المثقف - قضايا

الدَّعْوَة الإسْلاميَّة بَيْنَ التـّرْغـِيبِ والتَّرْهِيبِ

eljya ayshقراءة في واقع الحركات الإسلامية وغياب الإعلام الإسلامي.. الفيس والإخوان  في الجزائر نموذجا

ربما غياب الإعلام الإسلامي وإصابة الدعاة المسلمين بالانفصام الدعوي (السكيزوفرينيا) هي الدوافع الرئيسية والأسباب الحقيقية التي أدت إلى تراجع "الحركات الإسلامية" وفشلها في تحقيق أهدافها المنشودة في بناء"دولة إسلامية" قائمة على الكتاب والسنة؟ ذلك ما نراه من خلال هذه "القراءة"المتواضعة في واقع الحركات الإسلامية وأسباب تراجعها تحت عنوان : الدعوة الإسلامية بين الترغيب والترهيب

إن الحديث عن مجال "الدعوة الإسلامية" يجعلنا نتساءل بكل موضوعية عن الحقل الإسلامي الذي يمكن أن تُزْرَع فيه بذور هذه الدعوة، هل يكون ذلك في إطار تأسيس حزبا إسلاميا أو إن صح القول تشكيل حركة إسلامية؟ وهل الإعلام الإسلامي ضروري لنشر الدعوة الإسلامية، وإن كان كذلك فالسؤال يطرح نفسه، لماذا الإعلام الإسلامي غائب أم أنه مُغَيـَّبٌ؟ وهي أسئلة تحتاج إلى الرد عليها من قبل المختصين لتوضيح الرؤى وتنوير الشباب المسلم من أجل تصحيح عقيدته وتجديد إيمانه وعلاقته بربه..، يؤكد الدكتور بشير قلاتي أنه لا يوجد تعريف خاص لمفهوم الدعوة الإسلامية، غير أنها عبارة عن حركة إنسانية شاملة تهدف إلى بناء مجتمع إسلامي ملتزم بتعاليم الإسلام، عقيدة وشريعة وأخلاقا، وتبليغ رسالته إلى الناس كافة باستخدام كافة الوسائل المشروعة، ومن هنا يقول الدكتور قلاتي تظهر "الدعوة الإسلامية " على أساس أنها جهد حضاري شامل تهدف إلى توعية الناس بقيم الإسلام السمحة، ومن ثم إحداث التغيير النفسي والاجتماعي، بتربية الأفراد للالتزام برسالة الإسلام كاملة، ذلك بإتباع منهج "الحوار" والمجادلة، أما الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فهو يقدم مواصفات "الداعية الإسلامي" والشروط التي لابد من توفرها في الداعية، أولها أن يكون موصولا بالله وأن يكون مخلصا لله وحده، عاشقا لدينه ولربه ومخلصا للصالحين من العباد، وإذا ضاع هذا الأساس فلا قيمة لشيء، كما لا بد للداعية أن تكون له ثقافة إسلامية لا حدود لها، وأن يكون نابغا في العديد من المجالات لأنه كما يقول الغزالي مُدَرِّسٌ للشعب كله وفي وجه الجماهير بمختلف ثقافاتها وأفكارها، وأن يكون كذلك محيطا بعلل المجتمع الذي يعيش فيه وأن يكون خبيرا بالمكان الذي يذهب إليه، كما يرى الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) أن الدعوة "وظيفة" تحتاج إلى تخصص ولكن في نفس الوقت لابد من إعطاء للداعية "الحصانة" حتى لا يُجْبَنَ أمام دعوته إلى الحق..

