القسم الثاني من مشاركة طالبة الدكتوراه عفاف المحضي في الندوة العلمية الدوليّة حول التسامح الدينيّ و ثقافة الاختلاف - مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة، مدينة سوسة – تونس، يوم 5 – 10 – 2016م. بعنوان: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي. وقد نالت على بحثها شهادة تقدير من إدارة الندوة العالمية.

  

 

 معالم المشروع الاصلاحي لماجد الغرباوي

إنّ أفكار الكتاب كما هو واضح من موضوعه تحمل مضامين إصلاحية، وتعكس وجهة نظر نقديّة ورؤية إستشرافية مستقبلية للعالم العربي في حاضره ومستقبله وما ينطوي بينهما من أحداث سياسيّة ودينيّة وثقافيّة. إنّ مشروع الغرباوي الإصلاحي هو معالجة عملية فكرية للمشاكل التي تحيط بالمجتمع العراقي كأنموذج والمجتمع العربي بشكل عام. مشروع يؤسس لثقافة:

- العيش داخل مجتمع تعدّدي

- الموائمة بين القيّم الدينيّة والقيّم الإنسانيّة

- نقد التراث الإجتهادي وخلق بديل مع المحافظة على الجوانب العقلية القوية منه والتي لا تتعارض وروح العصر ومتطلبات الإنسان اليوم الخميني الشيعي والإخواني السني.

- نقد العقل الإسلامي الإجتهادي الذي يكرر ذاته لسنوات والذي أفرغ النصّ القرآني من أبعاده الدينيّة وتوجيهه الوجهة الفقهيّة التقنينيّة منذ عصر الشافعي إلى اليوم العقل الإجتهادي يكرر نفسه.

- إخراج الإنسان المسلم من فهم ماضوي ضيّق للإسلام، فهم قد غدا عالة عليهم لم يعد قادرا على الإستجابة لروح العصر والحداثة وهذا ما خلق الصراع بيننا وبين العالم

- التفرقة الواعيّة بين الدين وبين الفهم الذي نشكله عنه

- الخروج من المنظور المذهبي الضيق الذي يدعي كل منها اكتساب الحقيقة وما تنجر عنه من تبعات تكفيرية واقصائية كردّ فعل مضاد حماية لتلك القشور التي شوهت مقاصد الدين العالميّة من تسامح وكونيّة وتعايش ومحبة ورحمة وعفو عند المقدرة والصفح والغفران ...عبر التاريخ. فالقرآن يحتوي آيات غاية في التسامح والمحبّة والانفتاح على الأخر ولكن التفسيرات التاريخيّة المسيّسة والخاضعة للظروف هي التي جعلت منه متقلبا بين الانفتاح والانغلاق حسب ما تقتضيه الحاجة التاريخية والمصالح السياسيّة.

- كسر قيد الوضع القاهر الذي يتحكم فينا وفي مجتمعاتنا العربيّة" إن لم تكن معي وتنضوي تحت منظومتي الفكرية فأنت ضدي واجب وحق شرعي تصفيتك الجسديّة."

لكن يبقى السؤال المتكررة في ذهنيّة كل مفكر أو مصلح أو فرد واع بالواقع اليوم هو ما مدى مشروعية البحث عن أرضيّة للتسامح في التأويل النّصي؟ ما مدى وعينا بهذا المفهوم؟ أليس من الضروري اعادة ابتكار لمفهوم التسامح وقولبته وفق متطلبات العصر المتجددة؟

"هناك فارق كبير بين قبول الآخر والاعتراف به فالحالة الأولى يفرضها الواقع والمصالح المشتركة بينما الحالة الثانية تعبّر عن وعي لا تخالطه نوازع التعالي الناشئ عن عقيدة التفوّق العنصري أو الاجتماعي أو الديني أو المذهبي أو الثقافي. ولا تلامسه مشاعر الفوقية والتفوّق. ولا تنطلي عليه أوهام صحة ونهائية وجزمية الأفكار والمعتقدات في مقابل خطأ الأخر مطلقا. كما لا تخالجه التفرّد بالدين."[10] والتأصيل لإطار وطني يستوعب التعدد القومي العربي والأصولي الديني وشيوعيّة واشتراكية عربيّة وطوائفية وشعبوية داخل شرعيته. والتأسيس للتسامح أخلاقيا ولغويا، دينيا ومدنيا.

لأن "التسامح نسق قيمي تتوقف فاعليته على وجود أرضية صالحة وأجواء سليمة تساعد على تفاعل قيّمه لذا يشترط أولا ايقاف نزيف الكراهية والحقد وقطع مصادر العنف والاحتراب وتجفيف منابع اللاتسامح والارهاب والحيلولة دون تدفقها لا على مستوى الممارسة فقط وإنما اجتثاثها كثقافة وعقل ومنهج."[11]" فلأحقاب طويلة من الزمن وقع تجاهل الكلمة، وقع تجاوزها أو على الأصح اكتفى بمجرد النظر إليها على أنها من نافل القول ... كما أن الكلمة لم تكن تعبر في الحقيقة عن شيء محسوس. بقي التسامح طوال قرون متتالية مجرد فكرة مجرد فرضية ضمنية تتحدث عن طبيعة الحياة عامة والعلاقات البشرية وقد كان مصير التسامح في الفكر الديني (الذي يجب تمييزه عن الدين) مصيرا متناقضا.

فالتصوّر الإنساني المتعلق بالدين قد أنتج مدارس ومذاهب كانت سببا في اثراء هذا الفكر ولكنها كانت سببا في فتن مزّقت أوصال المجتمعات التي تدين بالديانات السماوية على وجه الخصوص." [12] لذلك لابد من التأكيد ضرورة قصوى على أهميّة الثقافة النقديّة في "النفوذ إلى أعماق اللاوعي لتفكيك البنى المعرفيّة القديمة وتأهيلها لاستقبال نمط فكري وثقافي جديد يعمل في إطار قيّم التسامح. ويجب ان يطال الخطاب النقدي جميع المستويات وينفذ إلى كل الحقول. ولا يتوقف عند مساحة دون أخرى. فيبدأ بالفرد والأسرة لينتهي بأعلى سلطة فكرية واجتماعية مرورا بقيّم النظّم القبليّة والحزبيّة والدينية والنقابيّة والسياسية."[13]

بتفكيك سلسلة قيّما ومفاهيمها القديمة والتحرر من ربقة نمطها الاستبدادي من خلال نقد الخطاب الديني (هنا يجب أن نفهم الفرق بين النّص والخطاب الديني[14]) عند سيد قطب في قوله إن هذا الخطاب الديني لا يؤسس ولا يساعد على وجود مجتمع متسامح، بل العكس سينتج حركات إسلاميّة متطرّفة تستبيح قتل المسلمين قبل غيرهم ."[15] وهذ ا ما يشهده عالمنا العربي اليوم من قبل الجماعات المتطرّفة. لذلك لابد من تفكيك الخطاب الذي تتبناه هذه الجمعات وتحديد المرجعيات التي تمت وفقها هذه القراءات وبيان تهافتها ونقاط ضعفها لتفادي تنامي هذه القراءات ويتفاقم هذا الفهم ويتجذر داخل الفكر الديني إلى درجة يصبح فيها الفكر الأخر المضاد فكرا منحرفا وكافرا من وجهة نظره ومن زوايا فهمه وقراءاته وتفاسيره. فكيف يمكن حينها أن نتعايش مع الأفكار والأديان والعقائد المختلفة من حولنا؟

إنّ قضية الفكر ليست قضية الذّات بل هي قضية نتاجها المعنوي تماما كما هو النتاج المادي فنحن نرفض النتاج في عناصره ونحترم المنتج في انسانيته بمعنى لو أسقطنا الفكر لا نسقط صاحبه بل نحترمه كذات إنسانية نشترك معها في هذه الخاصيّة الإنسانيّة. إذ " ليس هناك صحيح مطلق وخطأ مطلق وإنما الفكر أيا كان انتماؤه انتاج بشري واجتهاد شخصي قد يصيب وقد يخطأ يتأثر بالظروف الزمانية والمكانية وتؤثر فيه القبليات المعرفية والأنماط الثقافية والاحداث السياسية والصراعات الطائفية والمستوى العلمي وأفاق الوعي السياسي والاجتماعي والديني." [16]

كما أكدّ على أهمية الدور الذي تلعبه الأسس المنهجيّة في ثقافة الحوار مع الأخر في مسائل منها الفرق بين الهداية الإنسانية والهداية الالهيّة التي "عمل الأنبياء على تجذيره وتعميقه في النفوس المؤمنة" كما أكدّ أيضا على دور القانون الذي يكمن دوره في فاعليته الكبرى في حسم النزاعات وإعادة الأمور إلى نصابها الأول وقمع الفقاعات الطائفية والمذهبية أو العنصرية أو الدينية في مهدها وحماية الصيغ التوافقية بين المواطني الشعب الواحد.

تحطيم الثوابت الغائرة والمتخفية في اللاّشعور خاصة في مفهوم الهداية رغم الحوار الذي لم يتجاوز في نظره داخل الذهنيّة العربية الإسلامية منطق التكفير والإكراه خاصة اذا ارتبطت بالأخر الخارج عن المنظومة العقائدية للأنا المؤمنة لذلك لابد للغرباوي هنا من تقديم البديل عن هذه الرؤيةباعطاء مفهوم جديد لهذا المصطلح في قوله:" الهداية هبّة ربّانيّة لا يمنحها إلاّ لمن يستحقها. وموضوعها العقيدة الإلهيّة وليست الشريعة وأحكامها، والعقيدة قناعة ذاتيّة لا تخضع لوسائل العنف والإكراه. وتحديد الهداية وضدها النوعي الذي هو الضلال مرتبط بالله تعالى ولا تتحدد بالسلوك الخارجي. فربما شخص يمارس الشعائر تحت ضغط الواقع... فالحوار معه على أساس هدايته باعتباره ضالا أمرا غير مبرر ولا مستساغ. وإنما يجب الحوار معه على أساس المثاقفة والتكامل باعتباره يمتلك رؤية وفكرا وثقافة وأدلة على أساسها اكتملت قناعته."[17]

هي " إرادة لا تعترف سوى بتبعية الذّات وامتثالها القسري والإكراهي لنموذج النسق الثقافي الذي يرهن أفق الإنسان ضمن منظور اختزالي لا يرده إلى ماهيته الجوهرية التى تؤسسها الحرية، وإنما إلى أصول ميتافيزيقية وأسس ثقافية شكلها الإنسان ذاته عبر تاريخه."[18]

كما أكدّ على ضرورة الفهم لصحيح لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو موضوع قيمي أخلاقي بالأساس وليس عقدي ديني. لإنّ مأزقنا اليوم المعاصر حسب رؤية الغرباوي النقدية للواقع المعاصر تتلخص في أن العقل العربي الإسلامي لا زال يكرّر ذاتَه باستمرار عود على بد من الألف إلى الياء وهذا ما قاله أيضا طه عبد الرحمان وأكد عليه في أنّ العالم العربي الإسلامي، لا وجود لإمكانيات البناء والتجديد عنده بل يستنسخ ما قاله السلف.

 قواعدهم وعباراتهم ومصطلحاتهم وآراءهم هي ذاتها لا تبديل ولا تحويل، وإن وجدت بعض المحاولات الخجولة التي لا تخرج عن منظومة النسَجَ على ذات المنوال إلاّ في حدود بيان بعض القواعد وشروحات لبعض العبارات، إن لم تكن شرح على شرح، وبعض الحواشي أو تعليقات عليها، ومحاولات توضيح المراد منها واستخلاص المضمون. وكأن الأول لم يترك للآخر شيئا وأضحى تفكيرنا مقيدا لا يخرج على المستوى الذي فكروا فيه.

 لا يسمح لنا بصياغة قواعد بديلة لتفكيرنا الديني نابعة من خضم مشكلات واشكاليات عصرنا ورهاناته، وتقدم العلوم والمعارف المستجدة في عصرنا. ينبغي علينا اليوم أن لاّ نفتقر للحسّ النقد التاريخي والتدقيق في دراسة موروثنا من الخطاب الديني كنصّ قابل للنقد وتجديد بنيانه الذي أصبح اليوم عاجزا عن الوفاء بمتطلبات روح العصر وحاجات العقل الإسلامي اليوم. فضلا عن ضرورة أن نتعرف على آفاق الحاضر، ونستبصر أو نستشرف متطلبات مستقبلنا.

 لقد شدد الغرباوي على ضرورة الخروج عن المناهج التقليدية في الاجتهاد والتفكير وأهمية بعث أسس وأدوات نظر معاصرة عقليّة نقديّة للموروث الخطابي الدينيّ، وتخطي تلك النظرة التقليديّة التي حرمت لقرون طويلة المساس بحرمة وقدسيّة الخطاب الديني على وصفه "نساقاً مقدسا وعميقاً" وحداً نهائياً، قادر على انتاج الأسئلة والأجوبة لكل زمان ومكان. خطابات في نظره قد ساهمت في تعطيل العقل العربي الإسلامي، عود على بدء بدايتها نهاية ونهايتها نقطة. كتاب أراد صاحبه من خلاله أن يتخطى ما هو مكرر في الكتابات الإسلاميّة المماثلة (حسن البنا، يوسف القرضاوي، محمد عبده...) وغيرهم إن من حيث عنوانه، أو مضامينه، أو عناوين مباحثه (الاستبداد العربي، الجهاد والاجتهاد في الإسلام، مشروع تحرير المرأة) وجرأة محتواه وأهدافه في الكشف عن حدود حقل فاعليات الدين وآثاره الايجابيّة البناءة. مقدما بذلك مشروعه الاصلاحي الجديد من صلب التجربة العراقية المتنوعة والمتمثل في جملة من التنبيهات والمحاولات الاصلاحية أهمها:

- صيانة قيم العدالة والمساواة في مجتمعاتنا العربيّة وتجريم الممارسات التي تفرق بين أفراد المجتمع الواحد جغرافيا أو تاريخيا أو دينيا أو ثقافيا.

- محاصرة كل أنواع الخطابات وأشكال الممارسات المتطرفة.

- ضرورة الوعي الحضاري للتاريخ وأحداثه وتطوراته الذي يؤهلنا لاستيعاب النقاط الإيجابية من تاريخنا.

- حاجة المسلم اليوم إلى رؤية دينيّة تؤهله للعيش وفق قواعد إلتزاماته الدينية المتوافقة مع مستجدات زمانه وتطوراته المتلاحقة.

- ضبط سلوك الإنسان والعمل على تهذيبه والإعلاء من شأن الاعتبارات الدينيّة والأخلاقيّة التي تسيّره.

- محاولة استئصال القيّم الجامدة واستبدالها بقيم جديدة والترويج لقيم المحبّة والسلام والتسامح بين الأنا والآخر.

- تقديم رؤية للظواهر ضمن إطارها التاريخي وأنساقها المعرفية والثقافية التي تأسست في خضمها.

- تقديم اجراءات من الواقع بعيدا عن التنظير والمثل.

- تفكيك مصادر الخطاب والإشارة إلى الوجدان المتورم وإلى العاطفة الوجدانيّة الجارفة التي حولت العقل الديني إلى عقل أزمة أو عقل مونولوج وتيار شعور ساهم في تحوّله إلى خطاب حركي خطير.

- تقديم فهمً جديدًا للحياة، للفرد وللشعب والوطن بعيدا عن العصبيّة القبلية.

- الدعوة إلى ضرورة سدّ الثغرة الراهنة في المجتمع عن طريق الإصلاح والتغيير الخطاب الديني القديم في بعض جوانبه وتكييّفه بما ينسجم مع تحديات العصر بفهم جديد ليس هو التغريب وليس هو التأويل المخل الذي يصطدم مع النصوص الشرعيّة الصريحة والذي يجعل منها ذات دورا ثانويا أمام متطلبات العصر ووقائعه وحاجاته وإنما هو التجديد الذي يعود بنا إلى النصّ الأصليّ و إلى الأصول الإسلاميّة الأولى الصحيحة. فالمجتمع المسلم مأمور بتجديد إيمانه من كل ما علق به من أسباب الضعف والبلى والخضوع والانحراف.

- صدّ كل أشكال العنف السائدة في المجتمع بالتسامح لأن أرضية التسامح هي معارك حرية التفكير والتعبير والعقيدة الدينية.

الإعتراف بالآخر الذي هو أصل التسامح وجوهره.

- لا بد من تحديد التمايز الحاصل بين الدين بصفته مصدرا والخطاب الديني بصفته تمظهرا.

- تحديد مفهوم التجديد وآلياته، كالاجتهاد ودوره في التجديد.

- تحديث الخطاب الديني وتجديده بما يتناسب ومعطيات الحضارة المعاصرة

- تخطي الحلول الجاهزة التي ارتضاها المسلمون نتيجة ظروف ومعطيات تاريخية وحضارية وسياسيّة قد تجاوزها الزمن والركب الحضاري المعاصر

- التنبيه إلى ضرورة عودة المسلم إلى القرآن ليستمد منه القواعد الصحيحة للسلوك السوي في جميع مجالات الحياة.

- ضرورة التنبه والوعي التام بالحقائق الأساسية ذات الأولوية في حياتنا كمسلمين من حقوق المواطنة وسيادة القانون وتعدد المرجعيات ومراجعة الأنساق التي تحكمنا وتسيطر على تركيباتنا الذهنية في التفكير

- الوعي بأن الحلول في هذا الميدان لا تكون إلا في نطاق الواقعية والممارسة الحرّة بعيدا عن التنظير والمثالية لأن هذا الوعي الثقافي لا يمكن أن يلامس الواقع إلا في إطار تلاقح الأفكار وخلق فضاءات أرحب للحوار بعيدا عن منطق الهدي والارشاد الذي تمتهنه بعض الجماعات والجمعيات.

 

خاتمة

وفق منظور ماجد الغرباوي تتأسس ايتيقا الأنا من خلال اللقاء المتكامل بالآخر وبهذا المعنى فهو تعبير عن تجل لوجود خاص من أجل وجود عام، لا يكتسب تحديداته الجوهرية الخاص، التي يصبح عبرها نوعا، لا امتدادا إلا في علاقته بالآخر، الذي يكون وجوده سابقا وكائنا على وجود أية ذاتية، فالأنا الذاتي لا يتحدد إلا إذا كان هناك آخر ذاتي يسبقها في الزمن داخل زمانية التفاعل الإنساني، هذا الذي يضمن شرط انفتاح الذاتيّة على الغيرية ويجعل أفق الكونية ممكن موافقة وتوافقا عبر سمّة التسامح مع الآخر.[19] فأخلاق التسامح والتفاعلية هي مبدأ اعلاء من قيمة الحياة والإبداع التي تقوم على الإلتحام بالوجود والآخر" واحترام خياراته وأسلوبه في اغناء تجربة الحياة المشتركة، وكل حياة مشتركة خلاقة."[20] رغم يقيننا بأن التسامح لابد وأن يحمل قسطا من الشّر معنى ذلك أنّ التسامح لا يمكن أن يكون قيمة مطلقة، أي أنّه مكره بفعل مشيئة كل فرد على الفعل وفق القواعد الكونيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة والقانونيّة والأعراف الإجتماعيّة والقبليّة المترسخة في ذهنيّة الفرد من الناحيتين النظريّة والعمليّة. لكن مطلب الحياة يبقى غاية الإنسان الحقّ والمؤمن بأن الله وحده هو الذي يستحق أن يحيا اللإنسان ويموت في سبيله وهذا لا يتحقق إلا في صلب مجتمع مثالي يتعايش فيه وبسماحة كل إنسان مسلم مؤمن وأناس غير مسلمين، وهذا المجتمع لا يكون غير المجتمع الإسلامي الحق الذي يقبل ان يكون بين أفراده يهودا ومسيحيين وفئات لا تؤمن بنبيّ ولا كتاب. أليس هذا هو الوجه المثالي للتسامح الحق؟

لقد رفض الغرباوي في كتابه التسامح على أساس المنة والتفضل ودعا الى قيام التسامح على أساس مشاركة الآخر لنا بالحقيقة، ولو بجزئها، وحينئذ لا توجد منه ولا يوجد تفضل، بل هو شريك حقيقي لنا.

 

عفاف المحضي: فهم التسامح.. قراءة في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات لماجد الغرباوي (1-2)

 

 عفاف المحضي – طالبة كتوراه / تونس

...............................

قائمة المصادر والمراجع

I.قائمة المصادر:

- القرآن الكريم

- ماجد الغرباوي التسامح ومنابع اللاتسامح (فرص التعايش بين الأديان والثقافات) مؤسسة العارف للمطبوعات الطبعة الأولى بيروت- لبنان 2008

II.قائمة المراجع:

- جون لوك: رسالة في التسامح: ترجمة منّة ابو سنّة، تقديم ومراجعة مراد وهبّه المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة- 1997

- عبد العزيز بو مسهولي: مبادئ فلسفة التعايش، أفريقيا الشرق- المغرب 2013

- عبد الرزاق عيد : سدنة هياكل الوهم/ نقد العقل الفقهي، يوسف القرضاوي بين التسامح والارهاب دار الطليعة بيروت، رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى، سبتمبر 2005

- محمد أحمد حسونة بك ومحمد خليفة التونسي التسامح في الإسلام: الأسس النفسيّة والاجتماعيّة في الإسلام مطابع دار الكتاب العربي بمصر محمد حلمي المنياوي

- ناجي البكوش : دراسات في التسامح، التسامح عماد حقوق الإنسان المعهد العربي لحقوق الإنسان والمجمع التونسي بيت الحكمة – نشريات الشمال - تونس 1995

- يوسف القرضاوي: كلمات في الوسطيّة الإسلاميّة ومعالمها، دار الشروق- القاهرة الطبعة الثالثة سنة 2008

- -----------------: الإسلام والعنف نظرات تأصيليّة دار الشروق– القاهرة 2010

 

III.قائمة المقالات الإلكترونية:

- محمد محفوظ : التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في 5/12/2015

- لبنى الرامي - مولاي مروان العلوي

- فؤاد عاقل : تجديد الخطاب الديني: الاجتهاد نموذجا"- مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في: 31/08/2015

- موقع منظمة اليونسكو www.unesco.org

 

الهوامش

[1]- المعجم الوسيط: ج1 ابراهيم المصطفى، أحمد حسن الزيات، حامد عبد القادر محمد علي النجار: المكتبة الإسلاميّة للطباعة والنشر والتوزيع اسطنبول- تركيا (د.ت) باب السين مادة (سمح) ص 447

[2]- انظر كتاب رسالة في التسامح: جون لوك، المجلس الأعلى للثقافة 1997

[3]- موقع منظمة اليونسكو: www.unesco.org

[4]- التسامح في الإسلام: محمد أحمد حسونة بك ومحمد خليفة التونسي: الأسس النفسية والاجتماعية في الإسلام مطابع دار الكتاب العربي بمصر محمد حلمي المنياوي ص 29

[5]- ن.م: ص 50

[6]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح: ص 16

[7]- عبد الرزاق عيد: سدنة هياكل الوهم/ نقد العقل الفقهي، يوسف القرضاوي بين التسامح والارهاب دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى، سبتمبر 2005 ص 210

8- محمد محفوظ: التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في 5/12/2015

[9]- ن.م: التحليل الثقافي لظاهرة العنف الديني

[10]- ماجدالغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح: ص 70

[11]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاّتسامح، ص 69

[12]- دراسات في التسامح: ناجي البكوش، التسامح عماد حقوق الإنسان المعهد العربي لحقوق الانسان والمجمع التونسي بيت الحكمة – نشريات الشمال - تونس 1995 ص 9-10

[13]- ن،م: ص 70

[14]- النصّ الديني والخطاب الديني: النصّ هو كل ما ثبت وروده عن الله سبحانه وتعالى وعن رسوله صلّ الله عليه وسلم، وهو فوق المحاسبة أو الإتهام، ويعتبر أصلا لا يمكن المساس به، فهو نص مقدس معجز صالح لكل زمان ومكان، مرتبط بالوحي، يأتي في مقدمة الأدلة الشرعية والحجج الدينية التي لا يمكن دحضها والمنزهة عن كل تحريف وشبهة. لهذا يشكل النص الديني الشكل الثابت الذي يمثل أساس الدين وكنهه سواء كان متعلقا بالعقائد أو بالعبادات أو بالمعاملات أو بالأخلاق. أما الخطاب الديني هو الخطاب الذي ينطلق من الرؤية الدينية مرجعا، فهو ما يستبطنه ويفهمه ويفسره الفقهاء والعلماء من النص الديني أو مصادر الاجتهاد. وهو الواسطة بين الناس وبين القرآن والسنة والتي توضح الإسلام وما فيه من أحكام، فهو طريقة ومنهاج في التفكير والتصور وفي التعبير عن الأفكار والتصورات. وما يميز الخطاب الديني هو معيار الثابت والمتغير ويحكم هذا التمايز كيفية فهمه واعتباره سواء من قبل منتج الخطاب أم من لدن متلقيه، ذلك أنه لا يكتسب من موضوعه -الدين- قداسته وإطلاقه. لا بد من التمييز والفصل بين الدين والفكر الديني، فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها. ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أيضا أن تختلف من بيئة-واقع اجتماعي تاريخي جغرافي عرقي محدد-إلى بيئة في إطار بعينه، وأن تتعدد الاجتهادات بنفس القدر من مفكر إلى مفكر داخل البيئة المعينة. آنظر مقال بعنوان "تجديد الخطاب الديني: الاجتهاد نموذجا"لبنى الرامي - مولاي مروان العلوي - فؤاد عاقل - مركز أفاق للدراسات والبحوث حرر في: 31/08/2015

[15]- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاّتسامح ص 74

[16]- ماجد الغرباوي التسامح ومنابع اللاّتسامح: ص 100

[17]- ن.م: ص 109-110

[18]- عبد العزيز بو مسهولي: مبادئ فلسفة التعايش، أفريقيا الشرق- المغرب 2013 ص 66

[19]- انظر كتاب مبادئ فلسفة التعايش، لعبد العزيز بو مسهولي ص 188

[20]- ن.م: ص 190

 

 

"ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر" (سورة القمر، الآية 4-5)، هي آخر آية من القرآن التي قد ختمنا بها المقالة السابقة "أهل الغيب بين رقدة القبر أم الحشر؟!"، قد أنكرها بشدة وسخر منها العديد من ذوي العقول النيرة من أهل الفن والصحافة والإعلام العربي بل وحذفت كما وصلنا من آراء كل متابع بين معارض ومؤيد  لهذه الفئة، والتي كما يقال عنها ويردد الكثيرون من أهل الصحافة أن مصحف محمد صلى الله عليه وسلم انتهت صلاحيته في هذا الزمان وو... بل القرآن بعينه مجرد ترهات في زمن السرعة، وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى الذي أنزله على شفيعه صلى الله عليه وسلم: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون" (سورة الحجر، الآية 9-10-11).

ربما هذا يعيد إلى أذهان العاقل منا ما فعله قوم نوح عليه السلام على مدى ألف سنة إلا خمسين عاما التي قضاها  مجادلا وناصحا ومحذرا لهم من مكر الله، لكن النتيجة كانت للأسف الشديد العقم بعينه مصداقا لقوله تعالى: "فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا" (سورة نوح، الآية 25).

هناك من قال الإعدام سيكون الحكم النهائي لكاتب هذه المقالة وهو أمر لا يخيف المنتقم الجبار في فئة من عباده المستضعفة، والتي لا تخشى حتى الخلود في نيران جهنم والحمد لله في حكمه البالغة، بل يجعلنا نكرر على مسامعهم بإذن الله أننا جميعا –ومعهم كاتب المقالة- سننتفض من رقدة القبر في أعقاب صيحة هائلة في لمح من البصر، وقوفا للسؤال الذي يستبعده أهل الغيب من هذه الفئة، وذلك اليوم المشهود الذي لا مفر منه حتى لو شيدت هذه الفئة الذكية المالكة لمال قارون وملك فرعون قصورا للخلود في دنيا فانية مصداقا لقوله تعالى: "إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود" (سورة هود، الآية 103).

لكن ما يطمئن قلب المستضعف دائما هو القرآن، والذي حتما يكفينا  شر ما تبعثه إشارات غيبياتهم التي باتت تعلم أنها ستنجب ذكورا وإناثا كما يقول عامة الناس، بل وتتحدى الله ومكره الذي يجب أن يسجد طوعا لهم أو كرها ليخرج من أرحامهم ذرية، ولكنه بدوره سبحانه يرد عليهم مستهزئا في قوله تعالى: " فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون" (سورة الصافات، الآية 149).

لو تأملنا جميعا بما فيهم هذه الفئة حال العرب في زمن السرعة ومباهجه الفانية، التي لطخت وجهه بدماء بريئة وعري وأمراض خبيثة وأوجاع وضغائن وحروب دنيئة وو... لترفع صوتا يقول أن الإسلام يساوي القتل والإرهاب والداعشية فأعدموه نصرة لكم وللعلمانية وتحرر الجسد من لباسه وإنسانيته ليصبح حيوانا يعبد شهوانيته ويصلي لأصنامها، ويقوم لياليه ويصومها متضرعا ليصل إلى علياء جنانها يوم الحشر هو والقبر قبله، اللذين كلما ذكرا أمام تلك الفئة الذكية التي باتت تعلم علم الساعة منذ سنين تزداد عندا واستخفافا بمكر الله وحكمته وغيبه، والذي جهله والحمد لله أنبياء الله عليهم السلام في أرضه، بل وفروا فرارا إلى جانب ربهم خوفا من مكره وسخطه وغضبه الذي قد آمنه هؤلاء في فئة مستضعفة قد حكموا عليها بالإعدام منذ سنين والله شاهد على ذلك، واليوم يحاربون رب الكعبة فيها بإشاراتهم المبثوثة عبر وسائل الإعلام ويريدون منها أن تخلق لهم ذكورا وإناثا وهذا الجهل والكفر بعينه!، والتي كانت بداياتها عبر الفيديو كليب التي جعلت الضعيف لعنة ولا تزال إلى اليوم المشهود، وصولا لمقاصدهم الخبيثة لا تخفى على رب العباد والتي عقدوا العزم فيها على أنهم الغالبون وستخرج ذرية من أرحامهم لا محالة وعلى رأسها الذكور كما بات يثرثر بذلك العامة من الناس، فيكفيهم إناثا يا رب العالمين!، حتى أنهم تناسوا مكر الله الشديد وقوله في قرآنه العظيم: " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" (سورة الحجر، الآية 92-93).

 

بقلم عبد القادر كعبان - كاتب صحفي جزائري

 

المقصود بالمدرسة الإسلامية طريقة فهم الفكر الإسلامي، إي التنظير لاانزال الفكر الإسلامي إلى واقع الحياة فمن المعلوم هناك فرق بين النظرية والتطبيق، لذا تعددت الصور للفكر الإسلامي بقدر تعدد المنظرين.

 المدرسة الإسلامية الأولى كان المعلم فيها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليةواله وسلم والتلميذ الأول فيها من الرجال علي أبي طالب ومن النساء فاطمة بنت محمد صلى الله علية واله وسلم وعلى مدى 23عاما،  واستطاعة إن تؤسس دولة 622م-632م أساسها العدل لمدة 10عام، وهي الصورة الحقيقة للإسلام والمدرسة الثانية مدرسة الصحابة والمعلم الأول فيها عمر الفاروق وكانت على راس الدولة لمدة 24عام، والمدرسة الثالثة مدرسة أهل البيت والمعلم الأول فيها علي ابن أبي طالب وكانت على راس الدولة لمدة 5 أعوام.

والمدرسة الرابعة وهي عبارة عن فهم خاص للإسلام ونسميها ب(المدرسة الخاصة) ومنها المدرسة الأموية التي أسست الدولة الأموية التي دامت 88 عام ومنها الدولة العباسية التي دامت 525عام ومنها الدولة الفاطمية التي دامت 262 عام، والدولة الأيوبية التي دامت 168عام، والدولة الصفوية التي دامت 235عام، والدولة العثمانية التي دام625عام

ومدرسة ابن تيمية الذي عاش في زمن مضطرب وهو الغزوا المغولي فلم تؤسس هذه المدرسة دولة وقضى رائدها ابن تيمية اجل عمرة في السجون المعلم الأول فيها ابن تيمية وجددت على يد محمد ابن عبد الوهاب فهو المعلم الثاني للمدرسة وعرفت باسم الوهابية وجددت على يد ابن لأدن فهو المعلم الثالث للمدرسة وعرفت باسم السلفية، واستطاعة أن تؤسس دولة عرفت باسم حكومة طلبان 2001 سرعان ما انقضت عليها أمريكا وانتشرت في العالم قتلا وتكفيرا وجعلت من المسلم مجرما جزارا،  وعلى الرغم مما ادعاه أنصار هذه المدرسة بأنها تجديد للفكر الإسلامي،  إلا أنها تعد أبشع صورة وضعت للإسلام أسوء فهم له. 

وتعد تجربة إيران الإسلامية 1979م، وتجربة السودان الإسلامية1983-1985، وتجربة طلبان 1969-2001، نوع من المدارس الإسلامية الخاصة وتملك حركة الاخوان المسلمين مدرسة اسلامية تنتمي نظريا الى مدرسة الصحابة واقصوا من الحكم ولم يطرحوا تجربة اسلامية جديدة لنحكم عليها هل هي مدرسة الصحابة ام من المدارس الاسلامية الخاصة كمدرسة الدولة الاموية مثلا  ويمتلك حزب الدعوة الاسلامية مدرسة تنتمي نظريا الى مدرسة اهل البيت عليهم السلام ورغم ما زال في السلطة ولكن من المستحيل ان يطرح تجربة اسلامية جديدة لنحكم عليها هل هي مدرسة اهل البيت ام نوع من المدارس الخاصة كمدرسة الدولة الفاطمية مثلا وكانت هناك صورة للإسلام أو فهما له لا يمكن إن نسميه مدرسة أُطلق عليه الإسلام الأمريكي شجعت المملكة العربية السعودية علية، وتبناه صدام حسين وسرعان ما ألغاه إذ وزع في المدارس كتاب للتربية الدينية كبير الحجم في التفسير وكتاب أخر يحوي نصوص من آيات القران الكريم مع تبيان لمعاني الكلمات ويطالب الطالب بحفظ النصوص على ظهر قلب إلا إن مديرية التربية سرعان ما أوقفت العمل بهذه الخطة ورجع درس التربية الدينية (الدين ) درس هامشي، كدرس التربية الفنية (الرسم)، ودرس التربية الرياضية (الرياضة)

وأمريكا بعد إحداث 11 سبتنبمر 2000م بدأت تنظر إلى الإسلام بريبة اكثر حتى لهذه الصورة وأخرجت صورة إسلام أخر فآمة المسلمين في الصلاة امرأة في احد المساجد والمصلين رجال ونساء كتفا على كتف وقسم من النساء لم يكن محجبات

 و شجعت أمريكا تركيا بهذه الصورة من الإسلام، ولكن مواقف الإسلاميين في تركيا وبرئاسة رجب طيب اردوغان صارت أكثر قربا من المدرسة الإسلامية الخاصة، وكذا ماليزيا بعد تصريح رئيس الوزراء نجيب بن تان عبد محمد الرزاق إذ صرح في أب 2007م[ إن ماليزيا لم تكن قط علمانية لان العلمانية بالتعريف الغربي تعني فصل المبادئ الإسلامية عن الطرق التي نحكم بها البلاد

الإسلام بقى وجوده بالفعل فكري خالص، كالفكر الشيوعي التبشير ، عدى تجربة الرسول الأكرم صلى الله علية واله وسلم فهي تجربة من أروع تجارب النظم الاجتماعية وانجحها، ثم عصفت بالإسلام العواصف بعد إن خلا الميدان من القادة المبدئيين أو كاد، وبقيت التجربة في رحمة أناس لم ينضج الإسلام في نفوسهم ولم يملآ أرواحهم بروحه وجوهره فعجزت عن الصمود والبقاء، فتقوض الكيان الإسلامي، وبقى نظام الإسلام فكره في ذهن الأمة الإسلامية وعقيدة في قلوب المسلمين، وأملا يسعى إلى تحقيقه أبناءه

 

 

 

التسرّع في إصدار الأحكام: كيف تكون فتاة شريرة مساوية للإلهة "إيزيس" الطيّبة ؟:

وهذه السرعة في التشبيهات وإطلاق الأحكام تسم مشروع ناجح بأكمله .

لنقف عند نظرته إلى الفتاة، زوجة باتا التي خلقها الإله (رع – حوراختي) لتسكن معه وتداري وحدته . سرعان ما جعلها ناجح مساوية لـ "إيزيس" الإلهة المصرية  . دعونا نتوقف عند أفعال إيزيس، ثم أفعال هذه المرأة، لنرى هل هما متشابهتين كما يقول ناجح، أم أنه يُطلق الأحكام بحماسة وبلا قرائن، وكأنه يلهج بأشياء حفظها عن ظهر قلب سواء توفّرت شروط انطباقها على الحالة الراهنة أم لم تنطبق !.

من هي إيزيس؟

إيزيس هي واحدة من الآلهة التاسوعاء، هي ربة القمر والأمومة لدى قدماء المصريين. وكان يرمز لها بامرأة على حاجب جبين قرص القمر، عبدها المصريون القدماء والبطالمة والرومان. صارت إيزيس شخصية بارزة في مجموعة الآلهة المصرية بسبب أسطورة أوزوريس. كانت شقيقة ذلك الإله وزوجته. واستعادت جثته بعد أن قتله "ست". وبمساعدة نفتيس وتحوت أعادت إليه الحياة بعد رحيله إلى حياة جديدة محدودة في العالم الآخر، ربّت ابنها حورس الذي أنجبته من زوجها الراحل أوزوريس في أجمة مستنقعات خيميس بالدلتا. وقد كان خيال عامة الشعب مُغرما بتأمل صورة الأم التي أخفت نفسها في مستنقعات الدلتا، والتي قامت فيها بتربية حورس طفلها حتى إذا ما شب واشتد ساعده، صار قادرا على الانتقام من قاتل أبيه "ست". كانت إيزيس أشهر الربّات المصريات جميعا، وكانت مثال الزوجة الوفية حتى بعد وفاة زوجها، والأم المخلصة لولدها. امتدت عبادة إيزيس في عهد البطالمة واليونان إلى ما بعد حدود مصر، وكان لها معابدها وكهنتها وأعيادها وأسرارها الدينية في كافة أنحاء العالم الروماني حيث صارت تمثل ربة الكون: "أنا أم الطبيعة كلها، وسيدة جميع العناصر، ومنشأ الزمن وأصله، والربّة العليا، أحكم ذرى السماء ونسمات البحر الخيرة وسكون الجحيم المقفر..." (105).

فما الذي فعلته هذه المرأة، زوجة باتا التي خلقها الإله (رع – حوراختي) ؟

لقد خلقتها الآلهة وفيها "جوهر من كل إله" كما قلنا . ولكنها بعد ذلك بدأت بخرق كلّ ما قاله لها باتا الطيّب، فقد خرجت من المنزل وكاد البحر يخطفها بالرغم من تحذيرات باتا . ثم سقطت في مصيدة الإغواء عندما أرسل الفرعون امرأة مع فرسانه ومعها زينة أخّاذة، لتهجر باتا الذي أحبّها حبّاً عظيما، ووفّر لها كلّ شيء . رحلت طوعيّاً إلى الفرعون لتصبح زوجته . وقد أحبها الفرعون حبّاً جمّاً كما تقول الأسطورة، ورفعها إلى مكانة عالية جدا . وطلب منها أن تحدّثه عن زوجها، فقالت له أن الأكاسيا يجب أن تُقطع، وأن عليه أن يُرسل من يسحقها ! . وهي تعرف أن هذا التصرّف معناه موت باتا زوجها السابق الذي أحسن إليها . أرسل الفرعون جنودا مسلّحين إلى الوادي فقطعوا زهورها التي كان عليها قلب باتا فسقط ميتاً في الحال.

أليست هذه المرأة هي الأنموذج الصارخ لإلهة الشرّ والموت والخيانة؟!

لقد خانت زوجها الشاب وغدرت به ثم دلّت الطاغية على طريقة قتله .. وطاوعت السلطة الأبوية البطرياركية في قتل ممثل الألوهة الشابة كما اعتبره ناجح .. فبربّكم هل هناك أي صلّة – ولو واحدة – بين هذه المرأة والإلهة إيزيس الأم إلهة النور والخير والحب والوفاء؟!

ومع ذلك، دعونا نُكمل القصّة:

كان باتا - عندما هرب من أخيه أنبو بلا رجعة - قد قال له أنّه إذا فسدت الجعة في كأسك وتعفّنت عندما تريد شربها، فتلك علامة على أنني أُحتضر، ويجب عليك أن تأتي إلى وادي الأرز لتنقذني، ولتفتش عن قلبي وتنعشه كي أحيا من جديد . وقد فسدت البيرة في كأس الأخ الأكبر أنبو في اليوم التالي لموت باتا، فأخذ سلاحه وذهب إلى الوادي، وهناك وجد أخاه الأصغر ميتاً، فأجهش بالبكاء (لاحظ أن الأخ الأكبر يحبّ أخاه الأصغر ولا علاقة له بالإله الشرير "ست"، كما طابق بينهما ناجح بصورة خاطئة سابقاً) . ثم أمضى ثلاث سنوات يبحث عن قلب أخيه ليجد بذرة في السنة الرابعة هي قلب أخيه . وضعها في كوب ماء بارد، فارتعشت كل أطراف بايتي، وحين شرب ماء الكوب عاد إلى الحياة، واحتضن أخاه . قال باتا لأخيه بأنه قد خطّط ليأخذ بثأره من زوجته الخائنة . ولذلك فإنه سوف يصبح غداً "ثوراً مقدّساً" يحمل أهم علامات القداسة، وعلى أخيه الأكبر أنبو أن يقوده إلى قصر الملك حيث تسكن زوجته الخائنة بعد أن تزوّجت بملء إرادتها من الفرعون . وهناك سوف يكون هذا الثور معجزة عظيمة، وسيقيمون له الإحتفالات في قصر الفرعون وفي كل البلاد، وعلى الأخ أن يعود إلى القرية بعد ذلك . قام الأخوان بتنفيذ الخطّة، واقتاد أنبو الثور المقدّس (أي باتا بعد تحوّله) إلى قصر الفرعون الذي فرح بهذه الهدية فرحاً كبيراً، وأحبّه كثيراً جداً، ومنح الأخ الأكبر الذهب والفضة، وأعاده إلى القرية .

عاش الثور المقدّس مكرّماً مهاباً في قصر الفرعون، ويتحرك بحريّة واحترام . وذات يوم دخل قسم الحريم، ووقف أمام الأميرة/ زوجته السابقة، وأخبرها بأنه زوجها السابق باتا، وأنّه لم يمت، فذعرت وخرجت هاربة . بعدها جلست مع الملك على مائدته، وكان الملك مسروراً، وطلبت منه "كبد" الثور كي تأكله . ومعروف أن الشعوب القديمة تعتقد أن الكبد هو مستقر الروح .

الآن دعونا نتوقّف، قليلا، لنتأمل ما يقوله ناجح عن جلسة الأميرة مع الفرعون:

(يبدو بان الجعة باعتبارها نتاجا زراعيا متطورا، هي الوسيط في نظام السرد الاسطوري، وهذا ما سجلته الاسطورة عن طريقة الاعلان عن موت الشاب/بايتي واعادته للحياة، لكن القدرة الكامنة في الجعة وما تثيره من نشوة وتخيلات مثلت في هذا النص، الاصول الاولى لمجال الام الكبرى في التاريخ، لانها هي التي اخترعت النبات المخدر وعرفته وكذلك ساهمت بانتاج الخمور لانه من وظائفها الحضارية/الدينية الاولى والمصاحبة لعقائدها الخاصة بالانبعاث والتجدد - ص 169) (106) .

لم يصدّق الأستاذ ناجح وجود بيرة / جعة على المائدة ليربطها بالإلهة الأم ومبتكراتها عبر التاريخ . لكن ستأتيه المفاجأة قريبا بعد أن نستمع إليه، وهو يصف تأثير الجعة التي جعلت الفرعون يسكر، ويستجيب لطلب الأميرة الخبيثة . يقول ناجح:

(لذا استعانت بها زوجة فرعون من اجل سلطتها الانثوية، ووظائفها الدينية لان الفرعون استجاب لها في كل المرات، بعد ان لعب المسكر براسه ووافق على الذي تريد - ص 169 و170) (107).

وأسأل ناجح الآن: ما هي الوظائف الدينية التي قامت بها الأميرة الخائنة ؟؟

ولنقدم له – الآن - المفاجأة التي ستطيح باستنتاجاته، وتثبت - للأسف - أن شروحاته هذه ليس لها مجال هنا . فهذا ما تقوله الأسطورة الأصلية عن جلسة الأميرة مع الفرعون:

And his majesty was sitting، making a good day with her: she was at the table of his majesty، and the king was exceeding pleased with her. And she said to his majesty، "Swear to me by God، saying، 'What thou shalt say، I will obey it for thy sake.'"

He hearkened unto all that she said، even this. "Let me eat of the liver of the ox، because he is fit for nought!" thus spake she to him. And the king was exceeding sad at her words، the heart of Pharaoh grieved him greatly. And after the land was lightened، and the next day appeared، they proclaimed a great feast with offerings to the ox.(108).

فهل يجد القارىء الكريم أي ذكر للجعة في جلسة الفرعون مع الأميرة ؟

هل يتضمن هذا النص، وهو الأصلي، أي كلمة تشير إلى سكر الفرعون وأنه استجاب – تحت تأثير الخمرة – لطلب الزوجة الخائنة بأن يهبها كبد الثور المقدس لتأكله ؟

من ناحية ثانية، وعلى العكس مما تورّط فيه ناجح - بسبب اعتماده على نسخة أدبية من الأسطورة – نجد أن  النص الأصلي يشير بوضوح إلى أن الزوجة الخائنة طلبت من الفرعون أن يقسم لها بالإله بأن ينفّذ كلّ ما تقوله، فأقسم لها . وأصبح قلبه حزينا بدرجة عظيمة بسبب استجابته لطلب الأميرة بذبح الثور، ولكنها ورّطته بالقسم بالإله "رع" بأن يستجيب لكلّ ما تقوله . المهم أنه أقسم بكامل وعيه وليس تحت تأثير الخمرة .

