المثقف - قضايا وأراء

قوقص .. أم قوقصان .!!؟ .. قراءة في رواية (القوقص) / كريم كطافة

karim ghtaffaمن غرائب سفاحي ومجرمي التاريخ أنهم مستعدون لاستعمال أية كناية لتوصيف فعل (قتل) غير المفردة الصريحة الدالة عليه.

لا أدري إن كان الأمر يخص خجلاً من نوع ما أم هو الخوف من هذا الفعل  وهم يستشعرونه دائراً عليهم لا محالة..!! أذكر فلماً أميركياً كان يدور حول المافيا؛ أن زعيم المافيا حين يريد قتل أحدهم يقول لاتباعه (نظفوا لي بدلة فلان..!!). وها هو (صدام حسين) في هذه الرواية كان يؤشر على قوائم ضحاياه بـ (قوقصوهم...) والقوقصة هنا تخص القتل زائداً الدفن في مقبرة جماعية سرية.

من هذه الكودة الإجرامية نحت الكاتب (جاسم المطير) مفردة (قوقص) وجعلها عنواناً لروايته الجديدة الصادرة عن (دار ينابيع) في دمشق. وهو على أية حال ابتكار شديد الأصالة له امتدادات صلبة في موروث أمة لطالما تبجح مؤرخوها ووعاظ سلاطينها بتقنية الخازوق وقطع الرؤوس وسمل العيون وسلخ الجلد ووضع الضحية في جلد حمار ثم شيّه على مهل.. وغيرها الكثير مما جادت به مخيلة الأسلاف الغنية.

كالمأساة تبدأ بفكرة مجنونة لتصل إلى ركام. فكرة تلبست مغامراً من أمة مستباحة من الداخل ومن الخارج تبحث لها عن بطل منقذ ليسترجع لها أمجاداً وثأرات تاريخية التبس أمرها في ذاكرتها... تدرع  مغامرنا لمهمته المنتدب لها، بما استاطع جمعه من ألقاب تاريخية وقرآنية بعد استحواذه على ثروة بلد كان لها أن تجعله الأعلى كعباً في الأرض.. هكذا بدأت فجيعة العراق المعاصرة وهي لم تنته بعد.

إذن، (القوقص) هو مقبرة جماعية. جعل منه الروائي عالماً مترامي الأطراف على أمتداد خارطة الدفن الجماعي مضفياً عليه التنوع كذلك.. ثمة قوقص صحراوي وآخر نهري وثالث بحري (في إشارة إلى ضحايا الباخرة التي غرقت قرب شواطيء استراليا وكانت تحمل لاجئين عراقيين هربوا من قواقص بلدهم). لهذا على السائر على أرض العراق أن يحاذر الوطأ فتحت قدميه (قوقص).

خلص (لوكاتش) في (الرواية التاريخية)، بميل البشر إلى تقصي وقائع تاريخهم لا من نصوص المؤرخين بل من نصوص الروائيين.. وكأنهم لا يريدون التعرف على الماضي بكتلته الخارجية المعطاة بشكل نهائي مرة وإلى الأبد، كما جرت العادة على تقديمه عبر نصوص المؤرخين، بل التعرف على مكونات تلك الكتلة وهي تعود متحللة عبر الفن إلى عناصرها الأولية الصغيرة والدقيقة، وهذه المهمة لا يلاحقها سوى الروائي.

هكذا لاحق الروائي (المطير) مكونات عالم القوقص. وقدم لنا عالماً مفترضاً تسوده الحرية المفتوحة.. إذ لا موت بعد الموت.. حرية لم يحصل عليها الضحايا في حياتهم، أخذتهم إلى حد مجادلة ومعاتبة ولوم الإله وملائكته وعلى رأسهم (عزرائيل). أشك أن من يخوض في هذا الموضوع أن لا يدخل منطقة التجديف بالعقائد والايديولوجيات وبالإله والأديان والملائكة... لهذا ليس صدفة أن تكون معظم حوارات رواية (القوقص) دارت بين الضحايا والملائكة ومن وراءهم الإله الخالق المفترض والمتحكم بكل شيء... كانوا في معظمهم مؤمنين باليوم الآخر وجنان هذا اليوم المعدة للشهداء والمظلومين المقتولين غيلة. استنطقهم النص وجعلهم يرمون بأسئلتهم الشائكة ذات اليمين وذات الشمال... ألسنا مظلومين... ألسنا مغدورين... ألسنا شهداء.. أليس من حقنا نعيم الآخرة بعد أن حُرمنا من نعيم الحياة.. هل ذنبنا أننا دفنا بلا أكفان ولم يصلى علينا لنحرم من نعيم الآخرة وننتظر فقط يوم القيامة.. ما هذه الفوضى يا ملك الموت... ألست المكلف بقبض الأرواح.. لماذا جعلتهم ينوبون عنك... ألا ترى أن نواميس الخالق قد خرقت.. لقد صودرت وظيفتك أيها الملاك وصارت بيد من يحكم.. لم تعد أنت ولا إلهك من ورائك من يقرر قبض روح هذا أو ذاك... ليبدو الملاك أمام الضحايا بين أمرين أحلاهما مر؛ إن قال كل هذا جرى ويجري بإراة الإله لمنح المجرم شرفاً لا يستحقه؛ وأي شرف من أن يكون يد الله في الأرض لا لوم عليه ولا هم يحزنون.. وإن أنكر مسؤوليته يكون قد اعترف بمصادرة وظيفته... إذن هي نواميس الكون وقد تخلخلت على أرضنا.

