hassan alaasiخلال الفترة الممتدة من الأربعينات إلى غاية سبعينات القرن العشرين، لجأ العديد من حركات التحرر الوطني في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح وممارسة الكفاح المسلح ضد الاستعمار بهدف تحقيق الاستقلال الوطني، وكذلك هذا ما فعلته عدة مجموعات في العديد من الدول الإفريقية، إذ مارست العمل المسلح لمواجهة الظلم والعنصرية والاستبداد.

 جزء من هذه الحركات المسلحة كانت تتبع أحزاب سياسية  تقوم بتنفيذ سياسات هذه الأحزاب وتأتمر بقراراتها، وجزء آخر انطلقت كمجموعات مسلحة نظمت نفسها وكانت غايتها الوحيدة هي رفع الظلم الذي كان يتسبب به الاستعمار عن أبناء جلدتها ثم فيما بعد واثناء قتالها ضد الغزاة الذين قسموا البلاد بشكل أثني وعرقي ومذهبي بين سكان البلد الواحد، وجدت هذه المجموعات المسلحة أن هناك حاجة لوجود قسم تابع لها يتولى الجانب السياسي والإعلا مي، لذلك تم تكوين أطر أشبه ماتكون بالأحزاب السياسية المقاتلة، وهكذا فإنه حين انتصرت هذه الحركات على المستعمر ونالت الدول الإفريقية استقلالها السياسي لم يعد هناك ضرورة لحمل السلاح، ولذلك فإن جزء من هذه القوات العسكرية المسلحة التي كانت تقاتل لأجل حريتها قد رمت السلاح وتخلت عنه  وعادت تمارس حياتها الطبيعية، جزء منها تخلى عن سلاحه مقابل الحصول على وظيفة في مؤسسات الدولة الحديثة، ومنهم من تم ضمه للجيش النظامي، وهناك قسم من هذه المجموعات المسلحة رفضت تسليم سلاحها وظلت في حالة من التصادم والصراع مع حركات ومجموعات أخرى مسلحة من نفس البلد أو في بلد آخر لأسباب لها علاقة بتوزيع الملكية والحدود وصراعات على خلفيات أثنية وقومية ومذهبية، وهناك مجموعات ولدت من رحم مجموعات أخرى عبر الانشقاق عنها بفعل الخلافات والصراعات بين أجنحتها، ومنها من تحول إلى منظمات متشددة أصبحت تمارس العنف المسلح أو ما يطلق عليه الإرهاب كما يحدث في العديد من الدول الإفريقية، في نيجيريا، النيجر، مالي، تشاد، الصومال، كينيا، أوغندا، الكاميرون، الجزائر، مصر، تونس، ليبيا، المغرب..

ولكن ماهي الأسباب والدوافع التي تدفع الإنسان إلى الإيمان بالأفكار المتشددة التي تجعله يمارس العنف والبطش بحق محيطه السياسي والاجتماعي أو بحق أطراف أخرى؟

مما لا شك فيه أن من أهم أسباب التطرف هو المشاكل الاقصادية، الفقر والبطالة وغياب العدالة الاحتماعية، وعدم وجود المساواة  في فرص التعلم والعمل والظلم الذي تمارسه النظم السياسية، الحرمان من الرعاية الصحية، ضنك الحياة وفقدان الحق في التعبير عن الذات، غياب كامل للحريات الشخصية وتكميم الأفواه، كل هذا يساعد على وجود بيئات حاضنة لهذه الأفكار وانتشارها، إذ أن فقدان العدالة يدفع الشبان إلى الانخراط في صفوف التنظيمات والمجموعات المتطرفة التي تتبنى الأفكار الراديكالية لانتزاع حقوقهم التي حجبتها عنهم النظم القائمة، أو حتى للإنتقام من السلطة السياسية التي سببت لهم الشقاء بالظلم الذي مارسته عليهم.

أي متتبع لحال القارة الإفريقية يلاحظ أن جميع العوامل المسببة لانتشار الأفكار المتطرفة متوفرة في العديد من الدول الإفريقية التي تعاني من أزمات اقتصادية متفاقمة ومزمنة سببها غياب التخطيط  وسوء الإدارة وانتشار الفساد، وانشغال الأحزاب السياسية في تدبير مصالحها على حساب احتياجات الشعب، مما يعيق عملية البناء والتنمية، ويؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة  في أوساط الشباب الذي انضم جزء منهم إلى الجماعات المسلحة، وجزء منهم فر إلى دول أخرى بحثاً عن الأمن والحياة الأفضل.

البعض من هذه الجماعات  المسلحة تبنى أقكاراً دينية، مثل جماعة بوكو حرام في نيجيريا والتي تأسست في العام 2002 على يد رجل الدين محمد يوسف وهي حركة تقاتل من اجل منع التعليم الغربي وانتشار الثقافة الغربية بشكل عام، ومن أجل تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا، وكذلك متمردي الطوارق في مالي ويتزعمها "بيلا آغ شريف"  ويحارب الطوارق من أجل تأسيس دولة خاصة بهم يطلقون عليها اسم ازاواد، ففي غرب القارة الإفريقية تظهر النزعات الإنفصالية هي السبب المباشر لحمل السلاح من قبل معظم الجماعات حتى لو أظهرت بعض الشعارات الدينية.

كثير من المحللين يضعون جزء كبير من المسؤولية على كاهل الاستعمار الغربي في توفير الأسباب التي ساهمت في نشوء هذه الحركات، فهل للغرب دور في ظهور هذه الجماعات المسلحة؟

حين استعمرت القارة الإفريقية من قبل الغرب في القرن الخامس عشر من قبل المستعمر البرتغالي والاسباني والبريطاني والهولندي والفرنسي اقتصر تواجدهم ولغاية مطلع القرن التاسع عشر بشكل أساسي في السواحل الإفريقية، ثم تغول هذا الاستعمار في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ووصل إلى درجة النهم، هذا الاستعمار أحدث تراكمات في الذاكرة التاريخية للشعوب الإفريقية  نتيجة سياسات التسلط  السياسي والعسكري والعبودية التي مارسها هذا الاستعمار بحق سكان القارة ومازالت آثارها باقية لدى بعض الدول الإفريقية مثل الجزائر التي تصر على أن تقوم فرنسا بتقديم الاعتذار الرسمي للشعب الجزائري على فترة الاستعمار وعلى المجازر التي ارتكبوها بحق الجزائريين.

وبالرغم من الشعارات البراقة المفعمة بالخير التي ساقتها الدول الغازية للقارة الإفريقية، إلا أن الإستعمار الأوروبي لإفريقيا تحول إلى استعباد كامل واستغلال كافة موارد الدول الإفريقية، وتسخير جهود شعوبها في خدمة السيد المستعمر الأبيض، وقد أدى ذلك عبر الزمن إلى شيء يشبه حالة يفتقد معها الأفارقة معالم حياتهم الاجتماعية والثقافية وحتى الإنسانية.

وإن تعددت الأسباب والمسوغات التي تدعيها الدول المستعمرة في تبرير استعمارها لإفريقيا، تظل الدوافع الحقيقية واحدة مهما تعددت هوية الدول الغازية، وهي بشكل رئيسي إظهار الهيبة السياسية لتلك الدول العظمى، والحفاظ على مصالحها الاقتصادية والصناعية، وعلى الرغم من أن الدول الإفريقية نالت استقلالها في اواسط القرن العشرين، إلا أن الاستعمار استمر في نفوذه وسيطرته على تلك الدول باشكال متعددة يحلو للبعض تسميتها بالاستعمار الحديث الذي يأخذ نمط الاستعمار الثقافي والاقتصادي، واستخدم الاستعمار أساليب متنوعة ليبقى باب التدخل أمامه مفتوح في أي وقت، وأهم هذه الأساليب  إذكاء االصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية والقومية والاثنية في القارة الإفريقية بين أبناء البلد الواحد، أو بين الدول المتجاورة لتظل هذه الدول وشعوبها منشغلة بخلافاتها وحروبها الأهلية، ليستمر مسلسل نهب خيراتها وأخضاعها من قبل الغرب الذي يجد في مثل هذه الصراعات مبرراً لتدخله في هذه الدول متى شاء بحجة الدفاع عن مصالحه في مناطق يعتبرها أماكن نفوذ له، لهذه الأسباب يبدو أن التدخل العسكري الغربي في القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة لايمكن فهمه وتبريره إلا في سياق محاولة الدول الغربية لإعادة سيطرتها على دول كانت تحتلها في السابق واشتدت المنافسة على خيراتها في القرن الواحد والعشرين بعد دخول منافسين جدد مثل تركيا وإيران الصين والهند والبرازيل.

والحقيقة أن الجماعات المسلحة النشطة في بعض الدول الإفريقية تمنح من حيث تدري أو لاتدري أسباباً وذرائع للغرب كي يقوم بالتدخل في شؤون إفريقيا، كالتدخل العسكري الذي قامت به فرنسا في مالي، وكذلك التدخل العسكري الأمريكي في الصومال، والتهديد بتدخلات في نيجيريا لمواجهة حركة بوكو حرام، وهو ما أثار ريبة بعض المراقبين حول علاقة هذه المجموعات المسلحة بالدول الغربية، في ظل حالة من الفوضى وانعدام الأمن وانتشار العنف العابر للحدود في بعض الدول الإفريقية، مما يجعل الأبواب مفتوحة لإعادة  الإستعمار من جديد تحت شعار ت ضرورات تحقيق الأمن الإقليمي للقارة الإفريقية والذي يهدد الأمن والسلام العالمي حسب ما تدعيه هذه الدول.

هناك أيضاً منظمات مسلحة لاتتبنى الفكر الديني، مثل "الجبهة المتحدة الثورية" التي أشعلت حرباً أهلية في سيراليون بدعم من ليبيريا طوال عقد التسعينيات من القرن العشرين، وخلال الثلاثين عاماً الأخيرة ظهرت مجموعات حركات مسلحة في إفريقيا اعتمدت العنف أسلوبا لعملها، فقامت بإحداث تفجيرات ضمن الأماكن العامة والسكانية، وفي المواقع الحكومية والسفارات، و استهدفت المطارات ووسائل النقل الأحرى، وقامت بتنفيذ عمليات قرصنة سفن تجارية، وخطف موظفين تابعين اشركات غربية أو خطف واحتجاز رهائن في أماكن متعددة، والهدف الذي تريد تحقيقه هذه الجماعات المسلحة من وراء هذه الأعمال هو بث الرعب في السكان وفي المسؤولين، ومحاولة لي ذراع الحكومات لتنفيذ شروط وأهداف هذه الجماعات.

من هي أهم هذه الجماعات المسلحة التي نتحدث عنها ؟

أولاً- جماعة أهل السنة المعروفة "بوكو حرام"، التي تأسست في نيجيريا في العام 2002 التي أسسها رجل الدين والأستاذ  محمد يوسف من مجموعة من الشباب الذين كانوا طلاب متشددين للشريعة غير مسلحين بداية، أطلقت على نفسها جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد، واسم بوكو الس حرام هو كناية عن رفضهم الثقافة الغربية ونمط الحياة الغربي، ومنهم من قال أن المحليين هم من أطلق هذا الاسم على الجماعة التي رفضت الواقع في شمال نيجيريا الذي يعاني من انعدام التنمية ومن الفقر والحرمان، لذلك حملت السلاح وخاضت مواجهات دامية مع رجال الشرطة المحلية ومع الجيش النيجيري الذي قتل زعيمها ومؤسسها، ردت الحركة بالقيام بمجموعة أعمال انتقامية، من تفجير مقرات حكومية إلى مهاجمة مبنى الأمم المتحدة، واختطاف طلاب مدارس، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي بتصنيف الجماعة بأنها منظمة إرهابية.

ثانياً- أنصار الدين: جماعة متشددة من الطوارق في مالي، كان يتزعمها "إياد أغ غالي" القومي السابق قبل أن يعتنق السلفية الجهادية، يعتقد أن للجماعة علاقة مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، لايعرف العدد الحقيقي لأعضاء الحركة، لكنها خاضت عدة صراعات مسلحة مع حكومة مالي في الشمال، انفصل عنها بعض الأعضاء وانضموا إلى مجلس وحدة أزواد، لكن مازال للجماعة  وزعيمها يحتفظون ببعض القوة والنفوذ في تلك المناطق.

ثالثاً- حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا: وهي مجموعة مسلحة انشقت عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، يقودها "ولد محمد" المكنى أبو قمقم، تنشط في جنوب الجزائر وشمال مالي، لايعرف الكثير عن عدد المقاتلين في الحركة، ولا مصادر تمويلها، تم إدراج الحركة في قائمة المجموعات الإرهابية من قبل الحكومة الكندية في العام 2014.

خرجت هذه الجماعة من رحم الحرب الأهلية في الجزائر رابعاً- منظمة القاعدة في بلاد المغرب:                      

وتبنت فكرة الجهاد ضد النفوذ الغربي في المنطقة، وضد الأنظمة الحليفة له، وتسعى إلى إقامة دولة الإسلام، استهدفت المصالح الإسبانية والفرنسية،  لها انتشار واسع في تشاد وليبيا ومالي وتونس.         

خامساً- المرابطون: هي حركة مسلحة تنتشر في الصحراء شمال مالي، كان أعضاؤها من المناصرين للجوائري "مختار بلمختار"، ثم انضمت الحركة إلى جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، قسم من الجماعة بايع الدولة الإسلامية في العراق والشام.

سادساً- حركة أزواد الإسلامية: حركة مسلحة في شمال مالي بزعامة "الغباس آغ" ترفع شعار الدفاع عن مصالح الشعب في شمال مالي وقضاياه العادلة، وتقول أن الحكومة تهمش هذا الشعب ولا تلتفت إلى مطالبهم، وهذه الحركة تشكلت من الانقسامات التي تعرضت لها حركة أنصار الدين على أثر التدخل العسكري الفرنسي في مالي العام 2013.

سابعاً- جند الخلافة: وهم مجموعة مسلحة، سلفية متشددة في الجزائر، أعلنت مبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية، تأسست هذه المجموعة من بعض الفصائل التي كانت تتبع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب وانشقت عنه، وتم الإعلان عن تشكيل جند الخلافة بزعامة "خالد أبي سليمان”

ثامناً- كتيبة عقبة بن نافع: مجموعة مسلحة متشددة في تونس، أعضاء المجموعة بايعوا تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، تأسست المجموعة في العام 2012 بقيادة "أبوعياض التونسي” .

تاسعاً- جند الخلافة في تونس: وهم مجموعة حديثة التأسيس في العام 2015 تضم عناصر سبق وأن كانت ضمن مجموعة عقبة بن نافع.

عاشراً- أنصار الشريعة في ليبيا: مجموعة مسلحة تسيطر على أجزاء من مدينة بنغازي الليبية، تتهمها الولايات المتحدة الأمريكية بالهجوم على قنصليتها في بنغازي العام 2012.

الحادي عشر- مجلس شورى مجاهدي درنة: تم تأسيسها على يد "سالم دربي" الكادر السابق في الجماعة الليبية المقاتلة في العام 2014، واصطدمت هذه الجماعة مع تنظيم الدولة في مدينة درنة الليبية في عدة معارك مسلحة.

الثاني عشر- تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا: وهو الفرع الليبي لتنظيم الدولة الإسلامية بقيادة "البغدادي"، تشكل في العام 2014، في مدينة درنة، وله تواجد في مدينة بنغازي وسرت.

الثالث عشر- ولاية سيناء: وهي حركة مسلحة في سيناء المصرية، تتبع لتنظيم الدولة الإسلامية تشكلت في العام 2011، وكان اسمها "أنصار بيت المقدس" لتغير اسمها في أواخر العام 2014 بعد مبايعتها لتنظيم الدولة.

الرابع عشر- جماعة المرابطين: أسسها " هشام عشماوي" في مصر العام 2015، وأعلن ولائه للقاعدة

الخامس عشر- حركة الشباب المجاهدين:  وهم حركة صومالية متشددة تأسست العام 2006 على أثر الغزو الأثيوبي للصومال، وهي حركة بايعت تنظيم القاعدة، تعتمد العمل المسلح ونفذت عدة هجمات على المقرات الحكومية.

تشير العديد من التقارير، أن القارة الإفريقية تواجه مخاطر واسعة وتهديداً كبيراً يستهدف استقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي نتيجة انتشار الجماعات المتشددة في بعض الدول الإفريقية في نيجيريا ومالي والصومال وفي إفريقيا الوسطى و تونس والجزائر ومصر والمغرب وليبيا وموريتانيا وفي أجزاء من غرب إفريقيا.

إن نشاط هذه المجموعات المسلحة تتصاعد وتيرته، على الرغم من رفض غالبية الأفارقة لهذه الحركات، إلا أن نشاطها قد توسع وتشعب وارتبط مع عدد من عصابات الجريمة المنظمة، وأصبح عابراً للحدود، ومن الخطر التي تشكله أن بعض هذه الجماعات تطرفت في تشددها لدرجة أنها أصبحت ترفض كل شيء مجتمعاتها، لذلك بظني أن التحدي الكبير الآن أمام الدول الإفريقة هو مواجهة هذه الحركات المتطرفة التي تهدد السلام في القارة خاصة إن علمنا أن نفوذ هذه الجماعات يتسع ويتعاظم، لأن لها تاريخ يسبق الجماعات الجهادية الإسلامية في إفريقيا كثيراً، وقد فشلت هذه الحركات في التحول إلى أحزاب سياسية، مما يشير إلى أن القارة مقبلة على موجة أخرى من العنف إن لم يتم اتخاذ إجراءات لمحاصرة هذه الحركات وشل فاعليتها.

ونلاحظ إثارة موضوع وجود هذه الجماعات في بعض الدول من بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، نتيجة إدراك المجتمع الدولي لخطرها وكذلك عجز الدول الإفريقية عن مواجهتها والقضاء على هذه الظاهرة ، فنشاط هذه الحركات تجاوز الحدود المحلية والإقليمية، مما دفع العديد من الدول إلى وضع الخطط واعتماد مخصصات مالية لمواجهة خطر هذه الجماعات.

إسرائيل التي تستشعر خطر هذه الحركات الجهادية المتطرفة، بدأت تخشى من انتشار هذه الجماعات في منطقة شرق إفريقيا وفي مناطق أخرى من القارة، خاصة تلك المناطق التي تشهد توترات التي ربما تتحول إلى نسخة من حالة الصومال،  تسعى إسرائيل جاهدة للتنسيق مع بعض الدول الإفريقية الحليفة مثل أثيوبيا التي تتشارك مع إسرائيل ذات المخاوف وتعتبر نفسها أنها دولة مسيحية وسط بحر من المسلمين، ولذلك فهي الأخرى تعمل على تعزيز التنسيق الأمني والعسكري والمخابراتي مع إسرائيل في هذه المنطقة المهمة للطرفين التي تشهد تمدد بعض الجماعات المسلحة في منطقة شمال وشرق إفريقا ومنطقة القرن الإفريقي.

ومع ازدياد الاهتمام الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، وضعف فاعلية التنظيم وانحسار المناطق التي يسيطر عليها في كلا البلدين، تزداد مخاف الدول الإفريقية وإسرائيل من عودة آلاف المقاتيلن الأفارقة إلى موطنهم الأصلي، مما ينذر بانتقال ساحة المواجهة  مع الغرب في الساحل الإفريقي، مما يشكل أيضاً تهديداً للمصالح الإسرائيلية في المنطقة، وهذا يجعل إسرائيل تضع هذا الموضوع على رأس أولوياتها خلال المرحلة الحالية والمقبلة.

أخيراً، فإنه  في ظل استمرار غياب خطاب الحداثة الديني، وعدم وجود خطاب إسلامي إصلاحي يعتمد الوسطية والتجديد، يتصدى لقضايا مازالت جدلية مثل الموقف من الديمقراطية، مفهوم المواطنة وإشكالية الهوية، المرأة، الحريات وحقوق الإنسان، وفي استمرار الإصرار على المقاربات الأمنية كسياسة وحيدة متبعة من قبل الأنظمة في مواجهة التطرف، دون الأخذ بالأسباب الموضوعية، ودون معالجات تضمن رفع الظلم وتحقيق التنمية والعدالة للشعوب، فإن الخطاب الراديكالي الذي يؤمن بالعنف كوسيلة لتغيير المجتمعات سيعلو صوته أكثر.

 

حسن العاصي

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

.........................

المصادر:

1-د. نبيل شكري، د. ابراهيم نصر الدين، كتاب بوكو حرام.. السلفية الجهادية في إفريقيا، المكتب العربي للمعارف، القاهرة 2015

2-د. محمد صالح، تقرير بعنوان" الحركات الجهادية الإسلامية العابرة للحدود بين الدول في القرن الإفريقي، صادر هن معهد شمال إفريقيا السويدي 2011

(Nordiska Afrikainstitutet

 ( Transnational Islamist (Jihadist) Movements and Inter-State Conflicts in the Horn of Africa )

3- الكتاب الأبيض عن الإرهاب في المغرب، منشورات الفريق الدولي للدراسات الإقليمية والأقاليم الصاعدة، طوكيو 2015

4- حكيم خطيب، لماذا تسلط الأضواء على الحركات الجهادية دون غيرها؟

  02/03/2017 http://cutt.us/6cY0  تقرير باللغة الانجليزية :

5-علي عبد العال، خريطة معلوماتية عن الجماعات الجهادية في مالي 

http://cutt.us/0TV9n  01/02/2013

6-منى عبد الفتاح، جماعات العنف في إفريقيا.. الحصاد المر

http://cutt.us/7u2Sx

 

sabri alfarhanبعد أكثر من ثلاثين عام من مصادرة الفكر وكل الفكر بما فيه الفكر القومي فضلا عن الفكر الإسلامي في العراق وفي ظل كل الدكتاتوريا في العالم الاسلامي   

طغى التطرف في كل العالم الإسلامي إذ نرى  اغلب إتباع المذاهب الأربعة طغى عليهم التفكير السلفي المتطرف ونشدوا إلية بشكل ملفت للنظر، بات الام الاخوانية المؤمنه تلبس رضيعتها ابنتها بنت بعمر سنة ونصف الحجاب وتناغيها ارهابية ارهابية،وامتداد الخط الصدري في العراق الذي لم يستطع إن يركز على قراءة  منهجيه للفكر الإسلامي لدكتاتورية نظام البعث جناح العراق وخاصة فترة حكم صدام حسين إذ يكفي في إعدام الشاب العراقي اقتنائه كتاب إسلامي قد درج مؤلفه البعث في القائمة السوداء مثل كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر (طهرت روحه)، وامتداد الخط المتطرف الشيعي  الخط (الخلفي للشيعة) بشكل ملفت للنظر

لدمويتها الدكتاتوريات في قمع الحركات الاسلامية ولدت ردت فعل عكسية  لدى الامة فكانت النتيجة هذه الحركات الاسلامية  باتت متطرفة ومتخلفة  ايضا

 هذا من جانب ومن جانب أخر.

ووفقا لتقارير دولية ومنظمات عالمية تُعنى بالثقافة والفكر تبين إن نسب القراءة في مجتمعاتنا متدنية جدا إذ نسبت ما يؤلف ويطبع ويقرأ لا يزيد على 1% عن مقال تحت عنوان  امة اقراء لا تقراء

والأرقام تقول إنّ معدل طباعة الكتاب العربي في أحسن الحالات من ألفين إلى خمسة آلاف نسخة وأن أغلبها لا يباع (جيد)، وتشير الإحصائيات أيضاً أن نسبة الكتب العربية المطبوعة تمثل 3%من مجموع ما يطبع في العالم وأنّ نصيب القراءة من وقت العربيّ لا يتجاوز 6 دقائق سنويا !وفي تقرير لليونسكو حول نشر الكتب في العالم حسب العناوين لكل مليون ساكن يبلغ العدد في أوروبا 584عنواناً وفي أمريكا 212عنواناً بينما لا يتجاوز العدد 30 كتاباً،ومقارنة بأوروبا إن نسبة النشر في الدول العربية لايتجاوز 0.7% مقال الكتاب في دنيا العرب في المحنه المحن

وعلية ندعو لقراءة منهجية للفكر الإسلامي إي طرح الفكر الإسلامي بشكل متدرج  وبلغة العصر  على حد تعبير احد علماء الدين المسلمين  المهتمين في الفلسفة، هذه المنهجية وان كانت  ليست غائبة عن أذهان المهتمين بالشأن الإسلامي قديما وحديثا حتى لا نصادر جهود الغير  سواء من العلماء الإعلام أو غيريهم ا ذ طرح  احد  علماء الدين المتصدين للمرجعية  فكرة كتابة الإسلام بصياغة جديد وأوعز للطلبة تبني هذه الفكرة في احد الدروس في الحوزة العلمية  في النجف الاشرف من خلال حلقه تضم أكثر من 150 طالب علم، لم نرى شي  وعندما سُئل  احد المفكرين الاسلاميين عن خلو رفوف المكتبة الاسلاميه من كتابات حديثة أشاد بجيل جديد نشأ في إيران لم (ارى ذلك) 

 فالفراغ واضح على الساحة الفكرية إذ سرعان ما ينصح الشاب بالتوجه إلى الحوزةعندما يلاحظ علية اهتمام بدراسة  الفكر الإسلامي، وهذا مؤشر عن إفلاسنا عن تقديم الفكر الإسلامي بشكل خارج إطار الحوزه وارجوا إن لايستغل الكلام انه تهميش للحوزة ودراسة الفقه الإسلامي بل أرى ذلك تضيع لطاقات الشباب وإضعاف للحوزة وكما رأينا دخول الكم الهائل من الشباب للحوزة وكان نتيجتها شوهه الحوزة وصورة العلماء  من جراء تصرفات بعض المعممين (ليس عيبا) 

والقراة المطلوبة تطرح منهج على كل المستويات من مستوى  ما قبل الابتدائية وحتى الدراسات العليا   فمثلا في  مستوى  الابتدائية يقدم  كتيب (الوجيز) في الفقه للسيد علي السيستاني (دام ظله) وكتاب التربية الدينية للشيخ عبد الهادي الفضلي الذي كان يدرس في

مدارس الإمام الصادق علية السلام في السبعينات قبل تأميم البعث للمدارس الخاصة لغاء إذ أغلقت كل المدارسة الخاصة بما فيها المسيحية كمدرسة العقيدة فضلاً عن المدارس الشيعية مدارس الإمام الصادق وبقت أسمائها معلقة على المدارس الحكومية إلى يومنا هذا

فمدرسة الإمام الصادق الابتدائية الخاصة (الشيعية) اسمها لحد ألان معلق على إحدى المدارس المسائية ثانوية الإمام الصادق المسائية

على المستوى الثانوية مثل كتاب مختصر تفسير الميزان للسيد الطباطبائي وكتاب  المدرسة الإسلامية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر وكتاب عقائد أمامية للشيخ محمد رضا المظفر  ومسائل منتخبة في الفقه للسيد علي

السيستاني(دام ظله)، و يمكن الاستفادة من منهج حزب الدعوة الثقافي في فترة نهاية الستينات وبداية السبعينات وان كان المنهج يركز على الإعداد السياسي ومن منهج  المجلس الأعلى وان كان المنهج أشبة بالدراسة الحوزوية،وهكذا يطرح منهج  متكامل يسهل على من  يريد إن يقرءا الفكر الإسلامي، لذا نهيب بكتابنا بتاليفات من هذا القبيل وندعو من له اليد بتأسيس مدارس من هذا النوع  لهذا الغرض، أو على الأقل دراسة هذه الفكرة .

مدرسة الاسلام فكر

المدرسة التي ندعو لها ليس من نوع المدارس الأكاديمية الاسلامية  الخاصة مثل مدرسة الإمام الصادق عليه ،ولا من نوع مدارس الإعداد الحزبي مثل مدرسة الإعداد الحزبي في سوريا والعراق التابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي، ولا نوع من المدارس الطبيعية كمدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في اللغة العربية  سابقاً، بل مدرسة فكرية لها منهاج واضح متدرج لا بناية لها ولا وكادر تدريسي ولا لوح وقلم .

 

صبري الفرحان

ألبديات ألخاطئة لا يمكن أن تؤدي ألى نتائج صحيحة؛ ألأرهاب لا يرتبط بدين معين أو فكر معين؛ بل هو فكر أوثقافة أجتماعية منحرفة هدفها ألسلطة والتوسع والمال.فألأديان أستخدمت لتطويع ألناس وأرهابهم؛ وألسياسة أستخدمت نفس ألأهداف لتحقيق مأربها!! .

1- ألفكر ألديني؛ أستخدم من قبل ألعاملين في هذا ألمجال لتطويع ألناس وتخديرهم ومن ثم تحويلهم ألى قتلة ومصاصي دماء؛ وقد أستخدمت بحرفية من قبل حاخامات أليهود وقساوسة ألمسيحين وعلماء ألدين ألأسلامي عبر ألعصور؛ وكما يقال أينما ذهب ألفكر ألديني أو ألسياسي أخذ معه ألسيف وألبندقية ؟؟؟. فالمجازر ألتي حدثت في معظم بقاع ألعالم كان يقف ورائها دهاقنة ألسياسة وألدين؟؟

2- ألأرهاب ألذي حصل مؤخرا لم يأتي من فراغ بل كانت له أهداف ومبررات؛ صنعت ودبرت في مصانع يديرها حرفيون في ألسياسة وألدين؟.فمثلا عندما أراد ألغرب أن يصارع ألشرق ممثلا بالدول ألأشتراكية؛ أستخدم ألدين في أسقاط ألمعسكر ألأشتراكي؛ ووجد ضالته بالفكر ألوهابي ألسلفي ألأقصائي {على مبدا؛ أجعل كيدهم بينهم}؟. غض ألنظر عن ألحكومات ألمتخلفة في نجد وألحجاز ومؤسساتها ألتكفيرية وأمتداتها و ألسلفية ألجهادية ألتي نشأت في مصر بالتوازي مع حركات ألأخوان ألمسلمين .ضربوا عصفورين بحجر؛ ألتخلص من هذه ألبؤر ألأصولية وتحقيق أهدافها في أسقاط معسكر كان يمثل تهديدا وجوديا لسيطرتها على ألعالم؛ لكي تنفرد بالدول ألضعيفة؛ ألتي تمتلك أكبر مخزونات ألطاقة ألحيوية لأدارة ألصناعة وألتطور في كافة ألمجالات؛ مقابل حماية هذه ألدول من غضب شعوبها ومكوناتها ألمضطهدة؟؟؟

3-  ألفكر ألتكفيري وألعقلية ألرأسمالية وجهان لعملة واحدة؛ ألأول يسعى لتخدير ألشعوب بطلاسم وأفكار طوبائية مثل أن ألجهاد يؤدي ألى ألجنة وحور ألعين ؟؟ فنلاحظ أن ألقاتل يرفع شعار ألله أكبر وألضحية ترفع نفس ألشعار ولا أحد يعرف ألله مع من؟؟؟ أما ألثاني يجني حصاد مازرعته ألمجموعات ألأرهابية ألمرتبطة بها!!؛ بتطويع ألشعوب وبالقبول بألأمر ألواقع؟؟ فمثلا بريطانيا أحتلت ألشرق ألأوسط ورفعت شعارات منها جئنا لتحرير شعوبها؛ وفرنسا أحتلت أفريقيا بحجة تطويرها وأيصالها ألى مصاف ألدول ألمتقدمة؟؟ بنفس ألوقت قامت أمريكا بأرسال أساطيلها ألى كافة قارات ألعالم بحجة تحريرها من ألنظام ألشيوعي؛  فكلها تهدف الى ألسيطرة وألنفوذ ولاتضع في حساباتها أي قيمة للشعوب ألمضطهدة؛ وسلمتها ألى حكام فاسدين؛ عاثوا في ألأرض فسادا؟؟

4- لكل فعل رد فعل يساويه في ألمقدار ويعاكسه في ألأتجاه؛ هذه ألفرضية تحققت وأنقلب ألسحر على ألساحر؛  حيث أنقلبت عليها ألمنظمات ألأرهابية ألتي دربتها وسلحتها لتحقيق أهدافها في ألمنطقة ألعربية وألأسلامية؛ وحصلت تفجيرات نيويورك وباريس ولندن وغيرها من عواصم ألقرار في ألعالم؟؟

5- ثورات ألربيع ألعربي؛ ألمزعومة تفضح ألأعيب دهاقنة ألغرب؛ فلا يوجد فرق جوهري بين أنظمة ألحكم في سوريا وليبيا وألعراق وأليمن وأنظمة أل سعود وال ثاني وأل خليفة وأل نهيان {كلا ألأخوين ضراط ولكن شهاب ألدين أضرط من أخيه} فالمجموعة ألأولى حكومات دكتاتورية فاسدة وألأخرى مجموعات عشائرية متخلفة ديناصورية؛ فالدول ألغربية لاتريد نشر ألديمقراطية في هذه ألبلدان؛ بل تريد نشر ألفوضى ألخلاقة؛ بأستنزاف أقتصاديات هذه ألبلدان وألسيطرة على مصادر ثرواتها؛ عن طريق أشعال ألحروب ألأهلية؛ لدفعها لشراء مزيد من ألأسلحة للوقوف بوجه ألمجموعات ألتكفيرية ألتي صنعتها بالتعاون مع ألحكومات ألوهابية ألتكفيرية؟؟

6-  شعارات حقوق ألأنسان ألتي ترفعها ألدول ألغربية ذات نظرة أحادية؛ فهي تدافع عن نظام عنصري دموي أرهابي صنعته في ألمنطقة وهي أسرائيل؛ بينما تتغاضي عن تشريد شعب وأحتلال أرضه ومنعه من قيام دولته؛ ألتي لاتتجاوز ألمساحة ألمتبقية منها سوى 20 %من مساحتها ألأصلية؛ ويعيش حوالي 12مليون فلسطيني في بلاد ألشتات؛ وتقوم سياساتها على مبدأ {قتل أمرئ في غابة جريمة لاتغتفر وقتل شعب أمن مسألة فيها نظر؟؟؟؟}؛ أحتلت أمريكا وبريطانيا وحلفائها العراق في ظرف عدة أسابيع؛ كما أخرجته من ألكويت في شهر واحد؛ فلماذا لاتضغط على أسرائيل بالخروج من ألضفة ألغربية سلميا؛ وهي ترفض كافة قرارات ألدولية ألتي أصدرتها ألأمم ألمتحدة وألمنظمات ألحقوقية وألأنسانية؛ {فهل أليهود من جنس مقدس ولهم ألحصانة؛  بينما ألفلسطينيون بشر من ألدرجة ألثانية !!.أن فقدان ألعدالة وأغتصاب حقوق ألشعوب وتنصيب ألحكومات ألفاسدة وألدكتاتورية؛ سيؤدي ألى نشؤ أجيال من ألأرهابيين وألتكفيرين!!؛ أو ظهور حركات تقتل ألناس ألأبرياء؛  مستخدمة سياسات ألغرب ألمنحاز لجنس واحد دون بقية ألأجناس؟؟فكلنا شعب ألله ألمختار وألله لايفرق بين عباده وكما جاء في ألحديث ألنبوي ألشريف {كلكم لأدم و أدم من تراب؟؟}.أللهم أني بلغت

 

 .د. عبد ألحميد ذرب

الدَّولة المدنيَّة تُبنى أَوَّلاً في العقليَّة وطريقة الفهم والاستيعاب والتَّفكير لتنعكس بعد ذلك على المُمارسة اليوميَّة، لأَنَّها دولةٌ؛

إِنسانيَّةٌ

وطنيَّةٌ

عصريَّةٌ

ولذلك فإِنَّك لا تجدها في العقليَّة المتوحِّشة، العُنفيَّة والإقصائيَّة والمُتطرِّفة والإرهابيَّة، كما لا تجدها في العقليَّة العشائريَّة والأُسَريَّة والعُنصريَّة والطَّائفيَّة والحزبيَّة الضَّيِّقة والأَنانيَّة، فضلاً عن أَنَّك لا تجدها في العقليَّة المُتخلِّفة التي تعيش الماضي وتعتاش على نبش القبور وترفض التطوُّر والأَخذ بعناصر الحاضر والتطلُّع الى المُستقبلِ.

بالنِّسبةِ الى الصِّفةِ الأُولى؛ الانسانيَّة، فانَّها تتمظهر في العقليَّة والمنهج أَولاً ليلمسها المجتمع على أَرضِ الوقع، فمثلاً؛ يقول أَميرُ المؤمنين (ع) يصف الحاكم الانساني بقولهِِ في عهدهِ الى مالك الأَشتر {وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ،يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الَعَمْدِ وَالْخَطَاَ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَ وَالِي الاَْمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَابْتَلاَكَ بِهِمْ}.

ويقولُ عليه السَّلام يصف الغارات الارهابيَّة الوحشيَّة التي كان ينفِّذها جند طاغية الشَّام الطَّليق ابْنُ الطَّليق مُعاوية بن أَبي سُفيان ابْنُ آكلةِ الأَكباد هند حفيد حمامة صاحبة الرَّاية في الجاهليَّة على أَطرافٍ الدَّولة {وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالاُْخْرَى المُعَاهَدَةِ، فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدَهَا، وَرِعَاثَهَا، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً}.

إَنَّ طريقة التَّعامل الانساني في الدَّولة المدنيَّة لا تقتصِر على المسؤول عندما يكون في الموقع الرَّسمي، أَبداً، وإِنَّما هي ثقافة وسلوك يُغطِّي كلّ مناحي الحياة، ومنها العلاقات الحزبيَّة التي هي النَّواة التي ستنفلق بعد حين لتُنتجَ مسؤولين في الدَّولة، فاذا كانت هذه النَّواة غير إِنسانيَّة في تعاملِها وبنائِها، فكيف يمكنُ أَن ننتظرَ منها نتاجاً إِنسانياً يملأ فراغات مواقع المسؤوليَّة في الدَّولة؟!.

بالنِّسبةِ الى الصِّفة الثَّانية؛ الوطنيَّة، فهي تتمظَهر في طبيعة العلاقات بين المسؤولين أَنفسهم وبين المسؤول والنَّاس وكذلك فيما بين النَّاسِ أَنفسهم، فاذا كانت العلاقة التي تخصُّ الدَّولة قائمة على أَساس المواطنة فهذا يعني أَنَّها تسير باتِّجاه المدنيَّة بعيداً عن كلِّ أَنواع التَّمييز والعنصريَّة والطّائفيَّة والنَّبش بالخلفيَّة، والعكس هو الصَّحيح!.

فمثلاً، هل يمكنُ أَن نتخيَّلَ أَنًّ تنظيماً حزبيَّاً يعتمد الولاء الأُسَري والعائلي [الحزب الدِّيمقراطي الكُردستاني بزعامة كاك مسعود بارزاني والمجلس الاسلامي الأَعلى بزعامة السَّيِّد عمَّار الحَكِيم] أَنَّهُ يسعى لبناءِ دولةٍ مدنيَّةٍ؟!.

أَبداً، لا يمكنُ أَن نتخيَّل أَو ننتظر مِنْهُ ذلك، فالدَّولةُ المدنيَّةُ وطنيَّةً تعتمد المُواطنة حصراً وهي بعيدة كلّ البُعد عن الولاءات غير الوطنيَّة بكلِّ أَشكالِها!.

أَمّا بالنِّسبةِ الى الصِّفة الثَّالثة؛ فمِن الواضح جدّاً فانَّ أَيَّ شَكلٍ من أَشكال العُنف والتطرُّف والتزمُّت واحتكار الحقيقة والاقصاء لا يُساعدُ في بناءِ الدَّولة المدنيَّة أَبداً، لأَنَّها صفات تخلق أَرضيَّة قلقة غير مُستقرَّة في المجتمع! وبالتَّالي هيَ تبني دولة القُوَّة والبطش وليس قوَّة الدَّولة!.

إِنَّ ما يدَّعيه الارهابيُّون ويبشِّرون بهِ أَتباعهُم المُضلَّلين الذين غسلوا أَدمغتهم من كونهِم يعملونَ على تأسيسِ [دولة الخِلافة] بالقتل والذَّبح والتَّدمير وانتهاك الأَعراض، كذِبٌ محضٌ، فبشارتهُم تشبه الى حدٍّ بعيدٍ بشارة (البعثيِّين) في بناء [الدَّولة القوميَّة] والتي أَرادَ الطَّاغية الذَّليل صدّام حسين تأسيسها بعقليَّة [العائِلة] من جانبٍ، وبالمقابر الجماعيَّة والأَنفال وحلبچة وحمَلات تنظيف السُّجون والحروب العبثيَّة وغيرِها من جانبٍ آخر! فأَين صفا بها الدَّهر وحلَّ بها المقام يا تُرى؟!.

*يتبع

 

نزار حيدر

مرت بي معلومة على الفيسبوك تحتاج وقفة وتعقيبا، المعلومة تذهب الى جمع الفلسفة والشعرمعا، كما تجتمع الانثى بالذكر على سرير المتعة والانجاب.في اعتبارهذا الربط الافتعالي الخاطئ بين الفلسفة والشعر يجري كسريان المسلمة الصحيحة الجاهزة بدليل ان شعر الزهاوي يصلح نموذجا لهذا الترابط (هكذا باصل المعلومة). وبامكاني اضافة خطأ اخر اكبر من عندي فاقول شاعرية المتنبي تدخل في هذا المنحى، منحى ربط الشعر بالفلسفة، فالمتنبي يطلق عليه شاعر فيلسوف وهو عين الخطأ في التعبير والمعنى المضموني في تكريس الخطأ المتداول والالتباس الشائع. ليس هذا خطأ من اجتهادي، وانما هو خطأ بالمعيار الفلسفي المتواضع عليه والدارج في تعريف الفلسفة ومجالات اشتغالها، وهو المعيار الفلسفي الذي لا ينطبق لا على المتنبي فيلسوفا، ولا على الزهاوي فيلسوفا، ولا على اي شاعر اخر عرفته عهود البشرية ان يكون الشاعر فيلسوفا بالشعر
يوجد فرق كبير ان تقول شاعر فيلسوف وتقصد به شاعر حكم واقوال مأثورة، وبين شاعر فيلسوف فلسفته ليس في مجال نظم الشعر وانما بالدخول في معترك الفلسفة، ومعالجة مواضيعها وتناول قضاياها . وخير تدليل على ذلك ان يكون ادونيس شاعرا فيلسوفا لا بالشعر، وانما باعماله السردية الفلسفية وكتاباته الفكرية القيمة بما يلغي حاجته ان يكون شاعرا مبرزا مجددا، فهو اثبت تفلسفه سرديا وليس تفلسفه شعريا باعماله ودواوينه الشعرية . بينما يبقى المتنبي شاعر حكم واقوال مأثورة في نظم الشعر فقط . ولم يدخل المتنبي مجال الفلسفة اطلاقا في المفهوم الفلسفي والمعرفي لا في الفهم القديم للفلسفة، ولا في المعيار الحديث في تناول قضاياها .
الفلسفة ببسيط العبارة نسق مفاهيمي لغوي معرفي يتوسل المنطق الجاف الصارم الذي يستحضر رقابة العقل باستمرار في السيطرة التامة على تنظيم الافكار والمعارف والمفاهيم بصرامة شديدة . الفلسفة تماسك لغوي تراتيبي يبدأ بالجزئيات ليصل العام، او ينطلق من العام في الوصول الى جزئيات . هذا التماسك اللغوي المعرفي يتوخى الوصول بالمتلقي الى (قناعة) وهذا ما لا يتوفر للشعر ابدا، من حيث الشعر ليس تكريس قناعات فكرية، وانما هو تكريس وجدانات عاطفية، الفلسفة تكرس مفاهيم ومعارف، الشعر لا ينشد ذلك ولا من اهتماماته . الفلسفة علم من العلوم تبدأ ببسط القضايا والمواضيع والفرضيات وتتدرج باثباتها بالحجة القاطعة والبرهان العقلي .وهذا ما لا يتوفر عليه الشعر ايضا . والتدليل على ان الفلسفة علما من العلوم، والشعر فنا من الفنون وكلاهما بنية مستقلة بذاتها، وانه من الخطأ الجمع بين الاثنين بدراسة معيارية نقدية او تحليلية لغوية معرفية واحدة . هو ان علم الرياضيات مرتكز اساس ثابت في التناول الفلسفي لدى عشرات الفلاسفة المحدثين في وقت نعلم فيه ان الرياضيات بعيدة عن مجال التناول الشعري ولو جزئيا فقط ،  بعد السماء عن الارض .
اذن الفلسفة علم معرفي كباقي العلوم الانسانية وليس ابداعا ادبيا او فنيا تخييللا يلغي رقابة المنطق والعقل في تغليبه نسج الخيال وهو ما يقوم عليه الشعر . بعض قضايا الادب والفنون عولجت فلسفيا منذ سقراط وافلاطون وارسطو والى يومنا هذا كما عند هيجل وسارتر ودريدا وفوكو وبارت وعشرات غيرهم، عولجت كقضايا تهم الفلسفة ولم تعالج على انها اداب وفنون في الفلسفة . او انها فعاليات فكرية فلسفية او مواضيع ومعالجات تتداخل فيها الفلسفة مع الاداب والفنون بالغاء الفوارق او بعضها بين الاثنين بنية الفلسفة وبنية الفنون، فهذا متعذر مستحيل .
الفلسفة لغويا جنس من العلوم الانسانية قائم بذاته كبنية معرفية لها مجالات اشتغالها ومحددات مواضيعها، والفلسفة مناهج ونظريات تكرس جهدها لتفسير الحياة والانسان والوجود والموت والحرية والتاريخ والكون الى اخره وكذلك مواضيع الميتافيزيقيا سابقا . ولا بأس من التذكير ثانية ان ميزات الفلسفة انها منطق صارم في اللغة، ومنطق صارم في حضور رقابة العقل على التفكير، ومنطق صارم في البرهنة على صحة منطلقاتها وفرضياتها تقود الوصول الى قناعات تهم الوجود الفردي للانسان، والوجود الانساني كنوع .
بينما نجد الشعر كضرب من الفنون القولية يغيّب فاعلية وحضور العقل في وصايته على اللغة بخلاف الفلسفة في منحيين : الاول منحى انعدام تماسك وانسجام الترابط التناغمي المنظم بلاغيا ومنطقيا في اللغة، فالشعر يعمد الخروج على النظام اللغوي  الذي ادرجناه قبل قليل، فهو يعمد الى تفكيك النسق اللغوي وانسجامه المنظم الى حد يصل الغاء السياق اللغوي المتعارف عليه في لغة التواصل والتدريس والمؤلفات في مختلف العلوم الانسانية وغيرها من مجالات . والمنحى الثاني ان الشعر هدفه اولا واخيرا تفعيل العواطف والوجدانات على حساب تغييب رقابة وحضور العقل في الوصاية على اللغة .
واختم بالقول في هذه المداخلة السريعة تعريفي للحداثة الشعرية في تقاطعها مع الفلسفة كعلم اني وضعت تعريفا للشعر ما بعد الحداثي ما نصه: الشعر الحداثي وما بعد الحداثة هو تهويم لغوي بلاغي، غير مبرمج، أو منمط بنائيا وشكليا، وهذه الفوضى الخلاقة مجازيا تسعى من خلال طغيان توظيف الخيال والتخييل الذي هو ضرورة قصوى في / من مقومات الشعر الحقيقي، إلى الغاء حضور منظومة الأفكار العقلية الدارجة في منحيين، كلاهما ليسا في صالح بناء الشعرية، لكنهما مفروضان حداثيا، المنحى الاول هو ان الشعر ما بعد الحداثي ألغى دلالة اللغة المحلية اليومية الواقعية الاجتماعية من حياتنا، والمنحى الثاني ان طغيان المخيال غير المنضبط بنوع من العقلانية يلغي منظومة الأفكار العقلية كلغة استعمال توظيفي تواصلي خاص بالفعل الابداعي، يحتاجه الشعر، فاضحى الشعر الان هو تداعيات اللاشعور في وصاية ضبابية كابية للعقل في تنظيم عقلانية النص، كي لا يدخل الفوضى من اوسع ابوابها، في غياب التنظيم العقلاني للنص.
 
