المثقف - قضايا وأراء

الدكتور علي المؤمن وإلاشكاليات المنهجية والتاريخية حول بحثه في تاريخ وفكر حزب الدعوة الإسلامية (3) / أزهر السهر

azhar_alsaharقال تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[النحل:43]

(بعد الهجرة خارج العراق جرت أحداث في صفوف الدعاة لم يحدث لها مثيل في تاريخ الدعوة،

وتلك الأحداث هي التي أخذت بعنق الدعوة إلى هذا المصير الذي وصلت إليه اليوم والأمل وطيد أن يضبط المنصفون من الدعاة تلك الأحداث بدقة، من أجل أن تعتبر بها الأجيال القادمة، وأن يزاح الستار عن حجم الظلم الذي أوقعه المتسلقون على مسيرة الدعوة على هذا الكيان المبارك، وعلى قطاع مخلص من الدعاة على وجه الخصوص تماماً كما يقع في تاريخ بعض الثورات، والنهضات السياسية، وهذا ما حدث مثله لبعض الدعوات الربانية بعد غياب رسلها (عليهم السلام) أو الحركات السياسية بعد غياب مؤسسيها وقادتها الأول)(1).

الشهيد عزالدين سليم

 

هذه هي الحلقة الثالثة التي وعدنا بها القراء الأعزا ء رداً وتصحيحاً على الحلقة الثالثة من مقال كتبه الدكتور علي المؤمن* تحت عنوان (من الشروق إلى السطوع ..حزب الدعوة وإشكاليات التأسيس والمؤسسين والانتشار).

سنتكلم في هذه الحلقة عن ثلاثة قضايا ذكرها الدكتور المؤمن في الحلقة الثالثة من مقاله وهي:

1ـ قضية "نشرة حول الاسم والشكل التنظيمي" وحقيقة من كتبتها.

2ـ قضية تصنيف الشخصيات القيادية التي كانت أكثر تأثيراً في مسيرة الحزب ومعيار حجمها في التنظير الفكري والفعل التنظيمي، وحقيقة ذلك.

3ـ قضية منظري الحزب بعد غياب القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض) وحقيقة إمكانية بعضهم التنظيرية.

القضية الأولى:

يقول الدكتور علي المؤمن في الحلقة الثالثة من مقاله ما نصه: (وقد جاء في إحدى نشرات الحزب الداخلية التي دونها السيد محمد باقر الصدر: "إن اسم الدعوة الإسلامية هو الاسم الطبيعي لعلمنا...).

تعجبت كثيراً وأنا اقرأ السطور أعلاه لعدم علم الدكتور المؤمن وأحاطته بحقيقة من كتب نشرات الدعوة وفكرها الأصيل وهو الذي يدعي في الحلقة الأولى من مقاله بأنه أصبح مرجعاً معلوماتياً وتحليلياً لعدد من الدراسات التي بحثت في تاريخ وفكر الدعوة إذ يقول: (وقد قدر لي بحكم إقامتي في لبنان؛ أن أكون مرجعاً معلوماتياً وتحليلياً أساسياً لعدد من أطاريح الدكتوراه والماجستير حول الحركات الإسلامية وحزب الدعوة وبعض مؤسسيه وقادته ومرحلة العراق الجديد).

ولا أعلم كيف يكون مرجعاً معلوماتياً وتحليلياً في حزب الدعوة وتغيب عنه معلومة أساسية مثل حقيقة من كتب نشرة "حول الاسم والشكل التنظيمي"، وربما يستغرب القارئ اللبيب عندما يسمع بأن باحثاً جديداً ربما لم ينتمي إلى حزب الدعوة يوماً واحداً ولا يمتلك عمراً في السنين والعمل الدعوتي والكتابة والتحليل كما يمتلكه الدكتور المؤمن يكتشف بقدرته التحليلية الجيدة بأن هذه النشرة لم تكتب بقلم المرجع الشهيد محمد باقر الصدر (رض)، بهذا الباحث الشاب أحمد عبد الله أبو زيد العاملي، يكتب في موسوعته الكبيرة الموسومة "محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق، عرض تفصيلي موثق لسيرة الشهيد الصدر من الولادة حتى الشهادة"، ما نصه: (وهناك مقال أشتهر أنه للسيد الصدر "رحمه الله" جاء فيه:"حول الاسم والشكل التنظيمي لحزب الدعوة الإسلامية...)، وبعد أن ينقل نص النشرة كاملاً يكتب في هامشها ما نصه: (ثقافة الدعوة الإسلامية 1: 13ـ 15؛ صحيفة "الجهاد"، العدد (116): 11؛ الإمام الشهيد محمد باقر الصدر.. دراسة في سيرته ومنهجه: 265 ـ 267. وقد ورد في المصدرين الأخيرين أن هذا المقال للسيد الصدر "رحمه الله"، بينما جاء في المصدر الأول ـ وهو مصدر ما تلاه ـ أن هذه النشرة صدرت بتاريخ/1394هـ، فإن كان تاريخ  الصدور متصلاً بتاريخ الكتاب فأغلب الظن أنه ليس للسيد الصدر "رحمه الله")(2)

فهل يعقل أن يعرف هذا الشاب المبدع حقيقة من كتب النشرة ولا يعرفها الدكتور المؤمن رغم عمره الطويل في الدعوة والكتابة والتحليل!!!

وأنا كما قلت في حلقة سابقة لا أستغرب من أن ينسب الدكتور المؤمن "تدوين" كما ذكر في مقاله نشرة "حول الاسم والشكل التنظيمي" للمرجع الشهيد محمد باقر الصدر (رض) لأنه كما هو الظاهر في كتاباته يأخذ المعلومة من قادة "الانقلاب الفكري" الذين لا يعلم قادتهم فضلاً عن الانزل منهم حقيقة نظرية الدعوة وفكرها وقادتها الحقيقيين. وهذه المعلومة أخذها كما أخذها غيره من الباحثين، من كتاب ثقافة الدعوة الإسلامية "طبعة جماعة الانقلاب الفكري" ولو اطلع على ثقافة الدعوة الأصلية "طبعة جماعة الشهيد عزالدين سليم" ـ وانا متأكد 100% بأنه مطلع عليها ـ لعرف الحقيقة بشكل واضح وجلي، إذ يكتب كتب جماعة الشهيد عزالدين سليم في هامش طبعتهم الأصلية في نهاية النشرة ما نصه: (مقدمة نشرة "من النظام الداخلي" صدر بتاريخ: 1394)(3).

