المثقف - قضايا وأراء

الأهوار العراقية وجنة عدن الوهمية هور السناف في سوق الشيوخ أنموذجا

تؤدي البيئة وظيفة رئيسةً ومهمةً في حياة الإنسان، ومنذ الأزل كانت المحاولات مستمرة لتطويع البيئة أو للتكيف معها . وكلما كانت أدوات الإنسان تقليدية كان انصياعه أكثر للظروف البيئية

التي تحيط به مما يجعله تحت رحمتها ولا تخرج بيئة الأهوار عن هذه القاعدة إذ ظل سكانها بعيدين عن عجلة التطور، فسكنهم ووسائل نقلهم وأدوات صيدهم بل وحتى علاقاتهم الاجتماعية كانت ولا زالت في أغلبها بدائية استعملها أسلافهم قبل آلاف السنين . ويعتبر هور السناف (موضوع الدراسة) جزءاً من الأهوار الجنوبية التي تقع على امتداد الجانب الأيمن من نهر الفرات . ويحد هور السناف الذي كانت مساحته العميقة الدائمة تبلغ (270) كم2 بينما كانت المساحة الموسمية التي تغمرها المياه في مواسم الفيضان تصل إلى ما يقارب 600 كم 2، من الجنوب والجنوب الغربي البادية الجنوبية ومن الشمال مدينة سوق الشيوخ وضواحيها بينما يحده من الشرق والجنوب الشرقي هور الحمار والعشائر التي تقطن على مصبات الأنهار والجداول بين سوق الشيوخ وكرمة بني سعيد .

يتغذى هور السناف من مجموعة كبيرة من الأنهار والجداول التي تتفرع جميعها من الجهة اليمنى لنهر الفرات بعد اجتيازه لسوق الشيوخ وأهم هذه الجداول كرمة النواشي، الزعيلية، ختلان، أم الطبول، الطليعة، العتيبية، الياسرية، الأصيبح، الكر ماشية، أم التمن وحين وصول نهر الفرات إلى ناحية كرمة بني سعيد فأن أحد الفروع الثلاثة الكبيرة التي تتفرع عنه وهو (أم نخلة) يتجه نحو الجنوب ليتفرع بدوره عن عدد آخر من الجداول التي تصب جميعها في الهور . وتشق هذه الجداول طريقها وسط كثافة سكانية تستقر على جوانبها تمثل عشائر النواشي وحجام وآل حسن وهي عشائر مستقرة وشبه متحضرة في بعض الأحيان تسكن في مواقعها الحالية منذ مئات السنين وتمارس الأنشطة الريفية . وتعتبر هذه المناطق حلقات وصل بين الحياة الحضرية في المدن وبين الحياة البدائية في الهور .

لا يمكن الخلط بين سكان المناطق التي تحيط الأهوار وبين سكان الأهوار الحقيقيين على أنهم مجتمعات من نوع واحد كما يتطرق لذلك الكثير من الباحثين والمهتمين والدليل على هذا الافتراض هو ما نجده من تباين في عادات وتقاليد وقيم وأعراف كل طرف من الطرفين . أن الطابع الريفي والسكن المستقر والزراعة الموسمية والدائمة قد طبع ثقافة سكان هذه المناطق بطابع شبه متحضر ناهيك عن التصاقها بالمدينة التي بدأت تؤثر في هذه الأرياف منذ وقت ليس بالقصير . إلاّ أن الفوارق المشار إليها بين الهور والريف ليست قاطعة تماما إذ أن السكان الذين يقطنون مصبات الجداول في الهور والتي تسمى محليا (الذنايب) يحاورون سكان الأهوار القريبين منهم في بعض المظاهر الحياتية . وقد قسمت هذه العشائر الريفية حين هجرتها إلى هذه المناطق قبل مئات السنين كياناتها إلى قسمين كانا يعرفان (الحضر والمعدان) أو (القرية والمعدان) للتفريق بين من يسكن على اليابسة تماما وبين من يسكن المناطق التي كانت تغمر بالمياه في مواسم الفيضان وقد كان هؤلاء يمارسون حياة المعدان بصورة شبه كاملة .