 

حسين سرمك حسن -  بغداد المحروسة

 

 

إستكمالآ لموقف لجنة تشيلكوت البريطانية للتحقيق في الحرب على العراق،التي تجاهلت ضحايا غزو العراق وإحتلاله في عام 2003 من المدنيين العراقيين،يأتي إ‘لان الحكومة البريطانية عن نيتها إلغاء ملف التحقيق في جرائم الجنود البريطانيين بحق عشرات المئات من المواطنين العراقيين أبان مشاركتهم في غزو العراق وإحتلاله، من خلال إيقاف التحقيق،الذي تقوم به منظمة" الإدعاءات التأريخية العراقية" أو "فريق التحقيق في الإنتهاكات في العراق" (IHAT) Iraq Historic Allegations Team ، ضمن مساعي الحكومة للتخلص من تركة رئيس الحكومة الأسبق توني بلير الذي ورط المملكة المتحدة في الحرب على العراق ولم يعاقبه أحد لحد الآن..

الفريق المذكور شكلته وزارة الحرب البريطانية في عام 2010 للتحقيق في دعاوى سوء معاملة مدنيين عراقيين على أيدي أفراد القوات المسلحة البريطانية خلال الفترة من نيسان/أبريل 2003 الى تموز/ يوليو 2009.وقد نظرت بالفعل في ما لا يقل عن 1515 قضية لضحايا الإنتهاكات،منها 1235 اتهاما بانتهاك حقوق مواطنين ومواطنات عراقيات، بينها اتهامات بالتعذيب والاغتصاب،ونحو 280  دعاوى بالقتل خارج إطار القانون.وأعرب مسؤولها الشرطي السابق مارك وارويك لصحيفة The Independent في 2/1/2016 عن إعتقاده بأنه "ستكون هناك أدلة كافية لتبرير توجيه اتهامات جنائية.. هناك إدعاءات جادة يحقق فيها الفريق تتضمن القتل، وأشعر أنه تم جمع أدلة كافية لتقديم قضية قوية أمام هيئة الادعاء لبدء محاكمة وتوجيه اتهامات".وأكد لصحيفة Business Insider البريطانية أنه " قد تتم مقاضاة القوات البريطانية التي قاتلت في العراق خلال الحرب بين 2003 و2011 بتهم ارتكاب جرائم حرب"، مضيفا أن هناك "الكثير من القضايا المهمة التي تستوجب المناقشة حول ما إذا كانت تُصنف ضمن إطار جرائم الحرب"..

الجيش البريطاني شكك في صحة الاتهامات بادئ الأمر، إلا ان الصور المنقولة عن الجنود انفسهم او شهاداتهم المباشرة اجبرت السلطات البريطانية على الموافقة على التحقيق والتعاون معه بعدما انتقدتها محكمة بريطانية لعدم كشفها عن وثائق تفيد بعلم الوزارة بالشكاوى التي تلقتها بهذا الصدد وقت حدوثها.

 ومن المقرر ان يختتم الفريق المكلف تحقيقاته بنهاية عام 2019،أي بعد 10 أعوام من إنسحاب اَخر القوات القتالية البريطانية من العراق.ولم يسفر عمله لليوم عن أية توصيات بمحاكمات. ويواجه انتقادات من حقوقيين جراء تحركه ببطء، إلا أن وارويك ناشد الجميع الصبر. وقال "في غضون ما بين 12 و18 شهرا مقبلة سنراجع كل القضايا لفهم الصورة بشكل أفضل وأعتقد أنه آنذاك سنتمكن من تحديد ما إذا كان (موعد) عام 2019 سيكون أمرا واقعيا"، مؤكداً:" نحن ننظر إلى مصداقية الادعاءات في المقام الأول"..

غير ان الحكومة البريطانية إستغلت مخالفة قام بها أحد أعضاء الفريق لتعتبر عمل الفريق "ألحق الأذى بسمعة الجيش البريطاني.وبهذه الذريعة أعلن وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون في 11 شباط/ فبراير الجاري بأن بلاده "عازمة على وقف التحقيق في جرائم جنود بريطانيين بحق مواطنين عراقيين؛ خلال مشاركتهم بحرب العراق عام 2003، وستجري احالة 20 ملفا فقط الى شرطة البحرية البريطانية"،. وأضاف ان القرار:"يشكل مصدر ارتياح لجنودنا الذين حامت حولهم شكوك لمدة طويلة جدا"..وكان تقرير للجنة الدفاع قال:" إن فريق التحقيق عمل من دون أي اعتبار للتأثير على الجيش البريطاني الذي جرى إلحاق الأذى المباشر بسمعته في جميع أنحاء العالم".وألقى التقرير اللوم على وزارة الدفاع لتمكين شركات المحاماة من رفع آلاف القضايا، مشيرا إلى أن "هؤلاء قيد التحقيق عانوا ضغوطا غير مقبولة، وكانت حياتهم على المحك، وتم تدمير حياتهم المهنية"..

أما  مئات القضايا،التي رفعها ضحايا من المدنيين العراقيين، والتي ستترك من دون حل، فهي ليست مهمة بالنسبة لحماة مرتكبي جرائمها العسكريين..

منظمة العفو الدولية إنتقدت القرارعلى الفور، معتبرة،بحق، ان الانتهاكات المقترفة في العراق "ينبغي عدم نسيانها". كما انتقدت احالة 20 ملفا الى شرطة البحرية البريطانية. وقالت المنظمة في بيان لها "ان سمعة الجيش البريطاني على المحك، واي مزاعم ذات صدقية بشأن انتهاكات لحقوق الانسان من قبل القوات البريطانية في العراق وافغانستان يجب ان تخضع لتحقيق مستقل من جهاز مستقل عن الجيش". واشارت المنظمة الى ان "القوات البريطانية ارتكبت امورا فظيعة في سجونها" وذكرت،على سبيل المثال، حوادث عديدة..

من جهتها،اعتبرت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي  قرار الحكومة البريطانية القاضي بإغلاق التحقيق في انتهاكات ارتكبها عسكريون بريطانيون في العراق "استهانة واضحة بحقوق العراقيين"، مبينةً أنها ستناقش هذا القرار في اجتماعها المقبل للخروج بتوصيات يتم تقديمها الى مجلس النواب للتصويت عليها.وقال رئيس اللجنة عبد الباري زيباري:" أن "القرار البريطاني يعتبر غير مقبول لدينا دون الوصول إلى نتائج مقبولة ومنصفة لضحايا تلك التجاوزات".

ويذكر ان نحو 120 ألف جندي بريطاني خدم في العراق اثناء الحرب والإحتلال. وغادر آخر الجنود البريطانيين العراق في عام 2009، لكن وزارة الدفاع ابقت عددا محدودا حتى 2011 لتدريب القوات العراقية. وكانت المملكة المتحدة اعلنت في تشرين الاول/نوفمبر الماضي عن نيتها التنصل من الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان في مدة الحرب، لتمكين عسكرييها من تفادي ملاحقات "تعسفية"، الامر الذي نددت به منظمات الدفاع عن حقوق الانسان.وعلق الناشط المدني والباحث والكاتب د. كاظم الموسوي: "مهما كانت العراقيل ومحاولات التأجيل، وهي حالة بريطانية بيروقراطية بامتياز، فلن تتقادم الجرائم وستظل تلحق مرتكبيها ورؤسائهم الذين دفعوهم لارتكابها، كما وتظل سبابات الضحايا مرفوعة ودماؤهم ملطخة جباه قادة الاجرام ومجرمي الحرب الرئيسيين"..

لقد وقفت الجهات الرسمية العراقية موقفاً لاأبالياً من تجاهل تقرير لجنة تشيلكوت للضحايا المدنيين العراقيين،الذي صدر قبل 7 أشهر، وكان الأمر لم يعنيها..فهل ستتلافي الحكومة ومجلس النواب والجهات الرسمية الأخرى ذلك الموقف غير المسؤول وتتحرك لإدانة قرار إلغاء التحقيق بقضايا ضحايا الغزو والأحتلال العراقيين وتسعى لانتزاع حقوقهم من الحكومة البريطانية والإدارة الأمريكية ؟ 

 

د. كاظم المقدادي*،أكاديمي عراقي مقيم في السويد

 

 

يأتي كلٌ منّا الى الحياة ولم يستشر، لا يدري من اين أتى، ولم يختر جنسه ذكراً أو أنثى، ولا لون بشرته ولا مسقط رأسه ولا دينه، ولا عشيرته ولا اسمه.. يأتي الإنسان وفق  نظرية الصفحة البيضاء في علم النفس، صفحة ناصعة ثم تبدأ بالامتلاء... يكتب عليها الوالدان والأخوة والأصدقاء والمعلم .. والناس كل الناس من تعاليم الدين والأخلاق والأفكار والثقافة؛ ويتلقى الإنسان ما بها من أفراح وأتراح وقيم العشيرة وقوانينها غير المكتوبة، وقوانين الدولة المكتوبة...

 وحين يسأل الإنسان كيف أتى ومن أين؟، لا يحار جوابا وحين يسأل عن الله الخالق من خلقه؟ يُقمع، ويقال له أحياناً إنه استوى على العرش في السماء.. وقد صرخ ذات مرة طفل والطائرة تشق عباب الغيوم ، أين الله إذن؟! تماماً كما صرخ ذلك الطفل بطل قصة "ملابس الامبراطور الجديد" للدنماركي أج. سي. أندرسن، وفحواها أن الأمبراطور قرر أن يمتحن سطوته على شعبه، وزعم أنه يلبس ملابس جديدة لا يراها الا الأذكياء.. وهكذا مرّ بعربته الملكيه مزهوّا أمام تجمع شعبه رجالا ونساء والكل يصيح ما أجملَ الملابسَ!، وما أحلى المخملَ الموشى بخيوط الذهب! ... وكان أحد الأطفال ألحّ أن تحمله أمُّه ليرى الملك وملابسه الجميلة، وما أن وقع نظره على الامبراطور صاح بصوت عال: الملك عارٍ عارٍ عارْ!!

هكذا حُقن كل منّا منذ الصغر بمنظومة قيمية غيبية من الدين ومن المفهوم السائد في نظرتنا للآخر وفي فهمنا الشعبي للتاريخ وتلقي كل ما هو مطبوع حقيقة مسلّمة، وما زال التزييف والدجل والخرافة تُذاع من المنابر على أنها الدين ومازالت رحى الفساد باسم الدين تدور، وما زال تشويه الآخر مستمرا.. وكل من يتصدى ستكون التهمة جاهزة وهي المروق عن الدين!!

وهكذا كان الإجراء الخطير الاول الذي شهدناه ونحن صغار، في درس الدين، حين يؤكد المعلم على غير المسلمين أن يغادروا الصف! وهكذا يخرج زملاؤنا الصابئة والمسيحيون واليهود، وكم كان هذا الإجراء مقيتاً لا على الخارجين بل على الباقين، وكنت أرى هذا الدرس ثقيلاً، وكم تمنيت أن أخرج مع الخارجين لألعب وألهو وأتضامن مع زملاء طيبين لم يختاروا دينهم كما لم اختر ديني.. في هذا الدرس كان رأسي الصغير وهو يكبرُ يتعبُ من تفكير بأشياء تقلقني أيما قلق:

"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" الأنبياء:107

وقوله تعالى" لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" البقرة:256

 وبين قوله تعالى: " واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل " البقرة:191

 ثم قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) النحل:93

  أو قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ التوبة:29

أو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران: 85

أو قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين) المائدة:68

وبين قوله تعالى:" ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ المائدة: 5

وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" الحجرات: 13

 أكتفي بهذا لأعود الى الخلاف داخل البيت الإسلامي..

 وهو يتعدى الخلاف بين المذاهب فالاجتهاد مباح ومن طبيعة البشر ان يختلفوا، وقد قال الرسول الاعظم: " الاختلاف في أمتي رحمة".. وقد قال الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب"، وهو رأي حصيف لكنني سأجعل باب الخوض بين السنة والشيعة موصداً إيثاراً للعافية، وهو معروف لدى الجميع، والغريب أن كلا الطرفين لا يشددان على نقاط الالتقاء وهي كبيرة جداً فعلى سبيل المثال من يبحث سيرة أبي حنيفة وجهوده وهو صاحب الرأي في الحديث وهو تلميذ الإمام الصادق لمدة سنتين وهو القائل: لولا السنتان لهلك النعمان.. وهو الذي دعم استاذه الثائر زيد بن علي دعما مادياً وسياسياً، وهو الذي ذاق مرارة سجون بن العباس وكان قريباً جدا من الطالبيين بل هو شيعي زيدي بامتياز ولكن المصيبة جاءت من تبني الدولة العثمانية لمذهبه والسبب هو تساهل النعمان في قضية الخمر وكان الجيش الإنكشاري في معظمه من المسيحين فلا بد من الخمر الذي شاع أيما شيوع في ملة العثمانيين!! وارتكبت كثير من المثالب والمظالم ضد المسيحيين وضد العرب الشيعة بشكل مضاعف ما جعل ظلم العثمانيين سمة ارتبطت وألصقت بمذهب ابي حنيفة!!

أسماؤنا في الأغلب تحمل سمة الدين والصراع التأريخي فاصبحنا لا ننظر إلى عمر إلا بمنظور منطق الصراع وما فيه من شوائب وأضاليل وكذلك للسقيفة وأبي بكر ولا يختلف الامر في عثمان؛ وأصبح الآخر ينبز بالأئمة وباسماء عبد الزهرة وعبد الحسين...الخ

ولقد كان التميُّز مقصوداً لدى الطرفين، فعلى الرغم من أن إسبال اليدين مباح كما في التكتف، وكلا الأمرين قام بهما الرسول الأكرم وكذلك في الضوء حيث مارس الغسل والمسح على القدمين، فإن المسألة أصبحت خلافية جوهرية.. فإذا عمل فريق بتسنيم القبور قام الفريق الآخر بتسطيحها وإذا تختم فريق باليمنى تختم الآخر بالشمال، وإذا صلى أحدهم على النبي وسلمَّ على أله، عمد الآخر على الصلاة على النبي وزاد عليها أصحابه..وإذا فريق بتحية السلام عليكم معرفاً السلام قال فريق آخر بتنكير السلام ليصبح: سلامٌ عليكم.. وإذا صلى فريق التراويح أنكر الفريق الآخر التراويح وقال ببدعتها التي ابتدعها الخليفة الثاني وكل بدعة إلى ضلال.. وإنما النوافل!!

وهكذا وجد التميُّز طريقه إلى التمييز وتلك هي الطامة وأصبح التمييز بالأسماء واقعاً فلا ينظر للشخص إلا من خلال اسمه ودلالته التاريخية/الدينية على حساب شخصيته وأخلاقه وثقافته وإخلاصه وإنسانيته ووطنيته..

عندما وقف البطل الشهيد عثمان العبيدي الأعظمي وقفته المشهودة لانقاذ الزوار الغرقى  على جسر الأئمة حظي بتكريم وحب الناس وضرب مثلاً عظيما للمواطنة ولمُثل الشهامة  وأتبت أن السني أخ للشيعي وأن الشعب العراق لا تفرقّه المذاهب.. ثم تتالت الأمثلة من جنود قدموا حيواتهم من أجل إنقاذ الأبرياء لتعطيل الإرهابيين ممن يقومون بتفجيراتهم.. وجاء المثل بالأمس من البطل " أبوبكر الدراجي السامرائي" ليقف بشموخ أما الإرهابيين بشجاعة قل نظيرها تُعد مفخرة لا لأهله ومدينته بل لكل العراقيين...

ما أرمي إليه هو تعزيز مبادىء المواطنة العابرة للطائفية المقيتة والعنصرية البغيضة بنظام مدني علماني لا يتم إلا بحكم انتقالي يلغي الدستور المهلهل، ويلغي مبدأ المحاصصة سيء الصيت ويؤسس لحكم يتولى المسؤليات فيه أصحاب الكفاءات من التكنوقراط لإعادة الهيبة للدولة وجعل معايير المواطنة والكفاءة هي الفيصل ومحاربة الفساد واسترجاع المبالغ المسروقة، وتكوين مجالس رقابه شعبية من النزهاء،  لكي نُرسي أسس مبادىء جديدة تتماشى مع روح العصر ولنفصل الدين عن الدولة وعن المؤسسات التعليمة.. بهذا وبغيره  يتم إعادة البلد الذي وقع بين مخالب الارهاب والطائفية والفساد..

 

خالد جواد شبيل في 26شباط فبراير2017

...................

(*) من سلسة فيسبوكيات-8

 

 

 

 

 

أستعان الصحفيون، كما اشرنا في الجزء الاول من هذه المقالة، بتطبيقات التراسل الفوري المختلفة من اجل خدمة اغراضهم المهنية التي تتلخص في الحصول على الاخبار من خلال مصادرها الرسمية وبطريقة سهلة جدا تجنبهم عناء البحث والجهد الذي كانوا يقومون به قبل ظهور هذه التطبيقات او، بمعنى ادق، قبل ظهور خاصية انشاء المجاميع داخل هذه التطبيقات.

ويجب ان لا يغيب عن موضوعنا ملاحظة هامة يجب الاشارة لها فيما يتعلق بهذه التطبيقات قبل الخوض ببعض التفاصيل، وهي ان هذه التطبيقات ليست متشابهة في صفاتها او على نمط واحد من حيث المميزات التي تتمتع بها، بل هي مختلفة المزايا وكل واحدة منها تتمتع بسمات مغايرة عن التطبيقات الآخرى.

فنجد مثلا ان المجموعة التي تتشكل في الواتساب تختلف في خواصها عما هو موجود في مجموعات تطبيقي الفايبر والتيلغرام وغيرهما ، كما ان ميزة انشاء القناة هي خاصية فريدة بتطبيق التيلغرام ولا تجد لها نظير في بقية تطبيقات التراسل التي يعتمد عليها الصحفيون في تلقي الاخبار، وهي السمة التي تعتبر استثنائية من حيث عدد المشتركين بالقناة وصفة الخصوصية، فضلا عن امكانية تعديل النص حتى بعد ارساله للمشتركين الذين امسوا يعتمدون، على نحو كَبِير، على هذه التطبيقات.

ونتج عن هذا الاعتماد على هذا النوع من التطبيقات تراجع اهتمام الصحفيين بالمواقع الالكترونية للمؤسسات الحكومية التي امست مهجورة من قبل الصحفيين الذين لجأوا الى هذه التطبيقات وقاموا بتنصيبها على هواتفهم لدرجة هددت تواجد هذه التطبيقات، بصورة جدية، بقاء وجدوى وجود المواقع الالكترونية الرسمية وأهميتها.

 وقد تم طرح هذا الموضوع والحديث عنه في بعض الاوساط السياسية والحكومية في بعض الدول العربية، كالمملكة العربية السعودية، كما اشارت الى ذلك بعض التقارير الصحفية التي ذكرت بان القائمين على المواقع الالكترونية الحكومية يشتكون من عدم وجود اهتمام بها ويؤكدون على توجه المستخدمين نحو مواقع التواصل الاجتماعي.

 ومن خلال ملاحظتي الشخصية وتتبعي لما يحدث في هذه العوالم الافتراضية، وجدت ان التهديد الذي تتضمنه هذه التطبيقات لا يقتصر على المواقع الالكترونية فحسب، بل امتد تأثيره ايضا الى مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر التي تسنمت زمام المبادرة في عصر التواصل والثورة الرقمية بحيث اضحى  الناس عموما يعتمدون عليها، بالنسبة لتلقي الاخبار، بنسبة 60٪‏ كما هو الحال لدى الشعب الامريكي، ومع ذلك فقد لاحظت في الفترة الاخيرة قلة اهتمام وعدم وجود تفاعل حقيقي مع صفحات التواصل الاجتماعي الحكومية الرسمية في مقابل تزايد الاقبال على تطبيقات التراسل الفوري.

قد يُرجع بعضهم قلة الاهتمام وتراجع متابعة صفحات الفيسبوك الرسمية من قبل الصحفيين الى سياسة الفيسيوك الجديدة التي بدأت بتطبيقها في الاشهر الاخيرة ، والتي بموجبها تجد ان المعجبين بالصفحة لايشاهدون بالضرورة كل المنشورات التي يتم نشرها في الصفحة وبذلك قد لايحصل الصحفي على البيانات التي تنشرها المكاتب الإعلامية، فضلا عن عدم وجود تنبيه يُرسل للمستخدم يخبره بوجود خبر او منشور جديد كما يحدث في تطبيقات التراسل الفوري مالم يدخل المستخدم لتطبيق الفيسبوك نفسه ويتابع اخبار المكتب الإعلامي المعين من خلال الاليات المعروفة سواء عبر خاصية التنبيه داخل التطبيق او سمة المشاهدة أولا .

نعم اذا ما قام اصحاب صفحة الفيسبوك الرسمية بعمل تطبيق على الهاتف وتم تفعيل ميزة التنبيهات ، فان المستخدم حينها سيحصل على هذا التنبيه ولكنه ايضا لن يكون بمثل النص الذي يصل لنفس المستخدم في تطبيقات التراسل الفوري من حيث امكانية وسهولة النسخ واستخدامه للتحرير في المؤسسة الصحفية التي يعمل بها الصحفي.

 

مهند حبيب السماوي - باحث في مجال السوشل ميديا

 

 

 

 

إننا في هذه الأيام التي انتشرت فيها المساوئ والأخطاء، فما أحوجنا إلى عمل جيد نافع جديد نستفيد ويفيد، وعليه نربي الأجيال القادمة الجديدة. فالإعلام هو الصورة الصحيحة والفهم الجديد لتحقيق جمع ما تشتت من كلمة وفرقت وخاصمت الناس والجماعات فيما بينهم وبين الناس، فالأزمة الآن تلد الهمة ولا رجاء من الإعلام الضال فإذا ساء.. ساءت الأحوال المجتمعية، ولكني أرى قد أوشك فجر مشرق ينبثق في الإعلام الحرّ المسؤول بعد الظلام الحالك في الإعلام الضال الذي لا يحسن التعبير والفهم صاحب الرطانة الأعجمية التي يمتاز بها التي لا تمكن من الوصول إلى المدركات الإنسانية الصحيحة.

إن حرية الناس هي صفة من صفات الله التي أختصها سبحانه وتعالى للناس من بين سائر المخلوقات، كالحياة والفكر والعقل والفهم والمعرفة. فالناس على إختلاف أزماتهم وبيئاتهم ومراكزهم الاجتماعية غالباً ما يتشدقون للحرية والتنوير ويريدون تطبيقها. فهل هناك تحرير لكلمة مكتوبة أو إعلام مرأي ومسموع؟ فالحقيقة إن الإعلام الحرّ المسؤول هو الذي يبين ويظهر رعاية المصلحة العامة للناس والمجتمع. وقد أكدت بعض الدراسات والنظم أن الإعلام هو أهمية تنبعث وتشرق من منظور لتلبية الحاجات وحل المشكلات والإقناع بالأفكار المستحبة والمستحدثة حتى تلائم الفكر المجتمعي المناسب للناس وذلك في إطار قيم المجتمع وتوحيده ومسلماته الأساسية.

... فالإعلام الحرّ المسؤول يعمل دائماً على بناء الرأي والرأي الآخر بما فيه الرأي العام وذلك بناءاً على فهم صحيح وسليم يعمل على إزالة كل الخلافات والتناقضات إلى تقدير المصلحة الراجحة لإحداث التغيير المناسب والمطلوب في نفوس الناس وفق عادات وتقاليد المجتمع ولمصلحته أيضاً. كما يقوم بعرض القضايا الخاصة بالناس للنظر فيها وأن يدلي فيها برأيه والاستعانة بأصحاب الخبرات بمن يقومون على حل وإعطاء الفكر المستنير للقضاء على هذه القضايا أو حلها بما يرضى جميع الأطراف.

... وليتني أبرز بفكرة تحلق بكل مؤسسة إعلامية وهي الاستعانة بالأطراف المتنازعة مصحوبة بالعلماء والخبراء ورجال الفكر والدين لتقدير المصالح والمفاسد وترجيح المصلحة الراجحة فيما يُعرض من هذه القضايا والمشكلات عبر شاشات لعرض القول والأسلوب والحل المناسب على الناس واختيار الظرف الإتصالي المناسب للعرض، فإن ذلك هو جلب المصلحة ودرء المفسدة وهذا كل ما تأكده بعض من وسائل الإعلام النظيف الحرّ المسؤول لكي يتوافق مع كرامة الإنسان وغايته في هذه الحياة وإتساق نوع المسؤولية التي يتحملها. وهذا هو دور الإعلام في سير دروب الهداية حتى تعود في نهاية المطاف إلى إرادة إنسان حرّ يحيا حياة مكيفة بالصورة المثلى التي أكرمه الله تعالى من أجله.

فبلا شك أن الحرية الإعلامية الآن هي في الأصل حق لكل فرد في المجتمع، إلا أن القدرة على الفعل حولتها إلى حرية القوي والغني على حساب الفقراء والضعفاء، لذلك أصبحت حرية القلة المسيطرة على وسائل التوجيه الإعلامي حقيقة لا تنعم بالحرية إلا فساد فوضوي ونقيض الإلتزام، ولعلني أظهر فلسفة حرية الإعلام والمسؤولية الاجتماعية في التعبير عن الرأي وحرية القول. فهي حق مرتبط بواجب، ولكن ما تراه الآن هو عدم مناهضة الصالح العام أو الواجب الذي يحدده الصالح العام، فإذا كان هناك فلسفة في تحديد الواجب والصالح العام لابد من إظهار الأطر الفكرية والثقافية لحق الإنسان الضعيف ونصرة الحق لإظهاره في المجتمع والنهوض في طلب الحق بالنسبة له.

ناهيك عزيزي القارئ الكريم عن عماء الحقائق البصرية التي هي أضر من عماء البصر التي تتمثل في الإعلام الضال المشتت المفرق بين الناس والجماعات الذي ينزلق إلى الفهم الخاطئ ولا يتفق مع خصوصية المجتمع وإحترام الإنسان بالكذب والخداع وتضليل الناس بالأخبار الكاذبة وزعزة الأفكار الهادئة وتهيج الإنسان في المجتمع بحرية سلبية غير منطقية تجعله يكسر كل القيود والالتزامات ولا يراعي حق المجتمع السلمي ولا حق للإحساس بحق الغير، فتصرفاتهم وأقوالهم وأفعالهم وإعلامهم لا يحقق الغرض والغاية الأساسية في هذه الحياة، فهذا الإعلام المشتت المضلل ليس له أية غاية وضوابط وأهداف استراتيجية مرحلية بالنهوض بالمستوى الفكري والحضاري والوجداني للمواطنين وترقية اهتمامات الناس ولم ينبذ علاج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية من خلال منظور إعلامي ورؤية ودعوة تؤكد فاعلية الإقناع ومراعاة طبيعة وخصائص الفرد في المجتمع، وربما قد يحدث بلبلة وفتنة داخل أروقة المجتمع لصالح أفراد معينة، ولذلك فإن القدرة على البيان والتعبير في ضمير هذا الإعلام هابطة لأنه يتعدى الواجب المنوط بالإعلام الحرّ المسؤول لمصلحة الناس والمجتمع.

لذلك فإن ارتباط المسؤولية الإعلامية بحرية الإعلام لكل فرد هي ارتباط بالعلم والقدرة في إطار يشد من أزر الصالح العام وهذا هو دور الإعلام الذي يعالج هموم ومشاكل وأوجاع الناس في المجتمع الواحد.. لا.. بل هموم الأمة العربية كلها بتبسيط وعفة وإعطاء رسالة في المجتمع، فهو إعلام يملك من السلاح الذي يجلب إليه كل الناس لكي يستخدمه في نشر الأمانة والنزاهة والشفافية والتمسك بالقيم والمبادئ، واتباع النظم التي تسهم في بناء وتنمية ونهضة المجتمع ومحاربة الفاسدين والفساد بكل أشكاله وأنواعه بشتى الطرق، فالفساد بكل أشكاله وأنواعه يفسد نفوس الناس ويحطم كل القيم والمبادئ في القلوب والضمائر ويقوض دعائم المجتمع ويزعزع الاستقرار والأمن، كما أنه يطمس معالم العدالة داخل المجتمع.

... فالإعلام مثل المدرسة والجامعة تكمن في مبادئه رسالة سامية تقود طريق النور والتنوير في الحق وللحق والتصدي لكل ما يعكر صفو المجتمع، وينبغي كما أشرت من قبل لابد من الاستعانة بكل العلماء سوء دين أو علم أو تكنولوجيا ومفكرين وأهل الحل والعقد والناصحين والخبراء بالقيام بواجب النصح والرشد والتوعية بمنتهى الشفافية والوضوح لكي تخدم المصلحة العامة لكل مجتمع من مجتمعات الأمة، وليس مجتمع واحد بأثره، وفتح أبواب الحوار الهادئ البناء بين كل المتخاصمين بكل راحبة صدر وهدوء على أن يبصر أفراد المجتمع بخطورة الفساد على كل المستويات.

... وإنني أناشد بقلمي كل وسائل الإعلام بأن يعملوا على توعية الناس وتبصيرهم بما يعزز القوى والحس الوطني والمصالحة العامة بين كل المتخاصمين والوقوف بجانب الفقراء والضعفاء وأصحاب المشاكل البسيطة ومحاربة المفسدين والفاسدين في المجتمع الذين يسدون كل المنافذ والذرائع التي تفضي إلى الفساد الضار الغير نافع.. فالإعلام هو أمانة ورسالة وعدل وحق فهذه كلها هي طيب المكاسب لخدمة الناس.

بقلم : محـمد شـوارب

كـاتب حـر

mohsay64@gmail.com

 

 

يُقصد بكلمة العقل: الحِجر والنُهى ضد الحُمق، والعقل يحكم بوجوب العدل وكمال منزلته من دون ان يكون هناك ملةُ او دين، كما يحكم بقبح الأنانية والظلم، وهذا أمرمركوز في جبلة الانسان العاقل الذي فُطر على التمييز بين الخير والشر، النافع والضار، الحق والباطل، فهل ينكر العقل والعقلاء حسن الصدق، وقبح الكذب؟ وهل ينكرون حسن الامانة، وقبح الخيانة؟ وهل هم بحاجة الى من يرشدهم الى هذا أو ذاك؟ (الفلسفة والاعتزال ص83).حتى قيل ان العقلَ مضطر لقبول الحق: (على حد قول الامام الشافعي قولا وصدقاً، (الرسالة).

سيبقى العقل والحق صنوان لا يفترقان، واعمال العقل في القرآن فرض عين مُلزم . وهذا يعني أننا لابد ان نعمل بعقولنا لا بقلوبنا، ولهذا كان هذا الدعاء:"اللهم أجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه".ولم ترد الكلمة في القرآن مفردة وأنما جاءت على هيئة الجمع من الكلمة في (49) مرة، وعلى سبيل المثال، يقول القرآن الكريم:"آتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون، البقرة 44"، ومثلها كثير.

ويقول الامام علي (ع) (العقل هو الحكمة). ولقد ربط الامام بين العقل والعدل في

نظرية المصلحة حين قال: "لم يُخلق الخلق عبثاًعلى وجه يخلوا من الحكمة، ولم يتركه متخبطاً في معمياته، لذا فاللطف بعباده يلزم عليه عقلا، أذ لاسبيل الى الامتثال بأوامره ونواهيه الا بالعقل(نهج البلاغة). وفي نظرية الحسن والقبح تقول الاشاعرة: (ان الحُسن والقُبح تابعان لامر الشرع، فالواجبات كلها سَمعية، والعقل لا يوجب شيئاً ولا يقتضي تحسيناً ولا تقبيحاً، (الملل والنحل ج1ص101) .وهناك نقاشاً يطول شرحه .وحين تحدثَ الامام علي عن الحقيقة، مدح العقل باعتباره القادر على التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبح، والامانة والخيانة. وفي النهاية يقرر الامام : "ان المسئولية الاخلاقية في الدين هي للعقل لا للقلب دون الحواس الاخرى حين يقول: (ليست الرؤية مع الابصار، فقد تُكذب العيون أهلها لكن العقل لا يغشُ من استنصَحَهُ (النهج).

ان علماء الحضارة الانسانية واصحاب النظريات الفلسفية ويقف في مقدمتهم العالم الحضاري (أشبنكلر) ينظرون الى العقل من جانب أخر، هو النشاط الذي يقوم في كيان الانسان عن طريق المخ. لكنهم لم يقولوا لناعن الفرق بين المخ والعقل الا بعد فترات طويلة من التاريخ حين أكتشفوها. والمخ هو عضو يشترك فيه الانسان مع بقية الحيوانات والطيور والاسماك، (ويسميهم القرآن البشر)، لكنه عند الانسان اكبر واكثر تعقيدا وخلاياه اكثر تنوعا، ومع هذا احتاج الانسان الى مئات السنين حتى اصبح يدرك كيفية الربط بين الحوادث وأختزان النتائج والملاحظات . فحين بدأ الانسان يعقل الاشياء اي يربطها، بدأ العقل يدرك اول طريق الحضارة، من هنا اعتبروه اول مخترعات الانسان عندما أنزل الله التجريد على آدم ابو الأنسنة. ولقد ازدادت قدرة الذهن على العقل بمرور الايام وقدرة الاستعمال والمران شأنه في ذلك شأن العضلات الجسمية الاخرى كما يقول : العلامةحسين مؤنس في كتابه الحضارة.

لقد اصبح استخدام الذهن استخداماً منظما، عملية حضارية حين اصبح التفكير عنصرا اساسيا وفعالا في توجيه الانسان وصنع الحضارة، واصبح التفكير هو الهدف الاساسي في حياة الانسان . فالحق ان حياتنا التي نعيشها اليوم تصرفنا عن التفكيربشكل عقلي منظم لظروف قاهرة فرضها الواقع المعاش احياناً، وبعيدة عن ارادتنا أحياناً أخرى، وليس في الدنيا اخطر من العيش بدون تفكير.

التفكير له اصوله وقواعده فمن اصوله ان يقرأ الانسان ونحن – مع الاسف- نكتب دون ان نقرأ الكثير مما نكتب ويكتبون وتلك معضلة نواجهها اليوم في مجتمعاتنا العربية وخاصة جيل الشباب الحالي الذي آلهاه التلفون النقال، وأصبح يعتمد على ما تتناقلهالآلسن وتسمعها الآذان، وتلك محنة يواجهونها اليوم، وناجمة عن المسئوليات الكثيرة التي يتحملها الانسان العربي وسط تعقيدات الحياة الحالية والمسئوليات الشخصية المتفاقمة لفقدان المساواة في الحقوق، التي لم تدع لنا من فرصة للاسترخاء والقراءة، ناهيك عن نقص في توجهاتنا المنهجية في المدرسة والجامعة حين اصبحت القراءة روتينية لا ملزمة. وتلك مشكلة يعاني منها الجميع.

وتقف الغريزة الى جانب العقل عند الانسان. ان اخطرما يواجه الانسان هو الصراع بين الغريزة والعقل، لكن الغريزة دوما هي الاقوى لانها مركبة في الطبع، في حين ان العقل مكتسب، وهنا اذا ما تغلبت الغريزة على العقل تسوق الانسان الى المهالك والانحراف الخطير كالاجرام والعدوان على الناس والاموال والاعراض والتفرقة بين المواطنين في الدولة الواحدة كما هو في بلادنا اليوم.

أما سيطرة الغريزة على الحاكم تسوقه نحو ارتكاب ابشع الجرائم واختراق القانون والهبوط به الى مستوى الاباحية والفوضى الخلقية وخيانة الوطن وهي اكبر الخيانات التي رفضها القرآن الكريم (انظر سورة التوبه آية 43 حين يخاطب القرآن الرسول (ص) بقوله : "عفا الله عنك لمَ آذنت لهم ...، والعفو لا يأتي في معجم الكلمة العربية الا بعد التقصير.، وحاشا رسول الله من التقصير".، وهي اكبر جريمة يرتكبها الحاكم في وطنه كما نلاحظ اليوم في وطننا العراق، وهي مرفوضة رفضا باتا شرعاً وقانوناً، لذا وضعت الشريعة شروطا قاسية لمن يتولى السلطة في الدولة ويقف على رأسها القسم المقدس الملزم (وبعهد الله آوفوا). لذا ترى بعض الحكام الذين تسيطر عليهم غرائزهم ولا يلتزمون بشروط المسئولية الوظيفية تكون نهايتهم وخيمة كما في هتلر وموسليني وكرافدش واخرين من مسببي الحروب وقتلة البشر.

قيادات الشعوب بحاجة الى الوعي الحضاري، والوعي الحضاري، ما هو الا نتيجة للعقل، فهم محتاجون لعقول ناضجة مدربة وكلنا محتاج لتدريب عقلة على المحاسن والتفكير المنظم والا سقط الجميع في وحل الهزيمة والانكساركما نحن فيهما الان.

فليس كل من تعلم يمكن ان يكون حاكماأو مسئولاً، لان الحكم له شروطه ومزاياه التي حددتها الدساتير والقوانين في نظرية الاستقامة الكلية (السراط المستقيم) التي لازالت بعيدة عن التفسير العلمي في مناهجنا الدراسية في المدرسة والجامعة، لذا لم نتعلمها بعد، فمثلاً ليس من حق الحاكم ان يستعين بالمفضول بوجود الافضل في السلطة وأداراتها وتحت اية ظروف ملزمة، كما في وطننا العربي والعراقي اليوم، لان قيادة الوطن مسئولية شرعية وقانونية لا يجوز اختراقها بحجة صلاحيات الحاكم، لذا اغلب مسئولينا اليوم هم بحاجة الى النزعة العقلية في حكم الدولة وليست النزعة الغريزية والطائفية والنرجسية .

هنا فنحن بحاجة ماسة الى النصح والارشاد وألزامية القانون، لان الكل امام القانون سواء، وهذا ما هو متبع الان في الدول العالمية المتقدمة والمتحضرة الراعية لشئون اوطانها وشعوبها والملتزمة بالقانون والدستور.,وهم مطالبون ايضا بأن يكون الجزاء للعاملين بالدولة على قدر المواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد من الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة في العمل وان تكون للانسان حرية التصرف والتنفيذ، على ان يكون آمنا على نفسه وماله وثمرة أتعابه كل ذلك مكفول بنص القانون والعرف الاخلاقي للجماعة وبذلك يكونوا قد كسبوا المعرفة والعلم والالتزام في النهاية.

من هنا على المرجعيات الدينية الكبرى وهي المطاعة في المجتمع والدولة، واجبا دينيا وأنسانياً ملزماً ان توجه الحاكم نحو الصلاح والفلاح وتطبيق مفردات مفاهيم الحق والعدل كما وردت في القرآن والسنُة النبوية الشريفة، (لا ان تصمت صمت القبور)، لا باسداء النصيحة فقط، بل بالزامية التطبيق، وان تبتعد عن كل ميل سياسي يخدم الحاكم حتى لا تقع في انحراف السياسة وخذلان المجتمع وهذا هو الاسلام، الذي ندعوا اليه في مجتمعاتنا العربية الاسلامية ونحن بعيدون .

نحن نريد مرجعيات دينية فاعلة تقف بصف الشعب لتقول للحاكم انت مخطىء وقت الخطأ والانحراف، وانت عادل وقت العدل والصلاح، لا مرجعيات مقدسة على طريقة (قدس الله سره)، وقد أهمل الحاكم واجباته الدينية والسياسية وقد جعلها طائفية وعنصرية ومحاصصة وظيفية دون شرع الجماعة فهل سنبقى من الساكتين.

نحن ندعو دوما الى ادخال الدراسات الفلسفية والتوجهات العقلية في مناهجنا الدراسية المبنية على العلم والتجربة، والابتعاد عن المناهج الغيبية التي تضع عقول الناشئة في الدوائر المغلقة التي تلغي الزمان والمكان وتسقط العقل والتاريخ والمنطق لرغبة سلفية هاربة من مواجهة تحديات العصر الحديث والتي لم تستطع تقديم الحلول لمشاكل مجتمعاتها المعاصرة منذ1400 سنة من عمر الزمن .

نحن ندعو ممن هاجروا وعاشوا في عالم الحرية ان لا يكونوا مثل الذين قتلتهم الطائفية والعنصرية والأنغلاقية الفكرية المتعصبة، فيكونون بابا للأنفتاحية والوحدة لا ابوابا للأنغلاقية والعدائية التي تشبعت فيها ارواح الجهلة واللاانسانية.

خطوة جديدة وجيدة ومقبولة اقدمت عليها السعودية والعراق اليوم، في فتح باب التعاون ونسيان الماضي وتجاوز الأنغلاقية..نبارك لها وندعو ان تستمر لتشمل كل الأخرين ..بعد ان قتلتنا الردة، وفرقنا العدو اللئيم، ولم نكسب منها الا الشر والعدوان.

 

د.عبد الجبار العبيدي

واهمٌ من يُحسِن الظنَّ بمَن يرفع اليوم شعارات برَّاقة في التحضُّر والحُريَّة.  ذلك أن المجتمع الذي يقوم على قوانين معلنة، تنطلق من مبادئ الحق، والحُريَّة، والعدل، وقبول التنوُّع، والمساوة، وتكافؤ الفُرَص، هو المجتمع المؤهَّل للخروج عن المجتمع العشائري، الناهض على المغالبة.  في هذا المجتمع الأخير فإن مَن امتلك القوّة صار الحقّ معه، وباتت له الكلمة الفصل، ومن ثمَّ فلا قِيْمة لقِيْمة إنسانيَّة أو حضاريَّة تتعارض مع مصالحه.  في واقع مثل ذاك يُصبح التلميذ أستاذ أستاذه الذي ربّاه وعلّمه، والمرؤوس رئيس رئيسه، وصغير القوم كبيرهم، لا لتفوقه، ولكن لأنه ينتمي إلى هذه الفئة، أو إلى تلك العشيرة، أو هاتيك القبيلة. 

والمتأمّل في عالمنا المعاصر، يلمح أن الإنسان البدائي القَبَلي ما زال هو السلطان في الشرق والغرب.  غير أن المجتمعات التي ذاقت الأمرَّين من ذلك الواقع الهمجي، جعلت القوانين عِنانًا دون تغوّل الوحش داخل الإنسان.  أمّا في المجتمعات الأخرى، التي ما زالت تحكمها عقليّة "القبضايات"، فقبائل متناحرة، يومها كأمسها، سوى أنها في يومها تُلبس الباطل لبوس الحقّ، بعباءات من التشريعات والأنظمة والقوانين المصطنعة لمآرب تتغيّر بتغيّرها.  ومجتمعات كهذه سيظلّ يأكل قويّها الضعيف، وغالبها المغلوب؛ من حيث هي لا تعدو غابات حديثة، لا تأخذ من التحضّر سوى قشوره دون اللباب.  على أنها في سبيلها إلى الانقراض، أو في سبيلها لتبقى على مسرح العالم الهزلي، فُرجة للعالمين، وعبرة لمن يعتبر.  ولا أمل في نهوض مجتمعات كهذه، فضلًا عن منافستها في عمران الكون، ما لم تشهد تغييرات جذريَّة في بنياتها العقلية ورؤاها القيمية والحضاريَّة.  وهو ما يبقَى حُلم المخلصين، وأمل النابهين.

في مجتمعات ترسف في ماضيها، يقف عادةً أفراد القبيلة صفًّا واحدًا، كالبنيان المرصوص، منافحين عن ذمار القبيلة وتقاليدها، بلا وعيٍ تارةً، أو بلا حسٍّ نقديٍّ، وتارةً نفاقًا وانتفاعًا.  ويصبح مريد الإصلاح، وناقد الحال، خائنَين، يُنعتان بأقذع الأوصاف.  إذ مَن لا يمدح القبيلة، فليس منها، ومَن لا يدسّ رأسه في الرِّمال، مصفِّقًا للسَّراب، لاعنًا النور، منكرًا عيوب نفسه وأهله، فليحتمل الشتم والهتك، والتصفية المعنويَّة، وربما الجسديَّة.  ومعظم دَور الإعلام اليوم، وأربابه في العالم الثالث، ما برح على هذا المسرح، باثًّا خطابه "الديماغوجي" البائس.  لكن هذا الضرب من الإعلام إعلام منكفئ على أوراقه الصفراء، لم يفهم بعد أن العصر قد تغيّر، وأن الإعلام البديل قد خلع الأقنعة، وأن خطاب الأمس بات نكتة اليوم. 

-2-

وكثيرًا ما يتناهى إلى أسماعنا في هذا السياق الترنّم على أوتار "الخصوصيّات"، والاحتجاج عليها أحيانًا بالدِّين، أو إلباسها جبّة الدِّين.  على الرغم من أن الدِّين القيّم لا يؤمن بالخصوصيّات، بل هو دينٌ لله وحده، إلى الناس كافّة، كلّ الناس في معياره إخوة متساوون، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود: "يسعى بذمّتهم أدناهم". 

على أن الخصوصيّة الصحيحة- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي- التي يمكن أن تكون بنائيّة، هي كتلك الخصوصيّة اليابانيّة، على سبيل الشاهد، المنفتحة والمتطوّرة.  من حيث إن الخصوصيَّة اليابانيَّة ما زالت تتمسّك بمروحتها، وعيدان أرزها، وأزيائها، ولغتها، دون أن تجعل ذلك معيقًا دون تواصلها الحضاري مع العالم.  فهي تلتزم بالجوهريّ من شخصيّتها، مع تطويعه للحياة والاستمرار، أو حتى تطويعه للموت، إن لزم الحال، وفق الظاهرة اليابانيَّة النازعة إلى الانتحار!

أذكر- مثلاً- في أكثر من سياق أنني شهِدتُ كيف أن الياباني يُصِرّ على استعمال لغته، مع أنه لا يجهل اللغة الإنجليزية.  وفي إحدى المناسبات كنت في جَمع مع شخصيّات يابانيّة وعربيّة، فكان العربيّ كعادته يسارع إلى المخاطبة بالإنجليزية فلا يجيبه الياباني بالإنجليزية، وإنما يردّ بلغته، ليقوم المترجم بنقل ما قال إلى العربيَّة، مع أنه قد يفوق إتقانًا الإنجليزية مخاطِبَه العربي.  وتلك عُقدة عربيّة، بامتياز، (أعني: اللغات الأجنبيَّة، ولاسيما الإنجليزية).  وذات يوم كنتُ ضمن وفد إلى (الاتّحاد الأوربي)، فأحضروا لنا من المترجمين والمترجمات ما قدّروا الاحتياج إليه.  غير أنهم دهشوا حين وجدوا "رَبْعَنا" لا يحبُّون أن يتحدّثوا باللغة العربيّة بل بالإنجليزيّة.  فكان الأمر لا يخلو من طرافة "شيزوفرينيَّة".  يحدث هذا، مع أننا لا نكفّ عن التغني بأن اللغة العربية لغتنا الرسمية، وبالرغم من التعميمات تترَى بذلك، وأنها وسعت كتاب الله لفظًا وغاية، إلى نهاية سيلنا العَرِم من الشعارات.  فأُمتنا كغيرها لا تخلو من استشعارٍ نظريٍّ بأن اللغة هي الإنسان، وهي تراث أُمَّةٍ وثقافتها وهويّتها، حين تضيع تضيع معها تلك الأُمّة والثقافة والهويّة، وحين تتضعضع تزلزل وجود الناطقين بها.(1)  إلّا أننا حين التطبيق نفشل، أو نتلجلج، أو نختلف.  ولهذه العقدة حكاية وتاريخ طويل في عصرنا الحديث. 