ولكي يقف القارئ الكريم على حقيقة قصة هذه النشرة فليسمعها ممن عاش أحداث كتابتها ونقل تفاصيلها بكل ثقة وأمانة وأخلاص إذ يروي لنا الشهيد عزالدين سليم "رحمه الله" قصة هذه النشرة بقلمه قائلاً: (في هذه الفترة طرح البعض فكرة ضرورة وجود نظام داخلي للدعوة، وظل الأخوة يصرفون وقتاً طويلاً حول النظام الداخلي وأهميته ولكن لم ينبرِ أحد لوضع مسودة النظام المقترح، لأننا ابتلينا بصناعة الحكي وإنتاج الكلام، فأنبرى الشيخ الكوراني وكتب مسودة مفصلة لنظام داخلي مقترح، وذلك عام 1977م، ولما أرسلها للكويت للمناقشة والإقرار من قبل الأخوة، كانت الإشكالات التي بعضها لفظي، وبعضها فكري، وبعضها مزاجي، وأهم الإشكالات التي وقفنا طويلاً عندها هي هل نذكر في النظام الداخلي أننا حزب أو منظمة شيعية أم لا؟ وكان الشيخ الأصفي والسيد أبو عقيل وأبو ماجد من أكثر الأخوة حرصاً على ذلك، وكنت أميل أيضاً إلى ذلك مع حسن التعبير وفنية الأداء، ولكن الشهيد عبد الأمير المنصوري ما كان يرى ضرورة لذلك النص، وقد اشتد النقاش يوماً حول ذلك ونحن بصدد إقرار نظام داخلي ثابت، وقد كنا بمثابة لجنة لإقرار النظام الداخلي المذكور، الذي لا نحتاج إليه كثيراً في ذلك الزمان.. ويبدو أن [البعض] وسع هذه القضية ففتحها أمام تنظيم الكويت، للضغط على السبيتي مثلاً، أو إسقاطه عند الكويتيين ـ حسب تصوري ـ لاسيما والأخوة الكويتيون حساسون من الناحية المذهبية.. فقرر بعضهم السفر إلى الأردن للقاء السبيتي، فقال لهم: أن مسألة ذكر أهل البيت (ع) والانتماء إليهم في النظام الداخلي مسألة تخصكم إذا شعرتم بضرورة ذكر انتماء الحركة لذلك، وإذا لم تشعروا بأهمية تدوين هذا المحور، أنتم أولى بتشخيص الأولوية أو الحاجة، ويبدو أنه ساعدهم في كتابة عبارة لتثبيت هذا المحور ضمن النظام الذي توقف العمل والبحث فيه بعد ذلك مباشرةً. وقد سألت السبيتي عن هذه القضية فقال: أنتم أقدر على تشخيص أهمية ذكر انتمائكم المذهبي لأهل البيت (ع) أو عدم ذكره، وذكر أن الكويتيين مروا عليه، وذكر لهم مثل ذلك. وهكذا انتهت هذه العاصفة ولم يُقر النظام، ولم ندرسه بعد ذلك أبداً، وإنما أُقر منه فقط ما نُشر في المجلد الأول من ثقافة الدعوة باسم "من النظام الداخلي/حول الاسم والشكل التنظيمي"، ونُسب إلى الشهيد الصدر (رض) خطأ، والحقيقة هو بقلم الأستاذ السبيتي بالتعاون مع الشيخ الكوراني والسيد فضل الله حسب ما أتذكر، وهكذا كانت العملية بتصوري لإحراج السبيتي، وتسجيل النقاط عليه...)(4).

القضية الثانية:

يقول الدكتور المؤمن ما نصه: (وإذا أردنا أن نكشف من خلال معيار حجم التنظير الفكري والفعل التنظيمي؛ عن أهم الشخصيات القيادية التي كانت اكثر تأثيراً في مسيرة حزب الدعوة؛ فيمكن أن نصنفها مرحلياً على النحو التالي:

1ـ المرحلة التأسيسية وما بعدها ( 1957- 1961): السيد محمد باقر الصدر ثم عبد الصاحب دخيل ثم السيد مهدي الحكيم.

  المرحلة الثانية:  (1961-1963) عبد الصاحب دخيل ثم السيد مرتضى العسكري (بالرغم من أن العسكري كان رسميا هو مسؤول اللجنة القيادية(.

3ـ المرحلة الثالثة  (1963-1971): عبد الصاحب دخيل ثم محمد هادي السبيتي (ترك السيد مرتضى العسكري مسؤولية اللجنة القيادية عام 1963، ولكنه بقي في الحزب).

4ـ المرحلة الرابعة ( 1971- 1974 ): محمد هادي السبيتي ثم الشيخ عارف البصري ( قتل عبد الصاحب دخيل بين أواخر عام 1971 وعام 1972 في معتقلات نظام البعث العراقي، وهجر محمد هادي السبيتي العراق في عام 1971 الى لبنان(.

5ـ المرحلة الخامسة ( 1974- 1979): محمد هادي السبيتي (أعدم الشيخ عارف البصري على يد نظام البعث العراقي عام 1974، فأصبحت القيادة حينها موزعة بين لبنان والكويت).

6ـ المرحلة السادسة (1979– 1989): الشيخ محمد مهدي الآصفي ( بالرغم من أن هذه المرحلة شهدت تذويب واقع القيادات الفردية والعمل بمبدإ القيادة الجماعية المنتخبة. وفي هذه المرحلة ولأول مرة في تاريخ الحزب؛ تقيم معظم قيادات الدعوة في بلد واحد؛ هو ايران(.

7ـ المرحلة السابعة  (1989– 2002): تشتت مركزية القيادة (في هذه المرحلة أخذ نجم الشيخ محمد مهدي الآصفي يأفل بالتدريج، مقابل صعود نجم الدكتور إبراهيم الأشيقر (الجعفري) وعلي الأديب؛ فأصبح هذا الثلاثي أبرز شخصيات الدعوة حتى تجميد الآصفي نفسه في قيادة حزب الدعوة عام 1997. ثم أفرزت المرحلة اللاحقة بروز الثلاثي: الدكتورابراهيم الجعفري ثم علي الاديب ثم نوري المالكي).

8ـ المرحلة التاسعة (2002– 2007): الدكتور ابراهيم الجعفري (وهي المرة الاولى التي تجتمع فيها قيادة حزب الدعوة في بلد واحد؛ هو العراق. وفيها يتسلم ممثل حزب الدعوة والقيادي الأبرز فيه ابراهيم الجعفري منصب رئيس مجلس الحكم الانتقالي ثم نيابة رئاسة الجمهورية ثم رئاسة الوزراء(.

