harithe almobarakشهدّت الساحة الاعلامية في السنواتِ الأخيرة أنتاج مجموعة كبيرة من برامج اكتشاف المواهب الفنية في مجالِ الغناء,ويتكون كل برنامج من لجنةٍ تضمُ عدد من الاعضاء المختصين في المجالِ الفني تقع على عاتقِهم مهمة أختيار الموهبة الأفضل و بِمساعدة وتصويت الجمهور للموهبة المتميزة لديهم ليِصبح بعدها الفائز نجمٍ في عالم الفن .

ولكن صناعة النجوم الفنية لم يعد مقتصرٍ على تلكَ البرامج فقط أنما دخل الى عالم آخر وهو عالم التكنلوجيا .

ولا يخفى على أحد أَّنَّ التكنلوجيا دخلت في كلِ نواحي الحياة لكن الجديد أنها اصبحت تُنافس الأنسان في الأبداع الفني.

في عالم التكنلوجيا أصبح بِأمكان برنامج رقمي أن يرسم أجمل اللوحات الفنية ويُنافس أشهر الرسامين,ودخلت التكنلوجيا أيضاً في مجالِ الغناء وصناعةِ النجوم .

فمثلًا أذا مَزجنا عدد من الأصوات لِمُغنيين مشهورين داخل برنامج كمبيوتر واستخرج هذا البرنامج صوت واحد متميز من هذهِ المجموعة من الأصوات الجميلة ,فيُعتبر هذا من الخيال العلمي لا يستطيع احد تصديقه. ولكن هذهِ حقيقة موجودة في كوكبِ اليابان.

ان شركة Crypton Future Media التي بدأت مشوارها التجاري في استيراد الأغاني في عام 1995 عملت على تطوير مبيعاتها من أقراص CD وأقراص الفيديوالرقمي.

بعدها عُرفت تلك الشركة بِأنتاج وتطويرالمبيعات وذلك عن طريق مزج وتركيب الألحان الموسيقية بِالكمبيوتر . بعدها قامت الشركة بِتطوير برنامج اخر وهو برنامج فكالود (vocaloid) الذي يتألف من مقطعين الأول vocal وهي تعني الحبل الصوتي والمقطع الثاني كلمة Android والتي تعني إنسان ألي .

فكالود (vocaloid)برنــامج غنــاء حاسوبي رقمـــي وكانت فكرة هذا البرنامج من اخـــتراع السيد Kenmochi Hideki

وتم تطوير هذا البرنامج من قبل شركة YAMAHA اليابانية وهي شركة ضخمة يقع مقرها في هاماماتسو في اليابان تعمل على انتاج الآلات الموسيقية ومكونه من الحاسوب والألكترونيات التي تستخدمه شركة Crypton Future Media في منتجاتها¸ويستخدم محرك لِتوليف الغناء لهذا البرنامج،الذي يعمل على مزج مجموعة من الأصوات لِفنانين يابانيين ثم أُستخراج صوت افتراضي جميل منها ومن أجلِ أكتمال الصورة مع الصوت فقد رُكب لِهذا الصوت دمية كارتونية سُميت هاتسوني ميكو(Hatsune Miku).

بعدها أصبحت تلك الشخصية الافتراضية التي صنعتها شركة Crypton Future Media من أشهرِ المغنيات في اليابان مُقارنة بِالمغنين الحقيقين, و تُباع تذاكر حفلاتها كاملة وخصوصاً بعد ما أدخل نِظام 3D في ظهورها على مسارح الغناء.

وقد أجرت شركة Crypton Future Media تطور آخر على شخصية الدمية وذلك بِصناعة جهاز اخر يحتوي على سلة من الألحان ثمَّ يُضاف أليه لحن أخر من ألحان أحد الفنانين وتمتزج الألحان مع بعضها لِتعطي بالنتيجة ألحان أخرى جديدة مُصممة بشكل خاص للدمية المغنية بعدها تُضاف الكلمات على لحن الأغاني المستخرجة من البرنامج وبعدها تكتمل عناصر الأغنية من صوت ولحن وكلمات و تصبح جاهزة كي تُغنيها المغنية الدمية هاتسوني ميكو(Hatsune Miku) .

وقد حصل تطور آخر على البرنامج فأصبح يعمل على برامج أنظمة IOS لهواتف الأيفيون و Android,ويوجد أيضا في برامج وندوس 10 وبِمختلف اللغات

وهكذا أصبحت التكنلوجيا مُتذوقة للجمال ومُنافسة للأنسان في الأبداع الجمالي الفني

يا ترى الى اين سيصل بِنَا هذا العالم الكبير المتشعب؟؟؟

 

بِقلم المهندس / حارث المبارك

 

hashem mosawiبتأثير من إختصاصي في الهندسة المعمارية .. فإني في دراسات سابقة لي، ذكرت مرارا، بأن التيارات المعمارية المعاصرة تأثرت بشكل كبير باللغة، لا سيما وإننا نعتبر العمارة هي لغة بحد ذاتها.

وفي اللغة تتجلى العلاقة ما بين الشكل والقيم المعنوية في مستويات عدة تستهلها الكلمة ويحكمها السياق، وفي هذا الصدد يشير "ديفيد نيمان" في سلسلة محاضراته حول مهد الحضارات إلى البدايات الأولى للكتابة وذلك على يد السومريين، موضحا النظام الأساس للكتابة الذي تطور بسرعة كبيرة مابين السومريين وبعدهم مباشرة المصريين، فالمقصد الأساس لهذا النظام كان تمثيل الفكرة كتابة، فالسومريين في البداية عندما وضعوا هذا النظام كان لإسباب نفعية كإجراء العقود التجارية وتعريف الملكية الخاصة، وما شابه، غير أنهم إستعانوا بهذا النظام فيما بعد لكتابة أدبياتهم من شعر وملاحم وقصص وأساطير، والتي كانت موجودة في الحقبة ما قبل إيجاد الكتابة ، لكنها بوجود الكتابة أصبح بالإمكان توثيقها ، وإحدى أقدم تلك القصص التي وصلتنا باللغة السومرية والتي إتخذت شكل القصيدة هي ملحمة كلكامش، التي تم العثور على نسخ عدة منها، كان أكملها وأتمها نسخة بابلية كانت في الحقيقة ترجمة للقصة السومرية عثر عليها في مكتبة آشور بانيبال، غير أن هناك في الأصل نسختين سومريتيين من قصة كلكامش، أحتوت القصة نفسها  ،لكن بشخصيات مختلفة وأبطال آخرين، فالقصة نفسها لكنها كتبت بأشكال مختلفة. ويُرجح نيمان أن الذي أوحى للسومريين بفكرة الكتابة هي ميزة تمتاز بها اللغة السومرية ذاتها، قادت بصورة مباشرة الى تلك العلاقة بين الصورة، وبين الصوت بدون الصورة، هذه العلاقة للصوت والصورة التي أدت الى فكرة الكتابة نتجت، لأن للغة السومرية بنية تدعى اللصقية أي تنتج وحدات من وحدات متلاصقة، ويذكر نيمان أن هناك لغات عدة تحتوي على مثل هذه البنية، وفي مثل هذه اللغات يكون للمقطع اللفظي الواحد معنى معيناً لوحدهِ، لكن هذا المقطع من الممكن أن يصبح له عدة معانٍ تبعاً لإسلوب تلفظهُ، كما أن هذا يتيح أيضا إذا ما رُسمت صورة (خروف) مثلاً، والخروف في اللغة السومرية (لو) إي أن الشخص لو تلفضها دون النظر الى الصورة وقال (لو) بلفظ آخر ستصبح بمعنى (رجل) هذا يعطي الفرصة لأن يضع أحدهم صورة الخروف وإلى جنبها صورة لشئ آخر ليقول إنني لا أعني خروفاً و إنما أقصد الرجل .. وهكذا .. بمعنى آخر إن إلصاق العناصر الواحد جنب الآخر كفيل بتغيير المعنى لذا أطلق على مثل هذه اللغات اللصقية، هذا فضلاً عن أن لكل عنصر، ولكل مقطع لفظي، معنى خاصاً به، هذا يعطي الفرصة لعزل الصورة عن الصوت، لذا أصبح بإمكانهم إدراك أنهم إذا رسموا صورة لتعني شيئاً ما، ثم تم لفظها دون النظر الى الصورة من الممكن أن تعطي معنى آخراً، وهكذا تدريجياً إنبثقت الكتابة.

 فالكتابة هي التمثيل الرمزي للكلام البشري، دون أن يتم بالضرورة الرجوع الى مشهد أو صورة. وهكذا يمكن لعنصرين متلاصقين (إعطاء معنى آخرا مغايرا لهما . (Dr. David Neuman website, Neuman,2008)

نجد هنا أن للشكل الواحد معانٍ عدة فهناك المعنى الذاتي للكلمة بحد ذاتها فضلا عن المعنى الناتج عن السياق الذي قد يكون مغايراً بشكل كبيرعن ذلك المعنى الأساس، وهنا يصبح التركيز على السياق في فهم العلاقة ما بين الشكل والمعنى، كما أن المعنى الشامل الكلي للنص يمكن أن يتجسد من خلال أكثر من صيغة شكلية وهذا يتعلق بشكل كبير بخبرة وإبداع المؤلف الذاتية، فضلاً عن خواص الزمان والمكان واللغة، والإمكانات التي تتيحها للكاتب، فضلا عن أسلوب الترجمة من لغة الى أخرى، وهو ما نجده في الأدب وكمثال على ذلك ما ذكره نيمان حول ملحمة كلكامش. إن ما تطرق إليه نيمان يرجع بنا الى مقولة "دي سوسور" (اللغة والكتابة نظامان واضحان للإشارات، الثاني منهما وجد فقط لغرض تمثيل الأول). إن هذه النزعة التمثيلية، فضلاً عن الإتصال هما دون شك جوهريان في فكرة الإشارة، مما حدا ب دي سوسور إلى أن يقول: " أنا أقترح الإحتفاظ بكلمة (إشارة) للدلالة على الكل، وإستبدال الفكرة  والصورة الصوتية على التوالي بالمدلول والدال". لذا فإن الكلمة أصلا عبارة عن وحدة توليفية، أثر لـ"حقيقة غامضة نوعا ما .. التي يمفصلها (صوت الفكر) حتى لو كانت الكلمة بدورها تشكيلية، وحتى لو إحتوت على مفاصل أخرى، فطالما تكون المسألة حول العلاقة ما بين الكلام والكتابة في ضوء الوحدات غير قابلة للتجزئة لـ( صوت الفكر)، سيكون الرد بأن الكتابة ستصبح (لفظية)، وستمثل الخارج، أي ستصبح التمثيل الخارجي للغة و لـ(صوت الفكر)) هذا .  De Saussure 1993))

هكذا تتضح لنا نظرة دي سوسور الى اللغة والكتابة كأنظمة إشاراتية، يكون الهدف منها التواصل مع الآخر، فالكلمة (الدال على حد تعبير دي سوسور) الغرض الأوحد منها هو إيصال القيم المعنوية (المدلول). وبهذا يصبح الشكل أداة مرنة للقيم المعنوية، فإذا خلا منها يصبح بلا جدوى. حري بنا هنا إستعراض وجهة نظر "الجاحظ" في علاقة الشكل والقيم المعنوية في اللغة من خلال عبارته الشهيرة في وصف العلاقة ما بين القيم المعنوية والشكل المتمثل بالصياغة الشعرية للكلمات إذ يقول:  "المعاني المطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما الشعر صياغة وجنس من التصوير" وهو ما يذكرنا بكلمة الشاعر الفرنسي ملارميه : "إن الشعر يا عزيزي ديجا لا يصنع من أفكار وإنما يصنع من كلمات" .. فالجاحظ هنا يرى بأن من اليسير أن تكتب الحكمة من أفواه الفلاسفة والحكماء، لكن أمور الشعر منفصلة عن أمور الفلسفة والحكمة، ويقول أن هناك صياغة معينة أو تصورا خاصا يصح أن نسميه تصورا شاعريا. ويمكن القول بأن إيصال المعنى في أحسن صورة أو بيان يعد ترجمة لكلمة الجاحظ المشهورة، وكأن الجاحظ يعني أن إفهام المعنى لا بد أن يكون إفهاما مؤثرا. وبعبارة أخرى فإن الشاعر يقوم بعمله المؤثر من خلال الأرتباط بجوانب محسوسة و مظاهر البديهة أو ما نسميه الآن (التجسيم). إذا هناك معنى سابق على المجاز وتأتي العبارة الأدبية فتخرج هذا المعنى وتبرزه بقوة و دقة أكبر. ففي مقدرة كل واحد من الناس أن يعد ويوعد ويمدح ويرثي ويهجو وينفر، ولكن الشاعريخرج المعنى (الموجود) إخراجا خاصا، ويضيف إليه تفصيلات لم تكن معلومة واضحة من قبل. وهذا يرجع بنا الى مصطلح (البلاغة) الذي يعني إيصال المعنى الى القلب في أحسن صورة من اللفظ ... "المعنى مكشوف" عبارة الأمدي التي تعد ترديداً لعبارة الجاحظ "المعاني مطروحة في الطريق"، ويأتي ما نسميه حسن التأليف وروعة اللفظ فيزيد المعنى (المكشوف) بهاءا أو رونقا، معنى ذلك كما يراه "مصطفى ناصف" أن هناك زيادات  وغرابة طرأت عليه، وإن هذه العبارات كلها تنطوي تحت مفهوم واحد هو الصورة العارية و الصورة المنمقة، فالمعنى مكشوف أو عار والصورة المنمقة هي حسن التأليف أو براعة الألفاظ ، فهناك أصل و تحسين، وقد إعتاد دارسوا اللغة و الأدب على القول بأن اللفظ الحسن كالثوب الحسن، واللفظ القبيح كالثوب القبيح. ويقولون بأن الألفاظ كسوة المعاني، وأن الألفظ تحسن المعاني. فالألفاظ غدت هنا قوالب تنسكب فيها المعاني. غير أن ناصف ينتقد هذا التوجه في فهم العلاقة بين الشكل والمعنى ويركز على العلاقات بين الكلمات والتي ترتبط ضمن سياق معين وما لهذا من مظهر لنشاط خلاق، ويؤكد على أن هناك كلمات غريبة أو سوقية في حد ذاتها غير أنها قد تكون مطلوبة و مفيدة بتفاعلها مع سياق و أنظمة خاصة من الكلمات، فللألفاظ مكانة ذاتية (أي بحد ذاتها) أما الإرتباط بين الكلمات فإرتباط داخلي أو عضوي باطني، فالكلمات نتجت عن السياق واللغة في شكل سياق قوة فاعلة تعطي للأجزاء دلالات وفاعليات خاصة. معنى هذا أن هناك حركة خلق مستمرة في اللغة وتكيفاتها، وهو ما أغفله باحثوا اللغة في القرون الوسطى، لذلك نجد أن أثر اللغة ذو مفهوم بسيط. ويرى "ناصف" أن الشاعر قد يعمد أحيانا الى ما أسماه الأخطاء الجميلة للحصول على ما يرتضيه من صياغة شعرية متميزة، وإن هذا بحد ذاته قد يستثير حفيظة النقاد الذين يعدون قواعد النحو المتبعة ذات حرمة كبير، لأنها قد إستعملها الأكثرون. ويشير ناصف الى أن الشاعر يستعمل نفس القوالب (أي الكلمات والصياغات اللغوية)، ويتبع في الظاهر نفس السلوك اللغوي، لكن الشاعرعلى الرغم من ذلك يتمتع بقدر كبير من الحرية، حتى لو لم يعمد الى الأخطاء الجميلة، لكنه دائما يرى في القوالب النحوية رأياً آخر . ويؤكد ناصف أن الفلسفة الحقيقية للغة هي فلسفة الفن ، مع أن الفن ليس لغة خاصة، ولكنه يسمو بالبشر في داخل ذواتهم (ناصف 2007 ص38-69)

يتضح مما سبق تركيز الجاحظ ومعاصوه ومن تبعهم من باحثي اللغة في القرون الوسطى على أهمية الشكل في نقل القيم المعنوية وتفعيلها وجعلها مؤثرة في النفوس مؤكداً على عملية صياغة الشكل الذي تحتاج إلى مبدع (الشاعر في طرحه) لإكساب المعنى الشائع الغرابة والرونق الذي يجتذب المتلقي الذي كان في الأصل قد ألف ذلك المعنى، ولولا ذلك الشكل الجيد فإن المعنى لا يحظى بأهميته كونه نتاجاً متاحاً ومشاعاً للجميع، وما يوفره له ذلك الشكل الجيد هو جذب إنتباه المتلقي إليه من خلال الصياغات الجديدة وبالتالي حث المتلقي للتمعن في المعنى بحلته الجديدة . أما ناصف ومن وجهة نظر معاصرة يطرح أهمية السياق ودور العلاقات ما بين الكلمات في توليد الدلالات وما لهذا من أثر واضح في إعطاء مرونة وحرية أكبر في الصياغة الشكلية (الصياغة الشعرية و الأدبية  في طرحه)، كما ينتقد موقف النقاد الأوائل المتحفظ على بعض الألفاظ التي عدوها أخطاءاً والخطأ هو مجانبة ما عليه الجمهور، والعمل ضمن المألوف لديهم من صياغات و ألفاظ موضحاً ما لذلك من أثر سلبي على الإبداع داعياً لأن يكون الشعر حق خلق قوانينه الخاصة في العبارة، وهي قوانين الإبداع. وفي تحليله للشعر العربي لدى شعراء القرن الثامن عشر والتاسع عشر في مصر، يؤكد إبراهيم السعافين على أن الصياغة الشعرية ينبغي أن تكون في خدمة المعنى، أي أن الشكل الجيد ينبغي أن يكون معبراً عن المعنى الجيد، فالشكل ليس حلية زخرفية منقطعة الصلة بالمعنى. غير أن هؤلاء الشعراء قد فهموا الصلة بين الشكل والمضمون فهماً مختلفاً، فلم يفصلوا بين الشكل والمضمون فحسب، بل ألغوا المضمون في كثير من الأحيان. فالصورة غالبا ما تكون غير محددة الدلالة، لا تربطها بغيرها أي روابط معنوية فكيف بالروابط النفسية، كما أن موسيقى الألفاظ لا تخدم المعنى، ولا تتسق مع النسق العام داخل البيت أو القصيدة. ويتناول السعافين بعضاً من أخطر الأمور على الصياغة الشعرية وهي التكلف والإفتعال، ذلك لأنه يفقد القصيدة الروح التي تسري خلالها و يحرمها من الرابط النفسي الخفي الذي يحفظ  للعمل وحدته سواء أكان وحدته سواء كان وحدة صغيرة أم كان يتمثل في لقصيدة ككل. فلا يكن إهتماما إلا بالشكل و القوالب الجاهزة، مما يؤدي الى الوقوع في الحشو والتفكك في إبراز الحيل اللفظية على حساب الصياغة. وقد يقود التكلف إلى الإبهام والإسراف في التعقيد المذمومين .(الشعافين2007،ص 106-108) وهنا يؤكد السعافين على أهمية المعنى في الحفاظ على وحدة النص وموضوعيته وترابط مفرداته في سياق واضح وهو ما إفتقرت إليه الصياغات الشعرية التي كانت متبعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بسبب إهتمامها بالشكل دون المعنى مما أدى الى تفككها وعدم ترابط النص وغموض المعنى و بالتالي تكون الصياغة جوفاء.

 

 د.هاشم عبود الموسوي

......................

المصادر:

 1- د. ديفيد نيمان (1921-2004): حاخام وعالم آثار أمريكي من أصل روسي، عمل أستاذ في حقل الدراسات الإنجيلية وتاريخ اليهود، في عدد من الجامعات والمدارس الأمريكية والإيطالية، وبعد تعاقده في عام 1999 حتى قبيل وفاته بمدة وجيزة، قام بإلقاء مجموعة من المحاضرات في التاريخ وبالأخص  تاريخ اليهود في University of Judaism in Los Angeles. والتي وثقتها إبنته بالتصوير الفيديوي إبتداءاً من عام 2000 المصدر:

 www.drdavidneiman.com.

2- بونتا، خوان بابلو، العمارة وتفسيرها: دراسة للمنظومات التعبيرية في العمارة، ترجمة سعاد عبد علي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1996.

3- السعافين، إبراهيم، مدرسة الإحياء والتراث: دراسة في أثر الشعر العربي القديم على مدرسة الإحياء في مصر، الطبعة الأولى، دار الأندلس،بيروت، 2007.

4- Bonta, Juan, NOTES FOR A THEORY OF MEANING IN DESIGN, in"Signs, Symbols, and Architeture", Jhon Wiley &Sons, 1980.

5- De Saussure, Ferdinand, VALUE OF TERMS AND MEANING OF WORDS: Hoe the two coincide and differ, Saussure's Third Course of lectures on general linguistics, Ch.V, (1910-1911), published by pergamon Press, 1993.

 

raheem alsaidiنشرت فيما مضى مقالا حول جدلية القدم واليد وأشرت الى ان لعبة الغرائز تحولت من الملعب الاولمبي أو من ساحة القتال الدموية الرومانية وغيرها الى صورة وسيطة هي  الصراع مع الثور الاسباني في ساحة ما تزال مفتوحة ثم الى نمط مخفف من التحايل وهو ملعب كرة القدم .

كما إن تقسيم فيثاغورس الفيلسوف اليوناني للناس في الملعب الاولمبي الى ثلاثة أنماط  والتي منها نمط يتاجر وآخر يستمتع وآخر يشجع، أشار الى تفسير لغرائز الناس في ذلك الوقت، وهذا التقسيم الذي ادرسه لطلبة الفلسفة في المراحل الأولية، لم أجده تغير كثيرا، وهي نمطية تقسيم وجدناها عند الإمام علي بعده الناس وفق ثلاثة أصناف، واختيار فيثاغورس للمثل الواقعي كان جميلا فالناس بين مستمتع ومتاجر ومتعصب، ولكن هل يوجد اخطر من متعصب؟ كلا بكل تأكيد، فالتعصب يقود الى الخسران كما كان يقول لي أستاذي المرحوم الشيبي .

إن 35 وثلاثين مليون فرد ينظرون الى قضية ما في نفس الوقت في التلفاز، يعني انها 5 ملايين عائلة فان كان من ينظر الى هذه القضية باهتمام هم 4 ملايين فرد فقط، فذلك يعني ان العدد مهول، فإذا سيطرت عليهم وتابعوها بطريقة مشوقة فالخطر سيكون بسيطا ان كان سينتهي بشكل سريع اما إذا استمر فهناك كلام آخر .

سابقا كانت العائلة العراقية تنظر بشوق لبرنامج يهتم بإظهار مشاكل العائلة العراقية من شعوذة وسحر باهتمام بالغ، وسيكون الأمر مختلفا لو انهم شاهدوا البرنامج وانتهت آثاره في وقتها (مثل الماضي التام في اللغة الانكليزية) لكن المخيف ان العائلة الواحدة أخذت تشك بالعائلة الأخرى وبنفسها مع بعضها البعض وأصبح الدخول من منفذ شك النساء هو اخطر ما في الموضوع .

هنا بإمكان هذا الشخص السيطرة على 4 ملايين فرد من العائلة العراقية، ويمكن أيضا زرع الشك والبغض (وبشكله الجماعي)، ويلعب الإعلام الدور المريع في هذه القضية ,حتى ان انغماس الناس في خدر الانتباه الى ذلك البرنامج او لكرة القدم سيكون وازعا لممارسة السراق السرقة وسط هذه الغفلة، ان هذا الخشوع في الانتباه لكرة القدم  لن تجده مطلقا في صلاة ممارسيه، وهو غيبوبة لا أكثر،فترى الكثير من الإخوة الأعزاء (خاشعا متصدعا من لعبة ما)

وكرة القدم فهي نتاج متصل من لعبة غرائز عالمية،خرجت من كونها لعبة بريئة وتحولت بفعل العولمة الحديثة الى لعبة غرائز يمكن من خلالها الهاء الأمم، وهذا النوع من السيطرة على الغرائز يتعلق بصورتين متناقضتين هي (أنا + الآخر) وهو شرط ضروري لديمومة هذا الصراع ، وهي ثنائية أيضا ترتبط بثنائية (النفس والجسد الإنساني) (وبثنائية الانتصار أو الخسارة) (وبثنائية الموافق لي أو المخالف) (وبثنائية الأنا أو اللانا) (وبثنائية الحسد والغيرة)(أو بثنائية التكبر والذل) .

ولو كررت هذه العملية فان التشجيع بكرة القدم يتحول بفعل عوامل عديدة من مشاهدة بريئة الى صراع بين طرفين متصارعين، وفق ثنائيات النفس الإنسانية التي تبحث عن التفوق .

إذا فالصراع ليس بين فريقين ولمجرد الجمال أو اللعب الجميل بل يتحول الى صراع غرائز بين شخصين أو مجموعتين أو مجموعتين ينتصر كل منهم الى طرف، وهؤلاء لا ينتصرون إلا الى أنفسهم، لان خسران فريقهم يشكل ذلة من قبل مشجع الآخر وانتصار فريقهم يعني عزة لهم وهي من دون شك عزة وذله وهمية لا وجود لها، وكلنا يعرف ان بعض الناس لا تجد لقمة لأطفالها ومع هذا تقضي اغلب الأوقات بالدفاع عن فرق تؤمن على أطراف لاعبيها بمئات الملايين .

إن المتعة التي يطلبها  الكثير من هؤلاء (وجلهم إخوة وأصدقاء) هي نوع من أنواع الوهم الوجودي، فكيانهم يبنى على إحراز نصر لصرة ممتلئة بالهواء أو لفريق لا يمثل بلادهم، فان كانت مشاهدة من اجل الجمال فلا باس ولكنها لدى الأعم الأغلب لا علاقة لها بالجمال،لان لها غاية تثير لذة التشفي او الثائرية فيما بعد، وبغض النظر عن الطرق الإستراتيجية بالهجوم والدفاع والتغيير وأسلوب إدارة ما يمثل  معركة حقيقة، ولعله هروب من قبل الإخوة الأعزاء من سوء المظهر السياسي والاجتماعي والفكري والإداري والعسكري وهو تبرير فيه شيء من الصدق والواقعية، ولكن عليهم الاعتراف بأنه نوع من الإدمان الجماعي الذي يتحول شيئا فشيئا من نقطة محددة الى نقطة اللاعودة، فهم أشبه بالذي يهرب من إدمان السكائر الى إدمان المماحكة والتنابز والجدل وادخار والتوتر والتسابق على الانتصار لأنفسهم أولا، وإلا هل يعتقد هؤلاء ان هذه الدول أو هذه النوادي تهتم لهم .

وما يجعل هذه اللعبة لا تنتمي للجمال بمرور الوقت هو جانب التنافس الذي تحمله (الثنائية المتصارعة بداخلها) والتي تؤثر على الثنائيات الأخرى ببلدان أخرى، فهي ليست احد الأفلام التي تثير فيك المتعة مثلا وتنتهي بوقتها، فأثرها يمتد ويتجدد بطريقة ثائرية لا أكثر.

إن الصراع الثنائي يتحول الى مرض نفسي مبسط، ويتحول الى مرض بالتكرار، وقد يتشابه هذا الصراع مع الآلية التي يتبعها المتماحكون من الناس والمتجادلون في القضايا السياسية، فصراع طرفين أو شخصين انما لإثبات صدق احدهما على الآخر وتدعيم لاتخاذه وجهة نظر أكثر قوة، فهو يشعر باللذة لأنه يختار الأصح أو الحق وفق تصوره (هكذا بكل بساطة)

وهذه القضية لم تقف على جزئية أهل الرياضة (سيما كرة القدم من دون بقية الألعاب،لان كرة القدم مدعومة من قبل الأعلام، وأشياء أخرى) بل استطالت الى السياسة والى العشيرة وبعض المكونات الاجتماعية في وطن واحد (مثل أهل الجنوب وأهل الغربية) إلا ان الأكثر خطورة هي ثنائية الطائفية التي يغذيها الشعور بالغلبة أو صك الحق أو الركون الى أصلح الآراء، وكل هذا يجر الى سجالات مختلفة الفعل وردة الفعل .

اعتقد بان علاج هذا الإدمان النسبي الذي يرتفع وينخفض هنا وهناك والمتمثل بالتشجيع الالتهامي أو العنيف أو الانتقامي لكرة القدم، يجب ان يعالج بهدوء، فهو إدمان لا يمكن للفرد اي فرد إطفاء حريقه بقلعه مباشرة،ومن دون أسس، كما ان تغيير بعض أسباب الحزن في بلد حزين مثل العراق أو غيره قد يخفف من هذا الهياج، الذي يمتد في التشجيع الجارف، وهو يهرب من السوء السياسي والاجتماعي .

 

د. رحيم الساعدي

 

 

qassim salihyتابعت مساء الأحد 23 نيسان الجاري مبارة الريال وبرشلونة الممتعة والمثيرة التي انتهت بفوز برشلونة (3-2)بهدف احرزه الموهوب ميسي في الدقيقة الأخيرة.وبلحظة انتهائها انارت الطلقات النارية سماء مدن عراقية وليس اسبانية.وباللحظة ذاتها استطلعت اراء جمهور الفيسبوك بهذا التساؤل:

 (الساعة 12 الا ثلث اشتغلت الطلقات .. شكو .. برشلونه فاز .. ويستاهلون .. ولكن بماذا تفسرون هذا الهوس؟)

 اليكم نماذج من الأجابات:

· حين يعيش الشعب هموما قاتلة من عقود فانه يفتش عن الفرح حتى خارج بلاده.

· هروب من واقع "طايح طايح حضه"

· قمة التخلف طبعا في حين ان مشجعي الفريقين من الاسبان ليس لديهم مثل هذا التخلف.

· عندما نفقد النموذج او القدوة .. نخترع واحدا

· التعبير عن الفرح باطلاق النار تستخدمها الشعوب الهمجية

· شعور بالفراغ لاشباع ذات فارغة وهوس ساذج

· تعبير عن نقص الشجاعة في المواقف الصعبة.شعب يعبر عن فرحه بالسلاح وسبق ان مارسها رئسهم وهو يحمل المسدس .. قلة عقل وسوء تصرف وخلل في منظومة المعتقدات وهشاشتها الفكرية.

· تفريغ شحنات حالة تعويضية للشعور بعقدة النقص

· خواء وفقدان الامل الذي يعيشه العراقيون ولانهم خسروا كل شيء فلم يعد لهم الا الاهتمام بامور ثانوية.

التحليل

 تنفرد كرة القدم بسيكولوجيا خاصة تعزف على اوتار الطبيعة البشرية وما ورثته من تاريخها الذي يعود لمرحلة الصيد قبل ملايين السنين، لما بينهما من شبه كبير.فالصياد يجري وراء الطريدة، ينفعل، ويصوّب، ويسدد .. وان صادها جرى له احتفال واستقبل استقبال المنتصر.وهذه الآلية السيكولوجية ذاتها تعمل في لاعب كرة القدم والجمهور، مع ان اللعبة تبدو لآخرين سخيفة .. اذ كل ما فيها ان (22) شخصا يتقاذفون كرة بأرجلهم ورؤوسهم .. بطريقة تحرّك جهازنا الانفعالي وتثير ولعا وشغفا وهوسا .. بل عنفا وعدوانا يؤدي الى القتل احيانا بين المشجعين. زد على ذلك، ان كرة القدم تجسّد ثلاث حاجات متأصلة في الطبيعة البشرية هي: حاجة الانسان الى (التغلّب) وقهر الخصم، ونزعته الى الصراع مع الآخرين، وحاجته الى التماهي بـ(المنتصر) .. اي الشعور بالزهو وتوكيد الذات.

 ان الحالة النفسية الصحية هي الاستمتاع بمشاهدة اللعبة والاعجاب بمهارة وذكاء هذا اللاعب او ذاك، وتفرح للفريق الذي يلعب بروح الفريق، وتعجب للفريق الذي يكون مهزوما بثلاثة اهداف ويفوز بخمسة، لتتعلم منه قدرة الانسان على تجاوز الفشل .. فاذا ما تعدتها من الاعجاب الى التماهي فانها تعني شيئا آخر في الصحة النفسية.

 قد نذهب بعيدا في هذا التحليل اذا قلنا ان المشاهد الذي (يتماهى، يتوحد) بشخصية لاعب مميز (ميسي مثلا ) .. وانه يفرح لفرحه، ويغضب اذا اصابه اذى او خسر فريقه .. وينفعل (وقد يسحب انفاسا متلاحقة من النرجيله، وكؤوسا بيضاء او حمراء، ويقضي ليلته كدرا، ويجوز يتعارك مع زوجته .. ) .. يمكن ان يكون تصرفه هذا مؤشرا عن شيء ينقصه (قل عنه الشعور بالنقص) بغض النظر عن نوعه ما اذا كان نفسيا، عاطفيا، اجتماعيا، او عضويا.

 وكما اصاب كثير من الذين استطلعنا اراءهم، فان هوس العراقيين باطلاق العيارت النارية بفوز فريق برشلونه ناجم عن ان توالي الخيبات عليهم دفعت حاجتهم الى الفرح الى ان تلتقط اية مناسبة او حدث لتشبع ضمئها، وتربطها لاشعوريا بمناسبات فرح سابقة مستقرة في الذاكرة لتستعيد فيها الأجواء ذاتها .. حتى لو كانت تلك الحادثة في اسبانيا!.

 وليت الأمر كان عند هذا الحد، فلقد حدث في مباريات سابقة بين الريال وبرشلونة حالات قتل .. وهذه ناجمة سيكولوجيا عن ان الحروب الكارثية التي عشناها من 37 سنة اطاحت بقدسية الحياة وجعلت العراقي يستسهل قتل الآخر.

 ولا يخلو الحدث من مفارقات مضحكة، ففي صباح اليوم الثاني للمبارة(24نيسان)تشاجرت طالبات مدرسة اعدادية قريبة من منطقتي، وانقسمن الى فريقين، الاول يقول (احنه) فزنه عليكم بزودنه، والثاني يقول (احنه) كنا احسن منكم .. هكذا بصيغة الـ(نحن) مع ان الفريقين اسبانيان و .. رجاليان!.

 تواصل سيكولوجي

 في العام (2010 ) كان العراقيون يتابعون مباريات كأس العالم بمزاج خاص .. وكنّا كتبنا في حينه انهم صحيح يشاركون ملايين العالم في شغفهم بكرة القدم لكنهم الوحيدون الذين يقبلون عليها وهم كدرون .. (لتوالي الخيبات على العراقيين وتكرر الاحباطات التي تولّد لدى الجماهير المحرومة حاجة البحث عما يشفي غليلهم، وتمني مجيء " البطل المخلّص" .. فضلا عن ان مشاهدة مباريات كأس العالم تفعل في المضنوك ما يفعله المخدّر في المحبط الهارب اليه من واقع خشن .. فكيف بالمواطن العراقي اذا كان رئيس جمهوريته ورئيس وزرائه يتقاضيان 150 مليون دينار شهريا فيما هو يكدح " والعشا خبّاز" .. وفي طرق ملغومة بالموت!).

وياليت الحال بقي على ما كان عليه قبل اربع سنوات .. فالعراقيون يشاهدون الآن المباريات وهم مفجوعون بوطنهم .. يستمتعون بها وايديهم على قلوبهم من لعبة السياسة التي تجري على ساحة الوطن .. بين فرقاء افتقدوا قواعد اللعبة .. ولعبوا من اجل كل شيء الا الفوز بـ(كأس الوطن).

والعراقيون هم الوحيدون في العالم الذين ابتلوا بسياسيين لا يعدون ولا يحصون .. ولكن ليس بينهم رجل دولة واحد .. كان بامكانه في هذه السنوات الأرع عشرة الجحيم ان يشيع البهجة بين شعب جبل على حب كل ما هو جميل .. ممتع .. وحرموه حتى من متعة فرح مباح يستمتع به كل البشر .. فاستحقوا منهم اللعنة الى يوم يبعثون!.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية.

 

saieb khalil"إنه كالحمار الذي يريد ان يصير اسداً او قردة تظن نفسها ملكة!" (فرنسي في القرن الخامس عشر، يسخر من الصفر).

في أحد الأيام جاءنا مدرس البرمجة بدرس حول نوع "حديث" من البرمجة قال إن اسمه "البرمجة الكيانية"، وفيها يتكون البرنامج من "كيانات" تتفاعل فيما بينها وتتبادل الرسائل لتنجز البرنامج المطلوب! وبالنسبة لطلاب البرمجة الكلاسيكية، كان هذا الكلام أشبه بالحديث عن "الفن التجريدي"! فغرنا افواهنا ونظرنا الى بعض والابتسامة تملأ الوجوه: هل هو جاد ام يسخر منا؟

يبدو أنه لم يكن يسخر.. فقد تحول العالم كله خلال سنوات قليلة، إلى هذا النوع من البرمجة، وكان طفرة هائلة! وكذلك كان الصفر، وكذلك استقبل بدهشة وسخرية! 

رغم أن الحضارة العربية قدمت الكثير من العلوم للعالم، فيكاد علم البصريات يعتبر علما عربيا بحق وطور العرب الكثير من العلوم كالتشريح وعلوم اليونان المختلفة تطويراً جذريا، بل ان العرب ابتكروا أسس "التجربة العلمية" و "الخوارزميات"، رغم كل ذلك، قد يكون "نقل الصفر" من الهند الى العالم، رغم انه "مجرد نقل"، أعظم انجازاتهم العلمية تأثيراً في تاريخ البشرية على الإطلاق!

كيف ذلك؟ كيف يمكن ان يكون الصفر بهذه الأهمية؟ وكيف يمكن ان تفخر امة بمجرد "نقلها" لعلم من العلوم من جهة الى أخرى، بأكثر من تطويرها علوم أو حتى ابتكارها العلوم والطرق العلمية؟ إنها أسئلة مشروعة.. تتطلب جلسة مطولة.. لكنها ليست مملة بالتأكيد.

كتبت "زيغريد هونكه" في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب"(1) (2) تقول: “كل الأمم المتحضرة تستخدم الأرقام التي تعلمها الجميع عن العرب. ولولا تلك الأرقام لما وجد دليل التلفونات.. بل لما وجدت الطائرات التي تسبق الصوت. لقد كرمنا هذا الشعب الذي من علينا بذلك الفضل الذي لا يقدر.”

وهذا "الفضل" يعود الى الفارق الهائل في بساطة الاستعمال بين الأرقام الهندية التي نقلها العرب الى العالم، وبين الأرقام الرومانية المعقدة التي كان العالم يستعملها. فقد كانت حتى عمليات الجمع والطرح صعبة وطويلة، أما عمليات الضرب والقسمة فتتطلب متخصصين نادرين!

ولم يبدأ الهنود رياضياتهم بنظام الأرقام العشرية والصفر، بل احتاج تطوره الى حوالي ألف عام. ثم انتقل إلى العرب المسلمين عندما أمر الخليفة المنصور ان يترجم كتاب الفلكي الهندي كانكا إلى العربية، وتعرف المسلمون من خلاله على نظام الأرقام الهندية وتعلموها، وانتشرت في الدواوين بسرعة كبيرة، ولكن بجهود غير قليلة. ثم نقل المسلمون تلك الأرقام في تجارتهم إلى العالم كله.

ما هو الفضل العربي في كل ذلك النقل؟

الفضل هو أن نظام الاعداد الذي نراه اليوم منطقيا وبسيطا، كان يختلف من حيث الجوهر عن الأنظمة السابقة. وكما قالت "هونكه" فإنه يمثل "تحولا كاملا في طرق الحساب والتفكير وتطلب جهدا لنشرها بين المتعلمين والتجار". هذا الجهد لا يقدر عليه إلا ذوي العقول المتفتحة القابلة لما هو غريب عنها والقادرة على التحول اليه عندما ترى منافعه.

إنها ذات الصعوبة والدهشة التي تسبب لنا بها عرض "البرمجة الكيانية" لأول مرة، بل لعلها اشد مرات عديدة. دهشة صادمة تتطلب إرادة لتجاوزها من اجل التمكن من رؤية محاسن الجديد، والمضي في تأمله وتقييمه تقييما موضوعيا. ودليل تلك الصعوبة أن أي من الشعوب لم يتمكن من عبور ذلك الحاجز قبل أن تأتي حضارة العرب. وكذلك فأن عملية النقل واجهت صعوبات جمة وقابل الصفر وزملاؤه مقاومة شديدة من الغرب ولم يتمكنوا من فرض أنفسهم إلا بعد قرون من الصراع.

لقد بين الخوارزمي نظام الأرقام الجديد في كتيب له، وضرب امثلة لتسهيل استخدامه في التجارة وتقسيم الميراث بشكل مبسط. ونقل الكتيب الى اسبانيا وترجم في القرن الثاني عشر، وحمل الى المانيا حيث تحتفظ بعض متاحفها بنسخ مخطوطة منه. ونلاحظ ان الأرقام بقيت في اللغات الأوروبية تكتب من اليمين إلى اليسار، مثلما كانت في الأصل في الكتب العربية التي نقلت عنها، رغم ان النصوص الأوروبية تكتب في الاتجاه المعاكس!

وجد الصفر أنصاراً له في الغرب، كافحوا كفاحاً مريرا لنشره من خلال كتاب الخوارزمي. فأطلق الناس عليهم اسم: “الخوارزميون". وبين هؤلاء كيف انه يكفي كتابة أربعة ارقام على كنيسة لتسجيل تاريخها، بدلا من الأرقام الرومانية الطويلة صعبة القراءة. (يمكنك ان تجرب مختلف الأرقام وكيف تبدو بالنظام الروماني من خلال الرابط في أسفل المقالة) (3)

رغم ذلك، كان الناس ينظرون بريبة واستغراب إلى هذا الذي لا قيمة له، لكنه قادر على مضاعفة قيمة الرقم الذي يقف جنبه عشرة مرات! البعض ناصبه العداء والسخرية حتى قرون متأخرة، مثل ذلك الفرنسي الذي رآه قردة تظن نفسها ملكة، إلا أن غيرهم تغنى به، فكتبت قصيدة المانية من القرون الوسطى تقول:

الأرقام تسعة فاحترس

تنطق كلها دون لبس

ولكن انتبه أيضا لي

أنا الصفر لا ينطق بي

دائرة كبيرة متكاملة

لي قيمة في المعاملة

إن اضفتني الى يمين عدد

أصبح عشرة امثاله

وبي تستطيع الترقيم

فتتضح الأرقام وتستقيم

لقد حمل العرب صديقهم الصفر من الهند وأوصلوه إلى إيطاليا واسبانيا، وكان عليه ان يكمل انتشاره أيضاً عبر جبال الألب وبحر الشمال إلى بقية أوروبا ليشع فيها نور العلم. لقد كان الصفر حملا ثقيلا في البداية كأي جديد بلا شك، لكنه سرعان ما صار يحمل من حمله، ويرفعه الى الفخر.

تلك هي قصة رحلة الصفر معنا، كما قرأناها في كتاب زيغريد هونكه الرائع، والذي يمكنكم تنزيل نسخة  pdf للقراءة أو نسخة صوتية منه في الرابط المرفق. ولا ننسى ونحن نشكر السيدة هونكه، ان نشكر أيضا أولئك الذين تجشموا عناء نشر الأكاذيب عن تاريخ العرب، فرفعوا فينا الحماس لإعادة قراءته واستكشاف حقائقه الرائعة.

 

صائب خليل

......................

(1) تحميل وقراءة أونلاين كتاب شمس العرب تسطع على الغرب pdf

تحميل كتاب شمس العرب تسطع على الغرب pdf مجانا ل زيغريد هونكه | كتب pdf

goo.gl/RBrjHo

(2) الكتاب المسموع شمس العرب تسطع على الغرب

https://www.youtube.com/watch?v=jP3iWDVaFaI

(3) Convert Arabic to Roman Numerals

http://www.calculateme.com/cRomanNumerals/ArabicNumeralsToRoman.htm

 

التفكير عند بعض المجتمعات يتصف بسمات القرون الوسطى، التي لا تعرف غير أن هناك دنيا وآخرة، فلا حاضر يستحق الجد والإجتهاد، وإنما الحياة الدنيوية عبارة عن جسر لحياة أخروية يتأكد فيها المستقبل، أي أن الحياة الدنيوية مجردة من طعم الحاضر وفاقدة لقيمته ودوره وأهميته في صناعة الأيام الآتيات، وعليه فأن العمل المطلوب هو الإنتقال إلى الآخرة، ولهذا هيمنت التفاعلات الدينية على السلوك، وتحكّمت به إلى درجات مرعبة ومروعة.

وفي عالمنا العربي يسود المنهج المعفر بالموتانية الداعية إلى إنتفاء قيمة الحياة والسعي المتوثب نحو الموت، وفقا لمسميات وتصورات ومعتقدات تنهال على الحياة وتبخسها قيمتها وأهميتها وكرامتها وقدسيتها التي تكرَّم بها المَخلوق.

فالعقل العربي عموما يكاد يخلو من مفهوم الحاضر والمستقبل ولا يدركه وفقا لمفاهيم صناعة الحياة، ويتخندق في الماضي الذي تتجمع فيه أبعاد الزمن الثلاثة ولا يمكنها التحرر من قبضته، فالعرب عموما لا يعيشون حاضرا، وإنما هم في تفاعلات إستنقاعية ماضوية إستنزافية خالية من قدرات التحرك إلى أمام، بل أن الحركة تكاد تكون من المُحرمات، وأن القعود والتكسح والقنوط من المميزات المُستحسنة، التي تأخذ البشر إلى حيث الحياة الآخروية الغيبية، التي يكون فيها العز والحياة والمستقبل السعيد، أما سعادة الدنيا وبهجتها فأنها من الممنوعات بل وربما من الكفر والفجور.

وهذه النمطية القائمة في الأعماق والمتوارثة عبر الأجيال تساهم في إنتاج الفكر التدميري، والمناهج المتطرفة والأحزاب المغفلة المدجنة، والقِوى المُسخرة لإنجاز مشاريع التدمير الذاتي والموضوعي، وهي التي تديم ناعور الخيبات والهزائم العاصفة في أرجاء البلدان المبتلاة بهيمنة عقائد الضلال والبهتان، والمأسورة في أنظمة حكم تمعن بالتجهيل والتفقير والقهر والإضطهاد، والتبخيس الشامل والكامل للوجود الإنساني وتحويل البشر إلى أرقام على يسار رقم متوحش مفترس مِقدام.

وبناءً على هذا الأسلوب التفكيري والإقترابي من مفردات الواقع والحياة، يتم محق ما يشير إلى أن الإرادة الإنسانية مُسخرة للبناء والرقاء، وإنما كل ما في الإنسان يكون مُستعدا للهدم والتدمير وإشاعة الخراب والهلاك الفتاك.

ولهذا نرى ما يتحقق في العديد من الدول، والذي يلخصه أن الحياة لا وجود لها وأنها محطة للإنتقال إلى المستقبل، وعلينا أن نأنس بما يتحقق في ديارنا من المظالم، لأن الآخرة ذات نعيم وأمل ورجاء، وأن الموت أحب للبشر من الحياة، وما تساءل الناس لماذا جئنا إلى الدنيا، أ لكي نعاني ونقاسي ونشبع ظلما وقهرا وهوانا وذلة وبؤسا؟

أ هذه رسالة خالق الأكوان، وكأنه يخلق عبثا؟!!

إن المطلوب هو الإيمان بالحياة والنظر في حاضرها، والعمل الجاد على بناء مجدها وقوتها وصورتها الحضارية الجميلة، ومن واجبنا أن نحيل الدنيا إلى نعيم وجنان ورياض بهيجة، تحقق السعادة والرفاهية والألفة والمحبة السامية الخالصة لرب الرحمة الرحمن الرحيم.

أما القول بنفي الحياة والإجهاز عليها، والدعوة للموت وتحبيبه إلى الناس، وتسويغه بما تنوع من القول والإدّعاء، فأنه سلوك يتنافى مع إرادة الخلق ويتعارض مع نواميس الأكوان ومعادلات البقاء الكريم، فالإنسان مخلوق بأحسن تقويم، وعليه أن يتنعم بالنعيم، لا أن يجحده ويتفاعل بقلبٍ أثيم!!

نريد وعيا بالزمن وتقديرا لنعمة الحياة وسعيا رفيقا للنجاة؟!!

و"إنّ الإنسان لربه لكَنود" 100:6

كَنود: كافر بالنعمة أو جاحدها، والكَنود:الكَفور.

 

د. صادق السامرائي

 

mohamadjawad sonbaتتكرر الزيارات المليونية لمراقد الائمة المعصومين في العراق، وتُحرك هذه الظاهرة الاجتماعية، جذور عقائدية لا يمكن لمحبي أهل البيت (ع)، التشكيك بمصداقيتها مطلقاً. ليس ذلك جرياً على نمط، تطبيق العادات المتوارثة من السلف الى الخَلَف فحسّب، وإِنّما لدى مدرسة أهل البيت، من الاسانيد العقائدية التي لا يمكن التشكيك بصحتها اطلاقاً، لا بل تتهاوى امام عقائد مدرسة أهل البيت (ع)، كل مقولات التشكيك، وحجج التلفيق والتوهين، التي يقدمها المخالفين لخط مدرسة أهل البيت (ع) في هذا الموضوع.

أردت من هذه المقدمة ان اصل الى نتيجة وسؤال. أمّا النتيجة فهي:

ليس بمقدور أية سلطة منذ استشهاد الإمام علي (ع)، والى قيام الساعة، أَنّْ تُثني عزيمة أَتباع أَهل البيت (ع)، من اقامة شعائر زيارة أَئمَّتهم، حتى لو كلفهم ذلك أرواحهم. ومن الجدير بالذكر، أَنَّ عدّة حكام من الامويين والعباسيين، قاموا بمحاولات منع اقامة هذه الشعائر. بحيث وصل الأَمر بهم، القيام بقتل عدد من الاشخاص من بين كل مجموعة، تذهب لزيارة مرقد الامام الحسين (ع)، امعاناً في ارهاب الجمهور الشيعي، وثني عزيمته، لكن ذلك لم يحصل، فقدمواً الشيعة انفسهم قرابيناً دون ذلك. وكان ذلك يحصل أثناء حياة عدد من الأئمة المعصومين (ع)، لكن كل تلك الممارسات الارهابية، ذهبت ادارج الرياح، وبقت اقامة تلك الشعائر في ازدياد مستمر. وربما (المهاتما غاندي)، استفاد من تجربة تضحية الشيعة بانفسهم، من أجل تحقيق الهدف. فطبق مبدأ مقاومة عنف الاستعمار البريطاني، باللاعنف (العصيان السلمي).

أما السؤال فهو:

ماذا ينبغي على جمهور الشيعة، أَنّْ يتعلموا من إِحياء شعائر ذكرى أهل البيت (ع)؟.

الاجابة على هذا السؤال بفهم عميق ووعي كامل، تتضمن اجابات متعددة الوجوه، كلّ منها يحمل حالة من التصحيح العقائدي والسلوكي والفكري، لكل من يشارك في احياء هذه الشعائر، على مستوى الفرد والمجتمع. ولكي اختصر الطريق على الجميع أَقول:

1. زيارة أَيّ معصوم من المعصومين (ع)، هي بمثابة تجديد عهد الولاء والوفاء، لمنهج الاسلام الصحيح، الذي ضحى الأَئمَّة المعصومين (ع)، من أجل الحفاظ على صحة مبدئيه الاسلام، وسلامة أُصوله بدون تزييف وتحريف.

2. مبدأ أَخذ العِبرَة من سيرة أهل البيت (ع)، للوصول الى ظاهرة الانسان المؤمن الصالح، الذي يفهم واجباته فيعطيها، ويعرف حقوقه فلا يتجاوز حدودها.

3.  تعليم المجتمع أن الحياة لا يتم فيها العدل والاحسان، إِلّا باصلاح ذات الانسان، وتطوير قابلياته الذهنية لفهم العلاقات الاجتماعية، بصورة صحيحة، واستغلال عامل الوقت للوصول لهذا الغرض. فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (ع): (ما من يوم يمرُّ على إِبن آدم إِلّا قال له : أَنا يومٌ جديد، وأَنا عليك شهيد، فَقُلّْ فيَّ خيراً، واعمَلّْ خيراً، فإِنَّكَ لَنّْ تَرانِ بَعدُ أَبداً).

هذه الفلسفة الواقعية، لفهم عنصر الزمن واستثماره بشكل ايجابي، هي المفتاح لرؤية الواقع، بصورة ايجابية واضحة، تضع الانسان أَمام مسؤوليته، في كل لحظة تمرُّ عليه، من أجل التفكير بتحقيق العدالة الشاملة، ودفع الأَذى عن الفرد والمجتمع، لا بل حتى البيئة أَيضاً.

لقدّْ أَكدّ الإِمام أَمير المؤمنين (ع) كثيراً، على مفهوم استثمار عامل الزمن، لبناء قيم الخير والصلاح، ونَبذ قيم الشرّ والظلم والرذيلة والعدوان. فقد قال عليه السلام:

(مَنّْ استوى يوماه فهو مَغبون، ومَنّْ كان آخر يوميّْه شراً فهو مَلعون، ومَنّْ لمّْ يكُنّْ على الزيادة، فهو في النُّقصان، ومَنَّ كان في النُّقصان فالموتُ خيّْرٌ له، ومَنّْ اشتاق إِلى الجنَّة سارَعَ إِلى الخيرات).

4. تعليم الفرد والمجتمع، أَنَّ الولاء والوفاء وحبّ أهل البيت (ع)، يستوجب عليهم، تطبيق المنهج القرآني الذي أراد الله سبحانه، تطبيقه على يد نبينا محمد (ص) وأَهل بيته (ع). هذا المنهج هدفه الرئيس بناء الانسان الصالح والمجتمع المتكافل، والوصول الى حالة الحياة المتكاملة في كل حلقاتها المتنوعة، التي تخدم البشريّة جمعاء. فقد ورد عن الامام الصادق (ع) قوله لشيعته: (كونوا زيناً لنا، ولا تكونوا شيناً علينا).

الخاتمة:

اننا نرى في كل مناسبة من هذه المناسبات، اشتراك الملايين من ابناء الشعب العراقي فيها، وينبغي عن تنعكس آثار تلك المناسبات، على غالبية مجتمعنا العراقي، حتى نلمس بواقعية، أَنَّ آفاق الخير تتوسع عاماً بعد عام، (على أَساس تراكم التغيير الايجابي مع تقادم الزمن). لكن مع الأَسف الشديد، أَنَّنا نلاحظ بكل جلاء، أَنَّ المجتمع العراقي سلوكه يخالف ممارساته الروحية.

فالسلبيات اصبحت بمستوى الظواهر، حيث تعدَّت مستوى الحالات، فانتشار الفساد، والتلاعب بالمال العام، وعدم احترام الآخر، وعدم تقدير الجار، والاستقواء بقوة العشيرة لكسر إرادة القانون العام، وتفشي الغش في التعاملات المختلفة، والتزوير وقول الزور، وانتشار تعاطي المخدرات .. وقائمة الممارسات الشاذة والخاطئة، المخالفة للشرع والقانون، تطول إذا ما استمريت في اسقصائها.

إِذن بشكل عام نَخلُص الى نتيجة واحدة فقط هي:

اننا نُقلّد ممارسة الشعائر بدون وعي ناضج، وفهم عميق لمضمونها العقائدي والتربوي. فحوَّلناها الى ممارسات فارغة جامدة، اقرب ما تكون الى الروتينية منها الى العقائدية. اذن مسيرتنا غير مطابقة بنسبة وأخرى، مع تطلعات مدرسة أهل البيت (ع). لذا فالأَمر يتطلب من كلٍّ منّا، مراجعة جادَّة مع الذَّات، لتشخيص سلبياتنا والاعتراف بها، لنصل إِلى حالة محاسبة النفس، وتطويعها للاذعان للحق، وحينها سنكون صادقين بالوفاء لمنهج أَهل البيت (ع). ومن الله تعالى التوفيق والسداد.

 

مُحَمَّد جَواد سُنبَه -  كاتِبٌ وَ بَاحِثٌ عِرَاقي

 

 

nabil ahmadalamirهذه السطور فيها بعض التكنيكات والتكتيكات المؤثره للسيطرة على الغضب، ويمكنك أستخدم الطريقة التى تجدها أسهل لك، أو إستخدم اكثر من واحدة فى نفس الوقت، أذا اردت أن تحصل على تأثير أعلى وأفضل في السيطرة على غضبك .

- التحدث للنفس . .

وهو أن تستخدم جمل معينه أثناء التفكير مثل (أذا أستمر هذا الوضع فلن أحقق هدفي فعليّ ان أهدء)، أو (أنا متأكد أنه تعمد مضايقتى فعلي ان أهدأ ولا اُعطيه الفرصة للنيل مني) .

لكن إحذر من التحدث السلبى للنفس، فهو يؤثر على المشاعر بطريقة سلبية، وقد يكون هو سبب أطلاق غضبك .

- إستخدام العلاج السلوكى المعرفى . .

وبه يمكنك تعلم كيفية السيطرة على تحدثك مع نفسك مما سيؤدى الى السيطرة على مشاعرك وإنفعالاتك وردّة فعلك تجاه الحدث .

فأذا كان سبب غضبك هو شعورك بأن حقك قد ضاع، فلا شىء يمكنك فعله أفضل من ان تتعلم كيف تُسيطر على سلوكك وإنفعالاتك بمعرفة الوضع الذي أنت فيه الآن، وهذا يحدث عن طريق أستخدام مهارات الاتصال المؤثر مع نفسك من خلال الوقوف والهدوء لثواني لتقييم الموقف .

- أغسل وجهك . . .

إن غسل الوجه بالماء، او الماء البارد المُثلج سيقلل كثيراً من الغضب  وسيُهدئ النفس فوراً .

- غيّر من وضعك . . .

فإذا كنت جالس فهم بالوقوف، وإن كنت واقف فاجلس على الفور، فتغيير الوضع سيُبطئ تدفق الدم للجسم، وبالتالي سيُشعرك برخاوة في العضلات، مما سيؤثر إيجابياً في تهدئتك .

- تكنيكات الاسترخاء . . .

مهما كانت هناك مشاعر سيئة فأن تكنيكات الاسترخاء يمكنها أن تجعلك تشعر بالراحة . فتكنيكات الاسترخاء سهله وبيسطه ويمكنك تطبيقها فى أى مكان، كأن تستلقي على بطنك وتضع رأسك بين ذراعيك ووجهك ملامس للأرض، أو أن تأتي بكيس، ويُفضل ان يكون من الورق، وتضعه على فمك، وتتنفس بداخله .

- التحكم فى المشاعر . . .

يمكنك أن تتحكم فى مشاعرك، فالمشاعر فى النهاية هى من أختيارنا ، فإذا قررت أن تغضب فسيكبر الشعور ويخرج عن سيطرتك، أوما أذا تحكّمت فى غضبك فى أول عده ثوان بعد حدوث الموقف فستجد أنك يمكنك التحكم فى غضبك للنهاية .

ألمشي او ممارسة الرياضة . . .

أذا تشاجرت مع أى شخص فلا شىء يمكنه أن يجعلك تهدأ أكثر تركه والمشي بعيداً عنه، او ممارس الرياضة بأي نوع منها يكون محبب لديك، لانها تساعد على الاسترخاء .

- معرفة مشاكل حياتك اليومية . . .

إن الكثير من الناس يحاول تعلم تكنيكات التحكم فى الغضب، ولكن بدون جدوى وذلك لانهم يحاولون السيطرة على الغضب لحظياً، دون الاخذ فى الاعتبار ان فى كثير من الاحيان يكون سبب الغضب مشاكل فى حياتهم لم يتم التعامل معها.

فإذا كنت تتجاهل مشاكلك او لاتحاول حلها فستجد انك اكثر عرضة للغضب أكثر من اى شخص اخر، فحتى إن ظننت انك نسيت مشاكلك، الا انها ستظل فى عقلك الباطن وستضايقك اكثر كلما واجهك موقفا يتسبب فى جعلك تغضب .

- وأحسن طريقة للسيطرة على الغضب، وتهدئة النفس، والإسترخاء هي ....

قراءة ماتحفظه فوراً من كلام الله في القرآن الكريم .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل احمد الامير

 

 

nabil alrobaeiظاهرة الغناء أخذت كصبغة شعبية من حيث الانتشار في العراق والوطن العربي منذ زمنٍ طويل، والبعض يقول منذ زمن العصر العباسي، كانت أحكام الناس النقدية للغناء تؤخذ بعين الاعتبار، فضلاً من قبل المغنين والمغنيات ورواد المجالس، وللأدباء والشعراء الرأي الأرجح في تقييم الغناء والأصوات الحسنة، يقال سئل حكيم عن الفرق ما بين غناء النساء والرجال، فقال: ما خلقت الأغاني إلا للغواني. وقيل: نعيم الدنيا أن تسمع الغناء من فم تشتهي تقبيله.

قال الجاحظ: كم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي تقبيله وبين أن تسمعه من فم تشتهي أن تصرف بصرك عنه، وأيهما أفلح أن يغنيك فحل ملتف اللحية وشيخ منخلع الأسنان متغضن الوجه، أو تغنيك جارية كطاقة نرجس أو آس(1).

أما المسألة الشرعية في الغناء أو ما أطلق عليه (الرخصة في الغناء) وهي تسير في ركب الحضارة ونهضتها دون الخروج أو الإخلال بمقومات الشريعة، إذ اعتبر الفُرس الغناء أدباً وعده الروم فلسفة كما ذكر ذلك الجاحظ في رسائله ج2، ص158، لذلك عندما استفتى أبو حنيفة وسفيان الثوري، ما تقولان في الغناء؟ فقالا: ليس من الكبائر ولا من أسوأ الصغائر. وقيل للعتابي فقال: حلال من الفائق، حرام من غير الحاذق، وسئل بعضهم فقال: هو من ارتياح الكرم وامتياح النعم. من قال هو مباح وإلا فليس فيه جناح، قد يعفو الله عما فوقه ويأخذ بما دونه(2).

