المثقف - قضايا وأراء

عن إعادة تحوير أمخاج النساء..!! / كريم كطافة

karim ghtaffaفي زمن ما من الماضي البعيد، ثمة حدث قد تجاهله المؤرخون بشكل عجيب على أهميته.

الحدث الذي كان مع غيره من الأحداث وربما كان على رأسها، هو الذي عمل على إنجاح الحدث التاريخي اللاحق والذي شخص في ذاكرة بشر الأرض بـ(يوم احتلت النساء مكة)..!! ما كان للنساء أن تحتل ذلك البيت المقدس والانطلاق منه إلى أنحاء الصحراء مبشرات بدين جديد، لولا انتصارهن المبين في الحدث الذي ساستعرض تفاصيله الآن.

لكن قبل هذا، على القارئة والقارئ أن يتحملاني قليلاً ويعذراني إذ أحيلهما إلى حوادث قديمة جداً ومسميات قديمة، قد يجدون عسراً في فهم آلياتها وكوامنها الداخلية. كانت على أية حال هي الإرهاصات والمقدمات للحدث الذي أريد التحدث عنه. كانت النساء في كل المنطقة المحيطة بالصحراء المحيطة بالبيت المقدس، قد جرى تحويرهن وبالتدريج إلى كائنات بلا ملامح. كائنات على هيئة أكياس سوداء سائرة على قدمين. أكياس بأحجام وهيئات مختلفة، منها الطويل ومنها القصير ومنها المدور، منها الصغير جداً (الأطفال) الذي كان بمستطاعهم ركنه مع غيره من ذات الحجم في صندوق السيارة الخلفي دون أن يأخذ مساحة تذكر (السيارة اختراع قديم كان منتشراً وقتذاك) ومنها من لا يكفيه صندوق السيارة كله. لقد سعى القائمون على صناعة تلك الأكياس على جعلها تخفي تقاسيم وأعضاء المحتوى بشكل كامل. معلوم أن للنساء كما لكل كائن حي ثمة تقاسيم وتقاطيع جسدية، ما يميز امرأة عن أخرى أو جنس النساء عن جنس الرجال، الرأس، الخصر، الأرداف، النهود..إلخ هذه الأعضاء ستكون ظاهرة حتى مع الكيس، خصوصاً وأن الأكياس كانت في البدء من القماش، الذي لا يستطيع إلا أن يبرز المحتوى أكثر مما يخفيه. الأمر الذي دفع خبراء المودة الصحراوية آنذاك إلى قدح المخيلة والتفنن في صناعة أكياس تكون قادرة على إخفاء أي معلم من معالم جسد المرأة. حتى توصلوا إلى تلك التقنية المتناسقة التي تجعل الكيس أما مستقيماً بدون انحناءات وزوائد أو مدوراً لا يبوح بشيء من مضمونه. كذلك وجدوا حلاً لمعضلة الشباك الصغير، إذ كان في أعلى الكيس شباكاً للتنفس تبرز منه عيون المرأة كذلك. إذ وجد أولئك الخبراء في العيون كل البلاوي التي هربوا منها من إثارة ونداء وحوار ومفاوضات واتفاقات وغيرها الكثير من الحديث الصامت بين عين وأخرى.. لذلك سعوا إلى ردمها بإيجاد قماش تكون شفافيته من طرف واحد، الكائن خلفه يراك لكنك لا ترى منه شيئاً.

لكن من الإنصاف للحقيقة، أن تلك البلاوي وغيرها الكثير، لم يكن الذنب فيها ذنب الرجال فقط، رغم أنهم كانوا المبادرين والداعين، إنما نساء تلك البلاد كذلك ساهمن في تفشي وانتشار تلك التقنية الصحراوية. الجميع كانوا رجالاً ونساءً يستندون على نصوص ووصايا وتعاليم شكلت مع بعضها ديناً متكاملاً له نبي وأوصياء. دين جديد صادر دينهم القديم وبنى على أنقاضه قبابه ومحرماته وتعاليمه. وكان ذلك هو الدين الصحراوي، الدين الذي يدرسه تلامذتنا الآن مع غيره من الأديان في مدارسنا كتاريخ قديم.