9ـ المرحلة العاشرة ( 2007- ... ): نوري المالكي (وهي المرة الاولى التي يتم فيها انتخاب قيادة الحزب في مؤتمر علني، ويستحدث فيه منصب الامين العام. وإثر انتخاب رئيس وزراء العراق نوري المالكي أميناً عاماً للحزب؛ انسحب ابراهيم الجعفري من الدعوة وأسس حركة مستقلة).

ويمكن التعليق على هذه التقسيم بنقاط:

1ـ إن الدكتور المؤمن (حفظه الله) يتجازو في تصنيفه السريع الكثير من الحقائق، فالمعروف أن القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض) كان عضواً أساسياً ضمن القيادة الثانية التي تشكلت بعد انسحاب المرجع الشهيد محمد باقر الصدر (رض) وكان دوره فعالاً فيه فكراً وتنظيماً، إذ أدى وجوده الفاعل في القيادة الجديدة إلى حدوث أهم انشقاق في تاريخ الدعوة الإسلامية ـ الذي أغفله أو تغافل عن ذكره الدكتور المؤمن لأسباب مجهولة ـ والذي كان إنشقاق 1981 الذي يعده الدكتور المؤمن (مرحلة الإنشقاق الأهم في تاريخ حزب الدعوة) كما ذكر في مقاله، إنما هو امتداد لذلك الانشقاق والانقلاب القديم الذي فشل فشلاً ضريعاً يومذاك وقد تم الثأر له في عام 1981 وان اختلفت المسميات، (فبعد تسليم السيد مرتضى العسكري مذكرة السيد الصدر التي أعلن فيها انسحابه من الدعوة  "قام وبالتشاور مع الكادر المتقدم في التنظيم بإعلان لجنة بغداد والكاظمية التي يشرف عليها قيادة عامة لحزب الدعوة الإسلامية" فجاءت التشكيلة القيادية على النحو التالي:

1ـ السيد مرتضى العسكري/ مشرفاً على القيادة.

2ـ المهندس محمد هادي عبد الله السبيتي/ عضواً.

3ـ الحاج عبد الصاحب حسين دخيل/ عضواً.

والملاحظ على تلك التركيبة القيادية الجديدة وهي الثانية للحزب أن نسبة علماء الدين فيها شكلت الثلث "واحد إلى ثلاثة" بعد أن كانوا يشكلون في القيادة الأولى جميع الأعضاء كما أصبح لقيادة الحزب مشرف عام وهو موقع حزبي منح للسيد العسكري بشكل ضمني وليس بالتسمية الرسمية كما هو متعارف عليه في باقي الأحزاب السياسية. ومن المتغيرات الأخرى التي طرأت على الدعوة انتقال قيادتها من النجف إلى العاصمة بغداد. وفي أول اجتماع للقيادة الجديدة تساءل المسؤول الأول للدعوة: ما العمل؟! فأجاب الحاج عبد الصاحب دخيل: "فلنتوكل على الله ونستمر, إن هذا العمل ينبغي أن لا يعتمد على الأشخاص".بعد ذلك طلبت القيادة الجديدة من الحاج محمد صالح الأديب باعتباره احد المؤسسين وكادراً متقدماً في التنظيم, نقل مذكرة السيد الصدر إلى أخوانه العاملين في الدعوة من العلماء في النجف الأشرف للاطلاع عليها فقام بتسليمها إلى الخط الثاني في تنظيم الحوزة والذي يأتي بعد أعضاء القيادة المنسحبين فتسلمها الشيخ عبد الهادي الفضلي وهو من ابرز كوادر التنظيم الحوزوي وكان مسؤوله السيد مهدي الحكيم, قد تقرر نقله إلى القيادة ليصبح العضو الرابع فيها "إلاّ انه أشترط أن يضاف معه إثنان آخران من فضلاء الحوزة ليحل العلماء الدين الثلاث محل القياديين الثلاث المنسحبين", مصراً على ضرورة ارتفاع نسبة علماء الدين في عضوية القادة لتصبح هي الغالبة كما كان هو الحال عند بدايات التأسيس, وكان يطالب أيضاً بان يكون هناك مجتهد داخل التنظيم لضمان سلامة خط سير الدعوة من الناحيتين الإيديولوجية والسياسية باعتبار أن وجود الفقيه في القيادة ـ وان لم يكن هناك موقع بهذا العنوان في التنظيم آنذاك ـ هو صمام أمان يحفظ الدعوة من الزيغ والانحراف. إلاّ أن القيادة لم توافق على شروط الشيخ الفضلي وكررت طلبها منه بان يلتحق بمفرده في عضويتها لأنها كانت ترى أن اختيار الأعضاء لأعلى هيئة قيادية في الحزب ليست من صلاحيته وإنما هو من صلاحياتها وحدها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد ألقى الخلاف بين الشيخ الفضلي والقيادة بظلاله على تنظيم الحوزة مما أدى إلى وقوع حالة البلبلة والارتباك في صفوفه أسفرت بالنتيجة عن قيام الشيخ عارف البصري ـ وكان يواصل في ذلك الحين دراسته في النجف الأشراف ـ بإصدار قرار باسم القيادة يقضي بفصل كل من الشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد عدنان البكاء والسيد طالب الرفاعي من الحزب وابلغ القرار إلى ثلاثة من كوادر الدعوة في البصرة كانوا في زيارة إلى النجف وهم كاظم يوسف التميمي والشيخ سهيل نجم والسيد طالب الخرسان وطلب منهم إيصاله إلى لجنة البصرة, وقد أدى صدور ذلك القرار الذي لم تتخذه القيادة إلى "حدوث انشقاق في الدعوة بقي نطاقه ضمن مدينتين فقط "النجف والبصرة" لكن المدينتين أصيلتان في العمل الإسلامي", وفي المقابل أصدرت المجموعة المنشقة بقيادة الشيخ الفضلي قراراً بفصل المهندس محمد هادي السبيتي والحاج محمد صالح الأديب واستمرت في عملها لمدة أكثر من عام أصدرت خلالها نشرة مركزية خاصة بها باسم "المجاهد" وبعد جهود وساطة قام السيد الصدر وشارك فيه السيد العسكري وفق الله الدعوة وتجاوزت محاولة الانشقاق وانتظم الدعاة مجدداً في مسيرة الدعوة)(5).