وقد ذكر الأصبهاني أن أثر الصحابة بهذا الأمر يشهد بعدم تحريمه، أن الخليفة عمر بن الخطاب مرَّ بدار قوم فسمع ضجة، فقال: ما لأمر؟ فقيل: عرس، فقال: وما يمنعهم أن يخرجوا غرابيلهم (الدفوف) فإنها من أمارة العرس.

وحضر الشعبي وليمة فقال: كأنكم في نائحة، أين الدف؟. وقد حاول بعض المتزمتين من الفقهاء بحضرة الرشيد أن يفرض آراءه في هذا الشأن، فقال، لابن جامع المغني: الغناء يفطر الصائم. فقال ابن جامع: ما تقول في بيت عمر بن أبي ربيعة: أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر. أيفطر الصائم؟ فقال: لا. فقال ابن جامع: إنما هو أن أمد به صوتي وأحرك به رأسي(3).

وللغناء اثر لنفوس الناس إذ يقول شوقي ضيف (كأنه نعيمهم في دنياهم)(4)، فهم لا يؤثرون سواه لما يبعث في نفوسهم من غبطة وابتهاج، وتذكر المصادر أن الغناء انتقل إلى العراق من الحجاز أواخر عصر بني أمية، إلا أنه انتشر في بغداد بشكل ظاهرة ملحوظة في الأوساط الاجتماعية العباسية منذ أيام تسلم المهدي ابن المنصور لصولجان الخلافة، حيث جذبت بغداد إليها المغنين والمغنيات من كل فج، ونثرت عليهم الأموال نثراً، بل كالتها كيلاً، وأول من كالها من الخلفاء العباسيين المهدي نفسه(5).

وقد اشتهر من المعنيين في عهد الرشيد من الطبقة الأولى كل من: إبراهيم الموصلي وإسماعيل أبو القاسم وابن جامع وزلزال، ومن الطبقة الثانية: سيلم بن سلام وعمرو الغزال، ومن الطبقة الثالثة: أصحاب المعازف والونج والطنابير(6).

وضمن الطبقات الأولى للمغنين والملحنين زرياب وقد حقق وإبدع في مجال الغناء والتلحين، إلا أن اسحق الموصلي حال دون ذلك خوفاً من المنافسة واخذ مكانه لدى الخليفة، فهاجر زرياب إلى الأندلس زمن عبد الرحمن الأوسط.

وقد افرد العلماء والمفكرين المسلمين الوقت الكافي في بعض كتبهم في مجال الموسيقى والغناء، منهم: الكندي والفارابي وابن سينا وابن زيلة، وخصص أخوان الصفا واحدة من أهم رسائلهم، رسالة في الموسيقى لتثبيت العلاقة بين الموسيقى والفكر الرياضي والفلسفي من النواحي المختلفة.

وقالوا بعض الحكماء: من سمع الغناء، فلم يرتح له كان عديم الحس أو سقيم النفس، وكان حكماء الهند يسمعون المريض الغناء، ويزعمون انه يخفف العلة ويقوي الطبيعة، وبالأصوات الطبيعية ينوّم الطفل، وتحدى الإبل، وتجمع الأسماك في حظائرها، وقالوا الغناء غذاء الأرواح.

كما يذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني أن من ابرز من اتخذ الغناء لذته واهتمامه الأرأس إبراهيم بن المهدي اخو الرشيد، وأخته عليّة بنت المهدي، كانا من كبار المغنين المجودين، وقد اشتهرت لإبراهيم أصوات كثيرة وكذلك عليّة فقد خلفت فيه ثلاثة وسبعين صوتاً، أي لحناً (7).

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.................................

المصادر

1-   الراغب الأصفهاني. محاضرات الأدباء ومحاورات البلغاء والشعراء. منشورات مكتبة الحياة. بيروت. 1961. ج2.ص718.

2-   الراغب الأصبهاني. المصدر السابق. ج2. ص715.

3-   الراغب الأصبهاني. المصدر السابق. ج2.ص715.

4-   شوقي ضيف. العصر العباسي الأول. منشورات دار المعارف. مصر. ط6. ص59.

5-   د. خير الله سعيد. مغنيات بغداد في عصر الرشيد وأولاده. منشورات وزارة الثقافة السورية. دمشق. 1991م. ص39.

6-   الجاحظ. التاج في اختلاف الملوك. تحقيق احمد زكي باشا. القاهرة. 1914م/ 1332هـ، ص37/38.

7-   أبو الفرج الأصفهاني. الأغاني. طبعة دار الكتب المصرية . ط1. 1927م/ 1345هـ. ج10. ص174.

 

ali mohamadalyousifان لفظة الاغتراب كمصطلح حديث Alienation المشتقة من الفعل alienate تعني تحديداً: يغدوا غريبا او يجعل شيئا ما ملكا لآخر او تعني الذي لا يملك ذاته.

وقد ميز الألماني هرمان جلوكنر (بين لفظة (غربة) في الألمانية Entremdung وبين لفظة الاغتراب Entansserung وفي كل الاحوال  فالمعنى المراد والمضمون المقصود من لفظة اغتراب اهم بكثير من الدلالة اللغوية الصرفة لها (1).

ويقول (والتر كوفمان) ان الفيلسوف اليوناني افلاطون (427-347)ق.م . كان اغترابه عن مجتمعه ليس بحاجة الى ان نستنبطه من تاملاتنا حول اصل الفلسفة كما اننا لا نحتاج الاعتماد على المقتطعات المتناثرة في كتاباته , فاذا ما تأملنا عمله الضخم في الفلسفة السياسية والاجتماعية وهو كتاب (الجمهورية) الذي يعتبر بصفة عامة – رائعته الحقيقية لوجدنا انه عمل رجل مغترب عن المجتمع الاثيني وعن سياسات واخلاقيات عصره انه رجل لا يخضع للمؤثرات والاوهام وتسيطر عليه القناعة بانه من العبث بالنسبة له تماما ان  يحاول الاسهام في الحياة العامة لمدينته. وهو يعتقد ان ما هو مطلوب ليس سلسلة من التغيرات التي يمكن الاخذ بها في اطار النظام القائم بل وليس المطلوب اصلاح هذا النظام ذلك انه يتعين اما ان يصبح الملوك فلاسفة او يغدوا الفلاسفة ملوكا(2).

ويبدوا ان اول من استعمل لفظة الاغتراب بمفهومه الفلسفي الحديث في معان ادبية وشعرية وانفعالية عديدة قبل القرن التاسع عشر هو (روسو)(3).

ولم يصبح الاغتراب مفهوما فلسفيا حديثا الا عند فيخته (1762-1814) فاغتراب الأنا  لديه هو خلقها لعالم مجرد لا حياة ولا صراع فيه(4) . وهو مفهوم مثالي تجريدي لمعنى ومضمون الاغتراب وحسب تعبير (فوير باخ 1804-1872) فالاغتراب لديه انقلاب الأنا الى الآخر اذ يذهب في كتابه (جوهر المسيحية) الى ان الاغتراب الديني لدى الإنسان اغتراب زائف غير حقيقي يمثل ثيولوجيا الدين أي لا جوهر الدين ، لا حقيقة الدين(5). وعنده ايضا الاغتراب الديني اصل ومنشأ كل اغتراب يعانيه الإنسان والحلم لايكون في السماء بل على الارض(6). وكان ان اشار كالفن 1509-1564 بعد فوير باخ قائلا: (ان الموت الروحي ليس شيئا سوى اغتراب الروح عن الله). ويجمع معظم المعنيين بظاهرة الاغتراب على ان مفهوم الاغتراب بالنظر لتعدد وتباين دلالاته الفكرية، الدينية، الفلسفية ومضامينه الاجتماعية ، الثقافية ، التاريخية شابه ويشوبه الغموض في تعدد استعمالاته واختلاف جوانب الرصد والتناول والمعاينة والبحث فلا يوجد معنى واحدا للاغتراب كما يقول والتر كوفمان وليس له بعدا واحدا من الابعاد ايضا ومن المتعذر الاجماع على مصطلح الاغتراب في دلالة معينة واحدة.

وعنى (هيجل) بظاهرة الاغتراب عناية مركزة واعتبر الإنسان مغتربا (بالضرورة) وان تاريخ الإنسان هو تاريخ اغترابه بحد ذاته واشار في كتابه (ظاهرات العقل الذي ظهر عام 1807 في تحليله للروح المغترب )(7). اذ اطلق على الاغتراب (الوعي التعس) كما تنبأ هيجل في كتابه هذا تحول مفهوم الاغتراب من الميتافيزيقي الاصيل في اشارة منه الى فلاسفة اليونان والرومان ومن تلاهما من السابقين عليه واعتبر مفهوم الاغتراب كان ميتافيزيقيا ولا هوتياً...

وبانتقالة مفهوم الاغتراب الى المضمون المادي المحسوس من بعدهم على يديه – هيجل – ليتطور من بعده في ابعاد سيسيولوجيا في كتابات ماركس ، (لاحقا محققة ذلك التنبؤ الهيجلي بانتقالة نوعية في مفهوم الاغتراب كان مهد لها قبل (ماركس) مجموعة من الشبان الهيجليين الالمان من امثال : شتراوس 1808-1874 وباور 1762-1860، وفوير باخ 1804-1872، وشترنر 1806-1856.)(8).

******

ربط ماركس (مفهوم الاغتراب بالواقع المادي الاقتصادي – الاجتماعي في نظرية (العمل المغترب) لدى (هيجل) واعزى ماركس (اغتراب الطبقة العاملة نتيجة تقسيم العمل في المجتمع الرأسمالي التي هي ايضاً امتداد جدلية مقولة (هيجل) اغتراب الإنسان نتيجة اغتراب العمل)(9).

ان منطلق ماركس في تناوله الاغتراب باعتباره ظاهرة (سيسيولوجية - تاريخية) تطورت عبر العصور منشأها وجذورها (العمل المغترب) الارضية المشتركة لكافة اشكال الاغترابات الانسانية الناتجة عنها حددها ماركس بمظاهر اربعة رئيسية هي:

اغتراب الإنسان من الطبيعة(10). كونه كائنا طبيعيا وجزءا من الطبيعة ذاتها متميزا عنها محتدما معها.

اغتراب الإنسان عن ذاته(11). كونه كائنا نفسيا ذكيا متأملا تجريديا.

اغتراب الإنسان عن وجوده ككائن نوعي(12) كونه كائناً اجتماعياً بالطبيعة المؤنسنة وبالضرورة البيولوجية ايضا.

اغتراب الإنسان عن غيره من الناس(13) كونه كائنا انسانيا له خصائص وراثية وبيئية وعقلية متباينة.

ولدى (ماركس) كما لدى غيره قبله وبعده يحصل ان يكون الاغتراب سمة مشتركة تختص بها طبقة معينة او شريحة اجتماعية في مجتمع معين واشتراطات ظرفية زمانية – مكانية معينة ايضا ولكن لاتكون كل اغترابات هؤلاء المجاميع وتلك التجمعات من نوع الاغترابات الايجابية التي تدخل في علاقة جدل بالمحيط لاختلافات واسباب منوعة وعوامل معقدة . فمثلا اغترابات الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية قبل تسلحها بالمنطلقات النظرية الثورية لتطبيق المفاهيم الاشتراكية على وفق ما فعله (لينين) بعد وابان انتصار الثورة البلشفية الروسية عام 1917. وربما نقول قبل صدور البيان الشيوعي في عام 1848 من قبل ماركس وانجلز فقبلها لم تكن هناك ايديويولجية ثورية تخلص الطبقة العاملة من اغترابها السلبي و التي تجهل كيفية خلاصها وبين (ماركس) ان العامل / والرأسمالي / وناتج رأس المال - هذا المثلث بجميع مكوناته وتداخلات علاقاته وانفصاله جميعهم مغتربون.

فالرأسمالي يجد اغترابه الذاتي قوة وخير ومنفعة ورفاهية دائمة له ، ويجد العامل في اغترابه الذاتي انه لا حول ولا قوة له وان وجوده لا انساني ومن ثم يحافظ الرأسمالي على هذا التناقض ولا يرضى التنازل عنه في حين يرغب العامل تدميره(14) . ويعتبر ماركس (اغتراب رأس المال) حسب تعبيره (اعظم اغتراب للانسان في تاريخه) فهو يبقي العامل والطبقة العاملة (البروليتاريا) في فوضى اغترابها فوضى استلابها الإنساني وتمزقها وعجزها عن امتلاك وسائل خلاصها في استردادها كرامتها المصادرة وحقوقها الاقتصادية المهضومة.

يقول (ايريك فروم) في مقدمة كتابه : مفهوم ماركس عن الإنسان(15): (ان فلسفة ماركس شأنها في ذلك شأن قطاع كبير من الفكر الوجودي تمثل احتجاجا على اغترابه (اغتراب الإنسان) وفقده لذاته وتحوله الى شيئ انها تحرك ضد نزع إنسانية الإنسان وتحوله الى آلة وهما ظاهرتان تضربان جذورهما في تطور حركة التصنيع الغربية).

ان مقولات ماركس حول فائض القيمة واغتراب رأس المال تعتبر في حينها الفجوات والثغرات التي ظهرت فيها على صعيدي النظرية والتطبيق تعتبر اصدق وانضج تعبير فلسفي علمي عن تطور ظاهرة الاغتراب. سيسو تاريخية في تفسيره وتعليله التطور التاريخي الحضاري للمجتمع في وجهة النظر المادية  التاريخية الجدلية ويمثل الاغتراب بؤرة جذب مركزية ولابد لنا من وضع بعض هذه اللمحات الفذة في نقل ظاهرة الاغتراب من فلسفتها المثالية الى ارضية جدل الواقع والحياة والتاريخ.

يقول ماركس  في هذا الصدد : ان ماهية الاغتراب لا تكمن في كون الإنسان يموضع ذاته بصورة غير إنسانية وفي تعارض مع ذاته ولكن كون الإنسان يموضع ذاته في تمايز عن الفكر المجرد وفي تعارضه معه.(16)

وقوله ايضا: (المثقف في الوقت الذي ينتج فيه الحضارة فانه ينتجها في شكلها المغترب ويلزم من ذلك ان الحضارة في تناقض مع الإنسان )(17). ان هذه النتيجة التي توصلها (ماركس) بروعة تحليليه ظاهرة الاغتراب يعني ان الحضارة الانسانية متجددة في تراكم معرفي نوعي حافزها اغتراب الإنسان الابداعي غير السلبي الذي يتماشى دوما مع جوهر الطبيعة الانسانية في تجاوزها المستمر لنفسها وفي ذلك يقول ميرتون : (الاغتراب هو احد العوامل للتغيير الاجتماعي القائم الهامة ومن ثم فهو ظاهرة تاريخية لازمة لتغير المجتمعات والقضاء على التناقضات التي ينطوي عليها بناؤها الاجتماعي)(18).

كما اعتبر هربرت ماركوز الاغتراب سمة العصر ورمز الصراع الإنساني في صنع حضارته وتقدمه . واكد على هذه المفاهيم في كتبه (العقل والثورة) الصادر عام 1941 (والانسان ذو البعد الواحد) و(العشق والحضارة).

ومن الحقائق الهامة التي ياتي على ذكرها والتركوفمان : ان الاغتراب لم تجر مناقشته في العالم الناطق بالانكليزية حتى في اوج قمة المثالية الانكلو–امريكية فليس امرا مدهشا ان المثاليين ركزوا على اعمال (هيجل) ولم يهتموا بالظاهريات لـ (هيجل) بصفة عامة الا قليلا ...(19) (يقصد كتاب ظاهريات العقل) لـ (هيجل).

وفي الخمسينيات جعل عدد محدود من اللاجئين الالمان النمساويين الاغتراب شيئا مألوفا في الولايات المتحدة فقد ذكرته كتب (اريك فروم) (المجتمع السوي) الصادر عام 1955 واريك كالر (البرج والهاوية) الصادر عام 1957 وكتاب (جينا اريندت) (الوضع الإنساني)(20).

يقرر والتركوفمان حقيقة على جانب هام جدا التي تؤكد نحن الاخذ بها، على ضرورة اغتراب الإنسان عن مجتمعه وعصره ايجابيا وابداعيا قائلا : ينبغي الا نسعى للاحساس بالألفة في هذا العالم ذلك اننا يتعين علينا ان نكون مقتنعيين بعدم  واقعية هذا العالم وان نضع ثقتنا في عالم اخر يسمو فوق كافة التجارب الحسية ويقع وراء التغيير و الزمن(21). ولدى (هيجل) ان الخير هو تطابق الواقع الموضوعي مع وعي الذات .

يتضح ان اغتراب الإنسان الابداعي المتميز منه لم يكن صورة انكفاء من الخارج باتجاه الداخل ، من الموضوع نحو الذات وأنما بصورة استحواذ الذات في السيادة المطلقة على الموضوع . وأشكال الاغتراب الابداعي معظمها يتجلى بفقدان (التناسق) الخاطئ غير السوي مع المحيط امام تحقيق رغبة الإنسان في السيطرة الدائمة على الظواهر الطبيعية و العلاقات الاقتصادية و الاجتماعية المنحرفة التي تعيق تحقيق ذاته الاصيلة وذات المجتمع السوية العادلة ومحاولته الامساك بالاسباب التي تقرر مصيره ووضع مستقبله وازاحة قوى الاستلاب التي تعترض طريقه وهو ما أسهم في حل تعقيدات الوضع الإنساني في مختلف المجتمعات بما يؤمن لللانسان الامان والاستقرار وازاحة كابوس قلقه المشروع الدائم الذي يصفه (سورين كيركارد) في هذا المعنى ان حالة القلق والاغتراب كامنة في الاعماق السحيقة للوجود الإنساني والقلق ظاهرة إنسانية فالانسان هو الكائن الوحيد الذي يمتزج في كيانه الروح بالجسد والناس ليسوا ملائكة تستغرقهم الروح وليسوا انعاما توجههم الغريزة ويعيش الناس بين روحانية الملائكة وغريزة الحيوانات لذا يعيشون في حالة قلق واغتراب يغتربون عن الروح في سلوكهم الغريزي ويغتربون على الجسد في عباداتهم الروحية(22) .

وهكذا يؤصل (كيركارد) حالة القلق الاغترابي القابع في صميم اعماق الوجود الإنساني ومن ثم يكون الاغتراب حالة حتمية وظاهرة إنسانية طبيعية تنطوي على طاقة خلاقة لا غنى للانسان عنها ... وفي ذات المعنى يؤكد الروائي الايطالي البيرتومورافيا في مقابلة صحفية معه بقوله: الإنسان في جميع الازمنة وفي كل الامكنة منفصم الشخصية بصورة لنسمها طبيعية وكان هذا الانفصام يدعى مرة بعد اخرى روحا وجسدا عقلا وغريزة نفسا وجسما انا ولا وعيا.

يمكننا الاستنتاج ايضا ان الاغتراب لازمة ضرورية لصنع الحياة ليس من المنظار الوصفي الخارجي المتباين الاشكال لاغترابات الإنسان وانما من خلال التاكيد على ان اغتراب الإنسان يرتبط بروابط عضوية ان يكن مركزها عقل الإنسان فان امتداداتها نفسية وسلوكيات وتجارب الإنسان وتعامله اليومي مع الحياة في رفض اشياء وقبول اخرى وهكذا.

يقول ريتشارد شاخت : من الطبيعي انه اذا ما اريد استخدام مصطلح الاغتراب بصورة وصفية فحسب وعلى نحو تقويمي فان ذلك لن يضع حدا للنقاش حول اذا ما كانت الظواهر التي توصف بانها موضوع للاغتراب وعكسها امورا مرغوبا فيها من عدمه.

وبوسع المرء ان يميز بين الاستخدام النقدي للاصطلاح الذي يفهم على انه ينقل التزاما قيميا وبين الاستخدام غير النقدي الذي يفهم على انه لا يتضمن مثل هذا الالتزام مرتبطا بطرح او تأكيد ان الظاهرة موضع التناول غير مرغوب فيها ... وفي الحالة الأخيرة وعلى العكس من الاولى فان اولئك الذين يأخذون بوجهة النظر القائلة بأن الظاهرة غير مرغوب فيها سيظلون قادرين على قبول وصفها بانها نمط للاغتراب تماما..(23).

فالاغتراب قيمة لازمة وضرورية لصنع حياة افضل وتحقيق تطلع الإنسان الدائم لبناء حضارته وازالة بعض اشكال اغترابه لان امنية ورغبة ازالة كافة الاشكال الاغترابية او حتى معظمها التي يعانيها الإنسان في حياته بالغة التعقيد اذ هي اشكال اغترابية مختلفة متباينة جدا باختلاف وتنوع الدوافع والاسباب مبعث اغترابات الإنسان حسب مزية كل مجتمع وتكوين ونفسية وقدرات و مؤهلات كل فرد في تفاوتها , امنية صعبة التحقيق ان لم تكن مستحيلة فعلا وليست في صالح الإنسان وصالح حياته التي تستوجب التناقض والغرابة والخروج على المألوف وكسر رتابة المعتاد .

اغتراب الإنسان الابداعي انواع واشكال ومضامين مختلفة ومواقف تعبيرية تتخذ اغلب الاحيان الاطر الفكرية الجمالية والادبية والفنية المراد توصيلها للاخرين ، الى الغير، وتختلف باختلاف المبدعين الاغترابيين منتجي عملية الخلق الابداعي .

والاغتراب الابداعي في امكانية تواصله كتجربة وكـ(لغة) تخاطب الآخر هي على العكس تماما من مفهوم (برجسون) للتجربة الصوفية والحدس .

الا اننا يمكننا القول بعجالة هنا ، ان الاغتراب الابداعي تجربة إنسانية تقبل التجزئة وتتقبل الاختلاف وتقوم على مبدأ التباين تبعا لتباين واختلاف وسائلها في التعبير والاتصال بالاخرين ، على العكس من بعض التجارب الذاتية او الحدسية فهي تجارب منكفئة نحو الداخل في اغوار النفس ليكون اتصالها بالواقع المادي على شكل (ومضات) و (صدمات) كهربائية تقريبا ، وتفتقد الانتظام الممنهج العام لتسلسل الافكار منطقيا في العلاقة بالآخر والمحيط .

فهي بهذه الصفة المنغلقة تختلف عن انفتاحية تجربة الاغتراب التي يظنها اغلب الناس على انها تجربة انغلاقية تشوبها عوامل نفسية عصابية او وظيفة مرضية فسلجية عقلية او ذهانية في عمل وظائف الدماغ الطبيعية .

فالتجربة الحدسية او التصوفية الذاتية – ولا اقصد الدينية هنا-حسب التفسير (البرجسوني) لها لايمكن ان تتحول  دائما الى رموز لغوية او الى تعابير اتصالية سمعية او بصرية ، او كشفية شفاهية اكانت ام مكتوبة . او حتى ادراكية يسهل على المتلقي الآخر فهمها او تقبلها بسهولة و الافادة منها دونما يفقد البعض مميزاته الانسانية الطبيعية التي يتطلبها حتى ولو بأدنى الدرجات ، الاخرين و المحيط بعلاقتهما به.

فالتجربة الذاتية الاغترابية التي يظهر من خلالها التضارب بين الوجود والماهية او كما يصفها (هيدجر) عملية تنافر بين وضع الإنسان الفعلي الوجودي و(طبيعته الجوهرية) تجربة اغترابية سلبية منغلقة جوّانيا ومنكفئة أملا ان تعيش علاقة روحية فردانية متسامية على العكس من تجربة الاغتراب الابداعي المتحققة المتموضعة بشكل او بآخر من اشكال التعبير الذي يؤكد الطبيعة الجوهرية للذات والطبيعة الانسانية للآخر . ويمكننا هنا الاستشهاد بنص نحن نعتبره شكلا من اشكال الاغتراب السلبية التي بذرت بذور استنبات الاغترابية السلبية التي اخذت بها الوجودية الحديثة واحتضنتها لدى سارتر على وجه الدقة . تلك هي تجربة المتصوف الغربي الالماني (هرمان هسّه) اذ حضى بتقدير قل ان يحظى بمثله كاتب آخر من قبل اولئك الذين يعتبرون انفسهم مغتربين وكانت الرواية التي شكلت نقطة ومرتكز وثوب (هسّه) الى مكانته المميزة هي رواية (دميان) التي صدرت تحت اسم مستعار عام 1991 ولم يعرف في البداية انه هو الذي ألفها وكانت العبارة التي صدرت بها الرواية تنويعا على مقولة (هيراقليطس) الشهيرة عن نفسي ابحث والتي جاء في الرواية (لا أنشد شيئا الا ان احاول ان اعيش كل هذا الذي تصنعه نفسي انطلاقا من ذاتها ... ترى لِمَ يصعب ذلك للغاية!؟)(24).

 

علي محمد اليوسف - الموصل

.......................

المصادر والهوامش

(1)  الهامش : لفظة (تخارج) في اللغة العربية هي الاقرب لمعنى ومضمون الاغتراب . وقد اعتمد الفكر العربي الثوري الايديولوجي هذه اللفظة بمعنى (الانقلابية) واريد بها انقلاب الثوري على الذات والموضوع معا بمعنى نقد الفرد لذاته وتخليصها من سلبياتها الموروثة والمكتسبة بغية تحقيقها – أي الانقلابية في المجتمع وتبديله وتخليصه من امراضه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتحقيق المنشود!!

(2)  حتمية الاغتراب مقدمة كتاب ريتشارد شاخت ترجمة كامل يوسف ص42.

(3)  عالم الفكر : مج10 مصدر سابق مشار له د.حسن حنفى ص70

(4)  مصدر سابق الاغتراب الديني عند فوير باخ د.حسن حنفي ص45.

(5)   نفس المصدر السابق ص56.

(6)  نفس المصدر السابق ص57.

(7)  عالم الفكر مج10 ع6 1979 الاغتراب . د.احمد ابو زيد ص6.

(8)  نفس المصدر السابق د.حسن حنفي ص40.

(9)  نفس المصدر السابق د.احمد ابو زيد ص8.

(10)  الاغتراب وازمة الإنسان المعاصر مصدر سابق د.نبيل السكندر ص87.

(11)  الاغتراب وازمة الإنسان المعاصر مصدر سابق د.نبيل السكندر ص87.

(12) الاغتراب وازمة الإنسان المعاصر مصدر سابق د.نبيل السكندر ص87.

(13) الاغتراب وازمة الإنسان المعاصر مصدر سابق د.نبيل السكندر ص87.

(14) عالم الفكر مصدر سابق الاغتراب الكوني د.مراد وهبة ص76.

(15) مقدمة والتركوفمان، حتمية الاغتراب ص33 مصدر سابق.

(16) نقلا عن د.مراد وهبة الاغتراب والوعي الكوني مصدر سابق ص105.

(17)  نفس المصدر السابق ص107.

(18)  الاغتراب وازمة الإنسان المعاصر مصدر سابق ص310.

(19) حتمية الاغتراب والتركوفمان مصدر سابق ص73.

(20)  نفس المصدر السابق ص78-101.

(21)    نفس المصدر السابق ص102

(22) الاغتراب وازمة الإنسان المعاصر د.نبيل رمزي ص280.

(23)  شاخت ص209.

(24) حتمية الاغتراب ، مصدر سابق ، والتركوثمان، ص54.

 

 

ibrahim abrashمع أن التقاعد والتأمين والمعاشات مكتسب جاء تتويجا لنضال العاملين ومكافأة لهم في نهاية سنوات عملهم،  حيث يضمن الراتب التقاعدي الحياة الكريمة للموظف في الكِبر دون أن يذل نفسه لأحد أو يصبح عالة على أحد . إلا أن موضوع التقاعد للموظفين في القطاعين العام والخاص يثير جدلا كبيرا ليس من حيث القوانين المنظمة له وحقوق المتقاعد،  فهذه أمور تتطور وتتغير مع الزمن وتختلف من بلد لآخر،  بل تأثير التقاعد على حياة المتقاعد النفسية والعائلية والاجتماعية،  وإلى أي حد ينطبق نظام التقاعد وفلسفته على المثقفين بكل شرائحهم .

يبدو أن للأمر علاقة بثقافة المجتمع الذي يعيش فيه المتقاعد،  وطبيعة العمل الذي كان يشغله. ففي المجتمعات المتقدمة فإن التقاعد معناه نهاية مرحلة من عمر الموظف اتسمت بانتظام نمط حياته في عمل محدد والروتين، وبدء مرحلة جديدة يتحرر فيها من روتين العمل ليستكشف ويتمتع بحياة جديدة متحررة من الروتين والخضوع لأوامر  رب العمل،  فيزور أماكن لم يزرها من قبل أو يتفرغ للكتابة والقراءة أو يؤسس مشروعه الخاص في حرفة أو مجال يُبدع فيه، كما أن الدولة أو المؤسسة التي كان يشتغل فيها توفر للمتقاعدين فضاءات وأنشطة متعددة ليُشغلوا وقتهم  الخ .

أما في مجتمعات الجنوب وخصوصا المجتمعات العربية فإن غالبية المتقاعدين ينظرون إلى التقاعد كعقوبة ليس فقط من حيث ضآلة الراتب التقاعدي فقط بل لغياب الفرص والإمكانيات ليشغلوا وقتهم أو يتمتعون بالحياة،  فالدولة أو المؤسسة التي كان يشتغل فيها المتقاعد تقطع صلتها به بعد التقاعد،  فتتحول حياة المتقاعد إلى نكد وإحباط بحيث يفقد ثقته بنفسه ويعتقد أنه أصبح مُهمَلا ولا قيمة له في الحياة،  فيما كان العمل يُشعره أنه إنسان له قيمة ومهم في المجتمع . مع التقاعد فإن الوقت الذي كان يقضيه في العمل يضطر ليقضيه داخل البيت، الأمر الذي يؤدي في كثير من الحالات لأن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الأمور التي تخص الزوجة أو الأولاد وحتى الجيران،  أو يقضي وقته في المقاهي والمتنزهات العامة إن توفرت وفي هذه الحالة أيضا تصبح حياته مملة فيزداد بؤسا وإحباطا .

بالتأكيد، لا يمكن تعميم الأمر على الجميع،  فالاعتبارات المادية للمتقاعد وعائلته تلعب دورا في نمط وطبيعة حياته بعد التقاعد،  كما أن الأمر يختلف حسب المستوى الثقافي للمتقاعد،  فالمتعلمون ومن يتمتعون بمستوى ثقافي متقدم يمكنهم ملء الوقت بالقراءة والكتابة والتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وتجديد علاقاتهم الاجتماعية مع الأهل والجيران والأصدقاء،  كما أن الثقافة والوعي تجعل المتقاعد أكثر قدرة على التكيف مع الحالة الجديدة .

ما أود معالجته في هذه المقالة ليس التقاعد بحد ذاته ولكن مدى انطباق مفهوم التقاعد على (المثقفين)،  وهل ما ينطبق على الموظفين العاديين ينسحب على المثقفين من كُتاب وأدباء وأكاديميين؟ وهل هناك سن محددة يمكن اعتمادها لتقاعد المثقف؟ .قبل وقت قصير شاهدت برنامجا تلفزيونيا استضاف أحد الأدباء العراقيين،  وسألتْ مقدمة البرنامج الضيف عن أعماله الأدبية التي كانت كثيرة ومتميزة وناقشته في بعضها،  ثم سألته : بعد هذا المشوار الطويل هل وصلت لنهاية المطاف وآن لك أن تتقاعد؟ فأجاب بكل ثقة،  لقد انهيت السبعينية الأولى من حياتي وبدأت السبعينية الثانية وهناك مشاريع أدبية سأعمل عليها مستقبلا !! .

كانت إجابة رائعة وعميقة،  فالمثقف أو المفكر سواء الذي يعمل حرا أو في مجال وظيفة بأجر لا يتقاعد ما دام عقله يعمل،  فوصوله إلى سن الستين أو السبعين لا تعني نهاية مشواره بل معناه أنه وصل لقمة نضجه العقلي وقدرته على العطاء الفكري، وأن يتقاعد من عمل وظيفي روتيني فهذا يمنحه الوقت للتفرغ للكتابة في قضايا ومواضيع لم يكن روتين العمل يمنحه الوقت للقيام بها، أو طبيعة عمله وضوابطه الوظيفية وربما السياسية كانت تشكل عائقا أمام الكتابة فيها .

في المجتمعات والجامعات المتقدمة فإن المثقفين المبدعين والأكاديميين لا يتقاعدون كغيرهم من الموظفين الإداريين بعد بلوغهم السن القانوني للتقاعد .ذلك أن المثقف يشتغل بعقله وليس بجسده، فرأس مال المثقف والمفكر والأكاديمي هو فكره وعقله وقدرته على الانجاز،  ولا يوجد سن محددة لقدرة العقل على العطاء والإبداع،  وبالتالي فإن بلوغه السن القانوني الذي يطبق على الموظفين الإداريين لا يعني نهاية عمله ودوره في الحياة بل تغير طبيعته، فمثلا في كثير من الجامعات يصل سن التقاعد للسبعين أو يكون مفتوحا، إلا من رغب في التقاعد أو كانت حالته الصحية لا تسمح له بالعمل، وفي بعض الجامعات يتم توجيه الأكاديميين بعد وصولهم للسن القانوني للتقاعد للأشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه أو للعمل في مؤسسات ومراكز بحثية تابعة للجامعة أو للدولة أو تخصيص منح مجزية للتفرغ للكتابة في مجال تخصصهم وبما يخدم المصلحة الوطنية .

هناك جانب آخر من الموضوع يستحضر علاقة المثقف بالسلطة، وهي علاقة ملتبسة وبالرغم من كثرة ما كُتب عنها إلا أنها ما زالت محل جدل ونقاش،  فالمثقف الذي تجبره متطلبات الحياة على أن يصبح موظفا رسميا يتقاضى راتبا من السلطة، فإن الوظيفة كثيرا ما تقيد قدرته على ممارسة دوره كمثقف يُفترض ألا يخضع لحسابات السلطة ومتطلباتها،  فيضطر خلال سنوات عمله الوظيفي لأن يؤجل كثيرا من أعماله حتى لا يتصادم أو يشتبك مع السلطة والمتطلبات الوظيفية، وعندما يتقاعد يحاول تعويض ما فات فيصحح مساره ويعود لممارسه دوره الحقيقي كمثقف عضوي حر،  وعليه يكون تقاعده الوظيفي نقطة انطلاق لحياة جديدة من الإبداع .

ملاحظة اخيرة،  ينظر البعض للمثقف الذي يمالئ السلطة حفاظا على وظيفته بأنه منافق وانتهازي الخ،  وهذا حكم جائر إن تم تعميمه وصحيح إن تم تخصيصه على البعض انطلاقا من مسيرتهم الحياتية، فبعض المثقفين في ظل تعقيدات الحياة الحديثة وكثرة متطلباتها يضطر للعمل كموظف حكومي ويتجنب الاشتباك الحاد مع السلطة، ولنا عودة للموضوع  .

د. إبراهيم ابراش

 

asaad alemaraإن التصنيفات النفسية للشخصية قد تكون قاسية في بعض الأحيان ولا تجد قبولا لدى البعض لكن التسليم بها بات واقعًا علميًا، فحينما نصف فلان بأنه متزن وآخر غير متزن، وذلك السياسي أرعن، والآخر ثعلب في السياسة، أو هذا عدواني" سيكوباثي، شخصيته مضادة للمجتمع، وآخر له ميول إنسانية عالية، فهي تصنيفات باتت واقعية تلمسها عامة الناس، وسؤالنا: هل أن العقل هو المحرك لتلك الأنماط من الشخصية؟ كيف إذا فقد هذا العقل التوازن؟ إنها كارثة جمعية بحق.

قسم الفيلسوف افلاطون قديمًا وسمي بالتقسيم الافلاطوني ثلاثة أصناف، صنف يتعلق بجزء من البدن، وهي البطن، وجزء يتعلق بالقلب وهي عواطف القلب، وجزء يتعلق بالرأس وهو حكمة الرأس. فالعناصر الثلاثة  تشكل بإتحادها إتساق السلوك والتعامل إذا ما أشبعت وحينها يكون التوازن النفسي الجسدي العقلي. وحديثًا أضافت لنا المدارس النفسية الكثير من التصنيفات القريبة للواقع والتي تعتمد على التكوين الفرضي للسلوك، والتي نستدل من خلالها على ما يفكر هذا القائد العسكري، أو السياسي المحنك، أو المنظر في الحركة السياسية وراسم الخطط.

إن من أعظم ما حققه العقل من إنجاز عبر مسيرة تطوره التاريخية، تلك القدرة على الرؤية الشاملة والثرية، للحقيقة وللواقع والأشياء لتي تمس الوجود الإنساني بأسره، تلك القدرة على رؤية ما بين الأشياء من جدل، أعني من وحدة وترابط من جانب ومن تأثير متبادل من جانب آخر، هذه الرؤية أو التنظير هو ما يطلق عليه الرؤية أو النظرة الجدلية، أو الديالكتيك، إنها رؤية للحقيقة بما هي وحدة وصراع وتوازن وحركة دائمة وتغير مستمر، هذا ما يطرحه أستاذ الأجيال الدكتور فرج أحمد فرج، فعلا إنه وجود جدلي بحق، وجود مزدوج، وجود مركب، وجود الفرد إذا استطاع أن يوظف قدراته العقلية في جدل مستمر، جدل دائم، ولكن في العقود الأخيرة في بعض بلداننا العربية سيطرت الفردية والغت حرية  العقل، مما أدى إلى ضموره، وتقلصه، وربما أُسكت، أو أُخرس العقل من أن يبدع، أو يتحرك للانتاج الفكري، فكانت آزمة المثقف بتكميمه ومنعه من إبداء الرأي في أية قضية علمية، أو فلسفية، أو إبداعية، على الرغم من أن بديهيات علم نفس الأعماق ترى أنه لا يتخلق النقيض إلا من خلال نقيضه، وإلا في وحدة معه، هذه الوحده، وحدة النقيض مع نقيضه، وإيقاع هذه الوحدة وتوازن هذا الإيقاع، ويتم ذلك حتمًا من خلال الإستخدام الكامل لقدرات العقل الإنساني، هذا الإستخدام يؤدي إلى ثورة في العقل، وهي ثورة في الفكر، ليست مثل باقي الثورات التي عرفناها في بلداننا العربية عبر أكثر من خمسة عقود، ثورات وإنقلابات وإنتفاضات بالأسلحة والدبابات والمصفحات والطائرات الحربية، ويقول الفيلسوف" زكي نجيب محمود" يغلب على ثورة الفكر أن تجيء كقطرات الماء تنصب على الجلمود الأصم فتحسبها واهنة بلا أثر، وإذا بالأيام تمضي فإذا الجلمود الأصم  قد تفسخ وأرهف السمع ليتلقى الرسالة، والعجب أن ثورات الفكر بصوتها الخافت الهادئ، هي التي تحرك النفوس على مدى الزمن القصير أو الطويل، ولكن كيف يكون ذلك ونحن في أزمة، فعلا إنها أزمة فكر، أزمة عقل يفكر بحرية لينطلق نحو الابداع، لا نغالي إذا قلنا إن الإستخدام الأمثل للعقل هي موهبة، والموهبة لا يمكن أن تنشأ وتنمو في المجتمعات الدكتاتورية.

لقد ولدت الدكتاتورية ظلم وقهر وتشريد وتهجير قسري والقائمة تطول بهذه الصفات وابعادها وقوة تأثيرها على البشر، لذا لا يمكن للإنسان ما أمتدت به الحياة أن يكف عن الحلم بالإستقرار والبحث عن الامن المجتمعي والغذائي، حكم العدل والعدالة، ولكن تبقى قصة التنظير والفكر والتفكير هاجسه، لإنها هي التي تغذي العقل، فلم تنشأ المذاهب وتشيد الصروح الفكرية والتفسيرية إلا من خلال تشغيل هذا الجزء من عقل الإنسان وهو تشغيل الدماغ بإنتاج فكري، وتفعيله، وتحويل الأفكار والرؤى الفلسفية إلى أرض الواقع.

السراب المقدس هل هو مصادرة  لقدرات العقل:

إن العقل الإنساني هو محور وجود الإنسان، وهو الطاقة المولدة لباقي اعضاءه، وبه يبدأ الإنسان وجوده وبإنتهاءه ينتهي وجوده، أعني الميلاد والموت، ولكن كيف يعيش هذا العقل بلا فكر، بلا عمق في رؤية الأشياء وابعادها الموجودة فعلا، فالبعض منا حينما تستغلق عليه الرؤية العقلية النافذة،  يقدم على الانتحار بعد أن يوصله العقل لهذه النهاية المأساوية، فيقدم وينهي حياته، والبعض يؤمن بسراب مقدس لا اساس له غير الروايات التي ربما لفقت، أو أضيف لها، أو نسجت لتداعب العاطفة فتؤثر بالإيحاء على العقل، فتتم مصادرته بكل بساطة، ويتحول العقل والسلوك إلى مطية لمن يوجهها، حتى وإن كان سرابًا مقدسًا، والمظاهر كثيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، حيث راح البعض يقدس الموتى، ويطلب الشفاعة منهم، والبعض أختلق لنفسه معبدًا وصنع له صنمًا يقدسه، أليس هذا سراب مقدس؟ ترى الدكتوره آمال كمال محمد في اطروحتها للدكتوراه الموسومة البناء النفسي للمرضى المصابين بفقدان الشهية العصبي قولها: أنه "كما شاعت الأساطير التي واكبت ميلاد البطل الأسطوري أو التي تعد إرهاصات بمولده شاعت كذلك الأساطير الملازمة لحياته والتي تم صياغتها بحيث تحتوي على الكثير من الخوارق والقدرات المطلقة لأفعاله الجسدية، وكان أول تلك الأساطير ما يروى مع المبالغات عن قدراته الخارقة، أو عن قدراتها الخارقة إن كانت أمراة، فهو/ هي لم يكن في حياته سوى رجل بسيط، ومتواضع وإنسان عادي جدًا، ولكن بعد مماته، يتحول إلى طبيب يعالج المرضى، أو يشفي الأبكم، أو هي تتحول بعد وفاتها إلى طبيبة نسائية متخصصة في النساء للحمل أو تسهيل الولادة، وما إلى ذلك من إرهاصات نسجها العقل المصادر، فذاك المؤمن البسيط المتعبد المسالم، الذي آمن بفكر اللاعنف مدرسة، والمسالمة سلوكًا، مات سجينًا، أو عذب لحد الموت، أم ماتت وهي تعاني من عقد وحالات نفسية تشخص على وفق الطب النفسي الحديث بأنها فصامية" مريضة بمرض عقلي يسمى طبيًا بإضطراب الفصام" فتصبح بقدرة قادر طبيبة ومعالجة لحالات العقم، او تسهيل الولادة، او تساعد على الحمل، حالما تزورها المرأة العاقر، أليس هذا السراب المقدس!! هل تمت مصادرة  العقل؟  هل أن العقل الجمعي نجح في ترويج هذا السراب الديني حتى أصبح مقدسًا؟ كم من رجال الدين العقلاء الذين حذروا من مهزلة تحويل المناسبات الدينية إلى طقوس وثنية، كالزحف وصولا لمقام المقدس!! أو قفز على النار حتى وإن أحترقت قدماه، فداءً للمولى المقدس، أين العقل؟ نحن فعلا في أزمة عقل!! نمشي ملايين بدون عقل من أجل سراب مقدس، مات الرجل وهو يقول لا تسيؤا لنا بما تفعلون، لا تشوهوا ثورتنا بما تفعلون، لم يقل يومًا انه مقدس، أو صبغ لنفسه صبغة الربوبية، أنه ثار، ومن بعده أولاده واحفاده بالحق، ومن أجل الحرية، ودعى إلى العقل، لا إلى مصادرته وتحويله إلى طقس وثني للتعبد أو المبالغه في تمجيده، ويبقى سؤالنا مستمرًا هل هي أزمة عقل عربي –إسلامي؟ نعم هي عبودية الفرد، وتمجيده لحد العبادة والمبالغة في تبجيله وتقديسه.

 

د.أسعد الأماره - استاذ جامعي وباحث نفسي

 

abduljabar alobaydiكتب الأستاذ الآكاديمي محسن المحمدي مقالا مهماً عقب فيه على كتاب "الصداقة قيمة أخلاقية مركزية" نشره في مجلة عالم المعرفة الكويتية.. مقال عند قراءتك له تشعر بحسٍ جمالي، ومتعة نفسية متناهية، مفاهيمه واضحة معززا بالأمثلة والمتشابهات.لاشك انه استاذ متمرس مارس المهنة بنجاح عالٍ مكنته من ايصال المعلومة للقارىء بطريقة سهلة، وصيغ لغوية متعددة ورفيعة ومختلفة .مقال بحاجة لكل صديق ان يقرأه ليقف على مفاهيم وقيم الصداقة بين الناس عبر الزمن.

الكتاب يحتوي على مفاهيم الصداقة.. لكن الذي يعنيه المعقب هو أستغرابه وتعجبة، كيف ان هذا المفهوم حضر عند الفلاسفة اليونان منذ العصر الهليني والهلينستي معاً (322 ق.م)، وكيف غاب هذا المفهوم عندهم منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى عصرنا هذا. بمعنى ان هذا المفهوم لا زال غائباً عندنا الى اليوم في القيمة المركزية للتصور الاخلاقي للصداقة، وهذه بنظره منقصة ما كان يجب ان تحدث في مجتمع عالمي اخذ يتطور بسرعة في عالم التكنولوجيا والعلوم النظرية والتطبيقية.

فهل كان هذا الغياب الذي يطرحه الكاتب قصورا أنسانياً لنموذج من نماذج الحياة الصالحة؟ أم ان هذا الطرح الذي غاب حديثا كان نظرية قديمة عرفتها الانسانية، ولكن بفعل فاعل تخلت عنها اليوم؟ اذن لابد من اسباب جوهرية دعت الى ذلك ؟.فهل نظريات التطور وتعقد الحياة الاجتماعية لعبت دورا في هذا التوقف.قضية علمية وسايكولوجية بحاجة الى دراسة وتدقيق..من يريد ان يجيب عنها فالخيار له مفتوح .

يُنسب الكاتب هذا التوقف الى عيوب مركزية لازمت المؤسسات الدينية والسياسية والعلمية عبر هذا الزمن الطويل، لذا فهو يدعو الى دراسة المنعطفات التي حلت بالأمم حين تحول فيها نموذج التفكير والرؤية للعالم الى درجة نسيان العامل الاخلاقي في التعامل بين الامم والشعوب، لا بل حتى بين الافراد أيضاً. بينما أنا شخصيا أنسبها لعامل الزمن المتغير ولا غير.

ففي المحطة الهلينية الاولى (323-523 ق.م)، كان الانسان منظما يتعامل وفق نظرية (الكوسموس) التنظيم المبدع الملتزم، فالتنظيم ليس عفويا بل جاء وفق غاية زمنية محكمة، عبر عنها الفيلسوف افلاطون بالغاية من اجل تحقيق هدف النفس الانسانية الأسمى هما التعاون والسلام، كان العيش فيها يسوده السلام دون حروب.، بأعتبار ان جوهر الكائن الانساني هو(العقل، والنفس والوعي الذاتي) لأن الأنسان هو الاساس فيما يسمى عندهم بالدولة أو المدينة التي رسمت لهم معالم علاقاتهم الحياتيه المدنية، حين توفرت لهم عناصرها التي هيأت لهم ما أرادوا.

وحين ننتقل بالكاتب الى المحطة الهيلنستية مباشرة( هي أستمرارا للمحطة الأولى)، التي بدأت بظهور الاسكندر المقدوني (ت322 ق.م) وفتوحاته التي ضمت معها جمهرة العلماء والخبراء والمهندسين، الذين اعتبرهم التاريخ سفراء ثقافة وأعمار الى الناس، مما خلق نظرية التزاوج الفكري بين اليونان والشرق العربي والعالمي. فخلق مجتمعا مغايراً حتى لمجتمع اليونانيين القدماء انفسهم، وكأننا أصبحنا نتجه الى ظهور الدولة العالمية (كومبولس) بدلا من دولة المدينة المحدودة بشعبها الأصلي.

 ونتيجة هذا التوسع ضاعت المُثل القيمية المفتوحة عند اليونانيين، فتحولوا الى الانفرادية، لكنها بنفس الوقت نقلت هذه الحركة التوسعية العالم الى فلسفة جديدة تلقائيا، لم يعد لعادات وتقاليد دولة المدينة اليونانية القديمة لها من تأثير.

هذا التوجه الفلسفي الجديد عندهم ولد المدرسة الابيقورية (341-270 ق.م) التي دعت الى فلسفة اخلاقية جديدة اعتمدت الصداقة الحقة عنصرا جوهريا في النظرية الأخلاقية فيها، كي لا تفقد الفلسفةاليونانية قيمها القديمة، حتى قال (ديموقريطس 460-370 ق.م) صاحب هذه المدرسة الجديدة: " ان حياة الفرد ليست جديرة بأن تعاش من دون صديق واحد مخلص على الأقل ".نظرية ظلت متداولة عندهم لفترة طويلة ولربما الى اليوم عند اليونانيين".

 كما قال عنها شيشرون (106-43 ق.م) ان الصداقة الحقة مفضلة على كل ما يمتلكه البشر، اذ لا يوجد شيء أكثر تناسباً لطبيعتنا البشرية وأكثر ملائمة من ايام الضيق والازدهار، لكنها هي الأفضل " ويقصد الصداقة ..ويتعجب شيشرون كيف تُخان الصداقة بين الاصدقاء، وهي من وجهة نظره ركن من أركان الفضيلة بين الناس، لأنها مبنية على الخير والفضيلة ولا غير.

هذه المفاهيم القديمة لصداقة الوفاء خالية منها مناهجنا التعليمية اليوم بعد ان استبدلت بمفاهيم دينية عائمة وغامضة ملفوفة بفلسفة سفسطائية دينية مفروضة علينا ...لا معنى لها.

ان غياب التنظير لمفهوم الصداقة عندنا اليوم يكمن في التحولات الثقافية والسياسية التي ولدت نظرية المصلحة الشخصية بدلا من المصلحة العامة..لذا نرى ان السياسي يغدر بصديقه الاخر من اجل مصلحته الشخصية - الأنقلابات السياسية والعسكرية في الوطن العربي مثالاً- دون النظر لفلسفة الصداقة الحقة وفق نظرية المصلحة العامة. بعد ان ساد الأعتقاد عند البعض منهم..ان السعادة يمكن ان تتم دون صديق.

يقول الفيلسوف جعفر آل ياسين (ت 2010 م): "ان الصداقة هي دليل رشد لصاحبها ترشده الى طريق الحق والصواب، بها يكون الصديق المخلص أقدر على الوفاء من غيره حتى في الشدائد والمحن، فالصديق المخلص يركن اليه عند الشدة"، ونقول : لا تتحقق الصداقة الا اذا اصبحت سلطة العقل مرجعية وحيدة له..وهذه اجواء يصعب فيها تطوير علاقات صداقة لفقدان مرجعية العقل في غالب الأحيان .

لقد حاول الأسكندر المقدوني (354-322 ق.م) ان يحقق الطموح الخلاق العالمي للبشرية، مقابل الطاعة القائمة على الرضى وفق منظور الصداقة، ليركز بعد ذلك على نظرية صداقة الشعوب ككل، لكنه لم ينجح، لكون ان توسعه في العالم لم يكن على اساس توحيد الأمم وفق المنظور الأنساني، بل كان على اساس توسع البيت الحاكم، فكل فتوحاته اعتبرها من أملاكه..من هنا ظهرت نظرية الأستيلاء التي نسميها اليوم (بنظرية الأستعمار) وقد جرَ هذا التوجه الى الخسران والفشل وموت الأسكندر( في 13 حزيران عام 322 قبل الميلاد في قصر نبوخذ نصر في مدينة بابل العراقية وعمره 32 سنة) حال دون تحقيق الأمل.

نعم ان فلاسفة اليونان يستحقون الأفضلية في ابتكار علم فلسفة الحياة ... وهم اصحاب نظرية الحركة، أي ان الزمان والمكان، في تغير وتحول دائمين..وسبب هذه الحركة هو الصراع –أي جدلية الكون- وهم أول من أبتكر النظرية الجدلية التي هي اليوم ام القوانين ..؟

فالصداقة والخيانة جدلية ...الموت والحياة جدلية، (القرآن سورة المُلك)..الخير والشر جدلية...الطموح والفشل جدلية... قوانين الكون والفساد جدلية ...

فأين لنا اليوم من أحياء هذا العلم اليوناني القديم ..؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

amir salihاعتقد جازما لم تنتهي دورة العنف والقتل والأرهاب في البلاد الأوربية وفي بلداننا العربية والأسلامية، حيث منفذ الجريمة هو نفسه في كل الحالات وفي كل الأمكنة وبنفس المواصفات السيكو ـ عقلية، واذا كان الأمن في بلادنا هشا بطبيعته الموضوعية واسبابه الذاتية التي لم تستطيع القضاء عليه، فأن الأمن الأوربي محصنا وقويا ومدعوما اجتماعيا، وان التعاون بين الأجهزة الأمنية الأوربية والوسط الأجتماعي الذي تعمل فيه هذه الأجهزة وطيدا ومعززا في الثقة المتبادلة بينهما، ولكنه تعود على محاربة الأرهاب والازمات بطرق تقليدية وذات طابع طويل الأمد، قوامها ايجاد حلول اجتماعية وسياسية واقتصادية لتطويق ظاهرة الأرهاب من خلال السيطرة على الأسباب كما يرونها هم، ولكن في المقابل النقيض فقد تنوعت وسائل تنفيذ العمليات الارهابية تنوعا يصعب السيطرة عليه في الأمن التقليدي المعتادة عليه الدول الأوربية، من احزمة ناسفة وتفجيرات مباشرة وارتهان مدنيين او السيطرة على مكان او منطقة او متاجر ومحلات لأغراض تنفيذ مطلب ما، الى الدهس بالسيارات والشاحنات المباغتة والدراجات الهوائية !!!.

هذا التنوع في وسائل تنفيذ العمليات الارهابية والمستفيد من فسحة الحرية والحركة والتنقل والانفتاح، وبقاء الأجهزة الأمنية في أدائها اليومي المعتاد والتقليدي لايمنع ابدا من حصول عمليات مماثلة أخرى في معظم البلاد الأوربية كما حصل مؤخرا في باريس ولندن، وان التدخل الدقيق في حياة الناس وحريتها والتدقيق بكل شاردة وواردة وتضبيط حركة الشارع التفصيلية وما فيها هو أمر عسير بعد منجزات كبيرة على مستوى الحريات الفردية التي حققتها الدول الأوربية. قد يكون هذا الأمر سهلا ووارد في الدول القمعية والدكتاتورية وفي بلداننا حصرا والمعتادة على تجميع ادق التفاصيل عن الفرد وانتمائه الفكري والسياسي وحركته اليومية وتنقلاته وغيرها، ولم يحصل فيها الذي حصل في اوربا إلا بعد انفلات الاوضاع العامة وتداخل طموحات الانسان في التغير نحو الحرية والديمقراطية، وقد اختلط بدخول المنظمات والحركات الارهابية المسلحة فقلبت الأمور بالضد من طموحات الشعوب !!!. 

الإرهاب بدون شك له بيئة حاضنة ومواتية لديمومته وبقائه، ولا يعني أبدا القضاء عليه مباشرة بالحشود العالمية العسكرية يعني اختفائه عن الظهور ثانية، لان سنة البحث العلمي تستدعي معالجة الظاهرة من خلال أسبابها وليست من خلال قطع دابر الأعراض وبقاء الأسباب، ومن هنا تأتي أهمية التزامن في القضاء على الأذرع العسكرية للإرهاب مع مجمل تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في البيئة التي ينتعش فيها الإرهاب بمختلف مسمياته " داعش وأخواتها " !!!.

أسوق هنا بعض من العوامل العامة التي تعتبر بيئة حاضنة للتحجر العقلي وما يفرزه من مظاهر، وفي مقدمتها الارهاب، وأبرز هذه العوامل هي:

1 ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية، فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط، فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

2 ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي، ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر، ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته، فيعتبر ما عنده هو صالح لكل زمان ومكان، وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

3 ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة، ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا الى قمة النظم السياسية القمعية، التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه، وتحول الكيان الاجتماعي الى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية، تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا، حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

هذه العوامل مجتمعة وعبر إعادة إنتاجها وتكريسها لعقود قادرة على خلق عقل متحجر وبوابة واسعة للعنف والقتل والإرهاب. وهذا التفسير لظاهرة الارهاب مقبول جدا في مجتمعنا، إلا ان تداعيات الارهاب على المستوى النفسي والسلوكي أخطر من ذلك بكثير وخاصة عندما يأخذ طابع التطرف الديني وأستغلال خطاب " السماء " لأضفاء طابع دموي ومقدس على ما هية الصراع ووسائله، ويتجاوز هنا الارهاب حدود المكان الذي نشأ فيه !!!.   

وهنا اتسائل كيف يمكن " للمؤمن " الهادئ القانط ذو  "الاخلاق " الدمثة والمنتحل لصفة الوداعة والطيب والذي يتعامل بأرق المفردات اليومية في سياق التعامل المعتاد أن يتحول الى قاتل دموي يستبيح ارواح المئات ويجيد تكنولوجيا وتكنيك ورسم الخطط الدقيقة في إحكام السيطرة لإحلال الدمار على مناطق كاملة واستباحة دماء ساكنيها بتلك السهولة المجردة عن الحد الادنى من الاخلاق والمشاعر الانسانية. كيف يمكن لذلك المجرم الدموي أن يجيد لغة التسامح في تعامله اليومي: الله يبارك فيك، الله ايخليك، الله يرحم والديك، الله يجنبك كل مكروه و ويقترح عليك أفضل الخدمات للمساعدة، واستعداده المتفاني من أجلك والذي يثير الاستغراب، ولكنه بالمقابل يرتكب أشنع الافعال ضدك في اللحظة عندما يراك مخالفا لسنة تفكيره، إنها سيكوباتيا السلوك المنحرف !!!.

تلك سيكولوجيا الاعتقاد الإيماني المتحجر الذي لا يرى الخير الا في خانته، ولم يرى  في الآخر إلا شرا مطلق يجب تصفيته بأكثر الوسائل بشاعة، حيث إنسانيته هنا لا ترتبط بمبادئ إنسانية عامة متعارف عليها في منع الشر وأباحة الخير، بل ترتبط بمدى قربها او بعدها من قناعته المتحجرة التي ترتبط بخطاب ما ورائي، يحلل الحرام فيه ويحرم الحلال، ويرى في صحته مطلقا بعيدا عن منطق العقل وتراكم الخبرة الانسانية. والابادة الجماعية والفرديه هنا لديه خيرا مطلق يثاب الفاعل ـ المجرم عليها بمزيدا من الأجر والثواب والمزايا التي تراوده في أحلام يقضته ليلقاها في آخرته !!!.  

من الناحية السيكولوجية الخالصة فأن جرائم القتل والارهاب وزرع الرعب تعبر عن سلوكا عصابيا مرضيا معمدا بدوافع التركيز الشديد للانتقام من الاخر المغاير في صبغته الدينية والقومية والمذهبية والطائفية والجنسية والثقافية وغيرها من الفروق المختلفة، ومبررة ارتكاب هذه الجرائم بخطاب فكري وديني وثقافي مغاير وذو مسحة اقصائية للاخر. ومن الناحية النفسية فقد نجد في ابرز ملامح ديناميات السلوك التي تكمن ورائه بما يأتي: 

1 ـ سيطرة الغريزة التدميرية والفناء مقابل غريزة الحياة والبقاء، وتتخذ غريزة التدمير مسارين، أحدهما ضد الذات، وقد يكون متزامنا بفناء الاخر كما هي العمليات الانتحارية أو ليست بالضرورة، فيكتفي المرء بفناء نفسه.  وتنشأ الغلبة لغريزة الموت على الحياة من خلال تشبع الفرد بثقافة الاقصاء وتحريم الاختلاف وعدم تقبل الاخر ، الى جانب اعتناق الافكار والمعتقدات الدينية وغير الدينية بطريقة عقائدية متحجرة، فتلغي بدورها قيمة التنوع والاختلاف، مما يسهل نشوء منظومة سلوكية تدميرية تضعف عوامل البقاء الصالح المتوازن وانهائه، وبالتالي انهاء الحياة كاملة على خلفية الاعتقاد ان كل ما موجود هو خاطئ باستثناء ما يعتقده هو فقط !!!.

2 ـ ضعف وتداعي "الانا العليا " من أخلاق ومعايير ونماذج مثالية للسلوك، وغياب لدور الانا التوفيقية، وسيطرة سائدة " للهو " الذي تلعب فيه الغرائز البدائية وذات الطبيعية الحيوانية دورا كبيرا في تشكيل ملامح شخصيته. فهو يتصرف هنا بفعل توقف عملية النمو النفسي لديه موئلها رموزه الدينية والسياسية والحياتية، وتسود ملامح شخصية قوامها عقدة النقص وتنشأ على خلفية ذلك وتشتد مشاعر الاثم والاحساس بالضعف وعدم المقدرة الاستقلالية والخضوع التام لرموز دينية وسياسية وقومية يسلم أمره لها، يقابله تحميل الاخر المغاير له كل عوامل ضعفه واسقاطها عليه، وتصل الى حد الانتقام والابادة للاخر المختلف واستأصاله وتدميره !!!. 

 3 ـ تضخم الانا العليا والشعور المتزايد بضغوطات الضمير وعدم المقدرة على ايجاد حالة من التوازن في الديناميات النفسية عبر حلول الانا، والاغراق في ممارسة معاقبة النفس وتكريس مشاعر الاحساس بالذنب  في اجواء من هيمنة الاكتئاب والاشمئزاز من النفس والسعي المتزايد لانتقاد النفس وتخليصها من الهلاك وصولا الى الهلاك الذاتي المتمثل في محاولات الانتحار أو ممارسة التفجير الذاتي في وسط من يراهم مغايرون له في الدين والمعتقد !!!. 

