المثقف - قضايا وأراء

الدكتور علي المؤمن .. وإلاشكاليات المنهجية والتاريخية حول بحثه في تاريخ وفكر حزب الدعوة الإسلامية / أزهر السهر

azhar_alsaharالدكتور علي المؤمن من الأسماء الأولى التي كتبت في تاريخ الدعوة الإسلامية وقد عُرف من خلال كتابه المعروف "سنوات الجمر". وقد كتب مؤخراً مقالةً في صحيفة "المثقف" 

تحت عنوان "من الشروق إلى السطوع ..حزب الدعوة وإشكاليات التأسيس والمؤسسين والانتشار"الحلقة الأولى بتاريخ 9/7/2011 يذكر فيها ما نصه (إن كثيراً من الدعاة؛ من خارج التنظيم وداخله؛ برزت لديهم أيضاً إشكاليات فكرية وسياسية؛ ترتبط بأداء حزب الدعوة بعد استلام السلطة، وعلاقة هذا الأداء بالفكر الروحي والتربوي والعقائدي والتنظيمي والسياسي للحزب، وهي إشكاليات يرون في صلبها تعارضاً بين هذا الأداء والسلوك من جهة، و نظرية حزب الدعوة وفلسفة وجوده من جهة أخرى. ومن هنا؛ وجدت أن الأمانة العلمية والمسؤولية التاريخية تدفعاني للكتابة حول هذه الإشكاليات، ومحاولة تقديم مقاربات موضوعية حولها؛ زعماَ مني بأنني أكثر من لاحق هذه الإشكاليات ودرسها وتعمق فيها، واستطاع تفكيكها معظمها؛ وهو عمل أعده تخصصياً، وقد خضت فيه منذ عام 1983؛ فكانت باكورة نتاجاتي مقالات نشرتها في العام نفسه، ثم دراسات نشرت في أواسط الثمانينات ونهاياتها، ثم ثلاثة مؤلفات كبيرة؛ صدر الأول منها (سنوات الجمر) عام 1993، وهو يعالج الفترة من 1957 وحتى 1986، والثاني (سنوات الرماد)، ويعالج الفترة من 1987 وحتى 2002، والثالث (سنوات الحصاد) ويعالج الفترة من 2003 وحتى 2006؛ اي ان المجلدات الثلاثة تدرس نصف قرن من تاريخ الحركة الإسلامية العراقية. مع الإشارة إلى إن منهج الكتاب الأول (سنوات الجمر) كان منهجاً توصيفياً تحليلياً، أما منهج الكتابين الثاني والثالث (سنوات الرماد وسنوات الحصاد) فهو منهج شمولي، اعتمدت فيه تركيباً من المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المعياري والمنهج المقارن. ولعل هذا المنهج و نوعية المعلومات وطبيعة المادة والتحليل والتقويم؛ هي بالمجمل لا تزال تحول دون نشري للكتابين الأخيرين؛ بالرغم من إنني انتهيت من الأول عام 2005، ومن تفييش الثاني عام 2009، ولا أزال أتابع اي مادة ومعلومة وتحليل له علاقة بالمرحلتين. ولكني سأرجئ نشرهما الى وقت يسمح فيه الواقع ويتحمل ما ينشر. وقد ذكرت جزءاً من الأسباب في مقدمة الطبعة الرابعة من كتاب سنوات الجمر. فضلاً عن ذلك، فان مراجعة كثير من الباحثين لي؛ عراقيين وغير عراقيين؛ ممن يريدون الكتابة عن حزب الدعوة خصوصاً، والحركة الإسلامية العراقية أو مرحلة ما بعد 2003 عوماً، كان دافعا آخر للمتابعة الدقيقة، إلى مستوى المعلومات والمعطيات التفصيلية التي قد لا تنفع أحداً؛ سوى باحثين حفريين و صحفيين فضوليين أو دعاة بعدد أصابع اليد الواحدة. وقد قدر لي بحكم إقامتي في لبنان؛ أن أكون مرجعاً معلوماتياً وتحليلياً أساسياً لعدد من أطاريح الدكتوراه والماجستير حول الحركات الإسلامية وحزب الدعوة وبعض مؤسسيه وقادته ومرحلة العراق الجديد).