 

النباتات الدائمة والموسمية في الهور:

يعتبر القصب Reed والبردي Bulrushes النباتان الرئيسان في مناطق الأهوار الدائمة ومنها هور السناف، كما تنمو الكثير من أنواع الحشائش والأدغال والنباتات المائية التي يكون بعضها دائمياً وبعضها الآخر موسمياً، فقريباً من جذور نباتات البردي وفي مواسم شحة المياه ينمو نبات النعناع Mentha sp. وأبو ركبة Alternathera sessilis ولسان الثور Potmogeton Lucens والقاط Potamogeton senegalense والحلبلاب Oxystelma وأذان الفار Epilobium Senegalense والمرير Sonch us Maritimus والعلكة Rubus وشبابيك Pluchea والكمبار Trachomitum .

 

ايكولوجيا السكن:

يلجأ بعض سكان الأهوار إلى الترحال من منطقة إلى أخرى تبعاً للمراعي الجيدة لجواميسهم أو نتيجةً لظروفٍ تضطرهم للرحيل وهنا يكون (الشكص) وحدة السكن الرئيسة التي توضع في قوارب الرحل الذين ينتقلون بصورة شبه دائمة أو من قبل أولئك الذين يهاجرون في مواسم صيد الأسماك إلى مناطق بعيدة عن سكناهم أو الذين يهاجرون في مواسم الزراعة والحصاد وجني التمر إلى المناطق الريفية . ويشبه (الشكص) في عملهِ (الخيمة) عند البدوي إذ كلا الوحدتين ينصب على عجل ويطوى على عجل . وتكون مادة الشكص خالصة من القصب وهو عبارة عن أعمدة مقوسة ومتقابلة مسقفة بالحصران (ألبواري).

لكن اغلب سكان الأهوار كانوا يعيشون في مساكن أفضل من الشكص إذ تستقر الجماعات العشائرية فوق جزر صغيرة موجودة أصلاً في الهور وقد استغلها سكانها في البناء فوقها وتسمى أغلب هذه الجزر (بالإيشانات) ومفردها (يشان) ويرجع بعضها إلى حضارات ضاربة في القدم لكن سكانها يجهلون أن تحت مرابط دوابهم مدن وقرى سومرية وأكدية .ومن أهم المواقع الأثرية الموجودة في هور السناف (أم الودع) أما الجزر الاصطناعية فهي التي يقوم أصحابها بتكوينها من خلال تجميع البردي والقصب وتكديسه في مناطق ضحلة نوعاً ما وتسمى مفردها (الجباشة) وكلما غاصت هذه في الماء خاصة في مواسم الفيضان قام أصحابها بتدعيمها بالمزيد من البردي .

تبنى المساكن في الهور على شكل أكواخ متلاصقة مع بعضها . وتقوم هذه الأكواخ المقوسة على مجموعة من الأعمدة المتقابلة التي تسمى (الشِباب) ومفردها (شَبة) وأطر رابطة أفقيا تسمى (الهطر) ومفردها (هطار) ومسقفة بالحصران التي تسمى (ألبواري) ومفردها (بارية) . وتلحف جوانب الكوخ في الشتاء بالبردي الذي يحافظ على درجات حرارة معتدلة بينما ترفع هذه في الصيف ليُسمح بمرور الهواء البارد بعد اصطدامه بالماء . ولا بد أن يحتوي (بيت القصب) أو الكوخ على سرير مصنوع من القصب أيضا ويستخدم للجلوس والمنام ويسمى (السجيفة) وقد يوجد في وسط الكوخ موقد دائري مصنوع من الطين المفخور يوضع فيه الوقود الذي يتكون من بقايا سيقان القصب الجافة أو روث الماشية الذي يصنع على شكل أقراص تسمى (المطال) ويستفاد من الموقد للتدفئة وللطبخ في آنٍ واحد ويوضع القدر فيه على ثلاثة قواعد من الطين المفخور التي تسمى (المناصب) .

