المثقف - قضايا وأراء

الواقعية في الأدب الإيطالي .. "جوفانّي فيرغا" أنموذجا / أسماء غريب

asma_gherib(إيطاليا في عهد النظام الملكي: 1861)

تُعدّ سنوات القرن العشرين بأوروبا سنوات الوحدة الكبرى والتي استطاعت خلالها إيطاليا وكغيرها من الدول الأوروبية وإن في مرحلة

 متأخرة الوصول إلى تحقيق حلم الوحدة بمختلف مقاطعاتها ومدنها وتصبح بالتالي دولة كبرى ذات نظام ملكي دستوري يطبّقُ فيها التشريع السابودي1 وعلى مختلف الأجهزة سواء منها الاقتصادية، الإدارية، المالية، العسكرية أو التعليمية على الرغم من تنوع التقاليد والأعراف واللغات في هذا البلد.

692-asmaa1ومرت سنوات الفرح بتحقيق هذا الحلم الوحدوي الأولى واستقيظت إيطاليا بعدها على حقيقة مرّة، كونها كانت آنذاك من الدول التي عانت من وحدة تحققت في بلد يئن تحت نير التخلف الاقتصادي والصناعي على الخصوص إذا ما قورنت بجاراتها ، انجلترا، فرنسا وألمانيا، إذ أنّ بُعدها في البداية عن الثورة الصناعية كان من أهم الأسباب التي حالت بينها وبين تحقيق الرفاه والتقدم الاقتصادي الذي كان يرجى تحقيقه بمقاطعاتها مباشرة بعد الوحدة، دون نسيان عامل آخر لايقل أهمية عن الأول والمتمثل في تسلّط الطبقة السياسية الحاكمة آنذاك واستلائها على كافة الميادين الحيوية بإيطاليا خاصة وأن اليمين الإيطالي الليبيرالي الكافورياني2 كان يقاوم أي أفكار تدعم سياسة التفوق والتقدم الصناعي مبررا ذلك بعدم امتلاك إيطاليا للمواد الأولية من جهة وبخوفه من أن يخلق هذا التقدم الصناعي الذي كان يُخَطّطُ لتحقيقه آنذاك طبقة بروليتارية قوية لن تزيد الطين إلاّ بلّة ولن تخلق سوى العديد من المشاكل والاهتزازات الاجتماعية كما حدث في العديد من الدول الأوروبية الصديقة الأخرى الشيء الذي دفع باليمين الإيطالي أن يمسك بزمام الأمور ويصبح المعبّر الرسمي للبورجوازية الفلاحية التجارية.

 

692-asmaa12
جوفانّي فيرغا

إلا أن دوام الحال من المحال، ضعفت قوة اليمين وبدأت الأوضاع تتغير نسبيا بمرور السنين، ووصل اليسار إلى الحكم سنة 1867 وفي وقت يسير استطاع هذا الأخير أن يجمع بين العديد من الفئات وإن اختلفت مصالحها ومنطلقاتها وأصبح لأرباب المصانع والشركات الضخمة وزن سياسي لايقل أهمية عن ذاك الذي كانت تتمتع به الطبقات التجارية والفلاحية. كل هذه التحولات كانت مؤشرا لبداية عهد جديد لما سُمّي بالسلطة والقوة المتمركزتين والتي دفعت بالعديد إلى التوجه نحوه السباق المسلّح. وفي الوقت الذي كانت فيه إيطاليا منشغلة بسياسة التصنيع هذه بدأ القطاع الزراعي يسجل تراجعا ملحوظا غرقت معه الأسواق فيما كان معروفا بالقمح الأمريكي الذي أدى إلى انهيار أسعار جميع المواد الفلاحية وتضخم الأزمة وسط الفلاحين وتأزم أحوالهم المعيشية الشيء الذي دفع بأرباب رؤوس الأموال من القطاع الزراعي بالتحالف مع أرباب المصانع والمشاريع الضخمة كي يسجلوا بذلك بداية عهد القوة الصناعية الفلاحية التي حددت ما يعرف اليوم بالطبقة الحاكمة الإيطالية المعاصرة.

