د. صادق السامرائي
سلس نجيب ياسين
د. عدنان الظاهر
عبد الجبار نوري
د. صادق السامرائي
إيمي الأشقر
محمد أبو النواعير

الفكرة الحضارية اللاهوتية عند أنور الجندي (4): فلسفة التحدي والبديل الحضاري الاسلامي

mutham aljanabiينطلق أنور الجندي من ان تاريخ الإسلام في مجال الثقافة كان مواجهة وتحديا لكل ما هو غيره. فعندما ظهر الإسلام وتوسع انتشاره، فانه واجه حالة مضطربة. وفي مجرى مواجهته لها كشف وبرهن على انه ليس مجرد دين للعبادة بل طريق في الحياة ومنهج كامل يربط الإنسان بالله والإنسان والمجتمع. ومن ثم فالإسلام كان منهجا متكاملا قبل ترجمة الفلسفة اليونانية. لقد ظهر الإسلام بعد المسيحية بقرون عديدة. وواجه آنذاك ثلاث فلسفات وهي الغنوصية الشرقية، والفلسفة الإغريقية، والفلسفة اليهودية المسيحية الغربية. وبوصفه منهجا للحياة واجه تراث الفرعونية الفارسية والهندية والرومانية . ذلك يعني أن الإسلام جاء بعد أن تشكلت للوثنية المادية فلسفة ومنهج وأيديولوجيا كاملة. ومنذ ذلك الحين ومهمة الإسلام تقوم في تحرير البشرية. فالفلسفة السياسية اليونانية عند أفلاطون وأرسطو هي فلسفة العبودية، بينما  تتسم أخلاق سقراط بالإباحية. كما رفض المسلمون التسليم بمنطق اليونان وأقاموا منهجا مستمدا من القران، كما قام به ابن تيمية. ثم أن الفكر الاسلامي فكر تجريبي. كما عارض التفكير الاسلامي قول الفلاسفة بقدم العالم والمادة. وكشف عن خطورة وخطأ الفلاسفة وتحويلهم العقل إلى ميزان شامل، بينما هو شطر من منهج المعرفة في الإسلام. وبالتالي فان التفسير الفلسفي والصوفي للإسلام ليس من الإسلام، وأنه ليس تفسيرا قرآنيا ربانيا. وعموما أن الفلسفة لم تصل إلى ما وصل إليه الإسلام في تحرير العقل. وذلك لان الإسلام يخاطب العقل والقلب. لقد مثل الإسلام الاتجاه القائل، بالاعتماد على القوى الغيبية كالقلب والبصيرة والروح والوجدان وليس المنهج الفلسفي الذي يعتمد على العقل وظواهر العلم ومقايسات المنطق . ذلك يعني أن خصوصية الإسلام بهذا الصدد تقوم في تقديمه "الحكمة وليس الفلسفة".  وان أهم أصول هذه الحكمة هي، أن الإنسان لم يحصل من العلم إلا قليلا، وضرورة التعلم من اجل المصلحة المادية والروحية، وان العلم لا يحصل إلا بالنظر بالموجودات، وأخيرا إقامة سلطان العقل والالتجاء إلى حكمه في كل خلاف والابتعاد عن الأهواء . 

لقد واجه الإسلام "دعوات مخربة" كانت قبله وبعده. وجددت القديمة نفسها بعد الإسلام واغلب مصادرها مجوسية شعوبية. ففي الإسلام ظهرت في فلسفة الحلاج وابن عربي والباطنية ، وفي الحركات السياسية لكل من القرامطة والزنج والحشاشين والمزدكية، وفي الأدب والشعر عند ابن المقفع، وصالح بن عبد القدوس، وبشار ابن برد، وأبي العتاهية. وفي العصور الأخيرة ظهرت في إيران والهند مثل البابية والبهائية والقاديانية. وجميعها ذات مصدر واحد هو اليهودي عبد الله بن سبأ، الذي كان مصدرا للفتنة الكبرى بين المسلمين . واستكملتها تقاليد الماسونية الحديثة. فالثورة الفرنسية هي "أول ثمار الماسونية" من حيث الفلسفة والتخطيط . وان كل عصر التنوير الأوربي كان مقدمة لسيطرة الفلسفة الماسونية .

