المثقف - قضايا

الوعي الديني والوعي الفلسفي

mohamad bakohقد يكون الوعي الديني السائد دواء ناجعا للوعي الشقي المفترض أن يكون. هذا ما يبدو على مستوى النظر السطحي لواقع الحال. في حين، إذا تأملنا جيدا عمق الإشكال المطروح للتفكير عندنا وجدناه أبعد بكثير في حقيقته، من مجرد وعي ثابت بمعناه الديني أو الشقي الفلسفي.

يجب هنا استحضار تحاليل فرويد النفسية، وخاصة نظريته في التعويض النفسي التي استلهمها حتى الأدباء والفنانون في ممارساتهم الكتابية والجمالية الخالدة. أي حين يتقمص لاوعي الشخص، دون أن يدري، وقد يدرك ذلك طبعا، شخصية الفقيه الأنيق، والنبي الراقي هروبا من "مدنس" الواقع الاجتماعي الكائن، ووجع سؤال المثقف النقدي والفيلسوف، تحقيقا للسعادة المريحة المفترضة في العالم المُفارق الممكن أو المتخيل. في الواقع، يوجد فرق كبير، كالفرق بين السماء والأرض، إذا كان هذا الفرق واقعا أم وهما خالصا، بين من يُحكّم وعيه أو لاوعيه في تفسير الظواهر الطبيعية، كتجارب الشعوب الغابرة، أو الظواهر الاجتماعية القائمة كالمعتقد الديني، والممارسة التربوية، والسلوك السياسي. لكن، يبقى الرهان الأساس في كيفية عيش الحياة لدى الجانبين، بحيث تعتمد الذات المسلحة بالوعي الشقي، كإحدى مظاهر الوعي الفلسفي، على مصفاة الوعي الاجتماعي النقدي الذي لا يتردد في إخضاع جميع الظواهر والممارسات والسلوكيات البشرية مهما كانت مصادرها لمنطق العقل المفكر والنظر العقلاني العلمي، الشيء الذي يفسر ارتباطها بما يسمى بالوعي الشقي، وهو نوع من التفكير النقدي البشري القادر على تحصيل فعل المساءلة، وتعرية السائد، وفضح المختل الفاسد، وكذلك القادر، في الوقت ذاته، على التأسيس النظري والعملي لصرح المعرفة الممنوعة اجتماعيا.

في المقابل، تكتفي الذات المنشطرة، دون أن تدري، إلى ذاتين معاكستين، بترديد تعاويذ النظر الماضوي في كل حين، وحسب درجة منسوب حاجتها المادية والاجتماعية إليه، بحيث تجدها ذاتا حالمة تحتفي في شكلها وصورتها بالحس الأسطوري البطولي، وفي عمقها الحقيقي تعيش واقعا تراجيديا فريدا من نوعه، لتعتمد كذات مزدوجة الشخصية، مسلحة هنا بوعيها الديني المفرط إلى درجة قداسة الذات نفسها، على مصفاة الوعي الاجتماعي الشفوي التقليدي الذي يسلّم بقدسية الأمور والظواهر كما لو كانت واقعا مفروضا عليه أن يتواطأ مع هذا الإنسان المسطح والمختل، والحامل في داخله الواسع، بالرغم من تلميعات خارجه البراق، بكل أنماط جيوب الكذب، وأنواع موروث الأمراض الاجتماعية المتناقضة إلى حد تلقيها من قبلهم كواقع القوانين الطبيعية !!

 

محمد بقوح

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-07-17 06:22:08.