لكن يبقى الأكثر إيلاماً هو القوقص الآخر الأوسع والأكثر التباساً (قوقص الأحياء- الأموات). إذ منذ بداية السرد وحتى نهايته سارت الرواية متنقلة بين قوقصين... واحد تحت الأرض وهو موضوع الرواية المركزي وشخصياته هم أبطالها والثاني فوقها يخص حيوات الضحايا قبل القتل وحيوات الجلادين على أختلاف طبقاتهم من الأسفل إلى الأعلى. وهذه حقيقة تعرّف عليها بالأخص المهاجرون الذين نجوا من جحيم العراق لسنين طويلة ومن ثم عادوا بعد احتلاله الثاني (الأجنبي)... لقد اكتشفوا بعين المتغرب العائد إلى أرضه حقيقة الخراب الذي حل بأرضهم وبأهلهم... وجدوا أن ملايين من الكائنات الحية تمارس حياتها في الشوارع وفي البيوت وهي متلبسة بهوية الميت – الحي... كائنات مستلبة فكرياً وروحياً تبحث هنا وهناك عن من يصدر لها الأوامر... عن من يدلها على ماذا تفعل... الأمر الذي سهل لاحقاً ظهور امراء حرب وامراء فتوى وامراء خراب وفساد ومن كل الأصناف ليكملوا ما بدأه مغامر (القوقص) الأول.لهذا السبب كان خط السرد العام في الرواية خطاً أفقياً يسير بشكل متموج بين القوقصين.. فوق وتحت.

كانت رغبة الروائي التوثيقية واضحة في هذا النص. إذ جاء على  ذكر أسماء صريحة، من مثل (صدام حسين) والبعث، عواد البندر، وبعض أسماء مسؤولين أمنيين آخرين وشعراء... وأحداث معروفة بزمانها ومكانها مثل احتلال الكويت والحرب التي اعقبته وملابساتها.. وأجد هنا أن بمجرد ذكر هذه العلامات الواضحة بأسمائها وتواريخها سيدخل الرواية في دائرة الوثيقة ويفرض بالتالي على الروائي استخدام أدوات وآليات هذه الدائرة وهي معروفة تعتمد على القيد وليس الخيال الذي اعتمده الكاتب منذ البداية مع سكان القوقص... بما يعني انتقال النص من عالم الفن إلى عالم التأرخة. الأمر الذي سيدخله مرغماً إلى دائرة الجدل بين أدوات الوثيقة وأدوات الرواية. وهذا إشكال عويص، من آثاره الجانبية الدخول في فخ اللغة. تبقى لغة الوثيقة والتاريخ غير لغة الرواية. والمنفذ الوحيد الذي سينجي الرواية من هذا الفخ هو فقط حين تكون في الرواية مستويات لغوية متعددة، تكون إحداها لغة الوثيقة... لكن هذا ما  لم أعثر عليه في رواية (القوقص). كانت لغتها هي نفسها تقريباً من البداية إلى النهاية، لغة الكاتب (جاسم المطير) المعروف بلغته الجميلة والمعبرة ذات الأبعاد الفكرية والفلسفية والصوفية أحياناً.. لم يخلق مسافة واضحة بينه وبين شخوصه على مستوى اللغة. كان الجميع يتكلمون بلسانه وبلغته هو رغم أن الشخوص كانوا متنوعي البيئات والثقافات ومتنوعي اللكنات بالضرورة.. لغة صدام حسين، لغة عواد البندر، لغة عالم الكيمياء المعدوم، لغة العراف أو الذي أراد أن يكون عرافاً، لغة الأرمني الذي اغتصبوا بنته، لغة المرأة العجوز الباحثة عن ولدها... وغيرها الكثير. هذه وتلك كلها لكنات مختلفة كان عليها أن تحيا في النص باختلافها، بخصوصياتها، بتفردها واحدة عن الأخرى، لكنها تظل منشدة لا محالة ومتناغمة مع لغة المايسترو الأول (لغة الكاتب). أقول هذا لأني لا أرى في الرواية إلا سمفونية سردية، تتنوع فيها بالضرورة الآلات والنغمات لكنها المنضبطة عبر لغة المايسترو... أو لأقل هكذا أتمنى أن تكون الرواية.

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2031 الاربعاء 15 / 02 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1989 المصادف: 2012-02-15 00:01:21