وطبق هذه المواجهة "التاريخية" على مختلف القضايا والإسلام فأصاب في بعض منها، واخطأ في آخر، لكنها جميعا تسير وفق الرؤية الدينية العقائدية اللاهوتية الصرف. بمعنى الخارجة عن منطق التاريخ وتجاربه الحية والدرامية. ففي موقفه من اللغة العربية، حاول ربطها بالقران والإسلام  فقط. ومنه وصل إلى استنتاج يقول، بان اثر هذا الارتباط أدى إلى أن أصبحت لغة "لا ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها" . وفي المواقف الاجتماعية يتميز الإسلام عن غيره في كونه يربط بين الفرد والجماعة والمجتمع والأمة. وجميعهم تابع للإسلام . وفي الموقف من الفن، حاول البرهنة على أن الفنون كلها من وجهة نظر الإسلام تتحرك في إطار التكامل، الذي يحول دون استعلاء الأدب أو الفن أو التربية أو غيرها باستقلاله عن الإطار الشامل للرؤية الإسلامية . وعندما خصص الموقف من العرب والثقافة العربية ورؤيتها بهذا الصدد، فانه توصل إلى استنتاج مفاده عدم صلاحية تطبيق الرؤية الغربية في كل شيء على العرب والتاريخ والثقافة العربية، بسبب تجوهر الإسلام فيها. فالعربي واقعي إنساني، بينما اليوناني خرافي وثني. والتعاطف العربي مع الطبيعة أعمق وأوسع لأنه يتسم برقة العاطفة وسمو الوجدان. وان العرب لم تؤمن بالجبرية كما هو الحال بالنسبة لليونان، وأخيرا أن فطرة العرب البساطة الطبيعية .

أما في مجال التاريخ، فان المقدمة العامة للمنهج الاسلامي تجاهه، كما يقول أنور الجندي، تقوم في الإنصاف، وإنكار الأهواء، والتجاوز على عوامل العنصرية، والغرور أيا كان شكله ومحتواه. ووضع هذه المقدمة في أساس نظرته عن موقف الإسلام من التاريخ وقوانين التاريخ والإرادة والجبر ومعنى الوجود التاريخي. وانطلق في نظرته هذه من أن الإسلام يقر بقوانين معينة في التاريخ بأثرها ترتقي أو تنهار الدول والحضارات، بوصفها "سنة الله في الوجود". ومن ثم فان "سنن الله في الأمم والحضارات لا يمكن تغييرها". ذلك يعني أن قدرة الزعماء والقادة على تغيير مجرى التاريخ ممكن، لكنه ليس معزولا عن عوامل أخرى طبيعية وجغرافية ومناخية وبشرية واقتصادية وغيرها. الأمر الذي يعني أن الإسلام لا يقرّ ولا يعترف بالجبرية في التاريخ. . فالتاريخ بالنسبة له هو نتاج عوامله الداخلية الفاعلة والمنفعلة. كما أن التاريخ ومجرياته ليست دون غاية. وذلك لان "القانون الثابت للتاريخ هو أن حياة البشرية في تغير مستمر، وان التاريخ هو صراع دائم بين الخير والشر ". والإنسان هو محور فلسفة التاريخ. والإسلام لا يعتبر الإنسان مجرد كائن حي، بل يضعه في منزلة الاستخلاف في الأرض. وبالتالي، فان الأرض ليست مكانا للعذاب كما أنها ليست مكانا للخلاص من الخطيئة. وذلك لان "الخطيئة الأولى" هي معصية أولية تعادل معنى ممارسة حرية الإرادة. كل ذلك حدد، من وجهة نظر أنور الجندي، ضرورة الفكرة القائلة، بان تاريخ الإسلام لا يمكن قياسه والنظر إليه بمقاييس الغرب. إذ لا مقدس في الإسلام وتاريخه غير العقيدة فقط. فهي الشيء الوحيد الذي فوق النقد لان حقيقتها خالدة . وبالتالي، فان التاريخ الاسلامي جزء من الإسلام، لأنه أولا وقبل كل شيء تاريخ عقيدة. ومن ثم، فان التاريخ بالنسبة له يمتد إلى ما بعد الموت .

أما في مجال الدين، فقد انطلق أنور الجندي من أن الإسلام تعرض إلى خمس مؤامرات كبرى منذ ظهوره وحتى الآن. والسبب يكمن في نوعيته الجديدة التي قدمتها بذاته وللعالم التاريخ والثقافة. وقد استشهد هنا بكلمات فارس الخوري القائل، بان الإسلام هو الحد الفاصل بين تاريخين، ما قبله وما بعده. من هنا كان الهجوم عليه مستمرا ولحد الآن. كما كانت إجاباته عليها بقدرها. فقد بدأ الصراع ضده من جانب أوربا النصرانية، واستمر في حروبها الصليبية ثم الاستعمارية الحديثة. ومعها وضمنها وبالاتفاق معها جرى الزحف المغولي، الذي كان امتدادا للصليبية ومتوافقا معها ، وأخيرا الدعوة إلى الطورانية، بوصفها المرحلة الخامسة والأخيرة .