تطور ظاهرة التدين

وبفضل هذا الجهد عرفت ظاهرة "التدين" تطورا ملحوظا على أيدي بعض الدعاة المسلمين من خلال رحلاتهم عبر العالم الإسلامي وتدريسهم في الجامعات الإسلامية وإلقائهم الخطب والمحاضرات من أجل عودة الشباب إلى الصواب والسير في الطريق السليم وطاعة الله وترك الشبهات ومحاربة الفساد بكل أشكاله، وقد لقيت هذه الشريحة من الدعاة استجابة لدى الناس خاصة الشباب منهم الذي التفت حول الدعاة يستمعون إلى خطبهم ومواعظهم، ويطبقونها عن قناعة وطواعية، وأصبح مجال "الدعوة " محور نقاش وجدل بين مؤيد ومعارض من قبل المختصين، فذهب بعض المهتمين بالشأن الدعوي إلى القول بأن الدعوة الإسلامية مهمة الأنبياء والرسل وحدهم، وهم أشرف الخلق بذلك..، وبما أن الدعوة الإسلامية هي حركة تغيير حضاري شامل جعلها تعرف قصورا وتواجه عقبات فتراجعت عن تحقيق الأهداف حيث انقسم أصحابها إلى فريقين وأخذ كل منهما الطريق الخاص به، فريق سلك طريق الترغيب (حركة الإصلاح والتجديد) التي يتزعمها محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، والفريق الثاني اتخذ سياسة الترهيب منهجا له، فانحرف وجرّ معه العديد من الانحرافات، مثلما نراه في بعض الحركات الإسلامية الحديثة، التي تركت الأخذ بالمعاني الروحية والعمل بالقواعد الأخلاقية وسارت إلى حد الإفراط إلى أن وجدت نفسها تسير في طريق "التطرف" وغذت ثقافتها الإسلامية بقيم العنف في حين رمت أخرى نفسها بين أحضان "النظام" لكي تستفيد من بعض الامتيازات والحقائب الوزارية..

ويعرف الأخصائيين في الشأن الإسلامي أن الحركات الإسلامية هي الحركات التي قبلت الدخول أو الاشتراك في ساحة العمل السياسي القانوني من منطق القبول بقواعده وترك "الدعوة" والتحول إلى السياسة وهذا يعني الانتقال من مرحلة التفاعلات الفكرية إلى ممارسات عملية أي دخول الانتخابات والتمثيل البرلماني والمشاركة في الوزارة والوصول إلى السلطة بشتى الطرق والوسائل وفق الحكمة القائلة "الغاية تبرر الوسيلة"، ونشير هنا وحسب الكتابات أن لحركات الإسلامية ظهرت إلى الوجود تعبيرا عن أزمة الفشل في "النهوض" وتحقيق التقدم لأنها لم تكن لديها الميكانزمات اللازمة للمواجهة، ولأنها كما يقول البعض لم تكن مُؤَسَسَة على نهضة دينية، ولو أنها انطلقت من نهضة روحية لأمكنها أن تبني أخلاقية المجتمع المسلم كما قال جاك بيرك،، بدليل ما نلاحظه من ظواهر أخلاقية فاسدة (انتشار الزنا وزنا المحارم، اللواط، السرقات، المخدرات وما شابه ذلك) وغالبا ما تكشف لنا محاكم الجنايات عن جرائم فظيعة ومخلة بالحياء، في حين اقتصرت هذه النهضة عند بعض الحركات الإسلامية بإطلاق اللحية وما تبعها، فبالإضافة إلى  "الإخوان المسلمون"  في مصر ركز التيار الأول المتمثل في عبد السلام ياسين من المغرب على تربية الأفراد واعتماد المنهج النبوي في تحسين سلوك الفرد ثم تغيير المجتمع ويقابله في ذلك التيار الثاني الذي يرى ضرورة الإمساك بالسلطة ويتمثل هذا التيار في الشيخ "حسن الترابي" في السودان الذي كان أكثرهم ميلا بأولوية الإمساك بالسلطة السياسية مهما كانت الوسائل وجعلها أداة لتغيير المجتمع والأفراد، ويقف إلى جانبه أبو جرة سلطاني في الجزائر، في حين يقف "راشد الغنوشي" زعيم "النهضة" في تونس موقف "الوسط" كونه يميل إلى دور "المفكر" أكثر منه إلى دور السياسي أو التربوي وإن كان له ميلا نوعا ما إلى الترابي، أما الفيس فقد شق طريقا خاصا بتكوينه "جيشا إسلاميا" ودعوته إلى "الجهاد"...

