ذاكرة الحروب في الشخصية العراقية والطريق لبناء السلام (2-2).. تحليل سيكوبولتك

qassim salihyنعود الى الموضوع فنقول ان ذاكرة الشخصية العراقية المشحونة بسيكولوجيا الخلاف مع الآخر يعود الى أن العراق ينفرد عن بلدان المنطقة بأمور وأحداث لها تاريخ يمتد الاف السنين يتمثل أهمها بالآتي :

1. انه البلد الذي تؤخذ فيه السلطة بالقوة المصحوبة بالبطش بمن كانت بيده .

2. وأنه البلد الذي سفكت على أرضه أغزر دماء المحاربين من العراقيين والعرب والأجانب، لاسيما : المغول والأتراك والفرس والانجليز...وأخيرا، الامريكان .

3. وأنه البلد الذي نشأت فيه حضارات متنوعة ومتعاقبة، انهارت أو أسقطت بفعل صراع داخلي أو غزو أجنبي .

4. وأنه البلد الذي تنوعت فيه الأعراق والأديان والمذاهب، في مساحة مسكونة صغيرة نسبيا.

5. وأنه البلد الذي كان مركز الشرق الاسلامي حتى الهند والسند، وحيث عاصمته كانت مدينة الخلافة الاسلامية .

لقد عملت هذه الأحداث على تشكيل ذاكرة شخصية الفرد العراقي بخصائص سيكولوجية وعقد نفسية نوجز أهمها بالآتي :

1 . عقدة البارانويا

تعني البارانويا: اسلوبا مضطربا من التفكير يسيطر عليه نوع غير منطقي "أو غير عقلاني" من الشك وعدم الثقة بالناس، ونزعة دائمة نحو تفسير أفعال الأخرين على أنها تآمر أو تهديد مقصود أو مهين .

وقد نجمت هذه العقدة عن تواتر الاستيلاء على السلطة في العراق بالثورات والانقلابات الدموية والانتقامية، فأصيب بها كل من أخذ السلطة،وسيطرت على أغلبهم حالة هوسية من التآمر عليهم والشك بالآخر حتى لو كان بريئا.

وبالمقابل، تولّد لدى الناس اقتران شرطي بين السلطة والظلم، ناجم عن تكرار السلطات المتعاقبة لممارسة الظلم على الناس .

ومن هذه العلّة النفسية تحديدا (عقدة اليأس من مجيء سلطة عادلة ) نشأت فكرة "المخلّص المنتظر" الذي سيأتي ويملأ الأرض عدلا، والتي يؤمن بها معظم العراقيين بغض النظر عن العرق والدين والمذهب والمستوى الثقافي سواء كان أمّيا أم حامل الدكتوراه.

2 . عقدة الاستهداف

ان تكرار غزو العراق من قوى اجنبية ( لخيراته وموقعه الاستراتيجي) ولّد لدى الفرد العراقي حالتين نفسيتين، الأولى: يقينه أن العراق سيبقى مستهدفا وأنه "الضحيه" في كل غزو. وادراكه بالتجربة المتكررة أن كل غزو يحصل يشطر العراقيين الى ثلاثة أقسام : متعاونون مع الغزاة، ومحايدون أو من جماعة "الياخذ أمّي يصير عمّي"، ومعارضون ..يحكمهم جميعا : الخلاف مع الآخر .

والثانية: كره العراقي للحكومة وتعمّق الهوة النفسية بينهما، الناجمة عن اعتقاده بأن أية حكومة تتولى السلطة لابد أن تكون مسنودة من قوة أجنبية، وأنها تخدم مصالح الأجنبي أكثر مما تخدم مصالحه، الأمر الذي أدى الى أن تكون نظرة العراقي للأمور في حال يشبه فيه حصان العربة: النظر باتجاه واحد هو الخلاف مع السلطة والعمل على اسقاطها .

3 . عقدة أخذ الثأر

ان جسامة ما وقع من احداث وبطش الآخر بالآخر، سواء بسسب الصراع على السلطة او بسبب معتقد او مذهب او فكرة، عملت على توريث عقدة ( أخذ الثأر أو الحيف) من الآخر، وتحكّمت بسلوك العراقي في أزمات الحاضر، بانفعالية تعطّل التفكير العقلاني بأسباب هذه الأزمات أو بمن يخلقها .