ولقد تعرض هذا الجزء من الأهوار مثل بقية مناطق الأهوار العراقية الأخرى إلى جملة من المشكلات المعقدة التي أحالت حياة السكان فيها إلى الجحيم، وأحالت بيئة الأهوار الخضراء الى بيئة مجدبة هجين تتصحر تارة وتتلوث بمياه البزل والمياه الثقيلة تارة أخرى.وبعد جميع الانتكاسات التي تعرضت إليها هذه البيئة جراء سياسات النظام السابق التي كان أخرها عملية التجفيف المروعة فأن هذه البيئة لم تجد من مشاريع (إنعاش الأهوار) بعد عام 2003 سوى تكريس المأساة للبيئة بجانبيها الطبيعي والاجتماعي.مجتمع هذه المناطق أزداد فقرا ومرضا وأمية ومعاناة بسبب قلة أو انعدام خدمات الكهرباء والطرق والمستوصفات البشرية والبيطرية، إما الطبيعة فارتفاع كبير وخطير في نسب تلوث التربة والمياه والهواء، بيئة بائسة فقيرة لأبسط مقومات الحياة.

لقد أطلقت الجهات التي تكفلت بإعادة إنعاش الأهوار العراقية حكومية كان على رأسها مركز إنعاش الأهوار وغير حكومية كان أبرزها المعهد العراقي، أطلقت على هذه العملية شعار"جنة عدن تعود من جديد" ولا ادري أية جنة تحدثوا عنها قبل ستة أعوام وجنى سكان الأهوار ثمارها الآن، فليس في الأهوار اليوم سوى انهار من الماء الآسن، وغابات من الزور والأثل، وفيالق من الذباب نهارا والبعوض ليلا، لا اسماك ولا طيور ولا حيوانات مائية أو برية سوى الأفاعي التي هربت من جحورها تبحث عن ماء، ذهب الخضيري والبط البري دون عودة وغادر الشبوط والبني والكطان دون رجعة. أما سكان جنتهم الموعودة فأمية فاحشة وفقر مدقع وأمراض مشتركة بين الإنسان والحيوان وحياة ليس فيها أدنى مقومات الآدمية، ثقافة تقليدية وانتهاك لحقوق الطفل والمرأة بسبب مفردات هذه الثقافة العقيمة.وبعد هذه الصورة القاتمة لجنة الأهوار فهل يوجد من يفكر أو يعمل للدخول فيها؟ لا أعتقد ذلك مطلقا.

وما يثير الشفقة الممتزجة بالغرابة والامتعاض أن الجهات التي قامت بتأسيس (بتلو) جنة الأهوار، أما أنها لا زالت تسير وفق رؤاها الذي اثبت الزمن والواقع المعاش بطلانها وعدم جدواها، أو أنها ترمي بأسباب فشلها على عوامل خارج أرادتها، ولا زالت اغلب هذه الجهات تتكلم عن وضع خطط إستراتيجية لتطوير الأهوار، ولا ادري متى توضع هذه الخطط؟ ومتى يتم التفكير بتنفيذها؟وما الذي كانت تقوم به هذه الجهات طوال الأعوام الستة الماضية إذا كانت لحد الآن لم توضع خطط؟ وما مصير الأموال الطائلة التي هدرت؟ والوقت الذي ذهب سدى؟ ومن المسئول عن ارتفاع نسب الأمية وسوء حالة السكان الصحية وتردي الحالة المعيشية وتلوث البيئة الطبيعية؟ وواوات عديدة أخرى يستطيع أن يسألها كل من يذهب اليوم إلى الأهوار. المضحك المبكي أن من بين المشاريع الرائدة التي يفكر بتنفيذها في أهوار الجبايش في الوقت الحاضر "مراسي للسفن" علما أن سفن الأهوار قد رست على "الكاع المفطرة"بسبب الجفاف، بينما تقام مشاريع أخرى في قرية أبو سوباط، أحد قرى قضاء الجبايش، تكلفتها عالية جدا احدها هو إقامة نصب لشهداء الأهوار والأخر إقامة متحف ومركز أبحاث، وأنا على يقين تام أن ما يفرح هؤلاء الشهداء وهم في قبورهم ليس بناء هيكل كونكريتي وإنما بناء مدرسة ابتدائية تنتشل أطفالهم من الأمية ومستوصف صغير يقلل من تعرضهم للأمراض وحياة كريمة لأراملهم وأمهاتهم وآبائهم.

 

محمد حمود إبراهيم

باحث سوشيو - انثر وبولوجي

مركز أبحاث الأهوار – جامعة ذي قار

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1136  الثلاثاء 11/08/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1071 المصادف: 2009-08-11 01:38:18