علي محمد اليوسف - الموصل

عادة مانسمع في احاديثنا اليومية ما يقال ان التجارة شطارة والتاجر الذكي من ينبش في ثنايا العادات والتقاليد ليبتكر ما يروّج لبضاعته التي يعزم على إنتاجها ، ولاننا شعوب غريبة الاطوار والطباع ولدينا الكثير من القناعات الفكرية والمجتمعية الراسخة والتي تختلف كثيرا عن بقية السكان في هذه المعمورة وتتغلغل فينا الاعراف المجتمعية فلا نستطيع الفكاك منها بسهولة ومن هنا ينتبه بصر وبصيرة التاجر الى مايعوزنا ليعمل على ترويج بضاعته التي ينوي تسويقها الينا تحقيقا لربح وفير واستغلالا لحالة او نقطة ضعف او قناعة ثابتة من الصعب ان نحيد عنها .

من هذه الابتكارات التي يتم نشرها في مجتمعاتنا غشاء البكارة الاصطناعي بعد ان تيقن مروجو مثل هذا الغشاء انه سيجد سوقا وطلبات عليه مادام العقل البائس في مجتمعنا يعتبر قيم الشرف والعفاف لاتعدو كونها فسيولوجية بحتة وليست اخلاقية نابعة من قيم الطهر بحيث اصبح هذا الغشاء معيارا ومقياسا للعذرية وهو " الترمومتر " الذي يقاس بواسطته مستوى عفّـة النساء ودرجة طهرهن .

وقبل ان تنتشر انواع اغشية البكارة واصنافها عندنا ؛ كانت النساء العازمات على الزواج واللائي مارسن الجنس غير المشروع قبلا وفضضن بكارتهنّ يلجأن الى حيلة تجميع كمية مناسبة من دم الطيور في كيس بالغ الشفافية ودسّه داخل فتحة المهبل بغفلة من العريس قبيل الدخول عليها فيما يسمى ليلة الدخلة وينتهي كل شيء وتنطلي الحيلة على العريس الفحل ليتبختر بعدها ويُري بطولته وما عملت فحولته من منازلة ليشاهدها أهله واهل العروس فيعودوا مطمئنين ويدعوا للزوجين بالرفاء والبنين والهناء في حياتهما كزوجين يلتئمان على المحبة والتواد والتراحم .

لكن هذه الحذلقة اعتبرت قديمة بعد شيوع عمليات الترقيع في عيادات طبيبات وأطباء الامراض النسائية التي تجري بشكل سري جدا وتتناقل النساء بينهن الخبر اليقين وكلٌ تحدث الاخرى وتدلّها على العيادة المناسبة الارقى والاكثر سترا فتستعيد المرأة عذريتها في اقلّ من ساعة بعد ان تدفع المقسوم أجرة العملية الباهظ وتعود الى اهلها لتنشغل بترتيب البقية الباقية من مستلزمات الزواج القريب واحتياجاته .

ربما يتذكر البعض من القرّاء الاعزاء الضجّة التي أحدثها غشاء البكارة الصناعي الآتي من اصدقائنا الصينيين احفاد الحكيم كونفوشيوس بداية العام / 2014 لتتخلص نسوتنا من مخاطر اجراء العمليات الجراحية في العيادات السرية الخاصة مثلما تخلصن من الطريقة البدائية القديمة باستخدام دماء الطيور سيما اننا نعرف مدى اهمية الحضارة الصينية في الحفاظ على القيم والعادات والتقاليد العالقة بنا وهم يعالجون اخطاءنا بمهاراتهم الصناعية لتهدئة خواطرنا وجلب افضل الطرق الابتكارية لمعالجة قلق البنت العازمة على الزواج وحل مشكلاتها المستعصية ، اذ ان فقدان غشاء البكارة في نزوة جنسية ما مع الحبيب اصبحت تشكل هاجسا مخيفا للمرأة وليس في مستطاعها اجراء عملية ترقيع خوفا من الفضيحة والانكشاف طالما هي وحدها من تعالج مشاكلها بنفسها دون ان يدري احد بها حتى من المقربين منها وقد خفّف الغشاء الصيني الجديد الكثير من الهواجس المصاحبة للمرأة لسهولة استعماله وحسن تصنيعه ورخص ثمنه قياسا الى العمليات الترقيعية المكلّفة .

هذا الغشاء المدهش والذي يعتبر قفزة نوعية وحلاً بديلا مريحا لهواجس فقدان الغشاء الطبيعي ، فهو يشبه تقريبا الغشاء الطبيعي للمرأة لكونه عبارة عن حلقة مطاطية مستديرة وسطها سائل احمر يتمزق بسهولة عند ايّ اصطدام مع جسم اخر لفرط شفافيته ؛ اذ يتمّ دسّه في فتحة المهبل بعمق حوالي  2/ سم فيلتصق تلقائيا ويتشابك مع جدران وأغشية المهبل ثم يلتحم في غضون وقت قصير لايتعدى النصف ساعة ويثبت في مكانه كأنه الغشاء الاصلي ، وهو يشبه العلكة التي تمضغ في الفم بحيث يتشكل على شكل بالون وله القابلية على التمدد والانتفاخ داخل مهبل المرأة ويمكن للمرأة التحرك والمشي والعمل دون ان يصيبه ايّ فتق او تمزّق لكنه يتفتق حال ملامسته شيئا مثل جهاز الرجل الذكري ناضحا سائلا احمر اللون قانيا تخاله دما .

ويعدّ ظهور الغشاء الصيني طفرة نوعية في معالجة قضية استعادة العذرية التي كانت تؤرق المرأة بحيث انشغلت الصحافة بين مؤيدة ومعارضة ، ولهذا شمّر رجال الدين عن سواعدهم لمعاركة صانعي هذا الغشاء الذي رآه البعض بانه مشروع انساني قبل ان يكون مشروعا تجاريا مربحا ويضع حدا لعذابات المرأة نفسيا وجهرت اصواتهم عاليا ضد هذا الابتكار باعتباره غير اخلاقي ويمس الشرف والحياء ويطمطم شرور المرأة ويغطي سوءاتها وآثامها طالما هي لم تحافظ على شرفها وطهرها وكأن هذه العفة والشرف عالق بغشاء شفاف واهن .

كما أعلن الكثير من الاطباء والطبيبات عن تذمرهم من هذا الاختراع واعتبروه خطيرا على صحة المرأة من الناحية العلمية البايالوجية  ويؤثر على جهاز الفتاة التناسلي سلباً وقد تنتج عن ذلك التهابات ومضاعفات يصعب علاجها ، ودعوا الى التحرّك السريع لمنعه وسحبه من دكاكين الصيدليات ؛ ويبدو ان هذا الغشاء السحري زاحمَ أرزاقهم فلم يعد للعمليات الترقيعية التي تدرّ مالا وفيراً تجري كالسابق وانحسر كسبهم ، مثلما اعتبره رجال الدين ستارا واهيا لتغطية جنوح النساء نحو توسعة العهر والدعارة ويجعل الفتيات تتمادى في الفسق دون رهاب اختفاء غشائها الطبيعي المخلوق لها كمعيار للشرف ودليل العفاف ولا تعبأ بمخاطر زوال بكارتها طالما سيتم رتقها بسهولة فاختلقوا له المساوئ ومحاذير الاستخدام وهوّلوا من مخاطره وفق ادّعاءاتهم .

ولاننا شعوب وضعت كل معايير الشرف والعفّة مختزلا في هذه القشرة الصغيرة التي تتمزق فور الايلاج ، ونرفع قطرات الدم المصطبغة في المنديل والناتجة من تمزيقه لنعلن فخرا وزهوا اننا انتصرنا على العهر والرذيلة ومفسدة الجنس وان بناتنا العفيفات ولدن عذراوات وسيبقين عذراوات حتى يأتي نصيبهن في الزواج ؛ فهذا هو وحده معيار الشرف ؛ اما السلوك غيرالسوي للمرأة واقترابها من العلاقات المحرمة وعدم الحفاظ على طهارتها وولوجها طرق الحرام والوقوع بين احضان الرجال وتعدد العشاق فلا يعدو مهمّا طالما تبدّت قطرات الدم منها وتمزّق غشاؤها المصطنع في ليلة دخلتها مع حليلها الشرعي .

ولاننا بهذه السذاجة والمعايير الهزيلة في تحديد مدى شرف المرأة وعفّـتها فقد تناوشتنا الشركات المنتجة لاغراقنا بانواع عديدة من " فنكوشات " العذرية من مختلف المناشئ العالمية فمرة تظهر كبسولات لاتبلع عن طرق الفم كما اعتدنا ذلك بل يقوم المهبل نفسه بابتلاعها دفعا اليه في عمليات تضليلية خادعة على اساس كونه يعيد بناء الغشاء وتنميته مجددا وقامت شركات اخرى بطرائق تحايل ايضا فأنتجت مواد عشبية تباع بعشرات الدولارات على شكل اقراص وحبّات " تابلت " زعمت انها تنضح لونا احمر شبيها بالدماء وما على المرأة سوى حشرها داخل المهبل دون ان تسبب اضرارا جانبية لانها من طب الاعشاب البديلة غير الضارة كما تعمل ايضا على تضييق فتحة المهبل وفق مزاعمهم .

بل تمادت بعض الشركات بالسخرية منا فلم تكتفِ بابتزازنا ماليا فصنعت مؤخرا غشاء بكارة سمّوه (بيوتي فيرجين) سهل التركيب والاستعمال تستعمله النساء المتزوجات الكبيرات في السنّ حيث يُحشر في اجهزتهن التناسلية على سبيل الدعابة ومفاجئة الزوج بنضوح الدم اثناء الممارسة الجنسية المعتادة لتذكيرين بليالي الدخلة يوم كانت عذراء فيفاجأ الرجل بهذه الحالة الغريبة لخلق جوّ من نوستالجيا ممتعة اول ايام العرس .

لنقولها بكل صراحة انا عن نفسي لست أكيل اللوم على الفتاة التي فقدت عذريتها لسبب ما وأبرر لها القيام بأي شيء من اجل استعادة عذريتها وبأي شكل من الاشكال سواء ترقيعا جراحيا او اية بدائل نافعة ترمّم هفوات الهوى والعشق المحرّم عندنا طالما هي مهددة بشرفها وتعيش خوفا دائما وقلقا وإرباكاً يقضّ مضجعها على الدوام وقد تتعرض للموت قتلا غسلا للعار اذ لم تجد آذانا صاغية وصدرا رحباً لتفهّم مشكلتها سواء من أهلها او وسطها المجتمعي او شريك حياتها .

ومن منا يتقبّل في بلداننا ويستوعب ويتفهّم ان تقول له قرينته الجديدة وتعترف انها أقامت علاقة محرّمة مع هذا وذاك وأدّى ذلك الى افتضاض بكارتها في مراحل حياتها وميعة صباها ؟؟

 

جواد غلوم

 

 

لقد أصبح من الشائع في أوساط مثقفي ما بعد الإطاحة بالنظام الاشتراكي توجيه النقد للماركسية والماركسيين بتحميلهم مسئولية فشل ما آلت اليه التجارب الاشتراكية السابقة. بل وأصبح من الشائع أن الترويج للآراء القائلة بأن التحليلات النظرية  الماركسية عن الرأسمالية وانتصار الاشتراكية لم تكن صحيحة بدليل عدم قيام ثورة اشتراكية واحدة في الدول الرأسمالية المتقدمة. وبناء عليه هناك حاجة ملحة إلى إعادة التفكير بأهم أسسها والقبول بحقيقة تفوق نظام اقتصاد السوق على الاقتصاد الاشتراكي وبخاصة وقد انتهت التجارب الاشتراكية في دول الاتحاد السوفيتي ومنظومته في الدول الأوربية. وقد جندت الدول الرأسمالية الغربية أجهزتها الإعلامية للترويج لتلك الآراء والإعلان عن موت الاشتراكية وخلود الرأسمالية. ولمنح الفرصة للقارئ الذي تهمه قضية الاشتراكية سيكون من المفيد اطلاعه على بعض  لكن بعيدا عن الحملات الدعائية المضادة للاشتراكية هناك بعض الآراء النقدية والحجج المستوحاة من واقع  التجارب الاشتراكية التي يوردها باحثون أكاديميون تستحق الدراسة والمناقشة. 

ففي مقال للكاتب Sean Sayers  من جامعة كنت في بريطانيا الذي أورد ترجمته أدناه (1) يذكر فيه ان عمل ماركس قد تركز بصورة رئيسية  على تحليل وتفسير المجتمع الرأسمالي. والرأسمالية كما صورها هي نظام يعاني من التناقضات  التي لا يمكن استئصالها أو إزالتها، لهذا السبب ليست نهاية التاريخ. انها مرحلة محددة من التطور التاريخي ستزول لتحل محلها مرحلة أو مراحل أخرى. تفاصيل نظرية ماركس وقد مضى عليها أكثر من قرن ونصف من الزمن ما تزال تمدنا بتوقعات متكاملة ورصينة عن النظام الرأسمالي. هذا لا يعني الإفتراض بأن توقعات ماركس عن الرأسمالية ينبغي القبول بها كاملة، فبعض توقعاته لم تكن صحيحة خلال التطور التاريخي المنصرم. لقد أثبت المجتمع الرأسمالي المتقدم النجاح اقتصاديا وديمقراطيا وسياسيا بخلاف ما اعتقد ماركس او الاشتراكيين أتباعه. فبعكس توقعات ماركس لم تعاني الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية من الفقر أو تحولت الى قوة ثورية.

لذا يجب بناء على ذلك أخذ تلك الحقائق بنظر الاعتبار إذا أردنا الاستعانة بها في العالم الحديث. بعض التوقعات من الجانب الآخر وخاصة فيما يخص تطور الرأسمالية أثبتت كلية الصحة والدقة. عندما كان ماركس يكتب في القرن التاسع عشر كانت الرأسمالية واقعا ولم تتعرض للتحدي حيث لم تكن الاشتراكية حينها قوة منافسة في أي مكان في العالم. لكن بعد ذلك حدث أن أطيح بالرأسمالية من قبل الحركات الثورية في مناطق واسعة من المعمورة وأصبحت الاشتراكية قوة سياسية رئيسية في كل مكان تقريبا.

التناقضات الداخلية داخل الرأسمالية التي تحدث عنها ماركس ما تزال موجودة لكن هذه واضحة في دول العالم الثالث حيث ما يزال جزءا واسعا من مجتمعاتها يعاني  من الفاقة وحيث الظروف  المحفزة على الثورة قائمة. وأولئك الذين يتحدثون عن انتصار الاشتراكية عليهم ان يتذكروا ان المجتمعات في دول العالم الثالث تعيش في ظل الرأسمالية. وحتى في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة  هناك انقسام طبقي وأزمات وان الدورات الاقتصادية للرخاء والركود لم تختفي لكنها تعالج بالسياسات الاقتصادية التخفيفية وان طبيعة الطبقات في المجتمع الرأسمالي الحديث قد تغير كثيرا عما كانت عليها المجتمعات الرأسمالية إبان القرن التاسع عشر. لكن لايمكن الاعتقاد بأن الانقسام الطبقي قد زال من المجتمعات الرأسمالية الحالية وان التناقضات الطبقية التي تحدث عنها ماركس  مازالت صحيحة.

واذا كانت توقعات ماركس عن النظام الرأسمالي ما تزال صحيحة فان توقعاته عن الاشتراكية والأزمة التي تواجهها ليست كذلك وهذا ما يجعل من تلك التوقعات موضوعا لإعادة النظر. فالثورة الروسية في أكتوبر عام 1917انجاز تاريخي بدون منازع وتأثيرها في العالم كان واضحا، فبالرغم من الحرب الأهلية وما خلفته الحروب العالمية تطورت روسيا من دولة شبه اقطاعية متخلفة اقتصاديا الى دولة صناعية وقوة دولية ذات شأن. فخلال الاشتراكية تطور التعليم والمستوى المعيشي للناس والقول أيضا يقال عن الصين. لكن أزمة الاشتراكية والشيوعية تطرح نفسها  كموضوع يتطلب الخوض في غماره. ولنبدأ ببعض مظاهر تلك الأزمة:

1-  موضوع الديمقراطية

يفترض بالاشتراكية ان تكون مجتمعا ديمقراطيا، لكن ما أثبتته التجربة الاشتراكية كان غير ذلك. وفق ماركس ان الدولة أداة طبقية وهي في الرأسمالية دولة البرجوازية وان البرلمانات  وحقوق الأفراد لا تتعارض مع هذه لدولة. في الماركسية يتم تجاهل الديمقراطية بكونها لعبة تستخدمها البرجوازية لمصالحها وتطرح في المقابل الديمقراطية الاشتراكية في مجتمع بدون طبقات وهي الصورة التي تطبع الماركسية بها.

2-  الاشتراكية

تفترض الماركسية ان الاشتراكية فترة انتقالية قصيرة بين الرأسمالية والشيوعية حيث اعتقد ان هذه الفترة ستكون قصيرة وبدون أضرار تذكر. عندما أزيلت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فان الأسس المادية للخلافات الطبقية من المفترض أن تزول عاجلا أو آجلا أوتوماتيكيا، للأسف شيئا من هذا لم يحدث في أي مجتمع اشتراكي. وأكثر من هذا هناك أدلة بأن الخلافات الاجتماعية على المستوى الوطني والإقليمي والاثني قد استمرت في ظل الاشتراكية. الرأي التقليدي الماركسي بأن مثل تلك الخلافات والمنازعات ستزول أو تخف أوتوماتيكيا مع التطور الاقتصادي. مع هذا بينت التجربة بأن تلك الخلافات والأزمات الاجتماعية قد تعززت وازدادت قوة بعكس ما جاء في النظرية. وقد عادت الخلافات  للظهور  بأكثر قوة وخطورة  في الاتحاد السوفيتي وفي شرق أوربا.

هناك درسان مهمان في الماركسية في كل هذا : 

1- اذا كانت الاشتراكية فعلا مرحلة انتقالية قصيرة فقد أثبتت التجربة أنها ستكون أطول وأكثر تعقيدا مما توقع ماركس. 

2- خلال هذه المرحلة فان الانقسامات في المجتمع الاشتراكي ستستمر بين المجموعات الاثنية والطبقية وان على الاشتراكية بناء نظام سياسي يمكن خلاله معالجة المصالح المتضاربة بين مكوناته.

3- دور السوق

الأزمة في الشيوعية العالمية هي اقتصادية وسياسية. تقليديا يعرف عن الاشتراكية بكونها نظام ملكية الدولة والتخطيط المركزي  حيث ينظر للملكية الخاصة وحرية السوق بكونهما أدوات رأسمالية. الاشتراكية التي طبقت في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية كانت مبالغة في المركزية مع حيز محدود للمشروع الخاص أو لاقتصاد حرية السوق، هذه الاقتصاديات عانت من عدد كبير من المشاكل مثل هبوط الإنتاجية وسوء استحدام الموارد. الدرس الواضح من كل هذا هو ان ملكية الدولة والتخطيط المركزي ليسا فعالين في كثير من الحقول الاقتصادية في حين يمكن للقطاع الخاص أن يقوم بذلك بكفاءة عالية في الاقتصاد الاشتراكي. وهناك رأي سائد بأن اقتصاد حرية السوق هو الامكانية الوحيدة التي تعمل في الاقتصاد الصناعي. وعلى النقيض من ذلك ان اقتصاد السوق الحرة عبارة عن لغز فهو لا يعمل في أي مكان في العالم. في كل الدول الرأسمالية بدون استثناء يوجد قطاع عام مهم تحت سيطرة الدولة أو تحت رقابتها ومن بينها بعض النشاطات الزراعية وخدمات السكك الحديدية والطرق والجسور والسكان والصحة والتعليم وعددا من الصناعات وفي الحقيقة ان في جميع الاقتصاديات في العالم هناك اقتصاد مختلط من القطاعين العام والخاص مع اختلاف أدوارها في مختلف الدول.

قوى السوق ليست وصفة جاهزة للتطبيق أوتوماتيكيا في كل البلدان كما تثبت التجارب. ففي بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء السابقة مارغريت  تاجر في الثمانينيات التي نقلت جزءا واسعا من قطاع الدولة الى القطاع الخاص لا دليل بأن ذلك أدى الى نمو اقتصادي حقيقي. واذا أدى اقتصاد حرية السوق الى نمو اقتصادي في بعض الحقول فقد أدى الى الركود والاستغلال في مجالات أخرى. اقتصاد حرية السوق ليس كله خيرا وليس كله شرا، وفقط يجب الحكم وفق ما اذا كان فعالا في تحقيق النمو الاقتصادي.

الانتقال الى اقتصاد حرية السوق في الحقول الاقتصادية الاشتراكية السابقة زاد من عدم المساواة والاختلافات والانقسامات الاجتماعية. هكذا أيضا كانت التجربة البريطانية حيث سجلت زيادات حادة في أعداد العاطلين عن العمل والفقر والمشاكل الاجتماعية. ونفس النتائج حصلت في الدول الاشتراكية السابقة بعد الانتقال الى اقتصاد حرية السوق. إشاعة الليبرالية الاقتصادية ظاهرة قصيرة الأمد في ايجابياتها والنتائج السلبية لاقتصاد السوق بدت في الظهور بصورة جلية. وهذا بالضبط ما تحتمه وتؤدي اليه الرأسمالية.

 

علي الأسدي

...............................

  1. The Future of Marxism “ by: Sean Sayers , University of Kent at Canterbury, June .1991

 

 

 

 

من ضمن الألاعيب الستراتيجية للسيطرة على الشعوب المقهورة ومنها بلادي المبتلية بكل أسقام الدنيا ؛ تكاد تكون نظرية إشغال الناس بكل ماهو منحطّ ومبتذل وسيء  وتوَهان العقل وحشوه بكل ماهو ضار مما يسبب لهذه الرؤوس المنهكة أصلا من كل انواع الصداع الكلي والنصفي مما يفقدها التفكير السليم والرؤية المثلى .

وتعمل وسائل الاعلام الغثّة التافهة المرهونة بيد السلطات الاكثر تفاهةً منها دورا في تصدّع العقل وتغييبه عن الوعي النابه واختيار بديل من المعلوماتية المريضة التي لافائدة منها فلا تُغني عقلا ولا تسمن جسدا وقد تشكل ضررا جسيما في العقل الجمعي والفردي على السواء .

ففي عصر العولمة هذا تعمل الفضائيات الكثيرة على تشتيت الذهنية فتقدم لك طبقا من المعلومات غير النافعة والتي تسبب للجموع الساذجة أمراضا مزمنة على المدى البعيد والأبعد دون ان تطبّب ما في دواخل الانسان من أسقام نفسية وعقلية وشرود في الذهن وتهويمات فكرية وخزعبلات من الرؤيا الضارة غير السليمة تفقد توازن الانسان وتجعله عرضة لتقبّل كل مايريد الاخرون من حشوهِ في فكرهِ وأعماقهِ .

هذه الفضائيات غالبا ماتمنحك فنّا هابطا مبتذلا عديم المتعة والفائدة بدءا من المسلسلات الطويلة المدبلجة المشتراة بملايين الدولارات من جيوب شعوبنا الفقيرة لتعطيل وشلّ الانتاج الفني دراميا وسينمائيا عندنا ؛ الى رقص مبتذل وغناء أجوف فارغ من العواطف والمثل والقيم النبيلة تتخلل كل ذلك سيل من الدعايات الصلفة وغير المعتنى بها فنيا وجاذبيةً للمستهلك واحيانا تكون وقحة وبلا ايّ حياء لسلع متعددة الأغراض والاستعمالات هدفها نفض الجيوب مما تبقّى من مال ولا نغالي ان معظمها كاذبة خاصةً العقارات الطبية المشكوك في فعاليتها عن التنحيف وقطع الشهية وزيادة القوة الجنسية ...الخ .

تقدّم لك ايضا القنوات التلفزيونية المدعومة ماليا من جهات سياسية ودينية لفيفا من الثرثارين والمتفيهقين يقيئون عليك من النصائح الرثّة والفتاوى الضارة مع سيل من القذع والكلام البذيء ومنهم دعاة الدين وسياسيون مهمشون أجَراء ينفثون تحليلات غير منطقية ما انزل الله بها من سلطان يمتهنون إنعاش النزعات الطائفية وترويج الكراهيات القومية والعرقية والمذهبية  فترى الاثني والرجعي والسلفي والعلمانيّ الناقص المعرفة وغير المهذب يتصايحون في لاعقلانية ليحشروا في أذهان المتلقين والمستمعين خزعبلات من الفكر العويص غير المتوازن .. بعد ذلك يأتي دور العرّافين وكاشفي الطالع يضربون الودَع على عواهنه شطّ ام أصاب بلا دراية كمن يضرب حجارة على ظلمة .

 ترى وتسمع خليطا غير متجانس من الاهواء الخانقة وإعلام مبعثر يميل بك شمالا ويمينا ويوقعك أسفل سافلين دون ان يرتقيك الى الاعلى ، إعلام لايستحق حتى اسمه وفاقد لدوره في التوعية الصحيحة واظهار الحقائق فقد ولّت سلطته الرابعة الى غير رجعة وحلّت مكانه سلطات المنافع الشخصية والفئوية والاعتبارات النفعية الخاصة منها افراد ذوو نفوذ مالي ورؤوس مشبعة بالمطامع الذاتية يلتصقون جزافاً بمجتمع يسمونه مجتمعا مدنيا لتحقيق منافع ضيقة لشرائح صغيرة من النخب التافهة يليها سلطة العشائر وأعرافها وتقاليدها الرثّة وفرضت على الشعب كله رغما عنه .

تأتي لاحقا نظرية إشغال الشعوب المبتلاة بسياسيين ماكرين ودهاة في اثارة القلاقل والرزايا من مشعلي الحرائق المجتمعية في خلق تصعيدات طائفية ونزاعات مناطقية لتشتيت الاستقرار وإبقاء الناس في حالة نزوح دائم وتهجير قسري من اجل فكّ اللحمة الوطنية وتفتيتها وطمس معالم اية وحدة وطنية وتغذية الخلافات العشائرية وإظهار أعرافها وقوانينها المريضة وجعلها فوق القوانين التشريعية وفوق الدستور ؛ فتمّ ابراز القيم والتقاليد العشائرية وخاصة الجانب السلبي المبتذل منها  بحيث انتشرت مظاهر " العطوة " و" الفصل " وما يسمّى بالمشية بين القبائل لردّ الاعتبار للمتضررين كذباً والمعتدى عليهم زيفاً ؛ وكل ذلك من اجل ابتزاز المال من الناس واختلاق المنازعات بين العشائر المتجاورة وهذه الحالة تغذيها الدولة عن عمد ؛ القصد منها تهميش القوانين المرعية لدى المحاكم والإطاحة بالمواد والأطر القانونية وتهديم العدل والمحاكم ومن ثم تضييق الخناق على القوات المسلحة الحامية للبلاد والناس وأحسب ان تلك الظاهرة من أشنع وأقذر المصائب والرزايا والإتيان بميلشيات وعصابات مسلحة تابعة للأحزاب والتكتلات والمكوّنات الاثنية لتكون بديلا عنها وهي من تفرض سلطتها وسطوتها على الملآ المنهك وتحكم على مزاج قادتها أمراء الحروب وزعماء الميلشيات ورؤوس العصابات ومشايخ القبائل بحيث فقدت الدولة هيبتها وسطوتها وصار يُنظر اليها كآلة عاجزة او سلاح عاطل خرب .

كان البعث عندنا في عراق المآسي اول مجيئه للسلطة اواخر الستينات من القرن الماضي قد ابتكر وسائل عديدة لأحداث صداع في رؤوسنا وبثّ الخوف فينا رعبا لايهدأ حينما اختلق قصة " أبو طبر " هذا الجزّار البشريّ الذي صنعه المنظّرون البعثيون وجعلونا في فزعٍ دائم في كل خطوة نخطوها وايّ وقت ترتجف اجسادنا هلعا منه وبالاخص اوقات الليالي الكدرة حتى رافقنا في أحلامنا وحلّ ضيفا ثقيلا في كوابيسنا ، وحالما خفت شبح الفرانكشتاين العراقي ابو طبر عادوا في سنوات السبعينات ليرعبوا الشباب العراقي فتيانا وفتيات بالملاحقة ويراقبوا مايلبسون وما ينتقون من قصّات شعر طويلة كانت سائدة وقتذاك ووصل الامر الى صبغ سيقان البنات لابسات الميني جوب بالدِّهان عقابا لهنّ وتشويه قوامهنّ ، وقصّ شعر الشباب امام المارة تنكيلا وتشفّيا بهم ، ثم تبعتها وسيلة اخرى لخلق المشاكل وتدويرها لصالح السلطة فاغلقوا الحانات والنوادي الاجتماعية باعتبارها -- وفق منظورهم – مرتعا لشاربي الخمور عملا بتوجيهات القائد الضرورة حينما سمّى نفسه عبد الله المؤمن واعلن بدء " الحملة الايمانية " لأشغال الناس وتصديع رؤوسهم بابتكاراته ذات الاهداف والمرامي الخبيثة كي ينسى الشعب همومه الرئيسية الكبرى ويشغله ويُلهي عقله ونفسه  ليفكّر بالسفاسف والترهات والتفاهات ويجعلها من اولويات اهتماماته ، ناهيك عن اختلاق ازمات متعددة قصدا كإخفاء السلع الرئيسية من الاسواق عن عمد لحصر تفكير المواطن في امور جانبية وينسى همومه الرئيسية في نيل حريته واستلاب وطنه وإغفال حقوقه كمواطن وتكميم أفواه الناس كي لايطالبوا بها . هكذا يتمّ السيطرة على الشعوب ولَيّ ذراعها وحشو الادمغة بما يصدّع الرؤوس ويُرخي النفوس ويُقضي على التمرد والعصيان والثورة .

نفس الحال ونفس الاساليب تجري الان وكأنّ اساليب البعث طوّعت مرّة اخرى وتكفّل بتنشيطها وإعادة تدوير نفاياتها من قبل حكّامنا الامّعة ولكن بأيدي عقول متأسلمة تذعن لما يوجّه الشيخ المعمم وسيّد القبيلة وغيرهما وهم كثرة كاثرة من ضيقي الافق وقليلي الخبرة والمران في قيادة الشعب وتدبير أحواله وتوجيهها نحو الأفضل .

من العراقيل الاخرى التي يتسلّى الاسافل بإشاعتها هي اهمال الخدمات التي تقدّم الى الناس وجعلها متردية الى ادنى حدّ فلا خدمات بلدية مُرضية مقنعة ولا طاقة كهربائية متواصلة ولا ماء صالح للشرب فترى المدن والاحياء منها حتى الرئيسية الحيوية وسط المراكز التجارية مليئة بالازبال والنفايات وقد تتراكم وتكوّن تلالاً هائلة في الكبر وتعمّ الظلمة والاجواء الكئيبة في الشوارع والبيوت بسبب سوء الطاقة الكهربائية على الاخص في المجمعات السكنية الفقيرة وانقطاع الماء وطفح مجاري المياه الثقيلة وعدم القدرة على تصريف مياه الامطار بحيث تترك مناطق شاسعة مغطاة بالمياه فترات طويلة حتى تأسن وتكون مرتعا ومنقعا للجراثيم والاوبئة بسبب التكسّر في أنابيبها وانسداد فتحاتها دون ان تمتد اليها يد البلدية لمعالجة الخلل .

اما التعليم فحدثْ ولا حرج حتى وصل الجهل الى رؤوس غالبية الاكاديميين في المعاهد العليا والجامعات ولا ادري كيف حصل هؤلاء الى درجات سامية وألقاب الدكتوراه وكيف سيتربى هذا الجيل الجديد من الشباب اذا كان القائمون على تربيته وتعليمه هم بأمس الحاجة الى ان يتعلموا إثراء النفس بالعفّة والرضا وعدم الميل الى المطامع والرشى مقابل النجاح الزائف للطلبة وإغناء العقل بالتخصص العلمي المديد .

هو ذا ديدن الانظمة السقيمة العاجزة عن البناء والارتقاء فتبثّ الشلل في كل المرافق الاقتصادية فترى الصناعة والمصانع الكبيرة الحكومية قد تحولت الى مقابر للاجهزة والاليات والمكائن ومعامل القطاع الخاص مشلولة غير مدعومة بسبب طغيان المستورد الرديء بحيث تتعطل اية نتاجات صناعية محلية وتعطيل الايدي العاملة ونشر البطالة وتوسعتها في كل المرافق الاقتصادية وطمر المهارات الفنية والتقنية والحرفية بحيث اتجه الشباب العامل للانضواء في صفوف الميليشيات او التطوع في القوات المسلحة او ابتزاز ضعاف الناس ماليا او التحايل على الساذجين ذوي الحاجات الملحة وكذالك الارتماء في احضان الشركات الامنية للعمل كعناصر حمايات لشخوص صارت بغفلة من الزمن عالية الشأن من رجال دين متحزبين وامراء حروب كانوا نكرات مهمشة ، وهذه هي المهن الغالبة عندنا وهذا مانراه حاصلا في بلادي .

وليست الزراعة بمنأى عن الاهمال المقصود لذا نرى في اسواقنا كل ماهو مستورد من الجوار وغير الجوار واصبحنا نأكل من نتاج الغير بعد ان كنا نُشبع الاخرين لنحقق ثروة تضاف الى ثرواتنا النفطية وصار حالنا هدرا لثرواتنا نتغذى بما يغدقه الاخرون علينا ونكتسي من نسيج  ما تصنعه مصانع الغير لنا ونحتسي ماءً مستوردا محلّى بديلا عن ماء دجلة والفرات رافدي العراق العذبين وصفائهما الغائبين .

كأنني في هذا الوضع المرير الذي نعيشه والحبل المشدود خنقا على رقابنا أرى بأم عيني ما رآه " نعوم تشومسكي " حينما كرّس ستراتيجيات وقواعد التحكّم والتسلط والهيمنة على الشعوب المقهورة المبتلاة بالعجز والهوان والركون الى مايفرضه المتسلط على مقادير الملأ المتعب وإلهائه وتدجينه بحيث يقنع بسوء الحال نتيجة ضعفه وخموله وانقياده لما ترسمه الطغمة الحاكمة المتسلطة عليه بحيث تفقد الشعوب روح الثورة والجرأة والتمرّد وتبقى مثل حيوانات داجنة ترضى بما يقدّم اليها من اعلاف لاتسمن ولا تُعافي ؛ إنما بقاء على قيد الحياة في جانبها المظلم لا المضيء وهْـناً واستضعافا ونبذ اي تغيير يؤدي الى حياة افضل باعتباره جريمة وكفرا بالمقسوم والمحتسب من الخالق الرازق الموزّع للارزاق وفق هوى الرئيس لا هوى الشعب المرؤوس حتى عمّ الجهل والغباء والطاعة العمياء فينا وصرنا نقاد كالأطفال الصغار بلا تفكير او نزوع للارتقاء ومكممي الافواه بشرائط لاصقة ومقيدي الأيدي بأصفاد لاتنتزع ، وإياك ان تنتفض او تتمرد على واقعك لئلا تُغضب الربّ الاعلى وأولياءه ، وارضَ بالمقسوم والمقدّر فهذا هو نصيبك من الدنيا وسوف تُجزى جنات في الآخرة وتعيش فيها دائما مخلّدا هناك برفقة الأولياء والصالحين ونعطيك ما سلبناه منك يوم كنت حيّاً بعد ان نشفع لك عند الخالق الكريم ، فاسكتْ واقتنع بنصيبك ولو كان شحيحاً .

ومن أشدّ الممارسات الاكثر قسوة في تدمير الشعوب هي سلب هويته الوطنية وتتمثل هذه الحالة في تشويه وتدمير إرثه وبالاخص المظاهر اللامعة منه ومسخ شخوصه الراقية المؤثرة بحيث ينسى المواطن جذره ومنبته ومحتده وتتضاءل حالة المواطنة والتعلّـق بالوطن الام وهذا مانلمسه الان من فقدان المشاريع الوطنية النزيهة فترى المواطن يتعلق بآمال ومنجاة من خارج حدود بلاده ويرفع شعارات دخيلة عليه ويعقد مؤتمراته تحت وصاية أجناب وغرباء مثلما حدث مؤخرا في مؤتمر استانبول لزعمائنا سنّة العراق تحت رعاية تركيا وكذا الامر يحصل لزعمائنا شيعة العراق وهم يتطلعون الى ماستقوله وتوجهه ايران وكأن الساسة العراقيين الان بيادق شطرنج تتحرك وفق هوى أيدٍ وأذرع دول الجوار تمتدّ لتطيل اللعبة او تقصيرها او حتى تدوير الفوز والخسارة وفق رغبات الغير لا رغبات اهل البلاد  بحيث اصبحنا نعرف كل شيء عما يجري خارج الحدود وما تحاك من تدابير بشأننا حتى نسينا أنفسنا ونخبتنا السامية وطمرنا الجانب المضيء من انجازاتنا ماضيا وحاضرا وكأنك ياعراق لم تنجب قادة شرفاء ومبدعين وسياسيين يشار اليهم بالبنان ويعتدّ بانجازاتهم ونزاهتهم حتى وصل الامر بنا ان نرفع صور السيد الخامنئي والسيد الخميني الراحل في الساحات والشوارع الرئيسية ونسمي شوارعنا بأسمائهم بل وصل الامر بنا ان نعتدّ بشخوص نكرات لا رسوخ فكري لهم ، فهذا الشيرازي ينتصب امام ناظريك وذلك الحائري يحيّر عقلك في لوحة شاخصة كبيرة وسط عاصمتك تعمي بصرك وتحيّر عقلك من شيوع الافيون الديني ويخطب البغدادي في موصلنا الحدباء  ليؤم الناس في صلاة جمعة حتى تقول في سرّك : يا إلهي ما الذي يجري في بلادي العزيزة ، هل وصل الإذلال الى هذا الحدّ ، هل غار الانحطاط الى الاعمق الذي لم يعد يطاق ؟؟؟

فما الغرابة ان يسود كل ماهو مبتذل في دولة أرادت – بعد سحق الدكتاتورية -- ان تبذر ديمقراطية حديثة ناشئة في هذا الشرق الاوسط المبتلي بالطغمة الفاسدة والحروب المديدة والعسكريتاريا وانظمة الفكر الواحد حتى جاء اليها مجرى متوسخ من سقاء الماء الطائفي العفن وأوحال الاثنية ؛ فخرّب اليانع والناهض وتم تدوير تلك الديمقراطية المبتغاة وحوّلوها الى ديمقراطية الطوائف .

لأقولها جازما وبيقين كامل اننا لم نستطع ان نبني دولة وكل ماعملناه اننا أنشأنا سلطة واهية وليتها سلطة قادرة ، فالدولة تقوم وتسمو ولا بدّ من رجال دولة يرفعونها على اكتاف صلبة بجهود استثنائية جبارة لابراز هيبتها من خلال مؤسساتها المدنية لترسيخ مبادئ المواطنة والسواسية واحترام القناعات الدينية والابتعاد عن الاصطفاف الضيّق أيا كان نوعه ؛ دينيا أو مذهبيا أو طائفيا او عِرقيا قوميا فهذه كلها معاول هدم للإطاحة بصرح الدولة الذي لابدّ ان يبقى شامخا مهيباً .

وقد أثبتت التجارب السياسية في كل بلدان العالم من خلال رؤيتنا وتلمّسنا بقدرات الشعوب الخلاّقة وزعمائها الشرفاء العقلاء المخلصين لبلادهم أيّما اخلاص ان مايسمى بالدول الفقيرة او الضعيفة هو ضربٌ من الوهم وتضليلٌ للمغفلين وفرضٌ لقناعات يراد لها ان ترسخ في الفكر الواهي الجاهل ، انما هناك دول معطّلة الفكر والعقل سواء من زعمائها السارقين ذوي المصالح الخاصة والضيقة والجهّال الغارقين في البلادة وعطب العقل او من شعوبها الكسولة والمغفلة الفاقدة للتطلعات السامية ... ومن هنا ينشأ الفقر والجهل وتنتشر الاوبئة والاسقام البدنية والعقلية والنفسية ويعمّ الاحباط والخذلان والتعمية عن الرقيّ والنماء كما هو حالنا الآن .

 

جواد غلوم

 

 

باتا الذكر يتحوّل إلى رمز أنثوي!: وفي صباح اليوم التالي تمّ ذبح الثور، ولكن - والثور الذبيح يُحمل على أكتاف  الناس - أدار عنقه، ورمى قطرتي دم ؛ قطرة عند كل باب من بابي جناح الملك، تحوّلتا إلى شجرتي لبخ - Persea، وهي شجرة دائمة الخضرة يتكرر ذكرها كثيراً في الميثولوجيا المصرية، والمصريون القدماء يعتبرونها : "شجرة إيزيس"، أي أن باتا الذكر تحوّل إلى رمز أنثوي من رموز الإلهة الأم !! 

يُخبر أفراد الحاشية الفرعون بالمعجزة الجديدة، فيذهب بحلته الملوكية ليجلس تحت ظلال إحدى الشجرتين تتبعه الأميرة . وهنا يقول باتا – مرّة ثانية - لزوجته الخائنة،  بأنه زوجها باتا، وأنها هي التي خططت لقتله .. إلخ . فتطلب الأميرة – مرّة ثانية هي في الحقيقة الثالثة بعد حادثة قطع الأكاسيا - من الفرعون من جديد أن يقسم بالإله "رع" بأن يستجيب لكل ما تطلبه منه، فيُقسم لها، وتطلب منه، هذه المرّة، أن يقطع الشجرتين، ويصنع لها خزانة جميلة . استجاب الفرعون، وبينما الملكة واقفة تراقب – بتشفّ ٍ - ما يفعله النجارون الماهرون بالشجرتين، استجابة لطبها، طارت قطعة خشب ودخلت فمها، وابتلعتها، وبعد عدّة أيام (وليس كما يقول ناجح : أيام وشهور)، ولدت الأميرة طفلاً . أُخبِر الفرعون بأنه قد وُلِد له طفل، وجلبوه له، وخصّصوا له ممرضة وخدما، وأقيمت الإحتفالات في أنحاء المملكة كلّها . ثم جلس الملك، وأقام يوما مقدّسا لتسمية الطفل الوليد، وكان يضعه في حِجره . وقد أحبّه الملك كثيراً، وربّاه ليكون نائب الملك على مملكة كوش - King's Son of Kush أو The Viceroy of Kush (وسنرى بعد قليل أهمية هذه الإشارة التي لم يذكرها ناجح ولا سليمان مظهر) . ثم – بمرور الأيام – جعله وصيّاً على البلاد كلها . وبعد أن رحل الفرعون إلى السماء (وهو تعبير فرعوني عن موت الفرعون)، دعا الوصي كل أعيان مصر كي يمثلوا أمامه كي يقص عليهم كل ما حصل له، فحضروا وأحضروا زوجته (أمّه) أمامه أيضا، وقاموا بمحاكمتها، واتفقوا معه في الحكم الذي أصدره عليها .

ما أهمّية منصب "نائب الملك على كوش"؟:

الآن أعود إلى ما وعدت القارىء به قبل قليل، وهو مراجعة معنى أن ينصّب الفرعون، باتا، نائبا له على مملكة كوش .

(مملكة كوش تُنسب إلى كوش بن حام، واتخذت هذا الاسم إبان تتويج (الارا النوبي) أول ملوك الأسرة الخامسة والعشرين النوبية الذي غزا مصر وضمّها إلى دولته .

والمنطقة من حوض نهر النيل التي تُعرف بالنوبة والواقعة في الحدود الحالية للسودان وأجزاء من مصر، كانت موطن ثلاث ممالك كوشية حكمت في الماضي، الأولى بعاصمتها كرمة (2400 - 1500 ق.م.)، وتلك التي تمركزت حول نبتة (1000 - 300 ق.م.)، واخرها مروي (300 ق.م. - 300 م).