 

كانت من أبرز القضايا العويصة التي عالجها الدين الصحراوي قضيتين؛ اعتبرهما على رأس أولوياته أو هي كل أولوياته، راكناً الفقر والأمراض والأوبئة والحروب والتصحر إلى مزبلة الإهمال. القضية الأولى هي شيطنة جنس النساء باعتبار المرأة أما مطية للشيطان توقع الرجل بمفاتنها وتحرمه بالتالي من صلاحه وعبادته أو هي الشيطان ذاته. بالتالي على حماة الدين إقصاءها قدر الإمكان بعيداً عن شؤون وشجون الرجل المستهدف بشيطنتها. وكانت تلك التقنية المشار إليها أعلاه كفيلة بتحجيم شيطنة هذا الجنس والتخفيف من عواقبه. أما القضية الثانية فكانت تتعلق بالزمن. لم يعد للزمن وفق تعاليم ذلك الدين، أبعاده المعروفة، ماضي وحاضر ومستقبل، إنما هو ماضي فقط. ماضي يعيد إنتاج نفسه بنفسه على يد سدنة ووكلاء وأمراء وحماة. وما على أولياء الأمر إلا أن يستخلصوا العبر والدروس من خلال تلك الدورة المغلقة للزمن. لذلك لم يكن عندهم قديم وحديث. على أية حال، كانت لأتباع الدين الصحراوي تعاليم وعلوم خاصة، من نتائجها أو تجلياتها، أن حدثت عندهم كوارث وأزمات كبيرة، على رأسها تصحر غير المتصحر من أراضيهم وإنعدام إمكانية الزراعة لأي منتوج زائداً حروب طويلة قتل فيها الكثير من الرجال. كانت حروبهم بين الرجال بالطبع. كذلك أمراض وأوبئة كانوا يعالجونها بأدعية ونصوص يجدونها في كتبهم القديمة مصحوبة بتوسلات إلى السماء. وكان الملمح الأبرز في سلوك ذلك الدين هو التقسيم الخاص للبشر بين (نحن وهم) وكان الـ(هم) كل ما هو ليس على دينهم. إذ ألصقوا بالـ(هم) كل الموبقات والأوصاف الكريهة بدءاً من النجاسة وصولاً إلى الكفر. ولم يكتفوا بذلك، بل شنوا حروباً على الـ(هم) بدعوى كفرهم ومحاولة جرّهم إلى الطريق القويم. أرادوها حرباً لإبادة كل كفرة الأرض، لكنها وبسبب أسلحة الـ(هم) تحولت إلى حروب لإبادة الـ(نحن).. كانت بمثابة حروب انتحار.

 

كثرة حروب الانتحار الخارجية والأوبئة والحروب الداخلية بين أمرائهم وشيوخهم بسبب خلافات تفسيرية لهذا النص أو ذاك من نصوصهم القديمة، قد أحدث فائضاً مخيفاً في عدد النساء.. وقيل وقتها أن النسبة اقتربت من سبعة إلى ثلاثة لصالح النساء. هذا يعني أن هناك أربعة نساء كن على الدوام يبحثن عن شركاء حياة دونما جدوى.

