اعجاز الدماغ

ali mohamadalyousifمن البديهيات العلمية في علم الفسلجة علم دراسة الوظائف العضوية لدى الكائن الحي، الانسان على وجه التحديد في الطب البشري والحيوان في الطب البيطري، هو استحالة تفكير الانسان في صورتي حدثين اثنين في وقت واحد، في لحظة واحدة، في ومضة واحدة، يمكن لأي انسان اجراء التجربة على نفسه سيجد انه يفشل حتما.

الاستجابة الادراكية الحسية التي هي رد فعل الجهاز العصبي المتصل بالدماغ لما تنقله الحواس الخمسة، حاسة البصر، حاسة الشم، حاسة السمع، حاسة الذوق، حاسة اللمس، ويمكننا اضافة حاسة سادسة هي حاسة الحدس او التنبؤ والتخاطر .

فالذي يرد  الدماغ عن طريق الحواس ينقلها الجهاز العصبي في تيار فائق السرعة ربما تضاهي سرعة انتقال الضوء بالثانية إلى ملايين الخلايا المنتشرة على سطح القشرة الدماغية لترسل هذه الخلايا ردود الافعال المناسبة عن طريق الجهاز العصبي ايضا لما يتوجب على الانسان معرفته او القيام به، وتكون ردود الافعال كاستجابة لايعازات الدماغ ومضة لايتعدى زمنها الجزء الالف من الثانية.

ماهو مهم عدم استطاعة الدماغ اعطاء ردود الافعال سواءا منها الإرادية او اللاإرادية لحدثين اثنين في لحظة واحدة يستلمها الدماغ عن طريق الحواس بواسطة الجهاز العصبي في لحظة واحدة ومن الثابت علميا وطبيا ان جميع الاستجابات الانعكاسية الصادرة عن المخ تجاه الحواس لا تنطلق من (فص) مخي واحد يحوي ملايين الخلايا العصبية هو المسؤول عما يرده عن طريق الحواس. مع هذا ليس بمقدور (المخ) ان يرسل ايعازين اثنين في لحظة واحدة او ومضة واحدة بمعنى ان الدماغ وتحديدا المخ ينشغل بالاستجابة لردود افعال الحواس تباعا على التوالي وبالترتيب وليس دفعة واحدة كرزمة واحدة.

مثال ذلك حين يجرب احدنا وضع يده في ماء مغلي حار جدا. ويستخدم في نفس اللحظة اليد الاخرى في وضع شيء ما بفمه ليتذوقه نجد ان الدماغ يعجز عن اعطاء استجابتي ردي فعلين انعكاسيين للاثنين معاً في ومضة واحدة بل يجب ان يكون لاحدهما رد الفعل الانعكاسي اسبقية على الاخر حتى لو كان الفارق بين الاستجابتين لايتجاوز جزءاً من الثانية وحتى لو كانت ردود الافعال الصادرة عن الدماغ من نوع ردود الافعال الانعكاسية اللاإرادية.

الشيء المعجز ليس فقط ان هذه العمليات العصبية التي تجري ما بين الحواس والدماغ عن طريق الجهاز العصبي بالتبادل وكما تجري باسرع من سرعة الضوء وانما (الاعجاز) الاهم هو في اختيار الدماغ لأسبقية ردود الافعال الواردة اليه عن طريق الحواس في النوعية والاهمية.

ولو اننا عدنا للمثل الذي اوردناه في ايهما افضل في اسبقية الاستجابة الدماغية في الرد الانعكاسي عليه!؟ سحب اليد من الماء المغلي ام فحص حاسة التذوق للشيء الذي وضع بالفم!؟ نجد ان ايعاز الدماغ بضرورة سحب اليد من الماء المغلي يسبق ايعاز الدماغ في اعطاء الاستجابة لنوعية تذوق الشيء باللسان . في هذا المثال التجريبي نلاحظ تأكيد الدماغ على نوعية واهمية الاستجابة الانعكاسية لعدد من المدركات الحسية المنقولة له بواسطة الجهاز العصبي عن مصدر الحواس وترتيب الدماغ لنوعيتها واهميتها في اسبقية الاستجابة يكمن  لغز تفضيلي اعجازي ليس سهلا على العلم الطبي تفسيره وعلم دراسة فسلجة الجملة العصبية تحديدا الاجابة عليه.

الاعجاز التفضيلي في الاستجابات الانعكاسية للايعازات الصادرة عن الدماغ تتوخى وقاية الانسان وسلامته من الخطر الذي قد يسببه وضع اليد في الماء المغلي وتأخر سحبها مع ارجاء بقية ردود الافعال الانعكاسية الثانوية التأثير على سلامة الانسان ووقايته من الخطر.

 

علي محمد اليوسف

...................

ملاحظة:

- النص غير مقتبس ولا منقول عن أي مصدر طبي وهو خاطرة لكاتب النص فقط

-  المقال مستل من كتابي جهات اربع-مقاربة في وحدة النص الصادر عن دار دجلة في عمان 2014 .