4 ـ تقاطع هذاءات " بارانويدا " العظمة والاضطهاد في السلوك التدميري في السياسة. وإن كان هذا المصطلح يعني مرضا عقليا خطيرا بشقيه " داء العظمة وداء الاحساس بالاضطهاد " فأنه في السياسة له دلالته الخطيرة، حيث النظم الدكتاتورية والقمعية البوليسية المؤدلجة منها والمتأسلمة والشوفينية والعنصرية والمبتلاة بداء العظمة تستخدم كافة وسائل العنف من خلال اجهزتها العسكرية والامنية المخابراتية القمعية المختلفة لإلحاق الاذى بشعوبها أو شعوب أخرى للتعبير عن الاحساس المفرط بالعظمة وسلوك الهيمنة المطلقة !!!.

يقابله في الطرف الاخر الاحساس بالمظلومية والاضطهاد المفرط والمنفلت من أي مسحة إنسانية أو فهم لظروف وقوانين الصراع الموضوعية، هو الاخر يحمل في طياته دوافع الخراب والعنف والتدمير الشامل، ويشكل هذا السلوك ردود فعل عنيفة يخرج عن دائرة التغير الايجابي الممكن للاوضاع السائدة، وغالبا ما يكون هذا السلوك مؤطرا بخطاب المذهبية والطائفية والشوفينة العرقية ويكون بيئة صالحة للارهاب المجتمعي والدولي، في ظل غياب خطاب عقلاني انساني سائد مفعم بعوامل البقاء الانساني والذي يحافظ على قيمة الوجود الانساني الحر. وهكذا تتبادل الادوار بين الجلاد والضحية !!!.

5 ـ فصام " شيزوفرينيا " السلطة وفصام المعارضة. الفصام باعتباره مرضا عقليا يحرم صاحبه من ادراك الواقع الموضوعي والعيش في عالم مرضي خاص يفتقد الى المشاعر والعواطف التي تربطه بالاخرين وغير مكترث بما يحل بالاخرين من هول ومصائب، كما تسيطر الاوهام والهلاوس وأضطرابات الفكر في سياقاته اليومية. النظم القمعية بمختلف مظاهرها وأشكالها المؤدلجة منها والمتأسلمة وبما فيها أيضا الدكتاتوريات العالمية تعاني من ظاهرة الفصام حيث الهوة الواسعة بين الشعب والنظام، من حيث ادراك مشكلاته الحقيقية وظروفه المعاشية ووسائل النهوض به. وبفعل هول الاوهام التي تحيط بالنظام فأنه لا يرى في الشعب أو جيرانه الا مؤامرة كبرى تستهدف استئصاله وعليه ان يبدأ بضربته الاستباقية، من ممارسة واسعة للقمع والارهاب والتعذيب والقتل في الداخل واشعال الحروب الخارجية.

أما المعارضة التي تنتحل خطابا آخرا فصاميا بعيدا عن واقع الحياة وقد عفى عليه الزمن لأقحام مستقبل المجتمع فيه وأكراه الناس على اعتناقه أسوة بما فعلت الدكتاتوريات القمعية بشعوبها، فهو خطاب الانفعالات الضارة التي تعبأ الناس في وجهة انفعالية تدميرية لايمكن التنبوء بحجم الخراب الذي ستفعله في تفتيت وتشويه الينية الاجتماعية والثقافية وتخريب العلاقات الانسانية على نطاق واسع، كما هي الخطابات الاسلاموية المغلفة برحمة السماء وحب الآلهة واليوم الموعود، فقد انتجت تلك الخطابات في العراق وتونس وليبيا ومصر واليمن، وفي زمن قصير جدا، المزيد من التعسف والتهجير والابادة الجماعية والقتل على الهوية الدينية والطائفية والاثنية، واستباحة الجنس الآخر من دعارة وبيع للنساء في سوق النخاسة وأكتشاف اشكال لا تعد ولا تحصى من الزواجات بأسم الدين ومستقبل مجهول !!!.

6 ـ الفشل والاحباط في بلوغ الاهداف، فكلما اشتدت وطأة المشاعر بالاحباط إشتدت هي الاخرى مشاعر الكبت والاحتقان، وهي مؤشرات تنذر سيكولوجيا بعدوان تشتد وطأته كلما كانت الاهداف مهمة واستراتيجية في حياة الفرد والجماعة كما هي في سلوك الحكم و " المعارضة " وهو بمثابة جرح نرجسي كبير لكلا الطرفين مما يدفعهم لتعبئة كافة القوى المتاحة لديهم لاحلال الدمار بالاخر، ويكون ضحيتها شعبا بكامله وسيادة وطنية ونسيج اجتماعي، في ظل حاكم لا يفقه لغة الحوار والاصلاح " ومعارضة خاصة " لا تجيد غير السلاح المعمد بمشروعية السماء، فيكون القتل على أشده بين طرفين لا رحمة فيهم !!!. 

وعلى العموم فأن الارهاب الذي تسبقه عمليات تعصب وتطرف مستميت وعمليات غسيل دماغ  يرى في الاخر الديني والثقافي والاثني والسياسي عدو لدود ويجب تصفيته وازاحته من مشهد الحياة، انه فوبيا الاختلاف مع الاخر وعدم المقدرة على ايجاد لغة مشتركة معه، وبالتالي فأن الطريق السهل هو تصفيته وابادته جسديا وعرقيا وثقافيا للخلاص من كل اثاره. كما ان دخول الافراد من مزاج متعصب ومتطرف في مجاميع وتنظيمات تستجيب لهذا المزاج المضطرب يحول الفرد بضرورة الانتماء الى مستسلم لارادة الجماعة ورهن تصرفها ويتحول الى قنبلة موقوته ممكن ان تتفجر رهن اشارة قيادي من المجموعة، بمختلف الاتجاهات وبمختلف الامكنة في العالم !!!.

كيف نطلب من العالم المتمدن أن يقف الى جانب قضايانا العادلة وان يسهم في ايجاد حل لمشكلاتنا المستعصية وان يدعمنا في دحر داعش ونحن نخجل في إدانة فعل قتل جماعي يرتكب بحق الابرياء والعزل من الناس ونضع شروط مسبقة للإدانة. ان الموقف من إنسانية الانسان وتحريم هدر دمه لا تحتمل الاجتهاد ولا الفتاوى، وان السكوت وعدم الادانة والتحايل في التصريحات هو مساهمة في جرائم القتل وإيجاد غطاء شرعي لها مما يسهم في التشجيع عليها واعادة إنتاجها على نطاق واسع !!!.

إن الموقف الانساني يستدعي من دموعنا أن تذرف على كل طفل وأمرأة ورجل بريء، سوري أم فرنسي أم لبناني أم عراقي أو سعودي، أو بريطاني أم روسي، فالدم الانساني مقدس في برائته، فلا إنسانية لنا بالسكوت على استباحة دم من يختلف معنا في الدين أو العقيدة أو السياسة، وإن دمائنا ستباح أكثر عندما نفرح أو نشمت لاستباحة دماء الآخرين، فيوم لك ويوم عليك !!!.

اما في الداخل الاوربي فنعتقد أن تشبع منفذي العمليات الارهابية، وهم اغلبهم من المقيمين في تلك الدول، بالعوامل النفسية والعقلية" كما شرحناه " في المقال، وهم نسبيا متحررين من ضغوطات العوامل الاقتصادية ومتاحة امامهم ممارسة مختلف الحريات، ولكنهم يخضعون بشكل منظم عبر مؤسساتهم الخاصة الى خطاب تحريضي متطرف يدفعهم الى المزيد من العزلة الاجتماعية في المجتمع الأكبر، الى جانب تواصلهم مع شرائح وحركات متطرفة من مجتمعاتهم الأم مما يسهل اندفاعهم نحو تنفيذ اجندة الحركات الارهابية والاصولية المتطرفة في مجتمعات اقامتهم وبذرائع مشرعنة. قد تكون سياسات الاندماج الايجابي في مجتمع الاقامة جزء من حلول تسهم في ابعادهم عن التطرف، ولكن تجارب العشرة سنوات الاخيرة لم تأتي بنجاح، فهناك وفي الكثير من الدول الاوربية" وخاصة فرنسا وبريطانيا " أحزمة من المهاجرين حول المدن الكبرى، وهي مجتمعات معزولة لاتعرف ما يجري داخل مدنها الكبرى من حياة يومية. ونعتقد هنا ان الضغط القانوني والتشديد على ظروف وطابع اقامة الافراد الى جانب برامج الاندماج الثقافي والتربوي والاقتصادي والاجتماعي قد تسهم بحلحلة الاوضاع صوب مزيدا من الاستقرار والامن !!!.

 وختاما نقول ان على العالم المتمدن، والاوربي منه بشكل خاص، ان يقف وقفة واضحة واحدة أكثر من أي وقت مضى لفضح النظم السياسية التي تغذي الارهاب العالمي وأدواته المنفذة، داعش والقاعدة وأخواتها، وفي مقدمة هذه النظم السعودية وقطر وتركيا اوردغان، وفضح دورها المتحايل على الصعيد الدولي في التغطية على الارهاب وجرائمه بحق الانسانية، الى جانب فضح وإدانة الجرائم التي ترتكبها النظم الدكتاتورية في المنطقة والعمل على إيجاد حلول مشرفة لبؤر الصراع المستعرة والتي يذهب ضحيتها شعوب ومستقبل أجيال !!!. 

 

د. عامر صالح

ali mohamadalyousifاجد كعتبة دخول لموضوع الدراسة ان الصدفة تلعب دورا محوريا مركزيا في صنع حياة الفرد والمجتمع والتاريخ. كما ارى ايضا ان الصدفة نوعان,الاول: صدفة تأتي خارج ارادة الفرد وخارج فاعلية قوانين الطبيعة في فعل التغيير  في صنع المسار التاريخي الانساني. وقد تكون الصدفة ثانيا: صدفة مصنعّة من قبل طرف يدخل بارادة مسبقة ويسهم في تعجيل او حرف المسار التاريخي لتحقيق مقتضيات سياسية مطلوبة.

كانت امريكا تتميز ولازالت تجمع بين القوة اسلوباً والتحضر والتمدن رؤية ومظهراً سياسياً. انها دوماً تلبس مفاهيمها  السياسية ومنطلقاتها في الاقتصاد والثقافة وغيرها للدول الاخرى بدلاً ان يتلبسها واقع حال تلك الدول بمدلولاتها السياسية – الاقتصادية – الثقافية – الحضارية وتعمل على حلها قبل ان تتفاقم تعقيداتها وتصعب معالجتها.

امريكا لاتزال لم تعتد استقراء الواقع الحي الدينامي للامم والشعوب الاخرى … ولاتستوعب خصوصيات محليات وهويات تلك الشعوب قدر اهتمامها اثبات صحة وصوابية وتفرد منطلقاتها السياسية الثقافية –الاجتماعية في تطويعها الواقع وفي الزامه تقييد الحراك المتميز للهوية والخصوصية القومية لغيرها قسراً في تبعية الفكر البراجماتي والدوغماتية بشكل تنعدم فيه حساسية اية مؤثرات فاعلة دولية تأتيها من الخارج تجدها لاتناسبها وتعدم تأثير فاعليتها الايجابية حتى في حالة تصديها معالجة قضايا مصيرية هامة بالنسبة لغيرها .

وشعار ومفهوم "صراع الحضارات" عند امعان التدقيق بالنظر له تتضح غرابة وتعسف ربط "الصراع"  بـ "الحضارة" من حيث ان الحضارات  ليست بالضرورة  تستحضر في ذاتها وتستفزها مؤثرات خارجية  لتدخل بدون روّية حتمية تاريخية التصادم والاحتراب مع غيرها ..هذا فقط في ظروف استثنائية جدا وحضارات لاتمتلك مقومات الاصالة والحصانة التمدينية والانسانية, عندها تكون عوامل استفزازها لايمكنها مجاوزتها سلميا… ولو أن الحضارات على امتداد التاريخ البشري يحكمها قانون انعدام التحاور والتعايش والتفاعل بغيرها ويسيرّها هاجس الصراع والتضاد والاصطدام لكان التوقف أصاب المشروع الحضاري – التاريخي للبشرية عموما، في مساره التقدمي الى امام منذ عصور تاريخية بعيدة في القدم في جميع اشتمالات الحضارة في التمدن والسلام بما يصيب المسار التاريخي البشري الحضاري الكساح والنمو البطيىء جدا. شواهد التاريخ القديمة اثبتت قديما وتثبت الآن ان الحضارات العريقة تكون حصانتها السلمية وتأثيرها الايجابي في الاخرين هو في امتلاكها مقومات المدنية فكلما كانت الحضارة راقية في حيازتها اسباب المدنية والتحضر والقوة المسالمة، نجدها تلين فيها وتندثر لديها نوازع الاحتراب والاصطدام المتعمد بالآخر وشن الحروب على غيرها ونجدها تركن لحياة الترف والمتعة ولو عدنا لبزوغ الحضارات ووصولها اوج عنفوانها التمديني يكون " عامل" الركون الى الدعة والسلام والترف هو العامل الذاتي الاساس الذي يجعل من الموجات الهمجية المتخلفة البربرية الدموية تجد في مثل تلك الحضارات " ضالتها " في استهدافها والقضاء عليها ... لم يسجل التاريخ لنا ان ماتت حضارة متمدنة تمتلك مقومات الاصالة نتيجة اصطدامها بمثيلاتها .. وليس كافيا القول ان الحضارة تهرم وتشيخ . لكن نجد ايضا في شواهد التاريخ المعاصر على وجه التحديد حين يراد تكريس الخطأ، والأمعان في ايقاظ وتحفيز رغبة الهيمنة وفرض منطق القوة على الآخرين ان يكون القانون المحرك الدينامي للحراك الحضاري نجده لايتم كاملا مالم تفعل  "الصدفة التاريخية "  دورها السلبي، وربما يكون -  كما سيتضح لنا لاحقا -  احتمال فاعلية عامل الصدفة التاريخية من ان تلعب دورا تخريبيا عدوانيا معرقلا لطبيعة الحياة المسالمة الامنية وهنا يجب ان يقترن بان تكون الصدفة التاريخية

(مصّنعة) سياسيا وليست صدفة (عفوية)

 طارئة محدودة التأثير والفاعلية بخاصة في الاحداث والمنعطفات الكبرى في التاريخ تفرزها الطبيعة في ظروف معينة خاصة فتكون رغبة استحضار وتصنيع مسببات اشعال حريق نزعة صراع وتصادم او هيمنة لاتتم كاملة وربما لا تحدث ابدا اذا ما تركت اية نزعتين او ظاهرتين تاريخيتين تحاولان التصادم والصراع تحت تأثير تغذية فاعلية عاملي الذاتية والعوامل الموضوعية المفروزة عن اجواء ومحيط  (الحدث) في غياب العامل المساعد لتحفيز الجانبين الذي هو الصدفة التاريخية المصنعة سياسيا.

ليس غريبا ان نجد قطبي نزاع تحكمهما شروط  فاعلية العامل الذاتي والعوامل الموضوعية ان يفعلا فعلهما في ايصال قطبي النزاع لنقطة حدث الصراع غير كافييين. ولايشترط حصول التصادم والصراع رغم توافر العدوانية ونزعات الاحتراب واستعدادات الاصطدام لدى الطرفين ... واكثر من ذلك نجد ان فاعلية العوامل الذاتية والموضوعية المكتفية بشروطهما الممهدة للاصطدام والاحتراب الذي يبدو كحتمية لاخلاص منها ان يصل نقطة حدث الحرب والصراع لكن لايحدث دونما توافر مؤثر خارجي كعامل مساعد مفاجىء يسرع في تقريب زمن ومسافة حتمية وقوع الحدث ولايكون هذا العامل المساعد الذي يدخل طرفا ثالثا بين طرفي النزاع سوى " الصدفة التاريخية المصنّعة " التي يبدو لنا انها صدفة عفوية عابرة ويغيب عن اذهاننا التفكير بها على انها عامل مساعد وحتمية "مصنّعة " سياسيا بعناية ... اذن يمكننا القول ان " الصدفة التاريخية"  التي يتم تصنيعها كعامل مساعد لاشعال فتيل حدث الاصطدام وانضاج عاملي الذاتية والموضوعية لدى كلا الطرفين المتنازعين يكون دورها اكبر من عاملي الشروط الذاتية والمحفزات الموضوعية حين تكون مصنعة مختبريا لتحقيق هدف سياسي معين مرسوم سلفا وفي تحفيز عوامل الاصطدام المراد استحضارها واشعال الصراع الدموي لسنوات طويلة.

هنا نجد ان دور الصدفة التاريخية المصنعة مختبريا تحضر بين طرفي نزاع تعويضا سلبيا لابل معيقا عن قصد مسبق لتغييب التاريخ في مرحلة معينة او مراحل من ان يأخذ دوره الطبيعي المعتاد في تسلسله التطوري غير المتقطع الذي تحول الصدفه المصّنعه دون وثوبه الى امام وتعويق مساره المسالم المستدام .

الصدفة التاريخية المصنعة مختبريا لاغراض سياسية ستراتيجية هي حتما تقترن بالاعاقة والسلبية . اما الصدفة التاريخية العفوية بما لايمكن حصرها التي لعبت دورا مهما فاعلا في تقدم وحضارية المسار التاريخي فهي صدفة تاريخية يكون حضورها " عفويا" يتحكم بها وبمسارها قانون الطبيعة الذي استحضرها فقط التي لا دخل للرغبة او الفاعلية للانسان او المجموعة من الناس في استيلادها وتحضيرها فهي تكون بحالة خارج سيطرة اي قانون وضعي او رغبة لانسان .. يبقى مسألة هل هي اي الصدفة التاريخية العفوية فاعلة ايجابياً في حضورها ودخولها على المسار التاريخي، ام هي فاعلة سلبياً في عرقلة هذا المسار!؟

كلا الافتراضين خارجين عن تحكم الانسان ورغبة التاثير بها… وما اكثر الصدف التاريخية العفوية التي قفزت في التاريخ ونقلته من مساره نحو منعطف اختزال الزمن التطوري بفترات زمنية طويلة جدا قد لا يصلها في تطورها ومساره البطيء التقدمي الطبيعي … وكم صدفة تاريخية عفوية اثّرت سلبا في المسار التاريخي فعرقلت تقدمه احقابا طويلة جدا من الزمن . الشيء الاخير الذي يجب التنوية عنه بعجالة هو ان الصدفة التاريخية غير المصنعة لايقتصر مجال حضورها وتاثيرها على المسار التاريخي او الحضاري فقط بل تدخل في تطور جميع مناحي الحياة … اذ لايخلو الطب مثلاً الذي يحكمة العلم التجريبي من تدخل الصدفة فيه وتفعل فعلها في مجال الاكتشافات بما لا حصر له وحصل ذلك في كافة المخترعات والكشوفات العلمية الصرفة في الفيزياء،في الكيمياء،في الرياضيات فكيف يكون الحال في مجالات اخرى!؟ في مجال العلوم الانسانية كالتاريخ والطبيعة الانسانية  وميادين السياسة والاقتصاد.

اما في حالة توسط " صدفة تاريخية مصنعة" بين طرفي نزاع عندها يصبح التصادم الحضاري ماثلا كحتمية مسلّم الأخذ بها يتحتم وقوعها وحدوثها ويبدو معكوسها وخلاف ذلك في رغبة الحوار والتعايش وتأمين الاستقرار والسلام اقل حظا للقبول وأخذا في حيز التنفيذ ونجد في انحرافها عن طريقها الطبيعي المسالم في الحياة اقبل للتسليم به واكثر قبولا في حال غياب نقيضها في الوقوف المبدئي الانساني الثابت السليم .

في اسقاطنا احداث تفجيرات 11 ايلول 2001 على تنبؤات مثل " فوكوياما و هينتكتون" في مقولتي نهاية التاريخ وصراع الحضارات كحتمية تاريخية نلاحظ التفجيرات التي حدثت في نيويورك  (كصدفة تاريخية) سواء كانت تلك الصدفة مصنّعة سياسيا ام لا، حضرت كعامل مساعد عفوي لمجموعات ارهابية ذات منابع اصولية متزمتة عقائديا – وان بات الامر مؤكداً ان القائمين بالتفجيرات هم من الاسلاميين اعطت مقولة ونظرية التصادم الحضاري ليس مع حضارة اسلامية وانما مع ظاهرة ارهابية يقوم بتنفيذها مجموعة ارهابيين التسليم بها كاملا صحيحا  في ضرورة المواجهة الارهابية مع امريكا وغير امريكا من شعوب الارض.

الصدفة التاريخية  المصنعة سياسيا مختبريا  التي حضرت كعامل مساعد اشعل فتيل حرب الارهاب ونرجح ان الصدفة في احداث ايلول كانت مصنّعة من طرف ثالث ليس هو احد طرفي النزاع امريكا من جهة ومجاميع الارهاب من جهة اخرى كان يراد من الصدفة المصنعة مختبريا في صورة التفجيرات التي حدثت اعطاء العالم باجمعه برهانا يخرج من مختبرمعد لتسجيل استكمال المعادلة على اللوحة المعدة هي الاخرى سلفاً " لاثبات " بالبرهان الواضح ان " الاسلام"  كدين وحضارة انما ومنذ ولادتة كان يلازمه توأمه السيامي الملتصق به الا هو" الارهاب " والذي من دون الارهاب ليس هناك اسلاما مسالما يرغب التعايش بأمان واستقرار دونما عنف مع الاخرين، وبذالك ينتفي صدق التاريخ بانه انجب حضارة عربية اسلامية اعطت شواهد تمدينية في معظم انحاء العالم على مر عصور طويلة.

ان العالم بعد تأكده من ضلوع بعض المنظمات الاسلامية بالارهاب بعد التفجيرات الامريكية اعطى لنظريات ومقولات المنظرين الامريكان والغربيين مصداقية مسلّم بها، وبذلك تم تسويق " صراع الحضارات " و "نهاية التاريخ" و "ظاهرة الارهاب " انها جميعا نتائج استقصاءات وبحوث وعمل شاق طويل استغرق مرحلة زمنية طويلة جدا من دراسة لحتمية صراع الحضارات وعلاقتها بالارهاب الاسلامي !! وما يترتب على عدم اخذ هذه المقولات طابع المعالجة الجذرية الآنية لها فان تركها سيقود الانسانية بأجمعها الى كارثة لا يمكن الأحاطة بمعالجة نتائجها التي تسفر عنها ظاهرة الارهاب.

اذن اصبح لدينا بالذات " الشرق الاسلامي " واصبح العالم اجمع امام " ظاهرة " واقعية مثبوتة بالبرهان لاتقبل الحوار والنقاش ولا انصاف الحلول فبدلا من ان تكون التفجيرات الارهابية محصورة بين طرف متضرر فعلا ومن حقه الكامل الدفاع عن امن مواطنيه واستقرار حياتهم هو امريكا ودول العالم.. بالضد من طرف اخر هي منظمات ارهابية " دينها" الاسلام فقط .

اصبح الكلام والتصرف اذن بالنسبة للاسلام خلطا مدعوما بوقائع دامغة لايمكن ولا له حق انكارها احد . انه صراع بين حضارتين حضارة متمدنة غربية بزعامة امريكية ينفرز عنها كل ما هو نبيل وشريف وحق وعدل من ديمقراطية، الى حرية في المعتقد الديني حرية في الرأي، حقوق انسان، عدالة وتكافؤ بالفرص قضاء مستقل عادل ... الخ تقابلها " حضارة " العرب وغالبية الدول الغربية الاوربية يستعملون عبارة "حضارة اسلامية" اينما وردت تعبيرا مجازيا فهم لايعتقدون فعلا بوجود حضارة عاشت الف واربعمائة عام كان العرب اداتها، والاسلام واحيانا المسيحية والاديان السماوية مشتركون معها في صنع الحضارة العربية الاسلامية كما حصل في الاندلس وكانوا من محركي فاعليتها – بل يعتبرونها حضارة تخلف وارهاب وحروب وفي هكذا طرح للمعادلة فيه الكثير من الخطأ الفادح والتجني وخلط الاوراق وتشويه للاسلام كدين يدين الارهاب ويستنكره لا بل يتصدى له ويحاربه، تشويه متعمد للاسلام على اصعدة الفكر والايديولوجيا والسياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة وضياع الشفافية والوضوح والصدق .

ومن تكريس هذا الخطأ المكرّس باسباب غير موجودة اساساً –بل المصنعة سياسياً مختبرياً – كانت الولادة القيصرية لظاهرة (الارهاب الاسلامي) التسمية التي بعد التفجيرات الدموية الانتحارية المدانة اسلامياً، الهبت مشاعر البغضاء والعنف والغضب والتعصب والعدوانية تجاه العرب والمسلمين على السواء من جهة، ولجمت الافواه وقطعت الطريق على نوازع الرغبة بالسلام العادل والاستقرار ورغبة المتحاورين في الوصول الى حلول ترضي جميع الاطراف في المنطقة العربية واقعدت اصحاب النوايا الصادقة المعتدلة من جهة اخرى من ان تلعب دوراً ايجابياً مسالماً في وضع الامور في نصابها الصحيح والوصول لغايات سامية حضارياً.

الخطأ الامريكي الموجه اسرائيلياً هو في اسقاط ظاهرة (الارهاب الاسلامي) كممارسة مدانة عربياً واسلامياً قبل ادانتها عالمياً على مسرح معالجة جميع القضايا السياسية المعقدة التي تعانيها المنطقة العربية ودول الجوار الاسلامية وتكريس الخطأ السياسي الامريكي –الاسرائيلي –هو في الاصرار بدافع نوايا العدوانية والسوء وتعقيد الوضع اكثر هو في الصاق واقران ظاهرة الارهاب مع كل مسألة عالقة يراد ايجاد حلول لها بين العرب من جهة واسرائيل وامريكا من جهة اخرى وجعل (الارهاب) عائقاً وسبباً لعدم حل مشاكل المنطقة باقامة سلام عادل يرضي جميع الاطراف ونشر الامن والاستقرار …..

 

علي محمد اليوسف - الموصل

 

 

nabe  odaيمكن الإشارة الى تيارين أساسيين في الفكر الماركسي في مسيرته التاريخية والفكرية، شكلا الوزن النوعي للفكر الماركسي على المستوى العالمي.هما التيار السوفييتي، والتيار الماركسي الغربي. طبعا لا أرى ماركسية إطلاقا بالتيار الصيني الماوي، الذي طرحه أنصار ماو تسي تونغ كفكر مكمل للماركسية اللينينية بإضافتهم الماوية (الماركسية اللينينية الماوية، على نسق إضافة الستالينية في فترة عبادة ستالين في الفكر الشيوعي السوفييتي) ولكنه تيار ولد في رحم الأوهام الماوية، عبر فكرة الدولة العظمى والشوفينية الصينية التي نمتها الماوية من منطلق الشعب الأكثر تعددية في العالم، ونظريات محلية بعضها تكرير مشوه لنظريات تروتسكية، وبعضها فكر مغامر (الاستعمار نمر من كرتون) وبعضها فكر ثقافي بوهم إعادة تشكيل المجتمع برأي ثقافي وفكري واحد، لا أرى علاقة تربطه بفلسفة ماركس، نتيجته كانت الثورة الثقافية في الصين، والتي شهدت دمارا ثقافيا وحضاريا، رسخ في الذاكرة منه مهرجانات حرق كتب لا تتمشى مع الفكر الماوي، واضطهاد المفكرين وأصحاب الرأي والاعتداء على المواطنين بحجج واهية مضحكة تتهمهم بعدم الامتثال للفكر الماوي. وتثقيف مشوه للجماهير لم يسفر عنه إلا تحول الصين عن الشيوعية ( الماوية) إلى دولة شبه رأسمالية في اقتصادها (اقتصاد السوق) تحت ستار شيوعي مهلهل ومتفكك بانقطاع كامل عن الفكر الماركسي. ولا بد من إشارة إلى أن ستالين أيضا مارس "ثورة ثقافية" تعرف باسم وزير الثقافة في وقته "جدانوف" بالتضييق على الفكر الإبداعي بفرض شروط متزمتة على الأدب وممارسة الإرهاب الفكري ضد الأدباء والمفكرين لتقييدهم بسجن فكري ثقافي، للأسف استمرت هذه الظاهرة بشكل أقل فظاظة، بعد ستالين أيضا.

وهنا لا بد من ملاحظة أني في طرحي للماركسية لا اربطها بالفكر اللينيني، الذي أرى به فكرا ثوريا روسيا بالأساس، ولست في باب مراجعة العلاقة بين الفكر الماركسي والفكر اللينيني والتماثل والتعارض بينهما في قضايا جوهرية.

إذن يمكن التلخيص أن الماركسية عرفت بتيارين مركزيين.وبالتالي الكثيرين من دارسي الماركسية في فترة الاتحاد السوفييتي الذهبية، وجدوا أنفسهم في مواجهة صدامية بين جبهتين نظريتين. ويمكن الإشارة ان ما يعرف ب "الشيوعية الأوروبية" (الشيوعية الحرة) كان نتاج ذلك الصراع.

الجبهة الأولى: الفهم الستاليني (السوفييتي) رغم غياب ستالين ونقده، ظلت الستالينية نهجا تنظيميا للحزب والدولة وتميز بقمع حرية التفكير ونفي حق التعددية، والرقابة على الأدب (عندما فاز الكاتب الروسي باسترناك بجائزة نوبل عن روايته "دكتور زيفاغو" منعه خروتشوف من قبولها، وواجه باسترناك حملة تشهير بسبب روايته) وسجن المعارضين، ومنهم أدباء ومفكرين وعلماء، بل واستمرار نهج اقتصادي ستاليني لم يتغير إلا بشكل طفيف، وكل مجهودات رئيس الحكومة السوفييتي الكسي كوسيجين لإقرار إصلاح اقتصادي عميق في الزراعة والصناعة، ووجه بالرفض من المكتب السياسي "خوفا" من اتهام الاتحاد السوفييتي بالتخلي عن الاشتراكية.

هنا نرى انطلاقة فكر السيادة المطلقة للدولة العظمى البيروقراطية للاشتراكية السوفييتية، حيث شكل الحزب جهازا من أجهزة الدولة بدل أن تكون الدولة أداة لتنفيذ الفكر الحزبي الماركسي بكل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدولية. أي أن دور الحزب تقلص إلى دور ثانوي ملحق بجهاز السلطة الاستبدادي ( ربما يصح تسميته جهاز أمني هائل تحكم بكل الوظائف تقريبا، وبكل وسائل الإعلام والفنون والثقافة والإدارة والرقابة).ومن هنا يمكن رؤية أن النظرية الماركسية جمدت وشوهت، واعتبر كل نشاط إبداعي في إطار الماركسية، انحرافا وخيانة للماركسية السوفييتية. وحتى مؤتمرات الأحزاب الشيوعية لتطوير النظرية والتطبيق لم تخرج في النهاية عن الحدود التي يسمح بها جهاز الدولة البيروقراطية السوفييتية.

الجبهة الثانية:هي جبهة مفكرين ماركسيين رفضوا فكر السيادة المطلقة للدولة السوفييتية، وانطلقوا بنضال عنيد من أجل "ماركسية صحيحة" ثورية إنسانية جوهرية، ضد كل التشويهات التي شهدتها الماركسية في الشرق والغرب . وبرز خلال سنوات العديد من المفكرين الماركسيين، أمثال جيورغ لوكاتش (هنغاري) وكارل كورش (ألماني) وانطونيو غرامشي (ايطالي) وارنست بلوخ (ألماني) وروجي غاروديه (فرنسي) وغيرهم.

هذا التيار قدم للفكر الماركسي إبداعات هامة تشهد حتى اليوم على حيوية الماركسية وما تختزنه من قدرات فكرية وثقافية، وعرف باسم "المدرسة الماركسية الغربية"، ربما بسبب رفضها الخضوع للمدرسة الفكرية للماركسية السوفييتية، رغم أن بعض مفكريها جاءوا من داخل الكتلة السوفييتية مثل الهنغاري لوكاتش الذي انضم للحزب الشيوعي الهنغاري عام 1918 . بعد إقامة النظام الاشتراكي أصبح عضوا في البرلمان، وكان عالما ومفكرا، وقد انتقده الحزب الشيوعي الهنغاري بشدة، بسبب شكوكه بموضوع "الواقعية الاشتراكية" في الأدب (ليون تروتسكي أيضا طرح في كتابة " الأدب والثورة" نقدا لموضوع خلق أدب بروليتاري طبقي عرف بصيغة "الواقعية الاشتراكية" واليوم يثبت أن موقف تروتسكي كان الموقف الماركسي الصحيح وصاحب الرؤية السليمة من الموضوع بتأكيده استحالة خلق تيار أدبي طبقي جديد بقرار فوقي وعدم ضرورته أصلا في مجتمع اشتراكي جاء لإلغاء الطبقية) وعوقب لوكاتش بإبعاده تماما من الحياة السياسية ونفي إلى رومانيا، وصدر كتاب ينتقد فكره الإصلاحي ويرفض تنظيراته، ثم عاد إلى هنغاريا، بعد أن صفحت عنه الحكومة، وعاد إلى عضوية الحزب الشيوعي حتى توفي عام 1971. وتعتبر تنظيراته من أبرز التنظيرات في الفكر الغربي للماركسية، رغم انه منظر من داخل المعسكر الاشتراكي.

التعددية ضرورة تاريخية لتطور الماركسية

من أبرز العلائم المميزة لهذا الاتجاه الفهم ان التعددية هي ضرورة تاريخية لن تتطور الماركسية ولن تصمد بدونها. وأكد ممثلو هذا التيار انه من الأهمية أن تُقر التعددية كمسالة أساسية وأولى متفق عليها بدون تردد، وذلك في إطار الاشتراكية النظرية والاشتراكية التطبيقية (أي في نهج البناء الاجتماعي والقانوني للمجتمع الاشتراكي) سواء بسواء.

للأسف لم تحظى التعددية بأي نصيب، وعومل كل دعاتها كأعداء، ومن طالته يد الكومنترن أو السلطة السوفيتية اعدم أو نفي أو القي به في السجون السيبيرية الرهيبة، وبأحسن الحالات أنهى حياته في الصمت والعزل.

من المواضيع التي طرحها تيار "الماركسية الصحيحة" أو "التيار الماركسي الغربي" كما يعرف في الدراسات الأكاديمية، كان مفهوم "الثورة".

إن الفهم لموضوع "الثورة" لدى النهج السوفيتي، ويشاركهم في هذا الفهم التيار الإصلاحي للاشتراكية الديمقراطية، هو أن الثورة هي مفهوم ينبع من التفسير الصحيح للفكر الماركسي. ولكن الفهم الماركسي "الصحيح" يمتد باتساع بدءا من الفهم الذي يقول أن الثورة هي عمل بروليتاري ثوري عبر إقامة وحدة بين الطبقة العاملة (البروليتاريا) مع طبقات أخرى، حتى مفهوم الثورة كحرب ضد أعداء العصرنة، وأعداء الثقافة الحديثة العصرية والإنسانية. والفهم هنا يمكن تلخيصه انه لا يوجد انتقال فوري من الهمجية إلى المدنية، تماما كما لا يمكن الانتقال من الحرب بالمقلاع إلى الحرب بالقنابل النووية بشكل فوري. إنما عبر تطور يمر بمراحل متعددة.

مراجعة أدبيات الفكر الماركسي الغربي، نجد مفاهيم أو تفسيرات مختلفة، تمتد من النضال الثوري البروليتاري في طرحه الماركسي التقليدي، إلى فهم أهمية التحالف بين الطبقة العاملة وطبقات أخرى كما يطرح ذلك المفكر الايطالي انطونيو غرامشي، حتى مفاهيم الثورة التي تعني تصدير ثقافي عميق للإنسان المعاصر بروح إنسانية،أي بدون عنف، كما طرح ذلك المفكر الماركسي الفرنسي روجيه غاروديه.

من الواضح أيضا أن مفهوم الثورة الماركسي الرسمي المرتبط بنظرية ماركس التاريخية، الحتمية التاريخية، أي حتمية التحول إلى الاشتراكية والشيوعية، نرى أن التطور الحاصل أسقط هذه النظرية، التي لم تصمد في امتحان التاريخ، رغم أن جوانب هامة منها تعتبر فتحا فكريا فلسفيا لفهم تطور التاريخ. مثلا موضوع الثورة التي تعني استبدال تشكيلة اقتصادية اجتماعية (رأسمالية مثلا) بتشكيلة أخرى (اشتراكية مثلا)، أرقى وأفضل وأكثر عدالة، حسب المفهوم الثوري الماركسي، تحطم القديم، الاستغلالي، وتبني الجديد العادل الديمقراطي وتحدث قفزة للمجتمع والإنسان .. النظرية بخير والتطبيق سقط بالأخطاء والانحرافات والفساد، والنظرية كانت في واد والتطبيق في واد آخر !!

بالطبع نظرية الثورة تتحدث أيضا عن تحرير العلاقات الإنتاجية من قيود تمنع تطور القوى المنتجة (البروليتاريا في النظام الرأسمالي – غني عن القول أن مفهوم البروليتاريا ظل مفهوما أوروبيا، ويمكن استعمال صيغة طبقة العمال أو الشغيلة للدقة).

التطور التاريخي والاقتصادي نفى نظرية ماركس عن الثورة والتغيير. الثورات لم تقد إلى التغيير المنشود. إلا إذا اعتبرنا فقدان الحرية، والإفقار والخضوع لشبه حكم استعماري ابتزازي (حالة مجموعة الدول الاشتراكية تحت السيطرة السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية) هو تغيير ماركسي!!

وهنا لا بد من توضيح، بأن النظام السوفييتي ابتز مليارات الدولارات من دول المجموعة الاشتراكية رغم أوضاعها الاقتصادية الصعبة بعد الحرب. وقد عانت الشعوب في هذه الدول من فاقة وفقر وبطء في التطور والرفاه الاجتماعي بالمقارنة مع الغرب استمر الفقر والعوز والقمع حتى سقوط الأنظمة (مثلا المانيا الشرقية والمانيا الغربية كنموذج).

وشهد  المعسكر الشرقي تبعا لذلك، ثورات في المجر وتشيكوسلوفاكيا، وابتعاد يوغوسلافيا عن المعسكر السوفييتي. ونظام روماني استبدادي ابتعد تدريجيا عن الاتحاد السوفييتي، ثم حركة نقابية ثورية في بولونيا.. وعمليا بدأ انهيار المعسكر الاشتراكي .

قد نجد تفسيرات وتبريرات حول الأسلوب السوفيتي في التطبيق... لا خلاف في ذلك، ولكننا أمام ظاهرة أفلاطونية حيث تحول الحزب نفسه إلى طبقة مسيطرة، سيرا على طريق "جمهورية أفلاطون"، حيث الحكماء والفلاسفة (اقرأ زعامة الحزب الشيوعي والدولة) يشكلون طبقة الحكام، وقوى الأمن هم طبقة حراس النظام، والطبقة الأخيرة هم الصناع (العبيد). للأسف هذه هي الصورة التي سادت النظام الاشتراكي.صورة نقيضة لرؤية ماركس الفلسفية والنظرية عن المجتمع الاشتراكي العادل.. بدلا منه مجتمع استبدادي.

النتائج في الصراع الاجتماعي والاقتصادي لم تكن لصالح النظام الاشتراكي. ما السبب؟ ماذا يهم الآن؟ النظام الرأسمالي تجاوز النظام الاشتراكي بحقوق الإنسان، بالديمقراطية، بالتطور الاجتماعي والاقتصادي، بمستوى الرفاه الاجتماعي بمستوى الخدمات، بالحقوق المدنية، بالتعددية الفكرية وبمختلف أشكال الضمانات الاجتماعية.

لا اكتب دفاعا عن النظام الرأسمالي وشروره. ولكن المقارنة للأسف ليست لصالح النظام الاشتراكي.وهذا أضحى واضحا اليوم.

أكتب ألما لضياع تجربة إنسانية عظيمة نتيجة انحرافات وتجاوزات لفكر عظيم في النظرية والتطبيق، ولا اعتقد أن الصواب والخطأ في النظرية هو السبب، إنما غياب التعددية الفكرية وحرية التفكير والنقد مما جرد الفكر الماركسي من عناصر قوته التجديدية، وحول الدولة والحزب إلى جهاز مغلق لمجموعة منتفعين، افسدوا جهاز الدولة والحزب والمجتمع نفسه!!

إذن، هل بالصدفة سقوط الاتحاد السوفيتي، لدرجة أن جيشه " الجيش الأحمر العقائدي" الخاضع للقيادات الحزبية العليا، لم يحرك ساكنا للدفاع عن دولته ونظامه وحزبه؟!

 .

 

hamza alshafi

تقتضي الدورة العلائقية الإنسانية فصلين أساسيين من العلاقات والتفاعلات بين الناس. فالفصل الأول يكمن تسميته بفصل "الازدهار العلائقي" أو "التفاعلي" بين الأفراد كل حسب فلسفته ونظرته إلى العلاقة مع الناس (منظور مصلحي- انتفاعي  محض، منظور إنساني-اجتماعي محض، منظور انتفاعي-إنساني متوافق عليه، منظور استراتيجي - وجودي تفرضه الظروف والسياق الخ). أما الفصل الثاني، فيمكن تسميته ب"فصل" أو "موسم تساقط الأقنعة"، ويعرف هذا الفصل حركة مد وزجر في التفاعل الاجتماعي بين الأفراد كل حسب فلسفته أو تصوره الأولي للعلاقة الإنسانية مع الأفراد. فإذا كان المنطلق إنسانيا محضا فلا شيء (أي لا فصل) سيقضي عن تلك العلاقة (زمان، مكان، انشغالات، التزامات، موت الخ). أما إذا كان غير ذلك، فأي شيء مهما كان بسيطا جدا سيقضي على تلك العلاقة الاجتماعية وتحت أي ذريعة مهما كانت واهية، أو دون أي مبرر عن طريق الانسحاب الفجائي-غير متوقع.

وداخل كل فصل من الفصلين الأساسين، تبرز "فصول صغرى" أو "مراحل جزئية" تشتغل وتتضافر لتشكل فصلا كبيرا متكاملا. ففي فصل الازدهار العلائقي مثلا، يوجد هناك فصل اصغر وأولي هو "فصل التقرب والاستكشاف" و"فصل الإنبات" أي بداية ولادة وتشكل العلاقات مع عدة أطراف بمبادرة بينية متبادلة أو من طرف واحد نظرا لوجود ميزة أو خاصية مثيرة  أو مصلحة أو هدف مرغوب فيه يستدعي إقامة العلاقة، وقد تكون الغاية من ذلك إما نبيلة وغير منفعية (إنسانية محضة)، أو غير نبيلة (وجود منفعة معينة). وهذين الفصلين الجزئيين يتدخلان ويتكاملان حتى يفرزا فصلا "علائقيا مزدهرا" حيث يختلط فيه الصالح من العلاقة والتفاعل بالطالح، والنبيل بغير النبيل، والخالص لذاته بالمصلحي الانتهازي الخ  ومن سماته ما يمكن تسميته بفترة "الذروة العلائقية" أو "التفاعلية".

بعد ذلك، يأتي فصل شديد اللهجة وبالغ الأثر ومباشر في الأسلوب وغاية في الوضوح اسمه "فصل تساقط الأقنعة" أو "فصل التجرد" أو "الانكشاف" الحقيقي. ويتضمن هذا الفصل فصولا ومراحل صغرى بدوره مثل "فصل تعارض الوجهات" و"الغايات" حيث يدخل الأفراد ذوي الغايات النفعية في صراع حاد من اجل السيطرة على مجريات العلاقة الاجتماعية بغية بلوغ أهداف مسطرة. وأثناء الفشل، يبادرون إلى أساليب المقاطعة الانذارية-التوبيخية-العقابية، أو الانسحاب المفاجئ دون سابق إنذار أو المهاجمة كميكانيزم دفاعي لتبرير الفشل في تحقيق الهدف المسطر. ويستمر هذا الفصل حتى تتكون فصول جديدة مثل "فصل عزل" و"تسييج " العلاقات الإنسانية الصافية وفصل "محاصرة" أو "استبعاد" العلاقات الملوثة بالمنفعة، حيث يستمر النوع الأول لنزعته الإنسانية ولخلفيته الأخلاقية المؤطرة له التي لا تتقادم مع الزمان والمكان، وفي اللازمان واللامكان كذلك، ليفتح الباب على مصراعيه لفصل اكبر وحاسم وفيه تشتد وثيرة تساقط (وإسقاط وسقوط) الأقنعة وانخفاض نسبة التفاعل مقارنة مع ما كانت عليه في السابق بين من كانوا بالأمس في مكان واحد أو في اتصال دائم أو في سياق زمني واحد أو في قلب واحد.

 

حمزة الشافعي

تنغير (المغرب)

eljya aysh(التنوير بين الدواعي الفكرية ومتطلبات المجتمع)

هل التنوير مشروع فكري نهضوي؟ وهل يرتبط جدليا  بالنتائج البعدية ضمن علاقة الجدلي القائم بين القبل والبعدي، ثم ماذا عن البعد التطبيقي للتنوير؟ ..، يقول باحثون أنه يعني التعامل مع البراديغم التنويري، فالحداثات التطبيقية تسعى إلى النظر في مشاريع التنوير الحقيقية وفي معطلاتها وأسباب نجاحها،  للمسألة رهانات سياسية وإيديولوجية حضارية بالأساس وليست بيداغوجية، وقد زاد الحراك العربي السياسي في تأزم الوضع بين الموالين للفكرة والرافضين لها، فمعزل عن العقائد والإيديولوجيات التي سادت ودالت، فكل ما فرض ويفرض على الناس من سياسات سواء عن طريق القوة والقمع، كان مصيره الفشل

إن إنجازات العلم والتكنولوجية في عصرنا هذا تعلمنا أننا كلما زدنا علما، زدنا إدراكا لما لا نعلمه، وكلما اعتقدنا أننا زدنا سيطرة، تكشفت لنا ثغرات وصور انفلات لم تكن في الحسبان، فالتنوير بين الدواعي الفكرية ومتطلبات المجتمع في زمن الثورات إشكالية  يتجدد طرحها بين المختصين والباحثين لإيجاد صيغة لإخراج الشعوب من ظلمتها وتحريرها من قيود التبعية لنظام مستبد، فمصطلح التنوير من المصطلحات التي تثير اهتمام الباحثين ورجال الدين لما يحمله من ثقل معرفي غربي وشرقي، كما أنه حركة تحرُر وتحرير من عبودية الوصاية، والتغيير يجب أن يكون من داخل مؤسسات الدولة، فلا يكون التنوير مجرد خطابا، بل يجب تحويله إلى ممارسات عملية في الواقع، هناك من رحب بفكرة التنوير حيث دعوا إلى المزاوجة بين رصيد العقل واستعمال المعرفة المتحررة للتغيير، ودعوا إلى ضرورة حماية اللغة العربية من الزوال لأنها جوهر التنوير، واعتبر آخرون أن طرح موضوع التنوير جاء متأخرا ودعوا كذلك إلى إرساء التنوير الإستراتيجي الذي يركز على آليات عقلية تنتج المعرفة أكثر من استهلاكها، في حين  استنكر المخالفون مسألة التنوير واعتبروه مفهوما مسقطا لا يتماشى مع الحضارة الإسلامية والثقافة العربية، حيث أشاروا إلى الخوف من الوقوع في مطب التحريف بموجب التنوير والتخلى عن الأصالة العربية الإسلامية من أجل إرضاء الغرب، فيما ذهب فريق ثالث إلى  أن التنوير والتربية عاهات تتطلب مختصين، ولذلك فالنخبة يجب أن تلعب دورا فعالا وأن لا تنعزل عن الواقع،مراوحة بين التنوير العقلي والروحي ومحافظة على جانب التأصيل، فيما يرى البعض أن مسألة التنوير ليست نخبوية، بل هي مسألة تهم كل مكونات المجتمع، في مرحلة تضخم فيها العمل السياسي على حساب الجانب الثقافي والتنويري،  ينظر البعض الآخر أيضا وهم المشتددون إلى قضية التنوير نظرة  استهجان لاعتباره مرادفا للعلمانية، والحال غير ذلك إذ يقوم التنوير على استعمال العقل ورفض الوصاية والقصور الذهني.

وانطلاقا من مقولة ديكارت: "أنا أفكر أنا موجود" فلا معنى إذن للوجود بدون تفكير ذاتي، فتونس كأنموذج فهي تعد منطلق التنوير ومنشأ التنويريين بدءا من العلامة الطاهر بن عاشور والفاضل بن عاشور، وفي هذا يرى عبد الفتاح مورو (في تقرير أعدّه مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بتونس، وصلنا عبر البريد الإلكتروني)  أن التنوير  قضية قديمة منذ قدوم نابليون إلى مصر، حيث التف كل من محمد علي باشا والمشير أحمد باشا حول هذه المسألة لإيقانهم بحتمية هذا التوجه الفكري، وقد تم فتح مدرسة عسكرية درس فيها اللغات والفيزياء والكيمياء، أما بالنسبة إلى تونس، فقد أنشأت مدرسة عسكرية على يد الشيخ بن ملوكة والشيخ قابادو، إلا أنها بقيت تسير بنسق بطيء في هذا التوجه نتيجة اصطدامهم بأعداء الإصلاح، وفي اعتقاد عبد الفتاح مورو، فإنه من الضروري العناية بالفكر التنويري والابتعاد عن الجهلة الذين جمعوا الإسلام بالتقليد والقصور العقلي، لنكون في مقدمة التغيير، وفي ما يتعلق بالقرآن الكريم، أشار إلى أنه كتاب وضع لإثارة العقل وإيجاد الحلول وليس كتاب وصاية، فقد بنى الإسلام الحياة على أن الإنسان مكرم ومستخلف في الأرض وهي منطلق البناء الفكري، وذكر عبد الفتاح مورو أنه من أسباب فشل المجتمعات العربية إما حمل فكر تنويري خارج إطار ثقافة الأمة، أم أنه حمل لفكر تنويري من داخل المنظومة ولكنه غير قادر على تبليغ صوته وبالتالي اختيار الانعزال والبقاء على حافة الطريق.

يقول إنه من الضروري إذن غربلة التراث والتغيير على مستوى التطبيق وصنع عقل ناقد وقادر على الربط عن طريق السببية وواقع الناس، لأن المدرسة الفكرية الإسلامية تعطلت منذ القرن الخامس هجري لأن المسلمين يعتبرون المعرفة تكديس المعلومات في غياب عقل يعيها ويدركها، فعملية التغيير تتطلب إيمانا وعملا من أجل تشر الخطاب التنويري في كل المنابر، والتخلي عن تعطيل العقل والابتعاد عن السذاجة التقليدية، والنظر إلى السياق الدولي الذي تعيشه الدول العربية حيث هيمنة منظمة التجارة الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهو ما يتطلب تغييرا واقعيا تنويريا في العالم العربي، لكي لا يبقى الشاب المسلم نفسه ضائعا في وسط هذه العولمة، حفاظا منه على ثقافته أو مجبرا على أن يكون إرهابيا في بؤر التوتر، ولطالما أثارت تصريحات الشيخ عبد الفتاح مورو، الوجه الإسلامي المعتدل، الجدل في الساحة السياسية التونسية، وكان محل هجوم من العلمانيين والحداثيين، كما كان محاصرا  من قبل السلطات التونسية التي أجبرته على البقاء في عزلة داخل بلاده بسبب منعه من الحصول على جواز سفره وتعرضه لسنوات طويلة إلى التنكيل والسجن والمحاصرة قبل ثورة 14 يناير 2011، وإلى الإقصاء بعدها، وكانت دعوة الشيخ عبد الفتاح مورو  المهتمين بالفكر التنويري هي غربلة التراث والتغيير على مستوى التطبيق وصنع عقل ناقد وقادر على الربط عن طريق السببية وواقع الناس.

إن شأن عبد الفتاح مورو هو شأن ذلك القاضي الذي حاكم  أونطونيو غرامشي، وقال له : يجب أن يكفّ هذا الدماغ عن التفكير،  فإن القاضي لا يعدم فكرا، إنما يدعو إلى تعايش مستحيل، لأنه يواجه الفكر بالسجن، ويوزع البشر إلى قامع ومقموع، وهي إشارات إلى حقيقة مأساوية أقرب إلى العبث، فالعقول الإنسانية كما يقول التنويريون  لا تنقسم إلى عاقلة ولا عاقلة، إنما يتكون الفرد الإنساني بصيغة المفرد، من عناصر عقلانية وأخرى لا عقلانية، مع فرق وحيد هو أن العقلاني في بعض العقول، أكثر ارتقاءً منه في عقول أخرى، يلازم العقلاني كما اللا عقلاني العقول كلها، تصدر عن هذه الفكرة نتيجتان: الأولى تبشر بالحرب وتعلنها، والثانية ترى الحوار بديلا بل ضرورة لإزالة العماء الفكري، وهذه الأخيرة تحتاج إلى عقل حر طليق بلغة طه حسين، كما أن الفلسفة عند غرامشي ليست مجرد تصور للعالم، بل هي أيضا عمل من أجل تغيير هذا العالم، وعبد الفتاح مورو يشبه إلى حد ما غرامشي  باعتباره مفكرا ومحللا وممارسا للحياة السياسية والثقافية من حيث أن الإثنان عاشا حياة اتسمت بالحصار والاعتقال ومرارة السجن،  وقد أعطتهم هذه الحياة  فرصة لتحليل الواقع ومراجعة المواقف، وكل واحد كرس حياته لقضايا عصره، وهذه الظروف دفعت كل واحد منهما إلى هذا المنهج التاريخي في قراءة الأحداث وبحث مقدماتها، والسؤال الذي يلح على الطرح هو كالتالي: هل التنوير مشروع فكري نهضوي؟ وهل يرتبط جدليا بالنتائج البعدية ضمن علاقة الجدلي القائم بين القبل والبعدي، ثم ماذا عن البعد التطبيقي للتنوير؟ ..، يقول باحثون أنه يعني التعامل مع "البراديغم التنويري"، الذي يعني عند بعض المفكرين "الطريقة التي نرى بها العالم"، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضياع الفكر البشري الذي اتسم بالتحجر، وترجع لفظة براديغم إلى الأصل اليوناني paradeigma أي مثال ونموذج، فيكون البراديغم لغة هو النموذج القياسي أو المثال الكامل الذي ينبغي اتباعه.

هذه المواقف التنويرية لا تتوقف عند مورو في تونس، بل هناك مفكرون تنويريون في كل الأقطار العربية ومنها الجزائر، بدءًا من مالك بن نبي ومحمد أركون،  وصولًا إلى مالك شبل  في الجزائر، ونقرأ لمهدي عامل في لبنان، ولنا في ابن رشد وابن العربي اللذان قادا المدرسة التنويرية،  وكلهم طرحوا إشكاليات تتعلق بالإنسان بين العقل والعاطفة في مجال الفكر الديني، وإعطائه الصبغة العلمية، فظهر اتجاهات كلامية من طبقات المسلمين بين شيعة وسنة ومعتزلة وبعض الفرق الإسلامية، واتجاهات فلسفية وصوفية، ثم اتجاهات التجديد  والإحياء العقلي، لإيجاد الأسس المنهجية والفكرية لنهضة العالم الإسلامي ومقارنتها بحركة الأنوار الغربية، فمسألة العقل شغلت الفكر الإسلامي على وجه الخصوص، ويمكن أن نضرب مثالا بالمفكر والفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، حسب الباحثين يعتبر الوحيد في الجزائر الذي كان له مجهود متواصل في بلورة رؤية شاملة للحضارة الإنسانية وللفكر الديني الذي يعتبر موضوعا مقدسا بحكم ما يحدثه في النفوس من مشاعر الإيمان والعبادة ويرفع الإنسان الى مستوى التعالي الديني كما قال في ذلك الدكتور الهادي السعدي في كتابه "الفكر الديني عند مالك بن نبي"  صدرت طبعته الأولى في 2016 عن الدار العثمانية، ثم تجسيد الظاهرة الدينية على أرض الواقع.

والسؤال هو : ألا يحق أن تدرس أفكار هؤلاء في  المؤسسات التعليمية وفي الجامعات، ومراكز الترجمة، وأن تخرج للقارئ العربي مشروعهم التنويري الأصيل، لكن أن تصبح العدمية هي براديغم هذه المرحلة وتساهم في انتشارها بسرعة، حيث يعجز الإنسان الانتقال من الوعي الشقي إلى الوعي بالذات،  فالحداثات التطبيقية تسعى إلى النظر في مشاريع التنوير الحقيقية وفي معطلاتها وأسباب نجاحها،  للمسألة رهانات سياسية وإيديولوجية حضارية بالأساس وليست بيداغوجية، فالكثير من الذين يتمتعون بحسٍّ عقلاني وبخطاب وسطي إنساني، لكن أفكارهم لا تلقى صدى داخل المجتمع، في مقابل ذلك يوجد من  يعبرون عن أفكارهم بغلو وتطرف وهي أفكار تعجز ولا تشجع،  تهدم ولا تبني، تقتل ولا تحيي، ورغم ذلك فهي تلقى  إقبالا عند الجمهور  رغم طابعها المتشدّد، فينتشر خطاب العنف والتشدد، وقد زاد الحراك العربي السياسي في تأزم الوضع بين الموالين للفكرة والرافضين لها،  ويعد جمال الدين الأفغاني من الذين اهتموا بهذه المسائل في مشروعهم الإصلاحي وربطه بالمواطنة، ولذا فقضية التنوير هي قضية أساسية تنتظر ترجمتها إلى الواقع عبر دورات تدريبية، والإمعان  للفهم والتجديد في العالم والتاريخ، واحترام خصوصية وروحانية الأمة العربية الإسلامية مع مواصلة التجديد والإصلاح، وليس مثلما ذهبت إليه السلفية المتشددة التي نادت بفصل الدين عن الثقافة.

 

علجية عيش بتصرف

 

 

hatam hamidmohsinاذا كان بإمكاننا التنبؤ ولو نظريا بما سيحدث لنا في المستقبل، فهل هذا يعني اننا لسنا احرارا؟ لو نظرنا الى طفل واخذنا في الاعتبار جميع العوامل والقوى والمؤثرات التي تؤثر على سلوكه عبر السنين، فهل نستطيع التنبؤ بدقة بان ذلك الطفل سيتطور ليصبح قاتلا خطيرا؟ فاذا استطعنا ذلك، فهل هذا يعني ان هذا القاتل الخطير هو غير مسؤول عن افعاله؟

جاء في رباعيات عمر الخيام:

أحس في نفسي دبيب الفناء      ولم أصب في العيش الاّ الشقاء

ياحسرتا ان حان حيني ولم      يُتح لفكري حلّ لغز القضاء

منذ اليونان القديمة، كان من بين أهم النقاشات الفلسفية هي ما اذا كانت لدينا الارادة الحرة في اختيار افعالنا، ام ان جميع افعالنا تتقرر بقوى خارجة عن سيطرتنا. قبل مجيء الفكر العلماني، جرى تشخيص تلك القوى برغبة الآلهة، رغم ان ثقافة الطبيعية في الفكر الغربي تعود الى مدرسة milesian الفلسفية اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد. وفي العصور الحديثة وعندما تطورت علوم الادراك، بدا من المحتمل جدا ان ادمغتنا تعمل وفق خطوط مقررة (واذا كان لا يمكن تجاهل تأثيرات الكوانتم، فعلى الاقل انها تعمل وفق خطوط ميكانيكية). ولذلك برز نقاش جديد : هل مفاهيم الحتمية (او الطبيعية، اوالميكانيكية) لو طبقت على علوم الدماغ فهل هي تنسجم منطقيا مع الرغبة الحرة؟ لذا فان الانتباه تحوّل من النقاش بين القدريين وغير القدريين الى بين الانسجامين وغير الانسجاميين.

اثنان من الخصوم برزا في هذا النقاش هما بيتر فان انواغن (مؤلف رسالة في الرغبة الحرة، صدرت عن مطبوعات جامعة اكسفورد عام 1983) و دانيال دينيت (مؤلف عدة كتب بما فيها كتاب Elbow Room عام 1984). كلاهما يجادلان لإثبات حججهما منطلقان من مقدمات يعتبرانها مقبولة. انواغن يتخذ موقف اللاانسجام بينما يدافع دينيت عن الانسجاميين. انواغن هو الاكثر دقة في النقاش من بين الاثنين، لذا سنستخدم عمله كنقطة بداية في هذا الجدال. دينيت، يجادل باننا فعلا نمتلك الرغبة الحرة، بينما الاثنان يختلفان في طبيعة علاقة الرغبة الحرة مع الحتمية. يعرض انواغن ثلاثة اسس او مقدمات في جداله الرئيسي:

1- ان الرغبة الحرة هي في الحقيقة غير منسجمة مع الحتمية

2- المسؤولية الاخلاقية هي غير منسجمة مع الحتمية

3- (طالما نحن لدينا مسؤولية اخلاقية) فان الحتمية هي كاذبة. وعليه، هو يستنتج اننا نمتلك الرغبة الحرة.

الحجة في الاساس الاول تسير على الشكل التالي (ص56):

 "اذا كانت الحتمية حقيقية، معنى ذلك ان افعالنا هي نتيجة لقوانين الطبيعة وللأحداث التي حصلت في الماضي البعيد. لكنه لم يكن لنا خيار في ما حدث لنا قبل ان نولد، ولا خيار لنا ايضا بما كانت عليه قوانين الطبيعة. ولذلك، فان نتائج هذه الاشياء (بما فيها افعالنا الحالية)هي ليست من اختيارنا".