أنا لست بصدد التعليق على ما ذكره الدكتور الفاضل وله الحق في قول ما يرى ويعتقد، وان كان لدينا ملاحظات على ما تفضل به، لأنه تجاهل في كتابه "سنوات الجمر" دور احد مؤسيي وقادة الدعوة ومنظري مشاريعها وواضعي أسسها، ولم يذكره إلا لماماً، وأما رسائل الماجستير التي يتحدث عنها فإذا كان من ضمنها رسالة الطالب صلاح مهدي علي الفضلي، الموسومة "السيد الشهيد محمد باقر الصدر وآثره في تاريخ العراق المعاصر" فأقرأ على تاريخ وفكر الدعوة السلام، لأن كاتب الرسالة التي أشرف عليها مع شدد الأسف الدكتور ابراهيم الجعفري تعمد مجانبة الحقيقية وحرف كثيراً من الوقائع المعروفة وأسباب ذلك معروفة للواعين. مع هذا فإننا سنترك كل ذلك الآن وسنتناوله في مناسبة أخرى.

ما أريد أن أثيره في هذا المقال هو نقطة ذكرها الدكتور المؤمن في مقالته واعتبرها إشكالية سيحاول مقاربتها في حلقات مقالته القادمة حيث يقول في نصها: (2ـ التحولات في فكر حزب الدعوة الفقهي والعقيدي والسياسي والتنظيمي، وعلاقة ذلك بفكر وأداء الشخصيات التي تسلمت قيادة الحزب، أو التي كانت الأكثر تأثيراً في مرحلة من المراحل، وهي: مرحلة السيد محمد باقر الصدر "التأصيل الفقهي والعقيدي لنظرية الشورى"، مرحلة السيد مرتضى العسكري "الشد والجذب بين مبدأ قيادة علماء وقيادة المثقفين"، مرحلة الثنائي عبد الصاحب دخيل ومحمد هادي السبيتي "التحول من كون الدعوة قيادة في الأمة إلى قيادة للأمة"، مرحلة محمد هادي السبيتي "الإنفتاح المذهبي"، مرحلة الشيخ محمد مهدي الآصفي "مرحلة تبني نظرية ولاية الفقيه ومبايعة مصداقها"، مرحلة الدكتور إبراهيم الجعفري "التشتت الفكري"، وأخيراً مرحلة السيد نوري المالكي "ممارسة السلطة").