2ـ إن التقسمات التي ذكرها الدكتور المؤمن (حفظه الله) في النقاط من (2ـ 5) ما أنزل الله تعالى بها من سلطان بما فيها كلمة (ثم فلان) التي كررها كثيراً في تصنيفه، لأن القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض)، أستلم مقاليد قيادة الدعوة سنة 1963 بعد انسحاب السيد مرتضى العسكري (رض) حتى سنة الانقلاب على قيادته الفذة عام 1981، فقد كان هو المشرف الرئيس على فكر وتنظيم الدعوة الإسلامية وكانت القيادة جماعية والمسؤوليات موزعه حسب الأصول وهذا معروف للجميع وحتى عندما أضطر للبقاء في لبنان بعد إلقاء القبض على الشهيد الكبير عبد الصاحب دخيل (رض) ظل يقود الدعوة بكل فاعلية في داخل العراق وخارجه، (فبعد أن قرر السيد العسكري التخلي عن مسؤولياته في قيادة الدعوة كان عليه اتخاذ قرار أخر لا يقل خطورة عن سابقه وهو؛ لمن يسلم مقاليد القيادة, وكان الاختيار ينحصر في شخصيتين لكل منهما ميزاتها وتوجهاتها الخاصة وهما المهندس محمد هادي السبيتي والشيخ عبد الهادي الفضلي. ونتيجة لموازنات معينة فقد وقع اختيار السيد العسكري على السبيتي, مع أن الشيخ الفضلي كان اقرب فكرياً إليه.. وقد انسحب الشيخ الفضلي بعد ذلك من الدعوة بشكل نهائي, ومن المؤكد أن السبب في ذلك ليس لعدم ترشحه كقائد للدعوة وإنما باختلاف متبنياته الفكرية التي عبر عنها في كتابه "في انتظار الإمام" مع توجهات الدعوة في عهد قائدها الجديد محمد هادي السبيتي "أبو حسن" الذي شكل بدوره القيادة بإضافة عضو جديد إليها هو الشيخ عارف البصري وذلك على النحو التالي :

1ـ محمد هادي السبيتي:

تولى مهام الأشراف والمراقبة العامة في الحزب كما أصبح المنظر الأول للدعوة، فكان يكتب معظم مواضيع النشرة المركزية "صوت الدعوة".

2ـ الحاج عبد الصاحب دخيل (الرجل الثاني في القيادة):

أنيطت به مسؤولية الجانب التنظيمي في الحزب فكان مسؤولاً عن 70 % من  تنظيمات الدعوة في العراق، فمنذ عام 1963 تولى الحاج  دخيل الاشراف على:

ـ لجنة تنظيم بغداد، لجنة تنظيم الجامعة، اللجنة المحلية في النجف، اللجنة المحلية في كربلاء، اللجنة المحلية في البصرة، اللجنة المحلية في السماوة، اللجنة المحلية في الحلة، اللجنة المحلية في الديوانية، اللجنة المحلية في العمارة،  أشرف على طباعة النشرة المركزية "صوت الدعوة" منذ عام 1965 وكان يحرر بعض المواضيع التنظيمية فيها، أشرف على التنظيم العسكري الذي تشكل عام 1967، أشرف على لجنة مواكب الطلبة التي كانت تسيرها الدعوة كل عام بمناسبة استشهاد الإمام الحسين (ع).

3ـ الشيخ عارف البصري:

أسندت إليه مسؤولية الأشراف على لجنة تنظيم ديالى بالإضافة إلى نشاطاته العامة كوكيل للمرجعية الدينية في منطقة "الزوية" في بغداد، حيث توسعت أعماله الاجتماعية والخيرية والإرشادية على مدى بضع سنوات لتجعل منه أحد العلماء المرموقين والمؤثرين على صعيد العاصمة بأسرها.

لقد ترك تسلّم السبيتي مقاليد القيادة بصمات عميقة على حياة الحزب الداخلية، وكان تأثيره منصباً في البداية على الجانب التنظيمي حيث تحولت الدعوة في عهده إلى حزب حديدي صارم في انضباطه. أما تأثيره على الجانب الفكري فكان واسعاً وعميقاً حيث تفرّد بكتابة النشرة تقريباً، وبالتالي تمكن من رسم خط سير الدعوة وفق متبنيات فكرية وتنظيمية وسياسية لم يكن ـ بعضها على الأقل ـ موضع إجماع أو قبول من لدن آباء الدعوة المؤسسين ورموزها البارزين سواء الذين هم داخل التنظيم أم خارجه، مما أدى إلى حدوث تجاذبات داخل الهيئات القيادية لحزب، طرفها من جانب أبو حسن السبيتي والذي يعتبر أول شخصية قيادية من خارج الحوزة تصل إلى قمة الهرم القيادي للدعوة منذ تأسيسها، وطرفها الثاني علماء الدعوة تحفّ بهم مجموعة صغيرة من الكادر المتقدم من خارج الحوزة. ومما زاد في توسيع الفجوة بين الجانبين تأكيد السبيتي على أن العمل السياسي والحزبي يحتاج إلى اختصاص، وان الحوزويين رغم تضلعهم بعلوم الشريعة فقهاً وأصولاً وتفسيراً وغيرها، لا يملكون هذا التخصص، وكان يعكس رأيه الذي لم يحد عنه خلال النقاشات التي تدور مع كبار علماء الدعوة الذين حمّلوا السبيتي بدورهم مسؤولية إهمال الدعوة لفكر أهل البيت في نشراتها باعتباره منظّر الحزب وقائده. ومن الجدير بالذكر أن الطابع الإسلامي العام كان هو سمة الدعوة منذ نشأتها بدليل أن كل أدبياتها لا تشير إلى أي نفس طائفي، إلاّ أن السبيتي أراد تعميق هذا المفهوم على طريقة "إسلام بلا مذاهب" وهذا ما جعل من يختلفون معه في الرأي يعزون ذلك إلى تأثره بتجاربه الحزبية السابقة في حركة "الأخوان المسلمين" ومن بعدها في حزب التحرير الإسلامي الذي وصل إلى قيادته في ولاية العراق "باصطلاحهم الحزبي". غير أن الدعوة تنفي أن تكون "متأثرة بحزب كذا أو تيار كذا لأن الواقع الفكري والعملي المشاهد لكل ذي بصيرة وهمة في العمل الإسلامي يؤكد خلاف ذلك"، وهي تؤكد في الوقت نفسه على أن "مسيرة الدعوة متميزة عن مسيرة الأحزاب الأخرى إسلامية كانت أم غير إسلامية". لقد أستطاع السبيتي رغم كل ما يقال عن توجهاته أن يمسك التنظيم بقبضة من حديد مع أنه لم يكن على تماس مباشر مع الدعاة وذلك بفضل هيمنته المطلقة على القيادة، فقد كان الشيخ عارف البصري "يذوب في شخصه". أما الرجل الثاني في الحزب الحاج عبد الصاحب دخيل، فكان المترجم الأمين لأفكاره على الصعيد العملي)(6).