وما يهمنا هنا أنّ هذا اللقب (نائب الملك على كوش) استخدم في وقت الأسرة الثامنة عشرة (1570 – 1293 ق. م )، وتحديدا في عصر الفرعون تحتمس (1527 – 1515 ق. م) (109)، حيث بدأ تنصيب شخص على مملكة كوش ليكون نائبا عنه ومسؤولا أمامه عن شؤون إدارتها . ولم يكن شرطاً أن يكون هذا الشخص من أقارب الفرعون (اي من نسل مقدّس)، بل قد يكون من عامة الشعب . ولهذا استخدم كاتب الحكاية هذا اللقب كي يبرّر تنصيب الفرعون لباتا على مملكة كوش لأنه لا يحمل أصلا ملوكياً فهو فلّاح بشري بسيط .

من مخاطر المنهج الواحد الجامد :

وهنا علينا التنبيه على واقعة مهمة جدا، قبل أن يقع المحلّلون منّا المتحمّسون والمنحازون أصلاً لمفاهيمهم، في مصيدة الـتأويل الأوديبي . فقد حبلت الأميرة بقطعة خشب طارت من جسد باتا الشجرة وهي تُقطّع، وابتلعتها، لتنجب طفلا كان هو باتا نفسه . هذه ليست من تمظهرات العقدة الأوديبية، بل هي تعبير عن الدور المزدوج الذي كانت تلعبه المرأة في الحياة الفرعونية : فقد كانت زوجة وأم في وقت واحد. وهذا الأمر يثير في أذهاننا ضرورة أن لا نتمسّك بتفسيرات أحاديّة مهما كانت ونغفل العوامل الإجتماعية والثقافية . وهنا، أيضاً، يتجلى دور عامل مهم آخر جرى في الحكاية، وهو الأصل المقدّس للزوجة حين قامت الآلهة بخلقها، فهو تمهيد لتوفير شرط أساسي كي يكون باتا من أصل مقدّس، وبالتالي صالحاً لوراثة الفرعون خصوصا أنه لم يكن الإبن الحقيقي للفرعون . أضف إلى ذلك علاقة باتا بالآلهة التاسوعاء في منتصف القصة، فالقداسة التي تضفيها الآلهة ساعدته في وقت حاجته إليها .

وهناك إشارات كثيرة في القصة تحيلنا إلى انفصال مصر القديمة إلى قسمين، فخلال كل تاريخ مصر القديمة، وحتى في الأوقات التي كان فيها القطر موحّداً سياسياً ومستقرّاً، كان من المعروف أن مصر تنقسم إلى منطقتين :

- مصر السفلى وهي التي في الشمال وتشمل دلتا النيل،

- ومصر العليا التي في الجنوب .

وفي بداية القصّة كان يُشار إلى باتا بأنه فريد لا يوجد مثله في البلاد لأنّ فتوة الآلهة فيه . أضف إلى ذلك أنه كلّما غضب واحد من الأخوين كان يوصف بأنه تصرّف مثل "نمر من مصر العليا"، وفي ترجمة أخرى "مثل فهد من الجنوب" .

 

حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

 

 

 

 

ربما أصبح ضروريا بل إجباريا البحث عن "رجال" بأوصاف "البانتو Bantou " واستيرادهم من جنوب أفريقيا لانتزاع الحقوق السياسية والنضالية للشعوب والقضاء على ظاهرة "القبلية" التي تحولت مع الزمن إلى "فسيفساء عنصرية" في منتهى التعقيد، خاصة وأنها انتهجت سياسة "الأبارتايد Apartheid "  للتفرقة بين أبناء الوطن الواحد

في مثل هذا اليوم من الواحد والعشرين من شهر آذار يحتفل العالم كل سنة باليوم العالمي لمكافحة "العنصرية" غير أن هذه الذكرى تمر مرور الكرام على العالم العربي والإسلامي وهو يشهد مشاهد عنصرية وممارسات فظيعة بعدما ركنت مسألة الحرية والتحرر والحريات الفردية والكرامة الإنسانية للبشر في زاوية النسيان، لاسيما ومشكلة التمييز العنصري مشكلة إنسانية عامة لا تقتصر على مجتمع متقدم وآخر متخلف، بل انتقلت هذه "الجرثومة" إلى داخل الأحزاب السياسية في بلد ما في إطار ما يسمى ب: "الفئوية" التي تسللت إلى النسيج الاجتماعي وترسبت في خلاياه، كل هذا يدعو إلى ضرورة البحث عن السبل السليمة لمعالجة هذه الظواهر السلبية..، ويعود الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة العنصرية والقضاء على التمييز العنصري إلى حادثة مقتل 69 شخصا عام 1960 إثر مظاهرة سلمية في شار بفيل بجنوب أفريقيا ضد قوانين "المرور" المفروضة من قبل نظام الفصل العنصري وإطلاق الرصاص من قبل الشرطة على المتظاهرين، حينها قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 إعلان هذا اليوم، يوما دوليا وعرفت فيه "العنصرية" على أنها عملية "استثناء" أو "تفضيل" يقوم على أساس (العرق، اللون، الدّين، النسب، أو الأصل القومي) يستهدف عرقلة حقوق "الآخر" وحريته الأساسية وممارستها في كل الميادين (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية..)..

قصة البشرية مع التمييز العنصري

و العنصرية كما عرفها المختصون تعني رفض " الآخر" بشكل من الأشكال، وهي نظرية تحاول أن تثبت نقاوة بعض الأعراق والحفاظ عليها في الأمّة، ظهر هذا التعريف في منتصف الأربعينيات (1946)، وأجري عليه تعديل في 1948، ثم تغير في بداية الستينيات، فأصبح هذا المفهوم يعرف على أنه "النظام" الذي يؤكد تفوق مجموعة اجتماعية على مجموعة أخرى، ويوصي بشكل خاص بعزل هؤلاء داخل بلد (التمييز العنصري)، والعنصرية اليوم في موضع اتهام في العديد من الدول وينسب إليها الكثير من النزاعات والتوترات (مسألة الزنوج في أمريكا، الأبارتايد في أفريقيا الجنوبية، حالة اليهود في الإتحاد السوفياتي، العلاقات بين المُستعمَرين والمُستعمِرين ومنها القضية الفلسطينية في الأرض المحتلة من قبل الصهاينة، وقضية الحجاب الإسلامي في فرنسا وغيرها من الأمثلة، دون أن ننسى ردات الفعل تجاه اليد العاملة في المهجر، وهي عداوات تعود لأسباب عديدة (فارق عرقي، لغوي، قومي، مذهبي وديني)، بحيث يرى الشخص العنصري نفسه متفوقا على الآخر وينظر إليه بدونية ويبقى يعتقد أنه متفوق عليه مهما طال الزمن أو انتقل هذه "الآخر" من مكانه الجغرافي إلى مكان آخر..، في الدراسة التي أجراها فرانسوا دي فونتين في كتابه بعنوان "العنصرية" ترجمة الدكتور عاطف علبي، بدأت الظاهرة العرقية مع الفرعون سيسوتريس الثالث sesotris عندما أمر في القرن التاسع عشر قبل الميلاد في جنوب أفريقيا منع أحد أفراد السود من نزول نهر النيل بالقارب، وكان اليونان ينعتون ب:"البرابرة" كل الذين هم خارج نطاق الهيللادL Hellade، وهو مصطلح يطلق على الطغاة أو الوحشيين، كما كان المصريون يدعون برابرة كل الذين لا يتكلمون لغتهم، ثم جاءت فكرة الشارة الصفراء التي يعلقها اليهود حتى يُمَيّزون عن المسيحيين، فرضها عليهم المجمع الديني الرابع عام 1215 وحتى يميزون عن المسلمين والبرص ولتجنب الاختلاط..

من الدعاة إلى الفكر العنصري نجد "غوبينو" الذي كرس بحوثه حول الأعراق البشرية وذهب إلى حد تمجيد العرق الأبيض وسيطرته العرق الأسود، وفيما وصف غوبينو أبناء "حام" وهم من العرق الأبيض بالآلهة تحاشى في دراسته أبناء جافت ( الآريان les ariens ) وهم الفرع الثالث من البشر البيض الذين قدموا من آسيا الوسطى، وينقسم قبائل الآريان إلى ( الهيللين hellènes الذين استقروا في شمال شبه جزيرة البلقان، والسلت les celtes وهم السكان الأصليين أو الأوائل لأوروبا الشمالية، كانوا من الصُّفْر الذي قدموا من أمريكا عبر الألسكا، ثم يأتي الآريان الجرمان les ariens germains في المرتبة الثالثة، كما يعتبر غوبينو أول عنصري صاحب مذهب العنصرية وأحد آباء العنصرية ورجالاتها، ويقف في موقفه هذا في نشر الفكر العنصري (فاشيه دي لابوج vacher de lapouge ) الذي كان يكره فكرة المساواة والعدل والأخوة ويحبذ واقع القوة والقانون،و ذهبا الاثنان إلى فكرة "الانتخاب" الداخلي أي قياس الجمجمة والرأس لتحديد نوع البشر واعتمدا على قوانين العالم الألماني آمون..، بعد غوبينو جاء "هوستون ستيوارت شمبرلينHouston Stewart Chamberlain" الذي أصبح عضوا في جمعيته، كانت فكرته الحفاظ على الدم الجرماني، التقى هذا الأخير ب: " هتلر" أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1933 وهو يتكلم عن المهمة الإلهية الألمانية اعتمد في نظريته حول "العرق" على الجانب السيكولوجي والمقاييس الثقافية والأخلاقية، أي اكتشاف الماضي من أجل إنارة المستقبل، ولكونه لم يكن يهوديا يقف شامبرلين موقف الند لغوبينو من خلال موقفه العدائي لليهود مدافعا عن الديانة الكاثوليكية للجرمان.

كما ظهرت نوع من السياسات لإطالة عمر سيطرة فئة معينة التي بيدها زمام القيادة والإدارة، إنها "الأبارتايد l apartheid " التي تعني الدفع وليس التطور، وكانت هذه السياسة في وقت ما موضع صراع بين البيض والسود وصدرت من أجلها قوانين عديدة، كما أحدثت هذه السياسة انتفاضات وكانت مصدر فتن ومنها فتنة ( سويتو Soweto ) عام 1976 انتهت بمقتل 176 شخص منهم 02 فقط من البيض، و60 قتيلا في مدينة الكاب في انتفاضة الشباب السود عام 1980، لدرجة أن بعض البيض (الحقوقيين) أصبحوا يطالبون بإلغاء هذه السياسة خاصة بعد صدور رواية ( آلان باتون Alan Patan ) بعنوان: " أذرفي الدمع يا بلادي المحبوبة cry ma beloved country " وترجمتها إلى عدة لغات، أجبرت الكنيسة الأنغليكانية بالاعتراف بفشل هذه السياسة عان 1957 والقول بأن سياسة "الأبارتايد" منبثقة من فكر شرّير..

هتلر والإبادة الجماعية

العنصرية مع "هتلر" في كتابه (كفاحي) عام 1924 أخذت لها شكلا آخر تمثلت في "الإبادة الجماعية" كانت فيه كل المذاهب العنصرية موضع تطبيق،لنشر الفكر النازي، واعتبر هتلر اليهود يتحركون مثل البكتيريا في الجسم، وأنه يسممون النفوس، وأنهم العدو اللدود للفكر الهتلري، ويقف إلى جانب هتلر "ألفرد روزنبرغ" الذي ألف كتابا بعنوان "خرافة القرن العشرين" دفاعا عن الألمان، حيث وصف روزمبرغ فرنسا ب: "الأمة الميتة" وهي تمتص مواطني أفريقيا، خاصة بعد مبادرة فرنسا إلى تحرير اليهود، ولهذا لجأ هتلر إلى الإبادة الجماعية لليهود، وقتل من الغجر ما يناهز 800 غجري عام 1941 بعدما وصفهم بأنهم مجرمون بالفطرة ومعتادون على الإجرام..

"الأمِّيَّة" إحدى مظاهر العنصرية في " الو م أ"

طرحت مسألة "العنصرية" في الولايات المتحدة الأمريكية لاحتفاظها بالرق الذي كان يفوق عدده 04 مليون في عام 1860، فجاء دستور 1865 الذي أكد على إلغاء الرق وإعطاء الزنوج نفس الحقوق مع البيض، ومنها الجنسية الأمريكية لكل مولود داخل تراب الولايات المتحدة ذلك فيلا التعديل 14، ثم جاء التعديل رقم 15 الذي نحهم حق" الانتخاب"، لكن التدابير المقيدة والعنصرية وبالتواطؤ مع المحكمة العليا منعت فرنا هذا الحق وجعلته مستحيلا من خلال بعض التبريرات وعلى رأسها "الأمية" وفهم الدستور والقوانين الفرنسية، واستمر الصراع بين الزنوج الذي ارتفع عددهم في 1960 إلى 14 مليون زنجي في المدن مقابل 05 ملايين في ألأرياف، وذلك على يد بوكر واشنطن Washington، دوبوا Dubois وقارفي  garvey

دور "الإعلام" الفرنسي في تشويه صورة"الجزائريين"

لقد أقرت كل "الديانات" بعد ظهور "الإسلام" أن التمييز العنصري هو ضد حقوق الإنسان ككائن بشري، وصدرت قوانين واتفاقيات تنادي بحقوق الإنسان، وإن أصبح الأبارتايد من بقايا الماضي، فما رائجا في الدول ذات النظام الديمقراطي وبالضبط في "فرنسا" باعتبارها "أمة " عنصرية أكثر من غيرها، رغم أنها ألغت الرق واعتبرت السود مساوين للبيض، ورغم انضمامها في 1971 إلى الاتفاق الدولي الذي وضعته الأمم المتحدة لإلغاء كل التمييز العنصري، لكن كل ذلك كان وهما، ففي الدراسة الميدانية التي أجراها الدكتور سعدي بزيان في كتابع بعنوان (الصراع حول قيادة الإسلا؅ في فرنسا في ظل التاورات الجديدة)، كان عدد الجالية الجزائرية بفرنسا آنذاك لا يتعدى 150 ألف جزائري مقابل 135 ألف مغربي، تم استغلالهم في الحرب، مات منه حوالي1 0 ألف نؓمة، ب؏أت عنصر؊ة فر؆ؓا الدينية بداية من بناء مسجد باريس الذي افتتح في 15 جويلية 1926 إثر الانتشار الواسع للمسلمين في فرنسا لاسيما وألإسلام يشكل الديانة الثانية بع؏ المسيح؊ة الكاثوليكية، غير أن فرنسا لم تكن تعامل المسلمين بنفس الحقوق التي يعا؅ل بها ال؊هود، كانت الشعا؆ر الدينية للمسلمين تقا؅ في " الد؇اليز" و"الغيتاوات" الفرنسية..

لا يوجد في باريس سوى أربعة مساجد تنطبق عليها صفة مسجد وهي: (مسجد باريس، الدعوة، إيفري، ومسجد مانت لاجولي)، يضاف إليها مسجد ليون، وهذا العدد لا يكفي عدد المسلمين الذي وصل إلى حدود 07 مليون مسلم، ورغم إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية le conseil français duculte musulman، مبادرة من نيكولا ساركوزي عندما كوزيرا للديانات، ففرنسا ما تزال لا تعترف بالمسلمين فوق ترابها بخلاف بجيكاالتي اعترفت بالديانة الإسلامية في !974 وهولندا التي كان معظم منتخبيها في البرلمان والمجالس البلدية مسلمين..

"الحجاب" القضية التي حركت العنصرية الدينية في "فرنسا"

أصرت فرنسا عل عنصريتها رغم الانتفاضات التي كان يشنها المسلمون من الجيل الثاني من أبناء المغرب العربي في عهد فرانسوا ميتران والذي في عهده اندلعت معركة "الحجاب"، لتنشا حركة جديدة وهي حركة المسلمين العلمانيينles musulmans laïques تعبيرا عن رفضها للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية وهي حركة أسستها فكار لامببوت من أصل جزائري وهذا بحكم العداوة التي تربطها بالأصوليين في المجلس بعدما انسحابها منه ورفضها للحجاب..، وتعد قضية "الحجاب" إحدى مظاهر العنصرية الدينية في فرنسا والتي فجرها أرنيست شينير من أصل مارتينكي وهو مدير ثانوية بمنطقة "نواز" إحدى المستعمرات الفرنسية، ودعم الفكرة الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي بمنع الصورة على البطاقة الوطنية الرسمية بالحجاب خلال خطاب له في اللقاء النسوي الذي نظمه اتحاد المنظمات الإسلامية uoif، ودافع بعض الفرنسيين على المبادئ ألإسلامية ومنح الحرية للفتيات المسلمات بارتداء الحجاب ومنهم هؤلاء هارلم ديزير رئيس منظمة "مناهضة العنصرية" SOS racisme، في الوقت الذي ذهبت بعض الأفكار الجزائر إلى اعتبار العلمانية مكسبا للإسلام والعكس كذلك وهو ما ذهب إليه محمد أركون ووقف إلى جانبه دليل بوبكر

المسلمون في فرنسا لم يعودوا يطالبون بالمساجد وارتداء الحجاب فحسبن بل كل ما تعلق بشعائرهم الدينية مثل إنجاز مقابر إسلامية لدفن موتاهم وما إلى ذلك، وتطورت ألأمور وألأحداث من أجل تغيير النظرة الفرنسية للإسلام والجالية الإسلامية في المهجر، بحيث عُوِّضَ مصطلح الإسلام الفرنسي بالإسلام في فرنسا، أصبح فيها الجيلين الثاني والثالث مواطنون لهم حقوق المواطنة بحك المولد والنشأة وليسوا مهاجرين، يقول الدكتور بزيان : " إن مأساة ألإسلام في فرنسا أو الإسلام الفرنسي سببه أن جل دعاته يفتقرون إلى الثقافة العربية والإسلامية ولا تربطهم بالإسلام إلا الانتماء فقط، في الوقت الذي انساقت بعض من النخبة المسلمة ومنها المفكر محمد أركون إلى الجري وراء المنصب، عندما عينه الرئيس جاك شيراك في هيئة تهتم بالعلمانية في فرنسا باعتباره أكثر من علماني..

   أما "الأئمة" فهم يفتقرون إلى هيئة خاصة لتكوينهم وأنشأ لهذا الغرض قسم خاص لتكوين الأئمة، غير أن ساركزي كان يريد أئمة على مقاس جمهوريته، من أجل بعث إسلام فرنسي لأنه في تقاليدهم لا توجد سلطة خارجة عن سلطة الجمهورية، ويكشف صاحب الكتاب كيف حاول الإعلام الفرنسي تشويه صورة الجزائريين في فرنسا ومنه جريدة (لوموند) التي تطرقت في سبتمبر 2003 إلى قضية المسلمين الذين يترددون على المساجد للصلاة من خلال التقرير الذي قدمه معهد سبر الرأي العام في فرنسا ifop، يؤكد فيه أن الجزائريين رغم أنهم يمثلون الأغلبية من المغاربة والتونسيين، غير أنهم اقل حضورا في المساجد لأداء الصلوات الخمس وصلاة الجمعة بصفة خاصة، وهم يأتون في المرتبة الرابعة بعد التونسيين الذي يحتلون المرتبة الأولى من حضورهم في المساجد، ثم المغاربة وألأتراك، بعدما أصبح الفرنسيين يُقْبِلون على الإسلام ويعتنقونه بحيث يتعدى عددهم 100 ألف فرنسي وهم من الطبقة المثقفة..، إلا أن العنصرية الدينية في فرنسا تبقى تنظر إلى الإسلام كدين تطرف وتعصب وهي بذلك تعمل على شله من جذوره..

"العصبيّة الحزبية" فسيفساءٌ "عنصرية "في منتهى التعقيد

"النضال" داخل الحزب تحول إلى نضال عصبوي أو نضال فئوي، كأن تناضل مجموعة تنتمي إلى منطقة ما ن أجل نصرت ن ينتمي إلى منطقتها حتى لو كان يفتقر إلى المؤهلات أو القدرة على تسيير الحزب، أو نجد عناصر تنتمي إلى منظمات جماهيرية وجمعيات، وكل هذا يعود إلى عدم التفريق بين العمل الحزبي والعمل الجماهيري أو الجمعوي، فالحزب مجموعة من المواطنين يؤمنون بأهداف سياسية وإيديولوجية مشتركة، وينظمون أنفسهم بهدف الوصول إلى تحقيق برنامج الحزب، أما المنظمات الجماهيرية أو الجمعيات فهي أشكال من التنظيم الجماهيري الواسع من أحل تحقيق مطالب أو أهداف اجتماعية ومهنية (نقابات) لاسيما والقوانين تمنع هذه المنظمات أو الجمعيات من الممارسة السياسية إذا قلنا أن دور كل منهما يختلف عن الآخر، وهي ممارسات ساهمت في خلق الضبابية لدى الأحزاب السياسية وولدت " العنصرية الحزبية " لأن المناضل داخل تنظيم معين (منظمة وطنية أو جمعية) يختلف عن المناضل داخل حزب ما، باختلاف البرنامج، لأن برنامج الحزب يعبر عن هموم المواطن ويتبنى مطالبه، بينما الجمعية أو المنظمة فهي تدافع عن فئة معينة، يرى المختصون في الشأن السياسي أن العنصرية الحزبية ناشئة عن كون المنتمون إلى الحزب لا يفرقون بين الحزب والمنظمة أو الجمعية، إن إيديولوجية الحزب حسب المختصين في السياسة تخص ذلك المواطن "الحرّ" الذي ينخرط في صفوف هذا الحزب ويؤمن بإيديولوجيته، وأن العمل الجماهيري الصحيح هو العمل المتحرر والمتفتح على أوسع الجماهير لتحسين أوضاعها المادية والمعنوية حتى لو كانت تنتمي إلى أحزاب أخرى، وهو ما لا يوجد في منظماتنا التي تسيّست وأصبحت مناضلوها يمارسون الفكر القمعي لضرب الأحزاب الأخرى ويكفي أن نقف على الصراع القائم بين منظمتي أبناء الشهداء وأبناء المجاهدين اللتان تضمان عناصر من مختلف التشكيلات السياسية، بحيث كل واحد يحاول أن يسلط إيديولوجية الحزب الذي ينتمي إليه على هذه المنظمة ونسيت الهدف الذي أسست لأجله..

خاتمة

للعنصرية مواقف وتصرفات لا إنسانية وخالية من الضمير الإنساني أو الأخلاقي والعنصري بطبعه يخلق أعذارا ومبررات لإقصاء الآخر ووصفه بأوصاف قبيحة قد تصل إلى حد المساس بالشرف وهو بذلك ليس لديه وخز ضمير لأن من يصف الآخر بالدونية هو نفسه في هذه الحالة وهو ضعيف لا يملك الشجاعة على المواجهة أو التنازع مع ألأقوياء، وهو يجد في العنصرية تعبيرا عن وضاعته، وكثيرا ما يحدث هذا في أحزابنا السياسية..

 

علجية عيش بتصرف

........................

المراجع

- العنصرية: تأليف فرنسوا دي فونتين ترجمة الدكتور عاطف علبي الطبعة الأولى 1999 عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع

- الصراع حول قيادة الإسلام في فرنسا في ظل التطورات الجديدة تأليف الأستاذ سعدي بزيان الطبعة الأولى 2005 عن دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع.

- هتلر وكتابه كفاحي

 

 

في فترة من الفترات التحق بعض الأدباء تعاطفا أو أعضاء ببعض الأحزاب السياسية، وبخاصة اليسارية منها،  معتقدين ان تلك الأحزاب هي التي يمكن أن تساعدهم على طرح أفكارهم وإيصالها إلى القراء وإلى كل من يعنيهم الأمر من خلال منابرها الإعلامية،  لكن بعد مضي فترة من الزمن وجدنا ثمة فريقين من هؤلاء الأدباء، فريق تسلق سلم المناصب وصارت له قناعات أخرى تولدت عن الوضعية الجديدة التي هو فيها،  والتي وصلها بمساعدة الحزب،  وفريق بقي على الهامش يتجرع كؤوس المرارة حين اكتشف بعد فوات الأوان أنه كان منخدعا، وأن الحزب الذي انضم إليه إنما كان يرفع شعارات مزيفة هدفها هو اكتساب قاعدة شعبية عريضة تتيح له تحقيق طموحاته السياسية فيما بعد.وهذا الفريق انقسم بدوره إلى فريقين، فريق انسحب من الساحة الأدبية لكنه بقي يعيش على أطلال أحلامه وطموحاته، وفريق غير رأيه وركب موجة أخرى لدرجة أن البعض منه بدا بوجه نقيض للوجه الذي كان يظهر به سابقا.

و هكذا رأينا أن الأدباء الذين كانوا يحملون الشعارات البراقة من قبيل الالتزام والنضال والوقوف في صفوف الجماهير و(يتحفون)نا بين الوقت والآخر بنصوص لا يشك القارئ في نية صاحبها السليمة لم تكن في واقع الأمر إلا تكتيكا يستخدمونه من أجل تحقيق ما يسعون إليه من طموحات بعيدة كل البعد عن طموحات الجماهير التي كانوا يزعمون أنهم يخدمونها ويقفون معها ضد الحيف الاجتماعي الذي تعاني منه في مجتمعها.

و إذا كانت الجهات الرسمية قد جنت على الأدب وجعلته مدجنا لا يهتف إلا باسمها وبما هو في صالحها لإدامة سطوتها ونفوذها،  فالجهات غير الرسمية وبالتحديد أحزاب اليسار جعلت من الأدب بوقا لبرامجها وأيديولوجياتها بما يخدم الأهداف المسطرة التي تروم الوصول إليها، فتحجم – أعني الأدب – وتقزم دوره بحيث صار مختزلا فقط في الإشادة بالحزب وتمجيد مذهبه الأيديولوجي، فلم نعد نقرأ أدبا بقدر ما عدنا نقرأ منشورات سياسية دعائية مصنفة قسرا في خانات الشعر والقصة القصيرة والرواية والنقد الأدبي.

وحتى لا نبخس الناس أشياءهم، فثمة مجموعة من الأدباء والكتاب انخرطوا في أحزاب يسارية، بحيث دخلوا بأقلامهم حلبة الصراع عن حسن نية ظانين أنهم يقدمون خدمة للمجمتع وللأدب، ثم فجأة اكتشفوا أنهم ذهبوا ضحية النصب عليهم وأنهم كانوا مجرد بيادق في رقعة شطرنج شرذمة من دهاقنة تلك الأحزاب، وذلك بعد أن تغيرت المعاطف وأصبح اليساري يمينيا أكثر من اليميني التقليدي نفسه .

إنها مأساة الأدب في زمن مكر السياسة وثعالبها التي تبشم في كل أقرب فرصة متاحة لها بعد أن تنام النواطير عنها.

 

بقلم: مصطفى معروفي       

عام بعد اخر يزداد عدد النساء (العوانس والأرامل والمطلقات ) في العراق بسب الحروب والظروف السياسية و الاقتصادية التي يعاني منها الوطن ولا حلول جذرية تلوح بالأفق يمكنها تنهي او تقلل هذه المشكلة العقيمة التي استعصيت وأصبحت مع مرور الزمن مشكلة حقيقة تهدد المجتمع وبالحقيقة هي مشكلة كبيرة يجب ان نحذر منها قبل فوات الأوان.

لعل ما طرحته السيدة النائبة جميلة ألعبيدي بخصوص تعدد الزوجات يعتبر من الأمور الغير متوقعة من قبل امرأة وهذا بحد ذاته يعتبر خطوة جرئية قد لاقت صدى واسع بين القبول والرفض ولا سيما من قبل النساء المتزوجات التي رفضنه رفضا قاطعا بسبب شراكة امرأة أخرى (ضُرة) لها وهذا ما ينغص ويعكر استقرار حياتها وأسرتها، على العكس من باقي النساء (ليس المقصود الجميع) الأرامل والمطلقات والعوانس والذي من جانبهن ربما نال استحسانه سرا او علنا من اجل الحصول على فرصة زواج وخصوصا العوانس منهن.

الزواج ليس بالأمر السهل ولا يمكن للزواج ان يستمر دون مقومات النجاح من حب وحنان واحترام متبادل إضافة الى سكن مريح يحتوي هذه العائلة إضافة الى الخدمات الأخرى، فكيف إذا هذا كان الزواج الثاني او الثالث او الرابع للرجل فكيف له ان يكون عادلا في تعامله مع زوجاته وهذا ما جاء في القران الكريم الذي حرص على العدالة بين الزوجات .

قد لا يخفى على الجميع ان أزمة السكن من الأزمات التي يجب إيجاد حل لها وهي أزمة عرقلت الكثير من الشباب بإكمال مشاريعهم وأحلامهم بالزواج وعدم تمكنهم بسبب أزمة السكن وهذا ما يعقد الأمور وينتج عنه مشاكل عائلية إضافة إلى العزوف من قبل الشباب عن الزواج نتيجة هذه الأزمة والتي طالما كانت سبب كبير في تأخير وعدم الزواج ليس من جانب الرجل فقط وإنما من جانب النساء أيضا الباحثات عن الاستقرار العائلي بعيدا عن منغصات أم الزوج (العمة).

الزواج هو انسجام ومودة واحترام بين الطرفين سواء كان هذا الزواج الأول او ما بعده ولكن ما يعيب على الزواج الثاني او الثالث والرابع هو يولد مشاكل عائلية وعدم اهتمام من اغلب الآباء وحتى النساء بأبنائهم والالتفات الى عائلتهم الجديدة التي سرعان ما تختفي حلاوتها بعد أول مشكلة تواجه هذه العائلة الجديدة التي ربما ولدت لسبب ما قد يكون الحب او البحث عن الحنان المفقود لدى الزوجة الأولى او البحث عن امرأة تكون قادرة على الإنجاب لترضي طموحه، ولكن اذا كنا دائما نضع العراقيل اما الزواج الثاني سوف تزداد نسبة العنوسة إضافة الى زيادة سبة النساء المطلقات والأرامل في مجتمعنا وهذا مؤشر خطير يدق ناقوس الخطر، الزواج الثاني ليس رغبة جنسية كما يتصور البعض ولكن كما ذكرنا سابقا له أسبابه و له مقومات أخرى يجب ان تهيئ كل الأمور من اجل نجاحه واستمراره حتى لا تكون هناك مشكلة أخرى تتفاقم ونعجز من بناء ما يتعرض للانهيار ومع هذا الانهيار تتعرض العائلة لمشاكل ومنغصات هي في غنى عنها .

 ان البعض من النساء وان اعترضن على الزواج الثاني او يحاولن ان يتجنبن الحديث او التطرق إليه لكن في قرارة أنفسهن يبقى صراع ما بين الرفض وعدم الرفض ولكن في الأغلب يكون القرار الأول والأخير للرجل وخصوصا اذا كانت هناك أسباب تدعو لذلك، وليس كل الرجال لديهم الرغبة في الزواج فاغلبهم يحاول جاهدا ان يبني أسرة مستقرة يوفر لها كل وسائل الراحة والاستقرار وان تطلب الأمر ان يعمل ليل ونهار من اجل يوفر لهم الاستقرار والراحة وهذا ما يجعله سعيدا معهم .

بعيدا عن الرفض والقبول الزواج الثاني به من الايجابيات مثلما به من السلبيات فهو من جهة يمنح الأمل لامرأة قد تكون بحاجة للرجل بعد ان كانت على وشك اليأس او الانهيار بسبب الظروف التي تعيشها ومن جهة قد يؤدي الى نزاعات وخلافات داخل الأسرة اذا لم يكن هناك سبب مقنع لهذا الزواج وقناعة الزوجة به، ولكن علينا ان تذكر ان الله في كتابه الكريم حلل للرجل الزواج بأكثر من زوجة ولكنه وضع شرط العدالة في ذلك .

 

علي الزاغيني

 

 

لا تحتوي لغة الاحلام على المجازات والاستعارات والكنايات، بمعنى ان التصورات التي يراها الحالم في منامه لا تحمُل الا على معانيها الحقيقية، وليست بحاجة الى مراجعة القواميس اللغوية للوقوف على معاني الالفاظ ودلالاتها،ولعل مفسري الاحلام هم القادرون على فهم دلالاتها، والحالم برؤية الشمس والقمر عند نقله لرؤيته لتلك الاجرام للاخرين فهو ينقل مشاهدة الشمس والقمر حقيقة لا شئ اخر، فلغة الاحلام هذه تختلف عن لغة الادب، مثلا الشاعر حينما يضَمن ابياته الفاظا كالشمس والقمر فهو يرمز الى محبوبته بالشمس اوالقمر ولا يقصد القمر بذاته لوجه شبه ما يجمعهما كالجمال مثلا ...

وحينئذ عندما نقرأ الأيه " وكان عرشه على الماء " هود 7  لا يعني ذلك ان للعرش معنى مغاير عن العرش المتعارف عليه وان الماء شئ اخر غيرما نعرفه عن الماء، فالاية ليست خبرا منقولا وانما هي مشاهدات ومكاشفات منقولة بمعانيها الحقيقية ومن دون المجازات والاستعارات، ولو اريد لنا تفسير هذه الاية لابد من الالتزام بالمعنى الحقيقي للعرش والماء وان عرش الله على الماء، هكذا رأها النبي ونقلها لمخاطبيه، لكن فهمها يتوقف على انها رؤيا، وانها ترمز الى شئ ما في الواقع، وهي بحاجة الى مفسري الاحلام اكثر من حاجتها الى مفسري القران .

هكذا يقرر الدكتور سروش اذ لامعنى للمجازات والاستعارات في هذه الاية وامثالها، وهذه قضية في غاية التعقيد لان مفسري القرأن عند الوصول الى مثل هذه الايات تصيبهم الحيرة فيلتجئوا الى قاعدة قرروها في علوم القران اسموها المحكمات والمتشابهات استنادا الى صريح القران القائل ان فيه ايات محكمات واخر متشابهات، والمتشابهات هذه لا يعلمها الا الله فلنرجئ امرها الى الله، وعرش الله على الماء قالوا انها تصب في خانة المتشابهات !

وليس بعيدا عن هذه النقطة بالذات ابداعهم علما من علوم القرأن اسموه " علم الوجوه والنظائر " وقالوا في هذا العلم ان الفاظ القرأن لا يؤخذ معانيها من المعاجم اللغوية اخذا مجردا، اذ لكل لفظ قالب تصويري مجرد للمعنى، ولا يستقل التفسير بأحد المعاني الواقعية التي يحتملها اللفظ الا بالسياق وهو وجود اللفظ ضمن تركيب جملة ذات معنى، فالسياق هو الذي يقرر المعنى . فلفظة الماء الواردة في مجموعة من الايات تعني المائع وليس معناه الماء المتعارف، لكن هذه القاعدة لا تنطبق على الماء الذي يطفو عليه عرش الله، لان السياق دال على ان عرش الله على الماء كان قبل خلق السموات والارض " هو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ".فلا يستقيم معنى المائع هنا وعن اي مائع يتحدثون لان السماوات والارض بعد لم يخلقا بحسب سياق الاية، والنتيجة اذن هي من المتشابهات التي لا تصل عقولنا الى ادراكها . وهذه احدى المغالطات التي وقع بها المفسرون نتيجة الخلط بين الحقيقة والمجاز وكان قد اشاراليها سروش فيما مضى .

وليست هذه الاية الوحيدة التي لا يمكن فهمها على اساس انها اخبار عن الله،ولا يتيسر فهمها الا على القول بانها لغة حلام ومكاشفات، حالها حال الايات التي تتحدث عن الشهاب الثاقب واحراقه للشياطين والمردة الذين يسترقون السمع من الملأ الاعلى : " انا زينا السماء الدنا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون الى الملأ الاعلى ويقذفون من كل جانب.  فالايات تشير الى ان السماء مليئة بالملائكة الذين يقومون بدور الحراس فاذا اقترب شيطان مارد ليسترق السمع الى الوحي ليقفل به راجعا الى الارض سيتعرض الى قصف من الشهب ويتم احراقه في الحال ...

هذه الايات وغيرها اوقعت المفسرين في مغالطات غريبة عجيبة حتى بعضهم حاول ايجاد مخرجا لها يتناسب مع معطيات العلم الحديث، اذ حتى طلاب المدارس الصغار صاروا يعلمون ان السماء التي تتحدث عنها الايات ليست هي السماء التي اقرتها بديهيات علم الفلك،و كيف يعقل ان الكون بحسب الفهم الحديث له ان يكون مسرحا وصراعا بين الملائكة و الشياطين تستخدم بها الاسلحة الفتاكة والحارقة المتمثلة بالشهب، لكن هذا البعض من المفسرين اوقع نفسه في متاهات لا داعي لها، من هؤلاء المفسرين محمد حسين الطباطبائي.

السيد الطباطبائي والشهب:

وكمثال لمغالطات المفسرين يتعرض سروش الى البحث الذي ذكره السيد محمد حسين الطباطبائي في الميزان حول رؤيته العلمية للشهاب الثاقب الحارق للشياطين  و رده للمفسرين حول كيفية تصويرهم لاستراق السمع من الشياطين ورميهم بالشهب... يتلخص اعتراض صاحب الميزان على من سبقه: بأن تصوراتهم مبتنية على ما يسبق الى الذهن من ظاهر الايات، و بأن هناك افلاكا محيطة بالارض تسكنها جماعات من الملائكة ولها ابواب لا يدخلها الا واحد منهم ويحملون بأيديهم شهبا ويرصدون المسترقين للسمع من الشياطين فيقذونهم بالشهب وينهونهم عن بكرة ابيهم .

يقول الطباطبائي: هذه الايات من قبيل الامثال المضروبة التي تصور بها الحقائق الخارجة عن الحس في صورة المحسوس لتقريبها من الحس، فيكون المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالما ملكوتيا ذا افق اعلى نسبته الى هذا العالم المشهود نسبة السماء المحسوسة باجرامها الى الارض، والمراد باقتراب الشياطين من السماء واستراقهم السمع وقذفهم بالشهب اقترابهم من عالم الملائكة للاطلاع على السرارالخلقة والحوادث المستقبلية ورميهم بما لا يطيقونه من نور الملكوت ...تفسير الميزان ج17 تفسير سورة يس 66

يقول سروش في رد هذا الكلام: كيف يعقل لشياطين غير محسوسة وما وراء الطبيعة ان تحرق بشهب محسوسة ومن ضمن الطبيعة، لكن الطباطبائي لو تنبه الى ان رمي الشياطين بالشهب كان في عالم الرؤيا لما احتاج الى كل تلك التأويلات، ولذهب الى عالم بالاحلام والانثربولوجيا ليدله على معنى: شخص في تاريخ وجغرافية الحجاز ومن ثقافة تلك الحقبة يرى في المنام ان الشياطين تقذف بالشهب .

طبعا الطباطبائي يتكلم عن عالم الشياطين والشهب فيما وراء الطبيعة وفي عالم الملكوت ولهذا استبدل لفظة الشهب بنور الملكوت، لكن يبقى اعتراض سروش في محله بناء على متبنياته .

للحديث تتمة ...

 

احمد الكناني

 

 

يتسائل البعض بدهشة واستغراب كيف يمكن ان يكون من اكل السجود جبهته واستوعبت العبادة وقته وادمن ممارسة طقوس وشعائر الدين ان يكون اكثر الناس استخفافا بقيم الاخلاق حيث يستسيغ ممارسة الرذائل كالكذب والظلم والخيانة واكل المال الحرام؟ وهو تساؤل مشروع اذ من المفروض والحال هذه ان يكون ابعد عن كل ذلك القبح الاخلاقي.

في تصوري ان سبب الاستغراب هذا يكمن في الاعتقاد الخاطئ بأسبقية الدين على الاخلاق واعتبارها وليدته وانعكاسا له، هو الذي يخلقها في وجدان الانسان المتدين. وهو أعتقاد واضح البطلان إذ ان الانسان بفطرته وطبيعته سواءا آمن بدين ام لم يؤمن يدرك قبح القبيح كالكذب والظلم، وحسن الحسن كالصدق والعدل – بعيدا عما اشتهر من اختلاف بين الاشاعرة من جهة حيث ذهبوا الى ان الدين هو من يمنح الفعل صفة الحُسْن والقبح، والشيعة والمعتزلة من جهة اخرى حيث خالفوهم الى القول بأن العقل هو من يحكم بحسن الافعال وقبحها- اقول بعيدا عن هذا السجال التاريخي بين الاتجاهين لطالما راينا اشخاصا ومجتمعات بعيدة كل البعد عن الايمان أو الالتزام بدين معين تتحلى بمستوى راق من السمو الاخلاقي والحس الانساني. التحق رسول الله (ص) بحلف الفضول حين دعي له مع انه كان قبل بعثته المباركة ايام الجاهلية وما ذاك الا لانه حلف قائم على  مصفوفة من القيم الاخلاقية كاغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وردع الظالم والدفاع عن الحقوق ونشر قيم الاخوة والتعاون على فعل الخير، ثم ان كلمته ص الخالدة (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق) تحمل دلالة بينة على ان وجود القيم الاخلاقية سابقة على الاسلام لا ان الاسلام هو من سينشأها وانما ستكتمل به وسيجدد صياغتها ويعيد تموضعاتها. وقد رأينا كيف وقف العالم مبهورا امام ما ابداه الشعب الياباني (البوذي) من تمسكه بمبادئ وقيم انسانية وهو في اوج محنته حين تعرضت بلاده الى تسونامي مدمر عام 2011، وما زالت المجتمعات المتحضرة تجود علينا يوميا بصفحة مضيئة من صفحات الانسانية الراقية، ومشهد من مشاهدها المضيئة.

مَن يجافي الصدق ويتنكر للامانة ويلازم الرذيلة من غير المؤمنين لايرتكب ذلك لانه لم يؤمن بدين ولم يدرك قبح القبيح وحسن الحسن بل لاسباب ربما تكون ذاتية او موضوعية. في ذات الوقت نرى من يتظاهر بالتدين وممارسة شعائر الدين وهو ابعد مايكون عن الاخلاق الفاضلة.

وظيفة الدين إنما هي تحفيز واثارة دوافع الخير والفضيلة، وقمع نوازع الشر والرذيلة في النفوس فهو من جهة يحفز على الفضائل كما في قوله تعالى (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) او يذكر بها ( وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) ومن جهة اخرى يندد ويتوعد بالعذاب من اعتمرت نفوسهم بالرذائل كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ).

نعم التنشأة منذ الصغر وغرس قيم الاخلاق في نفس الطفل هي الكفيل بانتاج انسان اخلاقي يستقبح الرذيلة وينزع الى الفعل الاخلاقي، عن الامام علي ع كما في شرح النهج (وحق الولد على الوالد ان يحسن اسمه ويحسن ادبه ويعلمه القران) وفي قول اخر له ع (مانحل والد ولده افضل من ادب حسن).

اخطر ما يترتب عن ربط الاخلاق بالدين واعتبارها وليدته ومن ثم الاعتقاد بالتناسب الطردي بين التزام الشخص الديني والتزامه الاخلاقي كما هو الشائع في اوساط المسلمين هو ان اصبح السياسي الفاسد، والتاجر المحتال والشخص المخادع يكفيه كي يكسب ثقة الناس به ورضاهم عنه وتعاملهم معه ان يتظاهر بالتدين وممارسة شعائر الدين الظاهرية وذلك لادراكه ان من لم تبد عليه مظاهر التدين يقصى ويرفض في مجتمعاتنا فلا يثق به احد وان كان يحمل علما غزيرا ويتصف بالإخلاص لهم، ويمتلك خططا ناجعة لخدمتهم، ولو تحلى باخلاق القديسين. من ذلك نفهم كيف وُلِدت حالة الازدواجية والنفاق في سلوك كثير من مدعي التدين والمتظاهرين به فهم سيؤون تلفعوا رداء الدين وتظاهروا بالالتزام بشعائره بل ربما بالغوا في ذلك لتمرير مآربهم ومصالحهم وليسوا كما يُعتَقَد متدينين سيئين.

 

مضر الحلو.

اعتدت ان استطلع الأراء في القضايا التي تخص الناس والوطن عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الألكتروني، ولعل اهمها في الوقت الحاضر هو الموقف من الأنتخابات التشريعية المقبلة.

تضمن الاستطلاع سؤالين في فترتين متباعدتين:

الأول: ما هي توقعاتك بخصوص نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة 2018؟

والثاني:مع ان جماهير الشيعة اكتشفت انهم استغفلوا، وعضوا اصابعهم البنفسجية ندما، فان هنالك من يراهن على انهم سيعيدون انتخاب من خذلهم.

بلغ عدد الذين اجابوا على السؤالين (214) بين أكاديمي ومثقف ومتابع.. وفيما ياتي تحليل نتائج الاستطلاع.

النتائج:

بلغت نسبة المتشائمين الذين لا يتوقعون حصول تغيير في نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة (94%) مقابل (6%) لمتفائلين يرون امكانية حصول تغيير..وان كان بسيطا.

ولدى تمعننا في اجابات المتشائمين وجدنا انها تتوزع على اربعة أصناف في عزوها لأسباب عدم حصول تغيير وعلى النحو الآتي:

أولا: الشعب

كان (الشعب) هو السبب الرئيس الذي حملّه المستجيبون عدم حصول تغيير في الانتخابات المقبلة، واليكم نماذج من اجاباتهم نوردها كما جاءت:

شعب امي لا يعي من الأمور..شيء طبيعي لو انتخبهم مرة ثانية بفعل رجل دين او شيخ عشيرة.

لأن الشعب منقسم على شكل فئات ومجاميع على الأحزاب المتصارعة.

لأن قلوبهم طيبة يصدّقون كلامهم وأنا شاهد على الألاف من هذه الحالات، بحيث اقسموا بأغلظ الايمان بأن لن ينتخبوهم .. ولكن انتخبوهم وندموا مرة أخرى.

نعم سيعيدون انتخابهم بأصرار.. الغباء موهبة.

شعب تحركه فتوى ولا يتحرك من وحي عقله وتجربته.

نعم سيعيدون انتخابهم ولكن بواجهات جديدة مثل المدنية والحشد والاصلاح.

