المثقف - قضايا

الشخصية العراقية والعنف... وعيٌ ملتبس! (2 )

نعود الى العنفِ كميزةٍ او خصلةٍ عراقية محاولين تلمس الغايةَ من ترويجها ان كان ثمة غاية . فنجد عند تتبعنا لها انها ليست قديمة ولا تراثية، فوصف العراقيين بانهم اهل فطنة ونظر او شقاق ونفاق، مثلا، لا علاقة له بالعنف الذي ربما كان نقيضا لهذه الصفات . فأين نجده اذن؟ اننا لا نعثر على هذا الوصف او التعميم، مطلقا، في الشحيح الذي كتب عن العراقيين، بصفتهم كذلك، في المصادر الاجنبية التي تناولت، في اغلبها، العراقيين من خلال شخصية البدوى العربي وخصاله المعروفة التي اضفى بعضهم عليها الكثير من الرومانتيكيه . او المصادر العثمانية التي تعاملت مع المشايخ القبليين والدينيين دون ان تعير اهتماما للعراقيين العاديين . او ما عاصرها او اعقبها من كتابات عراقية قليلة مثل تاريخ العزاوي او تواريخ الحسني، التي لم تعنِ، اصلا، بالشخصية، وانما بالوقائع . بل ان كتابات علي الوردي، ذاتها، التي يعّول عليها ويستند اليها اكثر من كتبوا عن عنف العراقيين لم تتطرق الى العنف كظاهرة او سمة عراقية، وخلص الوردي استنادا الى مارآه من اولوية صراع البداوة والحضارة، كمنظومتي قيم في تكوين العراقي، الى ان الشخصية العراقية ازدواجية، وعند تناوله للشخصية العراقية المدينية، وهي ما يعنينا، هنا، اساسا، باعتبار ان شخصية العراقي، يجب البحث عنها في القلب العراقي، اعني، وادي ما بين النهرين، اي السهل الرسوبي، وبالتحديد مدن هذا السهل ذلك اننا نريد الشخصية الفاعلة التي كان لها دورٌ في صناعة الاحداث . فان علي الوردي كنى عنها-الشخصية- بشخصية " خلف بن امين " اي شخصية دون كيشوت . ومن الواضح ان مثل هذه الشخصية لا تتسم بالعنف سلوكا .

 لكننا نعثر عليه، لأول مرة، كما اظن، في الصحافة العربية والمصرية بالذات، وهي الصحافة الاكثر تأثيرا في العالم العربي في الستينات وتحديدا في اعقاب ثورة تموز 1958 ووصف ما جرى من وقائع خلال عام 1959 ثم الترويج لها، على نحو اكثر، اعقاب انقلاب شباط 1963 والسنوات التي تلته والتي حفلت ببعض الانقلابات، وتلقفته، عنها، الصحافة اللبنانية التي روجت لشخصية العراقي " القبضاي " الذي لا يتفاهم الا بالقبضة والخنجر !

لقد تلقف " المثقفون !" العراقيون المولعون بالتعميمات هذا الامر وعدّوه مسلمة من المسلمات وحاولوا البحث عن اسانيد له في الوقائع التاريخية القريبة والبعيدة، فوجد بعضهم بغيته في وقائع القرن الاول الهجري (!) متمثلة في مجريات صفين والنهروان وكربلاء، مثلا، وما نسب الى الامام علي من قول بحقهم او ما كتبه المؤرخون بشأن تنصل اهل الكوفة عن نصرة الحسين، وهذه كلها وقائع، ان صحّت، او صحّت تفاصيلها، لا يجمعها والعنف جامع، كما انها لا تخص العراقيين، في حقيقة الامر، وانما القبائل العربية وقياداتها المتنازعة بشأن الخلافة والملك، عصر ذاك، وجلها زعامات وقبائل وجيوش قدمت الى العراق ابان الفتح الاسلامي . في حين ذهب آخرون بعيدا في مجاهل التاريخ فوجدوا في تقتيل ملك سومري لأعدائه او خوزقة ملك آشوري لأسراه قبل 4000 او 5000 عام ما يشفي الغليل ويمّكن المهتم منهم من اعلان البشرى بالهتاف " وجدتها ... وجدتها " ! سيما وان البعض قد حبّر الكتب باحثا في العنف العراقي !

ان اي فحص للتاريخ الانساني القديم، وفي مختلف ارجاء المعمورة وشعوبها، شرقا وغربا، يوضح، ببساطة، ان العنف والدماء كانت هي الممارسة الاكثر شيوعا بالنسبة للملوك والاباطرة والغزاة والفاتحين والاسر الحاكمة والكهنة، لكنها الاقل التصاقا بالشعوب والمجتمعات التي كانت في الغالب اهم ضحاياها . اما في العصر الحديث فقد عاشت مجتمعاتنا على هامش ذلك البحر المتلاطم من العنف والدمار الذي ذهب ضحيته الملايين بسبب حربين عالميتين كانتا اوروبيتين في الجوهر، وكانت الدوافع الاساسية لذلك العنف هي المصالح الانانية لأقلية من الرأسماليين الذين تطلبت مصالحهم اعادة اقتسام العالم والنخب السياسية والعسكرية المرتبطة بهم، في حين كانت الشعوب، معظم الشعوب ضحيتها .