الحجة في الاساس الثاني (ص 181):

هي اذا كان 1- ان لا احد مسؤول اخلاقيا عن فشله في آداء اي عمل، و 2- ان لا احد مسؤول اخلاقيا عن اي حدث، و 3- ان لا احد مسؤول اخلاقيا عن اي موقف، عندئذ لا وجود لشيء اسمه مسؤولية اخلاقية".

بالنسبة للاساس الثالث لا يعرض فيه انواغن ملخصا دقيقا لخطّه في الجدال. هو يأخذ حججه باعتبارها بديهية باننا نمتلك مسؤولية اخلاقية، مثلما نفعل دائما، ونستمر في اعتبار الناس مسؤولين اخلاقيا عن اعمالهم.

دينيت لا يفنّد صلاحية الجدال الرئيسي لفان انواغن. اتجاهه هو إعادة صياغة كل من مفهوم "الخيار لنا" (في الجدال حول الاساس الاول) ومفهوم"المسؤولية".

قبل التوسع في ذلك، سنناقش الاختلاف في نقطة بدء الفلاسفة الذي يعود اليه سبب الاختلاف في الآراء.

ديكارت نظر الى الذهن كمتجاوز قبلي pure ego: اي، جوهر دائم، روحي لا يمكن لمسه بالعمليات الفيزيائية. انه يمكن ان يتأثر بتلك العمليات من خلال الحواس ولكن لا وجود لإسلوب آخر يتاثر به عبر الأحداث الميكانيكية الخارجية الجارية في العالم.هو يمكنه ان يتأثر بتلك الاحداث بشكل غير مباشر من خلال استغلال جسمه (عبر الغدة النخامية).

ومع تقدم العلم الحديث في فهمه للطريقة التي يعمل بها الدماغ، جرى تجاهل هذه الصورة للذهن. انه بدا اكثر واكثر كما لو ان الذهن عبارة عن وجود فيزيائي خالص، او كما لو انه لا وجود لـ "فرد" او "متجاوز قبلي"خارج عالم السببية الفيزيائية. بعض الفلاسفة (مثل الـ churchlands) ذهبوا الآن للقول ان لا وجود للذهن ابدا.

في ظل هذا الموقف كان امام فيلسوف الميتافيزيقا خيارين: اما الدفاع او الانسحاب.

ستراتيجية دينيت في الدفاع(retrenchment) هي في بناء خط ثاني للدفاع عن مفهوم الرغبة الحرة عبر إعادة صياغة المفهوم لكي لا يكون في خلاف مع النظريات الحالية في علوم الدماغ. هناك تضحية في هذا المجال تتمثل في خسرانه لرؤياتنا الشائعة والعادية لماهية الذهن والرغبة الحرة. يدّعي دينيت انه يعمل من اللغة العادية فلسفة، لكنه يبدو نسي ما يهتم به "الناس العاديون".

اما ستراتيجية انواغن في الانسحاب هي التخلي عن النزعات الحالية في العلوم والتأكيد على الايمان بـ "سببية الفرد"، وهي الرؤية بان الناس يمكنهم التسبب في حدوث الاشياء في عالم خارج السببية الفيزيائية والميكانيكية العادية. هو يشكو من ان العديد من الفلاسفة اصابهم الفزع من العلوم الحالية وعملوا افتراضات مُبالغ فيها حول المدى الذي يستطيعون فيه توضيح الكيفية التي يعمل بها الدماغ. ولكن، ولمختلف الاسباب، منها النجاح التجريبي لفيزياء الكوانتم (1)، اصبح من غير المحتمل جدا ان مثل هذا التوضيح الكامل سيتحقق في يوم ما. مبدأ اللاّيقين لهيزنبيرغ، لو امكن تطبيقه على الدماغ، سيعني اننا حتى لو عرفنا كل شيء عن الحالة الفيزيائية للدماغ في لحظة معينة، فسنبقى غير قادرين على التنبؤ بحالته في اللحظة القادمة بدرجة من اليقين المطلق. هذا يعني ان الدماغ غير مقرر بالمعنى الصارم للكلمة. لكن، وكما يشير انواغن، ان اثبات زيف الحتمية لا يضمن امتلاكنا للرغبة الحرة للاسباب التالية:

 اولا، لو بنينا آمالاً على تأثيرات الكوانتم على كيميائية الدماغ، فان مثل هذا التأثير سيكون ضئيلا من حيث الأهمية .

 ثانيا، حتى لو كان لها فعلا تاثيرا لا بأس به فنحن لا نزال ميكانيكيين، وذلك لا يبدو هو ذلك النوع من الرغبة الحرة التي يريدها انواغن اذا اراد "انسانا" يتخذ قرارات مسؤولة حرة من القيود السببية (الفيزيائية).

وفي النهاية، يعلن انواغن اننا نعرف اننا لدينا رغبة حرة لأن الرغبة الحرة متضمنة في المسؤولية الاخلاقية، ونحن نعلم ان الناس مسؤولون اخلاقيا عن افعالهم. التبرير لهذا التضمين هو تصور انواغن للمسؤولية الاخلاقية (ص 162): "الفرد مسؤول اخلاقيا عما يقوم به فقط عندما يستطيع عمل شيء آخر" (صيغته الاخيرة للمسؤولية الاخلاقية هي اكثر تماسكا في التعامل مع مختلف اشكال الامثلة المضادة للنظرية ).

يدّعي دينيت ان هناك حالات للفعل المسؤول عندما لا يمكن للمرء عمل خيار آخر. ذلك ان الغرض من التعليم الأخلاقي هو لجعل الفرد غير قادر على تعذيب انسان بريء مقابل الف دولار. ربما تعلّمنا منذ الولادة لإعتبار مثل هذا العمل غير مقبول، ولكن مع ذلك اكثرنا لا يقر باننا عندما رفضنا العرض لم نكن نرفض ذلك بحرية . يسأل دينيت ما الذي نريد معرفته عن الفرد حينما نتسائل، هل كان بامكانه عمل بديل آخر في موقف معين؟ هل سؤالنا (هل بإمكان الفرد عمل شيء آخر) هو سؤال صائب في ظل الحالات الدقيقة للدماغ التي امتلكها الفرد والحالة الدقيقة للكون في وقت الفعل؟ دينيت يرفض هذه الصياغة للسؤال باعتباره لا يمكن الاجابة عليه، وحتى لو امكن الاجابة عليه فهو غير مفيد في تقرير المسؤولية. هو لا يمكن الاجابة عليه لانه من المستحيل لنا استنساخ نموذج لمثل هذه التعقيدية، وهو غيرمفيد لانه حتى لو استطعنا عبر تمديد الخيال بناء مثل هذا النموذج، فنحن طبيعيا سوف لن نجد انفسنا ابدا في مثل هذه الحالة – لأن الظروف الخارجية حتى لو بقيت هي ذاتها فان ظروف الادراك سوف لن تكون كذلك (في افضل الاحوال نحن ربما نمارس بعض معنى التامل الديكارتي déjà vu او الشعور بانك مارست سلفا ما يحدث الآن).لذا نحن تُركنا مع مشكلة كيف نفسر السؤال (ص 142): نحن نسأل (السؤال) لأن شيءما قد حدث نرغب بتفسيره... نحن نريد معرفة اي استنتاجات نستنبطها منه حول المستقبل. هل هو يخبرنا اي شيء عن شخصية الفرد على سبيل المثال؟ هل ان "السؤال" الذي يقترح انتقادا للفرد،  بحيث لو طُرح بشكل صحيح، ربما يقود الفرد لتحسين طرقه في بعض المجالات؟ هل يمكننا التعلم من هذا الموقف بان هذا هو الفرد او ليس هو الفرد الذي يمكن الوثوق به للتصرف بشكل مشابه في حالات مشابهة في المستقبل؟ اذا احتفظ المرء بشخصيته ثابتة، لكنه غيّر الظروف بطرق ثانوية او حتى رئيسية، فهل هو دائما سيقوم بنفس النوع السيء من الاشياء؟هل ما لاحظناه توا هو امر بعيد الاحتمال، او انه كان تجسيدا لنزعة قوية - تستمر، و تبقى ثابتة عبر مختلف الظروف؟

وهكذا، يجادل دينيت اننا لازلنا نعتبر الناس مسؤولين سواء قبلنا مفهوم انواغن في الرغبة الحرة ام لم نقبل، لأن الاعتبارات التي في ذهننا عندما نسأل ما اذا كان احد ما "بامكانه عمل خيار آخر"هي غير ملائمة لقضية الرغبة الحرة والحتمية.

من غير الواضح ان كان انواغن مقتنعا باتجاه دينيت. فهو على الرغم من مصداقيته، لكنه يبقى شيئا يشبه حيلة لفظية، انه "يحل المشكلة " ولكن على حساب عدم الاقتراب الحقيقي مما نحن قلقون حوله فيما اذا كنا نمتلك رغبة حرة ام مسؤولية. بالطبع سيرد دينيت بان تلك المخاوف هي نوع من الكراهية .

 نعتقد ان ذلك هو تجسيد للخلاف الجوهري. حل هذا الخلاف سيساعد في حل القضية بينهما حول الرغبة الحرة، ولكن من المشكوك فيه امكانية اي حل من هذا النوع . عدم الاتفاق بينهما مرتكز على حكم جوهري اقامه كل واحد منهما حول الكيفية التي يجب ان تستجيب بها الفلسفة للموضوعات الاخرى حولها.

قد نتفق مع ملاحظات انواغن، بانه في ضوء الموقف الحالي للعلوم، فانه من المبكر الادّعاء بان الحتمية (عصبيا ان لم تكن كونيا) هي حقيقية، غير انه، من المؤكد انه من السابق لآوانه الادّعاء انها زائفة ايضا. لا يمكننا الاقتناع بحجة انواغن الاّ اذا اعطى صورة غامضة عن الكيفية التي يعتقد بها ان سببية الفرد تعمل فيزيقيا. لا نتوقع ان يكون دقيقا، لكنه ينبغي على الاقل ان يكون قادرا على ابلاغ قصة مقنعة. الانسجاميون يمكنهم قول قصة هامة جدا، مع اننا قد لا نهتم كثيرا باستنتاجاتهم. ان لم يلجأ انواغن لقصة عملية فهو انما يقبل ضمنا بالتصور الديكارتي للذات كمصدر لرغبتنا الحرة. يمكننا القول ان الوقوع خلف النموذج الديكارتي ومحاولة العمل خارج ميدان العلم التجريبي هو عمل لا يستحق التضحية.  توصيات دينيت تستحق الاخذ بها جديا، رغم عدم وعيه بالتضحية التي يتكبدها جرّاء التخلي عن مفهومنا العادي في الرغبة الحرة .

Free will and Determinism, philosophy Now, Apr/May 2017

 

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) منذ ظهور فيزياء الكوانتم في عشرينات القرن الماضي، برزت اصوات ترى في هذه الفيزياء اساس للرغبة الحرة لدى الانسان. هم يرون ان الرغبة الحرة ممكنة لأن هناك لا حتمية انطولوجية في القوانين الطبيعية، وان الذهن مسؤول عن اختزال وظيفة الموجة في المادة وهو الامر الذي يقود الى الاختيار من بين عدة امكانات. تشرح فيزياء الكوانتم كيف ان الجزيئات تتصرف اما كموجات او كجزيئات معتمدة على ما اذا كانت تحت الملاحظة ام لم تُلاحظ. ملاحظة الذهن هي التي تسبب التغيير. ذلك يعني ايضا ان العلاقة بين الجزيئات المادية ليست علاقة سببية وانما هي محتملة.

 

منذ فجر الاستقلال ومشكلة الهوية الجزائرية مطروحة بشدة وذلك كون الذين كتبوا عن التاريخ الجزائري قبل الاستقلال من العلماء المؤرخين دون الجزائريين، من الذين يختارهم الاستعمار الفرنسي أم الذين تأثروا به وعملوا على خدمته لغرس فكرة الانتماء الجزائري إلى أوربا عرقيا، ولقلة الدراسات الأكاديمية الصرفة التي يعود نتاجها لفائدة المجتمع الجزائري والعربي، كذلك فإن مشكلة الدراسات الموضوعية للهوية الجزائرية مطروحة اليوم بشكل ظاهر ولقد كتب عن هذا المشكل العرب بالشرق الأوسط وعند الباحثين في الغرب والفرنسيين خصوصا.

لهذا يستلزم علينا كجزائريين أصليين الكشف عن الهوية القومية الحقيقية وإبرازها للشباب الجزائري، من جيل الاستقلال والأجيال القادمة المتكونة من أطفال اليوم، لأن الوطن الذي يتمسك بقوميته ويحافظ على هويته وخاصة بثقافته الحضارية المبنية على العادات المتوارثة والتقاليد الأصيلة مع تبني العصرنة والتجديد بعيدا عن الانطواء والرجعية يعتبر بمثابة الإقرار الصادق عن الحقيقة الإنسانية المعاصرة لهذا الوطن، سواء كان وطننا الجزائر أم أي وطن آخر، ولو كنا نحبذ الأوطان الإسلامية فإننا لا ننفي غيرها.

وتبقى الهوية الوطنية نتاج للوحدة الجزائرية المتكاملة في كتلة واحدة، يعيش أفرادها تحت كنف الأمة المستقلة التي تعني في فحواها ضمان التضامن وتوطيد لأواصر الأخوة وترابط الشعب في علاقة دون مقابل نفعي يعود على أي طرف، أو صلات اجتماعية لا تحكمها المادة ولا تكون المصلحة الذاتية غاية لها، بقدر ما يكون الانتماء الحضاري والتاريخي والثقافي هو الذي يتحكم في التعامل المتبادل والاتصال المزدوج بين أفراد الأمة الواحدة، الذين يربطهم المصير المشترك ويجعلهم يحتكمون لضمير اجتماعي واحد.

الهوية... ذلك الإحساس الجماعي بالوحدة

إن هوية الأمة الجزائرية عموما ليست إلا ذلك الإحساس المتبادل بين أفرادها والمشترك مع الواقع الاجتماعي وقيم الشعب الثابتة والمحصورة بالرقعة الجغرافية، لكن ونظرا لكون الدول العصرية تحاول بناء حضارات بعيدة ومتباينة عن الدول النامية، وبخصوص ما يدور في العالم اليوم نحو إنشاء تكتلات اقتصادية داخل وحدات سياسية ضخمة وكسر وتهديم بناء اتحادات أخرى أقل قوة ومتانة، تدعو إلى القلق حول مصير الوطن الجزائري خاصة والأمة العربية الإسلامية عامة، ويتسع القلق أكثر إذ ما عرفنا أن الهدف من وراء هذه الاتحادات السياسية والاقتصادية وبالتحديد القادمة من أوروبا نابعة من أسباب قديمة وضغينة مدفونة في أعماق ذاكرة الاستعمار، وأغلبها تحاول توجيه تحرشات سيئة لاستفزاز الجزائر القوية والرائدة في ميدان التعامل الدبلوماسي العبقري من أجل النهوض والتحدي العالمي نحو إرساء قواعد عالمية عادلة، كما صنعت سياستها في السبعينيات والدعوة لانعقاد جمعية عامة طارئة لهيئة الأمم المتحدة تكرس فيها مبدأ المساواة في التعاملات الاقتصادية الدولية، وهذا ما يجعلنا ندعو إلى التقوية والحرص الكبير على مقومات شخصية الشعب الجزائري الذي ينادي بالعزة والكرامة للوطن ولباقي شعوب العالم المضطهدة والمستبدة.

واليوم أيضا، ومن أجل النهوض في وجه العالم المتقدم، خاصة الدول المسيحية إلى جانب إسرائيل الذين يحاولون كسر المقومات الإسلامية العربية في أغلب الدول المبنية على هذين العنصرين من الشخصية، خاصة ما يظهر في التعامل الاقتصادي من المساعدات التي تقدمها أمريكا وألمانيا وغيرهما إلى إسرائيل في صورة هبات مالية ودعم عسكري دون مقابل، وما تحاول بعض الدول المتقدمة من صنعه في تدعيم مالي ومساندة الجماعات الإسلامية المتطرفة، بل ويتعدى الأمر إلى التخطيط والتزويد بالمعلومات والأسلحة من أجل ضرب اقتصاد الدول ذات الانتماء الإسلامي وخلق نوع من القلق واللاأمن إلى أن تصاب هذه الدول بأزمة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي كما جرى في الجزائر ويجري اليوم في العديد من الدول العربية والإسلامية، وهو إن كان الصراع ما بين منظمة شبه عسكرية لتيار إسلامي يحاول الوصول إلى السلطة في مقابل منظمات إرهابية تحاول زرع الخوف والرعب في أوساط الشعب بدون هدف سياسي أو انتماء بالرغم من تبنيها للإسلام عنوة لتشويه سمعة ديننا الحنيف الذي يدعو إلى التسامح بين المسلمين والتعايش السلمي مع باقي الدول التي لا تنتمي إلى الإسلام ولا تكن له الحقد، وتحاول هذه المنظمات المدعمة من أعداء الأمس ضربه في عقر داره لما تتاح لهم الفرصة، فما كان الإسلام إلا دفاعا ولم يكن منذ ظهر مصدر للعنف والإرهاب قط.

ولقد آن الأوان للأجيال الجديدة وبالخصوص جيل الاستقلال في الجزائر أن يتعرف على المقومات الإسلامية العربية والبعد الأمازيغي التي بنيت عليها الشخصية الجزائرية وتكونت كتلة الأمة المتحدة جغرافيا وعرقيا واجتماعيا، فإن معرفة البنية الأساسية لهوية الأمة المنتمي إليها تساعد على الاتحاد الوطني الكبير، والانصهار داخل المجتمع تحت راية واحدة ورقعة واحدة ومبادئ واحدة، وحتى يتسنى له امتلاك القوة للدفاع والذود بلا هوادة على مكاسب الأمة الجزائرية والوقوف ضد أعدائها من الخارج والداخل، فيجب على هذا الجيل ألا يرجع إلى الوراء سواء البعيد أو القريب – إلا بالذاكرة التاريخية – ليكون مستقبله نحو التطور والنهوض، لا الخضوع والاستبداد كما قاسى هذا الوطن من المحن والمآسي التي شهدها عبر الزمن، فكانت بذلك من أعسر وأسود أيام تاريخه وأحلكها، خاصة عندما وطأت الأقدام السوداء للاستعمار الفرنسي في الماضي القريب أرضه، أين كاد أن يُفقد الجزائر القومية الأصلية، فكانت البداية قبل ذلك على يد أصدقاء هذا الوطن وإخوانه في الإسلام، وهم الأتراك الذين فهموا الإسلام فهمًا خطأ وأدخلوا عليه عاداتهم إلى جانب انغماسهم في الترف والملاهي أثناء الحكم العثماني في مرحلة الضعف، وبطشهم في السابق على الغرب وعلى سفنهم السابحة في البحر الأبيض المتوسط، مما جعل الجزائر فريسة انتقام قريبة منهم وفي متناولهم خاصة بعد تدهور الأوضاع أثناء ضعف الدولة العثمانية كما ذكرنا، كما أن محاولة الهيمنة المحلية والداخلية مباشرة بعد استقلال الجزائر، ومنها الصراعات الفئوية والجهوية حول السلطة، وتعدد الإيديولوجيات حول البناء السياسي والاقتصادي للجزائر المستقلة، أدى إلى سوء فهم المقومات الأساسية للشخصية الجزائرية، مما مكن البعض بإدخال عدة اعتبارات إيديولوجية في تقييم هذه الشخصية بحسب متطلبات النزعة السياسية الجديدة والمتمثلة في الحزب الواحد والحاكم، والمذهب الاقتصادي المتبني وهي الاشتراكية، وكذا الخيار الإقليمي العالمي بالانتماء لدول عدم الانحياز، كلها اعتبارات شغلت الجزائر عن قوميتها ولم يهتم أحد بالكشف عنها وإبرازها سواء من لطبقة المثقفة أو القاعدة من عامة الشعب.

من هنا فإن التطلع إلى الحقيقة الجزائرية للمعرفة القيمة والدقيقة لمكونات الهوية القومية كانت مخاوف الجميع، سواء المسئولين عندنا أو الساسة الأوربيين والعرب والذين ينتمون إلى العالم النامي، بالرغم من بساطة الحقيقة ونزاهة ما تحمله من نقاوة وتعايش، فإن الشعب الجزائري لم يختلف في أي مرحلة من الزمن حول حقيقة هويته بمختلف الاعتقادات والتوجهات السياسية قبل وبعد الاستقلال وحتى أثناء التعددية الحزبية التي تعتبر التعبير التلقائي والحر حول شخصية الفرد الجزائري وتفكيره في تسيير شئون الدولة الجزائرية المعاصرة.

إننا في هذا الوطن الحر لا يمكن أن نفرز الهوية الوطنية من عادات وأعراف الشعب المكتسبة منذ القدم، كما لا يمكن أيضا أن نبعدها من تعاليم الدين الإسلامي العريق ولا عن العروبة والعربية ومدى تأثيرهما على فهم الأشياء المعنوية والمادية والفيزيقية وكذا الثقافة الأمازيغية والإسلامية العربية التي اكتسبتها الأمة بالتجارب الشاقة عبر السنين الطويلة والمد التاريخي البعيد، كما تلعب الحتمية الجغرافية دورها العام في تحديد الهوية الوطنية للجزائر، وتأثيرها على عاداتها وثقافتها ونمو شخصيتها، حسب موقعها الجغرافي من العالم، إذ وقعت الجزائر في وسط العالم وتعتبر بذلك همزة وصل بين العالم المتقدم والعالم الثالث، أي إنها عنصر مؤثر ومتأثر للثقافة والسياسة والاقتصاد بين هذين المجموعتين، وكذا تعتبر النواة الحقيقية للتفاعل الوجودي بين قطبين دينيين، أي القطب المسيحي شمالا بأوروبا والقطب الإسلامي جنوبا على شمال ووسط إفريقيا والعالم العربي أيضا، وحبذا لو يعزم ويعكف المثقفون الوطنيين لتزويد هذا الشعب كله بالمعرفة الحقيقية والمستفيضة لكل عنصر من العناصر المكونة للقومية الجزائرية، لأن جزائري اليوم، وخاصة في هذه المرحلة الصعبة التي مرت بها البلاد، يطرح الكثير من التساؤلات حول شخصية بلده التي تبقى مبهمة، رغم العلم بمكوناتها الأساسية والمتمثلة في الإسلام والعربية والأمازيغية والثورات التحررية.

ولقد حان للجزائر الكبيرة أن تعلن للجميع على حضورها بقوة وسط هذا العالم الرحب والواسع، وتبرهن على وجود كيانها المستقل وذاتيتها الحرة، وعلى أملها الواعد بالرفاهية والخير للأمة والتعايش السلمي مع العالم أجمع دون حقد أو ضغينة، إلا لمن اعتدى على إحدى مقوماتها سواء وسط الرقعة الجغرافية للأمة الجزائرية أو على إحدى الدول التي تقاسم معها نفس المكونات الأساسية التي تعتمد عليها عناصر القومية الإسلامية والعربية، وليس هذا بجديد على الجزائر التي تقف دوما مع الضعيف من أشقائها، وإنما هو موقف خالد للجزائريين عبر التاريخ وهو اليوم نابع من خبرة العصور القاسية وسنين الحرمان ومنه فإن هذا الوطن تبنى في عهد القوة والعزة القضايا العالمية العادية والدفاع عنها دوليا، وهو مازال على الدرب يسير وفي نصرة العدل والحق مستمر إلى الأبد.

الإسلام أساس الهوية الجزائرية

ليس هناك مقياس صالح لكل الأمم في تكوين القومية ومثال ذلك أن الهند تحوي ستة ديانات وخمس عشر لغة إلى جانب اللهجات المحلية، أما الصين التي يعتنق شعبها خمس ديانات، وكذلك فإن هناك العديد من البلدان العربية تتعدد فيها الديانات مثل مصر وسوريا ولبنان والسودان وغيرها التي توجد بها ازدواجية في دين المجتمع، فإلى جانب الإسلام هناك المسيحية أو القبطية في مصر، كما أن المجتمعات الأوربية المسيحية منقسمة بين أورتودوكس وبروتستانت وكاثوريك وهي مذاهب متباعدة عن بعضها.

وفي الجزائر لا يوجد غير الإسلام دينا، فهو الدين الوحيد والعامل الرئيسي في تأليف القلوب بين أفراد مجتمع الأمة الجزائرية، فإذا وجد عندنا مسيحي فالحقيقية إنه مرتد عن الإسلام لأن الجزائريين لم يبقى فيهم مشرك بعد الفتح الإسلامي واستقراره في ديارنا، وأصبح لنا أصل الديانة. وبهذا لم يعد الدين في الوطن عامل ثانوي لتكوين الشخصية والقومية، وإنما له أسس وقواعد ساهمت مباشرة وبقوة في البناء الاجتماعي، وليس لعنصر الدين كعامل فعال ومؤثر في الدول الإسلامية كغيره من الديانات السماوية الأخرى أو العبادات للأشياء الجثمانية ومثل البوذية والهندوسية والسيخ والكونفوشية وغيرها، فإن الإسلام جاء عاما، للناس كافة، وجعل الله من الإسلام دينا للعالمين في الدنيا والآخرة حيث جاء في القرآن الكريم لقوله سبحانه وتعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا" سورة البقرة، وهو الإسلام الذي سخره الله عز وجل لخدمة البشرية في الدنيا، يدبر لهم في رزقهم وعلاقاتهم الاجتماعية والسياسية وفي العلوم الكونية والتجريبية والفكرية، وفي الآخرة جعله الدين الذي يهدي إلى الجنة ونعيمها، ولم يسخر عز وجل الإنسان لخدمة الدين إلا استثناء وذلك في تسخير الإمام والجنود المدافعة على الدين وكرامة الإنسان على السواء، ولم يكن هذا التسخير في حقيقة الأمر إلا خدمة للشعب المسلم الذي يجب أن يؤدي عبادته ومناسكه بكل حرية وفي وطنه الحر والمفدى.

كما أن الإسلام له ثلاثة ميادين للنشاط والتطبيق حسب ما جاء عن العلامة محمد الغزالي، وهي ميدان العقائد وميدان العبادات وميدان المعاملات، وتجد الشعب الجزائري من المتمسكين بشدة بعقيدتهم، كما أن ميدان المعاملات بين أفراد المجتمع من أكبر المؤثرين في تكوينه وحافز حضاري ساهم في البناء الثقافي والعمراني الجزائري منذ أن دخل الشعب الجزائري الأمازيغي الأصل في هذا الدين الجديد وعمل على نشره وحمايته، ومنذ ذلك الحين نشأت في الأمة الجزائرية علاقة لا متناهية بين الشعب والإسلام، وقد نرى أن الإبداع العصري والأساسي للقومية الجزائرية من ابتكار العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي، الذين أسسا معلم حضاري إسلامي خاص بالأمة الجزائرية دون سواها، حيث تختلف وتتباين مع المعالم الحضارية والثقافية للدول الإسلامية والعربية الأخرى، ولقد دافع العلامة بن باديس عن القيم الإسلامية كإحدى ركائز الهوية الوطنية، فكرس حياته خدمة للإسلام والعروبة والجزائر، وهو الذي أنشأ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتعبيرا على منهجه السياسي التحرري جاء في إحدى قصائده الشعرية المشهورة :

شعب الجزائر مسلم*وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله*أو قال مات فقد كذب

إن الجزائر دولة إسلامية شعبها مسلم حر لا جدال في ذلك، ولا يوجد أمر يشاركه كافة الجزائريون كالإسلام، وقد جاء في دستورها بأن الإسلام دين الدولة، كما يحرم على المؤسسات القيام بأي سلوك مخالف للخلق الإسلامي، ويمنع أي تعديل دستوري يمس الإسلام باعتباره دين الدولة، به تدين وعليه تتحدد شروط الترشيح في مناصب الدولة، وأن عزة الإسلام وشرفه بالنسبة للجزائريين فوق كل اعتبار، يذودون عنه ويموتون من أجله، ولكنه في الصورة التي أراد الشعب أن يتمسك بإسلامه التسامحي، والذي يحبذ التعايش مع الجميع دون إقصاء وتمييز ولا يرفض أو ينبذ إلا أعداء الإسلام المباشرين، وهناك مغالطات كبيرة تبناها بعض الحاقدين على الأمة الجزائرية وأصدروا أحكاما في حق الانتماء الإسلامي للشعب الجزائري وخاصة في الحقبة الأخيرة التي مرت فيها البلاد بعشرية دموية سوداء، فأخذت بعض الدول والشعوب العربية في دعم وتمويل العمل الإرهابي، الذي غلطهم في سياسيته الإرهابية وفي نقاوة إسلام الشعب، الذين لا يريدون من وراء ذلك سوى تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الجزائر وخلقهم جماعات إسلاموية مصطنعة ذات سياسة تشددية، تدمر أكثر من أن تبني، ومن ثمة يعتبرون أن هذه الأوطان ترفض التأقلم مع المجتمع المعاصر وتعادي النهضة الحديثة، بل وقد تؤدي بشعوبها في الاتجاه المخالف للتاريخ والمسار الزمني المتقدم نحو المستقبل.

وأكثر أولئك النافون للإسلام وأغلبهم عرب مسيحيين، إذ يعتبرونه مجرد عنصر من عناصر الثقافة العربية إلا أن هذه الفئة لا ترى الجزائر على حقيقتها، إذ الفرق بينها وبين المشرق واضح وواسع جدا بل مضاد تماما، فالأمة الجزائرية لها دين واحد هو الإسلام تدين به وتحتكم للمذهب السني، كما لديها اللغة العربية الموحدة، أما أغلب الدول العربية الباقية فرقته تعدد الأديان، حيث تجد من يدين بالإسلام مع اختلاف المذاهب بين شيعي باطل وسني يقيني وإن كانوا الأغلبية الساحقة، فهناك أيضا أقلية مسيحية، أقباط بمصر ويهود منتشرين هنا وهناك، ولكن كل منها يمثل قوة مادية وفكرية، استطاعت أن تسيطر على الوضع السياسي بالمشرق، إذ أنشئوا القومية العربية ووضعوها في إطار حزبي لكسر المقومات الإسلامية، وادعى بها زعيم الحزب السوري القومي الاشتراكي "أنطوان سعادة" من الدين المسيحي، وجاء بعده "ساطع الحصري" ومن بعدهما "ميشال أفلق" صاحب حزب البعث، وهم بجملتهم ينكرون الجامع العنصري العرقي والإسلامي للقومية، وليس ذلك إلا خدمة لأهدافهم المغرضة ومحاولة من القلة المسيحية السيطرة على الأوضاع السياسية والسلطة بالمشرق، وبالرغم من أنهم يبعدون الجامع الديني في تحديد مقومات الشخصية العربية، إلا أنهم يهدفون إلى سيطرة الجامع الديني للعرب المسيحيين، الذين يحاولون خلق مفهوم علماني يستوعبه العرب المسلمون، بل ويصبحون من أنصاره، ومنهم دعاة القومية العربية – من دون الإسلام – وهم أولئك العرب بما فيهم تلك النخبة الجزائرية، الذين لا يحسنون لغتهم العربية وهم تابعون للغرب لغة وثقافة، تجدهم اليوم في كامل التراب العربي والإسلامي يدعون للعلمانية من أجل هدم القيم الإسلامية داخل المجتمعات المسلمة، كما أن أعداء الحكم الإسلامي لهم أنصار كثر، وتجدهم داخل الدولة الإسلامية في كثير من المناصب السياسية العليا متخفين لعقائدهم، فهم يحاربون الإسلام من الداخل باسم اللائكية – العلمانية – كما لديهم في الخارج من يمدهم بجميع أنواع المساعدات المالية والمادية والخطط التدميرية، التي تصلهم من الأحزاب الشيوعية ودعاة العلمانية واليهود الذين مازالوا يحقدون على الإسلام، وما هذه النزعة القومية المنقضية إلا ستار لحركات تخريبية يراد من ورائها ضرب المبادئ الإسلامية وزعزعة المجتمع المسلم، وهم يبحثون دوما على غرس الشهوات والإدمان والشذوذ الخلقي والأفعال المخلة بالحياء، التي لم يعرفها المجتمع الإسلامي من قبل، بل هي من صنع هذه الحركات التي يمكن أن نقول أنها حملة واسعة ضد أمتنا قادها مسيحيون ضد الإسلام، وللأسف رغم رحيلها فقد كانت ناجحة إلى حد معقول أو القول إلى النسبة التي كانت ترجاها الحركات المسيحية (الصليبية) بالتعاون مع النزعة اليهودية، التي امتدت سياستها العلمانية والقومية إلى الجزائر في وقت معين، ومازالت أفكارهم يحملها بعض الساسة لانتهاز الفرصة الملائمة لضرب مقومات الوطن ورموزه.

التطرف الديني

إن الإسلام دين تسامح ولم يعرف التطرف والعنف أبدا، ومن يدعي عن الإسلام العنف والقوة البربرية، فهو لم يعرف الإسلام حق المعرفة ولم يدرس تعاليم الدين الإسلامي وأحكامه في المعاملات والقتال والسياسة والعبادة، ولقد ظهرت الفئة المتطرفة في الخمسينيات الأخيرة، ليس تعبيرا على الحكم الإسلامي بقدر ما هي سخطا على الحكم الاستبدادي، وحب سيطرة النخبة المكونة لهذا التيار والاستحواذ على السلطة، ولقد ظهرت في جميع البلدان العربية سلطات تريد الاعتزاز بغير الإسلام، فيستنكرون الحكم الإسلامي العصري بكل إيجابياته وسلبيات لنقص الخبرة والممارسة بالطبع، ويتعصبون للقومية العربية التي نمت للقضاء على العزة العربية في كنف الإسلام، وإذا كان الجزائريون قد صانوا الأمانة وبلغوا إلى ما وراء البحار في عهد الفتوحات الإسلامية، ونشروا الدين الحنيف بديار الأندلس، فهم بدورهم دافعوا عن الإسلام والعروبة عبر العصور التي تلت هذه الحقبة الزمنية، وقدموا أنفسهم فداء لهما ومازالوا يواصلون الكفاح المحتوم والمقدر لهم، وهم عازمون على ذلك إلى أن يقضي الله أمره فيهما، إلا أن الحكم الوطني بعد الاستقلال حاد عن المنهج القويم، ولم يكن ذلك إلا اعتقادا من الساسة الأوفياء الذين تنقصهم المعرفة بالإسلام – وليس الإيمان مع إسلامهم الأكيد – وكذلك لانتشار الأمية والجهل والفقر مع نهج أغلب دول العرب لإيديولوجيات معاصرة، فقد نهج الحكام فور الاستقلال المنهج الاشتراكي وحاولوا قدر المستطاع انسجامه مع الهوية الجزائرية، فلم تنصهر الاشتراكية مع الشخصية الجزائرية الحادة، علما أنه طيلة الاحتلال الفرنسي كانت للمجتمع المسلم قوانينه التي تحكمه منفردا عن القوانين الفرنسية التي استطاعت أن تتماشى مع دول الحماية، وبالرغم من أن الجزائر مستعمرة فرنسية اعتبرتها جزء منها، إلا أن أصعب أعمال البرلمان الفرنسي كانت في صياغة قوانين تحكم الجزائريين المسلمين، وعدم انسجام الجزائريين مع المجتمع الفرنسي طيلة الاحتلال لحقه عدم انسجامهم مباشرة بعد الاستقلال مع المجتمع العربي، لأن الجزائري لو خير بين العربي المسيحي وغيره المسلم لأختار المسلم مهما كان جنسه، مع العلم أنه لا يرفض العربي الذي يفضله عن الأوربي من نفس دينه، وعلى أي أعجمي لا يدين بالإسلام، هذا لأن الطابع العرقي الجزائري يتصف بشدة الاعتناق والإيمان بالأشياء من ملة وفكر، والغيرة على الدين وحب الافتخار بالإسلام، فإن العنصرية الجزائرية مبنية على القوة والعنف، ولما جاء الإسلام استطاع أن يلين من مزاجه وحدته.

ولقد ظهر في العشرينية الأخيرة تيارا إسلامي، بدأ مساره بالدعوة والإرشاد الديني، وكان خيرا للأمة الجزائرية إذ ساهم بقدر كبير في بعث الصحوة التي شهدها المجتمع الجزائري، لكن لوجود نوع من الاستبداد السياسي وخاصة في فشل الاشتراكية وعدم استمرار صلاحية الحزب الواحد، وخاصة عند قيام السلطة الحاكمة بعدة اصطدامات مع الدعاة المسلمين وتم اعتقال العديد منهم على إثر ذلك، فساعدت على إنماء أفكار جماعات جديدة من الدعاة في السجون لأن الوسط ضيق ويستوعب التلقين جيدا، إذ وجدوا الحقل خصب لغرس ونمو أفكارهم بعد ذلك داخل المجتمع الواسع، فبدأوا بالحملات ضد السلطة باسم الإسلام واقتنوا لأنفسهم أسماء طنانة ورنانة مثل: أبو حمزة، عبد الرشيد الأفغاني، أبو قتادة وغيرها...

وما يحمل هؤلاء الدعاة إلا بضاعة هينة وضئيلة من زاد التعاليم الإسلامية والتاريخ السياسي والتشريعي الإسلامي ولا يجد فيهم من هو ملم بالفكر الإسلامي، بل إن أولئك الذين لا يصلحون أن يكونوا دعاة لا تجد فيهم من يعرف عن العالم الحديث شيئا من التكنولوجيا أو يفقه فلسفة العصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وطالما نبذ علماء الإسلام هذه التصرفات وتبني الدعوة من أشخاص محدودي الفكر والعقيدة، إذ هذه الفئة عملت على استغلال الوضع الاجتماعي المتردي وغضب الشعب وسخطه على السلطة من أجل جلب عدد كبير من المناصرين أكثرهم أميين أو أنهم لا يفقهون من الإسلام حتى أركانه الخمسة، وأكبر دليل على ذلك أن هذه الفئة من الدعاة تمتنع من اللجوء لتقديم بعض التفسيرات الشرعية لبعض الأمور والتصرفات التي تقوم بها كما تتهرب عن تبرير موقفها ومنهجها طبقا لقواعد الإسلام، فإنها لا تتخذ إلا الشعارات الرنانة من أجل الوصول إلى ما تصبوا إليه نفوسهم وأهوائهم، وقد يستعملون في ذلك أساليب عدة من بينها أن الإسلام يملك الحلول لكل المشاكل والأزمات ولا وجود للاجتهاد مع الكتاب والسنة، وما ذلك إلا لإبعاد تابعيهم السماع إلى علماء الفقه والعقيدة وبلجوئهم إلى هذه الأساليب ووجود كل الأبواب مقفلة أمامهم لجئوا أخيرا لاستعمال القوة والعنف والتطرف الذي أطلق عليهم فيما بعد باسم الأصولية. وما هذه التسمية إلا جرعة سم ضد الإسلام أراد التطرف اللائكي منها أن يحارب الإسلام من داخله، ولا فرق بين القطبين، التطرف الديني سواء تبنى الإسلام وهو بذلك في ضلالة لأن الإسلام دين تسامح وتعايش في السلم مع المجتمعات المجاورة، والإسلام بريء من أولئك، وسواء التطرف اليهودي، كما يصنع التيار الصهيوني بالمسلمين على أرض فلسطين، وهي دعوة عنصرية عقائدية بالدرجة الأولى ولا خلاف فيها، وأيضا هناك التطرف المسيحي ضد العرق التركي، من المسلمين في كوسوفو، وهي محاولة من جنس الصرب للقضاء وإبادة هذا الجنس بحاله وتطرف جديد بأقصى الشرق ضد المسلمين.

أما اللائكية فهي أصعب وأشد تطرف يمكن تصوره، فأغلب التيارات السياسية العلمانية التي بدت خاصة في العالم العربي والترك والجزائر تحديدا كظاهرة جديدة وانتقالية تحاول إشعال نار الفتنة بين السلطة والتيار الإسلامي سواء المتشدد أو المتسامح في علاقاته، الذي يعد أكثر تحضرا وعصرنة من التيار اللائكي في حد ذاته، وأكثر هذه التيارات مساندة من الغرب – فرنسا – التي تحمل في أعماقها فكرة عداء وتضاد للفكرة الإسلامية، وهي تحاول إهانة وكسر القومية الجزائرية اعتمادا على التطرف الديني وبمساعدة العلمانيين الناكرين للحكم الإسلامي، ويدعون بعدم إمكانية الخلافة، ولكنهم لم يستطلعون على التاريخ الإسلامي والخلافة المبنية على أسس ديمقراطية، وما ينقص الجزائر الحديثة والمعاصرة إلا الاسم عن الخلافة الصادقة والحقيقية التي عاشها المسلمين بعد الخلفاء الراشدين وخلافة العادل عمر بن عبد العزيز، فإن تغيرت تسمية الرئيس بالخليفة وتركنا تركيبة النظام الحالي، هل نكون قد عدنا بأدراجنا إلى العصور الغابرة، حتى ولو استعملنا أحدث الوسائل العلمية والتقنية والاتصال الإلكتروني؟ بل إن عصر الخلافة كان أكثر عدلا لا ديمقراطية من الدول العربية الحالية، كما أن انتخاب الرئيس الحالي في عهدته الأولى والثانية يعد أنموذج حي للأسلوب الإسلامي، الذي مر عبر المساندة والتزكية ثم الانتخاب، ولقد جاءت العملية تلقائية وتماشيا مع الوضع، ولم يكن ذلك لجوء إلى الأسلوب الإسلامي القديم، بل صدرت التزكية والمساندة من طرف جماعات سياسية منظمة حسب الموقف الذي يعبر على تدهور الوضع في الجزائر، ووعد الشخصية السياسية المتمثلة في شخص السيد عبد العزيز بوتفليقة وبرنامجه الذي تطرق إلى إعادة الاعتبار لجزائر العزة والكرامة، وبالفعل فهذا ما تسير عليه الأمور منذ توليه سدة الحكم، وبدأ في تطبيق برنامجه الراقي، مانحا الصدارة لاستعادة الوئام المدني، والقضاء على ظاهرة العنف والإرهاب بطريقة سلمية ولم يستعمل فيها أي نوع من أنواع العنف والقتل، وذلك عن المصالحة الوطنية التي باركت ميلادها كل الأحزاب الديمقراطية والإسلامية والوطنية والمنظمات والجمعيات، وانتخب عليها الشعب في استفتاء واسع ومضمون النتيجة مسبقا لإيمان الشعب بفحواها وثقته بالقائمين عليها، لما عناه من ويلات الإرهاب وتحرش الدول الغربية والمجاورة على توتر الوضع في الجزائر حينها.

إسلام الجزائر

للجزائر إسلامها الخاص، إذ شكلت مباشرة بعد الفتوحات الإسلامية المباركة، الشغل الشاغل لهذه الأمة، فأصبح لصيق بالقومية، ولكن يبقى انتظار العلامة بن باديس والمفكر مالك بن نبي، اللذان أبدعا القومية الجزائرية وإبداع الأسس الحقيقية التي تمثل هذه الأمة في تعاملها وشعورها بالوحدة الوطنية، وإن القومية الجزائرية حسبهما هي التي لا يوجد انفصال بين الإسلام والعروبة، مع ضرورة التوفيق بين القيم الأساسية للإسلام وضروريات العلم المعاصر وهذا بخلق تنظيمات تتقارب من القيم الإسلامية، تبنى على أسسها علاقات لامتناهية بين الإسلام والدولة الجزائرية، وبهذا فهما يحبذان الاجتهاد السني لعلمائنا، وليس أي اجتهاد، بل هو العمل على التنسيق بين المبادئ الإسلامية والعقلية الجزائرية وربطها بمتطلبات العصر ولتتماشي مع جميع أوضاع العالم الحالية، دائما في إطار قيمنا الإسلامية العربية والأمازيغية بالطبع، والتي حافظ عليها المجتمع المثقف وخاصة في إنشاء الزاوية، واعتماد المرابطية في البداية كنوع من الصوفية، التي تنوعت من العلاوية بعنابة والطريقة التيجانية بالغرب، وتبقى هذه الطرق الصوفية بالزاوية تنشط في إطار السنة، كون المذهب الجزائري سني مالكي بكل التراب الوطني وسني إباضي بمنطقة بريان بالميزاب.

وبهذا فلا يمكن فصل الدين – الإسلام – عن السياسة، وبالتالي أيضا لا يمكن أن تقوم سياستنا على الطائفية الدينية أو النخبة الإسلاموية المتعصبة، إن الدين عند الجزائريين هو تربية خلقية مدنية، وطبع للتعامل في علاقاتنا الدولية والسياسية، ليتسم الحكام الجزائريين بالصدق والوفاء والأخلاق الطيبة والدفاع عن الحق لأنها ركائز الإسلام الذين تربوا عليها ولن يتخلوا عنها أبدا.

وتبقى دعوة الجزائريين إلى دولة القانون في ظل أحكام الإسلام لها طابعها المميز عن كل دعوة من هذا النوع، فإن القومية الحقيقية لدينا هي التي لا يوجد فيها انفصال بين الإسلام والعروبة وروح الانتماء لهما، لهذا فإن أهل الدعوة في الجزائر يختلفون عن غيرهم في أمور كثيرة، برغم مشاكل تبني بعض العصابات الإرهابية لمسار الدعوة والصحوة الإيجابية، التي أصبح العالم وكذلك الجزائريين ينظرون إليها باستنكار وهذا لأن المنتمون لعصابات الجهادية المتشددة، هم أولئك المنبوذون من المجتمع لا غير، اعتمدوا التطرف الديني لإرضاء شهواتهم وعقولهم المشوشة بالهواجس والخرافات، ولكنهم يجهلون أن الإسلام الذي يعتمدون عليه يمقت تصرفاتهم وأفكارهم بل يحرم كل ما يقومون به، وإن كانوا يظنون محاربة الطغاة في معتقدهم، فهم الذين أصبحوا طغاة بقتلهم الشيوخ والنساء وحتى الأطفال الأبرياء دون النظر إلى إسلامهم، وأن هدر دمائهم حرام، ومن المؤكد أن اعتمادهم على العديد من المذاهب صارت خطأ ومن بينها تبنيهم الإخوانية والتكفيرية والتهجيرية والشيعية ولقد جاءت كلها مستوردة من دول الشرق مثل إيران وباكستان وأفغانستان وكذلك مصر والسودان، وهي كلها تدعو إلى الضلال أكثر مما تدعو إلى الإصلاح والصحوة، ما عدا ما جاءت به جماعة الجزأرة التي تبنت السلفية التي توافق مبدأ مالك بن نبي ولكنها لم تستمر في متابعة المنهج القويم فحادت عنه، بعد أن تأثرت ببعض أغاليط المنافقين الذين يدسون في وسط الجماعة، ويصدرون الفتاوى المصطنعة والمحرفة عن موضعها ليوقظوا نار الفتنة في الجزائر وقد أصابوا ونجحوا إلى حد معقول في أن أصبحت البلاد موطنا للدم والانتقام من الأقارب والأبرياء من أهل البلدة دون أدنى حق، وأبيحت المحرمات من دم ومال وعرض.

كما تجلت ظاهرة الأحزاب الإسلامية، التي تبنت المنهج الإسلامي في تسيير البلاد وتعاملها الاقتصادي الوطني والدولي، وخصت به نفسها دون غيرها من الجزائريين، كان هذا في بداية التكوين والظهور، ومع مرور الزمن بدأت هذه الفئات تتفتح بالفعل على العالم السياسي، قياسا مع الأحكام الإسلامية الحديثة، فأصبحت تتقبل كل مسلم له حزب سياسي ذو قطب ديمقراطي أو وطني، فهو بالنسبة إليها لا يتنافى مع منظورها ومنهجها، ما عدا دعاة العلمانية الذين يجحدون ما أنزل الله من حق وعلم، فيؤمنون بالجزء المتعلق بالعبادات وينكرون كل ما تعلق بالمعاملات الاقتصادية والعلاقات السياسية، بل حتى قوانين الأسرة والأحوال الشخصية يحاولون تغييرها بعد أن أخذت شوطا من التقدم والتطور الفكري الذي تحسدنا عليه دول العالم.

لقد جاءت فئة الإسلاميون كتطرف ديني محتكر، وقد يرجع هذا الاحتكار لوجودهم لوحدهم في الساحة، ولأنهم أشخاص لم يجدوا أنفسهم في المجتمع، فاستعملوا الطرق الجريئة في نبذ التقاليد والعادات التي تقيد عناصر المجتمع، مثل اللباس الأفغاني من سروال قصير وعباءة – قميص – قد يجذب الكثير من المناصرين، لكن القلة التي تستطيع لباسه كون دخيل على تقاليدنا، وكذلك الخطابة بأسلوب ركيك لا يستعملها إلا الجريء حقا، لكونه لا يفصح في اللغة ولا هو ملم بأمور الدين، إلا فئة قليلة قد لا تجد نفسها وسط هذا الرعاع، إن هذا الأسلوب كونه البديل المؤقت والانتقالي للنظام الفاشل والفاسد، ولكنه أيضا يعتبر البحث عن الشخصية القومية في أماكن لا تعبر بالضرورة عن الشخصية الحقيقية للشعب الجزائري، الذي بنى عاداته ومقومات هويته على قواعد راسخة، فهو لا يؤمن بالتهديد والإرهاب سواء من الداخل أو من أي طرف خارجي مهما كانت عظمة قوته.

لقد رفضت الجزائر القومية العربية كونها تعتبر نوع جديد من اللائكية وسلاح صارم لمحاربة الإسلام، لأن الجزائري يعرف جيدا الفرق بين العروبة كقومية والعربية كلغة عريقة فإن عربيتنا لا تعني عروبتنا، لذا فإننا نرفض العروبة ما لم تبنى على القواعد والمبادئ الإسلامية. ودعاة العروبة الناكرون للإسلام وفضله عليهم يجهلون أن هذا الدين ينبذ النخبوية والجهوية والفئوية، وهو يعتمد في تعاليمه السمحاء على القيم النبيلة والأخلاق العالية لتكوين مجتمع سامي بحضارته الإسلامية، راق بثقافته العربية، ولنرجع قليلا إلى أحداث كارثة التسعينيات، والأزمة الجزائرية الخانقة، وإشعال نار الفتنة بين الإخوة، فإن إلغاء انتخابات فازت بها فئة إسلاموية معتمدة رسميا، واعتقال الآلاف من مناضلي جبهة الإنقاذ المحل قضائيا، والقيام بمعاملات خشنة في التعذيب هي صورة من صور الاستعمار الفرنسي التي استعملها أثناء حرب التحرير للقضاء على الثورة ومحاولة إبادة مجتمع بكامله، وقد خرقت القوات الأمنية في بعض الحالات قواعد حقوق الإنسان، وهذا ما ترك باب الجهاد مفتوحا وصعود المتألمين والمتضررين من الوضعية وبعض المتابعين إلى الجبل للانتقام، وليس هذا سوى درس تطبيقي حول ما صنعه الثوار ضد المستعمر الفرنسي، فإن العملية التطبيقية هي نفسها، سوى أن في الحالة الأولى كان الجزائريون المسلمين بإيمانهم القوي وإسلامهم الضعيف يحاربون عدو الله وعدو الجزائر، ليخرجوا الكفار من ديار المسلمين، أما في الحالة الثانية فإنه وإن كان دعاة الحكم الإسلامي بإسلامهم الذي قد يكون قويا إلا أن إيمانهم الضعيف لم يرشدهم إلى الطريق القويم والصراط المستقيم في طلب حق ضائع، كونهم ساروا وراء أعداء الجزائر المسلمة، الصانعين للفتن، فحاربوا إخوانهم في الدم والدين وهم يعتقدون أن الأوربي أفضل من حاكم أو مسئول في الجزائر بالرغم من إسلامه وحرمة دمه.

والخطأ الكبير في كيفية نشأة الأحزاب الإسلامية إنها تكونت من أهل الدعوة أصحاب العمل العقائدي، في ظرف اتسم بالضغط السياسي، فتحولوا من عمل الدعوة إلى النشاط السياسي مع دخول القلة الجاهلة بالدين مما سبب الكثير من المتاعب والصراعات الداخلية وسوء اختيار المسار السياسي والمنهج الحسن، فأقصي الدعاة وحكم الانتهازيون، هذا ما جرى تقريبا داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة وأحزاب أخرى داخل الوطن الجزائري مثل حركة النهضة، ورغم تبني هذه الأحزاب سياسات عالمية مثل حركة الإخوان المسلمين بمصر، والنهضة التونسية وحماس بفلسطين، فإن النشاط السياسي في الجزائر يختلف اختلافا كبيرا، ولم ينجح في فهمه إلا حركة مجتمع السلم التي من بدايتها عرفت كيف تخطط وتستفيد من أخطاء الآخرين، وأن مبادئها إسلامية تنبع من عمق الإسلام المتسامح، وأنها لا تفرق بين الجزائريين في الحكم، وأن كل حاكم ومحكوم ما دام جزائري فهو مسلم وله كل الحق في تولي الولاية، وأن وجود حزبها عبارة عن حمل مشروع الإنعاش الوطني مبني على قواعد الثقة والصدق والوفاء، ولا هو متطرف ولا محتكر للإسلام، ولا هو متفتح بقدر قبول اللائكية، بل هو فقط حركة وطنية ذات طابع وبرنامج إسلامي متسامح مع جميع الأحزاب الوطنية ويقبل التعايش في الوسط العالمي المعاصر.

وفي الآونة الأخيرة تفهمت كافة الأحزاب ذات المنهج الإسلامي أو ذات البرامج الإسلامية حقيقة الحركة المطلوبة للنهوض بالجيل المسلم في جميع الميادين، وأصبحت تسير في هذا المنهج السليم، فمنهم من ندم على مساره الأول وتمنى لو أنه سار على طريق العلامة بن باديس والمفكر مالك بن نبي اللذان صورا الإسلام الجزائري في أحسن صورة يمكن إتباعها أو التعبير عنها.

وتفاديا للانزلاقات والتشويش الخارجي فقد جاء في ديباجة الدستور على أن الإسلام أحد مكونات الهوية الجزائرية، وأنه دين الدولة كما جاء في المادة الثانية منه.

حرية المعتقد

لقد كان المجتمع الجزائري منذ وجوده يحترم حرية الرأي وحرية التعبير، لأن البربر الأصليون كانوا أبطالا، لا يهمهم بطش الحاكم إذا وجدوا ظلمه وجبروته يمتد إليهم ويطاردهم من كل مكان، فكان لهم الحق في الاجتماع والحديث في أمور الحكم المحلي والعام، ونقد تسيير الحكام إذا أخطئوا، ويتربصون للاستعمار الذي طال أمده وتنوع جنسه، فقد حاربوه في كل مكان وزمان، وكان همهم الوحيد سلامة التراب والوطن، وكرامة الشعب الأمازيغي الأصل، والقضاء على كل مستوطن مستعبد، فبالرغم من حبهم للسيطرة والتحكم في زمام الأمور فإن صراعاتهم على السلطة وشدتها كانت تقودهم دوما إلى تبني الديمقراطية في الانتخاب والتعيين، وقد يناط بالحاكم مهام شاقة منها تشجيع الفلاحة وازدهار المدن الحضرية والسهر على التعليم والقيام بالعناية بالعلماء ، والقيام على الأمن في عدم انتهاك الحرمات، وحماية الأسرة الأمازيغية وشرفها وهو الحفاظ على عرقها النبيل وحماية الحرية في التدين قبل مجيء الإسلام، أما بعد الفتوحات الإسلامية فلم يبقى بيت واحد إلا ودخله الإسلام وأسلم بمن فيه.

إن المجتمع الجزائري حر، يمارس سيادته بحرية، يسير بلاده عن طريق نوابه الذين أختارهم بكل حرية ودون ضغط خارجي، وهو يعمل على حماية الحريات العامة والخاصة بالتقاليد والثقافة المحلية والشخصية، لكل مواطن الحرية في الإبداع والابتكار، ولا يمكن لأي كان من المسئولين في الدولة أن يستصدر حريات المواطنين ويميز بينهم بسبب الرأي أو العرق أو الجنس، وأن الأساس في العلاقات أن كُنْ جزائري واعتقد ما شئت في رأيك الشخصي، الذي لا يمس بالإسلام والعربية والأمازيغية وكذا ثوابت الثورة التحريرية، وبهذا فإن كل من عبر عن رأيه بحرية يمنع الغير من ارتكاب العنف البدني عليه أو المساس بكرامته، لأنه عبّر عن رأيه الذي يكتسي الحرمة والحصانة الدستورية قبل كل شيء، ثم الحق في تمديده بالإمكانيات المادية لإبلاغ رأيه بصراحة ونزاهة، لهذا فإن المواطن له الحق في التأليف والاتصال والتجارة والابتكار والسكن والتعليم السليم والتعبير الفردي والجماعي المنظم، ولا يضمن هذه الأمور إلا الدولة أو السلطة الحاكمة، ولقد عبّر عنها الشعب الجزائري تحت وطأة الاستعمار، إذ استطاع العلامة عبد الحميد بن باديس أن ينشأ مدارس لتعليم القرآن الكريم، ومع نهاية الثمانيات جاء دور حرية التعبير مع كل الوسائل وخاصة الإعلامية منها، في الجرائد والتلفزيون، وتكوين أحزاب سياسية تعبر عن رأيها السياسي المنتهج لدى كل مجموعة، وطريقة اعتقادها بالأسلوب القويم لإخراج البلاد من أزمتها والنهوض بها نحو الازدهار والرفاهية المادية وسمو الأخلاقي.

وبعد أن تبنت الجزائر إحدى أساليب التعبير الحر، أخذته عن العالم المتقدم أصبح لكل مواطن الحق في الاعتقاد السياسي والانتماء إلى الرأي الذي يناسبه سواء كان ذلك بالانضمام إلى حزب أو نقابة أو جمعية أو منظمة وغيرها من النوادي الأدبية والشعرية والثقافية.

ومع ذلك فهي نموذج جديد للتعبير عن المعتقد الأفضل والذي يتماشى بالطبع مع العادات والتقاليد والثقافة الوطنية الراسخة، وقد ترى أن المنتمين لهذه التجمعات السياسية والثقافية والعمالية والاجتماعية يحاولون التحرر من الأفكار الرجعية والتخلف الذهني الذي وضعه الاستعمار المهيمن، كما تحاول هذه الفئات بناء تصور حضاري راق له جذور تستمد من أعماق التاريخ الوطني وفروع تشع بآخر ابتكارات التكنولوجية الصناعية والإعلامية، إنها الحداثة التي تمتد إلى العولمة في نشاطها ومعرفتها والتحفظ في مبادئها ومنابعها الأصلية.

العربية أساس الهوية الجزائرية

إن العربية هي اللغة الوحيدة المشتركة للمجتمع الجزائري، فبدونها لا وجود للأمة، وقد عبر عنها الدستور الوطني في مادته الثالثة على أنها اللغة الوطنية والرسمية للجزائر،  فهي بذلك العنصر الأساسي لإبراز الشخصية الوطنية ونضجها، وهي جزء من الكيان الجزائري، مثلما يعتبر العضو من الجسد، فلا يمكن نزعه أو استبداله، كونه لصيق بالأصل، والعربية باعتبارها اللغة الرسمية فهي في نفس الوقت أداة تداول الآراء والتفاهم بين التجمعات الاجتماعية والسياسية المختلفة والمتواجدة داخل القطر الجزائري، كما تلعب دورا حاسما في التكوين الوطني، وبهذه اللغة الحضارية فرضت الجزائر نفسها وأكدت على وجود شخصيتها المستقلة عن الاستعمار الفرنسي في العرق والدين واللسان.

ولا يملك الجزائري لسان فصيح ما عدا العربية بها يبدع ويتصور، وإن أي عربي – من المشرق إلى المغرب – يدعي قصور العربية ويدعو إلى استعمال لغة أجنبية في أي مجال تقني وتكنولوجي فهو يعد مرتكب جريمة مخلة بشرف الأمة، وما القصور إلا لعدم اجتهاد القائمين على الدولة وأهل الاختصاص في التعريب والنشأة للفكر العصري والجديد، فهو نتاج لأزمة العصرنة والحداثة لا غير.

وليتأكد جميع العرب أن الشعب العبقري أو المجتمع المعاصر لا يبدع ولا يبتكر إلا بالأداة التي تنبعث من أصله، وتكون قد نمت فيه من الولادة وترعرع في كنفها وتطورت معه طبيعيا، وهذه الأداة إنما تتحدد في دينه ولغته وثقافته المحلية، وليس ضعف الإبداع والتطور التكنولوجي العربي عامة والجزائري خاصة نابع من ضعف استعمال المجتمع للغة العربية، فلا إبداع حاصل ولا تطور بالغ ولا حيوية ناشئة ولا نشاط مبتكر إلا بالعربية وإلى العربية يعود، فبواسطتها يبدع، ولا يغرنك مبدع عربي من دونها، فإن قياس التكنولوجية لا تكون على مقياس الفرد وإنما بمقياس الأمة، وأنظر إلى أمريكا ذات التكنولوجية العالية وما المبدعون إلا أجانب ابتكروا بلغتهم لأمريكا وباسم أمريكا، وكذلك في فوز بعض الجزائريين في الميدان العلمي والتكنولوجي سواء بأوروبا أو أمريكا أو اليابان، ويبقى دوما ما ينتجون يصدر في الحقيقة كتابيا بلغة الأم لا لغة الدولة المستقبلة للإطار، ويجهل الناكرون لفضل العربية والإسلام على حياتنا هذه وحبذا لو عرفنا استغلالهما لكانت حياتنا أفضل وأحسن، خاصة لغتنا التي أنزل بها القرآن العظيم وهو معجز علما ولسانا، كما أننا لا يمكن لنا تجاهل المجهودات التي تبذل من أجل تعريب الإدارة والتعليم العالي، خاصة وأن له ميزة مضادة حيث أن هذا التعليم والتكوين العلمي الجامعي باللغات الأجنبية له حدود معرفية عمودية لا يمكن أن يتجاوزها أحد من الطلاب والأساتذة والباحثين في الجامعات العربية، التي يسهل على الطالب استيعاب الدروس وعلى الأستاذ إلقائها بسهولة أكثر لو كانت بلغة الأمة التي تحمل عاداتهم وثقافتهم ودينهم ولسانهم.