والسؤال المهم هنا: على أي أساس صنف الدكتور المؤمن هذه المراحل؟، صحيح إنها تمثل جزءاً من تاريخ الدعوة الإسلامية، ولكنها لا تمثل حقيقة المراحل التي مرت بها، بل هناك مراحل مهمة في مسيرة وتاريخ الدعوة حاول الدكتور المؤمن إغفالها والقفز عليها، فالمراحل التي صنفها بكونها ثلاث مراحل هي في الحقيقة مرحلة أولى من مراحل تاريخ الدعوة، وما حصل فيها إنما يعد محطات مهمة في تاريخ الدعوة، وما نراه واقعياً وصحيحاً ومقنعاً وموضوعياً هو أن تصنف المرحلة الأولى من تاريخ الدعوة منذ سنة التأسيس وحتى تأسيس قيادة جديدة في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية، وتأسيس المجلس  الفقهي، وحصول إنشقاق خطير في جسم الدعوة والانقلاب الواضح على قيادة الدعوة الحقيقية التي رسمت خط الدعوة ومشاريعها وشكلها أمام العالم، والتي استمرت بقيادة الدعوة بامتياز ما يقارب أكثر من  17 سنة، ثم تأتي من بعدها ما الأمانة والموضوعية تحتم على كل باحث منصف وموضوعي أن يطلق عليها "مرحلة الانقلاب على فكر الدعوة " والذي ينبغي بالباحث الموضوعي أن يتكلم فيها عن فريقين فريق يمثل خط الدعوة الأصيل الذي رسم معالمه القائد والمفكر الشهيد محمد هادي السبيتي (أبو حسن) وقاده من بعده الشهيد عبد الزهراء عثمان محمد "عزالدين سليم" (ابو ياسين) ومجموعة من الدعاة الأوائل، وفريق يمثل امتداداً لخط الصراع القديم الذي كان يقوده مجموعة من رجال الدين تمثل فيما بعد بشخص الشيخ محمد مهدي الأصفي، ومعه أنفار قليلة من الدعاة الأوائل والكثير من شباب الدعوة الذي لم يطلعوا على نظرية الدعوة بعمق، وقد تبلور هذا الانحراف في محاولة إنتاج فكر "هجين" يجمع بين شيء قليل "مُتلاعب فيه"  من فكر الدعوة الأصيل والكثير الكثير من فكر قادة الانقلاب الجديد وذلك بإصدار مجلدين بعنوان "ثقافة الدعوة" وقد تصدى الشهيد عزالدين سليم ومن معه من دعاة الدعوة الأوائل لهذه المؤامرة من خلال جمع نشرات الدعوة الأصيلة التي كتبها قادة الدعوة الأوائل وعلى رأسهم المرجع الشهيد محمد باقر الصدر والشهيد محمد هادي السبيتي والشهيد عبد الصاحب دخيل، والشيخ عارف البصري وآخرين، وطبعها بأربع مجلدات تحت عنوان "ثقافة الدعوة الإسلامية" التي طبع جزأها الأول الشهيد محمد هادي السبيتي في لبنان سنة 1977 تحت عنوان "مقالات إسلامية" وقد اعترض الشيخ الاصفي على نشر فكر الدعوة، وقد رد  القائد السبيتي على اعتراضه من خلال مقال نشر في صوت الدعوة يومذاك تحت عنوان "حول نشر كتاب مقالات إسلامية"(1) والحقيقة أن الشيخ الآصفي كان يخشى اطلاع الدعاة عليها لأنها تُظهر بشكل واضح وجلي أصالة الفكرة وعمقها عند السبيتي. فضلاً عن ان الفرق واضح وجلي جداً لمن يقارن بين ثقافة الدعوة "طبعة جماعة ابو ياسين" "وطبعة جماعة الشيخ الآصفي".

 وقد حذر الشهيد عزالدين سليم من هذه المرحلة واعتبرها  مرحلة فاصلة بين مرحلتين من تاريخ وفكر الدعوة إذ اعترضت جماعة أبو ياسين بشدة على محاولة البعض إعادة النظر في فكر وثقافة الدعوة الإسلامية، ورفضت (..التخرصات التي تزعم أعادة النظر في فكر وخط الدعوة في هذه الحالة التي نحن عليها لأن ذلك وهم وخطأ ومخاطرة بهذا الخط الأصيل الذي يمثل انضج نظرية للعمل الإسلامي لحد الآن)(2) كما حذرت جماعة ابو ياسين الدعاة من هذه المؤامرة الخطيرة على فكر الدعوة بقولها: (أيها الأخوة لا تسمحوا في الوقت الحاضر بأية محاولة لإعادة كتابة فكر الدعوة بأي درجة من درجات التصرف، وقولوا لمن يريد أن يطبع ثقافة الدعوة عليه أن يطبعها كما هي ـ كما صدرت في حينها ـ دون أي تعديل أو تبديل، وأفضل طريقة نراها أن تنشر أعداد صوت الدعوة كما صدرت في وقتها وتجمع في مجلدات ولا ضرر كبير من التعليق في الهامش من قبل الدعاة القادرين على التعليق شريطة أن يقتصر التعليق على التنبيه بأن الموضوع صدر بتاريخ سابق وبظروف غير ظروفنا الحالية وان المقصود من كذا كذا إن كان الأمر يتطلب مثل هذا التعليق)(3). كما قرر جماعة أبو ياسين اعتماداً على ما حصل من تغيير وخلط وتلاعب في فكر وثقافة الدعوة اعتبار هذه المرحلة لا تمثل مرحلة حقيقية من مراحل تاريخ وفكر الدعوة الإسلامية وان كل ما عمل وكتب في هذه المرحلة من قبل جماعة الانقلاب الجديد لا يمثل الدعوة الإسلامية ونظريتها في الفكر والعمل، إذ قالوا: (إن العمل الذي حدث باسم الدعوة في إيران قبل قيام الدولة الإسلامية وبعد قيامها لا يمثل الدعوة ككل ولا يكشف عن معالم خطها الحقيقي ولو صدر من دعاة نعتز بهم ونحترمهم)(4).