شعب كتبت عليه الذلة والمسكنة.أكيد الطغاة والظلم ينتشران اكثر.

معظم العراقيين.. من جماعة (آني شعليه).

الشعب هو من رضي بالهوان وجعل من نفسه العوبة بيد هؤلاء الأغبياء.. نظرته القصيرة الأمد والمنفعة الآنية اوصلته لهذا الحال.

ثانيا: مبررات

عزا عدد من المستجيبين عدم حصول تغيير في الانتخابات التشريعية المقبلة الى مبررات يرونها واقعية، نورد هنا نماذج من اجاباتهم:

- هذه التيارات والأحزاب عندها جيوش خلف الكواليس.

- شيوع الفساد وتردي الأخلاق.

- ليس هناك انتخابات لأن التزوير وعمليات البيع والشراء هي التي ستنجح وليس الناخب.وحين تقرر امريكا واللاعبون الآخرون تغيير اللعبة..ستنتهي بسرعة.

- رغم كل الخسائر والنكبات التي تعرض لها المواطن الشيعي يبقى ولاؤه لحزبه وزعيمه السياسي والديني هو الذي يحركه انتخابيا.

اكيد يعيدون انتخابهم، لأن المرشحين الشيعة راح يخوفون بالسنة ويقولون لهم بعد ما يخلوكم تلطمون ولا تمشون لكربلا.والمرشحون السنة راح يقولون ذلونه الشيعة ولازم نعيد اعتبارنه وهيبتنه.

ثالثا: اليأس

عزا مستجيبون ان الناس وصلوا الى قناعة بأن تغيير سوء الحال امر مستحيل لأنهم اصبحوا عاجزين، واليكم نماذج منها:

نعم لن يتغيير شيء لأن كل شيء جاهز ومرتب.

- الأنتخابات فقط للاستهلاك المحلي.

الناس بسطاء..لم يحصلوا على تعليم ولا قوت يوم مضمون..ويائسون من المستقبل ولا يريدون التفكير به.

- النتائج محسومة من الآن ومقسّمة بين دول الكعكة وعملائهم.

هو الوضع خربان يادكتور وماتصيرله كل جاره.

رابعا:غياب البديل.

يرى عدد من المستجيبين، وبينهم اكاديميون بنسبة كبيرة، عدم وجود بديل وطني منافس، توضحها النماذج الآتية:

لا يوجد بديل في الوقت الحاضر وان وجد فهو متخفي عن الانظار او ليس لديه القوة للمواجهة.

- التيارات المدنية والعلمانية ضعيفة ومسالمة والتيارات الاسلامية قوية وعنيفة.

- مرشحو التيار المدني الذين فازوا في الانتخابات السابقة اثبتوا انهم لا يختلفون عن النواب الآخرين.

- لا يوجد بديل مطروح والجمهور منقسم على نفسه.

- لا توجد شخصية وطنية قوية تتمتع بكارزما شعبية.

تلك هي مصادر الأسباب التي يرى المستجيبون انها تحول دون حصول تغيير في الانتخابات التشريعية المقبلة..فهل ان توقعاتهم هذه صحيحة؟.وما الذي جعلهم بهذه النظرة المفرطة في التشاؤم والشعور مقدما بالخيبة؟

تحليل سيكولوجي

بدءا نشير الى ان مواقف العراقيين من العملية السياسية ومن احزاب الاسلام السياسي في عام( 2017) هي ليست نفسها في عام( 2010) وما قبله،  لحصول اربعة متغيرات جوهرية:

الأول:شيوع الفساد باعتراف الحكومة والبرلمان والكتل السياسية، وعدم محاسبة متورطين  بنهب اموال لو انها استرجعت لما بقي خمسة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر.

الثاني:تغير موقف المرجعية من الحكومة وادانتها لفشلها في ادارة الدولة، ودعوتها الى اقامة دولة مدنية.

الثالث:قيام العراقيين بتظاهرات بدءا من شباط (2011) وما تزال مستمرة رفعت شعارات تطالب بالاصلاح وتسخر من البرلمانيين باهزوجات شعبية(نواب الشعب كلهم حرامية).وكان لسلوك الاحتجاج هذا ان ادى الى توعية الناس بثقافة جديدة توحّدهم في التعامل ضد الظلم وتدفعهم الى ايجاد معنى للحياة، ونجم عنها تقارب بين علمانيين ودينيين كان يعدّ قبلها  احتمالا بعيدا.

والرابع:اعتراف قادة سياسيين اسلاميين بوجود نقمة في الشارع على احزاب الاسلام السياسي، واعتراف جماهير واسعة بالشعور بالندم على انتخاب اشخاص وجدوا انهم  خذلوهم واذلوهم.

هذا يعني ان اسباب التغيير موجودة بقوة، فلماذا يكون التشاؤم بهذه الحدة؟!

الجواب هو ان المبالغة في التشاؤم تزداد في زمن الانكسارات النفسية وتوالي الخيبات، وتشيع بين الناس عدوى الشعور بالاحباط، الذي يدفعهم الى نبش الأحداث والمواقف السلبية في الذاكرة التاريخية السياسية لتبرير حالة التشاؤم..وهذا ما هو حاصل الآن مع ان تفعيل اسباب التغيير سهل بتأمين أمرين:

الأول: يقين المواطن بأن صوته في الانتخابات سيكون مضمونا عبر انتخابات مستقلة عن التأثيرات الحزبية والسياسية، ووفق معايير الكفاءة والنزاهة المهنية..وهذا ممكن عبر أصرار المتظاهرين على تغيير قانون الانتخابات وتشكيل مفوضية عليا مستقلة تعتمد آليات وطنية ودولية، والتعاون مع مؤسسة نظم الإدارة الدولية (International Management Systems) لتحقيق انتخابات نزيهة.

الثاني:ادراك القوى الوطنية والعلمانية والدينية اللاطائفية ان قوة احزاب الاسلام السياسي تكمن في فرقة هذه القوى، وتوحّدها داخليا ومع الكفاءات العراقية في الخارج في احزاب وتيارات نوعية تستثمر التذمر الشعبي الواسع وتوظفه في برامج سياسية عملية تلبي احتياجات الناس، وتعتمد خطابا سهلا مبنيا على سيكولوجيا اقناع جماهير تبحث عن بديل منقذ يتمتع بالمصداقية.

وفي هذا السياق يعزو مستجيبون ان (البديل الغائب) يفتقر الى وجود من يتمتع بـ(كارزما).. وهذا صحيح.. ولنا هنا وقفة عن الشخصية الكارزمية في السياسة العراقية.

تعني الشخصية الكارزمية تلك التي تتمتع بجاذبية كبيرة وقدرة عالية في التاثير على الاخرين ايجابيا قائمة على تمتع صاحبها بسمات الكفاءة الشخصية والنباهة والاقناع وكسب الولاء. ويعد نوري السعيد الشخصية الكارزمية المميزة في العهد الملكي، وعبد الكريم قاسم الشخصية الكارزمية في العهد الجمهوري الأول.ومع ان صدام حسين كان طاغية الا انه كان يتمتع بكارزما ليس فقط لامتلاكه تاريخا سياسيا وتحدياته وتعرضه لمواقف كان يمكن ان تقضي عليه، بل ولمواصفات تتعلق بهيئته وشكله ونباهته وتدفقه في الكلام. وكان يمكن للراحل الدكتور احمد الجلبي ان يكون شخصية كارزمية لولا انه اضطر الى أن  ينضوي تحت عباءة الاسلام السياسي الشيعي.وكان يمكن للدكتور اياد علاوي ايضا ان يكون لولا قيادات شيعية  نافذة محليا ومسنودة اقليميا، وتهم فساد ايضا.

ونرى من وجهة نظرنا السيكولوجية ان زمن ظهور كارزمات في العراق السياسي قد انتهى لسببين، الأول: ان التنافس بين قادة احزاب الاسلام السياسي على السلطة والثروة لن يفرز بالمطلق شخصية كارزمية، لأن من شروطها توافر عنصري الكفاءة والنزاهة. والثاني: ان حكم احزاب الاسلام السياسي في مجتمع طائفي لن يسمح بظهور شخصية كارزمية علمانية.

وقضية اخرى لها فعلها السيكولوجي المؤثر في العقل الجمعي هي ان المطالبة بالتغيير يفهمها الأنسان البسيط المغيب وعيه على انها تستهدف القضاء على احزاب الأسلام السياسي (وسيعمل  قادتها على تخويف الناس من العلمانية)، وهذا ليس بصحيح،  فالتغيير لا يعني ازاحتها عن السلطة برغم انها اذلت الناس وافقرتهم وهجّرت مئات آلاف المسيحيين والصابئة، واحالت الوطن الى خراب،  بل يعني القضاء على استفرادها بها، فضلا عن ان التغيير اصبح مطلبا جماهيريا صار يطالب به حتى من كان مؤيدا لتلك الأحزاب.. ما يعني ان الغالبية المطلقة من العراقيين باختلاف هوياتهم الدينية والقومية والمذهبية اقتنعوا الآن بضرورة مجيء قوى وطنية تعمل على تأسيس دولة مدنية..تعتمد مبدأ العدالة الأجتماعية الذي يضمن للعراقيين جميعا حياة تليق بهم في وطن يمتلك كل مقومات الرفاهية..وتلك هي مهمة المفكرين والمثقفين والمرجعية و(شعب) الفيسبوك،  بتفعيل سيكولوجيا التبشير بأن التغيير.. أكيدا راح يصير!

تنويه لتحوط : على القوى الوطنية والتقدمية ان تدرك من الآن حقيقة ان الطائفية السياسية تلتقي مع النازية في ان كليهما تعتمدان اعلاميا سيكولوجيا التخويف من الأعداء الذي  يدفع الجماهير البسيطة الى ان ترضى بالبؤس على أن تفنى !

 

 

 

حينما يطالعك موضوع مكتوب في اللغة العربية عن ثقافات الشعوب والأمم الأخرى، و يحتوي على أسماء وكتّاب فلاسفة وشعراء وآدباء وعلماء من هذه الشعوب والأمم مكتوبة في اللغة العربية بشكل خاطيء، فأن من حقك وأحياناً من واجبك عدم اِهدار وقتك بقراءة موضوع لن يُوفق كاتبُه في كتابة الأسم الرئيسي لبطل الموضوع بشكل سليم .. حينها سيكون من حقك أيضاً ان تتوقع ان المعلومات التي سترد ستكون غير دقيقة وان الخطأ في الأسم ستتبعه أخطاء أخرى في نقل الموضوع من اللغة الأصل أو لغة ثالثة وسيطة ...

الترجمة الى العربية عن اللغة الألمانية على سبيل المثال للحصر تغص بمثل هذه الأخطاء، ولقد ثبت لي وأنا أدرس الأدب العام والأدب المقارن متخصصاً فيه بثلاث لغات هي الألمانية والعربية والأنجليزية ان الترجمة من الألمانية الى العربية سواء كانت مباشرة أو عن طريق لغة وسيطة ثالثة مثل الأنجليزية أو الفرنسية مليئة بالأخطاء والهفوات الفادحة ..الأخطاء تكثر بشكل واضح اذا كان المترجم لا يتوفر على معرفة باللغة الألمانية ويترجم عن لغة أخرى ..في هذه الحالة ستكون هفوات الترجمة عبارة عن مجموع هفوات مترجمين اثنين المترجم الأول وتابعه المترجم الثاني الذي سيترجم النص عن زميله السابق الى العربية ..

في الأدب المقارن على وجه الخصوص الذي يعنى ويهتم كثيراً بموضوع الترجمة كرسول والتعارف بين الآداب ومن ثم مقارنتها ببعض هناك تحذير من ترجمة الأدب عن لغة وسيطة وتأكيد على ان تكون الترجمة مُنجزة من قِبل شخص موهوب أدبياً وحبذا لو كان نفسه أديباً أو شاعراً بشرط ان يجيد بشكل رائع ومُتَقَن اللغتين : اللغة المانحة واللغة المستلمة .. عندها فقط يمكن الأطمئنان من تحقق الشرط الأول من سلسلة شروط يجب ان تتوفر لتهدينا ترجمة جميلة ودقيقة وأمينة ... انت لا تحب ان يضيع نصف ساعة من وقتك في قراء موضوع عن الفيلسوف الألماني (فويرباخ) أو زميله (كانت) اذا كان اسم الفيلسوف مكتوباً بشكل خاطيء !! واذا كنتَ متمكناً من اللغة الألمانية فبأمكانك صرف هذا الوقت في قراءة الموضوع باللغة الأصل ..أسم الفيلسوف فويرباخ هو كما كتبنا (فويرباخ) وليس فيورباخ ..الأسم الثاني الخطأ الوارد في مواضيع الكتّاب المتفلسفين أو الذين يحاولون الأهتمام بالفلسفة يحتوي على خطأ فادح اذْ ان هذا الأسم يلغي معنى الأسم الصحيح، ثم انه لايوجد في اللغة الألمانية على الأطلاق ... ليس هناك في اللغة الألمانية كلمة أو أسم ـ فيورباخ ـ يا جماعة الخير وانتم تنعقون منذ عقود فيورباخ وفيورباخ !! وفيورباخكم هذا وهمٌ وقد أضافه أحدهم من جيبه الذي يحتوي على خزعبلات كثيرة ... أسم فويرباخ هو الصحيح ويكتب في اللغة الألمانية هكذا : Feuerbach ..

وهو اسم مؤلف من كلمتين الأولى كلمة Feuer وتعني نار، والكلمة الثانية Bach وتعني جدول حينها سيكون للأسم معنى ويعني جدول النار، وربما كان المقصود هنا هو جدول التقى حوله ناس أو أصدقاء وأشعلوا النار للأحتفال أو للتدفئة، وربما حمل المعنى ايحاءً سوريالياً لأن الجدول جدول ماء فكيف سيكون وجود النار أو يكون جدول نار .. وبغض النظر عن تداعيات واحتمالات تفسير هذا الأسم الّا انه الأسم الصحيح . أما الأسم الآخر الوارد خطأً في العديد من التراجم الى لغة هذه الأمة المسكينة فهو قطعاً غلط !.

بل انه لا يوجد حتى في دليل التلفونات الذي يضم عجائب وغرائب الأسماء، والمألوف منها والشارد !!

لقد بحثتُ شخصياً للتأكد في دليل تلفون العاصمة برلين ووجدت اسم فويرباخ في عدّة حالات، أما أسم فيورباخ فلا أثر له وهو فضائي أو على الأقل وهم كرَّسه الجهل !!

الأسم الثاني اسم الفيلسوف الألماني كانت (Kant) والتاء في نهاية الأسم صريحة وهي حرف أساسي في اللغة الألمانية التي لا يوجد فيها حرف الطاء شأن بقية اللغات الأوربية، فلماذا نطالعة في التراجم على شكل (كانط ) ومن اين أتت الطاء لتدخل على اسم ألماني صريح، رغم وجود حرف التاء في العربية أيضاً، فلماذا الذهاب طوعاً الى الغلط؟!

ثمَّ الا يجب علينا أحترام لغات الشعوب وأسماء الشعوب وتراث ونتاج الشعوب ؟!!

رسالتي الماجستير التي قدمتها الى جامعة برلين الحرّة ونلت الدرجة العلمية عنها وعن اختبارات الدراسة الأخرى ومنها الترجمة كانت عن موضوع الترجمة الأدبية وبالأسم: نظريات الترجمة .. وجهات نظر حول ترجمة نصوص شعراء ألمان الى العربية.

من النصوص المترجمة التي تناولتُ ترجمتها بالتحليل والنقد نص لشاعر المانيا الأكبر جوته (Goethe) ونص لشاعر الماني الكبير هولدرلين (Hölderlin).

نص هولدرلين من قصيدة (خبز وخمر) التي ترجمها الأستاذ البروفسور الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي يعتبره البعض شيخاً وحجةً في الترجمة .

أخذت مقطعاً واحداً من ترجمة الأستاذ بدوي لهذه القصيدة وهوالمقطع الأول ويقع في صفحة واحدة لكتاب جيب صغير أو نصف صفحة من كتاب عادي الحجم . وكانت النتيجة في البحث انني تمكنت من تشخيص أكثر من ستين خطأ في الترجمة في هذا المقطع وحده !!

كانت القصيدة مهداة من قبل هولدرلين الى صديقه هاينزه . وأسم هاينزه يكتب في الألمانية على شكل Heinze لكن ترجمة بدوي لهذا المقطع كما عرضتها مجلة الأغتراب الأدبي في عددها الثامن أوردت الأسم على شكل (هينزه). مع العلم ان الناتج الصوتي الألماني المؤلف من الحرفين E و I اذا جاءا خلف بعضهما على التعاقب أي ei سيؤلف حتماً المقطع الصوتي آي، مامعناه: ان لفظ الأسم هنا سيوجب كتابته في العربية على شكل هاينزه... أما اسم هينزه فمغلوط قطعاً !!

فاذا كان الأمر هكذا مع كبار العلماء والمترجمين العرب فما بالك بالهواة أو المدعيين أو القارئين بتبليغ حزبي او لأجل التبجح في المقهى الشعبي أمام أبناء المحلة. وهذه الحالات كلها موجودة للأسف مع احترامنا للفضول المعرفي السليم والسوي والأيجابي الذي يدفع الأنسان لمحاولات الأطلاع على ثقافة وفلسفة وآداب الشعوب الأخرى حتى لو كان لايعرف لغات هذه الشعوب، والبشر يختلفون في الدوافع والتوجه، والأستثناء موجود دائماً تقريباً!!

أود أن أقول أيضاً في هذا الصدد كنت أنوي الأستمرار في البحث ونقد الترجمة من الألمانية الى العربية واكمال الدكتوراه في هذا الموضوع وتصحيح أخطاء المترجمين السابقين لكن الأهتمام بتعاون ثقافي الماني ـ عربي مبدع انساني التوجه معدوم عند الجانب الألماني وعند الجانب العربي أيضاً، فلا المؤسسات الثقافية الألمانية الرسمية أو الدبلوماسية الكبرى مثل معهد جوته (Goethe Institut) أو وزارة الثقافة الألمانية تبدي أهتماماً وتبذل جهداً في هذا الأتجاه ـ مع العلم اني أعرف وزيرة الثقافة الألمانية شخصياً وقد كانت حاولت من قبل أدراج اسمي للمشاركة في قراءات يوم الشعر العالمي في برلين بعد ان أطلعت على نصوص وقصائد لي منشورة بالألمانية في جريدة زيورخ الجديدة، بيد ان طلبها واقتراحها في اشراكي لم يحصل على استجابة من جهات اخرى نافذة أو مُسلَطة تساهم في الأعداد لهذ اللقاء، فلم يرد على طلبها احد ـ.

أما الجانب العربي الذي يعنيه أيضاً أمر التعاون الثقافي البنّاء والجميل والمثمر فيتمثل في سفارات دول عربية متناحرة وهيئات ثقافية فيها تحمل من الثقافة الأسم والأدعاء فقط، وبعثة جامعة عربية خاملة ونائمة على جهلها وغافلة تماماً عن الشعور بالمسؤوليات والمهام التي تأسست الجامعة لأجلها، وتجمعات ونوادٍ عربية يديرها سكارى وحشاشون وعملاء وجهلاء .. وهذا دون مبالغة هو الواقع في المانيا التي كان لها اسمٌ آخر : بلدُ الشعراء والمفكرين .

لذا سيبقى فيورباخ وكانط وسيختفي فويرباخ وكانت.

فالبقاء في هذا الزمن للأطلح ..شريطة ان يمشي هذا الأطلح مع القطيع وتحت أِمرة سيد القطيع!!!

 

 

 

 

كان كتاب الله سبحانه وتعالى صريحا في إعلان فضل العلماء على غيرهم من الناس، منه قوله الله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. وتأكيدا لهذا الفضل الكبير، قرن الباري؛ في آيات أخرى منزلة العلم بمنزلة الإيمان، كما في قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ومن هنا جاء الإعلان النبوي: "العلماء ورثة الأنبياء".

وقد اهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الوراثة كثيرا، فأكد على علو مكانة العلماء وأهمية ما يسعون إليه، والأحاديث في ذلك لا تحصى منها:

أخرج ابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد".

واخرج الترمذي عن أبي أمامة، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه ذُكِرَ له رجلان، أحدهما عابد والآخر عالم، فقال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم".

وأخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين: "فضل العلم أحب إلى الله من فضل العبادة، وخير دينكم الورع"

وفي الأثر، عنه (صلى الله عليه وآله)، قال: "فضل العالم على العابد سبعون درجة، ما بين كل درجة ودرجة مسيرة خضر جواد مائة عام"

ومن هنا أدرك العلماء الأوائل منزلة العلم، وعظيم دوره في بناء الأمة وتقدمها وتطورها وسموها، فأفاضوا في الحديث عن هذه الأهمية، ومنه:

عن أبي ذر، قال: "الباب يتعلمه الرجل أحب إلينا من ألف ركعة تطوعاً".

وعن ابن عباس، قال:" تذاكر العلم بعض ليلة أحب إليَّ من إحياءها".

وعن أبي الدرداء، قال:"مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة".

وقال الإمام الشافعي:"طلب العلم أفضل من صلاة النافلة".

وقال الإمام أحمد بن حنبل:" العلم لا يعدله شيء".

لكن مع كل هذه الآيات والأحاديث والأقوال تجد مشكلتنا تكمن في أن المسلمين لم يفهموا هذه المعادلة على حقيقتها، لم يفهموا أبعادها الحقيقية، غايتها، مقصدها، هدفها، واكتفوا بفهمها على أنها دعوة إلى التبحر والاهتمام بعلوم الدين فقط دون سواها من العلوم الأخرى، وهذا ما يتضح من بعض، بل من كثير من أقوالهم، إذ تجد لهم في ذلك المنهج الغريب الكثير من الأحاديث. والمشكلة الأكبر أنهم قالوا هذا واعتقدوا به، وذهبوا إليه؛ مع أن أغلب تلك الأحاديث لم تقرن العلم والعبادة وإنما قارنت بينهما، فقدمت العلم على العبادة، إذ لو أنها قرنت بينهما لكان العلم مساويا للعبادة أو دونا عنها، وحينها سيصبح فرعا من فروع العبادة وتابعا لها.

إن من يتابع أقوالهم التي تداولوها ولا زالوا للأسف يتداولوا بها، سيجد دعوات صريحة إلى نبذ العلم وتركه وتجنبه والابتعاد عنه، لا بالاعتماد على ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة من آيات وأحاديث، وإنما اعتمادا على أضغاث أحلام!

ومن تلك الأقوال التي روجوا لها ما أورده الخطيب البغدادي في كتاب "اقتضاء العلم والعمل" الصفحة 93، الحديثين: 154و 155 عن نصر بن علي. روى نصر بن علي الرواية الأولى بالواسطة وكأنه لم يسمعها بنفسه، وروى الثانية بدون واسطة باعتبار أنه سمعها مباشرة!

جاء القول الأول عن نصر بن علي، عن محمد بن خالد، قال: حدثني علي بن نصر؛ يعني أبا نصر، قال: "رأيت الخليل بن أحمد الفراهيدي في النوم، فقلت في منامي: لا أرى أحدا أعقل من الخليل، فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: أرأيت ما كنا فيه؟ فإنه لم يكن شيء أفضل من (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). بمعنى أن هذا القول أفضل من العلوم كلها!

وجاء الثاني وهو أكثر صراحة وتفصيلا من الأول، عن نصر بن علي عن والده علي بن نصر دون واسطة: سمعت أبي يقول: "رأيت الخليل بن أحمد في المنام، فقلت له: ما فعل بك ربك؟

قال: غفر لي.

قلت: بم نجوت؟

قال: "بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

قلت: كيف وجدت علمك، أعني العروض والأدب والشعر؟

قال: وجدته هباء منثورا".

 

صالح الطائي

 

 

لا يوجد كاتب أو (مثقف) إلا وكتب عن الثقافة والمثقفين، ويبدو أنه كلما كَثٌرت الكتابات حول هذا الشأن كلما ازداد اللبس والغموض حول مفهوم المثقف والثقافة والعلاقة بينهما، والعلاقة بينهما من جانب و السلطة من جانب آخر، مع ما يبدو من غرابة في طرح التساؤل حول علاقة المثقف بالثقافة وهو تساؤل يوحي بإمكانية انتفاء العلاقة بين صنف من المثقفين والثقافة "مثقفون بدون ثقافة " .

مفهوم الثقافة أكثر تطويعا من مفهوم المثقف للتعريف والحصر، حتى مع التطورات المتسارعة للمجال الإنساني المادي والمعنوي الذي تشتغل عليه وتتفاعل فيه الثقافة بحيث باتت حسب تعريف البعض طريقة حياة البشر و كل ما ينتجه الإنسان مقابل ما تنتجه الطبيعة، وهذا التمدد لمجال الثقافة يجعل كل من يُنتج أو يشتغل في إحدى مجالاتها المادية والمعنوية يعتبر مثقفا، وهذا يعني تجاوز ما هو شائع من أن المثقف هو فقط من ينتج أو يبدع في الآداب والفنون .

هذا التمدد والتوسع في حقل الثقافة انعكس على تعريف المثقف بحيث تمدد وتوسع بدوره وبات أكثر التباسا، وخصوصا مع تطور وتعاظم الفضاء السيرنيتي، الذي هو مُنتج ثقافي بقدر ما هو مُنتج مادي تكنولوجي، فهذا الوافد الجديد على الحضارة الإنسانية أزال الحواجز والحدود بين الشعوب والدول، وكسر التراتبية الطبقية والعُمرية، ومكن كل مواطن من التواصل مع أعداد هائلة من الأشخاص و من التعبير عن نفسه وخواطره ومواقفه بوسائل تعبير متعددة وسهلة دون حواجز أو عقبات بغض النظر عن مؤهلاته وقيمته العلمية والفكرية .

بل أحيانا يخسر المثقف الحقيقي أية معركة يفكر بخوضها أو محاولة إظهار الذات والانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أشخاص أقل قيمة منه بالمقاييس الثقافية التقليدية، حتى يمكن القول إن مواقع التواصل الاجتماعي خدمت أشباه المثقفين أكثر مما خدمت المثقفين الحقيقيين، وخلقت حالة من التسيب والتسطيح للثقافة وخصوصا الوطنية . بالإضافة إلى أن مفتي الإسلام السياسي المدعومين سياسيا وماليا حلو محل المثقفين، ومثقفو الإثارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي طغوا على مثقفي المشاريع الثقافية والإبداعات الحقيقية .

مع أن العلاقة بين المثقف والثقافة علاقة الحامل والمحمول، حيث المثقف يحمل ثقافة مجتمعه، أو الثقافة الإنسانية، ويعبر عنها مدافعا أو منتقدا بكل الوسائل المتاحة، إلا أن إشكالا كان وما زال مطروحا وهو نسبة التأثير والتأثر بين الطرفين، وهل المثقف مجرد حامل لثقافة البيئة التي يعيش ويتفاعل معها وعليه الخضوع لها والتكيف معها ؟ أم إنه مؤثر فيها موجها لمساراتها واهتماماتها مقاوما لإعوجاجاتها وانحرافاتها ؟ وتفرض هذه التساؤلات نفسها خصوصا في مجتمعاتنا العربية حيث تنتشر ثقافة العنف وتسييس الدين لدرجة تكفير المجتمع والحاكم، وتسطيح الفكر، وتشويه الثقافة الوطنية والقومية الجامعة، واختلال المنظومة الأخلاقية، وانتشار ثقافة الإحباط والتيئيس، وارتباط النخب السياسية والاقتصادية بالخارج، وقوة تأثير المال السياسي على كل الحوامل المكتوبة والمرئية للثقافة.

لا شك أن المثقف الحقيقي هو المثقف النقدي والصدامي والطليعي، مثقف العقل لا النقل، المثقف القريب من حس وضمير الشعب وليس مثقف السلطة والسلطان أو المثقف المتعالي عن الشعب، مثقف الإبداع والإنتاج وليس مثقف الإثارة وتظهير الذات، المثقف ضمير الأمة و الملتزم بقضايا شعبه . ولكن هذا التنميط بحد ذاته لا يخلو من لبس ومن منزلقات أخلاقية ووطنية، وابسط سؤال يفرض نفسه في هذا السياق : من الذي يحدد مفهوم قضايا الأمة ومصلحتها الوطنية في ظل غياب الديمقراطية ؟.

فأن يُعرف المثقف بأنه نقدي وطليعي فهذا لا يعني فقط أن يكون دائما في موقع المعارضة للسلطة أية سلطة، فالعلاقة بين السلطة والشعب أو على الأصح مَن يدعون النطق باسم الشعب،  ليست مفروزة أو مُندرِجة في إطار استقطاب بحيث تتموقع السلطة كعالم الشياطين والناطقون باسم الشعب كعالم الملائكة، وخصوصا أن مفهوم الشعب ومفهوم السلطة في عالمنا العربي يشوبهما كثير من اللبس والغموض وخصوصا في السنوات الست الأخيرة   .

أيضا حتى وإن كانت أخطاء السلطة لا حجاج فيها، وهي كذلك في عالمنا العربي، إلا أن ممارسة المثقف للنقد يجب أن لا يتجاوز تخوم البعد الأخلاقي المفترض أن يكون عليه المثقف، فالمثقف منظومة متكاملة من المعرفة والعلم والإبداع والأخلاق أيضا، وهذا يتطلب حسن اختيار المثقف لكلماته أو أي شكل من أشكال التعبير – لوحة فنية أو كاريكاتير أو أغنية – فيبتعد عن القذف والشتم أو التخوين والتكفير بشكل مباشر .

ليس صحيحا أن المثقف النقدي والعضوي والطليعي هو الأكثر ضجيجا وشتما وصداما مع مخالفيه في الرأي أو تجاه السلطة، فهذا السلوك قد يُشهر (المثقف) وقد يُحرج معارضيه والسلطة ولكن لحين من الوقت، إلا أنه لن يخدم كثيرا القضية التي يدافع عنها وخصوصا عندما  يوظف الأعداء مثل هؤلاء المثقفين للإساءة للشعب والوطن، وفي بعض الحالات يفسر الناس موقفه وكأنه ردة فعل شخصية انتقامية على سلوك تعرض له من السلطة. المثقف الشتام واللعان قد يخدش السلطة ويثير غضبها،ولكن تأثيره يزول بزوال غضبه وغضب السلطة، أما المثقف المتزن والهادئ فإن تأثيره يكون أكثر عمقا حيث يتعامل مع عقل المتلقي لا عواطفه وغرائزه، وينسف المرتكزات والأسس التي تعتمد عليها السلطة القمعية والفاسدة لتبرير حكمها وهيمنتها .

هناك نوع آخر من المثقفين، أولئك الذين لا يرون من المشهد إلا كل ما هو سلبي ومُحبِط، أو نصف الكأس الفارغة دون النصف الآخر، وبالتالي تعكس وتعبر كتاباتهم أو وسائل التعبير الخاصة بصنفهم الثقافي حالة من الإحباط واليأس، وهذا ما يُسقِط عنهم أهم ميزة للمثقف حتى المثقف العضوي بمفهوم المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي، فهذا الأخير هو الذي كتب عن "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة " .

صحيح، إن الحالة العربية رديئة على كافة المستويات، والأسباب فيها ما هو داخلي وما هو خارجي حيث لا يمكن اسقاط التآمر على الأمة العربية، ولكن هذا لا يبرر أن نهجر ثقافتنا وتاريخنا ومشروعنا القومي العربي . يمكن أن نتفهم حالة الإحباط واليأس عند المواطن العادي والتي تلخص بالمثل الشعبي "مفيش فايدة"، ولكن لا يجوز ولا يمكن أن نفهم أو نتفهم أن يكون ذلك موقف المثقف. علي المثقف إن كان ملتزما بثقافته وهويته وانتمائه الوطني والقومي أن يشخص وينتقد ما آل إليه الحال، وفي نفس الوقت يطرق باب الأمل بالمستقبل ويضع للشعب خارطة طريق للخروج من المأزق، فالفعل الثقافي ليس مجرد وظيفة أو ترف فكري بل مهمة نضالية لا تعرف الطريق المسدود  .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

 

عاش المغرب مع بداية العشرية الثانية من الألفية الثالثة مخاضا إعلاميا لم شهد له مثيلا منذ صدور ظهير 18 أبريل 1942، وبعده ظهير 15 نونبر 1958 أيام حكومة أحد بلافريج في شأن الصحافة والنشر وما لحقهما من تعديلات... ذلك أن بداية الألفية الثالثة فرضت مستجدات كان من الضروري تحيين القوانين لتساير التطور في الميدان أمام عولمة الإعلام وتدفق المعلومات وبداية أفول الصحافة الورقية، وإقبال المستهلك على الصحافة الإليكترونية التي غدت رقما صعبا يستحيل تجاهله في الميدان الإعلامي وكان من تجليات ذلك المخاض...

- 10 مارس 2012 بالمعهد العالي للإهلام والاتصال / الرباط يوم دراسي وطني حول الصحافة الإليكترونية حضره أزيد من 500 شخص يمثلون أزيد من 250 موقع إلكتروني في المغرب .

- 8 مارس 2013 التوقيع على العقد البرنامج لتأهيل المقاولة الصحفية بين وزارة الاتصال والفدرالية المغربية لناشري الصحف والذي تضمن إدماج الصحافة الإليكترونية ضمن منظومة الدعم العمومي .

- أبريل 2013 صدور الكتاب الأبيض لتأهيل الصحافة الإليكترونية، تضمن فصلين في كل فصل محاور :

- الفصل الأول: التحديات التي تواجهها الصحافة الإليكترونية: (التحدي التكنولوجي/ التحدي الاقتصادي/ تحدي تطوير المحتوى/ تجدي أخلاقيات المهنة/ تحدي التكوين)

- الفصل الثاني: توصيل لتأهيل الصحافة الإليكترونية والنهوض بها :( توصيات من أجل التأهيل التكنولوجي / توصيات من أجل التأهيل الاقتصادي / توصيات من أجل تطوير المحتوى/ توصيات من أجل دعم أخلاقيات المهنة/ توصيات من أجل تعزيز التكوين)

- منشور وزير العدل بتاريخ 9 أبريل 2013إلى وكلاء الملك بالمحاكم الإبتدائية حول طلبات التصريح بإنشاء مواقع إليكترونية إخبارية

- 18 أكتوبر 2014 طرح مشروع القانون الجديد للصحافة والنشر.

- يوم الثلاثاء 21 يونيو 2016 صادق مجلس النواب في جلسة عامة على قانون الصحافة والنشر بالمغرب متضمنا عددا من المواد المتعلقة بالصحافة الإليكترونية

- يوم 10 غشت 2016 وضمن العدد 6491 للجريدة الرسمية صدرت مدونة الصحافة والإعلام متضمنة ثلاثة قوانين هي :

- قانون 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر يضم 126 مادة

- قانون 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين يضم 31 مادة

- القانون 90.13 القاضي بإحداث المحلس الوطني للصحافة يضم 56 مادة

وبصدور هذه القوانين تعززت الترسانة القانونية المتعلقة الصحافة بالمغرب، والتي تضمنت لأول مرة بنودا متعلقة بالصحافة الإليكترونية، وقد تباينت وجهات النظر بين من يرى في القوانين الجديدة (مشروعا واعدا وتطوّرا كبيرا ومتقدما جدا في إطار السياق الإصلاحي الذي يعيشه المغرب). بدعوى أن يعزز ضمانات الحرية في ممارسة مهنة الصحافة ويلغي العقوبات السالبة للحرية ويعوضها بغرامات مالية. ولأن القوانين استجابت لمطالب ظل الصحفيون يرفعونها منذ سنوات تتعلق بإلغاء العقوبات الحبسية وإنشاء مجلس وطني للصحافة يعزز أخلاقيات المهنية ويعالج الإشكالات بين السلط التنفيذية القضائية والسلطة الرابعة، وتضمن حرية ممارسة الصحافة الإلكترونية، كقطب هام من أقطاب صاحبة الجلالة...

في المقابل تعرضت القوانين الثلاثة لنقد شديد من طرف من لا يرى فيه سوى "خطوة صغيرة للأمام، وكان بالإمكان أن يكون أفضل مما كان". وأن قانون الصحافة والنشر كرس"عقوبات حبسية ثقيلة تجاه جرائم المس بالثوابت حيث لم يحدد المشروع بشكل دقيق تلك الجرائم مما يعطي القضاء، وهو قضاء ليس مستقلا، سلطة واسعة في تكييف الجرائم" كما أن القانون أكثر من العقوبات الغرامية، بل لم يحدد سقف معظم تلك العقوبات مما قد يحوِّل القانون إلى أداة للترهيب لكن الأخطر هو صرامة القيود التي كبل بها القانون الصحافة الإلكترونية لدرجة قد يبدو للمتتبع وكأن القانون يتغيـى منع الصحافة الإلكترونية، أو الحد من تكاثرها، وتأثيرها على الأقل...

فعلى الرغم من كون القانون الجديد قد وظف مصطلح الصحافة الإليكترونية وحاول تسييجها فإن هذا النوع من الصحافة بالمغرب لازال يواجه عدة تحديات، ابتداء من فوضى المصطلح التي تطبعها، إذ ما يزال الجدل اليوم قائما حول،المفاهيم والمصطلحات المؤسسّة للحقل كتلك التي ترتبط بماهية الصحافة الإلكترونية، وتعريف الصحفي المهني الممارس في الحقل، وظيفة وخدمة الصحافة الإلكترونية... يضاف إلى ذلك تحديات البيئة التكنولوجية وتأهيل القطاع والنموذج الاقتصادي، وتحديات المضمون الرقمي، وناهيك عن تحديات أخلاقيات المهنة. وما تتخبط فيه الصحافة الإلكترونية من مشاكل تتعلق بصعوبة الحصول على الخبر أو المعلومة، قلة الموارد المالية والبشرية، غياب قانون منظم للمقاولة الإعلامية الرقمية، ضعف التكوين الأكاديمي وندرة الدورات التكوينية والتأهيلية، غياب بطاقة مهنية خاصة بالصحافة الإليكترونية، إضافة إلى الإكراهات التقنية المادية المعلوماتية، كثرة ساعات العمل، احتقار الصحفي الإليكتروني أثناء ممارسة لعمله، غياب خط تحرير واضح لمعظم الصحف الإليكترونية، انتهاك حقوق الملكية الفكرية للمقال في المجال الإلكتروني في عوالم افتراضية لا حدود فيها، غياب الوعي برسالة الإعلامي الإلكتروني وعدم الالتزام بأخلاقيات المهنة... أمام كل هذه المشاكل وغيرها والتي كان من المنتظر أن يجد لها القانون مخرجا قانونيا ليشكل طوق نجاة ينظم القطاع ويعيد إليه اعتباره، بعد التطفل على الميدان من كل من هب ودب لدرجة تم تحويل الصحافة الإليكترونية مهنة من لا مهنة له، أو على الأقل وسيلة للابتزاز والتشهير... لكن يبدو أن بعض مواد القانون الجديد لم تزد الأفق إلا ضبابية، بل قد يبدو للبعض أن القانون ما جاء إلا ليغلق الباب في وجه الصحافة الإلكترونية ويعمق مشاكل القطاع بطريقة تنبئ بمستقبل غير واضح المعالم لهذا النوع من الصحافة، لما يتضمنه المشروع من آليات قد تعرقل حرية التعبير والصحافة وترهب كل من يفكر في إنشاء مقاولة صحفية إلكترونية، ولتوضح بعض تجليات ذلك نقتصر على جانبين أساسيين هما تأسيس صحيفة ألكترونية، والعقوبات التي تنتظر الصحفي الإلكتروني من خلال مدومنة الصحافة والنشر وخاصة قانون قانون 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر...

أولا في شأن تأسيس صحيفة إلكترونية

يعرف هذا القانون الصحافة الإليكترونية بأنها (كل إصدار ... يجري تحيينه بانتظام ويتم باسم نطاق خاص بالصحيفة الإلكترونية ونظام لإدارة المحتوى موجه للعموم عبر شبكة الانترنت وعبر آليات التكنولوجية الحديثة التي تشكل امتدادا لها ينشر من خلالها شخص ذاتي أو اعتباري خدمة طبقا للتعريف الوارد في البند 1 أعلاه. تسمى بعده بخدمة الصحافة الإلكترونية ويدير هذا الشخص الخط التحريري للصحيفة الإلكترونية وفق معالجة مهنية ذات طبيعة صحفية)

خصص القانون الجديد عددا من مواده لكيفية وشروط تأسيس صحيفة إلكترونية أو ورقية منها

- في المادة 11 يشترط القانون أن يكون لكل صحيفة مدير نشر تقول (يحب أن يكون لكل مطبوع دوري أو صحيفة إلكترونية أو أية دعامة إلكترونية أخرى مديرا للنشر) ويعتبر هذا المدير هو المسؤول عن كل ما قد يصدر عن الصحيفة التي يديرها، ويفرض عليه القانون أن يتحقق من هوية أصحاب المقالات المنشورة، ومن الأخبار وحتى من التعاليق التي تدعم محتوى إعلامي، وأن يلتزم بالكشف عن هوية أصحاب المقالات لدى وكيل الملك عند الاقتضاء، وإلا اعتبر بمتابة صاحب هذا المقال، مع ما يقتضيه ذلك من مسؤوليات قانونية، ولا تتوقف مسؤليته على المقالات بل يعتبر مسؤولا عما ينشر في جريدته الإليكترونية من تعليقات وتفاعلات، ففي نفس المادة 11 من مشروع قانون الصحافة: (يسهر مدير النشر على ضمان التقيد بالأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بممارسة مهنة الصحافة من لدن الصحافيين العاملين بالمؤسسة . ويتحقق كذلك، قبل النشر، من الأخبار أو التعاليق أو الصور أو كل شكل يحمل أو يدعم محتوى إعلاميا ومن هوية محرري المقالات الموقعة بأسماء مستعارة قبل نشرها . يلزم مدير النشر، عند البحث أو التحقيق في شأن مضمون مقال غير موقع أو يحمل توقيعا مستعارا، بالكشف عن هوية محرر المقال لوكيل الملك أو لقاضي التحقيق. ويعتبر مدير النشر كأنه صاحب المقال، عند عدم امتثاله لهذا الأمر أو في حالة ما إذا تبين أن الهوية المكشوف عنها غير صحيحة. يتعرض مدير نشر المطبوع أو الصحيفة الإلكترونية للمتابعات وذلك في الحالات ووفق الشروط وضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون) وهو ما سيحول مدير الجريدة إلى محقق همه التحقق من هوية المتفاعلين مع جريديه أكثر من البحث عن كيفة تطوير مقاولته...

- القانون يفرض على مدير النشر التوفر على صفة صحفي مهني، وهو شرط لم يكن في القوانين السابقة، تقول المادة 11 من مشروع قانون الصحافة والنشر: (يجب أن تتوفر في مدير النشر الشروط التالية:

ـ أن يكون ا رشدا ومن جنسية مغربية وقاطنا بالمغرب.

- أن يتمتع بحقوقه المدنية؛ -

ـ أن لا يكون قد صدر في حقه حكم نهائي من أجل جناية أو جنحة في قضايا الابتزاز والاحتيال والنصب والارتشاء واستغلال النفوذ أو صدر في حقه حكم بالحرمان من واحد أو أكثر من حقوقه الوطنية باستثناء من تمتع برد الاعتبار القضائي.

 ـ أن يتوفر على صفة صحفي مهني وفقا للمقتضيات الواردة في التشريع المتعلق بالصحفي المهني).

وفي المادة الأولى من قانون الصحفي المهني نجد التعريف التالي (الصحفي المهني: كل شخص يزاول مهنة الصحافة بصورة رئيسية ومنتظمة يكون أجره الرئيسي من مزاولة مهنة الصحافة، في واحدة أو أكثر من مؤسسات الصحافة المكتوبة أو الإلكترونية أو السمعية أو السمعية البصرية أو وكالات الأنباء عمومية كانت أو خاصة التي يوجد مقرها الرئيسي بالمغرب) . وهذا التعريف سيحكم على ألاف الصحف الإلكترونية بالإعدام لأن معظمها يديره أناس أجرهم الرئيسي من مزاولة مهن أخرى غير الصحافة، كما أن عددا من الصحف الإليكترونية المهتمة بالمغرب مقرها خارج المغرب...

وعلى الرغم من كون القانون يميز بين أنواع من الصحفيين مثل الصحفي المعتمد والصحفي المتدرب،والصحفي الشرفي والصحفي الحر، فإنهم جميعا ينضون تحت النوع الأول الذي هو الصحفي المهني، والذي تشترط المادة رقم 6 (ان يحوز على بطاقة الصحافة المهنية)، وأن تكون (مهنة الصحافة هي نشاطه الرئيسي والمنتظم ومصدر أجره المهني الأساسي ... وأنه ليس أجيرا لدى دولة أو منظمة أجنبية) والأكيد أن شروطا كهذه كفيلة بأن تغلق باب معظم المواقع والصحف الإليكترونية، وتـجعل مهنة الصحافة الإليكترونية بيد فئة قليلة وفي ذلك لا محالة ضرب صريح لحرية التعبير....

وفي الوقت الذي تتنظم فيه الإدارة وتتجه نحو الشباك الوحيد، وتيسير المساطر سيجد أي راغب في تأسيس صحيفة إليكترونية بالمغرب في مواجه البيروقراطية إذ يفرض عليه التردد على أقبية عدد من الإدارات والمؤسسات العمومية : بدءا بالمحكمة الابتدائية، مرورا بالوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات في حالة الصحيفة الإلكترونية ثم الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، فالمركز السينمائي المغربي بالنسبة للصحيفة الراغبة في القيام بالتصوير الذاتي ذلك أن المادة 31 من قانون الصحافة تنص على (يجب التصريح بنشر أي مطبوع دوري أو صحيفة إلكترونية داخل أجل ثلاثين يوما السابقة لليوم الذي يتوقع فيه إصداره. ويكون هذا التصريح في ثلاثة نظائر لدى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية الذي يوجد فيه المقر الرئيسي للمؤسسة الصحفية ويتضمن البيانات التالية:

- اسم المطبوع الدوري وطريقة نشره وتوزيعه أو اسم الصحيفة الإلكترونية واسم نطاقها.