لا عروبة بدون إسلام

أما العروبة فهي أمر آخر، تكون نافعة ومفيدة إذا ارتبطت بجميع مقومات العرب، من عادات وإسلام وثقافة، ولا يأتي من ورائها نفعا ولا ضرر إذا سيرها العلمانيون والشيوعيون العرب الذين نهجوا هذا السبيل لمحاربة المد الإسلامي لكل الميادين والنشاطات، وقد قاموا بوضع خلط ومغالط كبيرة ومتوقعة منهم لحقدهم على الإسلام، والاعتماد على محاولات كثيرة لكسر مقومات الأمة، واللعب الخفيف على الإيديولوجية الشيوعية المندثرة ومرادفات المعاصرة والحداثة والعولمة وعلى الحركة السياسية الداخلية وغيرها من تسميات تؤدي إلى هدم المقومات الحقيقية للأمة العربية، التي يخافها اليهود والنصارى في أن تبعث في يوم من أيام المستقبل فتعيد العرب إلى أمجاد الماضي وعزة العصر الذهبي، وهو آت لا محال ولا مناص منه.

والعروبة في الأصل هي تعبير صادق على كيان شعب له انتماء مستقل، وامتداد جغرافي مميز من المشرق الأوسط إلى المغرب الكبير، كما أنه تعبير مستقبلي له تطلعاته النبيلة والخيرة الخاصة به والنابعة من أصالته، يهدف من وراءها تشكيل كيان اقتصادي عربي موحد، وهو المسعى الذي تعمل كل الدول العربية جاهدة من أجل تحقيقه، لأن العروبة أولا وقبل كل شيء هي قضية لغة وعادات موحدة ومصالح مشتركة ومترابطة ومحن قاسية ومتقاسمة، بها يشعر العرب بالتبعية وولاء بعضهم لبعض لا إقصاء ولا تهميش، خاصة فيما يخص قضيتا الصحراء الغربية وفلسطين اللتان سوف تجدان الدعم الكامل من الجزائر كما اشتهرت بذلك دوما بمساندتها للقضايا العالمية العادلة فما بالك بدولتين لهم نفس الانتماء الديني واللغوي.

وللإسلام فضل كبير على العربية، لهذا فإننا نرى أنه لا انفصام بينهما، فلا عروبة بدون إسلام، ولقد أسدل هذا الدين الجديد الستار أمام اللغة العربية وعقلية العرب في مجال الفكر والكشف عن الغيبيات العلمية وطرح أمامهما مجال الفكر والبحث عن خفايا العلم والتقنية التي تدر بالنفع الدنيوي، وهو في حد ذاته إعجاز لغوي ووسيلة المحافظة عليها إذ هو حاميها من الزوال ومساعدها على الانتشار والتبلور والتطور، حيث تعتبر العربية مفتاح فهم العقيدة الإسلامية، وإنه إذا كانت العربية هي اللغة الرسمية لدى العرب، يبقى الحديث عن الدول الإسلامية الأخرى –الأعجمية – التي تعمل على تجسيد العربية كثاني لغة في البلد مثل ذلك في ماليزيا، تركيا، إيران، الباكستان، وكذلك في الصومال وموريتانيا فأصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية بعد انضمامهما لجامعة الدول العربية، لهذا فإن التفتح لا يعني نبذ المقومات الوطنية الأصيلة والتخلي عنها، لتبني أنماط ثقافية أجنبية وغربية، كما فعل الترك وهذا ما زاده فقرا و إذلالا من طرف أوربا، واليوم نرى أن تدخل العقلية الحقيقية والثقافة الأصلية التركية محاولة تغيير الوضع السائد والتبعية الفاشلة، وسوف تتمكن لأن هذه العقلية وهذه الثقافة التركية ذاتها انصهرت بعض سماتها داخل المجتمع الجزائري أثناء الحماية العثمانية كما انتشرت في أرجاء العالم العربي لتجد اليوم الدعم والمساندة على استرجاع أصالتها، وترى اليوم صورا منها ورغم ذلك لم تحمى هذه الثقافة من المجتمع العربي الذي لا يعتبر الحقل الذي بذرت ونمت فيه، هذا على الرغم من المحاولات الفرنسية لتدمير وهدم مراكز التعليم القرآنية والعلمية الموزعة عبر القطر الجزائري أثناء الاحتلال، وحملات التبشير والدعوة لاعتناق المسيحية بالقوة والإغراء، والتي لم تجد لها صدى أو جواب.

أخيرا يمكن القول أن في عالمنا العربي هناك دعوتان، دعوة " الوحدة الإسلامية " ورائدها جمال الدين الأفغاني، الذي دعا إلى قيام الدولة الإسلامية وتبنى المنهج الإسلامي في تسيير سدة الحكم والاقتصاد واقتباس القوانين ونشر مبادئ العدل والمساواة، وتبنتها من بعده الحركات والأحزاب الإسلامية مع كل من محمد عبدو، عبد الحميد بن باديس، عباسي مدني، الغنوشي والعديد منهم على الدرب يسيرون إلى الغد.

ودعوة " القومية العربية " ولقد انتشرت الفكرة التي جاءت عن طريق الأتراك من أوربا، بعد فشل الحكم الكنيسي ليتخلوا عن الدين في تسيير شئون البلاد، وساعد على انتشارها العلمانيين العرب المسيحيين وكذلك الشيوعيين من أمثال أفلق والحصري وعدة أحزاب في الجزائر وتونس وغيرها من البلدان العربية خاصة منها في الشرق الأوسط.

الأمازيغية أساس الهوية الجزائرية

إن الأصل العرقي لأغلب الجزائريين هم بربر أو أمازيغ، كما أطلقت عليهم هذه التسمية دلالة على لغتهم العجمية وطابعهم التحريري، وهم السكان الأصليين لشمال إفريقيا، وتنحدر سلالتهم من حضرموت باليمن، إذ جاءوا إلى شمال إفريقيا في غابر الزمن، ويربطهم مع العرب الجد سام الذي تنسب إليه اللغة السامية التي تعد مصدر اللغتين العربية والأمازيغية، وما الاختلاف في الألفاظ إلا لبعد الموقع الجغرافي واتساع المد الزمني فتطورت كل لغة بعيدة عن الأخرى، ولقد شهد الأمازيغ عدة حضارات منها النوميدية المشهورة جدا، والتي تركت بصماتها إلى العصر الحاضر، ومن أبطالها وحكامها القائد الشجاع حنبعل، كذلك مسينيسا في سنة 200 قبل الميلاد، كما تداول عليها يوغرطا ويوبا الأول إذ سقطت في أيدي الرومان والبيزنطيين، وحارب الأمازيغ لعدة قرون كل المستعمرين من الفنيقـيين والرومان والوندال والبيزنطـيين والإسبان والفرنسـيين. فما عرفهم المستعمر الأوربي إلا ثوارًا أحرارًا، ولقد اشتهر الأمير البربري تكفريناس بشجاعته وبسالته وحبه للحرية ورفضه للاستعمار الأوربي وأطماعه في دولة الأمازيغ التي لم تتوقف منذ عصور ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا.

 ولما ظهر الدين الجديد عند العرب، قرر قادة الإسلام يومها أن يساعدوا البربر في إفريقيا في كفاحهم المستميت ويحررونهم من عبودية الاستعمار والجهل، ولقد جاء الفتح الإسلامي إلى الجزائر مع عقبة ابن نافع في حوالي سنة 688 ميلادي أي بعد خمسون سنة فقط من ظهور هذا الدين الحنيف، وبعد أن استشهد القائد الفاتح عقبة ابن نافع على الحدود الأمازيغية، منحت القيادة إلى القائد البطل الفاتح حسان بن النعمان الذي شهد مقاومة شديدة مع الأمازيغ في البداية بقيادة الكاهنة، ومباشرة مع اتصال الأمازيغ بالجماعات العسكرية الإسلامية وعلماء الدعوة، عرفوا صدق الرسالة الإسلامية ونبلها، انفتحت قلوبهم للإسلام ودخلوا فيه أفواجا تاركين الديانات السابقة من مسيحية ويهودية وغيرها، ثم تابعوا بأنفسهم مسيرة الفتوحات الإسلامية العظمى عبر المغرب الأقصى والأندلس تحت لواء القائد البربري طارق ابن زياد الذي ينحدر أصله من مدينة خنشلة، كما عهدت بعض الولايات والأمور الإدارية إلى الأمازيغ الذين تعلموا بسرعة فائقة العربية وانصهر العرب في هذا الجنس بالمصاهرة والتعاون الذي كان شديد القوة والثقة للمساواة والاشتراك في تسيير شئون الدولة وأمور الشعب.

إن دخول الإسلام والعربية إلى الجزائر لم يكن بالقوة والضغط ويمكن استنتاج ذلك من أن الفاتحين لم يكونوا أغلبهم من العرب بل كان هناك الفرس والأفارقة، وخير دليل على ذلك أن قافلة الفتح الإسلامي يرأسها القائد الفارسي حسان بن النعمان، لذا فإن التفاف الأمازيغ حول العربية لم يكن وليد الصدفة وإنما هو تعبير صادق عن الأصل الذين انحدروا عنه سويا وهي السامية، إذ أننا لا يمكن أن نفرق بين الناطقين بالعربية في الجزائر هم عربا عاربة أم عربا مستعربة، إذ أن أساس التفريق بين الأمرين يكمن في العرق، وبما أن أصل الأمازيغ عرب اليمن، ثم حدث بعد الفتوحات الإسلامية امتزاج كامل في اللغة والدين، وزاد ذلك خلال قيام الدولة الرستمية الإسلامية وانصهار الثقافـتين، وكذا التأثير في الميدان العلمي وتكوين تاريخ وحضارة واحدة لمدة ثلاثة عشر قرنا، كما أن هناك عدة لهجات مستعملة في اللغة الأمازيغية على امتداد القطر الجزائري دون الكلام عن الأمازيغ المغاربة وغيرهم، فإن الجزائر بها عدة طوائف يفرقها اللسان وتجمعها الكلمات العربية المستوحاة منها، خاصة قبائل جرجرة والحضنة والصومام وشاوية الأوراس والنمامشة في الشرق والساورة والتافنة في الغرب وكذلك ميزاب غرداية وتوارق الواحات والأهقار إلى جانب اللغة العربية المتفرقة بالزيبان والمتيجة والتيطري والإيدوغ والونشريس وغيرها.

ولقد تلقت الأمازيغية بلهجاتها المتعددة نفس مصير اللغة العربية أثناء الاستعمار الفرنسي والوجود التركي، ولكن إصابة اللغة الأمازيغية كانت أشد وأقوى بما أنها قولية وغير مستعملة كتابيا ولا تتداول إلا في شكل لهجات متفاوتة الألفاظ والنطق، فلم يعد لها ميدان سوى كلغة ثقافة، وما زادها ركودا ابتعادها عن الأصل عند إنشاء أحرف بعيدة نوع ما عن السامية والعربية.

ويرجعنا التاريخ إلى أيام الفتوحات الإسلامية، حيث دخل الإسلام إلينا من طرف العرب والفرس والمصريين والأفارقة من ليبيا وتونس، ومع تعاملهم مع الجزائريين الذين قبلوا بالإسلام دينا لما رأوا سماحته وكرمه، فلما أعطوا قيادة الحكم في بلادهم دون منازع أو منافس عربي، وأن المسلمين جاؤوا دعاة لهذا الدين الحنيف، لا مستعمرين ولا مستبدين ألتف البربر حول العرب  والمستعربين من العجم، فتعلموا لغتهم وانصهر بعضهم في بعض،  وتصاهروا فيما بينهم، فلم يعد يفرق بين العربي والأمازيغي إلا لون البشرة ومسحة الوجه.

ولم يبقى أمازيغي لم يتعلم لغة القرآن إلا القليل الذين يسكنون على الجبال البعيدة التي يصعب على الريفـيين التأقلم السريع مع هذا الجنس الجديد ولغته بالرغم من إسلامهم، وأصبح بذلك الأمازيغ لا يفرقون بين الإسلام والعروبة، لكن هناك فئة قليلة استطاعت أن تفرق بين عروبة العرق وعربية اللسان، مع الشعور بالانتماء المشترك لكافة الجزائريين بأنهم أمازيغ، ويعبرون عن هذا الانتماء العميق للأصل الأمازيغي بشتى الوسائل الثقافية والتعامل الاجتماعي والسياسي، وحتى في الميدان العسكري فإن للأمازيغ طريقتهم في القتال والتكتيك المحكم لخوض المعارك التي تتماشى دائما مع البيئة والبنية الطبيعية للمنطقة، ولقد برهنوا على ذلك منذ الفتوحات الإسلامية وما قبلها إلى حرب أول نوفمبر 1954 ضد المستعمر الفرنسي، ومحاربة القوات الأوربية بأنواعها لإجلاء الاحتلال من الأراضي المغاربية إلى الأبد، كما أن كل الجزائريين – ولا أرى أوسع وأشمل من كلمة "كل" في القاموس العربي – مهما كان انحدارهم العرقي الذين امتزجوا مع الأمازيغ وانصهروا فيهم، هم اليوم مسلمين ولا يوجد في الجزائر غير المجتمع المسلم على خلاف بعض دول المشرق العربي ومصر والسودان، وهذا ما يبرر التفاعل الجزائري مع الإسلام والقضايا الإسلامية، وشدة الرباط بين الأمة الجزائرية ودينها الإسلامي على العكس مما هو عليه الوضع في المشرق العربي الذي توجد به أقلية مسيطرة سياسيا سواء مسيحية في لبنان وسوريا والعراق وأقباط مصر، واليهود بفلسطين الذين أسسوا دولة إسرائيل بقوة العنصرية الصهيونية، فإن الجزائر لا يوجد بها إلا الجنس الأمازيغي المسلم الحر.

وفي الختام أود أن أوضح بأن أزمة الهوية في الجزائر خلقت منذ الحكم العثماني وقدوم خير الدين بربروس وعروج إلى الجزائر ونزولهم في سنة 1516 حيث ترتب عنه ولاء الجزائريين للحكم التركي، ومع انحطاط الحضارة العثمانية وتدهور الأوضاع السياسية لحق هذا الانحطاط تدني الحياة السياسية في الجزائر، ثم سقوط الأمة تحت بطش الاحتلال الفرنسي الذي عمل بكل الإمكانيات المادية والبشرية لمحو الشخصية الوطنية، ومنها حملات التبشير وتعليم اللغة الفرنسية ومن الجهة المقابلة غلق المساجد ووقف المدارس العربية وزرع الخرافات والدجل.

وما يزال الفرنسـيين يسعون منذ نصف قرن من طردهم يحاولون خلق أسباب الخلاف والفرقة بين أمازيغ الجزائر ومن تعرب لسانهم وعاداتهم، ومن الأمازيغ من لا يزال محافظا على اللسان الأمازيغي والذي يتفرع إلى عدة لهجات بربرية، تتصل بعضها ببعض عن طريق الألفاظ المستوحاة من العربية والسامية أصلا.

العادات والتقاليد

يعتبر التراث الشعبي والعادات الشعبية العنصر الأساسي لتحرير قدرة الشعب المقهور بسبب جهله الهوية الشخصية الحقيقية ومكوناتها، وقد بدأت بعض الشخصيات المثقفة تبحث من أجل استعادة استعمال هذا التراث الشعبي الذي يبرهن حقا على عبقرية الشعب وإبداعه المتواصل، وذلك لاستعادة السيادة الوطنية المشروعة والتي تتماشى مع إعادة الكرامة للفرد الجزائري الذي فقدها منذ حوالي قرنين أو ما يزيد.

لهذا ذهب بعض الدارسين للبحث عن العادات الشعبية في الوطن العربي (اليمن وسوريا لأنهما أكثر امتزاجا من حيث تداخل الثقافات) وبالنظر إلى هذا الكم من التراث والعادات والتقاليد التي يمكن أن نسميها بالثقافة الشعبية أو الفلكلور كما يسميها البعض الآخر، نراها موحدة في الأمة الجزائرية تأخذ نفس التعبير الشكلي أو اللفظي ونفس المعنى في أغلب وجوهها، ولكنها تتفرع في التعبير أو الألفاظ، مع بقاء نفس المعنى والتفسير في البلاد العربية، ولهذا فإن وجود الجزائر ضمن الأمة العربية الشاملة يعد أمر منطقي ومحتوم بل إن الدعوة للانتماء العربي والرابطة الثقافية العربية أصبح من ضروريات العصر وتطلعات المستقبل الجزائري في الألفية الثالثة.

ويتمثل التراث الشعبي الأمازيغي والممتزج بالتراث العربي والتركي خاصة، والقليل القليل من التراث الاستعماري عبر العصور شواء القديم منها في عصر الوندال والرومان أو الحديث كالاستعمار الفرنسي الذي أثر وتأثر بالتراث الأمازيغي، فنجد مثلا الألغاز المنتشرة عبر التراب الوطني التي تأخذ في أغلب الأحيان نفس الألفاظ ونفس المعنى، كما نجدها أكثر استعمالا في الريف والعائلات الفلاحية، وهي تعبر تعبيرا صادقا ودقيقا على الإقليم الذي صنعت فيه، فلا وجود هنا للتأثر والتأثير حتى بالتراث العربي، وهذا على العكس من الحكايات الشعبية التي تسمى عادة لدى المجتمع الجزائري "حجاية" وهي مشتركة اشتراكا متماسكا مع الحكايات التونسية والعربية أيضا، إذ أن فيها حكايات مشتقة ومستنبطة من التراث العربي وما تغير فيها إلا بعض الألفاظ التي تستعمل بكثرة لدى الشعب الجزائري ومنها الدارجة العربية – الممتزجة باللهجة التركية مثل كلمة قهواجي وكلمة مانعرفش – وغيرها، وكذلك المترجمة الحرفية للحكايات إلى اللهجات الأمازيغية المختلفة (قبائلية، شاوية، ميزابية وترقية) مع إحداث عبارات جديدة وأسماء لأبطال تتماشى مع الأسماء الأمازيغية.

كما أن للأفراح والأعراس بالجزائر لها طابع خاص يميزها عن باقي الأمم والشعوب الأخرى، حيث تقام بطريقتها الخاصة منذ أكثر من نصف قرن من الآن بعد انتهائها، وهي تتفعل وتصطنع طريقة الوشم للعروس ويتم ذلك قبل زفافها بأيام، بطبع الوشم على جبهتها ويديها ويأخذ في الغالب أشكال هندسية ورسومات بسيطة تعبر بالفعل عن العادات الأمازيغية، ولقد توقف هذا النشاط مباشرة بعد الاستقلال، أما عن الزي والحلي وأدوات الزينة للمرأة التي تستعل إلى يومنا هذا، بل إن العروس الأنيقة هي التي تستعمل الأدوات واللباس التقليدي يوم زفافها، وخاصة إن في بعض المناطق تقوم العروس يعرض بعرض لباس في الصبيحة الأولى من حياتها الزوجية، كما أن لكل منطقة طابعها الخاص في الحلي واللباس، فتجد الحلي الفضي القبائلي من أحسن الحلي زينة وأناقة. وتحاول كل منطقة أن تفتخر بنوعية لباسها التقليدي الذي يذهب في الزمن إلى الوراء البعيد، فنجد اللباس العربي يتماشى مع اللباس التقليدي في سوريا والعراق وينتشر في عنابة وقسنطينة وتلمسان واللباس التركي بالجزائر العاصمة الذي يتماشى أيضا مع اللباس التركي التقليدي والمتأثر بالألبسة المنتشرة بالشرق الأوسط ودول القوقاز، كما يوجد لباس تقليدي خاص بالأمازيع، القبائلي والشاوي والترقي والسوفي والذي يتماشى مع فكر وطبيعة أهل المنطقة وهو ينافس أغلى وأعتق الألبسة في العالم، ومما يمكن ذكره عن اللباس التقليدي الجزائري المخصص للأفراح وبخاصة للعروس التي تحضره ضمن جهاز الزفاف، أن هناك أنواع من الألبسة النسائية المطرزة يدويا، والتي يبلغ سعر الواحدة منها عشرة أضعاف الألبسة المستوردة من الجودة الأولى، كما تبقت من لباس الرجال القشابية ورحل البرنوس والعمامة أو الشاش.

كذلك وجود تنوع في صناعة الأواني الفخارية وإنتشارها عبر التراب الوطني كافة، وقد نجد الأشياء المصنعة من مادة الطين لكل الاستعمالات المنزلية ونذكر على سبيل المثال الخابية، الجرة، القلة، الزير، العبار، الساقومة، البرمة، المعجنة، البوقال، الكسكاس، المحقن وغيرها. دون أن نتجاهل احتفالات التي كانت تقام وخاصة منها الزردة أو الوعدة التي يخضرها العامة من أهل القرية، تذبح فيها الذبائح وتقام الحفلات ليلا ونهارا، وكانت في العادة تقام عند قبب المرابطين أو أولياء الله الصالحين.

أما الغناء والموسيقى، يوجد نوعان أساسيان، النوع الأول وهو المستورد، ويطلق عليه الأندلسي إذ نجده في منطقة الغرب والذي يميل كثيرا إلى الموسيقى الإسبانية وتشتهر به مدينة تلمسان، وفي الحقيقة هو مزيج بين الموسيقى العربية القادمة من الجزيرة أثناء الفتوحات الإسلامية للأندلس، والموسيقى الإسبانية الأصلية المؤدية في صورة موشحات غنائية، أما المالوف والذي لا يختلف بدوره عن الأندلسي فهو يميل أكثر إلى الغناء والموسيقى العربية في عصر النهضة وله طبوعه وموازينه الخاصة به، وتشتهر به مدينتي عنابة وقسنطينة أكثر من غيرهما، كذلك الغناء الشعبي الذي ينحدر من المغرب الأقصى وبقى محافظا على بعض الألفاظ والهزات الموسيقية الرائعة، ومع أن هذا الفن مستورد في أصله، إلا أنه اتخذ طريقا بمفرده وأصبح مستقلا بذاته، كما تشتهر منطقة القبائل بموسيقى غنائية طريفة تمتزج اليوم بين المعاصرة والتقليد ولقد كان للمطربين القبائل دور كبير في الإبقاء على الموسيقى المحلية وتطويرها والحفاظ على التراث القبائلي خاصة عند الغناء بأشعار سي محند أومحند، الذي ترك تراث غنائي لمنطقة القبائل مثلما ترك الشيخ عبابسة، وهبي، الجرموني وغيرهم تراثا بدويا وصحراويا رائعا في الأداء والتأثير الموسيقي.

لقد شكل التنوع الموسيقي واختلاف الطبوع في الجزائر تراث ثقافي متميز ومعبر بصدق عن الأصالة الثقافية الجزائرية، حيث أن الملاحظ لهذه الأنواع من الموسيقى يمكن أن يرتبها في كتلة واحدة لتقاربها في عملية البناء والتنشئة للتراث الموسيقي، وبيئة انتشاره والانصهار بين مختلف النماذج المستوردة غير أن هناك كتلة ثانية من الغناء وهو ما يطلق عليه الفلكلور الذي يأخذ أصله من الحضارة والثقافة الأمازيغية، وهو بدوره متقارب أيضا في تأديته بالرغم من الاختلاف في اللحن والطبوع الذي يتماشى حسب المنطقة الجغرافية والتي تختلف من حيث كونها جبلية أو سهلية، صحراوية أو ساحلية، ريفية أو حضرية، ونجد التنوع الموسيقي في السطايفي، الشاوي، الترقي، الميزابي، الصحراوي، البدوي العربي، العاصمي والراي الغربي، وكلها تعبر عن الشخصية الجزائرية الاصلية.

 

سليمان عميـرات

 

hasan zayedمن الصعب القبول بالقول بأن التطرف والإرهاب، الذي نشهده علي أيدي الجماعات المتطرفة، كان نتاجاً طبيعياً للعذابات التي فاقت حد التصور البشري، التي تعرض لها هؤلاء، في سجون عبدالناصر. وذلك لسببين: السبب الأول ـ أن هناك مجموعات أُخر من غير الجماعات المتطرفة، عاشوا نفس الظروف، والمناخ، وتعرض أعضاءها لنفس العذابات، ومع ذلك لم نشهد من أحدهم  تطرفاً، أو إرهاباً، أو خروجاً علي الدولة، أو كفراً بالمجتمع، أو تكفيراً له، أو استحلالاً لدم افراده، علي نحوما فعل أعضاء الجماعات المتطرفة . هذا بفرض التعرض للتعذيب، علي نحو ما جاء من وصف  للتعذيب الوحشي، في كتب الإخوان، أو الجماعات المتفرعة عنها، أو المنشقة عليها .

 السبب الثاني ـ ويتمثل في الإجابة عن تساؤل مؤداه: كيف تجتمع أجواء الجحيم التي صوَّرت لنا داخل معتقلات عبد الناصر، وأجواء التعليم، والتثقيف، والكتابة الحاصلة  لمن داخل هذه المعتقلات؟. فبعض الوقت ينقضي في التعذيب، والأعمال الشاقة، وبعض الوقت ينقضي في الإستشفاء من الألام، والجروح، الناجمة عن التعذيب، والبعض الثالث ينقضي حتماً وبالضرورة في النوم، كحاجة بيولوجية، لا يمكن الإستغناء عنها كل الوقت . فمتي كانوا يتحصلون علي المعارف ؟ فالقراءة، والكتابة، وتدوين الملاحظات، وتلقي الدروس، كل ذلك لابد له من وقت، وفوق الوقت لابد له من غفلة، من السجانين والجلادين، المتوحشين . هذا بخلاف حتمية توافر الكتب، والأوراق، والأقلام . فمتي، ومن أين، وكيف، تيسر لهم كل ذلك؟ . أعتقد أنه من الصعوبة بمكان، الجمع بين الأمرين، علي شخص واحد، في مكان واحد، في وقت واحد . والثابت ومدون في كتابات التأريخ لهذه الجماعات، أنهم تحصلوا علي المعارف، والثقافات، وألفوا الكتب، والمجلدات، داخل سجون عبد الناصر . وأن الدعوة لأفكارهم، والترويج لها، كانت تتم داخل أقبية الزنازين الناصرية . وأنا لا أسوق هذا من باب إنكار التعذيب، وتبرئة نظام عبد الناصر من اقترافه، وإنما أسوقه للإستدلال من خلاله، علي أن التعذيب، الذي ربما يكون مزعوماً، ليس هو العلة الأصيلة، والوحيدة في الإنحراف الفكري، الذي أصاب هذه الجماعات، في تعاطيها للقضايا الدينية، والتي ترتب عليها، تحميل الدين، بما ليس فيه، من أوزار هذه الإنحرافات . فشكري مصطفي تتلمذ ـ حين تتلمذ ـ علي يد الشيخ الأزهري الإخواني / علي اسماعيل، داخل ليمان طرة . وعندما توفر علي كتب / سيد قطب، وأبو الأعلي المودودي، توفر عليها داخل زنزانته . وبالقطع لم يكن شكري مصطفي الوحيد دون بقية الشباب المسجونين، الذي تلقي الدروس علي يد الشيخ، داخل الليمان . ومع أن الشيخ الأزهري قد تراجع عن فكره، وأعلن أوبته عنه، إلا أن الشاب العنيد ـ شكري مصطفي ـ الذي كان متحمساً لفكر شيخه، أصر علي الإستمساك بهذه الأفكار، وتلك التصورات، وبلغ به الأمر مبلغه، حين ذهب إلي تكفير شيخه، بعد تراجعه عن انحرافه الفكري، وتبوأ مقعده من الإمارة . وهذا أيضاً تم، وجرت وقائعه داخل ليمان طرة . وانكب شكري مصطفي علي الكتب والمراجع القديمة ـ داخل ليمان طرة ـ ينهل منها أفكار الخوارج، وتصوراتهم، وأصولهم، ونشأتهم . وتوقف علي كيفية محاوراتهم لخصومهم من أهل السنة والجماعة، وأُعجب بها . فالتف حوله شباب المسجونين، وأعجبوا به، وبأفكاره الجديدة، التي مثلت من وجهة نظرهم، ثباتاً علي الحق، وتمييزاً لأهل الحق، وأهل الباطل . فضلاً عن اعتبارهم نشره لهذه الأفكار داخل السجن تمثل نوعاً من الشجاعة تستدعي الإعجاب، فضلاً عن استهانته واستخفافه بقوة الطاغوت . من هؤلاء الشباب كون شكري جماعته، وأسماها جماعة المسلمين، وذلك في أواخر 1970م . وتم الإفراج عنه ـ وآخرون ـ سنة 1971م . ومن هنا اتسع نشاط جماعته، واشتد عودها، وكثر أتباعها، وشبت عن الطوق، كما رأت في نفسها . اشتد الصراع بينها وبين غيرها من الجماعات الإسلامية، التي بدأت تتشكل ملامحها، بعد الإفراج الساداتي عن جماعة الإخوان، إلي حد الذهاب إلي تكفيرها جميعاً . وبظهور هذه الجماعة إلي النور، ظهرت معها أفكار الخوارج بشر يمشون علي الأرض . ورغم أن القرار الساداتي بالإفراج عن الإخوان وتفريعاتهم، قد شابه العديد من الملابسات التي أحاطت به، إلا أنه قد ظهر له فيديو مسجل لأحد خطبه، التي يخطيء فيها نفسه، حين اتخذ قرار الإفراج . وقد ذهب اللواء فؤاد علام  ـ أحد القيادات الأمنية في مصر ـ في كتابه : " الإخوان وأنا " إلي القول بأن السادات حين وقع قرار الإفراج، كان يوقع قراراً باعدامه .

وللحديث بقية، إن كان في العمر بقية،،،،

 

 

abdullah alfifiإذا كان انكسار علاقة النَّسَب بين (محمَّدٍ، عليه الصلاة والسلام) وبين قومه قد حَدَثَ من جهتهم بسبب عدم التزامه بالنَّسَق القَبَلِيِّ والتقليد الدِّينيِّ المتوارث، فقد كان انكسار تلك العلاقة من جهته بسبب عدم التزامهم بالقانون الفردي، الذي جاء ليرسيه، والحاكميَّة المطلقة من الأهواء والعلاقات الشخصيَّة والمصلحيَّة. فكانت (سورة أبي لهب) للعن العلاقة النَّسَبِيَّة، أو الاقتصاديَّة، حينما تكون على حساب قانون الحق، وللعن اليد الكاسبة للمال، ما دامت يدًا باغيةً ظالمة.  تَبَّت تلك العلاقة الأُسَريَّة والعشائريَّة والقَبَلِيَّة وتَبَّت، ولتذهب إلى الجحيم.  تَبَّ عمُّ الرسول، (أبو لهب)، فالعُمومة لا تُغْني من الحقِّ شيئًا، كما لا تُغْني الأُبُوَّة أو البُنُوَّة.

ولعلَّ هذا المعنى كان وراء اختصاص عَمِّ الرسول بتلك السُّورة، دون سائر المجرمين الذين أساؤوا إلى الرسول وآذوه؛ لا لأنَّ (أبا لهب) كان الأسوأ، بغضِّ النظر عن صِحَّة التفاصيل المرويَّة عن أفعاله.  وإلَّا ما الذي يجعل اللعن ينصبُّ على رأس أحد أفراد عائلته بالذات؟  بل هو عمُّه، وللعَمِّ التوقير عادةً، وإنْ قسا، وإنْ جهل، فهو بمنزلة الأب.  ثُمَّ إنَّ في فضحه فضحًا للذات، على كلِّ حال، بحسب التفكير العائلي والعشائري.

كلَّا، ليس لتلك الوشائج أيُّ اعتبارٍ حين يتعلَّق الأمر بالمفاصلة بين الحقِّ والباطل. فما جاء في (سورة المَسَد)، إذن، لم يجئ انتقامًا، ولا تشفِّيًا رخيصًا؛ فمحمَّد قد عفا عن (قريش) كافَّة، يوم الفتح، وقد ناله منها أكثر ممَّا ناله من عمِّه (أبي لهب) وعمَّته (أُمِّ جميل)، ولكن للتعبير عن القطيعة الجذريَّة مع ثقافة الماضي، من خلال نموذجٍ حيٍّ لاجتثاث شأفة المحسوبيَّات، وفكرة العائليَّات، والقرابات، والعُمومة، والخؤولة، والوساطات بين الناس، والتمييز بينهم في الحُكم، على أساسٍ طَبَقِيٍّ، أو نَسَبِيٍّ، إلى آخر هذه السِّلسة البائسة من روابط العواطف والرحم، الفاسدة المفسِدة، التي ما زالت تنخر في حياة العرب إلى اليوم، وهي عمود الخيمة في التخلُّف العربي، والتخبُّط السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

-2-

لقد كان محمَّدٌ مخلصًا للفكرة، لا للعائلة وتقاليدها وسمعتها بين العرب. نعم كان يُحِبُّ أهله بصورة فطريَّة، ولكن ليس على حساب مبادئه. ولذلك كان من أروع ما في سياسته أيضًا- بالمقياس الديمقراطي- أنَّه لم يُوْصِ بحاكمٍ من بعده، ولو أراد لاستطاع حسم الأمر، وبما لا يدع لقائل قولًا، بل ترك الأمر شورى؛ لأن هذه الآليَّة في «الأمر» كلُّه، وأعلاه أمر انتقال السُّلطة، مكفولة بنصِّ القرآن، لا بنصِّ النبي. وتلك فكرةٌ تقدُّميَّةٌ جِدًّا، لكنها صادمةٌ للعرب، لم يكن ليستوعبها منهم- بطبيعة الحال- ذوو العقليَّة المشيخيَّة البدائيَّة، والرؤية الدمويَّة الوراثيَّة الجاهليَّة. فظلَّ هؤلاء في صراخهم الاحتجاجي المتشنِّج عبر القرون، وسيستمرون إلى يوم القيامة، مضطرِّين إلى اختراعاتهم من غدير المرويَّات لحلِّ هذا المعضل غير المتوقَّع، ولا المعقول: كيف للحُكم أن يخرج عن الأسرة النبويَّة؟ إنْ لم يكن ابنٌ، ولا أخٌ، فابن عمّ! القرآن لا يسعفهم بحلٍّ نصِّيٍّ يشرعن هذه الشريعة القبَليَّة، بل هو يضخُّهم بما يناقض ذلك: ﴿قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ، وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وَاللَّـهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾! والأمر- بعد مشيئة الله- هو بالبسطة في التأهيل والصلاحية، وليس توريثًا، بالضرورة، لا في النبوَّة، ولا في الحُكم! وداخت الرؤوس النَّخِرات في تقبُّل ذلك، وأداخت الأُمَّة بهمجيَّتها، لأن التخلُّف يُنتِج أديانًا تاريخيَّةً لا تنقرض، وكثيرًا ما تتحوَّل العاداتُ في المجتمعات الطفوليَّة إلى عبادات ذات أوثان! وإذا ما اجتمعت العصبيَّة القَبَلِيَّة إلى تعصُّبٍ من تلك التعصُّبات الفكريَّة في قلب إنسان، فتلكم الطامَّة الكبرى. هنا تتحوَّل القِيَم، ويُصبِح لكلِّ موقفٍ لَبوسه، وتتعدَّد المعايير بحسب الحال؛ فيغدو الظُّلم- كما بيَّنتُ في كتابي «نقد القِيَم»(1)- نوعين: ظُلم البعيد، وهو قِيمةٌ عربيَّةٌ (إيجابيَّة)، وظُلم القريب، وليس كذلك. يقول حكيم العرب، وواحدٌ من أعقل عقلائهم وأعدلهم في عصره، (زهير بن أبي سُلمَى):

ومَن لا يَذُدْ عن حوضهِ بسلاحهِ * * يُهَدَّمْ، ومَن لا يظلمِ الناسَ، يُظْلَمِ!

وإنْ كان العرب قد رأوا في الظُّلم حين يصدر من «ذوي القربى» رأيًا نقيضًا، عبَّرَ عنه (طَرَفة بن العبد) في قوله:

وظُلْمُ ذوي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً * * على المَرْءِ من وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ

مع ما يفخر به طَرَفةُ نفسه، وفي المعلَّقة نفسها، من ممارسته الظلم والعدوان على الآخَرين. ولسان حال الشاعر، وحال العرب إذ ذاك، هو الخطاب المعبَّر عنه إلى اليوم، في المقولة الشعبيَّة: «أنا وأخي على ابن عمِّي، وأنا وابن عمِّي على الغريب»؛ أي أن مبدأ اتخاذ المواقف لا يدور مع الحقِّ حيثما دار لكنه يدور مع العصبيَّة والقرابة حيثما دارا. ولذا كانت قيمة «الغَدْر» قِيمةً عربيَّةً (إيجابيَّة)، هُجيت بانتفائها، في الإسلام، قبيلةٌ عربيَّة، هي قبيلة (بني العجلان)، من (بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة)، حين قال فيهم (النجاشي الحارثي، -40هـ= 660م):

قُـبَيِّـلَةٌ لا يَغْـِدرُوْنَ بذِمَّـةٍ * * ولا يَظلِمونَ الناسَ حـَبَّةَ خَـرْدَلِ

فوا عيباه.. ووا خزياه بين العربان أن لا يكون العربيُّ غادرًا...!

والربط بين القِيَم والقِدَم، وبين القيمة والعِرْق، هو قيمةٌ من قِيَم العرب العريقة، كما أخبر عنها «القرآن المجيد»: «إنَّا وجدنا آباءنا»، تؤدِّي في النهاية إلى ضروبٍ من العنصريَّة، و«الشوفينيَّة» الثقافيَّة.

 تلكم قِيَمٌ طالما فتَّتتْ العرب، وما تزال، مجتمعًا وثقافة، من حيث إن دوائر الانتماء القيمي قابلة، بنزوعها الرافض للآخَر، لأن تضيق «ثوابتها»- كما تُسمَّى- زمانًا، حتى يلعن كلُّ جيلٍ لاحقه، ومكانًا، حتى تَرَى كلُّ دولة، أو إقليم، أو منطقة، أو شَعب، أو قبيلة، أو عشيرة، أو أُسرة، وبالجملة كلُّ عِزَة(2)، ذاتها صاحبة الفضيلة(3) الخالصة المطلَقة من دون الناس. ذلك أن العصبيَّة تُعمِي وتُصِمُّ حينما تُلابِس النفس البشريَّة، وتقلب موازين العقل والأخلاق؛ لأنها لا تَعمَى الأبصار ولا العقول ولكن تَعمَى القلوب التي في الصدور!

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي

......................

(1) انظر: (2005)، نقد القِيَم: مقاربات تخطيطيَّة لمنهاج عِلمي جديد، (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي)، 16- 17.

(2) العِزَة: الجماعة من الناس، قائمة بذاتها مستقلَّة. وهي «العِزْوَة»، في بعض اللهجات المعاصرة.

(3) وممَّا له بهذا علاقة بعض صيغ المخاطبات المستحدثة، كقولنا: «أصحاب الفضيلة». هذا «النيشان» الذي لم يُنْحَل في سالف الأُمَّة حتى صحابة الرسول. وكأن غير هؤلاء: «أصحاب رذيلة»، أو «أعداء فضيلة»! لأن هذا التعبير ينطوي على تمييزٍ قِيميٍّ أخلاقيٍّ، بخلاف صيغ المخاطبات الأخرى، التي إنَّما تميِّز في الدرجة، أو المرتبة، أو الوظيفة، كصاحب الجلالة، الفخامة، السمو، المعالي، السعادة.. إلخ. وقد لا يُخامِر الشكُّ في أنَّ مبتكر هذا الوسام الخاص، لنفسه أو لغيره، كأنما كان يستشعر أن غير هذه الفئة ليسوا على شيءٍ من الفضيلة. ثمَّ سار الترديد ببغائيًّا حتى تبلَّد الإحساس بما يحمله هذا التعبير من تزكيةٍ من جهةٍ وطعنٍ مُضْمَرٍ من جهةٍ أخرى. وإنَّما كان حقُّ هؤلاء أن يُخاطَبوا بـحسب مراتبهم العِلْميَّة أو العَمليَّة أو الوظيفيَّة، كما يُخاطَب سائر الناس، فيقال، مثلًا: «صاحب السعادة الشيخ»، أو «صاحب المعالي الشيخ»، ونحو ذلك، بعيدًا عن الزجِّ بالتمييز القيمي الأخلاقي في هذا المضمار. لكنَّها قَبَليَّات الألقاب بعد قَبَليَّات الأنساب. 

 

qassim salihyنعود الى الموضوع فنقول ان ذاكرة الشخصية العراقية المشحونة بسيكولوجيا الخلاف مع الآخر يعود الى أن العراق ينفرد عن بلدان المنطقة بأمور وأحداث لها تاريخ يمتد الاف السنين يتمثل أهمها بالآتي :

1. انه البلد الذي تؤخذ فيه السلطة بالقوة المصحوبة بالبطش بمن كانت بيده .

2. وأنه البلد الذي سفكت على أرضه أغزر دماء المحاربين من العراقيين والعرب والأجانب، لاسيما : المغول والأتراك والفرس والانجليز...وأخيرا، الامريكان .

3. وأنه البلد الذي نشأت فيه حضارات متنوعة ومتعاقبة، انهارت أو أسقطت بفعل صراع داخلي أو غزو أجنبي .

4. وأنه البلد الذي تنوعت فيه الأعراق والأديان والمذاهب، في مساحة مسكونة صغيرة نسبيا.

5. وأنه البلد الذي كان مركز الشرق الاسلامي حتى الهند والسند، وحيث عاصمته كانت مدينة الخلافة الاسلامية .

لقد عملت هذه الأحداث على تشكيل ذاكرة شخصية الفرد العراقي بخصائص سيكولوجية وعقد نفسية نوجز أهمها بالآتي :

1 . عقدة البارانويا

تعني البارانويا: اسلوبا مضطربا من التفكير يسيطر عليه نوع غير منطقي "أو غير عقلاني" من الشك وعدم الثقة بالناس، ونزعة دائمة نحو تفسير أفعال الأخرين على أنها تآمر أو تهديد مقصود أو مهين .

وقد نجمت هذه العقدة عن تواتر الاستيلاء على السلطة في العراق بالثورات والانقلابات الدموية والانتقامية، فأصيب بها كل من أخذ السلطة،وسيطرت على أغلبهم حالة هوسية من التآمر عليهم والشك بالآخر حتى لو كان بريئا.

وبالمقابل، تولّد لدى الناس اقتران شرطي بين السلطة والظلم، ناجم عن تكرار السلطات المتعاقبة لممارسة الظلم على الناس .

ومن هذه العلّة النفسية تحديدا (عقدة اليأس من مجيء سلطة عادلة ) نشأت فكرة "المخلّص المنتظر" الذي سيأتي ويملأ الأرض عدلا، والتي يؤمن بها معظم العراقيين بغض النظر عن العرق والدين والمذهب والمستوى الثقافي سواء كان أمّيا أم حامل الدكتوراه.

2 . عقدة الاستهداف

ان تكرار غزو العراق من قوى اجنبية ( لخيراته وموقعه الاستراتيجي) ولّد لدى الفرد العراقي حالتين نفسيتين، الأولى: يقينه أن العراق سيبقى مستهدفا وأنه "الضحيه" في كل غزو. وادراكه بالتجربة المتكررة أن كل غزو يحصل يشطر العراقيين الى ثلاثة أقسام : متعاونون مع الغزاة، ومحايدون أو من جماعة "الياخذ أمّي يصير عمّي"، ومعارضون ..يحكمهم جميعا : الخلاف مع الآخر .

والثانية: كره العراقي للحكومة وتعمّق الهوة النفسية بينهما، الناجمة عن اعتقاده بأن أية حكومة تتولى السلطة لابد أن تكون مسنودة من قوة أجنبية، وأنها تخدم مصالح الأجنبي أكثر مما تخدم مصالحه، الأمر الذي أدى الى أن تكون نظرة العراقي للأمور في حال يشبه فيه حصان العربة: النظر باتجاه واحد هو الخلاف مع السلطة والعمل على اسقاطها .

3 . عقدة أخذ الثأر

ان جسامة ما وقع من احداث وبطش الآخر بالآخر، سواء بسسب الصراع على السلطة او بسبب معتقد او مذهب او فكرة، عملت على توريث عقدة ( أخذ الثأر أو الحيف) من الآخر، وتحكّمت بسلوك العراقي في أزمات الحاضر، بانفعالية تعطّل التفكير العقلاني بأسباب هذه الأزمات أو بمن يخلقها .

4 . عقدة التعصب لــ"الهوية"

سكنت العراق أقوام متعددة : عرب، كورد، تركمان، كلدان، آشوريون، يزيديون، شبك..ونشأت فيه أديان ومذاهب متنوعة : اسلام،مسيح، يهود،صابئة،مجوس..،شافعي، جعفري، حنفي، مالكي، حنبلي .

وتفيد الاحداث أن هذه الأقوام والأديان والمذاهب تعايش أهلها بسلام حيثما كانت السلطة بعيدة عن التدخل في شؤون خصوصياتهم، وأن الصراعات تنشأ فيما بينها، حدّ ابادة الآخر، حين تكون السلطة او قوة غازية محرضّا بشكل علني او خفي .

ولأن الانسان به حاجة نفسية الى (هوية) فأنه يضطر الى الدفاع عن هويته حين تتعرض الى الخطر . ولأن كل (هويات) الجماعات العراقية لحقها أذى وتعرضت الى هذا القدر او ذاك من الخطر، فأنه نجم عن ذلك تغليب الانتماء الى الهوية الخصوصية (بدافع الحماية والأمن) على الانتماء الى الهوية الوطنية، مصحوبة بحالات من التطرف أو التعصب العرقي أوالديني أوالمذهبي.

6. الزهو بالذات والتباهي بالماضي

يشعر الفرد العراقي بأنه سليل حضارات، وأنه ابن بلد "الاوائل": أول من اخترع الكتابة، أول من اخترع العجلة، أول من بنى المدن، أول من سن القوانين،أول من ابتكر آلة موسيقية،أول من زرع الأرض وابتكر نظام الري، أول البلدان في عدد الانبياء .. الأمر الذي نجم عنه نزوع سلوكي الى عدّ الخلاف مع الآخر من صفات الذي يريد أن يكون "الأول " أو من صفات التي تليق بأبن " الأوائل" .

ويتداول العراقيون مقولة (ارفع راسك انت عراقي). ومع أنها حالة ايجابية حين تشكل موقفا" ضد الاذلال والنيل من الكرامة وعزّة النفس، الا انها تتضمن معنى "التباهي" بالماضي، وتشير ضمنا" الى بؤس الحاضر، وحالة من عدم التوازن النفسي لدى الفرد تفضي بالنتيجة الى ميله نحو الخلاف مع الآخر .

6. العنف الثقافي

يوصف العراق بأنه بلد التنوع الثقافي والعقائد العجيبة، وفيه نشأت مدارس فلسفية وفكرية وفقهية وايديولوجيات من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، اعتمدت في أطوار من مسيرتها أسلوب الاختلاف مع الآخر في الرأي، نجم عنه ازدهار ثقافي ونزوع نفسي نحو الابداع المعرفي الذي من خصائصه الاتيان بما هو جديد ومخالف لما هو موجود.

غير أن السلطة تدخلت، في اطوار اخرى من مسيرة هذا التنوع الثقافي، فحولت الاختلاف مع الآخر على مستوى الرأي الى خلاف معه على مستوى الفعل، اعتمد أساليب العداء والاضطهاد بأنواعه وانتهى بالعنف الذي يستهدف القضاء على " ثقافة " الآخر سواء بالسجن او بدس السم او الاعدام او الحرق علنا بتهم الكفر والالحاد والزندقة .

ما يعنينا هنا أن ذلك الواقع افرز حالة سيكولوجية بأن شطر المفكرين والمثقفين الى قسمين متضادين يتحكم في كل منهما أسلوب النظر الى الامور بثنائية " اما اسود واما ابيض " وهو اسلوب معرفي متصلّب يفضي الى الخلاف مع الآخر في السلوك والعناد العصابي في مواقف الصح والخطأ على السواء.

ومن مفارقات التنوع الثقافي والمعرفي الذي انفرد به العراق، انه انتج نوعين متضادين من التفكير: علمي، انتشر بشكل محدود بين النخب الثقافية، وخرافي انتشر بين العامة من الناس وبين من يعدّون انفسهم مثقفين . فحين دخل القطار الى العراق بدايات القرن الماضي، اعلن أحد رجال الدين المؤثرين تحريم استخدام القطار قائلا : " أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر ".

ان (الخلاف مع الآخر) علّة نفسية مصابة بها الشخصية العراقية، وقد لا استثني أحدا منها لاسيما الذين صارت أمور البلاد والعباد بأيديهم، وأنها فعلت بنا ما فعلته ثارات الجاهلية باجدادنا.

ثقافة السلام

يعرّف قاموس وبيستر "الثقافة" بأنها: تطور وتحسين وتهذيب العقل والانفعالات والاهتمامات والعادات والاذواق، فضلا" عن الآداب والفنون والافكار والتقاليد والمهارات الخاصة بجماعة معينة في زمن معين . ويضيف قاموس اكسفورد،ان الثقافة تعني الجانب الذهني للتمدن أو التحضّر .

وما يهم هنا أن الثقافة، بوصفها قيم وأفكارومعتقدات، هي التي توجّه سلوك الفرد وتحدد نوع أهدافه.ولك أن تشبّه الثقافة،من حيث قوة تأثيرها في السلوك، بالبرنامج الرقمي الذي يتحكم بعمل الحاسوب..وأن تفترض أن بداخل كل واحد منّا " مركز سيطرة ثقافي" هو الذي يوجّه سلوكنا ويحدد أهدافنا .. وكما أن الثقافة القائمة على التنافس تشجّع على العدوان فان الثقافة القائمة على السلام تشجّع على التعاون والايثار.

ويعرّف قاموس وبيستر " السلام" بأنه : التحرر من الحرب وتحقيق الأمن الاجتماعي والتوافق والانسجام والصفاء بين الناس. وعلى هذا الأساس فان (ثقافة السلام) تقوم على ما ذكر في أعلاه، وتعمل على أن تكون الوسيط لنقل: القيم، الأفكار الأخلاقية، المعلومات، التقاليد، العادات، الانفعالات، والفنون، بين : الناس والاجيال والأمم والحضارات.وبهذا تكون ثقافة السلام قوة منتجة من خلال نقلها للأنماط الثقافية من الماضي الى الحاضر، وخالقا مهما ومؤثرا تربويا فاعلا بما تمتلكه من قدرة على ابتكار ما هو جديد من القيم والمعايير والاتجاهات والسلوك.

وتتحدد قيم ثقافة السلام بالآتي:

1. فهم واحترام ثقافات الآخرين واديانهم.

2. حق كل فرد في أن يعامل بشكل أنساني، واحترام قيمه الثقافية ومعاييره وتقاليده .

3. تأمين حرية كل فرد، وحمايته من العنف والارهاب والحرب .

4. تأمين الحقوق المتساوية لكل من الرجال والنساء.

5. التضامن بين الناس على صعيد شعوب العالم، ومناصرة قيام نظام اقتصادي عالمي عادل.

6. فصل الدين عن السياسة

ومع أن تحقيق السلام بين المكونات الاجتماعية في العراق يحتاج الى زمن بالوصف المذكور في أعلاه، فان الصفحة الأولى من استراتيجية هذا المشروع يجب أن تبدأ بخفض الصراع ين الهويات باعتماد الآتي:

1. احترام كل الهويات، والاعتراف بحق وجودها وتطورها واحترام خصوصياتها، وعدم التعرّض لمعتقداتها وما يخصها من مناسبات، بأستثناء التحليل العلمي القائم على الحوار الموضوعي، بهدف تنقية المعتقد بما ينسجم والحياة المعاصرة، وتصحيح أفكار خاطئة بخصوصه يحملها افراد جماعات أخرى.

2. التفاعل المتبادل بين جماعات الهويات في المناسبات الوطنية والدينية والثقافية والترويحية، بما فيها تبادل الزيارات في المناسبات الخاصة بجماعة كل هوية.

3. ضمان عدم تعريض افراد جماعة اية هوية الى الاحباط الناجم عن حرمانهم من تحقيق حاجاتهم المشروعة،لا سيما الأساسية منها المتمثلة بالطعام والسكن والصحة والتعليم.

أن ما ذكر في أعلاه تحقق في المجتمعات التي نضجت فيها الديمقراطية وصار فيها مبدأ تداول السلطة سلميا" تقليدا" ثابتا". والفرد في هذه المجتمعات يكون معتزا" بهويتيه (الشخصية والاجتماعية)، مانحا" حق الاعتزاز نفسه لأي فرد آخر وأية جماعة أخرى في المجتمع الذي يعيش فيه.. وهذا ما ينبغي أن يتصف به الفرد العراقي بعد أن تغير نظامه السياسي من الدكتاتورية الى الديمقراطية. فكما للعربي الحق في أن يعتز بعروبته، فان للكوردي الحق نفسه في ان يعتز بكرديته، وكذا التركماني والقوميات الأخرى. وكما للسنّي الحق في الايمان بمذهبه فان للشيعي الحق نفسه في الايمان بمذهبه، وكذا الايزيدي والصابئي ومن هو على مذهب أو دين أخر. ومع أن احترابا" رهيبا" راح ضحيته،بعد التغيير، مئات الالاف من الأبرياء على أساس (الهوية)، والمخجل انها كانت احيانا" على الاسم ليس الا، فأن هذا الصراع لم ينتهي بين مكونات المجتمع العراقي، انما دخل في مرحلة هدنة وتوجّس وترقّب . ولأن للهدنة زمنا" محدودا" ينتهي اما بعودة الاحتراب أو العيش بوئام، ولأن عودة الاحتراب اسهل عمليا" وانفعاليا" (باثارة فتنه على نطاق ضيق مثلا")، فان العيش في وئام يتطلب استراتيجية تستهدف اشاعة ثقافة السلام بين المكونات الاجتماعية بالوصف المذكور في أعلاه،وأن يبدأ تطبيقه بالأخطر والمحدد بالصراع بين (الهويات القومية) أولا.فخطره – اذا نشب – سيكون ثمنه أفدح وأقسى من الذي دفع في الاحتراب الطائفي،لأن الجارتين الشمالية والشرقية والعرب الجيران والأباعد سيدخلون العراق ..وسيتحول صراع الهويات الى صراع وجود وافناء ان لم يعتمد قادته ومثقفوه استراتيجية احتواء صراع الهويات واشاعة ثقافة السلام.

ان الدعوات التي تقوم بها القوى السياسية باسم المصالحة او التسوية لن تكون مجدية لسببين: لأنها تكون قد صيغت بما تركز على مصالح تلك القوة التي تقدمت بها،ولأن الشعب فقد الثقة بالقوى والكتل السياسية الحاكمة في العراق. وعليه فان القوى المؤهلة لبناء السلام تتمثل بعلماء البلد ومفكريه والجامعات ومراكز البحوث والدراسات العلمية الرصينة،في مبادرات لنشر الوعي بين الناس كالتي اقامتها جامعة اربيل الدولية..قبل ان تندلع حرب أخرى يتوجه فيها الأخوة الأعداء الى الحرب فيما بينهم حين ينفضون ايديهم من (داعش).

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

......................

* القيت هذه الدراسة في المؤتمر الدولي الثاني: "الذاكرة وبناء السلام بمنظور التخصص المعرفي"، الذي عقدته جامعة أربيل الدولية في 16 نيسان-2017

 

 

ali mohamadalyousifلم يكن الرأي دقيقا بأن الحياة تأخذ مسارات محددة يرسمها ويشترطها بقسر والزام حركتي الزمان والمكان في علاقتهما الجدلية. فالزمان السرمدي الممتد إلى ما لانهاية يمثل علة حركة المكان والكون وما يطرأ عليهما من تغيير وتبديل مستمرين . كذلك بدون الحيز المكاني، كينونة الطبيعة والوجود الانساني لايمكننا ادراك فاعلية الزمن التاثيرية عليه (على المكان والوجود).

ان مسارات الحياة المختلفة المتباينة بعوامل الذاتية والموضوعية كالبيئة ومعطيات العصر مثلا لا تصنعان لوحديهما تاريخا. بل ان للصدفة دورا هاما جدا في صياغة حياة وتاريخ الانسان، بل البشرية عموما، فارادة الانسان مهما كانت بدئية بسيطة في طموحاتها فهي تمثل نزوعا تاريخيا متقدما في مسار تطور الحياة وصيرورتها. كذلك هي حاجات الانسان ورغباته وغرائزه ومداركه العقلية ومعارفه الثقافية والعلمية. واللغة ما هي الا مداميك رسوخ ونجاح الانسان في تطويعه العديد من مسارات الحياة والتاريخ وتحكمه بها من خلال الوصول إلى القوانين العامة التي تطبعها بها وانعكاس كل ذلك طبقا على حياة  المجتمع. ولا يخلو كل ذلك من فاعلية عامل الصدفة إلى جانب عوامل عدة. وذهب الفيلسوف المؤرخ "اشبنجلر" ابعد من ذلك إذ يقول : (ان الانسان مجرد من الإرادة الحرة، إذ ان عليه ان يخضع لمصيره ويذعن فليس الانسان الذي يصنع التاريخ بل ان الحوادث والاحداث هي التي تختار انسانها وتخط  تاريخها).

كذلك فان سبب اختلاف الثقافات وتنوعها بين الامم والشعوب ايضا لا تستطيع الافلات من احكام وتحكم عاملي الزمان والمكان مضافاً لهما كما اسلفنا عامل الصدفة، لكن يأتي في مقدمة تأثير العوامل الثلاثة التي هي عوامل (كونية) دراستنا للانسان، الجزء الاهم الفاعل في الطبيعة كخصوصية ثقافية ولغوية وموروث تاريخي معرفي متنوع وكمحيط جغرافي ديمغرافي كتنويعة مجتمع علميا وحضاريا وتربويا كارادة للتحضر... الخ فمثلا الثقافات الغربية اليوم  بمشتركاتها المتشابهة تقريبا تجعلنا نغلب وصفها بالحضارة أو الثقافة المادية العلمية التي تختلف كثيرا عن معظم الثقافات الشرقية، ذات الهويات المثالية التي من سماتها الافكار الغيبية، الدين والمقدس، الميتافيزيقيا، الروحانيات ... هذه السمات تأخذ جانبا طاغيا في معظم الثقافات الشرقية، اذا ما استثنينا وبتحفظ ايضا اليابان والصين المعاصرتين، واقدم العصور كما في حضارة وادي الرافدين والحضارة الفرعونية وصولا إلى الحضارة العربية الاسلامية، وما يرافقها من اعتياش على موروث ماضوي فقط لايمت للعصر بصلة. ومن هنا يمكننا التسليم بصحة العبارة المقتبسة على لسان الكاتب المبدع سعدون محسن ضمد (ان العرب نظريين اكثر منهم عمليين). ومن الجدير بالذكر ان ما يطبع عصرنا الحاضر حسب احد المفكرين العرب انه:

(قد مضى العصر الذي كان يمكن فيه ان تعيش عدة حضارات في آن واحد، فتوينبي مثلا يعدد ما يقرب من العشرين حضارة انسانية عرفها تاريخ البشرية ومن الطبيعي انه كان بامكان العالم ان يتسع لاكثر من حضارة واحدة في وقت واحد الا ان عالمنا اليوم يصغر تدريجيا حتى يكاد يصبح قرية واحدة، فلقد حولته  وسائل الاتصال ووسائل الاعلام المتطورة إلى مجتمع صغير يكاد يعرف كل من فيه كل مافيه ويكاد كل مافيه يعني كل من فيه، وعالمنا يتجه إلى الاستظلال بظل حضارة واحدة كما تشير كل الدلائل)(2).

ربما توجد انواع من حتمية المسار – سكة حديد – هي التي تختار للانسان موقعه الاجتماعي والعلمي والمهني في الحياة، يساعد في هذا الاختيار المفروض رغبة داخلية يسعى من خلالها الشخص الوصول لهدفه في ان يكون طبيبا مثلا أو مهندسا، فنانا، كاتبا، شاعرا وترفضه مسارات الحياة الاخرى التي هي تكون من حصة الاخرين في ان يكون تاجرا أو عاملا أو موظفا... الخ. برأينا يبقى هذا الامر استثناءات متعددة وليس قاعدة يحكمها قانون عام يحكم الناس والحياة. وقليلون الذين ينطبق عليهم هذا المعيار التوصيفي المهني، فكم مهندسا كانت امنيته في الحياة ان يكون طبيبا ولم يوفق ولم توصله حتمية المسار (سكة الحديد) إلى مبتغاه!؟ وكم طبيبا دخل الطب ومن غير رغبة ولا اهلية حقيقية ولم يكن لحتمية المسار دورا في تحديد مستقبله ايضا ليصبح عالة على مهنة الطب ومستشفياتها!؟ وكم فنانا ومثقفا واديبا يعيشون بين ظهرانينا اليوم وكانت تلك امنيتهم ورغباتهم وحصلوا عليها وكانوا بالنتيجة فنانين وادباء مدعين لامبدعين، ولم تخترهم الحتمية المسار الحياتي، كما ولم تسعفهم قدراتهم الشعرية والثقافية والفنية الا ان يكونوا طارئين ولا نقل فاشلين. اخيرا ورد ص51 من الكتاب : (الانسان يدرك اللون الاحمر مثلا بسبب طبيعة التحسس للالوان الموجودة في عينيه أي ان اللون الاحمر موجود في الطبيعة وبسبب منظومته الادراكية، لكن هذا لا يعني بان الاحمر موجود في الطبيعة وبمعزل عن الانسان ابدا) (هكذا!؟) العبارة غارقة في مثالية فلسفية في تغليب اسبقية الوعي على المادة، ولا مجال لتفصيل هذه الاشكالية الفلسفية لكن نقول ان اللون الاحمر أو الاحمرار غير المدرك من شخص يدركه الاخر أو مجموعة الاشخاص الاخرين وهذا يؤكد ان الاحمر موجود في الطبيعة شاء ام ابى الانسان وبمعزل عنه ايضا ان شاء.