 

I Malavoglia/"!وإذا كانت سياسة الوحدة قد حققت الازدهار والانتعاش الاقتصادي والسياسي فإن العكس هو الذي حدث على مستوى الفئات المستضعفة من الشعب الذي كان يرزح تحت ثقل الضرائب القاسية ونظام الخدمة العسكرية الإجبارية التي كانت بشكل أو بآخر تحرم الأراضي الزراعية من سواعد شابة كانت في أمس الحاجة إليها خاصة وأن الأمراض المعدية الخطيرة كانت قد أتت في تلك الفترة على العديد من سكان هذه القرى الذين لم ينلهم كغيرهم من أبناء الوسط والجنوب الإيطالي أي فائدة تذكر من سياسة الوحدة الإيطالية بل أن العديد منهم لم يكونوا على علم بما ساد في البلاد من تغييرات جديدة ولا إذا ماكانت إيطاليا قد توحدت كلها تحت نظام ملكي دستوري جديد أم لا، بالضبط كما عبّرت عن هذه الحقيقة المُرّة رواية جوفانّي فيرغا الشهيرة "عائلة المالافويّة

 

692-asmaa13
هذه الصورة التي التقطها "جوفانّي فيرغا " بعدسة آلته التصويرية تعد وثيقة ذات قيمة تاريخية عالية : من اليسار إلى اليمين: رجل يحمل بندقية، "مسّارو فيليبّو" وفلاح آخر.

Giovanni Verga/". فمن هو ياترى "جوفاني" وما المقصود بالتيار الواقعي في الأدب الإيطالي؟و كما أثرالواقع الجديد بكل متغيراته على كافة المستويات الحياتية فإن فئة المثقفين بكتابها وشعرائها وفنانيها لم تسلم من هذا التأثير وكانت أبلغ معبر عن هذه الحقبة من تاريخ إيطاليا الحديث، وتظل "الحركة الواقعية" من أهم التيارات الأدبية التي كان لها الصدى الأكبر في هذا المجال وخاصة مع مُنظّرها الأول وبدون منازع الأديب الصقلي الراحل "جوفانّي فيرغا

 

"جوفاني فيرغا" والواقعية الجديدة:

Catania" الصقلية، أي سنة واحدة بعد ظهورآلة التصوير الضوئي، أهم اختراع علمي وتكنولوجي في العالم، والتي سيكون لها أكبر الأثر في حياة الكاتب وفي صياغته لشخوص رواياته. تعد سنوات "فلورانس" (1865/72) من أهم مراحل حياته كونها سجّلت تعرّفه على الكاتب والناقد الإيطالي الكبير "لويجي كابوانا" Luigi Capuana الذي أصبح فيما بعد من أكبر وأكثر أصدقائه قربا منه وهي الصداقة التي أثمرت تعاونا ثقافيا منقطع النظير ترك لنا أهم الأعمال الأدبية والنقدية للمدرسة الواقعية آنذاك.

 

692-asmaa14
صورة لثلاثة نساء من قرية "فيدزيني" ألتقطت في 3 أيار 1892.

تلت سنوات "فلورانس" مرحلة "ميلانو" (1872/1885) وهي لاتقل أهمية عن سابقتها سواء من حيث العمق أو من حيث العطاء الفكري وهي الفترة التي عمّق فيها "فيرغا" وغيره من أصدقاء "حركة البوهيمية" أو La scapigliatura الأدبية المشابهة لنظيرتها الفرنسية التي اشتهر بها معظم الشعراء "الملعونون" كتاباته وتجربته الواقعية التي عكست مدى تأثره بالمرحلة التي انتقل فيها الأدب من التيار الثقافي المثالي الرومانسي إلى التشكيكي الوضعي ومنه إلى التيار النهضوي الواقعي الذي أصبحت فيه كتابات "فيرغا" أكثر تشاؤما وسوداوية تجاه الحياة باعتبار هذه الأخيرة مظهر من مظاهر الصراع الذي تكون فيه الغلبة دائما للأقوى على حساب المستضعفين من الناس بالأرض.