وهكذا يتبدَّى أننا كثيرًا ما نترك من الخصوصيّات أركانها البانية والمشكِّلة للهويّة الوطنيّة والقوميّة، فيما قد نصطف في المقابل للمنافحة عن القشور منها والتمسّك بالضار.

 

بقلم: أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيْفي

.............................

(1)  حول اللغة، وخطورة معناها في حياة الأُمم، يمكن أن تتابع حلقة نقاش مع (نعوم تشومسكي)، على موقع "اليوتيوب":

https://www.youtube.com/watch?v=pEnEfEWWpOw

باختصار شديد، إن أسوأ سياسة اقتصادية يمكن أن يمارسها اقتصاد ما هي تلك التي ترتكز على السياسة النقدية فقط، بحيث تبقى هذه السياسة تصول وتجول مع إهمال بقية السياسات الاقتصادية الكلية (تجارية، مالية، تنموية، استثمارية) وإصابتها بالشلل، وهنا تكون السياسة الاقتصادية في منتهى الهشاشة، ويصبح البلد في وضع هش في كل شيء.  وأبسط مثال على ذلك هو أني كلما أسال زميلي مستشار الموارد المائية صباح كل يوم ممازحا طبعا (قل لي راح نغرق لو راح نموت عطش؟) فيضحك ويقول سؤال محير! في إشارة إلى سدود دول الجوار التي ابتلعت مياه أنهرنا، وسدنا الذي يهددنا بين الحين والأخر، وربما يراد لنا أن نهدد دائما في زمن الفزاعات وتنظيمات المرتزقة، لبلد لا يراد له الاستقرار، فيبقى الاقتصاد ليس أولوية له.

إن أضعف وأسوأ سياسة نقدية هي تلك المرتكزة على سعر الصرف فقط تريد أن تخلق التنمية وتحقق المعجزات من خلاله فقط (كمن عنده شيش حديد واحد ويريد أن يبني به برج مثل برج خليفة)، وأهمل وما يزال يهمل وظائف السياسة النقدية الأخرى ولم يمارس إصلاحاً مصرفياً حقيقياً ولم ينظر إلى حجم الائتمان في تمويل التنمية الذي تمارسه تلك المصارف، بل ولماذا تمارس الائتمان اصلا؟  ولو كنت أنا شخصياً صاحب مصرف، لا سامح الله، لدافعت عن المزاد بكل قوة لأنه منجمٌ من ذهب فُتح وما عاد يغلق، فأي مصرف مغفل ذلك الذي يترك المنجم ليمارس الوظائف الطبيعية للمصارف ويقوم بالإقراض وإدارة المخاطر في ظل بيئة عالية المخاطر ولديه منجم مفتوح؟

ففي فترة الترهل المالي قبل 3 سنوات عندما كان المال يدار بأسوأ أسلوب خالٍ من أية حرفية او اختصاص وكانت وما زالت وزارة المالية هي الحلقة الأضعف لأي توجهات إصلاحية، كان من يدخل المزاد من المصارف وشركات الصيرفة يحصل على نقطتين أو ثلاثة ربح من هذا المنجم عن كل دولار.  واليوم، في زمن العسر المالي والركود الضاغط والمخاطر الأكبر، صار يحصل من هذا المنجم على 10-12 نقطة ربح عن كل دولار، فكيف يمكن أن نطبق المنطق الاقتصادي بجعل السياستين المالية والنقدية توسعيتان في زمن الركود.

من العسير أن يحصل ذلك، طالما لا تتوفر النوايا، أو النوايا المتوفرة فاسدة، فيكون كل شيء في الاقتصاد بالمقلوب، ونشجع المصارف على المزيد من الانطواء على نفسها والدوران في فلك البنك المركزي والمزيد من الانكماش المالي في زمن الركود، تتعاظم رؤوس الأموال لمن يرضعون من ضرع المزاد، ولكن لا تنمو طبقة رأسمالية في العراق، لأن أموالهم تستثمر في الخارج، دولاراتهم تنمو في الخارج، معاملهم تشيد في الخارج، فرص العمل يخلقوها لأبناء الخارج، لا يملكون في العراق سوى الحقائب التي تعبئ من المرضع (مزاد البنك المركزي).  لو كانوا رأسماليين في العراق لوجدنا الأبراج والمصانع والمشاريع الكبيرة والخدمات تقام في العراق.  إنهم رأسماليون في الخارج وفي العراق هم رضع من إيرادات النفط التي هي ملك الشعب العراقي دستوريا، ويريدونه أن يبقى صحراء وفوهة للرضاعة حسب، وتنمو بدلا عنهم طبقة الفقراء والعاطلين ليكونوا قنبلة موقوتة تهدد العراق بفوضى عارمة.

عندما أقول إن السياسة النقدية قامعة للقطاع الحقيقي ومشجعة للقطاع التجاري، يقول الكثير إن البنك المركزي فتح نافذة تنموية بـ 6 ترليون دينار، طبعا هو إجراء صحيح وأنا ادعمه واشكره عليه، ولكن لم ينفذ من المبلغ سوى بعض الأجزاء العشرية، ومنه ما عاد بطريقة أو أخرى وحُقن في المزاد لشراء المزيد من دولارات المنجم الرخيصة.  لماذا لم تنفذ المبادرة؟  لأن العوامل المكملة لها لم يعمل عليها البنك المركزي ولا الجهات المعنية بالسياسات الأخرى، فسعر الصرف المُغالى به للدينار والمزاد المفتوح بديلا جاذبا، بينما بيئة الإقراض بديلا طاردا، والمصارف عاجزة لأن أنظمتها بالية، وكلف الإنتاج في القطاع الحقيقي مرتفعة ولذلك طاقته الاستيعابية لامتصاص استثمارات مالية ضيقة، وكان بالإمكان أن تنخفض تلك الكلف لو كانت المشاريع الاستثمارية في البنى التحتية على مدى العقد المنصرم أقيمت فعلا وفق معايير اقتصادية، ونفذت بشكل صحيح وخفضت الكلف للقطاع الخاص بدلا من أن يذهب جلها لجيوب الفاسدين أو لإرضاء الناخبين.  كما أن منتجات القطاع الحقيقي مطرودة من السوق بفعل الإغراق واستباحة أسواقنا دون اي مستوى يذكر من الحماية الكمركية، وعندما طبق قانون التعرفة مؤخراً رغم أن نسب التعرفات في الجداول دون الطموح، ومع ذلك نفذ بشكل أعرج، لأن إقليم كردستان المحروس لا يلتزم بتطبيقه، والموظفين الفاسدين في المنافذ الحدودية يجنون لجيوبهم أكثر مما يجنون للدولة ومعظم التجار يشترون الذمم دون حياء ودون أدنى شعور وطني، والمنتجون المحليون مطرودون من المعادلة، والسلوك الاستهلاكي لشعبنا الكريم يفضل كل ما هو أجنبي على كل ما هو محلي، في شعب يشعر بالعيب من استخدام منتجه، ومؤسسات دولة تشتري كل مستلزماتها أجنبية رغم أنها مالكة لمصانع تنتج هذه المستلزمات، كتلك التي تطبخ كل يوم وترميه في القمامة وتشتري طعامها من الجيران.  الا يدرك هذا الشعب المستهلك انه بذلك يساهم في جعل أبنائه (عطَّالة بطَّالة) دون فرص، وليس أمامهم الا الهجرة أو الغرق في بحر ايجة أو يستدرجه الإرهاب ليصبح ذبَّاحاً أو يؤسس عصابة خطف وسرقة أو يصبح شرطي لمحاربة الإرهاب ويهجر مزرعته أو معمله أو مشروعه مغلق لأن ليس عليه طلب ولا ينافس امام المستورد.  إنه تفكك منظومة السياسات الاقتصادية الكلية، لأن ورائها محاصصة سياسية مقيتة تضع كل مسؤول في الموقع الغلط، ولَّدت مافيات ومصالح خاصة يصعب تفكيكها، أسموها أجدادنا (الما يعرف تدابيره حنطته تأكل شعيره)، واسميها سوء الإدارة للملفات الاقتصادية.

ونحن ولله الحمد على أبواب الانتصار العظيم في الموصل، علينا أن نستثمر هذه الطاقات الايجابية الجبارة ونعيد هيكلة الكثير من المؤسسات الاقتصادية من حيث تنظيمها الإداري، ومنهجها المالي، وأولويات الإنفاق، وإدارة الدومين العام المهمل، ومن حيث المتصدين للقرار الاقتصادي فيها، وتمكين المختصين النزيهين الحريصين أصحاب الرؤيا، دون أن نبرد حالاً، ونثمل مجددا بنخب انتخابات جديدة.

 

أ. د. عبد الحسين العنبكي - رئيس منظمة اقتصادنا للتنمية المستدامة

 

مِن طبيعَة الخطـَاب الدِّينِي القدِيم والمُعَاصر أنه كانَ ومَا يزالُ قائمًا على تمجيدِ الرِّجَال الذِينَ كانَ لهُم دور بارزٌ فِي صِيَاغة الترَاث الإسلامي من عُلمَاء ومَشَايخ وعَارفِـين بالله ومُخلقِـين..، دُون الخَوض في إسهَامَات النسَاء، باعتبَار أنهُنّ كنَّ عَارفـَاتٍ وشَيخَاتٍ مُربِّيَاتٍ جَليلات، وهَذا المأزق التـُّرَاثِي يُرَسِّخ ويُؤكدُ إلى أي حد أمعَن رجَال الدِّين فِي تقدِيس الرَّجل وإعلاءِه مَكـَانـَة تفـُوق المَرأة،  فكأنمَا حَرَّم الله عَلى المَرأة الاجتهَاد والعِلمَ والتـَّنوير والترَقي فِي مَدارج الأخلاق والصَّفاء وأجَازه فقط للرِّجَال، هَكذا سَوَّق كثيرٌ مِن رجَال الدِّين الإسلام حَتى صَار الغربُ يصِفُ الإسلام بأنـَهُ دِينُ تزدَرَى فِيه النسَاء ويعَظـَّمُ فِيهِ الرَّجُـل، دينٌ يُعطِي الحُقوق للرِّجَال وينزعُهَا مِن النساء.

فحتى فِي سيَاق الخطـَاب الصُّوفِي المعَاصِر لا نكادُ نجدُ أثرًا أو ذكرًا أو إشَارَة إلى عَارفـَاتٍ بالله بَلغـْنَ فِي مَرَاتِب المُرَاقبَةِ والخشيَة والصَّلاح والوَرَع والتــَّزكـيَة مَا بَلغ إليهِ كبَار شُيُوخ الصُّوفيّـة، بَيْد أن سَيكولـُوجية التـَرَاث الأبويَّـة المُهيمِنـَة عَلى الفِكر التقليدِي، وطبيعَة العَامِل النفسِي والعُرفِي والثقـَافِي للفرد والمَجتمع العَربـِي والإسلامي قديمًا شـَكل - ومَا يزال - حَاجزًا أمَام الاعتراف بمَقـَام المَرأة ودَورهَـا البَـارز فِي تـَرسيخ الدِين الإسلامي ونشر القِيم الرُّوحيَّـة ووإرسَاء مَفاهِيم تربويَّة وجمَاليَّة وأخلاقيَّـة عَدِيدَة.

شهدَ التـَّاريخ الإسلامي العَدِيد مِن النسَاء اللـَّـوَاتِي ارتـَقـَيْن مَدارج الكمَال والمعرفة الربَانيَّة والفتوحات الرحمانيَّـة، فعَلى سَبيل المِثـَال  يَذكـَر الشـُّيُوخ كلَّ شيءٍ عَن الشَّيخ الصوفي حَسَن البصري (642م-728م)، الذي ولد إبَّان خلافة عُمر بن الخطاب  فدعَا لهُ قائلا : "اللهم فقهْهُ فِي الدِّين وحَبِّبهُ إلى النـَّاس" إلا أنهُ كـَانَ مُريدًا لعَارفـَةٍ بالله اسمهَا رَابعة العَدوية، التي أرسَت إحدَى أشهَر المَذاهب الصُّوفيَّة ألا وهُو مَذهَب الحُبّ الإلهي، الذِي يَقـُوم فِي جَوهَره عَلى إخلاص القلبِ والقـَالب لله وَحْدَهُ بعيدًا عَن الخَوف مِن النـَّار والطمَع في الجَنـَة.

فرَابعَة العدوية كانـَت مِن بين النسَاء اللـَّوَاتِي توَلـَّوا المَشيَخـَة الصُّوفيّة في الإسلام والتـَم حَولهَا عَددٌ كبيرٌ من الرِّجَال يَطلبُون بَركتهَا ويَستنِيرُونَ بمَقـَامهَا، ويَرتشفـُون مِن مَعين شِعْرهَا الرُّوحِي  الذي تأثر به كبَار شعَراء الصُّوفية مِن أمثـَال (جلال الدين الرومي وفريد الدين العطار النيسابوري والشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي والحلاج..إلخ)

 فحَسن البَصري الذِي كانَ ومَا يَزَالُ نمُوذجًا أخلاقيًّا رَفيعـًا فِي التوَاضع والخشيَة والزُّهد، تلقـَى عُلومَهُ وآدابَهُ وأخلاقـَهُ عَبر صُحبَة مُربيتِه العَارفـَة بالله رابعة العدوية بَينمَا يُنسبُ كل شَيءٍ إلى حَسن البصري وقلمَا يُشَار إلى أثر رَابعة العدويّة فِي تصَوُّفه وأخلاقهِ وأدَبه.

وهَذا ذو النون المِصري ( 796م 859م) كانَ يقول عَن فاطمة النيسابورية إحدى العَارفـَات بالله بأنهَا أستاذته التِي تأدَّب على يَدهَا واستمَد من صَلاحِهَا وأحوَالهَــا.

وهذه الوَليَّة العَارفـَة الواصِلـَة شبكة المصريّة، كانت تخصِّصُ سَراديبًا فِي مَنزلهَا لاستقبَال تلامِذتهَا ومُريدِيهَا وتلقـِّنُهُم طرُقَ المُجَاهَدَةِ والمُعَامَلـَة، ومِن أقوَالهَا المَأثـُورَة التِي أورَدَهَا  أبو سعيد الأعرابي في (كتـَاب الطـَّبقات) " تطهَّرُ النـُّفوس بالرِّيَاضَات وإذا طهُرَت استرَاحَت إلى العِبَادة كمَا كانـَت مِنْ قبلُ تتعَنـَّى فِيهَا "

... يـُـتبَع.

 

منذ العقد الأخير من القرن العشرين، تعاني البيئة العراقيّة من مشكلات خطيرة، أبرزها التلوّث الإشعاعي الناجم عن استخدام أسلحة اليورانيوم المُنضّب Depleted Uranium التي نجمت عنها تداعيات صحيّة وخيمة. إذ نشرت أمراض سرطانيّة، وولادات ميتة، وتشوهّات خلقيّة، وحالات مرضيّة مستعصيّة أخرى.

في المقابل، ابتليت البيئة بمسؤولين ليسوا على مستوى المسؤولية التي تطلبّها تلك الكارثة، إضافة إلى غياب الكفاءة والتأهيل. إذ واصلوا التفرّج على محنة العراقيين الناجمة عن التلوّث بأسلحة مشعّة، ولم يسعوا جدياً للتخفيف منها. وانخرط بعضهم في نوع من التعتيم في شأنها، بل التضليل أحياناً، سعياً الى تبرير فشلهم وتخبطهم وتقصيرهم. ولم يتحرّك أحد في السلطات الثلاث (التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة) للمحاسبة على التقصير والإهمال، كأنما الأمر لا يعني شعباً بأكمله، ما يثير أيضاً إحساساً بالريبة حيال ذلك الصمت!

بعد 14 عاماً على غزو العراق الذي استخدمت القوات الأميركيّة والبريطانيّة خلاله أسلحة مُشعّة متطوّرة (هي قذائف اليورانيوم المنضّب)، لا يزال ملف المواقع الملوّثة بالإشعاع مفتوحاً، من دون أن يطرأ عليه تقدّم يذكر. كذلك لم تنجِز الجهات المعنيّة مهمة تنظيف البيئة منهاً، بل إنها أصلاً تجهل عددها ومواقعها! كما لم تلتفت إلى ما تلحقه من أضرار بصحة العراقيين وحياتهم بطريقة تتزايد مع تراكم العجز والفشل. في المقابل، تبدو السلطات العراقيّة جاهزة دوماً لاختلاق الأعذار والتبريرات الواهية لتقصيرها الواضح في مهمة وطنيّة وازنة. وكذلك أهملت باستهتار صلف المبادرات المخلصة التي قدمتها مؤسّسات علميّة دوليّة بصدد مساعدة العراق في التصدي لتلك الكارثة.

تقارير علميّة بأدلة دامغة

عقب غزو العراق، كشف الخبير سكوت بيترسون وجود تلوّث إشعاعي ناجم عن مخلّفات حربيّة لأسلحة اليورانيوم في بغداد، مشيراً إلى أنه يفوق الحدود المسموح بها دوليّاً بما يتراوح بين ألف وعشرة آلاف ضعف. ونشر بيترسون تقريره في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» في ربيع العام 2003. وفي أيلول (سبتمبر) من تلك السنة، أجرى فريق من علماء «مركز بحوث طب اليورانيوم» Uranium Medical Research Center (مركز بحوث دولي مستقل، مقره نيويورك، ويملك فروعاً في دول أوربية عدّة) ما وُصِفَ آنذاك بأنه أوسع بحث ميداني عن تأثيرات أسلحة اليورانيوم في حروب العراق. وشمل بغداد وضواحيها، ومدن وسط العراق وجنوبه كلها. ووجد أدلة تثبت انتشار التلوّث الإشعاعي في الأمكنة التي جرى مسحها كلها، مشيراً إلى أن مستويّاته فاقت الحدود المسموح بها دوليّاً بما يتراوح بين عشرة أضعاف وثلاثين ألف ضعف! وتخطّت مستويات الإشعاع في النبات والحيوان في البصرة (جنوب العراق) قرابة 14 مرّة الكميّة المعتمدة معياراً للسلامة من قبل «منظمة الصحة العالميّة».

وفي العام 2005، قدّر «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» أنّ العراق بات يشتمل ما يزيد على 1000 موقع ملوّث بأشعة متأتيّة من أسلحة يورانيوم مُنضّب.

وفي العام 2006، كشف الباحث خاجاك وارتانيان عن 100 موقع ملوّث باليورانيوم المُنضّب في البصرة، معظمها كانت على هيئة مخلّفات حربيّة. وحذّر من أنّها ربما تتضاعف عبر نقل خردة الحديد الملوّث الى مناطق اخرى. ومن المعروف أن تجاراً كثيرين يتاجرون بخردة الحديد الملوّث، ما أدّى إلى نقل الإشعاعات الى أماكن عدّة، بالترافق مع تعريض مئات من المواطنين لأخطارها المهلكة.

مجرد كلام

في عام 2007، أوضحت وزارة البيئة العراقيّة أنها كشفت 315 موقعاً ملوّثاً بالإشعاع المتأتي من أسلحة اليورانيوم. وفي محفل دولي استضافته دبي، طالبت المجتمع الدولي بتقديم المساعدة لتنظيف بيئة العراق من مخلّفات الحرب ومعاقبة «الجناة الملوّثين». ولاحقاً، بدا الأمر كأنه مجرد كلام، إذ لم تتابع جهة رسميّة ذلك المطلب المحق.

في العام عينه، أعلنت جهات عراقيّة مسؤولة أنّ الإصابات السرطانيّة التي يعتقد بصلتها بأسلحة اليورانيوم المنضّب بلغت 140 ألف إصابة، مطلقّة وعوداً كثيرة لمعالجة المشكلة. وفجأة، تغيّرت المواقف. وبدأت حملة تعتيم وتضليل صلفة، بلغت ذروتها في العام 2010، مع إعلان «مركز الوقاية من الإشعاع» (تابع لوزارة البيئة آنذاك) «خلو العراق من التلوّث الإشعاعي»، من دون تقديم أدّلة تتوافق مع ذلك الإعلان الجليل! والمفارقة المخجلة أن المركز عينه شارك في دراسة علميّة أنجزتها وزارات البيئة والعلوم والتكنولوجيا والصحة، بيّنت وجود ما يزيد على 41 موقعاً ملوّثاً بالأشعة مع خريطة لها بيّنت أنها تشمل مجموعة من المواقع صُنّفَت أنها «ملوّثة بدرجات خطيرة جداً». ونشرت الدراسة في صحيفة «غارديان» البريطانيّة في كانون الثاني (يناير) من تلك السنة.

في السياق عينه، كشف فريق علمي قاده إدوارد إليسون، وهو مختص بعلوم التلوّث الإشعاعي، وجود ما يزيد على 143 موقعاً ملوّثاً باليورانيوم المنضّب في 7 محافظات عراقيّة، منها قرابة 40 موقعاً في بغداد، و22 موقعاً في البصرة، و20 موقعاً في الناصرية، و20 موقعاً في مدينة بابل، و16 موقعاً في محافظة ديالى، و14 موقعاً في محافظة ميسان، و11 موقعاً في محافظة واسط.

وتناولت تحقيقات صحافيّة كثيرة انتشار التلوّث الإشعاعي في محافظات بغداد والبصرة والناصرية ونينوى وميسان والنجف والمثنى والأنبار وكربلاء وغيرها. وأشارت إلى كثافة التلوّث في مناطق سكنيّة عدّة، ومدارس وأبنية اخرى، نتيجة وجود مخلّفات مشعّة مطمورة فيها.

وفي تقرير بعنوان «توقّعات حال البيئة في العراق للعام 2013، أقرّت وزارة البيئة بوجود «مخلّفات عسكريّة كالدبابات والمدرّعات ومخلفات أعتدة بعضها ملوّث بالإشعاع النووي (بأثر من) استهدافها بمقذوفات تحتوي اليورانيوم المنضّب من قبل الجيش الأميركي... ولا نعلم كميتها... ويشير «المركز العراقي للوقاية من الإشعاع» إلى وجود 46 موقعاً ملوّثاً بالإشعاع، بل أنّ قسمّاً منها قريب من أمكنة سكن مواطنين».

ذريعة «الأمن القومي»... المميت!

في صيف 2015، كشف الأمين العام لـ «مجلس السرطان» في وزارة الصحة الدكتور مهدي السراج، وجود تقرير يحدّد المواقع الملوّثة بإشعاعات أسلحة اليورانيوم، في محافظات بغداد والمثنى وصلاح الدين ونينوى والبصرة وميسان وذي قار والانبار. ولفت إلى أنّ معظم أسباب التلوّث تعود إلى عمليات عسكريّة خلفت مصادر مشعّة، كطائرات وهياكل دبابات وآليّات عسكريّة، مشيراً إلى أنّ المواد المشعّة شملت موادَّ كالسيزيوم المشع، وأكاسيد اليورانيوم، إضافة إلى محوّلات ومعدّات كهربائيّة وأسيجة معدنيّة ملوّثة باليورانيوم المنضّب».

وقبل فترة وجيزة، كشف رئيس «لجنة الصحة والبيئة النيابية» قتيبة الجبوري، عن وجود 55 موقعاً في محافظات عراقيّة مختلفة، ملوّثة باليورانيوم المنضّب بأثر من قصفها في الحرب».

كذلك تواصل وسائل الإعلام العراقيّة المستقّلة تحقيقاتها عن كارثة التلوّث الإشعاعي في منطقة «كسرة وعطش» في بغداد، مع ملاحظة أنّ السلطات باتت على علم به، لكنها... لا تتحرّك.

فصول من التضليل

بأثر من الإهمال، طاولت الإصابات السرطانيّة المتصلّة بالتلوّث الإشعاعي، قرابة المليون عراقي، قضى منهم عشرات الآلاف، إضافة إلى حدوث آلاف الولادات الميّتة والمشوهّة.

وحتى اليوم، لم تعالج المواقع الملوّثة بالإشعاع في العراق، بل لا تأبه الجهات المسؤولة حتى لتزايد الانتقادات عن فشلها في ذلك. وواضح أنها لا تعرف عددها ولا أمكنتها كلّها، على رغم السنوات الطويلة التي انصرمت. والأرجح أنها تغطي فشلها عبر مواصلة التعتيم والتضليل، وبل ربما الكذب.

وفي مطلع 2017، برزت حلقة أخرى في ذلك الأمر، مع تصريح مدير عام «دائرة التوعية والإعلام البيئي» في وزارة الصحة والبيئة، بأنّ «عدم إعلان المواقع الملوّثة بالإشعاع يتعلّق بالأمن القومي»! ولم يتردّد بالقول بأنّ «المصدر الوحيد الذي يملك صلاحية القول بوجود مواقع ملوّثة هو مركز الوقاية من الإشعاع في الوزارة... ولا نستطيع دائماً التحدّث عن ذلك الجانب لأسباب تتعلق بالأمن القومي... أحياناً المعلومات غير دقيقة... وفي الدول كلها لا يتم الإعلان عن ذلك لأسباب أمنية»!

وإذ يؤكّد التصريح حال التجاهل عبر الإشارة إلى أنّ «المصدر الوحيد» لكشف التلوّث الإشعاعي (مركز الوقاية من الإشعاع) فقد صدقيته منذ العام 2010 عندما زعم «خلوّ العراق» من التلوّث الإشعاعي! ولم يعد أحد يصدقه.

وزيادة على فقدان الصدقيّة، تجدر الإشارة إلى أن معظم الدول المتحضرة تهتم بالتلوّث الإشعاعي بطرق مملوءة بالجديّة والإحساس بالمسؤوليّة، بل أن بعضها يعلن حال الطوارئ لمجرد وجود شك في حدوث تلوّث إشعاعي. وفي تلك الأحوال، تستقدم خبراء مختصين، مع أجهزة مسح متطوّرة، كما تتخذ إجراءات وقائيّة فوريّة. ولا تتهاون إطلاقاً مع الأخطار المحتملة التي تحملها أشعة اليورانيوم على صحة المواطن وحياته، مهما كانت درجتها بسيطة. بقول آخر، ليس مسموحاً فيها «إخفاء التلوّث الإشعاعي لأسباب أمنية»، بل أن من ينخرط في الإخفاء يعرّض نفسه لأحكام قانونيّة قاسية. ما هو ذلك «الأمن القومي» الذي يخفي مصادر تلوّث إشعاعي مميت، بل يفرّط بحيوات المواطنين؟

 

د. كاظم المقدادي - أكاديمي عراقي مقيم في السويد.

 

 

توطئة: يعدّ علم النفس السياسي من افضل العلوم في فهم السياسة لأنه يجمع بين تخصصات متنوعة:علم الانسان، علم الاجتماع، العلاقات الدولية، الأقتصاد، الاعلام والصحافة، والفلسفة. وقد برع فيه عدد من السيكولوجيين الاجانب وعمل عدد منهم مستشارين لكبار القادة السياسيين في العالم. ومع ان السياسة ترتبط بالسيكولوجيا منذ زمن أرسطو، فان دوره في العالم العربي يكاد يكون محدودا لثلاثة أسباب:قلة المتخصصين فيه، وضعف الوعي السيكولوجي بشكل عام، وخشية القادة العرب منه لأنه يكشف حقيقة تركيبة شخصية صانعي القرار.ومع انه يتداخل مع علم الاجتماع السياسي في الكثير من الظواهر السياسية الاجتماعية، لكنه يركز على دراسة سلوك القادة والحكّام فيما يركّزعلم الاجتماع السياسي على دينامية العلاقات بين القوى السياسية في اطار المجتمع..ومن هذا المنطلق ستكون دراستنا الجديدة هذه عن ترامب..الذي تحول الى ظاهرة ستدخل التاريخ بعنوان (الظاهرة الترامبية).

*

لم يحصل في التاريخ السياسي الأمريكي ولا العالمي ان يتهم رئيس دولة بامراض نفسية وعقلية، يكفي واحد منها ان يدخل صاحبه مستشفى الأمراض العقلية كالتي اتهم بها ترامب.ولم يحصل ان يتعرض الى تشهير اعلامي واحتجاجات شعبية وحملات مناهضة كالتي تعرض لها رئيس الولايات المتحدة الامريكية الخامس والأربعون، دونالد ترامب.. الذي كان (حلما اصبح حقيقة) لعدد من الأمريكيين، فيما كان (كابوسا)لآخرين.

ففي مجال الاعلام، نشرت الصحف الكبرى مقالات مصحوبة برسوم ساخرة شبّهت ترامب بكبار الأشرار في التاريخ، من ضمنهم الداعي للفصل العنصري جورج والاس "صيّاد الساحرات"، وجوزيف مكارثي، وزعيمة الجبهة القومية الفرنسية مارين لو بين، ورئيس الوزراء الايطالي الأسبق سيلفيو بيرلوسكوني.

وكان عنوان مقالات الرأي في صحيفة واشنطن بوست "موسوليني أمريكا المعاصرة"، واخرى نشرت صورة كاريكاتيرية تظهر هتلر قبالة تمثال الحرية وهو يؤدي التحية النازية، فيما نشرت "نيويورك دايلي نيوز" صورة على صفحتها الرئيسة تعرض ترامب وهو يقطع رأس تمثال الحرية، مع تعليق يقول:"عندما لاحق ترامب المكسيكيين لم أنبس ببنت شفة -لأني لست مكسيكيا، وعندما لاحق المسلمين لم أنبس ببنت شفة -لأني لست مسلما..حينها لاحقني.".فيما ذهبت صحيفة(نيويورك تايمز) الى حد اتهامه بـ" التخريف" والأفتقاد للمصداقية (31/1/2107). ومن المفارقات أن هتلر بدأ بمحاربة الأعلام واتهامه بالكذب قبل ان يصبح رئيسا، وكذلك فعل ترامب متهما الأعلام الأمريكي بأنه مظلل ومشوه للحقائق، بل انه وصفه في (16شباط)بأنه "عدو الشعب الأمريكي".ولترامب شيء من الحق في ذلك لأن صحافة الحزب الديمقراطي عملت على تضخيم التشهير به لدرجة انها وصفته بأنه (الوحش الذي هبط على الأرض)، وانه يهدف الى تصفية استقلالية الاعلام المعبّر عن تنوع الحقيقة.

وفي مجال السياسية تعرّض ترامب الى هجوم حتى من كبار السياسيين في حزبه الجمهوري.فلقد علق الزعيم الجمهوري "بول رايان" رئيس مجلس النواب الأمريكي على تصريحات ترامب بأنها غير أمريكية وتنافي القيم المحافظة. وانضم عدد من المرشحين الجمهوريين للرئاسة الى الانتقاد، بينهم السيناتور "ماركو روبيو" الذي تطرق الى اسلوب ترامب "بإطلاق تصريحات مهينة وهمجية"، وحاكم ولاية فلوريدا السابق "جيب بوش" الذي وصف اقتراح ترامب بمنع دخول السائحين والمهاجرين المسلمين الى الولايات المتحدة أنه "مختل". وخاطب المرشح الجمهوري، السيناتور "ليندزي غراهام" من كارولينا الجنوبية في قناة CNN : "قولوا لدونالد أن يذهب الى الجحيم". فضلا عن زعماء في الحزب الديمقراطي مثل "هيلاري كلينتون" التي غرّدت عبر تويتر "قولوا لدونالد ترامب: الكراهية ليست قيمة أمريكية".ومجمل هذه المواقف السياسية من ترامب تذكّرنا بما حصل للرئيس الأمريكي "نكسون" الذي اجبره الكونغرس والقضاء على تقديم استقالته بسبب فضيحة ووترغيت.

وفي ترامب صفة ينفرد بها عن باقي الرؤساء الأمريكيين هي صراحه متناهية منحته الكثير من الشعبية. ففي احتفالية عيد الجيش الأمريكي، اتهم القادة والجنود الأمريكيين بسرقة أموال تقدر بالملايين من الدولارات من العراق، عثروا عليها في اقتحامهم القصور الرئاسية والمصارف الحكومية، ودعا الى الكشف عنهم.ومع انه ملياردير فهو يتصرف كما لو كان بطلا شعبيا وصار محبوبا من معظم الفقراء، وهي حالة يرتاح لها جدا لأن من طبيعة الشخصية المسيطرة انها تستمتع بطاعة الآخرين واحترامها لها، وتحقق في الوقت ذاته معادلا سيكولوجيا في استمتاع الفقراء بالتماهي بشخصية من يعدونه بطلا..فضلا عن ان تمرّد على الاسلوب الكلاسيكي الذي اعتاد عليه من سبقوه. وهو يفهم في الشأن العراقي، بعكس ما اشيع عن جهله بالسياسة..اذ صرّح قائلا:أمام القادة العراقيين ثلاثة خيارات: البقاء على حالة العنف، أو تقسيم العراق الى ثلاث دول، أو اللجوء الى مبادرة شاملة للسلم الأهلي يتفقون عليها، مرجحا الخيار الثالث لكونه يمثل رغبة أغلب العراقيين.

على ان اهم ما تتصف به سياسة ترامب هي انها ادخلت العالم في سكولوجيا التوقعات المتضادة. فعلى صعيد الوضع المعقد في الشرق الأوسط هنالك فريق متفائل وآخر متشائم ناجم عن غموض سياسته، باستثناء وضوحه بمنع مواطني سبع دول اسلامية من دخول الولايات المتحدة.وكان هذا القرار قد اتخذه استجابة لرأي عام لحماية الأمن الأميركي، غير انه ادى الى انقسام في المجتمع الأمريكي تصدرتها جماعات كبيرة رأت في ذلك الأجراء مخالفة للمباديء الأمريكية الدستورية وجوبه بموجة واسعة من الانتقادات والتظاهرات داخل اميركا وخارجها، وحتى من الأمم المتحدة التي وصفت سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط بأنها " مشوشة ومقلقة". ولأن شخصية ترامب من نوع التسلطية الأستبدادية التي تتخذ قراراتها بسرعة، وقد وصف وزير العدل في الأدارة المحلية بواشنطن- "بوب فيرغسون" بأن مرسوم ترامب كان خاطئا ومتسرعا وخطيرا، فان قراره هذا الذي كان يظن انه سيؤدي الى توحيد الشعب الأمريكي أدى الى مزيد من التقسيم.وبرغم ذلك فانه لن يتراجع عنه، لأن كارزما شخصيته تعدّ التراجع ضعفا حتى لو كان عن خطأ!، ولأنه لاشيء يزعجه اكثر من ان يشك احد في قوته ونفوذه(Power )وسلطته وسيطرته Dominance)).

وترامب لا ينتمي الى مدرسة فكرية محددة، فلا هو محسوب على مدرسة المحافظين الجدد (Conservatives) ولا المحافظين الجدد  Neoconservatives))، ولا الليبرالين الجدد (Neoliberals)  ولا أية مدرسة فكرية أخرى واضحة المعالم.فهو كان ناخبا مسجلا مع الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري وأحزاب أخرى، بما يجعلك تستنتج بأن مدرسته الفكرية هي تجربته الحياتية..وفي هذه الظاهرة الجديدة في السياسة الأمريكية مجازفة كبيرة.

غير ان اخطر مشاكل ترامب النفسية انه يعاني من عقدة (اسلاموفوبيا).فقد صرّح من القاعدة الاميركية العسكرية في الشرق الأوسط (ان الارهابيين الأسلاميين عازمون على ضرب بلادنا كما فعلوا في هجمات 11 سبتمبر)، معلنا عمليا طي مرحلة "القوة الناعمة"، وانه لن يكون طيبا مثل باراك اوباما، متهما ايران بأنها "اكبر داعم للأرهاب"، متعهدا بالتحالف مع "العالم المتحضر" لمواجهة "ارهاب الأسلام المتطرف وازالته من على وجه الأرض". ووزع البيت الأبيض لائحة بـ(78) هجوما في العالم من 2014 لغاية 2016 نسبها الى الارهاب الاسلامي المتطرف.

وترامب المتأثر بأفكار "ستيفن بانون"، الذي ينظر للعرب والمسلمين بانهم متناقضون جذريا مع الثراث المسيحي اليهودي المشترك ومع الحضارة الامريكية، سيعتبركل عمل ارهابي يقع في العالم مبررا للعقوبات الموجهة ضد المسلمين داخل الولايات المتحدة وخارجها.وهو في سريرته يحمل ضغينة ضد الاسلام ويعتقد ان كل مسلم يسعى للنيل من اميركا، فيما هو متعاطف مع اليهودية لدرجة انه لم يعترض على اعتناق ابنته الدين اليهودي بعد ان تزوجت من يهودي وصار له شأن كبير في ادارته. وسيكولوجيا ايضا فان ترامب يشعر بالحيف ويريد ان يقتص من قتلة الامريكيين في طهران وبيروت، وانه في داخله يرفع شعار (يالثارات أميركا!).ولقد تعرض ترامب الى انتقادات شديدة على موقفه هذا يلخصّها تعليق وزيرة الدفاع الألمانية بقولها "ان الحرب على الأرهاب يجب ان لا تكون موجهة ضد الأسلام"..ما يعني انه يخلق ازمات لنفسه ستعيق تحقيق شعاره (Make America Great Again) ، وتفضي به الفشل.

ان طموحاته التي حققها في مجال الاقتصاد دفعته سيكولوجيا الى ان يتبنى مشروع احياء دولة كبرى في (امبراطورية) تضاهي امبراطوريته الأقتصادية.ولأن العناد من ابرز طباع شخصيته، ولأنه تعلم الأصرار على المضي نحو الهدف من قدرته على تجاوز اخفاقاته..فانه قد يمضي في مشروعه الذي سيفشل فيه لأن زمن الأمبراطوريات قد انتهى. ميركا)

غير ان اغرب مفارقة سيكولوجية، ان ترامب وفر لنا فرصة استخدام آلية الاسقاط بعزو رذائلنا وعيوبنا وترحيلها اليه، في اتهامنا له بالعنصرية فيما نحن اشد منه طائفية، ووصفنا له بأنه (كريه، حقير، اناني)فيما حكّام الآسلام السياسي أشدّ منه كراهية وحقارة وانانية في علاقتهم بشعوبهم.والمفارقة (الأوجع) ان ترامب قد تصفيه المخابرات الامريكية كما فعلت مع جون كيندي..فيما حكّام الاسلام السياسي امتلكوا السلطة والثروة..والمخابرات!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

 

 

 

لا يزال الناس يقتاتون على فتات الفن، ويلوكون بألسنتهم منذ سنوات ما يشغل عبيد الإعلام العربي لجملة من أهل الفن الذي لم يجد له منهجا في حياته الفانية وفنه الفاني سوى أن يحفر في غيبيات المنتقم الجبار، والذي يستهدف من خلاله فئة مستضعفة بات اليوم يهددها بتدمير كيانها وحياتها الخاصة وسجنها وحفر قبرها وو...، وكله علم بنهاياته ونهاية ذريته وكل ما يملكه في دنياه الفانية مع من يناصره في حملته ضد القدرة الإلاهية في الأولى والآخرة.

بل أكثر من ذلك، لقد أصبح يبني مستقبله المزدهر منذ سنين قد خلت على قبر فنانات أو ما يزعمه الناس من العامة أيقونات التمثيل وآخرون من أهل العالمية في الغناء والرقص وو...، وكلهم يقين أن الله لا يملك سوى الرضوخ لهم ولرغباتهم وطول أملهم كخروج ذرية أخرى من أرحامهم، يتناسون أفعالهم في أذية ذرية عباد مستضعفين ولعناتهم في السر والعلانية في أرض ربهم لتجريدهم من دينهم بل وجعلهم لعنة على الألسنة لنوايا وأمور لا تخفى على المنتقم الجبار وغيرها، فهم لم يسمعوا قوله تعالى وهو  ينصح حبيبه ويطمئن قلبه في قرآنه العظيم: "ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار" (سورة الأحقاف، الآية 35).

حتى أن الناس باتت تضحك عن فكرة الحشر الذي تستبعده آلات الإعلام وأهل الفن العربي منذ سنوات، وربطه بجملة تمثيل ورقص ومس شيطاني سيصنعونه لا محالة على خطى الغرب الذي لا دين ولا ملة له، بل ويؤكدون لله سبحانه وتعالى أنه سيرضخ لهم ولما يصنعونه، ويشيرون إليه بأسماء وأخبار فنية وألوان بارزة كاللون الأحمر والأسود وو... وما يزينه لهم الشيطان لعنه الله بشكل عام ويهمس في آذانهم أنكم لأنتم الغالبون ولا مناص للمستضعف من أن يقع ذليلا ساجدا لكم ولأهوائكم، ونعلم في هذا المقام أن نصحنا لن يجيد نفعا مع هؤلاء ولن يغير من قدر المنتقم الجبار شيئا، وكل ذلك يذكرنا بكلمات سيدنا نوح عليه السلام لقومه كما جاء في القرآن العظيم: "ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون" (سورة هود، الآية 34).

هناك نفوس من هذه الفئة للأسف الشديد تظن أن أمامها الدهر كله لتهيمن بمالها وذكائها وعبيدها من الإعلام والفن –من مشارق الأرض ومغاربها- لتعلو بفنها وإعلامها لتحكم وتسود لنوايا باطلة والله شاهد على ذلك بل هي تدعي الحب والسلام للوطن العربي وفلسطين، وما هي إلا حبال الوهم وهنا نتذكر سويا كلام الرحمن لموسى عليه السلام لا يزال يرن في أذن الإنسان العاقل: "إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى" (سورة طه، الآية 15-16).

ما يثير الهول هو سعي هذه المنابر لنشر صور الموتى من أهل الفن والإعلام، ويعملون على تحليل أسباب موتهم وأعمارهم وكأنها بشارة للبعض الآخر من أهل الفن خصوصا الممثلات كما تحدث عن ذلك العامة، حتى أن هناك من قال أنها –الممثلة الفلانية- ماتت لتترك الساحة للعلانية أو ما شابه ذلك، أو هذا الفنان مات بمرض السرطان ليفتح الباب لغيره وو...

ما نقوله فقط هنا "لا حول ولا قوة إلا بالله!" نفوس فعلا مريضة بمرض خبيث، حتى أنها باتت تثير الحديث عن إسلام الأجنبيات والحجاب الشرعي وخلعه بطرق لا تمت للعقلانية أو للدين بصلة، فالإسلام والحجاب لا يضيف ذرة في حياة المستضعفين أو رفع شأنهم في الأرض ولا يزيد من عظمة الله شيئا أو في مكره الذي لا تأمنه إلا كل نفس خبيثة تسعى سعيا حثيثا لتحقيق مآربها الدنيوية الفانية منذ سنين، والحمد لله فكل نفس تخرج من قبرها لوحدها سواء تحجبت أو أسلمت أو تعرت للعيان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهي ستنتفض من رقدة قبرها يوم الحشر في أعقاب صيحة عظيمة مصداقا لقوله تعالى: "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون" (سورة يس، الآية 65-66). 

في الختام، الرحمن يجعل لنا جميعا كبشر الحكم والآيات لنتفكر في خلقه لا للحفر في غيبه ورفع التحدي في وجهه في فئة مستضعفة من عباده يسعى الكثيرات والكثيرون من فئة الفن والإعلام العربي منذ سنوات لتحطيمها واليوم تسعى لسجنها لأنها لن ترضخ بقدرة المنتقم الجبار لأهوائها وو... ولا يخيفها بإذن الله كلمة "المثلية الجنسية" أو العري أو البورنو وأهله، وغيرها من اللعنات التي أصابت صاحب هذه المقالة البسيطة منذ سنوات والجميع يفهم المغزى بين السطور والله شاهد على ذلك، حتى الأنبياء عليهم السلام لم يسلموا من أقوامهم وواصلوا التفكر في أمور الدنيا التي لا تدوم كالنعيم الذي يزول فيها، والزهور التي تذبل فيها، والموت الذي يطارد كل حي فيها، والأرض التي تتزلزل فيها، والشمس التي تغرب فيها... والكيس اللبيب هو الذي يرى في دنياه أنه لا بقاء لشيء فيها والحمد لله فتراب القبر لهو أمر حميد وعظيم، واليوم قد أحاطت بنا النذر من كل جانب فلم يعد هناك عذر لأحد كان ظالما أو مظلوما ولنا في القرآن لآية لقوله تعالى: "ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر" (سورة القمر، الآية 4-5).