وقفة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ  الـ:  FIS المحل في الجزائر

وربما تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) شبيهة بتجربة (الإخوان المسلمين) في مصر عندما تكرر اصطدامها مع الحكومة في عام 1965 و1966 في عهد الراحل جمال عبد الناصر وحملات السجن والتعذيب والإعدام، إلا أن هذا لا يبرر الأخطاء التي ترتكبها الحركات الإسلامية (الأحزاب الإسلامية) والشروخ التي تحدثها رغم أنها تنتمي إلى مشروع واحد كما يقول الدكتور عيسى جرادي، فبدل من قيام التواصل الروحي والتحاور بين أجنحة هذه الحركات في جو من الإخلاص والنية وعمق التفكير والحرص على تفهم ظروف الغير وتفكيره واجتهاده مع تأكد الولاء للأهداف الجامعة والمقاصد الكلية والمصالح العامة، ساد التنافر واحتقنت القلوب بالضغائن وضاقت العقول، انتهت بالانشقاقات والانقسامات حتى داخل الحزب الإسلامي الواحد مثلما نشاهده في حركاتنا الإسلامية في الجزائر، وهذا بسبب التعددية في الرؤى والتصورات والإستراتيجيات، وأمام هذه التناقضات بدت الحركات الإسلامية عاجزة عن النهوض وتحقيق التقدم ولذلك لا يمكن أن تكون في مستوى حركة الإصلاح والتجديد، فأصحاب هذه الأخيرة ومنهم الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي نظروا إلى الحضارة العربية بـ: "ندّيّة" عن طريق المناظرات والمناقشات، واكتشفوا قصور المسلمين وإيجابيات الحضارة الغربية بخلاف الحركات الإسلامية التي وضفتها بالجاهلية والتفسخ ولم تقدم إنتاجا ثقافيا فكريا يكون في مستوى دعوتها..، ومن جهته يرى الباحث السوري جمال الخضّور أن إشكالية تأخر الحركات الإسلامية يعود إلى الاختلاف بينها وبين بعض "النهضويين"، ويرى الخضور أن أي مشروع نهضوي على المستوى الإيديولوجي الثوري لا يمكن أن ينشأ من الفراغ أو على أرضية "مَرَضِيّة" وبالتالي فهو مرتبط بالمشروع النهضوي الفكري الذي يستمد إلى أربع أسس هي: (الديمقراطية، الحداثة، الأصالة والمعرفة التكنولوجية)، وورود الديمقراطية كأساس من هذه الأسس يبين أن الديمقراطية لا وجود لها عند الحركات الإسلامية لأنها تؤمن بوحدة الأمة الإسلامية.

إن انتقال الحركة الإسلامية من "الدعوة" إلى "الدولة" ومن المرجعية إلى الواقع ومن المبادئ العامة إلى التطبيق أي تبني سياسة لإدارة الحكومة دفعت البعض إلى التشكيك في الإسلام وإعادة النظر فيه والتعريف به مكن هو ؟ ومن أي أصول تاريخية ينحدر؟ كما يطرح السؤال حول ما إذا كانت الحركات الإسلامية حركة إصلاحية تدعو لعموم الإسلام ونشره ودعوة الناس إليه، أم هي مجرد حزب سياسي كسائر الأحزاب السياسية تتبنى اختيارات سياسية محددة؟، وفي هذا الإطار يؤكد خبراء في الحركات الإسلامية أن إضفاء صبغة "السياسي" على "الإسلام" أحدثت خلطا وتشويشا يتعلق أساسا بأن مصطلح " الإسلام السياسي" هو مصطلح يجزئ الإسلام كدين ويعتقد الخبراء أنه من الأفضل أن يستخدم مصطلح " الحركات السياسية الإسلامية " مادامت هذه الأخيرة قبلت الدخول في العمل السياسي، وهو ما قامت به الحركات الإسلامية، حيث وظفت "الدّين الإسلامي" بكثافة وبفعالية في السياسة وتجييش الجماهير مهملة العامل الروحي فدخلت في صراعات حادة، وتحول الإسلام من " قضية " إلى "مشكلة" تبحث لها عن حلول عن طريق الملتقيات والمؤتمرات الدولية أمام ظهور المصطلحات الجديدة مثل (الإسلاموية، أسلمة الدولة، وأصبح المسلمون يلقبون بألقاب معينة مثل السلفيون، الأفغان الجزائريون، والجماعات الإسلامية والإخوان المسلمون)..، كان "النظام" و"المعتقل" بمثابة الجنة والنار بالنسبة للحركات الإسلامية في الجزائر وعلى رأسها الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) التي يتزعمها الشيخ عباسي مدني، وو حركة مجتمع السلم (حمس) بقيادة أبو جرة سلطاني التي تبنت الفكر الإخواني على حد تصريحها، وكان لكل منهما طريقه الذي انتهجه، الأولى اختارت طريق المعارضة عكس الثانية التي رمت نفسها بين أحضان "النظام"..

