إلى حَشْوها ثُمَّ رفعها على أكتاف مجتلَبة، وإنْ كانت مصنوعة من أساطير بني إسرائيل.  وأمَّا الاستبلاه السياسيُّ المصاحب لجميع تلك الظواهر، فحدِّث عنه ولا حرج!

والحقُّ أنْ لا العابثون بالتاريخ- باحثين عن تاريخٍ لـ(بني إسرائيل) في (جزيرة العرب)، لأسباب إديولوجيَّة- ولا البُلَهاء من المفاخرين بأن يُنسَب إليهم مثل ذلك التاريخ، يبنون أوهامهم على شيءٍ، سِوى سِباخٍ من رمال الحروف والأسماء.  لأن الطائفة الأُولى من هؤلاء إنَّما جاءت لتبني دعاواها «العِلْميَّة» على أساطير، أهلُها أدرَى بشِعابَها، وإنْ وظَّفوها لمآربهم السياسيَّة.  وهم لن يعثروا على ذلك التاريخ المدَّعَى، لا في (الشَّام) ولا في (اليَمَن)، اتَّخذوا إلى ذلك نَفَقًا في الأرض أو سُلَّمًا في السماء.  قصارَى ما سيُنجزون أن يتلَهَّوا ببالوناتهم الإعلاميَّة بين وقتٍ وآخَر؛ لأن ما بُني على سرابٍ ظَلَّ سرابًا، طال الزمان أو قصُر.  فليُريحوا ركائبهم وليستريحوا، وليَرحموا المطابع من أَعجاز نخلهم المنقعر، ممَّا يدغدغون به العواطف، مرَّةً باسم القوميَّة العربيَّة، ومرَّةً باسم القوميَّة الشاميَّة، ومرَّةً باسم القوميَّة العراقيَّة، ورابعةً باسم القوميَّة المِصْريَّة، وبين هذه وتلك رغباتٌ مراهقةٌ لقلب تمثالٍ تاريخيٍّ أُسطوريٍّ يجثم على الصدور، غير أن مَعاول تلك الرغبات لا تعدو استعراضات بهلوانيَّة من التعالُم، في صيحاتٍ هزليَّةٍ لإعادة كتابة التاريخ!  أمَّا الطائفة الأخرى- الفخورة بالزعم أن تاريخ (بني إسرائيل) كان في جزيرة العرب- فأتعس مسعًى من الأُولى؛ فلا هي حظيت بشرف التاريخ، ولا هي حظيت بشرف الدفاع عن المنهاج العِلْمِي، ولا حتى بشرف الدفاع عن أوطانها من أن تغدو مسرحًا للتزييف في الهُويَّة، والتزوير في اللغة والتاريخ والجغرافيا، وصولًا إلى بيعها في المزاد العلني للأُمم: اليومَ على صفحات الكَذِب والكُتُب، وغدًا على صفحاتٍ من الحديد والنار. 

 

بقلم: أ.د. عبد الله بن أحمد الفَـيْـفي

 

التأثيل أو التأصيل أو علم أصول الكلمات، هو فرع معقّد من فروع علم اللغة منذ القِدم، يُعنى في البحث في أصول الكلمات وتاريخها وتطوّر دلالاتها عبر العصور والسياقات المختلفة، ويُعرف علميًا بالكلمة Etymology، وهي يونانية الأصل Etymos + logos أي ”أصل/حقيقة اللفظة“. يتطلّب العمل في هذا الفرع غير الشائع نسبيًا، من الباحث معرفة واسعة وعميقة ببضع لغات، بأصول علم اللغة، وبمواضيع أخرى كثيرة من تاريخية وجغرافية واجتماعية وحضارية. المطبّات في هذا الفرع كثيرة وخطيرة، ولذلك نرى أن قلّة من اللغويين المعتبرَين، تلج هذا الفرع اللغوي في عصرنا الحديث.

