المثقف - قضايا

الوجودية تعود من جديد

moataz muhsinezatفي الأونة الأخيرة أراد التاريخ أن يعيد لنا بعقاربه لحظات ماضية من سجلاته القديمة القريبة حيث الأسئلة التي تعيد طرح نفسها وقت الحروب والثورات بعد أن تتناحر العقائد والأفكار عن سر وجود الإنسان فيعاد التساؤل من جديد: أين نحن من كل هذا؟!

تلك هي الوجودية التي برزت بروزًا صريحًا وقت الحرب العالمية الثانية من خلال التساؤلات الفلسفية منهجًا ومقالةً عن طريق أبيها ومنظرها جان بول سارتر الذي أعاد الرجة الإنسانية وتخلخلها من خلال إستخدام الدين بشكل يثير التناحر والدماء؟!

نفس الكلام دار على نفس الفُلك ولكن بلغة روائية وقصصية عبر الأديب والروائي ألبير كامي وذلك من خلال روايته الأولى وهو في ريعان شبابه العام 1942 بعنوان (الغريب) والتي وضعته في مصاف العالمية والمرشح الدائم لجائزة نوبل حتى فوزه بها في العام 1957 وهو يثير التساؤلات الوجودية عبر شخوصه الحائرة وقت إصابة فرنسا بداء التساؤل المزمن الباحث عن إجاباته المفقودة حول سر الوجود وسر بقائه في الحياة وقت الإحتلال النازي وفي عهد حكومة فيشي بقيادة فيليب باتان الذي تحول في غمضة عين من بطل قومي في الحرب العالمية الأولى إلى مهادن وسياسي في الحرب العالمية الثانية!!

هكذا كانت الصدمة الفرنسية الكبيرة في مجتمعها الذي تحول من النور والجمال إلى الظلام والقبح بحثًا عن الهوية المفقودة من بين ركام الحرب والخيانة لتتناثر التساؤلات الوجودية وقت البحث عن الإستقلال بين تحرير الإنسان والوطن في وقت واحد.

من هنا تناثرت الإستفهامات الوجودية حتى بعد الحرب العالمية الثانية وعند إستقلال فرنسا سنة 1944 عبر شارل ديجول بمساعدة الحلفاء ويظل النزيف مستمرًا في جريانه لتلاحم المآسي البشرية في تكرارها عبر أرجاء الأرض حتى من خلال من ذاقوها وأرادوا تذويقها لبني البشر عبر نظرات إستعمارية بغيضة في فيتنام، تشاد، الجزائر، الكونغو، الكاميرون، تونس، المغرب، فولتا العليا (بوركينا فاسو)، ساحل العاج وغيرها من البلاد.

في ظل التعنت الفرنسي بالجزائر مع إستمرار مجازرها هناك منذ إندلاع شعلة حرب الإستقلال الجزائرية في نوفمبر 1954 تزامنًا مع الحرب القومية الإستقلالية كينيا من خلال حركة الماو ماو (مقاتلين من أجل الحرية) ضد الإمبراطورية البريطانية والتي بدأت في العام 1952 والتساؤلات تستمر في طرحها حيث سر الوجود المتجسد في طلب الحرية والإستقلال.

حتى بحصول تلك الشعوب على حريتها من بين أنياب الإمبراطوريتين الأسد (بريطانيا) والنمر (فرنسا) يظل المواطن حائرًا وقت السعي للبناء والتنمية لمصارعته لنيران الشكوك من تلك الأنياب النارية في أن ابن الأرض يستطيع التطوير والبناء بشموخ عالي وهو متكيء على القوة الذاتية التي حُبست في أقفاصه الداخلية لتكبيل إرادته عن السعي الدءوب.

في وقت المد القومي تتلاعب القوة الإمبريالية في زعزعة الثقة من قلوب أبناء الوطن بإرثها ومعتقداتها مع خلق الفجوات بين الأمم وزعمائها لتنجح محاولات وتفشل أخرى حسب مدى قوة التمسك بالعروة الوثقى وإرث الأمة الحامي للبلاد والعباد من الذوبان والإنتهاء.

حدث هذا في مصر وبعض من شقيقاتها في العام 1967 بعد الهزيمة النكراء في حرب الأيام الست والتي أصابت البلاد المسلوبة قطعًا من أراضيها لتتحول من مرحلة المد القومي الذي نفذ منسوبه الطائر ليقع على الأرض مرةً واحدة في منطقة صخور الشك واليأس، ما بين التناحر حول مسألة الدين ما بين فرقتين مختلفتين من طود الشك، فريق يرى الهزيمة أتت للتحامل على تيارات دينية تعمل من أجل الله ومالكة للسمات الربانية مع تقوية الجانب الشيوعي الرافض للأديان والعقائد!!

تناحرت الفرقتين بين من يرى التمسك بتعاليم السماء أساس الهزيمة المؤلمة وأراء ترى البعد عنها سر العناء الأكبر ومن هنا عادت الوجودية من رحم المعاناة مجددًا لتتجسد في الأعمال الأدبية والروائية والمقالات في الصحف بحثًا عن جواب شافي للمجهول في قلوب البشر.

من هنا نرى الأيام تتكرر في لحظاتنا الحالية عند غياب لغة العقل في تمييز الأمور ما بين الدين والحياة لنرى رياحًا هادمة تأتي على الأخضر واليابس باسم الحرية والتغيير من رحم الربيع العبري الذي أصاب الجميع بالشك الدائم المولد من داعش وأخواتها مع تنامي التيارات العلمانية المتطرفة أمام التيارات الدينية المتطرفة ليكون الضحية الإنسان الوسطي الباحث عن معنى الحياة الصحيحة وهو يسأل مع نفسه سؤال الوجودية الحارق للقلوب قبل العقول:

أين نحن من كل هذا ؟!

لتعود الوجودية من جديد وقت غياب العدل والإبداع والتنوير في جوف الإمبريالية العالمية وغياب العقلية الشرقية في صراعاتها المريرة.

 

معتز محسن عزت

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-07-16 13:06:54.