وقد استطاع المسلمون تذليل قوة الروم والبيزنطيون، ثم هزموا الجحافل الصليبية وإخراجها من العالم العربي. كما ذللوا محاولات اليهود واليهودية والنصارى والنصرانية الدس في الإسلام، ثم كسروا شوكة الغزو المغولي وحماية الحضارة الإنسانية في معركة عين جالوت عام 658 للهجرة (1258)  . ومن ثم استطاع المسلمون الحفاظ على هويتهم وتقويتها في مواجه الغرب الأوربي وديانته وأفكاره. وقد أدت الدولة العثمانية على مدار ستة قرون من السيطرة الإسلامية هذه المهمة على أفضل وجه. ولعل فتحها للقسطنطينية قد أكمل استحكام السيطرة العالمية للإسلام. 

لقد أدرك الأوربيون الحقيقة القائلة، بأنه لا سبيل للقضاء على المسلمين إلا من خلال الكلمة . ووجدوا في القضاء على الإسلام سبيل السيطرة على آسيا وإفريقيا . وقد اتبعوا مختلف الأساليب من اجل بلوغ مآربهم هذه. ولعل أهمها هو تقطيع أوصال العالم الاسلامي من خلال "إثارة النعرة القومية"، و"استدراج المسلمين إلى حروب غير متكافئة"، و"إحياء مؤامرات القرامطة والزنج والمزدكية وتصويرها على أنها حركات عدل وحرية"، و"إثارة النزعات العنصرية عند العرب والأتراك والفرس" وغيرهم، و"مهاجمة المماليك والأيوبيين والعثمانيين لأنهم هم الذين حطموا أحلام القوى الغازية"،  و"الادعاء بان الحملة الفرنسية هي مبدأ اليقظة الإسلامية"، و"تمجيد أعداء الإسلام القدامى والمعاصرين مثل اكبر شاه وأتاتورك"، و"إثارة الشبهات حول بطولات صلاح الدين وبيبرس ومحمد الفاتح" وأمثالهم . وضمن هذا السياق كرر موقفه عن أن "دخول العرب في الدولة العثمانية منذ عام 1517" اقرب ما يكون إلى ضرورة تاريخية . وذلك لان هذا الدخول قد " أخّر سقوط العالم العربي في قبضة الاستعمار أربعة قرون" .

لقد وجد في كافة هذه الأساليب وغيرها أسلوبا محدثا وحلقة جديدة في سلسلة الحلقات المناهضة للإسلام على امتداد تاريخه. والسبب يكمن في إدراك الغرب لحقيقة الإسلام بوصفه "منقذا للجميع"، وانه "حامل لواء المعرفة الإنسانية في نواحي الحياة" ، إذ انه كان "حامل لواء أطول تاريخ معرفي في التاريخ " استمر لمدة احد عشر قرنا . إضافة لكل ذلك، أن "الإسلام صانع حضارة إنسانية من حيث المبادئ والقيم"، اشترك فيها مختلف الشعوب والأقوام. وكل ذلك يستمد أصوله من معنى وحقيقة الحضارة في الفكر والتاريخ الاسلامي.

فالبشرية لم تعرف قبل الإسلام دينا سماويا أو غير سماوي قد قام على حضارة بالمعنى الكامل لكلمة حضارة، كما يقول أنور الجندي. لقد كانت هناك ثقافات وليست حضارة. والفرق بينهما هو أن الثقافة محلية محدودة، بينما الحضارة واسعة شاملة . وخصوصية الإسلام هنا تقوم في انه عمد إلى تقديم مفهوم كامل للحضارة قوامه الحركة المادية والمعنوية في نفس الوقت وربط التقدم المادي بالأخلاق وتوجهه إلى صالح الإنسانية . ذلك يعني أن الإسلام قدم مفهوما جديدا عن التحضر الأصيل يستند إلى ثلاثة مبادئ كبرى وهي الانتقال من عبادة الأوثان والتعدد إلى عبادة الله الواحد الحق، والانتقال من عبادة أشخاص السلطة أيا كانت إلى عبادة الله الواحد الحق، ودفع البشرية إلى مرحلة الفكر والذكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض . أما مقومات هذه الحضارة فهي كل من قيام مفهوم الإسلام على القرآن والاعتدال والتوفيق، وربط العلم بالدين والسياسة بالأخلاق، وان الإسلام عبادة ومعاملة، وانه حضارة جامعة وسطية لها أساس ثابت للمتغيرات . الأمر الذي حدد طبيعة الاختلاف الجذري بينها وبين "المفهوم الغربي" للحضارة. وان مضمون هذا الخلاف والاختلاف يقوم في أن ما يميز الحضارة الإسلامية هو "مفهوم الجمع بين المجتمعات وتحضير النفس الإنسانية بالضد من النظرة الانشطارية للغرب" . وبالتالي، فان آفاق ومصير الحضارة الإسلامية يرتبط بتأسيس أصول الفكر الاسلامي عبر الرجوع إلى أصوله الأساسية .