 

بقلم عبد القادر كعبان - كاتب صحفي جزائري

 

البعض اعتقد بأن عدم توالي النشر للموضوع أعلاه؛ تأكيدا أن جهدنا توقف عند حده؛ ولا يمكن له أن يستأنف جهده في مسايرة البحث وتسليط الضوء على صنم الكتبة؟ هذه لقطة من لقطات ما راج ويروج في عدة فضاءات؛ لكن أفظع اللقطات؛ أن بعضا من عناصر الكتبة؛ يمارسون لغة النميمة؛ ومنطق المناوشات؛ مع بعض الجهات لكي لا يتم النشر؛ وفعلا استجاب لهم البعض لأسباب تكشف عن السلوك اللاثقافي؛ في النسيج الثقافي؛ ومن هاته الزاوية نكشف ما لمسناه أو ما بلغنا؛ وليست لنا نية الخصام أو الصراعات الجوفاء؛ التي تعج بها الساحة؛ ونسوق مثالا هاهنا: الأستاذ نجيب طلال شكرا للكتابة إلى "قاب قوسين "الثقافية.بما يتعلق بالحلقات حول اتحاد الكتاب، نكتفي بما تم نشره حتى الآن. مع التحية (1) يمكن لهاته المراسلة، أن تقرأ من عدة زوايا، ولكن ما لا يمكن أن يقرأ بعض المواقع التابعة شكلا أو جوهرا لشرذمة من بعض الأحزاب التي تسعى لحجب الحقائق وتعتيم المعطيات الكاشفة عن ممارسات لا ثقافية ولا سياسية؛ مما تقوم بعملية رفض النشر؟ ولم تكلف نفسها حتى تقديم اعتذار من باب الأخلاقيات الثقافية؟ وتلك عادتهم أيام النشر الصحفي ! لأن تفكير أسيادهم لازال تفكيرا ستا لينيا؛ ولقد غيبوا من أذهانهم أننا نعيش زمن الانفتاح والإبحار المطلق؛ والأنكى في الموضوع؛ بعض ممن يتمسحون في الصنم؛ طلبوا منا المقالات لتوسيع دائرة النشر؛ ولمناقشتها في الفروع ! لكن ما تم ذلك . فهل أرسلوها لجهات معينة؛ أم للمقايضة؟ الأمر مضحك؛ لأن المقالات منشورة في عدة مواقع ثقافية وأدبية؛ مما اضطرننا لاستفسارهم كموقع/ المظلة/ أسفي 24/ تغسالين/جماليا/ أورياآرت/ كيكا/ الشرقية 24/.../ ولكن من مظاهر سلبية الفكر العربي؛ لا يبالي بأخلاقية التراسل؛ ومحاولة الرد على كل ما يتلاقاه انطلاقا من اضطراب الشخصية؛ مما بادرنا كالعادة على رد اللامبالاة كالتالي:

تحية طبية؛

من باب الأصول الثقافية؛ والأخلاق التي انعدمت ومنعدمة في قاموس الكتبة والمواقع المستبصرة؛ وبحكم نزعة الفوبيا والسيكوباتية التي يصاب بها العديد ممن يتوهمون أنهم ( مثقفين)! لم تستطيعون الرد على مراسلتنا؛ ولقد أرسلت المقالات لكم؛ بناء على طلبكم . وتعلمون أنني لست وصوليا ولا انتهازيا؛ ولست خائفا من أي مواجهة أورد؛وبصفتي ومنذ السبعينات وأنا أنشط في مجالي؛ والعديد منكم لا زال تلميذا؛ فمن الطبيعي ان الأصول الثقافية تفرض النفاق التراسلي؛ وحتى هذا لم يتم، لأن عدم الرد في بعده الأعم : ضعف سيكولوجي وفكري (2 )

وعليه فالعديد من الملفات والقضايا والأحداث التي أمست تثار وتخرج من قمم النسيان ومن أرشيف اصحاب الحدث؛ لتكشف عن خفايا وخبايا؛ من الصعب مقاومتها أو تفنيدها؛ ولكن بعض المتوهمين؛ يحاولون محاربة أصحابها؛ بشتى الطرق وهذا الوضع ليس في واقع الأمر سوى ملمح من ملامح الوضع العام للممارسات البائدة والتي كانت السائدة في شتى المجالات وبالتالي: لا يمكن فَصل الإطار بأي حال من الأحوال؛ عن المشهد العام للسياسة الثقافية وطبيعة توجهاتها الداخلية والخارجية والمهام المنوطة بها، وهذا لا يمكن عزله عن السياق السياسي والاجتماعي؛ لأن كل البنيات مترابطة كشبكة محكمة العقدة؛ وإن تبدو لنا متمفصلة ومتباعدة؛ انطلاقا من قصور الرؤية أوصعوبة التحليل السياسي المعقلن.

لقطة مركزة:

إذا ربطنا ما توقفنا عنده [ أن المرحوم الحبابي هو صاحب الفكرة الأساسية، ولكن التقينا حولها واجتمعنا وبدأنا العمل بعدما انضم إلينا بعض الأصدقاء الآخرين..... ولكن كانت فكرة الدكتور الحبابي رحمه الله، هي أن يكون الاتحاد قريبا من السلطة نظرا لضيق اليد ونظرا لرغبته في أن يضمن له مساعدة من الدولة، وهو ما يعني بالنسبة لنا، جعل الاتحاد مؤسسة لا أقول قريبة من السلطة ولكن ليست بعيدة عنها، وهذه من نقط الخلاف التي كانت بينه وبيننا نحن مجموعة من الكتاب الشباب المتحزبين خاصة الاتحاديين والاستقلاليين (3)

مبدئيا نجد كلاما منثورا على عواهنه؛ بحكم أن صاحبه يتوفر على سلطة الكلام؛ والمجايليين له أو من عاشوا الأحداث؛ يلتزمون الصمت، رغم أنهم على قيد الحياة :لماذا؟ لأن الأغلبية أكلت من صحن واحد؛ ومن طباخ ومطبخ واحد؛ فمن الصعب أن ينفلت ما هو متعارف عليه؛ مما تجدهم ميالين للتعتيم وتمويه الحقائق حتى تنقطع عنك بوصلة الرؤيا؛ لكي لا تخترق عمق ما تنبش فيه؛ ولا تكاد كذلك حتى تنخرط في متاهات تجعلك من أهل الإفك والرياء ! وفي هذا الإطار؛ نؤكد بأننا اتصلنا بالشاعر عبد الكريم الطبال وكذا أحمد بنميمون؛ عبر المسنجر لتحقيق التواصل أولا؛ ومناقشة اللحظات التاريخية التي عاشوها وتعايشوا معها؛ فلم يستجيبا ثم انسحبا من فضاء التفاعل والافتراض؛ وفي نفس السياق مع القاص يوسف أو طه من خلال الفايس بوك؛ ولكن ما إن شعر بأنني أقترب من وضعيته التي كان فيها رئيس فرع مراكش لاتحاد صنم الكتبة؛ شطب على الصداقة وانسحب من الفضاء الأزرق؛ وهنالك معطيات كثيرة جدا في هذا الصدد؛ وفي خضم كُل هذا هناك فراغات وهنات وبياضات ومزايدات؛ لازالت سائدة ولم تجد من يقدم الوجه الآخر؛ لردم الفراغات وإيقاف المزايدات؛ وإن كان البعض يشيرويقرر بأن نتجاوز الماضي؛ وذاك البعض كان مساهما في ترك البياضات ! فهل هذا الماضي غارق في الماضوية؛ حتى يُنسى أو نَتَناساهُ؟

وبناء على السؤال فعقد الستينات من القرن الماضي؛ لازال حاضرا بكل تجلياته؛ لأنه هو الفاعل فينا لحد الآن؛ في البنية المجتمعية، رغم التطور التكنولوجي والتواصلي .

وهذا ما يفسر بأن جملة من المعطيات والحقائق مغيبة ومطمورة في دهاليز أصحابها؛ ولا وجود لتوثيق ولا مراكز للتوثيق في المجال الثقافي والإبداعي؛ فلو لأحد الكتبة الجرأة والشجاعة؛ فليصورذاك الركام من الملفات المبعثرة والممزقة والمتلاشيات في قبْو مركز اتحاد صنم الكتبة؟ بكل بساطة لن يستطيع؛ ومن عدم الاستطاعة؛ فلم يستطع صاحب الكلام؛ والولاية الرئاسية في الاتحاد بعد انقلاب على : إدراج الاختلاف حول قانونية المكتب؛ باعتبار أن بعض عناصره توفيت وبعضها غادره؛ وخاصة الأدباء الجزائريين الذين ساهموا في تأسيسه؛ ليأسسوا اتحادهم: كان ذلك ذات 28 أكتوبر 1963 اجتمع فيه كبارالأدب الجزائري بمكتبة النهضة وانتخبوا دون ضجيج غير ضجيج الثقافة وحفيف الأدب العالي، انتخبوا أول مكتب اتحاد الكتاب الجزائريين وقد كان متكونا من مولود معمري رئيسا وجان سيناك أمينا عاما وقدور محمصاجي مساعدا للأمين العام ومراد بوربون وأحمد صفطة والجنيدي خليفة ومفدي زكرياء؛وغيرهم أعضاء.اجتمعوا ليؤسسوا جزائر الأدب والأدباء ولم يكونوا على خط واحد لكنهم كانوا جميعا في صالح دعم حزب المبدعين والإبداع ( 4) ورغم ذلك ظل إطار[ اتحاد كتاب المغرب العربي] كما هٌو؛ ولم يقع جمع استثنائي لترميمه؛ لتصبح له الشرعية؛ بل ظل بثلاثة عناصرأوأربع فقط؛ وهذا يحيلنا على عدم وجود ولََوْ لوَثيقة/ وثائق منشورة حول المكاتب / المكتب التنفيذي؛ ليتبين للأجيال الأسماء التي كانت وحملت مشعل الأدب والثقافة بالمغرب؛ وإن كان: المغرب لم يؤسس قط منظمة ثقافية تجمع تحت أجنحتها مختلف التيارات الثقافية، و لم يتمكن في تاريخه الطويل من دفع كتابه و مفكريه و مثقفيه للعمل جنبا إلى جنب، و وفق متطلبات الروح الجماعية.. صحيح أن المشهد الثقافي المغربي عرف منذ ستينيات القرن الماضي منظمة اسمها " اتحاد كتاب المغرب "، لكنها لم تكن منظمة تنتمي للمجتمع المدني، و لم تكن تمثل سلطة بالمعنى الثقافي، و إنما كانت لونا من العمل السياسي، و إطارا حزبيا للصراع الإيديولوجي، و معارضة - بدون مشروع أو رؤية - للنظام السياسي (5) ففي ظل التقادم والنسيان؛ واختلاط الأوراق والتلاعب بها وممارسة الخنوع والتبعية والانبطاح ليس للسلطة؛ بل لما يسمى القيادات الحزبية ورؤساء الإتحاد لصنم الكتبة مركزيا وفرعيا؛ لم ينتبه الكتبة لهاته الحقيقة؛ ولاسيما أن مسار الفعل السياسي المتداخل بالثقافي؛ والإنتهازي المتفاعل بالمصلحي؛ والمصلحي الراكب على الإصلاحي؛ والإصلاحي راكب على شرعية تاريخه؛ فمن هنا فمنطق الصراع ليس صراعا حول الأفكار والمشاريع؛ بقدرما هو ذاتي ونفسي وأسري حتى بين الأفراد؛ وحينما تختلف الأهداف والغايات بين الأفراد؛ فثمة خلل في شرنقة العلائق الإجتماعية والثقافية؛ لأن الإشكالية الثقافية صرَّح بها العديد من المغاربة؛ بأنه ليست هنالك ثقافة ولا فكر مغربي ! وفي هذا الصدد نسوق مثالين متباعدين من حيث التاريخ والممارسة: ومن عجب أن تعمد الإذاعة الوطنية للأمة ذاتها وعهدنا بالإذاعات الوطنية أن تكون دائما للأمة لا عليها إلى أن تذيع في برامجها شيئا أي شيء من هذا القبيل ... هذا بالنسبة للخارج، فقد حدث، ولا عجب ما دام سيادة مديرها الأستاذ قاسم الزهيري يعتقد في حديثه القيم عن أزمة الأدب في المغرب، المذاع بالعدد الأول من مجال الأديب إن المغرب «بلاد الأعاجيب» . أما كيف حدث هذا فإليكم البيان : في مساء يوم الاثنين 20 أكتوبر 1958 أذاع السيد محمد التازي حديثا عن اتجاهات الأدب العربي بالعدد الثالث من برنامج «مجال الأديب» تطرق فيه إلى الكلام عن الأدب المغربي المعاصر، منكرا أن يوجد بالمغرب أدب، فضلا عن أن توجد اتجاهات لهذا الأدب متسائلا : أين هو الأدب؟ هل منه هذه البحوث التي نمسخ من الكتب مسخا، وتنشر في المغرب على أنها أدب مغربي؟ أمنه هذه المواعظ الدينية ...ووصف جميع أدباء المغرب ب «الناشئين إلخ (6) فهذا المنقول؛ منقول عما ورد عبر الأثير؛ وللإذاعة في ذاك الوقت قوة حضور وحضوه لا توصف، مما استمع له عدد من المستمعين آنذاك؛ وهذا له تأثيره؛ الذي يعطينا المثال الثاني من قلب معمعان الفعل الأدبي والثقافي :: وعلى خلاف المتشددين فى مقاييسهم والقائلين بعدم وجود أدب مغربي حديث؛ فإنني أرى أنه موجود؛ إلا أنه لم يرتق بعد إلى مستوى اللحظة التاريخية التي نعيشها؛ إن أدبنا لم يستطع بعد أن يقيم علاقة مباشرة مع واقعنا الحياتي... وما تزال رؤيا ته وأشكاله محملة بآثار الوساطات المستمدة من أدب وأساليب نبتت في ظروف أخرى واكتملت في مناخ مغاير لمناخنا... ولكن الإشكالية الأساسية هي في بلورة الاتجاه وترسيخ جذوره وجعله مساوقا للحظة التاريخية التي يتشكل جنينها يوما بعد يوم؛ وتتجمع شروطها الموضوعية؛ لتخلف لحظة " الاختلال" وترسم الطريق للجماهير المهضومة الحقوق (7) فالمثالين أولهما أذيع وسمعه العديد من المستمعين وقتئذ؛ والثاني مدون ورقيا واطلعت عليه النخبة القارئة آنذاك؛ ولا رد فعل يفند ذلك؛ باستثناء ما أشرنا إليه في الإحالة؛ وهذا ليس حكم قيمة؛ ولكن هنالك إثباتات منشورة ومدونة؛ وأبعد من كل هاته الحيثيات؛ هناك ازمة قراءة : في المغرب أزمة مستفحلة خانقة؛ لا تتحدث عنها الصحف؛ ولا تفكر فيها الحكومة؛ ولا يتناولها الناس في أحاديثهم وتعليقاتهم العابرة؛ كأنها غير موجودة أصلا، أو كأننا لا نحس بها ولا نقدر خطورتها؛ ولا نهتم بالآثار البعيدة المدى في السوء التي تنتج عنها وتترتب عليها؛ هذه الأزمة؛ هي ما يمكن لنا أن نسميه '' أزمة القراء'' (8) ففي ظل هذا الوضع؛ هل سيكون الإطار إطارا ديناميا؛ فاعلا ومتفاعلا بمجتمعه أم مجرد صنم؟ بالتأكيد؛ صنم يتبرك بمسوحه وبركاته المنخرطين . وهو كذلك؛ لأن لغة الافتراء تجعله صنما؛ ومنطلقات التجاذب المجاني لتحقيق الهيمنة الذاتية؛ تحوله لواهب البركات وصكوك النجاة والوجود الثقافي . بمعنى : حينما يقول صاحب الكلام؛ بأنه صاحب فكرة تأسيس - اتحاد كتاب المغرب العربي- رفقة ع العزيز الحبابي؛ فهنا استحضار الذات وأناه بكل تلقائية . وكُل القرائن تؤكد لا علاقة له بالموضوع : وكما أشرنا بأن فكرة تأسيس اتحاد كتاب المغاربيين؛ تولدت في إحدى مقاهي فاس بين (الحبابي ومعمري) وللعلم فإن المقصود هاهنا بمقهى (النهضة) تعد الأولى التي أنشئت في وسط المدينة الجديدة؛ والتي هي مفتوحة في وجه المعمرين واليهود والمهاجرين من الجزائر وأعيان المدينة؛ ولا حق للعديد من المغاربة الوصول إليها؛ لكن وجدنا نداء قبل هاته الواقعة؛ من جمعية الأديب في مراكش؛ ولم ينتج عنها ردود ايجابية أو استحباب للفكرة؛ ربما لقوة ومرام نداء التأسيس (9) ونضيف بأن الفكرة طرحت في 1935 من لدن الزعيم ع الخالق اطريس؛ ولكن لطبيعة الوضع السياسي بين الشمال والجنوب المغربي؛ الذي أحدثة الاستعمارين [الإسباني/ الفرنسي] أعاق تحقيق ذلك؛ فمن هنا نجد أثناء التأسيس؛ كانت أغلبية المثقفين من الشمال المغربي؛ وبوادر الانطلاقة من - تطوان- كما أشرنا سلفا . ولكن بعد التأسيس؛ تمظهرت طروحات ما كانت في وثائق التحضير للمؤتمر كالاستقلالية عن الحزبية وعن السلطة الحاكمة والسلطة التنفيذية؛ والالتزام بروح الفكر الثقافي ليس إلا !! ولكن أثناء التوصيات دونت جملة من العبارات؛ التي تحسم في أي صراع؛ ورغم ذلك روجت أفكار بأن فكرة الحبابي رحمه الله، هي أن يكون الاتحاد قريبا من السلطة ... بالنسبة لنا قررنا منذ اليوم الأول، أن يكون هناك اتحاد كتاب حر ومستقل، عن السلطة والحكم، ومستقل عن التأييد المادي أو المعنوي لرجال السلطة (10) وهذه من نقط الخلاف التي كانت بينه وبيننا نحن مجموعة من الكتاب الشباب المتحزبين خاصة الاتحاديين والاستقلاليين.

لقطة العمق:

مبدئيا؛ فالحبابي أمسى جزء من السلطة بشكل أو آخر؛ بعدما عين عميدا للكلية؛ وفي نفس الوقت رئيسا للاتحاد؛ ولاسيما أن علاقته بعوالم السياسة كانت ملتبسة؛ بحكم أنه في فترة ما كان محسوبا على حزب الشورى. نظرا أن هذا الحزب يعد طلائعيا من حيث الفكر ومتفتحا في طروحاته؛ وكان يضم نخبة من المتنورين الذين لا يستهان بهم آنذاك؛ فلولا الهجمات الشرسة عليه؛ من لدن حزب الاستقلال؛ لكان له شأن آخر في المشهد الثقافي والسياسي؛ لكن ما تتوفر عليه الخزانة من وثائق حول الصراع؛ وحول توجهاته؛ ما نشره بعض عناصره: في حين يملك المخزن ومن يدور في فلكه؛ من اشخاص ومؤسسات ثقافة موروثة وأثرا مكتوبا، فهو ينتج وثائق رسمية ويدون علاقاته بالرعية؛ من وجهة نظره هو، فيحتكر التوثيق في حين تغيب وجهة نظر العامة في كواليس الذاكرة فيأكلها النسيان والتقادم؛ إذا لم تجد من يهتم بإحيائها (11) ولاسيما أن الوثيقة تعد المصدر الأساس؛ الذي يساعد الباحث والمؤرخ في دعم منجزه ودراسته؛ سواء منها السياسية أو الثقافية؛ وعليها ترتكز الحقائق التي لا تترك مجالا للشك أو المزايدات؛ فمن هاته الزاوية؛ سعينا للنبش والاستقراء؛ من خلال ما تناولته أيدينا؛ تجاه الإتحاد ! لكي نعيد على الأقل ذاكرة من عاش أطوار التأسيس والصراعات التي أنتجتها الظروف السياسية وليست الثقافية؛ لأن مشكلة الصنم تكمن في منطلقاته، والتي تتجلى في تعطيل المعنى الثقافي ودوره الطلائعي بين شرائح المجتمع؛ وذلك نتيجة الصراع .

فهل استطاعت الصراعات؛ بين التقرب من السلطة نظرا لضيق اليد ولرغبته في أن يضمن له مساعدة من الدولة؟ وبين الابتعاد عنها؛ لكي تكون للمثقف سلطته وحضوره؟ أن تحسم التصورين وتتحقق السيولة المالية؛ لكي يسير الاتحاد قدما في أنشطته؟ كلا ! لأن المعارض؛ وهاته اللفظة تحتاج لنقاشات عميقة ومفصلة؛ هل كان - غلاب - فعلا ضد التقرب للسلطة؛ أم مناورة مدفوعة الأجر للهيمنة؛ بناء على الشعار المفعل ضمنيا في دهاليز حزب الاستقلال ومفاده [المغرب لنا؛ ليس لغيرنا] الذي رفعه عرب الأندلس مباشرة بعْد المعاهدة السرية التي أبرموها مع فرنسا والمعروفة اكس ليبان. وفي سنة 1957 طرحها علال الفاسي في خطابه أمام قادة حزب الاستقلال؛ مما كان هناك تصريح ناري من لدن: المحجوبي أحرضان أحد زعماء ومؤسسي الحركة قائلا: « نحن لم نكافح من أجل الاستقلال كي نفقد حريتنا » وذلك في معرض تعليقه على محاولة حزب الاستقلال الانفراد بالساحة السياسية المغربية (12) ومهما كان التأويل أو التحريف للشعار؛ فما هو معروف؛ كان ولازال هناك صراع على السلطة بمختلف مظاهرها؛ وهذا اختيار استراتيجي لحزب الاستقلال كان يهدف من ورائه إقامة الحزب المهين والحزب الوحيد ! مما لم تكن له نزعة ديمقراطية؛ لأنه لم يكن قادرا على استيعاب التعددية، الحزبية والتنظيمية لأن هناك تصريحات ذات ارتباط بخريف العمر؛ تذكي ذلك إما بالترميز أو التصريح [مثلا] وكان الدكتور الحبابي يرى أن الاتحاد يجب أن يضم في صفوفه ممثلي مختلف الحساسيات السياسية، ولكن من دون أن يكون ذيلا لحزب من الأحزاب؛ وفي المؤتمرين الثاني والثالث كان النقاش محتدما حول مفهومي السياسة والتحزب (13) وهاته الأيقونة لكافية عن التعبير. وبالتالي إن كان هنالك صراع حول عدم التعامل أو التقرب للسلطة؛ فالتوصية المتعلقة بالملتمس المالي يشير: قررت اللجنة المالية مشروع ميزانية سنوية للإتحاد لإنشاء مراكز ونواد في مختلف أقطار المغرب العربي؛ وإصدار مجلة؛ وإنشاء مكتبات وغير ذلك من المنجزات الضرورية للإتحاد. ووضعت اللجنة خطة للحصول على اعتمادات هذه الميزانية سواء من الاشتراكات والتبرعات أو المساعدات الحكومية (14) فهاته الأخيرة أليست أعلى سلطة أم هي شبح؟ وإن كان حرف ( أو) يرتبط بالاختيار. فعمليا وبدون سفسطة القول (حرف اضطرار) أي كيف؟: سافر وفد من اتحاد أدباء المغرب العربي مكون من السادة: الدكتور محمد عزيز الحبابي؛ ومولود معمري؛ ومحمد الصباغ ومحمد برادة؛ إلى روما لتمثيل المغرب في مؤتمر أدبي هناك؛ عقد من 14 إلى 21 من أكتوبر؛ حضرته وفود من جميع الأقطار العربية؛ وبعض الأقطار الأوربية؛ وكان موضوع المؤتمر (الثقافة العربية إزاء الحضارة الغربية) (15) وكيف؟: قضى الأستاذ عبد الكريم غلاب عضو اتحاد كتاب المغرب العربي أسبوعا بليبيا كان حافلا بالاتصالات والنشاط الثقافي (سنعطي عنها ملخصا في العدد القادم) (15) هل بمالهم الخاص؟ أستبعد ذلك. أم بميزانية الإتحاد؟ فكم كان عدد المنخرطين آنذاك؟ أم بدعم من الحكومة التي هي أصلا سلطة؟ هذا يحتاج للبحث عن التقرير المالي في ذاك الوقت لكي نقبض على جواب السؤال؛ ولكن ما أراه أساسيا من خلال هذا التصريح أو التوضيح؛ بأنه لاوجود للتقرير المالي أصلا؛ لأن ما تقدم لا يمكن تصديقه؛ وما وراء الصورة يكشف عن أشياء وأشياء؛ تحتاج إلى ترتيب لفهم كيف كانت الحركية جوانية الصنم حينما يقول: المهم أن هذا الاتحاد بوسائله البسيطة وبإمكاناته اللامرئية نشيط دون تدخل الدولة، ولا أحد يمنحه منحة، وكنا طبعا نتطلع إلى بعض المحسنين. وأذكر أني ذهبت أنا وصديقي الدكتور عباس الجراري عند رجل غني مشرف على الموت، وطلبنا منه إعانة للاتحاد، فامتنع بغضب، وخرجنا من عند هذا العجوز الذي ليس له أبناء لكن عنده أموال، غير نادمين، و اعتبرنا ذلك، محاولة لطلب الصدقة لاتحاد كتاب المغرب (16) إذن؛ فهاته الصورة إنها تفند كل الأسئلة؛ وتفرض أسئلة أخرى؛ ألم يكن عباس الجراري بورجوازيا حتى يلتجئ للاستعطاء؟ فإن كان العكس يبقى المجال مشرعا للتقرب للسلطة والتعامل معها؛ لأنها تتشكل من الأحزاب؛ والحزب المهيمن هو الذي كان في السلطة التنفيذية.

 

نجيب طلال

..................

الإحالات

1) رسالة موجهة لبريدي الإلكتروني بتاريخ - 16/09/2015

2) رسائل إلكترونية وجهتها في - 21/ 10/2015

3) ع الكريم غلاب: أتحسر على «كسكس الأربعاء» الشرق الأوسط عدد 9586 في25 فبراير 2005

4) عن اتحاد كتاب الجزائر- الحلقة الرابعة من "الكتاب الأبيض للثقافة في الجزائر ركن أقواس - في جريدة الشروق - بتاريخ 25/ 03/ 2009

5) اتحاد كتاب المغرب أوالمؤسسة الوهمية : ليونس إمغران - طنجة الأدبية بتاريخ 17/ 04/ 2012

6) في النقد الأدبي - مجال الأديب لعبد الواحد بناني مجلة دعوة الحق ص 69 ع3 /س 2 /1958

7) الأدب المغربي واللحظة التاريخية لمحمد برادة مجلة آفاق - ص-7- ع 1/ يناير 1969

8) بيني وبينك - افتتاحية - مجلة دعوة الحق ع 12/ س2 /1958

9) انظرعتمة الرؤيا لصنم الكتبة 02 من هذا المنجز

10) على هامش انعقاد مؤتمر اتحاد المغرب عبد الكريم غلاب ل»الاتحاد الاشتراكي

بتاريخ - 24 / 03 / 2012

11) المخزن في الذاكرة الشعبية بقلم صالح شكاك مجلة وجهة نظر ص 31ع 38 /

2008 س 11

12) الملكية والنخبة السياسية، جون واترابوري ص 218-219 ط1/1982 دار

الوحدة الطباعة بيروت- لبنان

13) اتحاد كتاب المغرب .. السياسة والثقافة - لمحمد العربي المساري للشرق الاوسط / عدد 9586 بتاريخ :25 / فبراير/ 2005

14) انظر مجلة دعوة الحق ص 84 ع 9و10 س4/ يونيو / يوليوز-1961

15) انظر مجلة آفاق - نشاط اتحاد كتاب المغرب العربي - ص142 - عدد4 / 1963

16) على هامش انعقاد مؤتمر اتحاد المغرب عبد الكريم غلاب ل»الاتحاد الاشتراكي

بتاريخ - 24 / 03 / 2012

 

يُعدّ الفقر من أخطر المشاكل الإجتماعية التي تواجه الحكومات في مختلف أنحاء العالم ويمكن اعتباره أفضل معيار لتقييم أداء تلك الحكومات، ولقد أولت المنظمات الأممية أهمية كبرى لدراسة الفقر وأسبابه ووضع السبل العلمية الصحيحة لتقليله وقد وضع علماء الاقتصاد مصطلح (خط الفقر) الذي يمثل أدنى مستوى من الدخل يحتاجه المرء أو الأسرة حتى يكون بالإمكان توفير مستوى معيشة ملائم في بلدٍ ما، وكذلك يعبّر عنه بالعجز عن توفير تكاليف المتطلبات الدنيا الضرورية من حيث المأكل والملبس والرعاية الصحية والمسكن، ووصفوا من يعيش تحت خط الفقر بأنهم يعيشون في حالة فقر مدقع، واهتم البنك الدولي باعتباره أحد المنظمات الأممية العريقة بموضوع خط الفقر وحدد له سقفاً عالمياً في آخر تحديث في عام 2015 وهو (1.99) دولار يومياً في حين كان في عام 1990 هو (1.25) دولاريومياً، وتم اعتبار كل انسان يستحصل مورداً يومياً أقل من هذا السقف يعتبر أنه يعيش في حالة الفقر المدقع.

على الرغم ان هذا السقف تم وضعه عالمياً بعد دراسات علمية مكثفة لكنني أرى انه لايصلح لتطبيقه على دول كثيرة ومنها دول العالم الثالث ومعظم الدول العربية على وجه الخصوص لأن ظروف المواطن فيها وحقوقه تختلف عن المواطن الذي يعيش في الدول الأوروبية مثلاً حيث أن الأخير تتوفر له أمور كثيرة وتعتبر من المسلمات مثل السكن والتأمين الصحي والخدمات العامة وتوفر فرص العمل بشكل كبير بينما المواطن العربي أو المواطن الذي يعيش في دول العالم الثالث يعاني من عدم توفر هذه الأمور الرئيسية للعيش بسبب سوء الأداء الحكومي لهذه الدول، لذا فأن هذا المعيار الدولي لايمكن اعتباره صحيحاً في هذه الدول ولو أخذنا العراق مثلاً واخذنا معدلات الأسعار المرتفعة في مختلف نواحي الحياة مثل السكن وأسعار الخدمات الصحية وأسعار الخدمات العامة كالكهرباء والماء والنقل وغيرها وأسعار المواد الغذائية الرئيسية ناهيك عن النقص الكبير في الخدمات الرئيسية العامة التي تزيد من ثقل المعاناة على الفقير، سنجد بأن هذا السقف الذي تم وضعه من قبل البنك الدولي بعيداً عن الحقيقة بشكل كبير ولو أردنا تطبيقه في العراق لوجدنا بأنه لايوجد مواطن عراقي واحد يعيش تحت خط الفقر، وما أريد قوله بأنه يتوجب على كل حكومة أن تحدد خط فقر خاص بها يتم وضعه بشكل علمي صحيح بعد دراسة أسعار السوق والمتغيرات الرئيسية التي لها مساس مباشر في معيشة المواطن البسيط وبعد ذلك على الوزارات المختصة أن تقوم بجمع البيانات الدقيقة لمعرفة الأعداد الحقيقية من المواطنين الذين يعيشون تحت هذا الخط وتقديمها الى الحكومة لغرض دراستها ووضع الخطط السليمة واتخاذ الإجراءات السريعة لتقليل هذه المعدلات، وفي بلدنا ومع الأسف نتيجة التناحر السياسي بين الكتل المتنازعة على السلطة والتي وضعت في أجنداتها مصالحها الشخصية والحزبية والكتلوية ولم تترك حيزاً في هذه الأجندات للمواطن الفقير ونتيجة غياب التعداد العام للسكان نجد غياب الأرقام الحقيقة لعدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر وما يطلق من تصريحات من هنا وهناك لاتعد أكثر من أرقام تخمينية لا يمكن الاعتماد عليها بشكل دقيق فمنهم من يقول بان النسبة قد تعدّت 30 % ومنهم من يقول انه يوجد أكثر من ستة ملايين مواطن عراقي يعيش تحت خط الفقر ولكن الحقيقة التي نلمسها من الواقع الذي نعيشه ومن المعطيات الواضحة للعيان بأن النسبة تتعدى ذلك بكثير ولانتردد بأن نقول بأنها تصل الى أكثر من 50%، وهذا يجب أن يقلق الحكومة والبرلمان وجميع السياسيين ويحرّك قليلاً من ضمائرهم بأن يتحركوا كلٌ من موقعه وتتضافر جهودهم للعمل على اتخاذ الإجراءات الكفيلة برفع هذا الحيف الكبير عن المواطن والعمل بكل السبل المتاحة لتوفير ولو أدنى مستوى من المعيشة الكريمة للمواطن العراقي الذي عانى الويلات من سوء أداء الحكومات المتعاقبة ولم يجني منهم غير الوعود الكاذبة وهو يعيش تحت أقسى الظروف ويتفرج على خيرات البلد تسرق من قبل الفاسدين بلا حساب ولا عقاب.

 

رائد الهاشمي

باحث وخبير إقتصادي

 

 

في ظل واقع تربوي متحرك وفي مناخات دولية تغلب عليها البولياركية  سياسيا واقتصاديا واجتماعيا تسعى تونس لشق طريقها وسط صراع كبير بين المربين في قطاعي التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي وبين وزير التربية .

وفي كل مرة يفاجئ الوزير الرأي العام بفرض اصلاح جزئي (الزمن المدرسي ونظام التقييمات) أو بسحب كتاب مدرسي وتعويضة باخر(كتب السنة الأولى والثانية) دون اخضاعهما الى المعايير الدولية والاجال والمراحل الواجب اتباعها قبل تعميمه أ, بصياغة لقانون (القانون التوجيهي) ونشره قبل عرضه على البرلمان أو  بمبادرة( شهر المدرسة- شهر المدرسة 2) كل ذلك دون الرجوع الى القيادات الميدانية من رجال التعليم ونسائه ودون موافقة البرلمان على مشروع الإصلاح ككل

اخر هذه المبادرات هي مبادرة جيل "التعلم" والسؤال هو ما حقيقة هذه المبادرة ؟؟ومن اين جيء بهذه التسمية؟؟

ان مبادرة "جيل التعلّم" التي اطلقها جلّول ليست نابعة من فشل المنظومة التربوية بل هي استكمال لمسار دولي التزمت به تونس في اطار مشروع"التعلم للجميع" منذ قمة جومتيين سنة 1990 ليشفع سنة 2000 في قمة دكار بالتزام حديدي من الدول ومنها تونس باستكمال كل التعهدات في ظرف 15 سنة والدخول في ارساء المبادئ الاساسية الاربعة في اعادة تشكيل التعليم وهي:

1-  "التعلم من أجل أن تعرف": لتوفير الأدوات المعرفية اللازمة لفهم العالم وتعقيداته على نحو أفضل، وإرساء أساس ملائم ومناسب للتعلم في المستقبل

2- "التعلم من أجل أن تفعل": لتوفير المهارات التي من شأنها تمكين الأفراد من المشاركة على نحو فعال في الاقتصاد والمجتمع العالميين

3- "التعلم من أجل أن تكون": إتاحة القدرة على التحليل الذاتي وتوفير المهارات الاجتماعية لتمكين الأفراد من تنمية أقصى إمكاناتهم من النواحي النفسية ـ الاجتماعية، والعاطفية والمادية بحيث يصبح كل فرد منهم "إنساناً كاملاً" من جميع الوجوه.

4- "التعلم من أجل العيش المشترك": توجيه الأفراد نحو القيم التي تنطوي عليها حقوق الإنسان، والمبادئ الديمقراطية، والتفاهم والاحترام بين الثقافات، والسلام على جميع مستويات المجتمع والعلاقات الإنسانية، وذلك لتمكين الأفراد والمجتمعات من العيش في سلام ووئام.

و لقد نشر الاستاذ FELIPE CALDERÓN عضواللجنة الدولية لتمويل فرص التعليم العالمي في 21 سبتمبر 2016 مقالا بعنوان "لحلق جيل التعلم"تحدث فيه عن عمل لجنة من"القادة والمفكرين بلا كلل من أجل تقييم حالة التعليم في جميع أنحاء العالم"و انتهى عملهم بنشر تقرير بعنوان"جيل التعلم: الاٍستثمار في التعليم من أجل عالم متغير" تضمن "سلسلة من التوصيات التي من شأنها تمكين البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل من تعزيز جودة التعليم ومضاعفة التسجيلات بالمدارس في غضون جيل واحد"مؤكد على التوصيات الاساسية المرفقة لهذا التقرير

ان المنظومة الحاكمة تخدع الرأي العام التونسي فهي تتلحف بالثورة التي قامت ضد اساليب الحكم والمنوال الاقتصادي والخيارات السياسية في الجانب الاجتماعي وتدعي انها انما جاءت الى تلك المواقع بفضل 17 ديسمبر من ناحية ومن ناحية ثانية تصر على ما تسميه "استمرارية الدولة " وهي لا تقصد من تلك الاستمرارية الا ضمان هيمنة اصحاب المصالح والنفوذ في تونس المتشابكة مع مصلحة "العرف الكبير" في الخارج ومسار ما سمي كذبا اصلاح تربوي انما هو جزء من التزامات الدولة بما جاء في الاتفاقيات المذلة التي حكمت تونس ولا تزال في كل المجالات ومنها المجال التربوي وهذا يؤكده ما جاء ب "التعلم للجميع في الدول العربية :تجديد الالتزام 2000-2010" في اجتماع المؤتمر الاقليمي العربي بالقاهرة في جانفي 2010 حيث اكد في المنطلقات البنذ 31 ص 48 من ضرورة طرح اسئلة حول الدور الممكن لمساهمة الهيئات غير الحكومية وتنويع مصادر التمويل وتعبئة الموارد والمساءلة" وهذا البند ليس الا مدخلا لاسماح للمؤسسات الدولية باستباحة النظم التعليمية خارجيا وبجعل التعليم في ايدي المتنفذين من جمعيات وهيئات وافراد داخليا خاصة وان الدولة تحلت عن كل ادوارها التقليدية

ان ما يفعله ناجي جلول بعد الاسناد السياسي الذي وفره الاتحاد العام التونسي للشغل لمنظوريه في مطالبتهم باقالة ناجي وزير التربية ودعوة أمينه العام للبحث عن بدائل على رأس هذه الوزارة هو محاولة للاستقواء بالمنظمات الدولية التي لها اليد الطولى في السياسات التربوية وما مبادرته "جيل التعلم" الا تطبيق حرفي للمطلوب دوليا

ان ما يفعل بقطاع بالرصيد الاستراتيجي للبلاد ورأس مالها البشري السيالة هو جريمة دولة بامتياز لابد من محاكمة المسؤولين عنها فليس مقبولا تجريد الطفل التونسي من كل اسلحته الذاتية في حماية كيان المجتمع ولا يمكن انكار ان التعليم مثله كمثل المؤسسة العسكرية لا يمكن تدويلها او تركها للتجاذبات السياسية والحسابات الحزبية الضيقة

انقذوا تونس وانقذوا مستقبل تونس

 

محجوب النصيبي - سيدي بوزيد

 

 

 

لقد بلغنا من خلال خطباء المنابر بان السيدة فاطمة الزهراء كانت تبكي أباها الليل والنهار وان شيوخ أهل المدينة قالوا لعلي عليه السلام: يا ابا الحسن ان فاطمة تبكي الليل والنهار وانا نسألك اما ان تبكي ليلا او نهارا وكانت لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء،فاضطر الامام على عليه السلام الى بناء دار لها خارج المدينة لتنقطع فيها للبكاء سماها بيت الاحزان، والخطباء لم يختلقوا هذه القصة وان بالغوا فيها ولكنهم استلهموها من بُطُون الكتب، وفي رواية ان الامام كان يأخذها في الصباح الى مقبرة البقيع لتبقى هناك للبكاء حتى الليل ثم يعيدها الى البيت، وتكون بذلك قد فرطت بواجباتها الاساسية تجاه المنزل والزوج والأولاد والمجتمع ولم تعمل عمل الصابرين المحتسبين الذين قال عنهم الله تعالى ( وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون) على اننا لا نريد هنا ان ننفي البكاء عنها تماما وإنما  نقول بأنها كانت تبكي ولكن ليس في الليل والنهار وبصوت عال يزعج الجيران وهي التي اسرّ اليها النبي عليه الصلاة والسلام بأمر فحزنت  ثم اسرّها ثانية فتبسمت وفرحت حيث علمت بأنها سريعة اللحاق بأبيها وان مصيرها الى روح وريحان وجنة ورضوان فالموت عند الزهراء ليس بمشكلة كبيرة وإنما هو انتقال من حالة الى حالة، من الفناء الى البقاء وفي القران (وللآخرة خير لك من الاولى).

لاشك بان ذلك النوع من البكاء الذي ازعج أهل المدينة هو الجزع المنهي عنه ثم لماذا كانت تبكي؟ وانا لم اجد سوى ثلاثة أسباب ممكنة للبكاء ومن عنده رابع فليأت به مشكورا وأول هذه الأسباب حرمانها من فدك وهو امر لا يستدعي البكاء المستمر عند الناس العاديين فضلا عند اصحاب المقامات الرفيعة مثل السيدة الزهراء وقد قلل الامام على من شأن فدك في كلام له  ومن شاء فليراجع نهج البلاغة، وثاني الأسباب تحول الناس عن علي في شأن الخلافة فأقول بان الحكم الذي لا يساوي عند علي عفطة عنز ولا شسع نعل لا يمكن ان يكون سببا وجيها للبكاء وأما السبب الثالث فهو وفاة الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام وهذا لا شك مصاب جلل وخسارة كبرى ولكن هذا ان صح يخرج السيدة العالمة المعلمة من الصبر والاحتساب الى الجزع والبكاء المتواصل وقد يقول احد بان السبب هو إسقاط المحسن وحادثة الباب وحرق البيت وهي احداث لم تشر اليها السيدة الزهراء في خطبتها المشهورة والخطبة بحد ذاتها فيها هنات بعضها هينات منها انها أنت ونة أبكت من في المسجد.

وأما تصوير السيدة على انها حاقدة على شخص وأنها لا تنسى الاساءة ولا تعفو عند المقدرة وان أدى ذلك الى دخول شخص او أكثر الى النار بسببها فلا تصدق لان هذا مخالف لطبائع رسول الرحمة الذي لم يدع على أحد بالويل والثبور رغم الاذى الشديد الذي تعرض له لا سيما في الطائف وفاطمة امتداد لتلك الرحمة العالمينية ان صح التعبير.

أقول يجب ان نعيد قراءة الزهراء عليها السلام من جديد لا سيما من قبل النساء المواليات ولو إنهن تعلمن منها حسن التبعل فحسب لكفاهن في الدنيا والاخرة لان حسن التبعل هو سر النجاة وسر بناء مجتمع راق سالم سليم و عليهن ان لا يبحثن عن الزهراء في المقابر وإنما في النفوس والقلوب  وهم القائلون بان قبورنا في قلوب محبينا، اذن فالزهراء بالاتباع وليس باستخدام اسمها الشريف لأثارة النعرات وبث الفرقة، أقول يجب قراءتها من جانب حقيقي  وموضوعي وليس العاطفي المأساوي الموروث وقد كنّا لزمن طويل نبكي بحرقة ونحزن بشدة عندما نسمع بأنها عليها السلام كانت تبكي الليل والنهار بصوت عال حتى اشتكى الجيران وقالوا اما ليل او نهار وهذا يعني بان الصوت كان عاليا جدا وهو خلاف الآداب النبوية ونساء أهل البيت لم يُسمع لهن صوتا ولم يُر لهن شخصا كما وصف احدهم السيدة زينب ابنة الزهراء، وهي عندما تحتجب عن الرجال تحتجب عنهم جسدا وصوتا ايضا.

ان القراءة الواعية التي أعنيها يجب ان تُخرج الزهراء بمقدار ١٨٠درجة من دائرة فدك، تخرجها الى الزوجة والام والابنة التي تعرف واجباتها جيدا، وانا ارى انها داعية كبيرة وقوية للوحدة الاسلامية في حين يستخدم البعض هذا الاسم الشريف المبارك لبث الخلافات، وأما الجانب المأساوي فيجب ان يُراعى فيه الشروط الموضوعية من صحة الروايات وتطابقها مع العقل والفائدة المرجوة من إبراز تلك الأحداث والنتائج المترتبة على إظهارها وفاطمة ليست فدكا فقط ولا يجوز لنا ان نظلمها ونجعلها اسيرة بوتقة ضيقة ونحصرها في مجالس مستمرة للطم والنياحة والبكاء، ولعل هذا المقال البسيط المبسط يكون دعوة للعقل بالتفكر وإعطاء الحجم الصحيح للأحداث التاريخية كلها وارى من المناسب هنا مناقشة متن احدى الروايات التي اشتهرت بين عوام الشيعة وخواصهم ظنا منهم بأنها من مناقب فاطمة ومن فضائلها  وهي تخفي  في طياتها ذما لمن احبها فضلا عن الرائحة الطائفية التي توحي بان اعداءها في النار والرواية وردت بعدة صيغ ولكن بمعنى واحد  أهمها ان الله سماها فاطمة لأنه فطمها ومحبيها من النار ومن رواة هذا الخبر الاربلي والخطيب البغدادي وابن حجر الهيثمي والديلمي عن ابي هُريرة،وهذا يجرنا الى القول بان الانتقائية في التعامل مع الرواة لا تصح حتى لا نُتهم بالتدليس ونحن قد دعونا في مقال لنا باسم حسبنا المتن دون السند الى التفكر بالمتن اولا اذ قد تنتفي الحاجة للخوض في متاهات السند من الوهلة الاولى اذا تبين بان المتن مهزوز، وبالنسبة لهذه الرواية أقول اولا بان اسم فاطمة لم يكن اسما جديدا وإنما كانت تطلق على فواطم أخريات سبقنها الى حمل هذا الاسم  اشهرهن السيدة الجليلة فاطمة بنت أسد والدة الامام علي بن ابي طالب  وهذا الاسم ليس كما اخبر الله تعالى في القران  بشأن يحيى بن زكريا: انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا.

ثم ان الفطام في اللغة كما في قول البوصيري رحمه الله

والنفس كالطفل ان تهمله شب على   حب الرضاع وان تفطمه ينفطم

فالفطام يسبقه رضاع وهو الفصال اي قطع الولد عن الرضاع اي تغيير من حالة الى حالة اخرى ويقال افطمت فلانا عن عادته واصل الفطام القطع ومصدره فطم فهل تريد الرواية ان تقول  بان الشيعة كلهم يذهبون الى النار ثم يفطمهم الله وان كان الله فطمها من النار فهي مفطومة والفاطم هو الله  وأي نار دخلتها السيدة لتفطم عنها، وهكذا يمكن القياس على الكثير من الروايات المتداولة التي يراد منها الغلو لا غير وهناك روايات اخرى تقطر صدقا وعدلا  وهي الاخرى مختلفة في التعبير  موحدة في المعنى منها ان فاطمة هي سيدة نساء أهل الجنة وأنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء المؤمنين وسيدة نساء هذه الأمة  وكل هذه العبارات تعضد بعضها بعضا، وهذه الروايات عليها اتفاق بين الفريقين وما عليه الاتفاق أفضل مما كان فيه خلاف او شك او ريبة ويكفيها فخرا وعزا وشرفا انها بنت اشرف البشر ويكفيها من أقوال الشعراء ما قاله فيها الشيخ الوائلي رحمه الله

كيف يدنو الى حشائش الداء       بقلبي الصديقة الزهراء

من ابوها وبعلها وبنوها              صفوة ما لمثلهم قرناء

افق ينتمي الى افق الله.               وناهيك ذلك الانتماء

وامام سيل الإضافات التي لا مبرر لها انا أقدر ما ورثناه طوال أعمارنا ولكن هذا لا يمنع من اعادة النظر وإعمال العقل في التعامل مع الشخصيات الاسلامية بعيدا عن الاهواء والمغالاة.

 

حسين أبو سعود

 

 

كثيرا ماتدور في اذهاننا أسئلة محيّرة عما يفعله المتطرفون المتأسلمون من أهوال القتل نحرا وتنكيلا وتشريدا وتخريبا شاملا ونقول؛ ماذا تبتغي هذه الزمرة وهم يرِدون إلينا زرافات ووحدانا ، أعرابا وأغرابا من كل حدب وصوب لينضموا الى منظمات متمرسة بأنواع العنف والقتل البشع لامثيل له ولا عهد لنا به من قبل؛ أقوام وكائنات بشكل بشريّ ومضمون يفوق الحيوانات وحشيةً لاتعرف سوى الدم لوناً والقتل وسيلة من وسائل الصراع وتمارس أعتى أنواع الإرهاب بحجة الجهاد والقتال في سبيل الله الغفور الرحيم الرؤوف اللطيف وفق مقاسات أسمائه الحسنى .