لقد جُند الملايين من الالمان في الحزب والجيش النازي ومارسوا، في ظل شعارات وايديولوجيا عنصرية عدوانية العنف في ابلغ اشكاله ضراوة ضد المخالفين والمختلفين، سواء كانوا المانا او اوروبيين او يهودا بل وتعدوا ذلك الى اخضاع البشر في معسكرات الاعتقال الى تجارب اجرامية تخص الدراسات الحربية او النفسية مثل فئران التجارب دون اية مبالاة بمعاناتهم الانسانية او ابادة الكثيرين منهم، كما تثبت وثائق واقرارات نازية، لكن هذا الامر، كله، لا نجد له اليوم صدى في عدّ العنف سمة لازمة او خصلة من خصال الشخصية الالمانية وانما نجد، بدلا من ذلك، وصف الالمان بكونهم منظمين او ذوى ميل او روح عسكرية في ابعد الاحوال، كما حصل في لغة الاعلام منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى انهيار جدار برلين، او العودة، لاحقا، الى وصفهم بالشخصية المفكرة ذات العمق النظري المميز !

كذلك كان الامر مع الفاشيين الطليان الذين لم تُسحب ممارساتهم الاجرامية على الشعب الايطالي كسمات، وعُدَتْ سمات وممارسات تخصهم وحدهم، اي الفاشيين، كفكر وممارسة سياسية دون الشعب الايطالي . كذلك حال الامريكان الذين بقوا احرارا وبنائين حتى مع سلسلة الحروب التي شنت من قبلهم في مختلف ارجاء المعمورة وضد شعوب كثيرة آمنه في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية والشرق الاوسط، بل ان ضربهم لمدينتين يابانيتين غداة نهاية الحرب العالمية الثانية بالقنابل النووية وابادة عشرات وربما مئات الالوف في لحظة واحدة في صورة مروعة وغير مسبوقة للعنف البشري، لم يثلم صورتهم تلك، صورة الاحرار البنائين ! ان كل هذا،والحق يقال، لايمكن من وجهة نظر العلم ان يرتب التسليم بخصال وميزات ملازمة لشعب من الشعوب، ذلك ان مثل هذه الممارسات تظل مرتبطة بالأوساط والقوى الحاكمة او السياسية او العسكرية التي تتبناها وتدعو اليها وتمارسها .وان مثل هذه الممارسات والسياسات تكمن خلفها وتحفزها مصالح اقتصادية وسياسية في الجوهر، وهي تتخذ طابعا ايديولوجيا وتتجلبب بأردية فكرية للتمويه عن غاياتها الحقيقة . وهي، في كل الاحوال، لا تصدر عن تركيبة جينية متميزة او تكوين بايولوجي مغاير او حتى تكوين سايكولوجي مضطرب او اعداد ثقافي متكلس لشعب او مجتمع معين . وان القول بغير ذلك يعني تبني وجهة نظر عنصرية للشعوب والمجتمعات وعلاوة على ذلك فأن مثل هذا القول لن يجد له سندا علميا او دعما معرفيا حقيقيا ...فما الذي يجعل بعض العراقيين واثقين من انفسهم حد تدبيج المقالات واصدار كتب بشأن " سمة العنف " التي تميز الشخصية العراقية ؟!

ان مجمل الوقائع التي قدمت ويمكن ان تقدم لدعم هذا الادعاء تتمثل في:

1-  عنف حكومي مفرط مارسه النظام البعثي والصدامي ضد معارضيه وعموم الشعب العراقي منذ اواسط الستينات وحتى 2003

2-  وقائع العنف الدامي والتعذيب والقتل والانتهاكات التي مورست ضد الشيوعيين والقاسميين بعد انقلاب 8 شباط 1963.

3-  ممارسات العنف التي رافقت وقائع الموصل وكركوك خلال عام 1959

4-  مقتل بعض افراد العائلة المالكة و عددهم، جميعا، لا يتعدى عدد اصابع الكف الواحدة، والتمثيل بجثث بعضهم من قبل الغوغاء

5-  وقائع ثورة مايس 1941 وما رافقها واعقبها

6-  فرهود اليهود

7-  انقلاب بكر صدقي 1936

فهل هناك غير هذه الوقائع التي تساق ضمن مسعى تقديم الادلة والامثلة على القول بعنف الشخصية العراقية المميز ؟

نعم، هناك المزيد من الوقائع العنيفة التي يسدل عليها الستار ويعتم عليها لان المطلوب هو تركيز الاضواء على وقائع محدده بالذات، دون غيرها، لغرض الاستفادة من بعض هوامشها في التدليل على صحة القول ولان ذكر الوقائع الاخرى سيهتك الغاية المستورة من هذا الادعاء بسمة وثقافة عنف تسم الشخصية العراقية، وسنعرج عليها بعد تبيان حقيقة هذه الوقائع ومدى ارتباطها بالشخصية العراقية .

وللحديث صلة .......

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-02-17 13:09:34.