 

علي محمد اليوسف

.....................

الهوامش:

- مرجعية هذه المقالة كتاب (الاوثان) كتاب فلسفي مميز لباحث وروائي عراقي شاب واعد بالكثير، سعدون محسن ضمد.

1. مداخلة في كتاب الاوثان، تأليف سعدون محسن ضمد، منشورات دار الصباح،2006 .

2. د. معن زيادة،معالم على طريق تحديث الفكر العربي،سلسلة عالم المعرفة عدد 115، 1987،ص 47 .

 

تتوطننا نزعة إسقاطية، خلاصتها أننا نجيد حمل الأقواس ورمي سهام "هو" على الآخرين، ولا نريد أن ننظر في ذواتنا ونتفهم سلوكنا وأنفسنا.

جميعنا وبلا إستثناء لدينا هذه الخاصية السلوكية التي نشأنا عليها وترعرعنا في أحضانها ومنذ الصغر وبتفوق نادر.

فأساليب تربيتنا في البيت والمدرسة والمجتمع مبنية على تعزيز النزعة الإسقاطية في لا وعينا الفعال، والذي يأخذنا إلى حيث يشاء دون قدرة منا على توجيه حركته وتحديد نواياه.

وهذه العاهة التربوية قد ساهمت في شل قدراتنا على التعبير والتفاعل الجماعي المتطور مع الحياة، لأنها  تبرؤنا وتنزهنا، وترمي بكل ما فينا  على الآخر المجهول أو المفترض.

وهي التي تساهم بإختراع القميص المناسب لكل مرحلة في حياتنا، لكي نتهمه بما ليس فيه، وإنما لغاية في صدر الغيب البعيد، ولكي تستريح نفوسنا ونبرأ من ذنوبنا وإحساسنا بالخطأ والعجز والمسؤولية.

فقد تربينا على أن سبب الجهل والتأخر والجوع والفقر والحروب هو الآخر الذي كنا نسميه الإستعمار،  وقد أمضينا القرن العشرين بهذا المنطوق التربوي التعجيزي، الذي ما منحنا أية قدرة على الخطو إلى الأمام.

ومضت أنظمتنا العسكرية التي تسمي نفسها سياسية، على هذه القاعدة للحفاظ على بقائها في الكرسي مدة أطول، ولكي تمتص البشر إمتصاصا مريحا ولذيذا،  فما أن تجدها في محنة لا تستطيع أن تعرف لها حلا حتى تنادي بأن السبب "هو"، ولا بد لها من تأكيد "هو" لكي تمضي في تسلطها على رقاب الناس.

ولازلنا إلى اليوم نمارس نشاطاتنا على ضوء قاعدة "هو".

وأصبح كل منا بريء والمجرم "هو".

فترانا عندما نتكلم مع بعضنا نحسب أنفسنا منزهين وعارفين، والآخرين من حولنا مخطئين وجاهلين ومتخلفين، وما نريده من الصفات السلبية التي يمكننا أن نزيدها وفقا لقدرات "هو" الفاعلة في أعماقنا.

ولا نجد أحدا منا ينظر إلى نفسه، بل ما أسهلها علينا أن نتهم ونرجم الآخرين بالسوء، وكل واحد من الآخرين المعنيين، يسلك ذات السلوك، فيكون الفرد من الآخرين، والكل في محنة تربوية صعبة مفادها، تنزيه الذات الفردية وإتهام المجموع وإسقاط الأسباب على "هو".

وتبدو هذه المعضلة التربوية من خلال ما يكتبه بعض الأخوة من المثقفين والمتنورين، إذ يتضح دور "هو" وقوتها في منطق كتاباتهم وتعليقاتهم على الموضوعات القائمة في الحياة والمشكلات التي يتصدون لها، وكأنهم يحملون ذات المنطق الذي كتبت به الأقلام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وربما قد ألغوا القرن العشرين، ومسحوه من الذاكرة والوجدان الثقافي.

فلا زالوا يتهمون الناس بالجهل والتخلف وغيرها من الصفات، وما من أحد منهم يتحدث عن موضوع آخر يمكنه أن يحقق المنفعة الجماعية.

وفي هذا الخضم المتلاطم، تغيب عنا الحقيقة المرة التي خلاصتها أن كل واحد فينا جاهل ومتأخر.

فواحدنا يهمل نفسه ولا يراجع أرشيف أفكاره ومعتقداته، رغم سرعة تطور زمانه وتواكب المستجدات فيه.

وكل مَن لا ينظر إلى نفسه ولا يراجعها ولا يقوّمها فهو متأخر وجاهل، والبعض يقول بالتخلف، وما يوجد عندنا هو التأخر لسوء تعاملنا مع أنفسنا ومع بعضنا البعض بسبب عاهة "هو".

فتبصروا وتفكروا، ولا ترجموا الآخرين بالسوء وتحتكرون الحسنات لأنفسكم فذلك بهتان كبير.

ولننظر في أنفسنا ونهذبها  ونصنع منها وجودا إنسانيا طيبا مفيدا وراجحا، قبل أن نرى ما ليس في غيرنا فنكتب بأبجدية الأوهام ومداد الإنحراف والتشويه. 

فعندما يربي كل منا ذاته سنصنع مجتمعا قويا معاصرا، ونحقق السلام ونسعى إلى إقامة أسس التفاعل الجماعي الخلاق، ونكون أفرادا إيجابيين نافعين في الحاضر والمستقبل.

فمَن يجرؤ على معرفة "أنا" ليرى الآخرين بعيونها لا بعيون "هو"؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

kamal alhardiتأملت الحالة المزرية التي تعيشها أمة الإسلام من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، فوجدت على وجه القطع واليقين بأن تلك الحالة الشعثاء والغبراء والوعثاء ليست سوى صدى لصوت  ارتد نحونا فمزقنا كل ممزق، فصرنا من أردأ الأمم مسلكا" وأسقطها حالا"!! ذلك الصوت الذي صدر عنا ليس سوى إضاعتنا لجوهريات الدين وتشبثنا بشكلياته. فمثلا" تجد حافظا" للقرآن الكريم يتلوه من الدفة إلى الدفة لا يسقط منه حرفا" أو حركة وهو غائب - بسلوكه - كليا" أو جزئيا" عن معانية ومرامية، ولذلك وجدت أن محاولة ترجمة التعاليم القرآنية إلى سلوك هو الخلاص مما نعانيه ونقاسيه من ويلات الحياة وسياطها التي ألهبت ألسنتها ظهورنا. ولنبدأ بالحلقة الأولى من سلسلة (الترجمة السلوكية للتعاليم القرآنية)، والتي سنستعرض في كل حلقة منها آية نستشف منها إضاءات تعيننا على ظلمات الطريق، ثم نعرج على الترجمة / التراجم السلوكية لتلك الآية، وسنستهل رحلتنا بالآية الكريمة : 

(وذروا ظاهر الأثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون) الأنعام : 120

إضاءة

يظن السواد الأعظم من الناس بأن الآثام لا تكون إلا ظاهرة كالكذب والغش والفحش والدماء، في حين أن الآثام الباطنة كالحسد والحقد والخيلاء لا تقل فحشا عن ظواهر الآثام !

إضاءة

الحسد والكبر والحقد والمكر من بواطن الإثم ومن موجبات الجزاء بما يوافق تلك النفايات النفسية التي راجت روائحها الكريهة، فصيرت صاحبها كيسا" للنفايات المتنقلة من حيث يدري أو لا يدري.

إضاءة

الحسد اعتراض على حكمة الله تعالى في تقسيم الأرزاق، وجحود للنعمة أو تقال للنعم التي أولي الحاسد إياها. ذلك الاعتراض ينبت السخط في قلب الحاسد، فتنقدح شرارات نار لا تفتأ أن تصير سعيرا" ترمي بشرر كالقصر، ولا تخبو أوارها إلا وقد أحالت الحاسد إلى قابيل - قاتل هابيل. أما جحود النعمة فيوجب زوالها، وبذلك يغدو الحاسد صفر اليدين وصفر الروح !

إضاءة

الكبر استعلاء في النفس، نجم عن وفرة في مال أو غزارة في علم أو حسن في جسد. والكبر إثم يوجب الصغار عند الله، فالسقوط من أعين الناس، ثم يختم ذلك بنازلة تصيب المتكبر تحطم برجه العاجي، وتشده إلى حضيض الذلة والمهانة.

إضاءة

الحقد شدة التوق للانتقام، والتربص لإيقاع الأذى بالمتربص به. والحقد متلف للنفس، ومظلم للروح، ومفسد للطباع، وفي ذلك من العذاب أشده.

إضاءة

المكر نصب للفخاخ واستدراج للمخدوع حتى تزل قدمه ويوشك عدمه. والماكر غير مدرك لحقيقة أن السهم الخادع لا يصيب سوى مطلقه، وأن الأحابيل لا يقع فيها غير منصبها، فالحياة صدى لا يرتد إلا كالصوت الصادر.

الترجمة السلوكية للآية القرآنية

1. قبل أن تخلد إلى النوم، سامح من أساء إليك لأن في ذلك راحة لبالك ورض لله تعالى. عندما نسامح وكأننا نزيل ملفا ذهنيا فيروسيا، فتزيد مساحة الصفاء النفسي والنقاء الفكري.

2. كلما تصاعدت أبخرة الحسد في نفسك أطفئ وقيدها بتذكر الحكمة الإلهية المطلقة في تقسيم أرزاق العباد، وتذكر النعم التي أولاك المعطي تفضلا وتكرما وتوددا.

3. حين يدعوك مالك للتكبر، اقمع تلك الدعوة بتذكر حقيقة  أنه لو بقي مع غيرك ما وصل إليك. وتذكر لحظة أن يدعوك علمك للزهو أن ارتطام بسيط للرأس على جسم صلب أو حاد قد تفقد معه ليس فقط علمك بل وقدرتك على التفكير في أبسط أمور معاشك، وتذكر أنك إن علمت شيئا فقد غابت عنك أشياء.

4. إن لم تكن تمتهن السياسة  فهذه الوصفة لك، وإما إن كنت من زمرة الممتهنين لها والمعاقرين لمكرها، فتطهر أولا من أدران السياسة لتنتفع بهذا الترياق : قبل أن تزرع شوكة تخز بها الآخرين تذكر أنه سينتهي بها المطاف في عقب قدمك، وقبل أن تنصب فخا تذكر أن أحابيله ستكون طويلة بما فيه الكفاية لتلتف حول عراقيبك وتشدك لتقع في براثن فخك.  الحياة، يا صاح، ليست سوى أصداء للأصوات الصادرة عنا.

 

كمال الهردي:  كاتب وروائي يمني

 

qassim salihyيمكن القول بان العراق هو الوحيد الذي يمتلك ذاكرة حروب تمتد آلاف السنين،وان المجتمع العراقي  يكاد يكون الوحيد بين مجتمعات العالم الذي خبر العنف لأكثر من سبعة آلاف سنة السنين وما يزال!

وأكيد أن الأمر لا يتعلق كلّه بالتركيبة الوراثية، إذ لا يعقل أن (جينات) الإنسان العراقي تختلف عن (جينات) باقي البشر(مع أن البعض يرى أن جينات العراقي تكيفت للعنف)، أو بالمناخ (حرّ شديد وبرد شديد) أو الطبيعة غير المستقرة في العراق وكثرة الفيضانات ...)،  إنما الأمر الأهم يتعلق بطبيعة (الصراع) على السلطة، الذي بسببه تعرض الفرد العراقي الى اضطهاد  وقسوة وظلم  وقهر واستلاب تفوق ما تعرض له البشر الآخرون . فتاريخ  العراق هو تاريخ العنف والدم والمعارك والأهوال والكوارث..ليس من بدء المشهد الكر بلائي وتحوّل السلطة في الدولة الإسلامية الى وراثية،بل الى ذلك التاريخ القديم جدا، الذي يذكر لنا معلومة لها دلالة هي أن المهاجرين الى العراق القديم كانوا من المحاربين الأشداء!

صحيح أن تاريخ أوربا كان مليئا بالحروب، لكنها ودعت العنف وصار توجهها نحو الحياة، فيما نحن نمارسه بأفضع صوره حتى صار توجهنا النفسي يميل أكثر نحو الإفناء، لا سيما في السنوات السبع والثلاثين الأخيرة التي شاعت فيها ثقافة العنف .

والغريب في الأمر،أن السيكولوجية العراقية والإسلامية (بعد أن صارت بغداد مركز الدولة) أشاعت العنف وجعلته الوسيلة الوحيدة لحل النزاعات ولإجبار الخصوم على الطاعة والخضوع . وكانت لا تلجأ الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس أفضل ما في القوم..وهذه خاصية سيكولوجية في العنف، أنها تغلق كل نوافذ التفكير وتحشد كل قوى الحقد والعدوان باتجاه الانتقام.

ان ذاكرة تاريخ العراق الحديث مشحونة بحوادث بشعة،من بينها:

* قتل الملك فيصل الثاني صبيحة 14 تموز 1958، وقطعت أيادي الوصي  وآخرين وطاف بها الناس في شوارع بغداد .

* وقتل في عام 1959، وسحل بالحبال، وعلّق على المشانق، أشخاص في الموصل وكركوك .

*  وقتل عبد الكريم قاسم في رمضان 1963، وشوي في الشهر نفسه بالنار سكرتير الحزب الشيوعي العراقي وعدد من أعضاء الحزب وهم أحياء، وآخرون محسوبون على نظام قاسم جرى التمثيل بهم   .

* وعقب هزيمة الجيش العراقي في الكويت عام 1991، وصل العنف بالعراقيين أنهم وضعوا إطارات السيارات في رقاب عناصر من البعثتين وأحرقوهم وهم أحياء  .

* وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في 1988 أبيد اكثر من مائة وثمانين ألف كوردي في عمليات الأنفال، وأحرقت آلاف القرى الكوردية، فضلا عن مجزرة حلبجة المعروفة .

*  وفي عام 2003 اكتشف العشرات من المقابر الجماعية تضم رفات آلاف العراقيين، بينهم نساء وأطفال دفنوا وهم أحياء .

وتبين أن السلطة في نظام الطاغية استعملت وسائل العنف في التعذيب حتى مع من كان موضع شبهة، مثل وضع الشخص وهو حي في الأحماض التي تذيب اللحم والعظم، والكي والحرق وتقطيع الأعضاء .

ويخطئ من يرى أن هذا التفنن في العنف كان من مبتكرات النظام السابق، بل هو في الأصل  (إرث سيكولوجي) من الأنظمة السابقة التي حكمت العراق، منذ أن صارت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية لألف عام .  ففي هذا الإرث مشاهد من العنف قد تكون أكثر بشاعة وإهانة لقيمة الإنسان، إليكم واحدا منها :

في عام 291هج جاء جنود السلطان بالقرمطي (الحسين بن زكرويه) ومعه أكثر من ثلاث مائة من اتباعه، وقد وضعوا في فمه خشبه مخروطية وشدت الى قفاه كهيئة اللجام . وأمر الخليفة (المكتفي) ببناء دكه في المصلى العتيق . وتجمهر الناس، وجيء بالأسرى يتقدمهم  القرمطي، فصعدوا به الى الدكة وقدّم له أربعة وثلاثون من الأسرى وقد قطّعت أيديهم وأرجلهم  وضربت أعناقهم واحدا بعد واحد . ثم قدّم كبيرهم فضرب مائتي سوط، وقطعت يداه ورجلاه وكوي ثم أحرق ورفع رأسه على خشبه، وصلب بدن القرمطي في طرف الجسر الأعلى الواقع في بغداد طبعا .

وكان العراقي أكثر بني البشر-  في زمانه -  تعرضا للقسوة والذلّ والإهانة. ففي زمن الخلافة العباسية فقط، ضرب الحصار على بغداد اكثر من عشر مرات، أضطر الناس فيها الى أكل القطط . وفي زمن الخلافة العثمانية  (حوالى 500 عام) كانت حتى العشائر في الريف تتصارع من أجل السيطرة . وكانت بغداد تنهب وتدمر وتهان لألف عام من الظلم والطغيان وإذلال أهلها من  قبل الغزاة. والحقيقة - التي تعيد نفسها اليوم  – أنه حيثما حكمت بغداد أو احتلتها سلطة أجنبية، ساد العنف كل أرجاء العراق .

الشخصية العراقية ..وسيكولوجيا الخلاف مع الآخر

كان لديّ شك يتاخم اليقين أن الشخصية العراقية أكثر ميلا الى الخلاف مع الآخر منه الى الاتفاق. وتحول هذا الشك الى يقين بعد أحداث السنوات التي تلت عام 2003، فرحت أبحث عن اسبابه فوجدت أن هذه الصفة ليست من صنع حاضر قريب او بعيد، انما تعود الى تاريخ يمتد الاف السنين، وانها ليست ناجمة عن سبب بعينه (القول ان العراقيين جبلوا على هذه الصورة مثلا) انما عن شبكة معقدة من الأسباب تفاعلت فيما بينها فأنتجت الشخصية العراقية بهذه الصورة .وقبل استقصاء عدد من هذه الاسباب اودّ ذكر معلومة قد تبدو جديدة للبعض.

هنالك نظرية في الشخصية تسمى النظرية التطورية   Evolutionary   ترى أن المورّثات " الجينات" السلوكية تخضع لقانون الانتخاب الطبيعي فتعمل – عبر التاريخ التطوري للانسان -على تقوية مورّثات "جينات" سلوكية معينة واضعاف مورّثات اخرى (مقارب لقانون دارون:البقاء للأصلح). وهذا يعني أن الأحداث التي عاشها الانسان عبرتاريخه التطوري تدخلت في عمل المورّثات "الجينات "  بثلاث صيغ : تقوية مورّثات معينة، واضعاف أخرى، ودثر أخرى.

تأسيا على ذلك فاننا – أبناء هذا الجيل من العراقيين – لسنا فقط نتاج تكويننا البيولوجي الخالص،انما ايضا نتاج ما صنعته الأحداث من تأثير في مورّثات " جينات " أسلافنا العراقيين . ولك أن تقول: ان " جيناتنا "الحالية مشّفرة أو مسجّل في ذاكرتها الأحداث التي عاشها أجدادنا، وأننا نقرأ عناوين هذه الأحداث ونرى صورا منها عبر سلوكنا وتصرفاتنا.

ولكي  لا يساء الفهم او يستنتج من قولي هذا أنني أميل الى تغليب العوامل البيولوجية في تكوين الشخصية، فانني أعدّ الذاكرة بموروثها الثقافي من أهم عوامل تكوين الشخصية.  وأعني بالثقافة : القيم  "بأنواعها الستة " والاتجاهات والمعتقدات والمعايير والفنون والآداب والعلوم ..وكل ما ينتجه المجتمع وينتقل عبر اجياله . وأزعم أن الثقافة - بالمفهوم المعرفي – تعمل على تكوين " مركز سيطرة" داخل الفرد يقوم بتوجيه سلوكه نحو أهداف محددة، وأن الاختلاف بين الأفراد، في سلوكهم وتعاملهم مع الناس والأحداث، يعود في واحد من أهم أسبابه الى مركز السيطرة الثقافي المعرفي هذا .

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

ali mohamadalyousifمقدمة البحث: تناولت في هذا البحث الاشكالية الخلافية في عولمة اللغة الانكليزية ثقافيا، هل هي حقيقة واقعة من العبث محاولة الاستغناء عنها، ام هي محاولة اورو – امريكية، بامكاننا دحضها وايقافها من ان تصبح تمثل احد جوانب تصدير مفاهيم العولمة كما في ظاهرات عولمة السياسة والاتصالات والتكنولوجيا المعقدة،والمعرفة والمعلوماتية،عالجتٌ قدر المستطاع وبسطتٌ موضوعة تعالق اللغة الانكليزية في ما يعرف بمصطلحي الغزو الثقافي العربي، والاختراق الثقافي العولمي، كأنماط تأثيرية مرتبطة بالمقولات الفكرية والفلسفية لما يراد من عولمة اللغة الانكليزية على كافة سكان وامم وشعوب العالم اليوم، ومايراد للانكليزية كلغة و اساليب حياة من هيمنة في جعلها لغة التابع "المركز" بالمتبوع " الاطراف " .

ومن تحصيل حاصل تاثير الانكليزية الازدواجي في تداخلها العميق بعملية الخلق الابداعي في الاجناس العربية الادبية والفنون، كما في الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والمسرح، و التشكيل الفني "الرسم والنحت"، فألادباء والمثقفين العرب يستقبلون الانكليزية في تحديث معارفهم وتجاربهم الادبية والفنية بطريقتين، منحى التعرف على التجديد الحداثي ومدارسه  وفلسفته اما بتعلم واجادة اللغة الانكليزية قراءة و كتابة، او بالاطلاع المعرفي الثقافي المستمد من الكتب المترجمة المعربة عن مصادرها الانكليزية والفرنسية وغيرهما من لغات اجنبية.

من جهة ثانية فإن انتقال الانكليزية من مرحلة الغزو الثقافي ممثلا في استنساخ اساليب ومفاهيم ومدارس الحداثة الغربية، ومحاولاتنا تطويع كل معطيات ثقافتنا العربية، واجناسها الادبية لتلك المفاهيم الحداثوية بكل ماتحمله من سلبيات تصادر كل الجوانب الايجابية، باتت مسألة خلافية شائكة دارت مناقشتها واستغرقت مايقرب النصف قرن من الاخذ و الرد، من دون حسم شافٍ .

كذلك تناولتُ المؤثرات الاختراقية للغة الانكليزية على صعيد التعليم والتربية في مراحلها ماقبل الجامعية، وتاثيرها الذي ليس بمقدورنا مواجهته او رفضه، في اعتمادنا انتشار الانكليزية ليس على صعيد التعليم الجامعي العلمي و حسب، وانما على صعيد ادارة المصارف ومؤسسات الاقتصاد والسياسة، وتغلغل التكنلوجيا في مرافقنا الحياتية، وهيمنة النمط الاستهلاكي وتقليده، بل التطرف به، كذلك اصبحت الانكليزية والى جانبها باقل درجة الفرنسية في التعليم الجامعي وفي إرسالنا البعثات الدراسية للخارج بالمئات سنوياً، يجعل من الانكليزية لغة " أم " في التحصيل العلمي، اكثر من فاعلية لغة الام " العربية " في مجال استيعاب العلوم المتطورة الضرورية في رسم معاصرتنا للعالم .وهي مسألة لا غنى لنا عنها في ان نتقبل الانكليزية كلغة أم في التحصيل العلمي والمعرفي.

اجد هنا انه لاغنى لنا عن القبول باللغة الانكليزية و الفرنسية وغيرهما كلغات تحصيل علمي، وان نتخذ من لغتنا العربية لغة سلوك اجتماعي وهوية وتفاهم،وثقافة متبادلة في جميع اقطار الوطن العربي، وبغير ذلك نبقى نراوح بين الهوية والمعاصرة الى امد طويل قادم، وهذا يعني الانتحار البطيء الإرادي لأن في التهميش غير المقدور ايقافه عربياً للانكليزية وغيرها من لغات العالم المتحضر يجعلنا نعيش أكثر على هامش المعاصرة وعدم الاسهام في صناعة التاريخ الانساني الحضاري.

ان في اعتمادنا الانكليزية لغة تحصيل علمي في مختلف انشطة تحديث المجتمعات العربية، رغم دفعنا لضريبة التحديات التي تواجهنا كجانب عرضي مهم لهذا التوظيف للغة الاجنبية، في تهديدها طمس بعض الملامح الهوياتية الخاصة بنا، وكذلك في تهجينها بعض خصوصيات مجتمعاتنا العربية، التي يتوجب علينا ضرورة المحافظة على سماتها ومميزاتها الثقافية والتراثية والحضارية، وقد جرت مناقشة هذه الاشكالية الخلافية في احد مواضيع كتابي بعنوان (اشكالية الثقافي/مغايرة التجاوز والتجديد).

وفي ذات الموضوع اشرت الى تجارب دول مثل الهند وبعض دول اسيا و افريقيا وامريكا اللاتينية، ودول جنوب شرق اسيا، فهي تعرضت الى غزو ثقافي، واختراق ثقافي مزدوجين في توظيفهم اللغة الانكليزية كلغة تعامل يومي اجتماعي الى جانب اللغات الام لديهم، وبعضهم جعل من الانكليزية ليس لغة تحصيل علمي على مستوى التعليم الجامعي فقط، وانما في اعتمادها رغما عنهم كلغة ادارة مجتمع في مختلف نواحيه، عليه تكون الانكليزية وسيلة تحديث بالنسبة للمجتمعات العربية لا نمتلك ازاء رفضها او الامتناع عن استخدامها حق الاختيار فهي الوسيلة المتقدمة التي تصلنا بالعصر ومعايشة التطور عالميا .على صعيد تطوير العلوم الجامعية واستيعاب بعض حلقات التكنولوجيا المتطورة والمعارف الحديثة .فأين سيكون موقع لغتنا العربية من هذا التحديث العولمي .هذا ما اردت الاجابة عنه في البحث المرفق.

التداخل الوظائفي -المعرفي والهوياتي للغة العربية

بدءا اود التنبيه ان مفهوم (الاختراق الثقافي) هو مفهوم تداولي عصري عولمي، أخذ حيز التنفيذ عالمياً، متجاوزا ما سمي بالغزو الثقافي، واحيانا يمهد الغزو الثقافي الطريق لتمرير الاختراق الثقافي، وفي بعض التجارب الدولية للشعوب المخترقة ثقافيا، يأخذ كل من الغزو الثقافي والاختراق تأثيرا متلازما متكاملا في تعضيد هيمنة وظيفة احدهما للآخر وتحقيق هدف التبعية الثقافية حول التمركز الامريكي العولمي.

وأجد منذ البداية، وهي وجهة نظر خاصة، ان عولمة اللغة الانكليزية ثقافياً – حضارياً، هي حتمية وضرورة تاريخية بالنسبة لاقطار الوطن العربي من الصعب الخلاص منها بسهولة، قبلوا ذلك أو رفضوه، ومن المرجح ان الاختراق الثقافي للوطن العربي بات واقعة ثقافية يجري تنفيذها، وهو يستتبع عولمة السياسة والاقتصاد المفروغ منهما عربيا.

وعن واقعية الاختراق الثقافي للوطن العربي يجمل المفكر محمد عابد الجابري اسبابا ثلاثة عامة هي: اولا تعرض العالم بما فيه اوربا نفسها لاختراق ثقافي أمريكي، ثانيا هي ان العالم غير الاوربي وفي مقدمته الوطن العربي معرض لاختراق ثقافي مركب ومضاعف، أمريكي، أنكليزي، فرنسي، ثالثا التنافس على اختراق العالم الثالث ثقافيا من طرف امريكا من جهة، وأوربا من جهة ثانية.

وبعد تراجع الغزو الثقافي الانكلو – امريكي للوطن العربي الذي اصبحت وسائله بعد عصر تكنولوجيا الالكترونيات، ووسائل الاتصال السمعية البصرية، من أرساليات تبشيرية، ورحلات استكشافية، واستشراق، وسينما، وآداب وفنون وتراجم اصبحت كلاسيكية التأثير، وأمست في معظمها من مخلفات عهود التبعية الاستعمارية ونتائجها، اذ اصبح البلد المغزو اقتصاديا وسياسيا يكون بالضرورة مغزواً ثم مخترقا ثقافيا. وقد جاء مفهوم الاختراق الثقافي المصاحب للعولمة في ميادين السياسة والاقتصاد والاتصالات والمعلوماتية، وتكنولوجيا الانترنت المعقدة، والاستفراد الامريكي بالعالم بداية القرن الواحد والعشرين، تهديداً مباشراً كما اشرنا لمعظم أرجاء العالم بقاراته ودوله، حتى الدول الأوربية مشمولة بالاختراق الثقافي الانكليزي اللغوي الأمريكي، ومفهوم الاختراق الثقافي في التطبيق والتنفيذ لا تقتصر اشتمالاته في عولمة التعليم الجامعي بالانكليزية، وفي الثقافة والآداب والفنون حسب، وانما يتعدى ذلك ليشمل تعميم النموذج الامريكي في مظاهر الاستهلاك اللامعقول، ومجالات الترفيه العام، والتسلية وقضاء اوقات الفراغ، وتقليد الازياء وموضات الزينة رجالا ونساءا، وتحضير الذهنية والذوق العام لتقليد النموذج الامريكي السائد سلوكيا في كل شيء تقريبا.

الا ان اهم عامل في الوصول الى ماذكرناه، يعتمد عولمة اللغة الانكليزية، وجعلها وسيلة مركزية في مستلزمات الحياة، وعولمة تبعية الشعوب الثقافية بالتعامل الوظائفي الاستخدامي لها، ربما باكثر من اعتماد اللغات الوطنية الام في المجتمعات المخترقة.

وفي مثالٍ عابر صرح اكثر من مسؤول استراتيجي بريطاني وامريكي في نبرة نشوة استعلائية الى ان ما استطاعت اللغة الانلكيزية تحقيقه في الغزو الثقافي والاختراق لبلدان في جميع انحاء العالم على امتداد التاريخ الحديث والمعاصر، بدءا من الاستعمار القديم وصولا الى عصر العولمة، هو اكبر انجاز حضاري يحسب لكل من بريطانيا وامريكا حققتاه بنجاح. ونتيجة ذلك لم يعد عالم اليوم بمقدوره الاستغناء عن اللغة الانكليزية في تمشية مجمل امور الحياة، وتواصل الشعوب وعلاقتها بالآخر على كافة الصعد والاشتمالات التمدينية، وان اللغة الانكليزية الامريكية غدت لغة التواصل الوحيدة على النطاق العالمي. واجبر ذلك دولا عديدة في اوربا واسيا وافريقيا وامريكيا اللاتينية واستراليا ذات التنوع الاثني الديني الثقافي، اعتبار تعاملهم بالانكليزية لا غنى عنه، وبعض هذه البلدان لم تكتف مرغمة ادخال اللغة الانكليزية في مراحل التعليم وصولا للجامعي، وانما ادخلت الانكليزية في ادارة مؤسساتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، وتعمق هذا الاعتماد على الانكليزية لدى الشعوب المخترقة حتى اصبحت جزءا لا يتجزأ من الثقافة المجتمعية الوطنية العامة، واصبح التداول بالانكليزية في تلك البلدان تحصيل حاصل تبعيتها السياسية والاقتصادية لبريطانيا وامريكيا قديما وحديثا.

الا ان عولمة اللغة الانكليزية كلغة حياة متداولة عالميا، متسيدة متفردة، اصطدمت أوربيا بعقبتين رئيسيتين : الاولى هو استحالة دمج وترجمة وصهر لغات جميع او اغلب البلدان الاوربية العريقة، المتباينة المختلفة ثقافيا، فهي تمتلك حصانة في عدم الاستجابة للاختراق الثقافي الامريكي، كما هو الحال في بعض جوانب السياسة والاقتصاد، بما اصبح على انكليزية الامريكان امرا عصيا على التنفيذ ألاختراقي. ورغم كل هذا الاستهداف فأن، دول اوربا تعمل ضمن السوق الاوربية المشتركة، وفي الاتحاد الاوربي على تعميق استقلاليتهما وتحصين نفسيهما ضد العديد من مجالات تعميم اختراقات العولمة الامريكية، بالخصوص عولمة اللغة الانكليزية وتوظيفها الثقافي الاختراقي اوربيا.

من الواضح ان دول اوربا الغربية لديها اعتزاز بخصوصياتها الثقافية، وبمواريثها الحضارية، وكذا الحال مع دول اوربا الشرقية، فهذه لديها خصوصية ثقافية مميزة عريقة، قبل ضمها تحت هيمنة النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي القديم، والامر الاخر ان هذه الدول سبق لها تجربة حين عجزت الشيوعية عن صهر وادماج الملامح الثقافية الحضارية والاثنية والدينية المنوعة الأصيلة لتلك الشعوب، في بوتقة ثقافية يتزعمها الروس في حكم الاتحاد السوفيتي.

صحيح نجد اليوم ان بعض شعوب اوربا الشرقية بعد خلاصها من النظام الشيوعي، اخذت (تتأمرك) في تقليد النمط السلوكي الثقافي والاجتماعي في مظهري (الموضة) و (الاستهلاك) فقط على الطريقة الامريكية، وتأثير هذين المظهرين في عمق التوجه الثقافي الاستراتيجي لتلك البلدان محدود الفاعلية والعمق الاختراقي، لان اوربا الشرقية عموما ينقصها الثراء المادي والمالي في إمكانية تقليد ومجاراة النموذج الاستهلاكي الامريكي المهووس.

العقبة الاوربية الثانية بوجه الاختراق الثقافي الامريكي، هو فرنسا بكل ثقلها وتاريخها السياسي الثقافي الحضاري، فهي تعتبر نفسها الند المكافئ لامريكا المتقاطع معها في العديد من الامور على المستويات السياسية والاقتصادية وقضايا الشعوب وغيرها، وان كانت المشتركات في التقارب بينهما مهمة وليست معدومة تماما، خاصة في عهد الرئيس السابق (نيكولاي ساركوزي) فنجد فرنسا تعمل ضمن الوحدة الاوربية السياسية و الاقتصادية، وهي ايضا مع توحيد العملة (اليورو) رغم التحفظ البريطاني الممتنع عن دمج وتوحيد الجنيه الاسترليني بالعملة الجديدة (اليورو) وتوحيد العملة في اوربا الاتحادية, ولاحقا انفصالها عن الاتحاد الاوربي.

لكن فرنسا تمتلك استقلالية ثقافية وتحصين حضاري متوارث يصعب معه عولمة الاختراق الثقافي معها بطواعية وتابعية، فهي تنظر لنفسها باعتزاز ثقافي حضاري، يفوق بتقديرها وهي محقة بذلك الوافد العولمي الثقافي الامريكي الذي يحاول استهدافها، بالقياس لعراقة وتاريخانية اللغة الفرنسية، ان لم يكن بعد الثورة الفرنسية عام (1789 – 1799م)، فقبلها او رافقها ايضا ابان الحروب الفرنسية الانكليزية، وحروب دول اوربا قاطبة مع بعضها البعض كالالمان والطليان والهولنديين والاسبان...الخ وكذلك ما فعله الاستعمار البريطاني لامريكيا (1607م)، وما خلفه وراءه من حروب اهلية امريكية، وحرب تمييز عنصري قاس بين السود والبيض امتدت حقب وسنين طويلة.

مايهمنا كعرب في عولمة اللغة الانكليزية نشير الى سوريا البلد العربي الوحيد بحسب علمي الذي اقدم على خطوة تعريب التعليم الجامعي، ونجحت بذلك نجاحا (نسبيا) في تحقيق مادون المطلوب، وتلبية الطموح، بما لايشجع الدول العربية الاخرى الحذو والاقتداء بالتجربة السورية، ويرجع المؤرخ اللبناني أحمد بيضون ان التعريب في بلاد الشام بدأ قبل الاسلام اذ حلت اللغة العربية محل الارامية والسريانية. والتعريب الجامعي في سوريا او غيرها من الاقطار العربية لايحل ولا يلغي مشكلة وعقدة ضغوطات عصر العولمة علينا، ورغبة وضرورة افادتنا من التقدم العلمي والتكنولوجي الامريكي والغربي عموما، وحتى الاجنبي من اليابان والصين وكوريا الجنوبية. ولن يكون التعريب الجامعي عامل مساعد، ولا بمقدوره ان يبطل فاعلية واهمية تواصلنا الثقافي والحضاري مع الاخر، سواء بعولمة الانكليزية او الفرنسية، وان كانت سوريا حققت في التعريب الجامعي خطوة متفردة عربيا كانت تحصينا ثقافيا على مستوى الداخل المجتمعي فقط من الاختراق الثقافي، كما يمكننا الاشارة بالمثل الى تجربة الجزائر في التعريب مجتمعيا داخليا ايضا لمراحل التعليم عندها ولم تتقدم باتجاه تعريب التعليم الجامعي بعد الاستقلال الوطني فالفرنسية لغة أم في التحصيل العلمي والافادة المعرفية حضارياً.

وما هو جدير بالاشارة ايضا ان عامل اللغة العربية تحديدا مع بدايات ما يعرف بعصر النهضة العربية، وقبلها وعلى مر عصور طويلة بقي فاعلا في الحفاظ على الهوية العربية، وخصائص الذات الحضارية التراثية الاسلامية، ليس دينيا فقط عن طريق تلاوة وتداول وشرح وتفسير سور وآيات القرآن الكريم فقط، وكذا الحال مع فتح وانشاء المدارس الحديثة في مراحل التعليم الابتدائي خلفا لما كان سائدا (الكتاتيب).

بقيت كل من اللغتين الانكليزية والفرنسية ابان الاستعمار القديم، لغة (نخبة) سياسية حاكمة مع حاشيتها طارئة غريبة في معاملتها معاملة الاحتلال الاجنبي للبلد والوصاية عليه، بمعنى ان الغزو الثقافي للانكليزية والفرنسية استقطب فقط، بعيدا عن المجتمع الطبقة الاقطاعية الغنية المتحالفة مع مصالح الاستعمار، تسندها في ذلك تحالف برجوازية راس المال العربي الناشئ، وهذه النخبة كانت المستفيد الاول والاخير من الغزو الثقافي ألاختراقي الذي ساد العصر آنذاك. ولم تستطع اللغتين الانكليزية والفرنسية ان تحلا محل اللغة العربية وتوظيفهما بالتعامل التعليمي الثقافي مجتمعيا، باستثناء إرسال البعثات الجامعية. وباستثناء انشاء وبناء معاهد وجامعات فرنسية وأمريكية في بعض الأقطار العربية أيضا، ليس فقط لان الانكليزية والفرنسية لغتان مرفوضتان وطنياً وحسب، ولكن كون المجتمعات العربية وقت ذاك تتفشى فيها الأمية الأبجدية والثقافية بشكل كبير، عليه كان من الصعب على لغة أجنبية استيعاب المجتمع اختراقيا ثقافيا، ويبقى اثر زرع بعض المعاهد الفرنسية والجامعات الأمريكية في بعض أقطار الوطن العربي هو تحقيق غزو ثقافي بانت آثاره بعد الاستقلال الوطني لاحقاً.

وكل هذا التحصين القديم لا يمنحنا اليوم تفويضا عقلانيا بعد مرور أكثر من مائة عام في سيرورة وتطور المفاهيم المعرفية من حولنا في الثقافة والأدب والفنون وأساليب الحياة، في أحقية ومشروعية انكفائنا الذاتي وتقوقعنا الثقافي عن مسايرة واللحاق بالركب العالمي في التقدم العلمي والتكنولوجي والاتصالاتي، وتبادل القيم والحوار الحضاري مع الاخر في عصر العولمة في محاولة إلغاء الانكليزية كمصدر تثاقف حضاري.

ورغم اننا نقوم ومنذ عشرات السنين بانفتاحنا التام على ادخال الانكليزية ترافقها الفرنسية في مناهج التعليم عندنا وفي جميع اقطار الوطن العربي، وعن طريق ارسالنا البعثات الدراسية الى الخارج، فلا زال الانغلاق والتحسب والقلق قائما على صعيد التحصين الثقافي من الغزو والاختراق للحفاظ على خصائصنا المميزة قوميا وفي مقدمتها محافظتنا على لغتنا العربية، وهذا يعطي للطرف المتسيد (المركز) انطباعا زائفا باننا كعرب غير جديرين بأدنى اسهام فاعل في صنع الحضارة العالمية، في مخافتنا الافادة من جوانب عولمية ايجابية قد يأتي بعضها في ان تصبح تلك الايجابيات بمرور الوقت في تعاملنا الانفتاحي عامل مراجعة نقدية عصرية، ثقافية حضارية شاملة لجميع موروثنا، ونقده وتشذيبه بعقلانية، لا تقبل بها ايديولوجيات سياسية متطرفة متنفذة، وقوى سياسية لا تفهم التعاطي مع العصر باكثر من استيراد ديكور الحكم. وجانب التحاور الثقافي مع الاخر يكون بايجابياته المتوقعة، اكثر من سلبياته الحتمية التي تعتبر هامشية وغير ذات قيمة حقيقية، قياسا بالمنجز المرجو والمتحقق في معايشتنا للمعاصرة والعالم علميا وثقافيا.

ونحن بالتأكيد ليس بحاجة الى تزكية تأتينا من أحد، لكن يبقى ما تطرقنا له عامل مهم في ان نجد على سبيل المثال توماس فريدمان الفيلسوف الامريكي المعاصر يستثني العرب من أي اسهام حضاري مستقبلي للعرب في صنع الحضارة العالمية المعاصرة – لا تكفي هنا ردود الافعال الانفعالية بالرد – ويعزو ذلك مخافة العولمة الامريكية من تحقيق اختراق ثقافي عربي حضاري، هو بالاصل مسبوق بعولمة سياسية اقتصادية لاقطار عربية عدة، ان لم يكن جميعها، زاعما فريدمان ان هناك اسبابا كامنة في صلب ثقافتنا العربية تحول بيننا وبين تحقيق ذلك الاسهام، مستثنيا (العربية) من ضمن ثقافات عالمية كالصينية والهندية متهما العربية بانها ثقافة منغلقة بصورة مترسخة تعوق انفتاحها على الفضاء العالمي، وما يتيحه من فرص متساوية للمشاركة في صنع حضارة العصر، فالعالم كما يزعم فريدمان قد صار سهلا مسطحا بفعل العولمة، خاليا من كل ما يعوق المشاركة والتعاون في ظل جو من حرية المنافسة وتكافؤ الفرص( ).

بالعكس من هذا يرى المفكر الجابري: ان العولمة الراهنة هي ايديولوجيا تطمح احتواء كل انشطة الانسان وممارساته وعلاقته وافكاره وقيمه ومعتقداته، وأمور تنميته، وصحته، وشغل اوقات فراغه بالاضافة الى كل ما يتعلق بالسيادة والهوية وحقوق الاقليات والملكية الفكرية، والعولمة بحسب الجابري ليست آلية من آليات التطور الرأسمالي، بل هي ايضا ايديولوجيا تعكس ارادة الهيمنة على العالم.

نخلص فيما يهمنا عن دور اللغة العربية امام الاختراق الثقافي الامريكي في توكيدنا للذات العربية من جهة، والانفتاح المعاصر لتلافي نقصنا في مجال العلوم بجميع اشتمالاتها والتكنولوجيا المعاصرة الالكترونية المتصاعدة من جهة اخرى، هي في ان نحتذي ونستفيد من التجربة الهندية، اذ كما هو معلوم ان بريطانيا استعمرت الهند (1858- 1947م)، اي مائة عام تقريبا،لم يبق من يعرف الف باء القراءة والكتابة عندهم، لا يجيد التحدث بالانكليزية لكن مع كل ذلك بقيَ المجتمع الهندي محافظا على موروثه الحضاري، ومرتكزاته الفكرية الثقافية، وحتى الدينية المتعددة بين المسلمين والهندوس والسيخ، في اعتمادهم اللغة الهندية الام وفروعها الاثنية لغة تعامل محلي يومي اجتماعي صرف، وفي مختلف شؤون الحياة، والدوائر الحكومية، ومع كل ذلك اعتمدوا الانكليزية بعد رحيل المستعمر لغة تبادل وتكامل حضاري وعلمي وثقافي مع العالم. ويمكننا التعميم اكثر بالاشارة الى بلدان اخرى مشابهة للهند في تجربتها (اللغوية) الحضارية، تمتلك تنوعا دينيا واثنيا يفوق التنوع الهندي باضعاف واكثر مثل (إندونيسيا)، وكذا اليابان وكوريا الجنوبية، كما يوجد امثلة مخالفة سيأتي التطرق لها لاحقاً، ففي سنغافورة على سبيل المثال كما يذكر الاستاذ سليمان العسكري استطاع الاختراق الثقافي الذي استقطبته اللغة الانكليزية الى ان تصبح سنغافورة بأيدي المهاجرين اليها بالكامل.

يذكر المفكر الجابري ان لغات شعوب العالم مقدسة وليست محترمة فقط. ويضرب لذلك مثلا انه في زيارته لليابان، وجد اعتزاز اليابانيين بلغتهم اكثر من اعتزاز العرب بلغتهم، وكمظهر واحد فقط للتدليل على ذلك اشار الى ان اليابانيين في الندوة التي حضرها، والتي كانت الانكليزية اللغة الرسمية في اعمال الندوة كانوا يتدخلون كلهم باليابانية، ويتركون الترجمة الفورية، لتترجم كلامهم الى الانكليزية او العربية، هذا في حين كان جميعهم يتكلمون الانكليزية، وحين وضعوا الواح الاسماء على طاولات الندوة كتبوا اسماء اليابانيين باليابانية وحدها، واسماء الوفود الاخرى بالانكليزية، فعلوا ذلك من دون أي شعور بالنقص، ومن دون أي شعور بالتقصير في حق الضيوف وهم جميعا لايعرفون اليابانية. ويروي انه كان في زيارة الى اسبانيا وطلب مكالمة هاتفية من بدالة القسم الدولي وكان يتحدث بالفرنسية، فاجابته موظفة البدالة: انت الان في اسبانيا وعليك التحدث بالاسبانية وقطعت الخط.

فهل يحذو العرب امام خطر تحسب الاختراق الثقافي العولمي ان لم يكن قائما الآن حذو سوريا في التعريب غير الكامل وغير الناجح، وما طرحته الجامعة العربية في مقترح النظر بتعريب مناهج التعليم بمراحله كافة؟ وهو طريق صعب محفوف بالمخاطر وسلبياته تطغى على ايجابياته في افتراض نجاح التطبيق والتنفيذ، وهو يقود حتما الى الانزلاق في التقوقع والانغلاق عن التواصل ثقافيا بالعالم، وفي ابقاء مراحل السبق العلمي الحضاري الثقافي للغرب علينا الى مديات اوسع من الحالي، تكبر وتتوسع بمرور السنين بما يضعنا على هامش التاريخ الحضاري الحي المتطور في العالم من حولنا، اكثر مما نحن فيه.

نجد وهو مقترح ان اعتماد وتوسيع السائد حاليا في معظم البلدان العربية، بأن لغة الوطن العربي الام في داخل الاقطار العربية، يجب ان تكون غيرها لغة التخاطب والتعامل الحضاري مع الاخر، ونتقبل بحكم الضرورة اللغة الانكليزية او الفرنسية المرادف التكميلي للعربية في تسهيل تعاملنا مع العالم الخارجي، وان نتعامل مع الانكليزية لغة اتباع علمي حضاري في تعاملنا مع دول العالم، واكتسابنا مقومات المعاصرة والتحديث، وتبقى في هذا المنحى الانكليزية ليست لغة اختراق مجتمعي داخلي، يضيع الهوية المحلية والقومية، ويفرط بالذات الثقافية. والغاء خصوصيتنا الذاتية الحضارية من خلال اختراق الانكليزية ثقافيا، وهذا احتمال غير مرجح ولا يكتسب مقبوليته، كون اللغة العربية محصنة بارتباطها الوثيق، بلغة القرآن الكريم وكذلك في العربية لغة الفصحى في الكتابة والقراءة وسيلة اتصال العرب اللغوي والثقافي في أوطانهم مع بعضهم الاخر مما يبقي اللغة العربية، لغة ادب وثقافة محلية وطنية قومية دينية، تستوعب لهجات الاقليات والطوائف من جهة وتحتوي ايضا اللهجات العامية التخاطبية في الكلام اليومي وهذا يجعل من تعاملنا مع دور اللغة الانكليزية لغة خطاب علمي وتبادل ثقافي حضاري ومعرفي معاصر مع الاخر المسبوقين عنه بمراحل زمنية تاريخية طويلة للحاق بركب تقدمه المتصاعد بالايام، مسألة ضرورية لاغنى لنا عنها.

في دول مجلس التعاون الخليجي العربي الوضع مختلف تماما بما تحدثنا عنه من التحسب العقلاني للاختراق اللغوي الانكليزي مجتمعيا، ففي مقال افتتاح رصين للدكتور سليمان العسكري تحت عنوان (اقتلاع الجذور وتنمية الضياع)، مجلة العربي العدد 647 – تشرين الاول 2012 تحدث الاستاذ العسكري بالارقام والشواهد المحزنة والمرعبة عن مسألة الاختراق الثقافي في دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مثال يسوقه ان اللغة الانكليزية اصبحت في مجمعات منعزلة للوافدين من غير العرب في البحرين وعمان وقطر والامارات والسعودية، لغة رسمية من التعليم الابتدائي وانتهاء بالمدارس الخاصة، وبمرور الوقت تنامى نفوذ وهيمنة المجتمعات الوافدة المنعزلة بما جاء على لسان الاستاذ العسكري انه (سينمو في دول الخليج العربي، مجتمع بلا هوية، متعدد الاثنيات، تحتفظ كل مجموعة بهويتها وانتمائها الاصلي، تحت مظلة اللغة الانكليزية الجامعة).

واذا ما كان الاختراق الثقافي للانكليزية مقتصرا على التبعية الخليجية والعربية عموما على مستويين، الاقتصاد، واقتصاد النفط منه تحديدا، والانفتاح العلمي على الغرب في البعثات والتعليم العالي، فإن ما تشهده دول الخليج العربي من اختراق لغوي ثقافي اجتماعي هجين من وافدين هنود، باكستانيين، وبنغلادشيين، فليبين، تايلنديين، صينيين، يمثل اخطر اختراق ثقافي داخلي، اذ تراجعت اللغة العربية الى المرتبة الرابعة في بعض بلدان الخليج، كما يشير الاستاذ العسكري، بعد الانكليزية والهندية والاردو، حيث يشكل هؤلاء الوافدين نسبة 40 – 70 بالمئة من مجموع السكان وحصولهم على حق التملك العقاري الذي يمنحهم الاقامة الدائمية. فأصبحت الانكليزية في دول الخليج لغة تعليم جامعي ولغة ادارة اعمال ومؤسسات مجتمعية واختراق ثقافي بامتياز.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

السؤال الذي لا أجد جوابا واضحا عليه، هو لماذا لم ينجح الرواد النهضويون العرب في صناعة الأمة المعاصرة؟!

وهم الذين بدؤوا ما يسمونه بالتنوير الحضاري منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومعظمهم قد زار الغرب وعاش فيه وما تعلم منه بل نقم فأسقط بأسباب التأخر عليه، دون مبررات موضوعية وأدلة ذات قيمة معرفية، وجاء بنفسه ليوهم الأجيال بأن ما يقوله ويكتبه فكر ومنطلقات حضارية، وبهذا الخداع والتضليل والتحريف وربما التخريف وصل الحال بالعرب إلى ما هو عليه اليوم وقبله وبعده.

ومن المؤسف القول بأن قراءة كتب المفكرين العرب لا تأتي بجديد، لأنها تدور في ذات المحاور وتتناول ذات الموضوعات التي بدأها الرواد في القرن التاسع عشر، فلا يوجد سوى الإسقاط والتبرير والتفسير السلبي وتعزيز الإحباط، وتأكيد الدونية والتبعية والإنكسارية، وإشاعة ثقافات الهزائم والويلات والتداعيات والمظالم والعاهات النفسية والسلوكية.

لا جديد في إنتاجهم سوى إجترار الترسيخ السلبي لكل سلبي، ونفي الإيجابي عن قلب الأمة وجوهرها، وكل منهم يحسب نفسه صاحب حق " وجدتها"!!

وفي هذا صياغة مضطربة منحرفة أودت بالأمة وأذهبت عقلها وأججت عواطفها، ودفعت بأبنائها إلى تصديق المنطلقات الوهمية التي لا تمتلك رصيدا واضحا من الواقع، وإنما مبنية على ما يجيش في نفوس الناقمين على الآخرين، وكأنهم لا يمكنهم أن يكونوا ويتحققوا بسبب كينونة الآخر وتحققه.

فالحقيقة المغيبة أن الأمة لا تحتاج لأية أمة أخرى لكي تعرف طريقها وتكون، فلا حاجة لأمة العرب لتجارب غيرها، لأنها الأمة الغنية بالمعارف والتجارب والقدرات الفكرية والثقافية والمادية اللازمة لتحققها والتعبير عن دورها الحضاري.

فالأمة تكنز في مسيرتها من العطاءات والتجارب والسرديات والمدونات، والخطابات والقصص والحكايات والأشعار والأنوار الفكرية والتشريعية ما يغنيها عن باقي الأمم.

لكن العلة السرطانية والعاهة الطاعونية،  أن الرواد النهضويون قد أغفلوا ما عندهم وراحوا يتكلمون بأبجديات الإنبهار والدهشة، وربما الصدمة، وبآليات الجهل والأمية عما عند الآخرين، فأضاعوا الحالتين أو المشيتين.

فهم الذين كانوا في الغرب وما عاشوا فيه، شأنهم شأن الملايين من المهاجرين الذين في مهاجرهم، ولكنهم لا يعيشون فيها، ولا يستوعبون مفرداتها السلوكية والحضارية، ولهذا تجد في بعض الدول العربية أن حكوماتها من الذين عاشوا في دول غربية ديمقراطية، لكنهم عبروا عن التطرف والإستحواذية والإنتقامية والفئوية، وما حققوا تجربة ديمقراطية ذات قيمة وطنية أو إنسانية، وإنما إرتكبوا حماقات وجرائم ضد الإنسانية.

ذلك أن العربي عندما يكون في بلاد غريبة يتمترس حول ذاته، ويمعن أو يفرط بالتعبير عما يؤكده ويميزه ويعزله عن الواقع الذي هو فيه، ولهذا فأن رؤيته للغرب تكون مضطربة وغير صادقة، وإنما مبنية على رؤيته الشخصية الممزوجة بآليات دفاعية وتبريرية سقيمة، وهذا ما نراه حتى في الوقت الحاضر في كتابات العرب الذين يعيشون في دول غربية ديمقراطية، فتتعجب من أساليبهم المضادة لكل ما هو ديمقراطي وإنساني وحق طبيعي، إذ تسود كتاباتهم الأراجيف الفئوية والتحزبية والطائفية والتطرفية المقيتة.

ولهذا فأن على الأمة أن تتبصر وتتنور وتتحرر من البلاء المستطير الذي يخيم عليها منذ عقود طويلة، وترى مواضع خطواتها وتؤمن بذاتها، وتستخرج جمان أفكارها وتتحقق بها، لا أن تبقى تطارد خيط دخان، وسراب كان.

فالأمة ثرية بالأفكار الحضارية والإرادات المتوثبة، لكنها مرهونة في خنادق وأنفاق، وكأنها لا تريد أن تكون كما هي، بل كما يُراد لها أن تكون!!

فما أحوج الأمة للإيمان بنفسها وذاتها وموضوعها، وعزيمتها على أن تتجدد وتنطلق وتلتقي مع جوهر ما فيها، فالأمة لا بد لها أن تكون وستكون حتما، بعيدا عن أفكار المغرضين الذين ربما كانت كلماتهم ذات تمويل فائق ومصدر عيش رائق!!

فالأمة كائنة وما علينا إلا أن نعترف بكينونتها لكي تزدهي وترتقي وتعاصر!!

 

د-صادق السامرائي

 

nabe  odaإتهمني بعض المثرثرين شعرا ونقدا بحوار في برنامج ثقافي بالراديو، باني فقدت البوصلة، ولم اعد أجاري عصري  ومن هنا نقمتي على الإبداعات الحديثة، خاصة الشعر.. الذي يملأ صحافتنا.

ساءني أني لم أعط الفرصة لأفهم تهمتي وأقدم دفاعي ... كنت قد شاركت  بمداخلة قصيرة عبر التلفون، انتقدت فيها استعمال اصطلاحات لم تنشا القاعدة المادية لتصبح جزءا من ثقافتنا وخاصة مصطلح  الحداثة، الذي صار شرشوحة من كثرة استعماله  دون فهم الواقع الثقافي والاجتماعي الذي نشأ به هذا الاصطلاح، وإطلاقه على كل نص أدبي غير واضح  ومفكك. اتهمني احدهم ان مشكلتي اني لم استوعب الحداثة وتفاعلاتها في الأدب الحديث، وكل ما نجحت في إيصاله للزميلين، الضميرين المستترين، بأن مفهومهما للحداثة عقيم، وإذا كانت الحداثة تعني قطع التواصل بين القارئ والأدب، فبئس مثل هذه الحداثة ... ولن أصوت لها في الانتخابات !!

اعترف ان الزميلين تكلما معي باتزان وهدوء، ولا أريد كشف الأسماء لأن ما يهمني ليس الأشخاص بل الجانب الفكري والثقافي من الموضوع. ...

عدا قلة من المبدعين يكاد يكون غياب كامل للأعمال الأدبية المثمرة على صفحات الجرائد ... واعترف أني حين عملت نائبا لرئيس التحرير ومحررا أدبيا في صحيفة "الأهالي " رفضت بقوة نشر اي عمل أدبي مما سماه الزميلان وراء الأثير بالحداثة الأدبية او الشعرية.

إقرأوا مثلا هذا المقطع:

" سأحمل حبك سرا صغيرا

يؤانس قلبي الحزين الكسيرا

فهل تقبلين،

بقلبي الكسير

يتوج بين يديك أميرا؟!"

هذه احدى قصائد الشاعر حسين مهنا (من قرية البقيعة الجليلية) نشرت في العدد الثالث من مجلة "المستقبل" (مجلة فكرية ثقافية شهرية أصدرها وحررها نبيل عودة بالتعاون مع الكاتب والمفكر المعروف سالم جبران)

من يستطيع ان يقول أنها ليست شعرا؟!

وفي قصيدة أخرى نقرأ هذا المقطع:

"وتمر يداي

على جيدك المرمري

فيزهر ورد وجنتيك

وينطق صمت

يفوق بيان الكلام 

وسجع الحمام

وهمس المطر.. "

هذه مقاطع لو طاوعت نفسي لنشرتها كاملة لأدلل على ما افهمه من الحداثة، وعلى ما لا يفهمون .. إقرأوا معي هذا التجلي لحسين مهنا :

"سألتك : لا تقتلي الشعر عمدا

بطول التمني

وبعد الرجاء

ولا تتركيني أسيرا لطيفك هذا المساء

وكل مساء

تعالي فما زال في القلب بعض اخضرار

سينزف وردا

يعيد إلى الحب ما ضيعته الدروب

وللشعر قيثارة الحب والكبرياء "

هذا الشعر يحمل من الحداثة بمفهومها الأدبي أكثر من كل القصائد الغيبية لغة ومضمونا. والأهم انه لا يحتاج الى جهابذة النقد لتحليله، لأنه شعر يتدفق كالماء بلا ضجيج، ويتغلغل بجماله ورونقه في وعي القارئ وأحاسيسه. وهو، وهذا الأساس، لا يحتاج الى مثقف عبقري (نابغة عصره) ليفهمه ويشرحه للقراء المساكين،إذ ما قيمة الشعر حين تصبح قراءته مثل حل لغز الكلمات المتقاطعة؟... 

أردت أن استعمل بعض "الجواهر" التي تقصفنا بها "الفانتومات الأدبية" ب "أم القنابل"، ولكني لا اقصد التشهير، وأخاف ان تبدو مقارنتي بين شاعر حقيقي مثل حسين مهنا، وناظمين بلا شعر .. تشهيرا فيهم، أو إقلالا من قيمة شعر حسين مهنا . المقارنة لا تجوز إلا بين أنواع من نفس القيمة، واترك المقارنة للقارئ الذي ما زال يجرؤ على المغامرة ...إذا تبقى لدينا مثل أولئك القراء ولم "يطفشوا" بعد .

تيار الحداثة او تيار ما بعد الحداثة .. هي تيارات تستعمل في ثقافتنا  خارج مسارها . الحداثة هي بجوهرها عملية تنوير اجتماعي وثقافي وفكري. مجتمعنا، وكل المجتمعات العربية عامة، ما زالت على ضفاف الحداثة، وعدا بعض المثقفين ... وقليل من الأدباء المبدعين، ما زلنا اجتماعيا وفكريا نعيش في مجتمعات تحت سيطرة او تأثير وتحكم الفكر الأصولي المتطرف . وحتى على المستوى السياسي تتحكم بمجتمعاتنا قوى تفتقد للتوازن السياسي والفكري والثقافي . السيطرة للأسف ليست لحركة الإصلاح والتنوير العربية، إنما للقوى الظلامية ... ما زلنا نبحث ونتعارك حول السماح للمرأة بقيادة السيارة ... ولا نقبل الآخر المختلف، نفجره إذا استطعنا،  ونعاني من الرقابة الفكرية المتخلفة على الأعمال الأدبية، ويصل الأمر الى سجن المبدعين ومصادرة أعمالهم، وما زلنا نعلم طلابنا في الهندسة ان "المتوازيان لا يلتقيان إلا بإذنه تعالى" (حتى بإذنه لا يلتقيان!!)، وما زلنا نطالب بإصلاح التعليم وتحرير عقل الطالب من أسلوب التلقين والإيمان الأعمى بلا وعي، ومجتمعاتنا ما زالت في أدنى مستويات الفقر دوليا، وتعاني من انتشار هائل للأمية،خاصة بين النساء، هل يمكن تربية جيل جديد متنور بأحضان أمهات جاهلات؟

ونتحدث عن الحداثة ... وما بعد الحداثة ؟! نملأ صحافتنا شعرا لا شعر فيه ونقدا لا نقد فيه... هذا ليس دليل الحداثة إنما دليل انفصام ثقافي مع مجتمعنا، بدل ان نوقفه نزيده اتساعا ب " العبقريات الفريدة " التي تطغى على النشر . ان ثقافة الحداثة أعزائي الأدباء لا تجيء ببضع خربشات شعرية او نثرية او نقدية،إنما هي معركة تنوير ما زلنا على ضفافها ... استغرقت أوروبا مئات السنين من الصراع مع الأصولية المسيحية للقرون الوسطى، ومع ذلك ما زال الغرب يعاني من أزمة معنى الحياة ومعنى الوجود، مما يعني ان التطور الاقتصادي والأكل والمشرب والمتع الجسدية، ليسوا كل شيء، وهي مشكلة تختلف مع مشكلة الإنسان العربي   الذي ما زال يبحث عن إشباع جوعه أولا.