إلى جانب هذا العلم، هناك ما يسمّى بـ”التأثيل الشعبي“ (Folk etymology)، ويقوم به مَن ليس أهلًا للقيام بمثل هذه البحث الشاقّ والشائق، وهم عادة من أبناء الشعب البسطاء، كما ينمّ عن ذلك المصطلح المذكور. في كل لغة أمثلة لهذا التأثيل الشعبي، وفي اللغة العربية نجد، على سبيل المثال: أصل الإنفلونزا هو أنف العنزة؛ أصل اسم الكاتب الإنجليزي شكسبير (١٥٦٤-١٦١٦) هو الشيخ زُبير؛ أصل اسم مدينة نابلس هو ناب+ لُس، ولُس اسم ثعبان سام خطير قُضي عليه أمام بوابة المدينة (الصواب: الأصل يوناني ”نيابوبليس“ أي المدينة الجديدة)؛ أصل الكلمة ”فنجان“ هو الكلمتان ”فَن + جان“، أي أنّ قراءة الفنجان هو ”فن الجان، الساحر“ (حول أمثلة إضافية من هذا القبيل، ينظر مثلًا  في مقال لي على الشبكة بعنوان: تأثيل آدم من أديم الأرض والمسيح من المسح بالزيت؛ وكذلك في الرابطين:

http://www.atinternational.org/forum...hread.php?t=10; http://www.atinternational.org/forum...hread.php?t=56). 

                 

التأثيل العلمي للفظة ”فنجان“ يقول بأنّ الأصل يوناني وهو pinaks ومن اليونانية دخلت الكلمةُ  اللهجاتِ الآراميةَ ومنها الآرامية البابلية، ومنها إلى الفارسية، ومنها إلى العربية فالعبرية (تغيير في الدلالة، غلاي) ومن العربية إلى التركية، ومنها إلى الهنغارية والبلغارية والصربية والبولونية (أنظر: يحزقيل كوتشر، كلمات وتاريخها. القدس: كريات سيفر، ١٩٦١، ص. ٩٣-٩٥، الكتاب بالعبرية)؛ ولفظة ”بابل“ معناها بلبلة الألسن بحسب الرواية التوراتية والصواب أنها تعني ”باب الإله“.

شاهدت مؤخرًا يوتيوب بعنوان ”الشهيد الراحل ياسر عرفات وعلاقته الطيّبة بالطائفة السامرة“، وهو مقابلة ميساء، مندوبة فضائية النجاح الفلسطينية مع الكاهن حسني واصف توفيق خضر السامري النابلسي (١٩٤٤ــ)،  شقيق الكاهن الأكبر الحالي، عبدالله (١٩٣٥ -، كاهن أكبر منذ ٢٠١٣)، ومدير المُتحف السامري على جبل جريزيم، لمناسبة الذكرى الثانية عشرة لرحيل الرئيس ياسر عرفات. أُقيم هذا المُتحف الذي يطمح أن يكون جسرًا للسلام  بين كل الطوائف، قبل عِقدين من الزمان، وقد ساعد أبو عمّار في إقامته، بعد أن فسّر له الكاهن حسني واصف معنى اسمه ”ياسر عرفات“، كما سنرى لاحقا (الاسم الحقيقي لعرفات هو: محمّد عبد الرؤوف القدوة الحسيني، ولد في ٢٤ آب عام ١٩٢٩ في القاهرة وتوفي في ١١ تشرين الثاني ٢٠٠٤ في مستشفى في باريس إثر تسميمه).

مدّة هذا اللقاء هي ١٧ دقيقة تقريبًا، ويُنظر في الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=21JCQhtUS2k&feature=youtu.be

وقد اطّلع عليه حتى كتابة هذه الأسطر تسع وتسعون شخصًا، وهو موجود على الشابكة منذ السادس من كانون الثاني الماضي. في المقابلة يتطرّق الكاهن بشكل أساسي لدور الرئيس الشهيد الراحل، الأب، الأخ، المساعد، الرمز، القائد، الثائر، الأب الحنون، كما دعاه، في تقديم الدعم للطائفة السامرية، مثل المساعدة في بناء المُتحف الذي يديره الكاهن حسني نفسه، ومنح عضوية (الكوتا) في المجلس التشريعي للكاهن الأكبر المرحوم سلّوم بن عمران بن إسحق (١٩٢٣-٢٠٠٤، كاهن أكبر لسنتين ونصف تقريبا) عام ١٩٩٦. كما وأعرب الكاهن حسني عن رغبته في أن يحذو الرئيس الفلسطيني الحالي، السيد محمود عباس،  الخليفة الصالح، حذو الراحل عرفات بخصوص تأمين عضوية سامري في المجلس التشريعي الفلسطيني. كما وذكر الكاهن أن الرئيس الراحل قد أطلق أحيانًا اسم اليهود على السامريين  وذلك بحسن نية، وهذا غير صحيح. وعلّق الكاهن حسني قائلا ”الدين اليهودي بالنسبة لنا بدعة“ وأضاف مفسرًا معنى التسمية ”السامريون“ أي الشاميريم أي المحافظين على الدين، التوراة، أسفار موسى الخمسة. وتوراة السامريين تختلف عن توراة اليهود الربانيين في سبعة آلاف موضع تقريبا. مساعدات عرفات للسامريين لا تعدّ ولا تحصى. ”إنه عمل دولة من ولا إشي، لا سلام بدون إقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس؛ وذكر حسني أن عرفات قال ”لو أعطيت شبر من أرضي لأقمت دولتي“. وأضاف حسني، محافظة نابلس مثل يحتذى به بخصوص التآخي بين الديانات الثلاث السامرية، المسيحية والإسلامية؛ السامريون هم السلالة الحقيقية لبني إسرائيل، لديهم أقدم عادات وּּأقدم توراة وأقدم تاريخ وأقدم لغة“.