الأمر المحيّر الذي يراود الكثير من الناس فيتساءلون باندهاش عجيب؛ هل ان خيار الذهاب من قبل هؤلاء الى الموت خيار شخصي ام ان هناك جهات في الظلّ تعمل على لمّ هذه الشتات المبعثرة في معظم بقاع العالم لجمعها وزجّها في أتون حروب قلما يخرج منها احد سالما ، وكيف يتمّ اقناعهم لزجّ انفسهم بموت يكاد يكون محتّما؟ !

وما الدافع الذي يدفعهم الى حبّ الموت الى حدّ عدم التصديق أحيانا في التعلق باوهام وخرافات اللقاء بالحور العين او مدّ سُفرة الطعام مع الرسول الكريم وتناول الغداء او العشاء معه ومشاركته المائدة وضمان نيل الفردوس .

أيعقل ان يكون الانسان ساذجا مغيب العقل والإرادة  مطيعا طاعة عمياء ذليلا الى شيوخ أسافل وأمراء حروب بلغت بهم الساديّة مبلغا لايصدق ويكونون مثل عجينة رخوة يشكلون هذا الانسان وفق مايشتهون الى هذا الحد؟

هناك من الحيوانات الداجنة كثيرا ما تعصي أمر سيدها ولاتنفذ رغبته فيما لو اقتربت من اماكن الخطر مثل الوقوع في الهوى السحيقة او تجنب لهيب النار او اية مخاطر اخرى وتسعى الى تلافيها والابتعاد عنها حتى لو أرغمها مالكها الانسان وتحاول غريزيا ان تحمي نفسها من الهلاك او تحاشي اماكن الخطر خوف الموت والأذى .

لو افترضنا -- وقد يكون افتراضنا واقعا صحيحا وأمرا واضح اليقين--  بان تلك الجماعات الارهابية ذات ميول عبثية نهلستية وحياتهم بلا معنى ولا هدف ولا يهمهم المستقبل لبناء مجتمع إسلامي بدليل ان اكثرهم غير مؤمنين أصلا ولم يكونوا قبلا مسلمين أتقياء بدليل انحدار عوائلهم من شرائح مهمشة ولم يكن آباؤهم او المقربون منهم من دعاة الاسلام ورجاله المعروفين ولم يلتزموا بتعاليم الدين في أصوله وفروعه بالشكل الشرائعي الصحيح وليست لديهم او لدى كبار رجالهم وأسرهم اية جذور جهادية قبلا الاّ بما ينتقونه الان ومن زمن قريب من آيات الجهاد والسيف والقتل التي لقّنها لهم منظروهم مشايخ وأمراء الفتن اذ لاعهد لهم ولا عوائلهم بالجهاد من قبل فما الذي قلبَ حياتهم بهذه الصورة المرعبة . فما عدا مما بدا ؟ وهل كنّا سابقا مؤمنين وحاليا صرنا كافرين نستحق كل هذا الموت والعسف والعداوة؟

احيانا اهجس ان هؤلاء لم يعد لهم مكان بهذه الدنيا وما عليهم سوى الفرار منها نحو الانتحار وتلقّي الموت برحابة صدر للتكفير عن ذنوبهم السابقة وخطيئاتهم التي ارتكبوها في مراحل حياتهم  وقناعتهم التي تلبّست في عقولهم بان الجنة سوف تستقبلهم وستكون نسوة الجنة برفقتهم وخدمتهم في الفراش وغير الفراش وتحوطهم الوصيفات والولدان المخلدون .

إذاً هم ليسوا فاقدي الامل ويوقنون ان الجنة قاب قوسين او ادنى منهم وهذا هو مستقبلهم؛ اما الحديث عن تكوين نظام اسلامي واقتصاد اسلامي مانع للربا والفائدة واعادة الاطار السياسي للخلافة وفيما يتعلق بهيكل الدولة الاسلامية وبنائها فهذا ضرب من التخيّل لااعتقد بوجوده في مخيلة تلك الشخوص الغريبة التي نذرت نفسها كمشاريع للموت ، فالانتحاري يهمه ان يستقر في الجنة ويمارس الجنس مع معشوقته الحوراء ويعيش البذخ ويأمر وينهى مثل سلطان ويشير بإصبعه الى الولدان المخلدين كي يضعوا خمور الفردوس وملذاتها ومزّاتها امامه ويبقون طوع أمره كلما نادى عليهم .

اما الحديث عن الدين باعتباره المسبب الرئيسي لنوازع الارهاب ومظاهره التي باتت تقلق العالم كله فهذا ضرب من السطحية ووصم الاسلام بالإرهاب خطأ ومغالطة بل بالعكس ان الاسلام قد وقع ضحية لنوازع شريرة وتم تشويهه كليا من قبل مدّعي الدين من الماكرين ومؤججي الكراهية والعنف والمتاجرين به لينسفوا اتباعهم الجهلة المخدوعين مثلما ينسفون الاسلام نفسه وتمزيق المسلمين اوتشويه صورته امام العالم كله .

ومتى كان ديننا غائبا عنا؟؟؛ ألم نكن في ظلاله وتحت خيمته في العقود الاربعة او الخمسة الماضية حيث كان الناس في سلام ووئام يتعايشون معا بمذاهب شتى ويمارسون طقوسهم بل وحتى يتشاركون سوية في ممارساتهم الدينية وان اختلفوا في الفروع لكنهم وحدة واحدة في الاصول .

ليس هذا فحسب بل كانت كل الاديان الابراهيمية في ارضنا تتعايش معا في سلام ووئام ومحبة ليس في بلادنا العربية والاسلامية إنما في كل بقاع العالم ، اذ كانت احياؤنا تضم المسلم والمسيحي وحتى اليهودي والصابئي وكلهم أحباب وجوار حسن وتكاتف وعون لأحدهما الاخر فما الذي جرى ليتفككوا ويعادي احدهما الاخر وتنتشر المعاداة والكراهة بهذا الشكل المقرف الذي نلحظه الان ؟؟

اؤكد ان اصبع الاتهام يوجّه الى من تزيّى ازياء الدين ولبس الجبّة والعمامة من الشياطين البشرية وأطال مكنسة لحيته وتنكّر بلباس الدعاة ليعيث فسادا ومكرا ويمزق نسيج التآخي صارخا ناعقا في منابر الجمعة والمناسبات الدينية بانْ " لا اسلام بلا حكم اسلامي " واعادة الخلافة واخضاع الناس لنظام الدولة الاسلامية؛ وتبدو هذه الدعوات والصيحات للملأ الاكبر ظاهرا انها دعوة لاحياء الاسلام لكنها باطنا هدفٌ لتمزيق الاسلام والمسلمين وخلق الثغرات بين ابناء الامة الاسلامية الواحدة وتغذية الكراهية والعداء بين المسلمين انفسهم.

لقد دخلوا من هذه الباب ليسرقوا أواصر لحمتنا ويأخذوا منا السلام والسكينة والهدأة التي كنا نستظل بها؛ هؤلاء ناخرو الدين ، وللاسف فقد نجحوا مثلما نجح الساسة الطامعون اللصوص والفاسدون والفاشلون الحمقى في بعثرة حياتنا وتمزيقها بحيث تهلهل مجتمعنا وتفكك وبات من الصعب اعادة لحمته؛ فما زالت تتكاثر أمصال التشدد الديني التي يزرقها الدعاة في عقول الشبيبة الاسلامية المهملة العاطلة عن العمل والامل معا ، اذ لاتوجد بوادر ناجعة في زجّ الشباب والاهتمام بهم ورعايتهم وإشغالهم بما هو نافع لمجتمعاتهم ولانفسهم حتى نسينا اناشيدنا الاولى القائلة بان الشباب لهم الغد والمجد الموحّد وكنّا مغفلين حقا حينما عوّلنا عليهم بانهم سيعطفون بمجتمعاتهم نحو النجاح والرقيّ والعقلانية والتنوير واذا بهم يتسلحون بعقائد فاسدة وقاتلة ويفجرون انفسهم على اهليهم بلا اية حالة من الانفعال وصحوة الضمير والاحساس بالذنب ويعيثون خرابا وهدماً بحواضرهم ومدنهم العريقة؛ ولتنظروا بملء اعينكم ماذا اصاب مدن العراق والشام حتى غدت أكواما من الأنقاض والخرائب التي هربت منها حتى الكلاب والقطط السائبة والحيوانات الشاردة .

ليس الخراب في العمران وحده الذي حلّ في ارضنا بل ان خراب العقول والنفوس يبقى الاسوأ والاكثر بشاعة .. حين كنا فتيانا وشبابا كان غطاؤنا وسترنا وحصننا اسلام مختلف جدا عما نراه اليوم ، ايمان مشبع بالمحبة بعيدا عن الطوائف والتفصيلات العقائدية المذهبية ولم نكن نعرف التطرّف والاسلمة والتحزب الديني التي ولّدت فينا الكراهية والنفور مع المختلف ، ربما كانت الفطرة السليمة طابعنا الذي جعلنا نمتلك هذه السعة من الايمان رغم اننا كنا قليلي المعرفة في الاختلافات العقائدية والرؤى المذهبية وخصوماتها فيما يتعلق بالفروع والاصول ومايتعلق بأساس الحكم الاسلامي بشأن الخلافة والامامة وهو المشكل الخطير بين مايسمون الشيعة والسنة .

فما حاجتنا الى هذا الاختلاف امام النظم السياسية الحديثة القائمة الان لصناعة مجتمع مدني متقدم اساسه السواسية والحرية في اعتناق المرء ما يشاء وترسيخ الديمقراطية وحكم الشعوب الذي يقرره الصندوق الانتخابي؟ .

ولو سلّمنا باعتراف الشيعة بالخلافة واعتراف السنة بالإمامة وهذا هو أساس الاختلاف بينهما ، فهل هذان النموذجان العتيقان في ادارة الحكم هما الاسلم لنا ونحن نعيش في عالم يرتقي بشعوبه ويتبنى انظمة حكم ديمقراطية حديثة ويولي الشعوب الخيار في ان تحكم نفسها بنفسها بعيدا عن قداسة النصوص القديمة المتهرئة وخزعبلات فقهاء الامس وفتاوى مضحكة لاتنسجم ابدا مع ظرفنا الحالي؟؟

لنعترف وبكامل قناعاتنا ونقولها بملء أفواهنا ان الاسلام المؤسس على السياسة او مايطلق عليه التأسلم الطاغي الان هو سبب ومصدر اساسي للتخريب والتدمير والارباك الذي نعيشه اليوم وهناك زمر من الدعاة الماكرين والنافخين على الجمر لقيادة الاسلام وفق اهوائهم وتحريف مساره باتجاه العنف وبث الفوضى والحقد والعداوة بين المسلمين انفسهم ويتشدقون بكلمة ان لااسلام بلا حكومة اسلامية كما يبدو ظاهرها البريق لكن باطنها الحريق يقودهم مشعلو الفتن وتشتيت المسلمين واشاعة الفوضى من قبل المتآمرين على الاسلام ومشوهي مبادئه في تحقيق السواسية بين الناس وحرية العقيدة والجنوح نحو السلم كي يدمروا الاسلام من قبل من يدّعون انهم رعاته من المعممين والزاعقين في الجوامع وفي الفضائيات مدفوعي الاجر لاجل زعزعة الاسلام وهدمه من الاساس

هؤلاء هم منافقو الدين ومحرّفوه لمصالحهم الشخصية الذي قال عنهم أحد حكمائنا " اني  لااخاف مؤمنا ولا مشركا فالمؤمن يمنعه ايمانه من العبث بدينه والمشرك يمنعه شركهُ؛ انما الخوف من منافق الجنان وعالم اللسان فهذا يقول ماتعرفون وتقولون ، ولكنه يفعل ما تنكرون".

فالذنب لايقع على الدين – أي دينٍ – وكل المآسي والكوارث تجيء ممن يسخّر الدين لأهوائه وأهواء أسياده ممن يحرّكونه لأصدار فتوى تفعل فعلها لتمزيق العقول وترفع الايدي للتنازع والخصام وتجنيد الغوغاء والدهماء والرعاع من مغيبي الاذهان والمهملين والمهمشين وزجهم في معمعان الوغى وتصوير الجنة بانها الملاذ الارحب لهم لتحقيق مايصبون اليه خاصة انهم لم ينالوا من متع الحياة حتى أبخسها وأقلّها متعة .

وفي ظني ان اول ضربة للإطاحة بظاهرة التأسلم هي جذّ رؤوس دعاة الارهاب ومصدري الفتاوى الملغمة وقطع ألسنة ذوي التصريحات العدوانية واستئصالهم من المساجد وسنّ القوانين لمحاسبة وعقاب ايّ شخص مهما كانت منزلته الدينية وحظوته، فلنبدأ اولا من الرؤوس ولنا في بقية المعالجات الاخرى حديث اخر .

 

جواد غلوم

ان لكل شعب عاداته وتقاليده ونظام عمل خاص به.فما هو ياترى النظام الدي يتميز به الامازيغ عن غيرهم من الشعوب الاخرى..وماهو العرف وماهي تيويزي او تاويزا او التويزة الى غير دلك من المصطلحات...فهل هدا النظام فردي ام جماعي..

العُرف هو مجموعة من المعايير أو المفاهيم أو المعايير الاجتماعية أو المقاييس المتفق عليها أو المنصوص عليها أو المقبولة بشكل عام، والتي كثيرًا ما تأتي في صورة عادة.

وقد تتحول أنواع معينة من القواعد أو العادات إلى قانون، وربما يتم إدخال تشريع تنظيمي لصياغة أو إنفاذ العُرف (على سبيل المثال، القوانين التي تحدد جانب الطريق الذي ينبغي أن تسير فيه المركبات). وفي البيئة الاجتماعية، ربما يحتفظ العُرف بطابع "القانون غير المكتوب" من العادات (مثلاً، الطريقة التي يرحب بها الناس ببعضهم البعض، كالمصافحة بالأيدي. لعُرف هو الاختيار من بين بديلين أو أكثر، حيث تكون القاعدة أو البديل محل اتفاق بين المشاركين. وغالبًا ما تشير الكلمة إلى عادات غير مكتوبة يتشاركها أفراد المجتمع. على سبيل المثال، من العُرف في العديد من المجتمعات أن يتصافح الغرباء الذين يتم تعريفهم ببعض. وهناك بعض الأعراف المشرعة صراحةً، مثل أنه من العُرف في الولايات المتحدة وفي ألمانيا أن يلتزم السائقون بالسير في الجانب الأيمن من الطريق، بينما يسيرون في إنجلترا وأستراليا وموريشيوس وباربادوس في الجانب الأيسر. ويعد تحديد الوقت النمطي عُرفًا بشريًا يستند إلى الدورة الشمسية أو التقويم. وإلى أي مدى تعتبر العدالة عرفًا (على عكس الطبيعي أو الموضوعي)، فهذا مثار جدل مهم تاريخيًا بين الفلاسفة.

  وقد أثارت طبيعة الأعراف مناقشات فلسفية مستمرة. وقد نشر كواين وديفيدسون وديفيد لويس مؤلفات مؤثرة عن هذا الموضوع. وتعرض تفسير لويس للعُرف لانتقادات واسعة في كتاب مارجريت جيلبرت بعنوان عن الحقائق الاجتماعية (On Social Facts) (1989)، حيث قدمت تفسيرًا بديلاً. وقدمت روث ميليكان وجهة نظر أخرى عن العُرف في كتاب اللغة: النموذج البيولوجي (Language: A Biological Model) (2005)، وهو تفسير آخر معاكس لتفسير لويس.

وصف بوذا الأعراف - سواء اللغوية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية أو الأدبية أو حتى الدينية - على أنها تنشأ معتمدة في ظروف محددة. ووفقًا لمثاله، فعندما يتم التعامل مع الأعراف على أنها حقائق خالصة، فإنها تشارك في الوثوقية التي تؤدي بدورها إلى الخلاف. وهذا لا يعني بالضرورة تجاهل الأعراف تمامًا على أنها غير حقيقية، وبالتالي غير نافعة. وبدلاً من ذلك، ووفقًا للفكر البوذي، فإن الإنسان الحكيم يتبنى طريقة وسطًا دون التمسك بالأعراف على أنها مطلقة أو تجاهلها عندما تكون مثمرة.[1]

تويزي او التويزة فعل تضامني حضاري من الموروث الشعبي الأصيل الامازيغي بإمتياز .هي عادة من عادات الزمن الجميل.. ما زالت سائدة في عدة مناطق من المغرب العميق و خاصة لدى القبائل الأمازيغية و تسمى عادة التويزة كفعل تضامني حضاري أصيل و متأصل بدرجات متفاوتة ما بين مناطق والتويزة..مصطلح أمازيغي . وتعني كل صور التعاون والتكافل والتضامن..الذي يهدف إلى انجاز عمل اجتماعي

معين.. من أجل مصلحة فرد ما أو مصلحة جماعة.. ينخرط فيه الشخص الذي يرغب في المساعدة المادية أو المعنوية أوالعضلية .. بكل تلقائية ودون مقابل ..وهو مجال مفتوح لكل الفئات..نساء أورجالا ..صغارا أو كبارا ويحمل العمل التعاوني بنظام «التويزة» دلالات اجتماعية عميقة ويحقق أهدافا كثيرة، حيث إن هذه اللقاءات والاجتماعات العائلية تساعد على رأب الصدع وحل المشاكل وتقوي ترابط العائلات من خلال إتاحتها الفرصة للشباب للتعارف والزواج. كما إنها تحقق نوعا من الاكتفاء الذاتي للقرويين من خلال استغلال سواعدهم وطاقاتهم في العمل بجد وتطوير مزروعاتهم، والرفع من إنتاجية حقولهم بفضل تبادل الخبرات والآلات الفلاحية بين المزارعين. ..وتشمل عادة التويزة المشتقة من مطلح وز الأمازيغي و الذي يعني العون مقرونا الى التاء حرف التعريف في نفس اللهجة مناسبات معينة ..وقت الأفراح أو الأتراح ومن بين هذه الأعمال: جني الزيتون ..عملية الحصاد .. بناء بيت أو بناء مسجد ..أوأ عمال النسيج «الزربية «.. وغسل الصوف.. و تحضير ذخيرة وجبات الكسكس التقليدي المفتول باليد « العولة «.. أوالتحضير لبعض حلويات الأعراس و المواسم ... الخ» ..و يدعو صاحب الحاجة الأهل والأقارب والجيران والأحباب لمعاونته في عملية تضامنية.. يحدد موعدها من قبل..ويتم الاتفاق على كيفية أداء هذا العمل وعملية تبادل الأدوار فيه والوسائل اللازمة.

ففي موسم الحصاد مثلا.. تكون التويزة حاضرة بكل معانيها.. بحيث نجد الحقل يعج بالرجال والنساء والأطفال من مختلف الأعمار.. تم استدعاءهم وتجنيدهم من أجل المشاركة في هذه الحركة التضامنية التطوعية.. كلهم جاءوا لتقديم يد العون..كل حسب قدرته وخبرته.. وحسب ما يتمتع به من قوة .. بعضهم يستعمل المنجل لحصد السنابل والبعض الآخر يكون في الوراء يجمع ويربط الحزم .. والبعض الآخر ينقلها إلى الأماكن المخصصة لها ..كل هذا في جو من الفرح والغبطة والسرور..تؤثت فضائه ترنيمات وأغاني واهازيج مناسبة تحث على العمل والنشاط وتدعو للتضامن وتذكر نعمة الحمد والشكر لله ..

النساء أيضا تجمعهن هذه العادة الحميدة «التويزة» في أعمال شتى.. ففي عملية غسل الصوف مثلا تتفق النساء على يوم محدد .. على أن يكون في الصباح الباكر ..يجتمعن فيه.. بعد أن يتم تحضير جميع الوسائل من قصاع وصابون و في مكان يتوفر فيه الماء بكثرة .. يشرعن في العمل مباشرة في غسل الصوف الواحدة تلو الأخرى..يغسل أولا جيدا بالماء ليضاف إليه الصابون في الأخير..مع الغناء التراثي الأصيل و عند الضحي تحضر صاحبة البيت وجبة أعدتها خصيصا للمتطوعات خصيصا للفطور في فترة الراحة ثم يرجعن بعدها للعمل ..وقبل العصر يتم إحضار وليمة كبيرة من وجبة الكسكس باللحم كفترة ثانية للراحة ليعدن للعمل بكل قوة إلى أن ينتهي النهار ..و يستمر العمل للغد .. حيث يتم تقطير ونشر ما غسل في اليوم الأول وهكذا دواليك حتى تنتهي عملية غسل الصوف دون كلل أو ملل.

وأصل العمل الجماعي التضامني الذي يسمى ((التويزة)) هو التعاون والتكافل بين سكان الريف لجني المحصول الزراعي، مثل حصاد الحبوب وجني ثمارالزيتون... حيث يقوم الجميع بالعمل في أرض أحدهم، فإذا فرغوا منها ينتقلون جميعا إلى أرض أخرى... حتى تنتهي الأشغال كلها...

وهكذا ، وهذا النشاط الشعبي ظهر في القديم بسبب الحاجة، وهي عدم توفر الآلات واعتماد الناس على جهدهم العضلي فقط حيث يتم اقتسام الأعباء بينهم من جهة، واختصار زمن العمل من جهة أخرى..و ما زال العمل في التويزة مجانيا وبلا مقابل، تسبقه نية خالصة لوجه الله الكريم، إمتثالا للمثل الشائع الذي يقول يقول (الناس بالناس.. والناس بربي).وعلى هامش هذا الجهد الجماعي الرجالي، هناك تويزة من نوع آخر في جناح الحريم، حيث تشترك نسوة الفلاحين في بيت إحداهن على تحضير وليمة شهية، تتكون عادة من الكسكسي بلحم العجل أو الخروف، وبعد فراغ الرجال من العمل يتوجهون جميعا للأكل من هذا الطعام، الذي يوضع في صحون ضخمة يتحلق حولها المدعوون، فيأكلون ويتحادثون ويستمتعون بلذة المشاركة في كلّ شيء...ومع مرور الوقت أصبحت التويزة مظهرا اجتماعيا راسخا بين السكان، ومسّت نشاطات أخرى لا تقل أهمية عن أعمال الفلاحة، مثلا بناء منزل أو مسجد، إقامة الأعراس وحفلات الختان، حياكة الزرابي... مساعدة الفقراء وكفالة الأيتام... وتكون حاضرة أيضا أثناء حدوث المصائب والكوارث الطبيعية، وفي المآتم، وشهر الصيام ومواسم الأعياد والمناسبات الدينية...

وأهمّ مظهر للتويزة في الأعياد هي «الوزيعة «، وتسمى أيضا في بعض المناطق «السّهمة « وتعني المساهمة في شراء الذبائح، كلٌّ بما يستطيع،لكن عند توزيع اللّحم يكون ذلك بالعدل بين الجميع... وبذلك تطيب نفوس الفقراء والأغنياء على حدّ السواء...وللتويزة فوائد لا تعدّ ولا تُحصى ، فهي: مبدأ من مبادئ ديننا الحنيف وبالتالي تُعتبر بابا للحصول على الأجر والبركة. والثواب كما أنها توحّد الشعور بين أفراد المجتمع، وتقوي صلة الناس ببعضهم و تقضي على مظاهر العوز والحاجة والخصاص عند الفقراء وتدخل السرور في قلوب جميع الناس.فضلا على أنها تساعد على مجابهة وتخطّي المحن والبلايا وتربي الفرد على خدمة الجماعة والتضحية من أجلها وتدفع الجماعة بدورها لتحمّل مسؤوليتها تجاه الفرد.

وأبرز تجلي لعملية التويزة بالمناطق العميقة بالمملكة رغم أن ساكنة الحواضر و المدن الكبرى لم تعد تعير لهذا الموروث الشعبي عناية تذكر يمكن إستحضارواقعة محاصرة الثلوج لدواوير بكاملها بمرتفعات الأطلس شتاء السنتين الأخيرتين حيث تدخّل المتطوعون عن طريق عمل تويزة لإزاحة الثلوج وفك الحصار عن السكان ونقل المرضى وإسعاف المصابين

“لذا فإن أي مجتمع إنساني لا يخلو من مثل هذه القواعد والضوابط التي تعارف عليها أفراده في علاقاتهم وعاداتهم، وما شابهها من معاملات و أعراف وقوانين لضبط سلوكا تهم الاجتماعية وتنظيم حياتهم ومستوى عيشهم”.[13]من هنا نستشف أن نشؤ العرف رهبن بنشوء المجتمع الذي يسعى إلى المحافظة على استقرار واستمرارية الحياة المجتمعية انطلاقا من تصورات عدة. يرى البعض أن منها ما يرتبط بالشرع وبضعهم بمراعاة شروط الاجتماع “العقلنة” فيما يوفق البعض الأخر بينها.

 

الحسن اعبا

..................

المراجع

[1] الخياط عبد العزيز :” نظرية العرف “مكتبة الأقصى –عمان الأردن 1977 ص 24

[2] احدى محمد: “الاعراف المحلية بالجنوب المغربي ” مجلة – المغرب الافريقي” تصدرها جامعة محمد الخامس – السويسي – الرباط –عدد 20034 ص179

[3] عمر بن عبد الكريم الجيدي: ” العرف والعمل في المذهب المالكي”- مطبعة فضالة- المحمدية 1982 ص 31

[4] نفس المرجع ص 34

[5] أعزي الحسين : “أمود” دورية ثقافية من منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي 1990 عدد 1 ص22

[6] الصافي مومن علي نفس المرجع ص 35

[7] شفيق محمد: “لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الامازيغ “-مجلة “نيفاوت” 1993-عدد 1 ص 54

[8] ادبلقاسم حسن:” الترجمة الامازيغية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان-“منشورات الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية بالرباط

[9] -Bruno, bulletin économique et social du Maroc le droit et le fait dans la société composite

[10] عند أغلبية باحثين أجانب مثل J. Berques. H. lafond – D. J. Munie

[11] G.surdon : »esquisse du droit coutmoir » paris p 41

[12] – قسطاني بن محمد ” التنظيم العرفي للعلاقات الاجتماعية “تعقديدين” واحة “غريس” نموذجا -“القانون والمجتمع بالمغرب ” سلسلة الندوات والمناظرات- رقم 7- منشورات المعهد الملكي للثقافة الامازيغية-مطبعة المعارف الجديدة- الرباط – 2005 ص 168

[13] – إبراهيم رحالي: ” إشكالية العرف والشرع بالجنوب المغربي (قبيلة ايت اومربط نمودجا )- بحث لنيل الإجازة في التاريخ- كلية الآداب بأكادير-2003-2004 ص 6

 

المفاهيم والتوجهات، تُشابه الى حد كبير، موضوع المتراجحات، ذلك الموضوع الذي يرتبط إرتباط وثيق، بالقيمة المطلقة، وفق مانصت عليه مبادئ الرياضيات.

الغاية منه حل المعادلة، وتفادي الإشارة السالبة، لإنها كالمسافة والسرعة، لايمكن بأي حال من الأحوال، إخراجها وحلها بقيمة سالبة.

ولأن الرياضيات من العلوم التي تقوم، على الحقيقة الثابتة المنطقية، تتعدد طرق الحل فيه، إنما تبقى النتيجة واحدة لاتتغير، كالحلال والحرام، فلا يأتي علينا يوم نحلل فيه الزنى، وفق مستجدات طارئة على التشريعات السماوية، كذلك لايأتي علينا يوم نجد فيه إن قيمة، واحد زائد واحد تساوي ثلاثة، وفق مستجدات طارئة على القوانين الرياضية.

كذلك لكل إنسان مفاهيم وتوجهات في الحياة، تقوم على الحقيقة المطلقة التي يؤمن بها، توصل إليها بعد تفكير وتمحيص، وبغض النظر عن كونها، صحيحة بالنسبة لغيره أو خاطئة، تبقى حصيلة نتاجه الفكري، وماتوصل إليه في حل معادلته في الحياة، فهل يمكن لنا أن نترك حل المعادلة الرياضية، لإن معطياتها لاتتماشى مع مزاجنا الرياضي!.

ومن غير المنطقي والمعقول، أن يتخلى الإنسان عن الإيمان بمعتقداته وتوجهاته، وتفاعله مع القضايا المحيطة به، لإن الوضع لايتماشى ومزاجه.

في كل المخلوقات الحية، هناك في الاعلى، جزء يسمى الرأس، داخله عضو يسمى الدماغ، تتشابه في إجمالي هذا التكوين، كل المخلوقات الحية، ويبقى الإختلاف بين تلك المخلوقات والإنسان، منحة إلهية إختص الله بها الإنسان، ميزه ورفعه بها عن سائر المخلوقات الأخرى، تسمى العقل، متى ماأخترت تعطيلها تُصبح مخلوق أخر، في الشكل الظاهري إنسان، وفي الداخل الباطني غير ذلك.

كل شيء في هذا الكون، عرضة للتفكير والتمحيص والتقييم، مابين الحين والأخر، ليس هناك معطيات ولاقواعد ثابتة، في حل جميع المعادلات الرياضية، فلكل معادلة معطيات، يجب حلها شئنا أم أبينا، مهما كانت معطياتها صعبة، يكفينا شرف التفكير.

القائد السياسي عرضة للتفكير والتقييم، مابين الحين والأخر، بالإعتماد على معطيات كلامه ومواقفه وتصرفاته.

والمرجع الذي نُقلد عرضة للتفكير والتقييم، مابين الحين والأخر، بالإعتماد على رسائله العملية، وطريقة تعامله مع القضايا الشرعية، ومقارنتها مع غيره من المراجع، بغية الوقوف على الأعلم، لتعديل التقليد، إذا ماثبت لك من هو أعلم منه.

إنتهى زمن الأنبياء والمعصومين، وبقي الأمر لصاحب الأمر.

لايوجد شيء في الكون، لايخضع للتفكير والتمحيص والتقييم، بل وحتى الله يأمرك في التفكر فيه وفي خلقه، إذا ما أمنت بوجوده، لتقدر عظمته وتعبده على أساس ماتوصلت إليه.

نسبة غير قليلة في مجتمعاتنا العربية، بصورة عامة والعراقية بصورة خاصة، تباينت مابين من إتخذ الإتكالية منهجاً، ومابين من إختار تعطيل هذه المنحة الإلهية أصلاً!.

أما الأول فوجد أهله على دين معين، فأختار أن يتكل على ما أختار أهله له، ولم يبتعد كثيراً بمعتقده عن معتقدهم، كما ويقلد مايقلدون، ويؤمن بما يؤمنون، فأصبح تابع أعمى لايفقه شيء، ولاينوي أن يعرض على عقله شيء أخر، ولم يفكر يوماً، إن كان هذا المبدأ صحيح، فلماذا هذا الإسراف في خلق العقول، ألم يكن من الأجدر بالخالق، أن يخلق كل مجموعة أو عشيرة أو عائلة، بعقل واحد ليتكل عليه الباقين وأنتهى الامر!.

وأما النوع الثاني، إختار أن يعطي قيمة سالبة للمسافة، وقيمة سالبة للزمن، ويكفر بكل الأسباب التي دعت الى خلقه كأنسان، في التفكير والتمحيص والتدقيق، ومن ثم الإستنتاج والعمل.

وتناسى بجهله، إن واجبه الشرعي والأخلاقي، وأحد أبرز سماته الأنسانية هي التفكير، فأخذ ينحدر تدريجياً، حتى وصل الى قاع الفشل بنجاح، وأصبحت كل تدخلاته، وفي أي مفصل من مفاصل الحياة سلبية، كما وأصبح، أحد أهم وأبرز دعائم ومقومات الفشل، في مجتمعه، بل وتعدى ذلك ليصبح، أحد أهم أدوات الرسم في لوحة الإساءة والقبح، التي تُصدر عن معتقده أو دينه أو بيئته الإجتماعية.

وأختلف كثيراً مع من يجد في مُلحد خطر، او مصدر تهديد، كونه وصل إلى إلحاده نتيجة تفكير وتمحيص، وبغض النظر عن كوني أره على نور أم ضلال، فبكل الأحوال هو لايعنيني بأعتقاده، وغالباً مانجده يتمتع بثقافة وخُلق في الحوار، أكتسبها عن طريق إستعماله للإداة التي تقع في داخل الرأس.

فمن هو أخطر بالمنظور المنطقي، ملحد يعلن إلحاده، لايضر أحد في إلحاده الإ نفسه.

أم مسلم يُعلن إسلامه، يُصدر أبشع الصور عن الإسلام، لاتنجو من نظراته كل أمرأة تمشي على قارعة الطريق، ولايسلم من لسانه، كل مستمع لكلامه مار في الشارع، هو بإختصار مُلوث للبيئة، في كل جزئية من جزئيات حياته.

ورغم ذلك، كُنا بأحسن من الحال الذي نحن عليه الأن، حيث كان الإنحصار التكنلوجي، و وسائل التواصل الإجتماعي، أيام كانت محنتنا تنتهي بتجاوز الشوارع، التي إتخذوها مكان لتواصلهم الإجتماعي، فندخل الى البيت، ونحاول أن نُنسي أسماعنا، قبح ماسمعت بسببهم.

اليوم أصبح لامفر لنا منهم، وهم يسكنون مواقع التواصل الإجتماعي، مُقحمين أنفسهم في كل قضية.

مُلخصين كلامهم ورأيهم فيها، بثلاث أجهزة تناسلية، جهاز لدى كلا الجنسين، وجهاز للمرأة، وجهاز للرجل، كون عقلهم عاجز الإ عن صياغة هذه الأجهزة، وإدخالها في جمل مفيدة، محورها أم وأخت من يوجهون له الكلام.

لأنهم وبأختصار لم يعرفوا في حياتهم، الإ تلك الغريزة الحيوانية، التي تتشابه فيها كل المخلوقات، وهم في قمة الزهو والإعجاب بالنفس، لإن مخيلتهم القاصرة، تُصور لهم إنهم حققوا، إنجاز كبير، في صياغة جمل تحتوي على أحد الأجهزة التناسلية، وهو مايعجز العلم الحديث عن فعله!.

بعد زهدوا بالمنحة الإلهية، ذلك العقل الذي يميزهم عن بقية المخلوقات، مُصدرين أبشع الصور، عن المجتمع والدين والإنسانية، التي تقوم على الأخلاق.

فهل هذه الدواب، من ملة محمد (ص)؟!.

ذلك الرجل الذي نال أشرف المنازل، في الأرض والسماء، بسبب أخلاقه وطيب كلامه وسلوكه.

وهل أُعدت الجنة، إلا لمن يصون لسانه ويحفظه، متنزهاً عن السُباب والشتم وقذف الأعراض؟!.

وهل أُعدت النار الإ لمثلهم؟!.

 

سعد السلطاني

منذ بدء حملته الانتخابية في (2016) انشغل المحللون السيكولوجيون في تحليل شخصية ترامب.وتباينت التشخيصات من اخفها حدة (متهور، استعراضي..) الى اخطرها في اتهامه بأنه مصاب بالذهان..الذي يعني في الطب النفسي (اضطراب عقلي حاد، يفقد الفرد صلته بالواقع، مثل اضطراب الشيزوفرينيا).. ما يستدعي ادخال المصاب به الى مستشفى الأمراض العقلية.

ولدى متابعتنا لتحليلات علماء النفس والأطباء النفسيين، الأمريكيين بشكل خاص، وجدنا ان معظمهم يشخص حالة ترامب بأنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية.. في عشرات المقالات المنشورة في الصحف والمجلات الأجنبية.

ومع ان التشخيص العلمي الدقيق يشترط ان يكون (المتهم) باضطراب نفسي او مرض عقلي خضوعه لفحص سريري يتم فيه تطبيق اختبارات نفسية واجراء مقابلات واستقصاءات، ولم تحصل هذه في حالة ترامب،  فان التساؤل المشروع هنا هو:

- اذا كان ترامب فعلا مصابا باضطراب الشخصية النرجسية..فهل يشكل ذلك خطرا على اميركا ودول العالم؟

للنرجسية، وحكايتها معروفة لحضراتكم، اسطورة اغريقية تقول : ان " نرسيس " ابن الهة الانهار كان شابا " جميلا " جدا"،  فوقعت في غرامه احدى ربات الاغريق الجميلات واسمها " ايكو"،  لكنه لم يبادلها نفس الشعور،  فألقت عليه لعنة حب نفسه، بأن افتتن بصورة وجهه الجميل التي كان يراها كل يوم على صفحة  بركة ماء. ولأنه لم يستطيع مبادلة صورته الجميلة مشاعر الحب،  فقد خيّم عليه الحزن الشديد ومات في مكانه.وقررت ربات الطبيعة ان يقمن مراسيم تشييع لجنازة الشاب الجميل،  وهنا حدثت المفاجأة اذ لم يجدن اثرا" لجثته،  بل وجدن وردة جميلة،  اطلق عليها " نرسيس ". فيما تقول رواية اخرى ان " نرسيس " هذا كان كثير التحديق في نفسه على وجه بركة الماء حتى مرض نفسيا" بسبب هذا التعلق، ثم فقد عقله ورمى بنفسه في البركة ليمسك بصورته ولكنه غرق وفارق الحياة ونبتت في مكانه وردة اطلق عليها " زهرة النرجس ".

ونتحدث علميا فنقول، ان المرشد الطبي النفسي الامريكي (DSM) والتصنيف الصادر عن منظمة الصحة العالمة WHO) ) حددا اضطرابات الشخصية  Personality Disorders)) بعشرة انواع موزعة على ثلاثة محاور، هي:

أولا: اضطرابات الشخصية الغريبة الأطوار، وتشمل:البارانويا، والفصامية النموذجية..وعرضها الرئيس هو انماط من السلوك والأفكار الشاذة.

ثانيا:اضطرابات الشخصية الدرامية –الانفعالية، وتشمل:المضادة للمجتمع،  والهستيرية، والنرجسية، والحدية..وعرضها المميز هو السلوك الاندفاعي المتصف بالانفعال في علاقتها الشخصية.

ثالثا:اضطرابات الشخصية القلقة – الخائفة، وتشمل:التجنبية، والاعتمادية، ، والوسواسية القسرية..وعرضها الرئيس هو الخوف او القلق المتطرف بخصوص ان تكون الشخصية موضع نقد او هجران من قبل الآخرين.

ولقد وجد علماء النفس أن بين الناس اشخاصا" يعشقون ذواتهم،  ولما درسوهم وجدوا انهم مرضى نفسيا، فاطلقوا على هذا الصنف  مصطلح  (الشخصية النرجسية) وحددوا أعراض هذا الاضطراب بالآتي :

-  ردود فعل للنقد تتسم بمشاعر الغضب والخجل والاذلال (يردّ بغضب على النقد الذي يوجه اليه).

-  استغلالي في علاقاته الشخصية وينتهز الفرصة  للوصول الى غاياته الخاصة بها.

- لديه احساس بالتكلف أو الزهو بأهمية الذات ويبالغ في انجازاته ومواهبه.

-  يعتقد بأن مشكلاته فريدة من نوعها ولا يفهمها الا اشخاص مميزون.

- يسرح في أحلام يقظة ونجاحات خيالية،  فاذا كانت لديه اهتمامات أدبية مثلا فانه يتنبأ لنفسه الحصول على جائزة نوبل في الآداب، ويوحي للآخرين بأن توقعها أمر عادي بالنسبة له.

-  لديه احساس خاص بوجوده أو كينونته ويريد من الآخرين أن يتعاملوا معه على هذا الأساس، كأن لا يقف في الطابور وينتظر دوره كالآخرين.

-  يريد انتباها" واعجابا" دائمين من الآخرين، وحاله في حاجته الى الاعجاب كحال جهنم،  يسألونها : هل امتلئت،  تقول هل من مزيد.

-  نقص في التعاطف الوجداني، و"مطلبي" يريد من الآخرين الحب والاخلاص دون أن يكون معطاءا أو قادرا على ادراك مشاعر الآخرين وتحسسها، فهو ينزعج ويزعل اذا ما كان صديقه الغى موعدا" معه  بسبب وعكة صحية خطيرة ألمّت به.

-  منشغل بمشاعر القوة والجمال والحب المثالي، والحسد ايضا.

تلك هي اعراض اضطراب الشخصية النرجسية..علميا..فكيف تم تطبيقها على ترامب؟

 

مبالغة ام حقيقة؟

باستثناء تلك المقالات التي اتهمت ترامب باضطرابات نفسية وامراض عقلية، فان تلك التي اتهمته باضطراب الشخصية النرجسية لا حصر لها سنركز هنا على اهمها.

انقسم الأطباء النفسيون الأميركان الى فريقين، الأول يرى انه لا يصح الحكم نفسيا على شخص  مالم يخضع لأختبارات في الشخصية.غير انهم استدركوا قائلين بانه لا نقاش في ان الملاحظة العملية لسلوك ترامب تجعلك تقرر انه يمتلك سمات نرجسية من قبيل: التباهي المفرط، الأعتداد المتطرف بالذات، الغطرسة، ضعف التعاطف، جلب الانتباه، واكتفوا بهذا الحد (Dr. Dave Verhaagen). فيما يرى الفريق الثاني الأكبر (Dr. Herman, Dr. Gartrell and Dr. Mosbacher Dr. Lynne Meyer) ان ترامب مصاب باضطراب الشخصية النرجسية Narcissistic Personality Disorder”." وتنطبق عليه تماما الأعراض المذكورة في اعلاه، ويقررون بأن ترامب خطر جديا على الوطن والعالم.

 

النرجسية الخبيثة

كان  جون د. غارتنر  John Gartner   كبير الأطباء النفسيين بجامعة " جونز هوبكنز" اتهم ترامب بشكل مباشر بأنه  مصاب بـ”النرجسية الخبيثة  Malignant Narcissism)،  وهو مرض نفسي يختلف عن اضطراب الشخصية النرجسية، وغير  قابل للشفاء من وجهة نظر غارتنر.بل ذهب الى ابعد من ذلك بقوله إن “دونالد ترامب خطير، مختل عقليا، وغير قادر مزاجياً أن يقوم بمهام الرئيس”.

ويقرر غارتنر بأن متابعته لسلوك ترامب "تكفي لجعل هذا التشخيص صحيحاً بلا منازع”. مستندا في استنتاجاته الى تحليله لتحركات ترامب التي وجد فيها انها تميل إلى: السادية،  العدوانية،  وجنون العظمة،  فضلاً عن إظهاره أنماط سلوكية معادية للمجتمع.ويخلص كبير الأطباء النفسيين هذا الى القول بأن ترامب مريض عقليا بشكل خطير! (Dangerously Mentally Ill).

وتثني الباحثة السيكولوجية (كاري بارون) على تشخيص غارتنر لترامب في مقالة نشرت في مجلة “سيكولوجي توداي” مؤكدة بانه يتوافق مع التعريف الوارد لـمرض “النرجسية الخبيثة”،   لجهة العوارض والتصرفات التي تنطبق إلى حد كبير مع سلوكيات دونالد ترامب.وتضيف بأن هذا الأضطراب “يجعل هؤلاء الأفراد مخيفين وخطيرين، وغير رحيمين”.

تقويم موضوعي

بدءا نقول انه من الممكن تحليل شخصيات القادة الساسيين من خلال المكونات الثلاث للشخصية (السلوك والأفكار والانفعالات). وان هذا مطلوب من الأطباء النفسيين والمتخصصين بتحليل الشخصية وعلم النفس السياسي حين يتعلق الأمر برئيس دولة يكون مصير البلاد والناس بيده.ولهذا السبب فأن رابطة الأطباء النفسيين الأمريكيين ( APA ) تخلت عن التزامها بعدم تحليل شخصية فرد ما دون معاينة تشخيصية سريرية حين وجدت ان ترامب يشكل، من وجهة نظر عدد من اعضائها،  خطرا على اميركا والعالم.

وعلميا، هنالك فرق كبير بين (اضطراب الشخصية النرجسية) و (النرجسية الخبيثة). فالأول مثبت علميا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية ( DSM -IV -TR ) فيما الثاني لم يرد في هذا الدليل، بل هو حالة تشخيصية تجريبية افتراضية، تتألف من مزيج شديد من النرجسية المصحوبة بشعور العظمة، واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، والعدوان، والسادية.

ونرى ان توكيد الأطباء النفسيين الأمريكيين بوجود كل هذه الصفات المرضية الخطيرة في شخصية ترامب.. فيه مبالغة ناجمة عن ثلاثة أسباب، الأول: تشويه الأعلام الأمريكي السياسي والشعبي لشخصية ترامب، والثاني: غرابة شخصية ترامب مقارنة بأربعة واربعين رئيس اميركي سبقوه، والثالث: اغراء شخصية ترامب لعدد من السيكولوجيين والأطباء النفسيين لتحليلها بدافع وطني او حب الشهرة.

صحيح ان ترامب فيه الكثير من اعراض الشخصية النرجسية، فهو استعراضي بشكل استثنائي، يكفي انه طبع حروف اسمه بالاستنسل بطول عشرين قدما على واجهة برجه الواقع على نهر شيكاغو، والتباهي، و..ولكن ان يتهم بأنه (مريض عقليا بشكل خطير)، (ومختل عقليا)..فان الأمر يقتضي من القائلين بهذا الاتهام تقديم دعوى للقضاء تطلب اتخاذ الأجراءات اللازمة لاحالته الى لجنة عليا متخصصة بالصحة العقلية.نقول هذا دفاعا عن العلم الذي يجب ان يوظف لخدمة الحقيقة وليس دفاعا عن ترامب المصاب بعلل نفسية سنأتي عليها في موضوع قادم..ان بقي ترامب لذلك الحين!.

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

الفلامنكو هو مصطلح اطلق على فن الغناء والرقص والموسيقى، حيث اعتبر هذا الفن منذ نشأته فن الفقراء والمتمردين داخل الاقليات المضطهدة في اسبانيا من الموريسكيين والغجر واليهود في ذلك الوقت . ويذكر بعض المؤرخين لهذا الفن امثال بلاس انفانتي ان كلمة فلامنكو ذو اصل عربي وتعني – فلاح منكم – او -فلاح منكوب- او- فلاح منغو - ويقصد بها الموريسكيون الذين طردوا من اراضيهم فاندمجوا مع الغجر واسسوا الفلامنكو كمظهر من مظاهر الالم والاحتجاج .. وبالتالي وحسب المؤرخين بان الفلامنكو ذو اصل موريسكي وغجري .

شئ من التاريخ:

يذكر بعض المؤرخين ان الغجر جاءوا الى اوربا على شكل هجرات من شمال الهند حيث انتشروا في اوربا الوسطى في القرن الثاني عشر، ومنهم من وصل الى اسبانيا في القرن الخامس عشر حيث حطوا في برشلونة . كما جاءت مجموعة اخرى من شمال افريقيا ودخلت الجنوب الاندلسي .. وكانت اغانيهم تمتاز بالحزن والبؤس، وقد اندمجوا مع الغناء الشعبي الاندلسي خاصة الموريسكي وبذلك فقد كونوا الفلامنكو الاندلسي .. 