السلطة تدافع عن الجمهورية

لقد دخلت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في رهان مع النظام فانقلب على الجبهة باسم الدفاع عن الجمهورية وإعادة هيبة الدولة، رغم أن الشعب الجزائري اختار الحلّ الإسلامي في علاج المشاكل المطروحة، وحُلّت الجبهة، ومنعت من الممارسة السياسية داخل الجزائر، وبهذا القرار دخلت الجزائر في حرب أهلية وهي ما سميت بالعشرية السوداء وحمّل النظام الجبهة الإسلامية للإنقاذ مسؤولية الدماء التي سالت قدرها الأخصائيون بحوالي 100 ألف قتيل وهي خسائر فادحة جدا فضلا عن التدهور الاقتصادي واتساع رقعة البطالة والفقر وسط الشباب الذي تغذى بالفكر الإرهابي وصعود الجبل وحمل السلاح رغم أن العمل المسلح بدأ بعد سجن زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتواصلت المناورات بين النظام والفيس كما يقول الدكتور مقداد إسعاد في كتابه بعنوان (رهان بوتفليقة والفيس(، ورغم أنه كان للسياسيين فيس الجزائر مواقف تدعو إلى ضرورة "الحوار" مع الأطراف المتخاصمة دون إقصاء ومنه عبد العزيز بلخادم ألأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عندما كان يشغل منصب رئيس المجلس الشعبي الوطني آنذاك، وهذا يتطلب حسبه توفير "جو" من الحرية لمناقشة القضايا الهامة وو الأخذ برأي الأغلبية، لأن النزاهة كما يراها بلخادم تقتضي أن تسمع الرأي الآخر، كان عبد العزيز بلخادم يرى أن أزمة الجزائر ليست أزمة نصوص بل أزمة سياسية وتقتضي حلا سياسيا بـ: "الحوار" بين كل القوى السياسية للوصول إلى تصور مشترك، والوصول إلى هذا التصور يقتضي بالضرورة وضع ضمانات لتفادي الإنزلاقات في المستقبل، على أساس أن "الظلامية" و"التطرف" و"الأصولية" ليست مقرونة بالعقيدة ألإسلامية فال بلخادم، ولكن الحوار والتسامح محرم عند الأنظمة العربية، في حين نجد بعض الإسلاميين يدافعون عن الحركات الإسلامية ويعتبرون الهجوم عليها هجوما على الإسلام وفي نفس الوقت لا يعترفون بأخطائها لاسيما وهي تتفق في بعض القضايا أو بما يسمى بـ: "الإرهاب المضاد" أي أنها تتصدى لأي اعتداء عليها أو إرهاب جماعة من جماعاتها بدعوى أنه دفاع عن النفس باعتبار أنها تجمعها "مرجعية" واحدة هي الدين الإسلامي ولذلك ترفض الجماعات الإسلامية أن تستعمل الحركات ألإسلامية في صيغة المفرد أي ضرورة القول حركات إسلامية وليس حركة إسلامية مهما كانت تجاوزاتها أو أخطاؤها لدرجة أن بعض الأقلام مصطلح "تعددية الحركات" مبررة قولها أن الحركات الإسلامية استطاعت أن تسوق فكرة (المحنة العربية) وتغليب البعض العامل القومي والاقتصادي ومن ثم من حقها تطبيق مبادئها، فقامت بتحزيب "المسجد" وتغيير وظائفه الشرعية والدعوية التي كانت منطلقا للتبليغ ورص الصفوف في تواصل إيماني، فصنعت مننه منبرًا للخطابات السياسية، وفي مدح "الحكام"..