3ـ يقول الدكتور المؤمن (حفظه الله) في النقطة السادسة من تصيفه: (بالرغم من أن هذه المرحلة شهدت تذويب واقع القيادات الفردية والعمل بمبدإ القيادة الجماعية المنتخبة). وهذه العبارة التقطها الدكتور المؤمن من البيئة التي عاش فيها مع قادة الانقلاب وهي كلمة حق يراد بها باطل أستطاعوا من خلالها تضليل الكثير من الدعاة واقناعهم بمشروعه الانقلابي، فلم تكن القيادة فردية بل كانت جماعية بكل معنى  الكلمة ويشارك فيها جميع الكادر المتقدم في الدعوة بل وحتى غير المتقدم وهذا معروف وثابت تاريخياً إذ (تنتهج الدعوة طريقة في العمل تحقق حالة القيادة الجماعية بحيث يكون لكل داعية فاعل حصة في قيادة مسيرة الدعوة. فهي لم تتبن الطريقة المركزية الصارمة، ولا الطريقة اللامركزية السائبة، وإنما انتهجت منهجاً بين الطريقتين.. فهي في طريقة تكون القيادة العامة وفي طريقة تكون المسؤولية عند الداعية، وفي طريقة تشكيل اللجان، وطريقة عمل الداعية، وفي التبني المركزي انتهجت طريقة تحقق هذا النوع من القيادة. فالداعية يكتب للدعوة وقد تنعكس كتابته في النشرة المركزية. والداعية يجرب بعض الطرق والأساليب في العمل وقد تعم تجربته ان كانت رائدة ناجحة، والداعية يقترح المشاريع والأفكار والنظريات وقد تؤخذ مركزياً، والداعية يتحرك ويفعل في وسط الأمة وفي وسط الدعاة وقد تخلق حركته واقعاً جديداً تجعل الدعوة كلها أو بعضها في حالة جديدة، والداعية ينمو وتتسع مسؤوليته ويتدرج في المواقع القيادية تلقائياً، وقد يصل بسرعة إلى مواقع قيادية عالية، والمركز يستشير ويتدارس مع الدعاة بالقدر المطلوب، ويوجه ويتبنى مركزياً وتخذ المواقف العامة ويصدر التوجيهات والتعليمات والأفكار والمفاهيم ويحاسب عليها، ويعالج الأخطاء والمشكلات والعقبات، والأمور المهمة الخطيرة تكون مركزية). كما (تتميز الدعوة بمبدأ "قيادة الفكرة" فإن الفكرة في الدعوة هي التي توجه من الأعلى، وهي التي تؤثر على المركز، والفكرة هي التي توجه الحلقة أو اللجنة أو الداعية. والفكرة أقوى فعلاً وتأثيراً ودوراً من الشخص ومن عنوانه)،(ومن أهم ميزات وجود الدعوة جماعية العمل، أي أن أجهزة الدعوة تعمل في اتجاه واحد، ولا يمكن أن يكون ذلك بلا دقة في النظام، والدقة في النظام هي انسجام قواعد الدعوة مع قيادتها في الطاعة والمشورة في التبليغ والتنفيذ، وإلاّ فإن الدعوة تتحول إلى أعمال فردية لا يمكن أن تغير من الأوضاع أدناها)(7)، كما (تعتقد الدعوة أن المركزية التي تتبناها في عملها نسبية غير ثابتة تأخذ بها في البداية وتتخلى عنها بالتدريج، وتعتمد في ذلك على تعمق الفهم الإسلامي واستيعاب الفكر السياسي واتساع أفق الالتزام بخط الدعوة العملي لدى المجاهدين، وكلما توغل الدعاة في التلبس بهذه الأمور والانشغال بالعمل الإسلامي انطلقوا في عملهم دون الرجوع إلى قيادتهم في الأمور التي اتضحت لهم، ويرجعون غليها في الأمور التي تحتاج إلى توضيح. إن المركزية التي تعيق انطلاقة الداعية وتشغيل طاقاته تشغيلاً كاملاً ضمن خط الدعوة ليست من الدعوة في شيء، لأنها تفقد الدعوة صفة الامتداد والتوسعة المستمرة التي يريدها الله لها، وتفقدها صفة الحركة والحزب بمعناها الإسلامي، وهي بالتالي من تأثيرات الركود والتخلف والوهم والخطأ والفردية التي ليست من الإسلام في شيء. كما أن التخلي عن المركزية اللازمة التي تجعل علمنا جماعياً، وأجواء أساليبنا واحدة، وأهدافنا العليا والمرحلية واحدة. ليست من الدعوة في شيء، لأنها تفقد الدعوة صفة الجماعة والمسيرة المنسجمة كالنهر الجاري الذي تصب فيه السواقي وتتفرع منه الفروع. وفي أعمال الدعوة كلها يقوم المسؤول بتوجيه الداعية ويطلق طاقاته في العمل ويسدده ويزوده بالمفاهيم ويعلمه كيف يتلافى الأخطاء ويستوعب الحالات والظروف المستجدة عليه، وهدفه في ذلك أن يغني مسيرة الدعوة ويربي قادة في الأمة)(8).

ولا أعرف أين تحققت القيادة الجماعية التي يتكلم عنها الدكتور المؤمن في قيادة الشيخ محمد مهدي الأصفي (دام ظله) والسيد كاظم الحائري (دام ظله) التي تم حذف مجلسها الفقهي من القيادة بعد مدة وجيزة؟!

4ـ لقد غفل الدكتور المؤمن (حفظه الله) أن يذكر بأنه لم يكن في قيادة الدعوة الانقلابية فعل تنظيمي حقيقي كما لم يكن لها فعل فكري حقيقي وينبغي على الدكتور المؤمن أن يشير بوضوح إلى أن القيادة تسمى عادة بأشخاص بعينهم مثل (الشيخ الأصفي، والدكتور الجعفري، والسيد المالكي، والسيد علي الأديب) ولكن في الحقيقية كل هؤلاء ليس لهم فعل فكري بل كان الفعل الفكري للسيد هاشم ناصر الموسوي (أبو عقيل)(حفظه الله) الذي ينبغي أن يذكر أسمه في واجهة القيادة.

