المثقف - قضايا وأراء

النقد الادبي: رد الحداثة على من شتمها / أسعد البصري

asaad_albasriالأستاذ الشاعر يحيى السماوي

الأساتذة المبدعين في صحيفة المثقف

لم أستطع المشاركة في هذا الجدل لوعكة صحية قاسية،

فقد شربت الكثير من العرق الرخيص في حياتي، الأمر الذي أتلف كبدي وأسناني، وأحياناً تلتهب كبدي كموقد نار فترتفع حرارتي ولا أنام إلا على ظهري. لكن وقد تحسن الحال فلا بأس بدلو يتدلى في بئر علمكم.

سئل الإمام عليّ: هل يُعقل أن يجتمع الزبير وطلحة وأم المؤمنين على باطل؟. فقال: (لا يُعرف الحق بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق. إعرف الحق، تعرفْ أهله). وفي هذا يقول طه حسين: إنه لا يعرف جواباً أعظم من هذا في نفي العصمة عن أي إنسان مهما كان.

أتفهم موقف الأستاذ السماوي الإيجابي في هذه المقالة المهمة. لكني بكل تأكيد لست معه في الحذر الشديد من ذكر الهنات التي يعرفها أكثر مني. وربما هذا راجع الى الإحتقان الذي حدث بسبب القصيدة ومقال الأستاذ سلام. فرغم ملاحظات الإمام على الخليفة الراشد عثمان، لكن حين احتقن الموقف واشتعلت الفتنة أرسل الحسن والحسين لحراسته. الأمر ليس بهذا السوء

من حق الدكتور الفيفي أن يكتب قصيدة رديئة ولا ضير أبداً

كما من حق الأستاذ سلام أن يكتب مقالاً رديئاً ولا ضير أيضاً

فالأستاذ السماوي يعلم أنه رغم انحياز الجرجاني الواضح للمتنبي لكنه في كتاب (أسرار البلاغة) لم يقبل منه قوله

 

ولذا اسم أغطية العيون جفونها

من أنها عمل السيوف عواملُ

 

وقال إن هذا  تشبيهاً ضعيفاً وليس من البلاغة في شيء.

كما يعلم الأستاذ السماوي أن كل من الجاحظ وطه حسين أعجب ب خطبة زياد بن أبيه في مسجد الكوفة، واعترفا بجمالها وبلاغتها، لكنهما أقرا بقبح معناها. لأنها تدعو إلى الظلم والله لا يحب الظالمين.

الدكتور الفيفي في لحظة إحباط كتب قصيدة عصماء في الشعر وهجا الحداثة. وصفها بأبشع النعوت وقال إنها لم تأت ببيت واحد لنرويه. هكذا تخيل الدكتور نفسه أبو الطيب وأن الشعر هو أخت سيف الدولة وعليه أن يرثيه كما رثى المتنبي (خولة). المرح يبلغ ذروته بحيث في الوقت الذي يظن الدكتور نفسه هاجياً ومحيطاً بالحداثة. كانت الحداثة تفسره وتحيط به من خلال قصيدته. أليست الحداثة تقول بأن (الإتباع) والإسترجاع غلب الإبداع والإبتكار عند المتأخرين؟. أنظروا إلى الفيفي يقول

 

رَمَــــــــــــــــى الجَزِيْرَةَ حَتَّى لم يَدَعْ شَرَفًـــــا،

  رِيْحًــــــــــــــــا ورَعْدًا وبَرْقًــــــــــــــــا حاقِدَ الفِيْهِ

حَتَّى إِذا لَم يَدَعْ لِيْ وَبْلُـــــــــــــــهُ أَمَــــــــــــــــلاً

 في مُسْتَكَــــــــــــــــنٍّ وراحَ اللَّيْلُ يَمْرِيْـــــــــــــــهِ

 

أليس هذا (إتباع) وتكرار لقول المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة

 

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ = فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ

حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً = شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي

~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

كل هذا يعرفه الأستاذ السماوي وأكثر، وربما يشاركني ملاحظاتي على المضمون وسذاجته. لكنه آثر أن يكون مقلّاً لعثرات الكرام.

الأمر الآخر الذي هو في غاية الأهمية، قرار الأستاذ سلام حجب التعليقات عن مقالته النقدية، ورفع بعضها وبتر البعض الآخر. كما حدث مع الأستاذ القدير جعفر المزهر. فكيف أنفق وقتاً في كتابة تعليق يرفع أو يُبتر أو يُحجب؟.

ثم أن الأستاذ السماوي لم يذكر أية ملاحظة على مقالة الأستاذ سلام الفظيعة. فهو يقول في قصيدة الفيفي ما لم يقله مالك في الخمرة

(سأكون جاحدا وسأغالط نفسي إن جازفت بالتقليل من شأن هذا النص الشعري الهائل التراكيب العميق الصور الممتليء بالشحن الشعري وبالشجن. الواثق من جزالته وبلاغته وبديعه. في جناسه وطباقه وانزياحاته وإحالاته.. هو نص شعري كامل متكامل. يفسر نفسه ويسمو بنفسه فلا يحتاج إلى تطويب ناقد ولا تمجيد مريد. هو العلي العالي الممسك بناصية الفخامة والجزالة والاصالة.. الجامع بين أرومة التليد. وحداثة الجديد.. في طريفه عمق وجمال ورقة وصفاء. وفي تليده الحسب والنسب والانتماء والقوة والعصبية والنبل والإباء. والتعالي. والشمم.. إن قلت ان النص وصاحبه ينتميان الى قبيلة شم الانوف من الطراز الاول)

هل هذا نقد حقاً؟. والله إن الأستاذ سلام لم يُبق شيئاً في هذه المبالغة العجيبة الغريبة.

المضحك أن الدكتور الفيفي رد بمقالة على مقالة الأستاذ سلام يقول فيها (الشعر- كما أراه على الأقل- إحساسٌ وليس بتفكيرٍ ممنهج، ولَمْحٌ، ولا يقبل الشرح والتفصيل.  وما أشار إليه الأستاذ سلام- حفظه الله- من جوانب معرفيّة وثقافية قد تناولته في العديد من مقالاتي وبحوثي وكتبي.  وأجدني أتفق مع الكاتب في معظم ما ذهب إليه.)

حقاً يبلغ المرح  أقصاه في هذا التعليق. فهو يتفق مع الإطراء. لكن يقول إن قصيدته نوع من الوله والكشف والإلهام وليست كلاماً عقلياً ممنهجاً.  وأين هذا الإلهام يا صاحبي في صناعة وتصنع واضحين للعيان.

أتفهم الأستاذ الشاعر السماوي في موقف شهم حقاً. لكن، لا يضر بالدكتور الفيفي قصيدة غير موفقة. كما لا يضر بالأستاذ سلام مقال نقدي طائش. هذا يحدث لنا جميعاً.

بودي لو أسهب وأفصل، لكن هذا ما تسمح به صحتي، وقد كتبت حرصاً مني على الصحيفة والقراء. لا بد أن يقرأوا رد الحداثة على من شتمها

 

 

للاطلاع

 

طائر الشعر .. خط الدفاع الأخير! .. من وحي رائعة الشاعر ا. د. عبد الله الفيفي

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1956 الاربعاء 30 / 11 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1912 المصادف: 2011-11-30 14:53:58