"سكيزوفرينيا" الدُّعاة وغياب "الإعلام الإسلامي" وراء فشل "السياسة الدعوية"

إن تحزيب المسجد  أو تسييسه إن صح التعبير، حسب الخبراء يعد إحدى مشكلات الحقل الدعوي الذي كان فيه الدعاة سبب خيرية هذه الأمة ونموذجا يحتدى به كونه حارس حدود الله في الأرض، ولكن بظهور الحركات الإسلامية أصيبوا بما يسمى بـ: "الإنفصام الدعوي" أو (السكيزوفرينيا schizophrénie)، فالداعية الذي يخالف فعله قوله وباطن ظاهره وسره علانيته مصاب بالإنفصام الدعوي، تؤكد دراسة أجراها الدكتور "رمضان فوزي" أن الدّعاة لم يفهموا طبيعة الدعوة ومنهجها، وأثـّر عليهم "الغرور" بحيث يظن الداعية ان اسمه اصبح ملء السمع والبصر من كثرة "التدين" تقول الدراسة أن مظاهر "السكيزوفرينيا " أو ألإنفصام مع الدعوة تتمثل في اساليب الدعوة الخاطئة التي يتبعها الداعية، فتأتي بنتيجة عكسية عليه وعلى الدعوة، فالداعية طبيب القلوب المريضة ويتعامل مع امراض يصعب تشخيصها، ومن هذه المظاهر (الغلظة، الشدة، الفظاظة في التعامل، فضلا عن ضيق الأفق، وربما فشل الحركات ألإسلامية في العالم أفسلامي يعود الى التدين "المغشوش" الذي يعد كذلك إحدى مظاهر الإنفصاد الدعوي، فنجد بعض خطباء هذا العصر يتخذون من لخكابة مهنة يرتزقون منها غير عابثين بأهمية الرسالة التي يتحملونها في نشر الدعوة، ونجدهم في كل مناسبة يقفون أمام المنابر يمدحون الحكام، وآخرون يتصفون بالعصبية بحيث ترتكز خطبهم إلا على الأوامر(افعل كذا ولا تفعل كذا وهذا حرام وذاك حلال) دون تقديم الحجج والأدلة الشرعية وأمور أخرى لا يصدقها العقل..، ويضم صاحب الدراسة في كتابه مجموعة من الشكاوي طرحتها زوجات عن أزواجهن ينشطون في حقل الدعوة أي "دعاة"، ونورد هنا بعض الأمثلة منها المشكلة التي طرحتها السيدة (مناوي) من أمريكا فتقول في(الصفحة 136) من الكتاب: (إن زوجي إمام مسجد يصلي الجمعة فقط، وغالبا ما يكون نائما وقت الصلاة ولما تدعوه إليها يقول لها القلم يرفع عن النائم، كما انه لا يغتسل من الجنابة وكان في بعض ألحيان يلعن الدين والأخلاق ويستهزئ بحجابي وعندما شكته مُنِعَ من الإمامة بالناس فزاد غضبه منها..الخ) وتستفسر السيدة لمياء من مصر في الصفحة 147 عن تقسيم الدعاة أنفسهم وانتسابهم الى "أحزاب "

ونجد الداعية ذو الشخصية لمزدوجة الذي يُحْسِنُ فن التعامل مع الناس ولكنه يفقد هذا الفن مع اهله، وهذا النوع من الدعاة يعاني كذلك من انفصام واضح، تقول سيدة رمزت فسمها بـ: (م.ن) من مصر في الصفحة 173 من الكتاب أن زوجها الداعية عصبي جدا معها ومع والدته وأنها اكتشفته يشاهد المواقع الإباحية على النت، رغم أنه كان يرشدها ويمنعها من النظر الى التلفاز، وتذكر سيدة أخرى رمزت لإسمها بحرف (w) من مصر كذلك أن الإخوان المسلمين افسدوا طبائع زوجها الذي يدعي أنه من ألإخوان المسلمين، ويحكي لها ما يفعلونه حتى بدأت تشعر أنه مسلوب الإرادة يقتنع بكل ما يقولونه ويفعلونه ويلبي اوامرهم حتى لو كان غير مقتنع، مما افقدها الثقة في كل شيئ تضيف متسائلة بالقول: لما أصبح المسلمون يصنفون أنفسهم حتى اصبحوا شيعا وأحزابا؟ في حين نجد (أم محمد) من مصر وهي تنشط في مجال الدعوة أفسلامية تشكو من زجها في الصفحة 216 من نفس الكتاب بأنه لا يشاركها الدعوة ويمنعها من المشاركة في المحاضرات بالرغم من عمله في مجال الدعوة، لكنه غير مقتنع بجدوى عمل المرأة في هذا المجال ويشعرها دائما بعدم الثقة في نفسها..الخ..، كانت هذه أمثلة بسيطة عن حالات الإنفصام عند الدعاة المسلمين ولعل هذه الحالات لا تبدو مضرة الى الحدّ الذي يشكل خطرا، فإن أخطر أناع السكيزوفرينيا يشير "رمضان فوزي" في دراسته تلك الموجهة للمجتمع باعتباره بيئة لعمل الداعية ومن مظاهرها التعامل بنوعين من ألأخلاق، فهو مع الناس بشكل وفي بيته بشكل آخر وهذا يكون سببا في الصدّ عن التديّن والإلتزام وتلك هي الماساة على الإسلام والمسلمين و"غير المسلمين" بالخصوص، بدليلالرسومات الكاريكاتورية المشوهة لصورة الرسال صلى الله عليه وسلم، كون هذا النوع من الدعاة يتميز بالمعاندة الشديدة وقد يصل به ألأمر الى معاندة نفسه، فعندما يتحول الداعية الى الله من حارس لحدود الله الى منتهك لها ندق ناقوس الخطر حتى لا تكون الفتنة..