ومما ذكره الكاهن حسني واصف في هذا اللقاء، تلك المعركة القوية التي دارت بين عرفات والجنود الإسرائيليين في شارع ٢٤ في جبل النار، حيث أنّ رصاصة أصابت حائط بيت الكاهن، عابرة بين رقبته ورقبة ابن عمّه فضل (بن إبراهيم بن خضر، نائب الكاهن الأكبر الحالي، أشكر صديقي عزيز الكاهن نجل صديقي المرحوم الكاهن الأكبر، أبي شفيق يعقوب بن عزّي ١٨٩٩-١٩٨٧، كاهن أكبر منذ ١٩٨٤حتى وفاته، على موافاتي باسم فضل الكامل)، اللذين كانا جالسين بجانب النافذة يراقبان مجرى المعركة. بضعة سنتمترات فقط فصلت بين الرصاصة وبين عنقي حسني وفضل. هذا الحادث، كما يقول الكاهن حسني، أدّى إلى التوصّل إلى معرفة تفسير اسم ياسر عرفات بحكمة الله،  وخلق ترابطًا خاصًّا بينه وبين أبي عمّار. وعرفات شيء خاصّ بالنسبة للكاهن. وبعد تردّد ما، حاول الكاهن الإجابة عن سؤال طرحته ميساء المحاورة في اللقاء التلفزيوني، عن تفسير الاسم ”ياسر عرفات“.

أجاب الكاهن: في العربية الاسم مكوّن من: يا+ سر + عرفات أي: سِر إلى جبل عرفات، ولا حجّ في الإسلام، كما هو معروف،  بدون الوقوف على جبل عرفات؛ أو أمامنا- يا سر عرفات - أي في هذا الشخص سرّ خاصّ، قدسية، أشياء كثيرة، وميساء تعقّب: سحر كوني.

وهناك تأثيل آخر يرتكز على اللغة العبرية السامرية كما ذكر الكاهن حسني، والاسم بموجبه مؤلّف من: يشر + عرف + -ات (المقصود: ישר + ערף + -את) والفعل الملفوظ yeyassar يعني ”يؤدّب“ و āråf˓ أي עֹרֶף، الرقبة فالمعنى: يؤدّب غلاظة الشعب الإسرائيلي من أوله إلى آخره، إذ أن الألف (آلاف) أول الحروف الهجائية والتاء (تاف) آخرها. يُذكر أنّ الفعل العبري ישר المقابل تأثيليًا للفعل العربي ”يسر“، يعني ”قوِّم، إجعله مستقيمًا“ ويلفظ بالشين وليس بالسين كما نطق به الكاهن حسني، كما ورد في سفر العدد ٢٧: ٢٣،  yīšår وينظر في مواضعَ أخرى في التوراة مثل سفر العدد ٢٣: ١٠؛ سفر التثنية ٣٢: ٤، ٦: ١٨، ١٢: ٨، ٢٥، ٢٨؛ سفر الخروج ١٥: ٢٦. ثم يا تُرى ما الصلة بين -ات في عرفات وأوّل الحروف وآخرها، أين المنطق البسيط؟ وهذا يذكّرني بتفسير قرأته في أكثرَ من مخطوط سامري بالعربية، يقول بأن التوراة كاملة ولا تحتاج لأسفار أخرى كالأنبياء والمكتوبات، كما لدى اليهود، لأنها تستهلّ بالحرف باء وتنتهي بالحرف لام  و”بل“ في حساب الجُمّل يساوي ٣٢ وهو عدد أسنان الشخص البالغ، وعليه فالتوراة كاملة بالغة (ما شاء الله !!!). لا ميساء ولا الكاهن حسني ابن الكاهن الأكبر واصف (وشقيق الكاهن الأكبر الحالي عبد الله)،  تطرّقا إلى ردّ فعل عرفات عند سماعه لهذا التأثيل غير العلمي.