5ـ لقد تجاهل الدكتور المؤمن (حفظه الله)  ذكر خط الشهيد السبيتي (رض) ودوره الفاعل في الأحداث واحتوائه على أهم منظري الدعوة كالسيد الشهيد عبد الأمير علي خان (رض) والشهيد عزالدين سليم (رحمه الله)، ودورهم التنظري الذي لم يتوقف، وفاعليتهم السياسية التي كان أشهرها تمثيل الشهيد عزالدين سليم لحزب الدعوة الإسلامية في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن بعد أن قاطعته كل فروع الدعوة، كما طرحوا مشروعاً مرحلياً لقيادة البلاد قبل الإطاحة بالنظام البعثي، فضلاً عن مشاريعم الفاعلة في زمن المعارضة العراقية.

6ـ لقد تجاهل الدكتور المؤمن (حفظه الله) أن يذكر بأن الدعوة الإسلامية أصيبت بانتكاسه فكرية كبيرة بعد انشقاق خط  الشهيد السبيتي (رض) لأنها فقدت أهم منظري الدعوة وكاتبي مشاريعها، فقد أصيبت الدعوة بقلة النتاج الفكري وسطحيته، و(غياب المشروع السياسي المتبنى لدى الحزب، وتخبط الدعاة في هذه القضية، بينما كانت "الدعوة" سباقة في المشاريع السياسية حيث قدمت مشروعها السياسي عام 1979م، من خلال "بيان التفاهم" ، الذي كان موجهاً لكل عراقي شريف بغض النظر عن انتمائه، هذا وقد تبع ذلك غياب للخطاب السياسي المناسب أيضاً)(9). يقول الدكتور علي المؤمن واصفاً بيان التفاهم الذي كتبه الشهيد السبيتي (رض) بقوله: (وعلى الصعيد التنظيري، يعتبر بيان التفاهم الصادر أوائل عام 1981 عن حزب الدعوة الإسلامية إلى الأمة في العراق.. الانجاز الفكري الأكثر شمولاً وأهمية، حيث عبّر عن رأي الحركة الإسلامية في جميع خطوط الوحدة التي يمكن أن تلتقي عندها المعارضة العراقية، فضلاً عن الفصائل الإسلامية. لقد طرحت الدعوة الإسلامية، في بيانها معظم ما في جعبتها، وتوجهت فيه إلى جميع العراقيين..سنة وشيعة، عرباً وأكراداً وتركماناً وأعراقاً أخرى، المنتظمين في مختلف الأحزاب والمنظمات السياسية والنقابية، أهل الكتاب من نصارى وكلدان وآثوريين وأرمن وأقليات أخرى. وأكد على وحدة الكلمة وتكافؤ الفرص للجميع ونبذ الفرقة المذهبية والعنصرية وكل ما يتصل بالتعصب الذميم في جميع المحاولات. ودعا العراقيين إلى العمل الجاد والتعاون المثمر والحياة الفاضلة. وطرح نقاطاً عامة تشكل محاور للتفاهم المشترك بين جماهير الأمة والمجموعات السياسية التي تهدف للإطاحة بالنظام الحاكم في العراق. كما دعا أيضاً جميع الفصائل والاتجاهات الإسلامية العراقية لتركيز الصراع السياسي مع عملاء الاستعمار والحكام في العراق، وعدم تشتيت الجهود في الخلافات الهامشية. تصدر الاشارة الإشارة إلى أن اليبان هو خطوط مفتوحة لألتقاء أبناء الأمة في العراق، وليس ميثاقاً لجبهة مقترحة أو برنامجاً سياسياً لتحالف أو أتحاد...[لقد] وصفة صحيفة اللوموند (الفرنسية) [بيان التفاهم] بأنه "مفاجأة")(10) إلا أن الدكتور المؤمن لم يذكر في كتابه من هو كاتب هذه المفاجئة؟ وماذا توقفت بعدها الدعوة من أنتاج مفاجآت جديدة؟

 

القضية الثالثة:

يقول الدكتور المؤمن في مقاله: (ولابد أن نشير هنا إلى أن مرحلة الإنشقاق الأهم في تاريخ حزب الدعوة عام 1981؛ عزلت محمد هادي السبيتي والشيخ علي الكوراني عن القيادة؛ واللذين كانا من أبرز المنظرين لفكر حزب الدعوة، وأفرزت السيد هاشم الموسوي كأهم منظر لفكر الحزب؛ إذ بقي في موقعه هذا حتى عام 1999، وهو عام الإنشقاق الكبير الثاني في الحزب؛ والذي تأسس إثره حزب الدعوة ـ تنظيم العراق؛ وانتخب السيد هاشم الموسوي فيما بعد أميناً عاماً له).