المشتركات:

يبدو للباحثين والنقاد ان هناك عناصر مشتركة بين فن الفلامنكو والموسيقى العربية فكلاهما يعتمد على الارتجال على مستوى العزف اضافة الى الارتباط بالرقص، كما ان توزيع الادوار في فرق الفلامنكو يتم على غرار مثيله في الفرقة الموسيقية العربية اي حسب الجنس حيث لا يمكن تشغل المرأة الا دور المغنية او الراقصة . كذلك فان للمغني الفلامنكو انشادا مألوفا يقترب من اسلوب الانشاد العربي، فكلاهما يعتمد الغناء المتقطع والملون بالارتفاع والانخفاض في الطبقات الصوتية، وتلك الحنجرة التي تغرد مبحوحة يا لييييييل . (وماذا يقول ناظم الغزالي عندما يطلق صوته ... (لما اناخو قبيل الصبح عيسهم - وحملوها وسارت في الدجى الابل)

يضاف الى ذلك فرقة التصفيق الخلفية وهي تشبه فرق التصفيق الخليجية. والراقصة الفلامنكو تعبر عن عنفوان وكبرياء فتحرك الايدي والارجل في حركة عنيفة منسجمة مع صوت المغني وعازف الكيثارة وتحدث قعقعة مع فرقة التصفيق تهز خشبة المسرح بضربات ايقاعية مدوية . وتلعب ايضا الصنجات في اليد دورا ايقاعيا جميلا عند الرقصات الشرقيات كما هو عند رقصات الفلامنكو والتي تنسجم مع ايقاعات العزف والرقص .

 

في عام 2010 كان هناك مهرجانا للموسيقى والتراث الاسباني الاندلسي في ابوظبي وقد حضرت المهرجان الاستاذة في تاريخ الموسيقى الاندلسية مانويلا كورتيسا غارثيا Manuela García وقد تحدثت الاستاذة عن فضل العرب في نقل الموسيقى المشرقية الى اسبانيا خاصة زرياب الذي جلب معه آلة العود واظاف الى اوتاره الاصلية وترا خامسا، ثم ذكرت تطور آلة العود على يد زرياب، ولكنها اختفت بخروج العرب من اسبانيا بفعل السلطات التي منعت كل مظاهر الفن والتقاليد العربية .. غير ان الاسبان حاولو من اعادة العود بشكل آخر حيث اخترعو الكيثارة وادت المطلوب من العود وبالتالي فان الكيثارة ولدت من رحم العود ..

و قد سألها احد حضور الحفل ان هناك كتاب وضعه احد العازفين للكيثارة في العالم هو- جون شيرانو- ذكر بان كل المقامات المستخدمة في الفلامنكو هي مقامات عربية الاصل وهي اربعة :

1 – مقام العجم الذي يعادل سلم البيجر (الكبير) في الموسيقى الغربية.

2 – مقام النهاوند يعادل المانير (الصغير) في الغرب.

3 – مقام الكرد وهو مقام عربي لم يدون في الموسيقى الغربية .

4- مقام الحجاز بمشتقاته ومنها - الحجاز – والحجاز كار - ايضا لم يدون في الموسيقى الغربية .

وقد اعترفت الاستاذة بمضمون ذلك بما ذهب اليه النقاد وان المقامات المستخدمة هي عربية خالصة .

نعود الى العنفِ كميزةٍ او خصلةٍ عراقية محاولين تلمس الغايةَ من ترويجها ان كان ثمة غاية . فنجد عند تتبعنا لها انها ليست قديمة ولا تراثية، فوصف العراقيين بانهم اهل فطنة ونظر او شقاق ونفاق، مثلا، لا علاقة له بالعنف الذي ربما كان نقيضا لهذه الصفات . فأين نجده اذن؟ اننا لا نعثر على هذا الوصف او التعميم، مطلقا، في الشحيح الذي كتب عن العراقيين، بصفتهم كذلك، في المصادر الاجنبية التي تناولت، في اغلبها، العراقيين من خلال شخصية البدوى العربي وخصاله المعروفة التي اضفى بعضهم عليها الكثير من الرومانتيكيه . او المصادر العثمانية التي تعاملت مع المشايخ القبليين والدينيين دون ان تعير اهتماما للعراقيين العاديين . او ما عاصرها او اعقبها من كتابات عراقية قليلة مثل تاريخ العزاوي او تواريخ الحسني، التي لم تعنِ، اصلا، بالشخصية، وانما بالوقائع . بل ان كتابات علي الوردي، ذاتها، التي يعّول عليها ويستند اليها اكثر من كتبوا عن عنف العراقيين لم تتطرق الى العنف كظاهرة او سمة عراقية، وخلص الوردي استنادا الى مارآه من اولوية صراع البداوة والحضارة، كمنظومتي قيم في تكوين العراقي، الى ان الشخصية العراقية ازدواجية، وعند تناوله للشخصية العراقية المدينية، وهي ما يعنينا، هنا، اساسا، باعتبار ان شخصية العراقي، يجب البحث عنها في القلب العراقي، اعني، وادي ما بين النهرين، اي السهل الرسوبي، وبالتحديد مدن هذا السهل ذلك اننا نريد الشخصية الفاعلة التي كان لها دورٌ في صناعة الاحداث . فان علي الوردي كنى عنها-الشخصية- بشخصية " خلف بن امين " اي شخصية دون كيشوت . ومن الواضح ان مثل هذه الشخصية لا تتسم بالعنف سلوكا .

 لكننا نعثر عليه، لأول مرة، كما اظن، في الصحافة العربية والمصرية بالذات، وهي الصحافة الاكثر تأثيرا في العالم العربي في الستينات وتحديدا في اعقاب ثورة تموز 1958 ووصف ما جرى من وقائع خلال عام 1959 ثم الترويج لها، على نحو اكثر، اعقاب انقلاب شباط 1963 والسنوات التي تلته والتي حفلت ببعض الانقلابات، وتلقفته، عنها، الصحافة اللبنانية التي روجت لشخصية العراقي " القبضاي " الذي لا يتفاهم الا بالقبضة والخنجر !

لقد تلقف " المثقفون !" العراقيون المولعون بالتعميمات هذا الامر وعدّوه مسلمة من المسلمات وحاولوا البحث عن اسانيد له في الوقائع التاريخية القريبة والبعيدة، فوجد بعضهم بغيته في وقائع القرن الاول الهجري (!) متمثلة في مجريات صفين والنهروان وكربلاء، مثلا، وما نسب الى الامام علي من قول بحقهم او ما كتبه المؤرخون بشأن تنصل اهل الكوفة عن نصرة الحسين، وهذه كلها وقائع، ان صحّت، او صحّت تفاصيلها، لا يجمعها والعنف جامع، كما انها لا تخص العراقيين، في حقيقة الامر، وانما القبائل العربية وقياداتها المتنازعة بشأن الخلافة والملك، عصر ذاك، وجلها زعامات وقبائل وجيوش قدمت الى العراق ابان الفتح الاسلامي . في حين ذهب آخرون بعيدا في مجاهل التاريخ فوجدوا في تقتيل ملك سومري لأعدائه او خوزقة ملك آشوري لأسراه قبل 4000 او 5000 عام ما يشفي الغليل ويمّكن المهتم منهم من اعلان البشرى بالهتاف " وجدتها ... وجدتها " ! سيما وان البعض قد حبّر الكتب باحثا في العنف العراقي !

ان اي فحص للتاريخ الانساني القديم، وفي مختلف ارجاء المعمورة وشعوبها، شرقا وغربا، يوضح، ببساطة، ان العنف والدماء كانت هي الممارسة الاكثر شيوعا بالنسبة للملوك والاباطرة والغزاة والفاتحين والاسر الحاكمة والكهنة، لكنها الاقل التصاقا بالشعوب والمجتمعات التي كانت في الغالب اهم ضحاياها . اما في العصر الحديث فقد عاشت مجتمعاتنا على هامش ذلك البحر المتلاطم من العنف والدمار الذي ذهب ضحيته الملايين بسبب حربين عالميتين كانتا اوروبيتين في الجوهر، وكانت الدوافع الاساسية لذلك العنف هي المصالح الانانية لأقلية من الرأسماليين الذين تطلبت مصالحهم اعادة اقتسام العالم والنخب السياسية والعسكرية المرتبطة بهم، في حين كانت الشعوب، معظم الشعوب ضحيتها .

لقد جُند الملايين من الالمان في الحزب والجيش النازي ومارسوا، في ظل شعارات وايديولوجيا عنصرية عدوانية العنف في ابلغ اشكاله ضراوة ضد المخالفين والمختلفين، سواء كانوا المانا او اوروبيين او يهودا بل وتعدوا ذلك الى اخضاع البشر في معسكرات الاعتقال الى تجارب اجرامية تخص الدراسات الحربية او النفسية مثل فئران التجارب دون اية مبالاة بمعاناتهم الانسانية او ابادة الكثيرين منهم، كما تثبت وثائق واقرارات نازية، لكن هذا الامر، كله، لا نجد له اليوم صدى في عدّ العنف سمة لازمة او خصلة من خصال الشخصية الالمانية وانما نجد، بدلا من ذلك، وصف الالمان بكونهم منظمين او ذوى ميل او روح عسكرية في ابعد الاحوال، كما حصل في لغة الاعلام منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى انهيار جدار برلين، او العودة، لاحقا، الى وصفهم بالشخصية المفكرة ذات العمق النظري المميز !

كذلك كان الامر مع الفاشيين الطليان الذين لم تُسحب ممارساتهم الاجرامية على الشعب الايطالي كسمات، وعُدَتْ سمات وممارسات تخصهم وحدهم، اي الفاشيين، كفكر وممارسة سياسية دون الشعب الايطالي . كذلك حال الامريكان الذين بقوا احرارا وبنائين حتى مع سلسلة الحروب التي شنت من قبلهم في مختلف ارجاء المعمورة وضد شعوب كثيرة آمنه في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية والشرق الاوسط، بل ان ضربهم لمدينتين يابانيتين غداة نهاية الحرب العالمية الثانية بالقنابل النووية وابادة عشرات وربما مئات الالوف في لحظة واحدة في صورة مروعة وغير مسبوقة للعنف البشري، لم يثلم صورتهم تلك، صورة الاحرار البنائين ! ان كل هذا،والحق يقال، لايمكن من وجهة نظر العلم ان يرتب التسليم بخصال وميزات ملازمة لشعب من الشعوب، ذلك ان مثل هذه الممارسات تظل مرتبطة بالأوساط والقوى الحاكمة او السياسية او العسكرية التي تتبناها وتدعو اليها وتمارسها .وان مثل هذه الممارسات والسياسات تكمن خلفها وتحفزها مصالح اقتصادية وسياسية في الجوهر، وهي تتخذ طابعا ايديولوجيا وتتجلبب بأردية فكرية للتمويه عن غاياتها الحقيقة . وهي، في كل الاحوال، لا تصدر عن تركيبة جينية متميزة او تكوين بايولوجي مغاير او حتى تكوين سايكولوجي مضطرب او اعداد ثقافي متكلس لشعب او مجتمع معين . وان القول بغير ذلك يعني تبني وجهة نظر عنصرية للشعوب والمجتمعات وعلاوة على ذلك فأن مثل هذا القول لن يجد له سندا علميا او دعما معرفيا حقيقيا ...فما الذي يجعل بعض العراقيين واثقين من انفسهم حد تدبيج المقالات واصدار كتب بشأن " سمة العنف " التي تميز الشخصية العراقية ؟!

ان مجمل الوقائع التي قدمت ويمكن ان تقدم لدعم هذا الادعاء تتمثل في:

1-  عنف حكومي مفرط مارسه النظام البعثي والصدامي ضد معارضيه وعموم الشعب العراقي منذ اواسط الستينات وحتى 2003

2-  وقائع العنف الدامي والتعذيب والقتل والانتهاكات التي مورست ضد الشيوعيين والقاسميين بعد انقلاب 8 شباط 1963.

3-  ممارسات العنف التي رافقت وقائع الموصل وكركوك خلال عام 1959

4-  مقتل بعض افراد العائلة المالكة و عددهم، جميعا، لا يتعدى عدد اصابع الكف الواحدة، والتمثيل بجثث بعضهم من قبل الغوغاء

5-  وقائع ثورة مايس 1941 وما رافقها واعقبها

6-  فرهود اليهود

7-  انقلاب بكر صدقي 1936

فهل هناك غير هذه الوقائع التي تساق ضمن مسعى تقديم الادلة والامثلة على القول بعنف الشخصية العراقية المميز ؟

نعم، هناك المزيد من الوقائع العنيفة التي يسدل عليها الستار ويعتم عليها لان المطلوب هو تركيز الاضواء على وقائع محدده بالذات، دون غيرها، لغرض الاستفادة من بعض هوامشها في التدليل على صحة القول ولان ذكر الوقائع الاخرى سيهتك الغاية المستورة من هذا الادعاء بسمة وثقافة عنف تسم الشخصية العراقية، وسنعرج عليها بعد تبيان حقيقة هذه الوقائع ومدى ارتباطها بالشخصية العراقية .

وللحديث صلة .......

 

 

فالنتين أو عيد الحب أو عيد العشاق أو "يوم القديس فالنتين" هو احنفال مسيحي يحتفل به كثير من الناس في العالم في 14 فبراير حسب الكنيسة الغربية أو في 6 يوليو حسب الكنيسة الشرقية من كل عام، حيث يحتفلون بذكرى القديس فالنتين ويحتفلون بالحب والعاطفة حيث يعبر فيه المحبون عن حبهم لبعضهم عن طريق ارسال بطاقة معايدة أو اهداء باقة من الزهور أو غيرها لأحبائهم، الى جانب البعد الأقتصادي أسوة ببقية الأعياد وفي كل الأديان كمناسبة لتنشيط السوق الأقتصادية لتصريف الكثير من البضائع وخاصة الورود في هذه المناسبة، فهو مناسبة لحركة تجارية واسعة لتحقيق مزيدا من الأرباح. وتحمل هذه المناسبة أسم أثنين من الأشخاص لهما نفس الأسم " فالنتين " ويعتبرهم المسيحيون شهداء في سبيل المسيحية في بداية ظهورها، بعد ذلك أصبح هذا اليوم مرتبطا بمفهوم الحب الرومانسي في الكثير من بقاع العالم. لاتوجد رواية ثابته لهذا القديس، وهو قديس روماني من القرن الثالث الميلادي، ولكن الرواية الأكثر حضورا هي ان فالنتين هو كاهن مسيحي كان يزوج العشاق المسيحيين وفق التقاليد المسيحية سرا، وبسبب أن المسيحية كانت ممنوعة في الأمبراطورية الرومانية، وكان يعاقب كل من يمارس أسرار الكنيسة، وبسبب ذلك اعتقلته السلطات الرومانية وحكمت عليه بالاعدام، فأشتهر منذ ذلك الوقت بأنه شهيد الحب والعشاق، ومنه اخذت المناسبة في الاحتفال بعيد الحب أو يوم فالنتين !!!.

لقد توارثت الحضارة الإنسانية الحب من أسلافها الحيوانية في سلم التطور البيولوجي وأعادت إنتاجه على نطاق واسع  وبتعقيد لا مثيل له يكاد يغطي كل ثنايا الحياة الإنسانية وتفاصيلها الدقيقة متأثرا بالثقافة واللغة في أشكال التعبير عنه وحدة الإحساس به، حتى باتت مفردة الحب من أكثر المفردات إلهاما في الشعر والموسيقى والغناء والأدب ومختلف الفنون، وحتى في الخطابات السياسية، وان كانت في الأخيرة غير مباشرة وغامضة، ولكنها أيضا تدعي " الحب " لتضفي على السياسة بعدا أكثر آنسنه من المصالح الضيقة، بل حتى حروب الحضارات كلها كانت تحت شعارات إشاعة العدل والحق والمحبة بين الناس، وأصبح الحب شعار معلن في الحرب والسلم وكل حسب طريقته، حتى باتت مفردة " أكرهك " في سلة المهملات، بل أصبح من العيب في اغلب الثقافات استخدامها على الإطلاق حتى مع الأعداء أو مع من تختلف معهم، فكانت كلمة " أكرهك " من العيب أن تنطق في أكثر المناسبات كراهية بين البشر، وكانت تحل محلها في مناسبات الخصام كلمات مثل " لا أرغبك "، أو ليست لدينا " لغة مشتركة "، أو " لا أستطيع التفاهم معك " أو " أشكرك نلتقي مرة ثانية " في محاولات لإعادة بناء الحب من جديد !!!!!. 

وإذا كان الحب لدى الحيوانات الدنيا بدائيا بملامحه وطبيعته البسيطة فأنه لدى الإنسان أكثر تعقيدا، بل هو احد السمات البشرية، أو السمة التي تجعل من الفرد إنسان بشري عاقل، بل هو أكثر العوامل سببا في ديمومة الإنسان وبقاءه على وجه الكرة الأرضية، فيأخذ الحب هنا مظاهرا مختلفة وثيقة الصلة ببقائه واستمراره وتحسين ظروف عيشه، فهناك حب النفس أو العقل ـ حب العمل ـ حب الجسد ـ حب الطبيعة ـ حب الطعام ـ حب المال ـ  حب العلم ـ  حب القوة ـ الحب الجنسي ـ حب الحيوان وتربيته ـ حب احترام الآخرين ـ حب الأطفال ـ حب الوطن ـ حب الفريق الرياضي ـ حب العلم وغيره من مظاهر الحب المختلفة، والحب هنا هو قوة الجذب الايجابية التي تربط أفراد الجنس البشري، بل هو الحافز الايجابي الذي يجعل الحياة جديرة بالعيش، وتسودها المتعة والسعادة ودقة الانجاز والسعي للحصول على أرقى المعارف الإنسانية وفهم العالم من حولنا كما هو الحال في فهم ذواتنا. وهذا لا يتم إلا من خلال المشاركة مع إنسان آخر نرى فيه شريكا لمختلف أوجه الحب !!!!!.

أما في الأديان السماوية وغير السماوية فقد ورد الحب ودلالته ومجالاته بتفصيلات كثيرة في أطار التوصية به في التعاملات اليومية، أو في ممارسة الطقوس الدينية، أو بالتلويح بعقوبة الحرمان منه. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد ورد ذكر الحب صريحا في القرآن مباشرة في (76) آية، عدا الحالات الضمنية الغير مباشرة والتي تشير إلى معنى الحب. وأذكر هنا فقط نماذج منتقاة من بعض الآيات: في سورة البقرة، الآية ( 305) " والله لا يحب الفساد "، وفي سورة آل عمران، الآية (32) " قل أطيعوا الله والرسول فأن تولوا فأن الله لا يحب الكافرين "، وفي سورة النساء، الآية (107) " أن الله لا يحب من كان خوانا أثيما "، وغيرها من النصوص الكثيرة التي تشير إلى التعامل بالمحبة والرحمة مع الأولاد والزوجة وذوي القربى.، وكره الإسلام فكرة الانفصال بين الزوجين ووضع لذلك شروطا محدد.

وفي المسيحية شكلت رابطة الحب من الروابط القوية في الكتاب المقدس، ولعل من مؤشرات ذلك هو عدم جواز الطلاق والقسم بإبقاء العلاقة بين الزوجين إلى النهاية، وعدم السماح بتعدد الزوجات، والحب في المسيحية من أجمل الروابط البشرية التي تجمع الرجل والمرأة بمباركة من الله، ونجد نظير ذلك في الكثير من الأديان والشرائع السماوية.

وقد ربطت الأديان السماوية ربطا محكما بين الحب والزواج، ولم تسمح بممارسة الحب أو الحب الجنسي خارج أطار شروط المؤسسة الدينية وفي أطار العلاقات الزوجية حصرا، وبهذا اعتبر الحب وممارسته من المحرمات قبل العلاقة الزوجية. يقول النبي محمد " لم يرى للمتحابين مثل التزوج "، وبالتالي فالحب هنا هو حب بين الزوجين والمتزوجين فقط. ومن هنا أيضا اعتبر الامتناع عن الحب قبل الزواج احد مصادر العفة للرجل والمرأة، كما ورد في حديث آخر للنبي محمد بقوله " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". ومن هنا دخل الحب في مجتمعنا في دهاليز السرية شبه التامة خوفا من العقاب الديني والاجتماعي !!!.

وتبقى هنا مسألة العفة والطهارة من أكثر الموضوعات حساسية في ضوء ارتباطها بمفهوم إشباع الدوافع الإنسانية ومنها دافع الحب. ففي المجتمعات الأوربية تفهم العفة والطهارة ليست بعدم الإشباع لدافع الحب والجنس، بل في إعادة صياغة هذه العلاقة بين الذكر والأنثى على أسس مقبولة اجتماعيا تنسجم مع جوهر التغيرات الفكرية و الاجتماعية والاقتصادية والتقنية والحضارية، وقد قطعت هذه المجتمعات شوطا في إيجاد علاقات بين الجنسين تتمتع بزخم وقبول اجتماعي، وإيجاد معايير أخرى للعفة والطهارة خارج أطار الدافعية للحب، كالصدق والأمانة والوفاء واحترام القوانين وعم التجاوز على حقوق الغير وحريتهم والحكم بالعدل والنزاهة الشخصية من الفساد بمختلف مظاهره الضارة للمصلحة العامة !!!.

أما العفة والطهارة في المجتمعات العربية والإسلامية عموما فظلت متأثرة بالمؤسسة الدينية أكثر مما تتأثر بظروف الحياة العامة والتغيرات الجارية وتأثيراتها على إعادة صياغة العلاقة بين الجنسين، ولا يزال النظر إلى الحب و ممارسته من مؤشرات السمعة غير الطيبة، وإفساد للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية، ويبعد الفرد عن طريق الصواب ويضيع وقته سدا، وجهل للدين وقلة الحياء من الله باعتباره هو المحبوب الأعظم ومنه تتفرع أنواع المحبة الأخرى " حسب التفسير الديني ". وهكذا يعيش الشباب اليوم في مجتمعاتنا وسط موجات من الصراع والضغوطات النفسية الهائلة في عالم منفتح على مصراعيه، وفي ظل تغيرات عارمة تعيشها، تجرف مجتمعات بكاملها، مع بقاء الكثير من مؤسساتنا الاجتماعية عاجزة عن احتواء هذه التغيرات والإلحاق بها بما فيها المؤسسة الدينية المتشددة، والتي تغذي الإرهاب ولا تغذي الحب !!!!

 

د. عامر صالح

 

 

أذا اردنا ان نتحدث عن المصطلح في اي علم من العلوم، او اي لغة من اللغات، فماذا نقصد به؟هل هو اسم ام دلالة؟

يعتقد علماء اللغة ومنهم العلامة اللغوي المرحوم مصطفى جواد ان المصطلح يعني الاسم ولا يعني الدلالة، بقوله ان المصطلح اللغوي هو اسم لا دلالة، ويدلل على قوله هذا بالاشارة الى دلالة المصطلح الذي يقول عنه انه اسم لشيء معين وليس لدلالة معينة.

فالحضارة والثقافة والمدنية كلها مصطلحات حديثة دخلت عالم المعرفة، ثم تشعبت الاراء فيها، حتى اصبح لكل منها معنىً يختلف عن المعنى الاخر تماما، وان تعارفت الناس عليها بالمعنى الواحد . فالقارىء العادي لا يفرق بينها ابدا وينسبها كلها الى عالم المعرفة او الثقافة.

بينما الحضارة تعني: أرتقاء المجتمع في نواحيه المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واليوم اضيفت لها العلوم التكنولوجية .ونتيجة للتعريفات المختلفة لها اتفق الجميع على أنها: كل ما يرث المجتمع من أجياله السابقة من نظم وقيم ومعتقدات اجتماعية وفكرية ودينية وأنماط سلوكية ومهارات فنية يسيطر بها على بيئته ويكيف نفسه لها لأشباع حاجاته الحياتية، وقد عرفها الفيلسوف الأنجليزي أرنولد توينبي بأنها "ثمرة التفاعل بين الأنسان والبيئة" .

 

والثقافة تعني: الحذاقة، وهي مجموعة المعلومات والمعارف والقيم الخاصة بشعب من الشعوب، لكونها تعبير صادق على شخصية ذلك الشعب او الشخص المعين.رغم ان المصطلح لا زال لم يحدد بعد.

أما المدنية فتعني: النشاط الاجتماعي المرتبط بالجانب العقلي والمادي للأنسان، ويسهل أقتباسه ونقله من مكان الى اخر، ,بعبارة اخرى هو المنجز المادي الملموس داخل المجتمع مثل الملبس والآلة والسيارة وكل ما يعين المجتمع على قضاء حاجاته اليومية. وهي تطور علمي ومادي تدريجي يسير في خط صاعد. أنظر: (دائرة المعارف العالمية).

وهناك مصطلحات دخلت الى عالم اللغة والثقافة منذ بداية عملية تحصين المصطلحات العربية من الخطأ في القرن الثاني الهجري ولا زالت في مرحلة تشعب الاراء والنقد البناء مثل الآيديولوجيا والتكنولوجيا وغيرها كثير..

وبنزول القرأن الكريم ولغته الرفيعة على لغة العرب المتداولة آنذاك، فهمها العرب تماما دلالة على ان اللغة العربية كانت متاصلة فيهم وأصيلة وصلت اليهم بعد ظهور حركة التجريد اي بعد مجيء التعليم الذي به تشكلت اللغة التي قامت على المنطق.، فكان رفض قريش للدعوة ليس جهلا بلغة القرآن كما يعتقد البعض، لكنها رأت فيها تحديا لها وتهديدا لمصالح الاقلية من زعمائها ضد الاكثرية المضطهدة عندها، بدليل انها وقفت من بعضه موقف المعاند منه بما كان يضرها وقبلت منه ما ينفعها، قبلت ماجاء بمدح قريش ورفضت الغاء الاصنام أنظر( سورة قريش1-4، ابراهيم 10).

وحين جاء القرأن بمصطلحات غريبة عن اللغة كالاستبرق وسندس والقسطاس والطور واليم والتنور، والأحرف المفصولة عن الآيات والتي لا زالت بلا تفسير الى اليوم.واسماء اعجمية اخرى مثل اسرائيل ونوح ولوط عدوها مصطلحات لا معنى لها لغرابتها عليهم . والقرآن الكريم لم يستعيرها من لغات اعجمية رغم أعجميتها لادخالها في لغته العربية، لكنه جاء بها على سبيل العضة والاعتبارلما كان لها من اهمية عند شعوبها، لدرجة ان المفسرين لن يستطيعوا تفسير ما غمض منها لجزالة الفاضها وصعوبة معرفة معانيها، فقال البعض منهم ان في القرآن آيات لا تفسير لها، فوقعوا في خطأ التفسيروالتقدير، حين نسوا ان بفرضيتهم هذه ادخلوا القرآن في حرج المعنى حين جعلوا بعض الايات القرآنية الكريمة جاءت حشوا لا معنى لها.

أذا نظرنا في بعض أيات السورالقرآنية التي تبدا بحروف مثل يَسَ، طَهَ، حَمَ، نَ، قَ، صَ، الَرَ، اَلمَرَ، نقف أمامها مذهولين، أهي حروف ام آيات، لكنها في الحقيقة هي اجزاء من الايات، وليست آيات مفصلة في ذاتها، لانها حروف لو جمعت بعضها لوجدت انها تمثل كلمة القرأن اوالسبع المثاني، فتشعب المعرفة فيها وضاع الفقهاء في وهم التفسير لا التأويل. فأبتدعوا نظرية الترادف اللغوي الغريبة عن القرآن والتي ترفضها مدرسة العلامة أبي علي الفارسي اللغوية، وأبن جني في الخصائص والعلامة الجرجاني في دلائل الاعجاز .(محمد شحرور الكتاب والقرآن ).

لكن لا احد من علمائنا المُحدَثين يستطيع الخوض في هذا المجال خوفا من اعتراض الفقهاء الذين تمسكوا بنظرية الترادف اللغوي وخوفا من الدخول في متاهات المناقشة اللاهوتية التي يجهلونها مثل جهل الاخرين الا الدكتور محمد شحرور الذي أجاد وقدم وفسر، وأحرج الأزهر وجعله صامتا بقهر، لذا عمدوا الى اعتماد قانون اعتمدته العامة والخاصة وهو قانون حرمة اختراق النص المقدس مستندين الى الاية 187 من سورة البقرة التي يقول فيها الحق :"وتلك حدود الله فلا تقربوها"، علما ان معنى الآية الكريمة مختلف تماماً في القصد .

وقد شمل هذا التحريم بعض الاحاديث النوية ومقولات الصحابة وهنا وقعنا في سجن فكري حديدي لا يخترق لمعاقبة المخالفين لأرائهم الخاطئة، فبقيت الايات القرآنية تقرأ وتجود، وتفسر ولاتؤول، فأضاعوا علينا فرصة التطور الحضاري الحديث.

نحن نصر اصرارا كبيرا على ضرورة اعادة تأويل آيات القرأن الكريم خارج مدرسة الترادف اللغوي بموجب الاية( 7) من سورة آل عمران "وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم"، تأويلا جماعيا من قبل علماء اللغة والتاريخ والجغرافية والرياضيات وعلوم البحار والجبال والانواء الجوية والمسطحات المائية لنُخرج من هذا الكنز العظيم كنوزا اخرى أخفوها عنا الفقهاء والمفسرين أو قل لم يدركوها، فمصطلح القرآن يختلف عن مصطلح الكتاب والفرقان والسبع المثاني، الا انها كلها جمعت في مصطلح المصحف حشرأً، فبقينا خارج نطاق التحديث.

لذا من الضروري النظر الى القرآن من منطلق رباني يعبر عنه بقوله تعالى : " ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابةٍ وهو على جمعهم اذا يشاءُ قدير، الشورى، الاية (29) .

لنرى كم نحن أغفلنا الكنز العظيم الذي جاء به القرآن الكريم. يقول البعض وما ذا نعمل بملايين الكتب من تراثنا اليوم، اذا أهملنا التفسير الفقهي القديم، أقول لهم بصدق العبارة علينا ان نقوم حالا بصياغة نظرية اصيلة في المعرفة الانسانية (جدل الانسان) وفق الآية 54 من سورة الكهف والذي يقول فيهاالحق :" ولقد صَرفَنا في هذا القرآن للناس من كل مثلٍ وكان الأنسان أكثر شيء جدلا ".

هنا المنطق الفلسفي ينتج عنه بالضرورة الحل الفقهي الجديد. ونخلص اجيالنا القادمة من وهم التفسير الخاطىء المتبع اليوم والا سنبقى في خانة اليك الى ابد الابدين، فهل من حاكم مسلم يجرأ على ما تقاعس عنه الاخرون كل هذه السنين .

فلا نحن انتفعنا من القرآن ولا القرآن ادى ما يريده لنا رب العالمين. كنا نأمل ان التغيير في العراق هو الامل في تحقيق العدالة، لأن العدل مطلق لنا، لكننا مع الاسف أصبنا بخيبة أمل كبيرة واكبر من خيبة امل حين سيطر الفكر الديني المتزمت علينا من جديد دون تحديد المفاهيم. فضاع الفكر النير وتحكمت فينا الانغلاقية لا التجديد.

وكذلك الانجيل الذي جاء بصيغة الجمع ليعني الشكر للآلهة المقدسة لتقديمها الاخبار السارة للبشرية عن طريقه. ويعني الاخبار السارة من الله لخلاص شعبه من ظلم الاخرين. ولقد عَد النصارى هذا المصطلح الرباني (المخلص)، بأنه الرسالة المسيحية في مجملها كهدية الرب للناس تحمل لهم بشائر الخير والسلام ولتخلصهم من الحروب والكوارث التي يفتعلها الطغاة من الحكام، لذا جاءت الكلمة عندهم بأكثر من 72 مرة في العهد الجديد لتعبر بصدق واخلاص عن مجيىء المسيح بن مريم المخلص. والأنجيل ليس كتاب المسيحيين وانما هو الجزء من المجمل المنزل للناس لقوله تعالى: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ".ان تعدد الديانات لا يعني الاختلاف بقدر ما يعني تسلسل الظرف الحياتي على البشر.

كما نلاحظ الفكرة عينها عند المسلمين الشيعة جاءت في مصطلح المهدي المنتظر المخلص فأذا كانت عند المسيحيين ليخلصهم من ظلم اليهود الذين لا يعترفون الا بشعبهم وحسب نظريتهم في (شعب الله المختار).، فهو عند المسلمين الشيعة اشمل واعم ليخلص العالم من الظلم الشامل فقالوا: "ان ظهور المهدي سيأتي في أخر الزمان – ولا ندري ماذا يقصدون بأخر الزمان هل هو يوم الصور - ليملأ الارض عدلاً بعد ان ملئت ظلماً وجوراً ".، ولازلنا ننتظر بعد ان اصبح الظلم والجور والاعتداء على النفس والمال حد الحناجرمن الارهابيين والخارجين على القانون وسرقة اموال الناس بدون وجه حق، من الحاكمين ورجال الدين، ..كلها روايات وأساطير اصبحت مورفين لتخدير عقول الناس ليس الا، وهي من وحي المستحيل.. ؟

ولابد للباحث المتقصي من ان يشيرالى ان هذه الافكار تنتمي في جوهرها الأبعد، الى ما تعارف عليه علماء الانثروبولوجيا بفكرة الانبعاث بعد الموت التي ارتبطت بأقدم معطيات البشرية الفكرية، ولنا أن نتسائل أليس لفكرة الأله الذي يموت في الاساطير، وبموته يحل الخراب ثم يبعث من جديد فتملأ الارض خضرة وربيعاً، علاقة بفكرة المسيح الذي سيبعث من جديد ليملأ الارض عدلا وسلاما بعد ان ملئت ظلماً وجوراً، وفكرتها عند المسلمين الشيعة متمثلة بالمهدي المنتظر بن الامام الحسن العسكري(ع).

لقد كانت المناطق التي أحاطت بحوض البحر المتوسط مكاناً لمثل هذه الافكار، فعند الأغريق القدماء يموت أودونيس ثم يبعث فتبعث معه الحياة....وهو عند البابليين في العراق القديم تموز ويبعث كل عام...وعند قدماء المصريين أزوريس ليموت ويبعث من جديد...، وعند سكان أسيا الصغرى أيتس، ويلاحظ ان هذه الاسماءكلها ليست ألا أوجهاً متعددة لتسمية واحدة وفكرة واحدة هي فكرة البعث بعد الموت (أنظر اساطير الموت والانبعاث، (دائرة المعارف البريطانية).

ويرى بعض الباحثين ان فكرة المسحية –موازية الى حدٍ كبير- في الرمز والحدث لاسطورة تموز والتي هي حجر الزاوية في الديانة المسيحية.وليس من شك في ان عقيدة المهدي المنتظر عند

المسلمين الشيعة ذات علاقة وثيقة بفكرة المنتظر المسيح الذي يبعث بعد موته والقرآن يؤكد على عدم موت المسيح او صلبه لانه شبه لهم (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم، النساء 157 )، وينبغي ان نشير الى ان الشيعة يعتقدون ان بعث المهدي المنتظر يرافقه بعث السيد المسيح وبعث السيد الخضر وانهم اصحابه الموعودون الخالدون الذين يقومون معه في يومه الموعود (المجلسي، بحار الأنوار) ولا زال للسيد الخضر مرقدا قرب الكوفة في العراق يزار حتى اليوم وقد زرته بنفسي، وفي مرقده الشريف الكثير من المخطوطات النادرة التي لم يسعفني الحظ بالاطلاع عليها، (الطبري، الرسل والملوك ج1 ص365 وما بعدها).

ولربما سرقت وبيعت للمتاحف الاخرى كما باعوا الرفاق الجدد مخطوطات التوراة وغيرها علنا دون استحياء للأعداء المعادين .

فشمولية المصطلح عند المسلمين الشيعة غيرَمن محدوديته عند المسيحيين. وظل علماء الانجيل مثلهم مثل علماء القرآن يرددون ما ورد فيه على انها آيات جاءت على سبيل العضة والاعتبار دون الغوص في معانيه العظيمة فضلوا يرددون ربوبية عيسى وهماً وخطئاً، والقرآن يرفض الاشراك بوحدانية الرب، يقول الحق:(وقال الله لا تتخذوا آلهين اثنين انما هو آله واحد، النحل51). حين جاء القرأن بعد الانجيل يؤكد على هذا الاتجاه العلمي كما في الايات الثلاث التي رافقت الانجيل كما في قول الحق : " ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل (انظرسورة آل عمران، آية 48).

ومع ملاحظتي لكلمة المصطلح فقد وجدتُ انها تشكل ظاهرة قلق في اللغة العربية، لان العرب في غالبيتهم مختلفون في المعاني اللغوية للمصطلحات الحديثة كل منهم يفسره على هواه.وتجدهم غير دقيقين في عباراتهم المصطلحية الا ماندر. فظاهرة القلق واضحة تماما عندهم وخاصة عند تحديد معنى اللفظ للجماعات او الفئات غير المحمودة او الغير المرضي عنها مجتمعياً، مثل مصطلح (الفئة الباغية) التي وردت في الحديث النبوي كما ورد في صحيح البخاري تحت رقم 2601 (تقتلك يا عمار الفئة الباغية)، ويقصد بالبغي التعدي وليس الزنا كما يصوره البعض على الاخرين (انظر لسان العرب)، وتبعتها بعد ذلك لفظة (الفئة الضالة ).

وحين نرغب في تحديد الصفة القانونية للمصطلح نجد انفسنا امام محنة الاثبات القانوني والا اصبحت الكلمة تَجَني ان هي اُطًلقت عليهم جزافاً، لان الكثير من هذه الجماعات من المغرر بهم ولم تكن اعمالهم التي يقومون بها عن اقتناع. وان هُم يعتقدون في البداية انهم يؤدون واجبا دينيا الزاميا امام الله والمجتمع.لتخليصها من الظلم و الاستعباد متناسين انهم يخرقون القوانين الالهية التي حرمت قتل النفس الانسانية، وخيانة الوطن، وسرقة المال العام بغير ذنب او فساد في الارض.هذا المنهج لم تفهمه اغلبية المُنظَمين من المغرر بهم في الجماعات الارهابية داعش وطالبان والقاعدة، ومن خان الثوابت الوطنية من أجل مصالحه الشخصية لاسيما وان هناك مؤسسات حكومية كبيرة ونشطة تُدعم هذا الاتجاه الخاطىء دعما ماديا ومعنويا لأيغالها بالطائفية والعنصرية المقيتة، متحججة خطئاً بالجهاد.

لكن مهما قيل في مصطلحات الفئة الباغية، والفئة الضالة، تبقى الحاجة ملحة وماسة لدراسة معمقة للوصول الى الهدف الاسمى في التسمية .

ويبقى المصطلح العام بحاجة ماسة للمتابعة والدراسة مادام العلم الحديث يولد لنا في اليوم الواحد الف مصطلح جديد .

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

 

"بعض الرسامين يحولون الشمس إلى بقعة صفراء، والبعض الآخر يحول البقعة الصفراء إلى شمس.".. بابلو بيكاسو

لا شك أن كل مهتم  بتدريس الفن  التشكيلي بالمغرب سيلاحظ حتما وجود تعدد وتدرج في مدارس ومذاهب تدريس الفنون التشكيلية؛ أنواعاً مختلفة من التقنيات التي تروم تقديم دروس نظرية وتطبيقية للطلاب الفنانين .

لكن السؤال الأساس لهذه الدروس يرتبط بديداكتيك تدريس الفن، والمراد به منهج تلقين الفن وطريقة تدريسه للطلاب. فهو بتعبير أكثر دقة: العلم المرتبط بعملية التدريس.  فكما أن لكل مادة من المواد التي تُدرس في المؤسسات التعليمية ديداكتيك تدريس خاص بها، مثل ديداكتيك اللغة العربية والفرنسية والرياضيات .. فإن للفن أيضاً ديداكتيك وبيداغوجيا ومناهج وطرق متعددة لتدريسه. وعلى هذا الأساس  يمكن طرح التساؤل الآتي:

 ما طبيعة وخصائص ديداكتيك الفن بالمغرب؟ وعلى أية أسس ومقومات يقوم هذاالديداكتيك؟

في تقديرنا فإنه يصعب على كل من الفن والفلسفة القبض عليهما بديداكتيك معين بالنظر إلى التخصصات المعرفية الأخرى، بل إن الفن نفسه خرج من رحم الفلسفة .

من هذا المنطلق صار الفن التشكيلي وغيره من الفنون الأخرى التي تدرس في المعاهد كالنحت والرسم والصباغة و الفنون البصرية والجميلة  في الوطن العربي عامة وبالمغرب خاصة،  مرتبطاً بعملية اجتهاد خاص بالأستاذ الفنان الذي يُدرس في غالب الأحيان مجال تخصصه، أو نفس موضوع  شهادة تخرجه من نفس المعهد أو دبلوم الدراسات العليا الذي  أنجزه خارج الوطن.. ولا نستغرب أن يدرس مادة من مواد الفن لا علاقة له بها غير الخير والاحسان وهكذا دواليك. والنتيجة أن  طالب الفن تم تنميطه وخندقته وفق أفق تفكير أستاذه، ورهين تصوره البصري. وهذه مسألة قد نقبل بها في السنة الأولى للتكوين، لكن أن يصاحب هذا التوجه جل مسيرة طالب الفن التكوينية، فهذا أكبر خطأ يعتري التوجه البصري والتكويني بمعاهد الفن عندنا .

أضف إلى ذلك تموقع الطلاب في عباءة أستاذهم الفنية وعدم السماح لهم بالخروج منها وإلا تعرض للعقاب المرتبط بالنقطة. طبعا لأن المعيار هنا هو  إرضاء الأستاذ وليس فتح أفق للتفكير البصري في وجه هذه الفئة التي حصرها هؤلاء في محطة أولى من محطات التعلم ولم ترتق للمحطات الأخرى لكي تعانق الإبداع وتكتشف أسراره الدفينة.

عجبا لكم أيها السادة الأساتذة مازلتم لم تفهموا أن طلابكم لا يفهوا ..!!

نعم لا يفهمون حقيقة الفن وجوهره، تلك المهمة الملقاة على  عاتق من يمتلك حساً وشعوراً فنياً لخلق الأفكار الجمالية. ويحكم لقد سجنتم طلابكم في زنزانة توجهاتكم ومدارسكم الفنية..!!  أتركوهم لكي ينسجوا على منوالهم و يبرزوا لنا  ما حصدوه من ثمار أزهاركم طيلة سنوات التكوين والبحث.

  إن وظيفة  الفن كما حددها  الفيلسوف الفرنسي  جيل دولوز في كتابه المشترك مع فيليكس غواتاري حول موضوع: "ماهي الفلسفة ؟"، هي وظيفة خلق الأفكار الجمالية. أما العلم فوظيفته ارتبطت بخلق التخصصات والمعارف. بينما الفلسفة فإن وظيفتها هي صناعة المفاهيم. فل تدعوهم يخلقون الأفكار الجمالية ويسارعون إلى تفعيلها.

في نظرنا لا يمكن أن يكون ديداكتيك الفن عبارة عن مقاطع جوفاء من دروس نظرية وتطبيقية، فهو ديداكتيك قائم بنفسه يساءل الفنان ويقدم له الجواب ويطرح أسئلة أخرى ترتبط بفلسفة تدريس الفن، وهي فلسفة عمادها تاريخ الفن ومذاهبه كما مارسه محترفو الفن ورواده . فضلا عن كون مستقبله رهين بما تعرفه العلوم من تطور ومعارف في شتى المجالات .أما أولائك الذين مازالوا يعتقدون أنهم قساوسة الفن ورهبانه وكرادلته، فإنهم يقولون قولا بئيساً يعود بنا إلى القرون الوسطى .

لا حرج عليكم  أيها الرهبان، لقد  صار الكل يعرف بأنكم كاتوليكيي المذهب.فل تترقبوا ثورة بروتستانتية جديدة لصغار الرهبان  والراهبات من طلابكم، وهم طلاب لا يقيمون  القداس على منوالكم، لقد تركوا لكم القداس وحطموا جذران كنيستكم وخرجوا من عباءتكم نحو عالم الحرية والتفكير الحر الذي خُلق الفن من أجله. فروحه هي  روح التجديد والتعبير عن قضايا العصر . وقد صدق الفنان التشكيلي الراحل محمد شبعة  حينما قال مخاطبا هؤلاء وهو يوجه طلابه نحو المسار الذي ينبغي عليهم إتباعه: "اجعلوا للتشكيل مكانا في حياتكم، واعملوا على تحريره من أسر النص الجاهز، وامنحوه  استقلاله وتميزه".إن  استقلال التشكيل وتميزه هاهنا يكمن حسب ملفوظ القولة في تحرره من كل ما هو جاهز ونمطي، ساد على مر عصور داخل الأعمال الفنية التي كانت نموذجا بصم على مخيلة الفنان المغربي ولم يتخلص منه، بل إنه ظل يكرره، إن بطريقة أو بأخرى. مما جعل المتلقي يصنف التشكيل في قالب بعينه من خلال  التيمات التي سادت داخل دور العروض وهي تيمات ظلت مشتركة بين الفنانين آنذاك  وما زالت إلى يومنا. فالمعنى الحقيقي للتشكيل لا يمكن أن يستوعبه طالب الفن إذا لم يعمل على بناء ركيزة فلسفية منهجية يقوم عليها تفكيره الفني والجمالي، الشيئ الذي سيؤدي حتما إلى فتح آفاق رحبة للخروج من دوامة إعادة الإنتاج نحو الإبداع.

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن سؤال الفلسفة هو الكفيل بإخراج الدرس التشكيلي في معاهد الفنون من صناعة الفنان الحرفي نحو صناعة الفنان المبدع الذي لا ينسج على منوال الآخرين، بل إنه يتجه نحو منوال خاص به وبالتالي فإنه حسب تقديرنا  يستطيع بناء  مسار  خاص به سيعطي  لأعماله تميزا وقيمة جمالية وعلمية.

 

 محمد الشاوي - فنان تشكيلي مغربي وأستاذ فلسفة

 

 

هذا عنوان كتاب للأستاذ (محمد حسنين هيكل)، صادر عن الشركة العربية للطباعة والنشر، وتأريخ طبعته الأولى، في نيسان 1958 (ألف وتسعمائة وثمان وخمسون)، وبحجم متوسط، وعدد صفحاته (166).

 وهو لقطات فوتوغرافية صحفية لما أدركه الكاتب بتجربته وخبرته آنذاك، وكان يعرف أن الزمن يتحرك والمياه تجري من تحت كوبري النيل ولا تتوقف أبدا، وأن أحداث الشرق الأوسط تتحرك بسرعة فائقة يقارنها بسرعة الأقمار الصناعية في حينها.