4 . عقدة التعصب لــ"الهوية"

سكنت العراق أقوام متعددة : عرب، كورد، تركمان، كلدان، آشوريون، يزيديون، شبك..ونشأت فيه أديان ومذاهب متنوعة : اسلام،مسيح، يهود،صابئة،مجوس..،شافعي، جعفري، حنفي، مالكي، حنبلي .

وتفيد الاحداث أن هذه الأقوام والأديان والمذاهب تعايش أهلها بسلام حيثما كانت السلطة بعيدة عن التدخل في شؤون خصوصياتهم، وأن الصراعات تنشأ فيما بينها، حدّ ابادة الآخر، حين تكون السلطة او قوة غازية محرضّا بشكل علني او خفي .

ولأن الانسان به حاجة نفسية الى (هوية) فأنه يضطر الى الدفاع عن هويته حين تتعرض الى الخطر . ولأن كل (هويات) الجماعات العراقية لحقها أذى وتعرضت الى هذا القدر او ذاك من الخطر، فأنه نجم عن ذلك تغليب الانتماء الى الهوية الخصوصية (بدافع الحماية والأمن) على الانتماء الى الهوية الوطنية، مصحوبة بحالات من التطرف أو التعصب العرقي أوالديني أوالمذهبي.

6. الزهو بالذات والتباهي بالماضي

يشعر الفرد العراقي بأنه سليل حضارات، وأنه ابن بلد "الاوائل": أول من اخترع الكتابة، أول من اخترع العجلة، أول من بنى المدن، أول من سن القوانين،أول من ابتكر آلة موسيقية،أول من زرع الأرض وابتكر نظام الري، أول البلدان في عدد الانبياء .. الأمر الذي نجم عنه نزوع سلوكي الى عدّ الخلاف مع الآخر من صفات الذي يريد أن يكون "الأول " أو من صفات التي تليق بأبن " الأوائل" .

ويتداول العراقيون مقولة (ارفع راسك انت عراقي). ومع أنها حالة ايجابية حين تشكل موقفا" ضد الاذلال والنيل من الكرامة وعزّة النفس، الا انها تتضمن معنى "التباهي" بالماضي، وتشير ضمنا" الى بؤس الحاضر، وحالة من عدم التوازن النفسي لدى الفرد تفضي بالنتيجة الى ميله نحو الخلاف مع الآخر .

6. العنف الثقافي

يوصف العراق بأنه بلد التنوع الثقافي والعقائد العجيبة، وفيه نشأت مدارس فلسفية وفكرية وفقهية وايديولوجيات من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، اعتمدت في أطوار من مسيرتها أسلوب الاختلاف مع الآخر في الرأي، نجم عنه ازدهار ثقافي ونزوع نفسي نحو الابداع المعرفي الذي من خصائصه الاتيان بما هو جديد ومخالف لما هو موجود.

غير أن السلطة تدخلت، في اطوار اخرى من مسيرة هذا التنوع الثقافي، فحولت الاختلاف مع الآخر على مستوى الرأي الى خلاف معه على مستوى الفعل، اعتمد أساليب العداء والاضطهاد بأنواعه وانتهى بالعنف الذي يستهدف القضاء على " ثقافة " الآخر سواء بالسجن او بدس السم او الاعدام او الحرق علنا بتهم الكفر والالحاد والزندقة .

ما يعنينا هنا أن ذلك الواقع افرز حالة سيكولوجية بأن شطر المفكرين والمثقفين الى قسمين متضادين يتحكم في كل منهما أسلوب النظر الى الامور بثنائية " اما اسود واما ابيض " وهو اسلوب معرفي متصلّب يفضي الى الخلاف مع الآخر في السلوك والعناد العصابي في مواقف الصح والخطأ على السواء.

ومن مفارقات التنوع الثقافي والمعرفي الذي انفرد به العراق، انه انتج نوعين متضادين من التفكير: علمي، انتشر بشكل محدود بين النخب الثقافية، وخرافي انتشر بين العامة من الناس وبين من يعدّون انفسهم مثقفين . فحين دخل القطار الى العراق بدايات القرن الماضي، اعلن أحد رجال الدين المؤثرين تحريم استخدام القطار قائلا : " أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر ".