أذكر كل هذا كتوطئة لاستعراض أهمية الحدث الذي أنا بصدده. الحدث المنسي في أرشيفنا الأرضي على أهميته الحاسمة. كان ردم ذلك الشباك قد شكّل الحد الفاصل بين تاريخ وتاريخ (ما قبل الشباك.. وما بعده) أو كما كانوا يقولون آنذاك كان القشة التي قصمت ظهر البعير؛ بعير الدين والأعراف والدساتير والقوانين التي أبتدعها الرجال لأنفسهم. لأنها تسبب بإثارة ما بعدها إثارة لنساء الـ(هم).. إذ ملئت النساء شوارع وساحات المدن الرافلة بحريتهن ولسان حالهن يصرخ بـ(لقد بلغ السيل الزبى..!!!).. وقد ترافقت تلك الاحتجاجات التي امتدت أياماً وليال فيما يشبه الثورة العارمة، ترافقت مع خبر صغير كاد يمر لصغره دون انتباه أحد له، إنما ذكاء ونباهة إحدى النساء من نساء الـ(هم) جعلت من ذلك الخبر مفتاحاً للحدث الذي نحن بصدده.. كان الخبر يقول؛ أن باحثاً من خارج بلاد الكيس الأسود، قد توصل إلى إمكانية السيطرة على أمخاخ الذباب الإناث وجعلها تتصرف كالذكور، ذلك بإدخال تعديلات جينية على ما مقداره ألفي خلية من الخلايا العصبية في المخ، تلك التي تتحكم في السلوك الجنسي للذبابة. وكما هو معروف في سلوك الذباب؛ أن على الذكر العمل بكل جدية لإقناع الإنثى بقبول تودده إليها وهذا يتم بإصدار أصوات خاصة، تكون بمثابة أغنية غزلية قد ترغبها الإنثى المطلوبة وبالتالي تسلِّم قيادها للذكر المختار وقد لا ترغبها وتتركه بلطف باحثة عن أغنية أخرى، لكنها في كل الأحوال لا تقول له (الله يطيّح حظك ما عندك أخت... !! رغم أن المسكين كان يبحث عن حبيبة لا أخت).

ما علينا، كان ذلك الاكتشاف هو الشرارة التي تلقفتها تلك المرأة النبهة، إذ عملت سريعاً على إقناع جمعيتها النسوية وكانت من الجمعيات الغنية، أن تتبنى تمويل المشروع البحثي، منطلقة من سؤال يقول؛ طالما هناك إمكانية السيطرة على مخ ذبابة، لماذا لا يمكن السيطرة على مخ البشر..؟ ومن هذا السؤال انطلقت أبحاث جديدة ظلت تعمل بشكل سري كان مقصوداً بها بلاد الكيس الأسود، لفتح المغلق من الأمخاخ وانتشال النساء على وجه الخصوص من سلبيتهن المزمنة وانقيادهن المرضي لسطوة الرجال حتى وهم يثنون ويثلثون ويربعون عليهن وهنَّ صاغرات.. لذلك تكرست الأبحاث الأولية على البدء بمخ المرأة. حتى تمخضت الجهود على صنع عقار وُضع في حبة صغيرة كرأس الذبابة، يعمل على تحوير مخ المرأة، بما يجعلها أشد ميلاً للتدخل في شؤون وشجون الرجال. ثم عملت تلك الجمعية على تجريد حملة عالمية من الترويج للعقار ومن ثم تسهيل أمر وصوله إلى بلاد الكيس الأسود.  وما هي إلا بضعة سنين حتى بدأ العمل يأتي ثماره.. إذ أخذ وبالتدريج يتناقص عدد الأكياس السوداء السائرة على قدمين، وبالتلازم مع تفشي ملامح السلوك الذكوري في المتحررات من تلك الأكياس.. وبما أن النسبة كما قلت كانت تميل بشكل حاسم عددياً لصالح النساء.. الأمر الذي أوجد اتحادات وجمعيات ومنظمات سرية وعلنية عابرة للحدود كلها تقودها نساء وتعمل على تجريد الرجال تدريجياً من ميزة القيادة والسيطرة.. حتى تبلورت ملامح دين جديد كانت له نبية وليس نبي.. دين الإنثى لأول مرة في التاريخ.. حتى توصلنَّ أخيراً إلى ذلك اليوم المشهود الذي خرجت فيه النساء من كل بلاد الكيس الأسود سافرات حاسرات هادرات باتجاه ذلك البيت العتيد تحت شعار (الشعب يريد إسقاط النظام...!!!!!) وكنَّ هنَّ جل الشعب.

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2060 الخميس 15 / 03 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2018 المصادف: 2012-03-15 05:32:14