ان المحاولة للتقدم دون فهم أهمية عصر التنوير (الرينيسانس) الذي حرر الإنسان من التخلف الاجتماعي والعلمي والقوى الظلامية، ووضع مستقبله بين يديه، وغير أولويات حياته، وحرره من القيود على تطوير الفكر والعلوم والاقتصاد والثقافة وضاعف أوقات راحته وقدراته الاستهلاكية بمختلف أنواعها، هي محاولة عقيمة ومحكومة بالفشل .

 أصبح مصطلح الحداثة تبريرا لغموض الكثير من النصوص الأدبية وغياب المضامين منها، وأصبح الغموض تقليعة نعلق عليها كل غسيلنا الأدبي الوسخ وكل عاهاتنا الإبداعية ونبرر بها أزمتنا الأدبية بمصطلح الحداثة.

ماذا تعني الحداثة؟ ولماذا تطورت في أوروبا وليس في شرقنا التعيس؟

 ان الحداثة هي وليدة مجتمع بشري متطور اقتصاديا، ثقافيا، فلسفيا وعلميا، وهو ما لم تنشا له قاعدة مادية في ثقافتنا ومجتمعنا، وما كان للحداثة ان تنشا بدون الثورتين البرجوازية والليبرالية، وبدون الفكر الثوري الذي أطلقة كارل ماركس..

 ان الثقافة لا تعني الإبداع الأدبي فقط، بل أيضا إنتاج الخيرات المادية التي يحتاجها الإنسان. رجاء لا تقحموا الحداثة وانتم تجهلون نشأتها، تجهلون القاعدة المادية والاجتماعية التي شكلت مضامينها، وتجهلون الفكر والنظريات الفلسفية  التي انطلقت منها.

إن مفاهيم الحداثة ليست مميزا للأدب فقط ... وهذا ما يجب أن نستوعبه قبل ان نثرثر ونضفي الحداثة على أعمال غير ناضجة!!

 

نبيل عودة

 

saleh altaeiإعادة البناء الإدراكي أو المعرفي (Cognitive restructuring) في العلوم الفلسفية والنفسية: هي عملية علاجية نفسية لتعليم كيفية التعرف على الأفكار غير المنطقية أو سيئة التكيف ومناقشتها. ويستخدم المصطلح عادة في الإشارة إلى النماذج العلاجية التي تشمل محاولة تعديل العوامل المعرفية، فالسلوك غير التكيفي، وفق هذا الأسلوب يعامل بوصفه نتاج للتفكير غير الوظيفي، وغير المنطقي. وبناء على ذلك ينظر إلى العلاج على أنه عملية تعلم داخلية، تشمل إعادة تنظيم المجال الإدراكي، وإعادة تنظيم الأفكار، ذات العلاقة بالروابط بين الأحداث والمثيرات البيئية المختلفة.(*)

ولا ينكر أن المجتمع الإسلامي الأول تعرض إلى إعادة بناء بعد عصر البعثة مباشرة، وقد أحدثت عملية إعادة البناء هذه ـ على خلاف ما هي عليه في العلوم والفلسفة ـ خلطا تمكن من تعقيد الأمور، حتى بات من المتعذر الوصول إلى درجة اليقين في أمر ما، وذلك لعدم وجود سند نقلي كامل القبول من جميع الأطراف المتنافسة التي أفرزتها عملية إعادة البناء، مع استحالة وجود بادرة للاتفاق على صحة هذا الأثر أو ذاك بما يمكن الأخذ به، والبناء على ما جاء فيه، باستثناء القرآن الكريم، والقرآن كما هو معروف لا يهتم بالجزئيات ولا بالتواريخ والأسماء التوضيحية.

وبالتالي لا غرابة في أن تولد كل تلك الفرق التي تتناقض عقائدها في أمة الإسلام، بل لا غرابة أن تولد الوهابية والسلفية والقاعدة وداعش في أحد الجانبين، وجند السماء واليماني والصرخي والحبيب وغيرهم في الجانب الآخر، ولا غرابة أن يتخذ المسلم تحت شعار (الله أكبر) قتل المسلم الآخر وسيلة لدخول الجنة، ونيل رضا الله تعالى، والفوز بفاتنات بلا عدد من حور العين والغلمان. فجميع هذه النتائج هي بالأصل مخرجات لتلك الثقافة؛ التي تكَّونَ منها تراثنا؛ الذي نعول عليه في الحصول على مناهج عقيدتنا وأخبار رموزنا!

إن كل ما حدث في بدايات القرن الهجري الأول كان المصدر المغذي لكل تلك التداعيات الجبارة التي صُبت على رأس الأمة، إذ لا خلاف أن الاختلاف في "الإمامة" في الأيام الأولى من العقد الثاني من بداية التاريخ الهجري، حيث لا زال الإسلام طريا، أحدث شرخا كبيرا في المجتمع، دفعه إلى التكتل الفرقي، ومن ثم تكوين مجموعات فاعلة جدا، إحداها كانت المجموعة السياسية ذات التطلعات والأهداف الدنيوية الكبيرة الكبيرة، التي أدركت بحدسها أنها أضعف من أن تصمد أمام مجموعة الخطوط العقدية، نظرا لما يتمتع به تلك الخطوط من قداسة تفتقد هي إليها، فأعمل فكرة وكثف جهوده لوضع نظرية بإمكانها أن تخلق له جيشا من المقدسين، بإمكانه أن يحولهم إلى معادل موضوعي يرجح كفته، وربما يعينه في تحقيق النصر، وعند هذه المرحلة بالذات، ولدت نظرية صناعة الأرباب، بسيطة، فطرية، تخطو على استحياء وخجل وربما خوف أيضا، لكنها لم تلبث إلا سنين قليلة حتى تحولت إلى قوة مهولة لها قدرة تحويل الأبيض إلى أسود، والأسود إلى ابيض، وخلط الأوراق، حتى لا يتمكن العامة من التمييز بين الحق والباطل، وهو ما حدث فعلا، وأدى إلى كل تلك الفوضى التي ملأت صحائف تاريخنا، والتي نعيش تداعياتها اليوم، حيث طغت صفة المقدس لا على المقدسين فعلا، وإنما على إمعات لا وزن لهم بالرغم من كبر أحجامهم ووضوح صورهم.

وبالتالي حدث الخلط بين الذروتين الدينية العليا، والسياسية الدنيا، وتحول الدين إلى وسيلة كسب واسترزاق، والعقيدة إلى إذاعة تروج للأفكار المنحرفة والشاذة، فعاد الإسلام أغرب مما كان عليه في أيامه الأولى، وصرنا بمجموعنا أبعد ما نكون عن ديننا؛ الذي ارتضيناه عقيدة!.

يعني هذا أننا اليوم نقف أمام امتحان عسير، يستوجب منا إعادة التفكير في عدتنا القديمة وآلياتنا التقليدية، ووسائلنا البالية، وأساليبنا التقليدية العتيقة، والبحث عن عدة وآليات ووسائل وأساليب جديدة مبتكرة، ستأخذ منا وقتا وجهدا ثمينا لمجرد التعَوُّدْ على استخدامها والعمل بها، وحينما نكتشف قدراتنا الحقيقية ممكن أن ننجح في تنقية مشاربنا، والنجاة من الورطة التاريخية التي أدخلنا إلي وهادها السلف عنوة بسبب المماحكة التاريخية.

 

صالح الطائي

......................

(*) ينظر: ديوي، جون (1859ـ1952)، إعادة البناء في الفلسفة، ترجمة: أحمد الأنصاري، مراجعة: حسن حنفي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010. ص145.

hasan zayedانتهينا في المقال السابق، إلي القول بأن شكري مصطفي، قد اندفع إلي التفكير، بشكل نقدي حاد، إلي الفكر الإخواني، وموقفه الفكري من السلطة والمجتمع . وقد ساعده علي هذا التوجه، أحد زملائه من المساجين، الأكبر سناً، والأقدم في مجال الدعوة . ذلك الرجل الذي قبض علي دفة إدارة هذه العقول الشابة، حتي يتسني له، إدارة العقول إلي الوجهة التي يتغياها، وبذر بذور الفكر الشيطاني في تربة المجتمع المصري، فقد تبني نسقاً عقيدياً وفقهياً، يتطابق مع مذهب الخوارج في معظم تفاصيله، وهو ينهض علي تكفير كل من يخالف هذا النسق. هذا الشخص هو الشيخ الأزهري الإخواني علي اسماعيل، الأخ الشقيق للإخواني عبد الفتاح اسماعيل، الذي جري اعدامه مع سيد قطب في قضية تنظيم 1965م . ولا يخفي الأثر النفسي، وانعكاساته علي الجوانب الفكرية، الذي أحدثه إعدام عبدالفتاح اسماعيل، علي شقيقه. وقد بان هذا الأثر في تبنيه الإنتقادات الحادة لفكر الإخوان، وموقفهم الفقهي من السلطة والمجتمع، وهو انتقاد تخطئة له، ليس في انحرافه وتطرفه، وإنما في تراخيه، وليونته، في مواجهة سلطة كافرة بظلمها وجورها، ومجتمع كافر بصمته وسلبيته، بحسب التصورات الحاكمة لهم في حينه . ومن هنا التقي الفكران معاً  في ذات التوجه، محملين بكافة الإضطرابات النفسية والفكرية، الناجمة عن العيش داخل السجون، بأغلالها الجسدية والنفسية والفكرية والإجتماعية من ناحية، مضافاً إليها نوبات التعذيب البدني والنفسي، التي كانوا يتعرضون لها  داخلها من ناحية أخري . فكر مأزوم، في بيئة مأزومة، لابد وأن تكون محصلته، ذلك الإنحراف الفكري والنفسي والسلوكي، الذي شاهدنا آثاره فيما بعد . ولما لم يكن شكري مصطفي يتمتع بالملاءة الفكرية، أو الإستواء الثقافي، أو العمق المعرفي، فقد أصبح اكثر انقياداً لكل ما يلقي إليه، سواء من الشيخ الأزهري الإخواني، أو من كتب سيد قطب، التي أصبحت أكثر تأثيراً، وانتشاراً، بعد إعدامه، وكذا كتب أبو الأعلي المودودي . ولم يكن أمامه من سبيل معرفي آخر يحدث لديه ذلك القدر من التعددية والتنوعية، الذي يورث المرونة العقلية، والفكرية، ومن ثم الثراء المعرفي والثقافي . وقد حدثت مراجعات  فكرية بعد هزيمة مصر في سنة 1967م . تلك الهزيمة التي زلزلت المصريين جميعاً، علي مختلف مشاربهم، وأعمارهم، ولكن وقع الزلزال، وتوابعه، أشد وطأة علي نفوس  الشباب . وقد نتج عن هذه المراجعات انقسام بين صفوف جماعة الإخوان، حيث انقسموا إلي ثلاث فئات: الفئة الأولي ـ وهي الفئة التي أيدت النظام، وتراجعت عن الأفكار المنحرفة، التي تنطوي علي التكفير والتجهيل . الفئة الثانية ـ وهي الفئة رفضت موقف السلطة، وأعلنت كفر رئيس الدولة، ونظامه، بل واعتبروا الذين أيدوا السلطة، من باقي الإسلاميين، مرتدين عن الإسلام، ومن لم يُكفِّرهم فهو كافر، والمجتمع بأفراده كفار؛ لأنهم موالون للحكام . والفئة الثالثة ـ هي الفئة التي وقفت موقفاً وسطاً بين الموقفين . فلا هي أيدت النظام، ولا هي رفضته . ومن هنا يمكن التأريخ لبداية ظهور: "جماعة المسلمين"، والتي عرفت إعلامياً بـ: "جماعة التكفير والهجرة". ومن الطريف أن الشيخ الأزهري الإخواني / علي اسماعيل، إمام فكر هذه الجماعة، والمنظر لها، والذي تتلمذ علي يديه / شكري مصطفي، سرعان ما تراجع عن فكره، وأعلن توبته عنه، وتبرأ منه، باعتباره فكراً منحرفاً، يتسم بالغلو والتطرف . إلا أن شكري مصطفي ظل مستمسكاً بهذا الفكر، داعياً إليه، بين جنبات الزنازين . والواقع يبرز هنا تساؤل مهم: هل  هذه الأجواء هي أجواء تقول بسيادة أجواء التعذيب الوحشي؟!. مجرد تساؤل عرض لي . وقد تولي شكري مصطفي إمارة الجماعة، بعد الشيخ علي اسماعيل، بعد أن حصل علي المبايعة من أعضاء الجماعة . وقد أُفرج عنه عام 1971م . خرج قوياً، غاضباً، ناقماً، يكفر الكرة الأرضية كلها . والغريب، والمثير للدهشة، هو زيادة عدد أعضاء الجماعة، بسرعة مذهلة، وأصبح له أتباع، ومريدون، يطيعونه  طاعة عمياء، بلا نقاش، وبلا جدال، وبلا فهم، وبلا وعي . وقد استغل شكري مصطفي هذه الحالة، فهيمن علي الجماعة، وسيطر علي أعضائها، وقادته حالة الإنصياع التام إلي  الزحف نحو الإستبداد، واليكتاتورية، المغلفة بغلاف الدين .

ولا تزال هناك بقية، إن كان في العمر بقية،،،

 

حـــســـــــن زايـــــــــــــد

 

mohamad ghani"علمنا إشارة فإذا صار عبارة خفي" أَبُو عبد الله أَحْمد بن عَطاء بن أَحْمد الرُّوذَبَارِي

إن لغة الإشارة هي لغة الخطاب الرئيسية على الصعيد الأفقي كما على الصعيد العمودي، أو قل إن شئت، إن لغة الرمز هي وسيلة التواصل بين المخلوقات كما هي وُصلة الحديث بين الخالق والمخلوق كما بين العبد وسيده.

قد يبدو هذا الطرح على اطلاقه مجرد اطلاق الكلام على عواهنه، في حين أنه بتدقيق مجهر البحث على مختلف وسائل التواصل الكونية نجد لغة الرمز والإشارة حاضرة بقوة، بل قل هي الوحيدة  الحاضرة كوسيلة تخاطب بين مختلف الكائنات، لكن بتجليات متعددة، ابتداء من لغة التواصل الجسدي الى لغة التواصل الروحي.

في حديثه عن العلامة كمرادف للرمز والإشارة يتحدث آرثر ايزا برجر في كتابه النقد الثقافي بنفس المنطق فيرى أنه "من الغريب عند التطرق إلى هذا الأمر أن نعرف أن العلامة تترك لمفسرها أن يقدم جزءا من معناها، إلا أن تفسير هذه الظاهرة يكمن في حقيقة أن  الكون بأسره وليس مجرد  الكائنات التي تعيش به ولكن الكون كله بكائناته كجزء منه والكون الذي اعتدنا أن نشير اليه بالحقيقة –أن هذا الكون مليء بالعلامات إن لم يكن يتكون بالكامل من  العلامات"1.

من هنا يستنتج المؤلف حتمية التخاطب الاشاري عند الانسان فماهي التجليات الاشارية على مختلف تواصلات هذا الانسان سواء مع بني جنسه أو مع غيره من الكائنات أو مع خالقه وبارئه؟

بملاحظة مجهرية لأشكال التواصل الإنساني نجد أنها تتدرج في سلم ترقٍ، درجاته احداها فوق الأخرى، ابتداء من التواصل السلبي في أقبح السلوكات اللاأخلاقية اعتمادا على الرموز التي يعتمدها اللصوص ومهربو المخدرات والجماعات المحظورة كالماسونية وغيرها، يرى آرثر ايز برجر في كتابه نقد الثقافة أن "ظواهر نقابلها في حياتنا اليومية مثل الباروكة (الشعر المستعار) والشعر المصبوغ والحذاء ذو الكعب العالي والأغذية المقلدة ومقلدي الشخصيات والدجالين  والمحتالين فكل هذه الأمور تشمل الكذب باستخدام الإشارات أو العلامات".2.

منتقلين بعد ذلك الى درجات وسطى من مقامات الفهم الاشاري في حياتنا اليومية متمثلة في العلاقات الجسدية في إطار الزواج بين الأزواج وما يتخلل طريقها من رموز عرفية لا بد من سلوكها للتعبير عن الرغبة في العروس فإلى ابداء إشارة امتلاك العروس بخاتم الزواج، وإلى مختلف القوانين المنظمة لحياة الانسان ليحيي حياة طيبة كقانون السير وقانون الأحوال الشخصية ولغة السياسيين... الخ.

فإن رقى الانسان في فهم لغة الإشارة من مستواها المادي الى مستواها الروحي صار ينتقل بذكائه الروحي من فهم لإشارات الشريعة في مستواها البسيط الى مستوى أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا، فلا يفهمون من رؤية الهلال الرمضاني مثلا  فقط مجرد الانقطاع فقط من شهوتي البطن والفرج من طلوع الشمس الى غروبها، بل يفهمون منه في مستوى أرقى أن المقصود منه أيضا تعليمنا الانقطاع عن شهوتيهما (أي البطن والفرج) في المسلك الحرام من طلوع شمس الوحي على القلب عند التكليف فإلى غروب نهار الحياة بالموت التي هي إشارة الى انتهاء مرحلة  تكليف الانسان.

صيامي هو الإمساك عن رؤية السوي * * * وفطري أنى نحو وجهك راكع.3.

يفهم ذو اللب أيضا من الأذان مثلا ليس فقط دعوة للصلاة بل دعوة لفلاح زرعه كمؤمن وصفه الحق بأنه كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى بشربه لماء التوحيد من ذكر للقرآن الكريم يتخلل آنية الصلاة التي تمتلأ خمس مرات في اليوم بواحة المسجد وكذا تلعب رياض الجنة من مجالس الذكر نفس الدور لامتلاء آنية القلب.

ينهل أولو النهى أيضا من نفس المشرب فلا يفهمون من السجود خلال الصلوات الخمس مجرد سجود شكلي للاله بقدر ما يرتقون لاصطحاب حال خضوعهم القلبي خلال الصلاة في سائر يومهم فيتحققون بالسجود القلبي وهم في سائر تقلبات حالاتهم اليومية من ارتباطات مهنية واجتماعية وعائلية.

أقــــوم أصلي أي أقيم على الوفا      بأنك فرد واحد الحسن جامع

وأقرأ قــــــــــــــرآن حسنك آية       فذلك قرآني إذا أنا راكع

وأسجد كي أفنى وأفنى عن الفنا       وأسجد أخرى والمتيم والع

وقلبـــــــي مذ أبقاه حسنك عنده     تحياته منكم إليكم تسارع.4.

يقصد أصحاب الحصافة والحكمة الى أن الحج في الشريعة ليس هو الانتقال الجسدي الى ديار المحبوب بقدر ماهو هجرة قلبية الى الله ورسوله منذ دخول الإسلام فالى الانتقال الى الدار الأخرى، وكأن الحج الظاهري مجرد عربون محبة على ذلك الحج الروحي الذي عقد عليه المسلم العزم منذ الخطوة الأولى في الطريق الروحي للإسلام "فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه" حديث متفق عليه يفهم مغزاه العميق على أنه دليل على أهمية الحج الروحي في القيمة على مجرد الحج المادي وإن كان الثاني فرض كعربون على المحبة الصادقة التي غرست في القلب عند أول الطريق ولا بد له منه لتحقيقه فلا روح بدون جسد، لكن حجًا للجسد مع غفلة الروح مجرد سفر سياحة ليس إلا.

أيا كعبة الآمال وجهك حجتي * * * وعمرة نسُكى أنى فيك والع

وتجريد نفسي من مخيط ثيابها * * * بوصل وإحرام عن الغير قاطع

ويلتز منى أنى أدلك مهجتي * * * لما منك في دار من الحسن مانع

كأن صفات منك تدعو إلى العلا * * * فرت بقلبي فاستبانت شو اسع

فتركى لطيب النكاح فان ذا * * * صفاتي وذا ذاتي فهن موانع

وإعفاء حلق الرأس ترك رئاستي * * * وشرط الهوى أن المتيم خاضع

إذا ترك الحجاج تقليم ظفرهم * * * تركت من الأفعال ما أنا صانع

وكنت كآلات وأنت الذي بها * * * تصرف بالمقدور ما هو واقع

وما إن جبري للعقيدة إنني * * * محب فنى فيمن حوته الأضالع

فها أنا في تطواف كعبة حسنها * * * أدور ومعنى الدور أنى راجع

ومذ علمت نفسى طوافك سبعة * * * فا عداد تطوافى في جمال سوابع

أقبل خال الحسن والحجر الذي * * * لنا من قديم العهد فيه ودائع

ومعناه أن النفس فيها لطيفة * * * بها تقبل الأوصاف والذات شائع

واستلم الركن اليماني إنه به * * * نفس الرحمن والنفس سالع

واختم تطواف الغرام بركعة * * * من المحو عما أحدثته الطبائع

ترى هل لموسى القلب في زمزم اللقا * * * مراضع لا حرمت تلك المراضع.5.

 وكذلك سائر الشعائر غير مقصودة لذاتها وإنما هي محطات بنزين روحي للتزود في الطريق بماء المحبة الى حين بلوغ المراد ولا منتهى

فإذا بالفناء قد كان وهما.:. قد عراني كسائر الأوهام

فأراني بأنني كنت غيرا .:. وتحولت بعده لمقامي

و انا لست في الحقيقة غيرا .:. أو للغير دونكم من قيام

حكمة الشرع اثبتتني لما .:. سمت الكون كله باسامي

و نفى جملتي انفرادك بالذات .:. والأفعال والنعوت العظام

و إذا كنت في الحقيقة فردا .:. استحالت حقائق الأنام.6.

لا يكفي المقام  هنا لسرد كل حالات الارتقاء في فهم لغة الإشارة والرمز الذي يُخاطب به المكلف من طرف الحق ويتواصل به العبد مع خالقه ويتبادل بنو البشر رسائلهم من خلاله مع بني جنسهم بل مع سائر المخلوقات.

و خير ما نختم به هاته التدبرات في تجلي الاشاري على وجهي الحياة مدنسها ومقدسها، يحضرني قولان بليغان لمفكرين من حضارتين مختلفتين تجمعهما لغة الروح أحدهما  آرثر أيز برجر الفيلسوف الأمريكي صاحب كتاب النقد الثقافي الذي يذهب إلى أن عالم اللسانيات بيرس يبرهن على أن علم الإشارات بالغ الأهمية لأن الكون في حقيقته وكنهه ما هو الا نظام للإشارات فكل شيء يمكن رؤيته على أنه يعتمد بطريقة أو بأخرى على شيء آخر يوضح معناه ولذلك فهو يعمل كإشارة أو رمز.7. وثانيهما العارف بالله الصوفي الشاعر عبد الغني النابلس الذي له شعر بديع فيما نرمي إليه من معاني:

من الجسوم الى الأرواح إسرائ     فيه لمثلي إشارات وإيماء

فاسجد له سجدة من مسجد حرمت       جهاته منه للأملاك لألاء.8.

 

...................

الهوامش

1، آرثر أيزا برجر، النقد الثقافي، 17، ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطويسي، مؤسسة المجلس الأعلى للثقافة ضمن المشروع القومي للترجمة.2003.

2، آرثر أيزا برجر، النقد الثقافي، 18، ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطويسي، مؤسسة المجلس الأعلى للثقافة ضمن المشروع القومي للترجمة.2003.

3، يوسف زيدان، تراثنا-النادرات العينية عبد الكريم الجيلي مع شرح النابلسي، ص  76، دار الأمين للنشر والتوزيع.

4، يوسف زيدان، تراثنا-النادرات العينية عبد الكريم الجيلي مع شرح النابلسي، ص  76، دار الأمين للنشر والتوزيع.

5، يوسف زيدان، تراثنا-النادرات العينية عبد الكريم الجيلي مع شرح النابلسي، ص76 و77و 78، دار الأمين للنشر والتوزيع.

6، ديوان العارف بالله محمد الحراق

7، آرثر أيزا برجر، النقد الثقافي، 18، ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطويسي، مؤسسة المجلس الأعلى للثقافة ضمن المشروع القومي للترجمة.2003.

8، من قصيدة "من الجسوم الى الأرواح إسراء" لعبد الغني النابلسي : والصواب من الجسوم الى الأرواح معراج ذلك أن الاسراء سفر أفقي ليلا والمعراج سفر عمودي.

 

alaa allamiيتعرض الروائي العربي الراحل عبد الرحمن منيف والذي أقض برواياته الرائعة مملكة آل سعود طوال أكثر من ثلاثة عقود حتى سحبوا منه جنسيته السعودية، ومات وهو كاتب عربي نقدي قولا وفعلا، يتعرض إلى حملة من التشنيع وتشويه السمعة أطلقها على صفحات جريدة الأمير خالد بن سلطان "الحياة" الكاتب فالح عبد الجبار وشارك فيها لاحقا بعض الكتبة الهامشيين والجهلة لتصفية حسابات يبدو انها قديمة مع منيف منها أنه كان ضد احتلال العراق ومؤيدا لما يسمونه بسخرية "المقاومة الشريفة" وانه كان طائفيا ضد الشيعة في روايته "أرض السواد" وهذه محض أكاذيب سمجة سنتوقف عندها لاحقا، ولكن، هذه الآن بعض النقاط والعناوين الرئيسة في الرد على هذه الحملة على أمل أن أكتبها لاحقا في مقالة مسهبة حول الموضوع.

1- خلاصة اتهامات فالح عبد الجبار للروائي الراحل منيف بأنه كتب روايته " الآن ..هنا" اعتمادا على مجموعة أشرطة كان قد سجل عليها حكايات معتقل سياسي عراقي كردي هو حيدر الشيخ، واستنطقه، على مدى أيام، ويقول فالح: "أودعني حيدر ذكرياته لأصوغها كتاب وقائع، بلا تزويقات، بلا رتوش: الحقيقة العارية... في مصادفة (سيئة أم حسنة؟) التقيت الروائي الراحل عبد الرحمن منيف وتجاذبنا الحديث (...) التمس منيف ان يطّلع على مضمون تسجيلات السجن. كان هذا خريف العام 1988.. لم يُعِدْ منيف الأشرطة كما وعد، على رغم تكرار مطالبتي (...)، بعد عام أو نحوه، صدرت رواية منيف "الآن، هنا"... وخلت من أي إشارة الى صاحبها، (...) حيدر، شأني أنا، أصيب بما يشبه الصدمة بسبب إغفال ذكر مصدر القصة". يضيف فالح: "لقد رحل منيف ولن نعرف جليّة الأمر. لعله أودع مكنونه لشخص ما، سنظل بانتظاره حتى لو كان غودو بيكيت! لكن الثابت أن حق الملكية الفكرية غائب"). وإذا ما نحينا جانبا الحذلقة المضحة البيكيتية في كلام عبد الجبار فلن يبقى أمامنا سوى استياءه هو وربما استياء صديقه الشيخ من عدم ذكر اسم بطل الحوارات على الأشرطة في الرواية ومطالبته الكاتب الراحل برد حقوقهما للملكية الفكرية.

2- الرواية المذكورة "الآن هنا" كما يقول عنوانها هي تتمة أو هي جزء ثانٍ من رواية منيف الأشهر "شرق المتوسط" أو هي بمثابة استمرار لروايته تلك والتي كتبها أصلا كقراءة روائية في شهادات ووقائع التعذيب السياسي التي كانت وما تزال سائدة في دول شرق المتوسط.

3- الرواية المذكورة "الآن هنا" صدرت قبل ربع قرن أي في سنة 19911 وكاتبها رحل عن عالمنا سنة 2004 أي بعد عام من الاحتلال الأميركي للعراق فلماذا سكت فالح عبد الجبار ولم يكتب أو يتصل بمنيف حين كان على قيد الحياة ويعاتبه أو يقاضيه مطالبا بحقوقه عن الملكية الفكرية لأشرطة التسجيل خاصته؟

4- هل كان ممكنا لمنيف أن يذكر اسم السيد حيدر الشيخ المعتقل الشيوعي السابق في السجون العراقية فالإيرانية والمشرد من وطنه بعد السجن دون ان يعرضه او يعرض عائلته وذويه في العراق لخطر القمع من قبل نظام صدام سحين سنة 1991 ؟ وإذا كان الشيخ قد التحق بإدارة المنطقة الكردية الخاضعة للحماية الأميركية والأطلسية المباشرة بعد 1991 أفلا يمكن أن يكون منيف قد اقتنع بعدم الإشارة الى هذا السيد آنذاك لالتباس موقفه السياسي ودخوله في خدمة إدارة تابعة للاحتلال الأميركي غير المباشر؟ نحن هنا نطرح احتمالات لا أكثر ولكن الأكيد هو ان الأمر لا يتعدى موضوع عدم الإشارة الى صاحب الكاسيتات علما بأن أي ناقد مبتدئ يفرق بين العمل الروائي المنجز وبين ما يستعمله من وثائق صوتية ومرئية وسجلات حكومية ووغير حكومية ...الخ وكان يمكن ان يتوقف الامر عند رسالة عتاب أو استفسار من صاحب الأشرطة للمؤلف في حياته علما بأن ابنة حيدر الشيخ نفسها اكدت في تعليق لها على صفحتها على الفيسبوك حين نشرت مقالة فالح أن أي سرقة أو استيلاء لم تحدث كتبت (للأمانة، هو ما اخذهن بدون علم الوالد لكن ما أخبرهم عن جاهزية الرواية والاهم انه ما أشار الي الشخصية الحقيقة بالقصة ولو بالمقدمة او بالتلخيص) أي أن الأمر لا يستأهل كل هذه المعمعة والجعجعة التي أثارها فالح وبلغت حدود المطالبة بحقوق الملكية الفكرية من المؤلف الميت بعد أكثر من عشرة أعوام على وفاته.

5-هل كان فالح عبد الجبار يمهد لِإطلاق كتاب جديد عما استقر في ذاكرته من حكايات الكاسيتات بهذه الحملة التشنيعية على الروائي الراحل؟ ام أنه يريد استغلال المناسبة للتقرب من الماكنة الإعلامية والثقافية السعودية ليضع خبرته، الثقيلة والحق يقال، في خدمتها، مثلما وضعها سابقا في خدمة مؤسسات الاحتلال الأميركي في عهد غارنر وبول بريمر؟

6- لم يقل فالح عبد الجبار شيئا عن موقف حيدر الشيخ من موضوع عدم الإشارة له في رواية منيف، مثلما لم يقل شيئا عن حيدر الشيخ نفسه كوزير سابق في حكومة الإقليم متهم وعليه قضايا في المحاكم تكلمت عنها الصحافة الكردية المحلية وبعض المواقع اليسارية العراقية نقلا عن تلك الصحافة وتجدون رابط ما نشر بهذا الخصوص في خانة اول تعقيب). ولن نتوقف عند هذه الجزئية لأنها خارج الصدد في الوقت الحاضر ولكنها مجرد إشارة الى ان جهود فالح عبد الجبار لتصوير موكله كملاك طائر تبقى تدور داخل إطار المجاملات والعلاقات بين الأصدقاء والمحازبين والمؤيدين للاحتلال الأميركي على الأقل.

7- معلومة قد تكون مفيدة: إن الراحل منيف نفسه وكما كشفت عن ذلك أرملته السيدة سعاد قوادري منيف قد تعرض لسرقة فعلية بعد وفاته طالت مكتبته التي تضم أكثر من 15 ألف كتاب ومخطوطاته وجميع متعلقاته من بيته العائلي في ريف دمشق، من قبل شخصين ذكرتهما السيدة منيف، وكانت قد استضافتهما بعد ان أصيب بيتهما نتيجة الأحداث الجارية في سوريا.

8- بخصوص ما أثاره أحد الكتبة من اتهامات لمنيف من أنه كان مؤيدا للمقاومة العراقية ضد الاحتلال فهذا ليس اتهاما بل هو مصدر فخر لمنيف ولغير منيف فالمقاومة العراقية، وعلى الرغم من جزئيتها وانقسامها الفئوي والطائفي بين فصائل سنية عديدة وأخرى شيعية بقيادة جيش المهدي الصدري، وعلى الرغم من الدخول المدان والمرفوض من قبل العصابات التكفيرية في القاعدة على الخط ومحاولتها خلط الرايات والأوراق، تبقى – المقاومة ضد الاحتلال الأميركي - أشرف وانبل ألف مرة من خيانة العراق وشعبه والاصطفاف مع المحتلين الذين دمروا العراق ثم جعلوه تابعا لهم تحت حكم رجعي متخلف.

9- ما كتبه أحد أصدقاء فالح عبد الجبار ولنسمه صاحب نظرية (والكاتب مثل ماء الاركيلة: صاعد نازل! / كما كتب جادلا لا مازحا كما يبدو!) محاولا إعطاء الانطباع بان هذه الرواية " الآن هنا" هي رواية ضعيفة. ولكننا نعثر على معلومة مفيدة قالها هذا الشخص وهي أن ثلث هذه الرواية فقط مأخوذ من كاسيتات صاحبه عبد الجبار. أما اتهاماته إلى منيف بانه كان طائفيا في روايته أرض السواد والتي اعتبرها شخصيا اعظم روايات منيف وأهم رواية عن العراق المملوكي صدرت حتى الآن فالواقع أن جغرافية الرواية وشخصياتها محددة بأحياء قليلة من بغداد وهي أحياء تسكنها غالبية من العرب السنة فكيف يمكن لمنيف ان يتكلم عن أشخاص من الشيعة فيها؟ بمعنى لو ان منيف كتب رواية عن مدينة العمارة الجنوبية فهل نتهمه بانه طائفي لأنه لم يذكر شيئا أو شخصيا من السنة؟ أما بالنسبة لقوله (ان كل الابطال الايجابيين فيها هم من السنة وكل الابطال السلبيين والخونة والمتعاملين مع القنصلية البريطانية هم من الشيعة او من ذوي الاصول الايرانية!) فهو كلام سطحي وليس دقيقا أو نظيفا البتة، فالرواية تزخر بالقتلة والمجرمين ومنفذي الاغتيالات وعملاء بريطانيا أو الباب العالي من السنة وكذلك من الشيعة والأكراد ولم يخامرني هاجس كهذا حين قرأت الرواية بجميع مجلداتها مرتين وأعود الى بعض أجزائها بين الحين والآخر. وعموما يبقى الحكم القيمي الذوقي على أي عمل أدبي أو فني أمر شخصي يتعلق بالذائقة الفردية أكثر من تعلقه بشيء آخر له علاقة بالنقد العلمي، إلا إذا تجاوز حدود التعبير عن الذوق الشخصي الى الطعن بصاحب العمل بناء على قراءة غير نقدية ومغرضة. وأخيرا لو كان منيف طائفيا فلماذا صفق الباب خلفه وقطع كل صلاته بالطائفيين في نظام صدام أو في المملكة السعودية وراح يسامر الشاعر الجواهري وضيوفه في دمشق والذين يعرفهم صاحب نظرية " الآركيلة النقدية" كما كتب هو ذاته في شهادته هذه؟! 

 

علاء اللامي

...............

رابط مقالة فالح عبد الجبار

http://www.alhayat.com/Articles/21050584/%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%AD%D9%8A%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%86%D9%8A%D9%81-%D9%88%D9%8A%D9%8F%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%85

رابط التقرير الإخباري عن الاتهامات الموجهة للسيد حيدر الشيخ علي

http://saotaliassar.org/Frei%20Kitabat/02ArabicWriter/HaiderALshaikch.htm

 

hamid lhamdaniالإرهاب داء خطير يمكن أن  ينتشر كالنار في الهشيم في مختلف بقاع العالم إذا لم تتخذ الإجراءات الكفيلة في مجابهته واستئصاله من جذوره ، ويخطئ من يظن أن التصدي له يقع على عاتق الدولة التي تتعرض للإرهاب وحدها ، وتخطئ أيضاً الحكومات التي تعتقد أنها يمكن أن تكون بمنأى عن اكتواء بلدانها بنير الإرهاب والإرهابيين.

كما تخطئ الدول التي تقدم الدعم اللوجستي والمادي والسلاح للعناصر الإرهابية بأنها ستكون بمنأى من سطوة الإرهاب، ولا تكتوي بنيرانه، فقد بات الإرهاب داءأً يبعث بنيرانه شرقاً وغرباً، وبات الإرهابيون يشكلون المنظمات الإرهابية التي تستفيد من تطور وسائل الاتصالات والحصول على المعلومات التكنولوجية اللازمة لصنع المتفجرات، وتبادل المعلومات عن طريق الإنترنيت، وها هي قوى الإرهاب التي تمتلك خلايا نائمة في مختلف بلدان العالم تتحرك لتنفيذ جرائمها كلما طلبت منها قيادة تنظيماتهم ذلك، وفي المقدمة منها منظمة داعش والقاعدة والنصرة وطالبان وبوكو حرام وغيرها من المسميات الاخرى.

لقد جرى تنفيذ جرائمهم الوحشية البشعة في السويد والمانيا وفرنسا الولايات المتحدة واسبانيا وبريطانيا واندونسيا وباكستان والفلبين وروسيا وتركيا والجزائر ومصر واليمن ولبنان وكينيا والعديد من الدول الأخرى، وهي ماضية في توسيع نشاطاتها الإرهابية وتطويرها كماً ونوعاً مما يتطلب معالجة عاجلة لهذا الداء الخطير الذي بات يهدد السلم والاستقرار في العالم أجمع .

وعليه فقد بات على المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحمل المسؤولية المباشرة والكاملة للتصدي للإرهاب والإرهابيين واستئصاال شأفتهم، وإن أي تهاون في هذا الموضوع يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستوى العالم، وما يجري في العراق اليوم من جرائم إرهابية بشعة هو النموذج لما يمكن أن يجري في بلدان أخرى.

إن معالجة هذا الداء الوبيل يتطلب العمل على جانبين:

الجانب الأول: يتطلب معالجة الظروف والمشاكل الاجتماعية والمصاعب الاقتصادية في بلدان العالم الثالث حيث الجوع والفقر والأمراض التي تفتك بالمجتمع تجعل من تلك البلدان البيئة الصالحة لتنامي الإرهاب وضم العناصر الجديدة للمنظمات الإرهابية باستمرار، وهذا الأمر يتطلب أن تدرك الدول الغنية مسؤوليتها في معالجة مشكلة الفقر والبطالة والأمراض، وتخصص الأموال اللازمة للنهوض بالمستوى المعيشي لشعوب هذه البلدان بما يليق بالإنسان، وبذلك نستطيع حرمان المنظمات الإرهابية من كسب المزيد والمزيد من العناصر التي تملكها اليأس من تحسين أحوالها المعيشية، وبالتالي تجفيف المصادر البشرية لهذه المنظمات الإرهابية.

الجانب الثاني: يتطلب إصدار الأمم المتحدة  قانون جديد يضاف  للقانون الدولي يحدد الإجراءات والأساليب التي تترتب على كافة أعضاء المنظمة الدولية للتصدي للمنظمات الإرهابية وملاحقتها، وشل نشاطها وإنشاء قسم تابع لمجلس الأمن يتولى متابعة وملاحقة النشاطات الإرهابية بالتعاون مع كافة الدول المنضوية للمنظمة الدولية، وهذا يتطلب اتخاذ الإجراءات التالية، وإلزام كافة دول العالم بالتنفيذ الدقيق والصارم لها لاستئصال شأفة الإرهاب من جذوره.

 1 ـ إصدار القوانين التي تحرّم وجود المنظمات الإرهابية على أراضيها  وتحديد العقوبات القصوى بحق من يثبت قيامه بأي نشاط إرهاب سواء كان ذلك من خلال تنفيذ النشاطات الإرهابية، أو إنشاء المدارس الدينية التي تحض على الإرهاب باسم مخالفة الشريعة، أو التشجيع على الإرهاب عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية .

2 ـ العمل على إعادة النظر الجذرية في المناهج الدراسية بدءأً من رياض الأطفال وحتى الجامعة بما يتفق مع التوجهات الديمقراطية، واستئصال الأفكار العنصرية والشوفينية والظلامية، ومنع استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، وفصل الدين عن الدولة، ورفض الأنظمة الشمولية تحت ستار الدين أو القومية أو العنصرية. ومراقبة النشاطات التي تجري في الجوامع، وخطب الأئمة التي تحرض على الإرهاب باسم المقاومة .

3 ـ مراقبة الحكومات كافة لحركة الأموال المستخدمة من قبل المنظمات الإرهابية، ومراقبة البنوك والشركات التي تتولى نقل وتوزيع وغسل الأموال العائدة للمنظمات الإرهابية، ومراقبة التبرعات التي تصل للمنظمات الإرهابية من العناصر الداعمة للإرهاب، وإنزال العقاب الصارم بكل من يتولى نقل وتوزيع الأموال وتهريبها والتبرع بها .

4 ـ إلزام كافة الدول بتقديم ما لديها من معلومات عن نشاطات المنظمات الإرهابية إلى اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة بمتابعة النشاطات الإرهابية في مختلف بلدان العالم، وتبادل المعلومات بين سائر الدول بما يحقق متابعة وملاحقة المنظمات الإرهابية ومنعها من ممارسة نشاطها الإرهابي على أراضيها أو إيواء الإرهابيين، أو التستر على نشاطاتهم، أو تقديم الدعم اللوجستي والأسلحة والمعدات والأموال والخبرات العسكرية والتدريب على أراضيها . 

5 ـ اعتبار كل دولة تسمح للمنظمات الإرهابية التواجد على أراضيها، أو ثبوت تقديمها الدعم المادي أو اللوجستي لها دول داعمة للإرهاب، واتخاذ الأمم المتحدة قراراً بوقف عضوية تلك الدولة في المنظمة العالمية، وفرض العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها حتى تتأكد الأمم المتحدة  من توقف تلك الدولة عن دعم المنظمات الإرهابية .

6 ـ إذا لم تتوقف الدول الداعمة للإرهاب عن دعم النشاطات الإرهابية فوق أراضيها، أو تحض على أو تدعم النشاطات الإرهابية على أراضي الدول المجاورة لها فلمجلس الأمن أن يجتمع ويتخذ قراراً باستخدام القوة ضد تلك الدولة التي ترفض الالتزام بمحاربة الإرهاب وتستمر في دعمه أو تشجيعه، مع مراعات عدم الإضرار بشعوب  تلك الدول بأي شكل كان .

7 ـ عدم قبول الدول لجوء العناصر الإرهابية إليها، أو التستر على وجودهم، والتدقيق في شخصية كل لاجئ والتأكد من عدم ارتباطه بأية منظمة إرهابية، وتسليم العناصر الإرهابية التي تدخل أراضيها إلى دولهم لتتم محاكمتهم وإنزال العقوبة التي يستحقونها بهم .

8 ـ مراقبة ومنع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة من تقديم أي نوع من الدعم للمنظمات الإرهابية، وإحالة المسؤولين المخالفين للمحاكم، ومراقبة مواقع الإنترنيت، ووقف كافة المواقع التي تشجع الإرهاب، وتنقل أخبار الإرهابيين، وتمجد أفعالهم الإجرامية، وإحالة مسؤوليها إلى المحاكم لينالوا جزائهم العادل .

إن تكاتف جهود كافة الدول وحكوماتها في التصدي للمنظمات الإرهابية  وتحت راية منظمة الأمم المتحدة، وتقديم الدعم والمساعدة للدول والحكومات التي تتصدى للإرهاب، وتبادل المعلومات، بالإضافة لمعالجة مشكلة الفقر والبطالة في البلدان الفقيرة، والنهوض بالمستوى المعيشي لهذه الشعوب كفيل بالقضاء على المنظمات الإرهابية وتخليص العالم من شرورها .

لقد باتت مسألة التصدي لهذا الشر الوبيل مسألة دولية لا يمكن لأي دولة أن تعفي نفسها من مسؤولية المشاركة الفعالة في مكافحة الإرهاب والإرهابيين، وعلى الدول الغنية أن تتحمل مسؤوليتها في معالجة مسألة الفقر والبطالة وتفشي الأمراض في الدول الفقيرة، فلا يمكن القضاء على المنظمات الإرهابية إذا لم نعمل على تجفيف مصادرها المادية والبشرية. 

 

حامد الحمداني

 

ali mohamadalyousifفي طلب وردني لإبداء الرأي بالوسائل، والكيفية الموصلة لاستعادة العراق الثقافي لحمته بالثقافة العربية الأم وعودته إلى محيطه العربي الثقافي المحذور عليه تواجده الفعلي الفاعل فيه حاليا، بعد العزلة المفروضة عليه في أعقاب التغييرات السياسية عام (2003) وماتلاها من أحداث .

فوجدت الحقيقة الماثلة أمامي كما هي أمام غيري، ملخصها تفكك الخطاب السياسي العربي الحاكم، وتشرذم هذا الخطاب في محاور واستقطابات عربية لاتخدم حاضر ومستقبل أقطار الوطن العربي . ويلاحظ أيضا إلى أي مدى وصل التضاد والتعارض بين السياسي الحاكم واختلاف توجهاته مع المثقف والمنجز الثقافي المفروض والمفروغ من استقلاليته، لكن عدم الإقرار بهذه الاستقلالية النسبية جعلت منه وليدا لهذا الخطاب السياسي العربي الممزق، المشتت، المرتبك، المتعادي فيما بينه، وفي أهم مرفق معطل الفاعلية سياسيا واجتماعيا وثقافيا الذي هو الثقافة العربية في أقطارها، وروافدها في التثاقف العربي البيني، فأصبح تحصيل حاصل مخفي ومعلن هو تبعية التفتيت في الثقافة العربية، وفي منظومة التثاقف العربي البيني وتشظيها قطريا لحاقا بالمتبوع المتفكك السياسي الحاكم .واكثر من ذلك وبمرور الوقت برزت تمفصلات وتقاطعات في مسارات التثاقف العربي التبادلي التكاملي الواحد على صعيد علاقة القطر العربي أو الأكثر مع القطر العربي الأخر وتابعيه!!

من المعلوم ان وحدة الثقافة العربية ووجودها الكياني (معرفيا وحضاريا) يتوقف على مدى تواشج التثاقف العربي البيني لجميع الأقطار العربية فيما بينها، وفي انعدام فاعلية هذا التثاقف يضعف لا بل يلغي أن يكون للثقافة العربية الموحدة وجودا وكينونة حضارية معاصرة، تستطيع بها ومن خلالها اخذ مكانتها المميزة المرموقة بين ثقافات أمم وشعوب العالم.

كما ان عصر العولمة وما يوفره حاليا من تطور مذهل، وثورات متلاحقة في مجال الاعلام والمعلوماتية والاتصالات، اصبح التواصل والتبادل بين الثقافات الاجنبية،  فما بالك بين المجتمعات العربية، يساهم فعليا عبر مد جسور وآليات المثاقفة في نسج علاقات ثقافية متشابكة بين المجتمعات العربية،  وفي تنقل قيم وافكار واساليب في الحياة والسلوك خاصة بكيان ثقافي معين، الى كيان او كيانات ثقافية اخرى، ومن شأن ذلك ان يؤدي بالتالي الى احداث تغييرات جزئية في انماط الفكر والسلوك لدى الافراد والمجتمعات،  وواهم من لا يزال ينمي الاعتقاد في امكان استمرار وجود حواجز سياسية او استراتيجية تحول دون سرعة انتقال المعرفة والافكار والقيم والمكتسبات، فيما بين المجتمعات العربية .(1)

وفي مقارنة بسيطة نجد أنفسنا نحسد ثقافة وأدب أميركا اللاتينية وما بلغته من مكانة عالمية يحترم العالم حضورها الفاعل المميز على صعيد المنتج الثقافي الإبداعي، وصعيد التلقي والقراءة والرواج والترجمة وحتى أفلام السينما، بعد ان حصدت هذه الثقافة المهجنة جوائز نوبل مرات عديدة . ونحن عربيا لانزال أمام حقيقة مؤلمة مخجلة بحقنا، ان مقومات وتراث وتاريخ وحضارة الثقافة العربية والإسلامية هي بلا شك أكثر عمقا وأصالة وتجذرا في وجوب ان تعطي عطاءها المأمول منها، بعد ان برزت ثقافات عالميا هي اقل شانا من العربية الإسلامية وأثبتت مكانتها الدولية .

ان المثاقفة ظاهرة اجتماعية واقعية وتاريخية، بالامكان رصد سيرورتها وتتبعها على الرغم من الظهور البطيء جداً لاثارها . واذا كانت جميع الثقافات البشرية تبدو للعيان المباشر كأنها مستقرة وثابتة، فالحقيقة التي تكشف عنها الابحاث والدراسات الانثروبولوجية الثقافية غير مستقرة وثابتة، والحق ان الثقافات المستقرة استقراراً نهائياً هي تلك التي ماتت وانقرضت منذ زمن بعيد. ان كل ثقافة تتسم بدرجة معينة من الحيوية والحركية وهي بالتأكيد محل تغير تدريجي بطيء قد لا تلحظه الأعين الا بعد انقضاء زمن كافٍ حين يبدأ التغير الثقافي بالظهور طفرات متلاحقة في المناحي المختلفة للحياة الاجتماعية للشعوب .

والواقع ان التواصل والتبادل بين الثقافات بصرف النظر عن مستويات تطورهما اوتقدمها ورقيهما الراهن غدو ظاهرة عالمية موضوعية لم يعد بالامكان تجاهلها ولا غض الطرف عنها، ولسنا في حاجة الى التكرار بان الفضل في ذلك يرجع الى الامكانات الهائلة التي يوفرها حالياً التطور المذهل والثورات المتلاحقة في مجال الاعلام والمعلوميات والتواصل، بحيث ما عاد في وسع احد اليوم ان ينكر الا جهلاً واستكباراً ان التواصل والتفاعل والتبادل بين الثقافات على المستوى العالمي يساهم فعلياً عبر جسور واليات المثاقفة في نسج علاقات ثقافية متشابكة بين الشعوب، وفي تنقل قيم وافكار واساليب في الحياة والسلوك خاصة بكيان ثقافي معين، الى كيان ثقافي او كيانات ثقافية اخرى، جزئية في انماط الفكر والسلوك لدى الافراد والمجتمعات، وواهن من لايزال ينمي الاعتقاد في امكان وجود حواجز سياسية او استراتيجية قادرة اليوم على الصمود طويلاً امام سرعة انتقال المعرفة والمعلومات والافكار والقيم والمكتسبات الانسانية الراهنة، وخلال سيرورة المثاقفة تقوم كل ثقافة بما يمكن تسميته مجازياً بتصدير ثقافي، أي بنقل بعض معالمها وسماتها الى الكيان الثقافي الاخر، وفي الوقت ذاته تستورد منه بعضاً من سماته الخاصة، ويلاحظ ان هذه العملية نادراً ما تكون متكافئة (د.عبد الرزاق الدواي، المثاقفة سيرورة واليات، (عالم الفكر، مج41، ع 2، 2012، ص 177 ).

لاخلاف انه يوجد في أقطار وطننا العربي اليوم أناس متنفذون، يمارسون وبتوجيه سياسي حاكم تعطيل دور التثاقف العربي البيني، وإبعاده عن مقاربات التكامل في تحقيق الهدف الثقافي العربي الواحد، الاهو تاصيل الهوية الثقافية العربية المقسمة والمجزاة، ومن ثم تحقيق حضورها العصري الحضاري بمعزل عن وصاية الارادات السياسية المتضادة، المتعادية، التي اعتادت الصيام على الجهل والافطار على التخلف والفقر الشعبي الجماهيري.وبذلك يكمن سر نجاح ديمومة بقائها على سدة الحكم مدة عقود توريث الاب للابن.

إن في وصاية الفكر الإيديولوجي السياسي الحاكم على حرية التثاقف العربي البيني بين الأقطار العربية، الذي هو مشروع بنية ثقافية حضارية داخل القطر العربي الواحد ومجوعة الأقطار العربية.وفي مصادرة حق حرية هذا التثاقف، وعدم الإقرار باستقلالية تحركه الثقافي، وعرقلة تكامله عربيا كمنتج إبداعي ثقافي متداول ومتبادل بين قطرين أو أكثر وبين مؤسسات ثقافية راعية غير رسمية تجد في مثيلاتها في القطر العربي الأخر تكاملا أفضل.لانه بات من المفروغ منه اليوم عالميا، ارتباط ثقافة أي مجتمع بالمفاهيم الديمقراطية،  وتأمين حقوق الانسان، واحترام حرية الرأي،  والانفتاح على القيم الانسانية السائدة .

جعلت الايدولوجيا السياسية العربية من هكذا توجهات وفعاليات على طريق بناء مشاريع تثاقفية عربية، تابعا مغلوبا على أمره في تنفيذ أملاءات ما يريده السياسي ويرغبه الحاكم منه، حتى وان كان في علم ويقين الحاكم ان ما ينطوي على هذه الإعاقة والتخريب لمشروع ومبادرات التكامل والتبادل التثاقفي البيني العربي العربي من تعطيل دور ما يعلي شان الثقافة العربية على الصعيدين العربي والدولي.

كان طبيعيا جهود ومحاولات تجسير علاقات الالتقاء والتبادل والتثاقف التكاملي بين اكبر عدد من الأقطار العربية بعيدا عن تدخلات وعراقيل مؤسسات السياسي الحاكم ان تصبح حلما لم يتحقق منه شيئا لحد ألان، وطموحا طي القصور في الوصول إلى بداياته الصحيحة، ويرتد بالنكوص والانكفاء على الإرادات الحقيقية المخلصة المبدئية فيقمعها، ويبطل توجهاتها في السعي لتوحيد لغة وخطاب الثقافات العربية المبعثرة في الداخل العربي ونحو الخارج الدولي، بعيدا عن الإعاقات المحورية العربية، وتكتلات تحقيق مقتضيات مصالح السياسي الحاكم قبل أي اعتبار اخر، لذا أصبح تباعد المنابر الثقافية وتبعثر جهودها وتفرقها أمام تجزئة الاستقطابات التثاقفية العربية جغرافيا وابداعيا، على مستوى القطر العربي الواحد والاقطار المتعددة، يستثنى من ذلك قيام بعض دور النشر العربية في تأكيد وحدة التثاقف العربي بالمطبوع المتداول عابر حدود القطر، وكذلك بعض مسابقات الجوائز التشجيعية الفصلية والسنوية، وهي جميعها لاتفي بالغرض والهدف من إشاعة وبناء تثاقف عربي متبادل ومتكامل في مجالات المنجز الثقافي والفني المنوع.

نقول أصبحت المنابر الثقافية الجادة غائبة امام رواج بضاعة ( كانتونات) ودكاكين الثقافات العربية المتعددة التي تمجد كل منها وترفع من ارادة هذا الحاكم دون غيره، وتحتكم بأمره، وتسير بمشيئته، وتتمول بعطاياه وهباته .فهي صاغرة مطيعة تعادي من يعاديه السياسي وتعمل على وفق أجندات سياسية متباينة في تقطيع وشائج التواصل والتكامل والتثاقف العربي لان في ذلك تنفيذ إرادة السياسي.وبخلافه –وهو ما يتكرر في اكثر من بلد عربي واحد- في التمرد على سلطة ووصاية الحاكم السياسي عندها تكون المنابر الثقافية الجادة ومبدعيها يضعون انفسهم تحت طائلة غضب الحاكم ومساءلة أجهزته الحكومية القمعية .هذا هو مشهدنا السياسي الثقافي العربي السائد. انقسامات الايدولوجيا العربية السياسية الحاكمة في دهاليز صنع القرار السياسي، والأجندات الاستقطابية والتكتلات والمحاور على مختلف انواعها ومشاربها، والتدخل في شؤون الدول العربية الأخرى بمختلف الوسائل والسبل، كل هذا جعل من الثقافة العربية وخطابها التثاقفي غير المتكامل عربيا، منقسما على نفسه عدة مرات، وخطابا مؤجلا مغيبا، كما جعل اختلاف السياسي من وحدة مسارات الثقافات القطرية العربية خاطئا وعقيما على مستوى التحقق الإبداعي داخليا والحضور الحضاري خارجيا، كما جعل من سبل تفعيل التبادل والتكامل والتثاقف العربي العربي سبلا غير مجدية لاضوابط مؤسساتية نظامية ترعاها، ولا فعاليات مجمتعات مدنية او غيرها مسموح لها ان تخدم تطورها وتقدمها.فهل من الغرابة ان نجد الثقافة العربية ومشروعها البيني العربي الثقافي رهينة محكومة بالسجن الانفرادي المؤبد داخل القطر العربي الواحد. وليس معنى هذا انه بات بالضرورة او بالمطلق حرفيا ان ثقافات جميع الاقطار العربية ومنجزاتها ومشاريعها التكاملية هي عجينة طيعة يشكلها الحاكم بيده كيف يشاء اذ لانعدم وجود استثناءات متمردة رافضة لكل اشكال الوصاية على الثقافة والمثقفين، لكنها محكومة بخصوصية عوامل كل قطر عربي لوحده، وفي كل الأحوال تبقى المحاولات الجادة في تحقيق مشروع تثاقفي تكاملي عربي بيني بين معظم الأقطار العربية، وصولا لهدف توحيد الخطاب الثقافي داخليا وخارجيا، ومن ثم تأكيد وحدة هوية الثقافة العربية المعاصرة .ويبقى ذلك من الأهداف المصيرية الهامة، وعلى المنابر الثقافية القطرية الموزعة الجادة السعي الحثيث على طريق بناء هذا المشروع البيني العربي فهو بداية مشروع حضاري للثقافة العربية. وللحد من إشكالية عرقلة المشروع التثاقفي عربيا لابد من التوجه والعمل وبدعم حكومي ومؤسساتي إن أمكن او بدونهما، في ضرورة خلق المشتركات التثاقفية، وتجميع الطاقات الموزعة وابراز فعالياتها وتأثيرها، كما ان السعي إلى توحيد الجهد السياسي المؤثر في بعض الأقطار العربية المتعاون مع الجهد التثاقفي والتكامل الإبداعي بما من شانه إعطاء دفع تعجيلي لمشروع التثاقف في حرية الحركة والامتداد خارج القطر العربي الواحد، والاستقلالية المهنية في تلاقيه وتكامله مع نظائره من الطاقات على امتداد الوطن العربي. وان جهود المؤتمرات والمهرجانات المحكومة حاضرا بهيمنة السياسي وتوجهاته، في حال تخلصها من الأمراض المزمنة يمكنها من خلال تلك اللقاءات والمؤتمرات من بلورة المشروع التثاقفي العربي.ويأتي بداية أهمية تطوير عمل هذه المؤسسات بالمقترحات التالية وغيرها من الإمكانات العديدة المتاحة :

• الاستفادة من مصالحة السياسي مع الثقافي، أي مصالحة الفكر السياسي الحاكم وغير الحاكم مع الفكر الثقافي والإبداعي الفني داخل القطر العربي الواحد، والاستفادة من الدعم الحكومي في حال توفره لبناء المشروع التثاقفي العربي.

• الاقرار باستقلالية الفكر السياسي عن الفكر الإبداعي ليس على مستوى البناء المعماري الفني والجمالي بل وعلى مستوى الفعالية التثاقفية في المحيط العربي وان العمل الثقافي مع السياسي هو عمل تكاملي في تحديث بنية المجتمع من كافة النواحي، ثقافيا اقتصاديا سياسيا، والإبتعاد عن منطق وإستراتيجية التضاد المستحكم المزمن بين السياسي والمثقف.

• إشاعة روح التعاون وتوحيد الجهود في عمل الاتحادات والمؤسسات الثقافية العربية، ونبذ نزعة الاختلاف واختلاق الازمات، وعدم شحن المهرجانات واللقاءات والمؤتمرات الثقافية بالمقاطعات غير المبررة، وتغليب المناكدات بلا سبب معقول.

• التخلص من نزعة الاقصاءات والتهميش الثقافي لهذا القطر العربي اوذاك ماخوذا بجريرة السياسي، فلا تخلو توصية ختامية لمؤتمر عربي من تجديد مقاطعة قطر عربي اواكثر، فالاقصاء والتهميش لاي قطر عربي ثقافيا يقوم اليوم على سند ارادات سياسية في وضع شروط تعجيزية مسبقة ومختلقة، في حين كل ذلك لاتوصي به ولا سبقت ان عملت به مؤتمرات الاتحاد العربي لان في ذلك خرق واضح لثوابت توحيد الثقافات العربية المجزاة وليس في مثل هذه الممارسات جدوى على وضع تاسيسات راسخة لمشروع تثاقف عربي والاعلاء من شان هوية الثقافة العربية.

 

علي محمد اليوسف

........................

هامش

 (1) د. عبدالرزاق الدواي، عالم الفكر،  مج 41، ع 2،  2012 الفلسفة والثقافة في عصر العولمة ص 117 .

 

zouhair khouildi"يجب إصلاح الذهنيات لفهم القيمة الحيوية للفهم وهذا ما يفترض بطريقة تبادلية إصلاح التربية"1

 تقوم البيداغوجيا المركبة التي يقترحها موران على ثلاث مهارات يفترض أن يقتدر عليها كل مدرس:

- الوصل بين المعارف نظما وتأليفا وربطا وتركيبا وليس تجميعا أو مراكمة أو تكديس أو خلط.

Relier les connaissaces ويكون الغرض هو استهداف معرفة المعرفة.

- شحذ الذهن بشكل تام la tete bien faite وذلك من خلال التمرين والتحضير والتركيز والإعداد من أجل عرض وتدريس المشاكل الجوهرية والضرورية بدل أن تظل مخفية وجوهرية.