ولا أعرف ماذا يقصد الدكتور المؤمن من عبارته "كأهم منظر لفكر الحزب" فهل يقصد بها منظر كمي أم كيفي؟ صحيح أن السيد هاشم الموسوي (ابو عقيل) (حفظه الله) يمتلك قدرة عالية في كتابة البحوث الإسلامية وما منشور منها يشهد بذلك، ولكنه ـ وهذه الحقيقية لا يعلم بها أغلب الدعاة ـ بأنه (حفظه الله) لم يوفق لكتابة البحوث الدعوية الفكرية، لا كماً ولا كيفاً، لقد برز دور السيد أبو عقيل كمنظر للدعوة (بعد اعتقال محمد هادي السبيتي من قبل الحكومة الأردنية، [حيث] فَقَدَ الحزب الكاتب الرئيس لنشرته المركزية "صوت الدعوة"، وكان لا بد من التعويض عن الخسارة الفادحة التي سببها غياب السبيتي (رض). [فقد] كان حادث اعتقال السبيتي قد حدث في ظرف غاية في الحرج، حيث كانت الدعوة تعيش أجواء أول انشقاق كبير عام 1980، وقد اتصلت القيادة بالسبيتي للمجئ إلى إيران، من أجل المساهمة في إخراج الحزب من أزمة الانشقاق نظراً لكونه أقوى شخصية في القيادة العامة، وله تأثيره على الدعاة والقياديين. فقد خطط السبيتي أن يلبي هذه الرغبة بعد زيارة يقوم بها إلى فرنسا ثم يعود إلى الأردن حيث يرتب أمور هجرته إلى إيران، لكن السلطات الأردنية اعتقلته فور عودته، وفشلت كل الوساطات في إطلاق سراحه. أصبح الانشقاق أمراَ واقعاً في الجسم الدعوتي، وأعلن الشهيد عز الدين سليم تشكيله "الدعوة الإسلامية".. بدأ حزب الدعوة بعد انتخاب القيادة الجديدة، تشكيل لجانه التخصصية التي تتولى مهامه في مختلف المجالات، وكان السيد هاشم الموسوي (أبو عقيل) أحد أعضاء اللجنة الفكرية، بل العضو الأكثر بروزاً فيها. ساهم الأستاذ هاشم الموسوي بشكل كبير في كتابة النشرة رقم [30] وقد تلقاها الدعاة باهتمام كبير، باعتبارها أول نشرة تصدر بعد انتخاب القيادة، وفي ظرف دقيق من مسيرة الحزب. ثم تلتها نشرات أخرى كانت تتباعد زمنياً، فبعد أن كانت تقاس بالأشهر صارت تقاس بالسنوات، ووصلت الفاصلة إلى أكثر من خمس سنوات، وهي فاصلة لم يشهدها تأريخ الحزب أيام كان يعيش مرحلته الأولى في العراق، حيث الملاحقة والمطاردة والإرهاب البعثي. بقيت النشرة رقم [30] محطة فاصلة في أدبيات حزب الدعوة، إذ بدا أن الحزب يتجه في أدبياته اتجاهاً جديداً، يبتعد فيه عن الأسس الأولى التي انطلق من خلالها، فقد دخلت مفاهيم جديدة، بتأثير الجو المهيمن الذي يعيشه في إيران. كما أن هذه النشرة وما تلاها كانت أحد الحواجز الكبيرة في فشل محاولات التوحد بين شقي الدعوة، إذ أعتبر جناح الشهيد عز الدين سليم، أن من شروط التوحد، هو عدم الاعتراف بأن هذه النشرة وما تلاها ضمن أدبيات الحزب. وقد طلب المرحوم عز الدين سليم في أحد جولات المفاوضات الطويلة، مراجعة النشرة [30] وما تلاها، وإجراء تعديلات عليها كشرط من الشروط، وتم تفويض الأستاذ هاشم الموسوي من قبل القيادة، للتفاهم حول التعديلات، لكن هذا المشروع لم يتحقق، وبقيت الأمور على جمودها. ومع أن الأستاذ الموسوي لم يكن وحده الذي يكتب نشرة الحزب المركزية إلا أنه كان يتحمل القسم الأكبر منها، وهذا ما جعله في مواجهة النقد والاعتراض في الكثير من الأحيان، فقد كان الدعاة وربما لا يزال قسم منهم، يتصور بأن السيد أبو عقيل هو كاتب النشرات الوحيد. بعد مرور كل هذه السنوات الطويلة، وما شهدته من متغيرات، تصبح النشرات مادة للدراسة والتأمل والمراجعة، وبالتالي يبدو وكأن السيد هاشم الموسوي هو الذي يقف في مواجهة ذلك كله، مع أنه لم يكتب إلا بعد مداولات مطولة داخل اللجنة الفكرية، وهي عملية مملة بطيئة، يخضع لها كل فصل من فصول النشرة قبل إصداره. تعرضت نشرات الحزب لنقد من قبل قسم من الدعاة، لاسيما أولئك الذين عايشوا النشرات السابقة، وقارنوا بينها وبين ما كتب في مرحلة الهجرة.  لقد تراجعت المفاهيم الحركية التي كانت بمثابة قواعد عمل، لها قوة القانون المفاهيمي، وحلت محلها الوصايا والتعليمات العامة وأحياناً المواعظ الأخلاقية. كما تراجعت النظرة الشمولية للسياسة الإقليمية والدولية، وبدأت تقترب من التحليل السياسي المتحرك، في حين أن هذه ليست مهمة نشرة مركزية للحزب، وإنما تتولاه مجلة الحزب وجريدته. عندما نقارن مثلاً بين نشرة قديمة بعنوان "الحزب اليهودي"(11)[بقلم الشهيد محمد هادي السبيتي (رض)] وبين نشرة صدرت في إيران بعنوان " الخارطة السياسية للبنان والتركيبة الطائفية "(12) نلاحظ الفرق الهائل بين النشرتين، فالأولى لا تزال حية إلى الآن، لأنها انطلقت من رؤية معمقة للوجود اليهودي في فلسطين، في حين جاءت الثانية لتستعرض بطريقة مسحية الأحزاب الموجودة في لبنان، وهو ما يمكن للداعية أن يقرأه في أية مجلة لبنانية [ولا نعرف لماذا عمد السيد هاشم الموسوي "أبو عقيل" إلى كتابة نشرة تخص لبنان بهذه الركة، وتوجد هناك نشرة رصينة لم تنتهي صلاحيتها بعد في ثقافة الدعوة الإسلامية، الجزء الثالث، ص365، تحت بعنوان "الوضع السياسي في لبنان" كتبها القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض)، والفرق واضح جداً بين النشرتين. وعندما نقارن بين نشرة قديمة بعنوان "نحن وما حولنا"(13) وبين فصل في النشرة رقم (33) ، نلاحظ الفرق الكبير بين طريقة معالجة الأحداث، فالأولى استندت على استعراض لمكونات النظام الدولي، في حين أن الثانية تعاملت مع الحرب العراقية ـ الإيرانية كحدث إقليمي أخضعته للتحليل السياسي المتغير فرجحت قرب انتهاء الحرب، وحين يعود الدعاة بعد سنوات يرون أن الحرب لا تزال مشتعلة على الحدود، بينما حين يعودون إلى النشرة القديمة يرون أن مفاهيمها السياسية باقية كما هي. مثل هذه الملاحظات كانت توجه إلى الأستاذ هاشم الموسوي، وكان عليه أن يدافع ويوضح، مع أنه لا يتحمل المسؤولية لوحده، فهناك من يشترك معه)(14).