- الحالة المدنية لمدير النشر ومدير النشر المساعد عند الاقتضاء والمحررين إن وجدوا وكذا جنسيتهم ومحل سكناهم ومستواهم الدارسي الموثق بشواهد ووثائق رسمية وأرقام بطائقهم الوطنية أو بطاقة الإقامة بالنسبة للأجانب وسجلهم العدلي.

- اسم وعنوان المطبعة المعهود إليها بالطباعة أو اسم وعنوان مضيف مقدمي الخدمات.

بالنسبة للصحيفة الإلكترونية:

- اسم وعنوان المؤسسة الصحفية المالكة أو المستأجرة أو المسيرة للمطبوع الدو ري أو للصحيفة الإلكترونية.

- رقم تسجيل المؤسسة الصحفية في السجل التجاري.

- بيان اللغة أو اللغات التي ستستعمل في النشر.

- مبلغ أرس المال الموظف في المؤسسة الصحفية مع بيان أصل الأموال المستثمرة وجنسية مالكي السندات والأسهم الممثلة لرأسمال المؤسسة .

تضاف البيانات التالية فيما يخص المؤسسات الصحفية المكونة على شكل شركات :

- تاريخ عقد تأسيس الشركة، والمكان الذي وقع فيه الإشهار القانوني؛

- الحالة المدنية لأعضاء مجلس الإدارة والمساهمين وبصفة عامة مسيري وأعضاء الشركة ومهنتهم وجنسيتهم ومحل سكناهم وكذا اسم الشركات التجا رية أو الصناعية أو المالية التي يعتبرون متصرفين أو مديرين أو مسيرين فيها .كل تغيير يطرأ على البيانات المنصوص عليها في هذه المادة يجب التصريح به داخل أجل 60 يوما الموالية له لدى وكيل الملك بالمحكمة التي تلقت التصريح الأول . يجوز لمن يعنيه الأمر الاطلاع على التصريح لدى النيابة العامة .)

تشترك في هذه الأمر كل الصحف والمجلات والدوريات وإذا كانت الصحيفة إلكترونية فهي ملزمة إضافة إلى كل ذلك بإيداع ملف بنفس البيانات السابقة مرفوقا بوصل التصريح لدى الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات كل ذلك لتستفيد من امتداد اسم النطاق الخاص بالصحافة بالمعرب (press.ma) كما تنص على ذلك المادة 20 من القانون ...

 أما إذا كانت الصحيفة الإلكترونية ترغب في بث مواد إذاعية أو تلفزية وتقوم بتصوير موادها فأنها تصبح اسم القانون الجديد ملزمة بأن تودع نفس الملف بنفس البيانات السابقة لدى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، كما تنص على ذلك المادة 31 : (تودِع الصحف الإلكترونية التي تبث بصفة عرضية مواد إذاعية أو تلفزيونية عبر الإنترنت، لدى الهيأة

العليا للاتصال السمعي البصري، نفس ملف البيانات المنصوص عليه أعلاه ." لتجد نفسها ملزمة أيضا بأخذ رخصة للتصوير الذاتي صالحة لمدة سنة مسلمة من طرف المركز السينمائي المغربي إن هي أرادت تصوير فيديوهات أو مقابلات وألا تعرضت الصحيفة لعقوبات... فقد ورد في المادة 31 من مشروع قانون الصحافة: " تستفيد الصحيفة الإلكترونية التي استوفت شروط المادة 20 أعلاه، من رخصة للتصوير الذاتي، مسلمة من طرف المركز السينمائي المغربي، صالحة لمدة سنة، للإنتاج السمعي البصري الموجه لخدمة الصحافة الإلكترونية . يتعرض كل تصوير بدون رخصة للعقوبات المنصوص عليها في قانون الصناعة السينماتوغرافية)

ثانيا في شأن العقوبات ضد الصحافة الإلكترونية

وإذا أضيفت العقوبات والغرامات التي تتعقب زلات الصحافة الإليكترونية إلى هذه العراقيل التي يعيشها القطاع عرف المتتبع للمشهد الإعلامي في المغرب أي مستقبل ينتظر الصحافة الإليكترونية بالمغرب، وهي عقوبات كثيرة نكتفي بالإشارة إلى بعضها:

- حسب المادته 24 يعاقب بغرامة مالية تتراوح بين 2.000 و10.000 درهم مالك المطبوع الدوري أو المستأجر المسير له، وعند عدم وجودهما مدير النشر، وعند عدمه صاحب المطبعة، وعند عدمه موزع المطبوع الدوري، الذي لم يكن موضوع تصريح طبقا لمقتضيات المادتين 21 و22 أعلاه، أو استند في إصداره على تصريح أصبح عديم الأثر طبقا لمقتضيات المادة 23 أعلاه. لا يمكن استمرار نشر المطبوع الدوري إلا بعد القيام بالإجراءات المنصوص عليها في المادة 21 أعلاه . في حالة الامتناع عن القيام بالإجراءات المذكورة، يعاقب الأشخاص الوا ردين في الفقرة الأولى أعلاه بالتضامن بغرامة قدرها 20.000 درهم يؤدونها عند كل نشر جديد غير قانوني، وتحتسب عن كل عدد ينشر ابتداء من يوم النطق بالحكم إذا صدر حضوريا أو ابتداء من اليوم الثالث الموالي لتبليغ الحكم إذا صدر غيابيا ولو كان هناك طعن . تتعرض الصحيفة الإلكترونية في حالة عدم التصريح بإحداثها لنفس العقوبة المشار اليها في الفقرة الأولى أعلاه وتتعرض كذلك للحجب إلى حين القيام بالإجراءات المنصوص عليها في المادة 21 أعلاه.)

- وحسب ما جاء في المادة 72من قانون الصحافة والنشر "يعاقب "بغرامة من 20.000 إلى 200.000 درهم كل من قام بسوء نية بنشر أو إذاعة أو نقل نبأ زائف أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها منسوبة للغير إذا أخلت بالنظام العام أو أثارت الفزع بين الناس، بأية وسيلة من الوسائل ولا سيما بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية وإما بواسطة المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية واما بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم، أو بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية أو الإلكترونية وأية وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة إلكترونية..) وترتفع هذه العقوبة إلى (100.000 إلى 500.000 درهم إذا كان للنشر أو الإذاعة أو النقل تأثير على انضباط أو معنوية الجيوش) وهي نفس الغرامة المفروضة على كل المتهمة بالتحريض على ارتكاب الجرائم .. أو الإشادة بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الإبادة الجماعية أو جرائم الإرهاب، أو التحريض على الكراهية أو التمييز)

- المادة 79 : يعاقب من 100.000 إلى 500.000 درهم كل من عرض أو قدم أو باع للأطفال دون 18 سنة النشرات ايا كان نوعها المعدة للبعاء أو الدعارة أو الإجرام، أو ترويج أو استهلاك المخدرات والمؤثرات العقلية أو الكحول أو السجائر

- وفي المادة 81 (يعاقب بغرامة من 100.000 إلى 300.000 درهم على المس بشخص وكرامة رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الشؤون الخارجية للدول الأجنبية، بواسطة إحدى الوسائل المنصوص عليها في المادة 77 أعلاه.

- وحسب المادة 82 من نفس القانون "يعاقب بغرامة 50000 درهم إلى 200.000 درهم على المس بشخص وكرامة الممثلين الدبلوماسيين أو القنصليين الأجانب المعتمدين أو المندوبين لدى جلالة الملك، بواسطة إحدى الوسائل المنصوص عليها في المادة 77 أعلاه.بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم عن القذف الموجه للأفراد بإجدى الوسائل المبينة في المادة 72 أعلاه

- (وفي المادة 84 ( يعاقب بغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، عن كل قذف يرتكب بإحدى الوسائل المبينة في المادة 72 أعلاه، في حق المجالس أو الهيئات القضائية أو المحاكم أو الجيوش البرية أو البحرية أو الجوية أو الهيئات المؤسسة أو المنظمة أو الإدارات العمومية بالمغرب، أو في حق وزير أو عدة وزراء، من أجل مهامهم أو صفاتهم أو في حق موظف أو أحد رجال أو أعوان السلطة العمومية أو كل شخص مكلف بمصلحة أو مهمة عمومية مؤقتة كانت أم مستمرة أو مساعد قضائي أو شاهد من جراء تأدية شهادته.

يعاقب بغرامة من5.000 إلى 20.000 درهم على السب والإهانة الموجه بنفس الوسائل إلى الهيئات والأشخاص المنصوص عليهم في الفقرة الأولى أعلاه).

- وفي المادة 89 من مشروع قانون الصحافة والنشر: " يعاقب بغ ا رمة من 10.000 إلى 100.000 درهم عن القذف الموجه للأف ا رد بإحدى الوسائل المبينة في المادة 85 أعلاه . ويعاقب بغرامة من 1.000 إلى 20.000 درهم على السب الموجه بنفس الطريقة إلى الأفراد

هذه مجرد عينة من الغرامات والعقوبات- وغيرها كثير - التي تنتظر الصحف الإليكترونية، والمتهمون فيها حسب المادة 95 هم مديرو النشر كيفما كانت مهنتهم وصفتهم/ أصحاب المادة الصحفية إذا لم يكن هناك مديرون للنشر... (يعاقب بصفته فاعلا أصليا صاحب المادة الصحفية أو واضع الرسم أو الصورة أو الرمز أو بواسطة وسيلة إليكترونية أو طرق التعبير الأخرى أو المستورد أو الموزع أو البائع أو مقدمو الخدمات أو المضيف وذلك بحسب تراتبية المسؤولية المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة) وبتركيزه على العقوبة بالغرامات كان هذا القانون أقرب إلى قانون جنائي منه إلى قنان للصحافة والنشر لأن بعض البنون تتيح أمكانية أن يتابع الصحفي بالقانون الجنائي بل حتى بقانون الإرهاب وإن تم التخلي عن العقوبات الحبسية...

وينضاف إلى هذه العقوبات المالية عدد من المواد في هذا القانون التي تعطي الحق للدولة (السلطة القضائية) في إمكانية الحجب المؤقت أو الدائم للجريدة الإليكترونية ولا يتسع المجال هنا لسردها لأننا اقتصرنا على نقطتي التأسيس والغرامات. وهما نقطتان كفيلتان بإعادة القانون المشؤوم (كل ما من شأنه...) ذلك أن شروط التأسيس والعقوبات القاسية تفتحان باب اجتهاد قد لا تنجو منه أية جريدة إلكترونية، فكتابة أي مقال حول تقصير مسؤول في أداء مسؤوليته، أو شططه في استعمال السلطة يمكن أن يؤول كتشهير أو قذف، وقد يتسبب في عقوبات مالية على جريدة إليكترونية لا يجني منها صاحبها شيئا...

ومن تمت يمكن أن يرى البعض في هذا القانون تعارضا مع المعايير الدولية لأنه يشترط شروطا ستجعل الآلاف من الجرائد الإليكترونية النشيطة اليوم في خبر كان، كما أن الحصول على البطاقة المهنية ينبغي أن يكون معكوسا، فعلى المرء أن يكون صحفيا وصاحب مقاولة إليكترونية نشيطة في الصحافة ليحصل على البطاقة المهنية، وليس عليه الحصول على أن يحصل على البطاقة أولا ليؤسس مقاولته ويشتغل في الصحافة ... كما أن اشتراط الإجازة كحد تعليمي أدنى سيقضي على الأحلام الصحفية لعدد من نشطاء الميدان الذين لم تسعفهم الظروف على مواصلة دراساتهم العليا وربما هم الأكثرية ممن يمارسون في القطاع في ظل عياب معطيات دقيقة ....

صحيح أن الكل كان ينادي بتنظيم مجال الصحافة ويرفض اعتبارها مهنة من لا مهنة له، والكل كان يطالب بإصلاح منظومة الصحافة والنشر بالمغرب، لكن القانون الجديد جاء متشددا بشكل يضيق على حرية الصحافة مقارنة مع كل الدول المجاورة للمغرب فالقانون التونسي في تأسيس صحفية بشير إلى إيداع تصريح بالتأسيس لدى رئيس المحكمة الابتدائية وتصريح لدى مصالح الوزارة المكلفة بالصحافة، ولا يشترط في مدير المسؤول أن يكون حاملا لبطاقة الصحفي المهني كما لا تشير إلى ضرورة أن يكون أجره الرئيس من ممارسة الصحافة، وهي نفس الشروط الموجودة في القانون الفرنسي تقريبا، وهو ما كان عليه الحال في القانون المغربي قبل قانون 88.13 الذي تنص مادته الرابعة على أن : ( يكون لكل جريدة أو مطبوع دوري مدير للنشر . ويشترط في مدير النشر أن يكون راشدا وقاطنا بالمغرب ومتمتعا بحقوقه المدنية وغير محكوم عليه بأية عقوبة تجرده من حقوقه الوطنية..) ولسنا هنا بصدد المفارنو بين القانون القديم والقانون الجديد وإلا سيطول شرحه...

ما يمكن استنتاجه هو أن قوانين مدونة الصحافة والنشر بالمغرب قد شددت الخناق على الصحافة، خاصة الصحافة الإليكترونية، ورسمت مستقبلا قاتما يهدد وجود ألاف الصحف الإليكترونية .

 

ذ. الكبير الداديسي

.......................

المراجع المعتمدة:

مدونة الصحافة والنشر المنشورة بالجريدة الرسمية العدد 6491 المتضمنة ل قانون 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر / قانون 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين ي/ القانون 90.13 القاضي بإحداث المحلس الوطني للصحافة عن موقع وزارة الاتصال (http://www.mincom.gov.ma/ar)

1 - الوثيقة الصادرة عن منظمة مراسلون بلا حدود بتاريخ 15 نونبر 2015، والمعنونة ب (ملاحظات مراسلون بلا حدود"

المتعلقة بمشاريع قوانين الصحافة المغربي"، والمنشورة بالموقع الرسمي لمنظمة مراسلون بلاحدود.

2 - مرسوم عدد 115 مؤرخ في 2 نونبر 2011 يتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، المنشور بالرائد الرسمي

للجمهورية التونسية بتاريخ4 نونبر2011 عدد84

 

 

هناك مثل فرنسي شائع يقول: "إذا أردت أن تصبح شهيراً متْ أو فلتُسافرْ"

من دارك لن تحصد الشهرة فالبيت الذي يختبئ خلف أزمانٍ من الماضي وأحقابٍ من الحاضر وتنبُّؤاتٍ من المستقبل لن يخرج من عيشه المرّ ذاك المارد الذي يعيش داخلك ولا يجرؤ على البوح بنفسه ربَّما لأنَّك لا تجرؤ حتَّى على مكاشفة نفسك أو الخلوة بها خشية تمزُّق غشاء الخوف الذي  ما هو إلا غشاء بكارتك التي لم تجرؤ على افتضاضها بيد الزمن بل آثرتَ الانكفاء عن خوض حداثتها التي لم تعدْ تحتمل عذريَّة الأفكار ولم تعد علقة الدم الحمراء تسعف بوصلتها التي أعلنت تمرُّدها على كلِّ الجهات !!

عندما ترى أقزاماً يعتلون سدَّة العمالقة في بلدانٍ أصابها داءُ أو سياسة التعملق لا تعودُ مستغرباً كيف أنَّ أحمقاً يقود قطيعاً من الأذكياء وكيف أنَّ مزمار الفئران ما زال يبدِّلُ قومه فبدل أن يستجرَّ الفئران بات يستجرُّ الفيلة الذين يبحثون عن ذاك النهر كي ينضب بخراطيمهم ربَّما انقلب السحرُ على الساحر فما ظنَّه العازف فأراً بات فيلاً وربَّما خُدِع بمزماره فبدلَ أنْ يسحر الفئران لتغرق في النهر سحرته الفيلة كي تفرغ النهر من كلِّ منجزاتنا التي كلَّما تقدَّمت في بلدان العالم الثالث تزيد عليك عبْء الكيد وتكلِّفك أعواماً من البقاء في الصفوف الخلفيَّة المنسيَّة كمبدعٍ كاد يكون إنسانا !!...............

عندما ترى ظاهرياً للوهلة الأولى  في مؤسَّسات الإبداع العربيَّة عصا موسى تلقف كلَّ أفاعي السحر والشعوذة يتراءى لك أنَّ يد موسى البيضاء الناصعة ستخرج من جيبك فإذا بك تكتشف بعد حينٍ أنَّ مؤسَّسات الإبداع هي وكر الأفاعي ووكر الشعوذة ووكرُ القرارات والمصالح السياسيَّة ووكر التظهير والتلميع للبعض الذين يحملون فيزا كارد سياسيَّة من هذا البلد أو ذاك  ووكر طمس البعض وتسلُّق البعض الآخر عليه وحينما تبحثُ عن يدك البيضاء تجدُ لدغة الزمن البليغ وقد قال لك أنْ لا بياض ولا نصوعَ في زمنٍ تدور فيه رحى المصالح لتطحن كلَّ إبداعٍ خالصٍ مستقلٍّ غير مبرمجٍ ليكون سلعة يقتاتها الجميع بخبز الأفكار التي لا يضير الحكَّام إن زادت جرعة السمِّ فيها إلى حدِّ تدمير المجتمعات وتقوُّس وانحناء ظهرها وهي في ريعان الفتُّوة والشباب هذا لا يعني أنَّنا مع قبول انحدار الذائقة الوطنية إلى ومع  شخصٍ أخرق إبداعياً مهما كانت أحاسيسه الوطنية متقدّة ومشتعلة وهذا للأسف ما تقع به المؤسَّسات الثقافيَّة في بلدان العالم الثالث أو الشرق أوسطية وهي تفتح الباب لما تسميهم مواهب وما هم إلا غرائب وعجائب من الانحدار الذي وصلنا إليه في ذائقة التقييم وانتقائيتها المبرمجة سلفاً على الرداءة والبشاعة   وكأنَّها تفتح على عيوننا مظهر قبح وعلى أنوفنا رائحة نتنة ربَّما لا بدَّ منها من أجل أن نميِّز جمال التغيير وندرك رائحة الحداثة وعبيرها الفوَّاح !!!.....................

الشهرةُ التي تتأتَّى من موتك أفضلُ من الشهرة التي تقتات على مبادئك فتجدها متلاشيَّةً حتَّى تدرك ذات يومٍ أنَّك مضمحِّلٌ لا وزن لك في ميزان الغدر الذي إن جعلك ثقيلاً يوماً فلكي يجني وزنك ذهباً وعندما يفرغك من كلِّ حمولتك فسيعيدك بلا وزنٍ ويبحثُ عن غيرك ممَّن تغشُّهم الشهرة البرَّاقة ولا تعنيهم صومعة المبادئ التي لا تشفي كؤوسهم ولا تغري تطلعاتهم الآنية إلى البريق الذي سينطفئ إلى الأبد ما لم يكن آتياً من طاقة الحقيقة الراسخة فما كان سلعة سيبقى سلعة وهنا عدَّاد الزمن كفيلٌ ببقائنا أو بسفرنا فمنْ لم يعشْ مواطنته الإبداعية كمبدع لن يعيش مواطنته الإنسانية كفردٍ من أفراد الشعب ومن تسقط مواطنته الإنسانية لن تسعفه كل مواطنةٍ يزينها الإبداع فالإنسانُ  هو مشروع مبدعٍ إن أدرك ما تضمره سرائره وما تخفيه قدرات نفسه وعقله وروحه وجسده ومن يبحث عن مواطنته الإبداعيَّة ربَّما يجدها إن أدرك أنَّه إنسان في وطنه لا تحصره عمامة ولا تأسره قمامات وتفاهات المغرضين وإلا فعليه بالسفر كي يدرك مواطنته الإنسانية علَّه يعود إلى وطنٍ شغوفٍ به  يحترم إنسانيته وإبداعه ولا يصنِّفه بين الحمقى ومتسولي الشهرة والمال !!

 

بقلم الكاتب المهندس ياسين الرزوق زيوس

سورية حماة

 

 

أوّلا مفهوم الأندراغوجيا: هو مفهوم يستخدم كثيرا في المجالات التربوية و"  يعني فنّ تعليم الكبار أو اليافعين أو الراشدين وهو مصطلح يقابله البيداغوجي أو فنّ تعليم الأطفال , وهذا الفنّ قديم ويمتد إلى قرنين ماضيين إذ أن أو لمن أعطاه هذه التسمية هو شاب ألماني اسمه الكاساندر كاب عام 1833 وذلك في سعيه لوصف عناصر نظرية أفلاطون التربوية."(1) ;وتعني عموما التعليم والتعلّم للبالغين في جميع أشكاله ولاتعني الأندراغوجيا ضرورة محو الأميّة لأنها تهم أيضا الكبار المتعلمين وبالتالي دورها الأساسي يتمثل في البحث عن آليات وطرائق عملية لإيصال المعلومة للكبار ومن ذلك استخدام معجم دلالي مخصوص يسمى في السوسيولوجيا بالفهرسة إضافة إلى إيجاد استراتيجيات تختلف عن تلك المعتمدة مع الأطفال بسبب اختلاف خصائصهم النمائية وقدراتهم على التعلّم.وبالتالي معرفة الفروق بين التعلّم في سن الطفولة والتعلم في سنّ الرشد ضرورية لبناء برامج التعلّمات.فالأندراغوجيا ببساطة فنّ تمرير المعلومة للراشد أميّا كان أم متعلّما. وعادة ما تكون للأندراغوجيا   علاقة بتطوير القوى العاملة أو التطوير المهني وبالتالي تختلف أماكن التعليم ووسائطه.

ثانيا:في الفرق بين البيداغوجيا والأندراغوجيا: 

ترى البيداغوجيا أن العلاقة بين المعلم والمتعلم هي علاقة تبعيّة (2) مايعني أن المتعلم قليل المعارف والمهارات وبالتالي دوره إتباع المعلّم والالتزام بما يقدّمه بغية تحصيل المعرفة وتكون ببذلك طريقة التدريس تشيخيصية ،إرشادية وتوجيهية .غير أن هذه الطرق التعلمية لايمكن أن تحقق النتائج المرجوة منها إذا ما تم اعتمادها مع الكبار ذلك أن الكبار في السنّ لايتقبلون الأفكار المسقطة دون مشاركة ومفاوضة وبالتالي فإنّ تعليم الكبار يقتضي تجاوز الطرق التلقينية ليكون بذلك إنتاج المعرفة جماعيا لافرديا ،ولايفوتنا أن نشير إلى أهمية المناخ العلائقي بين المتعلم والمعلّم الذي أضحى منشطا لامجرد ناقل للمعلومة وعليه أن يراعي مايمتلكه الكبار من معارف وخبرات ويحسن توظيفها لنجاح العملية التعلمية فالكبار يتعلمون عندما يكون الدافع الداخلي للتعلّم قويا فيكون المتعلّم  متحمسا لاكتساب مهارة جديدة أو الحصول على نوع معين من المعرفة،ويتدعم هذا الحماس إذا ما كانت برامج التعليم وطرائقه متناسبة مع تطلعاتهم الحياتية .

وعموما تقتضي الأندراغوجيا الإلمام بالجوانب السيكو بيداغوجية أي معرفة الخصائص النفسية للراشد والجوانب السوسيوبيداغوجية وهي معرفة خصائص المحيط الاجتماعي للراشد إضافة إلى الجوانب المتصلة بمتطلبات واليات التعليم لتتناسب وسنّ المتعلم. (3) إلا أن الباحث الأمريكي مالكولم نولز اعتبر أن لبيداغوجيا والاندراغوجيا يمثلان سلسلة متواصلة متكاملة بين التعلم عن طريق توجيه المدرسين وبين تعلم الطلاب الذاتي، وأنه يمكن تطبيق الأسلوبين على الكبار والصغار بحد سواء بحسب أحوالهم.(4)

ثالثا الأندراغوجيا ومحو الأمية أيّة فروقات؟

إذا كانت برامج محو الأمية تهدف على تمكين المتعلمين من حذق المهارات الأساسية في  الكتابة والقراءة والحساب فإن الاندراغوجيا تعنى بحاجيات الكبار إلى التأهيل واكتساب خبرات عملية في مجال أو مجالات معيّنة لمواكبة حاجيات مؤسسات الدولة المختلفة سواء المهنية أو الثقافية موضوعه ضمان التكوين ، وتنمية الشخص في كل مراحله العمرية عن طريق تسهيل اكتسابه للمعارف والمهارات والسلوكات ، وتطوير مجموع قدراته الذهنية واليدوية التي تستجيب لتطلعاته ومجتمعه فهي بمثابة تربية مستدامة ومتواصلة وذات بعد تكويني . وعلى ضوء ماسبق يمكن اعتبار برامج محو الأمية سوى جزء من الأندراغوجيا والبرامج المتصلة به  (5)

رابعا الأندراغوجيا وسيكولوجيا الكبار:

تطالب البرامج المتصلة بتعليم الكبار وتكوينهم جملة من الأسس النفسية التي تراعي الكبار في  بنيتهم الذهنية والفيزيولوجية ومنها:

*الكبار ينظرون إلى العملية التعليمية من منظور براغماتي بمعنى مدى قدرتها على تحقيق أهدافهم الحياتية والمهنية وبالتالي يجب مراعاة هذه الحاجيات في بناء البرامج المتصلة بتعليم الكبار.

*الكبير يميل إلى فرض رأيه وتشريكه الفعاّل في العملية التعلمية.

*يجب أن تتم العملية التعليمية في جو قائم على التواصل والتحاور والمشاركة .

*التعلم فنّ وفلسفة ومشاركة وتوادد بينذاتي.

*يجب توفير مناخ قائم على الثقّة والإنتاج المشترك للمعلومة.

 

ماجد قروي

...........................

المراجع:

 http://inspecteursleh2015.blogspot.com//(1)

 (2)أنظر حنافي جواد،هل سمعت بالأندراغوجيا،شبكة الأولكة ،2012

(3)أنظر في هذا الصدد :مصطفى شريف، فن تعليم الكبار البالغين واليافعين الراشدين . المعلم / الطالب , العدد الأول،2006

. http://www.startimes.com/f.aspx?t=35529619(4)
(5)أنظر في هذا الصدد:يحي هندام ومحمد بشير،تعليم الكبار ومحو الأميّة:أسسه النفسية والتربوية،مكتبة الإسكندرية،1978

 

 

ليست الاستفادة من عموم الثقافة الإنسانيّة أمرًا معيبًا، بحالٍ من الأحوال، فللشاعر أن يوظِّف ما شاء تعبيريًّا، غير أن السؤال في هذا الشأن هو:

عن السياق الذي يَستدعي ذلك؟ 

ثمَّ أين- في مقابل ذلك المَعينِ المجتلَب- تلك المفردات الرمزيَّة التي تعود إلى الثقافة الأُمّ، والقِيَم العربيَّة، والتي يفترض أن تكون هي الغالبة؟ 

ولِمَ إهمال المعجم الثقافي الوطني، والقومي، ومحاكات الآخَرين في مفرداتهم، التي تمثِّل دياناتهم، ومجتمعاتهم، وفلسفاتهم، ومعجماتهم الثقافيَّة الخاصَّة؟! 

لماذا لا نجد في الشِّعر العربي الحديث شاعرًا كـ(وليام بليك)، أو (دانتي)، أو (ميلتون)، أو (إليوت)، أو (عزرا باوند)، أو (جيمس جويس)، أو (ملارميه)، أو (ييتس)، أو غيرهم كثير من أعلام الشِّعر الأوربي، والغربي عمومًا، الذين متحوا من مَعين ثقافتهم، ووظَّفوا عناصرها أبلغ توظيف، مع الإفادة من الآخَرين، على غير حساب شخصيَّاتهم الحضاريَّة؟! 

وليست القضيّة هاهنا بقضيَّة تديُّن، بالضرورة، أو أصوليَّة، بل هي قضيَّة انتماء لثقافةٍ ولأُمَّة. 

-2-

وكما رأينا، في المقال السابق، اغتراب اللغة والمصطلح في الأدب العربي الحديث، وأن مفردات الدِّيانة المسيحيَّة قد تفشَّت في الشِّعر العربي الحديث، نرى مثل ذلك في بعض الدراسات الفكريّة العربيّة أيضًا، حتى في ما يتعلَّق منها بالدراسات القرآنيَّة.  مثال ذلك أن تقرأ (محمَّد أركون)(1) وهو يستعمل مصطلحَي «اللاهوتيَّة»، و«الأرثوذوكسيَّة»، وغيرهما، في سياق حديثه عن «القرآن»، والمؤسسَّة الإسلاميَّة.  وهو إنما يعني بالأرثوذوكسيَّة: «تفسير أهل السنَّة والجماعة»، وباللاهوتيَّة: الآراء «الدِّينيَّة»، أو «الفقهيَّة». 

الطريف هنا أن فكرة «اللاهوتيَّة»- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي- متعارضة أساسًا مع فلسفة الإسلام، التي لا ترى سُلطة لاهوتيَّة لبشرٍ أو لمؤسَّسة، ولا تعرف تعبيرًا كهذا، ولا تَصدر عن تصوُّرٍ يمكن أن ينطبق عليه هذا الاصطلاح ذو المرجعيَّة المسيحيَّة الصِّرفة!  على أن للقرآن ولمؤسَّسته الدِّينيَّة وتراثه مصطلحاته الخاصَّة، والعريقة، والدالَّة، لا سواها، على ما تنطوي عليه من مقاصد.  فأين هي في طرحٍ يدور في فلكها العِلْمي؟  وما سِرُّ هذا الغرام المستشري بمصطلحات الآخَر؟!  هذا في حين لا يخطر، ولو في الخيال، أن يفعل الناقد الكَنَدي (نورثروب فراي N. Frye، -1990)، على سبيل المثال- خلال درسه للتوراة والإنجيل، في كتابَيه «الرمز الكبير- الكتاب المقدَّس والأدب»، أو «الكلام الأعلى- الكتاب المقدَّس والأدب»- مثلما فعل أركون، فإذا هو يقتبس مصطلحات إسلاميَّة أو قرآنيَّة ليحشو بها حديثه عن التوراة والإنجيل.  لماذا؟  لأن فراي يحترم الثقافة الخاصَّة بالمجتمع الذي يعالج قضاياه، ويُقيم وزنًا للمرجعيَّه المعرفيَّة التي ينتمي إليها ذلك المجتمع، ومن ثَمَّ فإنه يَصدر عنهما، لا عن غيرهما، منهاجًا واصطلاحًا.  وليس هذا مؤشِّرًا على فارقٍ بين دارسَين فردَين، بل هو، في الواقع، مؤشِّرٌ على فارقٍ عميق بين أبناء حضارتَين! 

وإذا كان هذا لدى العِلْيَة النخبويَّة «العالِمة»، فكيف بسواد الناس وأوساطهم؟!  لكن هذه الظاهرة- في الخطاب الدِّيني بصفةٍ خاصَّة- تُخفي طبقةً أعمق في هذا الخطاب الحديث، تتمثَّل في معالجة القضايا الدِّينيَّة الإسلاميَّة حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة المسيحيَّة.  فمفاهيم الدِّين، لدَى معظم من يتطرَّقون فلسفيًّا إلى الدِّيني في العصر الحديث من الباحثين والمفكِّرين العرب، تُشتقُّ من الدِّين المسيحي وتاريخه رأسًا، لتُسقَط اعتسافًا على الدِّين الإسلامي.  وكأن الدِّين الإسلامي لا مفاهيم له، ولا مصطلحات، ولا تاريخ، ولا فلسفة.  مردُّ ذلك أن هؤلاء، بدَورهم، مقلِّدون حتى النخاع- إذا استثنينا منهم واحدًا، كـ(طه عبدالرحمن)- وإنَّما يطبِّقون مقولات حفظوها وتوارثوها، مقتبسةً من الغرب، على سياقات أخرى غريبة، وربما نقيضة، هي السياقات الإسلاميَّة.  يفعلون ذلك، سواء عندما يحلِّلون علاقة الدِّيني بالسياسي، أو الدِّيني بالاجتماعي.  لقد كان لهم أن ينتقدوا الخطاب الإسلامي، أو حتى يرفضوه، إنْ لم ينهضوا إلى تجديده من داخله، عِوَض التلبيس، أو التدليس، أو الترقيع، أو إلباسه مسوحًا تنبوا عنها مقاساته.

وهكذا فإن الاغتراب الثقافي للعرب والمسلمين المعاصرين لا حدَّ له.  وهو بالغ التعقيد والتشعُّب.  ويدلُّ في مجمله على تبعيَّة، تركض وراء الآخَر على نحوٍ مُزْرٍ، فيما تستنكف من ذاتها وأهلها ودارها وتراثها.  ولذلك لا تتطوَّر، وما ينبغي لها، وذاك منهاجها الأعور الدجَّال.  وفي ذلك كلِّه مؤشِّرات نفسيَّة وحضاريَّة بالغة الشهادة على تهافت الشخصيَّة النوعيَّة للعرب والمسلمين في العصر الحديث؛ تلك الشخصيَّة المنطلقة تحت ذريعة «الانفتاح» وشِعار «الكونيَّة» إلى محض التقليد للآخَر، والتعلُّق الطفيلي بأهداب مطاياه وقوافله. 

من أجل ذلك، فإنه حين يجيء مفكِّرٌ نوعيٌّ، كـ(محمَّد الحبابي)، للتفكير بطريقة مغايرة- مستقلَّة، ومتحرِّرة من أغلال الغربنة، باحثة في الشخصانيَّة الخاصَّة- يُهَمَّش، ويُعْزَل، ويُقصَى، ويُقمَع ثقافيًّا، ويُوصف بالتقليديَّة.  ولئن سألتَ: لمصلحة مَن كلّ هذا؟ لعرفتَ أنه لمصلحة «الباب العالي»، وفي سبيله؛ فالحداثيَّة لدينا أن تتبع الحداثيَّ الأشقر، والتقليديَّة أن تكون أنتَ، بسحنتك الشرق أوسطيَّة!

هكذا تُدار العجلة، في عالمنا المغلوب على عقله، لتُقلب القِيَم والموازين.  وهنا تتأكَّد مقولة (كلود ليفي-شتراوس)(2) الذاهبة إلى أن التواصل الحديث بين الشعوب أضحى مؤذِنًا بإفقار التنوُّع الثقافي، والإبداع النوعي، الذي كان في الماضي، ومهدِّدًا للأصالة الخاصَّة بكلِّ أُمَّة من الأُمم.  فكيف الحال في الأُمم المستضعفة، المستغرِقة في تدبيج غراميَّاتها الشجيَّة، تعبيرًا عن سقوطها في العشق من أوَّل مستعمَرة؟!

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي

الأستاذ بجامعة الملك سعود، بالرِّياض

....................

(1) انظر كتابه: (2005)، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدِّيني، ترجمة: هاشم صالح (بيروت: دار الطليعة)، مواضع شتَّى من صفحات الكتاب، مثلًا: 8، 9، 11، 12، إلخ.

(2) انظر: (1986)، الأُسطورة والمعنَى، ترجمة: شاكر عبدالحميد؛ مراجعة: عزيز حمزة (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 39. 

 

 

 

 

المرأة لغة عالمية لا تحتاج لمترجم، فهي انتقال معنى العاطفة الى قوة الجمال التي نراها في ذوق المدنية وازدهارها ..

يعتبر كيان النساء على مختلف أشكاله ذات أهمية خاصة للبشرية جمعاء، يأتين الإنسان بالبناء كما أنهن أحدُ الموازين الرئيسية التي تساعد في إتزان الحالة البشرية للخليقة، وحيث فقدان هذا الدور لهن ادى الى انقراض اجيال معرفية ..

فكما لكل كائن حي اصلٌ فايضا للنساء اصلٌ، فلجميع النساء كيان بايولوجي مهم لدعم الحياة وتطورها، وقد وجد الإنسان ما قبل التاريخ أن المرأة الزاهرة تنضج المكان والزمان، والى يومنا هذا..

فماذا نعبر عن المرأة الريفية التي كتفا الى كتف الى جوار الفلاح من الفجر تساهم في ازدهار الزراعة للوطن، ومثلها البدوية، وهذا ليس جدلا في التقاليد والعادات، وقد تعلم الإنسان مع مرور الوقت، كيف يتعامل مع النساء، بحكم هذه الظروف لتظهر العادات والتقاليد، وكان للمرأة دورا لصياغة هذه التقاليد والعادات وبرضاها، أكثر من كونها فرضيات للتقاليد والعادات التي يتم نقدها اليوم دون بحث اعتمادا على استنساخ تنظيرات لخصوصيات مجتمعات اخرى تناسبها تلك التنظيرات، فلابد من تساؤلات ماذا يناسب مجتمعاتنا بخصوصية اطيافها للمساهمة في نهضتنا ومواكبة تطور العالم..

حين تتعطل لغة المرأة تخرس المعرفة من الحديث عن الكمال، وتعجز الاجيال من التعبير عن نفسها، حيث لا يمكن اسقاطها من الذاكرة بسهولة، فنبض حياتنا هي النساء ..

فلكل بلد او حركة او حزب او جمعية او منظمة او مركز عناوينه النسائية البارزة، ولكل طرف له معتقدُه في رفعة المرأة وسموِّها، والايمان بهذه الحقيقة يزين الفكرَ باطياف وينسجها الوانا وطنية، حيث التعصب للون او للفكرة، يحجب الحقيقة ويمنع بالتطرف السلوكي والفكري حتى الصواب ان كانت تمتلكه هذه الجهة او تلك، فيكون اولُ الضحايا ليس النساء او الرجل او الاجيال بل يكون صاحبُ الحقيقة والحق اولّ ضحايا نفسه بسبب هذه المواقف من نفسه تجاه الاخرين، ومن هذه الافكارِ تتغذى الأمية والجهلُ والدكتاتوريات بتأطير المجتمع باللون الواحد..

بل وان الظاهرة تتعزز اذا ما تساءلنا هل حكمت فرنسا رئيسة جمهورية مثلا او كم وزيرة في مجموع الدول الاوربية او حتى في امريكا، في ظاهرة عدم انتخاب امراة لرئاسة امريكا، ليس فقط لكون برنامج الرئيس ترامب هو الجاذب للناخبين بل أنّ وعيَ المجتمع مازال ذكوريا على رغم العالم المتطور هنا ويتم تطبيق الديمقراطية على ارفع مستوياتها الراقية، فضلا عن مستويات التعليم، فاذا لا علاقة الا جزئيا بموضوعة حقوق المرأة وكيفية التعامل معها، والنظر اليها..

لا يمكننا أن نتجادل في ان هناك حقوقا مغتصبة للمرأة من عدمها، فأن كلَّ الاحتفاليات التي جرت في العالم الحضاري والمتطور اليوم شهدت مسيرات بيوم المرأة العالمي تشجب واقع المرأة في هذا العالم، وتطالب بكرامتها، ولم تحتفل بمنجز ما، بل انتقدت الرجل لانه جعل نفسه معبرا عنها وهو يجهل ماذا تريد المرأة، لترفع شعارا ان النساء ليست سلعة.

فالعالم بمختلف مسمياته وجغرافيته متساوي بالمنجز ومتساوي بالاضطهاد، وان تنوعت الاسباب ونوعيات المنجزات او الاضطهاد، وبالتالي فان المرأة العراقية في هذا العالم تشكل ظاهرة جديرة بالاهتمام، فان تاريخ العراق المعاصر عكس مبادرة سبقت العالم الذي نعتبره الان متطورا في الحركة النسوية وبروز شخصيات نسائية.

فان العالم الذي نعتبره متطورا لم يشهد تنفسا نسائيا وتشريع قوانين الا في القرن العشرين، بل أن العراق بقليل من البحث يكشف عن ان المنظمات النسائية تفوق مجتمعات نعتبرها اكثر تطورا، واترك هذا للباحثين الجادين حقا وليس الانشائيين والناقدين دون دليل وبحث ميداني ومعرفي.

فعند المرور بتاسيس الدولة العراقية المعاصرة سنة 1923 م نلمس كان للمرأة نشاطها وحركتها، من خلال المساهمة في تأسيس الاحزاب  والجمعيات، حيث يلفت انتباه الباحث اسم منظمة النهضة النسائية عام 1923، وكانت هيئته الإدارية تتألف من اسماء الزهاوي شقيقة الشاعر جميل صدقي الزهاوي، وشخصيات نسائية لمستويات ثقافية واجتماعية وسياسية عالية ..

وكان للحرب العالمية الثانية وجود للمرأة العراقية كنشاط لدعم الفقراء عبر السيدة حفصة خان الحفيد في السليمانية باسم الجمعية النسائية الكردية، الى جانب مساهمات دعم المرأة العراقية لجمعية الهلال الاحمر عام 1932 برعاية الملكة حزيمة زوجة الملك فيصل الاول، ونساء المجتمع المعروفات، وبرزت جمعية بيوت الامة ضمت الكثير من النساء العراقيات المثقفات وناشطات. وبرزت هناك جمعية مكافحة  العلل الاجتماعية التي تأسست عام 1937 وممن اسهمن في تأسيس هذه الجمعية السيدة فتوح الدبوني الحاصلة على شهادة متخصصة من جامعة مانشستر انكلترا في مجال تعليم الصم والبكم، برفقة نساء متخصصات وحاصلات على شهاات عالية انذاك .

وفي الاربعينات مثلت المرأة حراكها السياسي باسم منظمة اللجنة النسائية لمكافحة الفاشية أو الرابطة النسائية عام 1947  واصدار مجلة تحرير المرأة.  ومن المنظمات المهمة النسوية جمعية البيت العربي تأسست عام 1948 لرعاية النساء والاطفال وكانت تضم في عضوية هيئتها شخصيات ادبية ومثقافية ومن ضمنهم الشاعرة لميعة عباس عمارة.

وهناك كوكبة من الشهيدات منذ ثورة العشرين مرورا بوثبة كانون 1948 انتهاء بشهيدات مواجهة الارهاب كجيل يفتخر بهن المجتمع بين مغدورات من مختلف الاديان والمذاهب والاطياف للمجتمع العراقي اليوم، وبين بطلات في سوح المواجهة مثل اميمة الجبوري ومعلمة الموصل وغيرهما ..

وان الموضوع البايولوجي يبرز الاهتمام بخصوصية المراة واحترام التكوين، وهذا الاحترام مسئلة حضارية اخلاقية علمية، حيث الى الان لم تنجح مثلا لعبة كرة القدم بين فريق نسوي واخر رجالي لانه كما عبِّر عنه غير مقبول علميا ولا اخلاقيا على صعيد تعبير المنظمات الدولية المختصة، او ان يدخل مضمار السباق للساحة والميدان نساءٌ ورجال، فلكل منها بطولته وجوائزه، بل لا يمكن لعاطفة الام ان تتساوى مع عاطفة الاب على اقل تقدير ولا الاخت مع الاخ وهكذا، وفي نفس الوقت لا يمكن ايضا الاستغناء عن اي خاصية لكل منهما، فالامر ليس بتساوي الطرفين بل بتساوي التشريعات واصدار القوانين بما يحترم خصوصيات المرأة والرجل لتحقيق ابداعهن في المستوى الوطني، ولهذا نجد المرأة على المستوى العالمي والى اليوم تطالب بحقوقها، ليس في مناطقنا بل وحتى الدول المتطورة تشريعا وحرية وقوانين، فالمشكلة ليست بالنتيجة واستعراضها فهي واضحة بل المشكلة في البحث والتقصي معرفيا للوصول الى النتيجة المناسبة.

فان الحجاب او عدم الحجاب ليس عائقا في حرية المرأة وابداعها، فان الشهيدة بنت الهدى التي انجبتها بيوت العلم والعقيدة ابداعا فكريا وقصصيا لا يختلف عن نازك الملائكة التي برزت من بيوت محافظة لتكون مساهمة في الحداثة الادبية مرورا بنزيهة الدليمي اول وزيرة عراقية من مؤسسات رابطة المرأة العراقية 1952م .

فليس لللبداوة او القروية اشكالية في مقام المراة من عدم ذلك، فاذا تم استرجاع تاريخ العشائر نكتشف عن دور وقصص واهمية للنساء ما يبهر الباحثين، وما لعبن في حياة القبائل وتطويرها وتثقيفها، وفي حياة مواقفها وادبياتها والمواقف السياسية، وحتى في الجوانب السياسية والاقتصادية ومنها الادب والتجارة .

ان اشكاليات النظر الى حقوق المرأة تكمن في استنساخ خصوصيات مجتمع ما بخصوص حقوق المرأة ومحاولة تطبيقه دون احترام لخصوصيات مجتمعنا التي ان سلمنا للسلبيات وهي صفة لا يخلو منها اي مجتمع وان كان متطورا، فاننا سنتجاهل القيم الايجابية الغنية في مجتمعاتنا في عملية النسخ وليس الاختيار والاستفادة، واهمال الخصوصيات شكل عائقا لتطور مفاهيم الحقوق والواجبات على كل الاصعدة فضلا عن حقوق المرأة واطر الحرية للمجتمع .

ان الرجل والمرأة توأمان روحيان، هكذا خلقهما الله عزوجل ليضيفا للكون معنى السعي للمحبة والتكامل، فوعي مسؤوليات المرأة من قبلنا يذيب الفوارق، ولا أعني المساوات لان الجانب البايلوجي لابد من احترامه علميا واخلاقيا،  بل الوعي هو الكشف عن اهمية النساء في المجتمع .

فالمرأة قيمة ربانية خلقت فضلا عن ما تضيفه من شعور بالبهجة والسعادة، فانها كيان من الدعم النفسي والمعنوي، من خلال امكانياتها على تعزيز الثقة بالنفس، وتنشطيط القوّة الذهنية في الاسرة والمجتمع لميزة قوة مشاعرها، وتساعد في التخفيف من الاكتئاب والتخلص من الشعور بالقلق في مقابل الشعور بالأمل وانبعاث الطاقة والتفكير الإيجابي.