- إدماج الاختصاصات الموجودة من أجل رفع التحديات التي تعترض حياتنا الفردية والثقافية والاجتماعية والكشف عن الألغاز العميقة التي تتعلق بالكون والحياة والكائن البشري .

على غير عادة الحداثة الغربية يدشن موران حقلا يند عن كل قرار تجتمع فيه الأفكار الفلسفية والمعتقدات الدينية دون الوقوع في الوثوقية والاختزالية والتبسيط والمراوحات ودون الارتداد للتعصب واللاّتسامح.

لقد أعلن موران عن خطته المتمثلة في التداخل بين الاختصاصات ملكي فعل تربوي من أجل مستقبل قابل للتطبيق والحياة والنمو وواعد بالممكنات.

من هذا المنطلق تتمثل المعارف الضرورية من أجل إصلاح التربية في النقاط التالية:

1- إدراك المعارف العمياء les cécités de la connaissance

من اللازم تحقيق التواصل بين المعارف في مستوى الأدوات والصعوبات والمطالب من أجل معرفة ما يتم معرفته والتعامل مع المعرفة على أنها أداة وقائية من المخاطر الدائمة وعلاجية من الأخطاء والأوهام.

"من الضروري أن يدشن التعليم ويطور دراسة في الطبائع العصبية والذهنية والثقافية للمعارف البشرية، ولمساراتها وكيفياتها واستعداداتها سواء الفيزيائية أو الثقافية التي تكون تحمل خطر الخطأ أو الوهم"2.

2- مبادئ المعرفة الاقتضائية pertinente connaissance

من الضروري أن يتم تنمية المعرفة القادرة على إدراك المشاكل الشاملة والأساسية التي تتضمن المعرفة الجزئية والمحلية. زد على ذلك يلزم أن يتطور الفكر البشري في اتجاه تنزيل جميع المعطيات ضمن سياق عام ومجموع مركب وأن يتم تعليم المناهج التي تسمح بادراك العلاقات المشتركة والتكاملية بين العناصر في عالم معقد3.

3- تعليم الوضع البشري: enseigner la condition humaine

من الضروري تدريس الكائن البشري في جميع أبعاده المركبة وفق اختصاصات متعددة طالما أنه هو في نفس الوقت فيزيائي وبيولوجي وبسيكولوجي وثقافي واجتماعي وتاريخي ويلزم أن يتم تناول هويته الفردية ضمن الهوية المشتركة والتعامل معها من جهة طابعها المركب4.

لكن كيف يمكن الاعتراف بالوحدة والتعقيد التي تجمع وتنظم المعارف المشتتة في وحدة لكل كائن بشري؟

4- تعليم الهوية الكوكبية:

التفكير في مصير الكوكب والخطر المحدق بالنوع البشري هو الدرس الأول والأخير في التعليم وبالتالي يلزم التفكير في تاريخ الكوكب والمضار التي لحقت به من جراء التقدم واكتساب الموت مناطق الحياة5. ما العمل إذا كنا ننتمي إلى نفس الكوكب ونعيش بصورة مشتركة المصير الذي ينتظره؟

5- مواجهة اللاّيقينيات affronter les incertitudes

 لقد راكم التقدم العلمي الكثير من أشكال اللاّيقين وزاد من الاحتمال ومن الأمور التي لا يمكن اتخاذ قرار بشأنها ولذلك يلزم على التعليم أن يدرس هذه اللاّيقينيات التي ظهرت في علوم الفيزياء والتاريخ والحياة.

من المفروض أن يتم تدريس مبادئ إستراتيجية تساعد الكائن على مواجهة الطوارئ واللاّمنتظر واللاّيقين وتعديل التغييرات التي يتعرض لها الفعل وامتحان الأحداث الحاسمة والوقائع العارضة من جهة خرقها للحتمية والقدر. " ينبغي أن يتدرب على السباحة في محيط اللاّيقينيات من خلال أرخبيلات من اليقين"6.

6- تعليم الفهم: enseigner la compréhension

 يعد الفهم في ذات الوقت وسيلة وغاية للتواصل البشري. لكن ما ينتبه إليه موران هو غياب التربية على الفهم عن النظم التعليمية بالرغم من حاجة الكوكب للفهم المشترك في جميع الاتجاهات وكل المستويات.

من الضروري أن تقترن التربية على الفهم بإصلاح الذهنيات وتغيير الأنفس وذلك قصد بناء تربية خاصة بالمستقبل تزيل أشكال اللاّتفاهم وسوء الفهم بين الغرباء وتحقق التفاهم بين البشر ضمن علاقات إنسانية.

إن القضاء على كل الأمراض العنصرية والتفاوت والتمييز والاحتقار والازدراء رهين دراسة أسباب اللاّفهم وجذور أشكال سوء الفهم وعلامات التعصب ووضع الركائز الراسخة لتربية من أجل السلم7.

7 - إيتيقا النوع البشري:l’ethique du genre humain

من الضروري أن يقود التعليم إلى ميلاد أنثربولوجيا إيتيقية أو إيتيقا أنثربولوجية تمنح الاعتبار للطابع الثلاثي للوضع البشري الذي يتكون من الفرد والمجتمع والنوع وتفرض على المجتمع مراقبة من طرف الفرد وعلى الفرد مراقبة من طرف المجتمع وتستدعي الديمقراطية من حيث هي إيتيقا تضامنا أرضيا.

تتشكل الإيتيقا داخل الفكر من خلال الوعي وتجعل من البعد الإنساني للفرد في ذات الوقت جزء من المجتمع وجزء من النوع وتحمل أبعاده الثلاثة الاستقلالية والمشاركة الجماعاتية والوعي بالانتماء.

هكذا تتحرك حسب موران الإيتيقا حول مقصدين سياسيين كبيري:

- بلورة علاقة رقابة مشتركة حول المجتمع والأفراد بواسطة الديمقراطية

- استكمال الإنسانية من حيث هي جماعية كوكبية ومصير مشترك للأحياء 8.

لكن كيف يسهم التعليم حسب أدغار موران في ترجمة الوعي الإنساني بالكوكب- الوطن في إرادة المواطنة الكوكبية؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

............................

الهوامش والإحالات:

[1] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, éditions du seuil, Paris, 2000, p117

[2] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, op.cit.p12.

[3] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, op.cit.p12.

[4] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, op.cit.p13.

[5] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, op.cit.p13.

[6] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, op.cit.p14.

[7] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, op.cit.p15.

[8] Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, op.cit.p16.

المرجع:

Morin (Edgar), les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur, éditions du seuil, Paris, 2000.

ali mohamadalyousifبدءا علينا التمييز بين ثلاث مصطلحات لغوية فلسفية انثروبولوجية متداخلة، مختلفة ومتباينة ايضا. المصطلح الاول هو التوحد (Autismus) وهو مرض شائع يصيب الاعمار الطفولية والشابة سنأتي توضيحها لاحقا. والمصطلح الثاني الذي ورد في كتابات ابن سينا، وابن طفيل، وابن باجة، والفارابي، والسهروردي، فهو عندهم (المتوحد الفيلسوف) ومرادفه الحرفي باللاتينية (Autismusly Philosophy) وهي لا تعني المتوحد المريض هنا. وما ينطبق على مصطلح المتوحد الفيلسوف حسب فلاسفة المسلمين هو المبدع الاغترابي او المنعزل اجتماعيا،، والمصطلح الذي ينطبق على حي ابن يقظان على اعتباره فيلسوفا وحيداً هو (the lonely philosophy)، والفرق بين المتوحد المريض (Autismus)، والوحيد الاغترابي المتفلسف (lonely) او (Self-estrangement)، ان المتوحد كما وردت في كتابات افلاطون، وابن سينا، والفارابي وابن باجة، وابن طفيل، والسهروردي هي بخلاف المصطلح الطبي (Autismus) بمعنى هو الشخص المنعزل السوي انسانيا والذي يهجر المجتمع وينعزل عنه بارادة فلسفية عقلية مسبقة، وهي مرحلة من مراحل بحثه الاستقرائي عن الحقيقة، تليها المرحلة الثانية في عودته للمجتمع والناس ونشر افكاره ورؤاه التي استخلصها من تجربته (الاغترابية) لاصلاح المجتمع، واقامة مرتكزاته على اسس من تصوراته الفلسفية، اما الوحيد (The lonely) فهو الانسان الذي يجد نفسه منعزلا (مكانيا) من غير ارادته ولا رغبة منه، كما في حي بن يقظان الذي ارضعته وانشأته ظبية الى سن ثماني سنوات وعاش معظم سني حياته وحيداً في جزيرة غير مأهولة بالكائن الانساني. وقد وجد ابن الطفيل مستفيدا من افلاطون في الجمهورية، والفارابي في المدنية الفاضلة وابن باجة، وابن سينا، ان (المتوحد) تتفق مع تفكيره اتفاقا متطابقا في كتابته لرائعته (حي بن يقظان) مؤكدا فكرة الفيلسوف المتوحد التي استطاع عن لسان حي بن يقظان تأكيد استخدام العقل لسبر اغوار وفك مرموزات حقائق الخلق وظواهر الميتافيزيقيا والوصول لمعرفة (الله).

اما المصطلح الثالث الاغترابي (Alienationlty)، فهو قرين الفيلسوف المتوحد بالتمام والخصائص، فهو يعتزل الناس والمجتمع بارادة فلسفية ليعود ثانية برؤى اصلاحية تكسر حاجز اعتزاله المجتمع للتبشير بافكاره(1). والاغترابي هنا اما ان يكون فيلسوفا مفكرا، فنانا، اديبا، شاعرا صاحب انتاجية ابداعية...الخ.

وقبل الخوض في المفهوم الفلسفي للمتوحد الفيلسوف الذي هو (الاغترابي) المبدع استعير الحادثة الواقعية التالية عن مرض (التوحد) (Autismus) والفت الانتباه تأكيدا ثانيا، بان مصطلح (المتوحد) كما وردت عند فلاسفة الاسلام، الذي سنتناوله فلسفيا، لايقصد به المتوحد المريض طبيا، والخطأ اللغوي الحرفي كان من الممكن تصحيحه بـ (الاغترابي) او الوحيد الفيلسوف (2). لان مصطلح المتوحد تعود اشتقاقا لغويا الى التوحد بمعنى المرض، وليس بمعنى المتوحد الفيلسوف.

وهذا نموذج المتوحد المريض:

عرفتُ حادثة مريض التوحد (شابا) كان متفوقا بالدارسة، ومعدله في امتحان البكالوريا للفرع العلمي كانت 96%، ترك كلية الهندسة بكل يسر وسهولة، كان يحب العزلة منذ صغره، وعدم الاختلاط بالناس، يلتزم الصمت كثيرا، ولديه تصرفات غريبة تأتيه على شكل نوبات انفعالية، شرود وذهان عقلي، وعبارات فلسفية، بلغ سن الثانية والعشرين ولم يشخص مرضه طبيا، انه مصاب بمرض التوحد، حتى وقعت الكارثة، اذ استطاع بعبقرية مذهلة من تدبير خطة بمعزل عن مراقبة والده واخويه وكل من في البيت، حصل على قطعة حديد مجوف (انبوب) مع بطارية كهربائية، واسلاك ومستلزمات اخرى بسيطة، كان يقفل عليه باب غرفته متخفيا عن لفت الانتباه، وهو يصنع آلته، معتمدا قوانين ميكانيكا الفيزياء، وحصل على رصاصة (طلقة) مسدس او بندقية، بمستطاعها كما هو مرسوم، عند قدحها وهي مثبتة داخل الماسورة (الانبوب) الحديدي في احد جانبيه ان تنطلق وتصيب هدفها من الطرف الثاني، وضع كرسيه وجعل فوهة الانبوب الحديدي الجانب الثاني تلامس رأسه من الخلف، بحيث انه اذا ضغط بابهام قدمه اليمنى على (زر) مربوط بشبكة من الاسلاك الموصلة للكهرباء تشحنها بطارية مسببة قوة الضغط التي سترطم مؤخرة الرصاصة بقادح يجعل الرصاصة تنطلق داخل الانبوب الحديدي كمثل انطلاقة الرصاصة داخل ماسورة المسدس او البندقية وبنفس السرعة، وضغط الزر بابهامه لتنطلق الرصاصة وتخترق جمجمته من الخلف منهيا معاناته النفسية التي لا تحتمل بالانتحار الذي ادهش الجميع، في مقدمتهم رجال شرطة التحقيقات الجنائية.

بعد هذه الحادثة بسنوات قرأت ما يلي للدكتور عبدالرزاق الدوّاي، كتب في بحثه: (الاشخاص الاذكياء يتصرفون بطريقة غير عقلانية في بعض الاحيان، ونجد نسبة عالية من المرضى النفسيين الذين يتمتعون بقدرات ذهنية عالية تتجاوز المتوسط المعتاد، بحيث ان مجموعة من مرضى الانفصال في الشخصية، او التوحد، يقعون ضحية ذكائهم الخارق)(3).

هذا نموذج المتوحد المريض، وليس المتوحد الفيلسوف والان نعود لموضوعنا الاغترابي او المتوحد الفيلسوف غير المريض في كتابات الفلاسفة المسلمين، يشترك المتوحد الفيلسوف والاغترابي المبدع انهما شخصان سويان غير مريضين ويشتركان في (الغربة والانكماش على الذوات خشية الضياع في الحياة المتقلبة، ويبقيان غير مستلبين ذاتيا ورمزا لثبات الموقف وسلامة النظر والمعرفة)(4).

وعند ابن باجة في كتابه (تدبير المتوحد) رسائل بن باجة الالهية/ تحقيق ماجد فخري يصف المتوحد(5) (بالانسان الكامل الذي يتبع عقله ويسيطر على غرائزه وشهواته، فالمتوحد ليس زاهدا ولا متصوفا، وانما هو فيلسوف يحيا حياة عقلية محضة، فيأخذ نفسه بالبحث والنظر ويعني بتدبير شؤون الحياة في المدينة الفاضلة على اساس الرؤية والفكر)(6).

والمتوحدون في نظر ابن باجة مواطنون في الدولة المثالية، وان كانوا غرباء في المجتمع الحقيقي، الا ان جرأتهم الروحية تدفعهم الى مجاوزة شروط الواقع والى سلوك منهج عقلي يهيئون به اسباب السعادة في الدنيا والاخرة، وان تأثر بن باجة بالفارابي اكده المستشرق (بور) ويرى ابن باجة، وهذا جوهر نظريته ان الانسان كائن متوسط بين الالهي والبهيمي، ويحسن به ان يسلك المسلك الالهي ما امكنه، ولا يتأتى ذلك الا بالتوحد، وهنا ابن باجة متأثر بالنزعة اليونانية (افلاطون) في الجمهورية(7).

وقد يتبادر الى الذهن ان التوحد هو انعزال الانسان، يعيش في برج عاجي، يتأمل العلوم النظرية فيصل بذلك الى الاتصال بالعقل الفعال، ان العزلة التامة مخالفة لطبيعة الانسان، من حيث انه مدني اجتماعي  بالطبع، فلذلك يكون المتوحد واجبا عليه السير في ان يعتزل الناس جملة ما امكنه، ولا يلامسهم الا في الامور الضرورية، او بقدر الضرورة، أي ان العزلة التي يطلبها ابن باجة ليست العزلة المناقضة للناموس الطبيعي الاجتماعي، انما هي علاج لبعض السير، أي المدن الفاسدة من امراضها الاجتماعية(8). لقد حاول ابن باجة في كتابه (تدبير المتوحد) ان يصف كيف يمكن لفرد او جماعة صغيرة من المفكرين الاحرار ان يكونوا ضمن المدنية الحقيقية، مدينة جديدة فاضلة، يتضح هنا تأثير الفارابي في ابن باجة وتأثير افلاطون على الفارابي – يتخذون المدينة الفاضلة هدفا او مثلا اعلى للمستقبل.

اما ابن طفيل في قصة حي بن يقظان فيذهب كامل عياد في تحقيقه للمدونة، فهو يشرح مراحل التطور الطبيعي للانسان في حالة محضة، ويبين لنا علاقة الفرد بالجماعة بصورة حية واضحة، فانتخب من اجل هذه الغاية جزيرتين مسرحا لقصته في احداهما نجد المجتمع البشري بكل عاداته وتقاليده المتوارثة (جزيرة ابسال)، وفي الثانية الانسان المتوحد في تطوره الطبيعي بعيدا عن تأثير المجتمع – (جزيرة حي بن يقظان) فكل من حي وابسال يسكنان منعزلين احدهما عن الاخر كل واحد في جزيرته، في البدء كان سفر أبسال الى جزيرة حي واشتراكهما معاً بالاستدلال العقلي وتعلم حي بن يقظان لغة الكلام من أبسال، ومن ثم سفرهما معاً الى جزيرة ابسال المأهولة اجتماعيا واقامتهما بين سكانها فانه بحسب كامل صليبا ليس سوى وسيلة للنقد الاجتماعي من طرف خفي، فقد اراد ابن طفيل بذلك تشريح احوال عصره الاجتماعية وبيان فساد الانظمة وانحطاط الاخلاق وتفسخ العقائد الدينية. وبعد ان أديا ما يتوجب عليهما من اصلاح عادا الى جزيرة حي بن يقظان الخالية من السكان ليتعبدا، بالاستدلال الفعلي للخالق (الله) حتى وفاتهما.

للسهروردي المتصوف المقتول بحلب عام 587هـ رسالة قصيرة اسمها (الغربة الغربية). يبدأها قائلا:

(اني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والاشارات العميقة، عارية عن تلويحات تشير الى الطور الاعظم المخزون في الكتب الالهية والذي يترتب عليه مقامات الصوفية، واصحاب المكاشفات ولم يشر الى ذلك الا في آخر الكتاب اردت ان اذكر طورا في القصة، أسميتها أنا قصة الغربة الغربية). (9).ان قصة حي بن يقظان للسهروردي تنطوي على سياحة روحية يتخيل السهروردي فيها نفسه كائناً بين مغرب الارض ومشرقها، وبين الارض والسماء، ثم يشرح تلك السياحة حالا من الوصول (الاتصال بالالوهية) وهو يفعل ذلك بطريقة رمزية، ولما وصل الى قمة الجبل سينا، ظنّ انه وصل الى المكان الذي يصل به الى الله (لان موسى كان قد صعد الى قمة جبل سيناء فتجلى الله عليه وكلمه). ولكن السهروردي يدرك ان فوق جبل سيناء جبالا كثيرة وان وراء هذا الاب الروحي الذي خاطبه اباء روحيين كثار، ثم ان الذي كلم السهروردي على جبل سيناء افهمه انه يجب ان يعود الى الارض، ثم بشره بانه يصل الى إله بعد ذلك لقد اراد السهروردي ان يبين المرحلة الاخيرة للترقي عند الانسان، وهي اتصاله بالله، وانكشاف العالم له، والتغلب على العقبات التي تعترضه من شهوات وطباع وغرائز، وانه لايمكن التغلب عليها الا بجهد كبير، والهام من الله تشير اليه قصة الهدهد مع سليمان فلئن كان حي بن يقظان في نظر ابن سينا هو العقل الانساني وفي نظر ابن طفيل هو الانسان نفسه باحثا منقبا عن الحقيقة حتى يصل اليها، فان حي بن يقظان عند السهروردي هو الانسان الذي اكتمل عقله واراد ان يصل من طريق الكشف والفروق الى معرفة ربه، ثم وصل بعد طول عناء، فابن سينا جعله عقلا متفلسفا، وابن طفيل ارقى مما وصل اليه انسان ابن سينا، وانسان السهروردي ارقى مما وصل اليه انسان ابن طفيل(10).

 

علي محمد اليوسف - الموصل

.......................

(1) راجع كتابنا سيسيولوجيا الاغتراب، قراءة نقدية منهجية في فلسفة الاغتراب، دار الشؤون الثقافية بغداد 2010، والطبعة الاخرى فلسفة الاغتراب، دار العربية للموسوعات، بيروت 2013.

(2) يراجع كتاب الفيومي، ابن باجة وفلسفة الاغتراب، دار الجمل، بيروت، 1988، ص196.

(3) د. عبدالرزاق الدوّاي، مجلة عالم الفكر، مج41، كانون اول 2012، ص70.

(4) د. عبدالقادر موسى حمادي، فكرة المتوحد عند فلاسفة الاسلام، مجلة دارسات فلسفية، ع20، 2007، ص127.

(5) ترد لفظة المتوحد هنا باصل الكلام المقتبس على انها ليست قرينة مرض التوحد، كما قد يتبادر للذهن، وانما المقصود بها هنا، الفيلسوف المتوحد المنعزل اجتماعيا، او الذي يعيش وحيدا اغترابيا.

(6) المصدر السابق، نقلا عن جميل صليبا، تاريخ الفلسفة، ص267.

(7) نفس المصدر السابق نقلا عن الفيومي، ابن باجة وفلسفة الاغتراب.

(8) المصدر السابق، ص109.

(9) د. عبدالقادر موسى حمادي، مصدر سابق، نقلا عن جميل صليبا.

(10) حي ابن يقظان، تحقيق امين، ص39.

 

الإهداء: إلى الأُستاذ الدكتور علي القاسمي، الباحث الموسوعي المُمَيَّز في علوم اللغة المختلفة؛ ومنها  الترجمة التي تشغل  نصيباً كبيراً من اهتماماته فهو دائم الانشغال بها والاشتغال فيها. وقد تناولَ، على عُجالة، بعضاً من خباياها وخفاياها في تقديمهِ لترجمتهِ لرواية أرنست همنغواي " الوليمة المتنقلة" .

مقدمة:

بادئ ذي بدء، أود التأكيد أن هذه المقالة، وإنْ كانت ملاحظات  عابرة، يمكن أن تؤسس وتمهد لدراسة  أكاديمية  أكثر عمقاً. ثانياً ، لقد كُتِبَ الكثير الكثير  بهذا الخصوص وأشبعها الباحثون قتلاً، كما يُقال، من زوايا عدة ، لكننا لن  نتناولها هنا. وأخيراً، مع أن دراستنا المتواضعة تطبيقية بحتة، إلا أنها ليست تفصيلية، إذ ينصب هدفها الأول والأخير على مقام المُترجِم باعتباره الوسيلة لإتمام عملية التواصل اللغوي الاجتماعي بين لغتيّن مختلفتيّن. ومن الجدير ذكره هنا الإشارة إلى أن ملاحظات الجاحظ  النقدية الفذة  التي ذكرها في كتابه الحيوان ، تمثل مدخلا رائعاً في فهم وظيفة المُترجِم. بمعنى أكثر وضوحا، سأتناول مدى فهم المُترجِم لما يُترجِم وكيف يقرأ المُتَرجِم النصّ المُترْجَم؛ فضلاً عن كيفية استخدامه للموارد اللغوية التي بحوزته في نقل النصّ.

 بينما كنتُ أقرأ  ترجمة  الدكتور أحمد الصمعي (أستاذ اللغة والأدب الإيطالي المعاصر في الجامعة التونسية) لرواية مقبرة براغ ، استوقفتني جملة أمور في الترجمة تتعلق أغلبها بالصياغة اللغوية للنصّ العربي المُترجَم؛  أعني التراكيب النحوية في النصّ الجديد من حيث مدى اقترابها أو ابتعادها عن التعبير بالعربية. وكنتُ بصدد كتابة مقالة أتعرض فيها أساساً لكشف وتبيان  الخيارات اللغوية التي بحوزة الكاتب عند نقل النصّ من لغة الأصل إلى العربية؛ غير أنَّ فضولي قادني الى الشابكة (أي الإنترنت،  هذا المصطلح استعرته من الأُستاذ علي القاسمي) فعثرتُ على ترجمة الأُستاذ خضير اللامي  وتبيّن لي أنها عن الإنجليزية؛ أي ترجمة عن ترجمة.  فطفقتُ أقرأها ووجدتها  من الصفحة الأولى مختلفةً تماماً عن  النصّ العربي المُترجَم مباشرةً من الإيطالية. ولكي أعثر على سبب هذا الفرق الشاسع، كان عليَّ مُراجعة  الترجمة الإنجليزية (التي ترجم عنها الأُستاذ اللامي) وزيادةً في طلب الإيضاح راجعتُ الترجمة الإسبانية أيضاً لقربها من الإيطالية. وسأورد النصوص محل الاشكال مع ترجمتي لها.

سأقصر ملاحظاتي على الصفحة الأولى من النصّ العربي المُترْجَم فقط باعتبار أن البداية "غالباً " ماتكون  مفتاحاً للنصّ وليس مقياساً   له.

1- في الفصل الأول.ص 11 . يبدأ سوء الفهم من السطر السابع حيث يقول " الذي صادف أن وجد نفسه في احد المكانات القليلة في باريس ليتجنب دمار البارون هاوسمان".  وهنا لابد ذكر أولاً ملاحظة تتعلق بتحرير النّص ألا وهي أن قوس الاقتباس أو التنصيص  قبل بداية الفقرة " الذي....." ، لم يُسدْ كما يجب مثلما هو موجود في النصّ الإنجليزي والذي ينتهي ب" إتيان دوليه". وسبب ذلك أنه قد يحدث، أقول قد يحدث التباس أن "إتيان دوليه" هو المقصود بالفقرة بعده المبتدأة بالذي صادف.... هذه ملاحظة عابرة جدا.

أبدأ الآن بالتفصيل مُحللاً كل تركيب يستحق التوقف عنده. وأول هذه الاشكالات هو استخدام   "ليتجنب...."  العائد على عابر سبيل المذكور في بداية الفقرة ؛ وهو استخدام  غير موفق لأنه يغير المعنى الذي لم يرد في النصّ الإنجليزي على هذا النحو. النصّ يقول الآتي: "عابر [........] يكون قد وجد نفسه في إحدى الأماكن القليلة التي لم تطلها أعمال الهدم التي قام بها البارون هاوسمان. " بمعنى أن عابر السبيل لم يتجنب أعمال الهدم التي تُوحي أنها قائمة وقت عبوره بل أن هذه الأماكن قد نجت [وهو ترجمة حرفية  لمفردة spared from كما يوضح النصّ الإنجليزي] من أعمال الهدم. والفرق الدلالي كبير.

A passerby on that gray morning in March 1897, crossing, at his own risk and peril, place Maubert, or the Maub, as it was known in criminal circles (formerly a center of university life in the Middle Ages, when students flocked there from the Faculty of Arts in Vicus Stramineus, or rue du Fouarre, and later a place of execution for apostles of free thought such as Étienne Dolet), would have found himself in one of the few spots in Paris spared from Baron Haussmann’s devastations”, amid a tangle of malodorous alleys, sliced in two by the course of the Bièvre, which still emerged here, flowing out from the bowels of the metropolis, where it had long been confined, before emptying feverish, gasping and verminous into the nearby Seine.

وضعت خطاً تحت الفاعل وتحت الجملة الفعلية وتوابعها ؛ انظر وتأمل لقوسي الاقتباس في النصّ الإنجليزي حيث لا يمكن حصول التباس اطلاقاً بين (Étienne Dolet) ومابعده من تركيب وهذا أيضاً قليل الأهمية بالمقارنة بما يلي هذه الجملة المتصلة تركيبياً معها. يقول  نصّ الأُستاذ المُترجِم:" وسط أزقة متشابكة نتنة، انشطرت الى شطرين باتجاه بيفيريا التي ماتزال  ظاهرة للعيان هنا، منسابة من احشاء العاصمة، حيث كانت في حالة مخاض لفترة طويلة،قبل افراغ حمتها ولهاثها وقذارتها على مقربة من نهر السين."

النص الإنجليزي حسب فهمي له، بالخط المائل في أعلاه، يقول التالي: " وسط شبكة أزقة نتنة، شطرها مجرى ال Bièvre إلى شطريّن،[ كان لايزال ظاهرا هنا]، والذي يجري(ينبع) من أحشاء العاصمة حيث كان مقصورا عليها (أومحجوزا لها ) ،قبل أن يفرغ نفسه مهتاجاً ، متلهفاً ومليئاً بالحياة في نهر السين القريب".

سأوضح لاحقاً لماذا استخدمتُ لفظتيّ التلهف والامتلاء بالحياة لوصف النهر على خلاف المعنى الحرفي : مُزبداً أو لاهثاً للمفردة الثانية، وقذراً أو متسخاً للاخيرة.

اشكالية اللامي، إن أردنا  تخفيف قولنا سوء فهمه للنصّ، تكمن في فهم مفردة ال Bièvre ، [ و هو نهر حقيقي موجود في باريس] إذ جعلها بصيغة المؤنث؛ علماً أن النهر حتى لو كان مؤنثأ يُستخدم التذكير معه مثل قولنا دجلة يقطع بغداد الى نصفيّن ونعني به نهر دجلة. وثانياً إنهُ غيّرَ التركيب إذ جعلَ الأزقة تنشطر باتجاه النهر بينما النهر هو الذي قسمها الى قسميّن وهو الأمر الذي يولد سوء فهم من طرف القارئ وكأن الأزقة هي المقصودة بالحديث هنا ؛ وأخيراً قال على مقربة من نهر السين بينما النص يشير الى نهر السين القريب وهناك فرق كبير بينهما. ثالثاً، قوله " كانت في حالة مخاض" يولد اشكالاً حقيقياً فقد يفهم القارئ أنها تشير للأحشاء بسبب استخذام الضمائر المؤنثة ؛ والنص لايحتمل تفسير المخاض اطلاقاً  . برأينا هذا يمثل  فهماً  خاطئاً للتركيب الاتي:

 (it had long been confined) ، إذ نعتقد أن المُترجِم فسرهُ على غير المعنى الذي قصدهُ كل من  النصّ الإيطالي و الترجمة الإنجيلزية، لأن مفردة confine من حيث هي فعل تدل على التقييد والحصر والحجز . بمعنى آخر، أن النهر مقصور على ، ومحجوز لقلب (أحشاء) العاصمة ، وقد أتى بهذا المعنى مُتَرجِم النصّ الإيطالي للعربية. وتجدر الإشارة إلى أن التركيب التالي which still emerged here في النصّ الإنجليزي غير موجود في النصّ الإيطالي بل هي إضافة من المُترجِم الإنجليزي ولذلك وَضَعْتُها بين قوسين في ترجمتي. يبقى استخدام المُترجِم الإنجليزي لتركيبيّن فعلييّن بدل تركيب واحد يثير اشكاليةً حقاً ، فلماذا فعلَ ذلك؟ هل لأن الفعل الإيطالي (fuoriusciva da) ، الذي ترجمته  الحرفية هي (flowed from) ،يحتمل مثل هذا التفسير؟ أو قد يُحتمل أن المُترجِم  أراد التأكيد على  استمرارية وجود النهر المُعَبر عنه بالتركيب الفعلي "لا يزال" و ظرف المكان " هنا" او "في هذه المنطقة"،فأتى بذلك التعبير. والمثير للالتفات  حقا أن النصّ الإسباني  استخدم الفعل (emergía de ) فعلاً رئيسياً على عكس النصّ الإنجليزي الذي استخدمه (emerged) بدون حرف جر واستخدم معه تركيباً فعلياً آخرا هو (flowing out) فوَلَّدَ هذا الاشكال عند الأُستاذ اللامي. ولربما يكون المُترجِم الإنجليزي قد اطلع على الترجمة الإسبانية التي صدرت عام (2010)، أي قبل عام من صدور الإنجليزية (2011).

ومما يُسند دعوانا هو أن الترجمة الإسبانية، القريبة في تركيبها النحوي من الإيطالية أكثر من الإنجليزية، توضح هذا الأمر مثل وضوح الشمس

 […….] entre  una  maraña  de callejones apestosos, cortados en dos sectores por el curso del Bièvre, que en esa zona todavía emergía de las entrañas de la metrópolis a las que fuera relegado  desde  hacía  tiempo,  para  arrojarse  con  estertores  febriles  y verminosos en el cercanísimo Sena.

وهذه ترجمة حرفية للنصّ الإسباني:

"في وسط شبكة أزقة نتنة، مقسومة إلى قسميّن  بمجرى [نهر] البيفر ، الذي كان لايزال في هذه المنطقة يخرج  من أحشاء العاصمة التي اقتصر عليها (حُبس فيها) منذ فترة طويلة، لكي يقذف  بنفسه بحشرجات محمومة وملآنة بالدود في نهر السين القريب جدا ."

هنا أخفق الأُستاذ اللامي في فهم النصّ حيث أن الفهم يعتمد على السياق الداخلي (سياق لغوي:مفردات وتراكيب مصاحبه) والسياق الخارجي (سياق الحال) الذي يتمثل بالنهر وموقعه الجغرافي وتاريخه وغيرها. فهو جعل الأزقة تتجه نحو النهر، وثانياً حصول التباس في فهم مفردة النهر الفرنسية وهو اسم علم بارز لانه مكتوب بحرف كبير وجعله مؤنثاً. وبالتالي  كل التراكيب التابعة له جعلها بصيغة المؤنث، مما وَلّدَ اضطراباً واضحاً في انتاج الترجمة من حيث كونها نصّاً تترابط اجزاؤه نحوياً ومعجمياً (أي تراكيب ومفردات) .بمعنى آخر، أن النصّ المُترجَم افتقد مقومات النصّ؛ وهذا الأمر [افتقاد مقومات النصّ] واضح أشد الوضوح في أعمال الترجمة عموماً وفي كتابات الناطقين بلغة ثانية. في مثالنا هذا، حصل التباس في  فهم عائدية الضمائر (الإحالة)  بسبب من سوء فهم  لفظ واحد ؛ أعني به تأنيث لفظة النهر فولَّدَ اضطراباً دلالياً ولم يُفلِح المُترجِم في فك الاشتباك من خلال استعمال  الموارد  اللغوية التي تزخر بها لُغَتَهُ العربية.  فقد  يَظُن القارئ  أنَّ المقصود هي أحشاء العاصمة التي جعلها المُترجِم في حالة المخاض وتلقي بحمتها ولهاثها بينما كل ذلك يعود على النهر. لو تأملَنا مثلا تصميم مدينة بغداد وكيف يقسمها نهر دجلة الى "صوبين" كرخ ورصافة لأدركنا التفسير محل الاشكال في  فهم النصّ .

وحتى على مستوى المفردات  المتعلقة بالنهر، نجد أن  مؤلف  النصّ الإيطالي استعملَ الصفات وليس الأسماء مثلما ترجمها الأُستاذ اللامي وهذا خطأ اضافي يضاف الى سلسلة الأخطاء الأخرى والفرقُ واضحٌ جداً بين التعبير بالاسماء والتعبير بالصفات. من بين الترجمات الثلاثة ، نجد أن الإنجيليزية والعربية (ترجمة الدكتور الصمعي) استخدمتا الصفات كما جاءت في النصّ الإيطالي. ولستُ بمقام توضيح الفروق الدلالية للاستعمال؛ غير أني أود التعليق قليلاً على هذه الصفات  التي تصف حالة  النهر وهو يقذف نفسه بنهرالسين وعلى وجه التحديد الثانية والثالثة. فالثانية مع أنها تعني اللهاث ، إلا  أن  المعنى المجازي  ليس ببعيد وهو التلهف لاسيما وأن الصفة الأولى اتسمت بالانفعال والحماس  والثالثة تشير الى الحياة لان اللفظة تدل على الدود ، أي كائنات حية تعيش في هذه المياه القذرة.  أقول هذا لأن الانسجام  الدلالي  بين المفردات هو واحد من الموارد التي تدل على انسجام النصّ ككل  ، وهو أمر يشير ضمناً إلى أن الكاتب، أي كاتب، لا يستعمل المفردات اعتباطا.

صفوة القول ، إن الأُستاذ اللامي قام بعملية تأويل للنصّ، أي أنه أتى بنصّ جديد ولو كان قد خاطب المؤلف الأصلي او المُترجِم الإنجليزي لتفهمَ المرءُ موقفه. أكاد أجزم أن أي قارئ واعي لغوياً  سيدرك من الوهلة الأولى أن ثمة اشكال في النصّ سببه سوء الفهم للنصّ الأصلي  وقد وجدت مثل ذلك عند بعض قراء ترجمة الأُستاذ اللامي في الشابكة . ولم أجد في تعليقات  قراء النصَّيَّن الإسباني والإنجليزي أي إشارة أو مأخذ على لغة الترجمة.

2 – الفقرة الثانية تبدأ مباشرة بعد الأولى.

From place Maubert, already scarred by boulevard Saint-Germain, a web of narrow lanes still branched off, such as rue Maître-Albert, rue Saint-Séverin, rue Galande, rue de la Bûcherie, rue Saint-Julien-le-Pauvre, as far as rue de la Huchette, littered with filthy hotels generally run by Auvergnat hoteliers of legendary cupidity, who demanded one franc for the first night and forty centimes thereafter (plus twenty sous if you wanted a sheet).

 ترجمتي للنصّ

من ساحة Maubert التي  قد غيّرت معالمها جادة Saint-Germain ، تتفرع برغم ذلك شبكة أزقة ضيقة ، مثل

rue Maître-Albert, rue Saint-Séverin, rue Galande, rue de la Bûcherie, rue Saint-Julien-le-Pauvre ،

 حتى rue de la Huchette ، حيث تنتشر فيها فنادق رخيصة يديرها الأوفرنيون (Auvergnat) المشهورون بجشعهم الأسطوري، الذين يأخذون فرنكاً واحداً لليلة الأولى وأربعين سنتيماً لما بعدها من الليالي (ويضاف اليه عشرون سوساً إذا طلبت غطاءً للفراش).

لن أذكر الترجمة الإسبانية لوضوح النصّ في أعلاه؛ غير أني سأفصل الأخطاء التي وقع بها الأُستاذ اللامي. لنرى ما يقول " على مسافة من شارع  لا هوشيه، هناك فضلات مبعثرة فضلا عن فنادق قذرة عموما تقع بالقرب من اصحاب فنادق أوفرني الجشعين بصورة اسطورية، إذ يطلبون فرنكا واحدا على أول ليلة مبيت، وبعد ذلك اربعين سنتا (زائدا عشرين سوسا إذا أراد النزيل أن يتغوط)."

أقول أن  التعبير "على مسافة ...." تعبير خطأ لان النصّ يقول حتى  شارع لاهوشيه أو وصولاً اليه، وهناك فرق واضح جدا وتغيير للمعنى. هذا أولا، أما الأمر الثاني  فهو سوء ترجمة المفردة  littered with  إذ اعتبره اسماً ولهذا قال فضلات مبعثرة بينما هو تركيب فعلي واضح جدا و المقابل العربي هو الأتي: تتوزع وتنتشر بلا انتظام  فنادق رخيصة أو قذرة  في هذه  الشوارع  أو إن أردنا  استخدام الجملة الإسمية  فنقول  فنادق قذرة منتشرة بلا انتظام في هذه الشوارع. الاشكالية التي وقع بها المُترجِم هي فهمه للمفردة  على أنها اسم  وأغفل حرف الجر الذي يشكل مع الفعل تعبيراً اصطلاحياً(Idiomatic expression). نعم ، إنَّ إحدى معاني اللفظ الإنجليزي هو الفضلات لكن  الأمرُ هنا جد مختلف والذي لا يخفى على المشتغلين بالترجمة.  كما أن تعبير "بالقرب من اصحاب فنادق أوفرني" ليس موفقاً هو الآخر، فالنص الإنجليزي في أعلاه وكذلك ترجمتي العربية للنصّ لاتحتمل هذا التفسير لأن الأوفرنيين هم الذين يديرون هذه الفنادق وليس هناك فنادق أُخرى قرب الفنادق التي يديرونها. وأخيراً، انظر الى  مفردة "التغوط"؛  مِنْ أيْنَ أتى بها؟؟؟؟؟ سؤال نوجهَهُ للمُترجِم ليجيبنا عنه. فالمفردة في النصّ الأصلي تشير إلى غِطاء يُفْرَشْ على السرير (المُلاَءَة بالعربي الفصيح ، و بالعراقي: شرشف). هذا يوضح أن المُترجِم غير ملتفت لأهمية السياق اللغوي وإلا ما علاقة التغوط بأجرة المنام !!!!

وبما أنَّ أخطاء الترجمة غير قليلة فقد عزفتُ عن متابعتها  حذو القُذَّة بالقُذَّة مثلما فَعَلَ جورج طرابيشي في نقده لكتاب محمد عابد الجابري: نقد العقل العربي. والأخطاء التي ذكرتها موجودة في صفحة واحدة وهي كافية لتبيان أثر وتأثير  سوء فهم النصّ في المقام الأول في ظهور ترجمة غير سليمة لغوياً. ولتأكيد هذا وجدت من المجدي إيراد جملة من التعابيرالتي لم يُوفق المُترجِم في فهمها وبالتالي أتَتْ ترجمتها مشوهة.      

في الصفحة 20 ورد التعبير التالي " ثمة صدعاً في خبزه".

to recognize a flaw in his own breed

والصحيح هو:  الإقرار بعيب أو نقص يخص بني جنسه.

في الصفحة 21 "سيتجهم كما لو أنه على وشك أن ينفخ على شجرة توت ليقتلعها".

and pout as if he’s about to blow a raspberry.

الملفت في هذا التعبير هو كلمة (raspberry) ، والتي هي استعمال عامِّيَّ دارج يدل على الصوت الخارج من مط الشفة للأمام واخراج اللسان معها ليخرج صوتاً أقرب الى العفاط منه إلى الضراط [وبالتعبير العراقي العامي: يجر زيج]. ويُستخدم للتعبير عن الاشمئزاز والنفور من سلوك شخص. فأين هذا من قلع شجرة التوت  (mullberry) . والكلمة لوحدها تفي بالمعنى ولكن المُترجِم الإنجليزي أضاف إليها الفعل (pout) لتأكيد المعنى لأنه يعني مط الشفة (التبويز: يُبَوّز، البرطمة: يُبَرطِم). وهذا دليل على أن المفردات بعضها يسند بعضاً لإقامة المعنى.

 في الصفحة 22"إن كثيرا من زملاءه الاكاديميين يعتبرونها هبة لمراسلات كاليغولا"

but many of his fellow academicians took it for granted that Caligula

التعبير الاصطلاحي (take for granted  ) كما هو معروف "سَلَمَ جدلاً أو من المُسَلمْ به جدلاً" . فأين مقام الهبة؟   

في الصفحة23 " حتى ينتهي بهم الأمر الى تفريق شعرة الى اربعة اجزاء"

and from the Greeks, indecision and a taste for losing themselves in idle talk until they have split a hair into four.

في هذا المثال، أرى أنه حتى المترجم الأنجليزي نقلها حرفيا مع أن التعبير split a hair  موجود بالإنجليزية ويعني الانشغال بالتفاصيل الدقيقة  جداً التي لاطائل منها ؛ وكان عليه الأكتفاء بتعبير idle talk الواضح الدلالة بالانشغال بحديث غير مجدي ولانافع. والفقرة أعلاه تشير إلى أنهم ورثوا من الأغريق التردد والميل للانشغال في الحديث العقيم الذي يأخذهم للاستغراق لمناقشة أدق التفاصيل التي لاطائل منها. 

في الصفحة25 " وهكذا يستطيع أن ينهض بنفسه من خلف المُصَّبعَة"

so he can arouse himself behind the grille

ضاع فهم السياق اللغوي (المفردات التي قبل هذا الفعل) فأتى بالعجب العجاب؛ وأي قارئ عادي سيدرك سوء التعبير بسبب عدم فهم النصّ الأصلي. وماهذه "المُصَّبعَة"؟؟؟ النصّ يتكلم عن كاهن في الكنيسة يقف وراء  شباك  الاعتراف والإقرار بالذنوب وحين يستمع للسرد الجنسي للمُعْتَرِفْ سيلتذ به ويثير شهوته.

وفي الصفحة نفسها" يستخدم غطاء لاغراءات الشعوب"

because it is used to keep a lid on people’s temptations

 النصّ يتحدث عن نظرة الشيوعية للدين لذلك فهو مفهوم لايحتاج الى  ترجمة أبداً لانه يُترجم نفسه بنفسه. أين ذهب الفعل (keep) من هذا التعبير الاصطلاحي. عندما تضع غطاءً فوق شئ ما، ألستَ تتحكم به!! فالمعنى إذن هو استخدام الدين للتحكم برغبات الشعوب.

وفي الصفحة 26 " الجميع يتسلق الجدار"

All up against the wall

وهذا أيضاً واضح لا حاجة للتعليق عليه لأننا أمام  مشهد إعدام  سيطلق فيه النار فكيف سيتسلقون الجدار.   

وفي الصفحة 27" عكس النادلات اللائي يخالفن قانون المحاكم فيلبسن روب المحاماة"

the waitresses opposite the law courts wear lawyers’ gowns

والصحيح هو: النادلات [العاملات في حانات كائنة ] أمام المحاكم يرتديّن روب المحاماة.

وفي الصفحة نفسها" وجميعهن منفتحات على الشباب"

and all are open even to the young

والصحيح هو  :الحانات مفتوحة حتى للشباب.

واخيرا يندفعون نحوهن بقوة ن إذا لم يكن ذلك أسوء

and finally they get the clap, if not worse.

والصحيح هو : أنهم سيصابون في النهاية  بمرض الزُهري، إنْ لم يكن أسوأ. لأن  مفردة (clap) ، التي هي تعبير عامِّيَّ عن هذا المرض، لها علاقة تأثيلية(بالفرنسية) بمفردات المبغى وانتقال الأمراض الجنسية. ونقول إن السياق اللغوي كما أشرنا غير ذات مرة هو مفتاح  هذا الفهم.

في الصفحة 28 " وأهدأهم جميعا هم لصوص وسفاحون وهم في حالة ذهاب وإياب لانم بحاجة الى مراقبة الفتيات والتاكد من عدم خيانتهن لهم- وفي اليوم التالي حين ينتهون من ذلك يسيبون في بيفريا".

Calmest of them all are the thieves and cutthroats, who come and go because they need to keep a low profile and know the girls won’t betray them—otherwise they’d end up next day floating in the Bièvre.

لاأعرف حقاً معنى "يسيبون" في نصّ الترجمة. والصحيح هو : وإلا سينتهون في اليوم التالي[ اي  يكون مصيرهم طافيين] في نهر البيفر.

  صفوة القول، إن سوء فهم النصّ وَلَّدَ سوء الترجمة.

ويبقى سؤالٌ أخيرٌ يطرح نفسه ، كما يُقال،: لماذا نترجم نصوصاً عن غير لغتها الأُم؟ ما حاجتنا لذلك؟

يمكن تفهم هذه  الممارسة في حقل الدراسات المقارنة في أروقة المعاهد التعليمية العالية  للوقوف على الإختلافات الإسلوبية  بين  لغات معينة . بمعنى أخر، معرفة الفروقات في الموارد اللغوية بين اللغات . الأمر الثاني الذي قد يخطر على البال هو معرفةً  قدرة مُترجِم ما يتقن لغتيّن، بالإضافة إلى لغته الأُم،على نقل المعاني وايجاد المكافئ  اللغوي الدقيق ليصل بعدها إلى نتائج تعينه مستقبلاً في اختيار لغة الترجمة لنصٍّ يتوفر في اللغتيّن اللتيّن يتقنهما.

 لذلك لاأجدُ مُسَوِغاً مقبولاً  لترجمة نص من غير لغته الأصلية ، خاصةً ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين إذ يندر وجود لغة  عالمية لايتقنها ناطقون بالعربية مثلاً؛ وقد يكون صَحَّ ذلك قبل قرن مضى، أما الآن فليس وارداً حدوثه. أرى أنه يشتت جهود المترجمين ولا يعدو  أن يكون حاجة فردية لتلبية رغبات مُترجِم ما لأن يرى هذا العمل أو ذاك مُترجَماً بلغة مُحببة لنفسه. على أنه  لايجب الخلط بين هذا وبين ترجمة نصّ ما في لغة ما ترجمات عديدة الى لغةٍ معينةٍ ؛ لأن هذا شأنٌ آخرٌ تماماً وغاياته تختلف عما ذكرنا لأنه يسعى مثلاً الى بلوغ الكمال، تجوزاً، في نقل النصّ وتبيّن إختلاف المترجمين في توصيل المعنى. وخير دليل هو الترجمات المختلفة  لشكسبير مثلا في العربية، لأن النصّ  الأصلي هو نفس النصّ  على خلاف النصّ الذي عالجناه في هذه المقالة القصيرة. والسبب الرئيسي أن الترجمة الإنجليزية للنصّ غيَّرت فيه ونقلته وفق اسلوب اللغة الإنجليزية المختلف عن الإيطالية ثم نأتي وننقله الى العربية . هنا نحن ننقل نصّاً انجليزياً وليس نصّاً إيطالياً. وافترض جدلاً أنَّ أحدهم سيأتي ويترجم الترجمة العربية، فما عساه أنَّ يكون النص الجديد: عربيٌ، أم انجليزيٌ أم إيطاليٌ. تلك هي الاشكالية الحقيقية التي تولد جملة اشكاليات جديدة.  

  أخيراً، يجدر القول إنَّ  صعوبة  نصوص أُمبَرْتو إيكو لا يسوغ أبداً الأخطاء التي وقع بها المُترجِم وعرضناها  بعجالة. .

 

....................

 الهوامش

1 – النهر  Bièvre  بالفرنسية ؛ واسمه بالإنجليزية Beaver.

2- باستثناء النصوص المقتبسة من ترجمة الأُستاذ خضير اللامي، جميع الترجمات العربية سواء من الإنجليزية أو الإسبانية هي من صُنعي.

3- مقبرة براغ:ترجمة خضير اللامي عن الإنجليزية. دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الأولى 2013.

4- معظم الموجود بين معقوفيّن  هو من إضافتي باستثاء النصّ الإنجليزي الأول.

5- الترجمة الإنجليزية

The Prague cemetery. Richard Dixon  .2011. Houghton Mifflin Harcourt.

6- الترجمة الإسبانية

El Cementerio De Praga. Helena Lozano Miralles.2010. Lumen.

ali mohamadalyousifبعدما كانت علاقة المركز (الولايات المتحدة واوربا) الثقافية والعلمية بالاطراف (دول العالم الثالث – دول الجنوب) تتحدد على الصعيد الثقافي بعلاقة التابع بالمتبوع، ودوران ثقافات الاطراف حول محورية المركز بالتبعية والاتباع، بما كان يطلق عليه الغزو الثقافي، تحولت هذه العلاقة بعد سيطرة عولمة الانترنت والاتصالات وانتقال المعارف بارقى التكنولوجيا الالكترونية المعقدة، الى ما اطلق عليه المفكر الجابري (الاختراق الثقافي) وتحولنا من مرحلة (الغزو الثقافي) الى مرحلة الاختراق الثقافي من الداخل.

ولا اعتقد يوجد من يفكر الآن بان الغزو الثقافي للمركز كان معتمداً الارساليات التبشيرية التي سادت ايام زمان، وانما كانت مرحلة ما اخذنا نتطير من سماعه (الغزو الثقافي) لم يكن قبل عصر العولمة يتم فقط بوسائل مثل التلفزيون والسينما والكتب الادبية والثقافية والتراجم، وانما كان العكس سائدا والى يومنا هذا ايضا، فنحن نرسل البعثات الدراسية الى الخارج مرغمين لتلقي بعض العلوم والمعارف الغربية التي تسبقنا بمراحل زمنية تاريخية طويلة، فيرجع طالب البعثة الدراسية (ليس جميعهم مثل الطهطاوي، وطه حسين، والافغاني، ومحمد عبده)، حاملا شهادة التخرج ليضعها امام مكتب الوزير متباهيا مطالبا بالوظيفة ليفيد ويغير المجتمع، وهو لم يتعلم من البلد الأجنبي الف باء السلوك الوطني والاجتماعي والاخلاقي، ولا القدر اليسير من معطيات الحياة الثقافية الحضارية التي عايشها سنوات دراسته في الخارج فلا عجب ان يصبح بعد سنوات قليلة من وجوده في الجامعة الأجنبية حاصل شهادة جامعية فقط، تفصح عن نفسها في جامعات العراق بملازم ومحاضرات تلقين تدريسي فقط يتأبطها الأستاذ في حقيبة من الجلد، مع راتب مليوني مجز، درجة خاصة. شهادة، وظيفة، معيشة وكفى.

اذكر جاء في زيارة عمل الى لندن وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي (د. ......) في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، وفور وصوله لندن اجتمع بالملحق الثقافي في السفارة العراقية وبعض المسؤولين فيها، وطلب منهم جمع عينات عشوائية من الطلبة العراقيين الدارسين في المعاهد وكليات الجامعات البريطانية، وبعد يومين اجتمع الوزير بـ (النخبة) المختارة من الطلبة، وتكلم - قبل تسابق الطلبة الى عرض مطاليبهم- بأمور تخص الدارس العراقي في البلد الأجنبي، وكانت (زلة لسان) منه هي في تفكيره ومنهجه وتجربته الدراسية يعتبرها من بديهيات ضرورات ارسال البعثات الدراسية الى الخارج، حيث خاطبهم ابنائي اريدكم ان ترجعوا الى العراق ليس حملة شهادات جامعية فقط، وانما ان تعودوا رجال تنوير وبناء لبلدكم، واريدكم ان تعودوا مستوعبين فترة بقائكم، وما اكتسبتموه امام اعينكم وعايشتموه، اريدكم ملاحظة السلوك الثقافي المجتمعي المفيد، واساليب وانماط تعامل المجتمع البريطاني، وخذوا الجيد وما يناسبنا واتركوا الطارئ، وانقلوا لبلدكم المفردات السلوكية التي تستطيعونها في بناء بلدكم، فليس بالشهادة وحدها تستطيعون خلق جيل حضاري متمدن يعيش عصره، في اهم شريحة اجتماعية، (الطلبة) عماد البلد ومستقبله. والعلم والمعرفة ليس كائنات مجردة محفوظة في الملازم التدريسية والمحاضرات والمصادر والكتب فقط.

بعد عودة الوزير الى العراق ، انهالت على رأسه التقارير (الوطنية) من الطلبة للجهات العليا في بغداد حول محاضرة الوزير الحضارية، مع الطلبة الدارسين في بريطانيا، واتهموه باتهامات ابسطها ان الوزير العراقي كان في توجيهاته (عميلا) لبريطانيا. بعدها اعفي الوزير العراقي من منصبه في وزارة (التعليم العالي والبحث العلمي) نتيجة توجيهاته الحضارية، والتحقق من صحة المعلومات المرفوعة على الوزير الواردة في التقارير التي تدينه وتطعن بوطنيته، واسندت اليه وزارة بديلة اخرى ليس فيها دعوة لان يكون العراق بلدا حضاريا كما يعيش الغرب وغيره، ولا فيها تأثر بقوانينهم الوضعية الملحدة، ولا فيها ما يهدد اخلاقنا الوطنية والذاتية وتسميم عقول ابنائنا، وهكذا التزم الوزير الصمت وراء مكتبه طيلة مدة عمله الوظيفي ومغادرته العراق.

ما يطلق عليه المفكر الجابري (الاختراق الثقافي) بمعنى اصبح النموذج الثقافي الغربي بكافة معطياته في التكنولوجيا والعلوم والانسانيات والفنون مثالا يحتذى بعد دخولها بيوتنا وانتشارها في معظم مناحي حياتنا الاجتماعية وغيرها، في اساليب وانماط استهلاكية لا اكثر.

والثقافة العربية منذ عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، كانت عند روادها تتأرجح بين علاقة تقليد المثال الغربي، والانجذاب والشد فيما كان يطلقون عليه الحفاظ على الموروث والهوية واللغة، وكانوا يراوحون بين فكي كماشة، هي المقايسة والمقارنة مع معطيات ثقافتين متناقضتين، ثقافة الغرب التي تتسم بالادهاش والديناميكية والحيوية ومسابقة العصر، واستعياب التطور التاريخي والسيرورة الحضارية، وبين الثقافة العربية الساكنة التي يكون الشاذ المدان فيها من يجرؤ على تحريك مستنقع راكد منها.

فثقافتنا والى يومنا هذا يتجاذبها تكبيل وإعاقات الموروث وعبادته التقديسية، وهذا كان فيما مضى سببا لمراوحتنا الثقافية والحضارية، واليوم اصبح نتيجة لتراجعنا وتخلفنا وجمودنا العقائدي والمعرفي على السواء. ذلك هو ان نظام التعليم عندنا لايزال نظام تلقين، يُحرّم التساؤل والاستفسار والشك والنقد وتحكيم العقل، ويفتقد ميزتين اساسيتين، ميزة النقد العقلاني والمحاورة المعاصرة في النمط التعليمي السائد في جامعاتنا، والنتيجة تخريج عقول جاهزة مقولبة لتلقي (العقائد) التراثية بعقلية منغلقة في اعتبار التعليم واكتساب الثقافة والمعرفة مرحلة (تأهيل!) شهاداتي للحصول على الوظيفة. وبتعبير فكري ادق يشخص المفكر محمد عابد الجابري الداء والدواء في هذه الاشكالية القاتلة: الى ان التعليم السائد في الوطن العربي اليوم، هو اما تعليم ثقافي يصنع عقولا قانونية دوغمائية، واما تعليم ميثيولوجي تلقيني يصنع عقولا اسطورية راكدة، والقاسم المشترك بين هذين النوعين هو غياب السؤال النقدي، لماذا وكيف!؟ والعقل التقاني عقل فارغ من الامور النظرية التي هي ميدان التعدد والاسئلة والاجوبة. ولذلك تجده مستعدا لتلقي العقائد الجاهزة، بمثل السهولة التي يتلقى بها القوانين العلمية فليس غريبا ان تكون المعاهد والكليات من أهم الساحات التي يستقطب فيها التطرف الأتباع والأنصار والأشياع. (انتهى تفسير الجابري)

إن من أهم الأمور التي يحتاجها التعليم والثقافة عندنا هو تفعيل التعامل النقدي العقلاني في جميع مراحل التعليم، وفي غياب هذا التفعيل الحيوي لا نستغرب ان يكون التعليم والثقافة عندنا حبيستا جدران المدارس و أسوار المؤسسات التعليمية التي تفصلها عما يجري خارجها اجتماعيا، ثقافيا، أخلاقيا، سلوكيا، سياسيا في المجتمع. ولا نعجب من حرمان أجيال من الطلبة من حياة حقيقية معاصرة، تمتزج مع المجتمع وتعمل على تغييره وتبديله كناتج تعليب عقلية الطالب، في استقباله التلقين التعليمي الجامعي، وترسيخ مبدأ ان تلقي العلم هو وسيلة لهدف أخير، هو التخرج والحصول على الشهادة الجامعية، فالوظيفة، والمجتمع لايفهم ولا يريد من الطالب أكثر مما تفهمه الجامعة وتريده له.

لاحظ الناتج العرضي لهذه العقلية التلقينية في مطالبة مئات الألوف من الخريجين الجامعيين وغير الجامعيين بالتعيين في وظائف الدولة!! طبعا هذا النهج الجامعي المسؤول عنه الوزير والحكومة، يقود إلى أن تكون ميزانية الدولة في العراق مثلا ميزانية تشغيلية لدفع رواتب بطالة مقنعة مفروضة بجبروت الجهل والتخلف في تعيين جميع الخرجين الجامعيين وغيرهم بوظائف حكومية. وفي هذا تغييب فرص التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية والثقافية المستدامة التي تجعل من المجتمع بالتالي مجتمعا لا يعتمد الوظيفة الحكومية فقط، بل تكون فرص التنمية البشرية الاقتصادية الشاملة أوفر حظا لتشغيل العاطلين من جهة، ووضع مرتكزات بناء دولة لا تعتمد الريع النفطي فقط من جهة أخرى. واستحداث وظائف وصرف رواتب فهذا غير موجود في جميع دول العالم المتحضر اليوم. فالجامعات عندهم هي ليست معسكرات تأهيلية لتخريج طوابير العاطلين الراغبين في الوظيفة الحكومية فقط.

نأخذ مثال مقارنة أخر، من أهم أقسام الجامعات الغربية وفي جامعات العالم المتمدن عموماً، هو قسم الأبحاث والدراسات في مختلف العلوم والاختصاصات، حتى ان بعض هذه المؤسسات تمويلها ذاتيا لا علاقة لها تربطها مع مؤسسات جامعية أو حكومية، وهي مؤسسات بحثية مستقلة تماماً، وتعتبر هذه الأقسام والمؤسسات التخصصية البحثية من أهم مرتكزات بناء استراتيجيات الدولة في مختلف شؤون الحياة التي تعتمدها، في حين نجد البحوث الجامعية عندنا سواء للاستاذ من اجل الحصول على الترقية الوظيفية او بحوث الطلبة نجد الاثنين هما آفة السقوط في الاجترار والانغلاق وتحقيق ماهو اكثر من محقق، وشرح ماهو مشروح حد الملل، او التعليق على ما استنفد، ولا يقبل التعليق والاضافة عليه بزيادة سطر واحد خاصة في الدراسات الانسانية. وان ما يسمى بحوثا تصرف عليه الجامعات العراقية الملايين لا تتعدى الانشائيات الركيكة المستهلكة،من تسطير وتجميع اجتزاءات بعشوائية صرفة وربطها مع بعضها باسلوب غريب، فقط لغرض اجتياز مرحلة الاختبار والحصول على النجاح، وبعدها تهمل هذه البحوث في سلة المهملات لانها ليست بحوثا ذات قيمة حقيقية علمية تنفع الجامعة او المجتمع لتعيش وتستمر مدة زمنية طويلة، وتكون دورة حياتها انتهت بوضع الاستاذ الدرجة على البحث السطحي الورقي المقدم له وانتهى. ونفس الحال يسري على الاطاريح في مجال الدراسات الإنسانية والفنون والتاريخ والتراث فهي في نفس خانة خداع الطالب والأستاذ للجامعة، وخداع الجامعة للمجتمع والدولة، وتضليل امانة التحصيل العلمي المتميز ويكون المسوؤل الأول والأخير سياسة وزراء التربية والتعليم الجامعي وسياسة الحكومة ككل.

 

علي محمد اليوسف - الموصل