إننا نعثر في آراء ومواقف وأحكام واستنتاجات أنور الجندي فيما يخص إشكاليات الحضارة والبدائل المفترضة على صيغة نموذجية للرؤية الدينية اللاهوتية والموقف العقائدي. الأمر الذي جعلها تتراوح بين رؤية نقدية سليمة وعميقة أحيانا تجاه إشكاليات الحضارة والموقف من النفس، لكنها تحتكم في نهاية المطاف إلى أولوية وجوهرية الرؤية العقائدية. مما يجعل من هذا النقد ذو حدين متعارضين. الأول وهو شحذ الرؤية النقدية العقلية (المجردة) والثاني هو تشويه الرؤية التاريخية ومن ثم الأبعاد العملية للرؤية المستقبلية.

فمن بين المفاهيم الايجابية التي بلورها ودافع عنها أنور الجندي تجدر الإشارة إلى كل من فكرة الانتماء الثقافي والحضاري لعالم الإسلام وضرورة تأسيسها النظري والعملي، وإبراز الطابع الخاص والفريد لتجارب الإسلام الثقافية والحضارية، والتشديد على وحدة التاريخ العربي والإسلامي، والدفاع عن فكرة العروبة بمعايير الرؤية الإسلامية وليس العنصرية، والسعي لإرجاع المفاهيم إلى أصولها، ومن ثم إعادة النظر النقدية بالمفاهيم الأوربية وإبراز طابعها النسبي (التاريخي والثقافي)، والدعوة إلى التماهي المتجانس مع التجارب الثقافية الذاتية (الإسلامية). وهي استنتاجات متجانسة من الناحية المنهجية المجردة وعميقة من حيث مدلولها المنطقي والتاريخ والثقافي، لكنها تعاني بأثر الهيمنة شبه التام للمنهج العقائدي الديني اللاهوتي من ثغرات عميقة وخلل في موازينها ومقاييسها.مما يؤدي بها بالضرورة إلى نتاج مخربة للفكرة الثقافية نفسها. إضافة إلى ما فيها من آثار مبطنة لمختلف أنواع اللاعقلانية والغلو المتعنت في رؤيته للنفس والآخرين.

إن الحصيلة المتراكمة في هذا النوع من التفكر والمواقف محكومة بنفسية وذهنية حنبلية. وبالتالي لم تعن الأسلمة الجديدة وتأسيس رؤيتها المنهجية تجاه كل أصناف العلوم والحياة، سوى أحكام العقائد الحنبلية وتحكيمها في الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للإنسان والمجتمع والدولة. الأمر الذي أدى بها أيضا إلى ادلجة الموقف العقائدي من التاريخ ومجرياته وشخصياته وتياراته الفكرية والسياسية. ومن ثم عدم فهم التاريخ وتجاربه ووقائعه وحقائقه كما هي. من هنا تفسيره للمقدمات التاريخية المعقدة لظهور مختلف الفرق الإسلامية على أنها مجرد نتاج لمؤامرة يهودية قام بها عبد الله بن سبأ. إذ يصبح من غير المفهوم قيمة وعظمة الإسلام وكل شخصياتها الكثيرة العدد والهائلة التأثير أمام "نكرة" مجهولة في إعادة توجيه المسار الفعلي للتاريخ. إذ يصبح التاريخ مجرد ألعوبة صغيرة بأيدي شخصيات مغمورة، هي في اغلبها نتاج "الخيال المبدع" للسلطة وخدامها.

