المثقف - قضايا وأراء

المثقف والسلطة

لا يتحتم على المثقف في علاقته مع السلطة أن يجامل ويداهن أو ينضم إلى "جوقة المطبلين" ويصرف بصره عن كل عيوبها وأخطائها، فإذا كان رجل السلطة ذئبا سياسيا، فينبغي على رجل

الفكر أن يكون ذئبا ثقافيا وبالتالي يكون "مثقفا حرا" لا "مثقفا تابعا"

 

إن الصراع القائم بين الثقافة والمثقف، وبين المثقف والسلطة يقودنا إلى الحديث عن ماهية المثقف ونشأته ومكانته في عالم مليء بالمتغيرات. لقد اشتقت كلمة مثقف الفرنسية intellectuel، من "أنتي لاكتintellect " التي تعني العقل أو الفكر، وعليه تدل كلمة مثقف على أولئك الذين يشتغلون بفكرهم ويكرسون حياتهم لخدمة الفكر، وهم يحملون أفكارا وآراء خاصة بهم حول الإنسانية وسعادتها ويتخذون مواقف تنديد واحتجاج إزاء ما يتعرض إليه الأفراد والجماعات من ظلم وتعسف فكري. يقودنا هذا التعريف إلى رجل كان له الفضل في نشأة المثقف في نهاية القرن التاسع عشر، ففي الثاني والعشرين من شهر ديسمبر 1894م أدانت إحدى المحاكم الفرنسية ضابطا فرنسيا من أصل يهودي برتبة قبطان يدعى: ألفريد دريفوس ALFRED DREYFUS بتهمة تسريب معلومات عسكرية إلى ألمانيا بحيث تم نفيه إلى الجزر الغابرة، رغم غياب أدلة تثبت تورطه..

وقد حولت هذه المحاكمة إلى إشعال نارا سياسية كبرى ما يزيد عن عشر سنوات عصفت بالحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا، وبينما سكت رجال السياسة عن هذه القضية آنذاك وقف عدد كبير من المفكرين والفلاسفة للدفاع عن دريفوس ومن بينهم الروائي "إميل زولاZOLA"  في رسالة له إلى رئيس الجمهورية الفرنسي التي عنونها " إني أتهم"، زولا الذي اتسم بنزعة تفاؤلية كبيرة وبقناعة كاملة على انتصار الفكر على السلطة، فقد كان كتاب زولا بمثارة الشرارة الأولى في تبرئة دريفوس، وهكذا نشأ مفهوم المثقف أول ما نشأ بفرنسا مع انفجار هذه القضية.يقول الدكتور محمد شيخ في كتابه «المثقف والسلطة" أن قضية دريفوس سجلت باعتبارها صراعا ثقافيا انتصارا "للإنتلجانسيا الدنيا " على " الإنتلجانسيا العليا"، أي انتصار صغار المثقفين على كبار المثقفين..

في حوار صحفي أجراه Christian Delacampagneصحفي بجريدة لوموند Le Monde الفرنسية في بداية الثمانينيات (06أفريل1980) مع فيلسوف رفض أن يصرح باسمه حول مفهوم "المثقف" ولماذا يتكلم المثقفون كثيرا ؟ قال الفيلسوف المقنع Le Philosophe Masqué  : إن كلمة مثقف Intellectuel تبدو غريبة بالنسبة لي فلم أصادفها في حياتي، لقد صادفت أناسا يكتبون روايات، وآخرون يعالجون المرضى، وأناس يجرون دراسات اقتصادية، أناسا يدرسون ويرسمون ماعدا المثقف، ورغم أني قابلت أناسا يتحدثون عن المثقف لكن هذا الأخير غير موجود بالنسبة لي ولا يعني لي شيئا N’existe plus pour moi، ما يجعلنا نتساءل: أين نجد المثقف؟ أين هي مكانته؟؟؟ وما هو دوره؟؟ تلك هي المشكلة.. !!!