فالشرق الأوسط ومنذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وهو على صفيح ساخن بنيران النفط المتأجج الجمرات والجذّاب للأطماع.

وما ورد في الكتاب من رؤى صاحبها (جورج بروان) وكان في وزارة الظل، والذي صار رئيسا لوزراء بريطانيا فيما بعد، وهي تدور حول " كيف يمكن أن يخف التوتر السائد في الشرق الأوسط"؟!!

وفي حينها كان حلف بغداد ومشروع آيزنهاور وغيرها من المشاريع والمناورات، ويرى الكاتب أن الشرق الأوسط لا تحكمه المشاكل، وإنما تحكمه العقد التي خلفتها المشاكل!!

ورأيت أن أقرأ الكتاب بمنظار نفسي، وأسلط الأضواء على تلك اللقطات الفوتوغرافية الذكية، التي لا تزال فاعلة في صناعة النواكب الشرق أوسطية المتفاقمة، والتي يدير محركاتها النفط، العدو الأكبر للوجود العربي بأسره.

وعلى حد قول الأستاذ هيكل: " قلت لجورج براون، التوتر في الشرق الأوسط ليس في حاجة إلى ساسة يحلون تعقيداته، وإنما هو في حاجة إلى أطباء نفسانيين يحللون عقده"!!

أولا: يدرسون ويتأملون ويستقصون

" كان جورج براون في القاهرة يدرس ويتأمل ويستقصي"

الآخر لا ينطلق برؤاه وتصوراته وقراراته من الفراغ، وإنما يدرس بإمعان ويرى بوضوح بمنظاره وأدواته التوضيحية والإستكشافية والتحليلية لكي يصل إلى نتيجة ذات مغزى ومعنى ، ومبتدءات ترسم معالم مسيرته وخطته القادمة للوصول إلى أهدافه وبرامجه ومشاريعه التي تعزز مصالحه وتؤمّن موارده.

فهو يجرب ويبحث ويستنتج، ويطور ويبني على النتائج ويتقدم في الأبحاث، وهذه الحالة على أشدها منذ أكثر من نصف قرن ولا تزال حامية، وما حصل للعديد من الدول العربية يؤكد ذلك ويشير إليه.

ثانيا: الموقف غريب وغامض

الغرابة والغموض من مميزات الواقع العربي، وهذا الأسلوب تأكيد لسياسات " الصيد في الماء العكر"، ولهذا مضت الأمور على هذه الشاكلة لتحقق صيدا أوفرا، فالواقع أعمى العيون والأبصار ومحكوم بالمجهول والتوجسات والإضطرابات، وما يأتي من الأهوال والخطوب، والأخطار التي تتجاوز قدرات التصور والخيال لعامة الناس.

 فالموقف غريب وغامض منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، ولا يزال يزداد غرابة وغنوضا وتعقيدا وإرتيابا وأكثر.

ثالثا: المشاكل الظاهرة والخفية

المشاكل الظاهرة للتلهية والضحك على الذقون وتمرير اللعب والمخططات، وتشترك جميعها بأسلوب إشغال البشر ببعضهم لأخذ ثرواتهم والتحكم بمصيرهم، وإستعبادهم ورهنهم وأسرهم بالتبعية والخنوع والقبض على مصيرهم، وتحويلهم إلى مطايا وروبوتات، تنفذ أجندات مطلوبة وبرامج محسوبة.

فالمشاكل الخفية تصارع المصالح وتكالبات القوى المتأسدة في الأض، وهي الداينمو الأنشط لتحريك عجلات المشاكل الظاهرة، وتنمية الصراعات والتفاعلات التدميرية ما بين البشر أنفسهم، وهذه الحالة قائمة ومتطورة في أيامنا المزدحمة بالتطورات والإلهاءات الفائقة.

رابعا: أحلاف ومؤامرات

المنطقة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، محكومة بأحلاف ومؤامرات لا تنتهي، وكل ما حصل ويحصل فيها ينضوي تحت هذين الإتجاهين، فإما نتيجة لحلف أو لمؤامرة، وكل حدث مرهون بزمن وغايات يتم الوصول إليها لكي يتبدل، ويتغير الواقع بما يخدم المنطلق الجديد أو المشروع المتمخض من مفردات وعوامل سبقته وساهمت في إنضاجه.

فما يجري لايزال على ذات المنوال، ولهذا تحقق تغير متعدد للأنظمة والأحزاب في المنطقة، وحصلت حروب ونزاعات داخلية وإقليمية، أسهمت في تحقيق المصالح على أكمل ما يرام.

خامسا: سياسات سدّ الفراغ

المنطقة بدولها المتعددة تتعرض بين آونة وأخرى إلى إحداثا فراغات سياسية شاملة، تؤدي إلى إنجذابات وإحلالات خطيرة، وهذه السياسة مرسومة ومدروسة بعناية، لأنها تعمل على توظيف القوى والأحزاب السلبية والعدوانية المحقونة بالشرور، ومؤازرتها بالإعلام والسلاح لتحقيق أقصى درجات التدمير الذاتي والموضوعي.

وفي بداية القرن الحادي والعشرين تم ممارسها وتطبيقها في عدد من الدول التي تحولت إلى هباء منثور، وفي الوقت الحاضر يتم ممارسة هذه السياسة الفظيعة الفادحة بأساليب عدوانية وإمحاقية غير مسبوقة، بعد أن تكللت بالنجاحات في عقود القرن المنصرم.

سادسا: تغيير الأنظمة بالقوة

أنظمة الحكم بالمنطقة أما إنقلابية دموية عسكرية، أو عائلية صرفة، ولا يوجد غيرها، وإن حصل العكس توجهت قدرات العدوان والتدمير بعنفوانها لإعادته إلى السكة المطلوبة والمسيرة المرغوبة، فلا توجد في المنطلقة أنظمة تحترم قيمة الإنسان، وتعمل وفقا للقوانين وتنضبط بدستور، فهذه الأنظمة من المحرمات، كما أن الديمقراطية من الممنوعات، ولن يُقام نظام ديمقراطي إلا على سياق ما يحصل في العراق وليبيا واليمن وأخطر وأمَر.

فأنظمة الحكم المطلوبة إنقلابية تابعة ومحكومة بأجندات واضحة لا تقبل المناقشة، فالذي يحكم في الدول هم سفراء القوى المتأسدة فقط، وأنظمة الحكم عبارة عن صورة وأدوات لتنفيذ الإرادات، ولهذا يتغيرون بإنقلابات دموية، ويُمحق ما أقاموه ليأتي نظام آخر ويشيّد ما مطلوب ويغيب في تمثيلية إنقلابية دامية حمقاء، تسفك الدماء وتزهق أرواح الأبرياء.

سابعا: صناعة الرواسب والتراكمات المعقدة

التفاعلات تكون محكومة بآليات تمازجها بمعادلات كيميائية سلوكية وتضيف إليها عوامل مساعدة ومعجلة تساهم بتسريع النتائج وزيادتها، ويتم البناء على ما أفرزته وإدخاله في معادلات أخرى وأخرى، حتى تتمخض الحالة عن صيرورات ذات منطلقات تدميرية ونزعات هدّامة تساهم في صياغة واقع يخدم مصالح الآخرين ويناهض مصالح المواطنين.

وأحوال المنطقة بأسرها محكومة بهذه النتائج المتاركمة وما يُبنى عليها بأساليب عدوانية مدمرة، مما تسبب بضياع أصلها وأسبابها والإنغماس بمتوالياتها الهندسية، ودوائرها المفرغة، التي تمنع الخروج منها وتعزز التورط بويلاتها المتفاقمة.

ثامنا: الحكم بالعقد التي خلفتها المشاكل لا بالمشاكل نفسها

المشاكل تتوالد في المنطلقة، ولايمكن لمشكلة أن تصاب بالعقم، أو تجد حلا ومخرجا، ولكل مشكلة مؤثراتها النفسية والعاطفية والسلوكية، والعمل على تراكم هذه المشاعر السلبية يساهم بقوة في تعطيل التفاعلات الإيجابية ما بين أبناء المجتمع، ويؤدي لبناء الحواجز والمصدات الإنفعالية، ويهدم الجسور ويلغي قدرات التواصل والإنتماء الصيروراتي المعاصر.

وما نعيشه في الوقت الحاضر ناجم عن العقد النفسية والدمامل المحتقنة في الأعماق، والتي أدت إليها المشاكل الراسخة القابضة على مصير الناس، والكاتمة لأنفاسهم والمانعة لقدرات التعبير عن طاقاتهم وغاياتهم الإنسانية في الحياة.

تاسعا: المرارات الحاكمة

فالقوى الكبرى لا تذعن للفشل بل تنتقم منه وتدمر الهدف الذي أصابها بالفشل، فالأسود لا تستكين للهزيمة، وإنما تفترسها، وتسعى لمحق آثارها وتوريط أصحابها بنكبات متوالية، تزيدهم ضعفا وإنهيارا وتوسلا بالأسود التي عجزت عن إفتراسهم في أول جولة.

فالمنتصرون بالمنطقة يدفعون ثمن إنتصاراتهم، ويتم دفعهم إلى المهاوي والمنزلقات التي تحولهم إلى رهائن، وتنسي الناس نصرهم، وتجعلهم مجرمين بحق شعوبهم وأوطانهم، وقد حصل ذلك في مصر والعراق.

فأي نظام عربي مهما توهم، لا يمكنه أن يتنعم بنصره وبإنجازاته، لأن الإرادة المضادة ساعية لجعلها وبالا عليه.

فأين إنتصارات مصر وإنجازاتها الصناعية والثقافية؟

وأين إنتصارات العراق وإنجازاته العلمية والصناعية؟

كلها إنقلبت وبالا على البلدين، وتلك حقيقة تترجم منطوقا خلاصته أن المنطقة يجب أن تؤمن بأن الهزائم والإنكسارات قدرها ومصيرها، وبهذا الإتجاه تتحرك ماكنة الإعلام وتنطق العمائم والأقلام.

عاشرا: يصنعون أحداثا للشرق الأوسط:

أحداث الشرق الأوسط من أولها إلى آخرها مُصنّعة ومستوردة، وإن صح التعبير فأنها مصطنعة!!

ولا يوجد حزب أو فئة أو جماعة، أو حركة إلا وقد صُنعت ومولت من قبل الآخرين الذين يريدون تأمين مصالحهم، بل أن جميع الأنظمة التي حكمت وتحكم والإنقلابات، ممولة ومدعومة، ولا يحصل ولن يحصل شيئ في الشرق الأوسط إلا بإرادة أصحاب المصانع والشركات ومباركة المدمنين على النفط ونهب الثروات.

وحتى الحروب والصراعات وإستخدام الدين ورموزه يتحقق وفقا لآليات تصنيعية وتسويقية، تخدم إرادة المتحكمين بمصير الشرق الأوسط وما حوله من الدول، التي تُستخدم لتمرير المصالح وتأمين الوصول إلى الأهداف.

وتلك حقائق سلوكية فاعلة ونشطة في منطقة الشرق الأوسط ومتكررة ومستوطنة فيه، يساهم في إزمانها وتطورها أبناء المنطقة الذين تم تأهيلهم للسقوط في أحابيل القبض على مصيرهم، وإمتلاك وجودهم.

ويبدو أن الواقع في القرن الحادي والعشرين سيكون أسوأ وأمر، لأنه قد بنى برامجه ومشاريعه على ما تمخضت عنه التجارب والأبحاث والأحداث في القرن الذي سبقه.

ولا تزال أفكار ومنطلقات هذا الكتاب ذات قيمة وفعالية في أيام الشرق الذي ما عاد أوسطا!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

اولا قبل ان نطرق الى الموضوع لابد للقاري ان يتساءل اولا عن.. من هم ..ازناگن..او بالاحرى.. من هم الصنهاجة..ومن اين اتو.. هل هم من المشرق كما يدعي العروبيين.. ام من الغرب كما يدعي الاخرون.. يقول ابن خلدون الدي عاصر الصهاجة..ان التاريخ جم الفوائد شريف الغاية اد هو يحدثنا عن تاريخ الامم كالانبياء في سيرهم والملوك بسياستهم ودولهم.ان ابن خلدون يرجع اصل الصنهاجة الى موريتانيا وليس المشرق كما يدعي البعض..الصنهاجة المرابطون من قبيلة لمثونة احدى القبائل الامازيغية تزعم حركتهم محمد بن تيفاوت وقام فيهم يحيى الجازولي او الگدالي ودلك بمساعدة عبد الله ابن ياسين الدي يدعو الناس باسم الدين واسس دولتهم محمد ابو بكر اللمتوني الدي فعلا تنازل لابن عمه يوسف ابن تاشافين عن العرش سنة 453.غير ان الدي يهمنا هنا هو موضوع المراة.فكيف كانت المراة في عهد الدولة المرابطية..

المرأة الصنهاجية، حينما سعى الدّين لتغييب التاريخ:

لماذا المرأة الصنهاجية ؟

تشترك القبائل الصنهاجية حسب النسّابين القدماء، مع مجموعات قبلية أخرى مثل: أوربة، مصمودة، كتامة … وغيرها، في أصلها إلى البرانس (أحد الأقسام الكبرى للأمازيغيين). وتستقر قبائل صنهاجة في جل جهات شمال إفريقيا سواء في السهول المتوسطية أو المحيطية أو في الجبال، أو في الصحاري الكبرى, ومعروف أن صنهاجة كانت أول قبيلة مغربية استطاعت أن تتجاوز عتبة التنظيم القبلي لتدخل التجربة الدولتية، وذلك عندما قامت « لمتونة » بمحو التجربة الإدريسية لتقيم على أنقاضها الدولة المرابطية. (لذلك سقنا هذا النموذج ولا نعني به التخصيص أو حد تاريخ المرأة الأمازيغية فيه، كنموذج).

ومن خصال قبائل صنهاجة، حبها الشديد للبلاد ودفاعها الكبير عن العباد، وهو ما كان له أبعد الآثار في صياغة تاريخ المغرب؛ إذ رفضت صنهاجة دخول العرب إلى المغرب أثناء « الفتوحات » وبعدها، فكانت شديدة العداء للأمويين وحلفائهم الأمازيغ البتر. الشيء الذي سمح ببروز الدور التاريخي للمرأة بشكل مميز في هذه الفترة من جديد. ذلك لأن المرأة الأمازيغية حافظت دائما على زعامتها ومكانتها في المجتمع الشمال إفريقي بشكل عام.

ولإبراز مكانة المرأة الصنهاجية في بيئتها الصحراوية (والشبه صحراوية)، خلال العصر الوسيط، تحيلنا المعلومات التي ساقها الرحالة « ابن بطوطة » (الذي زار مضارب قبائل صنهاجة سنة 753هـ) إلى دورها المهم بهذا المجتمع، مما أثار استغرابه واندهاشه، بحيث لم يسبق له أن شاهد، خلال رحلاته وأسفاره العديدة، وضعية مماثلة لها. ويقول في معرض حديثه عن أحد بطون قبائل صنهاجة: « ولنسائها الجمال الفائق، وهن أعظم شأنا من الرجال، وشأن هؤلاء القوم عجيب، وأمرهم غريب… ».

إن أهم ما ميز هذا الرحّالة كونه غريبا عن المنطقة، ما سمح لنا أن نستشف من خلاله بعض العادات والتقاليد التي تمسّك بها المجتمع الأمازيغي في هذه الفترة، خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة التي يقول بأنها لم تكن تتخد الحجاب، بل من عادتها السفور حتّى أمام الرجال الأجانب. إضافة إلى شيوع الاختلاط بين الجنسين، بحيث تربط النساء علاقة صداقة مع الرجال الأجانب من غير ذوي المحارم. وحينما تتزوج إحداهن برجل أجنبي عن القبيلة، يشترطن عليه عند عقد الزواج البقاء معهن في مدينتهن أو مضارب قبيلتهن، ولا يقبلن أن يسافرن معه بعيدا عن أهلهن…إلخ.

يقول « ابن بطوطة »: ومع ذلك فإن القوم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلّم الفقه وحفظ القرآن… . بل الأدهى من ذلك أن المنطقة التي كان يتحدث عنها عرفت الإسلام منذ أزيد من سبعة قرون قبل ذلك، وهي مدة كافية لترسيخ العادات الإسلامية بالمنطقة والقضاء على العادات المحلية المناقضة للإسلام !. ولو سلّمنا بصمود بعض العادات المحلية ، فإن الحركة الإصلاحية التي قادها « عبد الله بن ياسين » في مطلع القرن الخامس الهجري، والتي أدت إلى قيام الدولة المرابطية، كانت لتقضي على بقايا تلك العادات وترسخ بدلها تقاليد إسلامية والمذهب السني المالكي. هل كان « ابن بطوطة » كاذبا فيما أورده إذن ؟

إن الرجوع إلى المصادر التاريخية الأخرى يؤكد لنا صحة جل معلومات رحالتنا عن نساء المنطقة، إلا في قضية واحدة هي قضية انتساب الأبناء إلى خالهم، فنسبهم كان يرجع لأمهم دائما وليس لأحد آخر. إذن هل ماتت المرأة الأمازيغية ؟ أم أن الحركة النسائية بالمغرب لم تبدأ بعد ؟ هل نسيت المرأة الأمازيغية زمن الأمازونات ؟ كلها أسئلة تجعلنا نقر بغرابة التاريخ الذي يكرر نفسه، وبأزلية وخلود أدوار المرأة الأمازيغي بالمجتمع الشمال إفريقي.

يقول أحد الأمثال المأثورة : « Ur da ttmunn sin iẓaṭṭn g yan uxriṭ » . بمعنى أن ثقافتين مختلفتين لا يمكن أن تتعايشا في بيت واحد، إلا إذا امتلكت إحداهما آليات غير شرعية لإخضاع الأخرى، أو التحايل عليها واستدماجها في داخلها. وهذا ما حدث مع الثقافة الأمازيغية التي لم تمت يوما رغم تأثرها بالعديد من الثقافات المجاورة لها. ومن بين مسببات عدم موثها مقاومة المرأة الأمازيغية كما سبق الذكر، إضافة إلى التجاء العديد من القبائل الشمال إفريقية إلى الجبال واتخاد نمط الترحال الذي يصعب التأثير فيه إلا بدرجات قليلة. ومن بين هذه النماذج التي ظلت مقاومة إلى حدود الفترة الحديثة من تاريخ المغرب، نعطي نموذج قبائل الجنوب الشرقي، خاصة تلك التي شكلت أهم أحلاف عرفها تاريخ ما قبل/ وبعد تدخل المستعمر الفرنسي بالمنطقة.

– ملاحظة، لابد منها:

إن ما كان يميز المرأة الأمازيغية في فترة معينة دون أخرى، هو مدى اهتمام أو إغفال المؤرخين والمحدثين لها. ذلك أن استمرارية قمع هذا الدور رغم احتفاظ المجتمع الأمازيغي بالعديد من عاداته وتقاليده، ورغم كل ما عاناه من تدخلات خارجية واستعمار وتنكيل وتحولات جلية في الديانات والعبادات.. لم يحل دون تغيرها بشكل كبير، يجعل منها خاضعة تماما للهيمنة الذكورية.

إننا إذ نقرّ بهذا، وندافع عنه؛ فذلك استنادا إلى فكرة علمنا إياها التاريخ، فما لم تكتبه بيديك كما تعيشه أنت، لا يمكن لأحد آخر أن يكتبه بدلا عنك، ويفهم كيف قمت به ! خصوصا أن الشعب الأمازيغي كما سبقت الإشارة، اكتفى بذاكرته من أجل حفظ التاريخ. فكان يورّث هذه الطريقة لأجياله اللاحقة حتى تدخلت عدة عوامل ذكرنا بعضا منها فيما سبق، أدت إلى مغادرة السهول والالتجاء إلى الجبال والاحتماء بها. لذلك فأي نموذج نسوقه هنا، لن يعبر بتاتا عن شمولية الدور الذي لعبته المرأة الأمازيغية في تاريخ شمال إفريقيا عموما، والمغرب على وجه الخصوص؛ ثم إن اختيارنا لمجال معين دون آخر في هذه المحاولة، لا يعدو أن يكون إلا إشارة بسيطة لمجالات ظل فيها الإنسان مستقلا نسبيا عن التأثيرات الخارجية الكبيرة، كما حصل في السهول والمجالات القريبة من المحيطات.

 

الحسن اعبا

....................

المراجع

المراجع المعتمدة:

– المرأة والحفاظ على التراث الأمازيغي. أعمال الندوة الوطنية التي نظمت يومي 26 و 27 يوبيوز 2005. تنسيق: الحسين أيت باحسين. منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. الرباط ة 2008.

– المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي، المواجهة المغربية للأمبريالية الفرنسية 1881-1912. تأليف: روس إ.دان. ترجمة: أحمد بو حسن، مراجعة: عبد الأحد السبتي. منشورات زاوية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2006.

– أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ). ترجمة وتعليق وشرح: الدكتور مصطفى أعشي. منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. الرباط 2009.

– مجلة: (التاريخ، الثقافة، المجتمع). عدد مزدوج: 13-14 « حلقات في تاريخ المرأة بالمغرب ». مطبعة النجاح الجديدة 1998.

– مجلة: أمل (التاريخ، الثقافة، المجتمع). العدد: 39- 40 « نساء وقضية ». مطبعة النجاح الجديدة 2012.

 

 

 

المقصود بالرسول هنا، نبي الإسلام محمد، صلي الله عليه وسلم . في هذا العصر ـ عصر العلم ـ هناك من يؤمن به نبياً رسولاً، وهناك من لا يؤمن به . وهو في اعتقاد من يؤمن به، خاتم الأنبياء والمرسلين، وحجر الزاوية الذي استكمل بناء النبوة والرسالة . يؤمن به وهو لديه من المؤيدات والمعجزات الدالة، التي اقـتـنـع بها، وارتاح لها . إلا أن من يؤمن به، يواجه في هذا العصر بحملة تشويه، لا تكل ولا تمل، في سبيل النيل من دينه، والنيل من رسوله، والتشكيك فيهما . ونظراً لتهافت مستوي التعليم الشرعي في بلادنا الإسلامية، فإننا نجد أنفسنا مدفوعين للبحث فيما ينتجه العقل غير المسلم، علي دليل نستأنس به في صحة معتقداتنا من ناحية، ونجابه حالة التشكيك والطعن التي نتعرض لها، بأدلة توصلوا هم إليها، تقدح في مبررات عدم إيمانهم بديننا، من ناحية أخري . وهذه حالة توهم ناتجة عن التهافت المعرفي الذي نعانيه .

وقد انتشرت علي مواقع التواصل الإجتماعي، مقالات تناولت نتائج أبحاث، جري الربط بينها، وبين أحاديث نبوية، للتدليل علي وقوع دلائل النبوة، في سيدنا محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ ودلائل صدقه، في البلاغ عن ربه، من واقع نتائج هذه الأبحاث .

من هذه الأبحاث بحث يزعم وجود علاقة قوية، بين السلوك العدواني، والنزوع إلي الإنحراف الإجرامي، والميل لإدمان الكحول، وارتكاب الحوادث، وعدم الإستقرار العقلي والعاطفي لدي الإنسان، والدورة القمرية للقمر . والعلة وراء وجود هذا الرابط بين الجسد البشري والقمر هي الماء وقوة جاذبية القمر . وقد بدأ من فرضية أن سطح الأرض يتكون من قرابة 80% من الماء، والباقي مواد صلبة، وأنه أثناء اكتمال القمر بدراً تحدث ظاهرة المد والجزر في البحار والمحيطات، بفعل قوة جاذبية القمر .

ولما كان جسم الإنسان أقرب شبهاً إلي الأرض من حيث نسبة الماء إلي المواد الصلبة فيه، فإنه هو الآخر وأثناء اكتمال القمر بدراً، تحدث بداخله ظاهرة المد والجزر، الناتجة بفعل قوة جاذبية القمر خلال هذه الفترة، ومدتها ثلاثة أيام .

وينتج عن ذلك كل المظاهر السلوكية وحالة عدم الإستقرارالتي أشرنا إليها آنفاً . فما السبيل إلي الخلاص من كل ذلك ؟ .

هنا إلتقط المتهافتون طرف الخيط، للربط بين هذه الظواهر ـ إن صحت ـ وبين صيام ثلاثة أيام من كل شهر قمري، يكون القمر فيها بدراً . فمن المعروف أن الصوم يقلل نسبة السوائل في الجسم، وتقليل هذه النسبة، يعني التقليل من حالة المد والجزر داخل جسم الإنسان، لضعف تأثير قوة الجاذبية القمرية .

والإضعاف من هذه العلاقة التلازمية يعني التخفيف من حدة الظواهر السلوكية المشار إليها، ومن ثم يصبح الصيام نوعاً من العلاج النفسي والسلوكي للإنسان . وقد ورد في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه : " أوصاني خليلي بثلاث : صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام " ـ رواه البخاري ـ .

والواقع أن ذاك الربط، وهذا  الإستنتاج يخالفان الحقيقة والواقع، فالحديث النبوي لم يشر إلي وجود علاقة بين الصوم والقمر . ولو أن الأمر مرتبط بوجود علاج لحالة الخلل النفسي والسلوكي تلك، لحمل صيام هذه الأيام علي الوجوب لا الندب . ولو كان الأمر كذلك لأوجب صيام الليل الذي يظهر فيه القمر، بدلا من صوم النهار . كما أن صيام الأيام الثلاثة غير محددة بوقت، سواء أول الشهر، أو آخره، أو أوسطه، كما لم يشترط فيها التتابع، وإنما يجوز صيامها متفرقات . وذلك كما ورد في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ الذي رواه مسلم في صحيحه .

كما أنه ثبت علمياً ثبات تأثير قوة جاذبية القمر علي مدار الشهر القمري، ولا يتأتي الإختلاف إلا بقرب المسافة أو بعدها .

وثبت علمياً كذلك أن تأثير قوة جاذبية القمر مداً وجزراً يكون علي البحار والمحيطات المفتوحة ـ المتصلة ـ وتمثل كتلة كبيرة . أما المياه الموجودة داخل الجسم البشري، فهي مياه مغلقة غير متصلة، لوجودها داخل خلايا، ولا تمثل كتلة كبيرة . ومن ثم يصبح تأثير الجاذبية القمرية ـ إن صح ذلك ـ ضعيفاً للغاية .

ومن هنا يمكننا القول بأن الربط بين صيام الثلاثة أيام، وقوة تأثير جاذبية القمر هو من باب الخرافة والوهـــم . ولا يعني ذلك إنكار الإعجاز العلمي للكتاب والسنة، وإنما فقط ننكر مالا يثبت من حقائق علمية، حتي لا نضر بالكتاب والسنة . ومن لا يؤمن بمحمد نبيا رسولاً، لن يجعله هذا الربط مؤمناً، والمؤمن به ليس في حاجة إلي هذا الربط  بين الآيات االقرآنية والأحاديث النبوية، والأوهام اللاعلمية، التي لم يستقر علي ثبات حقيقة علميتها بعد . وذلك دون الإستعانة بهذه الخرافات . والله من وراء القصد،،،

 

حــســــــن زايــــــــــد

تُحظى تطبيقات التراسل الفوري بشعبية كبيرة بين الناس نظرا للحاجات التي استطاعت هذه التطبيقات توفيرها للمستخدم من خلال التواصل مع الاخر بصورة فورية ومنحه فرصة البقاء متصلا مع الشبكة” اون لاين” على نحو مستمر يرضي حاجة سايكولوجية عميقة بدت معروفة لدى العديد من المختصين في مجالي التواصل وعلم النفس.

وقد غدت هذه التطبيقات التي تمنح مستخدميها، سواء الناس العاديين الذين يستعملونها للترفيه والتواصل او المختصين في مجال الاعلام والسياسة، حرية التراسل مع الطرف الاخر من خلال ارسال النصوص الكتابية او الصور او الفيديوات على اختلاف انواعها، غدت من اوائل البرامج التي يقوم المستخدم بتحميلها حال البدء باستخدام هاتفه الذكي وقبل تحميل اي تطبيقات او برامج اخرى مهما كان نوع اهتمام هذا المستخدم او عمره او مستواه الثقافي.

ونتيجة للتطورات التي حدثت في الاشهر الاخيرة بالنسبة لطرق واشكال ومديات الاتصالات، وكانعكاس لما وصلت له تمظهرات الثورة الرقمية التي مسّت معظم المجالات الاقتصادية والسياسية والاعلامية والاجتماعية، انبثق شكل جديد من الاعلام بدأ بالتشكل من خلال هذه التطبيقات وتبلور شيئا فشيئا بواسطة استعمال هذه التطبيقات من قبل الصحفيين لنشر الاخبار وتسويقها وايصال الرسائل المتضمنة في ثناياها.

ولذا استعان الصحفي بمثل هذه التطبيقات، وبدأ ينقل الاخبار والتصريحات والبيانات من خلال هذه المنصات الرقمية التي يتم تسميتها رسميا بتطبيقات التراسل الفوري مثل الواتساب والفايبر والتيلغرام والسكايب والتانغو والوي شات والايمو والبي بي ام وغيرها من التطبيقات التي تتنافس على انتاجها الشركات، وتقوم، كل فترة، باطلاق تطبيق جديد يتميز بمميزات مختلفة عما هو موجود في التطبيقات الأخرى، بل وتحاول ان تلبي رغبات المستخدم مما لم تستطع التطبيقات السابقة تلبيتها.

وبسبب ميزة انشاء مجموعات معينة في هذه التطبيقات، ظهرت مجموعات استفاد منها الصحفيون وعلى نحوين مختلفين ؛

الاول؛ مجموعة عامة تضم صحفيين وسياسيين وكتّاب واكاديميين وخبراء في مجالات متنوعة، وتجد فيها يتم تناقل الاخبار المختلفة والافكار المتنوعة من عدة مصادر بحيث يجد الصحفي امامه كم هائل من الاخبار والافكار يغطي احداث ومجريات الساعة، ويغنيه، ربما عن العودة، لاي مصادر اخرى، بل ان بعضها يقوم بخاصية استضافة بعض المفكرين او السياسيين ليشرح موضوع ما او يجيب على الاسئلة التي تقدم له من داخل اعضاء المجموعة.

الثاني؛ مجموعات رسمية مختصة باخبار تتعلق بمسؤول معين او جهة او مؤسسة حكومية ما، يديرها ادمن واحد او اكثر ينتمي لنفس المؤسسة، وهنا ستصل للصحفي المشترك في المجموعة اخبار خاصة بهذه الجهة الرسمية بدلا من رجوعه للموقع الالكتروني او صفحة الفيسبوك او حساب تويتر، التي عادة لاتأتي منشوراتها بتنبيه كالذي نجده في بعض التطبيقات، كالواتساب وغيره، والتي تكون فيه الاشعارات والتنبيهات فورية وتمنح المستخدم مميزات أخرى مثل تحديد نغمة خاصة بالمجموعة لكي يميز الاشعار الواصل من هذه المجموعة عن غيرها.

ولو سألت الان اي صحفي خصوصا مما يعملون في اقسام تحرير الاخبار في الوكالات او المواقع او الفضائيات، عما يفضله في العمل فيما يتعلق بتلقي الاخبار لاجابك فورا بان يفضل الاشتراك في هذه المجموعات الرقمية بدلا من الاعتماد على الايميل او الموقع او الفيسبوك وتويتر خصوصا مع وجودة معيار سرعة نشر الخبر لدى المؤسسات الاعلامية كدليل على مهنيتها ونجاحها وسرعة استجابتها للاحداث وتقديم اخبار تتعلق بها.

وفي هذا السياق وعلى النحو الذي اشرت له أعلاه، اجادت هذه المجموعات الرقمية بخدمة الصحفيين ووسائل الاعلام من خلال تسهيل وصول المعلومة لهم على نحو لايقبل الشك، وهو الامر الذي يتسق مع مقتضيات العصر الرقمي والاعلام الجديد بكل مظاهره وتطبيقاته.

 

مهند حبيب السماوي

باحث في مجال السوشل ميديا

 

 

 

كثيراً ما كنت وما ظلت أجيل بفكري، وأحلم وأردد بخواطري في أحوال الناس، وكم كنت وأكون سعيداً لسعادتهم، وأشقى لشقائهم، ولكني في حيرة وليتني أطلب في كتاباتي وأتمنى بالإخلاص في الأعمال لأهل بلدي وأمتي، وأتمنى أن يتخلصوا من كل الدركات إلى أعلى الدرجات، ولكن أسفي يزداد عندما أنظر إلى بعض من أهل وطني وأمتي يسعون إلىِ الهدم والخراب والفساد وسفك الدماء وكأن يأسي على ذلك يغالب رجائي المنتظر وقنوطي الذي يغلب أملي في الحياة، فكلاهما يغلبان (الرجاء والأمل) في إعلاء كلمة الحق والرأي ورفع مجد وفخر بلادنا وأمتنا.

يقرع في أذاننا جميعاً وأمام أعيننا هؤلاء المتعصبون للسياسة والفكر والدين الذين يختلفون في الآراء في أمور الحياة، فتجد رأيان في أمر ما إلا كان أحدهما حقاً والآخر باطلاً، لذلك فإن الحق مهما كان لديه من الظهور والبروز وسعة المجال في تواصف الأشياء والأمور والآراء، فإن أضيق الأشياء تناصفاً وتعاملاً للمتعصبون تخفى عن أعينهم مسالكهم وعدم إتزان أعمالهم وأفعالهم، لذلك فإن الحق يكون للإنسان وعليه. فيظنون أن آرائهم وأفعالهم هي ظناً منهم أنهم على حق، وقد أوجبوا الشقاء لأنفسهم وبين الناس أبناء الوطن الواحد، بل الأمة. وليست لهم كلمة أو رأي يكون فيه الإصلاح لبلادهم وأمتهم. مما يجعل النفوس ما قرت، وإن هيجان الفكر والعصبية في القلوب ما همدت أبداً، والفتنة ما أطفئت التي تنشر في وساس الذين يلقونها لنيل أغراضهم الغير نبيلة.

إن نعرة التعصب في هذا العصر التي تضطرب في المجتمع والأمة، وقد يختل ميزانها، وقد تفرق وتقسم وربما تكون رأي وفتنة في السياسة والفكر والدين وليست لصالح كل هؤلاء، فإن سوق التهم جزافاً والرمي على الآخرين بدون وجه حق يوقع هؤلاء المتعصبون في العقوبات وتهوى آرائهم وفتنتهم في الدرك السحيق. فكل إنسان من حقه حريته في إبداء رأيه في سير الأمور ولكن بحدود وإحترام، فإن حرية السياسة مثلاً تقوم على المناصب المختلفة وهي وسيلة لخدمة الناس والمجتمع. وأن ما يشغلها هو موضع الرقابة الدقيقة من المواطنين، فلا حرج أن يبدي المواطن رأيه دون عبث أو هدم أو فتنة أو سفك دماء ويعلم أن المناصب العليا هي أمانة ثقيلة يطلب لها أعظم الناس تقى وعلماً، فلا يجوز التدخل ملئه الطمع والتطلع والسيطرة، إلا إذا كان هناك أخطاء من هؤلاء الساسة فوجب إيقافهم والوقوف في وجوههم ولو تكلف الأمر، فمثلاً يسند منصب لرجل إلا كان ترفعه كفايته إليها وذلك عن طريق انتخابه، فإذا أحبه الناس عمل من أجلهم بكل صدق وأمانة وإخلاص، فالسياسي المحنك هو الذي يعمل من أجل رفعة الوطن وأمته، فإنه يتصرف تحت رقابة المجتمع والأمة التي يريد أن يطمئن إلى سلامة مصالحها وإلى استقامة رسالتها في هذه الحياة ومن أجل الحياة دون دماء أو فساد أو هدر أموال عامة، فإذا توافرت هذه المثل الإيجابية في السياسي أو الرئيس فلما الهجمة والعصبيات على كل من يعمل لصالح البلد.

فإن الحاكم إذا عمل لمصلحة الوطن والأمة، فمن حق الناس أيضاً أن تطمئن إلى هؤلاء الرجال الذين يعملون لصالح الوطن، فلما التعصب والعبث واللعب بأدمغة الناس العاديين (مع الإحترام)، هؤلاء الناس الذين يريدون الاستقرار.

ولعلني عزيزي القارئ أيضاً أتعجب من بعض العقول الفكرية المتعصبة ألا يعلموا أن حرية الفكر هي عقل وعين تبصر، فالمتعصبون لفكرهم وفي آرائهم هم في غفلة وذهول. هؤلاء مصابون بكسل فكري واسترخاء عقلي، مما يجعلهم أصحاب اضطراب في الصلات بالناس وتزداد جرائمهم الفكرية باختلاف أساليب البحث ووسائل النظر في الأمور بعقل وحكمة. فالزج بالفكر الخاطئ في عالم ما وراء المادة وإبداء الرأي المخالف ووجود تصورات خيالية كاذبة، هذا ما يجعل الفكر والعقل في خطأ وفساد، لكننا نؤمن بحرية الفكر المستنير لخدمة الوطن والصالح العام من أوسع النطاق بما فيه ضمانة لأصالة وجودة الفكر الوطني الهادف لخدمة المواطن والمجتمع. فما دمنا نملك حرية فكر محكوم بحسن نية فيه شرف الوجهة، ومنح كل امرئ حق الإبانة عن رأيه كما تكون نفسه، بحيث لا يحدث فكراً فاسداً أو شغباً وألا يظلم الفكر الناس في حياتهم فهذا فكر حق وهذا فكر ما تعرفه أعرق العقول الفكرية في أعرق الدول من حرية وغيره.

... ولعلني أذهب بقلمي في عقول المتعصبون للدين، فليعلموا أن حرية الدين التي كلفها الإسلام هي حق وعدل ورحمة ورحبة صدر وآفاق واسعة الأقطار يتعاون الجميع من أجل كل الأديان جميعها على حسن الجوار وكرم اللقاء وتتسع كل القلوب لكل دين، فنحن روح خلقنا رب واحد، علينا أن نحترم كل الديانات الأخرى، فلا يجوز العبث ومحاربة الناس من أجل الدين، فكل إنسان يعرف نسبة إيمانه لا يجوز التعصب والفتن بعصبيتك المتدهورة في مجتمع يضم أناساً من مختلف الأديان، فقد نرى من يثور في النقاش بعصبيته بين الناس، فأين إلتزام الأدب والهدوء؟ فهنا مطلوب حرية العقل والضمير في إحقاق الحق وإبطال الباطل بكل هدوء، فالجو هو جو حرية نبيلة وطمأنينة شاملة وهذا ما يجب أن ينشده المتعصبون بين الناس وللناس بتفكير هادئ واع مثقف في آفاق المجتمع، فلا يذل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان بل كل القصد أن يرتقي الإنساني بعقله وفكره وسياسته ودينه بالعلم، فيحمل الخير وهو يعرف أن الخير النافع هو رضى الله ثم الناس وأن يترك العصبية ويفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته لنفسه.

... فعلينا بكل رجاء أن نصل بأنفسنا إلى درجة من حقيقة الفهم والإدراك وعدم التعصب الذي يؤدي إلى إراقة الدماء لبعضنا البعض، وأن نتلاشى النزاع والخصام بيننا ولصالح أولادنا وأجيالنا القادمة، فكل إنسان تعروه الدهشة عندما يرى أفراد المجتمع الواحد يسّوق بعضهم البعض إلى التذمر في الآراء والتشبث بالفكر، فنحن في عيشتنا نريد أن ننصف بعضنا البعض وأن نعيش في إخاء وهناء، ريثما يعرف الجميع أن يوماً ما سوف يكون هناك الفناء.

... فهيا نجعل من عصبيتنا سبيلاً لتوحيد كلمتنا واجتماع شملنا وأخذ كل منا بيد أخيه إبن بلده وإبن أمته ليرفعه من هوة النقص إلى ذروة الكمال، فالنتعاون على البر وحب الوطن والخير لنا جميعاً وأن نترك العصبية وأن تتضافر كل الناس والبلاد على المحبة والقوة ومنافسة الأعداء الخارجيين.

 

محمد شوارب - كـاتب حـر

 

 

هناك علاقة تباعد وجفاء وفجوة كبيرة نلاحظها بين السياسيين وصانعي القرار، من جهة، وبين مراكز الأبحاث والدراسات، من جهة أخرى. وتتجلى هذه العلاقة التي عادة ما تكون غير ودية، في العديد من المؤشرات الواقعية الملموسة، من أهمها :

1.اعتماد هؤلاء السياسيين على أنفسهم بالدرجة الأولى، لاعتقادهم أنهم يمتلكون قدرات عقلية عالية، فلا حاجة بهم إلى مراكز الأبحاث والدراسات، لكنهم في أحسن الأحوال يعتمدون على أشخاص معدودين يطلق عليم " مستشارين"، وهي الطريقة القديمة التي كان يسير عليها الخلفاء والسلاطين السابقين، لكن هؤلاء المستشارين الحاليين، بدورهم ليس لديهم اهتمام بالدراسات والأبحاث.

2.إن السياسيين، سواء كانوا في السلطة، أم خارجها، ليس لديهم خلفية معرفية في البحث العلمي أو خبرة في الممارسة العملية، فضلاً عن ذلك ليس لديهم اطلاع على المفهوم الشائع الآن الذي يسمى " مخزن الأفكار" ( Think tank).

3.ليس عند السياسيين قناعة أو إيمان بنتائج مراكز الأبحاث، لذلك فهم يعتقدون أن هذه النتائج لا تعدو سوى رأياً استشارياً، غير ملزم، ولايمكن السير على ما فيه.

4.إن نتيجة الابتعاد عن مراكز الأبحاث تظهر في طبيعة القرارات التي يتخذها هؤلاء السياسيين، التي غالباً ما تكون فردية، ارتجالية، مظطربة، نتائجها ملموسة من فساد مالي وإداري وحصول أزمات وانتكاسات وأخطاء عديدة، يواجهها المجتمع باستمرار.

5.الخشية من نتائج الأبحاث، بخاصة، تلك التي يعتقد السياسيون أنها تهدد مصالحهم ووجودهم، لأنها تطرح إعادة صياغة الواقع وتغييره ببدائل واحتمالات جديدة.

  1. يعتقد هؤلاء السياسيون أنهم أدرى بالواقع على الأرض، من أولئك الباحثين الذي يعتبرهم أشخاص نظريين مجردين من الواقع، على هذا الأساس يشكك هؤلاء السياسيين، بنتائج الأبحاث والدراسات، لذلك ينطبق عليهم قول المعلم الثاني، الفارابي، الذي نعيده في كل مناسبة، وهو: أن للرؤساء همماً ينفردون بها عن سواهم من الناس، وهي أنهم يعتقدون في جميع من دونهم الاستخدام، وفي أنفسهم الإصابة في جميع ما يأتونه.
  2. إن نظرة السياسيين وتقيمهم لمجريات الأحداث في المجتمع، يكتنفها الغموض والعشوائية، سواء كانت في المستويات الإدارية والاقتصادية، أم على المستوى السياسي.
  3. لا يسمح هؤلاء السياسيون بوجود مراكز ذات مضمون سياسي، إلا إذا كانت خاضعة لهم، وأن لا تتعارض مع توجهاتهم وأفكارهم .
  4. الرغبة الشديد لدى السياسيين في الاستحواذ على صنع القرار وعدم اشراك الاخرين معهم بما فيها مراكز الابحاث، الامر الذي ينسجم مع توجهاتهم في السير على طريق المركزية الشديدة، التي ترفع من قيمتهم وأهميتهم في إدارة الدولة.

وأخيراً نأمل من السياسين أن يشجعوا ويدعموا تقديم الحوافز المادية من حيث الإنفاق الحكومي على مراكز الأبحاث التي ينبغي أن تكون مركزاً للبيانات والاحصائيات المجردة لتحليل مسيرة المجتمع ولتوقع ماذا سيحدث، من أجل أن تدعم المسؤولين في التطوير والتقييم، هذا إذا كان هناك من يسمع أو يقرأ!!

 

أحمد محمد جواد الحكيم

 

يتناول البعضُ موضوعاتٍ مهمة، بل وفي غاية الاهمية، بقدر من الاستخفاف والعجالة لا تتناسب وخطورة ما يتناولون . ومن هذه الموضوعات، مثلا، التصدي لتوصيف الشخصية الوطنية او تحديد سماتها، بكتاباتٍ سطحيةٍ يلقى فيها القول على عواهنه وتتأسس على مصادرات واحكام شخصية مسبّقة او انطباعات عن وقائع آنية او تجارب فردية، ولا تراعي مقتضى ما يتطلبه مثل هذا الموضوع من دراية ودربة وتخصص وبحث واستبيان واحصاء ومقارنة للوصول لا الى نتائج حاسمة ونهائية بل الى محض خطوط عامة وحدوس ممكنة ومقاربات مفتوحة وقابلة للإغناء والتعديل والتطوير والحذف والاضافة .

لقد تحفظ البعض من اساطين علم النفس ومدارسه على موضوعة تحديد سمات شخصية شعب من الشعوب او مجتمع من المجتمعات وقدروا ان ذلك يمكن فقط بالنسبة للأفراد لا المجتمعات التي يحكمها وضع آخر مختلف وهي منظومات مفتوحة ومتفاعلة باستمرار، ناهيك عن ان مستويات الصراع والفعل او التأثير، فيها، ابعد غورا ولا يمكن اخضاعها للتقنيات الممكنة بالنسبة للأفراد، وان جل ما يمكن الحديث عنه في هذا المقام هو اطار او تكوين ثقافي عام قد يميز هذا المجتمع عن مجتمعات اخرى يتأسس على عوامل متشابكة ومتفاعلة عديدة ولا تقع تحت حصر، وان امكن فرز العوامل الرئيسة والاكبر أثرا منها، كالبيئة الطبيعية والموقع الجغرافي والتاريخ والدين والاقتصاد وغيرها .

ولم يدّع علمُ الاجتماعِ ولا حتى الانثروبولوجيا امكانية تحديد سمات او خصال شعب من الشعوب الاّ في اعم الاطر خشية الوقوع في فخ الانماط العنصرية او تجاهل ان المجتمعات نفسها ليست معطى ثابت وانما تخضع لسيرورات تاريخية، خصوصا في العالم الحديث وخضوع المجتمعات لتأثيرات متبادلة وروابط متنامية حوّلتْ العالمَ الى قرية صغيرة بالفعل، وجعلت من صراع الاجيال، مثلا، حقيقة يومية ملموسة حتى في المجتمعات التقليدية بحيث بات الحديث عن استقرار نمط او سمة متوارثة ضربا من المغامرة .

ان مناسبة هذا الحديث وهذه المقدمات هو ما ينشر اليوم، وما نشر قبل ذلك، من كتابات متسرعة بصدد " سمة العنف الملازمة للشخصية العراقية " وتحري ما تستهدفه وتسعى اليه في الجوهر !!