مثل آخر للتأثيل الشعبي المفتقر لأبسط الأصول العلمية،  ذكره الكاهن  نفسه في موضع آخر

https://www.youtube.com/watch?v=9SjEhN2PftU&feature=share

حيث ذكر في سياق حديثه أن أصل الاسم ”جريزيم“، المذكور في التوراة السامرية ثلاث عشرة مرّة، في حين أن القدس غير مذكورة فيها، هو ”من أچْزارِم أي جزّار يعني أن الذبيح يجب أن يكون على قمّة جبل جريزيم“.

الجدير بالذكر أن الكاتب السامري المشهور، أبو الحسن إسحق بن فرج بن ماروث الصوري، (والد الطبيب والنحوي المعروف شمس الحكماء، أبو إسحق إبراهيم بن فرج بن ماروث)، الذي عاش في أواخر القرن الحادي عشر وبدايات الثاني عشر، يقول في كتابه الشهير ”الطبّاخ“ ما يلي ”...الدي يدل علي ان القبله والمقصد بعبادة الله تعالى/جبل البركه المسمي في الشرع الشريف ההר גריזיم/ ومعني هذه اللفظه جبل العباده للمنقطعين الي/ الله وهو معروف يستدل علي معرفته بعشر حدود/...“ (الخط / علامة على آخر سطر وبداية ما يليه، أنظر المخطوط Manchester John Rylands Sam 9A،

ص، ١١٥ب وأنظر أطروحة الدكتوراة:

Gerhard Wedel, Kitāb aṭ-Ṭabbāḫ des Samaritaners Abū l-Ḥasan aṣ-Ṣūrī. Kritische Edition und kommentierte Übersetzung des ersten Teils. Berlin: Freien Universität Berlin 1987, p. 147).

كنت قد ذكرت هذا التفسير باختصار في أطروحتي للدكتوراة: الترجمة العربية لنص توراة السامريين، مدخل لطبعة علمية، ثلاثة أجزاء، القدس: الجامعة العبرية، عام ١٩٧٧، بإرشاد الأستاذ زئيڤ بن حاييم (١٩٠٧-٢٠١٣، ج. ١ ص. ١٧٠، ج. ٢ ملحوظة رقم ٧٩٩، ص. ٨٣ [الأصل بالعبرية]). وما زلت أذكر جيّدًا أن هذا الشرح قد لاقى استحسانًا واضحًا عند مرشدي في منتصف سبعينات القرن الماضي، بالرغم من أنّه كان قد ذكر شرحًا آخر في ما كتبه عن جبل جريزيم في الموسوعة التوراتية في العام ١٩٧٣.

 

(قبل بضع سنوات كتبت عرضًا ومراجعة ضافيين لكتاب: التيه الإسرائيلي في شبه جزيرة سيناء، تأليف الكاهن حسني واصف السامري، مركز السامري الطيّب، نابلس - جبل جرزيم، فلسطين. القدس - بيت حنينا، فلسطين، دار نشر جامعة القدس، ط. ١، ٢٠١٢، ٢٨٧ ص. ISBN-13-978-9950-384-00-2؛ وقد صدرت مؤخرًا ترجمة له بالإنجليزية؛ أنظر: أ. ب. -أخبار السامريين، ١١٢٦-١١٢٧، ١٥ كانون الثاني ٢٠١٣، ص. ١٠٣-١١٣؛ خلاصة بالعبرية وبالإنجليزية في أ.ب. -أخبار السامريين ١١٢٨-١١٢٩، ١ شباط ٢٠١٣، ص. ١٤-١٥، ٦١-٥٩؛ أنظر أيضا   http://shomron0.tripod.com/2013/janfeb.pdf))

حسيب شحادة - جامعة هلسنكي