 

تعليقات (2)

  1. جمال مصطفى

الأستاذ علي محمد يوسف
ودّاً ودّا

وهل هناك أكثر إعجازاً من الدماغ ؟
لهذا يحق لمثلك ومثلي أن نتساءل : تُرى هل يأتي ذلك اليوم الذي يحل فيه الدماغ لغزَ الدماغ ؟
لكنْ دعنا نتأمل ونحن نطوف حول الدماغ , دعنا نتحارش ببحر الأسرار :
في المثال الذي ضربته في مقالتك حول استجابة الدماغ لسحب اليد من الماء المغلي أسرع من التذوق ,
ولكن ماذا لو كان صاحب التجربة يعرف باليقين ان ما يتذوقه زرنيخ مميت من أول ربع قطرة , هل سيستجيب
الدماغ لسحب اليد من الماء المغلي أولاً أم انه سينشغل بحاسة التذوق أولاً ؟
بتغيير بسيط في المثال الذي اتيت به أنا , ماذا لو ان اليد ستمتد الى ماء النار (التيزاب ) الذي يُذيب اليد المنغمسة فيه
ومعها في نفس الوقت سيكون الزرنيخ في امتحان حاسة التذوق ؟
ما ورد من تساؤل في مقالك في رأيي اقتصر على أسئلة ميدانها الطب بالدرجة الأولى وهناك نجد الإجابة عنها
بصيغة من الصيغ ولكن الإعجاز الأشد ذهولاً هو السؤال عن مركز الشخصية أو الذات وأين يكمن ؟
هل هو في الدماغ دون باقي اعضاء الجسم ؟ ولكن هناك من يعطي للقلب (الفؤاد ) دوراً أكثر مما يعطيه الطب
كالأديان والفنون فهل هذا الدور رمزي أم انه أعمق من ذلك ؟
كلنا يعرف ان (سين ) أو (صاد ) من الناس إذا فقد رجليه ويديه بحادث ما سيبقى هو هو (سين ) أو (صاد )
ولو توسعنا في تجريد ذلك الأنسان من جسده كله فسيبقى الرأس وحده يحمل هوية (سين ) أو (صاد ) ولو
رفعنا الجمجمة وأبقينا على الدماغ وحده يقضاً حيّاً فستبقى شخصية وذات صاحب الدماغ تشعر بأناها , اليس كذلك
ولكنْ وهنا السؤال الأعمق : في اية لحظة بعد ان نتوغل في السلب أكثر ونقتطع من الدماغ من هنا وهناك , في اية
لحظة سيتوقف الوعي ولا يعود الدماغ يعي ذاته ؟ وسؤالي الأعمق ربما : أين تكمن الذات في الإنسان ؟ هل هي
في مجموع وظائف دماغه أم في خلية أو مجموعة عصبونات معاً أم ان الدماغ شبكة يعوض كل جزء منه عن باقي الشبكة
ويختزلها ؟ وهل الحضارة البشرية إلاّ عمر هذا السؤال وهو ما الإنسان ؟ وكيف نقطع يد السارق والسارق لا يعرف
العمليات الأعمق في دماغه التي دفعته الى ذلك الفعل , وبهذا هل الإنسان مخيّر أم مسيّر ؟ وكيف يكون مخيراً وهو
لا يعي ما هو دماغه ؟
وقد شغل هذا السؤال الشعراء والفلاسفة والأنبياء والمتصوفة ولكن ليس هناك من جواب مطلق ؟ لأن الجواب المطلق
لا يمتلكه إلاّ الكائن المطلق أو الله والله يا استاذ علي أقول ان الله صموت لا يجيب على سؤال كهذا السؤال , ربما
لأننا لا نستوعب الإجابة وربما ـ ـ ـ لقد استدرجتني مقالتك الى فضاء كنت وما أزال أهرب اليه في قصائدي
قصائدي التي لا تزال تحترق بما يشبه ما ورد في نصك المنشور فوق تعليقي هذا .
دمت في صحة وأسئلة عميقة تثير أسئلة ً أسئلة أعمق وهكذا حتى مطلع فجر الجواب , إذا كان هنالك من فجر .

 

عزيزي الفاضل استاذ مصطفى تحية والمودة والتقدير اشكرك على مداخلاتك القيمة العميقة ,لقد كنت مترددا في نشر هذه الخاطرة خشية التقاطع مع امور علمية طبية اجهلها
وفي الوقت الذي يسعدني اني جلبت انتباهك في تعليق معمق اقول ان الدماغ بقدرة الهية معجزة يستجيب لردود الافعال التي تقي الانسان من الخطر في اسبقية ربما لا يدرك الانسان نفسه خطورتها على حياته وهو لغز محير بالتاكيد. انا لا اعرف مدى توفيقي بما طرحته في الخاطرة بما يمتلكه الطب في هذا المجال الشائك المتداخل.وما طرحته جنابك الكريم حول وعاء او مكمن الذات هي الاخرى لا امتلك لها جوابا مقنعا على اقل تقدير ويبقى بتقديري هذه الاسئلة المعمقة تتداخل بشكل واخر مع لغز الروح عند الكائن الحي وعند الانسان واين مكمنها وكيف تغادر الجسد بعد الوفاة والى اين؟ عندي كتاب بعنوان ميتافيويقيا الموت والوجود اتمنى عليك قراءته والتعليق عليه بما يفيدني
الكتاب متوفر في شارع المتنبي صادر حديثا عن دار الانتشار العربي في بيروت لك مني كل المودة وشكرا لك

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-06-18 13:48:30.