ان (الخلاف مع الآخر) علّة نفسية مصابة بها الشخصية العراقية، وقد لا استثني أحدا منها لاسيما الذين صارت أمور البلاد والعباد بأيديهم، وأنها فعلت بنا ما فعلته ثارات الجاهلية باجدادنا.

ثقافة السلام

يعرّف قاموس وبيستر "الثقافة" بأنها: تطور وتحسين وتهذيب العقل والانفعالات والاهتمامات والعادات والاذواق، فضلا" عن الآداب والفنون والافكار والتقاليد والمهارات الخاصة بجماعة معينة في زمن معين . ويضيف قاموس اكسفورد،ان الثقافة تعني الجانب الذهني للتمدن أو التحضّر .

وما يهم هنا أن الثقافة، بوصفها قيم وأفكارومعتقدات، هي التي توجّه سلوك الفرد وتحدد نوع أهدافه.ولك أن تشبّه الثقافة،من حيث قوة تأثيرها في السلوك، بالبرنامج الرقمي الذي يتحكم بعمل الحاسوب..وأن تفترض أن بداخل كل واحد منّا " مركز سيطرة ثقافي" هو الذي يوجّه سلوكنا ويحدد أهدافنا .. وكما أن الثقافة القائمة على التنافس تشجّع على العدوان فان الثقافة القائمة على السلام تشجّع على التعاون والايثار.

ويعرّف قاموس وبيستر " السلام" بأنه : التحرر من الحرب وتحقيق الأمن الاجتماعي والتوافق والانسجام والصفاء بين الناس. وعلى هذا الأساس فان (ثقافة السلام) تقوم على ما ذكر في أعلاه، وتعمل على أن تكون الوسيط لنقل: القيم، الأفكار الأخلاقية، المعلومات، التقاليد، العادات، الانفعالات، والفنون، بين : الناس والاجيال والأمم والحضارات.وبهذا تكون ثقافة السلام قوة منتجة من خلال نقلها للأنماط الثقافية من الماضي الى الحاضر، وخالقا مهما ومؤثرا تربويا فاعلا بما تمتلكه من قدرة على ابتكار ما هو جديد من القيم والمعايير والاتجاهات والسلوك.

وتتحدد قيم ثقافة السلام بالآتي:

1. فهم واحترام ثقافات الآخرين واديانهم.

2. حق كل فرد في أن يعامل بشكل أنساني، واحترام قيمه الثقافية ومعاييره وتقاليده .

3. تأمين حرية كل فرد، وحمايته من العنف والارهاب والحرب .

4. تأمين الحقوق المتساوية لكل من الرجال والنساء.

5. التضامن بين الناس على صعيد شعوب العالم، ومناصرة قيام نظام اقتصادي عالمي عادل.

6. فصل الدين عن السياسة

ومع أن تحقيق السلام بين المكونات الاجتماعية في العراق يحتاج الى زمن بالوصف المذكور في أعلاه، فان الصفحة الأولى من استراتيجية هذا المشروع يجب أن تبدأ بخفض الصراع ين الهويات باعتماد الآتي:

1. احترام كل الهويات، والاعتراف بحق وجودها وتطورها واحترام خصوصياتها، وعدم التعرّض لمعتقداتها وما يخصها من مناسبات، بأستثناء التحليل العلمي القائم على الحوار الموضوعي، بهدف تنقية المعتقد بما ينسجم والحياة المعاصرة، وتصحيح أفكار خاطئة بخصوصه يحملها افراد جماعات أخرى.

2. التفاعل المتبادل بين جماعات الهويات في المناسبات الوطنية والدينية والثقافية والترويحية، بما فيها تبادل الزيارات في المناسبات الخاصة بجماعة كل هوية.

3. ضمان عدم تعريض افراد جماعة اية هوية الى الاحباط الناجم عن حرمانهم من تحقيق حاجاتهم المشروعة،لا سيما الأساسية منها المتمثلة بالطعام والسكن والصحة والتعليم.