والأمرالأخر المهم الذي لا يعلم به أغلب الدعاة انه توجد طبعتين باسم "ثقافة الدعوة الإسلامية" طبعة جماعة الشهيد عزالدين سليم التي تحتوي أدبيات الدعوة الإسلامية التي كتبها قادتها الأوائل دون إضافة أي فكر جديد عليها، وهناك طبعة جماعة الشيخ الأصفي التي احتوت على بعض النشرات القديمة التي لا تمس التوجه الانقلابي الجديد ومضاف إليها النشرات التي كُتب أغلبها بقلم السيد هاشم ناصر الموسوي (أبو عقيل) فهناك ثقافة أصلية وأخرى مشوهه هجينة، والمؤلم في الأمر أن أغلب الباحثين في فكر الدعوة كالدكتور المؤمن والباحث عادل رؤوف وغيرهم يستندون على الثقافة المشوهه في بحوثهم وهذا ما يجعهلم يقعون في مطبات بحثية كبيرة. لأن هناك فرقاً كبيراً جداً بين الثقافتين لمن قارن بينهما ولولا الأطالة لأستعرضنا كل تلك الفروقات. وقد حذر الشهيد عزالدين سليم من هذا التلاعب في فكر الدعوة إذ قال: (أيها الأخوة لا تسمحوا في الوقت الحاضر بأية محاولة لإعادة كتابة فكر الدعوة بأي درجة من درجات التصرف، وقولوا لمن يريد أن يطبع ثقافة الدعوة عليه أن يطبعها كما هي ـ كما صدرت في حينها ـ دون أي تعديل أو تبديل، وأفضل طريقة نراها أن تنشر أعداد صوت الدعوة كما صدرت في وقتها وتجمع في مجلدات ولا ضرر كبير من التعليق في الهامش من قبل الدعاة القادرين على التعليق شريطة أن يقتصر التعليق على التنبيه بأن الموضوع صدر بتاريخ سابق وبظروف غير ظروفنا الحالية وان المقصود من كذا كذا إن كان الأمر يتطلب مثل هذا التعليق)(15).

والغريب العجيب في الأمر أن السيد هاشم الموسوي صرح قبل مدة في قناة المسار الفضائية قبل إنقسامها الى "المسار" و"المسار الأولى"  بأنه كتب 90% من ثقافة الدعوة الإسلامية. علماً أن أغلب مواضيع ثقافة الدعوة الإسلامية "طبعة جماعة الشهيد عزالدين سليم"  كُتبت بقلم القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (قده) فقد كتب حوالي (1289) صفحة من مجموع صفحات الأجزاء الأربعة البالغة (1870) أي أنه كتب ما يقارب 69% منها، كما أن جماعة الشيخ الأصفي تخيروا من كتابات القائد الشهيد السبيتي التي نُشرت في "طبعة جماعة الشهيد عزالدين سليم" ما يقارب (624) صفحة من مجموع صفحات أجزاء ثقافتهم الأربعة البالغ تعدادها (1524) صفحة، أي أن نسبة كتابات القائد الشهيد السبيتي تعادل ما يقارب 41% منها.

تكفي بهذا القدر لأن في هذا الموضوع كلام كثير وخطير سنتطرق إليه في مناسبة قريبة ويمكن للدعاة الكرام التأكد من كل تلك الأحداث للوقوف عليها ومعرفة حقيقة التلاعب الذي حصل في تاريخ وفكر تنظيمهم العريق.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشهيد عزالدن سليم، صفحات مطوية من تاريخ الدعوة،(محدود التداول).

(2) أحمد عبد الله أبو زيد العاملي، محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق، عرض تفصيلي موثق لسيرة الشهيد الصدر من الولادة حتى الشهادة، ج1، الطبعة الثالثة 1429هـ ـ 2008م، مؤسسة العارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.ص388ـ390.

(3) منشورات حزب الدعوة الإسلامية، ثقافة الدعوة الإسلامية، ج1، ط2، 1401هـ، ،ص15. [طبعة جماعة الشهيد عزالدين سليم].

(4) الشهيد عزالدين سليم، صفحات من أيامي (مخطوط)، ص96ـ97.

(5) ينظر، ينظر، صلاح الخرسان، حزب الدعوة الإسلامية وثائق وحقائق فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40عاماً،المؤسسة العربية للدراسات والبحوث الإستراتيجية،الطبعة الأولى،1419هـ ـ1999م، ص120ـ122.

(6) ينظر،صلاح الخرسان، حزب الدعوة الإسلامية وثائق وحقائق فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40عاماً،المؤسسة العربية للدراسات والبحوث الإستراتيجية،الطبعة الأولى،1419هـ ـ1999م، ص135ـ 138.

(7) ينظر، منشورات حزب الدعوة الإسلامية، ثقافة الدعوة الإسلامية، ج1، ط2، 1401هـ، ص122.[طبعة جماعة الشهيد عزالدين سليم].

(8) ينظر، منشورات الدعوة الإسلامية، ثقافة الدعوة الإسلامية، ج4، ط1، 1409هـ، ص188ـ189.[طبعة جماعة الشهيد عزالدين سليم].

(9) الشهيد عزالدن سليم، صفحات مطوية من تاريخ الدعوة، (محدود التداول).

(10) ينظر، علي المؤمن، سنوات الجمر، مسيرة الحركة الإسلامية في العراق 1957ـ 1968، ط1، 1993، دار المسيرة ـ لندن ص257ـ 258، وص294.

(11) نشرة الحزب اليهودي، منشورة في ثقافة الدعوة الإسلامية،ج2،ط1، ص495ـ527، وهي جزء من موضوع كبير كتبه القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض) تحت عنوان (نحن وما حولنا) المنشور في ثقافة الدعوة الإسلامية، ج2، ط1، ص449ـ554.

(12) حزب الدعوة الإسلامية، ثقافة الدعوة الإسلامية، القسم السياسي [2]، ط1، 1405م ـ1984هـ، ص497ـ519.طبعة [جماعة الشيخ الأصفي].

(13) "نحن وما حولنا" بحث كبير كتبه القائد الشهيد محمد هادي السبيتي (رض)، ونشر كاملاً في ثقافة الدعوة الإسلامية، ج2، ط1، 1401هـ، ص449ـ554، ويحتوي هذا البحث على ثلاثة اقسام، أو ثلاثة دوائر كما قسمها كاتبها، صدر القسم الأول منه " الدائرة الأولى" بتاريخ ربيع الثاني 1388، وصدر القسم الثاني "الدائرة الثانية" بتاريخ محرم 1389، وصدر القسم الثالث "من بحوث الدائرة الثالثة" بتاريخ ذي الحجة 1389.

(14) ينظر، د. سليم الحسني، رجال عرفتهم/ السيد هاشم الموسوي، موقع صحيفة المثقف الالكترونية على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنت). http://almothaqaf.com.

(15) الشهيد عزالدين سليم، ملاحظات حول عمل الدعوة في إيران، (خاص بالدعاة)، ص5.

 

للاطلاع

 

من الشروق الى السطوع .. حزب الدعوة وإشكاليات التأسيس والإنتشار والسلطة / علـي المؤمـن

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1879 الاربعاء 14/ 09 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1835 المصادف: 2011-09-14 01:11:44