"الإعلام الإسلامي" ودوره في النهوض بالمجتمع الإسلامي

وانحراف الحركات الإسلامية وإصابة الدعاة المسلمين بالإنفصام أدى الى إفشال الدعوة الإسلامية ربما هو راجع إلى إسباب عديدة أهمها غياب ما يسمى بـ: "الإعلام الإسلامي"، لقد أصبحت "الجريدة" في الوقت الحاضر "سلاحا" خطرا يمكن أن يكون سبب في القتل والتخريب وهدر الحقوق، ويمكن أن تكون سببا في حفظ الحياة واستتباب الأمن وصيانة العدالة، لذلك لا يجوز سلاح "القلم" أن يستعمله كل فرد على حسب هواه أو ميله..و القانون يمنع اي شخص أن يحمل السلاح مهما كان نوعه ويأمر باسم القوانين "بمصادرته"، وذلك ما حدث عبر التطور التاريخي بحيث لم تعد صحافة الفرد اي التي يملكها شخص واحد وظهر ما يسمى بالمؤسسات الصحفية وهذه المؤسسات إما أن تكون ملكا لحزب ما وناطقة باسمه، أو تكون تابعة للدولة وتحظى بدعمها، كما أصبحت المؤسسات الموجه الوحيد لقلم الصحفي..، يرى الإعلامي المعروف بشير العوف أن الصحافة سميت بالسلطة الرابعة لأنها كانت ناطقة باسم "الشعب" ومُعبِّرَةٌ عن رأيه، وربما كان من المفروض أن تسمى بالسلطة "الأولى"..، إن الإعلام الإسلامي وبالأخص الجرائد الإسلامية هي تلك الجرائد التي تهتم بالجمعيات الدينية والهيئات الإسلامية سواء كانت أحزابا إسلامية أو وزارات وتعبر عن آرائها واتجاهات أعضائها ومن هنا كان ألإعلام الإسلامي صعب ولا يمكن الخوض فيه ذلك لأن المفاهيم الإعلامية الحديثة لدى معظم شعوب العالم الإسلامي ودوله ما تزال دون المستوى العالمي الراقي، وحسب الإعلامي "بشير العوف" فإنه إلى غاية اليوم لا يوجد إعلام إسلاميا بالمعنى الدقيق للمصطلح، ولذلك لا يوجد إعلاميون إسلاميون، كما لا توجد دولة إسلامية أقامت نظاما إعلاميا وفق منهج إسلامي متفق عليه، فجميع الدول الإسلامية ما زالت تعيش على هوامش ما صنعته الدول الأخرى حول الأنظمة الإعلامية، ولم تتمكن من توفير شروط تنشئة إعلاميين إسلاميين وإن وجدت هذه الشروط فهي مفقودة، لأن معظم الجرائد الإسلامية في العديد من الدول العربية محظورة ونذكر على سبيل المثال (جريدة "المنقذ" في الجزائر وجريدة "الأطلس" التي كانت تصدر من باتنة شرق الجزائر، وجرائد أخرى تم حجبها من قبل "النظام" الجزائري في فترة ما باستثناء بعض الجرائد المجلات مثل "البصائر" و"الشهاب" وهي تختلف في منهجها وخطها الافتتاحي عن الجراد المذكورة، لأن ظهور مثل هذا الإعلام يكون لا محالة موضع حرب عنيفة كما قد تلتصق به وصمة الرجعية والعصب والتخلف..