عندما انظر الى نفسي فاشعر ان امي المرأة التي ربتني تربية جيدة اذا هي متعلمة مثقفة متربية اديبة، هذه النظرة تنعكس لاعامل كل النساء على اساسها، والعكس صحيح، وهذه هي النظرة الاولى للمجتمع والمراة في حياتنا عند البحث عن حقوق المرأة وتاتي بعدها الخطوات الثانية ..

شخصيا لا ارى علاقة للحقوق  في الاختلاط ان وجد او لم يوجد، ولا في المصافحة، وامثال ذلك، فهذه نتائج معتقدات ليس حقوقا للمراة او الرجل، او يعتمد تطور المجتمع وتنوره على ذلك، ومن المؤسف ان يحصر الكثير من الكتاب والمثقفين حرية المرأة والرجل بهذه الامور، فهذا ليس وعيا لحرية المرأة وحقوقها، ان الحقوق تتعلق بالتعليم هذا اهم شيء كخطة واعية، مع تشريعات وقوانين داعمة لذلك، ومهما عبرنا عن هذه الحقوق فلا يمكننا ان نعبر عنها بنفس مستوى تعبير المرأة عن حقوقها وتشريعاتها والقوانين الضرورية، فهي اعرف بحاجاتها وبتكوينها وعلى الرجل احترام ذلك، ويكون دوره مساعدا .

العادات ليست سياطا والتقاليد الاجتماعية ليست مانعة، فانهما من مفاصل الحياة التي يجب ان نعيشها، ولا تدار الا بالقوانين والتعليم وبخطوات متدرجة، فالقفزات اثبتت انها كارثية على الصعيد الاقتصاي والسياسي والاجتماعي، وكانت المرأة العراقية المتضرر الاول من هذه الفوضى والتخطبط، فلا يوجد هناك حيف كما يذهب البعض، بل هناك فوضى قوانين وثقافة، وارتباك بالاراء، تعرقل الوعي بدور المرأة، رغم انها تثبت وجودها دائما .

المرأة رسول الأجيال للعلى، وتنعش المستقبل ضد جاهلية الايام، وان التخلي عن المرأة كان من أسباب كوارث المجتمعات ..

وكما تقاس حضارة الشعوب على أساس ما تعلمت فيها من النساء، تقاس اخلاقيات المجتمعات بمستوى ما أضافت النساء من تربية وتعليم للجيال، فاذا نام الابناء على امهات غير متعلمات ستستيقظ الايام على عصر من جهل، فجميع الاجيال هي بذرة امرأة تزرعها في الحياة ..

 

بهاء الدين الخاقاني

........................

- القيت في احتفالية منظمة حقوق الانسان العراقية الامريكية

 

تُعتبر الزيارة الحالية للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز الى آسيا مؤشراً آخرا لعزم الحكومة السعودية على اصلاح اقتصادها من خلال جذب الاستثمارات اليابانية والصينية . هذه الزيارة،  الى جانب حزمة من التغييرات المالية في الداخل وما متوقع حدوثه من اكتتاب اولي (IPO) لسندات شركة ارامكو- الشركة الوطنية للبترول والغاز الطبيعي،  كل ذلك يؤكد اعتراف المملكة بالحاجة للتخلص من الاعتماد على البترول،   وهو الاعتراف الذي جاء كنتيجة لفشل السياسات السعودية من عام 2014 حتى عام 2016 والذي اجبر الرياض على القبول بحقيقة ان زمن السيطرة على اسواق البترول قد ولّى.

ان استراتيجية السعوديين اثناء حرب الانتاج كانت إبقاء إمدادات البترول تتدفق على أمل إضعاف اثنين من المنتجين الآخرين وهما ايران والولايات المتحدة. ايران كانت دائما تتمتع بالقدرة الكامنة على انتزاع السيطرة على اسواق البترول من المملكة العربية السعودية،  لكن شلل العقوبات الدولية المفروضة عليها منعها من القيام بذلك،   لكنها وبعد الاتفاق النووي مع الغرب اصبحت تشكل تهديدا متزايدا للمملكة السعودية.

وفي نفس الوقت،  شكلت صناعة البترول الامريكية تحديا جديدا. في عام 2015،  وبعد عقد من الابتكارات التكنلوجية،  بما فيها استخدام اختبارات الرصد الزلزالي اللاسلكي وأتمتة مختلف وظائف منصات البترول،  تكون هذه الصناعة المتطورة قد انتزعت الدور الريادي للملكة السعودية كقائد للانتاج العالمي.

وفي ضوء تآكل حصتها من السوق،  رفضت الرياض خفض الانتاج،  وبدلا من ذلك قامت بزيادة العرض . وفي عام 2016 وضعت السعودية ارقام جديدة لمستويات انتاجها لكي تُبقي العرض العالمي عاليا والأسعار منخفضة. وبهذا العمل،  راهنت الرياض على انها يمكنها النجاة من انهيار الاسعار بما لديها من نصف ترليون دولار من احتياطيات الصرف الاجنبي،  بينما سيواجه منافساها من الامريكيين والايرانيين   المزيد من الضغوط المالية والتي ستدفعهما للانسحاب من السباق. كان هذا خروجا واضحا عن الاستراتيجية السعودية في الماضي والتي فضلت خفض الانتاج لتنظيم العرض وإبقاء الاسعار مرتفعة.

غير ان حرب الانتاج النفطية السعودية كانت مكلفة،   حيث ان الهبوط الحاد في اسعار البترول كانت نتيجته الإضرار بالتمويل السعودي،   ففي الفترة بين عام 2014  و 2016 هبط الاحتياطي السعودي من 746 بليون دولار الى 536 بليون دولار وهو الحدث الذي أفرغ خزائن المملكة كليا في غضون نصف عقد. هذا الهبوط في عائدات البترول وبالتزامن مع تصاعد تكاليف الحرب في اليمن والسخاء المفرط في نظام الإعانات وخفض الضرائب،  كل ذلك قاد الى موقف لا يمكن المحافظة عليه. فكان من المدهش ان لا يوافق احد من الأعضاء الآخرين لمنظمة اوبك على خفض الانتاج عندما أعلنت الرياض وقف حربها البترولية .

ربما تكون هناك جدوى للانتاج السعودي المفرط  لو ادّى لهزيمة ايران او الولايات المتحدة،  ولكن بدلا من ذلك،  كانت العربية السعودية هي الضحية الكبرى. وفي ضوء قساوة العقوبات المفروضة على ايران،  كانت الاخيرة مجبرة على الاستفادة من اي صادرات بترولية،  مهما كان الانخفاض الحاد في السعر. وبالرغم من الضرر البالغ  للسعر المنخفض على منتجي الزيت الصخري الامريكي،  لكن اولئك المنتجين استمروا باحتفاظهم بالمزايا  التنافسية بسبب ما بحوزتهم من تكنلوجيا الاستكشاف المتطورة.

ان ضغط انخفاض الاسعار دفع المنتجين الامريكيين للتركيز كثيرا على خفض التكاليف والأتمتة وزيادة الفاعلية الكلية لكي يخفضوا سعر التعادل (سعر اللاربح واللاخسارة) breakeven. المنتجون الامريكيون هم على مسافة بعيدة امام منافسيهم في السباق في معظم انحاء العالم بما في ذلك المملكة السعودية. ذلك بسبب ان خبراء الولايات المتحدة كانوا لوقت طويل يطورون تكنلوجيات جديدة لكي يحصل المنتجون الامريكيون على المزيد من البترول من عملياتهم في الخارج. اولئك الخبراء نقلوا الآن تكنلوجياتهم الى داخل البلاد. الولايات المتحدة اصبحت واحدة من مراكز الابتكارات التكنلوجية في مجال التكسير والحفر الافقي . هذا يفسر لماذا اسست ارامكو السعودية مركزا للابحاث في مدينة هيوستن لاستكشاف استخدام انتاج الغاز والبترول اللاتقليديين.

ان السعودية،  بالطبع لم يحالفها الحظ . نموها يتراجع ونسبة ديونها للمخرجات الاقتصادية تتزايد. لهذه الاسباب تتصاعد كلفة اقتراضها،  اما وكالات التصنيف الأئتمانية الكبرى مثل Fitch و Standard&poor و Moody فقد خفضت التصنيف الائتماني للسعودية في عام 2016. ونتيجة لهذه الصعوبات،  سعت السعودية لدعم اقتصادها بمختلف الطرق. احد الاجراءات اللامسبوقة كانت طرح 5% من اسهم شركة ارامكو الوطنية للغاز والبترول السعودي للاكتتاب العام والذي سيحدث في العام القادم وهو سيكون اكبر طرح اولي في التاريخ. في رحلته الى اسيا،  يسعى الملك سلمان لجذب المستثمرين لهذا الطرح الاولي. هونك كونك وبفعل ارتباطها بالاسواق الصينية ستعمل كجسر بين ارامكو السعودية وجيوب المستثمرين الصينيين.

ان الاصلاحات المالية في الداخل هي ايضا غير مسبوقة. انها تتضمن زيادة الضرائب غير المباشرة ورسوم التأشيرات وتخفيض خطط المشارع العامة في مجال النقل والاسكان وقطاع الرعاية الصحية. غير ان الشيء الملفت هو خطط السعودية في التحول من السنة القمرية الاسلامية التي عدد ايامها 354 يوما الى السنة الغربية الميلادية وعدد ايامها 365 يوما بما يسمح للحكومة  توفير اجور عمل 11 يوم من رواتب العاملين في الدولة .

كانت العربية السعودية حتى قبل انخفاض اسعار البترول  تعلم سلفا بانها في المستقبل غير البعيد ستحتاج لتنظيم وتنويع اقتصادها. وهذا ما دفعها لتطوير قطاعات جديدة غير نفطية مثل الطاقة المتجددة وصناعة الالبان . غير ان  تلك السياسة بقيت  تتحرك بوتيرة خجولة،  حتى جاءت حرب البترول لتكشف  ان التغيير البطيء لم يعد خياراً.

الشؤؤن الخارجية

 Foreign Affairs,13 march 2017

 

حاتم حميد محسن

 

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا من سورة الحجرات 13

 أحبكم عند الله أحبكم لخلقه حديث نبوي شريف

 الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو أخ لك في الخلق .علي بن أبي طالب، من كتاب نهج البلاغة.

علينا أن نتعلم كيف أن نتعايش جميعا كبشر وكإخوة، وإلا فسوف نموت جميعاكأعداء وكأغبياء . مارتن لوثر كينغ

 كل إنسان يحمل في داخله الشكل الكامل للشرط الإنساني مونتين

 العلوم التقنية في تطور، الفلسفات تملؤالكتب، والإبداعات تغشى الآفاق والمتاحف والمعارض، ومع ذلك فالبشرية في المزيد من الإنحرافات، الجهل يغمرالعقول أكثر مما مضى، همجيات الحروب أصبحت هي القاعدة، والمشاكل الإنسانية تتغول والحلول تستعصي، والنهاية تتهدد الكرة الأرضية، فأصبح يتعلق الأمر الآن-وبإستعجال-بتعليم الإنسانية للإنسانية رودريغيز دو زاياس Rodrigo de Zayas:

فما أصغرذلك الشئ البديع المسمى ب الإنسان ومقارنته بتلك الأشياء الجليلة الجميلة والكبيرة التي تسمى ب الدنيا ، التي ما كانت لتكون، لولاوجود ذلكم الإنسان ...

فوضى البشرية ونهاية الحضارة

 لقد قيل لنا أن الديموقراطية إنتصرت بموجب النظام العالمي الجديد، وسيكون المستقبل للعلم ولحقوق الإنسان، وأن العقل قدإنتصر، والتاريخ بلغ نهايته، وحالما ننظرمن حولنا، نلاحظ أن الواقع لا يتوافق البتة مع الشعارات المرفوعة: فالتزمت إنتشربشكل مخيف، والخرافات والمعتقدات المزيفة إكتست القلوب والعقول. المفكر الفرنسي فيليب سولرس Philippe Sollers قال لنا المفكر والحكيم الصيني Yan Fu يان فو (المتوفي في عشرينات القرن الماضي الذي كانت ترجماته للتفكير الفلسفي الغربي إلى الصينية تأثيركبير في الفكر الصيني والغربي معا) بأنه يمكن تلخيص المسار التطوري للتقدم الغربي في الثلاثمائة سنة الماضية في هذه الكلمات الأربع: الأنانية، والمجازر، والفساد، والمجون ولم يستغرق الأمر سوى ثلاثمائة عام لكي يفهم العالم ذلك الشرالكتوم والمتربص وراء الحضارة الغربية ولعل المناهضين لتلك الحضارة حتى من داخل الغرب نفسه قد ساعد على ظهورقوى جديدة ساعدت على معرفة حقيقة الغربوأي شخص يشك في مسؤولية الغرب الأوروبي الولايات المتحدة وإسرائيل، في الفوضى الحالية التي أشاعوهافي العالم ، عليه أن يقرأ التاريخ الغير المروي للولايات المتحدة The Untold History of the United States الذي فصل فيه الكاتبان الأمريكيان أوليفر ستون وبيتيركزنيكOliver Stone و Peter Kuznickلبشاعة الغرب في مرحلته التطورية القصوى، المتمثلة في الولايات المتحدة .

كما أنه لن يستطيع أي باحث في سائر العلوم الإنسانية والتاريخ المقارن، أوالإثنولوجيات، والإنثروبولوجيات وتخصصاتها بكل مدارسها، منذ البدايات الجدية لشرعنة علوم الأناسة في الغرب منذ القرن السابع عشر: أن يثبت لنا وجود مرجع أكاديمي موثق يتضمن ما يسمى ب حوار الحضارات ، ولوزرت كل المكتبات وتغشيت كل المنتديات الفكرية المغلقة والمفتوحة في مدينة العلم والفن والثقافة: باريس من أجل أن تجد موضوعا أو مبحثا جادا حول حوار الحضارات والثقافات الإنسانية- لما وجدت بغيتك – اللهم سوى حوارات التطبيع مع القذارات الغربية تحت مسميات الإنفتاح وضرورة التأقلم مع الواقع المعاش والأمرالواقع وقبول التفوقية الغربية، لتفرد الغرب ب حصرانية العقلنة l'exclusivité de la rationalité وبالتالي فلا يمكن مقارنة الذي هو أدنى بالذي هو أعلا. (اللهم إلا إذا كان تنظيم معرض للأكل التقليدي والقفطان المغربيان في عاصمة المرابطين مراكش، والترويج للموسيقى المغربية الأندلسية بتل أبيب على أنها موسيقى عبرية أما م صمت خبراء الموسيقى المغاربة والعرب ب حوارحضاري فبأس الحوار وخسأ معتنقوه )

وما شغفُ المفكرين منذ التسعينات باللهث وراء براديغمات المابعد سوى تعبيرا عن الإنهاك الذي أصبحت تعاني منه اليوم المنظومات الفكرية مما يدل على العقم الذي أصاب الفكرالإنساني عموما، حيث أغرقتنا الأسواق الفكرية الغربية منذ عقود، بمقولات الما بعد ، عندما أصرالغرب بعد نهاية الحرب الباردة على: إنهاء الحضارة و نعي الإنسانية ونهاية المثال بالترويج إلى أطروحات نهاية الإنسان ، ونهاية التاريخ، ونهاية الحضارة، لتعودالبشرية الى ظلمات ما قبل التاريخ، وما قبل الحضارة، وما قبل الإنسان، لتُفرَض في نهاية الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين على الشعوب كحالات –عملاتية- بالحروب الهمجية في الزمن الذي كان من المفترض أن يبلغ فيه العقل البشري مداه وتعم الأنوارالكانطية -الهيغلية سائرالبشرية، ويصل النوروالتنويرالفولتيري إلى عقول سمج سكان سحيق مجاهيل الأدغال بإفريقيا، لتكتمل الدورة الحضارية الإنسانية الخلاقة، ويبلغ الإنسان غاياته، إن تحليل ودراسة كل هذه الترهات، تجعلنا على يقين بإنه لايمكن–فقط-إرجاع الإنحطاط النوعي والقيمي الحالي للإنسان المعاصر، إلى عدم إستيعاب النخب الثالثية للمعميات الغيرالمفهومة، لفلسفة التاريخ الهيغلية المدعية التفسيرالنهائي اليقييني للطبيعة الكينونة والوجودية للأمم والشعوب والحضارات، أوإلى مسوغات المقولات السوسيولوجية الدوركايمية التهريجية، القائلة ببدائيات أعراق بعض الشعوب المنحطة(الغيرالبيضاء)وبالأصول الحيوانية للبعض الآخر، كنطريات خولت ل عقلنة إستعمارالشعوب المدجنة الهمجية، وسوغت لشرعنة المنقبات الكولونيالية، وإلباسها مسوحا أخلاقية وإنسانية، تطبيقا لتنويرية نظرية وطأة الرجل الأبيض le «fardeau de l'homme blanc - وواجبه المقدس والأخلاقي والإنساني، في إحتلال الشعوب الدونية للبريطاني كيبلين Kipling التي بموجبها توجت هذاءاته بمنحه جائزة نوبل للأداب عام 1907، ثم قام بتحيينها وتطبيقها على الميدان البجيوسياسي المفكر التنويري ووزير التربية والتعليم الفرنسي جول فيري في عشرينات القرن الماضي، ( لتسويغ إحتلال المغرب وتونس ونهب أطنان الذهب من الكونغوالتي لولاها لما تمكن الفرنسيون من شراء الأسلحة الأمريكية حيث إشترط روزفلت الدفع ذهبا ) ,أوالترويج لطروحات تخذيرات أفيونية الديانات (التي تم إخراجها عن سياق قائلها ماركس)، ثم تبين لاحقا، أن هذه النظريات مجرد غنوصيات فكرانية إدعائية، وخزعبلات إرتدت لباس العلم والمنهجلوجيا، التي تبهر سفهاء مثقفي الأقوام الجوعانة، والتي لم يعد لها ذكرمن برشلونة إلى سيدني، ولم ترالشعوب المُحَقًرة من تنويرات الغرب الأنواري : الفرانكوفوني والأنغلوساكسوني سوى وعد بلفور وإتفاقية سايكس–بيكو ومعلمات الإستعمار، ومنقبات القرصنة والإحتلال، واللصوصيات المالية ونهب الخيرات، وتنصيب أنظمة كهوفية قبورية، والدفاع عنها بشراسة بالظفروالناب، ..كما لم يثبت قط أن هذا الغرب الملائكي الديموقراطي العقلاني روج لقيمه ومبادئه وتصوراته، بالتبليغ بالتي هي أحسن وبالعلم والتسامح والتحاورب العقل ، بل بالسلب وبالترهيب بالحديد والنار.

بل إن الإسباب الرئيسة للإنحطاط الفعلي للإنسانية اليوم، تعود إلى النهم المفرط لتلك الأقليات من النخبوية الخفية الجشعة الشريرة المهيمنة، التي تسيرالأنظمة والحكومات العالمية، وتحرك العقول المسترزقة، وتضع الخطوط العريضة للتفاكيرالتلفسفية الجديدة وتستنعج بلهاء المتلقين بالتوجيه الثقافوي المخذرللعقل، والسيطرة على الإعلام القطري والدولي، من إجل أغراض شيطانية-متسترة وراء كل الأسماء والمسميات المتعالمة المتغيرة، والمتلونة البراقة، التي يعجزعباقرة متدكترينا-المنشغلين والمشتغلين بتوضيح معمياتها التي مهمة التفلسف الفلسفة–بالرغم من كثرة ضخ هذاءات الطوطولوجيات Tautologie اليومية للمتفلسفين العرب الجدد ..، مادام التفلسف–هو: أن ينسجم المتفلسف مع عقله ومن حيث ان الفلسفة أيضا بالإصطلاح-هي: فن التفكيرالمنفتح والمتصل بفن العيش، ومن حيث هي أيضا: بناء للأنساق وبلورة للأطروحات والحجج والنظريات ونقد للخرافات، وتبديد للأحكام المسبقة وللإيديولوجيات وليست هي ملكة الشطارات ، والقدرة على الإستظهارالإستعباطي الفج للمقولات والفلسفات.

وبالنتيجة: وبعيدا عن لغط المتفلسفين العرب الجدد، ومثقفيهم النرجسيين، البعيدين كل البعد عن مسايرة التطورات الإبيستولوجيا في الغرب منذ نهاية الستينات، والتي أعلنت إفلاسها النهائي ونهاية الأطروحات مع بدايات التسعينات، حيث ما تزال نخبنا المستهبلة مكتفية بضخ الإستظاهرات المحنطة الفجة الفكرانية الغربية البائدة، التي لم يعد لها ذكرعلى الإطلاق في المنتديات الغربية، لنؤكد لهؤلاء هنا: بإن مراكزالبحوث في الغرب (أوروبا الغربية والولايات المتحدة وإسرائيل) المتخصصة في مجالات علوم الأناسة، والعلوم السياسية، والأنثروبولوجيات ووالعلاقات الدولية، ما فتئت تعاني من كل أنواع الخبط والخلط، ويزداد مفكروها إرباكا كل صبيحة يوم منذ نهاية الحرب الباردة، لكون المتخصصين في الغرب، قد فقدوا كل المرجعيات المتضمنة للمعاني والغايات والقصديات، التي أوجدها العقل الغربي نفسه منذ القرن التاسع عشر التي خف إشعاعها في الغرب نفسه مع تساؤلات العقل الغربي المتنور حول عبثية وبربرية الحروب الأوربية التي صدمت لاعقلانية الغرب نفسه وهمجيته ذلكم العقل الهيغلي–الكانطي– الدياليكتيكي. مما أدخل الفكرالإنساني كله في عصرجديد قد نسميه ما بعد المعرفة الذي هوعصر الأزمات الفكرية والهمجيات الحربية، وعصرالإنهاك والتوترات الفكرية والسياسية، كعصرإتسم بالزوروالخداع والبهتان، وغياب النظريات الكبرى المبدعة، بسبب تهاوي الإطارات المفاهيمية الشمولية المطيحة بكل الثوابت المعرفية، التي كانت تتحكم في الفكرالغربي إغريقيته إلى ما بعيد الحرب العالمية الثانية، حيث طغت على الفكر الغربي اليوم–بموجب رشوة أموال مارشال الأمريكية، -المسببة في خيانة عمالقة المفكرين والمبدعين والكاتبين–تعرض لهؤلاء زمنها كل من جورج أوريل وأليكسيس كارلايل اللذين تأثرا بآخرسيد الفكر الغربي منذ العشرينات روني غينون René Guénon،

وتفاقمت الأزمة الفكرية مع الخمسينات، ولم تظهرعلى الآفاق في الستينات أية بدائل قيمية من شأنها إنارة العقول المفكرة من أجل ترشيد البشرية على كافة المستويات، حيث بلغت الأزمة ذروتها مع نهاية الحرب الباردةـ المؤدية الى سيطرة التشويش على المستوين الثقافي والتفكير الستراتيجي، فهيمن الفراغ المرعب على المستوى التنظيري، فماتت البراديغمات الكلاسيكية كلها، ولم يعد هناك أي فكريمتلك القدرة التفسيرية لما يحدث الآن .

ولا يبدو في الآفاق-على المستوى المنظور -أنه سيتم إيجاد أي نسق نظري معرفي مفاهيمي، قادرعلى فهم وإستيعاب التحولات الجذرية السريعة الخطرة التي تحدث اليوم، تترجمها مهازل سيرك الإنتخابات الأمريكية والفرنسية والألمانية، والنظريات الفارغة المتسارعة اللامجدية تتبدى في التخبط في الشأن الإرهابي، والداعشي، والفلسطيني، والعربي والإسلامي والسوري والعراقي والليبي والخليجي والمغاربي واللاديني، ومهارات العولمة، والحروب الكبرى القادمة والمجاعات والأزمات المالية والمصرفية ووالهجرات العشوائية والحروب الأهلية المهددة للبشرية في كل بقاع العالم من الولايات المتحدة إلى الموزامبيق تفسرها; وتخبط الشعوب الأوروبية في الإختيار السليم للزعيم والقائد المناهض للنظام ، والعصي عن التدجين والخارج عن جوقة العولمة والأطلسي، فتقوقعت الشعوب الغربية على نفسها، و لم تعد تمتلك لنفسها أية حلول، لفقدانها الثقة في ثقافات الأنوار والتثوير وأطروحات التثوير (80 بالمائة من الشباب الفرنسي لا يثق في الساسة او في النخب المثقفة) فبدأت الشعوب الغربية تسوط على أحزاب وطنية محلية ذات الصبغة الدينية والقومية لتركب القطار الترامبي ، أو الروسي، عندما أدركت بفطرتها أنه يتم إستغفالها بالإستمراروعلى الدوام، مما يؤشر للمستقبل البشري المظلم، مادام: مبدأ اللايقين هو المبدأ الذي يحكم سير العالم منذ نهاية الحرب الباردة – حسب تعبير راموني إيغناسيو Ramonet Ignacio كما فسره في مبحثه في التسعينات عالم جديد Un nouveau monde

للبحث بقية

 

 

الواقع العربي يعج بالأمراض الفكرية المتنوعة السارية والمعدية الوبائية الطباع والسلوك، وتغيب عنه القدرات الوقائية والعلاجية الكفيلة بمعافاة النفس والعقل والروح.

وهذا الواقع الرازخ تحت صولات الجراثيم الفكرية القادمة إليه كالعواصف والزوابع والأعاصير من كل حدب وصوب، تجده مُبتلى بسلوكيات ذات طبائع المتواليات الهندسية الفتاكة المتفاقمة الجرارة التي تنسف جوهر كينونته وأسس هويته، وتلقي به في غياهب الإنمحاق والإنقراض الأبيد.

والعلة الفادحة المخاطر، أن الأمة فيها مفكرون لكنهم يجسدون ويعبرون عن الأمراض الفكرية ويصفونها ويعرّفونها، لكنهم يقفون بلا قدرة معاصرة على المواجهة العملية، وبعجز مطلق عن إيجاد الحلول والمعالجات الكفيلة بصناعة الحياة الصالحة الطيبة.

المفكرون العرب يصفون علل الأمة وهمُ العلل الفاعلة فيها، ذلك أنهم ينحسرون في أنفاق تحليلية ماضوية ويفسرون ويؤولون وحسب، وما قدموا مشروعا علاجيا يشفي أمراض الفكر العربي ويحرر الأمة من جراثيم الأفكار السيئة ومفردات السلوك السقيم.

ذلك واقع مرير وحقيقة مأساوية نغفلها وننكرها ونُسقطها على الآخرين، ولا نرى بوضوح الأسباب التي أوجدتها وأسهمت في ديموتها وإزمانها وتعقيدها.

فالوجود البشري لا يمكنه أن يكون متوافقا مع إرادة الحياة من غير المفكرين المتمكنين من الوصف والتشخيض والعلاج، وهذا المنهج يسري في جميع الأمم والشعوب وعبر العصور، فلا توجد أمة نبغت وتألقت من غير العقول المفكرة التي ترتكز في إقتراباتها ومناهجها على هذه الأسس الثلاثة، والأمة تكونت عندما إمتلكت مفكرين بهذه القدرات والقابليات الحضارية، وتدهورت بغيابهم وإنغلاقهم وتصاغرهم.

فالمفكر العربي تجده يتوقف عند حالة الوصف والتشريح الدقيق لعلل الأمة، لكنه يعجز تماما عن التشخيص ولا يمكنه أن يأتي بعلاج أو دواء صالح للحياة، وإنما تكون مساهماته سلبية، بمعنى أنه يعزز ويسوّغ ويبرر المرض ويتنبأ بإزمانه وتعقده، ولا يستطيع الإتيان بآلية تفكير أخرى تؤدي إلى ردعه ومحاصرته ومعالجته.

ولهذا فأن الأمراض الفكرية تدور بعنفوان في أرجاء الأمة، وصار المرض الفكري الديني على رأسها، لأن العقول تعطلت ومُنعت وخافت من الحقيقة والسؤال والشك والبحث عن الصدق فيما تقوله وتراه، فصارت ذات طبائع إنهزامية إندحارية إنزوائية مدمرة للحاضر والمستقبل، وتراكمت هذه الإقترابات السلبية التي برمجت العقل وفقا لآلياتها الإنكسارية، فأمعن الوجود العربي بالدونية والتبعية والإنحطاطية المقرفة التي شملت الأخلاق والسلوك والمعتقد والرؤى والتصورات، فإنتفت الأخلاق الحميدة وساد القاسد والقبيح وتألق الإثم والعدوان وعمّ الخراب الديار والأوطان.

ويبدو جليا أن الأمة تعيش محنة فكرية خانقة وتتشوق لأطواق نجاة فكرية تخلصها من مخاطر الغرق في يمّ الضلال والبهتان المهين، خصوصا وقد تكاثر أئمة الدجل والمتاجرة بالدين وإعتبار البشر بضائع بخسة وأرقام على يسار الكراسي والعمائم واللحى وغيرها من أقنعة التدمير للإنسان.

وبرغم إمتلاك المضللين والمتاجرين بالبشر وسائل بث السموم الفكرية وتعزيز الإنحرافات السلوكية وتبرير المآثم بما يحلوا لهم من المجتزءات والتأويلات التدميرية والتي تدر عليهم أرباحا هائلة، فأن المفكر العربي المعاصر مطالب بوعي حقيقة المشكلة وضرورة المواجهة والطرح التنويري التحفيزي اليقظوي القادر على إستنهاض الأمة من رقدة الإنحلال والتمزق والإبادة الحضارية الجارية في ربوعها.

إذ تقع على عاتق المفكر العربي اليوم مسؤولية جسيمة تستدعي إستحضار الإرادة العربية القويمة السليمة الأبية المتحدية، المؤمنة بأن الغد سيكون أفضل بالجد والإجتهاد والإبداع الصائب للمعالجات والحلول الكفيلة بإستخراج جوهر الأمة وتأكيده في نهارات الكينونة العربية الكبرى.

إن إفتقار الأمة للمفكرين المعالجين والمتفاعلين مع همومها وتحدياتها، لهو الطاعون الأكبر الذي أصابها، وعليها أن تشفى منه وتستحضر ما فيها من طاقات الإقتدار والتخلق الحضاري المنير.

فالأمة فيها من كنوز الفكر والثقافة ما لا يوجد عند أمم أخرى غيرها، وما كُتِب باللغة العربية من كتب في الزمن العربي المشرق يفوق ما كتبته جميع الأمم عبر العصور، وبرغم ما تعرضت له خزائنها المعرفية والفكرية من إتلاف وتدمير وإحراق وإغراق، لكنها لا تزال ثرية بالمخطوطات والكتب المحفوظة في مكتباتها وحزائن الدنيا المتقدمة عليها، والتي إستقت منطلقات صيرورتها من فكرها ورؤاها المشرقة.

ومن هنا فأن الدعوة لإقتراب فكري متكامل هو الخطوة القدّاحة المشافية الكفيلة بإنقاذ الأمة من محنتها الفكرية،  التي تغطس فيها وتئن من أوجاعها وجراحها ووعيدها الخيّاب.

والعلاج الفكري هو العلاج الأنجع لأمراض الأمة وويلاتها وتداعياتها المتراكمة، ومشاكلها المتوالدة من رحم الجهل المقيت الذي تندفن فيه الأجيال، وكأنها لم تسمع "إقرأ"، ولم تُصدع بإرادتها وأنوارها الإدراكية واليقينية المجلجلة في أرجاء الأعماق البشرية.

وهذا العلاج لا يكتفي بالوصف وحسب وإنما عليه أن يبتكر آليات تشحيصية وأدوات علاجية، وأساليب متابعة ووقاية تمنع الإصابة بفيروسات الطاعون الفكري الذي يصيب المجتمع العربي بين آونة وأخرى ويتسبب بإنهيارات قيمية وعقائدية مفجعة.

ومن هنا فالدعوة إلى شحذ الهمم الفكرية والقدرات العقلية للوصول إلى العلاج الشافي يتطلب إصرارا وتواصلا، لكي تنطلق مواكب التنوير والتأهيل الفكري القادرة على إنتشال الأمة من أوحال الوجيع وأغادير النجيع الغارقة فيها، وهي تنادي أبناءها أن يهبّوا لإنقاذها وإحيائها من جديد.

ومن الواضح أن العقل النفسي العربي يجب أن يكون له الدور الريادي والقيادي في هذا الشأن، فالأمة كالمريض النفسي الذي بحاجة إلى إقترابات متنوعة متفاعلة وذات هدف مشترك تتكاتف جميع الجهود لتحقيقه، وهذا الهدف هو شفاء الأمة من الأمراض الفكرية العاصفة في كيانها والمخربة لأبدانها الوطنية والروحية والأخلاقية، والتي حوّلتها إلى خراب ومشاريع نكوص وإضطراب.

فهل سيتمكن العقل النفسي العربي من الريادة والقيادة والتفاعل الإيجابي مع العقول الأصيلة، لكي تستعيد الأمة قامتها المستقيمة المديدة المتوجة بالإشراق الحضاري المطلق؟!!

تساؤل أضعه أمام المفكرين والمثقفين والنفسانيين العرب في كل مكان، فهل من جواب؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

التلخيص بالعربية: إنّ تنامي ظاهرة البطالة في العالم، وما انجرّ عنها من انعكاسات سلبية على السلم الاجتماعي، جعلها موضوع بحث ومتابعة من قبل الخبراء في الاقتصاد والسياسة، وقد استأثرت خاصّة باهتمام الباحثين في علم الاجتماع.

وبناء على ما تقدّم، سنحاول في هذا المقال التعرّض للدور البارز الذي تلعبه المؤسسات الاقتصادية  والاجتماعية في مجابهة ظاهرة البطالة التي يعيشها أصحاب الشهائد العليا خاصّة. ولمقاربة هذه الظاهرة، سنعتمد على مقال لـــ مارسيا فلتير حول المؤسسات والادماج المهني للشباب في مقاطعة الكيباك .

Résumé en francais

La croissance du chômage، et ses répercussions négatives sur l'échelle sociale، attirent l’attention des experts en économie، en politique et surtout les chercheurs en sociologie. En se basant sur ce qui précède، nous allons essayer dans cet article de montrer le rôle joué par les institutions économiques et sociales pour faire face au phénomène du chômage. Pour aborder ce phénomène، nous nous appuierons sur un article de Marcia Vultur « les institutions et l'intégration professionnelle des jeunes dans la province de Québec ».

 

تقديم

في غضون الخمس والعشرين سنة الأخيرة، شهد العالم جملة من التحولات ومن أهمها إدماج الشباب في سوق الشغل . وقد صاحب عملية الإدماج هذه جملة من التعقيدات والتغيّرات التي طالت المؤسسات الاقتصادية وطبيعة سوق الشغل .

ومن خلال قراءة لمقال Mercia Vultur حول المؤسسات والإدماج المهني للشباب في مقاطعة الكيباك سنتناول بالتحليل :

1- ظروف إدماج شباب هذه المقاطعة في سوق الشغل.

2- الاستراتيجيات المعتمدة من قبل المؤسسات لانتداب الشباب وإدماجهم في سوق الشغل3

3- تقديم معطيات إحصائية حول انخراط الشباب في منظومة النماذج الإنتاجية الجديدة .

1- ظروف إدماج الشباب في سوق الشغل:

إنّ نظرة تأمّلية لواقع الشباب في مقاطعة الكيباك، تجعلنا نتبيّن جملة من الإرهاصات التي ميزته، ومن أهمها ظاهرة البطالة . ولعل الأرقام والإحصائيات تفسر دلاليا وكميّا وضعية الشباب العاطل عن العمل حيث بلغت نسبة بطالة الشباب 12.90% من مجموع السكان النشيطين سنة 2008 .

ورغم هذه الوضعية، لا ننكر وجود جملة من الايجابيات، ذلك أن نسبة البطالة في صفوف الشباب تبقى أقل من إجمالي النشيطين إضافة إلى وجود العديد من الشباب الذين يشتغلون ضمن أعمال مؤقتة أو بالأحرى هشة .

وهذه الظاهرة انتشرت أكثر في السنوات الأخيرة، فمثلا شهدت ظاهرة البطالة خلال الفترة الممتدة بين 1996 و2007 أعلى نسبة ارتفاع لها وخاصة في صفوف الشريحة العمرية الواقعة بين 15 و24 سنة (من 09 إلى 16 أسبوعا) .

وإذا اتّبعنا منهجا موضوعيا قائما على المقارنة، نتبين البون الشاسع بين وضعية الشباب التونسي والشباب الكباكي، فنسبة البطالة في صفوف الشباب في تونس وخاصة حاملي الشهائد العليا قد بلغت 30.10 % سنة 2010 حسب المعهد الوطني للإحصاء.

وما يعنينا من كل هذا أن فترة بطالة الشباب الكيباكي قصيرة جدا . فهم يغيّرون من أعمالهم بصفة مستمرة، توازيا مع التغيّرات الاقتصادية والاجتماعيّة، والفترة بين 1996و2008 خير دليل على ما نقول، إذ أن أكثر عدد من النشطين والذين تبلغ نسبتهم 20 % لا يشتغلون سنويا سوى 04 أشهر، وتنحصر هذه الشريحة العمرية بين 15 سنة و24 سنة . ويعود ذلك إلى التغييرات التي تشهدها المؤسسات الاقتصادية في الكباك، حيث يتطلع الشباب إلى الاضطلاع بوظيفة جديدة مواكبة للتغيّرات الاقتصادية والتكنولوجية . وهذه التغيرات لا تشمل قطاعا بعينه بل تشمل جميع القطاعات ويبقى الشباب، خريجو النظام التربوي الأكثر حفاظا على أنشطتهم .

فمؤشر " الخبرة " من أكثر العوامل المساعدة على تفادي البطالة والحصول على شغل قار، كما يمثل التكوين حافزا رئيسيا لذلك . فالشباب غير الحاصلين على شهادات عليا يواجهون مشكلات في التشغيل وقد بيّنت الدراسات أن جلّ هؤلاء لا يتعدّون المرحلة الابتدائية أو الإعدادية .

إن النسبة المرتفعة للشغالين من أصحاب الشهائد، لا تعكس ضرورة واقع البطالة في هذه المدينة، بما أنّها شهدت بدورها جملة من التحوّلات، حيث ارتفعت نسبة بطالة أصحاب الشهائد العليا في الفترة المتراوحة بين 1999 و2007 إلى 2.9 % من مجموع العاطلين عن العمل والتي تجاوزت 04 % سنة 2000 و07 % سنة 2005 . ويواجه هؤلاء صعوبات كبيرة في الحصول على عمل قار، إذ يقضون مدّة طويلة نسبيا في البحث عن شغل . وفي سنة 2005 ارتفعت مدّة بطالة الشباب الحاصلين على شهادة البكالوريا من 9 أسابيع إلى 11 أسبوعا.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد شهدت فترة البحث عن شغل بالنسبة إلى الحاصلين على الأستاذية تمدّدا، إذ تطورت عملية البحث من 09 أسابيع بطالة إلى 14 أسبوعا . وفي هذه الفترة يعيش الشباب العاطل عن العمل بطالة " مقنّعة "déguisé " . وللوضعية الاقتصادية تأثير كبير على هذه الظاهرة .

يبقى حصول الشاب الكيباكي على شغل، رهين اختصاص شهادته العلمية، حيث أنّ البحوث الميدانية التي قام بها صاحب هذا المقال Mercia Vultur في الصين من خلال دراسة مقارنة بين طبيعة الشغل في هذا البلد وخصوصيات التشغيل في الكيباك،تبين أن الشاب الصيني لا يرتبط ضرورة بالاختصاص الذي تحدده شهادته العلمية إذ يمكن أن نجد شابا حاصلا على شهادة في ميدان الشعر poésie ويشتغل في التسويق التجاري في مؤسسة إعلامية . ومن هنا تتجلى الصرامة في ارتباط طبيعة الشغل باختصاص الشهادة العلمية في المجتمع الكباكي .

ولا يفوتنا أن نشير في هذا الصدد إلى أن الأعمال المؤقتة والأنشطة المستقلة والمتنوعة تمثل نسبة 50 % من جملة الناشطين والذين تتراوح أعمارهم بين 15 و26 سنة . وقد انتشرت هذه الظاهرة في العشرين سنة الأخيرة . وقد ساهمت هذه الأنواع من الأنشطة في تمكين الشباب من الانخراط في عالم الشغل. ويعتبر الشباب في مقاطعة الكباك الركيزة الأساسية في تطوير الأنظمة الإنتاجية وهو الهدف الرئيسي الذي تنشده المؤسسات الاقتصادية بصفة عامة .

2- الإستراتيجيات المعتمدة من قبل المؤسسات لانتداب الشباب وإدماجهم في سوق الشغل

تعطي المؤسسات أهمية قصوى في اختيار وانتقاء الفاعلين الاجتماعيين الناشطين ضمنها .ولهذا فإنها تتبع جملة من الاستراتيجيات المدروسة لتحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية ومن بينها:

أهمية المنظومة التربوية في تأهيل الشاب لسوق الشغل:

يقوم النظام التربوي بدور هام في توجيه الشاب وتحديد مساره المهني في المستقبل، من خلال رؤية واضحة لعالم سوق الشغل وذلك بالاعتماد على برامج التكوين والطرق البيداغوجية المتنوعة والتي ترتكز على التقنيات التربوية الحديثة، إضافة إلى تدعيم علاقة تواصل وتفاعل مباشر بين الطالب والمؤسسات الاقتصادية، بهدف إكسابهم الخبرة اللازمة لأعمالهم المستقبلية .

دور الدولة في تأهيل الشباب:

تقوم الدولة بتقديم كل الوسائل الكفيلة لإدماج الشباب في الحياة العملية وذلك من خلال عديد البرامج التي تساعد على الانتداب في سوق الشغل وفق آليات مضبوطة ومدروسة تمّكن الشاب من اختيار المسار المهني الذي يتوافق وتطلعاته .

 

التكوين المستمر للشاب:

تقوم المؤسسات المُشَغِلة بتكوين مستمر للطبقة الشغيلة وذلك لتحسين مرد ودية الإنتاج ومواكبة حاجيات السوق والنهوض بقدرات الشغالين المهنية.

3- تقديم معطيات كمّية حول انخراط الشباب في منظومة النماذج الإنتاجية الجديدة

كيف تقوم المؤسسات بانتداب اليد العاملة؟

للإجابة عن هذا السؤال قام صاحب هذا المقال ببحث ميداني حول كيفية انتداب العاملين واستراتيجيات انتقائهم، والذي سيعتمد من خلاله على الإحصاء الوصفي- الكمّي والإحصاء الاستدلالي في الوقت نفسه وذلك لمقاربة واقع الشباب المهني في الكيباك وانخراطه في منظومة الإنتاج والإنتاجيّة .

وشمل هذا البحث عيّنة تضم 30 مؤسسة من مقاطعة الكيباك و32 شابا مستواهم التعليمي ينحصر بين الإعدادي والثانوي . وقد قام بدراسة سوسيولوجية، ميدانية وتوصّل إلى جملة من النتائج من بينها:

- تركّز الانتداب على ثنائية العرض والطلب داخل المؤسسات الاقتصادية .

- يبقى تقييم كفاءة العامل وكيفية انتدابه في الكثير من الأحيان رهين المسألة الاديولوجية .

- المنتدبون les recruteurs لا يعتمدون فقط على الكفاءة كمقياس للانتداب بل يراعون كذلك مصالح مؤسساتهم ومحيطها الاجتماعي.

- التكوين المستمر للطبقة الشغيلة .

- في جلّ المؤسسات الصغرى، يقوم الشباب بأعمال هشة ( أعمال ثانوية ) .

- تسعى المؤسسات إلى تقديم الخبرة الكافية للشباب بهدف حسن اندماجهم في المؤسسة .

- من أهم العوامل التي يحبّذها الشاب داخل المؤسسة :

* علاقة جيّدة مع رفقاء العمل 66.30%

* مناخ ملائم داخل المؤسسة 65 %

* توقيت عمل مناسب 49 %

* 51.80 % فقط من الشباب يطالبون بالتأمين داخل المؤسسة .

* 35 % فقط يطالبون بالترفيع في الأجر .

خلاصة

و نخلص إلى أن الشباب الكيباكي على وعي بالتغيرات في مستوى الانتداب للشغل والاستراتيجيات التي تتبعها المؤسسة وكيفية الاندماج فيها .

بالإضافة إلى تأكيد دوره الهام في نمو المؤسسات وتطويرها، والدليل على ذلك أن 75 % منهم واعون بمسؤولياتهم ومستلزماتهم وأن سلوكاتهم متوافقة مع احتياجات المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية .

 

 

 

 

تقديم: تتطور المجتمعات وتتغير هذا التطور الذي يقتضي منها أن تحتفظ بما هي في حاجة إليه و تتخلى عن الباقي ، تخلق حاجات جديدة وتزول أخرى فالمهن والحرف مثلا عالم فيه الجديد والقديم فهناك مهن قد انقرضت وزالت بزوال الحاجة إليها مثل مهنة السقاء وهناك مهن تولد مع الحاجة إليها ولعلّ مهنة الكشاف أو المستكشف قد ازدهرت بعد الثورة بازدهار التهريب فما هي مهنة المستكشف  وما هي خصائصها وما هي الاستراتيجيات التي يستعملها لتجاوز الصعوبات والعراقيل ؟

1/ تعريف المستكشف أو الكشاّف:

تتطلب عمليات التهريب بالإضافة إلى المهربين والوسطاء إلى من يساعد على تامين خلو الطريق من الدوريات والحواجز الأمنية وهو ما يسمى بالكشاف والمستكشف وهو شخص يقوم بكشف الطريق والأماكن التي يمكن أن تقام فيها حواجز ديوانية أو أمنية ويقوم بإعلام المهربين بكل المستجدات ويكون ذلك مقابل مبلغ من المال أو قسط من الأرباح وهي مهنة سهلة لا تكتسي مخاطرة مقارنة بالمهرب.

