المثقف - قضايا

فيورباخ غير موجود وكانط أيضاً .. آراء وأفكار في الآداب واللغات

حينما يطالعك موضوع مكتوب في اللغة العربية عن ثقافات الشعوب والأمم الأخرى، و يحتوي على أسماء وكتّاب فلاسفة وشعراء وآدباء وعلماء من هذه الشعوب والأمم مكتوبة في اللغة العربية بشكل خاطيء، فأن من حقك وأحياناً من واجبك عدم اِهدار وقتك بقراءة موضوع لن يُوفق كاتبُه في كتابة الأسم الرئيسي لبطل الموضوع بشكل سليم .. حينها سيكون من حقك أيضاً ان تتوقع ان المعلومات التي سترد ستكون غير دقيقة وان الخطأ في الأسم ستتبعه أخطاء أخرى في نقل الموضوع من اللغة الأصل أو لغة ثالثة وسيطة ...

الترجمة الى العربية عن اللغة الألمانية على سبيل المثال للحصر تغص بمثل هذه الأخطاء، ولقد ثبت لي وأنا أدرس الأدب العام والأدب المقارن متخصصاً فيه بثلاث لغات هي الألمانية والعربية والأنجليزية ان الترجمة من الألمانية الى العربية سواء كانت مباشرة أو عن طريق لغة وسيطة ثالثة مثل الأنجليزية أو الفرنسية مليئة بالأخطاء والهفوات الفادحة ..الأخطاء تكثر بشكل واضح اذا كان المترجم لا يتوفر على معرفة باللغة الألمانية ويترجم عن لغة أخرى ..في هذه الحالة ستكون هفوات الترجمة عبارة عن مجموع هفوات مترجمين اثنين المترجم الأول وتابعه المترجم الثاني الذي سيترجم النص عن زميله السابق الى العربية ..

في الأدب المقارن على وجه الخصوص الذي يعنى ويهتم كثيراً بموضوع الترجمة كرسول والتعارف بين الآداب ومن ثم مقارنتها ببعض هناك تحذير من ترجمة الأدب عن لغة وسيطة وتأكيد على ان تكون الترجمة مُنجزة من قِبل شخص موهوب أدبياً وحبذا لو كان نفسه أديباً أو شاعراً بشرط ان يجيد بشكل رائع ومُتَقَن اللغتين : اللغة المانحة واللغة المستلمة .. عندها فقط يمكن الأطمئنان من تحقق الشرط الأول من سلسلة شروط يجب ان تتوفر لتهدينا ترجمة جميلة ودقيقة وأمينة ... انت لا تحب ان يضيع نصف ساعة من وقتك في قراء موضوع عن الفيلسوف الألماني (فويرباخ) أو زميله (كانت) اذا كان اسم الفيلسوف مكتوباً بشكل خاطيء !! واذا كنتَ متمكناً من اللغة الألمانية فبأمكانك صرف هذا الوقت في قراءة الموضوع باللغة الأصل ..أسم الفيلسوف فويرباخ هو كما كتبنا (فويرباخ) وليس فيورباخ ..الأسم الثاني الخطأ الوارد في مواضيع الكتّاب المتفلسفين أو الذين يحاولون الأهتمام بالفلسفة يحتوي على خطأ فادح اذْ ان هذا الأسم يلغي معنى الأسم الصحيح، ثم انه لايوجد في اللغة الألمانية على الأطلاق ... ليس هناك في اللغة الألمانية كلمة أو أسم ـ فيورباخ ـ يا جماعة الخير وانتم تنعقون منذ عقود فيورباخ وفيورباخ !! وفيورباخكم هذا وهمٌ وقد أضافه أحدهم من جيبه الذي يحتوي على خزعبلات كثيرة ... أسم فويرباخ هو الصحيح ويكتب في اللغة الألمانية هكذا : Feuerbach ..

وهو اسم مؤلف من كلمتين الأولى كلمة Feuer وتعني نار، والكلمة الثانية Bach وتعني جدول حينها سيكون للأسم معنى ويعني جدول النار، وربما كان المقصود هنا هو جدول التقى حوله ناس أو أصدقاء وأشعلوا النار للأحتفال أو للتدفئة، وربما حمل المعنى ايحاءً سوريالياً لأن الجدول جدول ماء فكيف سيكون وجود النار أو يكون جدول نار .. وبغض النظر عن تداعيات واحتمالات تفسير هذا الأسم الّا انه الأسم الصحيح . أما الأسم الآخر الوارد خطأً في العديد من التراجم الى لغة هذه الأمة المسكينة فهو قطعاً غلط !.

بل انه لا يوجد حتى في دليل التلفونات الذي يضم عجائب وغرائب الأسماء، والمألوف منها والشارد !!

لقد بحثتُ شخصياً للتأكد في دليل تلفون العاصمة برلين ووجدت اسم فويرباخ في عدّة حالات، أما أسم فيورباخ فلا أثر له وهو فضائي أو على الأقل وهم كرَّسه الجهل !!

