المثقف - قضايا

أهمية الخط العربي في تشكيل الوعي العربي

mohamad albandoriنظرا لغنى الخط العربي وتفوقه بأبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية، شكل أداة طيعة لنقل عدد من الأسرار والمعارف والمعلومات، وبلّغ العديد من الرسائل السياسية على مر التاريخ. لذلك أصبحت لمكانته قيمة رمزية يؤدي اكتشافها إلى استجلاء جملة من الحقائق، مما عمق من صيغ البحث عن مدى تشكيله للوعي العربي من خلال محتويات كل ما احتضنه من إنتاج ورافقه طيلة قرون من الزمن، وألبس فئات عريضة من المجتمع العربي وجميع الشرائح المثقفـة اهتماما بالغا بمختلف القضايا طيلة مسيرته الطويلة بين حقـول اجتماعية ومعرفية وثقافية وسياسية ومجالات فنية مختلفة. وقد أدرك البعض دور الخط العربي في إضفاء نور الوعي على المجتمع العربي من خلال تثبيت مختلف الأقوال والنصوص في مختلف المناحي بأشكال وصور جمالية، لتترسخ في الذهنية العربية بأشكالها وبمضامينها، فاعتمدوا عليه اعتمادا كبيرا قياسا بانفتاحه على مختلف القضايا التي تحيط بالمجتمع. وهو في صلبه اعتماد على أبعاده الجمالية التي رسخت تلك المضامين في العقول عبر الرؤية البصرية. وبذلك أضحى  يثير انتباه المثقفين من هذه الزاوية حول هذه الكيفية التي تشكل وعي النقاد والمثقفين على السواء، وذلك علامة على أن الخط العربي يسهم بجمالياته في نقل مضامين النصوص ومن خلالها نقل الأفكار بصور خطية جمالية عبر البصر لتحتل مكانة في الذهن، وتنحت صورة في الخيال، ثم تشكل صورة من الوعي والحس بإمكانيات كبيرة ما كان لتكن لولا الخط، بل قد لا تتاح عبر السمع. إن فطنة المثقف العربي لأهمية الخط العربي في تشكيل الوعي العربي هو نتيجة ما يتيحه من إمكانيات تقوي مجال التأمل والتفكير بأساليب أكثر نضجا. لذلك فقد أسهم الخطاطون العرب ببراعتهم في هذا المجال إلى جعل الحرف والكلمة والجملة والنص يتخذون وظائف أبعد من وظائف نقل المعنى إلى وظيفة أكثر اختراقا للذهن عبر الرؤية البصرية ثم التأثير في تشكيل الأفهام. ولعل التفاعل مع جمالية الخط العربي وبنياته ومكوناته، هو تفاعل ضمني مع إحدى أهم الظواهر المؤثرة في الذهنية العربية  بتجاوزه لمهمته الأولى في نقل المعنى، إلى مهمات أخرى أصبحت أكثر أهمية، وشكلت عمودا أسـاسيا يتجاوز توظيفه للصيغ المألوفة عادة. وقد لعب البعد الجمالي وبشكل مغاير دورا محوريا في جلب الاهتمام ببنية الصورة البصـرية التي تتحكم في التصور الذهني والتأثير في الفهم وفي تشكيل الوعي. ولا غرو إن احتل الخط العربي مكانة لا ئقة، ونال أهمية خاصة لدى الصانعين لخاصيات الجمال البصري المؤثر في المضامين، والمحرك للأفهام، مما يدل على قوة الخط العربي وإيقاعه الخطابي المرتبط بالنص الذي يتم إنجازه بأساليب خطية متنوعة، الشيء الذي  يمنح حرية أوسع في تناسق الأفهام مع جانب الدلالة ومع سياقات ووظائف مختلفة تتشكل في الوعي وتتنوع تماشيا مع الشكل المعبر به الذي يختزن في طيه معطيات تعبيرية متنوعة. لقد تميزت التجارب الخطية العربية بخصائص حملت مظاهر مختلفة ولعبت أدورا فاعلية استجابت لتحولات فكرية وثقافية واجتماعية انعكست على مختلف مناحي الحياة العامة.

 

د. محمد البندوري   

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-07-17 12:54:04.