وقد ترتب على هذه الرؤية العقائدية الضيقة صناعة "جديدة" لمرجعيات نظرية وعملية عتيقة لعبت الدور الحاسم في تجميد وتمويت الروح الثقافي العقلي والعقلاني والإنساني في الثقافة والتاريخ الاسلامي. وبالتالي استحالة فهم المسار التاريخي على حقيقته. من هنا إعادة تمجيد الأموات في الشخصيات والدول والأفكار، مثل القول، بالأثر التاريخ الهائل للمماليك والأيوبيين والعثمانيين في تحطيم  أحلام القوى الغازية"، بينما تمثلوا هم رحيق الغزو الجاهلي بمعايير الإسلام الثقافي أو الثقافة الإسلامية الكبرى. وبالمقابل نرى تخوين وتجريم الشخصيات والتيارات الفكرية والسياسية التي صنعت الأنوار الفعلية للروح الثقافي الاسلامي، أي إعدام الثقافة العقلانية والإنسانية في تاريخ الإسلام وتمجيد الميت والمتخلف وتقاليد النقل والتحجر الفكري وقتل روح العقل النقدي وفكرة الحرية. وهو الأمر الذي نعثر عليه في التكرار المتشدد على عداوة التيارات الفكرية والسياسية الداعية للحرية والنزعة الإنسانية مثل الفلاسفة والتفلسف بمختلف تياراته وشخصياته، والعداء للروح الصوفي المتسامي، ومحاربة التيارات السياسية الداعية للحرية والمساواة والعدل من قرامطة وشيعة وثورات العبيد، بوصفها "مؤامرات" ضد الإسلام، ومحاربة رجال الحرية والإبداع الحر والنزعة الإنسانية في الأدب والشعر.

لقد أدت هذه الرؤية العقائدية المحكومة بأولية النص على العقل، وأولوية العقائد الإيمانية على العقل والتاريخ الفعلي والتجارب الثقافية الحية إلى تصوير كل ما له علاقة بتنوير العقل والضمير الحي والرؤية المستقبلية بوصفها فكرة الحرية على أنها "بدعة" ونتاج "لمؤامرة" أجنبية (يهودية أو نصرانية أو غربية أوربية وما شابه ذلك). بعبارة أخرى، إن هذه المنهجية عادة ما تؤدي إلى الخلط بين الموقف التاريخي السليم والرؤية العقائدية بالشكل الذي يتحول التاريخ فيه إلى ألعاب يمكن إعادة ترتيبها بالشكل الذي تبدو فيه وفية للإيمان الحنبلي. وليس مصادفة أن يتوصل أنور الجندي بهذا الصدد إلى استنتاج مفاده، أن "دخول العرب في الدولة العثمانية منذ عام 1517" اقرب ما يكون إلى  ضرورة تاريخية. وذلك لان هذا الدخول قد "أخّر سقوط العالم العربي في قبضة الاستعمار أربعة قرون". ذلك يعني أن سقوط العالم العربي أمر حتمي لابد منه. ومن غير المفهوم ما فائدة هذا التأخير بالنسبة للعالم العربي والإسلام. مجرد أربعة قرون معلبة للخروج بعدها إلى أحضان الكولونيالية الأوربية! إن هذا الرؤية العقائدية التي تمسخ معنى التاريخ الفعلي وتشوه مساره الواقعي، تحتوي على خطورة التأهيل الذهني للجبرية العقائدية والقبول بكل الخرافات الجليلة بعد أن يجري إضفاء طابع الإسلام الحنبلي عليها. من هنا ضعف التحديد النظري لفكرة الحضارة الإسلامية. فهي تتحول في أراء ومواقف أنور الجندي إلى مجرد مجموعة عقائد دينية لاهوتية لا فرادة فيها ولا إبداع ثقافي هائل كالذي ميز بالفعل الحضارة الإسلامية؟ وذلك لان إرجاع مضمون الحضارة الإسلامية وأصالتها إلى كونها قدمت "مفهوم كامل للحضارة قوامه الحركة المادية والمعنوية في نفس الوقت وربط التقدم المادي بالأخلاق وتوجهه إلى صالح الإنسانية" هي مجرد عبارة عامة، أي صيغة خطابية يمكن العثور عليها عند كل كاتب كسول من الدرجة العاشرة! والشيء نفسه ينطبق على فكرته القائلة، بان "الإسلام قدم مفهوما جديدا عن التحضر الأصيل يستند إلى مبادئ الانتقال من عبادة الأوثان وأشخاص السلطة إلى عبادة الله الواحد الحق، ودفع البشرية إلى مرحلة الفكر والذكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض". فهو ليس مفهوما جديدا، كما انه لا علاقة له بماهية التحضر والمدنية. والشيء نفسه يقال عن التفكر بالوجود وليس بالسماوات والأرض فقط.

***

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4056 المصادف: 2017-09-20 02:24:43