ثم بعد ذلك يمكن تصنيف المراحل الأخرى، ومنها تسلم السلطة في العراق بعد سقوط سلطة حزب البعث العفلقي والتي يجدر ايضاً الوقوف عندها لا من تسلم السيد نوري المالكي او قبلها الدكتور إبراهيم الجعفري بل من بدء بالتفكير والعمل على إسقاط النظام واختلاف متبنيات شقي الدعوة (الأصيل والمنقلب على الاصيل) في طريقة إسقاط النظام، وما جرى بعدها من تأسيس مجلس الحكم، والاختلاف الواضح في متبنيات طريقة حكم العراق، وقد تبلور هذا الاختلاف عندما صوت بالرفض القاطع ما سُمي بقادة الدعوة في مجلس الحكم على تولي الشهيد عزالدين سليم رئاسة مجلس الحكم الدورية قبل شهرين من انتهائه، والسبب واضح في ذلك لمن تابع خلفيات أحداث ما يقارب 23 سنة. ولو أتبع ما سُمي بقادة  الدعوة المنهج الذي تبناه الشهيد ابو ياسين في قيادة العراق لما وصل العراق لما شهدناه ونشهده اليوم وان كان السيد المالكي قد تبنى مؤخراً بعض أطروحات الشهيد عزالدين سليم السياسية بعد خسائر لا تعوض في الأرواح والسنين.

 والذي يدقق جيداً ويفهم بعمق فكر الدعوة فإنه سيعرف بأن أفكار الشهيد عزالدين السياسية في قيادة الدعوة للدولة إنما هي من فكر الدعوة الأصيل وقادته الأوائل وعلى رأسهم المفكر والقائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض).

بقي أن نذكر أن الإشكالات التي حاول الدكتور المؤمن مقاربتها في حلقاته القادمة قد طرح بعضها الدكتور سليم الحسني على شكل تساؤلات في إحدى مقالاته وقد رأيت جوابها في نشرات كتبها الشهيد عزالدين سليم وبعض قادة الدعوة في مطلع الثمانينيات، وقد كنت أظن أنني متوهم في ذلك وأحببت التأكد بنفسي فأخذت تلك التساؤلات وعرضتها على أحد من قادة الدعوة الأوائل فابتسم في وجهي وقال: "هذه التساؤلات اجبنا عليها قبل سنين طويلة في أدبياتنا".

للاطلاع:

 

حزب الدعوة وإشكاليات التأسيس والإنتشار والسلطة

 

............................

(1) ينظر، منشورات الدعوة الإسلامية، ثقافة الدعوة الإسلامية، ج4، ط1، 1409هـ، ص198ـ200.

(2) عبد الزهراء عثمان محمد "عزالدين سليم"، ملاحظات حول عمل الدعوة في إيران، (خاص بالدعاة)، ص4.

(3) عبد الزهراء عثمان محمد "عزالدين سليم"، ملاحظات حول عمل الدعوة في إيران، (خاص بالدعاة)، ص5.

(4) عبد الزهراء عثمان محمد "عزالدين سليم"، ملاحظات حول عمل الدعوة في إيران، (خاص بالدعاة)، ص 77.

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1855 الأحد 21/ 08 /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1811 المصادف: 2011-08-21 13:06:09