من جهة أخرى نرى جميع الأنظمة العربية في دساتيرها عبارة " الإسلام دين الدولة" ثم لا تتورع عن محاربة المبادئ الإسلامية جهارا، وكان من المفروض أن تكون الدول الإسلامية ذات نظام إسلامي طالما أن دستورها يقول (دين الدولة الإسلام)، لأن النظام الإسلامي لدولة ما هو ذلك النظام الذي يقول باسم الإسلام لا باسم فرد أو جماعة أو حزب وباسم "أمة" لا باسم شعب أو حكومة أو دولة وباسم القرآن والسنة والإجماع والقياس لا باسم الجهل والهوى والمصلحة الفردية العابرة، وهنا نقف على حقيقة هي أن "آفــة" المسلمين اليوم هي اختلافهم وعدم إجماعهم على حكم واحد في المشكلات العصرية، فالقول بوجود "إعلام إسلامي" يعني وجود فكرا إسلاميا فقط على جوهر العقيدة الإسلامية باعتبار أن المسلمين كافة "أمة" رسالة وعقيدة ودين ولن يقوم لهم قائمة إذا ما تجردوا من عقيدتهم..، يقدم "فتحي يكن" منهجية الإمام الشهيد "حسن البنا" في سياسته الدعوية، بحيث يرى أنه ليس بالضرورة أن تكون "المساجد" الأماكن الأكثر مناسبة لتبليغ الدعوة للناس، فقد يحصل أن يكون المسجد ساحة صراع بين فرق ومذاهب، وقد تكون المساجد خلوا إلا من الشيوخ الفانين، الداعية الى الله وموجه الناس الى الطريق السليم يريد مخاطبة الشباب فلا يجدهم إلا في "المقاهي"، ويخطئ من يظن أن جمهور المقاهي ابعد الناس عن الاستعداد لسماع العظات، بل قد يكون هذا الجمهور أكثر الناس تجاوبًا، والدعوة الإسلامية لا تستوجب على الداعية أن يكون متكيفا مع الفئات حديثة التدين فحسب، بل مع الجماعات ألأخرى ويقصد فتحي يكن الجماعات السلفية والصوفية أو الطرقيين التي تتميز بذهنية ومزاج خاص..

قراءة:علجية عيش بتصرف

..................

ملاحظة:  ورد عنوان "شيزوفرينيا" الدعاة أو (مظاهر الإزدواجية والإنفصام لدى الدعاة العاملين في مجالات الدعوة الى الله، للدكتور رمضان فوزي "خطأ" في غلاف الكتاب والصحيح هو "سكيزوفرينيا" وليس "شيزوفرينيا" ومعذرة للدكتور على التطاول

المراجع/

1- الصحافة (تاريخا وتطورا وفنا ومسؤولية) تأليف الإعلامي بشير العوفي الطبعة الأولى 1987 المكتب الإسلامي بيروت.

2- عبد العزيز حسين الصاوي (موضوعات في الفقكر والسياسة) الحركة الإسلامية في السودان الطبعة الأولى 1993 عن المؤسسة العربية للدراسات.

3- منهجية الإمام الشهيد حسن البنا ومدارس الإخوان المسلمين تأليف فتحي يكن الطبعة الأولى 2001 مؤسسة الرسالة لطباعة والنشر.

4- رهان بوتفليقة والفيس تأليف مقداد سيفي وعي مجموعة رسائل كتبها الكاتب الى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، رقم الإيداع 2003 عن الزيتونة للإعلام والنشر.

5- الحركة الإسلامية في الجزائر من الدعوة الى الدولة تأليف الدكتور عيسى جرادي الطبعة الأولى 2005 دار قرطبة.

6- دراسات في مسار وواقع الدعوة الإسلامية في الجزائر للدكتور البشير قلاتي مكتبة إقرأ الطبعة الأولى 2007 .

7- "شيزوفرينيا" الدعاة أو (مظاهر الإزدواجية والإنفصام لدى الدعاة العاملين في مجالات الدعوة الى الله، إعداد رمضان فوزي الطبعة الأولى 2008 الدار العربية ناشرون.

8- محمد الغزالي: لقاءات وحوارات حول واقع الحركة الإسلامية المعاصرة، طبعة 2008 عن نوميديا للطباعة والنشر والتوزيع.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-08-12 10:13:44.