2/ خصائص عمل الكشاّف:

يجب على الكشاف أن يكون دقيق الملاحظة وذا قدرة عالية على المناورة وعدم جلب الانتباه كما يتطلب أن يكون خبيرا بالطرق والمسالك التي يستعملها المهربون وتختلف طبيعة عمله باختلاف المكان ونوعية السلع المهربة و كميتها  وعادة يستعمل دراجة نارية أو سيارة تسبق الرتل     أو سيارة المهربين  كما يمكن أن تكون مجموعة من المستكشفين يعملون بشكل متوازي منهم من يبقى في المفترقات ومنهم من يتجول في الطريق والمسالك ومنهم من يراقب تحركات الدوريات الأمنية والديوانية يستعملون هواتفهم الجوالة ويتكلمون لغة مشفرة خوفا من مراقبة الهواتف عادة ما يتكلمون عن الطقس مثلا: (اشنه الدنيا عندكم / يرد الآخر: الحمد لله سافا / أو والله مغيمة الجو مش مريقل/ هكذا).

3/الاستراتيجيات التي يستعملها هؤلاء لتخطي الصعاب والعراقيل

ا/ أسلوب التخفي

يتخفى المستكشف بطرق عديدة في شكل مستعمل عادي للطريق أو أن يكون بصدد إصلاح دراجة أو سيارة معطبة أو يقوم بعمل فلاحي أو راعي أغنام أو ابل.

ب/ القدرة على المناورة والتأقلم في كل الوضعيات

 يكون المستكشف مستعد ولديه العديد من الخطط وذلك لحساسية مهنته التي يتوقف عليها نجاح عملية التهريب برمتها .

ج/ العمل بشكل فردي أو جماعي

حسب طبيعة العملية التهريبية  التي قد تتطلب تظافر جهود أكثر من مستكشف خاصة إذا كانت العملية بها سلاح أو مخدرات أو كمية كبيرة من السلع حيث يميل المهرب إلى التقليل من المخاطر. فإذا كانت بسيطة يقوم مستكشف واحد بمراقبة الطريق  أما إذا كانت عملية كبيرة من حيث الكمّية أو النوعية يعمد المستكشفون إلى العمل بشكل جماعي وعلى عدّة محاور ومسالك بالتنسيق فيما بينهم ومع المهربين.

ختاما، إنّ المهن شأنها شأن المجتمعات تتغير باستمرار وتتجدد تزامنا مع رهانات فاعليها وطموحاتهم ومواكبة للتحوّلات التكنولوجية التي أدت بالضرورة إلى نشوء مهن واندثار أخرى.

 

ماجد قروي

لقد لخَّص الامام أَميرُ المؤمنين فلسفة مفهوم الدَّولة بأَربعة مسؤوليات وواجبات إِستراتيجيَّة، كلَّما اقتربت منها عمليّاً إِقتربت من فلسفتِها ومفهومِها أَكثر، والعكس هو الصَّحيح..

ففي عهدهِ للأَشتر النَّخعي لمّا ولّاه مِصر، كتب عليه السلام يقول {هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌ أَميِرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الاْشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ: جِبْوةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا}.

إِنَّها؛

الاقتصاد

الأَمن

التَّربية والتَّعليم

البِناء والإِعمار

وفِي إطارِ هذه الواجبات لم يحدِّد الامام فئة أَو شريحة أَو مكوِّن ما في المجتمع دون آخر! ما يعني أَنَّ هذه الاستراتيجيّات الأَربع هي لِلنَّاسِ كافَّة من دون تمييزٍ أَبداً وهي من واجبات الدَّولة إِزاء كلِّ المجتمع بلا استثناء! يجب أَن يتمتَّع بها المواطن كمواطن بغضِّ النَّظر عن أَيِّ شيء.

وهنا على وجهِ التَّحديد تكون حجر الزّاوية في فلسفةِ الدَّولة المدنيَّة! العدالة والمساواة وما يتفرَّع منها وعلى المستويات الأَربعة أَعلاه، كتكافُؤ الفُرص مثلاً.

والعكس هو الصَّحيح فانَّ أَي تمييز ومن أَيّ نوعٍ كان يُعدُّ مُناقضاً لجوهرِ الدَّولة المدنيَّة بمعناها الحقيقي!.

ولقد ابتُليَ العراقيُّونَ منذ قديم الزَّمان بالتَّمييز في بلدهِم حتّى تحوَّل ذلك الى أَصلٍ من أُصول الحُكم وإِذا صادفَ وأَن عاشوا فترةً من المُساواة وعدم التَّمييز فذلك الاستثناء الذي يعجز الباحث والمتقصّي لحقائق التَّاريخ أَن يقف عليهِ لنُدرتهِ!.

ولم يشمل التَّمييز على مستوى دون آخر، وإِنّما شمِل كلَّ شيءٍ حتّى القتل! فضلاً عن التَّعليم والتَّوظيف والأَمن والاقتصاد والمستوى المعيشي وفِي كلِّ شيءٍ!.

ولم تُستثن الأَحزاب السِّياسيَّة من هذا المرضِ الخطير!.

ولقد كرَّس نِظامُ الطّاغية الذّليل صدّام حسين التّمييز العُنصري والطّائفي بشَكلٍ واسعٍ ومهولٍ! ضدَّ الأَغلبيَّة [الشِّيعيَّة] طائفيّاً وضدَّ القوميَّات الأُخرى غير العربيَّة كـ [الكُرد والتُّركُمان] عُنصريّاً!.

وعندما سَقَطَ الصَّنم في التّاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ كان من المُفترض والمُؤَمَّل والمُنتظر أَن يتجاوزَ العراقيُّونَ التَّمييز ليخطو الخُطوة الأُولى ويضعوا الَّلبِنة الأُولى في أَساس الدَّولة المدنيَّة الجديدة الخالية من كلِّ أَنواعٍ التَّمييز! إِلّا أَنَّ الذي حصلَ هو العكس من ذلك تماماً! إِذ أَنَّهم كرَّسوا التَّمييز من حيث يُريدونَ أَو لا يُريدون، على الرَّغمِ من أَنَّ المرجِع الأَعلى وأَحد أَبرز الزُّعماء والقادة السياسيِّين [وأَقصد بهِ شهيد المِحْراب آية الله السَّيِّد مُحمَّد باقر الحكيم الذي تُصادف ذِكْرى إِستشهادهِ في الأَوَّل من رجب المُرجَّب] بذلا جهوداً عظيمةً لتجاوز هذا المرض المُزمن الذي يقف حائِلاً دونَ بناء الدَّولة المدنيَّة.

فعندما يصفُ المرجع الأَعلى [سُنَّة الْعِراقِ] بعبارة [أَنفسَنا] يكون قد أَلغى التَّمييز المُجتمعي والسِّياسي بين أَكبر مكوِّنَين من مكوِّنات المجتمع العراقي! ليهيِّئ الأَرضيَّة لبناءِ الدَّولة المدنيَّة التي تتحمَّل مسؤوليَّاتها الاستراتيجيَّة الأَربعة الواردة في عهدِ الامامِ (ع) من دونِ تمييز.

أَمّا سُنَّة الْعِراقِ فلقد تعاملوا مع هذا الوعي الدِّيني والوطني الرّاقي، وللأَسف الشَّديد، بطريقةٍ سيِّئةٍ جدّاً! فبدلاً من أَن يتبنَّوه فيشدُّوا على يديهِ ويعضدوهُ ويُؤازروه بموقف مُماثل! إِذا بهِم يستدعونَ لنا [داعش] وأَخواتها! لتُحرِّرَهم من سيطرة شركائهم في الوطنِ والتّاريخِ والمصيرِ والاجتماعِ [الشِّيعة الصَّفويِّين]!.

أَمّا الشَّهيد الحكيم الذي كانت لَهُ الكلمة الفَصْل خلال الأَشهر القليلة التي أَعقبت سقوط الصَّنم وحتّى إِستشهادهِ، فقد وافق على أَن تكون نسبة الشِّيعة في مجلس الحُكم وغيره (٥٢٪‏) فقط وليست كما هي الحقيقيَّة (٦٥٪‏) كما وردت آنذاك في أَحدث الإحصاءات والإستبانات، من أَجل أَن لا يكون التَّقسيم المذهبي عائقاً أَو مشكلةً منذُ اليوم الأَوَّل عندما كان العراقيُّونَ يَسعَونَ لبناءِ دولةٍ جديدةٍ ليس فيها أَيَّ نوعٍ من التَّمييز!.

هذه الرُّؤية الوطنيَّة الثَّاقبة تعامل معها سُنَّة الْعِراقِ كذلك وللأَسف الشَّديد بطريقةٍ سلبيَّةٍ وسيِّئةٍ جدّاً عندما ظنُّوا أَنَّها دليلُ ضعفٍ وليسَ رُؤيةٌ جديدةٌ لتجاوُزِ عُقَدٍ الماضي من أَجْلِ مُستقبلٍ جديدٍ أَفضل!.

 

 

في البدء لابد من التوضيح أن مقولة "الضعفاء لا يتحدون"، ليست من بنات أفكاري، إنما هي لأحد المفكرين الباحثين، لكنها أثارت في ذهني كثيراً من الاستغراب والتساؤل والجدل، إذ كيف للضعفاء، ونحوهم من: المحرومين،الفقراء، المظلومين، الكادحين، المستغلين (بفتح الغين)، المساكين، المقهورين، أن لا يتحدوا، ولا يتضامنوا، ولا يتعاونوا، وأن لا يأخذوا حقوقهم في كتلة واحدة قوية ذات نفوذ وتأثير.ولهذا نجدهم متمسكين بالسير معاً لكن متفرقين. إن الفاحص للمقولة الضد، أي "الضعفاء يتحدون" يجدها صائبة من الناحية المنطقية المجردة، على الورق وفي الكتب، لكنها من الناحية الواقعية، وفي الممارسة غير عملية، ولم يحصل في التاريخ المعاصر أن اتحد الضعفاء، رغم مناداة ماركس وانجلز منذ أواسط القرن  التاسع عشر، وشعارهم المعروف " يا عمال العالم اتحدوا" أو "يا كادحي العالم اتحدوا".فضلاً عن ذلك ما يحدث في المجتمعات المتخلفة يثبت ذلك، حيث الضعفاء يشكلون نسبة عالية جداً، ومع ذلك لم يتحدوا أيضاً.  والمفارقة هنا، أننا نجد العكس، أي أن الأقوياء هم الذين يتحدون بوجه الضعفاء. إذن من الذي يمنع هؤلاء الضعفاء أن يتحدوا؟ هل هم الضعفاء أنفسهم ! أم الأقوياء؟ الحقيقة أن الأقوياء لا يمكن أن يكونوا هم المذنبين الوحيدين في هذه القضية، لأن طيبة الضعفاء وسذاجتهم تجعلهم مذنبين أيضاً. على هذا الأساس سنقوم بتفصيل أكثر للأسباب التي تمنع من اتحاد الضعفاء وتجعلهم متفرقين، هذه الأسباب قد تكون منفصلة أو متكاملة. لابد من التنويه هنا أن هؤلاء الضعفاء لا يشكلون فئة متجانسة فكرياً أو معيشياً أوغير ذلك:

1- تتشكل لدى الضعفاء نزعة تدميرية، متمثلة بروح المنافسة والحقد، ومحاربة بعضهم البعض، حتى لا يكون أحدهم أقوى من غيره وأكثر نفوذاً. كما تتمثل بمرض الحسد والخوف من الآخر.لهذا نجد أي فرد منهم يحسد من يملك أكثر مما يملك هو، ويخاف ممن يملك أقل.

2- السلبية المهلكة تجاه المشكلات، وانبثاق روح الأنانية المقيتة،حين يهتم كل فرد بمشاكله ومصلحته فقط،وانعدام التكافل مع العالم المحيط والإحساس به، والتغاضي عن آلام الآخرين ومشاعرهم أو التقليل من أهميتها،كذلك انعدام المشاركة الحقيقية، ليس بالتعاطف فحسب، إنما تحويل التعاطف إلى فعل وعمل. إن هذه السلبية تعني أن كل فرد يريد كل شيء لنفسه، وهو يجد المتعة في الاقتناء وليس في المشاركة مع الآخرين، كما تجعله يشعر أن يكون جشعاً، لأن هدفه هو التملك، وعليه يجب أن يكون خصماً للآخرين جميعاً، بخاصة منافسيه الذين يريد أن يقضي عليهم.

3- الفقر المعرفي لدى هؤلاء الضعفاء، والنقص في وعيهم السياسي، واختلاف أفكارهم، وتباين طموحاتهم، والصفة الحركية التي يتميزون بها، كل ذلك يجعل طاقتهم على التفكير السليم منخفضة، ومن ثم يصبحون دون هدف واضح محدد يتفقون عليه.

4- انهيار في قيمة الإنسان الضعيف، التي تعني الشعور بالنقص والدونية،كما تعني الافتقار إلى ذلك الإحساس بالقوة والقدرة على المجابهة والفعل والتأثير،وقصور في التعبئة والتنظيم. لذلك نجد كل فرد من الضعفاء، أما منسحباً أو مستسلماً أو متجنباً أو في وضعية المغلوب على أمره،وهو في حالة من التبعية واليأس والعجز والرضوخ والتخاذل والبرود الإنساني، والاتكالية على منقذ منتظر، لذا نجدهم متشعبين، متبعثرين في هذه الأمور.

5- سعي الأقوياء لاستغلال قسماً من الضعفاء، سواء بالوعود أو بغيرها .لذلك يتفرق هؤلاء الضعفاء نتيجة تبعية كل مجموعة منهم لهذا القوي أو ذاك. الشيء العجيب في الأمر، ليس فقط حصول حالة التفرق، إنما نجد أن الضعفاء يؤمنون بمن معه القوة،ومن ثم عبادته والدفاع عنه، والخوف من بأسه، وإلى الإذعان الأعمى لمشيئته. لابد لنا من التأكيد على قضية هامة، هي أن هؤلاء الأقوياء قد يكونوا من خارج فئة الضعفاء أو قد يبرزون من داخلهم. لكن في الحالتين لن يتوحد الضعفاء.لأن كل زعيم قوي سيلتف حوله مجموعة منتفعة تنسلخ عن أقرانها الضعفاء، وبالنتيجة سيبقى هناك ضعفاء متفرقين.

الخلاصة، أن هذه الأفكار التي ذكرناها لا تمنع حدوث حالات احتجاج أو تمرد انفعالية قد تنجح أو تكون انفعالية مؤقتة، لكن في الحالتين أيضاً لا تصل بالضعفاء إلى غاياتهم،لأن بالنهاية سيتحكم بالضعفاء، أقوياء. إذن المطلوب زيادة الوعي الفكري لجميع الضعفاء ومشاركتهم  النشيطة في الحياة السياسية، وليس لفئة معينة منهم تكون هي الطليعة  التي تمثلهم، وبالنهاية تحصل على جميع الامتيازات، ولا تشعر بأي رابطة إنسانية بالآخرين، والنتيجة تبقى الأغلبية كما هي ضعيفة محرومة.

 

أحمد محمد جواد الحكيم

 

في مجتمع الفقر المدقع والحرمان الشديد من الاحتياجات الانسانية الاساسية، من غذاء ودواء وصحة ومأوى وتعليم صالح ومفيد، وخدمات ماء وكهرباء وأفتقاد للأمن والأمان، وانتشار للفساد بكل روائحه الكريهة، من اداري ومالي وأخلاقي واجتماعي عام، وفي مجتمع يقع اكثر من 30 بالمائة منه تحت خط الفقر والفاقة والعوز والعدم " كالعراق " تشتد فيه الهجمة الشرسة على المرأة ليكرس اضطهادها المزدوج من قبل مجتمع ذكوري أولا والذي أريد لها أن تكون تابعا على مر الازمان، الى جانب اضطهادها الاجتماعي العام وحرمانها من شتى فرص المساواة الاقتصادية والاجتماعية. فكيف تكون حال المرأة في مجتمع يعاني فيه الرجل هو الآخر اشد انواع الإضطهاد والقتل والحرمان من أبسط مقومات الحياة الحرة الكريمة !!!.

من الأعوجاجات الكبرى في العراق وفي العملية السياسية إن بعض من النساء السياسيات أو النائبات البرلمانية يبحثن عن  "حلول " بوعي أو غير وعي أو بوعي مزيف، لأختها أو زميلتها أو جارتها أو قريبتها أو عموم النساء، لتعيد انتاج وتكريس أزمة المرأة الأنسانية وبواجهات دينية اسلاموية، ومن خلال البحث عن مخارج ترقيعية لأزمتها والتي هي بالاساس جزء من الازمة المجتمعية العامة، وبعيدا عن الاصلاح الشامل لأوضاع المرأة في العراق، ومن ضمنها المرأة الأرملة والمطلقة والعزباء ومغتصبات الحروب العبثية بأسم الدين المتطرف والارهاب الدموي، " والتي بلغ تعدادهن أكثر من اربع ملايين أمرأة "، ولتتحول المرأة من جديد الى مشروع متاجرة وعقود بيع وشراء لأجسادهن مقابل لقمة العيش، وفي إدعاء كاذب لأنقاذهن من أوضاعهن المأساوية، وفي مجتمع عجز فيه الرجل عن ايجاد حل لأزمته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعدم تمكنه من تأمين مستلزمات الحياة اليومية البسيطة !!!.

وفي السياق فقد دعت احدى البرلمانيات العراقيات في يوم 2017ـ3ـ12 الى تشريع قانون يشجع الرجال على الزواج بأكثر من إمرأة واحدة من خلال صرف حوافز مالية، فيما طالبت زميلاتها النائبات والنساء عامة الى رفع شعار "نقبل بعضنا شريكات لحماية بعضنا".  أن هذا الكلام والذي ظاهره رحمة بالنساء لكن باطنه جهل تام بأسباب أزمة المجتمع العامة بكل ابعادها، والذي تشكل ازمة المرأة جزء منه، وبقدر ما يغيب عن ذهن النائبة قيمة الاصلاح المجتمعي الشامل لأزمة مستفحلة، اقتصادية واجتماعية وسياسية فلا يستغرب المرء ان تأتي حلول النائبة مبتورة وجزئية ومحصورة فقط بالعثور على شريك معين يطعم المرأة ويشربها ويكسيها، بالتأكيد انه جزء من التفكير الاجتراري والمتخلف لأدراك قيمة المرأة في المجتمع، كونها شريك متساوي كما يفترض، وليست موضوع أشباع غريزي مضاف للرجل مقابل الغذاء والدواء !!!.

الدين الأسلامي يؤمن بتعدد الزوجات فمن اراد ان يتزوج بمحض ارادته وقناعته الشخصية وحاجته الماسه لذلك في مجتمع لم يعلن الطلاق الشرعي بين الدين والدولة، ومازال الدين مصدر اساسي للتشريع، وفي مجتمع يجهل قيمة العلمانية في الحياة العامة، فليذهب ويتزوج، فليست هناك من جديد في الأمر، ولكن الغرابة هو دعوة النائبة لأصدار قانون بذلك تحت واجهات معالجة ظروف المرأة العراقية القاهرة، واذا كان من ضمن الدعوة لتشريع قانون بهذا الخصوص هو لضمان مساعدات مالية وحوافز للزواج، فأنها ستكون بالتأكيد منفذا جديدا للفساد المالي والاداري والنصب والتحايل في بلد يعاني الأمريين من الفساد، الى جانب الابعاد الاجتماعية الخطيرة حيث سيسهم في المزيد من التفكيك الأسري والاجتماعي وتشرد الاطفال لأسر قد تكن كانت مستقرة نسبيا أو للأسرة الثانية، عدا ذلك سيقسم المرأة العراقية الى زوجة أصلية وأخرى تابعة او خدامة وعلى نسق التبعية العراقية في المواطنة " عثماني أو ايراني الأصل أو من أصول آخرى ". 

أن النماذج الاخلاقية للنظام الطائفي والمحصصاتي لا تسمح بمعالجات شاملة لقضية المرأة ومحنتها في العراق، فقد انتشرت من الجانب الآخر في السنوات الأخيرة ظاهرة الزواج خارج المحاكم، وقد انتشرت في أوساط مختلفة من حيث التعليم والثقافة والبيئة الاجتماعية والاقتصادية، وقد أخذت هذه الظاهرة طابعا مستفحلا وتنبئ عن مخاطر جدية على مستقبل المرأة بشكل خاص وعلى المجتمع بصورة عامة، مما يستدعي تدخل القضاء العراقي ومنظمات المجتمع المدني، ومنها بشكل خاص المنظمات النسائية، والبرلمان على وجه الخصوص باعتباره الجهة التشريعية والرقابية. وأن يتخذ الجهد التعبوي الثقافي والتوعية بمخاطر ذلك مسار مهما، من حيث كون هذا النمط من الزواج يغيب حقوق المرأة وأطفالها ويحرمها من الإرث، إلى جانب كون هذا الزواج يستهدف البنات في أعمار مبكرة بما فيها القاصرات إلى جانب مختلف الفئات العمرية من النساء، ويهمش دور القضاء والدولة عموما باعتبارها الراعي والمسئول الأول عن رسم ملامح الاستقرار الأسري والاجتماعي بصورة عامة. هذا النوع من الزواج لم يكن موجودا قبل عقد من الزمن وكان يعاب عليه كل العيب، إلا إن ضعف الدولة وتدهورها وغياب الأمن وانتشار الفقر والبطالة وما رافق ذلك من تفكك للنسيج الاجتماعي والقيمي، جعل من أمراء الطوائف والمليشيات والمذهبية ـ السياسية يخترقون منظومة القيم الاجتماعية لتحل محلها قيم الاجتهاد والابتذال والتفسخ بواجهات دينية وغير دينية !!!.

لقد لعبت عوامل الفقر والحرمان وانعدام فرص العمل والعيش الكريم، الى جانب تمركز المال والفساد بيد زعماء الطوائف والقادة السياسين دورا كبيرا في استمالة المرأة وتحويلها الى موضوع فعل جنسي يتم استغلاله ومن ثم شرعنته. وقد لعبت عوامل أخرى اساسية في تكريس صورة المرأة السيئة في المجتمع واعتبارها موضوعا سهلا تسهل استباحته، وهو غياب نظام تربوي وتعليمي قائم في مناهجه على فكر المساواة الصريحة والواضحة بين الجنسين، لكي يقوم ببث المنظومة القيمية واعادة توليدها في المجتمع. فقد كرست في عهد الاسلامويين اليوم فكرة الفصل بين الجنسيين الى ابعد الحدود وفروض قيود على حركتها وامتهان حقوقها مما يسهل امتهانها كانسان وكجنس !!!. 

أن المدخل السليم لأي اصلاح في اوضاع المرأة العامة وانتشالها من الدخول في مشروعات الأكراه او التي تجبر عليها المرأة ماديا ونفسيا لمختلف الخيارات السيئة خارج ارادتها، يجب أن يمر عبر تحسين اوضاعها العامة والاقتصادية منها بشكل خاص ومن خلال منظومة متكاملة من الحوافز المادية والضمانات الاجتماعية التي تحصن المرأة من الانسياق المكرهة عليه أو الاستمالة، وتوفير فرص عمل استثنائية للنساء المتضررات من الحروب بفعل فقدان عامل الإعالة، اعادة تأهيل النساء القادرات على العمل وتوفير فرص لها، ومنح العاجزات عن العمل مختلف المساعدات الممكنة لأكتفائها الذاتي، واعطاء الاولوية للحصول على العمل للمرأة التي لا تمتلك معيلا وخاصة ذوات التحصيل الدراسي، منح التسهيلات والقروض المالية للمتزوجين من الشباب وغيرهم لتأمين الحد الادنى من العيش الى جانب توفير فرصة عمل للزوج على الاقل، منح مساعدات شهرية لأطفال الارامل وللاطفال عموما للتخفيف من الاعباء الاقتصادية. أن كل هذه الاجراءات تضع المرأة في موقع حسن يليق بمكانتها ويسمح لها في التفكير ايجابيا بمختلف الخيارات بما فيها الزواج بعيدا عن مشروع قانون السيدة النائبة البرلمانية !!!.

 

د.عامر صالح

 

 

 

 

يبدو أن ظهور العباقرة من شعراء وكتاب ومفكرين لم تعدموجودة عندنا في العالم العربي بالشكل الذي كانت عليه في بدايات القرن الماضي، ونحن هنا لا ننكر أن عندنا حاليا أفذاذا في مختلف مجالات الفكر والأدب، لكنهم ليسوا على مستوى الشهرة والصيت اللذين كانا لدى أسلافهم، فنحن لم نعد نرى أفذاذا عباقرة كما هو الشأن بالنسبة لمفكرين وأدباء مثل: الرافعي والعقاد وطه حسين وشوقي وحافظ والجواهري وقاسم أمين وجبران ونعيمة والقائمة تطول... ولا أدري ما هوالسبب في اختفاء هذه الظاهرة، أوعلى الأقل السبب في خفوتها خفوتا ظاهرا جليا.فلا شك أن ثمة أسبابا ذاتية وموضوعية عملت على حجب الظاهرة أوعلى ضمورها ضمورا باديا للعيان..

ويجدر بنا هنا أن نسرد بعض العوامل التي أراها كانت دافعا أساسيا لبروز تلك الظاهرة، والتي ساعدت على تلميعها وتأطيرها، وأجملها في الآتي:

الثقافة:

إن أولئك الأفذاذ اتسموا بامتلاك رصيد ثقافي واسع ومهم، حتى أننا لنكاد نقول بأنهم كانوا موسوعيين -حسب علمي فإن آخر الموسوعيين كان هوالشاعر الألماني جوته-، فالأديب أوالمفكر منهم كان لديه ما يقوله للناس، بمعنى أنه كان يتكلم ويعلم ما يقول، ومعنى يعلم ما يقول هوأنه كان يعرف المواطن التي تحتاج إلى البحث فيها والتحدث عنها، أي أن المفكر والأديب كانا يضيفان الجديد، وفي اعتقادي الشخصي أن الإضافة النوعية هي التي تميز المفكر والأديب من غيرهما.ثم إنه كانت لديهما قناعات وأفكار يؤمنون بها ويدافعون عنها، تارة باستعمال المنطق، وتارة بإيرادالحجة والدليل.

وسائل الاتصال:

كان لوسائل الاتصال دور حاسم في ذيوع صيت أولئك الأفذاذ، كما كانت سببا في شيوع أفكارهم وأدبهم، و هذا العامل وإن كان على درجة من الأهمية لا تخفى فإنه لا يصدق على كل من كانت له به علاقة من كتاب، فكم من أديب وكم من مفكر لم يبق منه شيئا، مع العلم أنه في وقته كان من الوجوه الدائمة الظهور في المنابر الإعلامية، والأمثلة عن هذا تجل عن الحصر.

وضوح الفكرة والهدف:

بالنسبة للمفكرين فقد كانت لديهم أفكار واضحة وأهداف يحاولون الوصول إليها، ففي أدمغتهم كانت تلك الأفكار واضحة على ما تتسم به من تخمر ونضج لما لأصحابها من بعد نظر و اتساع أفق، وقد بسطوها للناس بشكل سليم في كتاباتهم، وقدامتاز أسلوب هؤلاء بثلاث ميزات لا بد منها للأسلوب كي يكون أسلوبا ناجعا وراقيا، وهي:الوضوح والدقة والمتانة.فأسلوبهم لا غموض فيه ولا لبس، وتبعا لذلك فقد جاءت أفكارهم ساطعة واضحة، تجد من الناس المناصر لها والمناوئ والمعادي حتى، ومن هو دون ذلك، وقد كنا نرى المعارك الأدبية والفكرية محتدمة، وعلى أشدها بين كاتب وآخر، وبين القراء المناصرين وغير المناصرين، فكان الحقل الأدبي والفكري يعرف حركة دؤوبة، ويعج بالحركة والنشاط، والمهتم لا بد أن يخرج من ذلك بالفائدة الجمة والتنوير المغذي للعقل و المنعش للروح.

ويبدو أن عامل الاحتكاك بالغرب كان له أثره في وجود هذه الظاهرة، فكثير من المثقفين الذين كانوا طرفا في هذه المعارك هم من أولئك الذين اتصلوا بالغرب اتصالا مباشرا، أو من الذين تأثروا بثقافته الوافدة، مقابل المثقفين المحافظين الذين وقفوا ضد منافحين عن القيم المتوارثة، مبينين خطورة الأفكار المستوردة على هوية الأمة.

إن ظاهرة بروز العباقرة أو الأفذاذ هي ظاهرة عالمية، وخفوتها أو انعدامها هو ظاهرة عالمية كذلك، إلى أنها تختلف في الدرجة قوة وضعفا من مكان إلى مكان، ومن مجتمع إلى مجتمع.وإذا كنا قد سردنا بعض العوامل التي كانت حسب رأينا وراء ظهور بعض عباقرتنا العرب، فلا بد أن نعطف على ذلك ببعض العوامل التي قللت منها أو جعلتها تكاد تكون منعدمة، فنقول:

ضغط الجماعة على الفرد:

إن الجماعة لها سلطة معنوية على الفرد، سلطة قاهرة لا تلين لها عريكة ولا يهن عزم، فالمفكر أو الأديب يجد نفسه محاطا ومحاصرا بالجماعة، لأنها تمثل القيم المحافظ على التقاليد والأعراف التي بموجبها هي محافظة على كيانها ومستمرة في الوجود، فأي كاتب أو مفكر هو مدعو لأن يكون منسجما في طروحاته وفي استخراجاته مع ما يتماشى مع القيم السائدة في مجتمعه، وإلا سيتلقى صنوفا من الأذى والجفاء لا تتصور.

الشخص العادي:

إن الشخص العادي يرى في ما يقوله المفكر العبقري شيئا متطرفا، إما لأنه لا يفهمه، وإما لأنه مشبع بأفكارمغايرة يراها هي الصواب وغيرها خاطئ. ولذا فهو يهمله ويحاربه على مستويات منها:

- أن لا يحفل بأفكاره.

- أن يشنع فكره، وينشر ذلك في الملأ.

- أن يؤلب عليه العامة والخاصة.

- أن لا يقدم له الدعوة لتقديم أطروحاته والتعبير عن وجهة نظره في محاضرة أو ندوة أو في لقاء عاد.

الأفذاذ وشعور الآخرين بالنقص:

إن الأفذاذ يجعلون الناس العاديين يشعرون بالنقص، ويدخلون علي أنفسهم الضيم، فكم من عظيم أو زعيم قدم أعمالا جليلة عادت بالنفع العميم على وطنه أو على الإنسانية قاطبة، ولكنه في نهاية المطاف لم يجد من الناس ما يستحقه من إجلال وإكبار وتقديرلما قدمه، فسقراط مثلا كان سبب تقديمه للمحاكمة هو العامة، وقد مات وهو حانق على الديموقراطية التي أدت به إلى مصير سيئ، وشارل دوجول محرر فرنسا تنكر له الناس فصوتوا لمنافسه في الإنتخابات..الخ..الخ...

وأخيرا نقول هل انتهى زمن العمالقة وانتهى؟ أم هل سيظهر آخرون جدد؟ وإذا ظهروا هل نستطيع تخمين وتحديد الطريقة والكيفية اللتين سيظهرون بهما؟

 

بقلم : مصطفى معروفي ــ المغرب  

لمانويل كاستالز ثلاث أعمال مهمّة ثلاثة ومن أهمّها كتاب la société en réseau مجتمع الشبكات الذي يناقش تباعا ثورة تكنولوجيا المعلومات، وعولمة الاقتصاد، والشبكات والتحوّلات الثقافية والاجتماعية، بما في ذلك مفهوم المكان والزمان.

الأطروحة الأساسية للمؤلف هو أن يتم تعريف الدولة الاجتماعية المعاصرة التي تطورت الدولة المرتكزة على نمط التنمية (الزراعية والصناعية) الى نمط ثالث يسميه كاستالز نمط التنمية المعلوماتية. بمعنى أن المعرفة أصبحت مصدر رئيسي للإنتاجية، في حلقة متسلسلة من التفاعل بين المعرفة والتكنولوجيا الأساسية وتطبيقها لتحسين توليد المعرفة "، وتجهيز الرموز و المعلومات والاتصالات. وبالتالي نمط التنمية المعلوماتية، بدلا من مجتمع ما بعد الصناعي الذي وضع أسسه العملية دانيال بيل وبعد ذلك آلان تورين.

خمس ميزات تميز النموذج التكنولوجي المسمى ب مط التنمية المعلوماتية:

تقنيات تعمل على المعلومات، وليس فقط المعلومات المتعلقة بها كما كان من قبل.

 المعلومات هي جزء لا يتجزأ من كل النشاط البشري.

 بفضل هذه التقنيات تضاعفت الاتصالات الشبكية الممكنة.

 المنظمات والمؤسسات، يمكن تعديلها وتحويلها بمرونة.

تطوير البنية التحتية التكنولوجية (الاتصالات السلكية واللاسلكية، ونظم المعلومات التفاعلية وأجهزة الكمبيوتر) يجعل من الممكن معالجة المعاملات المعقدة بسرعة.

تجاوز كاستالز ماركس الذي اعتبر في البيان الشيوعي أنّ العولمة هي تزايد نمط الإنتاج الرأسمالي، في حين أن العولمة حسب كاستالز لديها القدرة على العمل كوحدة متكاملة ومتعددة المستويات على نطاق عالمي، وذلك بفضل البنية التحتية التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة.

المحرك الاقتصادي للعولمة هو الترابط المتزايد في الأسواق المالية الناجمة عن خمسة عوامل:

تحرير المعاملات الدولية والاستثمار و رؤوس الأموال في جميع أنحاء العالم .

تطوير البنية التحتية التكنولوجية (الاتصالات السلكية واللاسلكية، ونظم المعلومات التفاعلية وأجهزة الكمبيوتر) مما يجعل من الممكن معالجة المعاملات المعقدة بسرعة فائقة

 ظهور أشكال جديدة من" التعاملات المالية" ك (العقود الآجلة والخيارات والمقايضات ...)، وتشجيع المضاربة في الزمان والمكان، وربط المنتجات المتداولة في الأسواق المختلفة، وجعل الشبكات المالية العالمية أكثر تنوعا ولا يمكن التنبؤ بمسارها.

الشركات الاستثمارية الكبيرة تلعب دورا رئيسيا في هذه التدفقات المضاربة:

الشركات المالية الكبرى هي التي تضع قواعد تنظم الأسواق المالية في جميع أنحاء العالم. ويخلص مانويل كاستلز في هذا التحليل: " أنّ التركّز الشديد للثروة المالية يكون في الدول المهيمنة تكنولوجيا، اذ أصبح الإنتاج في شبكة عالمية من تدفقات رأس المال التي تديرها أنظمة المعلومات والخدمات ذات الصلة بها. وبالتالي عولمة الأسواق هي القاعدة محورية في الاقتصاد العالمي الجديد. "

سمحت سياسات تحرير التجارة وإزالة القيود التي يقررها G7 والمؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية بجعل الأسواق المالية مترابطة. وقد وضعت ثلاثة أنواع من التدخل لهذه السياسة:

تحرير النشاط الاقتصادي المحلي، بما في ذلك الأسواق المالية.

تحرير التجارة والاستثمار الدولي.

خصخصة المؤسسات العامّة.

وخلاصة القول مايمكن استخلاصه من الطاقة النظرية المتبلورة في نظرة كاستالز أن المجتمعات الحديثة شهدت طفرة من التحولات قوامها الانتقال من الرأسمالية الصناعية الى "رأسمالية معلوماتية" و" ثقافة افتراضية "، ربطا بالعولمة التي تؤثر في التدفق "المالي والمصرفي" في جميع مختلف أنحاء العالم، حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات الجديدة بتحطيم العقبات والعراقيل الزمنية والمكانية مشجعة توسُّع الرأسمالية المالية إلى أبعد الحدود. بالإضافة إلى كونها تقوض العلاقات الاجتماعية الهرمية والتراتبية والتصنيفات الطبقية التقليدية، لأن ثقافة الوسائط المتعددة والانترنيت بمثابة الأبجدية الجديدة لعالمنا المعاصر. الأمر الذي ادى الى تنامي الفردانيى بجعل الأفراد يحددون روابطهم وعلاقاتهم انطلاقا من دوافعهم الفردية ورغباتهم، تطلعاتهم،مايجعلهم يبنون علاقات شبكية عبر الوسائط الاعلامية الجديدة تمكنهم من تجاوز ما من شأنه ان يعيق مايصبون غليه كالبطالة والفقر...

 

ماجد قروي

 

 

اثار موضوع المقارنة بين المرأة والرجل من جهة والمرأة الغربية والشرقية من جهة اخرى الكثير من الجدل، ولم يزل الموضوع قيد التدوير والاثارة والتحريض سواء من خلال الدراسات او المقالات او المؤتمرات الخاصة بالمرأة، فالباحثون عن مجدهم فوق جسد المرأة يبدو لي وكأنهم لن يتوقفوا يوماً في سعيهم لتحقيق اهدافهم واغراضهم وحاجاتهم طالما الامر في نظرهم صراع واثبات وجهة نظر او حتى فكر على حساب الاخر، على هذا الاساس نجد بأن المصطلحات تتكاثر بين الفيئات المتصارعة حول جسد المرأة " قضية المرأة " وكل طرف يستشهد بما يؤمن به وبما يريد ان يحققه من خلال شعاراته وتشريعاته وافكاره ومقاصده، ولأن هكذا مواضيع تحقق اكبر نسبة مشاهدة بين الاطراف المتنازعة فالاعلام يجد في ذلك فرصة كي يقوم هو الاخر بدوره الريادي في الاثارة والتحريض لتحقيق اهدافه سواء أكانت ترويجية او ربحية او حتى انحيازية.

والغريب ان الامر يلقي استحساناً كبيراً من بعض الجهات المدعية انها تعمل من اجل حقوق المرأة، اي انها تفرض نفسها كوصية على المرأة، فتتحدث باسمها وتظهر نفسها على انها تدافع عن حقوقها.. وضمن هذا السياق نجد بأن المقاربات والمقارنات تستمر بين الاطراف تلك وكل طرف يحاول ان يبرز الجوانب "النيرة " من تشريعاته وافكاره حول المرأة.. بالطبع سعياً للمزيد من المكاسب على جميع الاصعدة.

تأتي المقاربات والمقارنات كلها حول الشكليات والمظاهر التي بنظر البعض هي الفيصل في الحكم على الوجود الوجودي للمرأة منذ البدء الى وقتنا هذا، فتظهر تلك الشكليات وكأنها مقاصل يستخدمها طرف على حساب الاخر وذلك لاضعاف حجة المقابل، ولكن في الاجمال فان من يناظر ويتمعن في تلك المقاربات والمقارنات التي تتحول الى نظريات عند الاطراف المتنازعة سيجدها في الاصل اضغاث احلام، واوهام مهيمنة عليهم لكونهم يتناسون حتى في اعلاناتهم ودعواتهم جوهر القضية المتعلق بجوهر وجود المرأة كانسان تلازمي اصلي لكينونة الوجود نفسه، وليس كعنصر دخيل يفرض على الموجود الاسبق ان يقوم بالعمل على المقاربات والمقارنات كي يضع له مكانته التي هي بنظر الاسبق ما يستحقه المرأة.

ان هذه الاشكالية هي التي تعقد الامور دائما حين تسمح لنفسك وحسب تشريعات يتم تداولها بين الفيئات المتنازعة والمتصارعة بالحكم على الاخر من خلالها، فتكون النظرة هنا قاصرة على جهة معينة وغافلة تماما عن اغلب الجهات الاخرى، فالمرأة لم تكن يوماً موضع شك في وجودها، ولكنها كانت دائما موضع شك" بالنسبة للاطراف المتصارعة " في احقيتها بالوجود ام لا، لذا اتت النظريات تحفر في الممكنات كي تثير هذه الجدلية، وبالتالي كي تصنع من المرأة موضوعاً دينياً وفكرياً واقتصادياً وسياسياً واعلامياً، وسخرت لهذا الامر الكثير من الامكانيات، وفي الحصيلة ان المنادين بالحقوق الكاملة والمساواة والطرف الاخر الذي يضع بعض القيود يصبحوا في خانة واحدة، وهي استغلال الموضوع " المرأة " كمادة اولية للصراع، دون تحقيق اية مكتسبات تخدم المرأة نفسها كمرأة موجودة ضمن التلازمية السبقية للوجود البشري اصلاً.

وحين تبحث عن المقاصد ستجد الامور الماورائية واضحة، والتي تنبع من الدين الى الفكر المضاد الى الفكر التحرري الى الفكر الازدواجي المستغل للظرفية وذلك للقفز فوق الاجساد سعياً لتحقيق اكبر قدر من المكسب الشخصي ( الاعلامي – الحزبي – الديني – السياسي)، وهذا ما يجعل من موضوع المقاربات والمقارنات في الاصل امور مشكوك في مقاصدها، لكونها في الاصل شكلية لاتخدم الا الاعلام وتلك الجهات المتنازعة والمتصارعة، ولاتخاطب الوعي الوجودي الاصلي للموجود الترافقي التلازمي لكينونة الوجود البشري اصلا، باعتباره وجودا اصيلاً وليس ملحقاً لغرضية اعلامية او لخلق صراع وجودي حول ذلك الوجود، فالوجود الاول لم يكن ليكون موضوع وجود بدون الوجود التكاملي التلازمي، لهذا حين نأتي لعمل مقاربات ومقارنات حول الموجود الاول وثم الوجود" الملحق " هنا نفتح تلك الفجوة التي لانهاية لها، لان البشر بطبعه ساعي لخلق الماهيات التي تخدم وجوده المتعالي لايهم على من وكيف، المهم انه يريد تحقيق تعاليه وهذا التعالي يكسبه بنظره الحق في اتخاذ التشريعات التي تبحث في الموجودات السبقية واللاحقة، وبالتالي فانه يخلق الممر التشريعي الفكري اللازم كي يلحق الوجود التكاملي بالموجودات الخدمية اللاحقة التي اتت لتخدم الموجود الاول.

"وما يجعلنا نقول ذلك ( للمزيد عن هذا الموضوع ينظر كِتاب " بشر يمتهنون صناعة الالهة" من تأليف كاتب المقال نفسه)، هو كون طباع البشر الميالة الى الرذيلة لاتمنعه من الانجراف والانحراف نحو الغلو في كل المصوغات الاصلية التي بين يديه، وبالتالي يمكنه تجاوز الوسطية في الفهم والادراك، مما يعني عدم سيره نحو فهم تداولي متوقف على الفكرة وطريقة ادارتها وكيفية اظهار صلتها بالحدث والواقع، لانه اما يتخذ من السطحية كمدخل فهمي للمصوغات، فيكون وقتها معرضاً للهشاشة التعاملية مع الحدث والواقع ويبتعد كلياً عن المصوغ الاصل باعتبار الاخير لايعتمد السطحية في الوجود والموجودات، او يتخذ من التطرف كمدخل فهمي واستداركي توظيفي وفق تداعيات تلزم اتباع هذا التفكير الى استخدام كل الوسائل المتاحة والمباحة وغير المباحة من اجل تحقيق ما يصبون اليه..." ، بالتالي فان هذه الطباع هي نفسها التي تفرض على التقسيمات البشرية الدينية والفكرية والسياسية والمصلحوية في العمل على ايجاد الممرات التحصيلية القائمة على التدوير لكل الموجودات التي تلت الوجود الاول ومن ثم القيام بتوظيفها حسب الماهيات التي تحقق مكاسبها ومصالحها على حساب المقابل او بعبارة اخرى المنافس، ولعل من يتابع موضوع وجود المراة وسياقات هذا الموضوع سيلاحظ بالدرجة الاساس ان الصراع كامن بين الاديان المختلفة انفسها من جهة، وبين الاديان والافكار الحديثة التي تتغطى بغطاء حقوق المرأة من جهة اخرى.

واثناء البحث عن نوعية المقاربات والمقارنات بين المراة الشرقية والغربية كموضوع ديني فكري اعلامي وحتى سياسي، سنجد بان المواضيع المطروحة او الافكار المطروحة هي من السطحية ما يجعل من الواعي يدرك تماما المقاصد وراء الطرح نفسه، فما الذي سيتحقق للمرأة من وجود وكيان مستقل ونشط حين يتم المقارنة بين الشرقية والغربية من حيث الفرعيات الوجودية المتعلقة بالحياة الاجتماعية مثلاً ان " المرأة الغربية معتادة على البخل بحيث لاتسمح لاحد ان يشاركها زوجها اما الشرقية معتادة على الكرم بحيث تسمح لثلاث نساء اخريات مشاركتها زوجها خدمة للمجتمع" ، السؤال هنا هل هذا جوهر الوجود الوجودي للمرأة...؟ ، ثم هل ان اختيارات المرأة في هذا الشأن هي التي تحكم ام ان هناك آلية تفرض عليها كي تقبل المحتوم..؟ ، وضمن السياقات التي يتم المقارنة بها المرأة الشرقية والغربية فيما يتعلق بخصوصياتها ايضا ان الغريبة تمنع من قيادة السيارة اذا كانت حامل او مخمورة حرصاً عليها وعلى الاخرين اما الشرقية تمنع " في بعض المجتمعات " من قيادة السيارة في جميع الاحوال حرصاً عليها وعلى الاخرين، وايضا الغربية سلعة بحيث تجدها في اي سوبر ماركت اما الشرقية لاتجدها الا في محلات المجوهرات... وهناك العديد من المواضيع التي يتم تناولها اعلاميا ودينيا وفكريا وحتى سياسياً فيما يخص المقاربات والمقارنات بين المرأة في المجتمعات البشرية.

 ولننظر الى الامر بوعي، ونتساءل اين المرأة نفسها من تلك المقارنات والمقاربات واللغط الكلامي والسعي المصلحوي والتحريض الاعلامي..؟، الاجابة هنا لاتفرض عليك مسبقاً ولكن في الاصل هناك ما يمهد لك بالحكم... حين نضيف التساؤل هل الوجود التكاملي " المرأة " للوجود يمكن ان يكون وجوده مخصوصاً لهذا الجدل..؟.