الأسم الثاني اسم الفيلسوف الألماني كانت (Kant) والتاء في نهاية الأسم صريحة وهي حرف أساسي في اللغة الألمانية التي لا يوجد فيها حرف الطاء شأن بقية اللغات الأوربية، فلماذا نطالعة في التراجم على شكل (كانط ) ومن اين أتت الطاء لتدخل على اسم ألماني صريح، رغم وجود حرف التاء في العربية أيضاً، فلماذا الذهاب طوعاً الى الغلط؟!

ثمَّ الا يجب علينا أحترام لغات الشعوب وأسماء الشعوب وتراث ونتاج الشعوب ؟!!

رسالتي الماجستير التي قدمتها الى جامعة برلين الحرّة ونلت الدرجة العلمية عنها وعن اختبارات الدراسة الأخرى ومنها الترجمة كانت عن موضوع الترجمة الأدبية وبالأسم: نظريات الترجمة .. وجهات نظر حول ترجمة نصوص شعراء ألمان الى العربية.

من النصوص المترجمة التي تناولتُ ترجمتها بالتحليل والنقد نص لشاعر المانيا الأكبر جوته (Goethe) ونص لشاعر الماني الكبير هولدرلين (Hölderlin).

نص هولدرلين من قصيدة (خبز وخمر) التي ترجمها الأستاذ البروفسور الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي يعتبره البعض شيخاً وحجةً في الترجمة .

أخذت مقطعاً واحداً من ترجمة الأستاذ بدوي لهذه القصيدة وهوالمقطع الأول ويقع في صفحة واحدة لكتاب جيب صغير أو نصف صفحة من كتاب عادي الحجم . وكانت النتيجة في البحث انني تمكنت من تشخيص أكثر من ستين خطأ في الترجمة في هذا المقطع وحده !!

كانت القصيدة مهداة من قبل هولدرلين الى صديقه هاينزه . وأسم هاينزه يكتب في الألمانية على شكل Heinze لكن ترجمة بدوي لهذا المقطع كما عرضتها مجلة الأغتراب الأدبي في عددها الثامن أوردت الأسم على شكل (هينزه). مع العلم ان الناتج الصوتي الألماني المؤلف من الحرفين E و I اذا جاءا خلف بعضهما على التعاقب أي ei سيؤلف حتماً المقطع الصوتي آي، مامعناه: ان لفظ الأسم هنا سيوجب كتابته في العربية على شكل هاينزه... أما اسم هينزه فمغلوط قطعاً !!

فاذا كان الأمر هكذا مع كبار العلماء والمترجمين العرب فما بالك بالهواة أو المدعيين أو القارئين بتبليغ حزبي او لأجل التبجح في المقهى الشعبي أمام أبناء المحلة. وهذه الحالات كلها موجودة للأسف مع احترامنا للفضول المعرفي السليم والسوي والأيجابي الذي يدفع الأنسان لمحاولات الأطلاع على ثقافة وفلسفة وآداب الشعوب الأخرى حتى لو كان لايعرف لغات هذه الشعوب، والبشر يختلفون في الدوافع والتوجه، والأستثناء موجود دائماً تقريباً!!

أود أن أقول أيضاً في هذا الصدد كنت أنوي الأستمرار في البحث ونقد الترجمة من الألمانية الى العربية واكمال الدكتوراه في هذا الموضوع وتصحيح أخطاء المترجمين السابقين لكن الأهتمام بتعاون ثقافي الماني ـ عربي مبدع انساني التوجه معدوم عند الجانب الألماني وعند الجانب العربي أيضاً، فلا المؤسسات الثقافية الألمانية الرسمية أو الدبلوماسية الكبرى مثل معهد جوته (Goethe Institut) أو وزارة الثقافة الألمانية تبدي أهتماماً وتبذل جهداً في هذا الأتجاه ـ مع العلم اني أعرف وزيرة الثقافة الألمانية شخصياً وقد كانت حاولت من قبل أدراج اسمي للمشاركة في قراءات يوم الشعر العالمي في برلين بعد ان أطلعت على نصوص وقصائد لي منشورة بالألمانية في جريدة زيورخ الجديدة، بيد ان طلبها واقتراحها في اشراكي لم يحصل على استجابة من جهات اخرى نافذة أو مُسلَطة تساهم في الأعداد لهذ اللقاء، فلم يرد على طلبها احد ـ.

أما الجانب العربي الذي يعنيه أيضاً أمر التعاون الثقافي البنّاء والجميل والمثمر فيتمثل في سفارات دول عربية متناحرة وهيئات ثقافية فيها تحمل من الثقافة الأسم والأدعاء فقط، وبعثة جامعة عربية خاملة ونائمة على جهلها وغافلة تماماً عن الشعور بالمسؤوليات والمهام التي تأسست الجامعة لأجلها، وتجمعات ونوادٍ عربية يديرها سكارى وحشاشون وعملاء وجهلاء .. وهذا دون مبالغة هو الواقع في المانيا التي كان لها اسمٌ آخر : بلدُ الشعراء والمفكرين .

لذا سيبقى فيورباخ وكانط وسيختفي فويرباخ وكانت.

فالبقاء في هذا الزمن للأطلح ..شريطة ان يمشي هذا الأطلح مع القطيع وتحت أِمرة سيد القطيع!!!

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

Sign up or login to your account.
0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-03-20 02:00:13.