***

لا يمكن عَدّ القول بأن العنفَ سمة ٌمن سمات الشخصية العراقية الاّ من ضمن الاغاليط الشائعة في تناول الشأن العراقي . . انها مصادرةٌ على المطلوب تفتقر الى الدعم والبرهان، يحذو معظم من روّج لها حذو كتابات سابقة ويتبّع احكام مسبقة، دون كبير اهتمام بآليات ومناهج المبحث الاجتماعي او السيكولوجي او حتى المنطقي، فيما يخص تأكيد سمة او ميزة لمجموعة بشرية وما يقتضيه ذلك من الفحص والتدقيق والبرهنة عبر تواتر موثّق يعتمد السجلات الجرمية او القضائية او الدراسات السلوكية والمباحث والاستبيانات الانثروبولوجية، مثلا . اذا كنا بصدد تأكيد ميزة او سمة اجتماعية . او الدراسات النفسية المتعلقة بالفرد العراقي وطبيعة تكوينه السايكولوجي ان كان الحكم بذلك يتعلق بسمة سايكولوجية . او البرهنة وفق قواعد المنطق ومقتضيات الحجّية والدلالة ان تعلق الامر بمنطق .

لقد عرف الناس الكثير من المصادرات الشائعة المشابهة والمضلله، في الصحافة الشعبية والمستوى العامي من المعرفة، تداولها الناس في عصر الاعلام الجماهيري وتعميم وسائط نقل المعلومة، وفق آليات قريبة من اليات العقل الجمعي ودون إعمالٍ للحس النقدي . فقد شاع في الصحافة الشعبوية الغربية، مثلا، منذ بدايات القرن الماضي، وهو امر ورثته وتأثرت به الصحافة العربية التي اتخذت من الصحافة الغربية نبراسا وقدوة، تعميم صفات ومزايا للشعوب وفقا لانطباعات كاتب او تعميما لسمات شخصية كبيره او تاريخية من ذلك الشعب، او استنادا الى وقائع معزولة هنا او هناك : فالإنكليزي بارد، او من وجهة نظر اخرى جنتلمان ولدى ثالثة حصيف ودقيق . والفرنسي رقيق ورومانسي . والايطالي متحرش وعربيد . والاسباني زير نساء . والالماني عميق فكر وذو نظر . والروسي دب جلف والامريكي حرٌ و متحرر لدى البعض او اناني وجشع لدى آخرين و... الخ من هذا الهراء الذي تحفل به المجلات والصحافة والكتابات وربما تستند اليه حتى سيناريوهات بعض الاعمال السينمائية الاكثر جهلا وعامية لكنها الاقل علمية والابعد عن اي نتائج محكمّة او وثوقية يعتد بها . في حين خلطت الثقافة الشعبويه والاعلام العربي الاكثر سوقية، هذه الخلاصات الوافدة، دون تمحيص او مناقشة، بما توفر لها من موروث وتعميمات من العصور السابقة حيث كان يمكن لرأي او حكم كاتب مشهور او بيت شعر يتصف ببعض الحكمة والدراية ان يصبح تعميما ويلقى قبولا وتسليما من قبل الاوساط المحدودة ذات الصلة بالكتاب والمعرفة، يومذاك، ولنتلقاه نحن بعد قرون، عبر مدرسة التراث التقليدية كمعرفة مكينة او نتيجة لا يرقى اليها شك، كقول الجاحظ، مثلا، بكون العراقيين اهل نظر وفطنة، او وصف المقريزي للمصريين بكونهم اهل خوف وجبن وقنوط، او التسليم بأن الشوام، كما وصفهم الحجاج بن يوسف: ما قاموا لنصرة رجل الا تركوه والتاج على راسه وما قاموا على رجل الا وقطعوا راسه . او ذم العراقيين بكونهم اهل شقاق ونفاق الخ، استنادا، ربما الى انطباع شخصي او مصلحة وموقف سياسي كما هو شأن الحجاج، ان صح ما نسب اليه .. او بيت المتنبي بشان السود في هجاءه لكافور الاخشيدي الذين ينبغي ان لا يشترون الاّ والعصّي معهم لأنهم انجاسٌ ومناكيد او غير الجاحظ والمتنبي والحجاج من شعراء وادباء وولاة او حكام . يضاف الى هذا، ويبدو ذا ثقل مؤثر، تعميمات ذات غايات واغراض عنصرية او متعالية او عدائية مما حفلت به كتب الرحلات وكتابات المستشرقين تخص الشعوب والمجموعات البشرية وتتصف بالشخصانية والتسرع والاعتماد على الملاحظات الفردية والوقائع غير المتواترة احيانا. ان خلت من التعالي ومركزية الذات الاوروبية او الدسائس والتبريرات التي تسوغ استعباد الشعوب واستثمار ثرواتها او مصادرتها . فآراء او قل أحكام لورنس، مثلا، بصدد العرب والترك، متأثرة بالغ التأثر بتجربته الشخصية، ففي الوقت الذي كان يكيل فيه المديح للعرب الذين ناصروه في امره ويضفي عليهم سمات رومانسية، يحط من قدر الترك ويوحي بسمات سلبية تتصف بها الشخصية التركية بسبب ان الاتراك قد عادوه وتمكنوا منه واذاقوه الهزيمة، مادية ومعنوية، هنا او هناك . رغم ما تواتر لدى غيره من الغربيين من وصف مغاير للعرب والترك . وقل مثل هذا الامر عن العديد من كتب الرحالة والمستشرقين التي لا يمكن لها ان تتجرد عن تأثيرات الهوى والمصلحة .

وللحديث صلة ......

 

عارف معروف

غريب أمر بعض المتشددين الذين يعسرون ما يسر الله من الدين، ويقذفون بالإنسان المسلم خارج إنسانيته، بما يغرقونه فيه من محرماتهم الناسفة لكل حقوقه المتاحة، الفطري منها والعرفي والقانوني والشرعي، ويمنعونه من ممارسة مشاعر المودة التي دعا الإسلام إليها، ويستكثرون عليه التشبع بمعانيها وقيمها السامية التي فطره الله عليها، ويستقبحونها عليه، بحجج ساذجة لا يصدقها العقل الناضج، وبإدعاءات غبية لا يقبلها المنطق السليم، تعتمد في مجملها على ما تعودت عليه عقولهم من نظريات المؤامرة والخوف من الغزو الفكري والثقافي الوهمي للغرب، وكأن عقيدة المسلم واهية كبيت العنكبوت، لا تقوى على وقايته من زلل الكفر، إذا هو أحب وتحاب، أو استمتع بالاحتفال بذكريات الحب الجميلة، وذلك تحت ذريعة "أنه لا حب إلا لله"، وكأن حب غير الله، يمنع حب الله.

فبأي حق ينكرون على عباد الله  مشاعر الحب والتحاب ؟ وبأي حق يكفرون من يحتفل بمشاعر الحب ؟ وهم يعلمون أن الإسلام ما جاء إلا لنشر المحبة بين الناس، وأن نبي المسلمين صلى الله عليه وسلم  أحب العجم و جعل من بلال بن رباح الحبشي مؤذنا و من بلاده مسرى لصحابته، وهل نسوا أو تناسوا أن لفظة "حب" ومشتقَّاتها وردت في القرآن أربعٍ وثمانين مرة للإخبار عن هذه العاطفة الإنسانية، كما جاء في قوله تعالى على سبيل المثال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)(آل عمران/31) وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم/96)، قوله تعالى : (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود/90)، وقوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج/14 ) وقوله جل وعلا لكليمه موسى: "وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي " طه39 .

فما الذي يمنع المسلمين من مشاركة العالم الذي نحن جزء منه، في الاحتفال بتلك المعاني الجميلة وذاك السلوك الإنساني الايجابي،  الذي يوحد الناس ولا يفرقهم، ويهذب طباعهم، ويرقق مشاعرهم، ويقيهم عن وحشية الكراهية وشرور الحقد، ويساهم في خلق الفرح والبهجة والسرور، ويبعدهم عن تشريعات المتطرفين المتصحرة وتستطيحاتهم للنصوص المسيئة لجوهر ما يعنيه الحب والاحتفال به، الذي لا يرفضه إلا من يرفض الحب نفسه، ويكره الفن والجمال وباقي القيم الإنسانية السامية، ويستهجن بأرق المشاعر التي تصيب الإنسان في حياته، والذي يعشق الحقد والكراهية وكل ما يفتح على البشرية أبواب المصائب والكوارث كلها، والتي لا يفلها إلا نقيضها "الحب" وحده، والذي الأصل فيه الإباحة لا التحريم، كرابط طبيعي عجيب ينمي بذور العطف والخير والشفقة في النفوس، ويعفي الناس من التملق والنفاق، والضيق بالمخطئين، ويجعل التسامح والود والوئام والتسامح والتواد والتضامن والتعاون والتآزر والتعاضد، كغاية كقصوى نزلت من اجلها كل الديانات السماوية وعلى رأسها الإسلام الذي لا يوجد دين آخر أكثر منه في حث بني البشر على التحاب والتواد والتآلف وإظهار عواطف المحبة  ونشرها وإفشائها على أوسع نطاق، مصداقا للحديث النبوي الشريف، "إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه" رواه أبو داوود والترمذي وهو صحيح، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تهادوا تحابوا » رواه البيهقي، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليبين له، فإنه خير في الألفة، و أبقى في المودة) السلسلة الصحيحة بسندٍ حسن، وذلك لأن إظهار المشاعر الطيبة، والعواطف النبيلة، وإشاعة السلام والتواد والتكافل بين الأفراد والجماعات ينمي قيمة الانتماء للآخرين والقبول بالعيش معهم بسلام ومحبة، ويحقق التماسك والاستقرار الاجتماعي وينشر التسامح، ويعمم خصلة الاهتمام بهموم الغير وظروفهم القاسية، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" .

وأختم بالحديث الشريف الذي يقسم فيه رسولنا ونبينا المحب المحبوب صلى الله عليه وسلم، على أنه لن يدخل الجنة غير المتحابين، حيث يقول: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا" رواه مسلم .

بالله عليكم فكيف تحرمون على الناس أن تحب بعضها وتحتفل بمظاهر تلك المشاعر، بعد كل هذه الأحاديث التي تدعو للحب و السلام و حسن الجوار و احترام اختلاف الناس في الأديان وفي الأفضلية التي ليست إلا بالتقوى، أم هي أحاديث ترددونها بينكم في المساجد، وتأتون بنقيضها، متنكرين لمضامينها، خارجها،  اتقوا الله في المسلمين، وفكروا قليلا قبل إلقاء التهم، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم، من خيرة المحبين المحبوبين...

ملاحظة، فأنا هنا حينما أدعو للاحتفال بعيد الحب، فإني لا اقصد التقليد الأعمى لكل مظاهر صرعات الموضة السائدة في زمن العولمة المقتصرة في هذه الاحتفالية على جزء من تلك العاطفة، بل أشترط أن نجعل لها من المظاهر ما يتوافق مع تطور الحياة والمجتمعات، وتتلاءم مع شريعتنا السمحة المقتدية بقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، التي تشمل جميع العلاقات الإنسانية الراقية بمفهومها الإنساني العام، حتى تعود الحميمية للحياة الاجتماعية بعد أن هربت منها لحمة التعاطف والمودة، وأصبحت الأنا هي السمة طاغية، حيث أصبح الكل يحب لنفسه كل ما يمكن أن يمنعه عن أخيه بحجة الشريعة وصونها.

 

حميد طولست

قبل الرابع عشر من شهر فبراير من كل عام وبعده، يكثر الجدل والنقاش الاجتماعي، يحتد الخلاف الفقهي حول  مناسبة عيد الحب، أو عيد العشاق، الذي تحتفل به الكثير من دول العالم المتحضر تقريبا، كما احتفلت به أقدم حضارات الأرض، وفي تواريخ ومواعيد مختلفة، من السومريين والبابليين، واليونيين، والعرب، الذين جعلوا من يوم 4 نونبر موعدا للاحتفال بهذا العيد القديم وغير المستحدث، كما يتصور الذين يقرنونه بقصة القديس "فلانتين"، الذي تعددت في الآونة الأخيرة، حوله الحكايات، والأقاويل والأساطير والفتاوى، كل الحدود، وفاقت كل التصورات، بين مؤيد ورافض، حيث يرى بعض من علماء الدين، أنه بدعة وتقليد، يُرحم على المسلم القيام بها، بحجج غير مقنعة وعلى رأسها التشبه بالغرب .

كم هو عجيب، ويدعوا للدهشة والاستغراب، أمر هؤلاء الذين يُحرمون على المسلمين المحبة، ويستهجنون مشاعر المودة والتآلف والتآخي  كسمة إنسانية فِطر الله عليها خلقه قبل أن يكتسب الصفات المُجتمعية التي تجعله عنيفا حاقدا متجهما عبوسا غليظ القلب، ليس في قلبه رأفة ولا رحمة، ويكره مد جسور والتآزر مع أمثاله، ويعوضونها بقذائف الدم وأسلحة الدمار التي تحول حياة العباد إلى جحيم..

فكيف لهذه العقول الضيقة والقلوب العنيفة، التي تعشق الظلام وتكره النور والزهور والورود، أن تتذوق لذة الحب، سواء في شقه المُطلق الشامل لكل مخلوقات الله التي تُشاركها الحياة، من إنسان وحيوان وطير ونبات وطبيعة، أو في شقه المتعلق بالمجال الرمانسي العاطفي، الذي يأتي على رأسه حب الرجل للمرأة، الذي جعله الله غريزيا بينهما، مند خلق الله آدم وحيداً وخلق له حواء التي لن يقدر على العيش بدونها ك"مُعين ونظير له" مصداقا لقوله " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

فكيف لهؤلاء الذين يقرنون الحب بالجنس الهمجي الفاحش، ويرفضون تعامل الذين الإسلامي الراقي مع ما يملأ جوانب النفس البشرية، من حب سامي مشبع بمعاني الانتماء الصادق، والولاء الخالص، والحرص الكامل على مد جسور المحبة والمودة، الحب الطبيعي المنفتح الراقي الذي لا مكان فيه للانفلات والانحلال والتنصل من المسؤوليات الأخلاقية او الحيثيات المنطقية.. كيف لهم أن يعرفوا حقيقة الحب النقي، لا ورب السماء، لن يدركوا مشاعر الجب السامية الرقيقة النبيلة التي تحول الإنسان من وحش شرس إلى ملاك خير ووديع، وتُطلق لسان العيي، وتفتح حيلة البليد، وتبعث على النظافة وتزين الملبس والمسكن، وتطييب المطعم، وتدعو الى البدل والعطاء، فتحول البخيل إلى جواد، والقطوب إلى طلق بشوش، والجبان إلى شجاع مقدام، والغليظ إلى طيب سمح، و الجاهل إلى لبق متأدب..

وأنى لهم أن يتمتعوا بتسامح وصفاء المحبين، الذي هيأها سبحانه وتعالى لعباده ليسعدوا في دنياهم ويفوزا في آخرتهم، ماداموا لا يؤمنون إلا بثقافة الموت والجهل، وبلغة الدم وأسلحة الدمار، ويسعون جاهدين إلى تحويل كل سُبل المحبة والسعادة إلى كراهية وتعاسة سوداء، بتطرفهم الشاذ الرافض لدعوات الله للمودة والمحبة بين البشر، والتي لم يحفل بها كتاب الله الكريم بالحديث عبثا، بل لغاية سامية، كما ورد فى قوله تعالى فى سورة المائدة آية 82 "لتجدنَ أشد الناس عداوةً للذين امنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدنَ أقربهم مودةً للذين أمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون" ص ق. وكما فى سورة الروم آية 21 قوله تعالى فى سورة هود آية 90 قوله تعالى "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ان ربي رحيم ودود" ص ق، أو كما جاء فى الآية 23 من سورة الشورى حيث قال تعالى "ذلك الذي يبشر الله عباده الذين امنوا وعملوا الصالحات قل لا أسالكم عليه اجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور" ص ق، وكما ورد فى الآية 7 من سورة الممتحنة قوله تعالى "عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ورحمة والله غفور رحيم" .وصدقت آيات الله الكريمة هته وغيرها كثير- والتي لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا- في كل ما جاء في كتابه المبين لإظهار قدرة المحبة على إنارة أرواح البشر وتخليصها من شرور الكراهية والبغضاء، وتذكره بإنسانيته وتميزه عن غيره من المخلوقات..

وحتى نخرج من ظروف العداوة ولغة الكراهية والموت القاسية، التى فُرضت علينا، في هذا الزمن المأزوم الذي يُصدق فيه الكاذب، ويُكذب فيه الصادق، ويُخون فيه الأمين، ويُؤتمن فيه الخائن، وحتى تسود عالمنا المحبة والتسامح والصفاء والوفاء والإخلاص كل القلوب، أدعوا الجميع أن يحبوا ..ويعشقوا..ويغنوا..ويرقصوا، في هذا اليوم، وفي كل أيام الله الجميلة، وليحضن بعضنا البعض برغبة قوية في خلق عالم جديد لا يعكر صفوه مطبلي الأنظمة الظلامية الفاسدة والعتيقة، الذين ربما تصغي قلوبهم يوما لغنائنا ورقصنا، فيتسلل الحب إلى مشاعرهم، فينير النور ظلام قلوبهم ويبطل مفعول قذائفهم إلى مزهريات ورد تحول أجواء حياتهم إلى جنة على الأرض..  لأن الحب هو ما يجعلنا نتشبث بالأمل وننتظر الغد المُشرق  دون أن نيأس أبدا ..

 

حميد طولست

ان افضل قياس لمعرفه اداء العمل الامني الحقيقي وقياس الانتاجيه للامن في العراق هو مراجعه الحوادث المهمه الارهاب والقتل والاغتيال والخطف التي وقعت للاعوام من (2006 لغايه 2016) ومقارنتها مع مامكتشف منها والاحكام الصادره بحق الاشخاص المقبوض عليهم وبالتالي يمكن قياس الاداء الامني المهني، وليس بالتصريحات التي كنا نشاهدها يوميا من قبل الناطقين الرسميين، نجد تزايدا ولا يوجد انحسارا للجريمة وعند مراجعة للوثائق الصادرة من الداخلية لم نجد مايشيرالى اية دراسة ميدانية اونظرية مدونة لتحديد المشكلات التي تسبب في الميل إلى الانحراف والجريمة، او جدول سنوي يحاسب الادارات التي اخفقت بالاداء، او ندوة اواجتماع بشان الحد من الجريمة وقرارات مدونه وواجبة التنفيذ، هناك فقط قدرة بالثرثرة واللغو بالكلام، بل كانت هناك مزيدا من الاجراءات العسكرية للمدن (اسلاك شائكة وصبات وسيطرات) واصبحت مدننا (ثكنات عسكرية بائسة) بعيدة كل البعد عن الاجراءات الامنية المتبعة في العالم، او في دول الجوار على الاقل، او حتى في اقليم كردستان، والتي اصبحت مثار تندر يومي للمارة، هذه العقلية التي تدير الامن بطريقة مضحكة اصبحت صاحبة القرارومقربة من المسؤول الضعيف الذي يتم تخويفة والاستخفاف به، هذا جزء من العشوائية بمنع الجريمه، ان منع الجريمة علم ومهارات تكتسب بالممارسة، وليس (بزيادة عدد الجنرلات ومنح رتب الكوترة).

تتمثل المهمة الرئيسية لاجهزة الامن الداخلي بكافة العالم في امرين رئيسين:

الأول الأسلوب الوقائي والذي يستهدف منع الجريمة قبل وقوعها من خلال بعض اإجراءات الشرطة التقليدية والتي تؤدي بالضرورة إلى التقليل من وقوع الجرائم نتيجة لتضييق الفرص أمام المجرمين، وتركز الوقاية من الجريمة على اتجاهين رئيسيين يتناول الاتجاه الأول الوقاية الاجتماعية التي ترتكز على الخطط والبرامج التي توضع وتنفذ من قبل السلطات والهيئات المختصة بهدف تحييد دور العوامل المؤدية إلى الجريمة، أما الاتجاه الثاني فيضمن الوقاية الموقفية التي ترتكز على التدابير والبرامج التي تهدف إلى اضعاف قدرة المجرم على ارتكاب الجريمة وتقليل فرصة ارتابها فالمجتمع هو المسؤول الأول عن العوامل التي تقف وراء ظهور الجريمة ولذلك تقع عليه مسؤولية القيام بمهام الوقاية من الجريمة من خلال تدخل الأفراد والمؤسسات الأهلية المعنية بالعمل الوقائي إلى جانب الدولة في اطار تضافر الجهود الأهلية والحكومية لمواجهة الجريمة من خلال عمل جماعي منظم وفق برامج وتدابير وقائية للحيلولة دون وقوع الفعل الاجرام لدعم جهود الوقاية من الجريمة وتتمثل الاتجاهات الحديثة للوقاية من الجريمة في ثلاثة محاور مترابطة يجب تنفيذها معاً في آن واحد حيث يهدف المحور الأول إلى الوقاية من الجريمة من خلال تصميم البيئة وتغييرها بالشكل الذي يسهم في تقليل فرص ارتكابها من قبل المجرمين في حين يهدف المحور الثاني إلى اتخاذ تدابير فعالة لحماية ضحايا الجريمة المحتملين من خلال التوعية والتعليم بهدف تغيير سلوكهم وحثهم على أخذ الاحتياطات اللازمة لحماية أنفسهم ضد الاعتداء أما المحور الثالث فيهدف إلى اجراء تغييرات مجتمعية جذرية تسعى إلى الحيلولة دون توفر الأسباب والظروف التي تقف وراء الجريمة من خلال مشاركة الأهالي والمؤسسات الاجتماعية المختلفة.

الثاني اذا ما فشل الدور الوقائي يصبح من الضروري بقيام اجهزة الامن بالكشف عن الجريمة لمعاينة الجريمة وكشف جوانبها ومعرفة الفاعلين، ثم البحث عنهم والتحقيق معهم ومواجهتهم بالادلة واحالتهم للقضاء لتحديد العقوبة على افعالهم، تحقيقا لمبدا الردع العام والردع الخاص.

بما ان أجهزة الأمن الداخلي باعتبارها القوامة على كفالة الأمن والاستقرار، ومواجهة الجريمة ومتابعة تطوراتها، وان اي تطبيقات للامن تكون فاشلة ما لم يتبنى خطة للعمل وتكون مستندة إلى نظرية تقوم عليها سياسته، ثم إلى بحوث مستمرة لتطوير هذه النظرية حتى تساير المجتمع واحتياجاته في الأمن والاستقرار، وهذه النظرية الفلسفية هي القاعدة أو الدعامة التي ترتكز عليها الخطة، ولا سبيل إلى قيام تخطيط سليم مالم يستند إلى رؤية واضحة، والذي نستقرئه من الواقع اليومي الميداني في العراق هي اجراءات ارتجالية لا تستند لاي اساس او دليل عمل واضح المعالم والعشوائية بالعمل هي السائدة بالاداء، ابتداء من الشارع والفوضى العارمة الى الموسسات الشرطوية المهملة والتي لم يتم تحديثها لكي تتوائم مع ابسط التطور مع الدول المجاورة الى بلدنا، والتعددية بتوزيع مهام الامن بين الجيش والشرطة والامن الوطني وووووالعمليات، لا يبعث على الطمئنة والتي لا يسودها التنسيق، او اي فهم للامن الداخلي، من غير المعقول ان ضباط برتب كبيرة امضوا اربعة قرون بالمتخصص بالمجال العسكري يعرف عن الدبابة او المدفعية او الصواريخ او كيفية التدريب العسكري، لا يمكن له ان يحقق الامن الداخلي، لاختلاف المهام الامنية، ولهذا اقحمت شوارعنا بالاسلاك الشائكة والصبات هذه هي المعرفة التي يمكن ان يحققها هذا القائد، ولهذا مضت اكثر من ثلاثة عشر سنة وتراجع الامن في بلدنا بسبب اناطة الجيش لمهام الامن الداخلي، نحن نعيش العشوائية بالقرارات الامنية التي هي بعيدة كل البعد عن الامن الداخلي، بالوقت الذي ينتهج الامن بالدول المجاورة لنا بالتخطيط اصبح من سمات العصر الحديث بل لا نغالي إذا قلنا انه قاسما مشتركا في سائر شئون حياتنا سواء الخاصة أو العامة ومتى كان ذلك،فان التخطيط يكون واجبا من باب أولى بالنسبة للأجهزة التي تضطلع بمهام وطنية وتفرض عليها ظروف وطبيعية عملها وضع خطط تكفل لها النهوض بمسئولياتها ومواجهة مخاطرها وتحدياتها، ويمكن القول إن الاتجاهات الحديثة في الوقاية من الجريمة ترتكز على عدد من الأسس التي يمكن تلخيصها بالنصائح ادناة التي لم تتبع من المسؤولين الذين تقع مسؤوليتهم بادارة الامن الداخلي العراقي :‏

  • ضرورة التحول نحو التخطيط والبرمجة: حيث يتم وضع السياسات العامة المتعلقة بالوقاية من الجريمة من قبل السلطة السياسية العليا في الدولة ويترك أمر تنفيذها إلى أجهزة مختصة يضطلع كل منها بوضع وتنفيذ الخطط والبرامج التي تنبثق عن هذه السياسات في إطار نوع من العمل المتكامل حيث تتضمن هذه السياسات تصوراً عاماً للأهداف الأمنية الواجب تحقيقها في المجتمع والوسائل المؤدية لها.‏
  • ايجاد اليات تنسيق للاجهزة لصالح العملية الوقائية: وهذا يفترض ايجاد جهاز فني متخصص يتولى تنسيق جهود جميع الأجهزة المعنية بعمليات الوقاية من الجريمة لأن تفرد كل من هذه الأجهزة في عمله وابتعاده عن التنسيق مع الأجهزة الأخرى من شأنه أن يؤدي إلى ضياع الجهود أو تناقضها في بعض الأحيان كان يكون تنسيق العمل المناطقي بين دوريات النجدة والاستخبارات الجنائية والامن الوطني واية جهة اخرى.
  • اعداد العنصرالبشري للعملية الوقائية: فالعنصر البشري هو العنصر الأساس في نجاح عمليات الوقاية من الجريمة ولذا فإنه من الواجب الاهتمام بتدريب وتأهيل الكوادر القادرة على تخطيط وتنفيذ برامج الوقاية من الجريمة مع التركيز على الجوانب النفسية للجهاز البشري العامل في مجال الوقاية من الجريمة
  • وفي ظل متغيرات الواقع الحالي، والتي افرزت انواعا غير تقليدية من التهديدات، باتت هناك ضرورة لتبني وسائل وتكتيكات تدريبية وسياسات امنية من شانها زيادة فاعلية اجهزة الامن الداخلي المختلفة، واصبح مسالة بناء افراد الامن مهنيا وتدريبا وثقافيا امرا ضروريا، لكي يتعامل مع بيئة التهديدات،
  • التوجه نحو التجهيز الفني والتقني للعملية الوقائية: أن الشرطة باعتبارها أول جهاز في الدولة لمنع الجريمة لم يكن في وسعها أن تظل بعيدة عن التطور العلمي في كيفية مكافحة الجريمة والوقاية منها، وخاصة مع التقدم التقني الكبير الذي طال جميع المجالات الأمر الذي أتاح للجهات المختصة الاستفادة من تقنيات الاتصال وتقنيات الحاسب الآلي في أدائها لعملها.
  • التوجه نحو البحث العلمي في المجال الجنائي: فالبحوث العلمية المتعلقة بالظاهرة الاجرامية تساعد على الإلمام بطبيعة هذه الظاهرة وتمكن الجهات المختصة من الوقوف على أسبابها وعواملها من أجل معالجتها والوقاية منها بناء على خطط وقائية مدروسة مبنية على حقائق ومعطيات واقعية.
  • استثمار بعض من الموازنة المالية خاصة بالوقاية: حيث يحتاج وضع وتنفيذ السياسة الوقائية من الجريمة إلى موازنة ثابتة تمكن الجهات المختصة من الاستمرار بالعمل مع مراعاة كفاية هذه الموازنة لتنفيذ ما يوضع من برامج بالشكل الصحيح نشرت قناة السومرية احصاءات بعدد العاملين في مجال الامن العراقي، خصصت الحكومة من موازنة 2017 مبلغ 22ترليون والذي يشكل اكثر من 22% من الموازنة، التخصيص المالي (5.6 تريليون)عدد العاملين بالدفاع 292372، التخصيص المالي (10.2 تريليون) عدد العاملين الداخلية594991، التخصيص المالي (1.4تريليون) عدد العاملين الامن الوطني 9435، التخصيص المالي (800 مليار) عدد العاملين جهاز مكافحة الارهاب 12000.

وخلاصة القول ان الوقاية تعتمد على تدابير واجراءات وانشطة ومجهودات مجتمعية متكاملة لمواجهة الجريمة قبل حدوثها يرسمها مختصون، وليس اشخاص يعيش بعقلية القيادة الفردية تستلهم حاضرها من القرون الوسطى كحفر الخنادق والاحاطة بالقلاع، ويقتدي بنموذج الشيخ، أو الزعيم، اوالنماذج التي يعيش أفرادها تحت عباءة الشيخ، أو تحت قميص الزعيم، والفوضى التي تحدثها بطانتهم من اقارب وقبيلة وطائفة ومدينة وولائات حزبية ضيقة ورائها مصالح ومنافع، ابعدوهم فانهم اتخموا بالاخطاء، هم والساسة اوصلوا البلد لما نحن فيه .

 

 

"لقد تربيتُ على يد والدين كانا أميين. يُمكن للمدرسة أن تُعلم تلاميذَها لكن لا يمكنها أن تُربيهم لأنه ليس لها الوسائل و لا غايتُها ذلك. إن الغايةَ من التربية شأنُ الأُسَرِ". ساراماغو.

لقد نالت إعجابي هذه الإلماعة للكاتب البرتغالي خوسي ساراماغو الذي مُنح جائزة نوبل للآداب سنة 1998. إنه لأمرٌ ذو بالٍ أن يشير أحد المبرزين في عالم الأدب إلى أمية والديه، لأنه ينزع عن التعليم الأهمية و يُضفيها على ما له قيمة حقيقية، أي تلكم التربية التي تلقاها من طرف أسرته و ما منحه ذلك من قوة لكي يصل إلى ما كان قد وصل إليه. بخصوص هذه النقطة هناك جملة كذلك للفكاهي الأرجنتيني الكبير كِينُو و التي تقول: "أن تُربي أصعبُ من أن تُعلم، لأنه كي تُعلم تحتاج إلى أن تعرفَ أما كي تُربي فتحتاج إلى أن تكونَ".

لقد بات أمرا واقعيا إحباطُ الكثير من الآباء عندما يجلب أبناؤهم واجباتٍ منزليةً إذ هم لا يستطيعون مساعدتهم في إيجاد حل لها بحيث لا يمتلكون المعرفة الكافية للقيام بذلك. أمام هذا الوضع يحتجون ضد الواجبات المنزلية و يطالبون المدرسين و السلطات بتدبير الزمن المدرسي جيدا كي يتمكن أبناؤهم من فهم كل ما هو ضروري في ذاك الزمن و لا يأخذوا تلك الواجبات معهم إلى المنزل. غير أن المقررات الدراسية كثيفة و الزمن المدرسي غيرُ كافٍ من أجل تعميق النظر في المواضيع و إلا لن يتم استياؤُها كلُّها.

إن واجبا منزليا معقلنا يجب أن يأخذ في الحُسبان التدريبَ على المواضيع المطروقة في القسم كي يتكمن التلميذ من استدخالها و يُحولها إلى تعلم فعلي. لكن يجب أن تكون مواضيع معالجة في القسم و مفهومة من طرف المتعلمين لكي لا ترغم الآباء  على أن يصبحوا مدرسين خصوصيين لأبنائهم.

الجدلُ حول الواجبات المدرسية المنزلية قديم قِدَمَ المدرسة نفسها. و ليست هناك علاقة كبيرة له بالأهلية الأكاديمية للآباء و إنما بتصورهم للتربية و أولويتها في المحيط الأسري. لم تكن للآباء قديما أهلية أكاديمية ذات بال من أجل مساعدة أبنائهم، و كما يحدث في حالة ساراماغو، فقد كان هناك الكثير من الأميين دون أن يمنعهم ذلك من مساعدتهم فاستطاعوا في حالات كثيرة أن يجعلوا من أبنائهم راشدين ناجحين.

في يومنا هذا نجد أن الآباء باتوا يتوفرون على أهلية، يوما بعد يوم، لكن نراهم منشغلينَ كثيرا في ذات الآن. لهذا تعاظم أمرُ رفضِ الواجبات المنزلية تدريجيا متذرعين بغياب الوقت لكي يشرفوا عليها كما يفضلون كذلك أن يستريح أبناؤهم أو يقوموا بأنشطة مسلية أكثر، شاحنين إياهم، في غالبية الحالات، بأنشطة خارج مدرسية لا تعدوا كونها في بعض الأحيان شكلا من أشكال التملص من مسؤولية رعايتهم شخصيا.

إن هذا الهوسَ الما بعد حداثي المُبْعِدَ للأبناء عن بذل الجهد و الإحساس بالألم أو الحرمان ما فتئ يسبب لهم ضرراً كبيرا جدا بادية عواقبُه للعيان مع تلاميذ غير ناضجين و غير قادرين على مواجهة المشاكل مُقرِّينَ بالهزيمة بسهولة أو مُتخليين عن كل ما يستدعي منهم شحذ الإرادة التي لم يسمحوا لهم أبدًا بتشييدها.

لا يجب على الواجبات المنزلية، باعتبارها تكملةً لعمل المدرسة، أن تأخذ حيزا كبيرا من زمن التلاميذ لأنه فِعلا يجب كذلك أن يرتاحوا و يُغيروا النشاط، لكن إذا ما تم القيام بها على أحسن وجه ستكون فرصةً ملائمة لغرس سلسلة من العادات في الأبناء كالنظام و الانضباط و العمل علاوةً على أنها تسمح لهم بالتدرب على قوة الإرادة كما المسؤولية.

إن الواجباتِ المنزليةَ مناسبةٌ رائعةٌ كذلك كي يطلع الآباء على تقدم أبنائهم في المدرسة. إنها النبضُ الذي يخبرهم عن عدة أشياء و عن طريقة تربيتهم كذلك. إن لم يُكلَّف بها الأبناء فقلَّما سيكون بمقدورهم معرفة كيف يسيرون، كيف يكتبون، كيف يقرؤون و سؤالهم في غضون ذلك عن مُعلميهم، رفاقهم و أشياء أخرى. و هكذا فإنه بينما يستمعون إليهم يستطيعون تأسيس حوار جميل سيمتد على طول حياتهم لا محالة.

إن عملَ المدرسةِ الرئيسَ يتمثل في التعليم لأنها الفضاء الذي سيتعلم فيه الطفلُ لكن مهمة التربية تعود إلى الأسرة و عليه فإنه لا يهم أن يكون الآباء مثقفين أو لا ما دام عملهم ليس تعليمهم و إنما تشجيعهم و استغلال الواجبات المدرسية المنزلية لتدعيمهم و غرس السلوكات الحسنة فيهم و جعلهم يحبون الدراسة لأنه في نهاية المطاف هذا التكوين هو ما سينفعهم أكثر في باقي حياتهم.

كي نتعلم ستكون هناك فرصة دائما. تُعجبني جملة الفيلسوف الإسباني جورج سانطايانا التي تقول: "طفلٌ مُربى في المدرسة فقط هو طفلٌ بدون تربيةٍ".

 

بقلم: بِّيتْرَا يَّامَاسْ غَارْثِيَّا: مديرة المراقبة المدرسية بولاية بْوِيبْلَا بدولة المكسيك. و قد نُشِرَ هذا المقالُ في مدونتها على الشبكة العنكبوتية بتاريخ 19 يوليوز من سنة 2013.

 

ترجمة: الدكتور لحسن الكيري

كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء -المغرب.

 

 

 

 

هناك عدة تراكمات تاريخية، ساهمت في بلورة وتكوين الوعي الجمعي للمجتمع العراقي، وتحديد اتجاه بوصلته، في ما يخص تعاطيه مع الانتخابات .. أي الممارسة الديمقراطية التي تمكنه من اختيار ممثليه في مجلس النواب، الذي ينبثق من خلاله شكل وطبيعة الحكومة التي ستأخذ على عاتقها إدارة شؤون البلاد، وفق نظام سياسي برلماني، حدد معالمه وأطره الدستور العراقي الذي كتب بعد عام 2003 .. والذي يعد جزء فعال من المشكلة العراقية المزمنة، وذلك لضبابيته، وغياب القوانين والآليات التي تحدد عمل الكثير من فقراته.. ويمكن حصر هذه التراكمات كنتاج لعدة عوامل تاريخية، ضمن مجموعة من المسارات الثابتة، التي يشكل بعضها جزء لا يتجزأ من طبيعة الشخصية العراقية وتكوينها  الفطري والسيكولوجي والسلوكي.. تتحد هذه العوامل مع بعضها بطريقة عفوية ذات نزعة ميكافيلية، لحظة مواجهة الناخب العراقي لصندوق الانتخابات، فتتحول إفرازات هذه العوامل في اللاوعي إلى تبريرات منطقية، جعلت منه أداة لوصول الكثير من الفاسدين والطارئين على العمل السياسي، لسدة الحكم في عراق ما بعد التغيير.

شكل العراق منذ الفتح الإسلامي له سنة 15هجرية، بؤرة توتر كبيرة، ومسرحا لأغلب الصراعات الطائفية والسياسية التي شهدها التاريخ الإسلامي، بدءا بواقعة الجمل وصفين وحرب الخوارج وثورة الإمام الحسين (ع)، التي كانت نقطة الشروع والتأصيل لمبدأ الثورة على السلطة الجائرة، فتلت هذه الثورة عدة حركات سياسية ذات طابع عسكري، أخذت بعدا طائفيا، كان احقاق العدل، والأخذ بثار الحسين (ع) ابرز شعاراتها المعلنة، كحركة زيد بن علي، والثورة العباسية على الحكم الأموي، ومن ثم حركة محمد النفس الزكية على ابو جعفر المنصور، وهكذا توالت الانتفاضات والحركات العسكرية ضد السلطة الحاكمة، مما جعل العراق بيئة خصبة لعمليات شد وجذب طائفية وسياسية، ومصدرا ثرا لنشوء ونمو الكثير من الفرق والطوائف والحركات الفكرية الاسلامية المتقاطعة فيما بينها، وقد افرز هذا الحراك الديني والسياسي والاجتماعي إلى ان يصبح مركزا استقطاب للتشيع بأغلب أشكاله وتفرعاته، كحركة يسارية  إسلامية، مما جعل السلطة على امتداد التاريخ الإسلامي تنظر إلى اغلب سكان العراق بعين الريبة والتوجس، خلقت هذه النظرة نمطية سياسية مورست ضد هذه الأغلبية فيه،  أخذت إشكالا عدة، كان إطارها العام هو التهميش والإقصاء والتضييق، تحولت هذه السياسة المتوارثة إلى صيغة ممنهجة ومدروسة في عهد الاحتلال العثماني سنة 1532 ميلادي ، حين مارس ما يعرف (بالطائفية السياسية) ضد هذه الأغلبية وعمل على تأسيس لمنظومة اجتماعية وسياسية تصدرت المشهد السياسي العراقي، ناتجة عن تمييز طائفي وطبقي بين أبناء الشعب العراقي .. وقد أورد السياسي كامل الجادرجي في كتابة من أوراق كامل الجادرجي ما نصه (ان الطائفة الشيعية تعد في زمن الدولة العثمانية اقلية ينظر إليها بعين العداء فلم تكن يقبل لهم تلميذ في مدارسها الحربية، ولا إي وظيفة حكومية وحتى المدارس الإعدادية كانت يمنع أبناء هذه الطائفة من دخولها).. ويذكر عبد الكريم الازري في كتابه مشكلة الحكم في العراق.. (أن فتاح باشا قد تحول من المذهب الشيعي الى المذهب السني، لأنه أراد إدخال ابنه المدرسة الرشدية ومن ثم ادخاله للمدرسة الحربية العثمانية، والتي كانت محرمة على الشيعة).. وقد رُسخ هذا المفهوم بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914 حين تبنى المحتل البرجوازيات العراقية التي صنعتها الدولة العثمانية،  لتتصدر المشهد السياسي في أول حكومة عراقية وطنية عام 1921.. بعد ان اصبح فيصل الاول ملكا على العراق، وبذلك أسست بريطانيا  لنظام سياسي مشوه المعالم وغير مستقر .. كان الشيعة العرب أول المبعدين عنه، ثمنا دفعوه لقيامهم بثورة العشرين، حتى نعتهم احد اهم مٌنظري القومية العربية ساطع الحصري (بالغجر) .. ويذكر الدكتور علي الوردي في لمحاته ، أن  البيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني، حين غادر العراق عائدا إلى بريطانيا بسبب فشله في إخماد ثورة العشرين، كان على رأس مودعيه السياسي العراقي مزاحم الباججي، وقد طلب منه نقل سلامه الى الملك جورج الخامس، وان يخبره بان من قاتلوهم في الوسط والجنوب، ليسوا عراقيين ولا عرب بل عجم .. وقد انعكس هذا التوجه على سلوك والمزاج العام للحكومة الناشئة آنذاك في تعاطيها مع هذه الأغلبية .. فيذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في كتابه (تاريخ الوزارات) مذكرة للملك فيصل الأول، موجهة إلى الحكومة والنخب السياسية، تبين ازمة الهوية والانتماء التي كان يعانيها الشيعة العرب آنذاك ، وتشير الى عمق الفجوة الطائفية المتوارية بين ابناء العراق، يقول فيها .. (أن العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسَسَة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً.. وأكثرية شيعية،  وإن الاضطهادات كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم، وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين .. ويخاطب الملك النخبة السياسية قائلاً .. أخشى أن أتهم بالمبالغة، لكنه من واجبي أن لا أدع شيئاً يخامرني، خاصة لعلمي بأنه سوف لا يقرأ هذا إلا نفر قليل، ممن يعلمون واجباتهم ومسؤولياتهم، ولا أرغب أن أبرر موقف الأكثرية الجاهلة من الشيعة، وأنقل ما سمعته ألوف المرات، وسمعه غيري من الذين يلقون في أذهان أولئك المساكين البسطاء من الأقوال التي تهيجهم، وتثير ضغائنهم، إن الضرائب على  الشيعي، والموت على الشيعي، والمناصب للسني، ماالذي للشيعي؟

حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها، ويضربون الأمثلة على ذلك، مما لا لزوم لذكره) انتهى كلام الملك فيصل الاول.

وقد سُحب هذا الإجراء على جميع الحكومات العراقية التي قادت العراق حتى دخول أميركا محتلة له عام 2003.. ففي كتاب (على الله أن لا يخلق ثلاث، الفرس واليهود والذباب) لخير الله طلفاح ، يقول، (بان الشيعة ليسوا عرب ولا عراقيين) .. وقد شارك الشيعة العرب هذه المحنة شركائهم في الوطن وهم الأكراد، وبالأخص في الأربعين سنة التي تسلم  فيها البعث زمام السلطة في العراق .. حيث تحول الجزء الأكبر منهم إلى حطب لمغامرات النظام السابق  العسكرية وحروبه العبثية، واتسمت هذه الفترة بالرعب والإعدامات والتغييب في السجون والمقابر الجماعية وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات، والظلم والاضطهاد والتغييب القسري لهاذين المكونيين عن مراكز السلطة في العراق إلا ما ندر.. وقد اتضح هذا النهج جليا في سبعة مقالات لرئيس النظام السابق نشرت في جريدة الثورة بعد انتفاضة اذار عام 1991، هاجم فيها الشيعة العرب والأكراد بقسوة، واتهم الشيعة العرب في العراق بانهم ليسوا عرب ولا عراقيين، بل هم هنود استقدمهم الحجاج بن يوسف الثقفي حين كان واليا على المشرق الإسلامي، لتغيير الواقع الديموغرافي في العراق آنذاك، ونعتهم (بأهل الجريبات) في محاولة للانتقاص منهم .. كل هذه التراكمات التاريخية،  قد وجدت لها مكان في الوعي الجمعي العراقي، وأطلت برأسها  بعد 9-4-2003 ونتج عنها صراع حقيقي بين طوائف الشعب العراقي وقومياته على السلطة، وفق رؤية ضبابية لازمت الإنسان العراقي،  اتجاه مفهومي الوطن والوطنية، فغاب وغيب الوعي الوطني بمفهومه العام، وبرزت أزمة هوية كبيرة، واضطر الفرد العراقي للجوء إلى الهويات الفرعية (الهوية  الطائفية والهوية القومية والهوية القبلية) كحالة تعويضية، وتحويلهن إلى خندق يتمترس به اتجاه الآخر شريكه في الوطن.. وقد انعكس هذا التوجه بصورة واضحة في جميع الدورات الانتخابية، حين حل الوعي الطائفي والاثني والعرقي والقبلي، محل الوعي الوطني المسئول اتجاه العراق ومستقبله، فاغلب الشيعة العرب انطلقوا في اختيار مرشحيهم من عقدة تاريخية مثقلة بالظلم والإقصاء والتهميش، وحماسة دينية ذات بعد طائفي، حين تصوروا إن ما مطروح على الساحة السياسية الشيعية، من أحزاب وحركات،  هو الوسيلة الناجعة لتشبث الشيعة بالسلطة، بعد قرون من الإقصاء والتهميش، وفرصة تاريخية قد لا تتكرر، لممارسة طقوسهم الدينية بحرية، بعد منعوا من أدائها لعقود طويلة، وهذا ما فعله الأكراد أيضا، حين صوتوا لدعاة الاستقلال، والوطن المنشود،  فكان السلوك الانتخابي للشيعة والأكراد نابع عن خوف كبير من عقدة تاريخية هي، العودة إلى الماضي، وأما سنة العراق الذين انتهجوا نفس السلوك الانتخابي الطائفي، لخوفهم من المستقبل، وان ينتج هذا التبادل القسري في الأدوار، فيما يخص حكم العراق، مسلسل تهميش وإقصاء آخر سيكونون هم ضحيته هذه المرة، وكذلك لوجود قناعة راسخة لطيف واسع منهم، بأحقيتهم في حكم العراق كإرث تاريخي، وكامتداد لنمطية سياسية واثنيه تسود معظم المحيط العربي والإقليمي.. لذا وبعد كل ما تقدم فأن عقدة التاريخ، ستبقى هي المشكلة الأكبر في تحديد بوصلة الناخب العراقي، وسلوكه وتعاطيه مع الآخر، وعامل مهم في تبلور وعيه الانتخابي، المؤثر الفاعل على مستقبل العراق.

 

احمد عواد الخزاعي