ان اكثر ما يعيق السعي الوجودي للموجود الاول لتحقيق وجوده التكاملي هو كونه يعطي لنفسه الحق في اصدار الاحكام السبقية لكونه السابق، ولكونه لايفكر بعقلانية في ان وجوده لم يكتمل بالا بالموجود الاخر " المرأة " لذا فان اي سعي منه وتحت اي غطاء لفرض ايديولوجيته السبقية على الاخر سيكون في محل شك، وفرصة لبعض الساعين لتحقيق مكاسب اعلامية او دينية او فكرية او سياسية او اجتماعية لاثارة المزيد من التكهنات التي تتحول الى موضوعات وحلقات نقاشية نجد المرأة نفسها تنقاد اليها احياناً تحت غطاء الحريات والتحرر او لتحقيق "الكوتا"، دون ان تدرك بأن الاصل في وجودها تكاملي اصلي ولايوجد وجود بدون وجودها، لان الوجود السبقي ناقص من حيث الكينونة الوجودية والحراك الفعلي للوجود بدونها.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

 

 

 

" الذكاء هو القدرة على الاستفادة من الخبرات السابقة في حل المشكلات الحاضرة والتنبؤ بالمشكلات السابقة" .. جودارد godard

لم يقتصر التفكير الذي ينخرط ضمنه الإنسان على أدوات الإدراك وسبل المعرفة ولم ينحصر على الحواس والخيال والذاكرة والموروث بل شمل أيضا تحليل قدرات الذكاء وطرق استعمال اللغة ووظيفة الإرادة والميول والدوافع في توجيه الأفعال وتجسيم الأفكار والانتقال بها من حقل النظر إلى حقل العمل.

في هذا الصدد أين تناقش قضية صناعة الذكاء؟ هل ضمن دائرة البيولوجيا الموروثة أم ضمن التجربة الإدراكية المكتسبة؟ وهل الذكاء وظيفة نفسية أم مهارة عرفانية تتكون من تفاعل جملة من العناصر؟

إذا كانت الثقافة هي بنية مادية ومعنوية في نفس الوقت تسعى إلى السيطرة على الطبيعة وتغييرها المفيد من اجل مصلحة الإنسان عامة وإذا كانت تمثل طريقة حياة متميزة تحتوي على مجموعة من الأنماط السلوكية والمنتجات المادية والفنية فإن الحضارة هي حكم تفضيلي يرتبط بالتقدم التقني والعلمي ويقوم على نكران الغرائز والإكراه على العمل وتعمل على ضمان بقاء المجتمع واستمرار ازدهاره.

اذا كان مجتمع الوفرة يتميز بقدرة صناعية وتقنية هائلة ومستوى مرتفع من المعيشة وتركيز على القوة الاقتصادية وتحكم في السلوك الفردي والجماعي في أوقات الفراغ ضمن أداء وظيفي موحد فإن مجتمع المعرفة يتصف بالقدرة على الإنتاج باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحول المؤسسات الحكومية إلى هيئات ذكية تعتمد على رقمنة نظم المعلومات وتمارس ديمقراطية الكترونية والتواصل الافتراضي.

إذا كانت السلطة ،على هذا الأساس، تمثل أحد أشكال الحكم والهيمنة وتمارس بطرق مختلفة وتوجد في كل مكان وتتراوح بين القوة والضعف فإن الدولة هي جهاز سيطرة تمتلكه طبقة حاكمة وتفرض به سيادتها المادية والإيديولوجية وتمثل مختلف الأجهزة التي تحول دون تمتع الأفراد بحرياتهم وتصرفهم بإراداتهم وتمكنهم من الوعي بذواتهم وحسن استخدام ألسنتهم للتعبير عن أفكارهم ومطالبهم الحقوقية.

من جهة أخرى إذا كانت اللغة مؤسسة اجتماعية تعتمد على فاشية اللسان في التوحيد وتتكون من نسق من العلامات والرموز يتحرك ضمن عدد من القواعد التركيبية فإن الكلام عمل فردي يتوجه إلى الانجاز ومقام وجودي تشتغل فيه الذوات على إعادة تشكيل عالم الدلالة والمعنى ضمن دائرة الفعل البشري.

إذا كان الدافع تجربة انفعالية يقبل بالتحول من موضوع إلى نقيضه عن طريق عملية الإملاء وخضوع لمثير خارجي يتطلب استجابة فورية ورد فعل إلي فان الإرادة هي القيام بفعل أو الامتناع عن ذلك بتركه عن وعي وقصدية وتتسلح بالقدرة على التحكم في الذات والتوقي من نتائج ذلك الفعل وتأثيراته في المحيط الطبيعي والنسيج الثقافي والإطار الاجتماعي.

 بطيعة الحال إذا كان الذكاء هو قدرة عقلية فطرية تمكن الإنسان من التغلب على المشاكل التي تعترضه في الحياة والتأقلم مع الواقع الاجتماعي فان التخيل هو استحضار الأشياء الغائبة في مظهرها الشامل بطريقة تخول للإنسان امتلاكها والسيطرة عليها والانتفاع بها على الصعيد العملي وفي المجال المدني.

 على هذا النحو لم يعد الذكاء الإنساني يقتصر على التفكير المجرد والاستبصار بادراك العلاقات الدالة بين عناصر المنظومة وفهم المعاني وطلاقة اللسان وسرعة إجراء عمليات  ووضوح تصور العلاقات الزمانية والمكانية وقوة التمييز والقدرة على الاستقراء وإنما صار يشير بالأساس إلى مرونة التعامل مع المواقف المغايرة والقضايا الطارئة والقدرة على التكيف مع الصعوبات والتغلب على المشاكل.

لقد أشار رالف لنتون في كتابه "دراسة الإنسان" إلى ما يلي:" لا يمكن التحقق من ذكاء الفرد إلا بصورة مباشرة عن طريق المعلومات والمهارات الفنية وما شابه ذلك، وهذه أمور تحددها الثقافة أكثر من القدرة الفطرية الأصلية". غاية المراد هو ارتباط ثقافة الذكاء بإتقان الفهم اللغوي والفعل الإرادي ضمن البلوغ بالشيء إلى تمامه لكن أليس المطلوب هو تحويل كل ذكاء تأملي إلى ذكاء عملي من اجل الخلق والابتكار؟ ألا توجد أزمة في التصرف في قوة الذكاء واستثمار الرأسمال البشري في اتجاه تنمية مجتمع المعرفة؟ متى يعود الوعي السياسي والالتزام الوجودي إلى ثقافة الذكاء وترجع بالنفع والفائدة على الإنسانية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

نتساءل دوما ما هي الصفات التي يجب أن توجد في الفرد لكي يكون ناجحا في حياته، ومقبولا عند الآخرين؟ بل محبوبا ومحترما في المجتمع؟، يعرف كيف يكسبُ غيره ، يؤثر ولا يتأثر ، هي عادات بسيطة ومهذبة لو تمسك بها الفرد وكانت منهاجا يعمل به في حياته اليومية، مع أسرته ومع جيرانه ومع الناس، ومع زملاء العمل، وحتى البعيدين عنه في تواصله اليومي معهم، وينبذ المظاهر المتقلبة التي لا تستقر على حال، هي سمات عديدة يلتزم بها الإنسان ويجعلها الشمعة التي تضيء دربه، ليصل إلى ما يبتغيه..، هو ( الصدق والأمانة، الحلم والعفو عند المقدرة، التواضع، ثم التواضع باعتباره قيمة جمالية يفتقدها الكثير من الناس، وغيرها من القيم)، وربما يطرح قائل السؤال التالي: أين توجد هذه المفاهيم التي فقدها المجتمع؟ إنها ببساطة  تقع في عالم القيم التي يطلق عنها عنوان :"الفضيلة"، لسنا هنا بصدد الحديث عن جمهورية أفلاطون، أو كتب المنفلوطي، والرافعي،  أو "جزيرة البنائين" التي تكلم عنها الرّحالة ابن بطوطة، بل عن قيمة أخلاقية توجد في الإنسان ، لو نقّب بين جانبيه لعثر عليها، ولكنه لا يشعر بها، لأن الحياة المادية أعمت عينيه عن رؤية الحقيقة، وصمّت آذانه عن سماعها، وحبست أنفاسه عن تحسسها.

قد يختلف الإنسان الفقير عن الغني، في مسكنه ومأكله وملبسه، لكن قد يكون الفقير أفضل من الغني بإنسانيته، وهي الميزة التي يفتقدها الغني، الذي جعل من المال صنما يعبده، وكان هذا الأخير الذي أوصله إلى المكانة التي هو عليها، والمال وحده كان سببا في احترامه وتمجيده، وهكذا ينشأ الصراع بين الفقير والغني، وبين المتعلم والأميّ ، وبين المثقف والجاهل، وكلاهما يشبهان “السنبلة” ، فهناك السنبلة الفارغة ، والسنبلة الممتلئة بالقمح، وهذه هي التي تخفض رأسها، من هنا نعرف معني التواضع، أما السنبلة الفارغة فقد أحاطت بها السخافة ، فرأت نفسها هي الأعلى، لأن رأسها مرفوع إلى السماء، تعلقت بالمفاهيم الخاطئة، والمبادئ المزيفة، وظنت أنها هي "الرّبُّ" في الأرض، حرضت على إزاحة الآخر، وساهمت في تدميره معنويا وماديا..،  يقول الخبراء في علم الأخلاق، أن المحرض على القتل هو مسؤول مثل القاتل، والمجرم الحقيقي هو من حرّض الآخر على ارتكاب الجريمة، هو الكذاب الذي يكذب في اليوم ألف كذبة، إلى أن يصدقها هو، ويجعلها ميثاقا في حياته.

إن المرأة مثل السنبلة الممتلئة  بالقمح، وحدها تجعل الحياة جنة في معاملاتها اليومية مع زوجها أو أسرتها أو مع الناس، وتحول حبة الليمون إلى عصير حلو،  وبسلوكها تعطي للآخر معنى الإنسانية ،  أتخيل المرأة مثل السنبلة الممتلئة بالحب ، وكما يقول  مصطفى صادق الرافعي هي الحياة لا المال، وهي الحياة لا المطامع، هي الحياة التي لا تتسع لأكثر من قضاء الواجبات، ومن ثمة فكل فضيلة هي من السعادة ، وكل رذيلة هي من ضدها، وماعدا ذلك فهي مثل الذي يزحزح الحجر  الذي هي أساس بنائه، فتهلك نفسها وتفقد سعادتها وتضيع إنسانيتها، وكما قال  الشيخ  الطنطاوي:"تعلمنا في المدرسة  أن السنبلة الفارغة ترفع رأسها في الحقل، وأن الممتلئة بالقمح تخفضه، فلا يتواضع إلا كبيرٌ، ولا يتكبر إلا حقيرٌ"...

 

علجية عيش

 

مشاهد وقوع الواقعة وما حدث للارض والجبال ثم انقسام الناس الى فئتين اصحاب المشأمة واصحاب الميمنة حيث يطوف عليهم الولدان المخلدون بأكواب واباريق وكأس من معين، تلك المشاهد تبرز تساؤل عن كيفية حصولها واين حصلت؟

يمكن القول بان حصولها كان من سنخ الرؤيا او المكاشفة او الخيال، ولا يتورع الكاتب من اطلاق صفة الرؤيا عن تلك المشاهدات، لاسباب اهمها :

الحذرمن الابهام الذي قد يشوش ذهن القاري جراء الاستفادة من المصطلحات القديمة والفلسفية والميتافيزيقية احيانا .

وكذلك لانها مرتبطة بتجرية نبوية اكثر وضوحا، اذ لا يوجد انسان لم ير مناما يعكس حالات معينة في حياته حلوها ومرها، فكيف بالنبي او العارف والصوفي حيث تحصل لهم في مناماتهم حالات من المكاشفة والعيش في عالم المثل .

وكثيرا ما تجد في كتب العرفاء والمتصوفة عبارة " الكشف المحمدي التام " للاشارة الى حصول الاشراق والمعرفة فوق الحسية .

بالاضافة الى الحديث المروي في البخاري برقم 6989 والذي يوصف الاحلام الصادقة او الصالحة بأنها جزء من ستة واربعين جزءا من النبوة، وفي الرقم 46 ذكرهناك كلام طويل عريض بينهم لا فائدة مرجوة من الدخول فيه سوى انهم ذكروا ان الله اوحى الى نبيه في المنام ستة اشهر، ثم اوحى اليه بعد ذلك  في اليقضة بقية مدة حياته، ونسبتها من الوحي في المنام جزء من ستة واربعين جزءا، لانه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة .

وفيما يرتبط بقصة الاسراء والمعراج وبالمراجعة الى كتب المفسرين تجد انهم تحدثوا عن معراج النبي بأنه معراج روحي وليس جسدي، وهذا يعني انه معراج سماوي ومشاهدات غير حسية  في عالم الرؤيا، ومن هؤلاء المفسرين محمد حسين الطباطبائي في كتابه الميزان.

والمأثور التاريخي يحدثنا عن حالة من النوم العميق والتعرق الشديد المصاحب لنزول الوحي الامر الذي جعل بعض معاصريه يتهمه بالجنون او الصرع ...

كل تلك الشواهد وغيرها جعلت الدكتور سروش يطلق على الوحي بأنه من سنخ الاحلام النبوية .

رسالة الاحلام:

بعد تلك المقدمات التي اوردها سروش كنماذج للوحي وشواهد على ان النبي كان ناقلا لمشاهد رأها في عالم الرؤيا، يفتح نافذة جديدة لفهم الوحي من خلال ما ورد في القران، فيقول ان القاري للقران يتناسى انه يواجه " رسالة احلام " او "كتاب احلام" وان اللغة المستعملة في تصوير المشاهد هي ليست لغة اليقضة وانما هي في الحقيقة لغة احلام، نعم هي لغة بشرية عذبة لكنها في الوقت ذاته هي لغة احلام .

ومن هنا يدعي سروش ان هناك مغالطة كبرى حصلت للمفسرين للقران حيث جعلوا لغة القران معادلة للغة اليقضة وهي ليست كذلك، ومن الاخطاء المهلكة التي وقع بها المفسرون هي الخلط بين الحقيقة والمجاز واستنتاج الوجوب من الحال " بايد" از "است "

وهذا الاستنتاج مرتبط بمعادلة منطقية يعتبرها الدكتور سروش مقدمة غير منتجة وكان قد بحثها بشكل تفصيلي في كتابه " دانش وارزش " ومن غير المناسب الدخول في هذا المبحث لان فيه خروج عن الموضوع .

وبناء على ما تقدم فلفظة النار والشمس والغضب والرحمة والماء والميزان وما الى ذلك مما ورد في القران اصطلاحات معروفة لدينا لكن هذه الاصطلاحات شوهدت في عالم الرؤيا والخيال فكانت لغة ورمزا لاشياء بعيدة كل البعد وغريبة عن لغة اليقضة .

وحينئذ نقرا اذا الشمس كورت ونفسرها بذات الشمس الموجودة في السماء  ونقول يأتي يوما وهو يوم القيامة يحصل للشمس كسوفا وكذا يحصل لذات النجوم وللجبال والبحار ... ومن المفترض ان تفسر كل تلك الاجرام وما يحدث لها في عالم الرؤيا بما ترمز اليه في اليقضة، تماما كما حصل للشمس والقمر التي رأها يوسف في منامه حيث فسرسجودهما اليه بلقاءه بابويه واخوته، وكذلك الاحلام التي كانت تروى ليوسف وتفسيرها بالواقع برموز واشارات لتلك التي حدثت في عالم الرؤيا كسبع بقرات سمان ياكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات، حيث فسرت بسنين القحط التي اجتاحت مصر وكيفية التخطيط للخروج من ازمة القحط هذه بأقل الخسائر .

هكذا يصور الدكتور سروش القرأن ويصفه بانه " كتاب الاحلام " واللغة التي تصور مشاهده لغة احلام ومن غير المنطقي تفسير لغة الاحلام بلغة اليقضة اذ لا سنخية بين اللغتين وانما هي رموز واشارات الى الواقع .

هذه النقطة بالذات اجد من الضروري الوقوف عليها مليا لانها بحاجة الى استقصاء تلك المشاهدات وكيفية تفسيرها بالطريقة الرمزية المتوقفة على اختلاف اللغين، ولعل المقارنة بين رمزية احلام يوسف ورمزية احلام محمد قد لا تكون من سنخية واحدة وقد تصدق هناك ولا تصدق هنا، ولعلها تصدق في موارد ولا تصدق في موارد اخرى .

ومن المحتمل جدا ان تكون لغة التهويل والترهيب هو الدافع لتصوير مشاهد الرعب في القيامة حتى وان خالفت المرتكزات العقلية، وهذا الاحتمال قد يبعد حالة الرمزية في تفسير الوقائع بين لغة الخيال ولغة اليقضة، ولو كان كسوف الشمس في القيامة حالة رمزية اذن ماهو المشار اليه في الواقع والى ماذا يرمز، وما الى ذلك من الاحتمالات ...

ثم ينتقل الدكتور سروش الى الحالة الرمزية ويشير الى انها اكثر ثراءا في القصص والامثال، وقصص القران ليست ببعيدة عن تلك الرمزية، كما في قصة الخلق المذكورة في التوراة والقرأن المتمثلة بالثلاثي ابطال القصة ادم وحواء والشيطان المشابهة برمزيتها بقصة الملك والجارية المذكورة في مثنوي جلال الدين الرومي والتي ترمز الى العقل والشهوة، والمشابهة ايضا للالفاظ التي جاء على ذكرها الشاعر حافظ الشيرازي مي وجنك ورباب والحاجب والزلف اذ كل ذلك انها كنايات واستعارات لحقائق مختلفة، فالحاجب كما قيل هو كناية عن صفات الحق، وكذلك الحال في معاني الالفاظ مثل الميزان والقلم فهي غير منحصرة بالمصاديق المتبادرة الى اذهاننا للوهلة الاولى، والحالة نفسها تنطبق على بعض الاخلاقيات والمناسك كالذبح في مراسم الحج فهي تعبيرات مجازية وكنايات واستعارات ...

نعم قد لا تشبه لغة الاحلام لكنها بالتأكيد ليست هي ذاتها الموجودة في الواقع .

للحديث تتمة ...

 

احمد الكناني

معروف ان العقداء الاربعة قد اعدموا من قبل النظام الملكي وان جثة  صلاح الدين الصباغ قد عُلقت يوما كاملا عند بوابة وزارة الدفاع . وقد شاع، لدى الناس، ان الوصّي عبد الاله حضر الى مكان الصلب وشَمتَ بصلاح الدين الصباغ . لقد كانت كراهية المستعمرين الانكليز متأصلة في نفوس العراقيين منذ ايام ثورة العشرين وكانت الوطنية مفخرة والعراقيون كانوا وما زالوا يعجبون بالبطولة والبطل  والتحدي وقد رأوا ذلك كله مجسدا في ثورة مايس 1941واقدامها على منازلة ليس الوصي وحكومة كانوا يعتبرونها صنيعة وعميلة  بل بريطانيا العظمى بجبروتها، ولذلك فقد اعجب الكثيرون منهم بتلك الثورة وتحمسوا لها  . لقد رأوا في شخصية الوصي عبد الاله شخصية النذل الخسيس، عكس الملك غازي الذي احبوه باعتباره وطنيا وتألموا لمقتله في حادث سيارة خامرتهم الشكوك بانه مدبر، وعكس الملك الشاب فيصل الذي تعاطف معه الكثيرون واسفوا لمقتله رغم حماسة الثورة (1958)، اما نوري السعيد فقد اصبح في عُرف معظم العراقيين ثعلب بريطانيا وامريكا وممثل مصالح الاقطاع، اي انه لم يكن، في وعيهم، هو او عبد الاله،ممن يمّت الى الوطنية العراقية بصلة . ولذلك فقد " نهب " بعضهم، جثة عبد الاله من دائرة الطب العدلي لكي يجري سحلها والتمثيل بها .

لا شك ان سحل الجثث والتمثيل بها عمل لا انساني وغوغائي لكن علينا قبل ان نطلق الصفات والاحكام ونسم الشخصية العراقية بسمة العنف جراء مثل هذه الممارسات ان ننظر الى الدوافع التي يقف خلفها تاريخٌ من العنف الحكومي البالغ الشدة بل والترويع والمثلة التي يتجنب ذكرها والاشارة الى دلالاتها واثرها الاجتماعي والنفسي، اليوم، من يتفجعون على مصير عبد الاله او " الباشا  " ويحاولون ادانة العراقيين بعنف يجري منهم مجرى السمة ويرتبط بهم ارتباط الخصلة، جراء حوادث او في الحقيقة حادث واحد جرى فيه قتل بضعة اشخاص فقط، وهو ما حصل ويحصل، سابقا ولاحقا، عند شعوب اخرى شقيقة ومجاورة، واخرى قصّية ومختلفة .

ان تاريخ العنف الحكومي البالغ، بالنسبة للعهد الملكي، والذي تمثل في مواجهة العديد من المظاهرات بالرصاص وقتل وجرح المتظاهرين واستخدام التعذيب ضد المعتقلين والسجناء استخداما روتينيا في التحقيقات الجنائية تمثل ايضا في  سلسلة من الاعتداءات والمجازر بحق السجناء العزل، كما حصل في سجني بغداد والكوت عام 1953 حيث قتل في سجن الكوت وحده عشرة سجناء وجرح 94 من مجموع السجناء البالغ 123 سجينا، بل وبلغت الوحشية حد التعمد بترك احدهم ينزف في ساحة السجن يوما كاملا وحتى الموت، دون تقديم المساعدة الطبية الممكنه له او السماح للسجناء بتقديمها او نقله الى حيث يمكن ان يتلقى الاسعافات . كما ان اضرابا عماليا، ذو مطالب اقتصادية في الجوهر، ضد شركة نفط اجنبية، هي شركة نفط كركوك،  جوبه، ايضا، بمجزرة، مثلما حصل في اضراب عمال شركة النفط المذكورة، المتجمعين في حديقة كاورباغي وقتل 16 عاملا  منهم وجرح 30 آخرين من قبل الشرطة التي استخدمت الرصاص الحي! .

لقد كان تعليق الجثث في الساحات العامة بهدف الترّويع سياسة عامة بالنسبة لحكومات العهد الملكي، فقد عُلقت جثة صلاح الدين الصباغ امام وزارة الدفاع وتُركت يوما كاملا هناك، كما اسلفنا، وهو احد قادة الجيش المعروفين وشخصية من الشخصيات الرسمية ذات المكانة، بالنسبة للنظام والحكومة،عام 1942  .  وعُلقت، كذلك، جثث قادة الحزب الشيوعي يومي 14و15 شباط 1949 في ثلاثة ساحات عامة في بغداد وتُركت معلقة حتى صباح اليوم التالي  . وهذه الوقائع، هي، من وجهة اجتماعية ونفسية، تربية للجمهور بأساليب وصيغ المواجهة والتعامل، انتهجها النظام وانتج بالتالي ردود افعال مشابهة، وألقى ورسّخ دروسا في السلوك السياسي سيكون بعض رجاله ضحاياها في المستقبل القريب، كما حصل يوم 14 تموز . ان اسلوب العنف البالغ والشّدة غير المسبوقة  كانت منهجا معتمدا ومتعمدا، خصوصا من قبل نوري السعيد، الذي كان يردد، كما قال من عرفه عن قرب، انه يعرف الشعب العراقي جيدا ويعرف دواءه المناسب، اي الشدة والعنف . كما ويُنسب له، ايضا، تعبيرٌ آخر ينم عن شدة احتقاره، ليس للعامة من الناس فحسب،بل وللعراقيين عموما ومهما كانوا، بتشبيههم ببالوعة الصرف الصحي التي لا ينبغي لاحد ان يفتحها، كناية عن الحرية والحقوق الديمقراطية !

حينما وقع انقلاب بكر صدقي عام 1936 لجأ نوري السعيد الى السفارة البريطانية ومن هناك هُرّب الى خارج العراق ثم جرت بعد ذلك تصفية وقتل قائد الانقلاب ومساعده قائد القوة الجوية " علي جواد "  باغتيال مدبر . اما في 1941 فقد هرب نوري السعيد فيما لجأ الوصي عبد الاله الى السفارة الامريكية ثم هُرّب على ظهر بارجة بريطانية، وعندما استتبت لهما الامور بمساعدة بريطانيا، عادا الى السلطة ونكلا بقادة حركة مايس بإعدامهم والتنكيل بهم . لقد ولّدَ ذلك خشية مبررة لدى قادة ثورة 14 تموز وجمهورها من هرب كل من الوصي عبد الاله ونوري السعيد الذي بادر الى الهرب فعلا وكان يروم الوصول الى السفارة البريطانية بغية الاستعانة بالقوة الاجنبية والعودة الى قلب الطاولة على الثورة والثوار ومن ثم تصفيتهم كما تعّود عند كل تهديد جدي لأسس النظام السياسي القائم، ومن الطبيعي، والحال هذه،  ان تصدر حكومة الثورة في يومها الاول نداءا بهربه وطلب القبض عليه، ومن المتوقع، اذن، ان تخرج الامور عن السيطرة عندما يُلقى القبض عليه من قبل جمهور متحمس رسخ في وعيه ان نوري السعيد هو ممثل للمصالح البريطانية المعادية في العراق وانه يتحمل جلّ وزر ما اقترفه النظام المنهار من عنف مباشر او تفريط بالمصالح الوطنية .

لقد رأينا، عبر ما سردناه من وقائع، ان العنف والانتهاكات الشديدة لكرامة الانسان وحرياته، كانت، في معظم الاحيان وربما كلها، لصيقة بالممارسة الحكومية لا الشعب . وان الشعب كان ضحيتها دائما، وسواء  كان ذلك  في العهد الملكي او بعده  . بل يمكننا القول، ان العنف الممارس ضد الشعب العراقي، سوآء من قبل  الانكليز، او الحكم الهاشمي الذي نصبوه او انقلابيي شباط 3 196او النظام البعثي ثم الصدامي منذ 1968 يثير شكا  مبررا فيما اذا كان " وصفة " الزامية او منهج سياسي تواطئت عليه واقرته تلك الحكومات والانظمة، كوصفة مجربة لابد منها لأذلال وحكم الشعب العراقي، يخرج موضوع تناول اسبابها او دوافعها المحتملة عن نطاق هذا المقال ويحتاج الى تحر جاد ومسؤول ومدعم بالبراهين الضرورية .غير ان الملفت للنظر، حقا، والذي ينبغي تثبيته، هنا، ان الشعب العراقي، لم يعرف صورة مشابهة لهذا السلوك والنهج من قبل حتى السلطات العثمانية سابقا  ! وجل ما عرفه، منها، كان  اما قمع التمردات العشائرية التي كانت تهدد السلطة اوالمدن او تمتنع عن اداء الضرائب الحكومية، او ماكان يجري، احيانا، ضد متمردي المدن او الشقاوات او اللصوص . ولكن العراقيين، لم يشهدوا، في معظم الاحوال، خلال ذلك العصر الذي يوصف بالظلامية، ما شهده لاحقا، وعبر انظمة الحكم المتعاقبة، من اعدامات لدواع فكرية او سياسية او ترويع بتعليق الجثث للأسباب ذاتها، كما انه لم يألف ممارسات تهدده في وجوده وانتماؤه الوطني كمثل اسقاط الجنسية، الذي عرفه، لأول مرة، في العهد الملكي، او التهجير او التعذيب الممنهج للمخالفين سياسيا !

ان القول بأن سمة العنف سمة من سمات الشخصية العراقية يجب ان ينبع عن تسجيل ملاحظات متواترة في السلوك العام اولا . ويتعّين ان يعتمد على دراسات سايكولوجية تتقصى التربية العائلية ومفرداتها ويبين نتائجها المحتملة وانعكاساتها في تكوين الشخصية ثانيا  . كذلك ينبغي له ان يبحث في التقارير السلوكية للمشرفين او الباحثين الاجتماعيين في المدارس او المراكز الاصلاحية بخصوص هذه الظاهرة، ولا بد، ايضا، من مراجعة السجلات الجنائية وتثبيت نسب جرائم العنف واساليبها ومقدار الشدة والانحراف الذي تتسم به ....الخ، وليس بالقاء الكلام على عواهنه واتباع مايرد في مقالات رأي او سياسة ذات توجه وغرض يجانب المعرفة العلمية والدراسة المحّكمة اساسا .

لقد وصف الراحل، علي الوردي، الشخصية العراقية، ذات مرة بالادعاء والدونكيشوتيه، ومثل لها بشخصية بغدادية قد تكون حقيقية او من صنع الخيال الشعبي، او علقت عليها ونُسجت حولها، كما يجري عادة في مثل هذا المقام، الكثير من الاخيلة وبنات افكار العامة، هي شخصية " خلف بن امين "، ورغم ان ذلك قد يسوء البعض، لكنني ارى انه اقرب الى الواقع، لا بسبب تكوين عرقي او حقيقة بايولوجية، وانما بسبب نمط التربية الاسرية ذاته،وبسبب نمط التربية الاجتماعية الذي كان يتلقاه الافراد من خلال المؤسسات الاجتماعية الاخرى، كالمدرسة وقبلها الكتاتيب والمقهى او غيرها . وملاحظة بسيطة لطبيعة الشجارات التي  كانت تحصل بين الشباب والرجال في المناطق الشعبيه، تريك ضآلة العنف الجسدي الفعلي الذي تنطوي عليه، وانها في الغالب،عبارة عن سيل لا ينقطع من الشتائم " الفشار " المتبادلة التي تنال الاشخاص والاعراض كما تنال السماء حصتها الدائمة منها، ايضا، وهذا كله تصريف للانفعال وطاقة العنف في مسارب اخرى، غير عنفية، كما هو معلوم !

ان من يقارن مثل هذه الشجارات، او اغلبها، بمثيلتها لدى شعوب شقيقة، اتيح لي، ملاحظتها، كما في حالة مصر او سوريا، يرى انها الأقل اتصافا بالعنف الدامي والجرأة في استعمال الاسلحة الجارحة والمميته . وهذا لا ينفي، طبعا، وجود حالات القتل، خصوصا في المناطق الريفية، والتي تحصل، في الغالب، جراء نزاعات على الارض او الماء او طلبا للثأر او جراء نزاع عشائري، رغم انها، هي الاخرى، لم تكن على شاكلة ما يجري اليوم بسبب المستجدات التي شهدها الوضع العراقي اولا، كما ان لها مثيلاتها في معظم بلدان المنطقة وهي تخرج بأسبابها ووقائعها ودلالاتها عن ان تشير الى سمة من سمات الشخصية العراقية .

ان الخلاصة التي يمكن الوصول اليها  بصدد موضوعة ان العنف سمة من سمات الشخصية العراقية هو ان هذه الموضوعة غير مدعمة وهي تفتقر الى الاسناد العلمي الضروري وتنتمي، في الغالب، الى كتابات الرأي ومقالات الغرض السياسي، وان معظم من رددها، دون ان يتفحصها، كمصادرة وفكرة مسبقة،  يعاني من وعي ملتبس  وجهل بالوقائع ودلالاتها في افضل الاحوال،  اوانه يسعى الى غرض يهدف، كما اسلفنا سابقا،  الى مساواة الضحية بالجلاد بالقاء المعاناة العنفية المريرة والانتهاكات الصارخة غير المسبوقة التي عانى منها العراقيون، طوال عهود، على كاهلهم انفسهم وابراء الجلادين والجهات التي تقف خلفهم من مسؤوليتها وتبعاتها ! 

 

 

 

معروف لحضراتكم حكاية (نرسيس) الفائق الجمال في الميثولوجيا الأغريقية الذي تنبأ له العراف " تريزياس" بانه سيعمر طويلا شرط ان لا يرى انعكاس وجهه في المرآة، وكيف اغرته احدى الحوريات ليشرب من ماء بحيرة صاف ليرى انعكاس وجهه فيعجب بجماله ويتجمد ويتحول الى زهرة النرجس التي اصبحت رمزا للحب بلا عاطفة صادقة، ومنها اشتقت (النرجسية) التي تعني حب الذات. وما هو غير معروف بالدقة هو دخول مصطلح (النرجسية) ميدان الطب النفسي واختلاف الرأي ما اذا كانت النرجسية اضطرابا "مرضا" نفسيا ام حالة عادية، الى ان استقر الرأي عبر سنوات من المعاينات التشخيصية لأشخاص يشتركون او يتشابهون في تصرفات وانفعالات وافكار متعبة لهم والآخرين، جرى وضعهم في صنف اطلق عليه اضطراب الشخصية النرجسية حددت اعراضه بتسعة في الدليل التشخيصي الأمريكي، بينها (الشعور بالعظمة، المبالغة في الانجازات، الحاجة الى الإطراء وألقاب التعظيم، الغطرسة والتعالي، واستغلال الآخرين دون الأهتمتم بمشاعرهم).وبتأثيرها شاع اعتقاد خاطيء هو ان النرجسية حالة مكروهة وغرور سفيه، وهذا ليس بصحيح بمعيار التعميم، لأن الغالبية المطلقة من المبدعين يحملون قدرا معينا من النرجسية، ما يعني ان النرجسية التي تعبر عن الاعتزاز بالذات دون التعالي على الآخرين تعدّ احد اهم دوافع الابداع لاسيما في الشعر والأدب والفن. الى هنا، وتحديدا ستينيات القرن الماضي، كان لدينا صنفان من النرجسيين:" العاديون" بالتوصيف في اعلاه، والمرضيون بتوصيف الطب النفسي..ثم ظهر الصنف الثالث وهم (النرجسيون الخبيثون). وصار ينظر الى النرجسية على انها طيف او بعد ممتد من السيكوباث في النهاية الأسوأ الى النرجسية الخبيثة في الوسط الى اضطراب الشخصية النرجسية في النهاية الأقل حدة. ولدى مراجعتنا لعدد من الدراسات الأجنبية، ومتابعتنا الشخصية..وجدنا صنفين من النرجسية شائعين بنوعين من البشر هما المثقفون والحكّام..وعن هذي الصنفين سنتحدث. المثقفون والنرجسية علينا ان نميز بين النرجسية وحب الذات لأنهما حالتان مختلفتان وليستا واحدة كما يعتقد كثيرون .فان يحب الفرد ذاته فهذا يعني انه على وفاق معها، وانهما يسعيان الى ان يكونا بحال افضل اعتباريا ومعرفيا، شرط (وهذا هو الحد) أن يكون هذا الحب قائما على تقدير موضوعي لما يمتلكه من قدرات ومواهب. ولهذا يحق للشاعر او المثقف ان يعتز بنفسه (ذاته) وبمنجزه الشعري أو الأدبي.. فيما المثقفون النرجسيون، لاسيما الشعراء منهم، يتصفون بالتعالي وتضخيم الذات وحب الألقاب والزهو والتفرّد والأستعراضية وحب الظهور والأنانية المفرطة والانشغال بخيالات تتعلق بشهرة او حصول على جوائز عالمية (نوبل مثلا).. فضلا عن ان حاجتهم الى الأطراء والأعجاب تكون عندهم كحاجة جهنم :يسألونها هل امتلأت تقول هل من مزيد! وثمة فرق بين نرجسية جميلة لطيفة منتجة تنطبق على صاحبها كما هي عند نزار قباني ونرجسية اخرى لدى شاعر يجعل من نفسه مركز الكون..وهذا مرتبط بموضوع المنجز الشعري.فالذي غفر لنزار نرجسيته هو الحب والغزل والتودد، فيما لم نغفر لآخرين نرجسيتهم لأن موضوع شعرهم تركز في البطولة والاستعلاء والقدرات الاستثنائية. فأنت لا تتعامل مع المتنبي في قوله: (وكل ما قد خلق الله ولم يخلق.. محتقر في همتي كشعرة في مفرقي) كتعاملك مع نزار في قوله: (لن تستطيعي بعد اليوم أن تحتجي بأني ملك غير ديمقراطي فانا في شؤون الحب اصنع دساتيري وأحكم وحدي...و: كان عندي قبلك ... قبيلة من النساء انتقي منها ما اريد .... واعتق ما اريد) برغم أن نرجسيته ومنطقه كما لو كان خليفة عباسي. الحكّام والنرجسية الخبيثة يعد عالم النفس الاجتماعي ايريك فروم هو اول من نحت مصطلح النرجسية الخبيثة (malignant narcissism )عام 1964، واصفا اياها بأنها (مرض عقلي حاد..وأنها تمثل جوهر الشر)، محددا حالتها بانها (المرض الأشدّ حدة، وجذر الحالات الشريرة الأكثر وحشية ضد الانسانية) . وفي عام 1967 وصف ( Edith Weigert )النرجسية الخبيثة بأنها هروب نكوصي من الاحباط الناجم عن تشوش او انكار للواقع، فيما وصفها Herbert Rosenfeld (1971 بانها نمط مشوش من الشخصية النرجسية حين تكون العظمة، الأبهة، الفخامة قد بنيت على العدوان، وحين تكون الجوانب التدميرية للذات قد اكتملت. وبتطور هذه الأفكار توصل المحلل النفسي Otto Kernberg الى ان الشخصية المضادة للمجتمع هي اساس او جوهر الشخص النرجسي عديم الاخلاق، بمعنى ان السادية السيكوباثية هي الخاصية المميزة للنرجسي الخبيث.ومع ان (أوتو) كان اقترح في العام1984ادخال النرجسية الخبيثة في دليل الطب النفسي الامريكي ودليل منظمة الصحة العالمية بوصفها تشخيص طبنفسي، فانها لم تقبل في الدليلين المعتمدين. ولقد وضع المحلل النفسي الفرويدي هذا (أوتو)توصيفا لها بانها متلازمة من اضطراب الشخصية النرجسية وصفات من الشخصية المضادة للمجتمع، وسمات من البرانويا..مضيفا لها صفات غياب الضمير والحاجة النفسية للقوة والشعور بأهمية فخامة الذات.وبتشخيص مشابه، وصف بولوك Pollock النرجسية الخبيثة بأنها شعور مرضي بالفخامة، ونقص في الضمير وانتظام السلوك مصحوبا بالقسوة والسادية التي تمنح صاحبها الشعور بالمتعة والبهجة. ويتفق علماء النفس والأطباء النفسيون بأن الأشخاص النرجسيين كثيرون فيما النرجسيون (الخبيثون) قليلين، محددين الفرق الرئيس بينهم بخاصية السادية او الاستمتاع غير المبرر لرؤية الآخرين يتألمون.فالنرجسي (العادي)يتعمد مواصلة ايذاء الآخرين لرغبات انانية ولكن يمكن ان يعتذر وقد يظهر في حالات الشعور بتانيب الضمير، فيما النرجسي (الخبيث) يؤذي الآخرين ويستمتع بذلك مظهرا القليل من الشفقة او الندم لما حصل لهم من أذى.غير ان متابعتنا الشخصية على الصعيد العربي اوصلتنا الى ان الحكّام المصابين بالنرجسية الخبيثة(او الحقودة لدلالتها السيكولوجية على الانتقام) يكونون قساة بوحشية، عديمي الضمير لا يشعرون بالذنب لما سببوه من أذى للآخرين، بل أنهم يستمتعون برؤية من يعذّبون، ولا يشعرون بالندم على ضحياهم وان دفنوهم احياء تحت الأرض. والمفارقة أن انموذج النرجسية الخبيثة، كان الرئيس معمر القذافي التي ما كانت شائعة ولا معروفة في زمانه..فان الفضل في احيائها وانشغال السيكولوجيين والاطباء النفسيين بها يعود الى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب..الذي صوره الاعلام الأمريكي بأن نرجسيته الخبيثة، التي اشاعها السيكولوجيون، ستجعل منه (مجنونا) فيما هو بالمقارنة مع معمر القذافي وصدام حسين..الأعقل في حبه لوطنه وشعبه. أ.د.قاسم حسين صالح مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

العقول الحضارية تتوالد، والعقول الخرابية تتخامد، والعقول الواعدة تتعامد وتتعاضد. في هذه الفكرة تعبير عن أزمة العقل العربي الذي تسبب في صناعة التداعيات الفاعلة في الحاضر والمؤثرة في المستقبل، وهي التي أسهمت بتأسيس الآليات التخامدية السلبية الناقمة على العقل والحياة، لأنها تريد أن تغيب لكي تكون!!

فالحياة إثم في منطوقها الخيباوي المؤطر بتأويلات منحرفة وتصورات سقيمة، وتطلعات مريضة، وأوهام عقيمة، متراكمة في أقبية الأجداث ورفوف الغابرات العفنة النكراء.

فالواقع العربي لا تتحرك فيه عقول متوالدة أو متفاعلة بإيجابية ذات عطاءات إقتدارية بنّاءة ومكوّنة لمنهج صيروراتي جدير بالتفاخر والإعتزاز، فالذي يسود سلوكيات إعتقالية تسمى عقلية أو فكرية تهدف إلى التطلع الأناني، والترسيخ الذاتي والإلغائي للعقل الآخر، أو الرأي والتصور الذي عليه أن يتفاعل ويتواصل، لكنه يتصادم ويتفاني في تصارعات خسرانية مروعة.

فالعقول العربية المفكرة ممعنة بالأنانية والتخندق الذاتوي المتمترس في ما فيها من الرؤى والتصورات، وتأبى أن يتزحزح أو تمد يد التفاعل والتبادل العقلي والفكري الذي يساهم في التنمية والتطور والنماء.

فتجد المفكر العربي في عزلة عن المفكرين الآخرين، وفي تقاطع وربما عداء مع الشعب، مما تسبب بعدم تأثير الفكر في الحياة العامة، وعلة ذلك أن المفكر العربي يتوهم بأن المجتمع جاهل أو دون إدراك ما يريده ويراه، ولهذا فلا منفعة من التواصل مع الناس، وإنما الإمعان في التصومع والتصوف الفكري هو الديدن السائد في الحياة الفكرية العربية.

فالمجتمع العربي فيه العديد من المفكرين المنعزلين عن بعضهم البعض وعن مجتمعهم، ويجدّون ويجتهدون ويكتبون ويؤلفون، لكن ما ينتجونه يكون رهين الرفوف، وبعيدا عن الساحة العملية للحياة والواقع اليومي للإنسان.

أي أن المفكر العربي منقطع عن مياه الحياة، وينظر إلى الأمور من بعيد، أو يبدو وكأنه يقف على التل، ويتصور وينهزم ولا يطرح ما يراه بآليات ذات قيمة تأثيرية تغييرية وقدرة على التطور والإنطلاق إلى الأمام.

ويبدو كأنه يتمتع بنرجسية وغرور وكبرياء، وربما يرى نفسه فوق الآخرين ولا ينتمي إليهم، لكنه مجرد يقرأ ويستنتج وفقا لما درسه وتعلمه من النظريات ومناهج التفكير والتحليل، ويصل إلى ما لا يتفق مع أبجديات الواقع المهزوم والمأزوم.

كما أنه لا يزال معتقلا في الماضوية، ولا تجد مفكرا لم يغرق في الماضي ويحاول أن يفسر به ما يدور في الزمن المعاصر، في واقع حصلت فيه إنقطاعات وتجهيلات وتحريفات للماضي وحتى الحاضر المرير، وهذا يدفع إلى الإتيان بطروحات ذات تأثيرات سلبية وضبابية وينقصها الرصيد الواقعي الكبير، فهي إنسكابات تائهة وحائرة في رمضاء جدباء متعطشة لقطرة ماء، فيُسكب عليها السراب ولا تزال تلهث محرومة من طعم الماء.

هذه العقول المفكرة، يبذل أصحابها طاقات وجهود متواصلة للإطاحة ببعضها البعض، والنيل من غيرها ظنا منها بأنها ستكون، وكل منها يقف موقف الذي تنتهي عنده العلم والمعارف والثقافات، فهو الذي يدري وغيره لا يدري.

بينما العقول الغربية تتفاعل بأساليب أخرى، وتنطلق من بعضها نحو آفاق أرحب، فالغاية ليس المفكر ذاته وإنما الفكرة، وهذا المفهوم يغيب عن سلوك المفكر العربي، أي إدراك المسافة ما بين المفكر والفكرة، وأن التوجه عليه أن يكون نحو الفكرة وليس المفكر، وأن يكون الإنطلاق من الفكرة، وليس من الهجوم على المفكر ومحقه وتدميره ووأد فكرته، دون أدلة موضوعية وبراهين واضحة تنمي التفكير وتنقل العقل إلى مدارات متسعة العطاء والإبداع.

ومن الصعب أن تجد تفاعلات وَلاّدة ما بين المفكرين العرب، وإنما يسود الإحتراب والتصارع القداح الهادف إلى النيل من المفكر ذاته، وعدم النظر لفكرته وما يراه وآليات البناء على ما يراه أو الإنطلاق منه إلى أفق تفكيري جدير بالنماء.

هذه الأساليب التخامدية المتحكمة بعلاقات المفكرين العرب ببعضهم وبمجتمعاتهم، تسببت بصياغة الواقع الأليم الذي نعيشه ونتمحن بتداعياته، ونتورط بمعتقداته ومنطلقاته الظلامية المدمرة لمفردات الحياة الذاتية والموضوعية.

وعليه فأن الواقع العربي بحاجة ملحة إلى ثورة فكرية ونهضة عقلية وسلوكية معاصرة، لها القدرة على تحشيد العقول وتهذيب النفوس وتطوير السلوك والإرتقاء به إلى فظاءات الإنسانية السامية، والتعامل مع الأفكار بحرية إدراكية وطاقات شبابية حرة واعدة متطلعة نحو الأفضل والأقدر والأجمل.

ولابد للمفكر العربي أن يعيد النظر بذاته وموضوعه وكيفيات تفاعله مع الواقع الذي يفكر فيه وبه، ومن غير ذلك سسيبقى ناعور الخراب يدور، ولا يسكب إلا الدموع والدماء في سواقي الويلات العربية الآسنة!!

وأنه لعيب فاضح أن تتمحن أمة بجواهر ما فيها، ويعجز مفكروها عن إستنهاضها والإرتقاء بها إلى حيث يجب أن تكون وتتحقق!!

فهل حان وقت الصدق مع النفس والإيمان بسلطة العقل والإدراك والبحث والإمعان؟!!

عاشت نكون فهي الغاية والعنوان!!

 

د. صادق السامرائي