أن ما ذكر في أعلاه تحقق في المجتمعات التي نضجت فيها الديمقراطية وصار فيها مبدأ تداول السلطة سلميا" تقليدا" ثابتا". والفرد في هذه المجتمعات يكون معتزا" بهويتيه (الشخصية والاجتماعية)، مانحا" حق الاعتزاز نفسه لأي فرد آخر وأية جماعة أخرى في المجتمع الذي يعيش فيه.. وهذا ما ينبغي أن يتصف به الفرد العراقي بعد أن تغير نظامه السياسي من الدكتاتورية الى الديمقراطية. فكما للعربي الحق في أن يعتز بعروبته، فان للكوردي الحق نفسه في ان يعتز بكرديته، وكذا التركماني والقوميات الأخرى. وكما للسنّي الحق في الايمان بمذهبه فان للشيعي الحق نفسه في الايمان بمذهبه، وكذا الايزيدي والصابئي ومن هو على مذهب أو دين أخر. ومع أن احترابا" رهيبا" راح ضحيته،بعد التغيير، مئات الالاف من الأبرياء على أساس (الهوية)، والمخجل انها كانت احيانا" على الاسم ليس الا، فأن هذا الصراع لم ينتهي بين مكونات المجتمع العراقي، انما دخل في مرحلة هدنة وتوجّس وترقّب . ولأن للهدنة زمنا" محدودا" ينتهي اما بعودة الاحتراب أو العيش بوئام، ولأن عودة الاحتراب اسهل عمليا" وانفعاليا" (باثارة فتنه على نطاق ضيق مثلا")، فان العيش في وئام يتطلب استراتيجية تستهدف اشاعة ثقافة السلام بين المكونات الاجتماعية بالوصف المذكور في أعلاه،وأن يبدأ تطبيقه بالأخطر والمحدد بالصراع بين (الهويات القومية) أولا.فخطره – اذا نشب – سيكون ثمنه أفدح وأقسى من الذي دفع في الاحتراب الطائفي،لأن الجارتين الشمالية والشرقية والعرب الجيران والأباعد سيدخلون العراق ..وسيتحول صراع الهويات الى صراع وجود وافناء ان لم يعتمد قادته ومثقفوه استراتيجية احتواء صراع الهويات واشاعة ثقافة السلام.

ان الدعوات التي تقوم بها القوى السياسية باسم المصالحة او التسوية لن تكون مجدية لسببين: لأنها تكون قد صيغت بما تركز على مصالح تلك القوة التي تقدمت بها،ولأن الشعب فقد الثقة بالقوى والكتل السياسية الحاكمة في العراق. وعليه فان القوى المؤهلة لبناء السلام تتمثل بعلماء البلد ومفكريه والجامعات ومراكز البحوث والدراسات العلمية الرصينة،في مبادرات لنشر الوعي بين الناس كالتي اقامتها جامعة اربيل الدولية..قبل ان تندلع حرب أخرى يتوجه فيها الأخوة الأعداء الى الحرب فيما بينهم حين ينفضون ايديهم من (داعش).

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

......................

* القيت هذه الدراسة في المؤتمر الدولي الثاني: "الذاكرة وبناء السلام بمنظور التخصص المعرفي"، الذي عقدته جامعة أربيل الدولية في 16 نيسان-2017

 

 

تعليقات (1)

  1. ابو سجاد

دكتور قاسم تقول ان القوة المؤهلة لبناء السلام تتمثل بعلماء البلد ومفكريه والجامعات ومراكز البحوث والدراسات العلمية الرصينة في مبادرات لنشر الوعي بين الناس قبل ان تندلع حرب اخرى يتوجه فيها الاخوة الاعداء الى الحرب فيما بينهم حين ينفضون ايديهم من داعش
كل هؤلاء الذين ذكرتهم المؤهلين لبناء السلام كيف سيتم ختيارهم او ايجادهم والنفس العراقية اسيرة التعصب الديني والمذهبي والعرقي وهل هؤلاء الذين اشرت لهم منزهون من كل تلك الامراض التي اصابت مجتمعنا فاننا حين نقراء او نسمع لاكثر هؤلاء فلا يتحدث الا بتلك النفس المريضة التي تفرق وحدة المجتمع بدل العمل على توحيده فمتى يظهر هؤلاء واين هم الان وماذا ينتظرون بعدما حل كل هذا الدمار في عراقناا المنكوب

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-04-19 05:27:22.