 

ترى السلطة  أن المثقف لا يحق له النزول إلى الساحة العمومية ولا يحق له أن يلج عالم السياسة، فواجب عليه الاهتمام بالقيم الثقافية كالحق والخير والعدل، فهذه القيم غير قابلة لأن تتجسد في فعل سياسي مشخص، ومن هنا جاء دور الفيلسوف الفرنسي جول لانيو JULES. LAGNEAU (1851- 1894) ليعلن عن ميلاد نوعا خاصا من المثقف أو المفكــــــــــر الذي "يلعب بالسياسي دون أن تحرقه نار السياسة.»، لأن هناك من يحب أن يتسلط ويرغب في السلطة باعتبارها نظاما سياسيا قائما بذاته، وقوة قائمة لا يراقبها عقل ولا يعارضها لسان، فهي كما تسمى ب: الليفياطان LEVIAHAN، ومعناها الرئيس الذي يكون الحكم حكمه والقرار قراره، والليفياطان هو اسم حيوان وحشي الذي لقيه أيوب في أنباء العهد القديم ويرمز للقوة الخارقة التي تستطيع أن تفعل ما يعجز عنه الإنسان، وهو يعتبر روح القيادة والطاعة العميقة..

لقد كانت السلطة حربا على المواطن وعلى الفكر الحر ومن ثم جاءت سياسة المقاومة  La Politique De la Résistance، وهي سياسة المواطن ضد السلطة دعا إليها الفيلسوف آلان ALAIN، إذ لا يتحتم على المثقف في علاقته مع السلطة أن يجامل ويداهن وينضم إلى جوقة المطبلين، ويصرف بصره عن كل عيوبها وأخطائها، فإذا كان رجل السلطة ذئبا سياسيا فينبغي أن يكون رجل الفكر ذئبا ثقافيا وبالتالي يكون مثقفا حرا لا مثقفا تابعا، لأنه وليد قضية اجتماعية وسياسية شهيرة عرفت باسم قضية دريفوس، وهو كما قال الدكتور خليل أحمد خليل في كتابه ( مستقبل العلاقة بين المثقف والسلطة) بصدد الدفاع عن حرية الإنسان وعن حق العقل في القول والفعل، وبذلك يصبح المثقف حاكما في أي مستوى من مستويات السلطة، فيقف محاربا بين نار السلطة وجليدها.إن المثقف الحر هو ذاك المثقف الذي يندمج في حراك السياسة، المناهج للأوضاع السائدة، وهكذا نجد المثقف في صراع كبير مع السلطة ما يدفعنا إلى التساؤل: هل وجد المثقف مكانه في عالم الثقافة وفي عالم السياسة وسط هذه المتغيرات؟؟؟..

فكلما حاول مثقف أن يتحدث عن نفسه أو عن وضعه فإنه يبدأ بالشكوى وينتهي بالشكوى ولا يجد نفسه على ما يرام، فيرهقه الإحساس بأنه هامشي وأن كلماته وأفكاره تضيع دون أن تغير وضعا أو تبدل أناسا، في ظروف سيطرت عليها التعددية ( التعددية الحزبية والديمقراطية) وكذا العولمة، جعلته ينشق اليوم واعيا أو لا واعيا، بحيث تفارقت في حياته ثقافته وممارسته للثقافة بعدما نصبت له الحواجز المانعة أو ما يسمى "البرافانات  Les Paraventsلتعلن عن انتهاء الملحمة الثقافية الإنسانية كما لو كان الزمن قد توقف في انتظار أمر غير متوقع أو غير مرغوب فيه..

وهكذا كفت صورة المثقف على أن تعيش في الحاضر وللمستقبل فاختارت السير إلى الوراء..لأنها غير قادرة على الدخول في التاريخ ما جعلها تقوم على تناقض مستمر..أهي إذن بداية انتهاء المثقف؟؟، سؤال محرج وخطير للغاية قد يحتاج إلى دراسة معمقة، تكرس لها كل الأقلام..

 

علجية عيش

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1411 السبت 22/05/2010)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1355 المصادف: 2010-05-22 04:36:08