 

إنطوائي، صعب المراس، قوي الملاحظة، شديد الشفافية والحساسية وبالرغم من عدم حبه للشهرة ولا أن يكون ممن تسلّط عليهم الأضواء إلا أنه أصبح من أكثر الشخصيات الأدبية شهرة في أوروبا بل وفي العالم كافة. ولد سنة 1840 بمدينة "كاتانيا/ من أهم الأعمال التي ميزت هذه الفترة نجد: "دورة المهزومين، حكايات قروية، وحياة الحقول."

 

692-asmaa15
السيدة ليدّا فيرغا، 1897.

Giovanni Garra Agosta " بأنه عُثر مؤخرا في بيت القاص "فيرغا" على أزيد م 488 نيغاتيف فوتوغرافي و327 صفيحة زجاجية و121 فوتوغرام وكلّها لأشخاص لهم صلة عميقة بالكاتب بما فيهم الأهل والأصدقاء أمثال الكاتب والناقد "لويجي كابواناو" و" فيديريكو دي روبيرتو" ولبعض من الناشرين ك "إيميليو دجوزيبّي تريفيز" ولحبيبته "إيليونورا دوزي" التي جمعته وإياها مراسلات تعدّ من أجمل ماكتب في الحب والعشق.لم يعبّر "فيرغا" عن تياره الواقعي عبر الكتابة فقط وبل أيضا عبر آلة التصوير الضوئي وإن كان العديد من الدارسين لايعرفون هذا الجانب المهم من شخصيته ومن إنتاجاته الفنية، ف "فيرغا" كان يعرف أكثر من غيره قيمة هذه الآلة ويستخدمها لالتقاط اللحظات والشخوص الأكثر تعبيرا عن الواقع الإيطالي ولاغرابة في أن تجد بعضا من هذه الشخصيات المصورة مرفأ لها بين أسطر رواياته وقصصه . يخبرنا الأستاذ والباحث الإيطالي "جوفانّي غارّا أغوستا/

 

692-asmaa16
لحظة سفر السيدة "ليدّا فيرغا" وزوجها السيد "ماريو" 1896.

Licodia Eybea، Scordia وVizzini وأخرى خاصة بالفلاحين وأسر المزارعين التي كثيرا ما حدّثنا عنها "فيرغا" في أعماله وقصصه والتي جعلت منه الأديب الذي زاوج بين الأدب وأساليبه الجديدة وبين العلم وتقنياته ووسائله الحديثة ولو كان عاش إلى عهدنا لوجدناه وبدون جدل قد رمى بنفسه في بحار تقنيات السينما والراديو والتلفزيون والإنترنيت كي يعبّر بالكلمة وبالصورة عمّا تلتقطه عينه وعدسة آلة تصويره من مختلف مظاهر الحيف والتهميش والألم الراتع بين مختلف فئات أبناء أرضه. أما الصور المتبقية فكانت تمثل بعضا من البيوت والأزقة القديمة والقرى العتيقة كقرية

   

أسماء غريب

إيطاليا 11 نيسان 2010.

 

...........................

كل الصور هي بعدسة الكاتب الصقلي "جوفاني فيرغا". مصدرها العدد 18 شباط 2007 من مجلة Le foto storie Patria indipendente.

1-   نسبة إلى أسرة سافويا المالكة.

2-   نسبة إلى رئيس وزراء مملكة سردينيا سابقا و لاحقا مملكة إيطاليا, و اسمه الحقيقي هو "كاميلّو باولو" (1810-1861)، إلا أنه اشتهر باسم "كافور" و تعزى إليه سياسة الوحدة الإيطالية.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1517 الاربعاء 15/09/2010)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1471 المصادف: 2010-09-15 07:28:20